المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضانـيَّات= ( من ثقلاء الضيوف والمُـضيفين )!


أبو الهمام البرقاوي
14-07-12, 04:42 AM
من ثقلاء الضيوفِ والمُـضيفين!

بسم الله، والحمدُ لله، والصلاة والسلام على أشرفِ خلق الله، محمد وآله وصحبهِ ومن والاه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ نلقاهُ، وبعد.

لا تكنْ ضيفًا ثقيلًا ** ** يكرهُ الناسُ لقاءك
لا تكن عبئًا عليهم ** ** لا تحمّلهم عناءك
ليس من ذنبِ أناسٍ ** ** أن يكونوا أقرباءك
فتحلّ الصبحَ ضيفًا ** ** واصلًا فيهم مساءك
أنت لا تدري إلى كم ** تزعج الخلّ إزاءك!
قد تراه مستمدًا ** ** لك من قوم عشاءك
قد تراه مستعيرا ** ** لك من جار غطاءك
إن تزر، فليك غِبًّا ** ** ثم لا تكثر بقاءك
رب من يلقاك رحبا ** ** كسر الزينَ وراءك
قد مضى عصر قديم ** ** وجديد العصر جاءك
فاترك الناس نزيلا ** ** واجعل الأجر كراءك

فإني أقولُ منبهًا لنفسي ولأبناءِ جنسي: من لم يطع ناصحه بقبولِ ما يسمعُ منه خسر حظّهُ في الدنيا والآخرة، لأنّ رأي المجرّب البصير مقدمٌ على رأي الجاهلِ الغرير، والحديثُ عن " الثقيل " جالبٌ للأنظار، فما أكثرَ مَن تُعمى عنه الأبصار بالإبصار، ولتحاشي أهلِ الفضلِ اسمَه ورسْمَه، لثقلِه على الأفئدة = أنه بعيدُ القياس، غير معهود بين أحرار الناس، وأخصُّ صفاتِه (قلةُ الحياءِ، والجهلُ بمكارمِ الأخلاق) وكفى بهما من رجلٍ بلغَ أعظم مساوئ أخلاق الخلائق!.
وأجمعُ من جمَع الحديث عنهم = كتابُ (أخبارُ الثقلاء والمستثقلين) لمحمد زمزمي(1)، وقد أجمعتُ فكري، لئلا أتشبه بهم، وأنسج على منوالهم، وأُجَرَّ فأكونَ من أزواجهم، ليكون رشادًا لكاتبِه وقارئِه وناشرِه –إن شاء الله-.
وإذا كان الرجل لا يخجلُ من تحليهِ بقلةِ الحياءِ فلا أخجُل من وصفهِ بـ " الثقيل " وإن كان وصفًا لاذعًا، ناهيكَ أن يكونَ قد تلبّس بمناهٍ شرعية، ومخالفات عُرفية، لا يربأُ أن يكون أبو عذرها وابنُ بجدتها، بل ربّما شابَه لسانَه الذليق، ولفظه الأنيق الافتخار.
ومن أجملِ أسماءِ الله (الكريم) فهو الكريمُ الذي يرزقُ من يشاءُ بغير حساب، وهو الكريم الذي أسبغَ على الإنسان نعما ظاهرةً وباطنةً، وهو الكريم الذي يرزق البّر والفاجر والطيرُ تغدو خماصا، وتروح بطانًا.
ولا إخالكَ! يخفاكَ ضيفُ رسول الله عليه الصلاةُ والسلام، إذ عجبَ الله من صنيعه وصنيع زوجته، فنزلتْ فيه قوله تعالى [ويُؤثرون على أنفسهم ولو كانَ بهم خصاصة]الآيةَ، وقد سألَ الله عزوجل محمدًا بقوله [هل أتاكَ حديثُ ضيفِ إبراهيم المُكرمين]؟ وقد عزمَ في آيةٍ أخرى على خليلِه بقوله [ ونبِّئهم عن ضيفِ إبراهيم ] وقد جاء في الأثر الصحيح [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وجائزته يوم وليلة،ولا يحل له أن يثوي عند صاحبه حتى يحرجه، الضيافة ثلاثة أيام،وما أنفق عليه بعد ثلاثة أيام فهو صدقة] ولطالما تفاخرَ العُرْبُ بإكرامِ الضيفِ والإحسانِ إليه بالقيام على خدمتِه، وإصانتِه من كلّ شرّ يجدهُ ويحاذر، وقد قال بعضُ الجاهليين الكرماء: المائدة مرزوقة، ومن كان مضيافاً وسع الله عليه.
ولطالما ضربوا الأمثال بالبُخْلِ وصاحبهِ، ورموْه بأقذِع العبارات، بل وفضَّلوا كثيرًا من الحيوانِ على كثيرٍ ممن لبِسَ الثياب، فكان في إصابةِ قولهمَ الحقَّ، فما من مكرُمة إلا ونُسبُ إليها حيوان، وما من مخزيةٍ إلا تباهى بها بعض بني الإنسانِ، ولا نقول إلا: حسبنا الله، وعليه التكلان.
الثقيل الأول: الأكولُ المنفرد.
قيل: إذا قعدتم مع الأخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس، فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم، وقيل: لأن أجمع أخواني على صاع من طعام، أحب إلي من أن أعتق رقبة، وقد جاءَ في الأثر الصحيح أن ابنَ عمر رضي الله عنهما كان لا يأكلُ حتى يُؤتى بفقيرٍ يأكلُ معه، وجاءَ في الأثر الصحيح أن رجلًا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلةَ البركة من طعامهم، فأجابه: اجتمعوا عليه واذكروا اسمَ الله لديه، وأخبر أن من شرارِ الخلق: من أكلَ وحدَه! وقد قال أبو أمامةَ رضي الله عنهُ في قوله تعالى (إنّ الإنْسَانَ لربّهِ لكنودٌ) : الذي يأكلُ وحده.
وقد قال أحدُهم لامرأتِه:

إذا ما صنعتِ الزّادَ فالتمسيْ لهُ ** ** أكيلًا، فإني لستُ آكلَه وحدي.

ومما يضادُّه قولُ رجلٍ مرّ بآكلٍ، وقد قال له الآكل: ألا تأكل معنا؟ قال الرجل: الجماعة مجاعة.
الثقيلُ الثاني: أضيافٌ على رؤوسهم الطير!.
مما تنغاصُ به بعض المجالس على الطعام صمتُ الآكلين، كأنّ على رءوسهم الطير، فلا تدري! أهم كالعذراء في خدرها يخجلونَ من الحديث على الطعام، أم أنَّ كلًّا منهم لا يعرفُ صاحبَه، فقدَّم الصمتَ على الكلام، وقد قيل: محادثةُ الإخوان تزيدُ في لذّةِ الطعام، وحسبُك قولَ الشاعر:

وأكثرُ ما ألذُّ به وألهو ** ** محادثةَ الضيوفِ على الطعامِ

وقال الآخر:

أُحَدِّثُه إِن الحديثَ من القِرى ** ** وتعلمُ نفسي أنه سوف يهجعُ

ولا يعني هذا مزاولة الحديثِ حتى تحسِب المتحدثَ قد انقطعَ عن طعامِه، وانغمسَ في حديثِه حتى ينتهي الآكلون وهم في لذتين، لذة الطعام ولذة الحديث، فينزع البساطُ من تحتِ أيديهم وقد كبّر المتحدّث على نفسهِ أربعًا! وقد قيل: من أكثر الكلام على طعامه غشّ بطنه، وثقّل على إخوانِه.
الثقيل الثالث: أماراتُ البخيل.
للبخلُ أماراتٌ كثيرة، روانا بها أهلُ الأدب، حتى أنّ بعض البخلاء أوصلَ طبعَه إلى حيوانِه، ومن أشنع خبالِه: أن كلبَ الرجل دليلُ كرمِه وبخلِه، فإذا أكثر النباح في وجه الضيف كان بخيلًا كصاحبه، وإن ترك النباح في وجه الضيف أمسكَ عن نباحِه، ومن خبالاته: إخمادُ نارهِ؛ حتى لا يهتدي إليها الضالُ؛ فيحلّ ضيفًا، وقد قال كريم:

