المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرة في كتاب (الكامل)لابن الأثير د . سليمان الدخيل


عبدالله بن خميس
10-11-04, 09:24 PM
نظرة في كتاب (الكامل)لابن الأثير د . سليمان الدخيل


هناك فرق بين أن ننسب ابن الأثير - عليه رحمة الله - إلى التشيع وحاشاه
عن ذلك ونحن لا نملك عليه دليلاً ، بل نجد في ترجمته ثناء العلماء والحفاظ من
مشاهير أهل السنة [1] ؛ وبين أن نقف عند نزعة التشيع في كتابه (الكامل في
التاريخ) وقفة لا تقلل من قدر الكتاب وقيمته بقدر ما تلفت النظر إلى ملاحظة يحسن
التنبه لها .
وقد اطلعت على ما كتبه الأخ الكريم (محمد العبدة) عن (ابن الأثير وموقفه
من الدولة العبيدية وبعض الدول المعاصرة لها) في العدد التاسع من هذه المجلة
الغراء (البيان) وقد لفت نظري ما أشار إليه صاحب المقال مما يدل على نزعة
تشيع عند ابن الأثير في هذا السفر العظيم ، وقد تساءلت بيني وبين نفسي : من أين
لابن الأثير هذه النزعة في الكامل ؟
أترى هو الجهل بعقائد الشيعة الأمر الذي قال معه ابن الأثير - حين حديثه
عن دعوة العبيديين (الفاطميين) ولم يخرج فيه -يعني المعز- إلى حد يذم
به!! [2] .
قال في موضع آخر-وهو يتحدث عن واحدة من عقائد الشيعة (الرجعة) - ما
نصه : ( قال عمرو ابن الأصم : قلت للحسن بن علي : إن هذه الشيعة تزعم أن
علياً مبعوث قبل يوم القيامة ، فقال : كذب والله هؤلاء الشيعة ، لو علمنا أنه مبعوث
قبل يوم القيامة ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله) . ثم يعلق ابن الأثير بعد ذلك قائلاً :
(أما قوله هذه الشيعة فلا شك أنه يعنى طائفة منها فإن كل شيعة علي لا تقول هذا ،
إنما تقوله طائفة يسيرة منهم ، ومن مشهوري هذه الطائفة جابر بن يزيد الجعفي
الكوفي ، وقد انقرض القائلون بهذه المقالة فيما نعلمه) [3] .
وعلى كل حال فالقول بانقراض (الإمامية) وهم القائلون (بالرجعة والوصية)
غير مقبول من ابن الأثير ، لاسيما وقد عاش في عصر تكاثر فيه الشيعة وأصبح
لهم وجود ظاهر إلى حد قال معه أحد الشيعة : (ولولا مجيء المغول لرفرف لواء
التشيع على الشرق الإسلامي) [4] .
وهو العصر الذي ألفت عنه كتب خاصة بأعيان الشيعة ، وفيهم الإمامية ومن
أبرزها (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) للشيخ أغا بزرك الطهراني ، وقد
أحصى فيه مؤلفه قرابة ثلاثمائة رجل من أعيان الشيعة ومع ذلك قال محققه أنه
لا يمثل بشيء تاريخ الشيعة في ذلك القرن الذي تغلغلوا فيه في بيوت
الأمراء ، ودخلوا بلاط الخلفاء ، وكان منهم الوزراء والعلماء [5] .
وكان من هؤلاء من كان في الموصل أمثال (محمد بن أبي الفوارس الحلي) [6] .
وفي عقيدة الرجعة - بالذات - والتي نفى ابن الأثير وجودها في عصره
تطالعنا مصنفات الشيعة بالأعداد الكبيرة المؤلفة فيها على امتداد القرون ، وفيها ما
هو في القرن السابع - وقد عايشه ابن الأثير - من أمثال : كتاب (الغيبة للحجة وما
جاء فيها عن النبي والأئمة ووجوب الإيمان بها) للأشرف بن الأغر المعروف بتاج
العلا العلوي الحسيني المتوفي سنة 610 هـ ، فهل كانت هذه الكتب سرية حتى لم
يطلع عليها أمثال ابن الأثير ؟ أم أنها ألفت في عصور متأخرة ونسبت للأوائل ؟ !
ووفق ذلك كله فالسمعاني (ت 562) يشهد بوجود أصحاب هذه العقيدة في
عصره [7] .
أم هي لظروف العصر وملابسات البيئة التي عاش فيها ابن الأثير ؟ وهي
بيئة كان للشيعة فيها وجود ليس على مستوى الأفراد فحسب وإنما على مستوى
الولاة والحكام . ومن أمثلة ذلك : الملك الرحيم ( ت 657) الذي ملك (الموصل)
نحواً من خمسين سنة [8] وهو الذي أزال الدولة الأتابكية (وهم أسياده قبل) ، وكان
يبعث في كل سنة إلى مشهد علي قنديلاً ذهبياً زنته ألف دينار ، وهذا-كما قال
الحافظ ابن كثير-دليل على تشيعه ، بل على قلة عقله [9] .
