المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملخص عن الماتريدية


محمود البغدادي
26-04-12, 12:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الماتريدية
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده...
نسب هذا المذهب إلى رجل يسمى أبو منصور الماتريدي، الذي يعتبر هو مؤسس هذا المذهب.
وهو: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي السمرقندي، وكان يلقب بإمام الهدى، وإمام المتكلمين، والإمام الزاهد، وغير ذلك من الألقاب.
والماتريدي نسبة إلى ماتريد وهي محلة قرب سمرقند، والسمرقندي نسبة إلى سمرقند، وهي المدينة المشهورة ببلاد ما وراء النهر، وهو نهر جيحون والذي عرف فيما بعد باسم تركستان، وبعد الاستعمار الروسي عرفت باتحاد جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية، وكان فتح المسلمون لبلاد ما وراء النهر عام 93هـ.
ولم يحظ الماتريدي أبو منصور باهتمام المؤلفين في الملل والنحل، فالأشعري في المقالات، والبغدادي في الفرق بين الفرق، وابن حزم في الفصل، والشهرستاني في الملل والنحل لم يذكروا شيئاً عن الماتريدي ولا الماتريدية، وشيخ الإسلام ليس له إلاّ إشارات عابرة، وابن الأثير في الكامل، وابن كثير في البداية والنهاية تحدثوا عن الدولة السامانية، ولكنهم لم يذكروا الماتريدي الذي يعد من أبرز علمائها، والذهبي في سير أعلام النبلاء لم يترجم للماتريدي حتى ولا بترجمة موجزة، والحافظ ابن حجر ترجم في لسان الميزان لشيخ أبي منصور الماتريدي، محمد بن مقاتل الرازي ولم يذكر الماتريدي الذي هو أشهر تلاميذه. وهذا الإغفال لهذه الشخصية -والعلم عند الله- لأسباب منها:
1- بُعد الماتريدي عن مركز الخلافة.
2- عدم دعم الماتريدية في عصورها الأولى بقوة سياسية كما دعمت المعتزلة من قبل الدولة العباسية في بعض فتراتها وخاصة في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وكما دعمت الأشعرية من قبل الدولة الأيوبية ودولة السلاجقة ودولة الموحدين.
3- عدم ارتحال الماتريدي إلى المراكز العلمية في العالم الإسلامي كمكة والمدينة وبغداد ودمشق وغيرها؛ إذ إنه لو زار تلك البلاد، والتقى بعلمائها، وناظر فيها لاشتهر وعرف.
ومع هذا الإغفال له إلا أنه قد احتل منـزلة علمية، حيث إنه المؤسس لإحدى المدارس الكلامية، -والتي انتشر فكرها في العالم الإسلامي حتى أصبحت في بعض الفترات تتقاسم العالم الإسلامي هي والأشعرية-.
وكان الرجل ذا ذكاء ونبوغ، ولاشك أنه جهبذ من جهابذة الفكر الإنساني -كما وصفه بذلك أبو الحسن الندوي-.
ألف الماتريدي في عدد من الفنون، فألف في التفسير، وله كتب في علم الكلام، وله شرح للفقه الأكبر، ورسائل في العقيدة الماتريدية، وكتب أيضاً في أصول الفقه.
أبرز رجال الماتريدية غير أبي منصور الماتريدي:
- أبو اليسر البزدوي: -ويلقب بالقاضي-، وهو شيخ الحنفية بعد أخيه الكبير علي البزدوي.
- أبو المعين النسفي.
- الكمال بن الهمام: صاحب كتاب فتح القدير -الكتاب المعروف في فقه الأحناف-.
- ملا علي القاري: صاحب المرقاة شرح المشكاة، وشرح الفقه الأكبر، وكان -رحمه الله- يكتب في كل سنة مصحفاً واحداً ويبيعه ويصرف ثمنه على نفسه طوال السنة.
1- مصدرهم في التلقي:
مصدر التلقي عند الماتريدية هو العقل، وقد صرح بهذا الماتريدي في عدد من كتبه، فقال: "إن العلم بالله وبأمره غرضٌ لا يدرك إلا بالاستدلال" أي بالمعرفة العقلية، وقال في تفسيره لقوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [(165) سورة النساء]، قال: "وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة".
وهم بهذا وافقوا المعتزلة والأشاعرة، وهناك كما ستلاحظون تداخلاً كبيراً بين هذه المدارس الكلامية الثلاث، فهي جميعاً انطلقت في مناهجها من أصل واحد وهو: جعل العقل أساساً لمعرفة العقيدة.
لكن الماتريدية لا تقدم العقل مطلقاً كالمعتزلة، بل يقولون بأن العقل يدرك ظواهر الأشياء، ولا يدرك ماهيتها وحقيقتها، وهي محاولة فهم للتوسط بين العقل والنقل.
وهذا المنهج جعلهم يقسمون العقائد إلى إلهيات، ونبوات، وسمعيات، فقالوا بأن العقل يستقل بإثبات الإلهيات والنبوات، والسمع (النقل) يستقل بإثبات السمعيات، وهذا المنهج الذي تحاول الماتريدية به التوسط بين العقل والنقل قائم -أساساً- على فكرة باطلة وهي أن نصوص الوحي متعارضة مع أحكام العقل.
وقد أجاب عن هذه الشبهة شيخ الإسلام مبيناً تهافت هذا القول وعدم صحته في كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل [(ج1 ص90،89)]".
2- معرفة الله:
ذهبت المارتدية إلى أن معرفة الله تجب بالعقل قبل ورود السمع، وأن الإنسان يتحمل مسئولية هذه المعرفة قبل بعثة الأنبياء والرسل، ولا يكون معذوراً بتركها، بل يعاقَب على تركه لها، والماتريدي أوجب معرفة الله بالعقل على الصبي العاقل.
ويقول صاحب "نظم الفرائد": "ذهب جمهور مشايخ الحنفية إلى أنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولاً لوجب عليهم بعقولهم معرفة وجوده تعالى ووحدته واتصافه بما يليق به.
والحق في هذه المسألة: أن وجوب معرفة الله تعالى ثابت بالعقل وبالسمع فالله يأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك عقلاً وفطرةً، قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [(29) سورة الزمر] لكن لابد أن يعلم بأنه لا عقاب على ترك هذا الواجب إلا حين ورود الشرع كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [(15) سورة الإسراء].
فمعرفة الله إذاً واجبة بالعقل والسمع، فالعقل يوجبه بمعنى: اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده، والسمع يوجبه بهذا المعنى، ويزيد إثبات العقاب على تركه، فثبوت الحجة إذاً وترتب العقاب على ذلك لا يكون إلا بعد ورود السمع.
3- التحسين والتقبيح:
الماتريدية في مسألة التحسين والتقبيح معتزلة، وهو أن الحسن والقبح يدرك بالعقل، إلا أنهم خالفوهم في المسائل المبنية على القول بالتحسين والتقبيح.
ذكرنا -قبل قليل- بأن الماتريدية يقسمون العقائد إلى إلهيات ونبوات وسمعيات، وأنهم قالوا باستقلال العقل في إثبات الإلهيات والنبوات، واستقلال السمع (الشرع) في إثبات السمعيات، وبناءً على هذا التقسيم قسموا –أيضاً- في مسألة التحسين والتقبيح، فقالوا بأن العقل يدرك الحسن والقبح في الإلهيات والنبوات، أما السمعيات فلا يدرك الحسن والقبح فيها إلا بالشرع.