أوقد النار بالفضا حين لم ير ** ** ض نباح الكلاب للأضياف
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ** ** تجد خير نار عندها خير موقد

وكأنّ بخيلًا قد أجابه، فقال:

ويدل ضيفي في الظلام على القرى ** ** إشراف ناري أو نباح كلابي
حتى إذا واجهته وعرفته ** ** فديته ببصابص الأذناب

ومن أماراتِه: ضجرُه وسآمتُه في وجه الضيف، فلا يكادُ يلقي له بالًا، بل يقابله بوجهٍ غلِق، دون بشاشة أو هشّاشة، أو تبسّم يخلطُه فكاهة.
ومن أماراتِه: تقليلُ الطعامِ، حتى يبصرَ المُضيفَ أنّه أفقرُ خلقِ الله، وأنه مع فقرهِ قد قدّم جميعَ ما جادَ اللهُ به عليه، ومن أماراته: ما روي عن بعضهم (المزور المرائي إذا ضاف إنساناً حدثه بسخاوة إبراهيم الخليل ، وإذا ضافه إنسانٌ حدثه بزهد عيسى بن مريم) وقال يزيد بن أبي زياد: ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حديثاً حسناً وأطعمنا طعاماً حسناً، وقال بعض الزهاد: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأتذكر طعام أهل الجنة.
ومن أماراته: المنّة على الضيف؛ حتى يعضّ الضيف أصابعه ندمًا لدخوله بيته، وقد قال تعالى (ولا تمننْ تستكْثرْ) وهذا من أقبح صفاته، لأنه قد خسر مالَه في تقديمه، وخسرَ نفسَه إذ رجعَ الضيفُ بوجهٍ غير الذي دخل به، ومعلومٌ أن الرجلَ إذا ضِيفَ عند إنسانٍ خرجَ ليحدّث أهلَه ومَن يحبّ بما وجد، فإن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌ.

ما يرحلُ الضيفُ عندي بعدَ تكرمةٍ ** ** إِلا برفدٍ وتشييعٍ ومعذر
ولا بدَّ أن الضيفَ مخبرُ ما رأى ** ** مخبِّرُ أهلٍ أو مخبر صاحبِ

وإذا أردتَ أن تعلم بعض أماراتِ الكريم، فإنك تراهُ طلْق الوجه، مبتسمًا غير كاشر أو كاسر، سمحًا هيْنًا ليْنًا، كأنْ قد حلّ منزلَه أعظمُ مَنْ يُحب، ولو فداهُ بنفسِه لما وفّاهُ حقّه.

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ** ** ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ** ** ولكنما وجه الكريم خصيب

وقال:

أبسط وجهي للضيوف النزل ** ** والوجه عنوان الكريم المفضل

وقد قال المُضيفُ الكريم:

وإنّي لعبدُ الضيفِ ما دامَ نازلًا ** ** ولا فيّ إلا تلكَ من شيمةِ العبد

وقال:

لم لا أحبُّ الضَّيف أوْ ** ** أرتاحُ من طرب إليهِ
والضَّيفُ يأكلُ رزقَهُ ** ** عندي ويشكرني عليهِ

وأعجبُ من هؤلاء، قولُ أحدِهم:

الله يعلم أنني ما سرني ** ** شيء كطارقة الضيوف النزل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ** ** ضيفاً له والضيف رب المنزل

وقيل:

لم يطيقوا أن يسمعوا فسمعنا ** ** فصبرنا على رحى الأسنان
صوت مضغ الضيوف أحسن عندي ** ** من غناء القيان بالعيدان

الثقيلُ الرابع: التصرّف في الطعام.
من ثقلاءِ الأضيافِ – فيمن لا يكون بينه وبين مُضيفه رفعُ عتب – مَنْ يتصرّف في طعامِ البيت كأنّه قدْ حلّ بمنزلِه، فيشتقُّ من لحمِ هذا لهذا، ويتصرّفُ عبثًا بالرز واللبن، وربما قلَب الطعام لمائدة أخرى، فيعلّ الحاضرين، ويبدِل المٌضيف من وجه البشاشة إلى وجه الشراسة، وأمّا من أذنَ له العرف في أن يعمل بطعام البيت ما يشاءُ فله بشرط الاستئذان، ومن صور التصرف: التحكّم في إجلاسِ الجائين على مقاعدَ قد لا يرتضيها صاحبُ البيت.
ومن صورِ التصرّف: ثقيلٌ يحرجُ المضيف أمام الجالسين بتأخير الطعام أو تعجيله، أو بتقليله أو تكثيرِه، فهذا الغُنثرُ (2) لا يعلمُ مدى أحوالِ النّاس، وما بوسعهم فعلَه مما لا يسعهم، ومن صوره: الخروجُ دون رضا صاحب المنزل، فله طوام وطوام!.
الثقيل الخامس: الجلسة الخاطئة، والمكان الخاطئ.
مما لا يدور في خلد كثير من الأضيافِ: جلوسُه في مكانٍ لا يعجبُ المُضيف، كأن تكون خشبة مكسورة، أو فراشًا مبلولا، أو مقابلًا لما يدخل منه ويخرج فيبصر عورات البيت من الداخل، مما يحرج صاحب البيت أن يُقيمه حيث وطأ الضيف، فلزامًا عليه أن يكون ذا حنكة ونباهة يعلم عوراتِ البيوت، وما يؤذي نفسيّة المضيف ويجني عليه، كأنْ يكثر النظرَ إلى موضع خروجِ الطعام – وهذه فاشية بين الناس اتفاقًا لا قصدًا - هذا من حيثُ المكان.
وقد قال المدائني: نزل رجل من الخوارج على أخ له من الخوارج في استتاره من الحجاج، وأراد المنزول عليه شخوصاً إلى بلد لبعض الحاجة فقال لامرأته: يا زرقاء، أوصيك بضيفي هذا خيراً، نفذ لوجهه، فلما عاد بعد شهر قال لها: يا زرقاء كيف رأيت ضيفنا؟ قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف أطبق عينيه فلم ينظر إلى المراة والمنزل إلى أن عاد زوجها.
وأما الجِلسة فإذا رأى الضيفُ زحامًا قللّ من ثني سيقانه وضمّهنّ إلى نفسِه، خاصةً في الطعامِ، فلذا يستحبُّ أن يُعلِم ربُّ الدار ضيفَ البيت عند دخوله القبلةَ والخلاءَ وموضع الوضوء.
الثقيلُ السادس: مخلفُ المواعيد.

يا ذاهباً في داره جاثياً ** ** بغير معنىً وبلا فائده
قد جن أضيافك من جوعهم ** ** فاقرأ عليهم سورة المائده

