المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا اختار جمهور السلف البروك بالركب تصحيح حديث شريك


منهاج السنة
04-08-02, 09:52 PM
سلسلة الاختيارات الفقهية:


العدد الثاني:

الدّر المفقود في كيفية الإهواء إلى السجود
لماذا اختار جمهور السلف البروك بالركب؟
الحلقة الأولى


المؤلف
الشيخ مختار الطيباوي
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ونتوب إليه ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له.
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد؛
فقد كنا نظن زمنا ، ونحن ببلد سكانه على مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أن الإهواء إلى السجود على اليدين من المسائل التي لا دليل لهم عليها، حتى قرأنا للعلامة محدث الشام: فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ كتابه " صفة الصلاة" وغيره، فعرفنا حينئذ أن لأهل بلدنا مستندا من السنة في هذه المسألة ، فالحمد لله على فضله.
ولكن قد بدا لي فيها رأي آخر إتباعا لأكثر أئمتنا من المحدثين والفقهاء ،أحببت عرضه على إخواني للإفادة والاستفادة ، فهذا هو:
فعن وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ قال:" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه،و إذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه."
أخرجه أحمد في" المسند"{381/2}، والدار مي في" السنن"{303/1}، وأبو داود في"كتاب الصلاة"{222/1}، والترمذي في" السنن"{56/2}، والنسائي في" كتاب التطبيق"{206/2}، وابن ماجة في" السنن"{286/1}،وابن خزيمة في" صحيحه"{318/1}،و ابن حبان في"صحيحه"{191/3}، والطبراني{97/22}، والدار قطني في"السنن"{345/1}، والطحاوي في" شرح معاني الآثار"{255/1}، والبيهقي في" السنن"{98/2}، والحاكم في" المستدرك"{226/1}وصحّحه ووافقه الذهبي، والبغوي في"شرح السنة"{133/3}، والحازمي في" الاعتبار"{222}،وقال:" هذا حديث حسن على شرط أبي داود، وأبي عيسى الترمذي،و أبي عبد الرحمن النسائي."
وذكره كذلك الصنعاني في" سبل السلام"{366/1}، والمناوي في" فيض القدير"{373/1}،والقاري في" مرقاة المفاتيح"{552/1}.
قال الشيخ ناصر الألباني ـ رحمه الله ـ :" هذا سند ضعيف، وقد اختلفوا فيه"،ثم نقل كلام الدار قطني:" تفرد به يزيد[ ابن هارون]عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به."" الضعيفة:329/2".
قلت:قولهم عن راو ما:"ليس بالقوي"، ليس كقولهم عنه:" ليس بقوي"،فإنّ الأول يقتضي نفي القوة عنه نسبيا، بينما يقتضي الثاني نفيها عنه بالكلية،فإنّ النّكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وعليه، يجب تنزيل كلام الدار قطني السابق على هذا الأصل.
كما أن قولهم:" سند ضعيف" لا يستلزم ضعف متنه، فإنه من المقرر أن صحة السند ظاهرا لا تستلزم صحة المتن، فقد روى الثقات أحاديث صحيحة السند ظاهرا،جزم المحدثون بأنهم غلطوا فيها.
لذلك فإن كلام الدار قطني الذي نقله الشيخ الألباني ليس تصريحا منه بضعف حديث شريك،و إنما الذي فعله هو وصف الضبط عنده، ويبقى على البحث و التحقيق تبيان إن كان شريك قد غلط فيه أم لا؟، كونه نفى عنه القوة معرفة بالألف واللام.
ووصف الضبط من المحدث ـ في حديث ما ـ ليس حكما منه على الراوي حكما عاما، فقد قال الدار قطني عن شريك في"علله"{225/2}:" ثقة".
كما يجب التنبيه على أن أئمة الحديث يردون أحاديث الثقات التي تبين لهم خطؤهم فيها،ويقبلون أحاديث الضعفاء ما عرفوا حفظهم وضبطهم لها،ولا يكتفون بمجرد معرفة أحوال الرواة في الجرح و التعديل.
وعليه ، فإن حديث شريك يجب النظر فيه ،في ضوء الملابسات الفقهية ، والتي لا يتسنى فيها فصل المرفوعات عن الموقوفات،أو فصلها عن فتاوي الأئمة ،وقواعد التعليل و الاستنباط، كما هو صنيع الحفاظ و النقاد الذين صححوه، وعملوا بموجبه.
ورجل مثل شريك،قال عنه الذهبي في" ميزان الاعتدال"{670/2}:" كان من أوعية العلم"
ولابد أنه حمل كثيرا من الأحاديث،ومثله لا يستغرب منه الانفراد،فإنه من المعلوم أن المكثرين من الرواية قد ينفردوا، والانفراد منهم غير مستبعد،وإنما يضر الانفراد المقلين.
ومما يؤيد أن شريكا كان من المكثرين ما نقله الذهبي عن ابن أبي حاتم أنه سأل أبو زرعة عن شريك: يحتج به؟ فقال:" كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحيانا"{ميزان الاعتدال:274/2}،و{ الجرح و التعديل} لابن أبي حاتم{367/4}.
