المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تعلم كيف يحكم علم الأصول في مسألة المسح على الجوربين ؟


أبو إدريس الحسني
28-03-05, 07:11 PM
أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :

فقد كنتُ نشرتُ في هذا المنتدى الطيب رسالة تبحث في مسألة المسح على الجوربين ، وبعد أن تلقيتُ الأسئلة والاستفسارات عن بعض المسائل ضمن الرسالة من بعض الإخوة المشاركين ،

قمتُ بتوضيح تلك المسائل ، وإعادة صياغتها ، وزيادة أدلة وآثار تغني البحث . فصار البحث معالجاً من الناحية الحديثية واللغوية والفقهية والأصولية ( وبخاصة مسألة القياس على الخفّين ولماذا مسح الصحابة على الجورب والنعل ، وتعريف العلة وكذلك الرخصة والعزيمة ، مع ذكر مذهب بعض الصحابة في تفضيل الغسل ) فأرجو من كل المشاركين الذين اطلعوا على الرسالة السابقة واحتفظوا بها ، أن يعيدوا النظر في الرسالة الجديدة ، والاعتماد عليها ، وإلغاء الأولى ، والسلام عليكم .

أبو إدريس الحسني
29-03-05, 03:52 PM
الحمد لله ربِّ العالمين ، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وأزواجه أجمعين أما بعد :

فقد أصبح من الملاحظ على بعض النّاس إذا قاموا للصلاة ، أنهم يمسَحون على الجوارب بدلاً مِنْ غسْل القدمين ، ويتكرّرُ ذلك الفعلُ منهم في حال الصحّة ، صيفاً وشتاءً ، وفي البيت أو مكان العمل ، وأكثر ما يكون ذلك في الفتيان منهم ! فإذا سأَلْتَ أحَدَهم لم لا تنزع جوربيك لتغسلَ قدميك ؟ أجابَك مُسْرِعاً : إنّها السنّة ، أو قال : هي رخصةٌ لمن شاءَ الأخذَ بها ، أو قال : إنَّ نزعَ الجوربين لغسل القدمين هو من التنطّعِ و التشدُّد في الدّين والأَوْلَى المسحُ عليهما .

لذلك تجِدُهم اعتَادوا المسحَ على الجوربين ، حتى أصبحَ المسحُ عند بعضهم هو الأصل ، أو بديلاً مكافئاً للغسل ، أو كما يقولون هي رخصةٌ مطلقة لا قيدَ لها . وانتشرَ هذا الفعل حتى أصبح ظاهرةً تَلْفِتُ النظر . وكنتُ قرأتُ رسالةً في المسح على الجوربين للشيخ العلاّمة جمال الدّين القاسمي بتحقيق الشيخ المحدّث ناصر الدّين الألباني و تقديم العلاّمة أحمد شاكر ، رحمة الله عليهم ، واتفقَ ثلاثَتُهم على تصحيح حديث المغيرة بن شعبة ( أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسحَ على الجوربين و النعلين ) وكذلك قرأتُ بحثاً حديثياً للشيخ المحدث أحمد الغماري ، في تخريجه لأحاديث بداية المجتهد ، جنحَ فيه أيضاً إلى تصحيح الحديث ؛ فاستقرَّ في ذهني أن الرّاجحَ هو كونُ حديث المسح على الجوربين من قسم الصحيح ، و الذي فهمته أيضاً أن المسح رخصةٌ عند الحاجة .

ثمّ قرأتُ بحثاً لأخينا الشيخ محمد أمجد البيطار حفظه الله ، بعنوان " الحديث الشاذ وأثره في الفقه " وضربَ لذلك أمثلةً ، منها حديث المغيرة في المسح على الجوربين ، ونَقَلَ كلامَ العُلماء فيه واتّفاقَ الأئمّةِ منهم على تضعيفه وأنّه مخالفٌ لجميع الروايات عن المغيرة والتي فيها المسح على الخُفَّيْن . مما دفعني إلى البحث في علّة هذا الحديث ، والتّدبّرِ في أصول هذه المسألة واستقصاء كلام العلماء فيها فكانت هذه الرّسالة .



أوّلاًـــ وقبلَ الشّروعِ في بيان علّة الحديث ، لابدَّ من التنبيه على أن مسألة المسحِ على الجوربين قد وَرَدَتْ عن بعض الصّحابة الكرام* ، وهم العُمْدَة عند من رخّص بالمسح على الجوربين ، مع حكمه على حديث المغيرة بالضعف ؛ لذلك أجد أنّه من المفيد أن أَشْرَعَ في بيانِ معنى الجورب عند السّلف .

00000000000000000000000000000000000000000000

* ـــ ذكر الشيخ القاسمي في رسالته أنهم ستة عشر صحابياً . وعند البحث تبيّن أنّ الذين صحّت الرّواية عنهم هم أربعة فقط : علي بن أبي طالب ، والبراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، و أبو مسعود عقبة بن عمرو. وهناك الصحابيان سهل بن سعد ، وأبو أمامة الباهلي جاءت الرّواية عنهما بأسانيد قد تصل إلى رتبة الحسن . وأمّا الباقون فالرّوايات عنهم ضعيفة لاتصح . انظر رسالة الشيخ أمجد البيطار .

00000000000000000000000000000000000000000000000000 0000

فأقول مستعيناً بالله القوي :

· جاء في شرح منتهى الإرادات للبهوتي ج 1 : " .. الجوربُ ... ولعله اسمٌ لكلِّ ما يلبس في الرِّجل على هيئة الخُفِّ [1]من غير الجلد . انتهى

00000000000000000000000000000000000

[1] ـ قال في اللسان : والخفُّ أغلظ من النعل .

00000000000000000000000000000000000000

· و جاء في كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي مع تعليقات ابن القيم ج1 صـ180 :

" باب المسح على الجَوْرَبَيْنِ : ..تثنية الجورب . قال في القاموس : الجورب لِفَافة الرجل . وفي الصحاح : الجورب معرّب .. انتهى . وقال الطيبي: الجورب لِفافة الجلد وهو خفّ معروفٌ من نحو الساق . قال أبو بكر ابن العربي في عارضة الأحوذي : الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء ، وهو التسخان . ومثله في قوت المغتذي للسيوطي . وقال القاضي الشوكاني في شرح المنتقى : الخفّ نعلٌ من أَدَم يغطّي الكعبين .والجرموق أكبر منه يُلبس فوقه، والجوربُ أكبر من الجرموق . وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: الجورب خفٌّ يلبس على الخف إلى الكعب للبرد ولصيانة الأسفل من الدرن والغسالة . وقال في شرح كتاب الخرقي :الجرموق خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة . وقال المطرّزي : الموق خفٌّ قصير يلبس فوق الخف .. انتهى كلام الشيخ . وقال العلامة العيني من الأئمة الحنفية : الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشاميّة الشديدة البرد وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب .. انتهى . وقد ذكر نجم الدين الزاهدي عن إمام الحنفية شمس الأئمة الحلواني أنّ الجورب خمسة أنواع : من المرعزي [2] ومن الغزل والشعر والجلد الرقيق والكرباس [3] . قال: وذكر التفاصيل في الأربعة من الثخين والرقيق والمنعّل وغير المنعّل والمبطن وغير المبطن وأمّا الخامسة فلا يجوز المسح عليه .. انتهى .

0000000000000000000000000000000000000

2 ـ المرعزي : الزغب الذي تحت شعر العنز

3 ـ الكرباس : ما نسج من مغزول القطن

00000000000000000000000000000000000000000

فَعُلِمَ من هذه الأقوال أن الجورب هو نوع من الخفّ إلا أنه أكبر منه، فبعضهم يقول هو إلى نحو الساق ، وبعضهم يقول : هو خفّ يلبس على الخف إلى الكعب ، ثم اختلفوا فيه : هل هو من جلد وأديم ، أو ما هو أعمّ منه من صوف وقطن . ففسره صاحب القاموس بلِفافة الرِّجل . وهذا التفسير بعمومه يدل على لفافة الرجل من الجلد والصوف والقطن . وأما الطيبي والشوكاني فقيّداه بالجلد. وهذا مآل كلام الشيخ الدهلوي أيضاً . وأمّا الإمام أبو بكر ابن العربي ثم العلامة العيني فصرّحا بكونه من صوف . وأما شمس الأئمة الحلواني فقسمه إلى خمسة أنواع . فهذا الاختلاف _ والله أعلم _ إمّا لأنّ أهل اللغة اختلفوا في تفسيره وإما لكون الجورب مختلف الهيئة والصنعة في البلاد المتفرقة ، ففي بعض الأماكن كان يتخذ من أديم ، وفي بعضها من كل الأنواع ، فكلُّ من فسّره إنما فسَّره على هيئة بلاده، ومنهم من فسَّره بكل ما يوجد في البلاد بأي نوع كان . انتهى .

· قال الشوكاني في نيل الأوطار ج1 صـ228 :

".. والحديث بجميع رواياته يدل على جواز المسح على الموقين وهما ضَرْبٌ من الخفاف .قاله ابن سِيْدَه والأزهري وهو مقطوع الساقين قاله في الضياء . وقال الجوهري : الموق : الذي يلبس فوق الخف، قيل : وهو عربي، وقيل : فارسي معرّب . ويدل على جواز المسح على الجورب وهو لِفافة الرجل قاله في الضياء والقاموس وقد تقدّم أنه الخف الكبير ".

· وقال الإمامُ الشافعي رحمه الله ، وهو حجةٌ في اللغة باتفاق العلماء ، في كتابه " الأم "

ج 1 صـ 49

".. والخفُّ الذي يُمْسَحُ عليه ، الخفُّ المعلوم ، ساذجاً كان أو منعلاً . فإن تخفَّفَ واحداً غيره فكان في معناه مسح عليه، وذلك أن يكون كله من جلود بقر أو إبل أو خشب فهذا أكثر من أن يكون من جلود الغنم . فإذا كان الخفّان من لُبُود [4] أو ثياب أو طُفي فلا يكونان في معنى الخف حتى ينعّلا جلداً أو خشباً أو ما يبقى إذا توبع المشي عليه . ويكون كل ما على مواضع الوضوء منها صفيقاً ( كثيفاً) لا يشفّ فإذا كان هكذا مسحَ عليه ، وإذا لم يكن هكذا لم يمسح عليه وذلك أن يكون صفيقاً لا يشف وغير منعّل فهذا جورب . .. فإذا كان عليه جوربان يقومان مقام الخفين يَمْسَحُ عليهما . انتهى

0000000000000000000000000000000000000000000

4 ـ اللبود : الصوف المتلبّد أي الملتصق ببعضه بشدة ، مثل البُسُط

0000000000000000000000000000000000000000000

· جاء في كتاب (مواهب الجليل) للحطّاب المالكي ج1 صـ340

قال في " التوضيح " :الجورب ما كان على شكل الخف من كَتان أو قطن أو غير ذلك .

· وقال الزَبيدي في " تاج العروس " : الجوربُ : لِفافة الرِّجل ، وهو بالفارسيّة كورب و أصله كوربا ومعناه : قبرُ الرِّجل . انتهى

ـــ وبعد :

فهذه نقولٌ مختصرة جمعتُها من بعض الكتب الموجودة بين يدي ولا أريد الإطالة في النقل لأني أظن أنه أصبح واضحاً في الأذهان أن الجورب ليس له في كتب اللغة أو شروح الفقه والحديث تعريفٌ أو وصفٌ ثابت ومنضبط يمكن حَمْلُ اللفظِ عليه كلّما ورد في الكلام ؛ ولعلّ السبب في ذلك أنّ هذه اللفظة فارسيّة . ولذلك لا يصح أن نعرِّف الجورب الذي مسحَ الصحابة عليه بما نصطَلِحُ عليه اليوم ، بل إذا أراد أحدٌ أن يقلّدهم في المسح على الجورب ، وَجَبَ عليه أن يتحقق من صفة الجورب الذي مسحوا عليه . لأن أوصاف الجورب التي سقناها في البداية تشعرنا بقوّة أنّ الجوارب الموجودة الآن لا تشبه أبداً الجوارب التي مسح عليها السلف[5] .

000000000000000000000

5ـ ولا تشبه الجوارب التي كانت موجودة في القرن الماضي

000000000000000000000

ولكي أوضح الأمر أكثر أقول :

ــ قال العظيم آبادي في عون المعبود ج1 صـ182 : " .. فالإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه والثوري وعبد الله بن المبارك ومحمد بن الحسن وأبو يوسف ذهبوا إلى جواز مسح الجوربين سواء كانا مجلّدين أو منعّلين أو لم يكونا بهذا الوصف بل يكونان ثخينين فقط بغير نعل ٍوبلا تجليد ، وبه قال أبو حنيفة في أحد الروايات عنه ، واضطربت أقوال علماء الشافعية في هذا الباب ؛ وأنت خبير أن الجورب يتخذ من الأديم ، وكذا من الصوف وكذا من القطن ويقال لكل من هذا : إنه جورب . ومن المعلوم أن هذه الرخصة ، بهذا العموم، التي ذهبت إليها تلك الجماعة لا تثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذَين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف سواء كانا منعّلين أو ثخينين فقط ، ولم يثبت هذا قط . فمن أين عُلِمَ جواز المسح على الجوربين غير المجلّدين ؟ بل يُقال : إن المسح يتعيّن على الجوربين المجلّدين لا غيرهما ؛ لأنهما في معنى الخف ، و الخف لا يكون إلا من أديم . نعم لو كان الحديث قولياً بأن قال النبي صلى الله عليه وسلم ( امسحوا على الجوربين ) لكان يمكن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجورب ، وإذ ليس فليس .

