المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المبحث الأول: من كتاب ((التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة ممن لهم رواية عن


د.مبارك الهاجري
31-07-02, 06:04 PM
المبحث الأول: من كتاب ((التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة ممن لهم رواية عنهم في الكتب الستة))

تعريف الصحابي والتابعي
الصحابي : هو كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا قول جمهور أهل العلم ، وعليه عامة أهل الحديث (1).
قال السخاوي : " …… ثم إن التعبير في التعريف بالرؤية هو في الغالب، وإلا فالضرير الذي حضر النبي صلى الله عليه وسلم كابن أم مكتوم وغيره معدود في الصحابة بلا تردد ، ولذا عبّر غير واحد باللقاء بدل الرؤية "(2) .
وقال : الصحابي من طالت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكثرت مجالسته له على طريق التبع له ، والأخذ عنه . وهذا قول بع الأصوليين (3).
ويحكى عن سعيد بن المسيب – ولا يصح عنه – أنه كان لا يعدّ الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغز معه غزوة أو غزوتين (4) .
وقيل : الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، واختص به اختصاص الصاحب وإن لم يرو عنه شيئاً (5).
وقيل: هو كل مسلم أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يره(6).
والقول الأول هو الأصح ، كما ذهب إليه الجمهور من المحدثين والأصوليين وغيرهم ، باكتفاء بمجرد الرؤية ولو لحظة ، وإن لم يقع معها مجالسة ، ولا مماشاة ، ومكالمة ، لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ( 7) .
وهذا قول علي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري وغيرهم.
قال ابن المديني : " من محب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو رآه ولو ساعة من نهار ، فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (8) ".
وقال أحمد بن حنبل : " كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه ، فهو من أصحابه ، له من الصحبة على قدر ما صحب"( 9) .
وقال البخاري : " ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه " (10).
والتابعي : هو من لقي أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، سمع منه أو لم يسمع منه.
واشترط بعضهم في التابعي أيضاً طول الملازمة للصحابي ، أو صحة سماعه منه، أو كونه كان مميّزاً لمّا لقيه.
والقول الأول عليه أ كثر أهل الحديث ، ورجّحه غيرُ واحد من أهل العلم (11) .
وأما المخضرمُ الذي أدرك الجاهلية والإسلام ، ولم ير النبيَّ صلى الله تعليه وسلم، سواء أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أم بعد وفاته، فهو معدود في كبار التابعين ، وعدة بعضهم في الصحابة ، والصحيح أنه ليس بصحابي لكونه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم (12).
ومن فوائد معرفة الصحابة والتابعين أن يعرف الحديث المتصل من المرسل.
_________________________________
(1) إرشاد طلاب الحقائق للنووي 2 / 586
(2) فتح المغيث . 4 / 78
(3) علوم الحديث لابن الصلاح. ص 423
(4) علوم الحديث لابن الصلاح ص 424
(5) أنظر : فتح المغيث ، 4 / 88
(6) أنظر : فتح المغيث ، 4 / 88

(7) أنظر : فتح المغيث ، 4 / 77
(8) أنظر : فتح المغيث ، 4 / 77
(9) الكفاية للخطيب البغدادي ، ص 99.
(10) صحيح البخاري ، ( 7 / 3 ) 62- كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، 1- باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(11) معرفة علوم الحديث للحاكم ، ص 42 .
(12) معرفة علوم الحديث للحاكم ، ص 44 .

د.مبارك الهاجري
31-07-02, 06:13 PM
المبحث الثاني: من كتاب: التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة ممن لهم رواية عنهم في الكتب الستة.
الفرق بين الإرسال وتدليس الإسناد