قال العجلي في" معرفة الثقات"{453/1}:" كان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الو اسطي ، سمع منه تسعة ألاف حديث".
وقال ابن سعد في" الطبقات الكبرى"{379/6}:" ثقة مأمون كثير الحديث،ويغلط كثيرا."
قال الإمام أحمد:" قديم السماع من أبي إسحاق"
و التفرد قد يكون لأسباب منها: الضبط والإتقان ،إذا كان المنفرد يفوق من خالفهم في الضبط والإتقان ،وجودة الأداء، وقد يكون لكثرة الحفظ و المشايخ،وقدم السماع.
وتفرد شريك من القسم الثاني، فمن سمع أكثر من أقرانه و كان أقدم سماعا منهم، فلا بد وانه قد سمع مالم يسمعوه.
وعليه، و باعتبار المتابعات و الشواهد، وفتاوى الصحابة و التابعين يظهر أن سبب تفرد شريك كثرة الحفظ، وقدم السماع.
فهذا التحليل مما لا يجب إهماله عند التعرض لأحاديث المنفردين ،و بخاصة إذا علمنا أن في تلك العصور القديمة كان الانفراد دليل قدم الطلب وسعته.
ثم إن التفرد يصير علة قادحة إذا خالف المنفرد من هو أو ثق منه،وهذا الذي حاول الشيخ ناصر تقريره عندما نقل قول يزيد بن هارون:" إن شريكا لم يرو عن عاصم غير هذا الحديث" .
و أيده بقوله في" الإرواء"{76/3}:"إن شريكا خالف غيره من الثقات و الحفاظ مثل زائدة بن قدامة".
قلت: لكن الثقات الضباط قد خالفوا هم ـأيضاـ زائدة، فرووا الحديث بخلاف روايته ، بألفاظ متقاربة و أحيانا متباينة ، كما يظهر من مجموع طرق الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ
و لا يمكن الطعن فيهم كلهم ، وفيهم رجال الصحيح: سفيان الثوري، و عبد الله بن المبارك، وهمام بن يحي، وهشام الدستوائي و غيرهم، فلزم أن شريكا لم يخالف زائدة لوحده.
فإن قيل: إن مجموع روايات الحديث المتفرقة ضمها حديث زائدة إلا رواية شريك ؟
قلنا: أولا: زائدة روى ما رووا على انفراد، فروى بالنسبة لكل واحد منهم مالم يرو، وأصل الحديث عن وائل بن حجر واحد ، إلا انه قطع فروي كل واحد منهم جزءا.
و الذي يظهر من مجموع طرق الحديث،أن الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ قسمه الرواة عنه بحسب الموضوع الفقهي، لذلك يعد كل قسم أو قطعة منه حديثا بحد ذاته.
وهذا العمل قد فعله جمهور المحدثين، وذكره الإمام مسلم في "مقدمة صحيحه"{124/1}.
فالتعارض يكون إذا كان المجلس واحدا ، و إلا فتعد الوجوه المختلفة طرقا مستقلة .
ذكر ابن رجب في " شرح علل الترمذي"{ ص:292} عن يحي بن معين أنه قال:" شريك أحب إلي في أبي إسحاق من إسرائيل وهو أقدم"
وقرن مرة أخرى بينه و بين أبي عوانة في أبي إسحاق.
ونقل جماعة عن الإمام أحمد تقديم شريك على إسرائيل في أبي إسحاق،وقال:" إنه أضبط عنه ،و أقدم سماعا".
و عبد الرحمان بن مهدي:" رجح إسرائيل على الثوري و شعبة ".
قال العجلي:" و يقال: إن شريكا أقدم سماعا منهم".
قال يحي بن معين :" وهو يروي عن قوم لم يرو عنهم سفيان[ يعني الثوري]"نفس المصدر السابق و الصفحة".
فتبين من هذه النقول أن سماع هؤلاء الأئمة من أبي إسحاق السبيعي لم يكن واحدا، و أبو إسحاق السبيعي هو الذي ذكر فيما رواه عنه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه رأي أصحاب عبد الله بن مسعود يهوون على الركب، ولفظه:" كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم""المصنف"{624/1}.
و عليه يمكن القول: إن سماع شعبة ، وسفيان، وهشام ، وهمام ، وإسرائيل ، وزائدة وغيرهم لم يكن في وقت واحد ، و شريك أقدم سماعا منهم في أبي إسحاق ، وأعلمهم برواياته كما شهد له بذلك الأئمة الفحول في الحديث.
ولذلك نقول: وصف الرواة وصفا عاما جائز فيمن اتفقوا على تركه، أما من ضعفوه ولم يتركوه ، واعتبروا بحديثه فيلزم ترجمته بالتقيّد بمشيخته، فمن الرواة من تكلموا فيه عموما، وهو من أثبت الناس في شيخه،أو في أهل بلده، ومنهم من وثقوه وهو ضعيف في بعض الشيوخ،أو قد يكون مقبولا في المغازي أو التفسير ضعيفا في غيرها.