وقد سبق تقرير بطلان القول بأن الحسن والقبح يدرك بالعقل -كما هو مذهب المعتزلة والماتريدية-، وأيضاً بطلان القول بأن الحسن والقبح يدرك بالشرع -كما هو مذهب الأشاعرة-، والحق وسط بينهما، -كما قرره شيخ الإسلام-، وهو أن الحسن والقبح يعلم بالعقل والشرع، لكن لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب إذا لم يرد الشرع بذلك.
فإطلاق القول في مسألة التحسين والتقبيح بأنهما عقليان أو شرعيان غير صحيح، والحق والصواب في المسألة هو التفصيل.
4- المجاز:
الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية ذهبوا إلى القول بالمجاز في القرآن والحديث واللغة، والمجاز عندهم أصل منهجي يعتمدون عليه في تقرير العقيدة وأصول الفقه، يقول ابن الهمام: "المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث"، فهم يقسمون الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز، ويقصدون بالحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، وبالمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فالمجاز عندهم هو: قسيم الحقيقة، أي بمعنى الشيء المقابل للحقيقة، وهذا كان له دور كبير في تأويل النصوص في عقيدة الماتريدية.
والقول بالمجاز عند أهل السنة والجماعة قول محدث مبتدع لا أصل له فليس هناك مجاز في القرآن ولا مجاز في الحديث بل ولا حتى في اللغة، فأئمة اللغة المتقدمين كالخليل بن أحمد وسيبويه وغيرهم لم يتكلموا فيه أصلاً ولم يقسموا الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، حتى أئمة الفقهاء الأصوليين المتقدمين لم يتعرضوا لهذا التقسيم، فالشافعي -رحمه الله- أول من تكلم في علم الأصول -في كتابه الرسالة- وليس هناك أدنى إشارة إلى هذا التقسيم، ولم ينقل هذا التقسيم عن أي واحد من الأئمة كمالك وأحمد وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وغيرهم.
قال شيخ الإسلام: "من قال من الأصوليين... إنما تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها: نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز، فقد تكلم بلا علم؛ فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة، ولا من سلف الأمة وعلمائها" [الإيمان: ص:73].
وأول من عرف عنه القول بالمجاز هو الجاحظ، ولاشك أن هذه بدعة خطيرة توصل القائلون بالمجاز من خلالها إلى نفي صفات الله -عز وجل-، قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله- في منع جواز المجاز: "وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك، فقالوا: لا يد ولا استواء ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات؛ لأن هذه الصفات لم تُرد حقائقها، بل هي عندهم مجازات، فاليد مستعملة عندهم في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنـزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز".
وهناك من أهل السنة من أخطأ في هذه المسألة، وقال بجواز وقوع المجاز في القرآن أو الحديث أو اللغة، وهؤلاء لم يدركوا حقيقةَ المسألة وأصلَ نشأتها والبعدَ العقديَّ المترتبَ عليه، فنقول بأنهم خالفوا منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، ووافقوا منهج المتكلمة من المعتزلة والماتريدية وغيرهم.
5- التأويل والتفويض:
الماتريدية التزمت المنهج العقلي أساساً في التلقي، لذا صار التأويل والتفويض أصلاً من الأصول المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة.
يقول الماتريدي: "إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج، ولكن على مخرج الحكمة والمعنى".
والماتريدية كغيرهم من المتأولة ليس لهم ضابط مستقيم في التأويل، فبعض النصوص يأولونها وبعض النصوص تدخل في دائرة التفويض، ولذا فالماتريدية -بعد الماتريدي- اختلفوا فمنهم من رجح التأويل ومنهم من رجح التفويض، ومنهم من أجاز الأمرين.
والقول بالتأويل وبالتفويض عند أهل السنة من شر أقوال أهل البدع، وسيأتي زيادة بيان عند التفصيل في باب الصفات -إن شاء الله تعالى-.
6- أحاديث الآحاد:
الماتريدية لا تأخذ بأحاديث الآحاد في باب العقائد، فلا يحتجون إلا بالقرآن وبالحديث المتواتر، وقالوا: لأن أحاديث الآحاد تفيد الظن، ولا تفيد العلم اليقيني.
فلا يقبلون إلا ما كان قطعيَّ الدلالة، ومعنى قطعي الدلالة عندهم: ألا يحتمل التأويل بمعنى أن تكون مقبولة عقلاً خالية من التعارض العقلي، وقد نص الماتريدي على عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب العقائد في عدد من كتبه، بل قد توسع الماتريدي في هذا الباب حتى إنهم صاروا لا يحتجون بأحاديث الآحاد الصحيحة حتى في الأحكام الشرعية العملية، حتى إن الحديث لا يكون مقبولاً عندهم حتى يوافق قواعدهم الأصولية التي قرروها هم، وقد صرح غير واحد منهم بهذا.
يقول أبو زيد الدبوسي -وهو فقيه أصولي من كبار فقهاء الحنفية- يقول في كتابه تأسيس النظر: "الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفاً لنفس الأصول مثل: ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه أوجب الوضوء من مس الذكر، لم يقبل أصحابنا هذا الخبر؛ لأنه ورد مخالفاً للأصول". [ص156].
وقالوا –أيضاً- بأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم، وهو قول ابتدعته القدرية والمعتزلة، فالقول بأن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في العقائد قول مبتدع محدث، والتقسيم إلى متواتر وآحاد لم يكن معروفاً في عصر الصحابة والتابعين، وقد نص الشافعي -رحمه الله- في الرسالة على إجماع المسلمين على حجية خبر الواحد، وهو –أيضاً- مذهب مالك، وقول الإمام أحمد، ولا يعرف عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه قال بعدم إفادة خبر الواحد، بل الذي ورد عنه قبول الأحاديث بدون تفريق، وهذا –أيضاً- مذهب أصحاب أبي حنيفة -كما ذكر ذلك شيخ الإسلام [(18/17)]. وعدم قبول أحاديث الآحاد هو مذهب الجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج -نعوذ بالله من الخذلان-.
7- التوحيد:
الماتريدية في تصورها واعتقادها لتوحيد الله قريب من اعتقاد المعتزلة والأشاعرة، والمراد بالتوحيد عندهم هو اعتقاد الوحدانية التي هي عندهم صفة سلبية، تقال على ثلاثة أنواع:
1- الوحدة في الذات: ويقصدون به انتفاء الكثرة عند الله، بمعنى عدم قبولها الانقسام، فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له.
2- الوحدة في الصفات: يقولون انتفاء النظير له في كل صفة من صفاته، فيمتنع أن يكون له تعالى علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والقدرات، بل علمه تعالى واحد، ومعلوماته كثيرة وقدرته واحدة، ومقدوراته كثيرة، وهذا على جميع صفاته.
3- الوحدة في الأفعال: يقصدون انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عموماً، وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات أصلاً.
وأدرجوا في توحيدهم هذا نفي ما نفوه من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وجعلوا من أصول توحيدهم نفي الجسم والجوهر والعرض ونحوها من الألفاظ المبتدعة.
قال الماتريدي: "والله واحد لا شبيه له، دائم قائم لا ضد له ولا ند، وهذا تأويل قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [(11) سورة الشورى] وواحد بالتوحيد عن الأشباه والأضداد.
