المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجموعة من خطب الجمع


أسامة أل عكاشة
09-07-12, 09:35 PM
نبذة مختصرة عن الخطبة:
ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "رمضان عبر ونفحات"، والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان وما أعدَّه الله لعباده من فضلٍ وخيرٍ، وضاعفَ الثوابَ فيه على الأعمال الصالحة، وذكَّرَ بتنويع العبادة فيه بين صلاةٍ وقيامٍ وقراءة قرآنٍ وغير ذلك.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقَى.
أيها المسلمون:
خلقَ الله الثَّقَلَين لعبادته، وهو - سبحانه - غنيٌّ عنهم ولا غِنى للخلق عنه؛ فهو الذي يكشِفُ ضرَّهم وهو الذي ينفعهم، ولحاجتهم إليه أوجبَ عليهم عبادتَه، وأولُ أمرٍ في كتاب الله هو الأمرُ بعبادته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21].
وأمرَ الرُّسُلَ بالعمل الصالح فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51]، وقال لموسى - عليه السلام -: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14]، وقال لنبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: 66].
ومن الميثاقِ الذي أُخِذَ على بني إسرائيل: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة: 83]، وأمرَ قُريشًا بالتعبُّد فقال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ [قريش: 3]، وأمرَ المؤمنين به في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ [الحج: 77].
ووصفَ الله صحابة نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بكثرة التعبُّد، وظهر أثرُ ذلك على جوارِحهم، فقال - سبحانه -: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: 29].
والعبوديةُ لله شرفٌ عظيمٌ، ولمنزلتها دعا سليمان - عليه السلام - ربَّه أن يكون منهم، فقال: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: 19].
وكان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - إذا رفعَ رأسَه من الركوعِ قال: «أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ»؛ رواه مسلم.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربَّه بحُسن العبادة له كما أمرَه الله لينالَ رِضاه، فكان يقول دُبُر كل صلاةٍ مفروضةٍ: «اللهم أعِنِّي على ذِكرِك وشُكرِك وحُسن عبادتك»؛ رواه أبو داود.
وكلُّ مُسلمٍ يُعاهِدُ ربَّه على القيامِ بهذه العبادة في صلاته المفروضة في اليوم سبعَ عشرة مرَّة، يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5].
ومن حقَّقَها ونشأَ على الطاعة والصلاح أظلَّه الله في ظلِّ عرشه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه ..»، وذكرَ منهم: «.. وشابٌ نشأَ في عبادة ربِّه»؛ متفق عليه.
والعبدُ الصالحُ يدعُو له كلُّ مُصلٍّ بالسلامة من الآفات والشُّرور، فإذا قالَ المُصلِّي في التشهُّد: «السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين»، قال - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك: «أصابَت - أي: الدعوة - كلَّ عبدٍ لله صالحٍ في السماء والأرض»؛ متفق عليه.
وعبادةُ الله وحده سببُ دخول جنات النعيم؛ جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عمِلتُه دخلتُ الجنةَ. قال: «تعبُد اللهَ لا تُشرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاة المكتوبة، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصومُ رمضان»؛ متفق عليه.
ومن فضل الله على عباده: أنه لم يترُك عبادَه حيارَى في كيفية التعبُّد؛ بل أرسلَ الرُّسُلَ ليُبيِّنوا لأقوامهم كيف يعبدون اللهَ، ولم يُكلَّف العبادُ إلا بالامتِثالِ فحسب، فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النور: 54].
وإذا أخلصَ العبدُ عملَه لله واتَّبَع نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في طاعته قبِلَ الله ذلك العملَ منه، ورفعَه إليه، قال - عز وجل -: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10].
والله - سبحانه - قضَى أن أعمار هذه الأمة قصيرة، وجعلَها ما بين الستين إلى السبعين، والأيامُ والليالي فيها تذهبُ سِراعًا، والعامُ يطوي شهورَه تِباعًا، وسنةُ الله في كونه قدومٌ وفواتٌ، وعوَّض - سبحانه - هذه الأمةَ لما قصُرَت أعمارُهم بمواسم في الدهر تُضاعَفُ فيها أعمالُهم، وتُغفَرُ فيها ذنوبُهم.
وفضَّلَ شهرًا في العام على بقية الشهور، فبعثَ فيه رسولَه وأنزلَ فيه كتابَه، يرتقِبُه المسلمون في كل حولٍ وفي نفوسهم له بهجة، يُؤدُّون فيه رُكنًا من أركان الدين، جعله الله ميدانًا يتسابقُ فيه المُتنافِسون بأنواع الطاعات والقُرُبات، وخصَّه بليلةٍ مُباركةٍ تتنزَّلُ فيها الملائكة، والعملُ فيها خيرٌ من ألفِ شهرٍ.
ولشرف رمضان؛ من أخلصَ صيامَه لله ابتغاءَ الثواب غُفِرَ له ذنبُه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ متفق عليه.
ومن صلَّى التراويحَ في رمضان مُخلِصًا لله غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ متفق عليه.
ومن صلَّى مع الإمام حتى ينصرِفَ كُتِب له قيامُ ليلةٍ كاملةٍ.
والقرآنُ العظيمُ كلامُ ربِّ العالمين، وصفَه الله بالنور والبركة والهداية، من تلاه نالَ من البركة والضياءِ بقدرِ قُربِه منه، والماهِرُ بقراءته مع الملائكةِ السَّفَرة الكرامِ البَرَرة، ومن قرأَه تضاعَفَت له الأُجُورُ بقدر ما رتَّلَ من الحروف، والقرآنُ أُنزِل في رمضان، وتتأكَّد تلاوتُه فيه، وكان جبريلُ - عليه السلام - يُدارِسُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيه.
والصومُ مظِنَّةُ إجابة الدعاء؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الصائمُ حتى يُفطِر، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلوم يرفعُها الله فوقَ الغَمام ويفتحُ لها أبوابَ السماء ويقول: وعِزَّتي! لأنصُرنَّكِ ولو بعد حينٍ»؛ رواه الترمذي.
وأنزلَ الله قولَه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]، أنزلَها بين آيات الصيام إيماءً بالإكثار من الدعاء في رمضان.
وشهرُ رمضان شهرُ الفقراء والمساكين، يرقُبُونَه عامًا بعد عامٍ لينالُوا فضلَ الله فيه، فلا تردَّ ذا مسكنةٍ أو متربةٍ، وابذُل الكفَّ فيه بالعطاء، ومُدَّ اليدَ فيه بالكرم والسخاء، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجودَ ما يكونُ في رمضان.
ومن أغدقَ على عباده منحَه الله من فضله خيرًا مما بذَل، وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: 39].
ورمضانُ غنيمةُ التائبين؛ فنفحاتٌ من التواب الغفورِ فيه في ليله ونهاره أغلقَ فيه أبوابَ النيران، وفتحَ أبوابَ الجِنان ليعود العبادُ إليه بالتوبة والإنابة. فعلى المُسلم أن يصدُقَ فيه مع الله ويتوبَ إليه مما اقترفَتْه جوارِحُه من السيئات، وأن يفتحَ صفحةً مُشرِقةً مع مولاه؛ فالمعصيةُ لا تأتي بخيرٍ قطُّ.
وأبوابُ الخيرِ تُفتحُ على العبدِ حينًا، وقد تُغلَقُ سريعًا، وإن أدركتَ رمضان فقد لا يعُودُ، وإن عادَ عليك عامًا آخر فالنفسُ قد تتبدَّلُ من ضعفٍ في العبادة، أو التسويفِ، أو قُصور العافية، أو غيرها من الصوارِف. فبادِر إلى كل عملٍ صالحٍ قبل الفوات.
والمحرومُ من فرَّط في دُرَر لحظات رمضان وحرمَ نفسَه العملَ في لياليه، وبارزَ اللهَ فيه بالعِصيان؛ بنومٍ عن الصلاة المفروضة، أو سهرٍ على المُلهِيات والمُحرَّمات. والصومُ ليس امتناعًا عن الأكل والشربِ فحسب؛ بل شُرع لتحقيق التقوى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]، فصومُ الجوارِحِ واجبٌ بحفظِ اللسان عن المُحرَّمات؛ من الكذبِ، والغِيبة، وغضِّ البصر عن النظر إلى ما نهَى الله عنه؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «من لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه»؛ متفق عليه.
وعلى المرأة أن تصُونَ نفسَها وشهرَها بالسِّترِ والحجاب والعفاف، والبُعد عن مواطن الفِتَن، وصلاتُها في بيتها خيرٌ من صلاتِها في مسجدِها.
والسعيدُ من سابقَ إلى الطاعات ونوَّع منها، وحفِظَ جوارِحَه عن المعاصي والأوزار وابتعدَ عنها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 107، 108].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكثِرُ من صيام شعبان توطِئةً لصيام أفضل الشهور؛ قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "ما رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبان"؛ متفق عليه.
ومن كان يصومُ من أول شعبان فله أن يصُوم في نصفِه الأخير، ولم يثبُت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضلِ شعبان شيءٌ سِوَى الإكثار من صومِه، وليست فيه ليلةٌ فاضلةٌ لا في أوله ولا مُنتصفه ولا آخره.
قال ابن رجبٍ - رحمه الله -: "قيامُ ليلة النصفِ من شعبان لم يثبُت فيها شيءٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه".
وخيرُ الهديِ ما شرعَه نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، والمُوفَّقُ من جمعَ بين إخلاصِ العمل لله والاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم إنا نسألُك التوفيقَ والسعادة في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألُك الإخلاصَ في القول والعمل.
اللهم انصر المُستضعفين من المؤمنين في الشام، اللهم كن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، اللهم احفَظ لهم دينَهم وأعراضَهم وأموالَهم، اللهم عليك بمن طغَى عليهم، اللهم زلزِل الأرضَ من تحت أقدامهم، اللهم سلِّط عليهم جنودًا من عند يا قوي يا عزيز.
اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعملِ بكتابك وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

أسامة أل عكاشة
09-07-12, 09:40 PM
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "الحث على الرفق"، والتي تحدَّث فيها عن الرِّفق وأهميته وفضله، ووجَّه النصحَ لعموم المسلمين بضرورة التعامُل فيما بينهم بالرفق، وحثَّ الولاة والحكام والأمراء والوزراء وكل من تحته رعيَّة يأتمرون بأمره أن يتحلَّوا به، وحذَّر من الفُحش والبذاءة وسوء الأخلاق.