بقصدٍ أو غيرِ قصدٍ قد يجتاحُ المرءَ ما لم يخطرْ عليه ببالٍ، ويكون قد وعدَ رجلًا بحلولِ بيته ضيفًا، وقد أعدّ الضيفُ له ما لذّ وطاب، ودعا لوليمتِه أكثر الأحباب والأصحاب إكرامًا وإجلالًا، فيتأخر عن موعدهِ دون سابقِ إنذار، حتى لا يرى المضيف لتأخره أي إعذار!، وهذا من أقبح ما يكون، فإذا ألمّت بامرئٍ فعليِه أن يتصل بالضيف؛ ليأمرَهم بأن يطعموا الطعام ولا ينتظروه، لئلا يفسد الطعام؛ ويكسدَ سوقه أمام الأضيافِ والمُضيف فإن أهل البيت يكونون على أحرّ من الجمرِ، منتظرين إخراج الطعام حتى لا يفسُد ويبرُد.
فإن دخلَ متأخرًا اعتذرَ لهم؛ حتى يرى أنهم عذروه، ويريَهم أنه راضٍ عما صنعوا؛ فلا يجيء بأنفسهم شيء تجاهه، وقد تستثنى هذه الصورة كأن يكون المتأخرُ صاحبَ علم أو جاهٍ، ولا يَضيرُ الحاضرين انتظارَه، فإن أضرّ بهم استأذنوه، فإن أذنوا وإلا قدّم!.
الثقيلُ السابع: المتكلف المتأفِّف.
أما حالُه فالتكلف، وأما مآلهُ فالتأفف، وهذا داءٌ قد فشا بين خلقِ الله في الدولِ العربية الخليجية، فلا إكرامَ حقيقٌ بأن يُعبّر به عن معزّة الضيفِ ومنزلتِه إلا بتكلفٍ بالغٍ ينتهي في الغالبِ إلى مناهٍ شرعية، كالإسرافِ والتبذير في الأموال، وكالإثقال على المُضيف حتى يقترضَ المال؛ للقيماتٍ يقمْنَ صلبَ ضيف! بل والإثقال على الضيفِ بتعدد أصنافِ الطعامِ فيقف متحيرًا : مم يأكل؟ فيجمع بين الأطعمة والأسقية، حتى يصيبَه الإعياء والإغماء، وقد قيل: إدخال الطعام على الطعام داءٌ لا دواءَ له، وليت شعري! كأنّ قدْرَ الناس وفضلَهم يُعبّرُ عنهما الخرافُ السمان، وليتَ الأمور تنتهي على خيرٍ، بل يحلفُ الضيفُ بالطلاق أن لا يرجعَ إليه لما قد سامه من التكليف، ولما آذى به المُضيف، ولا يجرمنكم قولُ الحريري:
- فرُبّ أكْلَةٍ هاضَتِ الآكِلَ. وحرَمَتْهُ مآكِلَ. وشَرُّ الأضْيافِ مَنْ سامَ التّكليفَ. وآذَى المُضيفَ. خُصوصاً أذًى يعْتَلِقُ بالأجْسامِ. ويُفْضي الى الأسْقامِ.
وأكبر مقوماتِ هذا الداء، هو " العرف "، فيصنع المحال حتى لا يلقى من أهله أيّ خبال ونكال، وقد قيل: من تمامِ الألفةِ زوالُ الكلفة، فهذا مما ينبغي زوالُه، وعن الوجودِ اضمحلالُه، ويرأسُه أهلُ الاستقامة من القبائل فيتعاهدون فيما بينهم أن لا يتكلفوا حتى يسري ذلك في الأبناء والآباء، فيصبحَ التكلفُ خبرَ كان الملغى.
ومن صورِ التكلف: أن يقدّم جميع ما عندَه، أو لا يجودَ بموجودهِ، دون أن يصلَا إلى حدِ البخل، وليس بكريمٍ من لم يقنع بما حضر، ومن عواقبِ التكلف: التفاخرُ بألينهم لحمًا، وأطيبهم مرقًا، وألذهم فاكهة وحَلا، وما أشبَه هؤلاءِ بالهوامّ التي تتملق لصاحبها؛ حتى تملأ جرابها، فإذا ملأتْه ألقتْ خراءها تحتَ الثرى، وولّتِ!
فلا بتكلفه اقتنعوا، ولا بتخففه رضُوا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب، فإن أردتَ زوال الثقالة عنك يا ضُلّ بن ضل فاقنعْ بما جاءَك به الضيف، واقنع – يا مضيفُ – بما زرقكهُ الله، فأن تقدم تمرةً وكلاكما راضٍ عنها، أحبّ إلى الأنفسِ من نخلةٍ في أنفسكما تسخطان عليها، واحذر تزيين الطعام بما يشينه، وتكثيره بما يقلله ، وتقليله عما لا يستغنى عنه.
الثقيل الثامن: طرّاقُ الأبواب!.
اعتيادُ المرءِ أن يكون ضيفًا من الأدواء الجسيمة، فتراهُ عند الولائم رئيس الحاضرين، وفارسَ الآكلين، هرًّا في تملقه، نمرًا في ثورانِه وانقضاضه، وليَطيبُ قلبُك بالماءِ البارد أن تردَّ هذه الفسولة من حيثُ أتتْ، يصدقه ما جاء في الأثر الصحيح أن رجلًا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ورجالًا فتبعهم رجلٌ لم يُدع، فقال المصطفى للمضيف: إن شئت أن يحضر معنا حضر، وإن شئت أن يرجعَ رجع، = ولا كرامة!.
ومن صورِ هذا الثقيل: أن يحضر لأكل الوليمة دون أن يجلسَ قبلها وبعدها، فليست هذه العلة الغائية في اجتماع الناس للولائم، فناهيك – وكفى بها – أن تكون مناقِضةً للسنَّة المحمدية، فإن المرءَ يصون نفسَه أن يكون همجًا شرهًا تُضربُ به الأمثال بالجريد والنعال.
الثقيل التاسع: تاركُ السنن النبوية.

فمنها: أن يرفعَ الطعامَ دون أن يستملح من أضيافه رفعَه، ومنها: أن يقوم المضيف أولهم ولا يقوم آخرهم، ومنها: تركُ إطعامِ الأهلِ قبل الضيوف، فأكثر من رزق بعيالٍ يتضوّرون جوعًا انتظارًا لانتهاء الضيوف منه، والألبق بصاحب البيت أن يُطعمهم قبل إطعامهم، ومن ثقالة الضيف: أن لا يراعي قدرَ إقامتِه، وكلّ هذا راجع إلى العرف، ومن أثقلهم: تركُ السنن النبوية حالَ الطعام وقبلَه وبعدَه من بسملةٍ وأكلٍ بيمنى وما يلي الآكل وحمدٍ وشكرٍ لله ثم لأهل بيتِه ولعقٍ بالأصابع ومسحِ الصحفةِ وغيرها مما يرجع به إلى مظانّه.
ومن آداب الأضياف: أن يقدّم كبيرهم أو أعلمهم بالأكل من الصحفة، ولا يقوموا لغسيل أيديهم حتى ينتهي منه، ويُسأل فيما يشتهي من الطعام وما يُعرف بحبّه له كما ورد في الأثر الصحيح مع أنسِ بن مالك رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم في " الدبّاء " ومن الآداب:

وكونوا خدم الضيف ** ** إذا الضيف بكم ينزل
وكونوا عنده الأضيا ** ** ف والضيف له المنزل