فتقسيم المحدثين للرواة إلى طبقات باعتبار الشيوخ له فائدة معرفة التفرد و المخالفة ، لأن ملابسات الرواية والسماع قد تظهر من صيغ التحمل و الأداء، ولكنها في الغالب تظهر بمقابلة الطرق وجمعها إلى بعضها البعض.
ذلك أنه قد ثبت عند المحدثين أن يعضا من الصحابة رووا أجزاء من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم رواها آخرون كاملة ، وذلك كأن يحضر في آخر المجلس، أو يشغله أمر من طلب طهارة أو دابة فلتت منه ـ كما حصل لعمران بن حصين ـ أو لإجابة سائل أو متسول وغيرها من أمور تدفع بالسامع إلى التشاغل عن الراوي .
و كذلك الرواة الثقات قد ينسوا زيادة في حديث و يحفظها من هو دونهم في الإتقان ويرويها، وهذا راجع للأسباب المذكورة.
و قد لا يعرف السامع أن الشيخ في مجلس فتوى أو مذاكرة ، وان الحديث الذي أرسله متصل السند ، فيأخذ هذا السامع الحديث على أن الشيخ أرسله.
ولذلك فإن عرض سند مثل هذا الحديث على بقية الطرق ، ومعرفة أحوال المجلس إن كان واحدا أو متعددا ، وعرض المتن على النقد الفقهي و الأصولي كفيل بتبيان هذه الأوجه.
ومن جهة أخرى: يمكن أن نقول: كلام يزيد بن هارون قد يفسر لصالح شريك لا عليه، .
فإن من وصف بالوهم و الخطأ من الرواة العدول، قد يكون وهمهم في السند ، كما قد يكون في المتن ،والوهم في السند يقتضي أن يصحف أو يقلب ، ومقولة يزيد مما ينفي عن شريك هذا الضرب من الوهم، فلم يبق إلا الوهم في المتن،وهو الذي قصد الشيخ الألباني .
فنقول: ما يمنع أن تكون رواية شريك حديثا آخر غير حديث زائدة ، وقد علمت أن الثقات من رجال الصحيح قد خالفوا زائدة ،ولم يكن ذلك طعنا في رواياتهم ،ذلك انه كثيرا ما يحصل أن يروي الشيخ لرجل مالا يرويه لآخر، للاختلاف طرق التحمل ومدته.
مثل ذلك رواية الموطأ عن مالك بلغت إلى عشرين رواية ، تختلف فيما بينها إلى حوالي مائتي حديث ،وقد سبق و أن أوضحنا أن الرواة في طبقة شريك سماعهم من أبي إسحاق لم يكن في مجلس واحد.
فلو أننا علمنا أن زائدة استوعب أحاديث عاصم ـ كما هو الشأن في رواة آخرين عن شيوخ آخرين ـ لسلم للشيخ الأمر ، ولقلنا معه: إن شريكا قد خالف من هو أو ثق منه.
يوضحه: أن زائدة قد ذكر الحديث بأتم من شريك ـ كما قال الشيخ ـ ولم يذكر الإهواء سواء على اليدين أو على الركب، فلو أنه ذكر مثلا الإهواء على اليدين ، وقد ذكر شريك الإهواء على الركب ، لقلنا: قد خالف شريك من هو أوثق منه.
وعليه ، يجب التفريق بين أنواع الزيادات، فمنها الزيادة المخالفة المعارضة للمزيد عليه ، ومنها الزيادة التي لا تعارض المزيد عليه ، بل هي من قبيل زيادة البيان حسب المقتضى ، :"فإذا انفرد العدل الصادق عن سائر الثقات بزيادة لا تنافي المزيد عليه قبلت ، وهو قول الشافعي و جماعة من الفقهاء، و قيّد ذلك الإمام أحمد بأن لا يترك الجمهور هذه الزيادة " المسودة"{ص:299}.
و في مسألتنا هذه ، زيادة شريك لا تعارض روايات باقي الرواة ، فتثبت ما نفوا،أو تنفي ما أثبتوا ،فإنه لا ينسب لساكت قول كما قال الشافعي.
كما أنها زيادة لم يردها جمهور المحدثين و الفقهاء، و أكثر أصحاب الكتب في الحديث قبلوها، وقد تبين أن مجلس سماع الرواة في طبقة شريك كان مختلفا متعددا في الزمان والمكان.
وهنا ملاحظة يجب ذكرها : وهي إن ما انفرد به الراوي الصادق إذا كان معمولا به في عهد الصحابة وكبار التابعين ، أو مرويا من جهات أخرى بما يوافقه أو يشهد عليه ، قبل من انفرد به هذا الراوي وعلم أن له أصلا قويا.