الخطبة الأولى
الحمد لله الرؤوفِ الرحيمِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإلهُ العظيمُ، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من اتَّصفَ بالخُلُق الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ إلى يوم الدين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
إخوة الإسلام:
من السَّجايا الجميلة والخِصال النبيلة في منظومة مكارمِ الأخلاق في الإسلام: خُلُق الرِّفق بأشملِ معانيه وأوسع مضامينه، إنه الرِّفقُ الذي يعني: الاتِّصافَ باللِّين والسُّهولة في الأقوال والأفعال، والأخذ بالأسهل، والدفعَ بالأخفِّ، قال - جل وعلا -: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159].
إنه الرِّفقُ الذي يتضمَّنُ الرحمةَ بالمؤمنين، ولُطفَ الرعاية لهم، والبَشاشةَ والسماحةَ في التعامُل، إنه الرِّفقَ الذي يجلِبُ البُعدَ عن العُنفِ بشتَّى أشكالِه ومُختلَف صُورِه، والتخلُّصَ من الغِلظَة في المقال، والفَظاظَة في الأفعال، والفُحشَ في جميع الأحوال، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: 88].
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحبَّكم إليَّ يوم القيامة: أحسنُكم أخلاقًا، المُوطِّئون أكنافًا، الذين يألَفون ويُؤلَفون».
المؤمنُ رفيقٌ في أقواله وأفعاله وفي جميع أحواله، هيِّنُ التعامُل، رقيقُ المعشَر، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63].
إنه الرِّفقُ الذي يمَسُّ بلُطفه القلوبَ القاسِية فيُحوِّلَها من قسوتها وجَفوتها إلى تعاطُفها وتجاذُبها، ومن شدَّتها وغِلظَتها إلى رقَّتها ولُطفها، لقد حثَّ - صلى الله عليه وسلم - على الرِّفق، وبيَّن أهمِّيَّتَه وعظيمَ شأنه، وأوضحَ ثمارَه الطيِّبة، وأنه سببٌ لمُضاعفَة الحسنات، ورفع الدرجات، فقال - عليه الصلاة والسلام -: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي على الرِّفق ما لا يُعطِي على ما سِواه».
الرِّفقُ ما صاحَبَ تصرُّفًا ولا مسلَكًا إلا زيَّنَه، ولا نُزِع من قولٍ ولا فعلٍ إلا شانَه وكدَّرَه، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرِّفق لا يكون في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانَه»؛ رواه مسلم.
إخوة الإسلام:
الرِّفقُ سببٌ عظيمٌ في كسبِ محبَّة الله - جل وعلا -، فلقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه»؛ متفق عليه.
وبدون الرِّفق في الأقوال أو الأفعال أو التصرُّفات يفوتُ خيرٌ كثيرٌ، ومغنَمٌ كبيرٌ، فلقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يُحرَم الرِّفقَ يُحرَم الخيرَ كلَّه»؛ رواه مسلم.
فكن - أيها المسلم - رفيقًا رقيقًا مع الآخرين، هيِّنًا في تعامُلاتك، سهلًا ليِّنًا في أخذِك وعطائِك، تجنَّب الغِلظَةَ والخُشونة، والجَفوَة والرُعونَة، وانأَ بنفسك عن الفَظاظَة والشِّدَّة، ولو كان ذلك في الجوانب الخيِّرَة؛ كالدعوة إلى الله - جل وعلا -، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المُنكرِ، فضلًا عن التصرُّفات الحياتيَّة، والتعامُلات الاجتماعية.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُخبِرُكم بمن يحرُم على النار أو بمن تحرُم عليه النار؟ تحرُمُ على كل قريبٍ هيِّنٍ سهلٍ ليِّنٍ»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ".
معاشِرَ المُسلمين:
الرِّفقُ بهذا المعنى الواسعِ الجميل والمفهوم الشامل لكل مجالات الحياة مطلوبٌ من كل أحدٍ، رِفقُ الوالي برعيَّته، رِفقُ القاضي في قضائِه، رِفقُ المسؤول لمن هو تحت مسؤوليَّته، رِفقُ الوالدِ بولدِه، رِفقُ الزوجِ بزوجته، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83].
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «عليك بالرِّفقِ، وإياك والعُنفَ والفُحشَ»؛ رواه البخاري.
ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسن الخُلُق، وإن الله يُبغِضُ الفاحشَ البَذِيءَ»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
إخوة الإسلام:
من أوجبِ أنواع الرِّفق: رِفقُ ربِّ العمل بمن يعملُ لديه، وأن يتجنَّب الشِّدَّة والغِلظةَ مع العاملين معه، قال أنس - رضي الله عنه -: خدمتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عشرَ سنين، فما قال لي قطٌّ: أُفّ، ولا قال لي لشيءٍ فعلتُه: لم فعلتَه، ولا لشيءٍ لم أفعله: افعل كذا. وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أرادَ الله بأهل بيتٍ خيرًا أدخلَ عليهم الرِّفقَ».
فيا أيها المسلم: التزِم تلك الأخلاقَ الجميلة، والشمائل النبيلة تفُز بالجنات، ورضا رب الأرض والسماوات؛ ففي الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنة، فقال: «تقوى الله وحُسن الخُلُق»؛ والحديث رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ".
أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
الخيرُ والسعادةُ والصلاحُ والنجاحُ في تقوى الله - جل وعلا - وطاعته وسرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا إلى الممات.
إخوة الإسلام:
إن من أسوأ الأخلاق وأقبَح الصفات: الفُحشُ بالقول أو الفِعلِ، أو في المُزاحِ ونحو ذلك، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المؤمنُ باللعَّان ولا الطعَّان ولا الفاحشِ ولا البَذِيء».
فكلُّ تصرُّفٍ قارنَه الفُحشُ فهو قبيحٌ شرعًا وطبعًا وعقلًا، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الفُحشُ في شيءٍ إلا شانَه، وما كان الحياءُ في شيءٍ إلا زانَه».
يا مَن ابتُليتُم بالولايات والمناصِب! ترفَّقوا بالمُسلمين، عامِلوهم بالحُسنى، سُوسهم بالرِّفق واللِّين، والوَيلُ ثم الوَيلُ لمن تولَّى للمُسلمين أمرًا ثم أطلقَ عليهم يدَه أو لسانَه بالظُّلم والاضطهاد والفُحش في القول أو الفعلِ، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم من ولِيَ من أمر أمَّتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُق عليه».
ثم إن الله - جل وعلا - أمرَنا بالصلاةِ والسلامِ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدنا ونبيِّنا وحبيبِنا وقُرَّة عيونِنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم احفظ المُسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المُسلمين في كل مكان يا حافِظُ يا عليمُ، اللهم أنت خيرُ حافظٍ فاحفظ المُسلمين في سُوريا، اللهم أنت خيرُ حافظٍ فاحفظ المُسلمين في سُوريا وفي فلسطين وفي كل مكانٍ يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم ودماءَ المسلمين في كل مكانٍ، اللهم ارفع الهمَّ عنهم، اللهم فرِّج كُرُباتهم، اللهم فرِّج كُرُباتهم وكُرُبات المسلمين.
اللهم يا حي يا قيُّوم ارحم المُستضعفين في كل مكانٍ، اللهم ارحم المُستضعفين في كل مكانٍ، اللهم ارأَف بهم، اللهم ارأَف بهم، اللهم ارعَهم برعايتك، اللهم الطُف بهم بعنايتك ورعايتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم هيِّئ للمُسلمين أمرًا رشَدًا، اللهم هيِّئ للمُسلمين أمرًا رشَدًا، اللهم أصلِح أحوالَهم، اللهم ولِّ عليهم خيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه ونائبَه لما تحبُّه يا رب وترضَى، اللهم وفِّقهما لخدمة الإسلام والمسلمين، اللهم أطِل في أعمارهما على الطاعة والتقوى. اللهم يا حيُّ يا قيُّوم احفظ بلاد المسلمين من كل مكروهٍ وسوءٍ وسائرَ بلاد المُسلمين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، اللهم أرضِنا وارضَ عنَّا، اللهم أرضِنا وارضَ عنَّا، اللهم أرضِنا وارضَ عنَّا.
