المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مع عريبي والحمار


أبو عبدالله العسري المغربي
28-03-11, 11:02 AM
مع عريبي والحمار

الكلمات التي تحتها خط تعبر عن وجهة نظر ورأي الحمار فقط.. مع كامل الحق لكل قارئ بالرد والنقد

"احتلال، فيتو، غزو، أبو غريب"



عُرَيبِيٌّ يقول، وعُمر القارئين يطول، واصبروا وتروَّوا يا قارئين إلى نهاية القول، حتَّى وإن كان أوله غيرَ مقبول، ولا معقول، فنحن في زمانٍ يَحتار فيه أولو الألباب والعقول، مِن تدارُكِ وتتالي المُعَاين والمنقول؛ بسبب كثرة غير المعقول ولا المقبول، وكثرة التفسير والتهميش والتحليل، ولم تَعُد هناك قَنَاعةٌ ببيان وتأويل، ولا قبولٌ بكثير ولا قليل، والله المستعان.

"يا سادة يا كرام" رُوي عن أبي عقيل السَّواق عن مقاتل بن سليمان قال: قال موسى للخَضِر: أيُّ الدَّوابِّ أحبُّ إليك، وأيُّها أبغض؟ قال: أحبُّ الفرس والحمار والبعير؛ لأنَّها مِن مراكب الأنبياء، وأبغض الفيل والجاموس والثَّور.

فأمَّا البعير فمركبُ هودٍ، وصالح، وشعيب، والنبيِّين - عليهم السَّلام - وأمَّا الفرس فمركب أولي العَزم من الرُّسل، وكلِّ مَن أمره الله بِحَمل السِّلاح وقتالِ الكُفَّار، وأما الحمار فمركب عيسى ابن مريم، وعُزَير، وبلعم، وكيف لا أحبُّ شيئًا أحياه الله بعد موتِه قبل الحشر[1].

ولا تنس يا عريبِي أنَّ الله شرَّفَني بركوب النبيِّ محمَّد - صلى الله عليه وسلَّم - وقد فاز بِهذا الشرف أحدُ أجدادي اسمه يعفور، أصابه النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - لَمَّا فتح خيبر، وكان حمارًا أسود، وسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - عن اسمه، فقال له: ((مااسمك؟))، قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله عن نسل جدي ستين حمارًا، لا يركبها إلا نبي، وقدكنت أتوقعك لتركبني ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت قبلك عند رجل يهوديٍّ، وكنت أتعثَّر به عمدًا؛ كان يُجِيع بطني ويَركب ظهري، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلَّم -: ((فأنت يعفور))، فكان- صلَّى الله عليه وسلَّم -يركبني في حاجته.
ولا تنسى دوري مع مريم وابنها عيسى - عليهما السَّلام[2].

حديث الحمار يعفور موضوعٌ[3] يا حمار، مع ثبوت ركوب النبي - صلى الله عليه وسلَّم - على حمار، يعني لك تاريخًا مشرِّفًا، ومشاركاتٍ فعَّالة ومباركة، يا حمار، (بعدين) ما شاء الله عليك تَفهم في التاريخ، خاصَّة هذا الذي تقول عنه: جدك يعفور، كنت أظن أنَّ تاريخك كلَّه ضربٌ وعمل، وكدٌّ وإهانة، وحمل أثقال.

كلُّ مخلوق، وله تاريخ يا عُرَيْبِي، خاصَّة تاريخ الحيوانات المسكينة، التي تعاملت معك، وخدَمَتْك، وكُتبُكم تَذكر هذا وتؤكِّده، والإسلام حضَّ على حُسن التعامل حتَّى مع الحيوان؛ لأنَّ في كلِّ كبد رطب صدقةً[4]، ومن ناحية الضَّرب والإهانة الحال (من بعضه) يا عريبي، وراجع تاريخَك، ولا تذهَب بعيدًا، يكفي الذي تراه وتُعايشه هذه الأيَّام في العراق وفلسطين ودارفور، ولا تنس صورَكم في سجن "أبو غريب"، ومناظر النازحين والمهجَّرين، خاصة في أيامنا هذه في ليبيا بسبب "أبو زنقة"، (الله يفك زنقتهم).

