المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأجوبة المرضية عن الأسئلة الأدبية


أبو محمد الألفى
18-10-04, 03:20 PM
الحمد لله نسترفده العون للبيان والإفادة . والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على فاتح أبواب السعادة . وبعد ..
طالعت هذه الأسئلة المذكورة بعد ، فى منتديات ..... ، لطالبةٍ بقسم الأدب بجامعة الإمارات ، ورأيت من الفائدة نقلها هاهنا لشدة حاجة الطالبة لهذه الأجوبة كما يبدو فى أسئلتها ، تقول :
(( أرجو بيان مدى صحة هذه الأحاديث والأثار ، لأن بعض الأساتذة في مادة النقد الأدبي عندما سئلوا عن صحتها ، قالوا : هذه الأحاديث لا يؤخذ منها حكم شرعي ، وكأنه يرى أنه لا بأس بروايتها ، بل ويستدل بها على أن النقد كان معروفـا في صدر الإسلام . فأما الأحاديث النبوية المسندة إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(1) قصة رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع النابغة الجعدي ، حيث قال له بعد أبيات قالها : (( أجدت ، لا فضَّ الله فاك )) .
(2) قصة كعب بن زهير وقصيدة (( بانت سعاد )) ، وفيها أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له : (( ليس من سيوف الهند ، ولكن من سيوف الله )) .
(3) حديث (( إنما الشعر كلام من كلام العرب جزل ، تتكلم به في بواديها ، وتسل به الضغائن من بنيها )) .
(4) حديث (( إنما الشعر كلام مؤلف ، فما وافق الحق منه فهو حسن ، وإن لم يوافق الحق فلا خير فيه )) .
ثم ذكرت جملة من الآثار ، أكثرها عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ثم تساءلت :
هل يجوز القول عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه ناقد ؟
هل هذه الأحاديث والآثار واردة ، وإن كانت ـ كلها أو بعضها ـ غير ثابت ؛ فهل يجوز الاستدلال بها على موضوع النقد؟ )) .
طالعت هذه الأسئلة المذكورة ، فوجدتها كلها مما ذخرت به كتب الأدب والشعر العربى ، كالأغانى والأمالى وجمهرة الأشعار وعيون الأخبار وخزانة الأدب ونحوها ، وأكثرها ، إن لم يكن كلها واردة فى كتب الحديث المسندة ، ويمكن النظر فبها ، ومعرفة تخريجاتها .
وقد أسعفتكِ أيتها الطالبة بالجواب عن درجة الأحاديث الواردة بالسؤال ، وبيان ما فى الآثار المذكورة عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما فى رواية الشعر وسماعه ، وتناشد ابن عباس لدواوين شعراء الجاهلية .
ونظراً لطول الجواب ، سأذكره فى مقالات عدة ، مع الاجتزاء بالمطلوبات المهمات ما أمكننى ذلك ، وبالله التوفيق :
[ أولاً ] حديث النابغة الجعدى
أخرجه أبو الشيخ بن حيَّان (( طبقات المحدثين بأصبهان ))(1/274) قال : حدثنا أحمد بن إسحاق الجوهري حدثنا إسماعيل بن عبد الله السكرى حدثنا يعلى بن الأشدق قال سمعت نابغة بنى جعدة يقول : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنشدته :
بلغنا السَّمَاءَ مجدُنا وثراؤنا ... وإنا لنرجو فوقَ ذلكَ مَظْهَرَا
فقال : إلى أين المظهر يا أبا ليلى ؟ ، فقلت : إلى الجنة ، فقال : أجل إن شاء الله .
ولا خيرَ في جَهْلٍ إذا لم يكنْ لَهُ ... حليمٌ إذا ما أَوْرَدَ الأمرَ أَصْدَرَا
فقال صلى الله عليه وسلم : (( لا يفضضْ اللهُ فَاكَ )) ، قال : فلقد رأيته ، وقد أتى عليه مائة سنة ونيف ، وما سقط له سنٌ .