وكان في الأصل أرمنياً ، حتى نقل (الذهبي) عنه أنه كان يحتفل لعيد
(الشعانين) لبقايا فيه من شعار أهله ، فيمد سماطاً عظيماً إلى الغاية ، ويحضر
المغاني ، وفي غضون ذلك أواني الخمور فيفرح وينثر الذهب من القلعة ويتخاطفه
الرجال ؟ فمقت لإحياء شعار النصارى ، وقيل فيه :
يعظم أعياد النصارى محبة ويزعم أن الله عيسى بن مريم
إذا نبهته نخوة أريحية إلى المجد قالت أرمنيته : نعم [10]
وإذا كان الأمر كذلك فيه ، فلا غرابة أن يسير إلى (هولاكو) التتري - بعد أن
أوقع ببغداد ما أوقع ، ثم انفصل عنها- على هيئة الخادم المتلطف له ، ومعه الهدايا
والتحف ! ! حتى رجع إلى بلاده متولياً من قبله [11] .
هذا الملك أثنى عليه ابن الأثير في مقدمة كتابه ، فقال : ( ... مولانا مالك
الملك ( ! ! ) الرحيم ، العالم المؤيد ، المنصور المظفر بدر الدين ، ركن الإسلام
والمسلمين ، محي العدل في العالمين ، خلد الله دولته) ! ! [12] . بل الأمر أعجب
من ذلك ، فابن الأثير إنما انساق في إتمام تأليف كتابه (الكامل) عن أمر الملك
الرحيم هذا ، وهذا ما حكاه ابن الأثير نفسه في مقدمة كتابه حين قال : (فلما جمعت
أكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت ، لأن
معرفتي بهذا النوع كملت وتمت ، ثم إن نفراً من إخواني وذوي المعارف والفضائل
من خلاني .. رغبوا إلي في أن يسمعوه مني ، ليرووه عني ، فاعتذرت بالأعراض
عنه وعدم الفراغ منه ، فإنني لم أعاود مطالعة مسودته ولم أصلح ما أصلح فيه من
غلط وسهو .. إلى أن قال : فبينما الأمر كذلك إذ برز من طاعته فرض واجب
واتباع أمره حكم لازب ، من أعلاق الفضل بإقباله عليها نافعة .. مولانا مالك الملك
الرحيم .. فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل ، وأبطلت رداء الكسل ، وألفت الدواة
وأصلحت القلم وقلت : هذا أوان الشد فاشتدي زيم ، وجعلت الفراغ أهم مطلب ،
وإذا أراد الله أمراً هيأ له السبب وشرعت في إتمامه مسابقاً ، ومن العجب أن
السكيت يروم أن يجيء سابقاً ، ونصبت نفسي غرضاً للسهام ، وجعلتها مظنة
لأقوال اللوام ... ) [13] .
وقال ابن كثير-في ترجمته للملك الرحيم - : وقد جمع له الشيخ عز الدين
كتابه المسمى بالكامل في التاريخ فأجازه عليه وأحسن إليه [14] .
وإذا كان الأمر كذلك فهل بإمكاننا أن نفسر نزعة التشيع في (الكامل) بهذا
الأمر وهي نزعة لا يمكن تجاهلها ولا قبولها - مهما كانت أسبابها - فبالإضافة إلى
الأمثلة التي ساقها الأستاذ محمد العبدة في مقاله الآنف الذكر أسوق الأمثلة التالية :
1 - في أحداث الفتنة الواقعة بين الصحابة يلحظ القارئ (للكامل) تغليب
الروايات التي تصف خصوم (علي) -رضي الله عنه- بصفات يبعد قبولها ، بل
يبعد أن يقول بها علي نفسه ، ومنها أن علياً يصف معاوية ويقول : ( ... وخلاف
معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام ، طليق بن
طليق ، حزب من الأحزاب ، لم يزل حرباً لله ورسوله هو وأبوه حتى دخلا في
الإسلام كارهين ... ) [15] .
وحين رفعت المصاحف (للتحكيم) في (صفين) من قبل أهـل الشام ، قال
أصحاب علي :
نجيب إلى كتاب الله ، فقال لهم علي : (عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم
وقتال عدوكم ، فإن معاوية وعمراً ، وابن أبي معيط ، وحبيباً ، وابن أبي سرح ،
والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، فقد صحبتهم أطفالاً
ثم رجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال ... ) [16] .
إذا كانت هذه الرواية - وأمثالها كثير- لا تليق بمقام الصحابة فلا أدري لماذا
يكثر من ذكرها (ابن الأثير) ؟ دون أن يعلق على كثير منها .
فإن قيل : إن مجمل الروايات التي ساقها إنما سبقه بذكرها الإمام الطبري في
(تاريخه) وابن الأثير في (مقدمته) أبان أنه اعتمد فيما شجر بين الصحابة على
الطبري ، فلا لوم عليه في ذلك ؛ أجيب بأن هناك فارقاً في المنهج بينهما ، فالطبري
وإن لم يعلق على هذه الروايات المنكرة فقد صرح في مقدمته أن في تاريخه ما
يستشنع وإن ذلك كان من قبل الرواة ، ورأى الطبري أن إسناده كل رواية إلى
رواتها يعفيه من التبعة ، ويجعل الحكم للقارئ يحكم معرفته بالرواة ، والأمر يختلف
عند ابن الأثير الذي جعل من منهجه -أحياناً - الحكم على الروايات ، والتعليق
على بعض الروايات ، وكان جديراً به أن يعلق على هذه المرويات المنكرة ، كما
صنع الحافظ (ابن كثير) الذي قال -في معرض حديثه عن هذه الروايات - : « ثم
ذكر أهل السير كلاماً طويلاً جرى بينهم -يعني معاوية وأصحابه - وبين علي ،
وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر ، فإن في مطاوي ذلك الكلام من علي ما ينتقص
فيه معاوية وأباه ، وأنهم إنما دخلوا في الإسلام ولم يزالا في تردد فيه وغير ذلك[17] .
