المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توحيد الصيام


أبو عبد الرحمان القسنطيني الجزائري
23-07-12, 07:07 AM
توحيد الصيام



كل عام تعيش الأمة فوضى في إعلان مبدإ شهر الصيام، تعبّر بوضوح عن حال التخلف والجهل التي استمرت عندنا لقرون؛ وما زلنا لا نرى بشائر للخروج منها. وإن كان اللوم يقع على أحد، فبالدرجة الأولى على "العلماء" الموظفين، الذين يخدمون الأسياد الداخليين والخارجيين بإخلاص. ذلك الإخلاص الذي يجدون له بحسب ارتكاسهم باعثاً من الشرع، ويا للعجب !!!!! .....
وفيما يخص هذه الوضعية الشاذة، نرى أنه لا بد من توضيح ما يلي، إضافة إلى ما يتناوله بعض الصادقين، مما يندرج ضمن تخصصاتهم المختلفة:
1- إن مبدأ الوحدة من أصول الشرع التي ينبغي أن تُراعى في جميع الأعمال ما استطاع المسلمون إلى ذلك سبيلا. وإن اختلاف أيام بدء الصيام لدى أجزاء من الأمة في السابق كان مرده إلى عدم التمكن من نقل خبر رؤية الهلال من مكان إلى آخر. أما اليوم، وقد صار الاتصال آنياً بين جميع أصقاع الأرض، فلا محيد لنا عن توحيد الصيام، إن ثبتت الرؤية في أي جهة من جهات البلاد الإسلامية. والذين يجعلون الرؤية تقتصر على القطر الواحد مخالفون للشرع من حيث:
- إن الشرع لا يعتبر القطرية في العبادات، خصوصاً ونحن نعلم أنها من مخلفات المستعمر البغيض.
- إن عدم اعتبار إعلان الرؤية عند المسلمين من قطر آخر، اتهام لهم في إسلامهم وسوء ظن كبير بهم؛ لأنه إن كنا نعتبر إسلامهم، فهذا يعني أننا ملزمون بتصديق أحكامهم (نعني العلماء الثقات منهم)، وإلا وجب داخل البلد الواحد أن لا يعتبر كل واحد إلا رؤية نفسه، ولا يثقَ بمن أخبر بها وإن كان من جيرانه. وهذا لا تخفى مخالفته للشرع الذي خاطب الجماعة بخصوص الرؤية.
2- إن العولمة صارت تُلزمنا بتحقيق الوحدة من حيث نظر العقل وحده، فكيف إن كان لذلك أصل من الشرع؟! وإذا كانت الأمم الأخرى تجد أرضية ولو دنيوية لوحدتها، فلم لا نعتبر الدين الذي هو أولى في الاعتبار عند العقلاء؟ مع العلم أن انعكاس ذلك يكون على دنيانا وآخرتنا معا!
3- إن المتمسكين بالفُرقة بخصوص الصيام، الذين يحرصون عليها كما يحرص المؤمن على الفرار من الحرام، يعلمون أن توحيد الصيام الذي هو فرض العام، سيكون أول خطوة في اتجاه التوحد السياسي. وأنت تعلم حرص السياسيين والحكام عندنا على كراسيهم. لهذا فهم يسخّرون المترزقة من "الفقهاء" في الحض على التجزئة في الصيام، حتى يضمنوا بقاء كراسيهم ولو لعام واحد آخر. عامة الناس الذين يأخذون دينهم عن المؤسسات الرسمية، مرتاحون إلى هذه الفتاوى التي تعفيهم من مواجهة السلطات؛ خصوصاً وأنهم يظنون أن التبعة تقع على المفتين وحدهم. وما علموا أنهم مكلفون في ذلك وغيره، كما هم أولئك الذين باعوا آخرتهم بالدنيا إن كانوا يعلمون ما يفعلون. أما إن لم يكونوا يعلمون، وكانوا يظنون أنهم على هدى في فتاواهم، فهذا يدل على أنهم غير فقهاء أصلاً وأنهم غير أهل للإفتاء.
قد تكلم في تعضيد فتوى التوحيد فلكيّون بما لا يمكن أن نجاريهم فيه، لذلك لن نعيده هنا، وعلى من أراد الاطلاع على ذلك، أن يبحث عنه في مظانه.
أما ما يمكن أن يقال من الاستعاضة عن رؤية الهلال بالعين المجردة، بالحساب الفلكي، أو الأجهزة الدقيقة التي أصبحت متوفرة في هذا العصر، فإن ذلك مما يخالف الأصل الشرعي، وقد يكون من التشدد والمغالاة المنهي عنهما.
ومن أجل وضع حد لمهزلة الرؤية السنوية، التي تجعل الأمم الأخرى تنظر إلينا نظر الاستهزاء، ينبغي على علماء الأمة، أن يبيّنوا حقيقة الأمر، وأن يعملوا على تخليص الدين من التأثير السياسي. وعلينا أن نعلم جميعاً أن الدفاع عن الدين (من حيث هو كل أو من حيث هو جزئيات) أوجب من كل واجب؛ بل علينا أن نفديه بكراسينا وأنفسنا أيضاً، إن كنا نريد المنزلة عند الله!
أم أن فقهاءنا، لم يعودوا يعلمون "ما يُعلم من الدين بالضرورة" ؟؟!!...



الشيخ عبد الغني العمري