"ههح"[5] احترم نفسك يا حمار، على الأقلِّ هناك مناطق أعيش فيها بكرامة، ولا تنس أنَّ هناك فتراتٍ كثيرةً برزتُ فيها، والتاريخ يشهد، ولا أنكر تاريخك ومشاركتك، وأنا أعرف أنَّك من حيواناتِ حمل الأثقال في العديد من البلدان عبر العصور، ومعروف بوداعتِك، وقوَّتِك، وصبرك.

و للإنصاف "يا سادة يا كرام": الحمار حيوان ثدييٌّ مستأنَس، مُطيع، شبيه بالحصان والحمار الوحشي، غير أنَّه ليس به خطوطٌ، ما عدا ما يوجد على أرجُلِه في بعض الحالات، ويَبلغ ارتفاعه عند الكتف: 1,2 م، وشَعره مُختلف الألوان مع وجود خطٍّ أكثر سمرة على الظَّهر، والصِّفات الأخرى المميزة للأنواع هي طول الأذن، وصغر القدم، والشعر الطويل عند نهاية الذيل، ويسمَّى صغير الحمار بالجحش، وقد أنتجَت عمليات التَّهجين أنواعًا مختلفة في الحجم واللَّون وطُول الشعر.

والحمار المستأنس يوجد بكثرة في كلٍّ من جنوب آسيا، وجنوب أوروبا، وشمال إفريقيا، وقد أدخل المستعمِرون البريطانيُّون الحمارَ إلى أستراليا؛ لحمل الأثقال، والحمر البرِّية موجودة بكثرة في شمال أستراليا، وتوجد أنواع عديدة من الحُمُر، وتُعرف أنثى الحمار بالأتان، وإذا نزا حمارٌ ذكَر على أنثى الفرس، فإنَّ هذا التَّزاوُج ينتج عنه البغل، انظر.. بعدين ما تستحي تسويها مع غير حمارة.

اعتَبِره مثل زواج المسيار، أو بسبب تحسين النَّسل، ثم لا تنسَ حُبَّكم كعرب للجواري، حتَّى إنَّ بعضكم يتخذ أكثرَ من عشرين جارية، هذا غير الزوجات، ولا تنس حبَّكم للسفر بِحُجَّة السِّياحة، والفوائد السبع التي جعلتُموها زانةً، تقفزون بواسطتها إلى شَهواتكم، ونزواتكم، و، و، و... وخجلتم من ذِكر الثَّامنة التي تشدُّون الرِّحال لأَجْلها، وتسترتُم بكلمة سياحة، ولا بد أن تعرف أنه لا شيء اسمه حمارة، بل هناك أتان[6]، وأرجوك لا تجيب طاريها.

ومن الغريب "يا سادة يا كرام" أنَّ العرب كانوا يسمُّون به أولادَهم[7]، والعرب إنَّما كانت تسمِّي بِحمار، وكلب، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التَّفاؤُل بذلك، وكان الرجل إذا وُلِد له ذكَرٌ خرج يتعرَّض لزجر الطَّير والفأل، فإِن سمع إنسانًا يقول: حجرًا، أو رأى حجرًا، سَمَّى ابنَه به، وتفاءل فيه الشِّدةَ والصَّلابة، والبقاء والصَّبْر، وأنَّه يحطم ما لقي، وكذلك إن سمع إنسانًا يقول: ذئبًا، أو رأى ذئبًا، تأول فيه الفِطنة والخب، والمَكْر والكَسب، وإن كان حمارًا تأوَّل فيه طُول العُمر والوقاحة، والقوَّة والجلَد، وبُعد الصوت، وإن كان كلبًا تأوَّل فيه الحراسة، واليقَظة، والكسب، وغير ذلك.

