المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي(1-2)


عبدالله بن خميس
20-11-04, 02:39 PM
دراسات تاريخية
عبد الله بن سبأ
في ميزان البحث العلمي
-1-
د . محمد أمحزون
تمهيد :
موضوع « عبد الله بن سبأ والسبئية » أحد الأبحاث التي تطرق إليها
بالدراسة الكثير من الباحثين من المسلمين والمستشرقين ، ومن أهم الدراسات في
هذا الباب بحث الدكتور سليمان بن حمد العودة بعنوان « عبد الله بن سبأ وأثره في
إحداث الفتنة في صدر الإسلام » وبحث « عبد الله بن سبأ بين الحقيقة والخيال »
د . سعدي الهاشمي ، وبحث الأستاذ أحمد عرفات القاضي بعنوان « إنكار ابن سبأ
نقش على الماء » [1] .
وهذه الدراسة للدكتور (محمد أمحزون) مناقشة بحث جديد حول الموضوع
نفسه لباحث لم يأت بجديد وإنما هو نقل عن الباحثين حول تلك الشخصية ، والناقد
(الكاتب) أحد المتخصصين في دراسة التاريخ ، وعضو هيئة التدريس في جامعة
« مكناس » بالمغرب (قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
- البيان -
هذه الدراسة نقد للبحث الذي نشره د . عبد العزيز الهلابي أستاذ التاريخ
الإسلامي في جامعة الملك سعود ، في حوليات كلية الآداب الكويتية عن عبد الله بن
سبأ ، تدخل في مجال اهتمامات التاريخ الإسلامي ، وقد قام فيه المؤلف بتحليل
روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن دور عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة
الواقعة في خلافة عثمان وعلي رضي الله عنهما حيث انتهى بحثه إلى أن تلك
الروايات مختلقة ولا أساس لها من الصحة ! ! ثم أورد النصوص عن « السبئية »
في بعض المصادر المتقدمة فأوضح أنه من خلال استخدامها في تلك المصادر لا
تعني جماعة لها عقيدة دينية أو مذهب سياسي محدد ، وأنها أطلقت على أناس
مختلفين ، وكان يقصد بها في كل الأحوال الذم والتعيير ، وبعد أن ناقش أقوال
الباحثين المعاصرين وآراءهم من عرب ومستشرقين خلص في بحثه إلى أن ابن
سبأ شخصية وهمية ، وأن الدور المنسوب إليه في إثارة الأحداث وتسييرها دور
مزعوم .
إن هذا البحث الذي كتبه د . الهلابي يعتبر أحدث دراسة مستقلة أفردت عن
عبد الله بن سبأ ولذلك أحببت إبداء بعض الملحوظات حول الآراء التي تبناها حيث
نفى في بحثه وجود تلك الشخصية ، وأن ابن سبأ في رأيه لا يعدو أن يكون مجرد
خرافة سطرتها كتب التاريخ والفرق ! !
ومن الملحوظات على هذه الدراسة ما يلي :
أولاً سيف بن عمر لم ينفرد بالرواية :
يقول د . الهلابي في ص (13) من بحثه : « ينفرد الإخباري سيف بن عمر
التميمي من بين قدامى الإخباريين والمؤرخين بذكر تلك الشخصية في رواياته ،
ويجعل له دوراً رئيساً في التحريض على الفتنة ، وقتل الخليفة عثمان وإنشاب
القتال في معركة الجمل في البصرة » [2] .
في الواقع أن سيف بن عمر لم يكن المصدر الوحيد الذي استأثر بأخبار عبد
الله بن سبأ ، بل ورد ذكر أخبار ابن سبأ وطائفته منقولة عن علماء متقدمين ورواة
غير سيف بن عمر مثل :
* سويد بن غفلة أبو أمينة الجعفي الكوفي المتوفى عام (80 ه/ 699م) ،
مخضرم ثقة ، من أصحاب علي رضي الله عنه [3] جاء في « طوق الحمامة »
لحيي بن حمزة الزيدي وفي « اللفظ » للبرقاني أنه دخل على علي في إمارته فقال
: « إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك ،
منهم عبد الله بن سبأ ، فقال علي : مالي ولهذا الخبيث الأسود ، ثم قال : معاذ الله
أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل ، ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيّره إلى المدائن ،
ونهض إلى المنبر حتى إذا اجتمع الناس أثنى عليهما خيراً ، ثم قال : أو لا يبلغني
عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري [4] .
* زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي المتوفى قبل عام (90ه/709م) ،
روى عن علي بن أبي طالب ، وهو من جلة التابعين ، متفق على الاحتجاج به ،
أخرج ابن عساكر في « تاريخ دمشق » عنه قال : « قال علي بن أبي طالب :
مالي ولهذا الخبيث الأسود ، يعني عبد الله بن سبأ ، وكان يقع في أبي بكر
وعمر » [5] .
* إبراهيم بن يزيد النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه الثقة المتوفى عام (96
هـ / 714 م) [6] . روى ابن سعد في « طبقاته » أن رجلاً كان يأتيه فيتعلم منه،
فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان ، فقال : أنا أتعلم من هذا الرجل وأرى
الناس مختلفين في أمر علي وعثمان ، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال : « ما
أنا بسبأي ولا مرجئ » [7] .
* الشعبي عمر بن شراحيل الحميري اليمني المتوفى عام (103ه/721م) ،
من رواة الأنساب والأخبار الثقات [8] . أخرج عنه ابن عساكر في « تاريخ دمشق»
قال : « أول من كذب عبد الله بن سبأ » [9] .
*سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني المتوفى عام
(106ه/721م) ، كان أحد فقهاء التابعين ، ثبتاً فاضلاً [10] ، روى يعقوب بن
سفيان الفسوي في كتابه « المعرفة والتاريخ » قال : « قال أبو الوليد : سألني سالم
بن عبد الله بن عمر : ممن أنت ؟ فقلت : من أهل الكوفة ، فقال : بئس القوم بين
سبأي وحروري » [11] .
* أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي المعمر المتوفى عام
(110ه/ 728م) ، روى عن علي بن أبي طالب ، قال فيه الحافظ الذهبي :
وبه ختم الصحابة في الدنيا [12] . أخرج ابن عساكر عنه قال : « رأيت المسيب
ابن نجبة أتى به ملببه ، يعني ابن السوداء ، وعلي على المنبر ، فقال علي : ما
شأنه ؟ فقال : يكذب على الله ورسوله [13].
* حُجيّة بن عدي الكندي أبو الزعراء الكوفي ، روى عن علي وجابر وهو
من الطبقة الثالثة [14] . ذكر ابن عساكر عنه أنه رأى علياً على المنبر ، وهو
يقول : من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله ورسوله يعني ابن
السوداء [15] .
* أبو الجلاس الكوفي ، روى عن علي بن أبي طالب ، من الطبقة
الثالثة [16] . نقل ابن عساكر عنه قال : « سمعت علياً يقول لعبد الله بن سبأ :
ويلك ! والله ما أفضي إليّ بشيء كتمته أحداً من الناس ، ولقد سمعته يقول : إن
بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وإنك لأحدهم [17] .
* قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى عام (117ه/735م) ، من ثقات التابعين
وحفاظهم ، روى عن أبي الطفيل وأنس بن مالك ، كان آية في الحفظ
والرواية [18] . نقل الإمام الطبري في تفسير قوله : « وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية
] فأما الذين في قلوبهم زيغ ... [ قال : إن لم يكونوا الحرورية والسبئية
فلا أدري » [19] .
* أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى عام (157ه/773م) [20] . نقل
الإمام الطبري عنه في « تاريخه » رواية يصف فيها أشراف أهل الكوفة لخصومهم
من أصحاب المختار بالسبئية [21] .
ثانياً الموهوم لا يدفع المعلوم :
يقول المؤلف : « لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد
الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية عند البلاذري » [22] .
إن المصادر المتقدمة التي اطلع عليها د . الهلابي إذا كانت أغفلت موضوع
ابن سبأ والسبئية ، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه شخصية خرافية ، إذ إن عدم ذكرها
له لا يقوم دليلاً على الإنكار أو التشكيك ، فهل استوعَبَت تلك المصادر كل أحداث
التاريخ الإسلامي حتى نقف وقفة المنكر أو المتشكك إذا لم تذكر شيئاً عن ابن سبأ ؟!
وهل من شروط صحة الرواية التاريخية تضافر كل كتب التاريخ على ذكرها ؟ !
ثم هل نسي د . الهلابي أن المصادر القديمة ضاع كثير منها فأصبحت مفقودة أو في
حكم المفقود ، حيث ضاع كثير من مؤلفات الزهري وابن إسحاق والواقدي
والمدائني وابن شبّه والأصمعي والهيثم بن عدي وعروة بن الزبير وغيرهم ، إلا ما
استوعبته بعض المصنفات الموسوعية كتاريخ الطبري مثلاً ؟
ومن هنا ينبغي الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق للخروج من الشبهات
والتوهمات ، إذ إن الموهوم لا يدفع المعلوم ، و المجهول لا يعارض المحقق
فشخصية ابن سبأ وجماعته حقيقة تاريخية يتفق عليها كثير من المصادر المتقدمة
غير البلاذري .
جاء ذكر السبئية على لسان أعشى همذان المتوفى عام (83ه/702م) وقد
هجى المختار وأنصاره من أهل الكوفة بقوله :
شهدت عليكم أنكم سبئية وأني بكم يا شرطة الكفر عارف [23]
وجاء ذكر السبئية في كتاب « الإرجاء » للحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى
عام (95ه/713م) ، الذي أمر بقراءته على الناس وفيه : « ... ومن خصومة هذه
السبئية التي أدركنا ، إذ يقولون هدينا لوحي ضل عنه الناس » [24] .
وفي الطبقات لابن سعد المتوفى عام (230ه/844م) ورد ذكر معتقدات
السبئية وأفكار زعيمها ، فعن عمرو بن الأصم قال : قيل للحسن بن علي : إن أناساً
من شيعة أبي الحسن علي عليه السلام يزعمون أنه دابة الأرض ، وأنه سيبعث قبل
يوم القيامة ، فقال كذبوا ، ليس أولئك شيعته أولئك أعداؤه ، لو علمنا ذلك ما قسمنا
ميراثه ولا أنكحنا نساءه ... » [25] . علماً بأن ما ذكر في هذا النص لا يخرج
عما جاء به ابن سبأ من آراء ، وأكده علماء الفرق والنحل والمؤرخون في
كتبهم [26] .
وتحدث ابن حبيب المتوفى عام (245ه/860م) عن ابن سبأ حينما اعتبره أحد
أبناء الحبشيات [27] ، كما روى أبو عاصم خُشيش بن أصرم المتوفى عام
(253ه/ 859م) خبر إحراق علي رضي الله عنه لجماعة من أصحاب ابن سبأ في
كتابه « الاستقامة » [28] .
وفي « البيان والتبيين » للجاحظ المتوفى عام (255ه/868م) رواية تشير
إلى عبد الله بن سبأ [29] ، كما ذكر الجوزجاني المتوفى عام (259ه/873م) وهو
من علماء الجرح والتعديل ، أن من مزاعم عبد الله ادعاءه أن القرآن جزء من تسعة
أجزاء ، وعلمه عند علي ، وأن علياً نفاه بعد ما كان هم به » [30] .
ويقول ابن قتيبة المتوفى عام (276ه/889م) في « المعارف » : « السبئية
من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ » [31] .
ويذكر البلاذري المتوفى عام (279ه/892م) ابن سبأ في جملة من أتوا إلى
علي رضي الله عنه يسألونه عن رأيه في أبي بكر وعمر ، فقال لهم : أوتفرغتم لهذا؟
وحينما كتب علي الكتاب الذي أمر بقراءته على أنصاره كان منه عند عبد الله ابن
سبأ نسخة عنه فحّرفها » [32] .
وأورد الناشيء الأكبر المتوفى عام (293ه/905م) عن ابن سبأ وطائفته ما
يلي : « وفرقة زعموا أن علياً عليه السلام حي لم يمت ، وأنه لا يموت حتى يسوق
العرب بعصاه ، وهؤلاء هم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكان عبد الله بن سبأ
رجلاً من أهل صنعاء ، يهودياً ... وسكن المدائن » [33] .
ثالثاً السبئية في المصادر وليست للذم والتعيير فقط :
بعد أن ذكر المؤلف نصوصاً نثرية وشعرية ورد فيها ذكر السبئية ، قال :
« وبناءً على هذا فلا يمكن الاستنتاج من النصوص السابقة أن السبئية تعني فئة
لها هوية سياسية معينة ، أو مذهب عقائدي محدد ، ولكن المؤكد أنها عندما تطلق
على قوم يقصد بها الذم والتعيير » [34] .
إن هذا الاستنتاج للباحث لا يخلو من المغالطة والتمويه ، فهو يحاول جاهداً
التشكيك في السبئية إلى حد جعله يتأولها مجرد كلمة تستعمل للسب والذم ! !
إني لأكاد أدهش حين يقول ذلك ، وهو نفسه يذكر نصاً شعرياً للفرزدق [35]
فيه إشارة واضحة إلى ابن سبأ اليهودي الأصل ، الهمداني اليمني المنشأة .
تعرف همدانية سبئية وتكره عينيها على ما تنكرا
ولو أنهم إذا نافقوا كان منهم يهوديهم كانوا بذلك أعذرا
على أن وجود عبد الله بن سبأ وارتباط السبئية به مما أطبقت عليه المصادر ،
فذكرته كتب التاريخ والحديث والطبقات والرجال والأنساب والأدب واللغة ، وجزم
بذلك علماء الفرق والمقالات .
فقد نقل القمي المتوفى عام (301ه/913م) أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر
الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة ، وتبرأ منهم وادعى أن علياً أمره
بذلك [36] .
وأما الإمام الطبري المتوفى عام (310ه/922م) فقد أفاض في تاريخه في ذكر