اللهم اشفِ مرضانا مرضى المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا مرضى المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا مرضى المسلمين، اللهم فرِّج همومَنا، اللهم اكشِف كُرُباتنا، اللهم نفِّس عن كُرُباتنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اقضِ الدَّينَ عن المدينين، اللهم اقضِ الدَّينَ عن المدينين.
اللهم اجعل هذه البلادَ آمنةً مُطمئنَّةً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المُسلمين.
اللهم يا حيُّ يا قيُّوم نسألُك أن تُبلِّغَنا رمضان وأن تجعلَنا فيه من عبادك المُتَّقين يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم أدخِل علينا شهرَ رمضان بالعفو والغُفران والصلاح والإصلاح للإسلام والمُسلمين.
عباد الله: اذكُروا اللهَ ذكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أسامة أل عكاشة
09-07-12, 09:46 PM
الإحسان
الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله استخلفَ الإنسانَ في الأرض ليعمُرها، وخلق له ما في السماوات وما في الأرض وسخَّرَها، أحمده - سبحانه - وأُثني عليه والَى علينا نعمَه وآلاءَه لنشكُرَها، ومن رامَ عدَّها فلن يحصُرَها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ حقٍّ ويقينٍ أرجو عند الله أجرَها وذُخرَها، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله رسمَ معالمَ الملَّة وأظهرَها، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه كانوا أفضلَ هذه الأمة وأكرمَها وأبرَّها، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - عز وجل - رحمكم الله -، وأخلِصُوا لربكم القصدَ والنيةَ فإنما الأعمالُ بالنياتِ، واجتهِدوا في الطاعة فقد أفلحَ من جدَّ في الطاعات، والزَموا الصدقَ في المُعاملة فإن دين الله في المُعاملات.
بادِروا - رحمكم الله - إلى ما يحبُّه مولاكم ويرضاه؛ فكلُّ امرئٍ موقوفٌ على ما اقترفَه وجناه يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [النبأ: 40]، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 30].
أيها المسلمون:
كلمةٌ عظيمةٌ تتضمَّن معاني واسعة تدور حول صلاح الإنسان وفلاحه في معاشه ومعاده، ونفسه وأهله ومُجتمعه، وفي كل ما حوله من حيوانٍ ونباتٍ وجمادٍ. كلمةٌ تدخلُ في الدين والعبادة، والقول والعمل، والخُلُق والمظهر والسلوك. كلمةٌ عظيمةٌ لها مدارُها في التعامُل والتعايُش، ولها آثارُها في رأبِ الصدع، وتضميد الجراح، وغسلِ الأسَى، وزرعِ التصافِي، والدفع إلى التسامِي صُعُدًا في مكارم الأخلاق.
كلمةٌ إليها ترجع أُصولُ الآداب وفروعُها، وحُسنُ المُعاشرة وطرائِقُها. كلمةٌ هي غايةُ الغايات، ومحطُّ نظر ذوي الهِمَم العاليات. هذه الكلمة العظيمة يُوضِّحُها ويُجلِّيها حديثان صحيحان عن نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -:
أما الأولُ: فقد سأل عن هذه الكلمة جبريلُ - عليه السلام - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين قال له: أخبِرني عن الإحسان. قال: «الإحسانُ: أن تعبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وأما الحديثُ الثاني: فحديثُ أبي يعلَى شدَّاد بن أوسٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرَته، وليُرِح ذبيحتَه».
أخرج الحديثين: الإمامُ مسلمُ بن الحجاج في "صحيحه"، وأصحاب السنن.
معاشر الإخوة:
الإحسانُ مُشتقٌّ من الحُسن، وهو نهايةُ الإخلاص، والإخلاصُ على أكمل وجوهه من الإتقان والإحكام والجمال في الظاهر والباطن.
والإحسانُ في العبادة: أن تعبُد الله كأنك تراه، فهو قيامٌ بوظائف العبودية مع شهودك إياه. فإن لم تكن تراه فإنه يراكَ؛ أي: فتكون قائمًا بوظائف العبودية مع شهوده إياك.
إنه مُراقبةُ العبد ربَّه في جميع تصرُّفاته القولية والعملية والقلبية، علمُ القلب بقُرب الربِّ، فهو من أعلى مقامات التعامُل مع الله.
أيها المسلمون:
الإحسانُ مطلوبٌ في شأن المُكلَّف كلِّه؛ في إسلامه، وإيمانه، وفي عباداته، ومُعاملاته، وفي نفسه، ومع غيره، وفي بدنه، وفي ماله، وفي جاهِه، وفي علمِه وعمله.
وأولُ مقامات الإحسان: الإحسانُ في حقِّ الله - عز وجل -، وهو الإحسانُ في توحيده: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]، فيُوحِّدُ المُسلمُ ربَّه على الشهود والعِيان كما عبدَه بالدليل والبُرهان.
ومن الإحسان في التوحيد: الرضا بمقادِر الله؛ فيُظهِرُ الرضا والقبول في المنع والعطاء: «عجبًا لأمر المُؤمن وأمرُه كلُّه خيرٌ؛ إن أصابَته سرَّاء شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاء صبرَ فكان خيرًا له، ولا يكونُ ذلك إلا للمؤمن».
وهل عوَّدك ربُّك - يا عبد الله - إلا إحسانًا؟! وهل أسدَى إليك إلا جودًا ومِنَنًا؟!
ومن الإحسان في توحيده: فهمُ العلاقة بين السببِ والمُسبِّبِ، «وإذا سألتَ فاسأل اللهَ»، فيتوجَّه العبدُ بقلبه لربه ربِّ الأرباب ومُسبِّب الأسباب طالبًا منه، مُعتمِدًا عليه، راضيًا عنه.
ومن الإحسان: تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في صدق محبَّته، ولزوم طاعته، وحُسن مُتابعته، وعدم مُجاوزة شرعه، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31].
ومن الإحسان: إحسانُ العبد في عبادته ربَّه، والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وإحسان العبادة: الإخلاص، والخشوع، وفراغُ البال، ومُراقبة المعبود؛ فللصلاة طهورُها، وآدابُها، وسُننها، وسكينتُها، وقُنوتُها، وطُمأنينتُها حتى تقول لصاحبها: حفِظَك الله كما حفِظتَني.
والإحسانُ في الزكاة والإنفاق: أن يُخرِج من طيِّب ماله بطِيبٍ من نفسه من غير منٍّ ولا أذًى، شاكرًا لربه فضلَه؛ إذ جعلَ يدَه هي اليدَ العُليا.
والإحسانُ في الصيام: الصومُ إيمانًا واحتسابًا، يدَعُ الصائمُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل ربِّه ومولاه، ولخَلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريحِ المِسك.
والإحسانُ في الحجِّ: أن يُهِلَّ الحاجُّ بالتوحيد، مُتمِّمًا الحجَّ والعُمرةَ لله، مُجتنِبًا الرَّفَثَ والفسوقَ والجِدالَ، فمن حجَّ ولم يرفُث ولم يفسُق خرجَ من ذنوبه كيوم ولدَتْه أمُّه.
أيها الإخوة الأحِبَّة:
وبعد حقِّ الله في الإحسان في توحيده وفي عبادته، وحقِّ رسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في الطاعة والمُتابعة يأتي الإحسانُ إلى عباد الله، ويأتي في المُقدِّمة الوالِدان: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 23، 24].
ويتبَعُ الإحسانَ إلى الوالدَيْن: الإحسانُ إلى الرَّحِم وذوي القُربَى؛ بالبرِّ والصلة واللُّطفِ في القول والعمل، وليس الواصِلُ بالمُكافِئ ولكنَّ الواصِلَ من إذا قطعَت رحِمُه وصلَها.
ومن الإحسان: الإحسانُ إلى اليتَامَى والمساكين والضُّعفاء وأصحابِ الحاجات الخاصَّة؛ قولٌ ليِّن، وإنفاقٌ من غير منٍّ، ومُعاملةٌ من غير عُنف، وصادِقُ الخدمة، ورفعُ مُعاناتهم، وعدمُ التعالِي عليهم، والحَذَرُ من إشعارهم بما ابتُلوا به، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [الضحى: 9، 10]، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 8، 9].
وممن يتعيَّنُ الإحسانُ إليهم: الغُرباءُ وأبناءُ السبيل والوافِدون، فهم لا يعرِفون الأعرافَ الجارية ولا العادات السائدة؛ بل لا يعرِفون منكم إلا أخلاقَكم وحُسن تصرُّفكم.
ولا تغفَلوا عن الإحسان إلى المُعسَرين من المَدينين، فتكون المُطالَبة بالمعروف، والإنظارُ إلى ميسَرة، وتجاوَزوا لعلَّ الله أن يتجاوَزَ عنكم في يومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.
وأحسِنوا في بيعكم وشرائِكم، وحُسن التقاضِي فيما بينكم؛ فرحِمَ الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، وسمحًا إذا قضَى، وسمحًا إذا اقتضَى.
ومن الإحسان: الإحسانُ بترك المُحرَّمات واجتنابها بالكلية، والانتهاء عنها ظاهرًا وباطنًا، وفي التنزيل العزيز: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام: 120].