إذن أصل توحيدهم يقوم على أن معنى الواحد هو: ما ليس بجسم إذ إن الجسم أقله أن يكون مركباً من جوهرين، وذلك ينافي الوحدة، -ولاشك أن هذا التفسير لمعنى الواحد معلوم الفساد شرعاً وعقلاً ولغةً-.
قال الله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [(11) سورة المدثر] الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة، فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام، وأيضاً معلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفساً واحدة علم أن الجسد قد يوصف بالوحدة، ثم إن أصل لفظ الواحد في اللغة يدل على معنى ثبوتي وليس سلبي، فتفسيرهم لمعنى الواحد تفسيراً سلبياً ليس بصحيح، فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ليس هذه الأنواع الثلاثة التي قررها الماتريدية.
8- توحيد الربوبية:
الماتريدية -كما مر معنا- يرون أن معرفة الله لا تتم بالمعرفة الضرورية الفطرية، بل لا تكون إلا بالاكتساب العقلي، وهذا في الحقيقة يجعلهم يتعبون في إقامة الأدلة والمقاييس العقلية لإثبات هذا النوع من التوحيد الذي لم ينازع في أصله أحد من بني آدم، فالماتريدية تعتقد أن الله لا يُعرف إلا من طريق العالم، وهذه المعرفة تكون عندهم بإثبات حدوث العالم، ثم الاستدلال بذلك على إثبات وجود محدثه.
يقول الماتريدي: "والأصل أن الله تعالى لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه".
ودليل الحدوث -في الأصل- مأخوذ عن المعتزلة والجهمية.
تقول الماتريدية: لما ثبت أن العالم محدث، والمحدث ما كان جائز الوجود، وما كان جائز الوجود كان جائز العدم، وما جاز عليه الوجود والعدم لم يكن وجوده من مقتضيات ذاته، فلم يكن اختصاصه بالوجود دون العدم خصوصاً بعد ما كان عدماً إلا بتخصيص مخصص، ولهذا لا يثبت البناء بدون الباني فلا بد من محدث له أحدثه وخصه بالوجود، وبهذه الطريقة استدلت الماتريدية على إثبات وجود الله.
وقد بين شيخ الإسلام في كتابه العظيم: "درء تعارض العقل والنقل" فساد هذه الطريقة وقال: "بأن الاستدلال على وجود الله بهذا الدليل بدعة في الدين أحدثها المعتزلة والجهمية، ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين أنه قال بهذا، وأيضاً هذا الدليل مبني على مقدمات طويلة غامضة مشكلة والذي ينتهي إليه أوضح عند العقل من المقدمات -وهي وجود الله- فالطريقة لو قدر أنها صحيحة فهي تطويل بلا فائدة، واستدلال على الواضح بالغامض وعلى الأظهر بالأخفى، وعلى الأقوى بالأضعف. إلى آخر رده القوي -رحمه الله- تعالى. [الدرء: 1/39، 3/97، 7/223، 8/12، 9/132].
واستدلوا على إثبات وحدانية الله في ربوبيته بما يعرف عند المتكلمين بدليل التمانع، وصورة هذا الدليل:
أنه إذا ثبت أن للعالم محدثاً أحدثه، وصانعاً صنعه كان الصانع واحداً؛ إذ لو كان له صانعان لثبت بينهما تمانع، وذلك دليل حدوثهما أو حدوث أحدهما؛ فإن أحدهما لو أراد أن يخلق في شخص حياة، والآخر أراد أن يخلق فيه موتاً، وكذا هذا في جميع المتضادات كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والسواد والبياض وغير ذلك، إما أن يحصل مرادهما ووجد في المحل المتضادات وهو محال، وإما أن تتعطل إرادتهما، ولم تنفذ، ولم يحصل في المحل لا هذا ولا ذاك وهو تعجيزهما، وإما أن تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر، وفيه تعجيز من لم تنفذ إرادته، والعجز من أمارات الحدث، فإذا لم يتصور إثبات صانعين قديمين للعالم فكان الصانع واحداً ضرورة.
هذا هو دليل التمانع عند الماتريدية، وهذا الدليل لاشك أنه صحيح وإثبات تام عن امتناع صدور العالم عن اثنين لكن هناك أمران:
الأول: أن هذا الكلام الطويل وهذه الفلسفة لسنا في حاجة إليها للوصول إلى قضية واضحة بدهية.
الثاني: أن الماتريدية استدلت على هذا الدليل بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [(22) سورة الأنبياء] وهذا استدلال باطل وفهم سقيم لكلام الله.
معنى الآية عندهم: انتفاء وجود ربين، فلو وجد ربان في هذا العالم لحصل الفساد، فالآية عندهم دلت على نفي الشرك في الربوبية فقط، والآية أكمل وأعظم من هذا، وهو أنه لو عُبد أحد مع الله لحصل الفساد في العالم؛ لأنه لا يستحق أحد العبادة إلا الله، وهذا هو الحاصل، فالفساد في الدنيا الآن من أسبابه أن هناك من يعبد مع الله آلهة أخرى، أو يعبد آلهة أخرى من دون الله، وفرق شاسع بين مراد الآية وفهم الماتريديين لها، فإثبات ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [(25) سورة لقمان].
9- توحيد الألوهية:
الماتريدية كغيرهم من الفرق الكلامية لم يتعرضوا لتوحيد الألوهية ولم يتنبهوا له -مع أنه قطب رحى الدين وأول وآخر دعوة الأنبياء والمرسلين- ولم يفرقوا بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وظنوا أن معنى الألوهية هو القدرة على الاختراع، وظنوا أن التوحيد هو الربوبية فقط، وعلى تصورهم هم، وأن من جاء به فقد أخلص الدين كله لله.
وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ فتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية هو التوحيد الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وعلق النجاة والسعادة في الآخرة به، وهو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره وذروة سنامه وقطب رحاه، وهو مناط الإيمان بالله، وهو غاية التوحيد الذي أراده الله ورسوله.
وجهل الماتريدية بهذا التوحيد سببه أصل منهجهم الفاسد في التلقي حيث إنهم تلقوا عقيدتهم من العقل.
ولذا لا غرابة أنك تجد المجتمعات التي انتشرت فيها عقيدة الماتريدية والأشاعرة وكل المناهج العقلية، أنك تجد انتشار الشرك وسؤال غير الله والاستغاثة بغير الله، وتجد الركع والسجد على أعتاب قبر، والدموع تتقاطر والله المستعان.
10- توحيد الأسماء والصفات:
أولاً: الأسماء:
قالت الماتريدية بوجوب إثبات الأسماء وقالوا بأنه لا طريق لإثبات الأسماء إلا السمع -الشرع-.
قال الماتريدي: "الأصل عندنا أن لله أسماء ذاتية يسمى بها نحو قوله: (الرحمن) ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية لها.
وقالوا: لا يجوز أن يقال لله تعالى يا مبارك؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه". وهذا القول هو قول أهل السنة والجماعة، لكنهم خالفوا أهل السنة حيث أنهم لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله وباب الأسماء فأدخلوا في أسمائه ما ليس من أسمائه كالصانع والقديم والذات والشيء ونحو ذلك، حتى إن الماتريدي ذكر في تفسير قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [(22) سورة الحشر] قال بأن لفظ (هو) من أسماء الله.