فإن قلتَ : لمّا كان الجورب من الصوف أيضاً احتمل أن الجوربين اللَذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف أو قطن إذ لم يبيّن الراوي ؟ قلت: نعم الاحتمال في كل جانب سواء يحتمل كونهما من صوف وكذا من أديم وكذا من قطن ، ولكن ترجّح الجانب الواحد وهو كونه من أديم ؛ لأنه يكون حينئذٍ في معنى الخف ، ويجوز المسح عليه قطعاً ، وأمّا المسح على غير الأديم فثبت بالاحتمالات التي لم تطمئن النفس بها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( دع ما يريبك إلى ما لايريبك ) . انتهى

ــ جاء في " المغني " لابن قدامة الحنبلي ج1 صـ 373 :

مسألة : قال : ( وكذلك الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه ) إنما يجوز المسح على الجورب بالشرطين اللذين ذكرناهما في الخف , أحدهما أن يكون صفيقاً , لا يبدو منه شيء من القدم . الثاني أن يمكن متابعة المشي فيه . هذا ظاهر كلام الخرقي . قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل : إذا كان يمشي عليهما , ويثبتان في رجليه , فلا بأس . وفي موضع قال : يمسح عليهما إذا ثبتا في العقب . وفي موضع قال : إن كان يمشي فيه فلا ينثني , فلا بأس بالمسح عليه , فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء . ولا يعتبر أن يكونا مجلدين . انتهى وجاء فيه أيضاً ج 1 صـ 374

فصلٌ : وقد سئل أحمد عن جورب الخِرَق , يُمْسَحُ عليه ؟ فكره الخرق . ولعل أحمد كرهها ; لأن الغالب عليها الخفة , وأنها لا تثبت بأنفسها . فإن كانت مثل جورب الصوف في الصفاقة والثبوت , فلا فرق . وقد قال أحمد , في موضع : لا يجزئه المسح على الجورب حتى يكون جورباً صفيقاً , يقوم قائماً في رجله لا ينكسر مثل الخفين ,إنما مَسَحَ القومُ على الجوربين أنه كان عندهم بمنزلة الخف , يقوم مقام الخف في رِجل الرَّجل , يذهب فيه الرجل و يجيء .

وجاء فيه أيضاً ج1 صـ376
فصل : ولا يجوز المسح على اللفائف و الخِرَق . نصَّ عليه أحمد . وقيل له : إن أهل الجبل يلُفُّون على أرجلهم لفائف إلى نصف الساق ؟ قال : لا يجزِئُه المسح على ذلك ، إلا أن يكون جورباً . وذلك أن اللفافة لا تثبت بنفسها ، إنما تثبت بشدّها، ولا نعلم في هذا خلافاً . انتهى

ـ فكما ترى ، المجوِّزون للمسح على الجوربين يتحدّثون عن جوارب مختلفة تماماً عن الجوارب التي يلبسها الناس في أيّامنا هذه ، فالجورب قديماً كان مما يذهب فيه الرجل ويجيء ، أي هو نوع من الأحذية يشبه الخفّ .

ــ وقد يستشهدُ بعضهم بحديث ثوبان في مسند الإمام أحمد قال : (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين ) ، ويقولون إن التساخين كل ما تسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما [6].

00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000

6 ـ ويعزون هذا الشرح للعلاّمة ابن الأثير في " النهاية في غريب الحديث " ولم أجده ! والذي وجدته أنها الخفاف ، وذَكَرَ ذلك في موضعين , وكذلك صرّح به في جامع الأصول .

00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000

فأقول : إنَّ معظم الأئمة المحدِّثين قد ضعّفوا هذا الحديث , قال الإمام ابن حجر العسقلاني عقب ذكر هذا الحديث : " ... أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم , وإسنادُه منقطع وضعّفه البيهقي , وقال البخاريُّ لا يصحّ , ولفظ أحمد ( أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسح على خفّيه وعلى الخمار والعمامة ) " . انتهى اُنظر الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 صـ 72

ومع ذلك فإنَّ العلماء يذكرون هذا الحديث في معرِض الاستدلال على جواز المسح على العمامة أو المسح على الخفّ , لأنَّ العصائب هي العمائم ، و التساخين هي الخفاف " كما نصَّ على ذلك كلٌ من :

ــــ الإمام أبي عبيد في " غريب الحديث " ج1 صـ187
ــــ الإمام ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" ج 1صـ189 ، ج 2 صـ352
ــــ الإمام ابن حزم في " المُحلّى " ج 2 صـ 51
ــــ الإمام ابن تيمية في الفتاوى ج 21 صـ173 .

ــــ ابن منظور في " اللسان " مادة (سخن ) .

بل إنّ الإمام ابن الأثير زاد فقال : قال حمزة الأصفهاني في كتاب "الموازنة" : التّسخان تعريب تَشْكَن ، وهو اسم غِطاءٍ من أغطية الرَّأس ، كان العلماء والقُضاةُ يأخُذُونه على رُؤُوسهم خاصّة دون غيرهم . قال : وجاء ذكر التّساخين في الحديث فقال مَنْ تعاطى تفْسيرَه : هو الخُفّ ، حيثُ لم يَعْرِف فارسيّته . انتهى

إذاً فمن الممكن أن يكون الحديث خاصّاً بالمسح على أغطية الرأس فقط مِنْ عمائم وغيرها ، أو يشمل الخفاف لأنّ التساخين عند أهل اللغة والغريب هي الخفاف ، ولكن يَبعُدُ جدّاً أن يشمل الجوربين .

ثانياً ـــ وأما استشهادهم بحديث المغيرة بن شعبة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسح على الجوربين والنعلين "

فهذا هو سببُ الإشكال كلّه ، فإن بعض الذين جوّزوا المسح على الجوربين اعتمدوا على هذا الحديث ومِنْ ثَمَّ أطلقوا الجواز على جميع أنواع الجوارب ولم يتقيّدوا بالقياس على الخف . وهذا الحديث لم يصح وقد حَكَمَ بضعفه ونكارته كل من الإمام أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن معين وسفيان الثوري وعلي بن المديني و البخاري و مسلم و أبو داود والنسائي و الدارقطني و البيهقي والنووي …………وأظن أن ذكر هؤلاء يُغني عن ذكر آخرين هم دونهم في الرتبة ، وأحب أن أنبّه لأمرٍ وهو أن كل مَنْ روى الحديث إنّما يرويه عن سفيان الثوري وهو ، كما رأيت ، يحكم بضعف الحديث ، فقد ذكر البيهقي في سننه أنّ أبا محمد يحيى بن منصور قال رأيت مسلم بن الحجاج ( صاحب الصحيح ) ضعّف هذا الخبر وقال أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلَّة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا : مسح على الخفين ، وقال : لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل ، قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي فسمعته يقول سمعت علي بن محمد بن شيبان يقول سمعت أبا قدامة السرخسي يقول قال عبد الرحمن بن مهدي قلت لسفيان الثوري لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هذيل ما قبلته منك فقال سفيان: الحديث ضعيف ، ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل قال: ليس يُروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي ، وأَبَى عبدُ الرحمن بن مهدي أن يُحدِّث بهذا الحديث وقال : هو منكر .

وأسند البيهقي أيضاً عن علي بن المديني قال : حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ورواه هذيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا انه قال ومسح على الجوربين فخالف الناس ، وأسند أيضاً عن يحيى بن معين قال : الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس .

· ولكي أقرِّبَ لك الأمر أخي القارئ أقول : إن الذي دفع بعض العلماء لتصحيح

حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الجوربين هو ظنهم أن المغيرة رضي الله عنه قد رافق النبَّي صلى الله عليه وسلم في أسفارٍ متعددة و شاهده في أحوال مختلفة ، و مِنْ ثَمَّ فهو يروي كل ما رآه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حال وضوئه ، و لأجل ذلك تعدَّدت الرِّوايات عنه ، فمرَّةً روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين ، ومرَّةً روى عنه أنّه مسح على العمامة ، ومرَّةً روى عنه أنّه مسح على الخمار، وفي أخرى أنه مسح على ناصيته وعمامته، ومرّة قال كان يغسل ثلاثاً ، فمن المقبول جداً أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجوربين والنعلين ، وكل هذه الروايات إنما هي حكاية ما رآه المغيرة في وقائعَ مُتَعدِّدة . فلماذا إنكارُ روايةِ المسح على الجوربين من بين كلِّ تلك الرِّوايات ؟ والذي ساعدهم على هذا الفهم ـ في رأيي ـ أن ألفاظ الروايات عن المغيرة جاءت مختلفة ، فمرّة يقول في أحد أسفاره ، ومرّة يقول في غزوة تبوك ، وفي رواية يقول ثم صلى الصبح ، وفي أخرى يقول فأدركنا الناسَ يصلي بهم عبدُ الرحمن بن عوف .... وهكذا .

وعند البحث والتدقيق واستقصاء معظم تلك الرِّوايات تبيّنَ لي أنّ القصَّةَ واحدة وما يرويه المغيرة رضي الله عنه إنما هو حادثةٌ جرتْ معه في غزوة تبوك فقط ولم تتكرر . والرُّواة الذين سمعوها منه إنما يروونها مجزّأةً ، أو أنه كان يحدِّث بها في بعض الأحيان كاملةً وفي أحيان يحدث بها مختصرة ، وهذا الأمر معروف عند علماء الحديث ، فالراوي قد ينشط فيحدّث بكامل الرواية ، وقد يكون متعباً فيختصرها ويقتصر على ذكر موضع الشاهد .

و صيغة حديث المغيرة بن شعبة كما رواها الإمام مالك في الموطّأ والإمام أحمد في مسنده هي: ( أنّ رسول صلى الله عليه وسلم ذهبَ لحاجته في غزوة تبوك ، قال المغيرة : فذَهَبْتُ معه بماءٍ ، فجاء النّبيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَكَبْتُ عَليه ، فَغَسَل وجهه ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَديه مِنْ كُمِّ جُبَّته ، فلم يستطعْ مِنْ ضِيق كُمِّ جبّته ، فأخرَجَهما مِنْ تحت الجبّة ، فغَسَل يدَه ، ومسح برأسه ، ومَسَح على الخُفّين ، فجاءَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وعبدُ الرحمن يؤُمُّهم ، وقد صلّى لهم ركعة ، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَعَهم الرَّكعة التي بقيَت عليْهم ، فَفَزِعَ النّاس ، فلمّا فَرَغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أحسنتم ) . انتهى

و " تبوك " مكانٌ بينه وبين المدينة من جهة الشّام أربع عشْرَة مرحلة (800كم تقريباً ) ، وبينه وبين دمشق إحدى عشْرة مرحلة ، إذاً المسافة ما بين تبوك والمدينة كبيرة والسّفر فيها يستغرق أياماً ولياليَ عِدّة ، والحادثة التي جَرَتْ مع المغيرة كانت في إحدى هذه الليالي ، لذلك كان يقول مرّةً : خرجْتُ مع النّبي في بعض أسفاره ، ومرّة في سفَرٍ ، ومرّة يسمي الرّحلة فيقول في غزوة تبوك .

وكما مرَّ آنفاً فإن المغيرة تعلَّمَ المسحَ على الخفّين في طريق السفر لهذه الغزوة ، وغزوة تبوك كانت في آخر السّنة التاسعة للهجرة ، ولم يخرج بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لحجّة الوداع قبل وفاته في السّنة العاشرة ، وهذا أوضح دليل على أن قول المغيرة : " خرجْتُ مع النّبي في بعض أسفاره " يعني غزوة تبوك لا غيرها ، لأنه من غير المقبول أن يَتَعلَّم المغيرة ـ وهو من أذكى الناس بل من دهاة العرب ـ حُكْمَ المسحِ على الخفّين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ من الأسفار ثمّ كلما رآه في أسفارٍ أخرى يمسح عليهما يقول له : لم تنزعْ خفيك يا رسول الله ؟ أو لقد نسيت يا رسول الله ؟ أو يهوي لينزع له خفيه ؛ وإنما مَرَدُّ كلِّ تلك الرّوايات هو إلى هذه الواقعة ، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم . ولمّا كان هذا الأمر واضحاً في أذهان أئمة الحديث الكبار ، ثمّ جاءتهم رواية المسح على الجوربين عن المغيرة رفضوها وقالوا عنها : إنها معلولة والمحفوظ عن شعبة المسح على الخفّين . وإليك المزيد من الأدلة على أنّ الواقعة واحدة ــ باختصار ــ :

1 ًــ إنّ في جميع تلك الرّوايات المختلفة ، على كثرتها ، قولَ المغيرة وهو يصف النبي صلى الله عليه وسلم : " و عليه يومئذٍ جُبَّةٌ شاميّة ، فذهب يغسل ذراعيه ، فضاق عليه كمُّ الجُبّة ، فأخرجهما من تحت جُبَّته "

2 ًــ إنّ هناك حدثاً مميَّزاً جاء في بعض الرّوايات ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما توضّأ ومسح على خفّيه ، لحق بالناس فإذا بهم أقاموا الصّلاة وأمّهم عبد الرحمن بن عوف ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه .

وهذه القصّة لا يمكن أن تتكرر وهي فريدة . و المهم في الموضوع أننا نجد هذه القصة كاملة في بعض الروايات ، و مختصرة في روايات أخرى ، وفي بعض الروايات يأتي ذكر أطرافها التي تشير إليها ، وهذه الروايات التي أتحدّث عنها هي نفسها التي ظنّها مَنْ صحّحَ الحديث منفصلةً عن بعضها ــ لأن في بعضها مسح الخفّين فقط وفي بعضها مسح الناصية والعمامة ، وفي بعضها كان يتوضّأ ثلاثاً ــ مما يدلنا على أن كل هذه الأوصاف إنّما كانت في واقعة واحدة .

3ـًـ إنّ الروايات ــ التي جاء فيها مرةً أن المغيرة أراد أن ينزع خفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ، ومرّة قال المغيرة للنبي صلى الله عليه وسلم أنسيتَ لم تنزع الخفّين فقال له صلى الله عليه وسلم لم أَنْسَ .. ، ومرّة قال المغيرة فمسح صلى الله عليه وسلم على الخفّين ، هكذا ومن دون استفهام بل حكاية حال ــ تنتهي دائماً بذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خَلْفَ ابن عوف ، مما يدل على أنّها قصّة واحدة وإنْ كانت ألفاظها المختلفة خَيَّلَت للبعض أنها قصص مختلفة .