ووصف مثل هذا الحديث بالشذوذ أو النكارة لا يضره بل لا يصح ،لأن بتداوله عملا و قولا عند الصحابة والتابعين لا يكون إلا محكما أو منسوخا، لا يحتمل احتمالا آخر ، فلا يعقل أن نقول عما صح عن الصحابة والتابعين أنه شاذ أو منكر.
والحديث بتداوله عند الصحابة و التابعين كعمل يصبح مشهورا ، ولأسباب خفية وملابسات الرواية اعترضت سنده علل بالنظر فيما قلناه سابقا يتبين أنها علل إضافية ليست أصلية فيه، ولذلك فإن أحاديث المنفردين يشترط فيها أن لا تخالف الأحاديث المشهورة ،أو الإجماع، أو عمل جمهور الصحابة .
كما أن فقه الراوي و علمه بالخلاف عامل قوي في قبول ما انفرد به.
و يمكن الجواب من وجه آخر يدل على أن شريكا قد ضبط الحديث عن عاصم، وهو ما نقله البغدادي في" تاريخ بغداد"{682/9}، والذهبي في " ميزان الاعتدال"{270/2}:" قال سعدوية :إنه سمع عبد الله بن المبارك يقول: "شريك أعلم بحديث الكوفيين من سفيان[ الثوري]"
وفي " تهذيب الكمال"{470/12} عن وكيع أنه قال:" لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك".
وهذه شهادة من إمامين عظيمين لا يخرج الكلام منهما إلا مخرج الحكم، لانهما في سياق المقارنة ،وهما أعلم بهذه الطبقة ممن جاء بعدهم.
ومثل شريك في هذا الباب إسماعيل بن عياش ، عن أهل الشام وثقوه وفي غيرهم ضعفوه.
ولذلك يجب أن نقول: إن ترجمة أمثال شريك يجب أن تكون على ضوء شيوخهم و بمتابعة طرق حديثهم.
قال ابن رجب في" شرح العلل"{ص:92}:" اعلم أن الرواة أقسام: فمنهم من يتهم بالكذب ، ومنهم من غلب على حديثه المناكير لغفلته و سوء حفظه، وقسم ثالث:أهل صدق و حفظ و يندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، هؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم ، وقسم رابع: هم أيضا أهل صدق و حفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا، لكن ليس هو الغالب عليهم ، وهذا القسم الذي ذكره الترمذي هاهنا".
فهذه الطبقة و إن كان ترك الحديث عنهم مثل:يحي القطان، فقد حدث عنهم ابن المبارك ،وابن مهدي، ووكيع بن الجراح، و أحمد بن حنبل، و البخاري، ومسلم، و أبو داود، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجة، و ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي و أكثر أهل الحديث على أمور ضبطوها وقرائن اشترطوها."
ووجه آخر للجواب يمكن التعويل عليه :
إن الأحاديث الكثيرة التي رواها وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ واصفا فيها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بدقة متناهية ، وفي بعضها أنه كان يترقب صلاته، تستلزم ضرورة و صفه لكيفية الإهواء إلى السجود ، وهي من أكبر حركات الصلاة للانتقال المصلي من حالة القيام إلى حالة القعود، وقد نقل رضي الله عنه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أمورا هي أدق و أخفى من الإهواء، وجاء من طريقه عدة أحاديث في الباب، و إن كان المعارض يدعي تعليلها إلا أن ذلك قرينة أخرى على ضرورة وصفه الإهواء إلى السجود ، فكان دليلا آخر على أن شريكا لم يخالف من هو أوثق منه.
الوهم ليس قادحا في جميع الأحوال:
إن راوي الحديث ممن وصف بالوهم إذا روى حديثا حكمه متعلق بفقهه، لم يضر الرواية وهمه العام،فإن العادة تغلب على الذاكرة ، لكن إذا كان الحديث يتعلق بخبر لا يتعلق بفقهه، فالوهم هنا يصير جرحا مضعفا للحديث.
وهذا أمر معهود في غالب الناس يتعبد أحدهم بعبادة ينسى كيف تعلمها، ويحافظ عليها طول عمره، حتى إذا سئل عن دليلها بهت عنه، لبعد عهده به، و إنما طول التكرار جعله لا ينسى كيفية أدائها كما هو الحال في كثير من الشيوخ و العجائز.
والرواة الذين اختلطوا بأخرة لم نعلم عنهم أنهم اختلطوا في وضوئهم و صلاتهم ، وغير ذلك مما هو من فقههم وعادتهم مع العلم أن الاختلاط أشد من الوهم.
وحديث شريك هذا مما يتعلق بفقهه، وهو مسلم يؤدي خمس صلوات في اليوم ناهيك عن النوافل ،ولابد له من الإهواء إلى السجود.
فإن قيل : وما الدليل على أن هذا الحديث من فقهه؟
قلنا: نقل الحازمي في" الاعتبار" عن ابن المنذر أن الإهواء على الركب ذهب إليه أهل الكوفة ،وشريك كوفي مثله مثل سفيان الثوري، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، و أبي حنيفة وغيرهم.