الثقيل العاشر: المتصنّعُ بالانقباض!.
أبغض الرجال عند المُضيف : من لا يديمَ لقمة وراءَ اللقمة، بل يصلي بينهما ركعتين مستخيرًا، وإذا أكلَ علك الطعامَ في فمه علكًا طويلًا، لا تسمع صوتًا ولا همسًا، وبعد اللقيمات العشر يعتذرَ بأنّه قد جاوز حدّه في الطعام، وهذا مذموم في المنقبضِ المتصنّع انقباضُه، ولا أحبّ إلى المُضيف من نهم الضيوف في الأُكْلة، حبًّا منه في الإكرام، وحبًا منه أن يرى ضيوفه منشرحي الصدر، فكم للنفسية من أثرٍ في الانقباض والانبساط!.
وقد أكل رجلٌ مع معاوية فجعل يمزق جدياً على المائدة ويمعن في أكله، فقال معاوية: إنك تحرد عليه كأن أمه نطحتك! فقال الرجل: وإنك لمشفق عليه كأن أمه أرضعتك!.
قال رجل لبعض الكبار: لم لا تدعوني لدعوتك؟ فقال: لأنك جيد المضغ شديد البلع، إذا أكلت لقمة هيأت أخرى. فقال: أتريدني إذا أكلت لقمة أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين؟.
وصنع أعرابي طعاماً ودعا إليه صديقاً، فلما أراد أن يمد يده قال له: مهلاً لا تصفعها ولا تشرمها ولا تقعرها! أي لا تأكل من أعلاه ولا تخرقها ولا تأكل من أسفلها. وقال بعضهم لآخر: لم لا تدعوني؟ فقال: لأنك تعلق وتشدق وتحدق أي تحمل واحدة في يديك، وأخرى في شدقك، وتنظر إلى أخرى بعينك.
الثقيل الحادي عشر: لا شكرَ على واجب!.
أبغضُ الرجال من لا يذكر الطعام بخير وإن رأى منه بعض ما يكره، وأبغضُ منه من لا يدعو لصاحبِ البيت ويشكرُه على حسن ضيافته، وأبغض منهما من ينسى أهلَ البيت من شكرٍ ودعاء خاص لهم أو عام، كأن يقول: جزى الله خيرًا أم فلان، فإن تحرج قال: كلّ من تكلف، وقد دعا أحدهم: اللهم اغفر لنا وللممرقين الذين يطبخون ويغرفون لجيرانهم.
وأذكرُ في هذا المقامِ أن أحدًا أضافني؛ لأكل المنسف الأردني، فلما أنهيتُ مغسلًا ليديّ من غمر الطعام، قلتُ لصديقي: أطالَ الله عمر والدتك، وبارك فيها وعافاها من كل سوء، لقد كان طعامًا لذيذًا، وبعد سنةٍ من اللقاء، أتاني قائلًا: أمي لا تنسَ كلمتَك في الدعاءِ ومدح طعامها! = وكانت سمعت دعائي لها =.
فلذا يشرع أن يقول : أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة.
الثقيل الثاني عشر: الضيفُ الرسمي!
وهو يحبُّ أن يُدعى إذا دعى، ويُضاف إذا أضاف، ويُذكر إذا ذكر، ويستقينُ أنّ على من أضافهم حقًّا وعاريةً يجبُ أن تردّ، وهذا منافٍ لمعنى الكرم، وانتظار ردّ المعروف من الناس، والطمع في أملاكهم، وهو أقربُ أن ينفر الناسُ عنه، ويغسلوا أيديهم منه بالأشنان.
وقد روي عن الأصمعي أنه قال: سرت في تطوافي في العرب بجبلى طيء فدفعت إلى قوم منهم يحتلبون اللبن ، ثم يصيحون: الضيفَ الضيفَ، فإن جاء من يضيفهم وإلا أراقوه فلا يذوقون منه شيئا دون الضيف، إلا أن يجهدهم الجوع.
الثقيل الثالث عشر: الحلفُ على الطعام، والنظرُ إلى الآكلِ!
وردَ عن بعضِ السلف قولُه (الطعامُ أهونُ من أن يُحلف عليه) وهذا صحيحٌ بلا شك، فينبغي التلطّف في الإقامة على المائدة بقوله " تفضل " ولنا في إبراهيم عليه السلام أسوة إذ قال لأضيافه " ألا تأكلون "؟، هذا وقد وردَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قولُه " ما من داخل إلا وله حيرة فابدؤوه بالسلام، وما من مدعو إلى طعام إلا وله حشمة فابدؤوه باليمين " ويُحمل على تحرّج الضيفِ واستثقال وجودِه.
وأما النظرُ إلى الآكل فأقول: لا ينبغي أن يزارَ قومٌ وهم يأكلون، وإن أكلوا سواءً وقد فرغَ أحدُهم فلا يمعنّنَّ النظر في أفواهِ الأضياف، وقد روي أن أعرابيا أكل مع معاوية، فرأى معاوية في لقمته شعرةً فقال: خذ الشعرة من لقمتك. فقال: وإنك لترضى لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعر، والله لا آكلتك بعدها!
الثقيل الرابع عشر: الأكلُ بجميعِ الأصابع.
الاستقذار في الطعام من أبشع الخصال، وصورُه كثيرة، منها: الأكلُ بجميع الأصابع إن لم يكن الطعام جامدًا قابلا للثلاث، ومنها: إلقاءُ فضلاتِ اليدِ على المائدة بعد اللقمة، ومنها: إخراجُ الصوت المقذِر، كالتجشُّء والضحكة التي يُرى منها معدةُ الإنسان، ومن صوره: أن يقضم الخبز بفمِه ثم يردّها إلى الطعام، ومن صوره: العطاسُ والنفخُ والتثاءُبُ بوجه الأضياف والطعام، فينبغي أن يحوّل وجهه، أو يجعلَ شيئًا على فيه؛ لئلا يخرج بصاقٌ ونحوُه.
ومن صوره: الإتيانُ إلى ربّ الدار خماصًا، ففيه إشارةٌ إلى استكراه الطعام، وأفظع منه ما قيل: ليس أضرّ على الضيفِ من أن يكون صاحب البيتِ شبعان، وقال بعض السلف: أحب إخواني إلي أكثرهم أكلاً وأعظمهم لقمة، وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعاهده في الأكل، وكان الزهري إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيام.
الثقيل الخامس عشر: عدمُ تحديد الإقامة.
قال المبرّد : ضاف رجلٌ قوماً ، فكرهوه ، فقال الرجل لامرأته : كيف نعلم مقدار مقامه ؟ فقالت : ألقِِ بيننا شرّاً حتى نتحاكم إليه ، ففعل ، فقالت للضّيف : بالذي يبارك لك في غدوّك غداً ، أيّنا أظلم ؟ فقال الضّيف : والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهراً ما أعلم.
وقيل: الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه، كذلك الضيف يسمجُ لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله، إذا انتهى محله.
=* تنبيه : وليس من الثقالة أن يدخل الرجل دار أخيه ويستطعم للصداقة الوكيدة، فقد قصد رسول الله والشيخان منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لذلك، وكانت من عادة السلف، وكان لعون بن عبد الله المسعودي ثلثمائة وستون صديقاً كان يدور عليهم في السنة، ولا بأس أن يدخل بيت صديقه ويأكل وهو غائب، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه دار بريرة فأكل طعامها وهي غائبة، وعن محمد بن واسع وأصحابه أنهم كانوا يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن(3).
قال ابنُ القيم -رحمه الله-:
وتأمل ثناء الله سبحانه عليه في اكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى اهله فجاء بعجل سمين * فقربه اليهم قال إلا تأكلون) الذاريات ففي هذا الثناء على إبراهيم من وجوه متعددة:
ثم ذكر - رحمه اللهُ - خمسة عشر وجهًا، لولا طولها لذكرتُها (4).


* خاتمة

ولا تعجبْ حين يبخلُ المُضيف؛ لثقَلِ من يتواردُ عليه من الأضيافِ؛ حتى يملّ صحبتَهم، وينكرَ عشرتهم، فترى الرجل الأصيل يتحلّلُ من أخلاقه، ويتعرّى من جودِه، برذائل الناسِ وهمجهم ورعاعهم، وأكثر منهُ عجبًا حين يكون الرجلُ متقمصًا زيّ المُضيف، فتظهر منه الأوابد والمعائب، مما يحوجُك إلى أن تذكر بعض الحيوانات الكريمة، كالكلبِ بنباحِه!.
إلى الله أفزع من كل ريثٍ وعجل، وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل، وإياه أستعين في كل قول وعمل، وأسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك ، ولا يزل قدمي في خدمتك ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل معتقدك، ولا يكوننّ هذا الثقيلُ مانعًا لك من عادتك في الاسترسال والانبساط، والبر والمواساة، والمساعدة والمواتاة، فمثلُك يعفو ويصفح، ومثله يهفو ويجمح (5).
أخوكم / أبو الهُـمام البرقاوي
Hoomaam#
1433/8/23هـ
2012/7/14م


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن الكتب : (ذم الثقلاء) لابن المرزبان، وللخلالٌ أيضًا مثله في الثقلاء، وللسيوطي رسالة سماها " إتحاف الفضلاء بأخبار الثقلاء ".
انظر = موضوعان عن الثقلاء:
http://www.saaid.net/bahoth/155.htm
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=261604
(2) الضعيف الساقط.
(3) ربيع الأبرار (ص261).
(4) انظر: جلاء الأفهام (1/274*.

(5) انظر: الإمتاع والمؤانسة.

أبو زارع المدني
14-07-12, 08:10 PM
من ثقلاء الضيوفِ والمُـضيفين!

بسم الله، والحمدُ لله، والصلاة والسلام على أشرفِ خلق الله، محمد وآله وصحبهِ ومن والاه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ نلقاهُ، وبعد.