4 ًــ لو كانت تلك الرِّوايات لحوادِثَ متعددة ، لفُهِمَ منها أنّ مسحَ النبي صلى الله عليه وسلم على الخفّين كان مشهوراً ومعروفاً ، وخاصّة عند الصحابة المتقدِّمين والمتتبّعين لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ولكننا نجد العكس فقد كان ابن عمر وغيره من الصّحابة ينكرون المسحَ على الخفّين [7] حتى ثبت لهم أنه كان من فعله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم . فقد روى الإمام مالك في الموطّأ عن نافع وعبد الله بن دينار ، أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقّاص ، وهو أميرها ، فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفّين ، فأنكر ذلك عليه ، فقال له سعدٌ : سلْ أباك إذا قدمت عليه ؛ فقدم عبد الله بن عمر ، فنسي أن يسأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حتى قدم سعد ، فقال : أسألت أباك ؟ فقال : لا ، فسأله عبدُ الله ، فقال عمر : إذا أدخلْتَ رِجْلَيْكَ في الخفين ، وهما طاهرتان ، فامسح عليهما ، قال عبد الله : وإنْ جاء أحدُنا مِنَ الغائط ؟ قال عمر : وإن جاء أحدُكم من الغائط .[8]

0000000000000000000000000000000000000000000

7 ـ الثّابت والمتواتر عندنا الآن ، فما بالك بالمسح على الجوربين ؟

8 ـ ورواه أحمد في مسنده ، والبخاري مختصراً .



000000000000000000000000000000000000000000

ــ وقد قال الإمام ابن تيمية : "..إن أصلَ المسحِ على الخفّين خَفِي على كثير من السلف و الخلف ، حتّى إن طائفة من الصحابة أنكروه ، وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت أنكروه مطلقاً ، وهو رواية عن مالك ، والمشهور عنه جوازه في السفر دون الحضر . وقد صنّف الإمام أحمد كتاباً كبيراً في ( الأشربة ) في تحريم المسكر ولم يذكر فيه خلافاً عن الصحابة، فقيل له في ذلك ( أي في المسح على الخفّين ) فقال : هذا صحّ فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف المُسكر . انتهى الفتاوى ج 21 صـ185

6 ًــ وقد رُوِيَ هذا الحديث ، في المسح على الخفّين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، مِنْ نحو ستّين طريقاً ، (كما قال الإمام ابن عبد البرّ في " التمهيد" ج 11 صـ127) . كلّهم يقول فمسح على الخفّين ، إلا أبا قيس ـ عبد الرحمن بن ثَرْوان ـ قال : ومسح على الجوربين والنعلين . فخالف الجميع . وقد وثّقه العجلي و ابن معين ، ومع ذلك قال ابن معين : الناسُ كلُّهم يروونه على الخفّين ، غيرَ أبي قيس . وقال النسائي : ليس به بأس . وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، هو قليل الحديث ، وليس بحافظ ، قيل له : كيف حديثه ؟ فقال : صالح ، هو ليّن الحديث . وقال الدّارقطني في (العلل) 7 / 112 عند الكلام على هذا الحديث : لم يرْوه غير أبي قيس ، وهو مما يُغْمَزُ عليه به، لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسحُ على الخفين . وقال عبدُ الله بنُ أحمد ـ فيما نقلَه العُقَيلي ـ : سألتُ أبي عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان ، فقال : هو كذا وكذا ـ وحرَّك يده ـ وهو يُخالِفُ في أحاديث . وقال الحافظ ابن حجر عنه :صدوق ربّما خالف .

ورحم الله عمر بن الخطاب القائل : ( السنّةُ ما سَنّهُ اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا خطأَ الرأي سنّةً للأمّة )



ــ فإذا تبَيَّن لك الأمرُ وعلمتَ أن الحديث غير صحيح ، أدْرَكتَ أنه ليس للقائلين بجواز المسح على الجوربين مستندٌ شرعي إلا القياس ، والمعروف أن القياس في العبادات ضعيف ، وإذا كان بعض العلماء يُجيز القياس في العبادات ، فإنهم لا يجيزونه في الرُّخَص باتفاق [9] . لكن لمّا ثبت عن بعض الصحابة أنهم مسحوا على الجوربين والنعلين علمنا أنهم أنزلوا الجوربَ مع النعل منزِلَةَ الخُفِّ ، وهذا ما يسمّيه علماء الأصول ( تحقيق المناط )[10] أي أن الجورب الذي مسحوا عليه هو في معنى الخف فيأخذ حكمه . وأمّا الذين اعتمدوا على القياس في تجويزهم المسح على الجوربين ، فإنّ قياسهم كان جليّاً ، أي يجب أن يكون الجورب مشابهاً للخف في أهمِّ صفاته من إمكان المشي وتغطية الكعبين ومشقّة النزع [11].

00000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000000000000000000000000000000000000000000

9ــ القياس كما يعرّفه علماء الأصول : هو بيانُ حكم أمرٍ غير منصوصٍ على حُكمِه بإلحاقه بأمرٍ معلوم حكمه بالنصَّ عليه في الكتاب أو السنّة . أو هو إلحاقُ أمر غير منصوصٍ على حكمه بأمرٍ آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما في علّة الحكم . فهو إذاً من باب الخضوع لحكم التماثل بين الأمور الذي يوجب التماثلَ في أحكامها ، إذ أساسه ربط ما بين الأشياء بالمماثلة إن توافرت أسبابها ، ووُجدت الصفات المتّحدة المكونة لها ، وإذا تمَّ التماثل في الصفات فلا بدّ أن يقترن به حتماً التساوي في الحكم على قدر ما توجبه المماثلة . وأما أركان القياس فهي :

1ـ الأصلُ : وهو المصدرُ مِنَ النصوصِ الذي بيَّنَ الحُكمَ .

2ـ الفرعُ : وهو الموضوع الذي لم يُنَصّ على حُكمِه .

3ـ الحكمُ : وهو الذي اتجه القياس إلى تعدّيه من الأصل إلى الفرع .

4ـ و العلّة : المشتركة بينهما .

فلا يُقاسُ على حُكمٍ ثَبَتَ بالقياس . !

إنّ الركن الثالث من أركان القياس وهو الحكم له عدة شروط : أوّلها : أن يكون حكماً شرعيّاً عملياً .

ثانيها : أن يكون الحكم معقول المعنى ، بحيث يُدرِك العقل السبب في شرعيّته ، كتحريم الخمر والميسر ، وتحريم الميتة ، وتحريم الغش والرشوة ، فإنّ هذه الأحكام يدرك العقل سبب شرعيتها ، وأمّا إذا كان الحكم غير معقول المعنى في ذاته كالتيمم مثلاً ، أو كعدد الركعات في الصلاة ، فإن هذه كلها أحكام لا يدرك العقل حكمتها . ولهذا يقسم العلماء الأحكام إلى قسمين : أحكام تعبّدية ، وهذه لا يجري فيها القياس . والقسم الثاني أحكام معقولة المعنى وهذه يجري فيها القياس ، لأنه يمكن العقل البشري أن يدرك علّتها .

ثالثها : ألا يكونَ الأصلُ معدولاً به عن القياس ، كالسفر في إباحته للإفطار فلا يصح أن تُقاس عليه الأعمال الشّاقة ، وكالمسح على الخفّين ، فإنه لا يصح أن يُقاس عليه المسح على الجوارب ، فإن هذه الأحكام ثابتةٌ على وجه استثنائي على خلاف القياس ، وما جاء على خلاف القياس فلا يُقاس عليه غيره ، ومثل ذلك الأكل ناسياً و الشرب ناسياً ، فإنه جاء على خلاف القياس فلا يُقاس عليه الخطأ أو الجهل وهكذا .

رابعها : ألا يكون الحكم الذي جاء به الأصل ثَبَتتَ خصوصيّته : كشهادة خزيمة إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة اثنين ، وكتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع . انتهى

والعلماء يقسمون الأحكام التي جاءت مخالفة للقياس إلى أربعة أقسام : 1ـ أحكام ثبت خصوصها كعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم . 2ـ الأمور التعبّدية التي ثبت أنها غير معللة وغير معقولة المعنى في ذاتها ، وإن كان لها أغراضها السامية ومقاصدها العالية . 3ـ الأحكام التي تثبُتُ رُخَصَاً منْ حكم عام ، ولا يُعَارِضُ الحُكْمَ إلا ما يكونُ في قوَّته وليس القياسُ في قوّة الحكم العام المثبت للعزيمة . 4ـ ما استثني من قاعدة عامة ، وكان للاستثناء معنى قائم بذاته استوجب ذلك الاستثناء . انتهى

بتصرّف من أصول الفقه لمحمد أبو زهرة

10ـ ناط الشيء بغيره : علّقه . وعند علماء الأصول مناط الحكم : علّته . وهناك ثلاثة ألفاظ له عندهم وهي تخريج المناط و تنقيح المناط وتحقيق المناط ، ولكل واحدة مدلولها الخاص .

11 ـ ولكي يكون القياس جلياً لابدّ من معرفة العلّة . وكما هو معروف عند العلماء فإنّ العلّة هي الأصل الذي قام عليه القياس وقد عرّفها بعض العلماء بأنها : الوصفُ الظاهر المنضبط المناسب للحكم . وعرّفها آخرون بأنها : الوصف المتميّز الذي يشهد له أصل شرعي بأنه نيط به الحكم . والتعريفان متفقان . وعلى ذلك فإن شروط العلة التي يمكن القياس عليها هي :

1ـ أن تكون وصفاً ظاهراً ، فإذا كانت العلة أمراً باطناً نفسياً أقام الشارع أمراً ظاهراً يدلُّ عليه .

2ـ أن تكون وصفاً منضبطاً ، لا يختلف باختلاف الأحوال ولا باختلاف البيئات .

3ـ أن تقوم سمةٌ مناسبة أو ملائمة بين الحكم والوصف الذي اعتبر علّة .

4ـ أن تكون العلّة متعدية غير مقصورة على موضع الحكم . ( كالسفر فإنه مقصور على الصيام من حيث أن يرخص الإفطار والقضاء من أيام أخر ، فلا يصلح علَّةً لعدم أداء الصلاة ) .

5ـ ألا يكون الوصف قد قام الدليل على عدم اعتباره ، وذلك إذا كان مخالفاً لنص ديني .

00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000

وإليك بيان أقوالهم : قال الحافظ ابن القيّم في تعليقاته على سنن أبي داود ، بعد أن قرّر ضعفَ حديث المسح على الجوربين ، وثبوته ( أي المسح )عن بعض الصحابة : " .. والعمدةُ في الجواز على هؤلاء _ رضي الله عنهم _ لا على حديث أبي قيس . .. ثم قال : و قد نص الإمام أحمد على جواز المسح على الجوربين و علّل رواية أبي قيس . وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله ، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة و صريحُ القياس ، فإنه لايظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه ) انتهى .

ـــ وقال الجصّاص في كتابه أحكام القرآن ج 2 سورة المائدة باب غسل الرِّجلين :

" فإن قيل : روى المغيرة بن شعبة وأبو موسى :( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) . قيل له : يحتمل أنهما كانا مجلَّدين ، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف ; إذ ليس بعموم لفظ وإنما هو حكاية فعلٍ لا نعلم ( أي وَصْفَه ) . ومن جهة النظر اتفاق الجميع على امتناع جواز المسح على اللفافة ; إذ ليس في العادة المشي فيها ، كذلك الجوربان . وأما إذا كانا مجلَّدين فهما بمنزلة الخفين ويمشي فيهما وبمنزلة الجرموقين ، ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه إذا كان كله مجلداً جاز المسح ؟ ولا فرق بين أن يكون جميعه مجلداً أو بعضه بعد أن يكون بمنزلة الخفين في المشي والتصرف . انتهى والجصاص هو من علماء الحنفية وهم أهل القياس كما لايخفى .

ــ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما سُئِلَ عن المسح على الجوربين :

" نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما ، سواءٌ كانت مجلّدة ، أو لم تكن ، في أصح قولي العلماء . ففي السنن : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك ، فإن الفرق بين الجوربين والخفّين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة ، فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً ، أو كتاناً , أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ، ومحظوره ومباحه ، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له ، كما لا تأثير لكون الجلد قوياً ، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى ". انتهى اُنظرالفتاوى ج21 صـ 214

ـــ و قال الإمام النووي في كتابه المجموع شرح المهذّب ج 1 صـ 564 :

" .. هذه المسألة مشهورة وفيها كلام مضطربٌ للأصحاب ونصَّ الشافعي رضي الله عنه عليها في الأم كما قاله المصنف ، وهو أنه يجوز المسح على الجورب بشرط أن يكون صفيقاً منعّلاً ، وهكذا قطع به جماعة منهم الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم ، ونقل المزني أنه لا يمسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدي القدمين ، وقال القاضي أبو الطيب : لا يجوز المسح على الجورب إلا أن يكون ساتراً لمحل الفرض ، ويمكن متابعة المشي عليه . قال: وما نقله المزني من قوله إلا أن يكونا مجلدي القدمين ليس بشرطٍ وإنما ذكره الشافعي رضي الله عنه لأن الغالب أن الجورب لا يمكن متابعة المشي عليه إلا إذا كان مجلد القدمين ، هذا كلام القاضي أبي الطيب وذكر جماعات من المحققين مثله ، ونقل صاحبا الحاوي والبحر وغيرهما وجهاً أنه لا يجوز المسح وإن كان صفيقاً يمكن متابعة المشي عليه حتى يكون مجلد القدمين والصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي عليه جاز كيف كان و إلا فلا ، وهكذا نقله الفوراني في الإبانة عن الأصحاب أجمعين فقال : قال أصحابنا : إن أمكن متابعة المشي على الجوربين جاز المسح وإلا فلا ، والجورب بفتح الجيم . والله أعلم . ( فرعٌ ) في مذاهب العلماء في الجورب قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أن الجورب إن كان صفيقاً يمكن متابعة المشي عليه جاز المسح عليه وإلا فلا ..... واحتج من منعه مطلقاً بأنه لا يسمى خفاً فلم يجز المسح عليه كالنعل . واحتج أصحابنا بأنه ملبوس يمكن متابعة المشي عليه ساتر لمحل الفرض فأشبه الخف ، ولا بأس بكونه من جلد أو غيره بخلاف النعل فإنه لا يستر محل الفرض ، واحتج من أباحه وإن كان رقيقاً بحديث المغيرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) وعن أبي موسى مثله مرفوعاً . واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه فلم يجز كالخرقة . والجواب عن حديث المغيرة من أوجه : ( أحدها ) أنه ضعيف ضعفه الحفّاظ ، وقد ضعفه البيهقي ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين ومسلم بن الحجاج وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث ، وإن كان الترمذي قال : حديث حسن فهؤلاء مقدمون عليه بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة .

( الثاني ) لو صحَّ لحُمِلَ على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعاً بين الأدلَّة وليس في اللفظ عموم يتعلق به . ( الثالث ) حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة ، فكأنه قال : مسح جوربيه المنعلين ، وروى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ما يدل على ذلك* . والجواب عن حديث أبي موسى من الأوجه الثلاثة فإن في بعض رواته ضعفاً ، وفيه أيضاً إرسال ، قال أبو داود في سننه : هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي والله أعلم . انتهى

000000000000000000000000000000

* سيأتي ذكره فيما بعد

000000000000000000000000000000

وقال الكاساني في كتابه " بدائع الصّنائع " ج 1

: ...... ولأبي حنيفة أنّ جواز المسح على الخفين ثبتَ نصاً ، بخلاف القياس ، فكل ما كان في معنى الخف في إدمان المشي عليه ، وإمكان قطع السفر به ، يلحق به ، وما لا فلا، ومعلوم أن غير المجلد ، والمنعّل ، من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى ، فتعذر الإلحاق... وأمّا الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلّدين ، أو منعّلين ، وبه نقول : ولا عموم له ، لأنه حكاية حال ، ألا يرى أنه لم يتناول الرقيق من الجوارب ؟ وأما الخف المتخذ من اللبد ، فلم يذكره في ظاهر الرواية ، وقيل : " إنه على التفصيل ، والاختلاف الذي ذكرنا "، وقيل : " إن كان يطيق السفر جاز المسح عليه ، وإلا فلا " وهذا هو الأصح . انتهى

· و لمزيد التوضيح إليك هذا البيان :

فبعد أن علمتَ أن المستندَ الشرعي للمجوِّزين المسحَ على الجوربين _ من الصحابة وغيرهم _ هو تحقيق المناط أو صريحُ القياس لا مطلق القياس ـ كما يظنّ البعض أنّ كلّ ما يستر القدم جاز المسح عليه قياساً على الخف[12] ـ بقي أن تعلم أن معظم من صحَّ عنه المسح على الجوربين من الصحابة إنّما جاءت الرواية عنه بأنه مسح على الجوربين والنعلين هكذا معاً ، وإليك بعضها :

1_ عن كعب بن عبد الله قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه بال فمسح علىجوربيه و نعليه .

2_ عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال : رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه .

3_ و عن همام بن الحارث عن أبي مسعود البدري أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه

وحتى في حديث المغيرة بن شعبة ( الذي حكم الحفّاظ بضعفه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضّأ ومسح على الجوربين والنعلين .

ـ إذاً فالترخيص بالمسح على الجوربين عند هؤلاء إنما جاء مقروناً بلبسهما مع النعلين ، ويكون المسح عليهما معاً ، لا على واحد منهما دون الآخر . والدليل على ذلك أن المسح على النّعلين فقط لم يجوِّزه أحدٌ من الفقهاء الذين رخّصوا بالمسح على الجوربين فيما أعلم . واشتراطُ النعلين مع الجوربين هو عند الجميع ، وإليك كلام العلماء :

_ قال العظيم آبادي عند شرح حديث المغيرة : " ... ومعناه : أن النعلين لبسهما فوق الجوربين كما قاله الخطّابي . فمسح على الجوربين و النعلين معاً ، فلا يستدل به على جواز مسح النعلين فقط ، قال الطّحاوي : مسحَ على نعلين تحتهما جوربان ، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه ... فكان مَسْحُهُ على الجوربين هو الذي تَطَهّرَ به ، ومَسْحُهُ على النعلين فضلٌ .. انتهى

عون المعبود ج1 صـ182ـ184

00000000000000000000000000000

12ـ روي عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه قال : ( إنّ المُغرقَ في القياس يكاد يفارق السنة )

0000000000000000000000000000000000



_ وقال الإمام النووي في المجموع ج1 صـ 565 : ".. واحتجّ من منعه مطلقاً بأنه لا يسمى خفاً فلم يجز المسح عليه كالنعل . انتهى

ــ وتَرْجَمَ الإمام البخاري في صحيحه ( كتاب الوضوء) :

بابُ غسل الرِّجلَين في النّعلين ، ولا يمسحُ على النعلين . انتهى

ــ و قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ج21 صـ184 :

" .. بل المنصوص عن أحمد في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين و إن لم يثبتا بأنفسهما، بل بنعلين تحتهما ، وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين . انتهى

ــ وقال أيضاً في الفتاوى ج21 صـ192 :

" ... فأمَرَهم بالقطع حينئذٍ لأن المقطوع يصير كالنعلين ، فإنه ليس بخف . ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين ، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفّين " . انتهى

_ فإذا كان الأمر كذلك فما الدليل على جواز المسح على الجوربين وهما خارج النعلين ؟

أمّا الأئمة الذين ذكرناهم في المجوّزين للمسح على الجوربين فقد اشترطوا النعلين أو ما يقوم مقامهما ( بمعنى أن يكون الجورب مما يُمشى فيه ) ؛ وقد مرّ معنا كلامهم فيما سبق ، فمن ذلك قول الإمام أحمد السابق الذي رواه ابن تيمية ، وكذلك ما حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسحَ على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة ، فكأنه قال : مسح جوربيه المنعّلين .

وروى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ما يدل على ذلك . وروايةُ البيهقي هي : عن راشد بن نجيح (الحماني) قال: (رأيت أنس بن مالك دخلَ الخلاء وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خزٌّ [13] فمسح عليهما). (البيهقي: 1/273) وسندها حسن .

0000000000000000000000000000000000000

13ـ الخزُّ من الثياب : ما يُنسج من صوف وإبريسم .



000000000000000000000000000000000000

وهذا وصفٌ واضحٌ للجورب الذي مسح عليه أنسٌ رضي الله عنه ، فمن أراد أن يُقلِّده في المسح وَجَبَ عليه أن يمسحَ على جورب مثل جوربه .

ــ وقد علّق الإمام ابن القيّم على كلام الأستاذ أبي الوليد فقال : " والظّاهر أنه مسح على الجوربين الملبُوسِ عليهما نعلان منفصلان . هذا المفهوم منه ..... وأيضاً فالمنقول عن عمر بن الخطّاب في ذلك أنه مسح على سيور النّعل التي على ظاهر القدم مع الجورب ، فأمّا أسفله وعقبه ، فلا . انتهى عون المعبود ج 1 صـ184

أقول : إنّ معنى كلام ابن القيّم أنه لا يمكنُ أن نستفيد من الحديث جوازَ المسح على النعلين فقط لأن النّعل تكون أسفل القدم ، وهي من جلدٍ غليظ أو رقيق ، وتُثَبّتُ النعلُ في القدم بواسطة سيورٍ وأربطة ، ومن المعلوم أنّ السنّة في مسح الخف هي مسحُ ظاهِرِه لا أسفله ؛ وأسفلُ الخف هو كالنعل ؛ فلا يعقل أن لا يمسح أسفل الخف ثُمّّ هو يمسح النعل !

وقد ذكر هذا المعنى أيضاً العلاّمة ابن قدامة المقدسي في المغني ج1 صـ 375

ـــــ وقد يستشهد البعض بأثر يرويه الدولابي عن سهل بن زياد أبو زياد الطحان عن الأزرق بن قيس قال : " رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف ، فقلت : أتمسح عليهما ؟ فقال: إنهما خفان ، ولكنهما من صوف ".

وقد صحح الشيخ أحمد شاكر هذا الأثر مع أنّه لا يصح ، لأنّ راوِيه سهل بن زياد الطحان لم يَرِدْ فيه تعديل ، وإنّما قال الأزدي عنه : " منكر الحديث " ومعنى هذا الكلام أنه سَبَرَ أحاديثه وتقصّى حاله ، فيكون هذا الوصف منه جرحاً مفسَّراً . بخلاف ما لو قال عنه : " ضعيف "، فقط ولم يزد على ذلك ، فإنه يكون جرحاً غير مفسر . والمعروف عند أهل الحديث أنّهم يشترطون تفسيرَ الجرح عند وجود تعديلٍ للرَّاوي لا عند غياب التعديل كما هي الحالة هنا . وسكوت البخاري عنه في تاريخه لا يعني أبداً أنه ثقةٌ عنده ، وإنما يعني أنه لا يعرف حاله ، فيُقدّمُ كلام الأزدي . وكيف يكون ثقةً وهو إنّما ذُكر في تراجم ميزان الاعتدال أو لسان الميزان ، وكما هو معروف عند أهل الحديث أن هذين الكتابين يُترجمان للمجروحين !

ومع ذلك فإن هذا الأثر لا يصلح حجّة لهم ، لأنّ أنساً رضي الله عنه قال إنهما خفّان . أي إنه ما ترخّص في المسح عليهما إلا لأنّهما عنده في معنى الخفّ ، يمشي عليهما ، ومرّ معنا آنفاً ما رواه البيهقي عن أنسٍ مما يدل على أن الجوربين كانا منعّلين .

· وأمّا مسألة رخصة المسح وضوابطها ، فلا بد قبل كلّ شيء من توضيح معنى

الرخصة ومعنى العزيمة . قال علماءُ الأصول إنّ العزيمة : هي الحكم الأصلي الذي شُرِع ابتداءً ويشمل الناس جميعاً ، والكل مخاطبٌ به .

والرّخصة : هي حكمٌ جاء مانعاً من استمرار الإلزام في الحكم الأصلي بسبب قيام مسوِّغ لتخلّف الحكم الأصلي . وللرخصة أسباب : منها الضّرورة ، كمن يخشى على نفسه الموت ولا يجد ما يأكله إلا الميتة فإنه يكون له أكلها . ومنها دفع الحرج والمشقّة كرخصة الإفطار في رمضان . وفي حال الضرورة قد يكون الرّجل مخيّراً بين الأخذ بالرّخصة والأخذ بالعزيمة وذلك كمن أكره على النطق بالكفر تحت التهديد بالقتل ، فإنه يجوز له النطق بالكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ، ويجوز له أن يمتنع فيُقْتَل .

وقد يكون غير مخيّرٍ بين الأخذ بالرخصة والأخذ بالعزيمة وذلك إذا خشي على نفسه الموت من الجوع وليس أمامه إلا الأكل من المحرّمات كالميتة أو لحم الخنزير فإنه في هذه الحال يجب عليه أن يتناول هذه المحرّمات للحفاظ على حياته ، وبذلك الوجوب يخرُج الأمر عن أنه رخصة لأنّ الترخيص يقتضي الجواز بأن يكون هناك حكمان في المسألة : حكم العزيمة ، وحكم الرخصة ، وبإيجاب التناول خرج الأمر عن أنه رخصة إذا سقط الحكم الأول . بخلاف ما لو كان ليس أمامه إلا الأكل من مال الغير فإن حكم العزيمة باقٍ .

ولذلك يقسم بعض العلماء الرخصة إلى قسمين : رخصة إسقاط ، ورخصة ترفيه . فالأولى تكون عندما يكون الأخذ بالرّخصة واجباً ، إذا سقط حكم العزيمة ، والثانية تكون عندما يكون الحكمان ثابتين .

وحكم الرّخصة هو : جواز العمل بها في مواضع الجواز ، ففي هذا الحال يكون المكلّف مخيّراً بين الأخذ بالعزيمة والأخذ بالرخصة ، فالمسافر في رمضان مخيَّرٌ بين الأخذ بالعزيمة وهو الصوم ، وبين الأخذ بالرخصة وهي الإفطار ؛ وذلك لأنّ النصوص الواردة في القرآن والحديث النّبوي جعَلَت الرّخصة في موضع الإباحة والتّخيير بعد طلب الفعل اللازم أو طلب التّكليف اللازم ، لأنّ اليسر من مقاصد الشرع الإسلامي ، كما قال تعالى { وما جعل عليكم في الدِّين مِنْ حَرَج } وكما قال سبحانه وتعالى{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .انتهى

من أصول الفقه لمحمد أبو زهرة .

وبعد أن أوضحتُ معنى الرخصة وأحكامها باختصار ، أوردُ أقوال العلماء في رخصة المسح على الخفّين :

_ قال الإمام ابن تيمية : " .. أمّا طهارة المسح على الخفّين فليست واجبة ، بل هو مخيّر بين المسح وبين الخلع والغسل ؛ ولهذا وقّتها الشارع ، ولم يوقتها بدخول وقت صلاة ، ولا خروجها، ولكن لمّا كانت رخصةً ليست بعزيمة حدّ لها وقتاً محدوداً في الزمن ، ثلاثاً للمسافر ويوماً وليلة للمقيم ؛ ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى . انتهى الفتاوى ج 21 صـ 361

_ وقال أيضاً : إنّ سبب الرّخصة الحاجة . انتهى الفتاوى ج 21 صـ 175

_ و إذا نظرتَ في الحديث الذي استشْهدوا به وهو أن الصحابة كانوا في سريّة فشكَوا إلى رسول الله ما أصابهم من شدّة البرد فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب .

وجدتَ أن الصحابة كانوا يعانون من شدّة البرد فرخّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على العصائب وهي العمائم ، والتساخين وهي الخفاف . وهذا هو اليسر في الدّين .

ــ وانظر إلى تعليق شيخ الإسلام على هذا الحديث حيث قال :

" .. ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها مَنْ يمسح التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز ، فأهل الشام والرّوم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز ، والماشون في الأرض الحزْنة والوعرة أحقّ بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة .. " انتهى الفتاوى ج 21 صـ 188

ـ كما روى البيهقي من طريق عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" أنا عند عمر حين اختصم إليه سعد وابن عمر في المسح على الخفّين ، فقضى لسعد ، فقلتُ : لو قلتم بهذا في السّفر البعيد والبرد الشّديد " .