وقد سكن الكوفة من الصحابة عبد الله بن مسعود ،ووائل بن حجر و ثبت عنهم الإهواء على الركب ، وسكنها علي، وصح عنه النهوض على صدور القدمين .
قال الدار مي في" السنن":" أهل الكوفة يختارون الأول[أي: الإهواء على الركب].
إن الرواي إذا وصف بأنه يهم أو يغلط ، كان ذلك وصفا لبعض مرويا ته، وليس لجميعها و إلا أسقطوه بالكلية.
و إنما بتتبع أحاديثه يعلم في أيّها وهم ، وبما مر عليك من تحقيق فإن شريكا لم يهم في هذا الحديث ، فليكن الوهم في أحاديث أخر.
ومما يؤيد هذه القاعدة وهو مثال صالح عليها أن الثقات رووا حديث ترك الجمعة و اتفقوا في رواياتهم على أن من ترك ثلاث جمعات فقد جعل الإسلام وراء ظهره، بينما روى شريك أربع جمعات.
فهذا الخطأ من شريك في أمر لا يتعلق بفقهه العملي لأنه من باب الأخبار التي يحفظها الراوي ثم لا يعود إليها بالتحديث إلا حينا بعد حين ، بينما ما يتعلق بفقهه العملي كالصلاة والصيام و الطهارة وغيرها يرجع إليه على الدوام.
ومع ذلك فإننا قد وجدنا لشريك كثيرا من الأحاديث التي هي من قسم الأخبار وقد ضبطها و أداها بألفاظها، منها:
1 ـ حديث أبي هريرة:" إذا استهل المولود ورّث"
رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، وعنه رواه البيهقي، ورواه ابن ماجة عن جابر من طريق أبي الزبير، ومن طريق سعيد بن المسيب.
و أخرجه ابن عدي من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عنه به ، و فيه زيادة" صلى عليه وورث" التي جاءت كذلك في طريق أبي الزبير.
فهذا الحديث قد ضبطه شريك ولم يخالف فيه الثقات.
2 ـ حديث" أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"
أخرجه أبو داود و الترمذي و الدار مي و الخرائطي في " مكارم الأخلاق"، و الدار قطني والحاكم من طريق طلق بن غنام عن شريك.
فهذا الحديث قرن فيه شريك وقيس بن الربيع فهو صحيح.
ثم أخرجه أبو داود من طريق يوسف بن ماهك المكي،وورد من طريق أخرى عند أحمد و الدار قطني ، والطبراني و الحاكم و ابن السكن صحح بعض طرقه.
3 ـ حديث:" من ولاه الله عز وجل شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره".
أخرجه أحمد و الطبراني في " الكبير"، قال عنه المنذري:" جيد"، و قال الهيثمي في" الجمع" :"رواه أحمد و الطبراني ، ورجال أحمد ثقات".
فهذا الحديث ورد من عدة طرق تبين من خلالها أن شريكا ضبطه، وتوبع عليه ،و أشهرها طريق علي بن الحكم عند الترمذي و الحاكم و أحمد.
وجاء كذلك من طريق القاسم بن مخيمرة أخرجه أبو داود و الترمذي ، وابن سعد في " الطبقات" ، و الحاكم والبيهقي و ابن عساكر في " تاريخ دمشق".
4 ـ حديث :" إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة "، وفي رواية:" أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة"
جاء من طريق شريك عن عياش العامري عن الأسود بن يزيد،أخرجه أحمد و الطبراني في"الكبير"، فهذه متابعة لشريك.
5 ـ ومنها حديث:" خير التابعين رجل يقال له: أويس".
هذا الحديث رواه مسلم ،عن وابن مسعود ، و العقيلي في " الضعفاء" والحاكم عن سعيد الحريري عن أبي نضرة عن أسيد بن جابر.
ورواه الحاكم من طريق شريك عن يزيد بن أبي زياد.
6 ـ حديث:" بادروا بالأعمال فصالا ستا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم،وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، ونشوا يتخذون القرآن مزامير ،يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم."
أخرجه أحمد ، و أبو عبيد في " فضائل القرآن"، و أبو عزرة الحافظ في" مسند عباس" و ابن أبي الدنيا في" العقوبات"، والطبراني في" الكبير" عن شريك عن أبي اليقظان عن زاذان عن عليم.
و أخرجه أبو عمر الداني في " الفتن" و الطبراني، و أخرجه البخاري في" التاريخ الكبير" معلقا من وجهين ، ورواه الطبراني و ابن شاهين من طريق موسى الجهني.
و للحديث طرق أخرى يعتضد بعضها ببعض ، وقد صححها الحافظ في ترجمة الحكم من " الإصابة".
7 ـ حديث:" أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء".
أخرجه النسائي، وابن نصر في" الصلاة" و ابن أبي عاصم في" الأوائل"، و الطبراني في " الكبير"،والقضاعي في" مسند الشهاب" عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله.