لا تكنْ ضيفًا ثقيلًا ** ** يكرهُ الناسُ لقاءك
لا تكن عبئًا عليهم ** ** لا تحمّلهم عناءك
ليس من ذنبِ أناسٍ ** ** أن يكونوا أقرباءك
فتحلّ الصبحَ ضيفًا ** ** واصلًا فيهم مساءك
أنت لا تدري إلى كم ** تزعج الخلّ إزاءك!
قد تراه مستمدًا ** ** لك من قوم عشاءك
قد تراه مستعيرا ** ** لك من جار غطاءك
إن تزر، فليك غِبًّا ** ** ثم لا تكثر بقاءك
رب من يلقاك رحبا ** ** كسر الزينَ وراءك
قد مضى عصر قديم ** ** وجديد العصر جاءك
فاترك الناس نزيلا ** ** واجعل الأجر كراءك

فإني أقولُ منبهًا لنفسي ولأبناءِ جنسي:
من لم يطع ناصحه بقبولِ ما يسمعُ منه خسر حظّهُ في الدنيا والآخرة، لأنّ رأي المجرّب البصير مقدمٌ على رأي الجاهلِ الغرير، والحديثُ عن " الثقيل " جالبٌ للأنظار، فما أكثرَ مَن تُعمى عنه الأبصار بالإبصار، ولتحاشي أهلِ الفضلِ اسمَه ورسْمَه، لثقلِه على الأفئدة = أنه بعيدُ القياس، غير معهود بين أحرار الناس، وأخصُّ صفاتِه (قلةُ الحياءِ، والجهلُ بمكارمِ الأخلاق) وكفى بهما من رجلٍ بلغَ أعظم مساوئ أخلاق الخلائق!.

وأجمعُ من جمَع الحديث عنهم = كتابُ (أخبارُ الثقلاء والمستثقلين) لمحمد زمزمي(1)، وقد أجمعتُ فكري، لئلا أتشبه بهم، وأنسج على منوالهم، وأُجَرَّ فأكونَ من أزواجهم، ليكون رشادًا لكاتبِه وقارئِه وناشرِه –إن شاء الله-.

وإذا كان الرجل لا يخجلُ من تحليهِ بقلةِ الحياءِ فلا أخجُل من وصفهِ بـ " الثقيل " وإن كان وصفًا لاذعًا، ناهيكَ أن يكونَ قد تلبّس بمناهٍ شرعية، ومخالفات عُرفية، لا يربأُ أن يكون أبو عذرها وابنُ بجدتها، بل ربّما شابَه لسانَه الذليق، ولفظه الأنيق الافتخار.

ومن أجملِ أسماءِ الله (الكريم) فهو الكريمُ الذي يرزقُ من يشاءُ بغير حساب، وهو الكريم الذي أسبغَ على الإنسان نعما ظاهرةً وباطنةً، وهو الكريم الذي يرزق البّر والفاجر والطيرُ تغدو خماصا، وتروح بطانًا.

ولا إخالكَ! يخفاكَ ضيفُ رسول الله عليه الصلاةُ والسلام، إذ عجبَ الله من صنيعه وصنيع زوجته، فنزلتْ فيه قوله تعالى [ويُؤثرون على أنفسهم ولو كانَ بهم خصاصة]الآيةَ، وقد سألَ الله عزوجل محمدًا بقوله [هل أتاكَ حديثُ ضيفِ إبراهيم المُكرمين]؟
وقد عزمَ في آيةٍ أخرى على خليلِه بقوله [ ونبِّئهم عن ضيفِ إبراهيم ] وقد جاء في الأثر الصحيح [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وجائزته يوم وليلة،ولا يحل له أن يثوي عند صاحبه حتى يحرجه، الضيافة ثلاثة أيام،وما أنفق عليه بعد ثلاثة أيام فهو صدقة] ولطالما تفاخرَ العُرْبُ بإكرامِ الضيفِ والإحسانِ إليه بالقيام على خدمتِه، وإصانتِه من كلّ شرّ يجدهُ ويحاذر، وقد قال بعضُ الجاهليين الكرماء: المائدة مرزوقة، ومن كان مضيافاً وسع الله عليه.

ولطالما ضربوا الأمثال بالبُخْلِ وصاحبهِ، ورموْه بأقذِع العبارات، بل وفضَّلوا كثيرًا من الحيوانِ على كثيرٍ ممن لبِسَ الثياب، فكان في إصابةِ قولهمَ الحقَّ، فما من مكرُمة إلا ونُسبُ إليها حيوان، وما من مخزيةٍ إلا تباهى بها بعض بني الإنسانِ، ولا نقول إلا: حسبنا الله، وعليه التكلان.

الثقيل الأول: الأكولُ المنفرد.
قيل: إذا قعدتم مع الأخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس، فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم، وقيل: لأن أجمع أخواني على صاع من طعام، أحب إلي من أن أعتق رقبة، وقد جاءَ في الأثر الصحيح أن ابنَ عمر رضي الله عنهما كان لا يأكلُ حتى يُؤتى بفقيرٍ يأكلُ معه، وجاءَ في الأثر الصحيح أن رجلًا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلةَ البركة من طعامهم، فأجابه: اجتمعوا عليه واذكروا اسمَ الله لديه، وأخبر أن من شرارِ الخلق: من أكلَ وحدَه!
وقد قال أبو أمامةَ رضي الله عنهُ في قوله تعالى (إنّ الإنْسَانَ لربّهِ لكنودٌ) : الذي يأكلُ وحده.

وقد قال أحدُهم لامرأتِه:

إذا ما صنعتِ الزّادَ فالتمسيْ لهُ ** ** أكيلًا، فإني لستُ آكلَه وحدي.

ومما يضادُّه قولُ رجلٍ مرّ بآكلٍ، وقد قال له الآكل: ألا تأكل معنا؟
قال الرجل: الجماعة مجاعة.

الثقيلُ الثاني: أضيافٌ على رؤوسهم الطير!.
مما تنغاصُ به بعض المجالس على الطعام صمتُ الآكلين، كأنّ على رءوسهم الطير، فلا تدري!
أهم كالعذراء في خدرها يخجلونَ من الحديث على الطعام، أم أنَّ كلًّا منهم لا يعرفُ صاحبَه، فقدَّم الصمتَ على الكلام، وقد قيل: محادثةُ الإخوان تزيدُ في لذّةِ الطعام، وحسبُك قولَ الشاعر:

وأكثرُ ما ألذُّ به وألهو ** ** محادثةَ الضيوفِ على الطعامِ
وقال الآخر:

أُحَدِّثُه إِن الحديثَ من القِرى ** ** وتعلمُ نفسي أنه سوف يهجعُ

ولا يعني هذا مزاولة الحديثِ حتى تحسِب المتحدثَ قد انقطعَ عن طعامِه، وانغمسَ في حديثِه حتى ينتهي الآكلون وهم في لذتين، لذة الطعام ولذة الحديث، فينزع البساطُ من تحتِ أيديهم وقد كبّر المتحدّث على نفسهِ أربعًا!
وقد قيل: من أكثر الكلام على طعامه غشّ بطنه، وثقّل على إخوانِه.

الثقيل الثالث: أماراتُ البخيل.
للبخلُ أماراتٌ كثيرة، روانا بها أهلُ الأدب، حتى أنّ بعض البخلاء أوصلَ طبعَه إلى حيوانِه، ومن أشنع خبالِه: أن كلبَ الرجل دليلُ كرمِه وبخلِه، فإذا أكثر النباح في وجه الضيف كان بخيلًا كصاحبه، وإن ترك النباح في وجه الضيف أمسكَ عن نباحِه، ومن خبالاته: إخمادُ نارهِ؛ حتى لا يهتدي إليها الضالُ؛ فيحلّ ضيفًا، وقد قال كريم:

أوقد النار بالفضا حين لم ير ** ** ض نباح الكلاب للأضياف
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ** ** تجد خير نار عندها خير موقد

وكأنّ بخيلًا قد أجابه، فقال:

ويدل ضيفي في الظلام على القرى ** ** إشراف ناري أو نباح كلابي
حتى إذا واجهته وعرفته ** ** فديته ببصابص الأذناب

ومن أماراتِه: ضجرُه وسآمتُه في وجه الضيف، فلا يكادُ يلقي له بالًا، بل يقابله بوجهٍ غلِق، دون بشاشة أو هشّاشة، أو تبسّم يخلطُه فكاهة.