وهذا سندٌ صحيحٌ جداً وعلى شرط الشيخين .

_ وقال الإمام ابن تيمية : " ولا يُشرعُ له أن يلبس الخفّين لأجل المسح . انتهى الفتاوى ج 26 صـ 94

_ ولذلك قال الإمام الكاساني في " بدائع الصنائع " ج 1

:.. ولأن الجواز في الخف لدفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع ، وهذا المعنى موجود في الجورب ، بخلاف اللفافة ، والمكعب ; لأنه لا مشقة في نزعهما . انتهى

_ فكما ترى إن مفهوم الرّخصة عند العلماء مقرون بالأسباب التي لأجلها كانت الرّخصة ، وليس بمعزل عنها ، ألا ترى كيف وقّت النبي صلى الله عليه وسلم ، لمّا رخّص بالمسح على الخفّين ، للمقيم يوماً وليلة ، وزاد المدّة إلى ثلاثة أيّام للمسافر، وما ذلك إلا لأنّ المشقّة , في نزع الخفّين للمسافر , قد زادت !

ــــ ونحن نعلم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد قال :" إنّ الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُه ، كما يَكْرَهُ أن تُؤتَى معصيَتُه " رواه أحمد بسند صحيح

وفي رواية ابن حبّان والبيهقي " كما يحب أن تؤتى عزائمه " وسندها حسن .

ولكن يجب علينا أوّلاً أن نتيقّن من أن هذه الرخصة هي من عند الله . ثمّ لا نخرجها عن مفهوم الرّخصة في الشرع . وكما رأيتَ فإنّ رخصة المسح على الجوربين لم تثبت أبداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يصحُّ لنا إطلاقُ العمل بها دون شروط المرخّصين بها ، ودون دواعي الحاجة التي ذكروها. وقد مرّتْ معنا أقوالهم في شروط و ضوابط المسح على الخفّين الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما بالك في المسحِِِِِ على الجوربين الذي لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم !

ـــ أمّا مسألة أيّهما أفضل المسحُ على الخفّين أو ما يقوم مقامهما أم غسل القدمين ؟

فإنّ الجمهور على أنّ الغسل أفضل . وقال الحنابلة في أحد أقوالهم المسحُ أفضل . وأَعْدَلُ أقوالهم هو قول الإمام ابن تيمية : " . . ولا يشرع له أن يلبس الخفّين لأجل المسح ، بل صورة المسألة إذا لبسهما لحاجته ، فهل الأفضل أن يمسح عليهما ، أو يخلعهما ، أوكلاهما سواء ؟ على ثلاثة أقوال : والصّواب أنّ المسح أفضل ، اتّباعاً للسنّة . انتهى الفتاوى ج26 صـ94

والحق أنّ كلام شيخ الإسلام جميلٌ جدّاً ، لأنّه وَضَعَ النّقاط على الحروف كما يقولون ، فبيّن أوّلاً أنّه لا يشرع لبسهما لأجل المسح ، وهذا أمرٌ مهم جدّاً يجب أن يكون واضحاً في أذهان الذين يأخذون بكلام شيخ الإسلام و لكن من آخره ! ثُمَّ بيّنَ رحمه الله أن مَنْ لبسهما لحاجة ؛ وانْتَبِه لدقّة الكلام ؛ فالأفضل له أن يمسح عليهما اتّباعاً للسنّة .

ـــ إننا إذا أنعمنا النّظر وجدنا الأمر واضحاً . أليس الغسل عزيمة ، أليس المسح رخصة ؟ فكيف يصحّ أن نقول إن الرّخصة أفضل من العزيمة ؟! وقد مرّ معنا آنفاً أن حكم العزيمة يبقى سارياً مع وجود الرخصة ، وأن المرءَ مخيّرٌ . و لذلك كان الصحابة يفتون الناس بالمسح على الخفّين وهم في خاصّة أنفسهم لا يمسحون بل يَنزعون أخفافهم و يتوضّؤون ، كما روى ابن المنذر في الأوسط عن أم كلثوم ابنة أبي بكر أنّ عُمَرَ نزل بوادٍ يقال له وادي العقارب فأمرهم أن يمسحوا على خفافهم وخلع هو خفيه وتوضأ وقال : (إنما خَلعت لأنه حبب إليَّ الطهور ).

وعن أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أنه كان يأمر بالمسح على الخفين ويغسل قدميه فقيل له كيف تأمرنا بالمسح وأنت تغسل فقال : (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به ولكن حُبِّبَ إليَّ الوضوء ) .

وعن صدقة بن يسار قال : سمعت ابن عمر يقول : (إني لمولَعٌ بغسل قدمي فلا تقتدوا بي ) . الأوسط لابن المنذر (1ـ 439) وهذه الرّوايات رجال أسانيدها كلّهم ثقات .

فلو كان المسح أفضل لما تركه هؤلاء الصّحابة الكبار وعدلوا عنه إلى الغسل . وقد بيّن القائلون بأفضلية المسح أنهم استحبّوا ذلك لأنّ فيه مخالفة أهل البدع الذين يرفضون هذه الرخصة النّبويّة .

وقد روى حنبَلٌ عن أحمدَ أنه قال : " كُلُّهُ جائزٌ ، المسح والغسْل ، ما في قلبي مِنَ المسح شيء ، ولا من الغسل " .

والحديث كما مرّ معنا " إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه "

والمقصودُ من البحث في مسألة رخصة المسح وأيهما أفضل الغسل أم المسح ، هو بيان حقيقة هذه الرخصة ، لأنّ غياب حقيقتها عن أذهان الكثير من الناس جعلهم يُسيؤون استخدامها ، فهم يلبسون الخف لأجل أن يمسحوا عليه ، هروباً من الغسل ويظننون أن ذلك هو الأفضل ! ولأوضّح الأمر أكثر سأضرب مثالاً : إن رخصة الإفطار للمسافر ثابتةٌ بنصِّ القرآن ، فهل يُشرَعُ للمسلم إذا حلَّ شهر رمضان وكان في الصيف ، أن يُنشئ سفراً ليفطر ولا يصوم ، أخذاً بالرّخصة ، ثم يقول العمل بالرخصة أفضل ، وسأقضيه في الشّتاء ! هل يكون الأخذُ بالرّخص في الشّرع هكذا ؟

ـــ بقيت مسألة أحبّ أن أشير إليها وهي المسح على الجوارب التي يلبسها النّاس في أيّامنا هذه، وهي كما علمتَ لا يجوزُ المسحُ عليها عند كل من أجاز المسح على الجوربين الثخينين اللذين يمكن المشي فيهما ، إذ لا نصَّ يُجيزُها و لا يمكن قياسها على ما رُخّص فيه ، فهي رقيقة ولا يمكن المشي فيها .

ــ فإنْ قال أحدهم يمكنني المشيُ في هذه الجوارب ، قلنا له : فما هي الجوارب التي لا يمكن المشي فيها ؟

ولذلك فإن شرط إمكانِ المشي فيها إنما المقصود منه أن تكون في معنى الخفّ .

ــ ولكن وانطلاقاً من القاعدة الشرعيّة في رفعِ الحرج عن الأمّة المسلمة ، وقياساً على جواز المسح على الجبائر، يمكننا القول : إن الرّجُلَ المُسِنّ ــ مثلاً ــ إذا لبس هذه الجوارب على طهارة وكان يصعُب عليه أن ينزعها للوضوء ؛ وذلك إمّا لألم في ظهره أو رقبته أو لضعفٍ في ذراعيه أو خشي الإصابة بالبرد والتّأذّي منه ؛ فله أن يمسح عليها .وكذلك إذا توضّأ رجلٌ ثمّ لبس جوربيه وحِذَاءَه ثمّ أدركَتْهُ الصّلاة و هو في مكان يصعب عليه الوضوء فيه على وجهٍ كامل وضاق عليه الوقت ، فله أن يمسح على جوربيه ونعليه ( الحذاء ) ثمّ يصلّي فيهما والله أعلم .

وخلاصة القول :

1ــ المسحُ على الخُفّين سُنّةٌ ثابتة ومتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2ــ المسحُ على الجوربين لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3ــ المسحُ على الجوربين والنّعلين صحّ عن بعض الصّحابة .

4ــ حجّةُ القائلين بالمسح على الجوربين صريحُ القياس على الخفّين .

5ــ الجَوْرَب يكون من جلد أو صوف أو قطن ، ويلبس وحده ، أو مع النّعلين .

6ــ شرط المسح على الجوربين أن يكونا ثخينين و يمكن المشي فيهما.

7ــ المسحُ يكونُ على الجوربين والنعلين معاً .

8ــ لا يجوزُ المسح على النعلين وحدهما .

9ــ المسحُ على الجوربين رخصةٌ عند الحاجة .

10ــ الجواربُ التي رُخّصَ المسحُ عليها هي غيرُ الجوارب التي يلبسها الناس في أيّامنا هذه .

11ــ الرخصةُ في المسح هي لرفع الحرج و المشقَّة . ولا مشقة في نَزْعِ الجوارب

المعروفة اليوم ، إذ بحركة بسيطة يمكن نزعها .

12ــ يجوزُ للمريض المُسِنّ أو لِمَنْ يَصْعُب عليه نزعُ الجوارب لمرضٍ أن يمسح عليها .

كما يجوزُ للمضطر أن يمسح على جوربيه وحذائه ويصلّي فيهما .





والحمدُ لله ربّ العالمين .







كتبه : د . خلدون مكيّ الحسني دمشق في 16 من ذي الحجّة 1425



--------------------------------------------------------------------------------

أبو بكر بن عبدالوهاب
30-03-05, 08:58 AM
وإذا كان بعض العلماء يُجيز القياس في العبادات ، فإنهم لا يجيزونه في الرُّخَص باتفاق [9]
في هذه نظر
والخللاف مشهور
وفروعهم تدل عليه
وقد أشرت إلى هذا في مكان سابق ولم أتمه لأمر أراده الله
ولعل الذي أوقعكم في هذا
أبو زهرة رحمه الله تعالى
فهو حنفي مشهور
ولعله حكى اتفاق الحنفية
وكتابه ليس عندي لأنظر فيه

زياد الرقابي
30-03-05, 12:12 PM
مذهب جمهور أهل العلم ( جواز القياس في الرخص ) .

وخالف في ذلك الحنفيه في المشهور عنهم .

والادلة متظاهرة على جواز القياس في الرخص .