وأخرجه كذلك أبو الفرج الأصبهانى فى (( الأغانى ))(5/12) قال : حدثنا أحمد بن عمر بن موسى القطان المعروف بابن زنجوية حدثنا إسماعيل بن عبد الله السكري حدثنا يعلى بن الأشدق العقيلي قال حدثني نابغة بني جعدة قال : أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر ، فأعجب به :
بلغنا السَّمَاءَ مجدُنا وجُدُودُنَا ... وإنا لَنَبْغِي فوقَ ذلكَ مَظْهَرَا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فأين المظهر يا أبا ليلى ؟ ، فقلت : الجنَّة ، فقال : قل إن شاء الله ، فقلت : إن شاء الله .
ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم يكنْ لَهُ ... بَوَادرُ تحمي صَـفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا
ولا خيرَ في جَهْلٍ إذا لم يكنْ لَهُ ... حليمٌ إذا ما أَوْرَدَ الأمرَ أَصْدَرَا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أجدت ، لا يفضض الله فاك )) ، قال : فلقد رأيته ، وقد أتت عليه مائة سنة أو نحوها ، وما انفضَّ من فيه سنٌ .
وأخرجه أبو الشيخ بن حيَّان (( طبقات المحدثين بأصبهان ))(1/276) عن أبى العباس البزار ، وابن الأثير (( أسد الغابة فى معرفة الصحابة ))(5/3) من طريق البغوى ، كلاهما عن داود بن رشيد عن يعلى بن الأشدق به نحوه .
وأخرجه ابن الأثير (5/3) من طريق أيوب بن محمد الوزان ثنا يعلى بن الأشدق به وسمَّى النابغه (( قيس بن سعد بن عدى بن عبد الله بن جعدة )) .
وأخرجه ابن عساكر (( تاريخ دمشق ))(50/132) من طريق تمام الرازى أنبأنا الحسن بن حبيب حدثنا أحمد بن كعب بن خريم حدثني أبي حدثنا يعلى بن بشر الخفاجي عن نابغة بني جعدة قال : أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا عن يمينه :
نحلي بأرطال اللجين سيوفَنَا ... ونعلو بها يوم الهياج السنورا
عَلَونَا العِبـَادَ عِفَّةً وتَكَرُّمَا ... وَإِنَا لَنَرْجُو فَوقَ ذلكَ مَظْهَرَا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى أين لا أم لك ؟ ، قال : إلى الجنة ...... وذكر الحديث بنحوه .
وقال أبو القاسم بن عساكر : (( كذا وقع في هذه الرواية ، والصواب يعلى بن الأشدق ، وقد وقع لي عاليا على الصواب من طرق )) .
قال أبو محمد الألفى : وهذا إسناد واهٍ بمرة ، آفته يعلى بن الأشدق أعرابى معمِّر ادَّعى رؤية جماعة من الصحابة لم يروى عنهم أحد غيره : عبد الله بن جراد ورقاد بن ربيعة وجرى بن كليب والنابغة الجعدى وغيرهم ، لا يحل كتابة حديثه إلا للتحذير منها ، والكذب بيِّن على رواياته ، فقد روى عن عبد الله بن جراد نسخة كلها أباطيل ومناكير .
ومن مناكير رواياته عن عبد الله بن جراد مرفوعاً (( إذا ابتغيتم المعروف فابتغوه في حسان الوجوه ، فو الله لا يلج النار إلا بخيل ، ولا يلج الجنة شحيح ، إن السخاء شجرة في الجنة تسمى السخاء ، وإن الشح شجرة في النار تسمى الشح )) .
قال البخارى فى (( التاريخ الصغير ))(2/179/2218) : (( يعلى بن الأشدق لا يكتب حديثه )) .