ومن أماراتِه: تقليلُ الطعامِ، حتى يبصرَ المُضيفَ أنّه أفقرُ خلقِ الله، وأنه مع فقرهِ قد قدّم جميعَ ما جادَ اللهُ به عليه، ومن أماراته: ما روي عن بعضهم (المزور المرائي إذا ضاف إنساناً حدثه بسخاوة إبراهيم الخليل ، وإذا ضافه إنسانٌ حدثه بزهد عيسى بن مريم) وقال يزيد بن أبي زياد: ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حديثاً حسناً وأطعمنا طعاماً حسناً، وقال بعض الزهاد: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأتذكر طعام أهل الجنة.


ومن أماراته: المنّة على الضيف؛ حتى يعضّ الضيف أصابعه ندمًا لدخوله بيته، وقد قال تعالى (ولا تمننْ تستكْثرْ) وهذا من أقبح صفاته، لأنه قد خسر مالَه في تقديمه، وخسرَ نفسَه إذ رجعَ الضيفُ بوجهٍ غير الذي دخل به، ومعلومٌ أن الرجلَ إذا ضِيفَ عند إنسانٍ خرجَ ليحدّث أهلَه ومَن يحبّ بما وجد، فإن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌ.

ما يرحلُ الضيفُ عندي بعدَ تكرمةٍ ** ** إِلا برفدٍ وتشييعٍ ومعذر
ولا بدَّ أن الضيفَ مخبرُ ما رأى ** ** مخبِّرُ أهلٍ أو مخبر صاحبِ

وإذا أردتَ أن تعلم بعض أماراتِ الكريم، فإنك تراهُ طلْق الوجه، مبتسمًا غير كاشر أو كاسر، سمحًا هيْنًا ليْنًا، كأنْ قد حلّ منزلَه أعظمُ مَنْ يُحب، ولو فداهُ بنفسِه لما وفّاهُ حقّه.

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ** ** ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ** ** ولكنما وجه الكريم خصيب

وقال:

أبسط وجهي للضيوف النزل ** ** والوجه عنوان الكريم المفضل

وقد قال المُضيفُ الكريم:

وإنّي لعبدُ الضيفِ ما دامَ نازلًا ** ** ولا فيّ إلا تلكَ من شيمةِ العبد

وقال:

لم لا أحبُّ الضَّيف أوْ ** ** أرتاحُ من طرب إليهِ
والضَّيفُ يأكلُ رزقَهُ ** ** عندي ويشكرني عليهِ

وأعجبُ من هؤلاء، قولُ أحدِهم:

الله يعلم أنني ما سرني ** ** شيء كطارقة الضيوف النزل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ** ** ضيفاً له والضيف رب المنزل

وقيل:

لم يطيقوا أن يسمعوا فسمعنا ** ** فصبرنا على رحى الأسنان
صوت مضغ الضيوف أحسن عندي ** ** من غناء القيان بالعيدان

الثقيلُ الرابع: التصرّف في الطعام.
من ثقلاءِ الأضيافِ – فيمن لا يكون بينه وبين مُضيفه رفعُ عتب – مَنْ يتصرّف في طعامِ البيت كأنّه قدْ حلّ بمنزلِه، فيشتقُّ من لحمِ هذا لهذا، ويتصرّفُ عبثًا بالرز واللبن، وربما قلَب الطعام لمائدة أخرى، فيعلّ الحاضرين، ويبدِل المٌضيف من وجه البشاشة إلى وجه الشراسة، وأمّا من أذنَ له العرف في أن يعمل بطعام البيت ما يشاءُ فله بشرط الاستئذان، ومن صور التصرف: التحكّم في إجلاسِ الجائين على مقاعدَ قد لا يرتضيها صاحبُ البيت.

ومن صورِ التصرّف: ثقيلٌ يحرجُ المضيف أمام الجالسين بتأخير الطعام أو تعجيله، أو بتقليله أو تكثيرِه، فهذا الغُنثرُ (2) لا يعلمُ مدى أحوالِ النّاس، وما بوسعهم فعلَه مما لا يسعهم، ومن صوره: الخروجُ دون رضا صاحب المنزل، فله طوام وطوام!.

الثقيل الخامس: الجلسة الخاطئة، والمكان الخاطئ.
مما لا يدور في خلد كثير من الأضيافِ: جلوسُه في مكانٍ لا يعجبُ المُضيف، كأن تكون خشبة مكسورة، أو فراشًا مبلولا، أو مقابلًا لما يدخل منه ويخرج فيبصر عورات البيت من الداخل، مما يحرج صاحب البيت أن يُقيمه حيث وطأ الضيف، فلزامًا عليه أن يكون ذا حنكة ونباهة يعلم عوراتِ البيوت، وما يؤذي نفسيّة المضيف ويجني عليه، كأنْ يكثر النظرَ إلى موضع خروجِ الطعام – وهذه فاشية بين الناس اتفاقًا لا قصدًا - هذا من حيثُ المكان.

وقد قال المدائني: نزل رجل من الخوارج على أخ له من الخوارج في استتاره من الحجاج، وأراد المنزول عليه شخوصاً إلى بلد لبعض الحاجة فقال لامرأته: يا زرقاء، أوصيك بضيفي هذا خيراً، نفذ لوجهه، فلما عاد بعد شهر قال لها: يا زرقاء كيف رأيت ضيفنا؟
قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف أطبق عينيه فلم ينظر إلى المراة والمنزل إلى أن عاد زوجها.

وأما الجِلسة فإذا رأى الضيفُ زحامًا قللّ من ثني سيقانه وضمّهنّ إلى نفسِه، خاصةً في الطعامِ، فلذا يستحبُّ أن يُعلِم ربُّ الدار ضيفَ البيت عند دخوله القبلةَ والخلاءَ وموضع الوضوء.

الثقيلُ السادس: مخلفُ المواعيد.

يا ذاهباً في داره جاثياً ** ** بغير معنىً وبلا فائده
قد جن أضيافك من جوعهم ** ** فاقرأ عليهم سورة المائده

بقصدٍ أو غيرِ قصدٍ قد يجتاحُ المرءَ ما لم يخطرْ عليه ببالٍ، ويكون قد وعدَ رجلًا بحلولِ بيته ضيفًا، وقد أعدّ الضيفُ له ما لذّ وطاب، ودعا لوليمتِه أكثر الأحباب والأصحاب إكرامًا وإجلالًا، فيتأخر عن موعدهِ دون سابقِ إنذار، حتى لا يرى المضيف لتأخره أي إعذار!، وهذا من أقبح ما يكون، فإذا ألمّت بامرئٍ فعليِه أن يتصل بالضيف؛ ليأمرَهم بأن يطعموا الطعام ولا ينتظروه، لئلا يفسد الطعام؛ ويكسدَ سوقه أمام الأضيافِ والمُضيف فإن أهل البيت يكونون على أحرّ من الجمرِ، منتظرين إخراج الطعام حتى لا يفسُد ويبرُد.

فإن دخلَ متأخرًا اعتذرَ لهم؛ حتى يرى أنهم عذروه، ويريَهم أنه راضٍ عما صنعوا؛ فلا يجيء بأنفسهم شيء تجاهه، وقد تستثنى هذه الصورة كأن يكون المتأخرُ صاحبَ علم أو جاهٍ، ولا يَضيرُ الحاضرين انتظارَه، فإن أضرّ بهم استأذنوه، فإن أذنوا وإلا قدّم!.