الإرسال نوعان :
الأول :
الإرسال الظاهر : وهو رواية الراوي عمّن لم يدركه ، كرواية التابعي، عن النبي صلى الله تعليه وسلم.
والثاني :
الإرسال الخفي : وهو رواية الراوي عمّن عاصره ولم يلقه . كرواية المخضرمين، عن النبي صلى الله تعليه وسلم ، مثل رواية قيس بن أبي حازم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالإرسال الأول يعرف بعدم المعاصرة بين الراويين .
والإرسال الثاني يعرف بعدم اللقاء بين الراويين ، مع تحقق المعاصرة بينهما (1) .
وأما تدليس الإسناد : فهو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه ، أو عمن عاصره ولم يلقه ، موهماً أنه قد لقيه وسمعه تمنه.
كذا عرّفه ابن الصلاح (2) ، وتبعه على هذا جماعة من أهل العلم(3) .
وذكر العراقي أن التدليس بهذا المعنى هو المشهور بين أهل الحديث (4). وعزاه المعلمي إلى الجمهور (5).
وعلى هذا فالفرق بين التدليس والإرسال الخفي ، هو قصدُ الإيهام بالسماع في التدليس ، وأما الإرسال فلا يقصد فيه الراوي السماع على وجه الإيهام ، والله أعلم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن التدليس أخص من ذلك ، وهو أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه ، يروي ذلك بصيغة توهم السماع.
وقد حكى العراقي هذا عن أبي بكر البزار ، وأبي الحسن ابن القطان ، ثم قال العراقي : " وما ذكره المصنف ( يعني ابن الصلاح ) في حدِّ التدليس هو المشهور بين أهل الحديث ، وإنما ذكرتُ قولَ البزار وابن القطان لئلا يفتر بهما من وقف عليهما فيظن موافقة أهل هذا الشأن لذلك، والله أعلم " (6) .
وخالف ابن حجر شيخه العراقي ، ونازع في كون ما ذكره ابن الصلاح في حدِّ التدليس هو المشهور عند أهل الحديث ، ولذا عرَف ابن حجر تدليس الإسناد بقوله: " أن يروي عمن لقيه شيئاً لم يسمعه منه بصيغة محتملة، ويلتحق به من رآه ولم يجالسه " ، ثـم قال ابن حجر : " وإذا روى عمن عاصره – ولم يثبت لقيه له – شيئاً بصيغة محتملة فهو الإرسال الخفي ، ومنهم من ألحقه بالتدليس ، والأولى التفرقة لتميز الأنواع " (7) .
وتوسع بعضهم في تعريف التدليس ، فقال : هو رواية الراوي ما لم يسمعه (8)، فأدخل فيه الإرسال الظاهر.
وعرّف الذهبي التدليس في الموقظة (9) بما يوافق هذا القول ، حيث قال: " المدلس: ما رواه الرجل عن آخر ، ولم يسمعه منه أو لم يدركه".
وعلى هذا التعريف لم يسلم أحد من التدليس ، وقد أشار ابن عبد البر إلى هذا القول وبيَّن ضعفه (10).
والحاصل أن التدليس يفارق الإرسال ، في أن الراوي لمّا دلّس قصد الإيهام بالسماع من ذلك الشيخ ، وعلى هذا فإن الإرسال يكون تدليساً إذا كان على وجه الإيهام.
قال المعلمي : " وذكرَ مسلمٌ أمثلةً فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمّن قد سمعوا منه(11) ، ولم تعدّ تدليسا، ولا عُدوا مدلسين ، ومحملُ ذلك أن الظنَّ بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام ، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع ، وقد كنت بسطت ذلك ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة ، لأنا نقول : هذا مُسلّم ، ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسا بأن تكون بقصد الإيهام ، والأمثلة التي ذكرها مسلمٌ لم ت كن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين"(12).
أقول : وعلى هذا فلا يُرمى الراوي بالتدليس بمجرد الوقوف على ما يُظن أنه دلّسه ، فلعل ذلك يكون منه على ما ذكره المعلمي رحمه الله، ولم يكن منه على وجه الإيهام ، والمعتمد في ذلك على كلام أئمة الجرح والتعديل، وأهل الشأن، هل وصموا هذا الراوي بالتدليس أم لا ؟ كما هو الحال في التعديل والتجريح ، والله أعلم.
______________________________________
(1) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ، ص 546 – 547 .
(2) علوم الحديث ، ص 165 .
(3) إرشاد طلاب الحقائق للنووي ، 1 / 205 .
(4) التقييد والإيضاح ، ص 80 .
(5) التنكيل للمعلمي ، 1 / 78 .
(6) التقيد والإيضاح ، ص 80 .
(7) تعريف أهل التقديس ، ص 25 .
(8) التقييد والإيضاح ، ص 80 .
(9) المرجع السابق ، ص 47 .
(10) التمهيد ، 1 / 15 – 16 .
(11) صحيح مسلم ، ( 1 / 31 – 32 ) المقدمة ، 6- باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن .
(12) التنكيل للمعلمي ، 1 / 78 – 79 .