أخبار ابن سبأ ومكائده معتمداً على روايات الإخباري سيف بن عمر التميمي عن
شيوخه [37] .
ويتحدث النوبختي المتوفى عام (310ه/922م) عن أخبار ابن سبأ فيذكر أنه
لما بلغ نعي علي بالمدائن قال للذي فعله : كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة ،
وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ، ولا يموت حتى يملك
الأرض [38] .
ويقول أبو حاتم الرازي المتوفى عام (322ه/933م) أن عبد الله بن سبأ ومن
قال بقوله من السبئية كانوا يزعمون أن علياً هو الإله ، وأنه يحيى الموتى وادعوا
غيبته بعد موته [39] .
وأكد ابن عبد ربه المتوفى عام (328ه/939م) أن ابن سبأ وطائفته السبئية قد
سلكوا مسلك الغلو في علي حينما قالوا هو الله خالقنا ، كما غلت النصارى في
المسيح بن مريم [40] .
ويذكر أبو الحسن الأشعري المتوفى عام (330ه/941م) عبد الله بن سبأ
وطائفته من ضمن أصناف الغلاة ، إذ يزعمون أن علياً لم يمت ، وأنه سيرجع إلى
الدنيا فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً [41] .
وروى الكشي المتوفى عام 340ه/951م) بسنده إلى أبي جعفر محمد الباقر
قوله : إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ، ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام
هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، كما روى بسنده إلى علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب : « لعن الله من كذب عليناً ، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت
كل شعرة في جسدي ، لقد ادعى أمراً عظيماً ، ماله لعنه الله » [42] .
ويقول ابن حبان المتوفى عام (354ه/965م) : « وكان الكلبي محمد ابن
السائب الإخباري سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ ، من أولئك الذين يقولون : إن
علياً لم يمت ، وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة ، وإن رأوا سحابة قالوا : أمير
المؤمنين فيها » [43] .
ويقول المقدسي المتوفى عام (355ه/965م) في كتابه « البدء والتاريخ » :
إن عبد الله بن سبأ قال عندما بلغه موت علي بن أبي طالب : لا يموت حتى يسوق
العرب بعصاه [44] .
ويكشف الملطي المتوفى عام (377ه/989م) عن عقيدة السبئية فيقول :
« ففي عهد علي رضي الله عنه جاءت السبئية إليه وقالوا : أنت أنت ! قال : من
أنا ؟ قالوا : الخالق الباريء ، فاستتابهم فلم يرجعوا فأوقد لهم ناراً عظيمة
فأحرقهم [45].
ويذكر كبير محدثي الشيعة ابن بابويه القمي المتوفى عام (381ه/991م)
موقف ابن سبأ وهو يعترض على علي رضي الله عنه في رفع اليدين إلى السماء
أثناء الدعاء [46] .
وفي « مفتاح العلوم » للخوارزمي المتوفى عام (387ه/997م) : « السبئية
أصحاب عبد الله بن سبأ » [47] .
وذكر البغدادي المتوفى عام (499ه/1037م) أن فرقة السبئية أظهروا دعوتهم
في زمان علي رضي الله عنه فأحرق قوماً منهم ، ونفى ابن سبأ إلى سباط المدائن ،
إذ نهاه ابن عباس رضي الله عنهما عن قتله حينما بلغه غلوه فيه ، وأشار عليه بنفيه
إلى المدائن حتى لا يختلف عليه أصحابه ، لاسيما وهو عازم على العود إلى قتال
أهل الشام [48] .
وقال أبو جعفر الطوسي المتوفى عام (460ه/1067م) إن ابن سبأ رجع إلى
الكفر وأظهر الغلو [49] .
ويقول الاسفراييني المتوفى عام (471ه/1078م) إن ابن سبأ قال بنبوة علي
في أول أمره ، ثم دعا إلى ألوهيته ، ودعا الخلق إلى ذلك ، فأجابته جماعة إلى ذلك
في وقت علي [50] .
ويتحدث الشهرستاني المتوفى عام (548ه/1153م) عن ابن سبأ فيقول :
« ومنه انشعبت أصناف الغلاة » [51] . ويقول أيضاً : إن ابن سبأ أول من
أظهر القول بالنص بإمامة علي » [52] .
كما أن كتب الأنساب هي الأخرى تؤكد نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ ،
ومنها كتاب الأنساب للسمعاني المتوفى عام (562ه/1167م) [53] .
وعرّف ابن عساكر المتوفى عام (571ه/1176م) ابن سبأ بقوله : « عبد الله
ابن سبأ الذي تنسب إليه السبئية ، وهم الغلاة من الرافضة ، أصله من اليمن ، كان
يهودياً وأظهر الإسلام » [54] .
وفي اللباب في تهذيب الأنساب « يذكر ابن الأثير المتوفى عام
(630ه/ 1232م) ارتباط السبئية من حيث النسبة بعبد الله بن سبأ » [55] .
وذكر ابن أبي الحديد المتوفى عام (655ه/1257م) في « شرح نهج البلاغة
ما نصه : « فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أظهر ابن سبأ مقالته وصارت له
طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه » [56] .
وذكر السكسكي المتوفى عام (683ه/1284م) أن ابن سبأ وجماعته أول من
قالوا بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت [57] .
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى عام (728ه/1327م) أن أصل الرفض
من المنافقين الزنادقة ، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق ، وأظهر الغلو في علي بدعوى
الإمامة والنص عليه ، وادعى العصمة له » [58] .
وأشار الحسن الحلبي المتوفى عام (740ه/1339م) إلى أن ابن سبأ ضمن
أصناف الضعفاء [59] .
وعند الحافظ الذهبي المتوفى عام (748ه/1347م) : « عبد الله بن سبأ من
غلاة الشيعة ، ضال مضل » [60] .
أما الصفدي المتوفى عام (764ه/1363م) فقد قال في ترجمته : « عبد الله
ابن سبأ رأس الطائفة السبئية ... فلما قتل علي زعم ابن سبأ أنه لم يمت لأن فيه
جزءاً إلهياً ، وابن ملجم إنما قتل شيطاناً تصور بصورة علي ، وأن علياً في
السحاب ، والرعد صوته ، والبرق صوته ، وأنه سينزل إلى الأرض » [61] .
ويشير الشاطبي المتوفى عام (790ه/1388م) إلى أن بدعة السبئية من البدع
الاعتقادية المتعلقة بوجود إله مع الله تعالى الله وهي بدعة تختلف عن غيرها من
المقالات [62] .
ويعرف الجرجاني المتوفى عام (816ه/1413م) عبد الله بن سبأ بأنه رأس
الطائفة السبئية ... وأن أصحابه عندما يستمعون الرعد يقولون : عليك السلام يا
أمير المؤمنين » [63] .
وفي خطط المقريزي المتوفى عام (845ه/1441م) أن عبد الله بن سبأ قام في
زمن علي رضي الله عنه مُحدثاً القول بالوصية والرجعة والتناسخ [64] .
وسرد الحافظ ابن حجر المتوفى عام (852ه/1448م) في كتابه : « لسان
الميزان » عن ابن سبأ أخباراً غير روايات سيف بن عمر ، ثم قال في النهاية :
« وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ ، وليس له رواية والحمد لله » [65] .
وفي عقد الجمان للعيني المتوفى عام (855ه/1451م) أن ابن سبأ دخل مصر
وطاف في كورها ، وأظهر الأمر بالمعروف ، وتكلم في الرجعة ، وقررها في قلوب
المصريين [66] .
وأكد السيوطي المتوفى عام (911ه/1505م) في كتاب « لب الألباب في
تحرير الأنساب » نسبة السبئية إلى عبد الله بن سبأ [67] .
وتحسن الإشارة إلى أنه لا ينبغي الغض من قيمة المصادر المتأخرة التي
ذكرت السبئية ، ذلك أن أصحابها كابن كثير والذهبي وابن حجر والسيوطي
وغيرهم من الأئمة الحفاظ ، كانوا يستقون معلوماتهم من مصادر قديمة وقيمة بعضها
الآن في عداد المفقود ، كما عرفوا بسعة اطلاعهم ، وغزارة معارفهم وتقصيهم
الدقيق للأخبار ، حتى إن الباحث يندهش مثلاً عندما يطلع على كثرة الطرق
وتنوعها في رواية ابن حجر لأحداث تاريخية ، ومن مصادر متقدمة كأخبار البصرة
لابن شبه ، وكتاب صفين لحيي بن سليمان الجعفي ، والمعرفة والتاريخ للفسوي ،
وتاريخ أبي زُرعة الدمشقي ، وغيرها من كتب التاريخ .
وللحوار بقية . في العدد القادم بإذن الله .
________________________
(*) دورية علمية تصدر عن جامعة الكويت .
(1) المنشور في مجلة الأزهر بدءاً من العدد (5 السنة 63) الصادر في جمادى الأولى عام 1411 هـ
.
(2) الهلابي : عبد الله بن سبأ : دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة ، ص 13 .
(3) انظر : العجلي : الثقات ، ص 212 ، وابن حجر : تقريب التهذيب ، ج1 ، ص341 .
(4) يحيى بن حمزة الزيدي : طوق الحمامة (نقلاً عن إحسان إلهي ظهير : السنة والشيعة ، ص 8) ،
وابن حجر : لسان الميزان ، ج3 ، ص 280 ، وتهذيب التهذيب ، ج2 ، ص 214 ، قال : (رواه
البرقاني في اللفظ) .
(5) ابن عساكر : تاريخ دمشق (المخطوط) ج9 ، ص 331 .
(6) الذهبي : الكاشف ، ج1 ، ص51 ، وابن حجر : التهذيب ، ج1 ، ص 177 .
(7) ابن سعد : الطبقات ، ج6 ، ص 192 .
(8) انظر : الفسوي : المعرفة والتاريخ ، ج2 ص 592 ، والخطيب : تاريخ بغداد ج12 ، ص 227
.
(9) ابن عساكر : المصدر السابق (المخطوط) ، ج9 ص 331 .
(10) انظر : ابن سعد : المصدر السابق ، ج5 ص195 ، وخليفة : الطبقات ، ص 246 .
(11) الفسوي : المصدر السابق ، ج2 ص7658 .
(12) انظر : الذهبي : الكاشف ، ج2 ، ص52 وابن حجر : التقريب ، ج 1 ، ص389 .
(13) ابن عساكر : المصدر السابق (المخطوط) ج9 ، ص331 .
(14) انظر : العجلي : المصدر السابق ص110 وابن حبان : الثقات ، ج4 ص92 .
(15) ابن عساكر : المصدر السابق (المخطوط) ج9 ، ص 331 .
(16) انظر : ابن حجر : لسان الميزان ، ج3 ص289 .
(17) ابن عساكر : المصدر السابق (المخطوط) ج9 ، ص331 .
(18) انظر : العجلي : المصدر السابق ص389 ، وابن معين : التاريخ ، ج 2 .
(19) الطبري : جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3/3/119 .
(20) انظر : ابن قيتبة : المعارف ، ص234 وابن النديم : الفهرست ، ص 105 .
(21) الطبري : تاريخ الرسل ، ج6 ، ص 25 .
(22) الهلابي : المرجع السابق ، ص16 .
(23) أعشى همدان : ديوان ، ص148 .
(24) أبو عمر العدني : كتاب الإيمان ، ص249 .
(25) ابن سعد : المصدر السابق ، ج4 ، ص39 .
(26) انظر : الأشعري : مقالات الإسلاميين ج1 ، ص86 ، والقمي : المقالات والفرق ص119 ،
وابن حبان : المجروحين ، ج4 ص253 ، والمقدسي : البدء والتاريخ ج3 ، ص129 .
(27) ابن حبيب : المحبر ، ص308 .
(28) ابن تيمية : منهاج السنة ، ج1 ، ص7 .
(29) الجاحظ : البيان والتبيين ، ج3 ، ص81 .
(30) الجوزجاني : أحوال الرجال ، ص38 .
(31) ابن قتيبة : المعارف ، ص267 .
(32) البلاذري : أنساب الأشراف ، ج3 ص382 .
(33) الناشيء الأكبر : مسائل الإمامة ، ص22 .
(34) الهلابي : المرجع السابق ، ص48 .
(35) المرجع نفسه ، ص 47 .
(36) الفرزدق ، ديوان ، ص242 .
(37) القمي : المصدر السابق ، ص20 .
(38) الطبري : تاريخ الرسل ، ج4 ، ص283 ، 326 ، 331 ، 340 .
(39) التوبختي : فرق الشيعة ، ص 23 .
(40) أبو حاتم الرازي (أحمد بن حمدان) : الزينة في الكلمات الإسلامية ، ص 305 .
(41) ابن عبد ربه : العقد الفريد ، ج2 ص405 .
(42) أبو الحسن الأشعري : المصدر السابق ج1 ، ص85 .
(43) أبو عمر الكشي : الرجال ، ص98 .
(44) المصدر نفسه ، ص 100 .
(45) ابن حبان : المجروحين ، ج2 ، ص253 .
(46) المقعسي : المصدر السابق ، ج5 ، ص129 .
(47) الملطي : التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ، ص18 .
(48) ابن بابويه القمي : من لا يحضره الفقيه ج1 ، ص213 .
(49) الخوارزمي : مفاتيح العلوم ، ص22 .
(50) البغدادي : الفرق بين الفرق ص15 ، 225 .
(51) أبو جعفر الطوسي : تهذيب الأحكام ج2 ، ص322 .
(52) الاسفراييني : التبصير في الدين ، ص108 .
(53) الشهرستاني : الملل والنحل ، ج2 ص116 .
(54) المصدر نفسه ، ج1 ، ص 155 .
(55) السمعاني : الأنساب ، ج7 ، ص24 .
(56) ابن عساكر : المصدر السابق ، ج9 ص328 .
(57) ابن الأثير : اللباب في تهذيب الأنساب ج2 ، ص98 .
(58) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، ج2 ص99 .
(59) السكسكي : البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ، ص50 .
(60) ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج4 ص435 .
(61) المجلسي : الرجال ، ج2 ، ص71 .
(62) الذهبي : المغني في الضعفاء ، ج1 ص339 .
(63) الصفدي : الوافي بالوفيات ، ج17 ص20 .
(64) الشاطبي : الاعتصام ، ج2 ، ص197 .
(65) الجرجاني : التعريفات ، ص79 .
(66) المقريزي : المواعظ والاعتبار ، ج 2ص356 .
(67) ابن حجر : لسان الميزان ، ج3 ، ص290 .
(68) العيني : عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ، 9/1/168 .
(69) السيوطي : لب الألباب في تحرير الأنساب ج1 ، ص132 .
ملحوظة: الهامش (68) و(69) غير مشار إليهما في المقال. (ماس)

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 80 ] صــ ‌ 32 ربيع الآخر 1415 ـ سبتمبر 1994 ))

عبدالله بن خميس
20-11-04, 02:40 PM
دراسات تاريخية
عبد الله بن سبأ
في ميزان البحث العلمي
- 2 -
د . محمد آمحزون
تمهيد :
سبق الحديث عن اصل هذه الدراسة وبيان خطأ بعض المنطلقات التي بنى
عليها د/عبدالعزيز الهلابي دراسته تلك ، وهي أن ( سيف بن عمر لم ينفرد
بالروايات الواردة في ابن سبأ ، إنما سبقه الكثير من المؤرخين والعلماء في مصادر
معروفة وأن السبئية ليست للذم والتعيير فقط) ويواصل الأخ الكاتب المزيد من
الكشف عن تهافت تلك الدراسة .
- البيان -
للسبئية منطلقات خطيرة :
أما قول الأستاذ الهلابي : إن السبئية لا تعني جماعة معينة لها عقيدة محددة ،
بل هي مجرد كلمة تعني الذم والتعيير ، فهذا ينافي الواقع التاريخي لهذه الطائفة
التي تزعم أنها هديت لوحي ضل عنه الناس [1] ، ويزعم رئيسها أن القرآن جزء
من تسعة أجزاء وعلمه عند علي [2] ، كما أن السبئية يقولون برجعة الإمام وأن
الأموات يرجعون إلى الدنيا [3] ، ويقولون بالوصية [4] ، ويسبون الصحابة [5] ،
ويزعمون أن علياً دابة الأرض [6] ، وأنه شريك النبي في النبوة بل منهم من يقول
بأن محمد -صلى الله عليه وسلم-رسول علي ، يقول ابن حزم عنهم : وهذه الفرقة
السبئية باقية إلى اليوم فاشية عظيمة العدد ، منهم كان إسحاق بن محمد النخعي
الأحمر الكوفي ، ويقولون : إن محمد -صلى الله عليه وسلم-رسول علي [8] .
وتقول السبئية كذلك بالحلول والتناسخ [9] ، ويعللون اختفاء علي بالغيبة [10] .
ويجزم قتادة بن دعامة السدوسي بأن السبئية كغيرها من الفرق الضالة مثل
النصرانية واليهودية ، لها أفكارها ومعتقداتها الخاصة بها ، التي تعد بدعة تتناقض
مع جوهر الدين المنزل من عند الله ، يقول : والله إن اليهودية لبدعة وإن
النصرانية لبدعة ، وإن الحرورية لبدعة ، وإن السبئية لبدعة مانزل بهن كتاب ولا
سنهن نبي [11] .
ومن السبئية المغيرة بن سعيد البجلي الذي قال عنه ابن قتيبة : وأما المغيرة
فكان مولى لبجيلة وكان سبئياً [12] .
وقال فيه ابن عدي : لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعد فيما يروى عنه
من الزور عن علي ، هو دائم الكذب على أهل البيت ، ولا أعرف له حديثاً
مسنداً [13] .
وجابر بن يزيد الجعفي الذي ذكره ابن حبان في عداد السبئية حيث قال : كان
جابر سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكان يقول : إن علياً يرجع إلى
الدنيا [14] ، وروي عن سفيان بن عيينة أنه يعني جابر كان يقول : علي دابة
الأرض [15] .
ومنهم أبو النصر محمد بن السائب الكلبي الكوفي الذي قال فيه ابن حبان :
وكان الكلبي سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ [16] . ويقول عنه الحافظ ابن
زريع البصري : رأيت الكلبي يضرب صدره ويقول : أنا سبئي ، أنا سبئي [17] .
وأبعد في الخطأ من الزعم السابق بأن السبئية ليست طائفة لها عقيدة محددة
قول الدكتور الهلابي بأن السبئية مجرد كلمة تطلق للتعيير والذم [18] .
وإذا كانت كذلك ، فلابد أن يكون لها أصل في اللغة ، وعند الرجوع إلى
معاجم اللغة وجدنا أن سبأ تعني : من حلف على يمين كاذبة غير مكترث بها
والخمر اشتراها ليشربها ، والجلد سبأه أي أحرقه [19] .
ولم يقل أحد من علماء اللغة أن السبئية تعني الذم والتعيير ، بل قال صاحب
لسان العرب : وسبأ اسم رجل يجمع عامة قبائل اليمن ، وهو اسم مدينة بلقيس
باليمن ، والسبأية أو السبئية من الغلاة ، وينسبون إلى عبد الله بن سبأ [20] .
وقال الزبيدي : وسبأ والد عبد الله المنسوبة إليه الطائفة السبئية بالمد كذا في
نسختنا ، وصحح شيخنا السبئية بالقصر كالعربية وكلاهما صحيح ، من الغلاة ،
جمع غال وهو المتعصب الخارج عن الحد في الغلو من المبتدعة ، وهذه الطائفة
من غلاة الشيعة [21] .
رابعاً - موقف الإمام علي من السبئية :
يقول الدكتور الهلابي : وهذه الروايات التي تروي بأن السبئية قالت لعلي :
أنت خالقنا ورازقنا لا يمكن أن يقبلها المنطق السليم ، إذ لا نعرف أحداً من العرب
عبد إنساناً واعتقد أنه هو الخالق الرزاق ، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، بل لا
نعرف أن أحداً من المسلمين ارتد عن دين الله ارتداداً صريحاً بعد الردة التي حدثت
بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-مباشرة ... لماذا يعاقبهم علي بالإحراق في
النار وهي عقوبة غير مألوفة لا في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-ولا في
عهد الخلفاء الراشدين قبله ؟ ألا يمكن أن يضربهم بالسياط ليستتيبهم فإن لم يتوبوا
قتلهم بالسيف ؟ [22] .
إن خبر إحراق علي رضي الله عنه لطائفة من الزنادقة المرتدين تكشف عنه
الروايات الصحيحة في كتب الصحاح والسنن والمعاجم ، فقد ذكر الإمام البخاري
في كتاب استتابة المرتدين في صحيحه عن عكرمة قال : أتي علي رضي الله عنه
بزنادقة فأحرقهم ، فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي النبي -
صلى الله عليه وسلم- : (لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول الرسول -صلى الله
عليه وسلم- : (من بدل دينه فاقتلوه) [23] .
ولفظ الزندقة ليس غريباً عن عبد الله بن سبأ وطائفته ، يقول ابن تيمية : إن
مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ [24] . ويقول الذهبي : عبد الله
ابن سبأ من غلاة الزنادقة ، ضال مضل [25] ، ويقول ابن حجر : عبد الله بن سبأ
من غلاة الزنادقة ... وله أتباع يقال لهم السبئية معتقدون الإلهية في علي بن أبي
طالب ، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته [26] ، ويقول في موطن آخر بأن أحد
معاني الزندقة الادعاء بأن مع الله إلهاً آخر [27] ، وهذا المعنى قال به ابن سبأ
وأتباعه ، وجزم بذلك أصحاب المقالات والفرق والمحدثون والمؤرخون .
وروى خبر الإحراق أيضاً أبو داود في سننه : في كتاب الحدود باب الحكم
فيمن ارتد [28] ، والنسائي في سننه : في كتاب الحدود [29] ، والحاكم في
المستدرك ، في كتاب معرفة الصحابة [30] ، والطبراني في المعجم الأوسط من
طريق سويد بن عقلة أن علياً بلغه أن قوماً ارتدوا عن الإسلام ، فبعث إليهم
فأطمعهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم
ورماهم فيها ، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال : صدق الله ورسوله [31] .
وروي من طريق عبد الله بن ثريد العامري عن أبيه قال : قيل لعلي إن هنا
قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم ، فدعاهم فقال لهم : ويلكم ما تقولون ؟
قالوا : أنت ربنا وخالقنا ورازقنا ، فقال : ويلكم إنما أنا عبد مثلكم ، آكل الطعام كما
تأكلون ، وأشرب كما تشربون ، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت
أن يعذبني ، فاتقوا الله وارجعوا ، فأبوا : فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال :
قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام ، فقال أدخلهم ، فقالوا كذلك فلما كان اليوم الثالث
قال : لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة ، فأبوا إلا ذلك فخد لهم أخدوداً بين باب
المسجد والقصر وقال : احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في
الأخدود وقال : إني طارحكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذفهم فيها حتى إذا
احترقوا قال :
إني إذا رأيت الأمر منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا
قال الحافظ ابن حجر : وهذا سند حسن [32] .
خامساً - سيف بن عمر في الميزان :
يتحامل الدكتور الهلابي على الإخباري سيف بن عمر التميمي تحاملاً شديداً ،
ويقول بأن سمعته باعتباره محدثاً سيئة للغاية ، فقد حكم أصحاب الجرح والتعديل
عليه بالضعف واتهموه بوضع الأحاديث على الثقات وبالزندقة ، كما يتهمه بالتحيز
والتعصب ، وأنه عبث بروايات التاريخ الإسلامي ، خصوصا ما له صلة بالفتنة
وما تلاها [33] .
والحقيقة أن هذا الكلام مبالغ فيه ، إذ يجب أن نفرق بين سيف بن عمر
باعتباره محدثاً من جهة وباعتباره إخبارياً من جهة أخرى ، فالطعن فيه من جهة
الحديث وهو أمر صحيح لا ينسحب بالضرورة على الأخبار التي يرويها .
أثنى الحفاظ على سيف بالخبرة والمعرفة في التاريخ ، فقال الحافظ الذهبي :
كان إخبارياً عارفاً [34] ، وقال الحافظ ابن حجر : ضعيف في الحديث عمدة في
التاريخ [35] .
على أن الحافظ ابن حجر لم يرض باتهامه بالزندقة وقال : أفحش ابن حبان
القول فيه [36] .
ولسنا ندري كيف يصح اتهامه بذلك وروايته في الفتنة وحديثه جرى بين
الصحابة رضوان الله عليهم أبعد ما يكون عن أسلوب الزنادقة ، وكيف يستقيم
اتهامه بالزندقة وهو الذي فضح وهتك سر الزنادقة !
ويمكن القول : إن رواية سيف بعيدة كل البعد أن تضعه موضع هذه التهمة ،
بل هي تستبعد ذلك ، إذ إن موقفه فيها هو موقف رجال السلف في احترامه
للصحابة وتنزيهه لهم عن فعل القبيح ، فقد انتحى جانباً عن أبي مخنف والواقدي
فعرض تسلسلاً تاريخياً ليس فيه تهمة للصحابة ، بل يُظْهِر منه حرصهم على
الإصلاح وجمع الكلمة ، وهو الحق الذي تطمئن إليه النفوس ، إذ يسير في اتجاه
الروايات الصحيحة عند المحدثين .
وإذا كان المحدثون يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت روايتهم تؤيد
أحاديث صحيحة موثقة ، فلا بأس إذن من الأخذ بهذا الجانب في التاريخ وجعله
معياراً ومقياساً إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها ، ومن هذا المنطلق تتخذ
الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل سيف والواقدي
وأبي مخنف ، فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه بالقبول ، وما خالفها تركناه
ونبذناه .
ومما لا شك فيه أن روايات سيف في أغلبها مرشحة لهذه المعاني ، إذ تتفق
وتنسجم مع الروايات الصحيحة المروية عن الثقات فيما يتعلق بوجود ابن سبأ
علاوة على أنها صادرة ومأخوذة عمن شاهد تلك الحوادث أو كان قريباً منها .
أما وصف سيف بالتحيز فأمر غير صحيح ، إذ أن تعصب سيف المزعوم
ترده أحوال قبيلته بني تميم وموقفها من الفتنة ، فمن المعروف أنهم ممن اعتزل
الفتنة مع سيدهم الأحنف بن قيس يوم الجمل [37] ، وبالتالي فإن روايته للفتنة
تشكل من خلال مضمونها على العموم مصدراً حيادياً ومطلعاً في آن واحد .
سادساً - تحميل روايات سيف ما لا تحتمل :
يقول الدكتور الهلابي : وما يهمنا هنا هو الرواية الأولى ، إذ أن سيفاً أراد أن
يقول بطريق غير مباشر : إن الخليفة علياً لم ينضم إليه أحد من المهاجرين
والأنصار ، وإنما فقط سبعمائة من الكوفيين والبصريين ، ومن يكونون هؤلاء
الكوفيين والبصريين في المدينة ؟ لابد أنه يريد أن يقول بطريق غير مباشر أيضاً :
إن أنصار الخليفة علي هم قتلة عثمان ، مع العلم أنه ذكر في مكان آخر أن قتلة
عثمان من أهل البصرة قتلوا مع حكيم بن جبلة العبدي قبل أن يقدم علي وجيشه
البصرة ، فسيف يهدف ضمنياً إلى النيل من الخليفة علي ، وفي الوقت نفسه يريد
أن يعارض تلك الروايات التي تبالغ في عدد المشاركين في جيش علي من أهل بدر
خاصة والصحابة من المهاجرين والأنصار عامة [38] .
من الملحوظ هنا أن الدكتور الهلابي يحاول جاهداً أن يحمل روايات سيف ما
لا تحتمل من المعاني ، ويتجاهل روايات أخرى لا تتفق مع خطه الذي رسمه مسبقاً
تجاه سيف ، فيَحْكُم بلا دليل ظاهر على أجزاء من رواياته ويسكت عمداً عن ذكر
أجزاء أخرى لأنها تؤدي الغرض من فهم الروايات بالشكل المطلوب ، وهو مع هذا
يستعمل عبارات غير علمية وغير دقيقة مثل : أراد أن يقول بطريق غير مباشر ،
يهدف ضمنياً .
فمن المآخذ على الدكتور الهلابي أنه نسب إلى سيف ما لم يرو بقوله : ... إن
الخليفة علياً لم ينضم إليه أحد من المهاجرين .
فالشطر الأخير من هذه العبارة مأخوذ من رواية سيف : وخرج معه أي مع
علي من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل [39] ، أما
الشطر الأول من العبارة : إن الخليفة علياً لم ينضم إليه أحد من المهاجرين
والأنصار فهو من استنتاج الدكتور الهلابي .
وهذا الاستنتاج ليس في محله ، إذ يتناقض مع ما رواه سيف حول هذا
الموضوع ، فقد ذكر أسماء الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين انضموا إلى
علي ، ومن ذلك قوله فأجابه رجلان من أعلام الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان وهو
بدري وخزيمة بن ثابت [40] ، وقوله : وأرسل علي الحسن وعماراً بعد ابن
عباس ... [41] ، فلما نزلوا ذي قار دعا علي القعقاع بن عمرو فأرسله إلى
البصرة [ 42] .
وهؤلاء من المهاجرين ، وقوله : قال الشعبي : بالله الذي لا إله إلا هو ، ما
نهض في تلك الفتنة إلا ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن [43] .
والحق أن الصحابة الذين انضموا إلى علي رضي الله عنه أو إلى مخالفيه
(طلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم ) لم يكونوا كثرة كما توحي بذلك
بعض الروايات التي تبالغ في عدد المشاركين من الصحابة في الفتنة ، وإنما كانوا
قلة كما جاءت بذلك الأخبار الصحيحة في كتب الحديث .
روى عبدالرزاق في المصنف والإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن محمد
بن سيرين قال : هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عشرات
الألوف ، فلم يحضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين [44] .
وروى ابن بطة بإسناده إلى بكير بن الأشج أنه قال : أما إن رجالاً من أهل
بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان ، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم [45] .
وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى الحسن البصري أن رجلاً قال لسعد بن
أبي وقاص : هذا علي يدعو الناس ، وهذا معاوية يدعو الناس ، وقد جلس عنهم
عامة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال سعد : أما وإني لا أحدثك
ما سمعت من وراء وراء ، ما أحدثك إلا ما سمعته أذناي ووعاه قلبي ، سمعت
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يقول : إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول ولا
تقتل أحداً من أهل القبلة فافعل [46] .
هذا وإن رواية سيف عن الصحابة الذين شاركوا في الفتنة تسير في هذا
الاتجاه ولا تحيد عنه .
أما قول الدكتور الهلابي في تساؤلاته : ومن يكونون هؤلاء الكوفيين
والبصريين في المدينة ؟ لابد أنه يريد أن يقول سيف بطريق غير مباشر أيضاً إن
أنصار الخليفة علي هم قتلة عثمان ، مع العلم أنه ذكر في مكان آخر أن قتلة عثمان
من أهل البصرة قتلوا مع حكيم بن جبلة قبل أن يقدم علي وجيشه البصرة [47] .
فصحيحة نسبة القول الأخيرإلى سيف [48] ، لكن العبارة الأولى التي فيها
أنه اتهم علياً بأن أنصاره هم قتلة عثمان ، فلم يقل بها سيف إطلاقاً ، ولا ذكرها
الإمام الطبري في تاريخه ، وإنما هي من استنتاج الدكتور الهلابي الذي يتقن علم ما
وراء السطور ! ولهذا نقول للأستاذ الهلابي : متى كان المنهج العلمي ضرباً من
ضروب الاستنتاج العقلي المحض في غياب النصوص والروايات ؟ !
وللإشارة ، فإن أسلوب سيف في روايته لأحداث الفتنة ليس فيه أي نيل أو
تجريح لعلي رضي الله عنه بل أثنى عليه بما هو أهله ، إذ نقل عن سعيد بن زيد
أنه قال : ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-ففازوا على
الناس بخير يحوزونه إلا وعلي بن أبي طالب أحدهم [49] .
وذكر أن علياً حين انطلق إلى البصرة في إثر طلحة والزبير وعائشة كان
ينوي الإصلاح وجمع الكلمة [50] ، كما أثنى على دور القعقاع بن عمرو رسول
علي في تثبيطه أهل الكوفة عن الاشتراك في الفتنة أولاً [51] ، ثم في مساعيه
الإصلاحية بين علي ومخالفيه في البصرة ثانياً [52] .
سابعاً - منهج عجيب إزاء الأحاديث النبوية :
يقول المؤلف : ومع أني أرجح أن (حديث الحوأب حديث موضوع ... [53] .
فمن الملاحظ هنا أن الدكتور الهلابي يتعامل مع الأحاديث النبوية كما يتعامل
مع الروايات التاريخية ، فيقبل ويرفض ، ويعلل ويجرح حسب اجتهاده الشخصي ،
مع العلم أن مصطلح الحديث فن جليل وخطير بلغ من الدقة والإحكام أرقى ما يمكن
أن تصل إليه الطاقة البشرية ، فأحكامه ومصطلحاته ذات دلالة واضحة ومحددة لا
تقبل التلاعب فيها ، ولذلك يكون الحديث إما صحيحاً وإما ضعيفاً وإما موضوعاً ،
وفق الموازين النقدية للرواية .
وبما أن الأحاديث هي غير الروايات التاريخية ، فينبغي للتثبت من صحتها
أن يتم الرجوع إلى العلماء المختصين في علم الحديث النبوي .
وحديث الحوأب حديث صحيح قال عنه الحافظ ابن كثير : إسناده على شرط
الصحيحين [54] ، وقال الحافظ الذهبي : هذا حديث صحيح الإسناد [55] وقال
الحافظ بن حجر في الفتح : أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه ابن حبان
والحاكم ، وسنده على شرط الصحيح [56] .
ورواية الحديث كما نقلها الإمام أحمد : (حدثنا عبد الله ، حدثني أبي حدثنا
يحيى عن إسماعيل ، حدثنا قيس قال : لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً ،
نبحت الكلاب ، قالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : ماء الحوأب ، قالت : ما أظنني إلا
راجعة ، فقال بعض من كان معها : بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله عز
وجل ذات بينهم ، قالت : إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال لها ذات يوم :
كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب ! [57] .
ثامناً - الطبري سمى السبئية :
يقول الدكتور الهلابي : إن الإمام الطبري لم يسم طائفة عبد الله بن سبأ سبئية،
وإنما وضع هذه التسمية سيف بن عمر لتنسجم مع رواياته حول ابن سبأ ودوره
في الفتنة [58] .
لقد فات المؤلف بأن الإمام الطبري ذكر السبئية في تفسيره جامع البيان عند
شرحه لقوله تعالى : ] فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة
وابتغاء تأويله [ [ال عمران : 7] ، يقول : وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا
أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله ... كان من
أهل النصرانية أو اليهودية أو المجوسية ، أو كان سبئياً أو حروريا أو قدرياً أو
جهمياً ، كالذي قال ص : فإذا رأيتم الذين يجادلون فهم الذين عنى الله
فاحذروهم [59] .
تاسعاً - منهج المستشرقين غير مسلم له على الإطلاق :
يبدو جلياً أن الدكتور الهلابي تأثر بأفكار بعض المستشرقين الذين لا يقرون
بوجود ابن سبأ ، إذ نحا منحاهم في إثارة الشكوك حول شخصيته ويقول : بأن
هؤلاء نالوا قصب السبق في إثارة قضية عبد الله بن سبأ [60] .
لكن يا ترى إذا كان المستشرقون قد سبقوا الباحثين العرب إلى دراسة
شخصية ابن سبأ ، فهل نحن ملزمون بالتسليم بكل ما كتبوه في هذا الصدد ؟
إن المستشرقين كغيرهم من البشر معرضون لعوامل السهو والخطأ ، ومنهم
من يشتط في نظرته ، ويحمل في نفسه من الأهواء والرغبات ما يجعله يفرض
آراءه المسبقة على النصوص ، ويتعسف في تأويلها نظراً للعداء التاريخي في نفسه
للإسلام والمسلمين .
ثم لا يخفى أن المستشرقين الذين أنكروا وجود السبئية كان هدفهم من ذلك
التشكيك والإنكار هو إدعاء أن الفتن إنما هي من عمل الصحابة والمسلمين أنفسهم ،
وأن نسبتها إلى اليهود أو الزنادقة هو نوع من الدفاع لجأ إليه الإخباريون والرواة
المسلمون ليعلقوا أخطاء هؤلاء الصحابة على عناصر أخرى ، فيقول أحد هؤلاء
المستشرقين : بأن ابن سبأ ليس إلا شيئاً في نفس سيف أراد أن يبعد به شبح الفتنة
عن الصحابة وإنها إنما أتت من يهودي تستر بالإسلام [61] .
عاشراً - ثبوت أخبار ابن سبأ :
إذا افترضنا جدلاً أن الروايات والأخبار المتعلقة بابن سبأ غير صحيحة ومن
نسج الخيال ، فكيف يعقل أن يسكت عنها العلماء الأقدمون ولا ينتقدوها ، وهم الذين
أصّلوا منهجاً علمياً دقيقاً في نقد الرجال وتتبع أحوالهم !
هذا وقد أثبت كثير من العلماء والرواة في كتبهم خبر ابن سبأ ، ولم يُستدرك
عليهم في هذا الشأن إلا ما كان من بعض الباحثين المعاصرين الذين أطلقوا لأنفسهم
العنان للخوض في هذا الموضوع بغير سند أو أثرة من علم فأساؤوا بذلك إلى أسس
البحث العلمي التي يدعون أنهم أهلها بغير دليل .
حادي عشر - رأي بلا مصدر أو دليل :
الغريب في الأمر أن الدكتور الهلابي رغم تأكيده على أن شخصية ابن سبأ
شخصية وهمية ، فإنه لم يدعم رأيه ولو بمصدر واحد متقدم ينفي وجود عبد الله بن
سبأ ، فكيف يكون إذاً صاحب منهج علمي ودراسته قائمة على الآراء والفرضيات ،
بينما هي تفتقر أساساً إلى الأدلة العلمية ودعم من المصادر المتقدمة القريبة من هذه
الأحداث ؟ !
وفي الختام نقول : إن تشكيك بعض الباحثين المعاصرين في عبد الله بن سبأ،
وأنه شخصية وهمية ، وإنكارهم وجوده ، لا يستند إلى الدليل العلمي ولا يعتمد
على المصادر المتقدمة ، بل هو مجرد استنتاج يقوم على فرضيات وتخمينات
شخصية تختلف بواعثها حسب ميول مُتبنيها واتجاهاتهم .
________________________
(1) أبو عمر المقدسي : كتاب الإيمان ، ص 249 .
(2) الجوزجاني : المصدر نفسه ، ص 38 .
(3) أبو الحسن الأشعري : المصدر نفسه ، ج1 ص 86 .
(4) القمي : المصدر السابق ، ص 20 .
(5) النونحتى : المصدر السابق ، ص 44 .
(6) الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج1 ، ص 384 .
(7) الملطي : المصدر السابق ، ص 15 . (هامش 7 غير مشار إليه في النص - ماس- )
(8) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ، ج4 ص 186 .
(9) البغدادي : المصدر السابق ، ص 241 .
(10) الكرماني : الفرق الإسلامية ، ص 34 .
(11) الطبري : جامع البيان ، ج6 ، ص 189 .
(12) ابن قتيبة : عيون الأخبار ، ج2 ، ص 149 .
(13) الذهبي : الميزان ، ج4 ، ص 162 .
(14) ابن حبان : المجروحين ، ج1 ، ص 208 .
(15) الذهبي : الميزان ، ج1 ، ص 384 .
(16) ابن حبان : المجروحين ، ج2 ، ص 253 .
(17) ابن حجر : التهذيب ، ج9 ، ص 179 .
(18) الهلابي : المرجع السابق ، ص 46 .
(19) العكبري : المشوف المعلم ؛ وابن منظور : لسان العرب ، ج2 ، ص 77 ؛ والزبيدي : تاج
العروس ، ج1 ، ص 75 .
(20) ابن منظور : المصدر السابق ، ج2 ، ص 77 .
(21) الزبيدي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 75 .
(22) الهلابي : المرجع السابق ، ص 52 .
(23) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ، كتاب استتابة المرتدين ، ج8 ، ص 50 .
(24) ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج28 ، ص 483 .
(25) الذهبي : الميزان ، ج2 ، ص 426 .
(26) ابن حجر : لسان الميزان ، ج3 ، ص ص 290 ، 289 .
(27) ابن حجر : الفتح ، ج12 ، ص 270 .
(28) أبو داود : السنن ، كتاب الحدود ، ج4 ، ص 126 .
(29) النسائي : السنن ، كتاب الحدود ، ج7 ، ص 104 .
(30) الحاكم : المستدرك ، كتاب معرفة الصحابة ، ج3 ، ص 538 .
(31) ابن حجر : الفتح ، ج12 ، ص 170 .
(32) ابن حجر : الفتح ، ج12 ، ص 270 .
(33) الهلابي : المرجع السابق ، ص ص 39 ، 40 ، 67 .
(34) الذهبي : الميزان ، ج2 ، ص 255 .
(35) ابن حجر : التقريب ، ج1 ، ص 344 .
(36) المصدر نفسه ، ج1 ، ص 344 .
(37) الطبري : تاريخ الرسل ، ج4 ، ص 498 ، 500 ، 501 .
(38) الهلابي : المرجع السابق ، ص 43 .
(39) الطبري : تاريخ الرسل ، ج4 ، ص 455 .
(40) المصدر نفسه ، ج4 ، ص 447 .
(41) المصدر نفسه ، ج4 ، ص 487 .
(42) المصدر نفسه : ج4 ، ص 488 .
(43) المصدر نفسه ، ج4 ، ص 447 .
(44) رواه عبدالرزاق في المصنف ، ج11 ص357 ؛ وابن كثير عن أحمد في البداية والنهاية ، ج
7 ، ص 253 .
(45) ابن شبة : تاريخ المدينة ، ج4 ، ص 1242 .
(46) ابن عساكر : المصدر السابق (المطبوع) ، ص 485 ، 486 .
(47) الهلابي : المرجع السابق ، ص 43 .
(48) الطبري : تاريخ الرسل ، ج4 ، ص ص 470 ، 472 .
(49) المصدر نفسه ، ج4 ، ص ص 447 ، 448 .
(50) المصدر نفسه ، ج4 ، ص 471 .
(51) المصدر نفسه ، ج4 ، ص 484 .
(52) المصدر نفسه ، ج4 ، ص ص 487 ، 489 .
(53) الهلابي : المرجع السابق ، ص 43 .
(54) ابن كثير : المصدر السابق ، ج6 ، ص 241 (56) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج2 ، ص
125 .
(57) ابن حجر : الفتح ، ج13 ، ص 55 .
(58) أحمد : المسند ، ج23 ، ص 137 .
(59) الهلابي : المرجع السابق ، ص 61 .
(60) الطبري : جامع البيان ، 3/3/121 .
(61) الهلابي : المرجع السابق ، ص 58 .
(62) عبدالرحمن بدوي : مذاهب الإسلاميين ج2 ، ص 22 .

(( مجلة البيان ـ العدد [‌ 81 ] صــ ‌ 43 جمادى الأولى 1415 ـ أكتوبر 1994 ))

شهاب الدين
01-12-04, 11:08 PM
السلام عليكم
بارك الله فيكم

أبوحاتم الشريف
12-11-06, 05:10 PM
(في


سابعاً - منهج عجيب إزاء الأحاديث النبوية :
يقول المؤلف : ومع أني أرجح أن (حديث الحوأب حديث موضوع ... [53] .
فمن الملاحظ هنا أن الدكتور الهلابي يتعامل مع الأحاديث النبوية كما يتعامل
مع الروايات التاريخية ، فيقبل ويرفض ، ويعلل ويجرح حسب اجتهاده الشخصي ،
مع العلم أن مصطلح الحديث فن جليل وخطير بلغ من الدقة والإحكام أرقى ما يمكن
أن تصل إليه الطاقة البشرية ، فأحكامه ومصطلحاته ذات دلالة واضحة ومحددة لا
تقبل التلاعب فيها ، ولذلك يكون الحديث إما صحيحاً وإما ضعيفاً وإما موضوعاً ،
وفق الموازين النقدية للرواية .
وبما أن الأحاديث هي غير الروايات التاريخية ، فينبغي للتثبت من صحتها
أن يتم الرجوع إلى العلماء المختصين في علم الحديث النبوي .
وحديث الحوأب حديث صحيح قال عنه الحافظ ابن كثير : إسناده على شرط
الصحيحين [54] ، وقال الحافظ الذهبي : هذا حديث صحيح الإسناد [55] وقال
الحافظ بن حجر في الفتح : أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه ابن حبان
والحاكم ، وسنده على شرط الصحيح [56] .
ورواية الحديث كما نقلها الإمام أحمد : (حدثنا عبد الله ، حدثني أبي حدثنا
يحيى عن إسماعيل ، حدثنا قيس قال : لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً ،
نبحت الكلاب ، قالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : ماء الحوأب ، قالت : ما أظنني إلا
راجعة ، فقال بعض من كان معها : بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله عز
وجل ذات بينهم ، قالت : إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال لها ذات يوم :
كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب ! [57] .


في الحقيقة أصاب الدكتور فيما قاله عن رواية كلاب الحوأب
و موضوع ابن سبأ موضوع مهم للغاية ولي وقفات مع هذا البحث وكنتُ قد عملت دراسة مختصرة عن ابن سبأ لكني فقدتها من جهازي وإذا وجدتها فسوف أنشرها هنا كما عهدني الإخوة

عبدالمصور السني
14-11-06, 08:22 PM
هذا بحث الدكتور:سعدي الهاشمي
((ابن سبأ حقيقة لاخيال))
علما انه قد نشر في هذا الملتقى من قبل .
ابن سبأ حقيقة لا خيال
للدكتور سعدي الهاشمي
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف
إن الحمد لله نحمده ونستيعنه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فلقد اتفق المحدثون وأهل الجرح والتعديل والمؤرخون وأصحاب كتب الفرق، والملل والنحل والطبقات والأدب، والكتب الخاصة في بعض فنون العلم على وجود شخصية خبيثة يهودية، تلك هي شخصية عبد الله بن سبأ الملقب بابن السوداء الذي قام بدور خطير، وبذر الشر المستطير بين المنافقين والشعوبيين ومن في نفسه أهواء وأغراض، أظهر الإسلام في عهد عثمان رضي الله عنه، وأظهر الصلاح والتقرب من علي رضي الله عنه ومحبته، وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة فبدأ بالحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة، ثم دخل دمشق فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه فذهب إلى مصر واستقر بها، وأخذ يراسل ويكاتب بعض المنافقين والحاقدين الناقمين على خليفة المسلمين، وجمع حوله الأعوان، ونظمهم وأخذ يبث بينهم معتقده الخبيث، ودربهم على روح التمرد والإنكار حتى تجرؤوا على قتل ثالث الخلفاء وصهر المصطفى صلى الله عليه وسلم جامع القرآن عثمان بن عفان شهيد الدار رضي الله عنه وأرضاه.. ولم يرعوا حرمة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبالوا بتلاوته للقرآن ولا الشهر الحرام.
ولم ينكر هذا من له حظ من علم، ومسكة من عقل إلى في العصر الحاضر من هذا القرن، وهم نفر قليل ما بين مستشرق حاقد ومتابع لهم ومتقرب الزلفى لمدارسهم وفكرهم من أبناء جلدتنا الذين يتكلمون بألسنتنا، ومسلم جاهل أو منكر مكابر من بعض شيعة اليوم، وهؤلاء جميعا جانبوا الحق الصريح وتمسكوا بأقوال متنافضة هي أوهى من بيت العنكبوت.
موقف المستشرقين
أما المستشرقون فأنكروه وقالوا إنه شخصية وهمية تخيلها محدثوا القرن الثاني ومن هؤلاء المستشرقين الذين أنكروه اليهودي الإنكليزي الدكتور برنارد لويس Lewis,b. ، ويوليوس فلهوزن Wellhausen,j اليهودي الألماني الذي بدأ دراسته باللاهوت، وفرييد لاندر Feriedlaender الأمريكي، والأمير كايتاني Caetani Leone الإيطالي.
ومن المعلوم عند العقلاء المنصفين أن ديننا وعقيدتنا وتاريخنا وما يتعلق بتراثنا لا يمكن أن نعتمد فيه على تقولات ودراسات هؤلاء الحاقدين الذين ينضوون تحت راية الحروب الصليبية بمنهج وأسلوب فكري، لا أسلوب السيف والبارود ولو كانوا أصحاب نوايا صادقة لشرح الله صدورهم بالإيمان لما أطلعوا على صفاء الإسلام ونقاء ثوبه، ولكنهم كرسوا جهودهم وأفنوا حياتهم في إلقاء الشبهات والشكوك والضلال والريب بكل ما يتعلق بالقرآن والسنة والعقائد والنظم الإسلامية والتاريخ الإسلامي، ومعظم هؤلاء المستشرقين من القسس واليهود، وأعمالهم ومناهجهم تنظم ما بين الكنيسة ودوائر المخابرات ووزارات الخارجية إلا أفرادا هوايتهم العلم والبحث وهم قلة قليلة.
أتباع المستشرقين
أما أتباع المستشرقين الذين خدعوا بهم وغرهم منهجهم العلمي المزعوم فيرددون ما يطرحون من أفكار ودراسات ويدندنون حول معتقداتهم لينالوا الزلفى منهم وعلى رأسهم الدكتور طه حسين ، الذي غذى حجيرات مخه بفكر المستشرقين حتى كان يقول : "إنني أفكر بالفرنسية وأكتب بالعربية" .
ويكفيه خزيا أنه كان مطية لليهود، فدعاة الشيوعية في مصر في مطلع هذا العصر كانوا يهودا وهم "هنري كوريل، وراؤول كوريل، وريمون أجيون" وكانوا هؤلاء وغيرهم يمولون الحركات الشيوعية بالمال وقيل بالجنس أيضا، وقد تعاقدوا مع الدكتور طه حسين على إصدار مجلة الكاتب المصري، وكان الدكتور طه حسين قد أعلن تأييده لمفهوم اليهودية التلمودية باكرا حين أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل وكذب القرآن والتوراة ولم يكن يُعرف في هذا الوقت الباكر أن ذلك تمهيد لتحقيق أهداف الصهيونية وغير ذلك من الأفكار والضلالات التي لم يجرؤ حتى المستشرقون بالإفصاح والإعلان عنها .
- أضواء على طه حسين -
ومن المعلوم عن طه حسين أن أباه جاء إلى صعيد مصر - مدير المنيا - من بلد غير معلوم من المغرب وكان يعمل وزّانا في شركة يهودية للسكر، وطه حسين هو الذي تبنى إصدار قرار بتعيين الحاخام اليهودي (حاييم ناحوم أفندي) حينذاك عضوا في مجمع اللغة العربية في القاهرة ليكون عينا على المفكرين ورجال اللغة، كما أنه عين عددا من الأساتذة الأجانب في كلية الآداب استوردهم وبعضهم يهود وكلهم كانوا يحاربون الإسلام أو يشككون فيه، وأول دكتوراه منحتها (كلية الآداب) في جامعة القاهرة تحت إشراف الدكتور طه حسين كانت بعنوان (القبائل اليهودية في البلاد العربية) تقدم بها (إسرائيل ولفنسون) عميد جامعة هاداسا في تل أبيب الآن .
بعد هذه الأضواء التي تظهر لنا بوضوح ولاء الدكتور طه حسين لليهود لا نستغرب من إفكاره لابن سبأ، يقول طه حسين: إن أمر السبإية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا قد اختُرع بأضَرَة فحين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم والنيل منهم… الخ كلامه .
ـ أدلة الدكتور طه حسين ـ
ويستدل على ما ذهب إليه أن البلاذري لم يذكر شيئا عن ابن السوداء ولا أصحابه في أمر عثمان.
ثم يستغرب الدكتور طه حسين كيف أن حادثة تحريق عليّ للذين ألهوه والتي ذكرها الطبري كيف لم يذكرها بعض المؤرخين ولم يؤقتها، وإنما أهملوها إهمالا تاما .
- الرد عليه -
أما عدم ذكر البلاذري لابن سبأ فلا يعني أسطورة وجوده، لأنه قد يذكر بعض المؤرخين ما لا يذكره البعض الآخر منهم، ثم هل التزم البلاذري بذكر كل الوقائع والأحداث؟ وربما لو ذكر البلاذري أخبار ابن سبأ وأصحابه لقال البلاذري لا يعتمد على أخباره لأنه غير متفق على توثيقه .
أما حادثة تحريق علي رضي الله عنه للذي ألهوه فسنذكرها في موقف الإمام علي من عبد الله بن سبأ وأصحابه، حيث ذُكرت في أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل وهذه الروايات تغني عن الروايات التاريخية، إضافة إلى ذلك فقد ذكرت في الكتب الموثقة عند الشيعة.
- الدكتور محمد كامل حسين -
واعتبر الدكتور محمد كامل حسين قصة ابن سبأ أقرب إلى الخرافات منها إلى أي شيء آخر ، متابعا في ذلك الدكتور طه حسين، ولم يذكر أي دليل لما يراه.
- الدكتور حامد حفني داود -
وكذلك يرى الدكتور حامد حفني داود رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عين شمس أن ابن سبأ من أعظم الأخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام الباحثين وغمّ عليهم أمرها فلم يفقهوها ويفطنوا إليها، هذه المفرتيات التي افتروها على الشيعة حتى لفقوا عليهم قصة عبد الله بن سبأ فيما لفقوه واعتبروها مغمزا يغمزون به عليهم .
- الرد عليهم -
والدكتور حامد هذا أحد المخدوعين بفكرة التقريب، بل أحد الدعاة إليها، فلا يستغرب منه هذا الكلام ما دام يتقرب من المشككين بكتاب الله والطاعنين في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين ينالون من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أمثال مرتضى العسكري صاحب كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) وكتاب (أحاديث أم المؤمنين عائشة).
- الشيعة الذين ينكرون ابن سبأ -
أما الشيعة في العصر الحاضر فينكرون وجود ابن سبأ، والسبب الحقيقي لإنكارهم إياه عقيدته، التي بثها وتسربت إلى فرق الشيعة حتى المتأخرة منها، وسنذكر أقوال وآراء المنكرين ثم نثبت وجوده وعقيدته من المصادر المعتمدة عند الشيعة.
- محمد جواد مغنيةوابن سبأ -
عبد الله بن سبأ في نظر الشيخ محمد جواد مغنية هو البطل الأسطوري الذي اعتمد عليه كل من نسب إلى الشيعة ما ليس له به علم وتكلم عنهم جهلا وخطأ أو نفاقا وافتراء .
- مرتضى العسكري وابن سبأ -
وزعم مرتضى العسكري أنه ناقش جميع من ذهبوا إلى وجود عبد الله بن سبأ وخرج بنتيجة هي أن ابن سبأ (شخصية وهمية خرافية ابتدعها واختلقها سيف بن عمر) وصنف كتابا خاصا بابن سبأ بعنوان (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى).
- الدكتور علي الوردي وابن سبأ -
وأما الدكتور علي الوردي صاحب (وعاظ السلاطين) فيرى أن ابن سبأ هو نفسه عمار بن ياسر ويستدل على ذلك بما يلي:
1- أن ابن سبأ كان يكنى بابن السوداء ومثله في ذلك عمار بن ياسر.
2- كان عمار من أب يماني، ومعنى هذا أنه كان من أبناء سبأ فكل يماني يصح أن يقال عنه أنه ابن سبأ.
3- وعمار فوق ذلك كان شديد الحب لعلي بن أبي طالب يدعو له ويحرض الناس على بيعته في كل سبيل.
4- وقد ذهب عمار في أيام عثمان إلى مصر وأخذ يحرِّض الناس هناك على عثمان فضج الوالي منه وهم بالبطش به.
5- وينسب إلى ابن سبأ قوله: إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق وإن صاحبها الشرعي هو علي بن أبي طالب.
6، 7- قضايا تتعلق بدور عمار في حرب الجمل، وفي علاقته مع أبي ذر الغفاري، ويستخلص الوردي أن ابن سبأ لم يكن سوى عمار بن ياسر، فقد كانت قريش تعتبر عمارا رأس الثورة على عثمان، ولكنها لم تشأ في أول الأمر أن تصرح باسمه، فرمزت عنه بابن سبأ أو ابن السوداء، وتناقل الرواة هذا الرمز غافلين وهم لا يعرفون ماذا كان يجري وراء الستار .
ويقول الدكتور: ويبدو أن هذه الشخصية العجيبة اختُرعت اختراعا وقد اخترعها أولئك الأغنياء الذين كانت الثورة موجهة ضدهم .
- الدكتور كامل الشيبي وابن سبأ -
ثم يأتي بعد الوردي كاتب آخر هو الدكتور كامل مصطفى الشيبي الذي تابع الوردي في أوهامه وخبطه العشوائي وحاول أن يعزّز ما ذهب إليه بإيراد نصوص تثبت القضايا التي وردت في محتوياته، وتابع كذلك الدكتور طه حسين في حرق الإمام علي رضي الله عنه للسبئية فيقول: أما قضية إحراق علي المزعوم للسبئية فإنه خبر مختلق من أساسه ولم يرد على صورة فيها ثقة في كتاب معتبر من كتب التاريخ.
ولعل أصل هذا الحادث يتصل بإحراق خالد بن عبد الله القسري بيانا وخمسة عشر من أتباعه الغلاة، ثم لما تقدم بها الزمن زحزحت الحادثة إلى الأمام قليلا حتى اتصلت بعلي .
- الرد على الوردي والشيبي -
أما ما ذهب إليه الوردي وتابعه الشيبي وغيره بأن عبد الله بن سبأ هو نفسه عمار بن ياسر فكُتُب الجرح والتعديل والرجال الموثقة عند الشيعة ترد على هذا القول وذلك أن كتبهم ذكرت ترجمة عمار بن ياسر في أصحاب الإمام علي رضي الله عنه والرواة عنه، وتعده من الأركان الأربعة ، وذكرت ترجمة عبد الله بن سبأ وتذكر اللعنة عليه، وتمدح عمارا فكيف نجمع بين هاتين الترجمتين .
وأما تحريق السبئية فسوف نذكر الأدلة الصحيحة في موقف الإمام منهم.
- الدكتور عبد الله فياض وابن سبأ -
وكذلك أنكره الدكتور عبد الله فياض في كتابه تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، وهو كتاب مطعم بآراء المستشرقين، وكان المشرف عليه الدكتور قسطنطين زريق أحد أساتذة دائرة التاريخ بالجامعة الإمريكية ببيروت.
يقول الدكتور فياض: يبدو أن ابن سبأ كان شخصية إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، وأن دوره - إن كان له دور - قد بولغ فيه إلى درجة كبيرة لأسباب دينية وسياسية، والأدلة على ضعف قصة ابن السوداء كثيرة . ويستدل بما ذهب إليه مرتضى العسكري من اتهام سيف بن عمر البرجمي (ت170هـ) باختلاق هذه الشخصية، ويزعم التناقض والمبالغة في الروايات، ويعزز موقفع برأي الوردي، ومتابعة الشيبي.
- طالب الرفاعي وابن سبأ -
ويظهر بعد هؤلاء المدعو طالب الحسيني الرفاعي فيقول في حاشيته على مقدمة محمد باقر لكتاب تاريخ الإمامية والتي طبعها تاجر الكتب الخانجي بالقاهرة سنة 1397هـ/1977م باسم (التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية) على أنه لو كان ابن سبأ هذا حقيقة تاريخية ثابتة فعلا، فإنه - كما سنذكره مفصلا في مبحث خاص به - لا صلة إطلاقا بين أفكاره وبين ما اشتملت عليه عقيدة الشيعة من الوصية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لأنها قائمة على روايات في صحاح الفريقين من السنة والشيعة، كما هي موجودة أيضا في كتب الفريقين في التفسير والتاريخ وأصول الاعتقاد. ومن ثم فالقول بأن التشيع نتيجة من نتائج الفكرة السبئية - كما يدعى - رأي باطل" .
ولا يستغرب هذا الكلام من هذا الرجل الذي زعم أن أول من قال بالرجعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال :"إن الرسول صلى الله عليه وسلم: لم يمت ولن يموت"، إضافة إلى افتراءاته وضلالاته وتزييفه للحقائق الثابتة الصحيحة.
الرد على الأقوال وعرض لمصادر ترجمة ابن سبأ
هذه أقوال بعض شيعة العصر الحاضر، وكأنهم لم ينظروا في كتب عقائدهم وفرقهم، ومروياتهم ورجالهم وكتب الجرح والتعديل عندهم.
وهذه طائفة من الكتب الموثقة عند الشيعة التي ذكرت عبد الله بن سبأ ومزاعمه وعقيدته والتي حملت الإمام عليا رضي الله عنه وأهل بيته الطاهرين على تكذيب ابن سبأ والتبرؤ منه ومن أصحابه السبئية وما نسبه إلى أهل البيت.
أول هذه المصادر المهمة النادرة التي ذكر فيها ابن سبأ (رسالة الإرجاء) للحسن بن محمد بن الحنفية الفقيه الموثق الذي كان يقول: "من خلع أبا بكر وعمر فقد خلع السنة"، المتوفى سنة خمس وتسعين للهجرة والتي رواها عنه الثقات من الرجال عند الشيعة.
ثانيا: كتاب المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري القمي المتوفى سنة 301 هـ وهو مطبوع في طهران سنة 1963م.
ثالثا: فرق الشيعة لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث الهجري طبعة كاظم الكتبي في النجف عدة طبعات وكذا طبعة المستشرق ريتر في استانبول /1931م.
رابعا: رجال الكشي لأبي عمرو محمد بن عبد العزيز الكشي وهو معاصر لابن قولويه المتوفى سنة 369هـ ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات كربلاء.
خامسا: رجال الطوسي لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ ط الأولى النجف 1381هـ/1967م نشر محمد كاظم الكتبي.
سادسا: شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي المتوفى سنة 656هـ ط الأولى الميمنية 1326هـ وغيرها.
سابعا: الرجال للحسن بن يوسف الحلي المتوفى سنة 726هـ طبعة طهران 1311هـ/ وطبعة النجف 1961م.
ثامنا: روضات الجنات لمحمد باقر الخوانساري المتوفى سنة 1315هـ طبعة إيران 1307هـ.
تاسعا: تنقيح المقال في أحوال الرجال للشيخ عبد الله المامقاني المتوفى سنة 1350هـ، طبعة النجف 1350هـ في المطبعة المرتضوية.
عاشرا: قاموس الرجال لمحمد تقي التستري منشورات مركز نشر الكتاب طهران 1382هـ.
حادي عشر: روضة الصفا تاريخ عند الشيعة معتمد بالفارسية ج2/ص292 طبعة إيران.
ثاني عشر: دائرة المعارف المسماة بمقتبس الأثر ومجدد ما دثر لمحمد حسين الأعلمي الحائري ط 1388هـ/1868م في المطبعة العلمية بقم.
هذا ما تيسر لنا من كتب القوم التي اطلعنا عليها وهناك عدد كبير من كتبهم المخطوطة والمطبوعة فيها ذكر ابن سبأ والسبئية منها: (حل المشكل) لأحمد بن طاووس المتوفى سنة 673هـ، و (الرجال) لابن داود المؤلف سنة 707هـ، و(التحرير الطاووسي) للحسن بن زيد الدين العاملي المتوفى سنة 1011هـ، و (مجمع الرجال) للقهبائي المؤلف سنة 1016هـ، و(نقد الرجال) للتفرشي الذي ألفه سنة 1015هـ، و(جامع الرواة) للأردبيلي المؤلف سنة 1100هـ، و (موسوعة البحار) للمجلسي المتوفى سنة 1110هـ، وابن شهر آشوب المتوفى سنة 588هـ.
- عقيدة ابن سبأ وضلالاته -
بعد أن ذكرنا طائفة من كتب الشيعة الموثقة والمعتمدة عندهم نذكر أهم الأمور التي اعتقدها ابن سبأ وحمل أتباعه على الاعتقاد بها والدعوة إليها، وهكذا تسربت هذه الأفكار الضالة إلى فرق الشيعة، والسبب في استدلالنا في بيان معتقد هذا اليهودي من كتبهم ومن رواياتهم عن المعصومين عندهم.
لأنهم يقولون : "إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال عند أهل السنة" .
ويقولون أيضا: "ولما كان الإمام معصوما عند الإمامية فلا مجال للشك فيما يقول" ، ويقول المامقاني : "إن أحاديثنا كلها قطعية الصدور عن المعصوم" .
وكتاب المامقاني من أهم كتب الجرح والتعديل عندهم.
بعد هذه الأقوال التي تُلزم القوم في قبول الأخبار المروية في مصنفاتهم نذكر أهم الضلالات التي نادى بها ابن سبأ وهي:
1- القول بالوصية: وهو أول من قال بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي، وأنه خليفته على أمته من بعده بالنص.
2- أول من أظهر البراءة من أعداء علي رضي الله عنه - بزعمه - وكاشف مخالفيه وحكم بكفرهم.
والدليل على مقالته هذه ليس من تاريخ الطبري، ولا من طريق سيف بن عمر بل ما رواه النوبختي والكشي والمامقاني والتستري وغيرهم من مؤرخي الشيعة.
يقول النوبختي: "وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم ووالى عليا عليه السلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصيّ بعد موسى على نبينا وآله وعليهما السلام بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في علي عليه السلام بمثل ذلك وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي عليه السلام وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه - يقول النوبختي - فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهود" ، وفي هذا المقام نشير إلى أن فكرة الوصية التي اعتمد عليها ابن سبأ ذكرت في التوراة في إصحاح (18) من سفر (تثنية الاشتراع) وفيه أنه لم يخلُ الزمان أبدا من نبي يخلف موسى ومن نوعه ولكل نبي خليفته إلى جانبه يعيش أثناء حياته.
ويقول النوبختي عند ذكره السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال : إن عليا عليه السلام أمره بذلك .
3- كان أول من قال بألوهية وربوبية علي رضي الله عنه .
4- كان أول من ادعى النبوة من فرق الشيعة الغلاة.
والدليل على ذلك ما رواه الكشي بسنده عن محمد بن قولويه القمي قال حدثني سعد بن عبد الله ابن أبي خلف القسي قال حدثني محمد بن عثمان العبدي عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان قال حدثني أبي عن أبي جعفر (ع) أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة وزعم أن أمير المؤمنين (ع) هو الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (ع) فدعاه وسأله فأقر بذلك وقال نعم أنت هو، وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأني نبي فقال له أمير المؤمنين (ع) ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار - والصواب أنه نفاه إلى المدائن بعد أن شُفع له على ما سنبينه في موقف الإمام منه - وقال - أي الإمام - إن الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك .
وروى الكشي بسنده أيضا عن محمد بن قولويه قال حدثني سعد بن عبد الله قال حدثني يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ وما ادعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فقال: "إنه لما ادعى ذلك استتابه أمير المؤمنين (ع) فأبى أن يتوب وأحرقه بالنار" .
5- كان ابن سبأ أول من أحدث القول برجعة علي رضي الله عنه إلى الدنيا بعد موته وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأول مكان أظهر فيه ابن سبأ مقالته هذه في مصر فكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب برجوع محمد وقال الله عز وجل : {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فقبل ذلك منه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها .
فإن لم يرض القوم برواية ابن عساكر الثقة التي رواها في تاريخه وكذا غيره فاسمع إلى ما قالته السبئية لمن أخبرهم بمقتل سيدنا علي رضي الله عنه ونعاه، قالوا: "كذبت يا عدو الله لو جئتنا - والله - بدماغه ضربةً فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض…الخ" ، وهذا الخبر ذكره سعد بن عبد الله الأشعري القمي صاحب كتاب المقالات والفرق الذي هو موضع ثقة عند الشيعة، ونقل النوبختي في فرق الشيعة مقالة السبئية وهي: "أن عليا لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلماوجورا" .
بقي علينا في هذا المقام أن نعرف مفهوم عقيدة الرجعة عند الشيعة يقول محمد رضا المظفر: "إن الذي تذهب إليه الإمامية أخذا بما جاء عن آل البيت عليهم السلام أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعز فريقا ويذل فريقا آخر، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ، ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد ثم يصيّرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يسنحقونه من الثواب أو العقاب كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمني هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلَحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله أن يخرجوا ثالثا لعلهم يصلحون : {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} .
والتفسير الصحيح لهذه الآية ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "هي مثل التي في البقرة: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم بعد الموت"، أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه .
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "كنتم أمواتا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة ثم أحياكم فهذه حياة ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة فهما ميتتان وحياتان فهو كقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}" .
6- ادعى ابن سبأ اليهودي أن عليا رضي الله عنه هو دابة الأرض وأنه هو الذي خلق الخلق وبسط الرزق.
قال ابن عساكر: روى الصادق عن آبائه الطاهرين عن جابر قال: "لما بويع علي رضي الله عنه خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: "أنت دابة الأرض"، فقال له: "اتق الله"، فقال له : "أنت الملك"، فقال له: "اتق الله"، فقال له: "أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق" فأمر بقتله فاجتمعت الرافضة فقالت: "دعه وانفه إلى ساباط المدائن.." .
وروى الكليني في أصول الكافي بسنده إلى علي رضي الله عنه أنه قال: "ولقد أعطيت الست علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، وإني لصاحب الكّرات - أي الرجعات إلى الدنيا - ودولة الدول، وإني لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس" .
وروى عن إبراهيم بن هاشم في تفسيره عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله أفسدت قلبي، قال عمار: وأية آية هي؟، فقال: هذه الآية - أي { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} (81) من سورة النمل - فأية دابة الأرض هذه"؟ قال عمار: "والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها" فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (ع) وهو يأكل تمرا وزبدا فقال: "يا أبا اليقظان هلم"، فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل: "سبحان الله حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب حتى ترينيها" قال عمار: "أريتكها إن كنت تعقل" .
7- وقالت السبئية: إنهم لا يموتون وإنما يطيرون بعد مماتهم وسموا بـ (الطيارة) يقول طاهر المقدسي: "وأما السبئية فإنهم يقال لهم الطيارة يزعمون أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغلس" .
ولقد استخدم أئمة الجرح والتعديل من الشيعة هذه التسمية وهي من ألفاظهم في تجريح الرواة.
يقول الطوسي: وهو أحد الأئمة الأثبات عند الشيعة في ترجمة نصر بن صباح يكنى أبا القاسم من أهل بلخ - وبلخ في أفغانستان - لقي جلة من كان في عصره من المشايخ والعلماء، وروى عنهم إلا أنه قيل كان من (الطيارة) غالٍ .
8- وقال قوم من السبئية بانتقال روح القدس في الأئمة وقالوا (بتناسخ الأرواح)، يقول ابن طاهر المقدسي: "ومن الطيارة (أي السبئية) قوم يزعمون أن روح القدس كانت في النبي كما كانت في عيسى ثم انتقلت إلى عليّ ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم كذلك في الأئمة، وعامة هؤلاء يقولون بالتناسخ والرجعة" ، ولعل كتاب الحسن بن موسى النبوختي المسمى بـ (الرد على أصحاب التناسخ) صنفه النوبختي في الرد عليهم .
9- وقالت السبئية: "هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي عنهم".
10- وقالوا: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم تسعة أعشار الوحي"، ولقد رد على مقالتهم هذه أحد أئمة أهل البيت وهو الحسن بن محمد بن الحنفية في رسالته التي سماها بـ (الإرجاء) والتي رواها عنه الرجال الثقات عند الشيعة فيقول: و"من قول هذه السبئية: "هُدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلم خفي عنهم"، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كتم تسعة أعشار الوحي، ولو كتم صلى الله عليه وسلم وآله شيئا مما أنزل الله عليه لكتم شأن امرأة زيد، وقوله تعالى: { تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِك…}" ، وقال الحافظ الجوزجاني (ت259هـ) عن ابن سبأ: "زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي فنهاه عليّ بعدما همّ به".
11- وقالوا: إن عليا في السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين ، ولقد أشار إلى معتقدهم هذا اسحاق بن سويد العدوي في قصيدة له برئ فيها من الخوارج والروافض والقدرية، منها:
برئت من الخوارج لست منهم
من الغَزَّالِ منهم وابن بـاب

ومن قـوم إذا ذكـروا عليـا
يردُّون السلام على السَّحاب

وعقب الشيخ محي الدين عبد الحميد - رحمه الله - على هذا المعتقد بقوله: "ولا زلت أرى أطفال القاهرة يجرون وقت هطول الأمطار، ويصيحون في جريهم (يا بركة عليّ زود)" .
موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته
من ابن سبأ وأتباعه
قال علي رضي الله عنه : "سيهلك فيّ صنفان محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق،و خير الناس فيّ حالا النمط الأوسط فالزموه والزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة" .
وهكذا شاء الله أن ينقسم الناس في علي رضي الله عنه إلى ثلاثة أقسام القسم الأول مبغض مفرط وهؤلاء الذين تكلموا فيه بل غالى بعضهم فقالوا بكفره كالخوارج.
والقسم الثاني أفرط في حبه وذهب به الإفراط إلى الغلو حتى جعلوه بمنزلة النبي بل ازدادوا في غيهم فقالوا بألوهيته.
وأما السواد الأعظم فهم أهل السنة والجماعة من السلف الصالح حتى الوقت الحاضر فهم الذين أحبوا عليا وآل بيته المحبة الشرعية، أحبوهم لمكانتهم من النبي صلى الله عليه وسلم .
ولقد جابه علي رضي الله عنه القسم الأول فقاتلهم بعد أن ناظرهم وأخباره معهم معروفة مسرودة في كتب التاريخ، ونريد أن نرى موقفه هو وأهل بيته من ابن سبأ وأتباعه.
لما أعلن ابن سبأ إسلامه وأخذ يظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويكسب قلوب فريق من الناس إليه أخذ يتقرب من علي بن أبي طالب ويظهر محبته له فلما اطمأن لذلك أخذ يكذب ويفتري على علي بن أبي طالب نفسه الكذب، قال عامر الشعبي - وهو أحد كبار التابعين توفي 103هـ -:"أول من كذب عبد الله بن سبأ وكان ابن السوداء يكذب على الله ورسوله وكان علي يقول: ما لي ولهذا الحميت الأسود" (والحميت هو المتين من كل شيء) ، يعني ابن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر
وروى ابن عساكر أيضا أنه لما بلغ علي بن أبي طالب أن ابن السوداء ينتقض أبا بكر وعمر دعا به، ودعا بالسيف وهمّ بقتله، فشفع فيه أناس فقال: "والله لا يساكنني في بلد أنا فيه"، فسيره إلى المدائن .
وقال ابن عساكر أيضا: روى الصادق - وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ولد سنة 83هـ، في المدينة المنورة وتوفي فيها سنة 148هـ، وهو الإمام السادس المعصوم عند الشيعة - روى عن آبائه الطاهرين عن جابر قال: لما بويع علي رضي الله عنه خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: "أنت دابة الأرض" فقال له: "اتق الله"، فقال له: "أنت الملك"، فقال : "اتق الله"، فقال له: "أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق" فأمر بقتله فاجتمعت الرافضة فقالت: "دعه وانفه إلى ساباط المدائن فإنك إن قتلته بالمدينة - يعني الكوفة - خرج أصحابه علينا وشيعته" فنفاه إلى ساباط المدائن فثمّ القرامطة والرافضة - أي كانت بعد ذلك وبجهود ابن سبأ مركزا يجتمعون فيه قال - أي جابر - ثم قامت إليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلا فقال: "ارجعوا فإني علي بن أبي طالب مشهور وأمي مشهورة وأنا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم"، فقالوا: "لا نرجع دع داعيك"، فأحرقهم في النار وقبورهم في صحراء أحد عشر مشهورة، فقال: "من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم علينا أنه إله"، واحتجوا بقول ابن عباس لا يعذب بالنار إلا خالقها .
هذا موقف الإمام علي رضي الله عنه في ابن سبأ وأتباعه، نفاه إلى المدائن وأحرق طائفة من أتباعه، ومن لم يقتنع بهذه الروايات والتي بعضها رواها أحد المعصومين عند القوم وأبى إلا المكابرة والعناد، نذكر له ما ورد في حرق هؤلاء في الروايات الصحيحة عند أهل السنة والجماعة وبعدها روايات القوم.
روى البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد/باب لا يعذب بعذاب الله بسنده إلى عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرق قوما فبلغ ابن عباس فقال: "لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه".
وروى البخاري في صحيحه في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم بسنده إلى عكرمة نحوه وفيه قال: "أُتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم" .
ورواه كذلك أبو داود في سننه في كتاب الحدود / باب الحكم فيمن ارتد الحديث الأول بسنده إلى عكرمة بفلظ آخر وفي آخره فبلغ ذلك عليا فقال: "ويح ابن عباس" ورواه كذلك النسائي في سننه نحوه، ورواه الترمذي في الجامع في كتاب الله الحدود / باب ما جاء في المرتد وفي آخره، فبلغ ذلك عليا فقال: "صدق ابن عباس"، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم في المرتد .
وروى البخاري أيضا في صحيحه في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم بسنده إلى عكرمة نحوه، وفيه قال: "أُتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم".
وروى الطبراني في المعجم الأوسط من طريق سويد بن غفلة "أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال: "صدق الله ورسوله.." .
وفي الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي: "إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم" فدعاهم فقال لهم: "ويلكم ما تقولون؟" قالوا: "أنت ربنا وخالقنا ورازقنا"، فقال: "ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا" فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: "قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام"، فقال: "أدخلهم" فقالوا كذلك فلما كان الثالث قال: "لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة" فأبوا إلا ذلك، فقال: "يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدّ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر"، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض" وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال: "إني طارحكم فيها أو ترجعوا"، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال:
إني إذا رأيت أمرا منكرا
أوقدت ناري ودعوت قنبرا

وقال ابن حجر: هذا سند حسن .
إضافة إلى هذه الروايات ، فقد روى الكليني في كتابه الكافي - الذي هو بمنزلة صحيح البخاري عند القوم - روى في كتاب الحدود في باب المرتد بسنده من طريقين عن أبي عبد الله أنه قال: أتى قوم أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: "السلام عليك يا ربنا" فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها نارا وحفر حفيرة أخرى إلى جانبها وأفضى ما بينهما فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة الأخرى نارا حتى ماتوا" .ويبدو أن عليا رضي الله عنه قد كرر عقابه لغير هؤلاء أيضا وهم الزط، فقد روى النسائي في سننه (المجتبى) عن أنس أن عليا أتي بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم، قال ابن عباس: "إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق قتادة (أن عليا أتي بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم) وحكم ابن حجر على هذا الحديث بالانقطاع ثم قال: فإن ثبت حمل على قصة أخرى فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضا من طريق أيوب بن النعمان أنه قال: "شهدت عليا في الرحبة فجاءه رجل فقال: "إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه" فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا بمثال رجل قال فألهب عليهم الدار" .
وروى الكشي في كتابه معرفة أخبار الرجال بعد ترجمة عبد الله بن سبأ تحت عنوان (في سبعين رجلا من الزط الذين ادعوا الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام)، بسنده إلى أبي جعفر أنه قال: "إن عليا عليه السلام لما فرغ من قتال أهل البصرة أتاه سبعون رجلا من الزط فسلموا عليه وكلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم، وقال لهم: "إني لست كما قلتم أنا عبد الله مخلوق"، قال: فأبوا عليه وقالوا له: "أنت أنت هو"، فقال لهم: "لئن لم ترجعوا عما قلتم في وتتوبوا إلى الله تعالى لأقتلنكم"، قال: فأبوا أن يرجعوا أو يتوبوا، فأمر أن يحفر لهم آبار فحفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم قذفهم فيها ثم طم رؤوسها ثم ألهب النار في بئر منها ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتوا .
ومن المناسب ما دمنا نتكلم عن تحريق علي بن أبي طالب لأصحاب ابن سبأ والزنادقة أن نذكر حادثة أخرى ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، يقول ابن أبي الحديد: "وروى أبو العباس أحمد بن عبيد بن عمار الثقفي عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بنوين، وروى أيضا عن علي بن محمد النوفلي عن مشيخته (أن عليا عليه السلام مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا فقال : "أسفر أم مرضى"، قالوا: "لا ولا واحدة منها"، قال: "فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية"، قالوا: "لا"، قال: فما بال الأكل في نهار رمضان، فقاموا إليه فقالوا: "أنت أنت" يومئون إلى ربوبيته، فنزل عليه السلام عن فرسه فألصق خده بالأرض، وقال: "ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام" فأبوا فدعاهم مرارا فأقاموا على كفرهم، فنهض إليهم وقال: "شدوهم وثاقا وعلي بالفعلة والنار والحطب" ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل إحداهما سربا والأخرى مكشوفة وألقى الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحا وألقى النار في الحطب فدخن عليهم وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الإسلام، فأبوا، فأمر بالحطب والنار فألقي عليهم فأحرقوا فقال الشاعر:
لترم بي المنية حيث شاءت
إذا لم ترمني في الحفرتين

إذا ما حشنا حطبا بنار...
فذاك الموت نقدا غير دين

فلم يبرح عليه السلام حتى صاروا حمما .
هذه الروايات التي وقفنا عليها في الأحاديث الصحيحة والحسنة والروايات التاريخية وكذلك من كتب القوم المتعلقة بالأصول والفقه والرجال والتاريخ التي تدل بكل وضوح على أن عليا رضي الله عنه قد حرق الزنادقة ومن اعتقد فيه الربوبية ومنهم أصحاب ابن سبأ الملعون، أما هو فكما تذكر الروايات - سواء روايات أهل السنة والجماعة وروايات الشيعة - أن عليا رضي الله عنه اكتفى بنفيه إلى المدائن بعد أن شفع له الرافضة.
قال النوبختي في كتابه الشيعة في ترجمة ابن سبأ: "وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال إن عليا عليه السلام أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس عليه "يا أمير المؤمنين أتقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك، والبراءة من أعدائك" فصيره إلى المدائن" .
ابن سبأ يدعو الناس في المدائن لدعوته
إن عبد الله بن سبأ وجد بعد نفيه مكانا مناسبا لبث أفكاره وضلالاته بعد أن ابتعد من سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأخذ ينظم أتباعه وينشر أفكاره بين جيش الإمام المرابط في المدائن، ولما جاءهم خبر استشهاد علي رضي الله عنه كذبه هو وأصحابه، ولنستمع للخبر كما يرويه الخطيب البغدادي بسنده إلى زحر بن قيس الجعفي الذي قال عنه علي رضي الله عنه: "من سره أن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا" - يقول زحر: "بعثني علي على أربعمائة من أهل العراق وأمرنا أن ننزل المدائن رابطة، قال: "فوالله إنا لجلوس عند غروب الشمس على الطريق إذا جاءنا رجل قد أعرق دابته قال فقلنا: "من أين أقبلت؟" قال: "من الكوفة"، فقلنا: "متى خرجت؟" قال: "اليوم"، قلنا: "فما الخبر؟"، قال: "خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة صلاة الفجر فابتدره ابن بجرة وابن ملجم فضربه أحدهما ضربة إن الرجل ليعيش مما هو أشد منها، ويموت مما هو أهون منها"، قال: "ثم ذهب" فقال عبد الله بن وهب السبائي ـ ورفع يده إلى السماء ـ: "الله أكبر، الله أكبر" قال: قلت له: "ما شأنك؟" قال: "لو أخبرنا هذا أنه نظر إلى دماغه قد خرج عرفت أن أمير المؤمنين لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه" ـ وفي رواية الجاحظ في البيان والتبيين: "لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه" ـ نعود لرواية الخطيب قال ـ أي زحر ـ: "فوالله ما مكثنا إلا تلك اليلة حتى جاءنا كتاب الحسن بن علي: من عبد الله حسن أمير المؤمنين إلى زحر بن قيس أما بعد: فخذ البيعة على من قبلك"، قال: فقلنا: "أين ما قلت؟" قال: "ما كنت أراه يموت" .
وقال الحسن بن موسى النوبختي: "ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه : كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض" .
رواية عبد الجبار الهمداني في موقف ابن سبأ
قال عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفى سنة 415هـ عند كلامه عن موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ابن سبأ والسبئية : "واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام قيل لابن سبأ: "قد قتل ومات ودفن، فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟" فقال: "سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق فأهدم مسجدها حجرا حجرا، وأفعل وأفعل فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات" ، ولما افتضح بهت، وادعى على أمير المؤمنين ما لم يقله، والشيعة الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها والعراق كله يقولون: "أمير المؤمنين كان راضيا بقوله وبقول الذين حرقهم، وإنما أحرقهم لأنهم أظهروا السر، ثم أحياهم بعد ذلك"، قالوا: "وإلا فقولوا لنا لِمَ لَمْ يحرق عبد الله بن سبأ؟" قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر" .
موقف أتباع عبد الله بن سبأ لما سمعوا بمقتل
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
أما أتباع ابن سبأ فلم يكتفوا بالتكذيب بل ذهبوا إلى الكوفة معلنين ضلالات معلمهم وقائدهم ابن سبأ.
فقد روى سعد بن عبد الله القمي صاحب المقالات والفرق وهو ثقة عند القوم: "أن السبئية قالوا للذي نعاه : "كذبت يا عدو الله لو جئتنا - والله - بدماغه ضربة فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وإنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض". ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحايته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: "سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟" قالوا: "إنا لنعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه كما قادهم بحجته وبرهانه وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار القيل ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام" .
وكان من هؤلاء رجل يقال له رشيد الهجري الذي صرح بمعتقده أمام عامر الشعبي قال الشعبي: "دخلت عليه يوما فقال: خرجت حاجا فقلت: لأعهدن بأمير المؤمنين عهدا فأتيت بيت علي عليه السلام فقلت لإنسان: "استأذن لي على أمير المؤمنين" قال: "أوليس قد مات؟" قلت: "قد مات فيكم والله إنه ليتنفس الآن تنفس الحي"، فقال: "أما إذ عرفت سر آل محمد فادخل" قال : "فدخلت على أمير المؤمنين وأنبأني بأشياء تكون" فقال له الشعبي: "إن كنت كاذبا فلعنك الله"، وبلغ الخبر زيادا ـ فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث" .
وذكر الحافظ الذهبي هذا الخبر في تذكرة الحفاظ وفيه: "فقلت لإنسان: "استأذن لي على سيد المرسلين"، فقال: "هو نائم وهو يظن أني أعني الحسن"، فقلت: "لست أعني الحسن إنما أعني أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين"، قال: "أوليس قد مات؟" فقلت: "أما والله إنه ليتنفس الآن بنفس حي ويعرف من الدثار الثقيل" . ولذلك كان عامر الشعبي يقول: "ما كذب على أحد في هذه الأمة ما كذب على علي" ، ورشيد هذا قال عنه ابن حبان: كان يؤمن بالرجعة .
وذكره الطوسي في ضمن أصحاب علي رضي الله عنه وسماه رشيد الهجري الرياش بن عدي الطائي ، ويعتبر رشيد من أبواب الأئمة، كان بابا للحسين بن علي رضي الله عنهما .
موقف أهل بيت النبي الكريم من ابن سبأ
وتصدى أهل بيت النبي الكريم لعبد الله بن سبأ كما تصدى له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكذبوه وتبرؤوا من مقالاته وضلاله.
فقد روى الكشي بسنده عن محمد بن قولويه قال حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين وكان والله أمير المؤمنين عبد الله طائعا، الويل لمن كذب علينا وإن قوما يقولون فينا ما لا نقول في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم" .
وروى الكشي بسنده أيضا عن محمد بن قولويه قال حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال قال علي بن الحسين (ع): "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي لقد ادعى أمرا عظيما ماله لعنه الله كان علي عبدا لله صالحا، أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرامة إلا بطاعة الله" .
وروى أيضا الكشي بسنده عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (ع): "إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بذكبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين أصدق من برأ الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله" .
هذه روايات الكشي عن أئمة أهل البيت، ومن المعلوم أن كتاب الكشي المسمى بـ (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) عمد إليه إمام الشيعة الثقة الثبت عدهم (الطوسي) الذي يلقبونه بشيخ الطائفة المتوفى سنة 460هـ عمد إلى كتاب الكشي فهذبه وجرده من الزيادات والأغلاط وسماه بـ (اختيار الرجال) وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي، وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456هـ، نص على ذلك السيد رضي الدين علي بن طاووس في (فرج المهموم) نقلا عن نسخة بخط الشيخ الطوسي المصرح فيها بأنها اختصار رجال كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي واختياره، فالموجود في هذه الأزمنة من المخطوط منه والمطبوع سنة 1317هـ في بمبئ بل وفي زمان العلامة الحلي إنما هو اختيار الشيخ الطوسي لا رجال الكشي الأصل فإنه لم يوجد له أي أثر حتى اليوم .
وبهذه النقول والنصوص الواضحة المنقولة من كتب القوم تتضح لنا حقيقة شخصية ابن سبأ اليهودي ومن طعن من الشيعة في ذلك فقد طعن في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين عندهم في هذا اليهودي (ابن سبأ) ولا يجوز ولا يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول، وكذلك لا يجوز في معتقد القوم تكذيب المعصوم.
هذا ما تيسر لنا في إثبات هذه الشخصية، أما الكلام عن دوره في مقتل عثمان رضي الله عنه، ودوره في عهد علي رضي الله عنه، وأثره في فرق الشيعة، ورواة الأخبار فيحتاج إلى كتابة أخرى.
{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.

عبدالله بن خميس
30-04-08, 06:35 PM
شكرا لكم

أبوالفوزان السنابلي
26-05-11, 06:29 AM
جزاكم الله خيرا