الثقيلُ السابع: المتكلف المتأفِّف.
أما حالُه فالتكلف، وأما مآلهُ فالتأفف، وهذا داءٌ قد فشا بين خلقِ الله في الدولِ العربية الخليجية، فلا إكرامَ حقيقٌ بأن يُعبّر به عن معزّة الضيفِ ومنزلتِه إلا بتكلفٍ بالغٍ ينتهي في الغالبِ إلى مناهٍ شرعية، كالإسرافِ والتبذير في الأموال، وكالإثقال على المُضيف حتى يقترضَ المال؛ للقيماتٍ يقمْنَ صلبَ ضيف! بل والإثقال على الضيفِ بتعدد أصنافِ الطعامِ فيقف متحيرًا : مم يأكل؟
فيجمع بين الأطعمة والأسقية، حتى يصيبَه الإعياء والإغماء، وقد قيل: إدخال الطعام على الطعام داءٌ لا دواءَ له، وليت شعري! كأنّ قدْرَ الناس وفضلَهم يُعبّرُ عنهما الخرافُ السمان، وليتَ الأمور تنتهي على خيرٍ، بل يحلفُ الضيفُ بالطلاق أن لا يرجعَ إليه لما قد سامه من التكليف، ولما آذى به المُضيف، ولا يجرمنكم قولُ الحريري:

- فرُبّ أكْلَةٍ هاضَتِ الآكِلَ. وحرَمَتْهُ مآكِلَ. وشَرُّ الأضْيافِ مَنْ سامَ التّكليفَ. وآذَى المُضيفَ. خُصوصاً أذًى يعْتَلِقُ بالأجْسامِ. ويُفْضي الى الأسْقامِ.

وأكبر مقوماتِ هذا الداء، هو " العرف "، فيصنع المحال حتى لا يلقى من أهله أيّ خبال ونكال، وقد قيل: من تمامِ الألفةِ زوالُ الكلفة، فهذا مما ينبغي زوالُه، وعن الوجودِ اضمحلالُه، ويرأسُه أهلُ الاستقامة من القبائل فيتعاهدون فيما بينهم أن لا يتكلفوا حتى يسري ذلك في الأبناء والآباء، فيصبحَ التكلفُ خبرَ كان الملغى.

ومن صورِ التكلف: أن يقدّم جميع ما عندَه، أو لا يجودَ بموجودهِ، دون أن يصلَا إلى حدِ البخل، وليس بكريمٍ من لم يقنع بما حضر، ومن عواقبِ التكلف: التفاخرُ بألينهم لحمًا، وأطيبهم مرقًا، وألذهم فاكهة وحَلا، وما أشبَه هؤلاءِ بالهوامّ التي تتملق لصاحبها؛ حتى تملأ جرابها، فإذا ملأتْه ألقتْ خراءها تحتَ الثرى، وولّتِ!

فلا بتكلفه اقتنعوا، ولا بتخففه رضُوا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب، فإن أردتَ زوال الثقالة عنك يا ضُلّ بن ضل فاقنعْ بما جاءَك به الضيف، واقنع – يا مضيفُ – بما زرقكهُ الله، فأن تقدم تمرةً وكلاكما راضٍ عنها، أحبّ إلى الأنفسِ من نخلةٍ في أنفسكما تسخطان عليها، واحذر تزيين الطعام بما يشينه، وتكثيره بما يقلله ، وتقليله عما لا يستغنى عنه.

الثقيل الثامن: طرّاقُ الأبواب!.
اعتيادُ المرءِ أن يكون ضيفًا من الأدواء الجسيمة، فتراهُ عند الولائم رئيس الحاضرين، وفارسَ الآكلين، هرًّا في تملقه، نمرًا في ثورانِه وانقضاضه، وليَطيبُ قلبُك بالماءِ البارد أن تردَّ هذه الفسولة من حيثُ أتتْ، يصدقه ما جاء في الأثر الصحيح أن رجلًا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ورجالًا فتبعهم رجلٌ لم يُدع، فقال المصطفى للمضيف: إن شئت أن يحضر معنا حضر، وإن شئت أن يرجعَ رجع، = ولا كرامة!.

ومن صورِ هذا الثقيل: أن يحضر لأكل الوليمة دون أن يجلسَ قبلها وبعدها، فليست هذه العلة الغائية في اجتماع الناس للولائم، فناهيك – وكفى بها – أن تكون مناقِضةً للسنَّة المحمدية، فإن المرءَ يصون نفسَه أن يكون همجًا شرهًا تُضربُ به الأمثال بالجريد والنعال.

الثقيل التاسع: تاركُ السنن النبوية.
فمنها: أن يرفعَ الطعامَ دون أن يستملح من أضيافه رفعَه، ومنها: أن يقوم المضيف أولهم ولا يقوم آخرهم، ومنها: تركُ إطعامِ الأهلِ قبل الضيوف، فأكثر من رزق بعيالٍ يتضوّرون جوعًا انتظارًا لانتهاء الضيوف منه، والألبق بصاحب البيت أن يُطعمهم قبل إطعامهم، ومن ثقالة الضيف: أن لا يراعي قدرَ إقامتِه، وكلّ هذا راجع إلى العرف، ومن أثقلهم: تركُ السنن النبوية حالَ الطعام وقبلَه وبعدَه من بسملةٍ وأكلٍ بيمنى وما يلي الآكل وحمدٍ وشكرٍ لله ثم لأهل بيتِه ولعقٍ بالأصابع ومسحِ الصحفةِ وغيرها مما يرجع به إلى مظانّه.

ومن آداب الأضياف: أن يقدّم كبيرهم أو أعلمهم بالأكل من الصحفة، ولا يقوموا لغسيل أيديهم حتى ينتهي منه، ويُسأل فيما يشتهي من الطعام وما يُعرف بحبّه له كما ورد في الأثر الصحيح مع أنسِ بن مالك رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم في " الدبّاء " ومن الآداب:

وكونوا خدم الضيف ** ** إذا الضيف بكم ينزل
وكونوا عنده الأضيا ** ** ف والضيف له المنزل

الثقيل العاشر: المتصنّعُ بالانقباض!.
أبغض الرجال عند المُضيف : من لا يديمَ لقمة وراءَ اللقمة، بل يصلي بينهما ركعتين مستخيرًا، وإذا أكلَ علك الطعامَ في فمه علكًا طويلًا، لا تسمع صوتًا ولا همسًا، وبعد اللقيمات العشر يعتذرَ بأنّه قد جاوز حدّه في الطعام، وهذا مذموم في المنقبضِ المتصنّع انقباضُه، ولا أحبّ إلى المُضيف من نهم الضيوف في الأُكْلة، حبًّا منه في الإكرام، وحبًا منه أن يرى ضيوفه منشرحي الصدر، فكم للنفسية من أثرٍ في الانقباض والانبساط!.

وقد أكل رجلٌ مع معاوية فجعل يمزق جدياً على المائدة ويمعن في أكله، فقال معاوية: إنك تحرد عليه كأن أمه نطحتك! فقال الرجل: وإنك لمشفق عليه كأن أمه أرضعتك!.

قال رجل لبعض الكبار: لم لا تدعوني لدعوتك؟
فقال: لأنك جيد المضغ شديد البلع، إذا أكلت لقمة هيأت أخرى.
فقال: أتريدني إذا أكلت لقمة أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين؟.

وصنع أعرابي طعاماً ودعا إليه صديقاً، فلما أراد أن يمد يده قال له: مهلاً لا تصفعها ولا تشرمها ولا تقعرها!
أي لا تأكل من أعلاه ولا تخرقها ولا تأكل من أسفلها.

وقال بعضهم لآخر: لم لا تدعوني؟
فقال: لأنك تعلق وتشدق وتحدق أي تحمل واحدة في يديك، وأخرى في شدقك، وتنظر إلى أخرى بعينك.

الثقيل الحادي عشر: لا شكرَ على واجب!.
أبغضُ الرجال من لا يذكر الطعام بخير وإن رأى منه بعض ما يكره، وأبغضُ منه من لا يدعو لصاحبِ البيت ويشكرُه على حسن ضيافته، وأبغض منهما من ينسى أهلَ البيت من شكرٍ ودعاء خاص لهم أو عام، كأن يقول: جزى الله خيرًا أم فلان، فإن تحرج قال: كلّ من تكلف، وقد دعا أحدهم: اللهم اغفر لنا وللممرقين الذين يطبخون ويغرفون لجيرانهم.