ابن وهب
30-03-05, 05:34 PM
فائدة
(مسألة يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات التي لا نص فيها ولا إجماع بالقياس عندنا خلافا للحنفية قاله القاضي أبو الطيب وسليم وابن السمعاني والأستاذ أبو منصور . قال : فأما الاستدلال على المنصوص عليها بالقياس فجائز وفاقا وحكى الباجي عن أصحابهم كقولنا ، وحكاه القاضي في " التقريب " عن الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وقال : إنه الصحيح المختار . وقد قال الشافعي رحمه الله في الأم : ولا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ منهم ربع دينار فصاعدا ، قياسا على السنة في السارق ويتجه أن يخرج له في هذه قولان من اختلاف قوله في تحمل العاقلة الأطراف وأروش الجراحات والحكومات ، فإنه قال في القديم : لا يضرب على العاقلة لأن الضرب على خلاف القياس ، لكن ورد الشرع به في النفس فيقتصر عليها ، ولهذا لا قسامة ولا كفارة في الأطراف . والمشهور أنها تضرب عليهم كدية النفس قياسا بل أولى لأنه أقل . وقال الماوردي والروياني : الذي يثبت به القياس في الشرع هو الأحكام المستنبطة من النصوص ، فأما الأسماء والحدود في المقادير ففي جواز استخراجها بالقياس وجهان : أحدهما : يجوز إذا تعلق بأسماء الأحكام كتسمية النبيذ خمرا لوجود معنى الخمر فيه ويجوز أن يثبت المقادير قياسا كما قدرنا أقل الحيض وأكثره ، وهذا اختيار ابن أبي هريرة ، لأن جميعها أحكام والثاني : لا يجوز لأن الأسماء مأخوذة من اللغة دون الشرع ، ومعاني الحدود غير معقولة والمقادير مشروعة انتهى . وفي بعض النسخ أن الأول هو الصحيح لكن نقل في كتاب الصيام عن علي بن أبي هريرة أنه أوجب بالأكل والشرب كفارة فوق كفارة المرضع والحامل ودون كفارة المجامع : قال : وهذا مذهب لا يستند إلى خبر ولا إلى أثر ولا قياس ، حكاه عنه الرافعي ، قال صاحب " الذخائر " وقد حكى أنه لا وقص في النقدين فيجب فيما زاد على النصاب بحسابه خلافا لأبي حنيفة وأنه اعتبره بالماشية . قال : وهو فاسد ؛ لأنه قياس في غير محله سيما على رأيهم فإن القياس في المقدرات ممنوع . انتهى . وقال الأصحاب فيما إذا قلنا : يمسح على الجبيرة بالماء ، هل يتقدر مدة المسح بيوم وليلة للمقيم وثلاثة للمسافر ؟ وجهان ، أصحهما : لا ، لأن التقدير إنما يعرف بنقل وتوقيف ولم يرد ، ونقل القاضي في " التقريب " والشيخ في " اللمع " عن الجبائي مثل قول الحنفية . قالا : وقيل : يجوز إثبات ذلك بالاستدلال دون القياس . وقال آخرون : لا يجوز مطلقا . وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : منع بعض أهل الكوفة جريان القياس في الزكاة والحدود والمقادير ، وربما ألحق بها الكفارات قال : وما من باب إلا ولهم فيه ضرب من القياس ولا تعلق لهم بغيره ، والظاهر أنهم استعملوه في الوصف إذا ثبت بغير الأصل ، ومنعوه في الإيجاب ، وجوزوه في الترك . انتهى وذكر أبو عبد الله الصيمري من الحنفية في كتابه في الأصول أنه روي عن أبي يوسف إثبات الحدود بخبر الواحد ، قال : فيجوز على قوله إثباته بالقياس ويجوز أن يقال خبر الواحد مقدم على القياس واحتج الشيخ في " اللمع " بأن هذه الأحكام يجوز إثباتها بخبر الواحد فجاز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام وهذه العلة تبطل بالنسخ وقد صار المزني إلى أن أقل النفاس أربعة أيام لأن أكثر النفاس مثل أكثر الحيض أربع مرات فليكن أقله مع أقله كذلك ، وخالفه الأصحاب وقالوا أقله ساعة فقد خالفوا الأصل . وقال ابن السمعاني : منع أصحاب أبي حنيفة جريان القياس فيما ذكرناه وقال أبو الحسن الكرخي لا يجوز تعليل الحدود والكفارات والعبادات ، ولهذا منع من قطع النباش بالقياس ، ومنع من إيجاب الحد على اللواط بالقياس ، ومنع من الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس ، ومنع من إيجاب الكفارة في قتل العمد بالقياس قال : ولا فرق في الكفارات الجارية مجرى العقوبات وبين ما لا يجري مجرى العقوبات ، ومنع أيضا من إثبات النصب بالقياس . قال : ولهذا الأصل لا تجب الزكاة في الفصلان وصغار الغنم . والأصح على مذهبنا جواز القياس في المقادير . ومنع الكرخي أيضا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة كأجرة الحمام ، وقطع السارق ، والاستصناع على أصولهم فيما جرت العادة فيه مثل الخفاف والأواني وغير ذلك . وقد تتبع الشافعي مذهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشيء مما ذكروه فقال الشافعي : أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها تعديتموها إلى الاستحسان وهو في مسألة شهود الزنى فإنهم أوجبوا الحد في تلك المسألة ونصوا أنه استحسان . وأما الكفارات فقد قاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع ، وقاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا } وأما المقدرات فقاسوا فيها ومما أفحشوا في ذلك تقدير عدد الدلاء عند وقوع الفأرة ثم أدخلوا تقديرا على تقدير فقدروا للحمام غير تقدير العصفور والفأرة ، وقدروا الدجاجة على تقدير الحمامة وقدروا الخرص بالقلتين في العشر . وأما الرخص فقد قاسوا فيها وتناهوا في القصد فإن الاقتصار على الأحجار في الاستجمار من أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النجو ، وانتهوا في ذلك إلى نحو نفي إيجاب استكمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم فهموا هذا التخفيف منه في هذا الموضع لشدة البلوى . ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى : ومن شنيع ما قالوا في الرخص ، إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع فيها فإنها شرعت تخفيفا وإعانة على ما يعانيه المرء في سفره من كثرة أشغال قاسوها في سفر المعصية . فهذا الذي ذكروه يزيد على القياس إذ القياس تقدير المنصوص عليه قراره ، وإلحاق غيره به ، وهذا قلب الموضوع المنصوص في الرخص الكلية قال ابن السمعاني : وليس كل من هذه المذكورات يجوز القياس فيها بل الضابط أن كل حكم جاز أن يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو سنة فإنه معلل ، وما لا يصح منه مثل هذا لا يعلل سواء كان من الحدود أو الكفارات . ثم قد تنقسم العلل أقساما ، فقسم يعلل جملته لا تفصيله وهو كل ما يمكن إبداء معنى من أصله وفرعه ، وقسم يعلل جملته وتفصيله لعدم اطراد التعليل في التفاصيل ، وقسم آخر لا تعلل جملته ، لكن بعد ثبوت جملته تعلل تفاصيله ، كالكتابة والإجازة وفروع تحمل العاقلة . وقد يوجد قسم لا يجري التعليل في جملته وتفاصيله ، كالصلاة وما تشتمل عليه من القيام والسجود وغيره وربما يدخل فيه الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص انتهى . وقال إلكيا : نقل عن زعماء الحنفية امتناع القياس في التقديرات والحدود والكفارات والرخص ، ولذلك منعوا إثبات حد السارق في المختلس . وحكي عن أبي حنيفة ما يدل على ذلك ، فإنه لم يثبت لهذا المحصر بدلا عن الصوم وقال : إنه يقتضي إثبات عبادة مبتدأة وكان يقول : إن النصب لا يصح أن تبتدأ بقياس ولا بخبر الواحد ولذلك اعتد في إسقاط الزكاة في الفصيل ، وكان يجوز أن يعمل القياس في نصب ما قد يثبت الزكاة فيها ، كما يجوز أن يعمل القياس في صفة العبادة من وجوب وغيره ، ولذلك قبلوا خبر الواحد في إثبات النصاب فيمن زاد على المائتين ، وفي وجوب الوتر . فقيل لهم : تكلم الناس في الحدود والأيمان بالقياس ، فأجابوا أنه ليس لأجل إثبات حد به ، وإنما تكلموا لبيان الشبه المسقطة له مع تحقق إثباتها ، وسقوط الحد ليس بحد فيصح القياس . وأوجبوا الكفارة على القتل قياسا على المجامع ، وعلى المرأة كالرجل ، وعلى المجامع ناسيا في الإحرام ، كما لو قتل الصيد خطأ وليس في ذلك شيء من نص ولا عموم ولا إجماع . فأجابوا بأن هذا لم نعلمه قياسا بل استدلالا بالأصول على الأحكام مغاير للقياس لنحو السر . وهذا كله مردود لأنه لا شيء فيها غير القياس . ثم بين ذلك وأطال ، وقال : الذي يستقيم مذهبا للمحصل على ما يراه أن أبا حنيفة إنما قال ذلك في إجراء القياس في أصول الكفارات وأصول الحدود كإلحاق الردة ، والقذف بالقتل في الكفارة وكإلحاق من يكاتب ويطلعهم على عوراتنا بالسارق من حيث إن ذلك يقتضي التصرف في علائق غيب لا يهتدى إليه فانعدم طريق القياس . فامتنع القياس من حيث إن الذي يكاتب الكفار وإن زاد ضرر فعله على ضرر السارق الواحد فهو بالإضافة إلى سارق واحد ، أما بالإضافة إلى الجنس فلا من حيث إن السرقة مما يتشوف إليها الرعاع بخلاف مكاتبة المسلم فإنها لا تكاد توجد ، أو لا يظهر استواء السبب ، فكل ما كان من هذا الجنس فلا يجري فيه القياس لفقد الشرط . تنبيهات الأول : أشار الغزالي رحمه الله إلى أن الجاري في الحدود والكفارات ليس قياسا بل هو تنقيح المناط وكذلك في الأسباب ، ونازعه العبدري في الأسباب ، وقال : هي تخريج ، لا تنقيح . الثاني : قال بعضهم : المراد بجريانه في الحدود زيادة عقوبة في الحد ، لوجود علة تقتضي الزيادة ، كزيادة التعزير في حق الشرب وتبليغه إلى ثمانين ، قياسا على حد القذف . أما إنشاء حد بالقياس على حد فلا يجوز بالاتفاق . الثالث : ذكر في " المحصول " تبعا للشيخ في " اللمع " أن العادات لا يجوز القياس فيها ومثله بأقل الحيض وأكثره ، وهذا مخالف لتمثيل الماوردي رحمه الله السابق ، لأنه مثل به للمقادير وقد خطأ من قاس في العبادات بأن هذه أمر وجودي ، فإما أن يكون القياس لإثبات ذلك الموجود في محل آخر ففاسد ، لأن الأمور الوجودية لا تطرد على نظام واحد ، لأنه ليس حكما شرعيا حينئذ ، وإما أن يكون لإثبات الحكم : فإن كانت العادة موجودة في هذا الفرع أثبتنا الحكم فيها فلا حاجة إلى الأصل لأنه مساو للفرع حينئذ في سبب الحكم ، وإن لم يبين وجوده فالحكم مثبت لانتفاء علته . الرابع : أن سبب وضع هذه المسألة فيما ذكره ابن المنير أن أبا حنيفة قد اشتهر عنه القول بالقياس والإقبال على الرأي والتقليل من التوقيف والأحاديث ، فتبرأ أصحابه من ذلك فأظهروا أنهم امتنعوا من الرأي والقياس في كثير من القواعد التي قاس فيها أصحاب الحديث . قلت : وكذلك منعهم من التعليل بالعلة القاصرة فهم يدعون أنا أقول بالقياس منهم . الخامس : سبق أن أبا حنيفة منع القياس في الكفارات ثم أوجب الكفارة على المفطر بغير الجماع ، والشافعي مع أنه حكي عنه جواز القياس فيها فإنه لا يوجب الكفارة في غير الوقاع . ولهذا قال بعض الفقهاء : ما أجدر كلا من الإمامين أن ينتحل في هذه المسألة مذهب صاحبه ، يعني : أن قياس القول بالقياس في الكفارات عدم تخصيصها بالوقاع دون سائر المفطرات ، وقياس عدم القياس عدم إيجاب الكفارة في غير الوقاع . وهذا القول جهل بمدارك الأئمة ، فإنهم وإن أثبتوا بالحديث المأمور به بالكفارة بمطلق الإفطار فهذا المطلق هو المقيد بالجماع ، وقد يمكن أن يبنى الخلاف في القياس في الكفارات على أنه هل يجب على المجتهد البحث عن كل مسألة هل يجري القياس فيها أم لا ؟ وهل قام الدليل على أن أدلة القياس عامة بالنسبة إلى آحاد المسائل ؟ وأن العلة الجامعة بين الأصل والفرع في صورة الخلاف الخاصة صحيحة معتبرة في نظر الشرع وخلية عن الاعتبار ؟ وقد أشار ابن السمعاني إلى هذا البناء المذكور .
مسألة قال في " المحصول : مذهب الشافعي جواز القياس في الرخص ، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني فيما سبق . وليس كذلك ، فقد نص الشافعي في " البويطي " على امتناع القياس ، فقال في أوائله : لا يتعدى بالرخصة مواضعها وقال في " الأم " : لا يقاس عليه . وكذلك إن حرم جملة وأحل بعضها . وكذلك إن فرض شيئا رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف في بعضه . ثم قال : وما كان له حكم منصوص ثم كانت لرسوله سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض عمل بالرخصة فيما رخص فيه دون ما سواها ولم نقس ما سواها عليها . وهكذا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حكم عام لشيء ثم سن فيه سنة تفارق حكم العام ، كمسح الخفين والعرايا " هذا لفظه ، وذكر في " الرسالة " مثله ، وقال في موضع آخر من " الأم " : ولا يقاس إلا ما عقلنا معناه ، ولهذا قلنا في المسح على الخفين لا يقاس عليهما عمامة ولا برقع ولا قفازان وكذلك القسامة . وفي موضع آخر : إن المحرم لا يتحلل بالمرض ، والتحلل رخصة فلا يتعدى بها مواضعها . كما أن المسح على الخف رخصة فلم يقس عليه مسح العمامة . انتهى . وجرى على ذلك جماعة من أصحابنا منهم الأستاذ أبو منصور البغدادي فقال : لا يجوز القياس عندنا على الرخص وعللوه بأنها تكون معدولا بها عن الأصل وما عدا محل الرخصة يبقى على الأصل ، وقال القاضي الحسين في تعليقه " : لا يجوز القياس في الرخص ، ولهذا لما كان الأصل غسل الرجلين ثم رخص في محل الخف المسح للضرورة فلا يقاس عليه مسح القلنسوة والعمامة . والأصل أن من تلبس بالإحرام لا ينقضي عنه إلا بالإتمام ، ورخص للمحصر بالعدو في التحلل ، ثم لا يقاس عليه المصدود بالمرض . والأصل أن لا يضمن الميت . فأوجب الغرة في الجنين لا على القياس ثم لا يقاس عليه سائر الرخص . والأصل أن الجناية توجب على الجاني فاستثنى منه جناية الخطأ ثم لا يقاس عليها غيرها . وقال إلكيا : إنما نمنع القياس على الرخص إذا كانت مبنية على حاجات خاصة لا توجد في غير محل الرخصة فيمتنع القياس لعدم الجامع كغير المسافر يعتبر بالمسافر في رخص السفر إذ يتضمن إبطال تخصيص الشرع . وقد يمتنع أيضا مع شمول الحاجة إذا لم يبن عندنا استواء السببين في الحاجة الداعية إلى شرع القصر مع أن المريض خفف عنه في بعض الجهات ذلك في الرخصة سدا لحاجته ، كالقعود في الصلاة ، وذلك تخفيف في الأركان مقابل للتخفيف في عدد الركعات . انتهى . وألحق القاضي عبد الوهاب القياس على الرخص بالقياس على المخصوص وسيأتي فيه التفصيل الآتي قال : ويحتمل أن يكون المنع عنه لأن علته قاصرة عليه ، لا من حيث كونه رخصة . وقال القرطبي : يحتمل التفصيل بين أن لا يظهر للرخصة معنى فلا يقاس عليها وبين أن يظهر فيقاس ، وينزل الخلاف على هاتين الحالتين . ورأيت في كلام بعض المالكية التفصيل بين أن يكون الأصل المقيس عليه منصوصا فيجوز ، وبين أن يكون اجتهادا فلا . فحصل مذاهب .