أما الإحسانُ إلى الحيوان؛ ففي كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ.
وللجماد نصيبُه من خُلُق المُسلم وإحسانه، وأُحُد جبلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه.
عباد الله:
أما قولُه - عليه الصلاة والسلام -: «فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَة، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحَة»، فهذا شأنٌ عظيمٌ في دين الإسلام، فالله أكبر؛ استحقاقُ القتل لا يُنافِي الإحسان في كيفيَّته وآلته. قال أهل العلم: ضربَ المثالَ بالقتل والذبحِ الذي ربما يُتوهَّم أنه في غاية البُعد عن الإحسان.
إن الإحسانَ في الإسلام يرسُمُ ويُرسِّخُ القِيَم الإنسانيةَ العُليا، ويترفَّعُ عن الأحقاد والضغائن، نعم؛ الذي يستحقُّ القتلَ قد لا يُفيدُه ولا ينفعُه ترفُّقُك به، وإنما تتجلَّى القيمةُ في سُمُوِّ إنسانية المُسلم وعلوِّ منزلة الأخلاق عنده.
إن خُلُق الإحسان هذا وعلى هذه الصفة هو الذي يُجسِّدُ التحضُّر والسُّلُوكَ الإنسانيَّ الراقي، ويتجلَّى الإحسانُ فيه، «الراحِمون يرحمُهم الرحمن»، «وما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه».
ومن اللطائف: ما ذكرَه بعضُ أهل العلم في قوله - سبحانه -: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد: 4]، وفي قوله - عزَّ شأنه -: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ [الأنفال: 12].
قال أهل العلم: "إن المقصودَ الإحسانُ في القتل حتى في حال الحربِ والقتالِ والكُفرِ وشدِّ الوَثاق".
معاشر المسلمين:
ذو الإحسان ينطلقُ في ميادين الإصلاح الواسِعة يبذُلُ ما في وُسعه، ينشرُ الخيرَ والفضلَ والبرَّ في كل ما يُحيطُ به أو يمُرُّ به. المُحسِنُ عنصرٌ صالحٌ، ومُسلمٌ مُستقيمٌ مع نفسه ومع الآخرين، لا يصدُرُ عنه إلا ما يُحبُّه لنفسه ويرضاه للآخرين، وفي مسلَكه تزدادُ الحياةُ استقامة، والمحبَّةُ عُمقًا، وتسُودُ الثقة، وتنتشرُ الطُّمأنينةُ، فيكونُ الإنتاجُ المُثمِر، والسعادةُ الشامِلة.
المُحسِنُ شخصيَّةٌ مُهذَّبةٌ راقِيةٌ، يستبطِنُ بين جوانِحه جُملةً من مكارِمِ الأخلاق تدورُ بين العدل والإحسان وفقَ توجيهات الشرع وترتيباته وأولوياته.
الإحسانُ مِعيارُ قياس نجاح العلاقات، وثباتها، ودوامِها، وإذا كان العلُ أساسَ الحُكم وقيامِ الدول فإن الإحسانَ هو سبيلُ رُقِيِّها ورفعتِها وتقدُّمها، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90].
ومن أجل هذا - عباد الله - كان جزاءُ الإحسان عظيمًا؛ فإن الله –عزَّ شأنه - أحسنُ صِبغة، وأحسنُ قيلًا، ومن أقرضَ اللهَ قرضًا حسنًا وأبلَى بلاءً حسنًا ضاعفَ له المثوبةَ أضعافًا كثيرةً، ومنَّ علينا - سبحانه - بالرزقِ الحسن والمتاع الحسن في الدنيا، والحُسنى وزيادة في الأُخرى، ولمن أحسنَ في هذه الدنيا حسنة، ومن هاجرَ إليه بوَّأه في الدنيا حسنة، ومن اقترفَ حسنةً زادَ له فيها حُسنًا، ومن سألَه في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً فله نصيبٌ مما كسَب، ومن صدَّق بالحُسنى ودعاه بأسمائه الحُسنى أعطاه في هذه الدنيا الحُسنى، وجعلَه من الذين سبقَت لهم في الآخرة الحُسنى.
وكلما كان الإيمانُ أكمل والعملُ أحسن كان الجزاءُ أوفَى والثوابُ أعظم، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: 34]، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: 16]. وللمُحسِنات من النساء مثلُ ذلك: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 29].
وبعدُ، عباد الله:
فيقول الإمام النووي - رحمه الله -: "الإحسانُ هو عُملةُ الصدِّيقين، وبُغيةُ السالكين، وكنزُ العارفين، ودأبُ الصالحين، وهل جزاءُ من صبرَ على البلوَى إلا التقرُّبُ من المَولَى؟ وهل جزاءُ من أسلمَ قلبَه لربِّه إلا أن يكفِيَه ويحفظَه".
فإذا حكمتُم فاعدِلوا، وإذا تعاملتُم فأحسِنوا؛ فإن الله مُحسنٌ يحبُّ المُحسنين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30، 31].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهديِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله على توفيقه وإحسانه وإرشاده، والشكرُ له على توالِي فضلِه وازدياده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقُودُ صاحبَها إلى فوزه وإسعاده، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أفضلُ رُسُله وخيرُ عباده، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم معاده.
أما بعد، أيها المسلمون:
إن للإحسان آفاقه الواسِعة في هذه الحياة؛ فهو ميزانُها الدقيقُ في كل جوانبها؛ بل هو خُلُقٌ عظيمٌ يتجاوزُ المُعاملةَ بالمثلِ أو ردَّ الجَميل، أو الشكرَ على الصنيع، إنه يرتفعُ بصاحبِه ويسمُو به إلى أن يُحسِنَ للناس ابتِداءً ولو لم يسبِق له منهم إحسانٌ؛ بل يترقَّى إلى مرتبةٍ أعلَى حين يُقابِلُ إساءَتهم إليه بالإحسان إليهم، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون: 96].
مُقابلةُ الإساءة بالإحسان هي التِّرياقُ النافعُ في مُخالطَة الناس، والدواءُ الناجِعُ لإصلاحِهم وبثِّ الأمان فيهم. إحسانٌ تتحوَّلُ العداوةُ معه إلى صداقةٍ، والبُغضُ إلى محبَّة. الإحسانُ هو دواءُ السيئة وجزاؤُها من أجل أن تُسلَّ السخائِم، ويُقضَى على الضغائِن فينقلبُ العدوُّ صديقًا، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34، 35].
يقول الثوري - رحمه الله -: "الإحسانُ أن تُحسِنَ إلى المُسيءِ؛ فإن الإحسانَ إلى المُحسِن تجارة"؛ أي: مُعاوَضة ومُقابلَة للإحسان بالإحسان، ومُقابلةُ السيئة بالحسنة شيءٌ عظيمٌ لا يُطيقُه إلا ذوو الهِمَم العالية، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . إنه صبرٌ جميلٌ، وتحمُّلٌ لأذى، وغُفرانٌ لإساءة.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فإن هذه المواقف النبيلة المُتسامِحة سُرعان ما تُعطِي ثمارَها، وتُؤدِّي نتائِجَها من الحبِّ والقَبول، كم هم النُّبلاءُ الذين يُقابِلون هذه الإساءات مهما بلغَت مساوئُها ومهما كانت آثارُها، والخلقُ كلُّهم عيالُ الله، فأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعياله؛ في يُسرٍ، ورفقٍ، وحُسن ظنٍّ وتجاوُزٍ.
هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبيِّ المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحِدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافية، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، واجمَع به كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمة الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعَزُّ فيه أهلُ الطاعةِ، ويُهدَى فيه أهلُ المعصيةِ، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المُنكَر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شَريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم واجعل لهم من كلِّ همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرَجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً.
اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في سُوريا، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في القتل والطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرِمين، اللهم إنا ندرَأُ بك في نُحُورِهم ونعوذُ بك من شُرُورهم.
اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبوابَ القبول والإجابة، اللهم تقبَّل طاعاتنا ودعاءَنا، وأصلِح أعمالَنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا، وارحمنا، يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