وحين تعرض لرواية أبي مخنف في لعن علي معاوية ومن معه ، ثم لعن
معاوية علياً ومن معه ، قال :
« ولا يصح هذا والله أعلم » [18] .
2- وفي الدولة العباسية ، وحين حديثه عن الخليفة (المتوكل) قال :
وفي سنة 236 هـ أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي عليه السلام ،
وهدم ما حوله من المنازل والدور ، وأن يبذر ويسقى موضع قبره ، وأن يمنع
الناس من إتيانه .. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام
ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أن يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم وكان
من ندمائه من يسخر من علي -رضي الله عنه- وقيل أن المتوكل كان يبغض من
تقدمه من الخلفاء : المأمون ، والمعتصم ، والواثق في محبة علي وأهل بيته ، وإنما
كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي ، منهم علي بن
الجهم الشاعر الشامي من بني شامة ابن لؤي ، وعمر بن فرح الرخجي ، وأبو
السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالى بني أمية ، وعبد الله ابن محمد بن
داود الهاشمي المعروف بابن أترجه ، وكانوا يخوفونه من العلويين ، ويشيرون عليه
بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم ، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين
يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين ، ولم يبرحوا به حتى ظهر فيه ما كان ، فغطت
هذه السيئة جميع حسناته ، وكان من أحسن الناس سيرة ، ومنع الناس من القول
بخلق القرآن إلى غير ذلك من المحاسن) [19] .
وهذه الرواية حين نرجع إلى الطبري لا نجدها بهذا السياق ، بل نجد الطبري
يكتفي بسياق الحادثة (هدم قبر الحسن وما حوله ، وحرث وإسقاء فوضع القبر)[20].
فلماذا أطال ابن الأثير في ذكرها مؤكداً على بغض المتوكل لعلي وأهل بيته ،
بل كان يبغض من كان محباً لعلي من الخلفاء قبله ؟ وهل صحيح أن « ندماء
المتوكل كانوا مشهورين بالبغض لعلي ؟ وإذا كان الإمام أحمد من مستشاري
المتوكل [21] فهل لهذا اكتفى بالإشارة إلى وفاته مجرد إشارة ؟ ! [22] .
وعلى فرض تسليمنا بكون المتوكل فيه (نصب) [23] فهل يستحق من ابن
الأثير أن يقول عنه : « إن هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتله ! ويقول:
إن هذه السيئة غطت جميع حسناته ؟ ! وهو الخليفة الذي أثنى عليه طائفة من
العلماء فقال : خليفة بن خياط (ت 240 تقريبًا) :
استخلف المتوكل فأظهر السنة - وتكلم بها في مجلسه ، وكتب إلى الآفاق
برفع المحنة وبسط السنة ونصر أهلها [24] . وقال ابن خلكان : رفع المحنة في
الدين وأخرج أحمد بن حنبل من الحبس وخلع عليه [25] . وقال ابن تيمية :
«وفي أيام المتوكل عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية ، وألزموا
الصغار ، فعزت السنة والجماعة ، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم » [26] .
ويقول ابن كثير : « إن السنة قد ارتفعت جداً في أيامه [27] . وقد استبشر الناس
بولايته فإنه كان محباً للسنة وأهلها ورفع المحنة عن الناس ، وكتب إلى الآفاق لا
يتكلم أحد في القول بخلق القرآن [28] .
وكان محبباً إلى رعيته قائماً في نصرة أهل السنة ، وقد شبهه بعضهم
بالصديق في قتله أهل الردة لأنه نصر الحق ورد عليهم حتى رجعوا إلى الدين ،
وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بنى أمية ، وقد أظهر السنة بعد البدعة ،
وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه الله .
هذه بعض أقوال العلماء في المتوكل ، وإذا كان يظهر منها تتبعه لأهل البدع
وقمعهم فإن قمعه لبدعة (التشيع) ظاهرة ، فقد كان يتبع أخبارهم ويطارد مشايخهم
في أقطار الخلافة ، وتتبعه للشيخ (بشر الجعاب) الذي كان يظهر التشيع (بالدينور)
وله أصحاب يجتمعون إليه ويأخذون عنه ، كما ذكر قصته مطولة ابن خلكان [29]
نموذج لهذا التتبع ، ولعل هدمه لقبر الحسين من هذا الباب ، والسؤال المطروح
لماذا تستثير مثل هذه الأعمال ابن الأثير إلى حد يقول معه إنها غطت جميع
حسناته ؟ !