والصواب: أنه يجب التفريق بين باب الأسماء وباب الإخبار إذ إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب الأسماء والصفات، فما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه في باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفياً.
وأيضاً خالفوا أهل السنة في إثبات مدلولات الأسماء، فهم إما أن يجعلوا مدلول الاسم هو الذات، وهذا في اسم "الله" فقط، وإما أن يكون المدلول عندهم مأخوذاً باعتبار ما أثبتوه من الصفات -كما سيأتي تفصيله-، وإما أن يرده إلى الصفات السلبية والإضافية، وبهذا يكونون قد عطلوا حقائق ومعاني الأسماء.
ولاشك أن هذا خطأ ظاهر وتعطيل لأسماء الله عما دلت عليه من المعاني، فإثبات الأسماء يجب أن يكون حقيقة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وأيضاً خالف الماتريديةُ أهلَ السنة في باب الأسماء في مسألة: "الاسم والمسمى".
قالت الماتريدية بأن الاسم هو المسمى، وعللوا كلامهم هذا بأن الله هو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة.
والكلام في هذه المسألة من البدع التي حدثت بعد القرون المفضلة، والتي لا أصل لها لا من كتاب ولا من سنة، بل لا يعرف عن أحد من السلف تكلم في هذه المسألة بشيء.
وسبب حدوث هذه المسألة: أن الجهمية لما ابتدعت القول بخلق القرآن، قالت بخلق أسماء الله تعالى، إذ أن القول في أسمائه تعالى نوع من القول في كلامه، مما دفعهم إلى القول بأن أسماء الله غيره، وأن الاسم غير المسمى، فذمهم السلف لقولهم هذا، وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله كلامه، وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمي لنفسه بما فيه من الأسماء، ولهذا يروى عن الشافعي أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.
والصواب في المسألة التفصيل: فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه، وسمع الله، ورأى، وخلق، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: اللهُ اسمٌ عربيٌ، والرحمنُ اسمٌ عربيٌ، والرحمن من أسماء الله، والرحمن مشتق من الرحمة، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يقال غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسماً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من وضعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد.
ثانيا: الصفات:
الماتريدية تعد من الصفاتية، وذلك لأنهم أثبتوا بعض الصفات، والصفات التي أثبتوها، أثبتوا لها معنى حقيقياً يقوم بذات الرب تعالى، وقالوا بأنها لا تستلزم التشبيه فليتهم قالوا ذلك في بقية الصفات لكن المشكلة أن باقي الصفات لم يثبتوها وقالوا بأنها تستلزم التشبيه والتجسيم وهذا تفريق بين الصفات لا دليل عليه سوى العقول الفاسدة.
وأيضاً ابتدع الماتريدية قولاً في الصفات أرادوا من خلاله دفع اعتراضات الجهمية والمعتزلة عليهم.
الجهمية لهم طريقة في المناظرة يوقعون الخصم في شراكهم حتى يقول بأن القرآن مخلوق أو يقول بنفي الصفات.
يقول الجهمي سائلاً خصمه: أخبرني عن القرآن أهو الله؟ أم غير الله؟
فإن قال الخصم بأن القرآن هو الله.
قال له الجهمي: كفرت.
وإن قال: هو غير الله، قال له الجهمي: صدقت ولا يكون غير الله إلا مخلوقاً، فيقع في نفس هذا الخصم الجاهل الميل إلى قول الجهمي.
الماتريدية عندما ألجأتهم الجهمية والمعتزلة إلى هذا القول أرادوا التخلص من هذا الإشكال، فابتدعوا قولاً ثالثاً، وهو أن صفات الله لا هي هو و لا غيره وقالوا: لو كانت الصفات عين الذات لكانت ذاتاً، ولو كانت غيره لزم ذلك تعدد القدماء، ومن تأمل قول الماتريدية تبين له أنه قول متناقض.
والصواب في المسألة أن لفظ -الغير- لم ينطق به الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، وهو من الألفاظ المجملة فقد يراد بالغير ما هو منفصل عن الشيء، فلهذا لا يطلق القول بأن كلام الله وعلم الله ونحو ذلك هو هو؛ لأن هذا باطل، ولا يطلق أنه غيره لئلا يفهم أنه بائن منفصل عنه.
فالذي عليه سلف الأمة أنه إذا قيل لهم: علم الله وكلام الله هل هو غير الله أم لا؟ لم يطلقوا النفي ولا الإثبات؛ لأنه إذا قال لهم: غيره أوهم أنه مباين له، وإذا قال: ليس غيره أوهم أنه هو، بل يستفصل من السائل: فإن أراد بقوله: غيره أنه مباينٌ له منفصل عنه، فصفات الموصوف لا تكون مباينة له منفصلة عنه، وإن أراد بالغير أنها ليست هي هو، فليست الصفة هي الموصوف فهي غيره بهذا الاعتبار.
أما الصفات التي أثبتتها الماتريدية فهي ثمان صفات:
القدرة، العلم، الحياة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، التكوين، وأثبتوا هذه الصفات فقط، قالوا: لأن العقل قد دل عليها، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل.
ويقال: المسلم يجب عليه التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله من الصفات، وهذا ليس موقوفاً على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها؛ فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا أخبرنا بشيء من صفات الله وجب علينا التصديق به، وإن لم نعلم بثبوته بعقولنا، ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ} [(124) سورة الأنعام].
أما طريقة الماتريدية في إثبات الصفات التي أثبتوها فهي طريقة دلالة المحدثات وطريقة التنـزيه عن النقائص.
قالوا: إيجاد الله وخلقه للمخلوقات يدل على صفة القدرة، ثم الإحكام والإتقان في المخلوقات يدل على علم الخالق إذ لا إحكام ولا إتقان بغير علم، فأثبتوا صفة العلم.
والفعل كما لا يتصور إلا من قادر عالم كذلك لا يتصور إلا من حي فأثبتوا صفة الحياة.
ثم إن الله خلق الخلق باختياره ولا اختيار بدون إرادة فأثبتوا الإرادة.
ثم قالوا: السمع والبصر صفتا كمال والصمم والعمى صفتا نقص، ومن شرط القدم الكمال والتبري عن النقائص، فلزم اتصافه بالسمع والبصر وتنـزيهه عن الصمم والعمى.
وكل عالم قادر لا يتكلم فهذا إما عن آفة أو عجز والله عنه منـزه فثبت أنه متكلم.
لكن قالوا: إن كلام الله معنى واحد قائم بذات الله كحياته وقدرته وعلمه وليس بحرف ولا صوت، بحجة أن الحرف والصوت مخلوقان، والله منـزه عن قيام الحوادث بذاته، فلذا قالوا إن كلام الله كلام نفسي وإن ما يتلى من القرآن ليس حقيقة كلام الله إنما هو عبارة أو حكاية عنه والله تعالى لما كلّم موسى -عليه السلام- إنما أسمعه كلامه بواسطة صوت وحروف خلقها له.
وكلامهم هذا مخالف لقول السلف مردود عليه في موضعه.
بقيت صفة التكوين: وسيتضح بعد قليل كيف توصلت الماتريدية إلى صفة التكوين.
نعلم جميعاً أن الصفات تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية.
والذاتية أيضا قسمان: ذاتية خبرية، وذاتية معنوية.
والفعلية قسمان: لازمة، ومتعدية.