وأذكرُ في هذا المقامِ أن أحدًا أضافني؛ لأكل المنسف الأردني، فلما أنهيتُ مغسلًا ليديّ من غمر الطعام، قلتُ لصديقي: أطالَ الله عمر والدتك، وبارك فيها وعافاها من كل سوء، لقد كان طعامًا لذيذًا، وبعد سنةٍ من اللقاء، أتاني قائلًا: أمي لا تنسَ كلمتَك في الدعاءِ ومدح طعامها! = وكانت سمعت دعائي لها =.
فلذا يشرع أن يقول : أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة.

الثقيل الثاني عشر: الضيفُ الرسمي!
وهو يحبُّ أن يُدعى إذا دعى، ويُضاف إذا أضاف، ويُذكر إذا ذكر، ويستقينُ أنّ على من أضافهم حقًّا وعاريةً يجبُ أن تردّ، وهذا منافٍ لمعنى الكرم، وانتظار ردّ المعروف من الناس، والطمع في أملاكهم، وهو أقربُ أن ينفر الناسُ عنه، ويغسلوا أيديهم منه بالأشنان.

وقد روي عن الأصمعي أنه قال: سرت في تطوافي في العرب بجبلى طيء فدفعت إلى قوم منهم يحتلبون اللبن ، ثم يصيحون: الضيفَ الضيفَ، فإن جاء من يضيفهم وإلا أراقوه فلا يذوقون منه شيئا دون الضيف، إلا أن يجهدهم الجوع.

الثقيل الثالث عشر: الحلفُ على الطعام، والنظرُ إلى الآكلِ!
وردَ عن بعضِ السلف قولُه (الطعامُ أهونُ من أن يُحلف عليه) وهذا صحيحٌ بلا شك، فينبغي التلطّف في الإقامة على المائدة بقوله " تفضل " ولنا في إبراهيم عليه السلام أسوة إذ قال لأضيافه " ألا تأكلون "؟، هذا وقد وردَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قولُه " ما من داخل إلا وله حيرة فابدؤوه بالسلام، وما من مدعو إلى طعام إلا وله حشمة فابدؤوه باليمين " ويُحمل على تحرّج الضيفِ واستثقال وجودِه.

وأما النظرُ إلى الآكل فأقول: لا ينبغي أن يزارَ قومٌ وهم يأكلون، وإن أكلوا سواءً وقد فرغَ أحدُهم فلا يمعنّنَّ النظر في أفواهِ الأضياف، وقد روي أن أعرابيا أكل مع معاوية، فرأى معاوية في لقمته شعرةً فقال: خذ الشعرة من لقمتك.
فقال: وإنك لترضى لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعر، والله لا آكلتك بعدها!

الثقيل الرابع عشر: الأكلُ بجميعِ الأصابع.
الاستقذار في الطعام من أبشع الخصال، وصورُه كثيرة، منها: الأكلُ بجميع الأصابع إن لم يكن الطعام جامدًا قابلا للثلاث، ومنها: إلقاءُ فضلاتِ اليدِ على المائدة بعد اللقمة، ومنها: إخراجُ الصوت المقذِر، كالتجشُّء والضحكة التي يُرى منها معدةُ الإنسان، ومن صوره: أن يقضم الخبز بفمِه ثم يردّها إلى الطعام، ومن صوره: العطاسُ والنفخُ والتثاءُبُ بوجه الأضياف والطعام، فينبغي أن يحوّل وجهه، أو يجعلَ شيئًا على فيه؛ لئلا يخرج بصاقٌ ونحوُه.

ومن صوره: الإتيانُ إلى ربّ الدار خماصًا، ففيه إشارةٌ إلى استكراه الطعام، وأفظع منه ما قيل: ليس أضرّ على الضيفِ من أن يكون صاحب البيتِ شبعان، وقال بعض السلف: أحب إخواني إلي أكثرهم أكلاً وأعظمهم لقمة، وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعاهده في الأكل، وكان الزهري إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيام.

الثقيل الخامس عشر: عدمُ تحديد الإقامة.
قال المبرّد : ضاف رجلٌ قوماً ، فكرهوه ، فقال الرجل لامرأته : كيف نعلم مقدار مقامه ؟
فقالت : ألقِِ بيننا شرّاً حتى نتحاكم إليه ، ففعل ، فقالت للضّيف : بالذي يبارك لك في غدوّك غداً ، أيّنا أظلم ؟
فقال الضّيف : والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهراً ما أعلم.

وقيل: الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه، كذلك الضيف يسمجُ لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله، إذا انتهى محله.

=* تنبيه : وليس من الثقالة أن يدخل الرجل دار أخيه ويستطعم للصداقة الوكيدة، فقد قصد رسول الله والشيخان منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لذلك، وكانت من عادة السلف، وكان لعون بن عبد الله المسعودي ثلثمائة وستون صديقاً كان يدور عليهم في السنة، ولا بأس أن يدخل بيت صديقه ويأكل وهو غائب، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه دار بريرة فأكل طعامها وهي غائبة، وعن محمد بن واسع وأصحابه أنهم كانوا يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن(3).

قال ابنُ القيم -رحمه الله-:
وتأمل ثناء الله سبحانه عليه في اكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى اهله فجاء بعجل سمين * فقربه اليهم قال إلا تأكلون) الذاريات ففي هذا الثناء على إبراهيم من وجوه متعددة:
ثم ذكر - رحمه اللهُ - خمسة عشر وجهًا، لولا طولها لذكرتُها (4).


* خاتمة
ولا تعجبْ حين يبخلُ المُضيف؛ لثقَلِ من يتواردُ عليه من الأضيافِ؛ حتى يملّ صحبتَهم، وينكرَ عشرتهم، فترى الرجل الأصيل يتحلّلُ من أخلاقه، ويتعرّى من جودِه، برذائل الناسِ وهمجهم ورعاعهم، وأكثر منهُ عجبًا حين يكون الرجلُ متقمصًا زيّ المُضيف، فتظهر منه الأوابد والمعائب، مما يحوجُك إلى أن تذكر بعض الحيوانات الكريمة، كالكلبِ بنباحِه!.

إلى الله أفزع من كل ريثٍ وعجل، وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل، وإياه أستعين في كل قول وعمل، وأسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك ، ولا يزل قدمي في خدمتك ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل معتقدك، ولا يكوننّ هذا الثقيلُ مانعًا لك من عادتك في الاسترسال والانبساط، والبر والمواساة، والمساعدة والمواتاة، فمثلُك يعفو ويصفح، ومثله يهفو ويجمح (5).

أخوكم / أبو الهُـمام البرقاوي
Hoomaam#
1433/8/23هـ
2012/7/14م


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن الكتب : (ذم الثقلاء) لابن المرزبان، وللخلالٌ أيضًا مثله في الثقلاء، وللسيوطي رسالة سماها " إتحاف الفضلاء بأخبار الثقلاء ".
انظر = موضوعان عن الثقلاء:
http://www.saaid.net/bahoth/155.htm (http://www.saaid.net/bahoth/155.htm)
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=261604 (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=261604)
(2) الضعيف الساقط.
(3) ربيع الأبرار (ص261).
(4) انظر: جلاء الأفهام (1/274*.
(5) انظر: الإمتاع والمؤانسة.

<!-- / message --><!-- BEGIN TEMPLATE: ad_showthread_firstpost_sig --><!-- END TEMPLATE: ad_showthread_firstpost_sig --><!-- sig -->

أبو زارع المدني
14-07-12, 08:16 PM
معذرة على تطفلي يا صاحبي وترتيبي للمقال.. وجزاك ربي خيرًا كثيرًا.

أبو الهمام البرقاوي
15-07-12, 12:38 AM
أكثر الله من هذه الطفيليات إن كانت كذلك، حفظك الله وبارك فيك.

صالح العوكلي
28-03-14, 11:24 PM
طرح قيم وجهدكم متميز
شكرا لكم