وفي معرض حديثه عن (المعتضد) ذكر أنه عزم في سنة 286هـ على لعن
معاوية بن أبي سفيان على المنابر ، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس . قال ابن
الأثير : ( وهو كتاب طويل قد أحسن كتابته ، إلا أنه استدل فيه بأحاديث كثيرة
على وجوب لعنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تصح ... ) [30] وهذا
الكتاب ساقه (الطبري) بطوله في أحداث سنة 284هـ [31] وفيه من الغرائب
والأحاديث المنكرة ما لا يتصور ، وفوق ما فيه من أحاديث منكرة فهو صريح في
لعن أبي سفيان وابنه معاوية ، ويزيد ، ومروان بن الحكم بن الحكم وولده وهم -كما
في الكتاب - أئمة الكفر ، وقادة ضلالة وأعداء الدين ، ومجاهدي الرسول ،
ومغيري الأحكام ، ومبدلي الكتاب ، وسفاكي الدم الحرام ؟ ! ! [32] إلى غير ذلك
من شناعات يحار القلم في تدوينها ، ويعجز اللسان عن النطق بها والعجب أن يقول
(ابن الأثير) أن الكتاب قد أحسن كتابته ! ! وكان ينتظر منه أن يقول كما قال ابن
كثير : إن هذا من هفوات المعتضد [33] .
ثالثاً : تعاطفه مع الشيعة :
يظهر للمتأمل في (كامل ابن الأثير) تعاطفه مع الشيعة ، أو من لهم ميول
(علوية) على الأقل ، فتراه كثيراً يترجم للشيعة وخاصة (الإمامية) وربما ذكر بعض
معتقداتهم ولم يعلق عليها ، ففي أحداث سنة 305هـ قال : وفيها توفي أبو جعفر
بن محمد بن عثمان العسكري رئيس الإمامية ، وكان يدعي أنه الباب إلى الإمام
المنتظر ... [34] ، وكما صنع مع ( ورام بن أبي فراس) [35] الذي توفي سنة
605 هـ وقال عنه ابن الأثير : وكان صالحاً [36] ويطيل في تراجمهم كما فعل
مع الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن زريك الأرمني وزير العاضد العبيدي ،
والمتوفي سنة 556 هـ ، والذي نص ابن الأثير على إمامته ، وقال عنه : وكان
الصالح كريماً فيه أدب ، وله شعر جيد ، وكان لأهل العلم عنده إنفاق ، ويرسل
إليهم العطاء الكثير ، فذكر نماذج لها ، ونماذج من شعره أيضاً [37] ، وفي ترجمته
للملك الأفضل (علي بن صلاح الدين) [38] أطال في ترجمته كذلك وامتدحه بأشياء
لم يسبغها على أبيه (صلاح الدين) [39] وهو أفضل منه ومما قاله في الأفضل : «
وكان رحمه الله من محاسن الزمان ، لم يكن في الملوك مثله ، كان خيراً ، عادلاً ،
فاضلاً ، حليماً ، كريماً ، قل أن عاقب على ذنب ، ولم يمنع طالباً .. إلى أن قال :
وبالجملة فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما تفرق في كثير من الملوك ، لا جرم
حرم الملك والدنيا ، وعاداه الدهر ، ومات بموته كل فعل جليل ، فرحمه الله ورضي
عنه » [40] .
وتعاطف ( المنتصر) العباسي مع العلويين [41] جعلت (ابن الأثير) يقول في
وصفه : كان المنتصر عظيم الحلم ، وراجح العقل ، غزير المعروف ، راغباً في
الخير جواداً كثير الإنصاف ، حسن العشرة ، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين
- عليهما السلام - فأمن العلويين وكانوا خائفين أيام أبيه وأطلق وقوفهم وأمر برد
فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب عليه السلام [42] بل نقل
عن بعضهم : إن المنتصر كان شاور في قتل أبيه (المتوكل) جماعة من الفقهاء
وأعلمهم بمذاهبه ، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرها ، فأشاروا عليه بقتله فكان
كما ذكرنا بعضه [43] .
وفي مقابل هذا التعاطف كان ابن الأثير يعرض ببعض أهل السنة الذين يرى
منهم انحراف عن علي -رضي الله عنه- ، كما ذكر في ترجمته لمصعب ابن عبد
الله بن ثابت بن عبد الله بن الزبير [44] وفي حديثه عن الحسن ابن زيد بن الحسن
ابن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ذكره فيمن توفي سنة168 هـ ثم قال عنه:
« وكان قتد استعمله المنصور على المدينة خمس سنين ثم عزله وحبسه ببغداد ،
وأخذ ماله فلما ولي المهدي أخرجه ورد عليه ماله ، وكان جواداً إلا أنه كان منحرفاً
عن أهل بيته مائلاً إلى المنصور » [45] .
وأخيراً فهذا ما تيسر الوقوف عليه في (الكامل لابن الأثير) ويبقى بعد ذلك
كلمة أراها مهمة في نهاية هذه الدراسة ، وهي أن هناك صنفين من القراء قد لا
يستفيدون من هذه الدراسة الفائدة المرجوة :
الصنف الأول : يفهم هذه الدراسة فهماً قاصراً ينتقض هذا السفر العظيم
(الكامل) ، بل ربما وصل به الأمر إلى انتقاص (ابن الأثير) نفسه ، نظراً لوجود
هذه الملاحظات عليه فلا يرى حاجة إلى الاستفادة منه ، وإذا ذكر عنده اشمأزت
نفسه ، وتمنى لو غيره ذكر ! !
والصنف الثاني : على النقيض وهؤلاء بلغت بهم الثقة ، ووصل بهم
الإعجاب مبلغاً لا يمكن أن يقبلوا معه نقداً صحيحاً -لا يقلل من قدر الكتاب ، ولا
ينقص من قدر مؤلفه - بل يعتبرون هذا النوع من الدراسة هدماً لكتب التراث
وتجنياً على جهود الأسلاف ... إلى غير ذلك من التهم الباطلة .
والحق أن كلا الأمرين قصور في الفهم لا تهدف إليه هذه الدراسة التي أريد
منها مزيد الثقة بهذه النفائس من كتب التراث بعد إيضاح ما فيها من هنات لا يكاد
ينجو منها عمل البشر . والله المستعان .
________________________
(1) انظر ترجمته في البداية والنهاية 13/133 وسير أعلام النبلاء 22/ 353 .
(2) الكامل في التاريخ 8/664 .
(3) الكامل 3/392 ، 393 .
(4) أغا بزرك الطهراني : الأنوار الساطعة في المائة السابعة ، ص 88 .
(5) المرجع السابق ، ص هـ ، و .
(6) انظر الأنوار الساطعة/166 .
(7) الأنساب 1/344 ، اللباب 1/84 .
(8) ابن كثر : البداية والنهاية 13 /203 .
(9) المصدر السابق 13/203 .
(10) سير أعلام النبلاء 23/357 .
(11) المصدر السابق 23/357 .
(12) الكامل 1/5 .
(13) الكامل في التاريخ 1/4-6 .
(14) البداية والنهاية 13/203 .
(15) الكامل في التاريخ 3/291 .
(16) الكامل في التاريخ 3/316 .
(17) البداية والنهاية 7/282 .
(18) المصدر السابق 7/310 .
(19) الكامل 7/55 ، 56 .
(20) الأمم والملوك 9/185 .
(21) انظر البداية والنهاية 10/358 .
(22) الكامل 7/80 .
(23) ذكره الذهبي : سير أعلم النبلاء 12/35 .
(24) انظر سير أعلام النبلاء 12/31 .
(25) وفيات الأعيان 1/351 .
(26) الفتاوى 4/21 ، 22 .
(27) البداية والنهاية 10/358 .
(28) المصدر السابق 10/382 .
(29) وفيات الأعيان 1/351 .
(30) الكامل 7 /485 .
(31) تاريخ الطبري 10/55-65 .
(32) الطبري 10/62 .
(33) البداية والنهاية 11/86 .
(34) الكامل 8 /109 .
(35) ورام هذا ذكره صاحب طبقات أعلام الشيعة (الأنوار الساطعة في المائة السابعة ، ص 197) ،
وانظر : لسان الميزان 6/218 .
(36) الكامل 12/282 .
(37) الكامل 11/274 ، 275 .
(38) ذكر الذهبي تشيعه ، فقال : وفيه تشيع بلا رفض سير أعلام النبلاء 21/295 ، كما ذكر تشيعه
، ابن كثير في البداية والنهاية 13/104 ، والصفدي في : الوافي بالوفيات 12/234 واغا بزرك
الطهراني في (طبقات أعلام الشيعة) (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) ص 121 .
(39) انظر ترجمته لصلاح الدين في الكامل 12/ 95 ، وما بعدها .
(40) الكامل 12/428 ، 429 .
(41) انظر : سير أعلام النبلاء 12/42 .
(42) الكامل 7/116 ، ويلاحظ أن ابن الأثير كلما جاء على ذكر علي أو أبنائه قال : عليه السلام ،
كما يلاحظ هنا تقديمه الحسين على الحسن ؟ ! .
(43) الكامل 7/115 .
(44) الكامل 7/57 ومصعب هذا أثنى عليه طائفة من العلماء ووثقوه ، ولم يذكروا هذا الانحراف فيه
، بل ذكروا توقفه في القرآن انظر : تاريخ بغداد 13/ 113 ، 114 سير أعلام النبلاء 11/30 ، ميزان
الاعتدال 4/120 ، تهذيب التهذيب 10/163 .
(45) الكامل 6/80 .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 12 ] صــ ‌ 73 شوال 1408 ـ يونيو 1988 ))

شهاب الدين
16-11-04, 01:22 AM
السلام عليكم
جوزيتم خيراً

عبدالله بن خميس
20-11-04, 02:44 PM
أدب وتاريخ
ابن الأثير وموقفه من الدولة العبيدية
وبعض الدول المعاصرة لها
محمد العبدة
كنت أعلم أن للمؤرخ ابن الأثير موقفاً من الدولة العبيدية - التي تسمى
بالفاطمية- يتعلق بتصحيح نسبهم إلى علي -رضي الله عنه- ، وهي القضية التي
أثير حولها جدل كبير بين القدماء والمعاصرين ، وكنت أظن أن الأمر يتعلق
بموضوع النسب فقط ، وهو شبيه بموقف ابن خلدون أيضاً ، وإن كانا قد خالفا في
هذه المسالة أكثر علماء الأمة ومؤرخيها . ولكن من خلال قراءتي لأحداث القرنين
الرابع والخامس في (الكامل) تبين لي أن ابن الأثير لا يصحح النسب فقط ، بل هو
متعاطف مع هذه الدولة بشكل عام ، فهو يمدح ملوكهم ويبرز محاسنهم ولا يذكر
عيوبهم ، ويؤكد في كل مرة يترجم لأحدهم بقوله : (الخليفة العلوي) ، كأنه يريد أن
يرسخ هذا في ذهن القارئ ، ثم تبين لي أنه يغرق في مدح بعض ملوك الدولة
البويهية وأمراء الدولة الأسدية والحمدانية ، وهذه الدول والإمارات كلها غير
سنية .