أما الذاتية الخبرية كالوجه واليدين والأصابع والقدم والساق ونحوها.
قالوا بنفيها جميعاً ولم يثبتوا الصفات الذاتية الخبرية تماماً، وحجتهم: أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم، ولأن دلالة النصوص على هذه الصفات دلالة ظنية، ولأن حمل هذه النصوص على ظواهرها يفضي إلى تعارض العقل والنقل ويؤدي إلى وقوع التناقض في كتاب الله.
أما الذاتية المعنوية: فما وافق عقولهم أثبتوه كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر، والبقية لم يثبتوها؛ لمعارضتها لعقولهم، وسلكوا في عدم إثباتها إما التأويلَ وإما التفويضَ.
بل قالوا: إن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يُعلم معناه.
وقالوا: إن نصوص الصفات من جنس الحروف المقطعة التي في فواتح السور، وأن المقصود من هذه النصوص هو: امتحان العباد.
وأما الصفات الفعلية اللازمة: كالاستواء والمجيء والنـزول ونحوها فهذه أيضًا نفتها الماتريدية؛ لأنها لا يدل عليها العقل، وقالوا أيضاً : لأن الصفات الفعلية اللازمة من الصفات الاختيارية، والماتريدية تمنع أن تقوم بالله صفة اختياريه؛ لقولهم بامتناع قيام الحوادث بذات الرب، -وهو قول متناقض وسيأتي الرد بعد أسطر-.
أما الصفات الفعلية المتعدية: مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والإحسان ونحو ذلك فهذه قالت الماتريدية أنها كلها ترجع إلى صفة واحدة وهي "التكوين" والتي فسروها بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود، واستدلوا على ثبوت هذه الصفة بالإجماع على أن الله هو الخالق المكوِّن للعالم، لكن قالوا: بأن التكوين قديم أزلي لازم لذات الرب، وأن التكوين أو الفعل لا تعلق له بالمشيئة والقدرة لذلك امتنع عندهم أن يقوم بالله فعل اختياري يحصل بقدرته ومشيئته، ومن هنا قالوا بامتناع قيام الحوادث بذات الرب وامتناع تسلسلها أو دوامها.
ونفيُ حلول الحوادث بالرب كلامٌ فيه إجمال: فإن أريد به أن الله تعالى لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته أو أنه لا يحدث له وصف متجدد لم يكن متصفاً به فهذا صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء، ولا أنه يوصف بالنـزول والاستواء والإتيان فهذا نفي باطل.
11- النبوة:
الماتريدية تقول بأن صدق الرسل والأنبياء يقوم على النظر في صفات الأنبياء الخِلقية والخُلقية -قبل الرسالة وبعدها- وأيضاً تثبت النبوة عندهم بتأييد الله لهم بالمعجزات والآيات الدالة على صدقهم.
وجمهور الماتريدية يرون أن لا دليل على صدق النبي غير المعجزة بحجة أن المعجزة وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي أو الرسول.
ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء، ولكن القول بأن نبوة الأنبياء لا تعرف إلا بالمعجزات قول غير صحيح.
وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشيطان عليه ما ظهر من حاله عند أدنى تمييز، والناس يميزون بين الصادق والكاذب.
إذن: القول بأن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة قول غير صحيح، بل هو باطل عقلاً ونقلاً، والماتريدية إنما تابعوا المعتزلة واقتفوا أثرهم في هذا الباب.
12- المعجزة والكرامة:
تثبت الماتريدية كرامات الأولياء كما أنهم يثبتون معجزات الأنبياء ويرون أنه لا فرق بينهما إلا التحدي الذي هو دعوى الرسالة، فالمعجزة عندهم: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، مع عدم المعارضة.
والكرامة عندهم: أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدي.
فالذي يظهر من تعريف الماتريدية للمعجزة أن النبوة تثبت لديهم بثلاثة شروط: خرق العادة، التحدي، عدم المعارضة. وهذه الشروط وحدها للمعجزة غير منضبط وذلك للآتي:
- ليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف بل ولا ذكر خرق العادة وإنما فيه آيات وبراهين.
- كون الآية خارقة للعادة وصف لا ينضبط، فإن نفس النبوة معتادة للأنبياء وهي خارقة للعادة بالنسبة لغيرهم.
والكهانة والسحر أمور معتادة للسحرة والكهان، خارقة لغيرهم، كما أن أهل الطب يعرفون أشياء معتادة لأمثالهم خارقة لغيرهم، فكون المعجزة أمراً خارقاً للعادة ليس أمراً مضبوطاً.
فتعريف الماتريدية للمعجزة بهذا التعريف غير مستقيم وغير منضبط، ومما يؤسف له أن هذا التعريف هو السائد والمنتشر في كثير من كتب العقائد، فتعريف المعجزة الأحسن مما سبق والأشمل هو: ما يؤيد الله به أنبياءه ورسله من الأمور الخارقة للسنن الكونية، والتي لا قدرة للخلق على الإتيان بمثلها؛ فتكون دليلاً على صدقهم وتأييد الله لهم.
أما كرامات الأولياء فهي كما قالوا من آيات الأنبياء ولكن ليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين.
والماتريدية ساووا بين هذا وهذا، ويقولون الفرق هو دعوى النبوة والتحدي، وهذا غلط؛ فإن آيات الأنبياء التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء، فالآيات الكبرى مختصة بالأنبياء والرسل، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام -مثلاً- فهذا قد وجد لبعض الصالحين، لكن لم يوجد لأحد كما وجد للنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أطعم جيشاً من شيء يسير، فقد تكون المشاركة في جنس الآية لكن لا تكون بنفس العظمة والكثرة.
13- اليوم الآخر:
الماتريدية تدخل قضايا اليوم الآخر في باب السمعيات حسب تقسيمهم للعقائد، وقالوا بأن مسائل اليوم الآخر لا تعلم إلا بالسمع، بمعنى: أن مصدرهم في التلقي فيما يتعلق باليوم الآخر هو السمع فقط، لذا نجدهم قد وافقوا أهل السنة في جزء من هذا الباب، حيث إن اعتقادهم بأن اليوم الآخر وما يتعلق به لا يعلم إلا بالسمع ليس بسديد، بل إن العقل قد دل على اليوم الآخر كما دل عليه السمع بل إن السمع قد نبه على دلالة العقل كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} [(190) سورة آل عمران] وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [(85) سورة الحجر].
فهذا العالم المحكم المتقن لا يجوز في مقتضيات العقول الصحيحة أن يكون أمرها عبثاً، ويستحيل عقلاً أن لا يكون وراءه حكمة عليا هي نتيجة لحكمة خلقه ونشأته، فقول الماتريدية بأن جميع المسائل المتعلقة باليوم الآخر لا تعلم إلا بالسمع قول ظاهر الفساد.
فالماتريدية قالوا:
- بإثبات عذاب القبر ونعيمه واستدلوا على ثبوته ببعض النصوص.
- بإثبات أشراط الساعة.
- بإثبات البعث والنشور والأصل في إثباته عندهم النصوص.
- بإثبات الحوض والميزان والصراط.
- بإثبات الشفاعة.
- بإثبات الجنة والنار وما دلت عليه النصوص من وجودهما وبقائهما.