د.مبارك الهاجري
01-08-02, 11:53 AM
المبحث الثالث: من كتاب: التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة ممن لهم رواية عنهم في الكتب الستة .
الإسناد المعنن والمؤنن

الإسناد المعنعن : هو ما يقال فيه " فلان عن فلان " ، من غير ذكر للسماع أو التحديث أو نحوهما.
وقد اختلف العلماء في الحكم على الإسناد المعنعن إلى ستة أقوال:
القول الأول :
أنه من قبيل المنقطع ، ولا يُحكم له بالاتصال حتى يتبيّن اتصاله من طريق آخر يصرح فيه بالتحديث أو نحو ذلك مما يدل على السماع.
والقول الثاني :
أنه من قبيل المتصل إذا كان الراوي معروفاً بطول الصحبة عمن روى عنه بالعنعنة ، وبشرط أن يكون غير مدلس .
والقول الثالث :
أنه من قبيل المتصل إذا كان الراوي معروفاً بالرواية عمن روى عنه بالعنعنة ، مع سلامته من التدليس .
والقول الرابع :
أنه من قبيل المتصل إذا كان الراوي أدرك من روى عنه بالعنعنة إدراكاً بيّنا ، ولم يكن مدلساً .

والقول الخامس :
أن الإسناد المعنعن تمن قبيل المتصل إذا ثبت لقاء الراوي عمن روى عنه بالعنعنة ولو مرة واحدة ، ولم يكن معروفاً بالتدليس.
والقول السادس :
أنه من قبيل المتصل إذا كان الراوي أدرك من روى عنه ، وعاصر زمانه ، وممكن جائز لقاؤه وسماعه منه ، وكان مع هذا غير معروف وبتدليس.
وهذان القولان الأخيران – الخامس والسادس – هما المعتمدان عند أئمة هذا الشأن ، وعليهما دار الترجيح بين أهل العلم.
فالقول الخامس هو مذهب البخاري وشيخه ابن المديني ، وقال به جماعة من أهل العلم . والقول السادس هو مذهب مسلم وأبي عبد الله الحاكم ، وظاهر صنيع ابن حبان ، وعمل به كثير من العلماء المتأخرين (1).
وينبغي هنا التنبيه على مسألتين مهمتين :
المسألة الأولى :
في أن الراوي إذا روى عمن عاصره ولم يلقه ، على وجه يوهم بأنه سمع منه ، فهذا من التدليس ، وإن اعتبره بعضهم إرسالاً خفياً , بل ذكر ابن تعبد البر أن من دلس عمن لقيه أخف ممن دلس تعمن لم يلقه ، حيث قال : " وهذا أخف ما يكون في الذين لقي بعضهم بعضاً ، وأخد بعضهم عن بعض ، وإذا وقع ذلك فيمن لم يلقه فهو أقبح وأسمج " (2).
وقال المعلمي : " والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليس أيضاً عند الجمهور ، ولمن لم يطلق عليها ذلك لفظاً لا ينكر أنها تدليس في المعنى ، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه . هذا وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليساً إذا كان على وجه الإيهام ، ويوافقه ما في الكفاية للخطيب ص 357 " (3) .
المسألة الثانية :
في أن بعضهم توسّع في تصحيح حديد المُتعاصرَيْن بناء على مذهب مسلم من الاكتفاء بالمعاصرة دون اشتراط اللقي ، وفي صنيعهم نظر ، فإن مسلماً – رحمه الله – قيّد تلك المعاصرة وضبطها ، كما سيأتي حكاية كلامه ، وظهر لي ذلك من ممارستي لتراجم عدة خلال هذه الرسالة ، وقد وقفت على كلام لمعلمي رحمه الله ، يبيِّن ذلك بياناً شافياً.
قال المعلمي : " ضبط المعاصرة المعتمد بها على قول مسلم ، ضبطها مسلم بقوله : " كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً وجائز وممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد … (4). وجمعه بين " جائز وممكن " يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة ، والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك.
والمعنى يؤكد هذا فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العرف – ولا سيما عرف المحدثين وما جرى عليه عملهم - ظاهرة في السماع فهذا الظهور يحتاج إلى دافع ، فمتى لم يعلم اللقاء ، فإن ك ان مع ذلك مستبعداً ، الظاهر عدمه ، فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور عدم اللقاء يدافع ظهور الصيغة ، وقد يكون الراوي عدَّ ظهور عدم اللقاء قرينة على أنه لم يُرد بالصيغة السماع . وإن احتمل اللقاء احتمالاً لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له. فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهراً بيّنا فلا محيص عن الحكم بالاتصال ، وذلك كمدني روى عن عمر ولم يعلم لقاؤه له نصاً ، لكنه ثبت أ نه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلاً فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مراراً . فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا كرواية قيس بن سعد المكي ، عن عمرو ابن دينار فإنه يحكم باللقاء حتماً ،، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي روى عن يمان لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. (5) "
وأما الإسناد المؤنن فهو ما يقال فيه " فلان أن فلاناً قال " .
فأكثر أهل العلم على أن حكمه حكم الإسناد المعنعن سواء في أنه محمول على الاتصال إذا كان الراوي غير مدلس ، وقد ثبت أنه لقي تمن روى عنه أو سمع منه ، أو أنه عاصره وممكن وجائز سماعه منه ولقاؤه ، على الخلاف المتقدم في الإسناد المعنعن بين مذهب البخاري وشيخه ابن المديني ، ومذهب مسلم ومن تابعه رحمهم الله جميعاً .
وذهب أبو بكر البرديجي وغيره إلى أن الإسناد المؤنن ليس له حكم الإسناد المعنعن ، وإنما هو محمول على الانقطاع حتى يتبيّن اتصاله من وجه آخر(6) .
قال ابن عبد البر : " فجمهور أهلب العلم على أن " عن " و " أن " سواء ، وأن الاعتبار ليس بالحروف وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة ، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً ، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال ، حتى يتبين فيه علة الانقطاع " (7) .
ولكن جاء عن الإمام أحمد بن حنبل ، ويعقوب بين شيبة وغيرهما من أئمة الحديث التفريق بين الإسناد المعنعن والمؤنن ، على تفصيل في ذلك ، وبيانه :
1- أن الراوي إذا قال : " أن فلاناً قال كذا " ، كأن يقول التابعي أن ابن عمر رضي الله عنه ، قال : سمعت كذا . فهو مثل قوله : عن ابن عمر أنه قال : سمعت كذا.
فهذا إذا كان خبرُ أنّ قولا ، وكان الراوي أدرك من روى عنه، أصبح حكمها كحكم " عن " .

