المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرحلة المقدسية للقاسمي


معيض القرني
24-04-11, 11:15 PM
تعتبر كتب الرحلات من أمتع الكتب لما فيها من أخبار الماضين وأحوالهم ، ولما فيها من السرد التاريخي الماتع ، ولما تحويه من أخبار ومعالم البلدان التي تمت الرحلة خلالها .
ومن الكتب الماتعة في هذ الصدد كتاب " رحلتي إلى بيت المقدس " للشيخ جمال الدين القاسمي ـ رحمه الله ـ
والقاسمي ـ رحمه الله ـ سليل بيت وصف بأنه " بيت شرف وعلم ، ومجد وفضل ، تعدد فيه العلماء والأدباء " .
ولد القاسمي ـ رحمه الله ـ في دمشق سنة 1283 هـ ، ونشأ في بيت علم وأدب وكان أبوه الشيخ محمد سعيد عالماً أديباً .
قال الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ عن القاسمي : " كان من أكمل من رأيت في أخلاقه وآدابه وشمائله ، كان أبيض اللون ، نحيف الجسم ، ربعة القد ، أقرب إلى القصر منه إلى الطول ، غضيض الطرف ، كثير الإطراق ، خافض الصوت ، خفيف الروح ، دائم التبسم . وكان تقياً ، ناسكاً ، واسع الحلم ، سليم القلب ، نزيه النفس ، براً بالأهل ، وفياً للإخوان ، يأخذ مما صفا ويدع ما كدر ، عائلاً عفيفاً قانعاً " .
وللقاسمي ـ رحمه الله ـ العديد من الكتب من أهمها : " محاسن التأويل " ألفه في ستة عشر عاماً .
ـ توفي القاسمي ـ رحمه الله ـ سنة 1332 ه ولم يبلغ الخمسين . ولكنه خلَّف ثروة علمية رائعة جاءت بعد توفيق الله نتيجة لحرصه ودأبه على العلم .
ـ بدأ القاسمي رحلته واصفاً شوقه وحرصه زيارة بيت المقدس وأنه لم يزل " كثير التشوق لزيارة تلك الأماكن المقدسة المباركة منتظراً الفرصة حتى حانت " فشد ساعد الهمة وأبرزها من القول إلى الفعل في أواخر شهر محرم سنة 1321 ه . سالكا طريق البر من دمشق ، فلما وصل إلى " درعا " اسقبل من قاضيها بالترحاب .
ـ أما في عمّان فبقي فيها عشرة أيام ووصف آثارها وبعض خرائبها المدهشة على حد وصفه . وتحدث عن عمَّان وما قيل عنها في كتب المعجم والبلدان .
ـ ومما استحسنه في عمان كرم أهلها وحسن معشرهم ، وأن " لهم تمهل حَسَنٌ بعد أداء الجماعات في المسجد ، فلا يسرعون الانصراف ، ولا يلغون في حرم المسجد أصلاً " .
ـ أما في السَّلط فقال بعد ما ذكر طريقة ذهابه ومن معه إليها :" واستحسنت من متنزهات السَّلط حدائق عين الجادور ، ففي أغلب الأوقات نستغرق لديها النهار إلى المساء ، ومعنا كتبنا التي هي زاد أرواحنا " .
ـ ذكر في رحلته العديد من المواضع التي مرَّ بها أثناء زيارته إلى بيت المقدس ، ثم قال واصفاً دخوله بيت المقدس : " ثم دخلنا المدينة من باب الأسباط ضحوة الثلاثاء في 22 من صفر الخير الموافق لخمس من أيار ، فأنزلنا المكاري في خان هناك ، وبعد أن وضعنا أمتعتنا في حجرة فيه أتينا إلى الحرم الشريف ، فلا تسل عما هجم علينا من السرور المفرط ، وانشراح الصدر ، وبهجة النفس ، وانتعاش الفؤاد ، وحسبناه قطعة من الجنة قد دخلناها حامدين شاكرين لفضله ونحن نكفكف الدمع فينهمل " .
ومن عجيب ما ذكره في رحلته أنهم طلبوا منه قراءة درس عامٍّ في المسجد الأقصى فامتنع خوفاً من دخول العجب عليه ، فيحبط أجر رحلته .
ـ زار المكتبة الخالدية في بيت المقدس وأفاد منها ، فلم طلب منه أربابها أن يسجل أبياتاً في دفتر خاص بالمكتبة امتنع ، وبعد إلحاحهم نظم قصيدة أشار فيها إلى آداب الزيارة ، والمجاورة في بيت المقدس ، ومما جاء فيها :
أيها الزائر بيت المقدس ************ يبتغيه بعد شق الأنفس
احمد المولى بما أولى إذا ************ ما بدت أعلام نور القدس
وأقم في الحرم الأسمى على ************ طاعة والذكر وقت الغلس
وابتهل لله في جُنح الدُّجى ************ وأسل دمعك كالمبتئس .
ـ ومما زاره في القدس المدرسة الصلاحية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي ـ رحمه الله ـ وباعها بثمن بخس دراهم معدودة من بعده ، فقال : " وبعده سار بنا رفيقنا إلى المدرسة الصلاحية التي أعطيت للمسيحيين ، وعادت كنيسة لهم ، فأسفنا لذلك غاية الأسف وأخبرنا أن ذلك جرى سعاية من باع دينه بدنياه من وجهاء القدس واستعان بحاكم كان على شاكلته ، فتم على هذه المدرسة ما تم " .
قلت : لقد لحق الكل بالجزء وأخذت فلسطين بكاملها أيها القاسمي . والله المستعان ـ
ـ انتقل بعد ذلك إلى مدينة الخليل ، وذكر المواضع التي زارها هناك . ثم عاد إلى بيت المقدس .
ـ ختم رحلته ببيان أنه جاء في تقييد الرحلة على غير عادة العلماء الذين يذكرون العديد من المسائل في رحلاتهم فقال : " هذا ولما كان مقصدي تقييد زمن هذه الرحلة في هذا الدفتر لتكون تذكراً لي ولمن يتشوف إلى وقتها من أهلي ، اقتصرت على هذه الكلمات ، وأضربت صفحاً عن تاريخ البلاد التي مررت عليها ، وذكر جغرافيتها ، وحالها قديماً وحديثاً ، خيشة الطول ، والخروج عن الموضوع " .
ختاماً : كتاب " رحلتي إلى البيت المقدس " كتاب لطيف صغير الحجم فيه العديد من الفوائد . وقدم له محققه بمقدمة لطيفة .
والكتاب من إصدار دار البشائر ، ويقع في 135 صفحة ، وفيه ملحق بالصور للقاسمي ولبيت المقدس .
أعاده الله إلى المسلمين عاجلاً غير آجل .


المصدر : منتديات بلقرن