أسامة أل عكاشة
09-07-12, 09:47 PM
ألقى فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "خطورة الفرقة"، والتي تحدَّث فيها عن الائتلاف والاجتماع بين المسلمين وضرورته في المحبة بينهم، وحذَّر من الوقوع في الفُرقة والتناحُر والتنازُع فيقع الفشلُ وذهابُ الريح، وذكرَ على ذلك مثلًا حادثةَ أُحُدٍ وما استفادَه المُسلمون حينها من دروسٍ بسبب التنازُع والافتراق.

الخطبة الأولى
الحمد لله أمر بالتآلُف والاجتماع، ونهى عن الفُرقة أهلَ الإسلام، أحمده - سبحانه - حمدًا نرجُو به المزيدَ من الإنعام والإكرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ القدوسُ السلام، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خاتمُ النبيين وسيدُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ما تعاقَبَت الليالي والأيام.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واذكُروا وقوفَكم بين يدَيه يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [النحل: 111].
أيها المسلمون:
إن ائتلافَ القلوب، واتحادَ المشاعر، واجتماعَ الكلمة من أوضح صفات المُسلمين المُخلصين الذين جعل الله الأُخوَّة في الدين قاعدةَ وأساسَ العلاقات بينهم، فقال - سبحانه -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .. [الحجرات: 10] الآية، ووصفَ أمَّتَهم بأنها أمةٌ واحدةٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 52].
ولما كان التفرُّق والتناحُر والتدابُر مُباينًا لذلك كلَّ المُبايَنة؛ لأنه مِعولُ هدمٍ في بُنيان هذه الأمة، وسببٌ لتقويضِ عوامل القوة والعِزَّة والخيرية التي كتبَها الله لها جاء التحذيرُ الربانيُّ من الخلاف الذي وقع فيه مَن قبلَنا من الأمم، فحملَهم على التناحُر والتلاعُن مع مجيءِ البيِّنات الهادِيات المانِعات من الوقوع في ذلك، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: 105- 107].
وعدَّ الله تعالى هذا التفرُّق في الدين والاختلاف فيه مُفسِدًا له، ومُقوِّضًا لأركانه، وعامِلًا على الانفصال عنه، وسببًا لبراءة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من أهله - أي: من أهل هذا التفرُّق -: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: 159].
وكما جاء هذا النهيُ عن التفرُّق والتحذير منه، فقد جاءت تكاليفُ الشريعة بكل سببٍ يضمَنُ الائتلافَ ويحُولُ دون التفرُّق:
فمن حثٍّ على أداء الصلوات الخمس في اليوم والليلة في جماعةٍ بالمساجد بالترغيب القويِّ فيها، والتحذير الشديد من تركها، كما جاء في "الصحيحين" عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاةِ الفَذِّ بسبعٍ وعشرين درجة».
وكما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده؛ لقد هممتُ أن آمُر بحطبٍ فيُحتَطَب، ثم آمُر بالصلاةِ فيُؤذَّن لها، ثم آمُر رجلًا فيؤُمَّ الناسَ، ثم أُخالِفَ إلى رجالٍ لا يشهَدون الصلاةَ فأُحرِّقَ عليهم بيوتَهم ..» الحديث.
إلى إيجابِ الالتقاءِ كل أسبُوعٍ لسماع الذكرِ وأداء صلاة الجُمُعة، إلى الأمر باجتماعٍ أكبر من ذلك في صلاة العيد، وجعلَ مكانَه الصحراء، وحثَّ على حضور الرجال والنساء - حتى الحُيَّضَ منهنَّ - ليحظَى بهذا الخير العددُ الغفيرُ ويعُمَّ النفعُ، إلى فرضِ اجتماعٍ يضُمُّ حشودًا تأتي من كل فجٍّ عميقٍ تؤُمُّ البيتَ في زمانٍ معلومٍ لأداء شعيرة الحجِّ، فيكونُ التقاءُ هذه الحشود أمرًا محتومًا لشهُود المنافع التي تأتي للشدِّ على الروابطِ بين الإخوة، والسعيِ إلى توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم.
وفي السنن التي سنَّها رسول الهدى - صلوات الله وسلامه عليه - من الوصية بالاتحاد والاجتماع، والتحذير من غوائِلِ الفُرقة والتنازُع ما يُفصِحُ عن شدَّة حِرصِه - صلى الله عليه وسلم - على ما يحفظُ أسبابَ ذلك، ويدلُّ عليه، ويُرشِدُ إليه.
ومن ذلك: أنه رأى - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره تفرُّقَ الناس في الشِّعابِ والأوديةِ حين ينزِلون منزلًا، فكرِهَ ذلك ونهى عنه بقوله: «إن تفرُّقَكم في الشِّعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان»، فلم ينزِلوا بعد ذلك منزلًا إلا انضمَّ بعضُهم إلى بعضٍ، حتى يُقال: لو بُسِطَ عليهم ثوبٌ لعمَّهم؛ أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود، والنسائي في "سننهما" بإسنادٍ صحيحٍ.
ولما كان التطاحُن والتنازُع على متاع الدنيا شأنَ أهل الجاهلية وعادةَ أهل الكُفر؛ فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أهلَ الإسلام، فقال في خُطبة يوم النَّحر: «لا ترجِعوا بعدي كُفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ». قال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: فوالذي نفسي بيده؛ إنها لوصيَّتُه إلى أمَّته: «لا ترجِعوا بعدي كُفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ»؛ أخرجه البخاري في "صحيحه".
ولما كان الخروجُ على إجماع الأمة من أعظم أسبابِ الشِّقاق والتنازُع؛ فقد كان التحذير من الخروج عن الطاعة ومُفارقة الجماعة شديدًا، والعقوبة عليه مُغلَّظَة، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من خرجَ عن الطاعة، وفارقَ الجماعةَ، فمات مات ميتةً جاهليَّةً، ومن قُتِل تحت رايةٍ عُمِّية - أي: جهالةٍ وضلالةٍ -، يغضبُ للعَصَبة، ويُقاتِلُ للعَصَبة فليس من أمَّتي، ومن خرج من أمتي على أمتي يضرِبُ برَّها وفاجِرَها لا يتحاشَى من مؤمنِها، ولا يفِي بعهدِ ذي عهدِها، فليس مني ولستُ منه»؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
وفي الحديث الآخر أيضًا عند مسلم - رحمه الله -: «ستكونُ هَناتٌ وهَناتٌ، فمن أرادَ أن يُفرِّقَ أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ فاضرِبوه بالسَّيف كائنًا من كان».
وما ذاك - يا عباد الله - إلا لأن الفُرقةَ والخروجَ على الجماعة أشبهُ بجُرثومةٍ لو سُمِح لها بالحياة لقتَلَت جسدَ الأمة وأوردَته موارِدَ الهلَكَة، وقد كان من شُؤم التنازُع ووبالِه ما حصلَ يوم أُحُد فإنما وقعَ من تنازُعٍ وعِصيان أمرِ الله وأمرِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان سببَ ما مُنُوا به من هزيمةٍ في جهادٍ بذَلوا فيه لله أنفُسَهم وأموالَهم، وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 152].
وكانت أول موعظةٍ وُعِظوا بها بعد ما كان من نصرِ الله لهم يوم بدرٍ أن أُمِروا بجمع صُفُوفهم، والحذَر من التنازُع المُفضِي إلى الفُرقة، فقال - سبحانه -: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46].
وإنه لفشلٌ وذهابُ ريحٍ لا عاصِمَ منه، ولا منجاةَ من غوائِلِه إلا بالاعتصامِ بحبلِ الله؛ أي: بدينه، وبكتابه، وبشرعه، وبنَبذِ التفرُّق المُفضِي إلى جحدِ نعمةِ الله علينا؛ إذ هدانا إلى الإسلام، وجعلَنا من بعد عداواتِ الجاهليَّة وأحقادِها وتفرُّقها وتحزُّبها إخوانًا في الدين، أعوانًا على الخير، كما قال - سبحانه -: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 103].
نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفرِه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن الاختلافَ الناشِئ عن تفاوُت المدارِك في الفهمِ، وتبايُن العقولِ في الاستِنباط لم يكن أبدًا ولا يصِحُّ أن يكون سببًا للفُرقة والتنازُع؛ لأنه اختلافٌ بين مُجتهِدين أساغَه الشارِعُ، وجعل الأمرَ فيه دائرًا بين أجرَيْن لمن أصابَ وأجرٍ لمن أخطأ، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في "صحيحه".
وهو ارتباطٌ بين صلاحِ القصدِ ونتيجة الفِكرِ، فما دام القصدُ صحيحًا والوسيلةُ صائبةً والأهليَّةُ قائمةً فلا مُوجِبَ للتنازُع؛ إذ المقصودُ معرفةُ الحق، والعملُ به، والدَّلالةُ عليه رغبةً في التواصِي بالحق والتواصِي بالصبر، وذلك من أسباب الاجتماع لا التفرُّق، ومن عوامل الاتحاد لا التنازُع.
وما أحسنَ أن يكون الإعلامُ الجديدُ بما يُتيحُه من وسائل وما يُوفِّره من مواقع تواصُلٍ سببًا لاجتماع الكلمة، وطريقًا لاتحاد المشاعِر، لا أن يكون عامل فُرقة وخُصومةٍ وتنازُع.
فاتقوا الله - عباد الله -، واعملوا على كل ما يُحقِّقُ اتحادَ الكلمة، ووحدة الصفِّ، وحَذَارِ من التناحُر والتنازُع والتفرُّق المُؤذِنِ بالفشل وذهابِ الريح؛ فإنه أسوأُ مصيرٍ ينتظِرُ المُتخاصِمِين المُتنازِعين.
وصلُّوا وسلِّموا على خاتم رُسُل الله: محمدِ بن عبد الله؛ فقد أُمرتُم بذلك في كتاب الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خيرَ من تجاوزَ وعفا.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء.
اللهم أنزِل رحمتَك وغُفرانَك على عبدك الأمير نايف بن عبد العزيز - رحمه الله -، اللهم اغفر له في المهديين، وارفع درجاته في علِّيِّين، وألحِقه بصالحِ سلفِ المؤمنين، واجزِه عمَّا قدَّم للإسلام والمُسلمين خيرًا يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده سلمان بن عبد العزيز إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمُسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ البلاد والعباد يا مَن إليه المرجِعُ يوم المعاد.
اللهم اكفِنا أعداءَنا وأعداءَك بما شِئتَ، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شِئتَ يا رب العالمين، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شِئتَ يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلُك في نحورِ أعدائِك وأعدائِنا، ونعوذُ بك من شُرورهم.
اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك يا رب العالمين.
اللهم احفظ مصر وشعبَها، ووفِّق قادتَها لكلِّ خيرٍ عاجلٍ أو آجلٍ، وانصر بهم دينَك وكتابَك وسنَّةَ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
اللهم أنجِ المُستضعَفين في سُوريا، اللهم احفظ دماءَهم، اللهم احفظ دماءَ المُسلمين في سُوريا، اللهم احقِن دماءَهم، وارحم موتاهم، واكتُب لهم أجرَ الشهادة في سبيلِك يا رب العالمين، اللهم كن لهم، واجبُر كسرَهم، وارحم ضعفَهم يا رب العالمين.
اللهم أطعِم جائِعَهم، واكسُ عارِيَهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