وقال ابن أبى حاتم (( الجرح والتعديل ))(9/303) : (( يعلى بن الأشدق العقيلى . روى عن : عبد الله بن جراد ، ونابغة بنى جعدة . روى عنه : الوليد بن عبد الملك بن مسرح ، وعمرو بن قسيط ، وداود بن رشيد ، ومحمد بن سفيان بن وردان الكوفى . وسمعت أبى يقول : قال أبو مسهر : قدم يعلى بن الأشدق دمشق ، وكان أعرابيا فحدث عن عبد الله بن جراد سبعة أحاديث ، فقلنا : لعله حق ، ثم جعله عشرة ، ثم جعله عشرين ، ثم جعله أربعين ، فكان هو ذا يزيد ، وكان سائلا يسأل الناس . وسألت أبى عنه فقال : ليس بشيء ضعيف الحديث . وسئل أبو زرعة عنه فقال : هو عندي لا يصدق ليس بشيء قدم الرقة ، فقال : رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له عبد الله بن جراد فأعطوه على ذلك ، فوضع أربعين حديثا ، وعبد الله بن جراد لا يعرف )) اهـ .
وقال ابن حبان (( المجروحين ))(3/141) : (( كان شيخا كبيرا ، اجتمع عليه من لا دين له ، فدفعوا له شبيهاً بمائتي حديث نسخة عن عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأعطوه إياها ، فجعل يحدث بها وهو لا يدري ! . لا يحل الرواية عنه بحال )) اهـ بتصرف .
وللحديث طرق أخرى كلها ضعاف ، وفيما ذكرناه غنية ، ولعل الطريق المذكورة آنفاً هى أصلها .
[ إيضاح وتنبيه ] مع القول ببطلان الحديث المذكور ، لا يُستبعد ثبوت الصحبة للنابغة الجعدى . ولهذا ذكره فى الصحابة : أبو الشيخ بن حيان فيمن نزل أصبهان من الصحابة فى (( طبقان المحدثين بأصبهان )) ، وابن عبد البر النمرى فى (( الاستيعاب )) ، وابن الأثير فى (( أسد الغابة فى معرفة الصحابة )) ، وابن حجر فى (( الإصابة فى معرفة الصحابة )) .
اختلف فى اسمه ، وفى سياق نسبه ، فقال ابن عبد البر : حيَّان أو حبان بن قيس بن عبد الله بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أبو ليلى الجعدى الشاعر المعروف بالنابغة ، وقيل غير ذلك .
وإنما قيل له النابغة ، لأنه قال الشعر في الجاهلية ، ثم أقام مدة نحو ثلاثين سنة لا يقول الشعر ، ثم نبغ فيه بعد فقاله ، فسُمِّي النابغة ، وكان شاعرا مخضرماً أدرك الجاهلية والإسلام ، وعمَّر فى الإسلام طويلاً ، وهو عندهم أسنُّ من النابغة الذبياني وأكبر .
وقصيدته الرائية من روائع الشعر وأحسنه ، ومما يُستجاد وينتقى ، ومنها :
أتيتُ رسـولَ الله إذ جاءَ بالهدى ... ويتـلو كتـاباً كالمجـرة نَيِّرَا
وجاهدتُ حتى ما أحسُّ ومن معي ... سهيلاً إذا ما لاح ثُمَّتَ غوَّرَا
أقيم على التقوى وأرضى بفعلِها ... وكنتُ من النَّار المخوفة أَوْجَرَا
والكلام عليه مستفيض طويل فى أمهات كتب الأدب ، وله ديوان شعر متداول .
[ تنبيه ثانٍ ] لعلَّ معترضاً يقول : ما الحاجة إلى العزو لأبى الفرج الأصبهانى ، مع العلم بأنه ليس بثقة ولا مأمون ؟ ، فنقول : رعايةً لحق السائلة بالتنويه إلى ما بين يديها من كتب الأدب المسندة ، ومنها (( كتاب الأغانى )) ، ولا يخفى على طلاب علم الحديث تشيعه وإفراطه فى التشيع ، فإن لم يكن أخواننا بهذه المثابة من المعرفة به ، فقد تم التنويه إجمالاً ، وربما فصلنا بيان حاله ، إذا كان التخريج من جهته على وجه التفرد ، وعدم المشاركة مع غيره ممن هو أوثق منه وأعلى .