2- وإذا كان خبر " أن " فعلا ، ففيه تفصيل :
إن كان الراوي أدرك تلك الحادثة ، فلأن هنا حكم " عن " .
وإن كان الراوي لم يدرك ذلك ، نحو قول عروة ، أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا الذي فرق فيه الإمام أحمد وغيره بين " أن " و " عن " ، واعتبروها إرسالاً(8).
قال ابن رجب : " والحفاظ كثيراً ما يذكرون مثل هذا ويعدونه اختلافاً في إرسال الحديث واتصاله ، وهو موجود كثيراً في كلام أحمد، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والدارقطني ، وغيرهم من الأئمة. ومن الناس من يقول: هما سواء –كما ذكر ذلك لأحمد -، وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته ، كعروة عن عائشة ، أما من لم يعرف له سماع منه فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال ، ولا عند من يكتفي بإمكان اللقي " (9).
وقال ابن رجب أيضاً : " وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين ، وكذلك ذكر أحمد أيضاً، أنهم كانوا يتساهلون في ذلك ، مع قوله إنهما ليسا سواء ، وإن حكمهما مختلف ، لكن ك ان يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح ، وعدم التحرير " (10).
ويلتحق بالإسناد المعنعن والمؤنن ، قول الراوي :
" قال فلان كذا وكذا " ، و " ذكر فلان " ، و " فعل فلان " ، و " حدّث فلان " ، و " كان فلان يقول كذا وكذا " ، ونحو ذلك.
فكل ذلك محمول على الاتصال على التفصيل المتقدم (11).
___________________________________
(1) المبحث الأول من الرسالة.
(2) التمهيد لابن عبد البر ، 1 / 27 .
(3) التنكيل للمعلمي ، ص 78 .
(4) صحيح مسلم ، ( 1 / 29 – 30 ) المقدمة ، 6- باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن .
(5) التنكيل للمعلمي ، ص 79 – 80 .
(6) التمهيد لابن عبد البر ، 1 / 26 .
(7) التمهيد ، 1 / 26 .
(8) شرح علل الترمذي لابن رجب ، 1 / 377 – 382 .
(9) شرح علل الترمذي لابن رجب ، 1 / 381 .
(10) شرج هلل الترمذي لابن رجب ، 1 / 381 – 382 .
(11) علوم الحديث لابن الصلاح , ص 156 .