ثم رجعتُ إلى حوادث المائة الأولى من الهجرة ، لأرى كيف عرض
لموضوع الدولة الأموية والأحداث التي عاصرتها ، فتأكد لي هذا الاتجاه عنده .
ونحن لا نريد مناقشة ابن الأثير حول نسب العبيديين ، فقد كتب الكثير حول
هذا الموضوع ، وآراء العلماء والمؤرخين الذين دحضوا نسبهم وكذبوهم فيه
موجودة معروفة لمن أرادها ، ولكن سنكتفي بذكر أعمالهم القبيحة التي لم يشر إليها
هذا المؤرخ ولم يعلق عليها أو ينتقدها ، مع أنه نقد أعمال غيرهم من الملوك الذين
هم أفضل منهم بكثير ، بل لا يقارنون بهم ، ومع أن ابن الأثير من أسرة علمية
مشهورة ، فهو صاحب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) ، وأخوه مجد الدين أبو
السعادات صاحب (جامع الأصول) ، ووالده من كبار موظفي الدولة الزنكية ، وهي
دولة سنية ، وعاش في مدينة سنية وهي الموصل ، وقد تتبعت من كتب عنه أو
ترجم له أو لمن أخذ عنهم من العلماء ؛ فلم أجد جواباً شافياً عن السؤال المتبادر : ما
هو سبب هذا الاتجاه عند ابن الأثير ؟ ؛ وقد انتقدوه لتحامله أحياناً على صلاح
الدين الأيوبي ، وعللوا ذلك بتعصبه للأسرة الزنكية والأخلاق ، ولكن لم يشيروا إلى
مدحه لملوك الدولة العبيدية وغيرهم مما سنوضحه في هذا المقال ، ولعل الله ييسر
لنا الاطلاع على مصادر أخرى ، لنحاول كشف أسباب هذا الميل عند مؤرخنا
الكبير .
الدولة العبيدية :
نشأت هذه الدولة في المغرب بين قبائل تجهل الإسلام ؛ فانخدعوا بدعوة أبي
عبد الله الشيعي ، وناصروه حتى استقر له الأمر ، واطمئن فكتب إلى رئيسه
الباطني في مدينة (سلمية) في بلاد الشام أن يقدم إليه ، فلما دخل المغرب تسمَّى
بعبيد الله ، ولقَّب نفسه بالمهدي ، والعلماء يقولون : إن اسمه سعيد ، وهو من ولد
ميمون القداح الملحد المجوسي . وعندما تمكن عبيد الله بطش بأقرب الناس إليه
والذي أسس له الملك ، داعيته أبي عبد الله الشيعي ، وبطش بالمخالفين من قبيلة
(كتامة) ، ولم يعلق ابن الأثير على ظلمه هذا ، بينما نجده ينتقد ما فعله عبد الملك
بن مروان بعمرو بن سعيد الأشدق حين غدر به وقتله ، فقال : » وكان عبد الملك
أول من غدر في الإسلام « [1] ، وعندما ذكر كلام عبد الملك في مرضه الأخير
وهو يذم الدنيا ويحذر من الآخرة قال : » ويحق لعبد الملك أن يحذر هذا ويخاف ،
فإن من يكون الحجاج بعض سيئاته ، علم أيَّ شيء يقدم عليه « [2] ، أما ما فعله
عبيد الله بالعلماء العاملين الذين كرهوا دولته وعقيدته الفاسدة كالإمام أبى جعفر
محمد بن خيرون المعافري ، حين قتل تحت أرجل زبانية عبيد الله [3] ، فهذا لا
يذكره ابن الأثير ، وجرائم عبيد الله وذريته بعلماء أهل السنة كثيرة كابن البردون
الإمام الشهيد ، الذي قتله داعية عبيد الله صلباً [4] ، والإمام الشهيد قاضي مدينة
برقة محمد بن الحبلي الذي قتله إسماعيل الملقب بالمنصور ، وهو حفيد عبيدالله .
يقول الذهبي : علق في الشمس إلى أن مات ، وكان يستغيث من العطش فلم يسق ،
ثم صلبوه ، فلعنة الله على الظالمين [5] .
يقول المؤرخ عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الملقب بأبي شامة عن عبيد
الله : » وكان زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام ، متظاهراً بالتشيع ، قتل من الفقهاء
والمحدثين جماعة كثيرة ، ونشأت ذريته على ذلك ، وكان يرسل إلى الفقهاء
والعلماء فيذبحون في فرشهم ، وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين « [6] .
ويقول عن أولاده : » ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم ، وزاد شره على شر
أبيه أضعافاً ، وجاهر بشتم الأنبياء « [7] .
هذا رأي كثير من علماء المسلمين والمؤرخين في ذرية عبيد الله ، ولكن ابن
الأثير في ترجمته لملوك هذه الدولة لا يكتفي بالسكوت عن مساوئهم ، بل يمدحهم
ويطريهم ، ويحاول التهوين من شأن عقائدهم المخالفة لعقائد أهل السنة . قال في
ترجمة معد بن إسماعيل الملقب بالمعز ، وهو رابع ملوكهم : » وكان فاضلاً جواداً ،
شجاعاً ، جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة وإنصاف الرعية ، وستر ما
يدعون إليه إلا عن الخاصة ، ثم أظهر ، وأمر الدعاة بإظهاره ، إلا أنه لم يخرج فيه
إلى حد يذم به « [8] .