أمثلة للقياس في الرخص ] وقد استعمل أصحابنا القياس في الرخص فيما سبق فلنشر إلى ذلك أدنى إشارة ، فإنه يعز استحضاره : ومنها : أن السلم رخصة ورد مقيدا بالأجل وجوزه أصحابنا حالا ، لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فلأن يجوز حالا أولى لقلة الغرر وقد ينازع في كونه هذا قياسا ، وإنما هو من باب دلالة الفحوى ، أي مفهوم الموافقة ، وفي كونها قياسا خلاف . على أن الغزالي في المستصفى أبدى في كون السلم رخصة احتمالين له . ومنها : ثبت في صحيح مسلم النهي عن المزابنة وهي بيع الرطب على النخل بالتمر ثم ورد الترخيص في " العرايا " وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض كذلك مفسرا من طريق زيد بن ثابت وغيره ، وألحق أصحابنا به العنب بجامع أنه زكوي يمكن خرصه ويدخر بالسنة ، فكان كالرطب وإن لم يشمله الاسم . قال ابن الرفعة : وكلام الشافعي في " الأم " يدل على أن الأصل الرطب ، والعنب مقيس عليه ، ولكن الماوردي في " الحاوي " حكى خلافا فقال : اختلف أصحابنا ، هل جازت الرخصة في الكرم نصا أو قياسا ؟ على وجهين : أحدهما : وهو قول البصريين إنها نص فرووا عن زيد بن ثابت { أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في العرايا } والعرايا : بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب . والثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من البغداديين إنها جازت قياسا على النخل لبروز ثمرتها وإمكان الخرص فيهما وتعلق الزكاة بهما . قلت : والظاهر ترجيح الثاني وهو الذي يدل عليه كلام الشافعي . وما ذكره الأولون عن زيد بن ثابت غير ثابت بل المعروف عنه خلافه . وقد روى البخاري عنه في صحيحه { أنه عليه الصلاة والسلام رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره } ، ومن توابع ذلك أنه هل يلتحق بهما ما سواهما من الأشجار ؟ قولان ، مدركهما جواز القياس في الرخص ، والأصح أنه لا يلحق . ومنها : أن الصلاة تحرم عند الاستواء ، واستثني يوم الجمعة لحديث أبي هريرة فيه ، يستثنى باقي الأوقات في يوم الجمعة ؟ فيه وجهان : أحدهما : نعم كوقت الاستواء تخصيصا ليوم الجمعة وتفضيلا له ، " وأصحهما " المنع ، لأن الرخصة قد وردت في وقت الاستواء خاصة ، فلا يلحق به غيره لقوة عموم النهي . ومنها : الرخصة في مسح الخف وردت وهي مقصورة على الضرورة فلا يلحق بها الجرموق على الجديد - لأن الحاجة لا تدعو إليه فلا تتعلق الرخصة به . واستشكل هذا بتجويز المسح على الخف الزجاج والخشب والحديد . ومنها : لو مسح أعلى الخف وأسفله كفى وهو الأكمل ، لوروده في معجم الطبراني من حديث جابر ، وفي الاقتصار على الأسفل قولان ، أصحهما : المنع ، لأنه رخصة فيقتصر على الوارد . ومنها : التيمم للفرض رخصة للضرورة ، وفي جوازه للنافلة خلاف . ومنها : النيابة في حج الفرض عن المعضوب رخصة ، كما صرح به القاضي الحسين وغيره . ولو استناب في حج التطوع جاز في الأصح . ومنها : أن الرخصة وردت فيمن أقام ببلد لحاجة يتوقعها كل وقت فله أن يقصر ثمانية عشر يوما ، ولا يجوز له الترخص بغير ذلك . لكن هل يتعدى هذا الحكم لباقي الرخص من الجمع والفطر والمسح وغيرها ؟ لم يتعرض له الجمهور ، ويحتمل إلحاقه بناء على جواز القياس في الرخصة . وقد نص عليه الشافعي رحمه الله بالنسبة إلى عدم وجوب الجمعة . ويحتمل منعه من جهة أنا منعنا الزيادة على هذه المدة بالنسبة إلى القصر مع ورود أصله فلأن يمتنع رخص ما لم يرد أصله أولى . ومنها : أن الرخصة وردت بالجمع بين الصلاتين بالمطر وألحقوا به الثلج والبرد إن كانا يذوبان ، وقيل : لا يرخصان اتباعا للفظ المطر . ومنها : قال الروياني : لا يجوز الجمع بين الجمعة والعصر بعذر المطر تأخيرا ، وكذا تقديما في أصح الوجهين ، لأن الجمعة رخصة في وقت مخصوص فلا يقاس عليه . والمشهور الجواز . ومنها : أن صلاة شدة الخوف لا تختص بالقتال ، بل لو ركب الإنسان سيلا يخاف الغرق وغيره من أسباب الهلاك فإنه يصلي ولا يعيد قياسا على الصلاة في القتال . وأجاب إمام الحرمين في " النهاية " إذ قال : من أصلكم أن الرخص لا تتعدى مواضعها ولذلك لم يثبتوا رخصا في حق المريض بوجهين : أحدهما : أن هذا بالنص وهو عموم قوله تعالى : { فإن خفتم } والثاني : أنا نجوز القياس في الرخص إذا لم يمنع مانع ، والإجماع يمنع من إجراء رخص السفر في المرض . ومنها : أن صوم أيام التشريق لا يجوز في الجديد ، ويجوز في القديم للمتمتع إذا عدم الهدي ، وفي جوازه لغيره وجهان ، أصحهما المنع ، لأن النهي عام والرخصة في حق المتمتع . ومنها : قال الرافعي وردت السنة بالمساقاة على النخل ، والكرم في معناه . وفي " الكفاية " قيل : إن الشافعي قاس على النخل وقيل : أخذه من النص . ومنها : المبيت بمنى للحاج واجب وقد رخص في تركه للرعاة وأهل سقاية العباس ، فهل يلتحق بهم المعذور كأن يكون عنده مريض منزول به محتاج لتعهده ، أو كان به مرض يشق عليه المبيت ، أو له بمكة مال يخاف ضياعه ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) : نعم قياسا على العذر ، والثاني : المنع ، والرخصة وردت لهم خاصة . قال في " البحر " : فلو عمل أهل العباس أو غيرهم في غير سقايته هل يجوز لهم ترك المبيت والرمي ؟ فيه وجهان : أحدهما : لا ، والثاني : نعم ، قياسا عليهم وهكذا ذكره أبو حامد ، ونص الشافعي في " الأوسط " على أنه لا يشركه باقي السقايات وبهذا يعترض على تصحيحه في الروضة الجواز
)

أبو بكر بن عبدالوهاب
30-03-05, 06:28 PM
شيخنا أبا عمر
في حفظي أن المالكية يخالفون فيه أيضا
فهل أنا واهم جزاكم الله تعالى خيرا .
شيخنا ابن وهب جزاكم الله خيرا

زياد الرقابي
31-03-05, 12:11 AM
والله أخي الحبيب لا أعرف ان المالكية يخالفون في هذا نعم الشافعية بعضهم خالف ومنع من ذلك والسبب ان هناك نصين من الشافعي رحمه الله يفهم من احدهما المنع و من الاخر الجواز .

أما المالكية فلا اعرف انهم خالفوا في ذلك ربما بعضهم الله أعلم ؟

مصطفى الفاسي
31-03-05, 02:30 AM
جاء في في منح الجليل ما نصه:

"و ) جاز ( ل ) شخص ( متنفل جلوس ) مع قدرته على القيام في ابتداء الصلاة بل ( ولو في أثنائها ) عقب إيقاع بعضها من قيام ، واستلزم هذا جواز الاستناد به وهو قائم بالأولى ، والمراد بالجواز خلاف الأولى إن حمل النفل على غير السنن إذ الجلوس فيها مكروه ، وإن أريد به مقابل الفرض فالمراد به مقابل المنع فيصدق بالكراهة ، هذا مذهب المدونة . وأشار بولو إلى قول أشهب بمنع الجلوس اختيارا لمن ابتدأه قائما ومحل جواز الجلوس به . ( إن لم يدخل ) المتنفل ( على الإتمام ) أي صلاته قائما أي لم ينذره ولو نواه حين شروعه فيه فإن نذره وجب لأنه مندوب ( لا ) يجوز لمتنفل ( اضطجاع ) مع قدرته على أعلى منه وإن مستندا إن اضطجع في أثنائه بل . ( وإن ) اضطجع ( أولا ) بفتح الواو مشددا أي ابتداء من حين إحرامه وظاهره صحيحا كان أو مريضا وهو كذلك على المعتمد ابن الحاجب ، ولا يتنفل قادر على القعود مضطجعا على الأصح . قال في التوضيح ظاهره سواء كان مريضا أو صحيحا وحكى اللخمي فيها ثلاثة أقوال أجازه ابن الجلاب للمريض خاصة وهو ظاهر المدونة . وفي النوادر المنع وإن كان مريضا وأجازه الأبهري حتى للصحيح ومنشأ الخلاف القياس على الرخصة ، هل يجوز أو يمنع ومفهوم قوله مع القدرة على أعلى منه أنه إذا كان لا يقدر إلا على الاضطجاع جاز له التنفل من اضطجاع اتفاقا ، وحكاية عبق الخلاف فيه وجعل الأول كالمتفق عليه غير صواب ، أفاده البناني .


وجاء في التاج والإكليل:

( والميد ) روى علي : لمريد طلوع البحر بعد الزوال ويخاف عجزه عن القيام في العصر لعلمه ميده جمعه بينهما بالبر قائما . ابن بشير : من علم من حاله أنه يميد إن ركب البحر حتى تفوته الصلاة في أوقاتها فالمنصوص أنه لا ينبغي له ركوبه ولا إلى حج ، أو جهاد ، فإن علم من حاله أنه لا يقدر على الأداء بإخلال فرض من الفرائض والانتقال عنه إلى بدل كمن يعلم أنه لا يصلي قائما فهذا إن وجد مندوحة فلا يركبه ، وإلا فيختلف فيه في القياس على الرخص . فمن أقاس أجاز ركوبه كما له أن ينتقل عن طهارة الماء إلى طهارة التراب في القفار إن حمله على ذلك مجرد طلب الدنيا ، ومن لم يقس منع ركوبه إن كان يؤديه إلى الإخلال بفرض من الفروض ، وإن شك هل يسلم من الميد أم لا ؟ فقالوا : يكره ولا يمنع ؛ لأن الأصل السلامة .

مصطفى الفاسي
31-03-05, 02:33 AM
الموسوعة الفقهية:

القياس على الرخص : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرخص المنصوص عليها إذا كانت مما يعقل معناه يمكن أن يقاس عليها غيرها من الجزئيات التي تشاركها في علة الحكم . فقد قاس بعض الفقهاء صحة بيع العنب بالزبيب على بيع العرايا المرخص فيه بالنص لاتحادهما في العلة . كما حكموا بصحة صوم من أفطر مخطئا أو مكرها قياسا على من أفطر ناسيا الذي ثبتت صحة صومه بالنص النبوي . وزاد الشافعي فقاس عليه كلام الناسي في صلاته . وقاسوا الإفطار في العين في رمضان على الاكتحال المرخص فيه نصا . وذهب أبو حنيفة وأصحابه - باستثناء أبي يوسف - إلى منع القياس على الرخص لأدلة مبسوطة في كتب الأصول .

محمد الأمين
31-03-05, 08:52 AM
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما سُئِلَ عن المسح على الجوربين :

" نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما ، سواءٌ كانت مجلّدة ، أو لم تكن ، في أصح قولي العلماء . ففي السنن : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه ) وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك ، فإن الفرق بين الجوربين والخفّين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة ، فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً ، أو كتاناً , أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ، ومحظوره ومباحه ، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له ، كما لا تأثير لكون الجلد قوياً ، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى ". انتهى اُنظرالفتاوى ج21 صـ 214

ابن وهب
31-03-05, 05:30 PM
جزاكم الله خيرا
الخلاف موجود عند الحنابلة أيضا
وكذا عند المالكية

ومنن روي عنه هذا المذهب أعنيالمنع من القياس على الرخص
الزهري - رحمه الله -

ابن وهب
31-03-05, 05:41 PM
في مواهب الجليل
في أبواب الحج
(( الرابع : ) اعترض ابن بشير على الشيخ عبد الحميد في قوله : تصلي كصلاة المسايف بأنه قياس مع عدم تحقق وجود الجامع ؛ لأن المشقة في الأصل خوف إتلاف النفس ، وفي الفرع خوف إتلاف المال وبأنه قياس على الرخص ، وأجاب ابن عبد السلام عن الأول بأن الأسفار الشاقة مع بعد المسافة يخشى معها على النفس مع ضميمة إتلاف المال ففي الفرع ما في الأصل وزيادة فيعود إلى قياس الأحرى ، وعن الثاني : بأن القياس على الرخص المختلف في قبوله إنما هو إذا كان الأصل المقيس عليه منصوصا عليه في الشريعة أما إذا كان اجتهاديا فلا نسلم انتهى . ( قلت : ) . وذكر ابن عرفة اعتراض ابن بشير ، ولم يرده ، ولا ذكر أنها تصلى عند الخوف على المال ، ولا ذكر كلام ابن عبد السلام ، وهذا تسليم منهم أن صلاة المسايفة إنما تصلى عند الخوف على النفس ، والذي يفهم من كلامهم في كتاب الصلاة أنها تصلى عند الخوف على المال ؛ لأنهم قالوا : إنها تصلى عند الخوف من اللصوص ، واللص إنما يطلب المال غالبا ، والله أعلم .)