****** ****** ******
[ ثانياً ] حديث كعب بن زهير المزنى
وله طرق كثيرة ، لعلَّ أشهرها خمس طرق ، استوعب أكثرها الحاكم فى (( مستدركه )) :
[ الأولى ] الحجاج بن ذى الرقيبة عن أبيه عن جده ، وهى أوفاها سياقاً .
أخرجها ابن أبى عاصم (( الآحاد والمثانى ))(5/168) ، والحاكم (3/579) واللفظ له ، وأبو نعيم (( معرفة الصحابة ))(5/2378) ، والبيهقى (( السنن الكبرى ))(10/243) و (( دلائل النبوة ))(5/207) ، وأبو الفرج الأصبهانى (( الأغانى ))(17/91) جميعا من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني عن أبيه عن جده قال : خرج كعب وبجير ابنا زهير ، حتى أتيا أبرق العزَّاف ، فقال بجير لكعب : أثبت في هذا المكان ، حتى آتي هذا الرجل يعني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأسمع ما يقول ، فثبت كعب وخرج بجير ، فجاء رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فعرض عليه الإسلام فأسلم ، فبلغ ذلك كعباً ، فقال :
ألا أبـلغا عني بُجَيرَاً رِسَـالةً ... على أي شيء ويبَ غيرُك دَلَكَا
على خُلُقٍ لم تلفِ أمَّاً ولا أبـاً ... عليه ولم تدركْ عليه أخـاً لَكَا
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكأسٍ رَوِيَّـةٍ ... وانهلكَ المأمـونَ منها وَعَلـَّكَا
فلما بلغت الأبيات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهدر دمه ، فقال : من لقي كعباً فليقتله ، فكتب بذلك بجير إلى أخيه ، يذكر له أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أهدر دمه ، ويقول له : النجا ، وما أراك تفلت ! ، ثم كتب إليه بعد ذلك : اعلم أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك ، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل ، فأسلم كعبٌ ، وقال القصيدة التي يمدح فيها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم دخل المسجد ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه مكان المائدة من القوم ، متحلقون معه حلقة دون حلقة ، يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم ، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم ، قال كعب : فأنخت راحلتي بباب المسجد ، فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة ، فتخطيت حتى جلست إليه ، فأسلمت ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، الأمان يا رسول الله ، قال : ومن أنت ؟ ، قلت : أنا كعب بن زهير ، قال : أنت الذي تقول ، ثم التفت إلى أبي بكر ، فقال : كيف قال يا أبا بكر ؟ ، فأنشده أبو بكر رضي الله عنه :
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكأسٍ رويَّةٍ ... وانهلكَ المأمـورَ منها وعلَّكَا
قال : يا رسول الله ما قلت هكذا ! ، قال : وكيف قلت ؟ ، قال : إنما قلت :
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكأسٍ رويَّةٍ ... وانهلكَ المأمـونَ منها وعلَّكَا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مأمون والله ، ثم أنشده القصيدة كلَّها ، حتى أتى على آخرها ، واملأها علىَّ الحجاج بن ذي الرقيبة حتى أتى على آخرها ، وهي هذه القصيدة :
بانت سـعادُ فقلبي اليوم متـبولُ ... متيـم أثـرها لم يفـد مكبـولُ
وما ســعادُ غداةَ الْبَيْنِ إذ ظَعَنُوا ... إلا أغنُّ غضيض الطرف مكحولُ
تجلوا عوارض ذي ظُلَمٍ إذا ابتسمتْ ... كأنها مِنْــهَلٌ بالكأس مَعْلُـولُ
شُجَّتْ بذى شيمٍ مِنْ مِـاءِ مَحْنِيةٍ ... مِنْ مَاءِ أَبْطَحَ أَضْحَى وَهُو مًشْمُولُ
تنفي الريـاحُ القـذى عنه وافرطه ... مِنْ صـوبِ غَاديةٍ بِيـضٌ يَعَالِيلُ
فذكر القصيدة ، ومنها :
تسعى الوشـاةُ جَنَابـيها وقيـلُهُمُ ... إنَّك يا ابنَ أبي سلمى لَمَقْتـُولُ