ليه مستغرب يا عريبِي استخدامَ اسمي عند أجدادك؟ ولا أعتقد أنَّك ستكون مثل أجدادك الذين كانوا يسمُّون أولادهم بالأشياء التي يرونَها بعد خروجِهم لاختيار الاسم؛ تيمُّنًا وتبَرُّكًا بها، بالله عليك أتقدر أن تسمِّي ولدك بالأشياء التي تراها وتشاهدها بعد خروجك من مستشفى الولادة؟ محطَّة، قناة، تفجير، قرار، قرض، أقساط، ساهر، قنبلة، احتلال باندا، أباتشي، فيتو يورانيوم، تهجير؟!! بالله عليك أهذي أشياء تتبَرَّك بها؟ أحسن لك يا عريبي اسم "حمار"؛ فهو يمثِّل الصبر والتحمُّل، ويتناسب مع وضعكم وحالكم وضعفكم، خاصة في هذا الزمان، ثم إنَّ هذا الاسم فيه نوع من الأصالة، فهمتني يا أخي.. آسف، آسف جدًّا، آسف، أقصد "يا عريبِي".


وسلامتكم "هناك بقية"

<hr size="1"> [1] "الحيوان"، (ج 2/ ص 154).

[2] جاء في "الموسوعة العربية العالمية"، ج / ص4: (ولما أثقلَت مريم ودَنا نِفاسها خرج بِها يوسف، فاحتمَلها على حمارٍ له، حتَّى إذا كان قريبًا من أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريمَ النفاسُ، فألْجَأها إلى أصل نَخلة يابسة، وذلك في زمن الشتاء).

[3] حديث الحمار أنكره غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظ الكبار، فقال أبو محمد بن عبدالله بن حامد: أخبرنا أبو الحسين أحمدُ بن حمدان، السِّجزيُّ، حدَّثَنا عمر بن محمد بن بجير، حدَّثنا أبو جعفر محمد بن مزيد إملاءً، أنا أبو عبدالله محمدُ بن عقبة بن أبي الصَّهباء.
وروى البيهقيُّ في "الشُّعَب" عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنَّه قال: كانت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبون الحمر، ويلبسون الصُّوف، ويحلبون الشَّاة، وكان للنبِيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - حمارٌ اسمه "عُفَير" بضم العين المهملة، وضبطه القاضي عياضٌ بالغين المعجمة، وقد اتَّفَقوا على تغليطه، أهداه له المقوقسُ، وكان فروة بن عمرو الجذاميُّ أهدى له حِمارًا يقال له: يعفور، مأخوذان من العفرة وهو لون التراب، فنفق يعفور في منصرَفِ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - من حجة الوداع .
وذكر السُّهيليُّ أن يعفورًا طرح نفسه في بئرٍ يوم موت النبي - صلى الله عليه وسلَّم - وذكر ابن عساكر في "تاريخه" بسَندِه إلى أبي منصور، قال : لما فتح النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - خيبَرَ أصاب حمارًا أسود، فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - الحمار فقال له : ما اسمك؟ قال يزيد بن شهاب: أخرج الله عن نَسْلِ جدِّي ستِّين حمارًا لا يركبها إلاَّ نبي، وقد كنت أتوقعك لتركبني، ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت قبْلَك عند رجل يهودي، وكنت أتعثَّر به عمدًا؛ كان يجيع بطني، ويركب ظهري.
فقال لي النبيُّ - صلى الله عليه وسلَّم -: ((فأنت يعفور، يا يعفور تشتهي الإناث؟))، قال :لا، فكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يركبه في حاجته.
وقيل: إنَّ قصة الحمار يعفور وردَتْ في موقعٍ مسيحي أساسه النَّيْل والسُّخرية من شخصٍ يدعى مهران، فكان جلُّ همِّهم أن ينالوا منه بأيِّ شيء يقع في أيديهم، من غير تدقيقٍ ولا تَمحيص، واقتطعوا الأقوال وبتَروها لِهذا الغرض.

[4] كلمة وردَت في حديثٍ متَّفَق عليه.

[5] "هِهح" صوتٌ يَصدر من أقصى الحَلْق عند الحرَج أو التنبيه.

[6] اسم أنثى الحمار، ورُبَّما قالوا للأتان: حِمارة.

[7] "الحيوان"، (ج 1 / ص 98).




المصدر (http://www.alukah.net/Culture/0/30346/)