أسامة أل عكاشة
10-07-12, 02:37 AM
فعل محمود

سلمت يمينك

وبارك الله لنا فى المشرفين

جزاكم الله خيرا على جمع الخطب فى مشاركة واحدة

أسامة أل عكاشة
16-07-12, 11:31 PM
الإسلام والأمن
ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "الإسلام والأمن"، والتي تحدَّث فيها عن الأمن والأمان في الإسلام، وأن الله تعالى أنعمَ على هذه الأمةِ بهذه النعمةِ العظيمة، ومنَّ عليها بتلك المنَّة الكريمة، وذكرَ ما حبا الله بلادَ الحرمين الشريفين من الأمن والاستقرار، وذكَّر في خطبته الثانية بضرورة توخِّي وسائل الإعلام الحذر مما يُعرضُ عليها مما يخدِشُ حُرمةَ شهر رمضان، ويُذهِبُ بركاتِه وخيراته التي تفضَّل الله بها على عباده.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمدُك ربَّنا ونستعينُك ونتوبُ إليك ونستغفرُك، ونُثنِي عليك الخيرَ كلَّه.
الحمدُ لله حمدًا دائمًا وكفَى شُكرًا على سَيْبِ جَدواه الذي وكَفَا
لك الحمدُ ربِّي على الأمنِ وارِفًا صِرنا بفضلِه موطِنَ المُحسَدِ
أحمدُه - سبحانه - مكَّنَ فينا الأمنَ وأوثقَا، وأضاءَ من نوره الكونُ فأشرقَا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نستكشِفُ بها دخَنً، ونستنيرُ بها دغَنًا، ونرجُو بها أمنًا مُتحقِّقًا، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُ الله ورسوله الهادي إلى النور المُبين فأفلَقًا، فملأَ الكونَ أمنًا وأغدَقًا، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الطيبين الأعراق، وصحابتهِ الغُرِّ الميامين الأعلاق، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم التلاقِ.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا ربَّكم - تبارك وتعالى - واشكُروه، وأطيعوه ولا تعصُوه، اشكُروه على نعمِه الباطنة والظاهرة، وعلى آلائه المُتوافِرة المُتكاثِرة، تفُوزوا بخير الدنيا ونعيمِ الآخرة.
الشكرُ يفتحُ أبوابًا مُغلَّقةً لله فيها على من رامَه نِعَمُ
فبادِرِ الشكرَ واستغلِق وثائِقَهُ واستدفِعِ اللهَ ما تجري به النِّقَمُ
أيها المسلمون:
في أغوار الفتنِ وأعماقِها، وبين فحيحِها وضُبَاحِها، تأتلِقُ قضيَّةٌ فيحاء، عريقةٌ بلْجَاء، هي من الضرورات المُحكَمات، والأصول المُسلَّمات، ومن أهم دعائم العُمران والحضارات، يُذكَّرُ بهذه القضية في زمنٍ روَّقَ علينا بكَلكَلِه، وأوانٍ كثُرت فيه الفتنُ البَهماء، واكفهرَّت لياليه الظَّلماء، واسبقَرَّت مِحَنُه العمياءُ الدَّهماء.
فبَين صياخِدةٍ حادَّة، وأزماتٍ مُتضادَّة، مُتشاكِسةٍ هادَّة، وأشلاءٍ ودماءٍ، ودمارٍ وأصلافٍ وأرزاءٍ، تستعِرُ جوانبُ أمَّتنا الإسلامية، وتتقلَّبُ فيها الأحداثُ الدولية والعالمية، وإلى الله وحده المُلتجَأ أن يُجلِّيَ الخُطوبَ، ويكشِف عن المُسلِمين الكُروبَ.
إنها - يا رعاكم الله –: قضيةُ الأمن والأمان، والاستقرار والاطمئنان.
وما الدينُ إلا أن تُقامَ شعائرٌ وتُؤمَنُ سُبلٌ بيننا وشِعابُ
فيا للهِ! ما أعظمَها من نعمةٍ، وأكرمَها من مِنحةٍ ومِنَّة، فمنذُ أن أشرَقَت شمسُ هذه الشريعة الغرَّاء ظلَّلَت الكونَ بأمنٍ وارِفٍ، وأمانٍ سابغِ المعاطِفِ، لا يستقِلُّ بوصفِه بيان، ولا يخُطُّه يَراعٌ أو بَنان، فالأمنُ فيها من أولَى المطالِب، وأفضلِ الرغائِب، وأهمِّ المقاصِد؛ فهو مطلبٌ ربَّانيٌّ، ومقصدٌ شرعيٌّ، ومطلبٌ دوليٌّ، وهاجِسٌ إنسانيٌّ.
فإذا ما تحقَّق وتأكَّد، وعمَّ وتوطَّد، تأتلِقُ قُدراتُ الإنسان شطرَ الازدِهار، والتميُّز والابتِكار، والإنماء والإعمار، وينحسِرُ الاضطرابُ والبَوار.
فلله ثم لله؛ كم في الأمنِ من الفضائل والبركات، والآثار السنيَّات؛ كيف وقد جعله - سبحانه - من أجلِّ النِّعَم، وقرَنَه بالإطعام من الجوع، فقال - سبحانه -: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 4].
معاشر المسلمين:
ولقد كان الأمنُ أولَ دعوةٍ دعا بها خليلُ الرحمن إبراهيم - عليه السلام -؛ حيث قال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: 126]، فقدَّم الأمنَ على الرزقِ؛ بل جعلَه قرينَ التوحيد في دُعائِه، فقال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: 35].
وقد عمَّقَ الإسلامُ هذا المعنى ورنَّقَه، ففي ظِلالِه يتضوَّعُ الجميعُ الأمنَ والأمانَ، ويأمَنونَ الغُدَرَ الجِوان، ورميَ الرَّجَوَان؛ في "البخاري" عن أبي شُريحٍ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والله لا يُؤمِن، والله لا يُؤمِن، والله لا يُؤمِن». قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمَنُ جارُهُ بوائِقَه».
الله أكبر، الله أكبر!
ببعثَته المكارِمُ قد تجلَّت فولَّى الشركُ وانهزَمَ انهزامًا
وسادَ الأمنُ بعد الخوف حتَّى ترقَّى الكونُ وانتظمَ انتظامًا
أمةَ الإسلام:
تلكُم هي المنهجيَّة الإسلامية الصحيحة لهذه القضية الشاملة الرَّبيحة: قضية الأمن والأمان، فهما جنبان مُكتنِفان للإيمان مُنذُ إشراق الإسلام إلى أن يُحشَرَ الأنام، فلقد أعلَى الإسلامُ شأنَها ورفعَ شأوَها؛ حيث قال نبيُّ الهدى - صلى الله عليه وسلم -: «من أصبحَ آمنًا في سِربِه، مُعافًى في جسده، عنده قُوتُ يومه، فكأنَّما حِيزَت له الدنيا بحذافِيرها»؛ أخرجه الترمذي، وحسَّنه.
لقد طابَت الدنيا بطِيبِ مُحمَّدِ وزِيدَت به الأيامُ حُسنًا إلى حُسنِ
لقد فكَّ أغلالَ الضلالِ بسُنَّةٍ وأنزلَ أهلَ الخوف في كنَفِ الأمنِ
ولقد امتنَّ الله تعالى على بلاد الحرمين الشريفين بنعمة الأمن والأمان، فقال - سبحانه -: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص: 57]، وقال - سبحانه -: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67].
فسبحان الله - عباد الله -، ها أنتم أُولاء ترونَ الناسَ من حولكم وما يعيشونَه من خوفٍ واضطرابٍ، ما هي أنباءُ إخوانكم في الأرض المُبارَكة فلسطين؟ بل ما حال إخواننا على رُبَى الشام الحَزين؟ ناهِيكم عمَّا يجري للمُسلمين في بُورما وأراكان من تقتيلٍ وتنكيلٍ وحرقٍ شائنٍ مُهينٍ، وقُل مثلَ ذلك في كل صِقعٍ رَهينٍ.
ولو كان سهمًا واحدًا لاتَّقيتُه ولكنَّه سهمٌ وثانٍ وثالثُ
فبلادُنا - بحمد لله - وهي قبلةُ المُسلمين، ومُتنزَّلُ وحي ربِّهم، ومبعثُ ومُهاجَرُ نبيِّهم - عليه الصلاة والسلام - آمِنةٌ - بفضل الله - من الحروبِ العاصِفة، والفتنِ القاصِفة التي تقُضُّ المضاجِع، وتُغوِّرُ الفواجِع، وتذَرُ الديارَ بلاقِع.
سلَّمها الله تعالى من الأحداث النوازل، والنَّكَبات القوازِل، وبسطَ الأمنَ في رُبُوعها، ونشرَ الأمانَ في أرجائِها، فلله الحمدُ والشكرُ أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.
وليس مثلُ الأمنِ يحلُو به رغيدُ العيش وتهنَأُ الأنفُسُ
أمةَ الأمن والأمان:
إن استِحكام الأمن في البلد الحرام عقيدةٌ راسخةٌ، أصلُها ثابتٌ ورفعُها في السماء، لا يضيرُها عُكابات الأغتام ولا ذمُّ الصَّعافِقة اللِّئام، فقد أجدَبَت أشفارُهم، وتطايَرَت أحلامُهم، ووخَرَ الحقدُ صُدورَهم، فصاروا أطيَشَ من القدُوح الأقرَح، وساءَهم كلُّ ما يُفرِح، ومهما قطَّروا الجَلَب وناهَزوا الغَلَب؛ انعكَسَ عليهم الحال، وساءَت بهم الفِعال. الأمرُ الذي أقضَّ مضاجِعَهم، وزادَ حنَقَ ناعِقهم، فأجلَبوا بخيلِهم ورجِلهم، وبثُّوا الأراجيفَ الكاذِبة، والشائعات المُغرِضة، وما أشبهَهم بقول الأول:
كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهِنَها فلم يُضِرها وأوهَى قرنَه الوعِلُ
وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43]، مما يُؤكِّدُ وبقوةٍ لاسيَّما للأجيال الناشِئة عدمَ الإصغاء لدُعاة الفتنة، وخفافيش الظلام، ومُثيري الشَّغَب والفَوضَى، ومُروِّجي الأفكار الضالَّة، ومن أسلَسُوا قِيادَهم وجعلُوا من أنفسهم أدواتٍ في أيدي أعدائهم، لاسيَّما عبر شبكات البثِّ المعلوماتيِّ، ووسائل التواصل الاجتماعيِّ.
فبلادُنا - بحمد لله - آمنةٌ مرغُوسة، وفي تُخوم الأمانِ مغروسة، ومن الأعادي - بإذن الله - مصونةٌ محروسة، وستظلُّ - بحول الله - ثابتةً على عقيدتها، مُتلاحِمةً مع وُلاتها وقادتها، وإن أصابَتها العُضالات، ومهما فقَدَت من رجالاتٍ وكفاءاتٍ، فخلفَهم أقيالٌ قاداتٌ.
إخوة الإيمان:
وإننا إذ نُشنِّفُ الآذان في الحديث عن قضية الأمن والأمان لا ننسَى ما رُزِئَ به الأمنُ من فاجِعةٍ عظيمةٍ، وما ألمَّ به من مُصيبةٍ جسيمةٍ بوفاة رمزٍ من رموزه الكِبار الذي قادَ لأعوامٍ عديدةٍ منظومةَ العمل الأمنيِّ في البلاد، حتى انتشرَ الأمنُ - بفضل الله - في كل الأصقاع والوِهادِ.
وطلبُ الأمنِ في الزمانِ عسيرُ وحديثُ المُنَى خِداعٌ وزُورُ
فأضحَت البلادُ - بفضل الله تعالى ومنِّه - واحةَ أمنٍ وأمان، ودَوحةَ سلامٍ واطمئنان، والله وحده أمان.
ودَّ العِدَى أن يكون من رعيَّته ليأخذوا الأمنَ تعويضًا من الحَذَرِ
كما نتذكَّرُ الأيادي الشاهِدة والأعمال الرائِدة التي أزجاها فقيدُ الأمة - رحمه الله، وطيَّب ثراه -، وخصوصًا فيما يتعلَّقُ بأمنِ الحَجيج والمُعتمرين، وسلامة القاصِدين والزائِرين.
فرحِمَ الله عبدَه الفقيدَ رحمةَ الأبرارِ، وألحقَه بعباده المُصطفَيْن الأخيار، وأمطرَ على قبره شآبِيبَ الرحمات، وأسكنَه فسيحَ الجنات، ورفعَ درجتَه في المهديِّين، وأخلفَه في عقبِه في الغابِرين.
سلامٌ عل نفسِك الزاكِيَّة وشكرًا لهمَّتك العالية
بل الأمنَ أرسلتَه مُحسِنًا أمِنتُ به كيدَ أعدائِيَ
وإننا وإن رُزِئنا بفقده فعزاؤُنا فيمن خلَفَه وأتى بعده من هذه المنظومة المُتألِّقة، والسلسلة المُتأنِّقة.
وإنا إذا قمرٌ تغيَّبَ أو خبَا إذا قمرٌ في الأُفقِ يتلُوه ساطِعُ
فوفَّقهما الله وسدَّدَهما، وأعانَهما وأيَّدَهما في تحمُّل هذه الأعباء الجَسيمة، والمسؤوليَّات العظيمة، ووفَّق الله الجميعَ لما يحبُّ ويرضَى، وجنَّبَنا ما لَه يسخَطُ ويأبَى، إنه جوادٌ كريمٌ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82].
بارك الله ولي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوابين غفورًا.


الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الطَّول والمنِّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أفاضَ علينا من جزيلِ آلائِهِ الإيمانَ والأمنَ، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه خيرُ من صلَّى وصامَ، وأفضلُ من تهجَّدَ وقامَ، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبِهِ سادات الأزمان، كانوا من الليل الرُّهبانَ القُوَّام، ومن النهار الفُرسان الصُّوَّام، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا ربَّكم واشكرُوه على نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى، ومِنَنه التي أرسلَها تَترَى ولا تُستقصَى، فكما أفاءَ علينا - سبحانه - الأمنَ والأمانَ، فقد خصَّ هذه الأمةَ بمواسم الخيرات والنَّفَحات والبَرَكات، ومن أجلِّ هذه المُناسَبَات: ما نستشرِفُ مُحيَّاه، ونتطلَّعُ إلى لُقياه، خيرُ الشهور على مرِّ الأعوام والدُّهور: شهرُ رمضان شهرُ الخير والبرِّ والإحسان.
في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه».
أهلًا بشهر التُّقَى والجُودِ والكرَمِ شهر الصِّيامِ رفيعِ القدرِ في الأُمَمِ
أقبلتَ في حُلَّةٍ حفَّ البهاءُ بها ومن ضِيائِكَ غابَت بصمةُ الظُّلَمِ
فيا لهُ من فرصةٍ عظيمةٍ، ومُناسبةٍ كريمةٍ، تشرئِبُّ إليها الطُّلَى لتنالَ الدرجاتِ العُلَى، لكنَّها تحتاجُ منَّا إلى تهيِئَة فؤاد، وإعدادٍ للنفوسِ والأجساد.


أمةَ الصيام والقيام:
إن الأمةَ وهي تستقبِلُ شهرَها الكريمَ، ووافِدَها العظيمَ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى استِدعاء معاني المُحاسَبة والتدبُّر، والتقويم والتفكُّر، وتهيِئَة النفوس للصيام والقِيام، والوحدة والاعتِصام، والتسامُح والتصافِي والوِئام، والحَذَرِ من الفُرقة والانقِسام، وأعمال العُنف والاضطِرابِ والخِصام، وتجديدِ التفاؤُل والأمل بنصر هذه الأمة في فلسطين، وبلاد الشام التي تتطلَّبُ قراراتٍ سريعةً مُلزِمةً، وخطواتٍ عاجلةً صارِمةً لإنهاءِ مأساتِها الخطيرة مع حلول شهر النصر والبطولات، وصلاحِ أحوال الأمة في كل مكان، ونهاية الظَّلَمة والطُّغاة والبُغاة بقوةِ الواحد الديَّان.
فاستقبِلوا شهرَكم يا قومِ واستبِقُوا إلى السعادةِ والخيراتِ لا الوِزرِ
أحيُوا ليالِيَه بالأذكار واغتنِموا فليلةُ القدر هذِي فُرصةُ العُمرِ
ألا فليهنَأِ المُسلِمون جميعًا في مشارقِ الأرض ومغارِبِها بهذا الموسم العظيم، ولينعَموا بحُسن استِقبال هذا الشهر الكريم، وهنا لا بُدَّ من لفتةٍ جادَّة للقائمين على الوسائل الإعلامية والقنوات الفضائيَّة أن يُراعُوا حُرمةَ هذا الشهر الفَضيل؛ فلا يخدِشُوا روحانيَّتَه بما لا يليقُ من البرامِج والمشاهِد والأفلام، لاسيَّما ما يمَسُّ سيدَ الأنام وآله وصحابته الكرام.
ألا فاتقوا الله - عباد الله -، وعاهِدوا أنفسَكم - أيها المُوفَّقون - على الصلاح والاستِقامة، والإخلاص والاستِجابة، والتوبة والإنابة؛ تسعَدوا في الدنيا، ودار الخُلد والكرامة.
ثم صلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على نبيِّ الرحمة والهُدى أفضلِ الصائمين، وأشرفِ القائمين، كما أمرَكم بذلك ربُّكم ربُّ العالمين، فقال - وهو أصدقُ القائلين -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا»؛ خرَّجه مسلمٌ في "صحيحه".
يا أيها الراجُون خيرَ شفاعةٍ من أحمدٍ صلُّوا عليه وسلِّموا
صلَّى وسلَّم ذو الجلال عليه ما صامَ عبدٌ أو تهجَّدُ مُسلِمُ
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على الرحمة المُهداة، والنعمةِ المُسداة، سيدِ الأولين والآخرين، ورحمة الله للعالمين، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرمَ الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، دمِّر الطغاةَ والظَّلمةَ وسائرَ المُفسدين وسائر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عبرةً للمُعتبِرين يا قويُّ يا عزيزُ.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتَنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفين، اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وألِّف بين قلوبِهم، وأصلِح ذات بينهم، واهدِهم سُبُلَ السلام، وجنِّبهم الفواحِشَ والفتنَ ما ظهرَ منها وما بطَنَ.
اللهم احفَظ على هذه البلاد عقيدتَها، وقيادتَها، وأمنَها، ورخاءَها، واستِقرارَها، اللهم احفَظها من شرِّ الأشرار، وكيدِ الفُجَّار، وشرِّ طوارِق الليل والنهار، وسائر بلاد المسلمين يا عزيزُ يا غفَّارُ.
اللهم انصر إخوانَنا المُجاهِدين في سبيلِك في كل مكانٍ، اللهم انصر إخوانَنا في سُوريا، اللهم انصر إخوانَنا في بلاد الشام، اللهم انصر إخوانَنا في بلاد الشام، اللهم أصلِح حالَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم يا حيُّ يا قيُّوم برحمتك نستغيثُ، فلا تكِلنا إلى أنفُسِنا طرفةَ عينٍ وأصلِح لنا شأنَنا كلَّه، اللهم إنهم حُفاةٌ فاحمِلهم، اللهم إنهم عُراةٌ فاكسُهم، اللهم إنهم جِياعٌ فأطعِمهم، ومظلومون فانصُرهم، ومظلومون فانصُرهم، ومظلومون فانصُرهم يا ناصرَ المُستضعَفين، يا ناصرَ المُستضعَفين، يا مُجيبَ دعوة المُضطرين، يا مُجيبَ دعوة المُضطرين.
اللهم بلِّغنا بمنِّك وكرمِك شهرَ رمضان، اللهم اجعلنا ممن يصومُه ويقومُه إيمانًا واحتِسابًا، اللهم سلِّمنا لرمضان، وسلِّمه لنا، وتسلَّمه منا مُتقبَّلًا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليمُ، وتُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيم، واغفِر لنا ولوالدينا ولجميع المُسلمين الأحياءِ منهم والميِّتين برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.
سُبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عمَّا يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

أسامة أل عكاشة
16-07-12, 11:34 PM
أهمية الأُخُوَّة الإسلامية
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "أهمية الأُخُوَّة الإسلامية"، والتي تحدَّث فيها عن الأُخوَّة الإسلامية والمحبَّة الإيمانية التي يجبُ أن تكون بين أمة الإسلام أفرادًا وجماعاتٍ، وسردَ شيئًا من الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية على ذلك.