خـلوا الطريقَ يديـها لا أبـا لَكُمُ ... فكلَّــمَا قدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ
كلُّ ابنِ أنثى وإنْ طَالَـتْ سَلامتـُه ... يوماً على آلة حَدْبَاءَ مَحْـُمولُ
أنبئـتْ أنَّ رســولَ اللهِ أوعـدني ... والعفو عندَ رَسُـولِ اللهِ مَأمُولُ
فقـدْ أتيتُ رَسـُـولَ اللهِ مُعْتَـذِرَاً ... والعذر عندَ رسـول الله مقبولُ
مهلاً رسـولَ الذي أعْـطَاكَ نافـلةَ ... القرآنِ فيـها مَواعِيظٌ وتَفْصِيلُ
لا تأخـذنِّي بأقـوالِ الوشـاةِ ولم ... أجـرمْ ولـو كَثُرَتْ عني الأقاويلُ
ومنها :
إنَّ الرسـولَ لنـورٌ يُستضاءُ بِـهِ ... وصارمٌ من سـُيوفِ الله مَسْلُولُ
في فتيةٍ من قُريشٍ قـالَ قائلُـهُمْ ... ببطنِ مَكَّةَ لما أسـلموا زُولُـوا
قال أبو محمد : وهذا إسناد رجاله مجاهيل كلهم خلا إبراهيم بن المنذر الحزامى شيخ البخارى . وعبد الرحمن ، وذو الرقيبة ، والحجاج ثلاثتهم غير معروفين ، ولا يدرى ما حالهم !! . وقد لا يعرفوا بغير هذا الإسناد ، وهذه الرواية الواحدة . ولا أعلم لكعب بن زهير ابناً يُسمَّى عبد الرحمن ، وإنما ولداه : عقبة ، والعوام ، وكلاهما شاعر ليس له رواية فى الحديث .
[ الثانية ] على بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير ، هكذا مرسلاً .
أخرجها الفاكهى (( أخبار مكة ))(1/307/634) ، والحاكم (3/582) ، والبيهقى (( دلائل النبوة ))(5/211) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامى حدثني معن بن عيسى القزاز حدثني محمد بن عبد الرحمن الأوقص عن على بن جدعان قال : أنشد كعب بن زهير بن أبي سلمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد :
بانت سـعادُ فقلبي اليوم متـبولُ ... متيـمٌ أثـرَها لَمْ يُفـدْ مَكْبـُولُ
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً ، على بن زيد بن جدعان التيمى البصرى ليس بذاك القوى ، ساء حفظه واختلط بآخرة ، وكان رفاعاً ، فلا يحتج به إذا تفرد ، ولا رؤية له ولا سماع من كعب بن زهير المزنى ، فروايته هذه مرسلة .
ومحمد بن عبد الرحمن بن هشام المخزومي الأوقص قاضي المدينة يخالف في حديثه ، قاله العقيلى . وقال ابن عساكر : ضعيف .
وذكره البخارى فى (( التاريخ الكبير )) وقال : (( روى عنه معنٌ مرسل )) .
[ الثالثة ] موسى بن عقبة أن كعب بن زهير ، هكذا معضلاً .
أخرجها الحاكم (3/582) ، ومن طريقه البيهقى (( السنن الكبرى ))(10/243) ، وأبو الفرج الأصبهانى (( الأغانى ))(17/92) من طريق إبراهيم بن المنذر حدثني محمد بن فليح عن موسى بن عقبة قال : أنشد النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن زهير بانت سعاد في مسجده بالمدينة ، فلما بلغ قوله :
إنَّ الرسـولَ لسيفٌ يُستضاءُ بِـهِ ... وصارمٌ من سـُيوفِ الله مَسْلُولُ
في فتيةٍ من قُريشٍ قـالَ قائلُـهُمْ ... ببطنِ مَكَّةَ لما أسـلموا زُولُـوا
أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمه إلى الخلق ، ليسمعوا منه ، قال : وقد كان بجير بن زهير كتب إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى يخوفه ، ويدعوه إلى الإسلام ، وقال فيها أبياتاً :
من مُبلِّغٌ كعـباً فهلْ لكَ في التي ... تلـومُ عليها باطـلاً وهي أَحْزَمُ
إلى اللهِ لا العُزي ولا اللاتَ وحدَه ... فتنجو إذا كان النجاءُ وتسـلمُ
لدي يومٍ لا ينجو وليـس بمفلتٍ ... من النَّار إلا طاهرُ القلبِ مُسْلِمُ
فدينُ زهيرٍ وهو لا شيءَ بـاطلٌ ... وديـنُ أبي سـلمى عليَّ محـرَّمُ
قلت : وهذا إسناد منقطع معضل ، موسى بن عقبة بن أبى عياش المدنى أحد أعلام السيرة والمغازى ، لكن بينه وبين الصحابة مفاوز تنقطع دونها الأعناق .