وشطر الحديث الثاني في الصحيحين،و النسائي، وابن أبي عاصم وغيرهم من طرق أخرى ، وكذلك رواه ابن أبي الدنيا في" الأهوال"، والبيهقي في"شعب الإيمان" و احمد وغيرهم.
و الشطر الأول له شواهد من حديث أبي هريرة وتميم الداري عند أبي داود، والطبراني للشطر للثاني.
فهذه الأحاديث التي رواها شريك ثبت منها أنه لم يهم فيها ولم يخطىء، ولذلك قال عنه الأوائل:" ثقة، وصدوق"
ولما قال فضل الصائغ:" إن شريكا حدث بواسط بأحاديث بواطيل" قال له أبو زرعة :" لا تقل بواطيل"" الجرح والتعديل" لا بن أبي حاتم {4/367}.
قال عيسى بن يونس:" ما رأيت أحد قط أورع في علمه من شريك"{ المصدر السابق}.
فمن كانت هذه صفته ، وكان فقيها، قاضيا، ثبتا عاقلا شديدا على أهل البدع ، قديم السماع من شيوخه، لا يهم في حديث هو من فقهه.
ذكر ابن رجب في "شرح العلل"{ص:373}:" أن الفقهاء المعتنون بالرأي[ فقه لقياس و التفريع و استخراج العلل] لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي،ويروون المتون بالمعنى."
روى شريك حديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد"، فرواه :"أنه كان يتوضأ برطلين من ماء".
قال ابن رجب: "و المد عند أهل الكوفة رطلان".
فهذا الحديث الذي رواه شريك بالمعنى لم يخرجه عن القصد الشرعي، لأنه كان من الفقهاء، الذين ربما لم يتقيدوا بالألفاظ ولكنهم يتقيدون بالمعاني و المقاصد.
وشريك ـ رحمه الله ـ كان ممن جمع بين الفقه و الحديث.
وبهذا التفصيل و بالذي سيليه نقول: إن ما كان من غالب أئمة الحديث[ سأذكر قائمتهم فيما بعد] من قبول هذا الحديث و الاحتجاج به ، لم يكن عن قلة دراية بأحوال رواته،وإنما التحقيق العلمي الدقيق ، و البحث الطويل هو الذي أوجب عليهم اعتماده كدليل.
وهاهنا قاعدة هامة يجب ملاحظتها و قد ذكرها الحافظ في " النكت" عندما قال:" إن الترمذي ذكر في " الجامع" كتاب الحكام أنه سأل البخاري عن حديث شريك القاضي عن أبي إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ قال:إن النبي صلى الله عليه و سلم قال:" من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته".
وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق، فقال البخاري:" هو حديث حسن".
قال ابن حجر:" وتفرد شريك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحاق مع كثرة الرواة عن أبي إسحاق مما يوجب التوقف عن الاحتجاج به، لكنه اعتضد بما رواه الترمذي من طريق عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع ـ رضي الله عنه ـ فوصفه بالحسن لهذا."" النكت"{429/1}
فهاهنا ثلاثة أمور نبهنا إليها الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ :
الأول:التفريق بين أصول الحديث بقوله:" بمثل هذا الأصل"، فقد ينفرد الراوي بحديث يوافق أصلا معروفا عند المسلمين ،أو العمل عليه وهذا لا يضر،وقد يكون ما انفرد به يخالف الأصول المعروفة أو الأحاديث الثابتة، وهاهنا يجب التوقف عن الاحتجاج به.
الثاني: النظر في حال المنفرد و المنفرد عنه إن كان الرواة عنه كثرة، فهذا مسلك للشك في تفرده،وبالتالي التوقف فيه { انظر معتمد الشيخ ناصر في المسألة}.
الثالث:إن الانفراد من شريك في رواية هذا الحديث الذي حسنه البخاري لم يضره، وهذا يوافق ما قلناه عنه سابقا عند قول الدار قطني عن شريك:" إنه ليس بالقوي فيما انفرد به"، وأن ذلك نسبي، وخير دليل على ذلك هذا الحديث.
و قد يقال: إن مقصود البخاري من قوله:"هو حديث حسن" أن الحديث غريب،أي:إنهم يطلقون كلمة"حسن" على الحديث الغريب.
فأقول: لقد فهم الترمذي من شيخه البخاري ـ وهو الذي باشر الكلام معه ـ أنه قصد الحسن المعروف وليس الغرابة، كما فهم الفهم نفسه ابن رجب في" شرح العلل" والحافظ ابن حجر في "النكت"
وجواب الترمذي للبخاري لا يفهم منه ما ذهب إليه الأفاضل ، فإن الترمذي قال:" هو من أفراد شريك" ومعروف عند المحدثين معنى التفرد ، فكان جواب البخاري:" هو حديث حسن" على الترمذي بأنه رغم تفرده فهو حسن، هذا ما يحتمله سياق الكلام، هذا أولا.
ثانيا: قال الذهبي في " الموقضة"{ص:32}:" ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسن ، وعليه عبارات المتقدمين ، فإنهم يقولون فيما صح:" هذا حديث حسن"".