د.مبارك الهاجري
01-08-02, 11:59 AM
المبحث الرابع : من كتاب التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة ممن لهم رواية عنهم في الكتب الستة.
معرفة الانقطاع في الأسانيد

يعرف الانقطاع في الأسانيد بطرق أربعة :
الطريق الأول :
النظر في تاريخ الراوي والمروي عنه.
فإذا اظهر أن الراوي لم يدرك من روى عنه ، أو أنه أدركه ولكن كان صغيراً لا يمكنه السماع منه ، أو كونه مع صغر سنِّه اختلفت بلاده عن بلاد من روى عنه . فهذا كله يفيد انقطاع الرواية .
والطريق الثاني :
تصريح الراوي بأنه لم يسمع من فلان ، أو أنه ما سمع منه إلا كذا وكذا فيكون ما عدا ذلك منقطعاً ، أو أنه لم يسمع منه حديث كذا ، أو أنه يقول في حديثه عنه : حُدّ!ِثْتُ عن فلان " ( بالبناء للمجهول ) ، أو " بلغني عن فلان " ، ونحو ذلك مما يفيد الانقطاع .
والطريق الثالث :
إذا روى الراوي عمن عاصره تارة بواسطة ، وتارة بغير واسطة ، ولم يثبت له اللقي أو السماع منه في أسانيد أخر ، فهذا يشعر بانقطاع روايته عنه .
والطربق الرابع :
قول إمام معتبر ، من أئمة الحديث النقاد ، أن فلاناً لم يسمع من فلان ، أو لم يلقه ، أو لم يدركه ، أو فلان عن فلان مرسل ، أو هذا إسناد منقطع ، ونحو ذلك من العبارات الدالة على الانقطاع (1).
وقد يقع الخلاف بين أئمة الحديث وأهل العلم في إثبات سماع فلان عن فلان أو نفيه ، فترى بعضهم ينفي سماع فلان من فلان ، والآخر يثبته ، أو يصحح إسناد تحديثه عنه ، أو يخرجه في شيء من كتب الصحاح محتجاً به ، وهذا يعني اتصال الإسناد عنده ، لأن من شروط الصحيح اتصال السند.
قال ابن حجر في ترجمة عثمان بن عبد الله بن عبد الله : " وقد أخرج بن حيان في صحيحه ، والحاكم في المستدرك ، حديثه عن جده عمر بن الخطاب ، ومقتضاه أن يكون سمع منه " (2) .
ومن أسباب اختلاف أهل العلم في إثبات السماع أو نفيه :
1- اختلافهم في تقدير سنِّ الراوي .
مما يترتب عليه عند بعضهم أن يكون الراوي لم يدرك من روى عنه أو أنه أدركه ولكنه في سنٍّ قاصرة عن تحمل الحديث ، ونحو ذلك، بينما يرى غيرهم من أهل العلم أنه أدرك من روى عنه ، أو عاصره ومثله ممكن أن يسمع منه ، ونحو ذلك.
ومثال ذلك :
ترجمة سعيد بين جبير ، وترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكذلك ترجمة عامر الشعبي ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وترجمة عبد الجبار بن وائل بن حجر ، عن أبيه رضي الله عنه .
2-ويقع الاختلاف بينهم أيضاً في سماع الصغير ، وأي سنٍّ يصح فيها سماعُه ؟
ومثال ذلك :
ترجمة سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد ذكر ابن معين أن ابن المسيب رأى عمر ، ولكنه قال : " ابن ثمان سنين يحفظ شيئاً" ، فأنكر سماعه من عمر لصغر سنِّه ، وتابعه على هذا كثير تمن أهل العلم.
ولكن خالفهم ابن المديني فكان يصحح سماع سعيد من عمر ، ولما سئل الإمام أحمد : سعيد ، عن عمر حجة ؟ قال : " هو عندنا حجة ، قد رأى عمر وسمع منه ، وإذا لم يقبل سعيد ، عن عمر فمن يقبل ؟ " .
ومثال ذلك أيضاً ما جاء في :
ترجمة عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد ، عن عائشة رضي الله عنها .
وترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ، عن جده كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه .
وترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه رضي الله عنه .