[ الرابعة ] محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى بلا إسناد .
أخرجها ابن إسحاق (( السيرة النبوية )) ، ومن طريقه الطبرانى (( الكبير ))(19/177/403) ، والحاكم (3/583) ، والبيهقى (( دلائل النبوة ))(5/211) عن ابن إسحاق قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة منصرفه من الطائف ، وكتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى ، يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ، ويؤذيه ، وأنه من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه ، فإن كانت لك في نفسك حاجة ، فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا ، وإن أنت لم تفعل فانج بنفسك إلى نجائك .... وذكر الحديث بنحوه .
قلت : وهذا إسناد أشد إعضالاً من سابقه ، فما أبعد الشقة بين ابن إسحاق والصحابة رضى الله عنهم ! .
[ الخامسة ] سعيد بن المسيب أن كعب بن زهير ، هكذا مرسلاً .
أخرجه الزبير بن بكار (( أخبار المدينة )) ، ومن طريقه ابن قانع (( معجم الصحابة ))(2/381) عن بعض أهل المدينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال : لما انتهي خبر قتل ابن خطل إلى كعب بن زهير بن أبي سلمى ، وقد كان النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوعده بما أوعد ابن خطل ، فقيل لكعب : إن لم تدرك نفسك قُتلت ، فقدم المدينة ، فسأل عن أرقِّ أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فدل على أبي بكر رضي الله عنه ، فأخبره خبره ، وقد التثم ، فمشى أبو بكر وكعب على إثره ، حتى صار بين يدي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال أبو بكر : الرجل يبايعك ، فمدَّ النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده ، ومد كعبٌ يده ، فبايعه وسفر عن وجهه ، وأنشده قصيدة :
أنبئتْ أنَّ رسـولَ اللهِ أوعدني ... والعفو عندَ رَسُولِ اللهِ مَأمُولُ
إنَّ الرسولَ لسيفٌ يُستضاءُ بِهِ ... وصارمٌ من سُيوفِ الله مَسْلُولُ
فكساه النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بردةً له ، فاشتراها معاوية من ولده بمالٍ ، فهي البردة التي تلبسها الخلفاء في الأعياد .
قلت : هذا إسناد ضعيف جداً لإرساله وجهالة أشياخ الزبير بن بكار ، ومتنه منكر مخالف لسياق القصة فى سائر طرقها ، وأنكر ما فيه (( فكساه النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بردةً له )) ! .
والخلاصة أن طرق الحديث لا يصح منها كبير شئٍ ، وأمثلها وهى رواية موسى بن عقبة معضلة ، ولذا صرَّح الحافـظ ابن كثير فى (( البداية والنهاية )) بقوله : (( وهذه القصيدة من الأمور المشهورة ، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب بإسنادٍ أرتضيه ، فالله أعلم )) اهـ. .
وقال الحافظ زين الدين العراقى : (( وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء ، وذكرها ابن إسحق بسند منقطع )) .