الخطبة الأولى
الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلَّام، وأشهد أن نبيَّنا ورسولَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي السعادةُ المُبتغاة، وهي سببُ كل فوزٍ وعِزَّةٍ ونُصرةٍ في الدنيا وفي الآخرة.
إخوة الإسلام:
من أعظمِ أُصول الإسلام وأمتنِ قواعد الإيمان: الحِرصُ على تحقيق الإخاءِ بين المُسلمين، وإفشاء المحبَّة بين المُؤمنين، يقول ربُّنا - جل وعلا -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، ويقول نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتعاطُفِهم وتراحُمهم مثَلُ الجسَد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهَر والحُمَّى»؛ متفق عليه.
الإسلامُ الذي جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو أعظمُ رابطٍ، والإيمانُ هو أكبرُ جامعٍ، والمُسلمُ الحقُّ هو من يحمِلُ لإخوانه المُسلمين المودَّة بشتَّى معانيها، ويُكِنُّ لهم المحبَّةَ بصُنُوفِها وأشكالِها، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]، ورسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه».
وإن من أعظم أسبابِ الفوز في الدارَيْن: المُبادَرةَ إلى مُعاملة المُسلمين بكل ما تُحبُّ أن يُعامِلُوك به، مُعاملةً حسنةً بسلوكٍ فاضلٍ، وخُلُقٍ جميلٍ، وعملٍ حسنٍ؛ يقول - صلى الله عليه وسلم -: «من أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويُدخَلَ الجنةَ فلتأتِه منِيَّتُه وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه»؛ رواه مسلم.
ومن هنا جاءت شرائعُ الإسلام تحمِلُ الأحكامَ التي تُؤصِّلُ هذا المبدأَ العظيمَ، وتنشُرُه بين المُسلمين.
وإن مما يُضادُّ هذا الهدفَ النَّبيلَ: أن يحمِلَ المُسلمُ البُغضَ لإخوانه المُسلمين، أو أن يُكِنَّ لهم الحِقدَ الدَّفين، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحاسَدوا، ولا تناجَشوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابَروا، ولا تقاطَعوا، ولا يبِع بعضُكم على بيعِ بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المُسلمُ أخو المُسلمِ لا يظلِمُه ولا يحقِرُه ولا يخذِلُه، التقوى ها هُنا» - ويُشيرُ إلى صدرِه - عليه الصلاة والسلام - ثلاث مرات، ثم يقول: «بحسبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المُسلِمَ، كلُّ المُسلِم على المُسلمِ حرامٌ: دمُه ومالُه وعِرضُه»؛ وأصلُه في "الصحيحين"، واللفظُ لمُسلم.
إنها مُثُلٌ عُظمَى يحمِلُها هذا الدينُ، تجعلُ المُسلِمَ يقِفُ من إخوانه المُسلمين موقفَ الحبيبِ لحبيبه، موقفَ الناصِحِ المُشفقِ الأمين، لا يُؤذِيهم بقولٍ سيِّئٍ ولا بفعلٍ بذِيءٍ، يُقيمُ لهم حقوقَهم، ويرعَى لهم مكانتَهم، يسعَى فيما يجلِبُ المودَّة، وينأَى عما يُفسِدُ المحبَّة، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58].
ورسولُنا - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المسلم من سلِمَ المُسلِمون من لسانه ويدِه»؛ متفق عليه.
وفيما رواه مُسلمٌ أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «من حمَلَ علينا السلاحَ فليس منَّا».

معاشر المسلمين:
إن الأمةَ متى ابتعَدَت عن منهجِ الله - جل وعلا - ولم تُحكِّم شرعَه - تبارك وتعالى -؛ فإنها تفقِدُ هذه النعمةَ العظيمة: نعمةَ الإخاء والتوادِّ، ويحُلُّ بها حينئذٍ التفرُّقُ والتحزُّبُ، ويسُودُ صفَّها الاختلافُ والتشرذُم، فحينئذٍ تحُلُّ بها كروبٌ عُظمَى، ومصائبُ شتَّى.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «.. وما لم تحكُم أئمَّتُهم بكتابِ الله إلا جعلَ اللهُ بأسَهم بينهم».
وفيما رواه مسلمٌ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سألتُ ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتَيْن، ومنعَني واحِدةً، سألتُه ألا يُهلِكَ أمَّتي بالسَّنَة. فأعطانِيها، وسألتُه ألا يُهلِكَ أمَّتي بالغرق. فأعطانِيها، وسألتُه ألا يجعلَ بأسَهم بينهم. فمنعَني إياها».
وفي بعض الألفاظ: «وسألتُه - جل وعلا - ألا يُسلِّطَ عليهم عدُوًّا من غيرهم يجتاحُهم، حتى يكون بعضُهم يسبِي بعضًا ..» الحديث.
إخوة الإسلام:
إن من يتتبَّعُ تاريخَ الأمة يجِدُ أن الفتنَ والمصائب تقعُ بالأمة حينما يعدِلُ أبناؤُها عن هديِ الوحيَيْن، وحينما يُغلِّبون الدنيا على الدين.
وهل سالَت الدماء وأُزهِقَت الأنفُس إلا حينما فُقِد هذا الأصلُ العظيمُ وحلَّ محلَّه اتباعُ الهوى والنفسِ الأمَّار بالسوء، واتباعُ الغربِ والشرق؟!
روى الحاكمُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عذابُ هذه الأمة جُعِل بأيديها في دُنياها».
فيا أبناءَ الأمة الإسلامية! حقِّقوا بينكم المحبَّة الإيمانية والأُخُوَّة الإسلاميَّة، واحرِصُوا على وحدة صفِّكم، واتفاقِ كلمتِكم، قُودوا أنفُسَكم بالمحجَّة البيضاء: محجَّة القُرآن العظيمِ وما أرشدَ إليه النبيُّ الكريمُ - عليه أفضلُ الصلاة والتسليم -.
وإلا فمتى زالَت القدمُ، وزاغَت الأبصارُ، وجنحَت المناهِجُ عن ذلك الهديِ العظيمِ، والنورِ المُبين فإنه حينئذٍ تُغلَّبُ المنافعُ الذاتية، والمصالحُ الشخصيَّة، وحينئذٍ يقعُ التحزُّبُ، وتنتشرُ البِدَعُ، وتنقسِمُ الأمةُ فِرَقًا وشِيعًا، فيكون حينئذٍ عذابُها بأيديها جزاءً وِفاقًا، فأفسَدَت حينئذٍ دينَها، وخرَّبَت دُنياها.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقَى المُسلِمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار». قيل: يا رسول الله! هذا القاتلُ فما بالُ المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه»؛ متفق عليه.
فاللهَ اللهَ - أيها الأمة -، حقِّقوا أُخوَّتكم التي دعاكم إليها نبيُّكم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن السيفَ إذا وقعَ في هذه الأمة لم يرتفع إلا يوم القيامة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا وُضِع السيفُ في أُمَّتي لم يرتفِع عنها إلى يوم القيامة»؛ رواه الترمذي، وقال: "حسنٌ صحيحٌ".
بارك الله لي ولكم في القُرآن، ونفعَنا بما فيه من الآيات والبيان، أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله أولًا وآخرًا، الحمدُ لله ظاهرًا وباطنًا، وأُصلِّي وأُسلِّم على النبي الكريم.
أيها المسلمون:
إن أعداء الإسلام في كل زمانٍ ومكانٍ يحرِصون على بثِّ الفتن بين أبناء الأمةِ الإسلاميةِ، ينشُرون سُمومَهم في كل زمانٍ وفي كل مكانٍ بُغيةَ إيقاع العداوةِ والبغضاء بين المُسلمين؛ لعلمِهم أنَّ نبيَّهم مُحمدًا - صلى الله عليه وسلم - جاء بما يُؤلِّفُ القلوبَ، ويُوحِّدُ الصفَّ، ويجمعُ الكلِمةَ.
ففي الأعداء يقول ربُّنا - جل وعلا -: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة: 47].
فاللهَ اللهَ أيها المسلمون! إن الاختلافَ بين المُسلمين الذي يكون على أمورِ الدنيا ويبتعِدُ عن منهجِ الوحيَيْن إنه شرٌّ على البلاد والعِباد، إن التفرُّقَ نقمةٌ في الدين والدُّنيا، إن الاتحادَ على التقوى قوةٌ ونعمةٌ، والتعاوُن على مصالحِ الدَّارَين مِنَّةٌ ومِنحةٌ.
فحافِظوا على سلامة القلوب، واحذَروا الأعداءَ، وتجنَّبوا الفُرقةَ والعَداءَ يتحقَّقُ لكم الأمنُ والأمانُ، والسلامةُ في الدنيا وفي الآخرة.
ثم إن الله - جل وعلا - أمرَنا بالصلاةِ والتسليمِ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدنا وحبيبِنا وقُرَّة عيونِنا نبيِّنا محمدٍ، اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، وعمَّن تبِعهم إلى يوم الدين.
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين، اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين، اللهم احفظ كل مسلمٍ ومُسلمة، اللهم فرِّج همومَهم، اللهم نفِّس كُرُباتهم، اللهم أدخِل السعادةَ والسرورَ على قلوبِهم، والأمنَ والأمانَ على بُلدانهم، اللهم انشر الرخاءَ والسخاءَ في بلاد المُسلمين.
اللهم أبطِل مكرَ الماكرين، اللهم أبطِل مكرَ أعداء المُسلمين، اللهم أبطِل مكرَ أعداء المُسلمين، اللهم اجعلهم غنيمةً للمُسلمين، اللهم اجعلهم غنيمةً للمُسلمين، اللهم اجعلهم غنيمةً للمُسلمين.
اللهم أدخِل علينا رمضان بالسُّرور والفرحةِ يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أدخِله علينا بالعِزَّة والنُّصرةِ للإسلام والمُسلمين، اللهم اجعله خيرَ شهرٍ وعافيةٍ للإسلام والمُسلمين، اللهم وفِّقنا فيه لما تُحبُّ وترضَى، اللهم بلِّغنا رمضان ووفِّقنا فيه لما تُحبُّه وترضَاه، اللهم اجعله سببًا لرضوانك عنَّا، اللهم اجعله سببًا لرضوانك عنَّا يا ربَّ العالمين، اللهم وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه يا كريم.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمين، اللهم أطِل عُمره على الطاعة والتقوى، اللهم وفِّقه ونائِبَه لما تحبُّه وترضاه.
اللهم احفَظ هذه البلاد، اللهم احفَظ بلادَ الحرمين من كل سوءٍ ومكروهٍ، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين من كل سوءٍ ومكروهٍ، اللهم حقِّق لنا الأمنَ والإيمانَ، اللهم حقِّق لنا الأمنَ والسلامةَ في البُلدان وفي الأوطان يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم احفَظ المُسلمين في سُوريا، اللهم احفَظ المُسلمين في سُوريا، اللهم احفَظ المُسلمين في فلسطين، اللهم احفَظهم يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم فرِّج كُرُباتهم، اللهم حقِّق لهم ما يصبُون إليهم يا عزيزُ يا حكيمُ.
اللهم فاكشِفِ الغُمَّة، اللهم فرِّج الهَمَّ، اللهم فرِّج الهَمَّ، اللهم يا فارِجَ الهمِّ، يا كاشِفَ الغمِّ فرِّج الهمومَ والغمومَ عن المُسلمين في كل مكانٍ يا حيُّ يا قيُّوم.
اللهم وحِّد صفَّهم، اللهم اجمَع كلمتَهم إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلاةٌ وسلامٌ على النبي الكريم.