وإذا كان سب الصحابة وإكراه الناس على عقائدهم الفاسدة شيء لا يذم ، فمتى
إذن يذمون ؟ ! .
وحاول مرة أخرى الاعتذار عن شاعر (المعز) محمد بن هانئ الذي قتل في
برقة وهو مرافق لسيده في انتقاله إلى مصر ، قال : » وكان من الشعراء المجيدين
إلا أنه غالى في مدح المعز ، حتى كفَّره العلماء لقوله :
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
وبعد أن سرد له أشعاراً أخرى توجب الكفر قال : » وبالجملة فقد جاوز حد
المديح « ، هكذا مجاوزة فقط ، وليس كفراً صريحاً .
وبعد أن استقر المقام للمعز في مصر أرسل أحد قواده لأخذ بلاد الشام ،
واستطاع هذا القائد احتلال دمشق ، إلا أن الشريف أبا القاسم الهاشمي جمع الناس
للمقاومة ، فقال ابن الأثير : » فجمع أحداثها ، ومن يريد الفتنة ، فثار بهم في
الجمعة الثانية ، وأبطل الخطبة للمعز « [9] .
والمعز هذا الذي يقول عنه ابن الأثير : » وكان فاضلاً « كان مغرمَّاً بالنجوم
ويعمل بأقوال المنجمين ، وقد أشار عليه أحدهم أن يختفي سنة كذا لأنها شؤم عليه ،
فعمل سرداباً واختفى فيه ، فكان أحد جنوده إذا رأى سحاباً سلم عليه ظناً منه أن
المعز فيه [10] ، وهذا يدل على تشجيعه للغلو فيه .
وجاء بعد المعز ابنه نزار الملقب بـ (العزيز) الذي استوزر يعقوب بن
يوسف ابن كلس ، وهو يهودي الأصل ، ثم عيسى بن نسطورس النصراني الذي
استناب على الشام يهودياً يعرف بـ (منشا) ، فارتفعت كلمة النصارى واليهود في
عهد هذا الوزير ، وكان وزير المنصور الملقب ب : (الحاكم) وزيراً نصرانياً اسمه
فهد بن إبراهيم . كما أن وزير الحافظ كان بهرام الأرمني الذي استقطب حوله أبناء
جنسه وأساء السيرة ، حتى اضطر للهرب إلى بلاد الشام [11] .
وأما أفعال (الحاكم) القبيحة ، ومحاولة ادعائه الربوبية ، وتصرفاته الغريبة
المتناقضة فهي مشهورة معلومة ، وفي أواخر عهد العبيديين : استعانوا بالروم خوفاً
من توسع دولة نور الدين زنكي ، مما اضطره لإرسال صلاح الدين الأيوبي لإنقاذ
مصر من الخطر المحدق بها .
والخلاصة أنها دولة باطنية إسماعيلية ابتلي بها المسلمون أكثر من قرنين .
مع البويهيين :
ليس من العسير لمن يقرأ ما كتبه ابن الأثير في (الكامل) أن يحس بتعاطفه
مع الدولة البويهية ، فهو لا يذكرهم إلا مادحاً معظماً الأوائل منهم ، بل يغالي في
المديح أحياناً عندما يعتبر وفاة ركن الدولة الحسن بن بويه مصيبة للدين والدنيا معاً ،
ثم يقول في نهاية ترجمته : (رضي الله عنه وأرضاه) .
وفي ترجمته لمعز الدولة البويهي -وهو ثالث الإخوة الذين حكموا العراق
وبلاد فارس- ، يقول ابن الأثير : » وكان حليماً كريماً عاقلاً « . أما ابن كثير
فيقول عنه : » بنى داراً ببغداد ، فخرب معالم بغداد بسببها ، وكان رافضياً خبيثاً ،
وفي عهده كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد بلعن كبار الصحابة من
الخلفاء الراشدين ولم ينكر عليهم معز الدولة ، ولم يغيِّره ، قبَّحه الله وقبح شيعته من
الروافض « [12] .
ويقول ابن الأثير عن عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه : » وكان
عاقلاً فاضلاً ، حسن السياسة ، كثير الإصابة ، محباً للفضائل وأهلها « [13] .
والحقيقة : أن عضد الدولة لا يختلف كثيراً عن (معز الدولة) ، وكان وزيره
نصر بن هارون نصرانياً ، وهو الذي أنفق سنة كاملة لعمارة المشهد العلوي [14] .
والدولة البويهية كانت من الأسباب القوية لإضعاف الخلافة العباسية ، بل فكَّر
ملوكها بإزالة الخلافة عن بني العباس ونقلها إلى الطالبيين ، لولا النصيحة التي
جاءت بأن وجود خليفة عباسي ضعيف خير من وجود خليفة طالبي تزول بوجوده
شرعية البويهيين أمام أتباعهم الشيعة ، ومع ذلك فقد كانوا مستهترين بالخلافة ، فقد
نهب بهاء الدولة قصر الخليفة الطائع وقبض عليه وخلعه من الخلافة ، وكانت
للدولة البويهية صلات جيدة مع القرامطة الباطنيين [15] .