فإذا تقرر ذلك ، مع إحاطة العلم بأن موسى بن عقبة إمام المغازى والسير ، وتلميذ ابن شهاب الزهرى ، من صغار التابعين من طبقة الأعمش ، وجعفر بن أبى وحشية الذين لا إدراك ولا سماع لأحدهم من الصحابة ، وليس هو كحميد بن أبى حميدٍ الطويل ، وإبراهيم بن أبى عبلة ، وحريز بن عثمان الرحبى وأمثالهم من أهل هذه الطبقة الذين لهم إدراك وسماع من الصحابة ، فيتنزل الواحد منهم منزلة أكابر التابعين .
فالفارق شاسع بين مرسل الفريقين : الأول ممن لا سماع له ولا إدراك للصحابة ، والثانى ممن هو فى نفس الطبقة وله إدراك وسماع من الصحابة . ولهذا قلت (( بين موسى بن عقبة وبين الصحابة مفاوز تنقطع دونها الأعناق )) ، ولا يمكننى أن أقول مثله فى مراسيل حميد وحريز وابن أبى عبلة ، مع أنهم فى نفس طبقة موسى بن عقبة ! .
فإن قيل : وما تأثير ذلك فى قبول معضل موسى بن عقبة أو رده ؟ .
قلت : هذا بحث طويل ، مفاده أنه : إن قُبلت مراسيل من على هذه الوتيرة ؛ تقوَّى الحديث لانتفاء شدة الضعف ، وإن لم تقبل كان الحكم بضده ، ولم يتقوى الحديث ، لأنه أمثل طرق الحديث كما سبق بيانه .
أقول هذا رداً على من صحَّح الحديث بكثرة الطرق بلا شرط ولا قيد . ولا خلاف عندى فى تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد ، وكذا بكثرة الطرق للحديث الضعيف الواحد ، ولكن على الشروط التى ذكرها الحافظ الجهبذ زين الدين العراقى ، الذى قال تبصرةً للمبتدى .. تذكرةً للمنتهى والْمُسْنِدِ :
فإن يُقلْ يُحتجُّ بالضعيـفِ ..... فَقُل إذا كـانَ من الموصوفِ
رواتُه بسوء حفـظٍ يُجبرُ ..... بكونه من غيرِ وجـهٍ يُذكـرُ
وإن يكنْ لكـذبٍ أو شذَّا ..... أو قَوِىَ الضُّعفُ فلم يُجبرْ ذَا
فلله هذا الحافظ الجبل ، فقد حرَّر فأتقن ، وحكم فعدل ، وفصَّل فأجاد .
والذى يظهر من قوله (( قَوِىَ الضُّعفُ فلم يُجبرْ ذَا )) أن فقد شرط أو أكثر من الشروط المذكورة يقتضى نفى الحكم ، وعدم توقيعه على الحديث الذى بهذه المثابة . ولا يقال أن الخلاف هاهنا شكلى ، لإنه عند النظر الدقيق فى طرق الحديث الخمسة الآنف ذكرها ، نعلم أن أمثلها إسناداً : معضل موسى بن عقبة بن أبى عياش المدنى ، ولا يتنزل مثله منزلة مراسيل من هو فى طبقته كحميد الطويل وحريز وابن أبى عبلة !! .
وقوله (( وهذه القصيدة من الأمور المشهورة )) يعنى المستفيضة المتداولة فى كتب التاريخ والسير والأدب والأشعار ، ومما يستأنس بها ويستشهد فى تقويم اللسان وتعليم البيان ، كما استشهد بها أهل اللغة كالإمام أبى بكر بن دريد فى (( أماليه )) ، وابن هشـام الأنصارى فى (( مغنى اللبيب )) ، وعبد القادر البغدادى فى (( شرح الشواهد )) وغيرهم .
أما أن تكون القصة قائمةً مقام الدلالة على إقرار النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشعراء على التشبيب والغزل والوصف للنساء ، ولوعة الرجال على فراقهن ، ومواعدتهن فى السر ، فهذا ما لا يجوز القول به ، لعدم قيام الدليل الصحيح على هذا الإقرار ، ولمخالفة ذلك للنصوص الواردة فى صيانة حرمات النساء ، والتغليظ فى المنع من وصفهن ، وانتهاك حرماتهن .