3- ويقع الخلاف بينهم في الإسناد المعنعن ، هل هو من قبيل المتصل ؟ أم هو من قبيل المنقطع ؟ على الخلاف المتقدم حكايته .
فقد يحكم أحدهم على رواية فلان عن فلان بأنها مرسلة ، أو أنه لم يذكر سماعاً من فلان ونحو ذلك ، لأنه لم يصرح قط بالسماع منه ، ولم يثبت لديه أنه لقيه .
بينما يعتبره الآخر من قبيل المتصل ، إذا كان الراوي قد أدرك من روى عنه ، وممكن جائز سماعه منه ، مع سلامته من التدليس.
ولذا تجد بعض أهل العلم يحكم على رواية فلان عن فلان بالإرسال ، وتجد الآخر يخرجها في الصحيح ، والأمر فيهاا ما ذكرتُ ، والله أعلم .
4- كما يقع الخلاف بينهم في الإسناد المعنعن إذا جاء من طريق أخرى بذكرِ واسطةٍ بين تالروايين .
فبعضهم يحكم على هذاا الإسناد بالانقطاع ، وقد يستدل بذلك على انقطاع رواية هذا الراوي عمن عنعن عنه هنا مطلقاً في كل ما حدث عنه ، وذلك إذا لم يكن قد ثبت انه لقيه أو سمع منه .
وقد ينازعهم غيرهم فلا يطَّرد ذلك عنده في كل ما رواه هذا الراوي عمن عنعن عنه.
بل قد يخالفهم آخرون في أصل المسألة ، فلا يعتبر الإسناد الأول منقطعاً، بل يعلّ الإسناد الثاني ، ويعدّه من المزيد في متصل الأسانيد.
وقد يذهب آخرون إلى الجمع بين الإسنادين ، بأن الراوي سمع هذا الحديث بواسطة ثم لقي شيخه فسمعه منه مباشرة ، فكل من الإسنادين يعتبر متصلاً .
وكل هذا خاضع للقرائن ، وبناء على ذلك يختلف الترجيح بين أهل العلم .
قال ابن حجر : " ويعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك أو بجزم إمام مطلع ، ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة راو أو أكثر بينهما ، لاحتمال أن يكون من المزيد ، ولا يحكم في هذه الصورة بح كم كلي لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع "(3) .
وكلام أئمة الحديث ، وأهل العلم في إعلال الأحاديث بالإرسال بأن فلاناً لم يسمع من فلان ، أو لم يلقه ، أو لم يدركه ، أو أن فلاناً عن فلان مرسل ، ونحو ذلك ، موجود ف يكتب الرجال عامة ، كالعلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل ، والتاريخ الكبير للبخاري ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ، وتهذيب الكمال للمري ، وتهذيب التهذيب لابن حجر ، وغيرها كثير ت. وفي كتب العلل والتاريج ، كعلل الحديث لابن أبي حاتم ، والعلل للدارقطني ، ونصب الراية للزيلعي ، والتلخيص الحبير لابن حجر ، وإرواء الغليل للألباني ، وغيرها.
وقد ألَّف بعضُ أهل العلم كتباً خاصة فلي الرجال شملت هذا النوع من كلام أهل العلم ، من أهمها :
كتاب المراسيل لابن أبي حاتم الرازي ، وكتاب جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ( الباب السادس منه ) ، وتحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل لولي الدين أبي زرعة العراقي.
__________________________________
(1) المبحث الثاني من الرسالة.
(2) تهذيب التهذيب ، 7 / 130 .
(3) نزهة النظر ، ص 74 .

ابن المنذر
28-01-04, 07:40 PM
أخي الدكتور مبارك [ بارك الله فيك وفي علمك ] :

قد سمعت من بعض الإخوان أن رسالتك هذه [ التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة ممن لهم رواية عنهم في الكتب الستة]مطبوعة ؟؟؟؟

فبحثت عنها ، فلم أجدها !!

فهلا دللتني عليها [ علما أنني في السعودية - القصيم - بريدة ] .

وأتمنى أن ترسلها على بريدي الخاص، لحاجتي إليها، وجزاك الله خيراً .