ابن وهب
31-03-05, 05:50 PM
وفي مواهب الجليل
(والمعنى أن إجالة الخاتم أي تحريكه لا تجب في الوضوء يريد ولا في الغسل كما صرح به في النوادر وغيرها ، ونقله في التوضيح وظاهره سواء كان ضيقا أو واسعا وهذا القول رواه ابن القاسم عن مالك في العتبية والمجموعة عن مالك وفي بعض الروايات أنه قد عض في أصبعه قال في النوادر : قال ابن القاسم في العتبية والمجموعة عن مالك : وليس عليه تحريك خاتمه في الوضوء . قال ابن المواز : ولا في الغسل وهو في العتبية في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة . قال : لا أرى على أحد أن يحرك خاتمه قال ابن رشد : ومثله في بعض الروايات لأبي زيد في الذي يكون في أصبعه خاتم قد عض وهو كما قال ؛ لأنه إن كان سلسا فالماء يصل إلى ما تحته ويغسله ، وإن كان قد عض بأصبعه صار كالجبيرة لما أباح الشارع له من لباسه فلا ينبغي أن يدخل في هذا الاختلاف الذي فيمن لصق بذراعه شيء من العجين انتهى . وقال الباجي : كلام مالك يحتمل تعليلين : أحدهما : أن الخاتم لما كان لباسه عادة مستمرة لم يجب غسل ما تحته كالخف ، والثاني : أن الماء لرقته يصل إلى ما تحته . قال ابن فرحون : والتعليلان ضعيفان ( أما الثاني ) فلأن الإجالة مطلوبة لتحصيل الدلك لا لوصول الماء فإنه حينئذ مسح والأصل الغسل . وأما القياس على الخف فباطل ؛ لأن الرخص لا يقاس عليها ، وعلى صحته فيلزم أن لا يلبسه إلا على طهارة ولم يقل به أحد انتهى . ( قلت ) والظاهر أن يقال : إنه عفي عنه لكون لبسه مطلوبا وليسارة محله ، وفي كلام ابن رشد في المسألة المذكورة تقوية لهذا القول وكذا في كلام غيره فلذلك اقتصر عليه المصنف )

ابن وهب
31-03-05, 05:52 PM
وفي مواهب الجليل
(لا تيمم ) هو المشهور ومقابله يتيمم إن لم يجد الماء وعليه قال ابن فرحون في شرحه . تنبيه وفي هذه المسألة لا يتيمم على الحجر بل على التراب وقد ذكر ذلك أبو عبد الملك مروان بن علي البوني في شرح الموطإ قال : فإن عجز الجنب عن الوضوء فليتيمم ولا يتيمم إلا من جدار تراب يعلق ترابه بالكفين فأما الجدار يكون حجرا فلا يتيمم به وكذلك فسر لي أصبغ بن الفرج وأخبرني عيسى عن ابن القاسم بنحو هذا التفسير انتهى ولعل ذلك ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام تيمم على الحائط فكان رخصة لا يتعدى بها محلها والرخص لا يقاس عليها ، والله أعلم . وعلى القولين بأن الوضوء للنشاط إذا كان معه من الماء ما لا يكفيه للغسل لم يتوضأ ، انتهى كلام ابن فرحون . )

ابن وهب
31-03-05, 05:57 PM
قال الشافعي في الأم
(وقلنا افترض الله عز وجل الوضوء فسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين أيكون لنا إذا دلت السنة على أن المسح يجزئ من الوضوء أن نمسح على البرقع ، والقفازين ، والعمامة ؟ قال لا قلنا ولم ؟ أتعم الجملة على ما فرض الله تبارك وتعالى وتخص ما خصت السنة ؟ قال نعم قلنا فهذا كله حجة عليك وقلنا أرأيت حين حرم الله تعالى المشركات جملة ، ثم استثنى نكاح الحرائر من أهل الكتاب فقلت يحل نكاح الإماء منهن ؛ لأنه ناسخ للتحريم جملة وإباحته حرائرهن تدل على إباحة إمائهن ؟ فإن قال لك قائل نعم وحرائر وإماء المشركات غير أهل الكتاب ؟ قال ليس ذلك له قلنا ولم ؟ قال ؛ لأن المستثنيات بشرط أنهن من أهل الكتاب قلنا ولا يكن من غيرهن ؟ قال نعم قلنا وهو يشرط أنهن حرائر فكيف جاز أن يكن إماء ، والأمة غير الحرة كما الكتابية غير المشركة ؟ التي ليست بكتابية وهذا كله حجة عليه أيضا في إماء المؤمنين يلزمه فيه أن لا يحل نكاحهن إلا بشرط الله عز وجل فإن الله تبارك وتعالى إنما أباحه بأن لا يجد طولا ويخاف العنت والله تعالى أعلم )

ابن وهب
31-03-05, 06:01 PM
قال الشافعي في الأم
(فقلت : أرأيت إذ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة قلنا وقلت قيمتها خمسون دينارا وهو لو كان حيا كانت فيه ألف دينار أو ميتا لم يكن فيه شيء وهو لا يخلو أن يكون ميتا أو حيا فكان مغيب المعنى يحتمل الحياة والموت إذا جنى عليه فهل قسنا عليه ملففا أو رجلا في بيت يمكن فيهما الموت والحياة وهما مغيبا المعنى ؟ قال : لا ، قلت ولا قسنا عليه شيئا من الدماء ؟ قال : لا قلت ولم ؟ قال : لأنا تعبدنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه ولم نعرف سبب ما حكم له به قلت فهكذا قلنا في المسح على الخفين لا يقاس عليهما عمامة ولا برقع ولا قفازان قال وهكذا قلنا فيه ؛ لأن فيه فرض وضوء وخص منه الخفان خاصة فهو تعبد لا قياس عليه قلت وقسنا نحن وأنت إذ قضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الخراج بالضمان أن الخدمة كالخراج قال : نعم قلت : لأنا عرفنا أن الخراج حادث في ملك المشتري وضمنه منه ولم تقع عليه صفقة البيع قال : نعم ، وفي هذا كفاية من جملة ما أردت ودلالة عليه من أن سنة مقيس عليها وأخرى غير مقيس عليها ، وكذلك القسامة لا يقاس عليها غيرها )

ابن وهب
31-03-05, 06:07 PM
وفي أحكام القرآن لابن العربي
(وهذه كانت فائدة الاستثناء دخلت في اليمين بالله رخصة ، وبقيت سائر الالتزامات على الأصل ؛ ولهذا يروى عن بعض المتقدمين أنه إذا قال لعبده : أنت حر إن شاء الله ، فهو حر ؛ لأنه قربة . ولو قالها في الطلاق لم تلزم ؛ لأنه أبغض الحلال إلى الله . وهذا ضعيف ؛ لأنه إن كان الاستثناء يرفع العقد الملتزم في اليمين بالله والطلاق فليرفعه في العتق ، وإن كانت رخصة في اليمين بالله لكثرة ترددها فلا يقاس على الرخص .وهذه كانت فائدة الاستثناء دخلت في اليمين بالله رخصة ، وبقيت سائر الالتزامات على الأصل ؛ ولهذا يروى عن بعض المتقدمين أنه إذا قال لعبده : أنت حر إن شاء الله ، فهو حر ؛ لأنه قربة . ولو قالها في الطلاق لم تلزم ؛ لأنه أبغض الحلال إلى الله . وهذا ضعيف ؛ لأنه إن كان الاستثناء يرفع العقد الملتزم في اليمين بالله والطلاق فليرفعه في العتق ، وإن كانت رخصة في اليمين بالله لكثرة ترددها فلا يقاس على الرخص .)

أبو بكر بن عبدالوهاب
01-04-05, 01:51 AM
الحمد لله
جزاكم الله تعالى خيرا على هذه النقولات الطيبة

قال إمام الحرمين في البرهان 2/901
878 وأما الرخص فقد قالوا فيها إنها منح من الله تعالى وعطايا فلا نتعدى بها مواضعها فإن [ في ] قياس غير المنصوص على المنصوص في الأحكام الاحتكام على المُعطِي في غير محل إرادته .
وهذا هذيان فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ولا يختص بها الرخص فإن قيل فما الذي ترون ؟
قلنا قد وضح بما قدمناه ما يعلل وما لا يعلل ونحن نتخذ تلك الأصول معتبَرَنا في النفي والإثبات فإن جرت مسالك التعليل في النفي والإثبات أجريناها وإن انسدت حكمنا بنفي التعليل ولا يختص ذلك بهذه الأبواب
879 ومما نختتم القول به أن التعليل قد يمتنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص أمكن التعليل وهو كقوله تعالى (( إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين )) وقال عليه الصلاة والسلام (( وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والأرض )) وقال لأبي بردة بن نيار وقد جاء بعناق وكان لا يملك غيرها فأراد التضحية بها رغبة في مساهمة المسلمين (( تجزىء عنك ولن تجزىء عن أحد بعدك )) فمهما منعنا نص من القياس امتنعنا وكذلك لو فُرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر .
فإذا لم يكن منعٌ من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس إمكانه عند الشرائط المضبوطة فيه والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأتيه على ما يشترط فيه .

وذكر المنع عن المالكية العلامة الشنقيطي عليه شآبيب الرحمة والرضوان ص 338 حيث قال :
.......... ومنهم المالكية كما هو ممنوع عندهم أيضا في الرخص .......

وقال القليوبي في حاشيته 1/43
( قوله وفي معنى الحجر ) أي قياسا عليه بجامع إزالة النجاسة وفيه القياس على الرخص وهو صحيح حيث استنبط لها معنى كما هنا .

محمد الأمين
01-04-05, 04:45 AM
أرى أن الحوار قد صار بعيداً عن الموضوع. وأقترح نقل تلك المشاركات إلى موضوع بعنوان "هل يجوز القياس في الرخص".

مصطفى الفاسي
01-04-05, 11:48 AM
هل هذه المسألة من لوازم القائلين بجواز القياس على الرخص:

لقد عد ابن حجر والدمياطي الدف من المعازف، واستثناه الشارع من المعازف عند الأفراح والأعياد،
ولدا يلزم من القول بجواز القياس على الرخص القول بجواز باقي المعازف عند الأفراح والأعياد لجامع اللهو والترفيه. وكذلك قياس جواز ذلك للرجل كما هو جائز للمرأة.

والذي تعلمته من مشايخي أن الرخصة لا تتعدى موجبها وموضعها وخلاصة هذه أن جواز استعمال الدف لا يقاس عليه جواز استعمال باقي المعازف، ولا الرجل على المرأة

فما قولكم رحمكم الله

مصطفى الفاسي
02-04-05, 11:37 PM
للأهمية

ابن وهب
03-04-05, 05:15 PM
جزاكم الله خيرا
في مجموع الفتاوى لابن تيمية
( فصل
والاحكام التى يقال إنها على خلاف القياس نوعان نوع مجمع عليه ونوع متنازع فيه

فما لا نزاع فى حكمه تبين أنه على وفق القياس الصحيح وينبنى على هذا ان مثل هذا هل يقاس عليه أم لا فذهب طائفة من الفقهاء الى أن ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه ويحكى هذا عن اصحاب أبى حنيفة والجمهور انه يقاس عليه وهذا هو الذى ذكره أصحاب الشافعى واحمد وغيرهما
وقالوا انما ينظر الى شروط القياس فما علمت علته الحقنا به ما شاركه فى العلة سواء قيل انه على خلاف القياس او لم يقل وكذلك ما علم انتفاء الفارق فيه بين الأصل والفرع والجمع بدليل العلة كالجمع بالعلة واما اذا لم يقم دليل على ان الفرع كالاصل فهذا لا يجوز فيه القياس سواء قيل انه على وفق القياس او خلافه ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان فى معناها )

ابن وهب
03-04-05, 05:19 PM
وفي المنتقى للباجي( قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها مطلق الرخصة عند الفقهاء يقتضي أن يخص بعض الجملة المحظورة بالإباحة ومنع أبو حنيفة وقوم من أصحابنا القياس عليه وجعلوا له بإطلاق اسم الرخصة عليه حكما مفردا ولا يجوز أن يعدى إلى غيره حتى أنهم يسمون بذلك كل حكم لا يعدونه وليس هذا بصحيح والصواب أن ينظر إلى علة ذلك الحكم الذي علق عليها في الشرع فإن كانت علته واقعة قصر الحكم على موضعها وإن كانت متعدية عداه وأثبت الحكم المعلق بها حيث وجدت وبالله التوفيق)

ابن وهب
03-04-05, 05:54 PM
وقول امام الحرمين رحمه الله
(وكذلك لو فُرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر .
)
انتهى

فهل المانع من اباحة القصر للمريض هو الاجماع فلولا هذا الاجماع جاز لنا ان نجيز له القصر
المسألة للبحث

وفي الحقيقة هذا الموضوع يحتاج الى بحث موسع
لان هناك تداخل في بعض ما ذكر

فان القياس على الرخص مثلا غير مرفوض مطلقا عند الحنفية مثلا
فهم يجيزون بعض ما يراه غيرهم من القياس على الرخص
ويستدلون له بدليل آخر

فكون المسألة دخلت في تعريف القياس على الرخص لايلزم منه أن يرفضه من يقول بعدم جواز القياس على الرخص
لان تعريفهم له مختلف

ومثله مسائل الاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع ونحو ذلك
فهي مسائل دقيقة

ابن وهب
03-04-05, 06:23 PM
أنه لابد من معرفة الضابط والا وقع اشكالات كثيرة
وهذا الضابط ذكره الباجي وابن تيمية - رحمهما الله -
ولو أغلقنا هذا الباب لو قعنا في حرج شديد
وكذا لو فتحنا الباب بدون ضابط فهو يفتح الباب امام (من يسمون بالعقلانيين)
فتحديد الضابط مهم جدا

وكلامي الأخير عن مسائل أهم من مسألة المسح على الجوربين ونحو ذلك
فلينظر اليه من هذا الجانب

يوسف الجوهري
23-03-12, 11:10 PM
الرابط لا يعمل

أبو موسى البهوتى
26-03-12, 02:56 AM
فائدة
(مسألة يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات التي لا نص فيها ولا إجماع بالقياس عندنا خلافا للحنفية قاله القاضي أبو الطيب وسليم وابن السمعاني والأستاذ أبو منصور . قال : فأما الاستدلال على المنصوص عليها بالقياس فجائز وفاقا وحكى الباجي عن أصحابهم كقولنا ، وحكاه القاضي في " التقريب " عن الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وقال : إنه الصحيح المختار . وقد قال الشافعي رحمه الله في الأم : ولا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ منهم ربع دينار فصاعدا ، قياسا على السنة في السارق ويتجه أن يخرج له في هذه قولان من اختلاف قوله في تحمل العاقلة الأطراف وأروش الجراحات والحكومات ، فإنه قال في القديم : لا يضرب على العاقلة لأن الضرب على خلاف القياس ، لكن ورد الشرع به في النفس فيقتصر عليها ، ولهذا لا قسامة ولا كفارة في الأطراف . والمشهور أنها تضرب عليهم كدية النفس قياسا بل أولى لأنه أقل . وقال الماوردي والروياني : الذي يثبت به القياس في الشرع هو الأحكام المستنبطة من النصوص ، فأما الأسماء والحدود في المقادير ففي جواز استخراجها بالقياس د ى ن أن يكون اجتهادا فلا . فحصل مذاهب .


أخى العزيز ابن وهب لمن هذا الكلام المتقدم انه لكلام نفيس والله واقبلوا من اخيكم الذى لم ينبت له بعد ريش فى علم الاصول ولا غيره سؤال :
هل الاستنجاء بالاحجار رخصة ام عزيمة؟. وان كانت الاولى فهل عليه جاز المسح بالخرق قياسا على الاحجار؟ وهل هذا فى لب موضوعنا ام انا واهم؟ جزاكم الله خيرا