ولا يتصور من له إلمام بمقام النَّبىِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أصحابه ، وشدة حياءهم منه ، وإجلالهم له ، أن ينشد أحد بحضرته مثل هذا التشبيب بامرأة ، ولو كانت زوجةً لمن ينشد :
هَيْفَاءُ مُقْبِلَةً عَجْزَاءُ مُدْبِرَةً ... لا يشتكي قِصرٌ منها ولا طولُ
كيف ؟ ، وقد أخرج البخارى من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالت : دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِنْدِي مُخَنَّثٌ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا عَبْدَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا ، فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلانَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لا يَدْخُلَنَّ هَؤُلاءِ عَلَيْكُنَّ )) . وأخرج من حديث منصور والأعمش عن أبى وائل عن ابن مسعود قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لا تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا ، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا )) .
ويتبع بقية الأجوبة إن شاء الله تعالى
وكتبه أبو محمد الألفى السكندرى
الإسكندرية صباح الرابع من رمضان سنة 1425 هـ .

د. هشام عزمي
19-10-04, 02:47 AM
بارك الله فيك يا شيخنا السكندري و لكن (مزحة) هل ستفهم طالبة الآداب هذه المصطلحات الحديثية "المعقدة" ؟ :))

أبو محمد الألفى
19-10-04, 10:01 AM
أخى الحبيب / الدكتور هشام عزمى
سلامى إليكم كثير كثير . وحياكم الله بالخير ، وسدَّدكم ، ونفع بكم وبموقعكم النافع التوأم لشبكة الجامع الإسلامى .
وقد شدنى كثيراً بموقع الشبكة هذا العنوان لكتاب (( الاستدلالات التعيسة فى كتاب الرقص ورأي الكنيسة )) ، وأنا قليل القراءة فى مثل هذه الكتب ، لكن أرجو ملخصاً له ، فلربما فهمت ، وهذه إيضاً دعابة .
لا عليك أخى الحبيب . تقبل الله منا ومنك صالح الأعمال والأقوال فى هذا الشهر الكريم .
وأما الطالبة المذكورة ، فأظنها فهمت ، وربما انتفعت ، ولم تزال بحاجة إلى معرفة المزيد ، فهل نجبها لمطلوبها ؟! .

د. هشام عزمي
19-10-04, 05:40 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته يا شيخنا الحبيب حفظك الله و أيدك ،

طبعًا نجيبها لمطلوبها طالما أنها سألت و فهمت و انتفعت لا سيما و المسئول حبر عتيد ؛ رأيه سديد و كلامه مفيد و بصره في الروايات حديد .. نفعنا الله بعلمكم و أدام فضلكم و بارك فيكم و في أولادكم .

أما كتاب الرقص و رأي الكنيسة فهو لأحد قساوسة القبط يبين فيه رأي الكنيسة القبطية المعارض للخلاعة و المجون و الرقص بين الشباب "المسيحي" و يدعو هؤلاء الشباب للالتزام بالأخلاق "المسيحية" المحافظة البعيدة عن الخلاعة .. فقام أحد إخواننا بالرد عليه في بحث قصير سماه (( الاستدلالات التعيسة في كتاب الرقص و رأي الكنيسة)) - لاحظ المناسبة بين التعيسة و الكنيسة :) - و بين فيه أن الكتاب "المقدس" ليس فيه ما يدل على تحريم الرقص و الخلاعة ، بل فيه ما يدعو للرقص و يشجع عليه و ساق نصوصًا تؤيد كلامه و تدحض ما ذهب إليه القس القبطي "التعيس" :))

و الحمد لله على نعمة الإسلام .

عبدالله بن عقيل
04-05-05, 07:32 PM
..

محمد الأمين
11-06-05, 09:37 PM
القصيدة ثابتة:

http://www.uqu.edu.sa/majalat/shariaramag/mag33/arabic3.pdf

مصطفي سعد
18-09-06, 10:52 PM
الاخ الفاضل محمد الامين انظر البحث المطول المقالات القصار ج2 للشيخ وقد طبعت ولله الحمد