قال ابن حجر :" قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي ومنهم من لا يريده"{النكت}{ص397/1}.
قال ابن رجب في " شرح العلل"{ص:229}:" فالحسن قد أطلقه قوم على الحديث الضعيف الذي لم يكن مردودا ولا منكرا، وماكان يوافق فقه المحدث"
ومما تجدر الإشارة إليه ونحن بهذا الصدد ما قاله الأخ الكريم صاحب رسالة " نهي الصحبة"فإنه ترجم لشريك بن عبد الله النخعي بقوله :"سيء الحفظ، قال عنه إبراهيم بن سعد الجوهري: أخطأ شريك في أربعمائة حديث"، وقال النسائي: ليس بالقوي وضعفه يحي بن سعيد جدا".
فإن قوله هذا ، مكتفيا بهذا القدر من ترجمة شريك مما يوهم الناس مالا يحسن من مثله،فإن قول إبراهيم بن سعد الجوهري لم يثبته أحد من الحفاظ المترجمين لشريك، ومثله ما قيل في سفيان بن داود{ أبو داود الطيالسي} صاحب المسند: من أنه أخطأ في ألف حديث!
و المحدثون لهم أغراض في مثل هذا الكلام، فقد نقل ابن رجب في"شرح العلل":" عن عبد الرحمان بن مهدي أنه قال:" إن الرجل إذا أخطأ في خمسين حديث لا يترك حديثه، وعن شعبة ، قيل له مثل ذلك فلما وصلوا إلى مائة ، قال: كثير."
فهذا شعبة من أشد الناس في الحديث وصل إلى حوالي مائة ، فما بالك ببقية المحدثين من المعتدلين؟
فما يستفاد من هذا،أن الاعتبار في خطأ الراوي بالأغلب عليه.
والأربعمائة حديث التي ذكرها الجوهري هي جزء قليل من جملة الأحاديث التي كان يحفظها شريك، والتي دون أدنى شك كانت أكثر من ذلك بكثير.
قال الذهبي في الكتاب نفسه الذي أخذ منه صاحب الرسالة ترجمته:" إن شريكا حمل عنه إسحاق الأزرق تسعة ألاف حديث"{274/2}.
قال أبو زرعة عن شريك :" كثير الحديث"{ الجرح والتعديل}{367/4}لابن أبي حاتم.
فكلما زاد حفظ الرجل زاد خطؤه، والأمر نسبي.
كما يجب مراعاة أمر هام ، وهو أن رجلا مثل شريك اتفقوا على عدالته وصدقه، واختلفوا في ضبطه و إتقانه للرواية ، فذكر غالبيتهم أنه ساء حفظه منذ ولي القضاء، قال صالح جزرة{ تهذيب الكمال}{332/4}:" صدوق ولما ولي القضاء اضطرب حفظه".
و قال أبو علي صالح بن حمد{ تاريخ بغداد}{285/9}:"صدوق ولما ولي القضاء اضطرب حفظه".
قال ابن حجر في " تقريب التهذيب":" صدوق يخطأ كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ، وكان عادلا فاضلا عابدا شديدا على أهل البدع".
و عليه يجب النظر في أحاديثه أحدث بها قبل توليه القضاء أم بعد ذلك؟
كما ذكر آخرون فرقا آخر بحيث صححوا الأحاديث التي حدث بها من كتابه وتوقفوا في الأخرى، قال يعقوب بن شيبة{ شرح العلل}{589/2}:" كتبه صحاح وحفظه فيه اضطراب".
قال محمد بن عمار الموصلي{ شرح العلل:589/1}:" كتبه صحاح فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح، ولم يسمع منه إلا إسحاق الأزرق".
وعليه يجب النظر في أحاديثه ، أحدث بها من كتبه أم من حفظه؟
وهناك فرق آخر ذكره المحدثون بحيث قبلوا أحاديثه بمدينة واسط ، فقال ابن حبان في { الثقات}{444/6}:" بعد أن وثقه: كان في آخر أمره يخطيء، تغير عليه حفظه ، فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط مثل يزيد بن هارون، وسماع المتأخرين منه بالكوفة فيه أوهام كثيرة".
وعليه نقول: حديث شريك هذا رواه عنه يزيد بن هارون بواسط ، وسماعه منه قديم قبل أن يتولى القضاء، فسلم من العلل التي ذكرناها قبل هذا، فلزم حينئذ ملاحظة هذه الفروق عند التعرض لأحاديث شريك، أو من هو مثله.
فإن الحكم العام لا يصلح إلا على قلة من الرواة فقط.
أما جرح النسائي له فإنه يقابله تعديله هو نفسه ، فقد قال عن شريك ـ دائما في الكتاب نفسه { ميزان الاعتدال}:" ليس به بأس".