ولم يقدموا أي مساعدة للمسلمين الذين قدموا بغداد سنة 361 هـ مستغيثين
من الروم ، وكان السلطان البويهي في رحلة صيد في الكوفة فخرج أهل بغداد
منكرين عليه ذلك ، فوعدهم بالمساعدة ، ثم إن " بختيار " طلب من الخليفة مالاً
لتجهيز الناس ، وأجبره على دفع المال ، ثم صرفه في مصالحه الخاصة وبطل
حديث الغزاة [16] .
الإمارة الأسدية :
عندما ضعفت الخلافة العباسية طمع كل صاحب قوة في اقتسامها ، وأخذ
جزءاً منها ليعلن فيه مملكته ولو كانت هذه المملكة مدينة صغيرة ، وفي هذا الجو
من التمزق والأنانية وجدت الإمارة الأسدية ، نسبة إلى بني أسد بن خزيمة ، وأول
أمرائهم المشهورين : علي بن مزيد ، ثم ابنه المنصور ، وبرزت في عهد صدقة بن
منصور الذي أنشأ مدينة الحلة [17] واتخذها عاصمة قبيلته وإمارته ، كما اتخذوا
التشيع عقيدة لهم .
هذه الإمارة مثل بقية الدول الصغيرة التي عاشت في هذا العصر ، تعيش على
التناقضات والتحالفات مع السلاطين الأقوياء ولا تهتم بمصلحة عامة ، فهي لا تقيم
ديناً ولا دنيا ، وإن كان أمراؤها الأوائل من أصحاب الشجاعة والكرم .
وابن الأثير يمدح هؤلاء الأمراء ولا يذكر مساوئهم ، وأهمها : الخروج على
الخليفة وعلى السلطان السلجوقي ، وإفناء الناس بحروب تخدم مصلحتهم ، فقد قتل
صدقة بن دبيس في قتاله مع السلطان محمد بن ملكشاه وهو عند مؤرخنا (من
محاسن الدنيا) . أما ابنه دبيس بن صدقة فقد عاث في الأرض فساداً ، فاضطر
الخليفة لقتاله ، ودارت الدائرة على دبيس فانهزم وفر إلى شمالي الجزيرة ، والتحق
بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وحسن لهم أخذها ، ثم فارقهم والتحق بالملوك
السلاجقة ، ثم قتله السلطان مسعود بن محمد ، يقول الذهبي : » وأراح الله الأمة
منه ، فقد نهب وأرجف وفعل العظائم « [18] .
استمرت هذه الإمارة بعد دبيس ضعيفة ممزقة قائمة على النهب والسلب
والإفساد ، مما اضطر الخليفة أن يأمر بإجلاء بني أسد عن الحلة ، وذلك عام
558 هـ .
الصليحيون :
كما يمدح ابن الأثير علي بن محمد الصليحي الذي ملك اليمن كلها عام
455 هـ ، وكان داعية للدولة العبيدية في مصر ، فيقول عنه : » ودخل مكة مالكاً
لها ، وظهرت منه أفعال جميلة « [19] ، ولا يذكر أنه على مذهب العبيديين .
وقد يقال : إن ابن الأثير مؤرخ حيادي ، يذكر ما سمعه ، وما نقله ، ولا
يتدخل في النصوص ، وإنما يعرضها كما وجدها ، ويترك مهمة البحث والنقد لغيره .
ولكننا نراه في مواضع أخرى ينتقد أو لا يذكر محاسن بعض الملوك ، ويمدح في
حين يمدح غيرهم كما مدح ملوك البويهيين والعبيديين .
فعندما ترجم للخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس لم يزد على
أن ذكر أوصافه الجسمية ، وكم بقى في الحكم ، ولم يذكر شيئاً من حسناته وفتوحاته
وجهاده مع الفرنجة ، واكتفى بالقول في نهاية الترجمة : » وكان ناسكاً « [20] .
هذه أمثلة من مزالق خفية ، أردت التنبيه عليها ، والقصد هو تنقيح تاريخنا
وتصحيحه ، ولم أرد من ورائها تنقص ابن الأثير ، ولا التهوين والإقلال من قيمة
كتابه (الكامل) ، فهو مجهود عظيم يستحق التقدير .
________________________
(1) الكامل 4 / 522 .
(2) المصدر السابق 4/521 .
(3) سير أعلام النبلاء 14 /217 .
(4) المصدر السابق 14 /216 .
(5) المصدر السابق 15 / 374 .
(6) الروضتين في أخبار الدولتين 1 /201 .
(7) المصدر السابق 1 / 202 .
(8) الكامل 8 / 665 .
(9) المصدر السابق 8 / 591 .
(10) المصدر السابق 8 / 664 .
(11) د محمد ماهر حمادة : الوثائق السياسية 4 / 44 .
(12) البداية والنهاية 11 / 256 .
(13) الكامل 9 ، / 19 .
(14) المظفري : تاريخ الشيعة /212 .
(15) الكامل 8/615 .
(16) المصدر السابق 8/618 .
(17) قال في الروض المعطار في خبر الأقطار : وهي مدينة كبيرة منفية على شط الفرات بناها سيف
الدولة زعيم بني مزيد حوالي 495 هـ انظر الروض / 197 بتحقيق إحسان عباس .
(18) سير أعلام 19 / 613 .
(19) الكامل 10 / 30 .
(20) الكامل 8 / 535 .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 9 ] صــ ‌ 54 ربيع الآخر 1408 ـ ديسمبر 1987 ))

شهاب الدين
01-12-04, 10:52 PM
السلام عليكم
بارك الله فيكم