14- الرؤية:
الرؤية من مسائل اليوم الآخر، فقالت الماتريدية بإثباتها وأن الله يُرى يوم القيامة بدلالة السمع عليها وبجوازها في العقل -أيضاً-، إلا أنهم قيدوها بنفي الجهة والمقابلة، وذلك لأن الماتريدية تنفي عن الله علو الذات، وهم في قولهم هذا تابعوا المعتزلة، قالوا: الذي يكون في جهة أو يكون مقابلاً للرائي لابد أن يكون جسماً، والله ليس بجسم فنفوا بذلك علوَّ الله، لكن الماتريدية عندما قالت بالرؤية احتاجوا أن يجمعوا بين مسألة نفي العلو وإثبات الرؤية فقالوا: يُرى بلا كيف؛ لأن الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل ونور وظلمة وساكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك.
وقول الماتريدية هذا واضح التناقض فإن مالا يكون داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه يمتنع أن يرى بالعين، فقولهم معلوم الفساد بالضرورة، وهناك أحاديث متواترة واردة في الرؤية، تدل على أن المؤمنين يرون ربهم في جهة العلو منها قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب وكما ترون القمر ليس دونه سحاب))، ومعلوم أن هذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، ومعلوم –أيضاً- أن الشمس والقمر لابد أن يكونا في جهة الرائي.
وأما دليلهم العقلي على إمكان الرؤية فقالوا: بأن كل موجود تصح رؤيته، وهذا قول -كما هو ظاهر- ضعيف جداً؛ لأنه يلزم من قولهم هذا رؤية الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني؛ لأن كل هذا موجود وهذا لا يقوله عاقل.
15- القضاء والقدر:
القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة يشتمل على أربع مراتب:
1- علم الله القديم، وأنه قد علم أعمال العباد قبل أن يعملوها.
2- كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.
3- مشيئة الله العامة وقدرته الشاملة.
4- إيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق.
والماتريدية تثبت هذه المراتب الأربع: العلم والكتابة وعموم المشيئة والخلق، وما وقع منهم من انحراف في القضاء والقدر، إنما هو فيما يتعلق بأفعال العباد -كما سيأتي توضيحه في الفقرة التالية-، وفي الحقيقة أن هذه المراتب الأربع ليست بواضحة في كلام الماتريدية كوضوحها في كلام أهل السنة، فهم عندما يعرفون القضاء والقدر ينصون على العلم والخلق، أما المشيئة فيذكرونها في بحثهم لمسألة الإرادة، وأما الكتابة فقلَّ أن يذكروها، على كلٍ فالماتريدية يُعدُّون من مثبتة القدر.
16- أفعال العباد:
الكلام على هذه النقطة من زاويتين:
الأولى: خلق أفعال العباد.
الثانية: علاقة العباد بأفعالهم.
أما الخلق فالماتريدية تقول بأن أفعال العباد مخلوقة لله، وأن الله تعالى خلقها -خيراً كانت أو شراً- واستدلوا على ذلك بأدلة نقلية وعقلية، فالنقلية مثل قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [(13-14) سورة الملك]، وأما الدليل العقلي فقالوا: بأن أفعال العباد لا يستحيل دخولها تحت قدرة الله، فإنها تدخل تحت قدرة الله، وقول الماتريدية في هذا -وهو أن أفعال العباد خيرها وشرها من خلق الله- هو القول الحق وهو قول أهل السنة.
الزاوية الثانية للمسألة: علاقة العباد بأفعالهم.
حاولت الماتريدية التوسط بين قول المعتزلة وقول الجبرية.
قول المعتزلة: أن العبد يخلق فعل نفسه.
الجبرية: أن العبد مجبور وهو كالريشة في مهب الريح.
فقالت الماتريدية: أفعال العباد مخلوقة لله وهي من كسب العباد.
وقد اختلفت عباراتهم في بيان معنى الكسب، وحاصل كلامهم أن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى، والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد، وتأثير العبد هذا هو الكسب عندهم، وهم يقصدون بهذا أن الله تعالى لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره، وقد نصوا على هذا القول في كتبهم.
يقول النسفي: "وما يخترعه الله في العبد باختيار العبد ذلك وله عليه قدرة".
ويقول عبدالله المحبوبي في كتابٍ له يسمى: "التوضيح" يقول: "جرت عادته تعالى أنَّا متى قصدنا الحركة الاختيارية قصداً جازماً من غير اضطرار إلى القصد يخلق الله تعالى عقيبه الحالة المذكورة الاختيارية، وإن لم نقصد لم يخلق".
فحقيقة قول الماتريدية أن العباد يتصرفون بمبادئ أفعالهم باستقلال تام كما يشاؤون وخلق الله لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة، وقولهم هذا قريب من قول المعتزلة.
ولاشك أن قول الماتريدية هذا باطل.
ومعاذ الله أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له، ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته، بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله، وهذا لا يعني أن العبد مجبور لا اختيار له بل العبد له اختياره وله مشيئته، لكن مشيئته داخلة تحت مشيئة الله، فالعبد يفعل الفعل حقيقة والله خالقه وخالق فعله، والله هو الذي جعله فاعلاً بقدرته ومشيئته، وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها.
17- القدرة والاستطاعة:
القدرة والاستطاعة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية تبعاً للخلاف الواقع في القدر.
الذين قالوا بالجبر -وهم الجهمية ومن وافقهم- قالوا بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله، وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له، والذين قالوا بنفي القدر، وأن العبد خالق لفعله -وهم المعتزلة ومن وافقهم- أثبتوا الاستطاعة قبل الفعل، ونفوا أن تكون معه، والذين قالوا بالكسب -وهم الأشاعرة ومن وافقهم- قالوا بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله.
الماتريدية أرادوا أن يتوسطوا في المسألة، فقالوا بإثبات الاستطاعة قبل الفعل ومعه، فقالوا بأن الاستطاعة تقع على نوعين:
الأولى: سلامة الأسباب والآلات وهي تتقدم الفعل.
الثانية: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل وتكون مع الفعل.
وقول الماتريدية في الاستطاعة هو القول الحق وهو قول أهل السنة والجماعة والذي دلت عليه الأدلة.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب".
18- التكليف بما لا يطاق:
- الجهمية قالت بجواز تكليف ما لا يطاق مطلقاً، ومنه تكليف الأعمى البصر.
- المعتزلة قالت بعدم تكليف ما لا يطاق؛ لأنه قبيح والله تعالى منـزه عن فعل القبيح فلا يجوز صدوره منه.
- الأشاعرة قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق به عقلاً وإن لم يقع في الشرع.
- أما الماتريدية فقد وافقوا المعتزلة في هذه المسألة، فقالوا بعدم جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه فاسد عقلاً ولعدم وجود القدرة التي هي مقتضى التكليف.
والصواب في المسألة التفصيل؛ لأن إطلاق القول فيها من البدع كما نص على ذلك شيخ الإسلام.
فيقال تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:
1- ما لا يطاق للعجز عنه كتكليف الإنسان الطيران ونحو ذلك فهذا غير واقع في الشريعة عند جماهير أهل السنة المتثبتين للقدر.
2- ما لا يطاق، وذلك للاشتغال بضده كاشتغال الكافر بالكفر فإنه هو الذي صده عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائماً، وهذا لا يدخل فيما لا يطاق؛ فإنه لا يقال للمستطيع المأمور بالحج إذا لم يحج: إنه كُلِّف بما لا يطاق، ولا يقال لمن أمر بالطهارة والصلاة فترك ذلك كسلاً: إنه كُلِّف ما لا يطيق.
هذا هو الصواب في المسألة والله أعلم.
19- الإيمان:
الإيمان عند الماتريدية هو التصديق بالقلب فقط، وهذا مخالف لما عليه أهل السنة من أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان.
روى البخاري في صحيحه حديث وفد عبد القيس، حيث قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وحده: ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس))، وفي هذا الحديث من أظهر الأدلة على قول اللسان وعمل الجوارح، أما إيمان القلب فقد قال شارح الطحاوية بعد أن ذكر هذا الحديث: "ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب".
وهناك مسائل تتعلق بالإيمان تنبني على أصل المسألة منها:
- مسألة زيادة الإيمان ونقصانه:
فالماتريدية بناءً على أصلهم الفاسد في الإيمان قالوا: بعدم زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، والعمل ليس داخل في مسمى الإيمان، فقالوا بأن التصديق لا يتصور فيه الزيادة والنقصان. وهذا مخالف لقول أهل السنة، وهو أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [(76) سورة مريم] وقال: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [(31) سورة المدثر] وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن)).
- مسألة الاستثناء في الإيمان:
قيل في الاستثناء وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله.
قيل فيه ثلاثة أقوال:
1- القول بوجوب الاستثناء، -وهو قول الكلابية ومن وافقهم-.
2- القول بتحريمه، -وهو قول المرجئة والجهمية-.
3- القول بجواز الأمرين باعتبارين، -وهو قول أهل السنة وسلف الأمة- فقالوا بجواز الاستثناء في الإيمان وذلك؛ لأن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل واعتقاد، والاستثناء إنما يكون في الأعمال لا في أصل الإيمان.
الماتريدية لما قالوا بأن الإيمان هو التصديق، منعوا الاستثناء في الإيمان، وقالوا بأن الاستثناء شك ومن شك في تصديقه فهو كافر.
وإن تبين لنا مما تقدم فساد قول الماتريدية في حقيقة الإيمان ظهر لنا عدم صحة قولهم بمنع الاستثناء في الإيمان فلا حاجة لمناقشتهم في المسألة.
- مسألة الإيمان والإسلام:
في المسألة ثلاثة أقوال:
1- أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد.
2- أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل.
3- التفصيل: وذلك بأن حالة اقترانهما غير حالة إفرادهما فإذا اقترنا كان المقصود بالإسلام الأعمالُ الظاهرة، والإيمانِ الأمورُ الباطنة، وإذا أفردا كان معناهما واحداً، ودخل أحدهما في الآخر ويكون المقصود جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة.
والماتريدية في هذه المسألة ذهبت إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وأنه لا تغاير بينهما ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وإذا زال أحدهما زال الآخر.
وقولهم هذا قول غير صحيح، مخالف لقول أهل السنة والجماعة، وهو القول بالتلازم بين الإيمان والإسلام؛ فإنهما إذا اجتمعا في الذكر كان المقصود بالإيمان الأمور الباطنة وبالإسلام الأعمال الظاهرة، وإذا افترقا كان المقصود بهما واحداً، وهو الأمور الظاهرة والباطنة.
- مسألة إيمان المقلد:
سبق أن مر معنا بأن المتكلمين يوجبون النظر والاستدلال على كل مكلف، وجعلوا النظر العقلي أول الواجبات، واختلف المتكلمون أنفسهم في حكم من آمن ولم ينظر ويستدل على ثلاثة أقوال:
1- أنه لا يصح إيمانه، ويكون كافراً.
2- أن إيمانه صحيح، ولكنه آثم على تركه النظر والاستدلال.
3- أن يكون مقلداً لا علم له بدينه، لكن ينفعه هذا التقليد ويصير به مؤمناً غير عاصٍ.
الماتريدية قالوا: بوجوب النظر والاستدلال كباقي الفرق الكلامية، وحكموا على من آمن ولم ينظر بأن إيمانه يكون صحيحاً، ولكنه يأثم على تركه للنظر والاستدلال، وهو القول الثاني، وذهب بعضهم إلى القول الثالث.
ونحن نقول بأن الأقوال الثلاثة كلها باطلة؛ لأنها بنيت على أصل باطل، ومن الذي قال بوجوب النظر على كل مكلف، وأنه أول الواجبات؟!، ما قال به إلا أهل الكلام.
قال الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) قال -رحمه الله-: "فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها، خلافاً لمن أوجب ذلك، وجعله شرطاً في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأٌ ظاهرٌ؛ فإن المرادَ التصديقُ الجازمُ وقد حصل، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتفى بالتصديق بما جاء به -صلى الله عليه وسلم- ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي" انتهى كلامه -رحمه الله-.
20- حكم مرتكب الكبيرة:
الماتريدية تقول بأن مرتكب الكبيرة -غير المستحل لها- لا يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر، بل هو مؤمن كامل الإيمان لعدم زوال التصديق، وهو -مع إيمانه- فاسق مستحق للوعيد؛ لعدم طاعته لله تعالى، واقترافه للمعاصي والآثام.
وقالوا: إذا مات مرتكب الكبيرة -من غير توبة- فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عُذّب يخرج من النار -لا محالة-.
فقول الماتريدية بأن مرتكب الكبيرة فاسق وليس بكافر حق وصواب، وأما زعمهم بأن الفسق لا أثر له على الإيمان، وأن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان فلاشك أنه باطل وغير صحيح.
وقد قالوا بهذا؛ لأن العمل غير داخل في مسمى الإيمان عندهم، وأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.
والحق والصواب في الحكم على مرتكب الكبيرة -بالنسبة لأحكام الدنيا- أن يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
وأما قولهم بأن مرتكب الكبيرة إذا مات -من غير توبة- فهو تحت المشيئة فهو القول الحق في المسألة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
الموازنة بين الماتريدية والأشاعرة:
المتأمل يجد التقارب الكبير بين الطائفتين، والمثير في المسألة هو كيف حدث هذا التقارب مع أن الماتريدي قضى حياته وتوفي في بلاد ما وراء النهر، ولم تذكر المصادر أنه خرج من تلك البلاد التي عاش فيها، والأشعري -كما هو معروف ومشهور- ولد، وعاش، وتوفي في العراق، ولم تذكر المصادر أنه خرج من العراق إلى أي بلد، فضلاً عن أن يكون ارتحل إلى بلاد ما وراء النهر، فاحتمال الصلة المباشرة بين الأشعري والماتريدي غير وارد في المسألة، وكذلك الصلة غير المباشرة؛ فإنهما لم يجتمعا في أحد شيوخهما، كذلك الذي يغلب على الظن أنه لا يعرف أي واحد منهما الآخر، بدليل أن الماتريدي لم يذكر الأشعري بتاتاً في كتبه، كما أن الأشعري لم يذكر الماتريدي، -مع أنه كتب كتاب المقالات، وذكر مقالات الطوائف الإسلامية- فكيف يفسر هذا التقارب؟!.
1) قال بعض الباحثين: إن هذا التقارب ناتج عن اتحاد الخصم؛ فباتحاد الخصم تقاربت النتائج.
وهذا قول لا يُسلّم له؛ بدليل اتحاد عامة الفرق الإسلامية على مخاصمة اليهود والنصارى، ومع هذا لا تقارب ولا اتفاق، بل اختلاف وافتراق.
2) وقال البعض: يرجع السبب إلى تشابه المنهج، حيث كلٌّ منهما حاول التوسط بين العقل والنقل.
وهذا القول –أيضاً- ليس بسديد؛ لأنه تحصيل حاصل؛ لأن السؤال يرد مرة أخرى: لماذا كان منهج كل منهما أدى إلى التوسط بين العقل والنقل؟.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن سبب التقارب: أن كلا الطائفتين انبثقت من الكلابية.
فمسألة انبثاق الأشعرية من الكلابية أمر لا يشك فيه باحث؛ وذلك أن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، وقد صرح بهذا غير واحد من كبار أئمة الأشاعرة.
والماتريدية قولهم بأزلية التكوين، فهذا هو قول الكلابية قبل ظهور الماتريدية، كما أن المذهب الكلابي كان منتشراً في بلاد ما وراء النهر، وهي البلاد التي عاش فيها الماتريدي.
وقد نص شيخ الإسلام على أن قدماء الكلابية قالوا بأزلية الفعل.
ثم لما انتشر كلا المذهبين وصار لكل مذهبٍ أتباع، والتقى الأتباع، حدث النـزاع والتنافر بينهم، مما دفع كل من الطرفين إلى حصر مسائل الخلاف؛ حتى تقترب وجهات النظر ويزول النـزاع، وأُلّف في ذلك مؤلفات منها:
3) نظم الفرائد وجمع الفوائد في بيان المسائل التي وقع الاختلاف بين الماتريدية والأشعرية في العقائد. لعبد الرحيم بن علي الشهير بشيخ زاده.
4) الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية. لحسن بن عبد المحسن المشهور بأبي عذبة.
5) العقد الجوهري في الفرق بين الماتريدي والأشعري. لخالد بن أحمد بن حسين النقشبندي.
وإليك أهم المسائل الخلافية بينهما:
1) معرفة الله:
الماتريدية (م) تقول معرفة الله واجبة بالعقل.
الأشاعرة (ش) تقول أن معرفة الله واجبة بالشرع.
2) صفة الإرادة:
م- الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة.
ش- الرضى والمحبة والإرادة بمعنى واحد.
3) صفة الكلام:
م- كلام الله لا يسمع، وما يسمع عبارة عنه.
ش- كلام الله يسمع، وما يسمع هو كلام الله النفسي.
4) صفة التكوين:
م- التكوين صفة أزلية، والتكوين غير المكون.
ش- ليس بصفة لله بل هو أمر اعتباري، والتكوين عين المكون.
5) التكليف بما لا يطاق:
م- عدم جواز التكليف بما لا يطاق.
ش- جواز ذلك.
6) الحكمة والتعليل في أفعال الله:
م- لزوم الحكمة في أفعال الله.
ش- نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله.
7) التحسين والتقبيح:
م- العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها.
ش- لا يُعرف بالعقل حسن الأشياء وقبحها بل يُعرف بالشرع.
8) الاستطاعة:
م- تقع على نوعين: سلامة الأسباب، وهي تتقدم الفعل، والاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل، وتكون هذه مع الفعل.
ش- الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه.
9) الكسب:
اتفقت الماتريدية والأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله وهي كسب من العباد، لكن اختلفوا في معنى الكسب.
م- المؤثر في أصل الفعل قدرة الله والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد.
ش- أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً.
10) إيمان المقلد:
م- صحة إيمان المقلد مع الإثم لعدم النظر.
ش- لا يصح إيمان المقلد.
الموازنة بين الماتريدية والمعتزلة:
الخلاف بين الطائفتين واضح ولا لبس فيه، فالماتريدي في كتبه كان جل تركيزه الرد على المعتزلة، ومع هذا لا يمنع من اتفاقهما في بعض المسائل، حيث أن الفرق الكلامية مناهجهم في الأصول واحدة.
أولاً: مسائل الخلاف:
1- مصدر التلقي:
المعتزلة (ع) العقل هو مصدرهم للتلقي مطلقا.
الماتريدية (م) توسطوا بين العقل والنقل، فالعقل مصدر في الإلهيات والنبوات والنقل في السمعيات.
2- الأسماء:
ع- أثبتوا أسماء الله، لكن أسماء مجردة لا تدل على شيء من الصفات، قالوا: عالم بلا علم، سميع بلا سمع...
م- أثبتوا الأسماء، وأثبتوا دلالتها على الصفات إلا اسم "الله" قالوا بأنه لا يدل على شيء من الصفات.
3- الصفات:
ع- مذهبهم نفي جميع الصفات.
م- أثبتوا ثمان صفات وهي: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين، وقالوا أن لها معنىً حقيقياً.
4- التكوين:
ع- التكوين حادث وأنه عين المكون.
م- التكوين قديم أزلي وهو غير المكون الحادث.
5- القرآن:
ع- كلام الله وهو مخلوق.
م- كلام الله النفسي غير مخلوق.
6- أفعال العباد:
ع- العباد خالقون لأفعالهم، وليس لله قدرة ولا إرادة في أفعال العباد.
م- أفعال العباد مخلوقة لله، وهي كسب من العباد.
7- الاستطاعة:
ع- لا تكون إلا قبل الفعل ولا تكون معه.
م- تكون قبل الفعل ومعه.
الرؤية:
ع- نفت الرؤية بالأبصار في الآخرة.
م- أثبتتها.
الجنة والنار:
ع- غير مخلوقتين ولا موجودتين الآن وأن الله سوف ينشئهما يوم القيامة.
م- مخلوقتان الآن.
عذاب القبر ونعيمه والميزان والصراط والحوض والشفاعة لأهل الكبائر:
ع- نفت ذلك كله.
م- أثبتت ذلك كله.
الكرامات:
ع- أنكرت ثبوت كرامات الأولياء.
م- أثبتت.
الإيمان:
ع- قول واعتقاد وعمل.
م- التصديق بالقلب.
حكم مرتكب الكبيرة:
ع- يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر – منـزلة بين المنـزلتين- هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه مخلد في النار.
م- لا يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر بل هو مؤمن كامل الإيمان، وهو مع إيمانه فاسق مستحق الوعيد وفي الآخرة تحت المشيئة.
إيمان المقلد:
ع- عدم صحة إيمان المقلد.
م- صحته مع الإثم على ترك الاستدلال.
زيادة الإيمان ونقصانه:
ع- يزيد وينقص؛ لأنهم أدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان.
م- لا يزيد ولا ينقص؛ لنفيهم دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
ثانيا: مسائل الاتفاق:
1) القول بوجوب معرفة الله بالعقل.
2) الاستدلال على وجود الله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.
3) الاستدلال على وحدانية الله بدليل التمانع.
4) القول بعدم حجية خبر الآحاد في العقائد.
5) نفي الصفات الخبرية والاختيارية.
6) القول بعدم إمكان سماع كلام الله.
موقف أهل السنة من الماتريدية:
الماتريدية من الطوائف التي أقوالها حق وباطل، فهم ليسوا من أهل السنة الجماعة، لكن ليس كل من خالف أهل السنة يجب أن يكون هالكاً؛ فقد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته -وإن كانت ألفاظ الوعيد تتناوله-.

محمود البغدادي
26-04-12, 01:25 AM
ومن موقع السقاف نقلت