والحقيقة: النسائي لم يتناقض فيما يخص شريك ،و إنما قال في الرواية الأولى:" ليس بالقوي"،فإذا جمعنا الروايتين:" ليس به بأس" و" ليس بالقوي" أمكن حملهما على معنى واحد،وهو أنه ثقة يخطيء إذا خالف غيره ، كما فصلناه في أول الرسالة عند ذكرنا قول الدار قطني:" ليس بالقوي فيما تفرد به"
أما تضعيف يحي بن سعيد القطان فمعروف ابن القطان بتشدده، وفي هذه الترجمة المستوفاة ما يغني عن كلامه.
كما أن تعديل عبد الرحمان بن مهدي لشريك يعارض تجريح ابن القطان، وقد قال الذهبي في رسالته في"الجرح والتعديل"{ص:167}:" إن من اختلف فيه يحي بن سعيد القطان وعبد الرحمان بن مهدي فإنه ينزل عن درجة الصحيح إلى الحسن"
والحقيقة أن موقف يحي بن سعيد القطان من شريك قد رد عليه تلميذه يحي بن معين ـ وهو اعلم بمنهج شيخه وطريقته في الرجال و أعلم بالرجال ـ عندما قيل له:" روى يحي بن سعيد عن شريك؟قال: لم يكن شريك عند يحي بشيء وهو ثقة ثقة"{سؤالات ابن الهيثم للابن معين}{36}.
ومثل ابن القطان قول الجوزجاني في "أحوال الرجال"{92}:" سيء الحفظ مضطرب الحديث مائل".
قلت : معلومة وضعية الجوزجاني العقدية ، خاصة في رجل مثل شريك من أئمة أهل السنة المحضة، أقصد أهل السنة في المعتقد و المنهج ،كان شديدا على المبتدعة ،فمن الطبيعي أن يكون محل انتقاداتهم خاصة من الناصبة إذا رأوا أنه كان متشيعا.
بقي اتهام شريك بالتدليس من قبل عبد الحق الإشبيلي و الدار قطني وغيرهم،فأقول: الجرح بالتهمة بالتدليس غير الجرح بالتدليس، ففرق بين من ثبت عليه التدليس ومن اتهم به فقط ،وقيل:" إنه كان يتبرأ منه"{ طبقات المدلسين للحافظ}{23}.
ونحن من خلال هذه الترجمة لشريك لم نرد أن نجعله من الضباط المتقنين للرواية، و إنما غرضنا تبيان أن هذا الصنف من الرواة الصادقين يجب سبر أحاديثهم على انفراد، وعدم الحكم عليهم بأحكام عامة ، كلما وجدناه في سند ضعفناه،فإن هذا الصنيع غير معروف عند الأوائل، ولا يصح إلا على نوع معين من الرواة، فقد روى مسلم لشريك مقرونا بغيره، وبعضهم يقول: إن ذلك متابعة، قال المزي{ تهذيب الكمال}{475/12}:" استشهد به البخاري في الجامع وروى له مسلم متابعة و احتج به الباقون"
فكان إذن الأليق بصاحب الرسالة الاكتفاء بمثل قول ابن حجر في" التقريب" فإنه جامع، فإن مجموع قول صاحب الرسالة يوهم أن الرجل ساقط.
فائدة جليلة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " المسودة"{ص:271}:"و ابن القيم في " بدائع الفوائد"{5/1}، ولفظ شيخ الإسلام:" و يفرق فيه{ الجرح والتعديل} بين الأئمة الذين هم في الحديث بمنزلة القضاة في الشهود ، وبين من هو شاهد محض"
ذلك أن الجرح إما يكون بالاجتهاد و إما يكون بالرواية ، والجرح بالاجتهاد يشترط فيه ما يشترط في الاجتهاد من السبر و التحقيق و التحليل و التقسيم و الاستقراء و القياس.
أما الجرح بالرواية فيشترط فيه ما يشترط في الرواية من صحة السند، و نقل الجرح والتعديل معا.
أما نقل الجرح دون التعديل ، والتعديل أضعافه و أقوى منه، فهذا مخالف لما عليه أهل الحديث قاطبة ، فإن الذين عدلوا شريكا أكثر من الذين جرحوه وهم: يحي بن معين ،عبد الله بن المبارك، عبد الرحمان بن مهدي،أحمد بن حنبل،أبو حاتم ،أبو زرعة ، العجلي، ابن شاهين ، ابن خزيمة، الترمذي، ابن حبان، أبو داود، إبراهيم الحربي، ابن سعد ، يعقوب بن شيبة، ابن عدي المزي، النسائي ، الدار قطني، البيهقي، وكيع بن الجراح، وابن حجر ،وغيرهم.
وهؤلاء أكثر من يحي بن معين في رواية أخرى ، والجوزجاني، و النسائي في الرواية الثانية ، و ابن أبي داود ، وعبد الحق الإشبيلي، وسعيد الجوهري،وهؤلاء غالبيتهم له رواية أخرى توثقه.

الفارسكوري
18-05-07, 11:14 AM
السلام عليكم
لأبي إسحاق الحويني رسالة في ها أرفقها هنا للإفادة

يوسف التازي
09-03-14, 08:01 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته