المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغنيمة الباردة في تفريغ الدّروس العلميّة الشّاردة


زين الدين نعمان
23-11-12, 09:22 PM
بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله و كفى و سلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد :
قلّت في زمن الغربة الثانية منابع العلم الصّافي ، و هذه القلّة الموجودة تعاني من قلّة الإمكانيات و من كثرة التضييق ، و واجبنا نحن طلبة الماء العذب ، أن نصون منابعنا و أن نخدمهم بكلّ ما نستطيع و أن نعتقد أن تعليمهم لنا لا يساوي خدمتنا لهم ، و أن نحتسب الأجر ، و نخلص العمل لله سبحانه ، و من أفضل ما يمكن للّمرئ أن يتركه بعد موته العلم ، فمن ترك علما نافعا لا ينقطع عمله بعد موته ...
و إنّ شيخنا الجليل و عالمنا الحبيب أبا الفضل عمر الحدّوشي حفظه الله قد شرع في سلسلة يشرح فيها كتاب حاشية ابن حمدون على شرح الأزهري للأجرومية ، و قد طلب منا تفريغ دروس هذه السلسلة ، و إنّ هذا الأمر لشرف لنا و إنّه -و الله- الغنيمة الباردة ، و قد وعد بأن يذكر اسم المفرّغ على الكتاب و قد يجيزه الشيخ إن لامس فيه اجتهادا و فهما ، و إنّي إذ أنادي إخواني و أدعوهم لهذا الخير و أذكرهم بزمن السّلف ، و كيف كان طلبهم للعلم ، و كيف كانوا ينسخون المطوّلات من غير كلل و لا ملل ، و لكنّ الهمم فترت في زمن الغربة الثانية ، فيا إخوتي هبّوا لمساندة شيخكم ، فكلّ ميسر لما خلق له ، و كلّ منّا ينصر دين الله من مكانه ، و الله لا يضيع أجر المحسنين .
بارك الله فيكم إخواني من كان منكم يجد من نفسه الرّغبة في التّعاون معنا على هذا الخير ، وعنده الإستطاعة على أن يتكفّل بتفريغ أحد الدّروس ، فليخبرنا بذلك لكي نعطيه درسا من الدّروس التي لم يتم تفريغها ، وسننشر بإذن الله الدّروس المفرغة تباعا ليستفيد منها الإخوة ، ونسأل الله جلّ في علاه أن يتقبّل منّا و منكم صالح الأعمال و يجعلنا وإيّاكم من أهله و خاصّته .
اللهم آمين

زين الدين نعمان
23-11-12, 09:33 PM
"الدّرس الأوّل"

(المقدمـــــات مفـــاتيـــح الكـتـب)

قال –مفرّغه- يوسف حسن المصريّ –جزاه الله خيرا-:
قــال -العلاّمة الفذّ و الشيخ الأديب و العالم اللّبيب و الخطيب المصقع الأريب - أبوالفضل عمر بن مسعود الحدّوشي الورياغليّ –حفظه الله- :

بسم الله الرحمــــن الرحيــــم

الحمد لله ربّ العالمين ، والعاقبة للمتّقين ، ولا عدوان إلاّعلى الظّالمين...
والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، سيّدنا محمّد ابن عبد الله وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.
إلهي لا تجعلنا مغرورين فنحجب نواظرنا عن أخطانا ، ونصمّ آذاننا عن النّصائح ، ونغلق تفكيرنا أمام تجارب الآخرين وجهودهم، ولا تجعلنا مخدوعين فنندفع في الباطل ونبتعد عن الحقّ، ونثق بمن لا يستحقّ شرف الثّقه..
ولا تجعلنا متكبّرين فنعطي أنفسنا ما ليس لها، ونتعالى بها عن أقرانها ونفترض لها الحقّ دائما والكمال أبدا...
ولا تجعلنا ظالمين فنأنس إلى القسوة ونسلب غيرنا حقّه المشروع في الكرامة والحرّية...
ولا تجعلنا فاشلين فنقضي حياتنا بلا غاية وأيامنا بلا رسالة، وساعاتنا بلا كفاح...
ولا تجعلنا جبناء فنضعف عن قولة الحقّ ونتخاذل عن مقاومة الباطل ونتراجع حيث ينبغي لنا أن نتقدّم...
ولا تجعلنا حاسدين فنتعذب لنعم الله على غيرنا، ونتعامى عن خيره علينا، ونقضي أيامنا بين شر واقع وآخر مقبول...
إلهي إن كنّا قد عصيناك بجهل، فقد دعوناك بعقل، حيث علمنا أن لنا ربّا، يغفر لنا ولا يبالي...
إلهي إن كنّا قد فرّطنا في طاعتك، فقد تمسّكنا بأحبّها إليك، وهي شهادة أن لاّ إله إلاّ أنت
وأن رسلك جاءت بالحق ّمن عندك...
إلهي إن كنّا قد عصيناك بارتكاب الموبقات فقد تركنا أبغضها إليك وهي الإشراك بك...
يا إلهي حقّق فيك رجائنا، وأجب بفضلك دعائنا، وانصر ديننا، وفكّ أسرى المسلمين وأسرانا جميعا...آمين آمين ياربّ العالمين..
أما بعد؛
فنستأنف إن شاء الله تعالى شرح متن ابن آجروم، وهذا الشّرح هو كالمقدّمة والمفتاح للدّخول إلى كتب النّحو لأنّ المقدّمات هي مفاتيح الكتب، فلا يمكن أن يفهم الإنسان الكتاب إذا كان يجهل مقدماته، وكما يقولون "المفتاح يكون للأبواب ، والمقدمات تكون للكتب".
حتي قال بعض العلماء : "ينبغي لكل شارع في تصنيف أو تأليف أو تدريس أن يذكر بين يدي ذلك ثمانية أشياء :
أولا: البسملة وهذا الابتداء -كما سيأتي إن شاء الله- إبتداء حقيقيّ...
ثانيا: الحمدلة وهي إبتداء إضافي وضابط
الإبتداء الحقيقي: أنه يأتي بشئ لم يسبقه شيء.
والإبتداء الإضافي: ما سبقه شيء
فالحمدلة تقدّمتها البسملة، لكنّ البسملة لم يتقدّمها شيء، فلذلك ما لم يسبق بشيء، قيل فيه إبتداء حقيقيّ، وما سبق بشيء قيل فيه إبتداء إضافيّ .
ثالثا: الصّلاة علي النّبيّ صلي الله عليه وسلم.
رابعا: الشهادتين.
خامسا: تسمية نفسه .
سادسا: تسمية الكتاب. وقد قال بعض العلماء : "الكتاب الذي جهل مؤلفه لا يجوز للمسلم أن يفتي به ".
سابعا: يأتي ببراعة الإستهلال، وهي أن يبدأ كتابه بما يدلّ على المقصود.
ثامنا: يذكر لفظ أمّا بعد.

فهذه كالأصول الأوليّة ولهذا قالوا:"من أصول علم النّحو و أولويّاته أن يعرف الطالب متن ابن آجروم و أن يتقنه جيدا"
ولذلك قالوا بصفة عامّة "من ترك الأصول منع الوصول" .
وقالوا أيضا : "من حرم الأصول حرم الوصول".
لأنّ المتون الصغيرة المختصرة تكون كالأصل والمفتاح للدخول الي الأمّهات ، وهي تعتبر كالبنات و كالعمّات و الخالات بالنّسبة إلى الأمّهات ، فلا يمكن أن يدخل الإنسان إلى أمّهات الكتب والمفاتح غير موجودة، فينبغي أن تكون له أولويّات علم النّحو، وإذا كان في أصول الفقه ينبغي أيضا أن تكون في يده مفاتيح أصول الفقه .
ولذلك التلمسانيّ ألّف كتاب " مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول"، يعني أنّه مفتاح يدخل به الطالب إلى أمّهات الكتب في علم أصول الفقه، وكذلك متن الآجرومية هو مفتاح للدّخول إلى باقي المؤلفّّات التي اعتنت بعلم النّحو من أمّهات كخلاصة ابن مالك و الكافية و الشافية وغير ذلك...
ومن حقّق هذا المتن بإذن الله يسهل عليه الدخول إلى الأمّهات...
فقد كتبه صاحبه بأسلوب سهل ميسّر ميسور الحفظ ، لمن كانت همّته عالية ، حيث جعل مسائله فقرات منسّقة منمّقة وملمّة وجامعة لمجمل قواعد وأصول و مفاتيح علم النّحو الأوّلية .

ولربما ذكر أشياء لم يذكرها ابن مالك في خلاصته "وقد يوجد في النّهر ما لا يوجد في البحر".

ويمكن أن يلمّ الطالب ويحصّل جلّ مسائله وفقراته في وقت وجيز لسهولته ويسر عباراته وإن كان يغلب علي بعض جمله وفقراته نوع إيهام وإضمار، أوتكرار في بعض الأحيان، أو اختصار لكنّه غير مخل بالمعنى، وهذا الإيهام وهذا الإضمار يبيّنه المدرس...
فهذا المتن يمكن لطالب العلم ، أن يحصله في أقرب الآجال و أقرب الأوقات، ولا سيما إن كان عالي الهمّة.

ولهذا قالوا : بأن الله عزوجل كتب لهذا الكتاب قبولا عظيما، ويذكرون قصة -الله أعلم بصحتها- بأن المؤلّف رحمه الله، لما ألّفه رمى به في البحر و قال يا ربّ إن كنت أردت به وجهك فاجعله في أيدي النّاس لينتفعوا به، وإن كنت أردت به غير ذلك فأبقه في البحر، فقيل خرج إلى جزيرة وحفظه النّاس وتعلموه واستنبطوا منه أشياء، و لذلك هذا المتن عليه شروح كثيرة ما بين مطول و مختصر، و ما بين ناظم فقد نظمها كثير من العلماء كما سيأتي -إن شاء الله- .

إذن المقدّمات مفاتيح الكتب "ومن حرمها حرم الصواب وحاد عن اللاّحب" أي الطريق الصحيح الذي ينبغي لطالب العلم أن يتبعه في الطلب -قال أبو البشر: اللاحب: الواضح و قيل الواسع و قيل الممهد، وكلها تصب في قصد العلامة الحدوشي-.

ولذلك قالوا:" من دخل إلى الحواشي قبل ضبط المقدّمات والمفاتيح و المتون بقي بلا شيء"، لأنّه لا يمكن لإنسان أن يدخل للمقدّمة وهو لم يتقن بعد أولوّيات هذا العلم ، وأولوّياته هي مفاتحه ، ولذلك ترون في بعض الأحيان في تراجم الأئمة الكبار أنهم يقولون:"فلان كان عالما جهبذا نحريرا ودرس كتاب كذا وكذا" ويذكرون رسالة صغيرة لربّما لا تفيد المبتدئ ولا يحتاج إليها المنتهي، ليبينوا لك أن الرّجل أخذ العلم على أصوله، أي بدأ بصغار العلوم ولم يطر مباشرة إلى الأمّهات وترك البنات لم يتقنها ولم يفتضّ أبكارها.
ولذلك قال أحد المشايخ عندما ذهب إليه بعض الطلبة أرادوا أن يأخذوا عليه جمع الجوامع للإمام السبكيّ ، فقال لهم: "تركتم الأجرومية تبكي، و أتيتم إلى ابن السبكيّ"، يعني هذا أن العلم لا بد أن يؤخذ على أصوله.
ولذلك فسر عبد الله بن عباس قوله تعالى " ولكن كونوا ربانيّين" قال الربانيّ : "هو الذي يعلم النّاس على صغار العلوم قبل كبارها" ، وإلا ضاع سعيه بدون فائدة. –قال أبو البشر: هذا إدراج رائع لمعنى مركز من العلامة الحدوشي-.
فالحواشي لا ينبغي أن يدخل إليها الإنسان قبل ضبط عبارات المتن وقبل ضبط المقدمات وقبل ضبط المفاتيح وإلا بقي بلا شئ ، و لذلك يقولون: "من دخل إلى الحواشي بقي بلا شيء".
ولهذا فبعد حفظ المقدّمات والمفاتيح والحقائق والماهيات المختصرة ينتقل الطالب إلى مخخة المتون ، كما قال جار الله الزمخشريّ :" الزيت مخ الزيتون والحواشي مخخه المتون".
ولذلك قالوا :" من أصل حصل وتأصل".
يعني: من أصل حفظ الأصول والمقدمات وحصلها تأصل، يكون له أصل وأرضية يقف عليها، ومن ثبت نبت، ومن أثبت العرش نقش، كما قيل قديما أثبت العرش ثم انقش، فلا يمكن أن ينقش الإنسان على الهواء لا بد من إثبات العرش.
والمتون المختصرة معيار العلوم، ومحكّ الأنظار والفهوم، فلابدّ من البداية بها، لأنّها تجعل للعلوم أساسا متينا ، وضبطا رصينا، ويتحصّل بها على ملكة سميكة قويّة .
وقد قلت في نظم شذرات في نظم كتاب الورقات:

الفـقـه ميزان العلوم المقسـط *** من حرم الأصول ذا مفرّط

وهو من الأصول في حرمان *** مبتعد عن منهج الرحمن

فأنت قل "النحو" محل "الفقه"

ومن التنبيهات التي يبنبغي أن يحفظها طالب العلم ، و يستحضرها عند دراسة كل فنّ، أن لا ينتقل من متن إلي آخر بلا موجب.

ومن أخذ بهذه النّصائح بإذن الله عزّ وجلّ سيحقّّق أشياء كثيرة ، لأنّ هذه العلوم تسمّى بعلوم الآلة و يسمّونها أيضا المعقولات، فالعلوم تنقسم إلى قسمين معقولات ومنقولات، و لا يمكن للإنسان أن يحصّل المنقولات وهو يجهل المعقولات، فلابدّ أن تكون في يده المفاتيح، وهذه العلوم لا تراد لذاتها إنما تراد للعمل، لتفهم كتاب الله و تفهم سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لهذا فلا بد أن تكون ملما بعلوم الآلة، و تضبط المتن قبل الإنتقال إلى متن آخر .

ومما ينبغي لطالب العلم أيضا، ألاّ يشتغل بالمطوّلات والأمّهات قبل ضبط وإتقان المختصرات والبنات ، فلابدّ أن يحصّل أصولها، وأن يضبط مفاتيحها، وأن يحفظها، ولابدّ أن يحرّر مسائلها" ولا يكون همه أن يختم الكتاب وكفى، فيخرج منه كما دخل، كما قال القائل يخرج "صفر كف لم يساعده السبب".
وألاّ يكون عمله سبهللا، إذا لابد أن يخرج وقد حصّل ، وأن لا يخرج منه و قد حصّل الختم الجامد والأجوف مع الضجر والسآمة والملل و العناء و النصب و التعب و الكلل و تشويش العقل و البال "فأفعال العقلاء تصان عن العبث".
وعليه بالجد والاجتهاد ليحصّل " إعط العلم كلك ليعطيك بعضه".
ولذلك قالوا "من جدّ وجد ، ومن زرع حصد، ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد"
فالعلم لا ينال براحه البال ، وقد سأل سفيان الثوري أحد طلبة الحديث فقال : ما حرفتك ؟ قال : طلب الحديث، قال أبشر إذن بالفقر".
وكما يقول الشيخ الألباني رحمه الله " كان أبوه يقول له:" علم الحديث صناعة المفاليس" وهذا يقوله الفقهاء الجامدون والصّحيح أنه سيتعب الإنسان ، و لاسيّما وأنّ الذين يحصّلون العلوم هم أبناء الفقراء , ولذلك قالوا :"لولا أولاد الفقراء لضاع العلم ".
وقال أحدهم" لو كلفت بشراء بصلة ما فهمت مسألة".
وقالوا "أيضا من كان في مسؤولية فقلبه و عقله مدله".
ولذلك أعود وأقول : لا يكن همك يا طالب العلم ختم الكتاب وكفى، وقد قال سيدنا عبد الله بن مسعود: " فليكن همك ما في الكتاب لا ختم الكتاب" يعني هذا: لا يكن همك ختم الكتاب دون تحصيل ما في الكتاب.
ولذلك قال عبد الله بن عباس :"إن أحدهم أي حملة القرآن، ليقرأ كتاب الله من أّوله إلي آخره وما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به".
وقال أيضا في أثر فيه مقال ولكنّه صحيح من جهة المعنى : "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" وهذا الأثر لا يصّح مرفوعا وعلى أن له طرقا فيمكن أن يكون حسنا ولكنّه موقوف على عبد الله بن عبّاس.

ولهذا فطالب العلم ينبغي أن لا ينتقل من كتاب إلى كتاب حتى يضبط أصول الكتاب ومقدماته و يحرر عباراته، و إلا أكثر التجوال بين الكتب دون فائدة.

ولذلك أوصي الطالب بقراءة كتاب " حلية طالب العلم " للعلامة بكر أبي زيد –رحمه الله-، وهو كتاب جيد وفيه يقول:"وعليه فلابدّ من التأصّيل والتأسّيس لكلّ فنّ تطلبه"، والفنّ هو عبارة عن علم من العلوم، وقد أصبحت مع الأسف هذه الكلمة تطلق على الرقص و اللأغاني و الرّسم، أما في الأصل فكلمة فنّ تطلق على العلوم يقال فنّ النّحو، و فنّ أصول الفقه...
وهكذا فكل فنّ لابدّ أن يتأصّل فيه الإنسان، ويتأسّس فيه ويضبط أصله ومختصراته حفظا ثم شرحا على شيخ متقن، وأن يأخذ الطلب بالتدريج والتأنّي لا أن يبدأ اليوم بالتدريس و يريد أن يصبح شيخا في المساء، وأن يحصل و لا ينتقل حتى في القرآن يضبط حزبا جيدا ثم ينتقل لحزب آخر، وكما هو معلوم أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقي في سورة البقرة ثمان سنوات و في رواية إثنتي عشرة سنة، لا أنّ فهمه ضعيف ، ولا أنّ حفظه ثقيل ، وإنّما لم يخرج من سورة البقرة حتّى حقّق ما فيها من الأوامر والنّواهي و الأخبار، وقد بالغ ابن العربي المالكي فقال بأنّ في سورة البقرة، ألف أمر وألف نهي وألف خبر و ألف حكم، ولذلك فلا ينبغي للطالب أن يخرج من فنّ حتى يتقنه جيّدا.
وينبغي أيضا ألاّ يأخذ العلم من الكتب، لأنّه سيفسد أكثر مما يصلح، هذا إذا أصلح!

لأنّ السلف قالوا:"إنّ العلم كان في صدور الرّجال ثمّ انتقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدي الرّجال".
لأنّ: "الكتاب الولد المخلد". –قال أبو البشر: هذه كناية مشهورة بالغ مطلقها –إذ الخلود لله سبحانه- و قصده التشجيع على الكتابة لمضي أجرها للحديث المشهور و الذي فيه "... أو علم ينتفع به..."- ولابدّ للطالب من أن يجمع بين الحفظ و الفهم، ولابدّ له أن يقيّد الفوائد التي تمرّ به، "فما حفظ فرّ، وما كتب قرّ" أنّ الحفظ خوان والعلم ينبغي أن يقيّد، قيّدوا العلم بالكتابة.
وقال أيضا العلماء :" ينبغي أن يكون تلقي العلم عن الأشياخ، لأنّ هذا هو الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتذة، وعن مثافنتهم للأشياخ وملازمتهم ، والأخذ من أفواه الرّجال، لا من الصحف وبطون الكتب".
لأنّ الأوّل من باب أخذ النّسيب عن النّسيب وهوالنّاطق، لكنّ الأخذ من الكتاب إذ هو جماد، إذن كيف يتصل له النسب؟! وهو قد أخذ من جماد، لذلك قيل قديما:"من دخل في العلم وحده خرج وحده".
بمعنى أنه ينبغي للطالب أن يأخذ العلم عن الشيوخ مثافنة وملازمة لهم.
وهذا العلم إنما هو صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانعها، والعلماء هم أهلها و صناعها، فلابدّ إذن من تعلم هذه الصنعة من معلمها الحاذق، ولذلك قالوا "من كان دليله كتابه، كان خطأه أكثر من صوابه".
وقال الله عزّ وجلّ" وحصّل ما في الصّدور".
ولذلك قال العلماء -قاطبة-:" من كان دليله كتابه، كان خطأه أكثر من صوابه"
وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمة من أهل العلم إلا خلافا و شذوذا لا يلتفت إليه.

وليس كل خلاف جاء معتبرا*** إلاّ خلاف له حظّ من النّظر

ولذلك قالوا ردا على عليّ بن رضوان المصري العروف بالطبيب حيث زعم أنّ الأخذ ينبغي ان يكون من الكتب وليس علي المشايخ، وقد رد عليه علماء عصره و من بعدهم ، حتّى قال الحافظ الذهبيّ في ترجمته له :" ولم يكن له شيخ بل اشتغل بالأخذ عن الكتب" والمصيبة أكثر من هذا تصنيفه لكتاب في تحصيل الصناعة من الكتب، و أنّها أوفق من المعلّمين، وهذا غلط".
وقد قالوا لا يوجد عالم يقول بهذا إلاّ عليّ بن رضوان المصريّ.
حتّى إنّ الصفدي -رحمه الله- بسّط في الردّ عليه في كتابه" الوافي" ورد عليه ردا علميا رصينا.
وكذلك أيضا الزبيدي رد عليه في " شرح الإحياء" ردّا علميا.
ولماذا هذا؟
لأنّه يوجد في الكتب أشياء لربّما تصدّك عن العلم ولا تحثك عليه، أشياء مغلقه صعبة، ولكن هذه الأشياء معدومة عند المعلم فاذا ذكرعبارة يبيّنها ويفسّرها لك .
وربّما تجد في الكتاب تصحيفا عارضا، ولا سيما في الزمن الذي كانت فيه الكلمات خالية من النقط و الشكل، والغلط يحصل أيضا بزوغان البصر، و يحصل بقلة الخبرة بالإعراب، أوبفساد الموجود منه ، لكنّ الشيخ هو من يبيّنه.
ومما ذكره العلماء:"لا تأخذ العلم من صحفيّ، ولا القران من مصحفيّ"
وكثير من الناس يفهمون من هذه العبارة فهما غير مراد، فليس المعنى لا تقرأ القرآن من المصحف، إنما المعنى المراد لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف ولا الحديث و غيره على من أخذه من الصحف، وليس له في ذلك شيخ .

وكما هو معلوم أنّ ألفية ابن مالك رحمه الله اشتهرت اشتهارا عظيما ، ومع ذلك كان أبو حيّان محمد بن يوسف الاندلسيّ اذا ذكر عنده ابن مالك يقول:" وأين شيوخه؟! قالوا لأنه لم يأخذ العلم من المشايخ.
فلذلك قال الوليد بن مسلم :"كان الأوزاعيّ رحمه الله يقول كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرّجال بينهم، فلمّا دخل في الكتب دخل فيه غير أهله " قال أبو البشر:الوليد بن مسلم هو أبو العباس الدمشقي المدلس المشهور بتسويته و إدراجه".
كان في القرون الأولى المفضلة يأخذ العلم أهله و ليس كل من هبّ و دبّ، حتّى إنّهم كانوا يمتحنون الطلبة قبل تلقينهم العلوم.
وهناك طرق اتبعها العلماء في دراسة المتون المختصرة، وهي طرق جيّدة قال ابن بدران -رحمه الله- :إهتدينا بحمد الله تعالى أثناء الطلب إلى قاعدة، كنّا نأتي إلى المتن أوّلا فنأخذ منه جملة كافية للدّرس، -خذ مثلا متن الأجرومية "الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع"- ثم نشتغل بحل تلك الجملة من غير نظر إلى شرحها.
يأخذ فقرات من المتن ويحاول هو ومن معه من الطلبة فهمها، وكما يقولون العلم بين اثنين لا يصعب، فهذا يسمع من هذا فائدة و الآخر يسمع منه فائدة، ويسجلها ويقيّدها ولابدّ من التقيّيد، ومعلوم عندنا في المغرب يقولون "الكلام إذا دار بين اثنين شاع، و العلم إذا لم يقيّد ضاع"، ولذلك يقولون: "حفظ سطرين خير من حمل وقرين"، إذا أتوك بوقرين من الكتب و لكنّها مسنّدة ومرتبة في المكتبة ، فمن الأفضل هل هذا الرجل الذي عنده كتب كثيرة؟ أم الذي حفظ سطرين في اليوم ؟ لا شكّ أن الذي حفظ أفضل، أما الأوّل كمثل الحمار يحمل أسفارا.
ثم قالوا و المذاكرة بين اثنين أفضل من هذين، ولهذا فلابدّ من المذاكرة و الإستماع لأنّك بإستماعك لغيرك تطعم فوائدك و تتلاقح الأفكار، و من سمع للبليغ حصّل البليغ، وأن لا يستحيي الإنسان، فإن سكتّ لحياء أو لكبر، تبقى على جهلك طول العمر، لا ينال العلم إثنان مستحيّ ومتكبّر.
وقد قال الإمام البخاري رحمه الله لا يمكن أن يصبح الرّجل إماما حتّى يأخذ العلم عمّن فوقه وعمّن دونه وعمّن هو في مثل سنّه، وهذه المسألة موجودة عندنا في المغرب تسمّى بالمطالعة و المراجعة، قبل درس الأستاذ يكون مطالع ليسّهل على الطلبة العبارة، وبعد درس الأستاذ يكون المطالع ليحصّل الطالب ما قاله الأستاذ وليبيّن ما شرد عليه ذهن المبتدئ، فيقول العلاّمة ابن بدران الدمشقي: كانوا يأخذون جملة من فقرات المتن الكافية للدرس، ويشتغلون بحل ألفاظ تلك الجملة، يشرحونها دون أن يرجعوا إلى الشارح، فإذا فهموا المتن يزاولونه بالأمثلة، فاذا ظنوا أنهم قد فهموا آنذاك يرجعون الي شرح المتن يطالعونه المطالعة الأولى امتحانا لفهمهم الذي فهموه، فإذا وجدوا أنفسهم أنّ الذي فهموه صحيح تابعوا الطريقة، فاذا وجدوا أن الذي فهموه غلط، أقبلوا علي الشرح ليفهموا الفهم الصّحيح السّليم، وهكذا حتّي إذا أتوا على المتن كاملا أخذوا عليه نظرة ورجعوا إلى حواشيه إن كانت له حاشية، وهذه المراجعة إمتحانا لفكرهم، ويقول ابن بدران فإذا علمنا أنّنا فهمنا الدرس تركنا الكتاب واشتغلنا بتصوير مسائله في أذهاننا، فحفظنا حفظ فهم وتصور، لا حفظ التراكيب والألفاظ، ثم قال ابن بدران فنجتهد على آداء معناه بعبارات من عندنا، غير ملتزمين بتراكيب المؤلف، لا يلتزمون بتراكيب المؤلف أما الآن فيتقيدون بتراكيب المؤلف ومع متن المؤلف فإذا فهموا يأتون بأمثلة أجنبية عن الشرح، ثم يذهبون عند الأستاذ للقراءة، ليمتحنوا أفكارهم في حل الدّرس و يقوّمون ما عساه أن يكون به اعوجاج أو خلل لم يتنبهوا له.
فمن هذه الناحية يوفرون الهمة على ما يريده الأستاذ ممّا هو زائد في المتن والشرح، فيكونوا قد فهموا المتن و الشرح وزادوا شيئا آخر ذكره الأستاذ لم يكن موجودا في الكتاب.
ثم قال رحمه الله:" وكنا نرى انّ من قرأ كتابا واحدا من فنّ على هذه الطريقة سهل عليه جميع كتب هذا الفن" سواء كانت مختصراته أو مطولاته ويثبت قواعده في ذهنه ".
وقال تلميذه محمد بن عثمان رحمه الله :"كان يقول لنا شيخنا: لا ينبغي لمن يقرأ كتابا أن يتصور أنّه يريد قرائته مرة ثانية، لأنّ هذا التصور يمنعه عن فهم جميع الكتاب" ثم قال محمد بن عثمان: " لمّا أخذنا نصيحته مأخذ القبول لم نحتج في القراءة على الأساتذة في العلوم والفنون إلى أكثر من ست سنين" .
هذه نبذة مختصرة على مقدمات الكتاب ومفاتيحه، وطريقة التعليم، وكيف ينبغي أن يأخذ الانسان العلم؟

وعندنا الآن مسألة أصل نشوء اللّغة العربيّة

السؤال : هل أصل نشوء اللّغة توقيفيّ أم اجتهاديّ وجهد بشري صرف؟
الجواب : هذا فيه قولان عند العلماء:
الأول: قالوا أن أصل اللّغة بصفة عامّة أوّلية توقيفي ربّانيّ وليس اجتهاديّ ، وهذا قال به كثير من العلماء من أهل التفسير وبعض علماء اللّغة العربية وحجتهم في ذلك قوله تعالي " وعلم آدم الأسماء كلّها".
أيّ: علمه أسماء المسميّات التي يتعارف عليها الناس ، كالأرض و السماء و الأشجار و الأحجار والبحار و الأودية وأسماء الحيوانات و الهوام و الدواب و الطيور، هذه كلّها علّمها الله لآدم عليه السّلام.
قال الحافظ بن الجوزي في "زاد المسير في علم التفسير" عند قوله تعالى وعلّم آدم الأماء كلّها"
الأسماء التي علّمها الله لآدم على قسمين:
الأول : علّمه كلّ الاسماء وهذا قول حبر الأمّة عبد الله بن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة
الثاني:أنه علّمه أسماء معدودة لمسميّات مخصوصة.
ثمّ قسّم العلماء هذا القسم إلى أقسام أربعة:
الأوّل : أنّه علّمه أسماء الملائكة.
الثاني : علّمه أسماء الأجناس دون أنواعها -قاله أبو العالية- فهنا تدخل الملائكة و كل الحيوانات وكل من يدبّ على الأرض لأنها أجناس.

الثالث : علمه أسماء ما خلق من الأرض من الدواب والهوام والطير.

الرابع : علّمه أسماء ذرّيّته وهذا قال به ابن زيد.
مع أن ّ ابن كثير رحمه الله في تفسيره يبيّن أنّ الله تعالى علّم آدم الأشياء كلّها ما كان كائنا منها وما سيكون إلى يوم القيامة ، باللغة التي كانت كائنة، وقيل علّمه بكلّ لغة ستكون إلى يوم القيامة، وهذا رسول الله صلي الله عليه وسلم. كان يفقه كلّ الألسنة...
أما الزمخشريّ المعتزليّ في كشافه يرى أنّه علّمه أحوال اللّغة وأحوال المسميّات وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية.
فيشير كأنّه علمه حقائق التفسّير، وما لها من قوانين النفع والضرّ مثاله قوله صلي الله عليه وسلم" كلّ ما أسكر كثيره فقليله حرام"
والآن اكتشفوا أكثر من ثلاث مائة نوع من المسكرات لم تكن معروفة في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
ومن المتأخرين عبد الوهاب النّجار عنده كتاب " قصص الانبياء" ولا يعتمد عليه فهو حاطب ليل وجارف سيل ّ ويظنّ أنّ كلّ جمرة تمرة، وكلّ شحمة لحمة، فهو ليس من أهل النّقد وليس من أهل الحديث، ولكن له بعض الكلام مهمّ جدّا فمثلا يقول :"أنّ الله عزّوجلّ علّم آدم جميع الأشياء التي في جنّة عدن ، وألهمه وأقدره على وضع إسم لكلّ ما تقع عليه عينه هناك، كما ألهم الطفل أنّه يعرف موضع الطعام، وألهم الحيوانات المفترسة لترحم أولادها، وهدى الإنسان ثم هديناه النّجدين، فآدم ألهمه الله سبحانه و تعالى أيّ شيء تقع عليه عينه إلاّ ويضع لها إسما خاصا بها من زروع و أشجار وثمار ولبّ ونوى وغير ذلك جميع الأوعية و الأدوات التي كانت هناك في الجنّة وجميع ما فيها من حيوانات و أجزائه لاحتياجه إليها .
وكذلك قال آخر نزيد على ما قال النّجار :"أن الله بثّ في آدم سرّ الإهتداء إلى خصائص الأشياء".

زين الدين نعمان
23-11-12, 09:56 PM
"الدّرس الثّاني"

(أهميّة اللّغة العربيّة وأصل نشأتها)

قال مفرّغه أبو البشر الدكاليّ : قال شيخي أبو الفضل -حفظه الله-

بسم الله الرحمــــن الرحيــــم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحابته أجمعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد ؛
فنستأنف الدرس الثاني من المرحلة الأولى في علم النحو، سبق في الدرس الأول الكلام على بعض القواعد النحوية التأصيلية، و كما لا يخفاكم أن أفضل ما في الطلب تحصيل وجمعُ كلِ درس سبَق لك في عبارة مختصرة، والتحصيل عنوان الفهم، و لذلك عندما يعرفون التحصيل يقولون : جمع كلام سابق في عبارة مختصرة . و يا حبذا لو طالب العلم يتعلم هذه الطريقة و يعمل بها .
لعلكم لو تتعلمون هذه الطريقة وتعملون بها، فما أحوجنا إلى من يكتب مثلَ هذه الفوائد بماء العمل بدل ماء الذهب، وسواد العين، فلا نريد فوائد مشبكةً بذوبان الذهب، بل بهمة عالية وبالتطبيق العملي، ولذلك قال وكيع: (استعينوا على الحفظ بترك المعصية). انظر: (روضة العقلاء) (ص:39).

وقال الإمام أحمد: (استعينوا على حفظ الحديث بالعمل به).

قال الإمام الذهبي-رحمه الله تعالى-في: (تاريخه) (4/383/رقم:150-ترجمة: سفيان الثوري): (فعن وكيع أن والدة سفيان قالت له: يا بني اطلب العلم وأنا أعولك بمغزلي، وإذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في الخير، فإن لم تر ذلك فلا تتعَنَّ). أي لا تتعب نفسك في الطلب ... لأن العلم يراد به العمل .

يا طالب العلم: عند ما تحفظ حديثاً، أو: قاعدة، أو: فائدة، استحضر نصب عينيك العمل بها حتى ترسخ في الذهن وتثبت، أما إذا كان همك من الحفظ والعلم: القول فقط فاعلم أنه سيرحل من صدرك بمجرد ما تفرغ من القول... أي: بمجرد ما تلقي منه خطبة، أو: موعظة، أو: محاضرة-تتلاشى وتتبخر ربما في المسجد. لأنه حصله لا ليعمل به و لكن ليقوله للناس .
فينبغي على طالب العلم أن يتعلم كيف يلخص الدرس، فإذا لخص الدرس و حصل ما فيه من القواعد المهمة فهذا عنوان الفهم . و هذا إن دل على شيء فإنه يدل على ملكة عند الطالب ، و الملكة لا تحصل هكذا ! إنما تحصل بالجد و بالاجتهاد و بالمصابرة و العمل و المراجعة و بتقييد الفوائد... و إلا –للأسف- يخرج من الفن كما دخل فيه ...

نرجع إلى تلخيص الدرس السابق ليقع الترابط بينه وبين درسنا اليوم: سبق أن قلنا إن: (المقدمات هي مفاتيح الكتب)، و(من ترك الأصولَ، مُنع الوصول)، و(من حرم الأصول، حرم الوصول)، و(من دخل إلى الحواشي بقي بِلا شيء) و قد ذكرنا في ما سبق منهجية ابن بدران و منهجية ابن عثمان – قال أبو البشر : يقصد شيخنا الإمام العلامة الأصولي عبدالقادر بن أحمد بن مصطفى المعروف بابن بدران الدمشقي –رحمه الله تعالى- و تلميذه محمد بن عثمان- ، " .. كيف كانوا يأخذون قسطا من المثن و ينظرون فيه و يقومون بحل ألفاظه حتى إذا فهموه اختبروا فهمهم بالرجوع إلى شراح المتن و الحواشي، ثم بعد ذلك –إذا علموا أنهم قد حصلوا- يجتهدون بابتكار الأمثلة الأجنبية من عندهم دون أن يعتمدوا على الشرح أو على الحاشية، وكما قلنا كلام الزمخشري: (الزيتُ مخُّ الزيتون، والحواشي مِخَخَة المتون)، و(مَن أصَّل حصَّل وتأصَّل)، و(مَن ثبت نبتَ)، و(مَن أثبت العرش نقش)، من باب: (أثبِت العرش ثم انقش)، و(المتون المختصرة معيار العلوم ومحكُّ الأنظار والفهوم)،و طبعا هذه القواعد لا تقال هكذا لتحفظ فقط، و إنما ليعمل بها الإنساس و يمتثل ما فيها. فالمتون المختصرة في كل فن من الفنون معيار العلوم و محك الأنظار و الفهوم ... كما قلت في منظومتي المسماة: (شذرات في نظم كتاب الورقات):


الْنحو مِيزَانُ الْعُلُومِ الْمُقْسِطُ*** مَنْ حُرِمَ الأُصُولَ ذَا مُفَرِّطُ

وَهْوَ مِنَ الأُصُولِ فِي حِرْمَانِ*** مُبْتَعِدٌ عَنْ مَنْهَجِ الرَّحْمَانِ


و يجب على طالب العلم أن يكون همه تحصيل ما في الكتاب لا ختم الكتاب، لقول سيدنا عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-: (فليكن همك ما في الكتاب-أي: تحصيل ما في الكتاب-لا ختم الكتاب)، وأن (لا يكون الطالب في طلبه سبهللاً)، يَخرج من الكتاب: (صُفرَ كَفٍّ لم يساعده السبب)، وعلى الطالب أن يحدد هدفه لأن: (أفعال العقلاء تصان عن العبث)، و(مَن عرف ما قصد هان عليه ما وجد) و العلم لا ينال براحة البال، و لولا أولاد الفقراء لضاع العلم، و لو كلفت بشراء بصلة ما فهمت مسألة ، و(من جد وجد، ومن زرع حصد) فما عليك –يا طالب العلم- إلا الاجتهاد، و لا طالب علم محروم ، و ينبغي أخذ العلم عن أهله ولذلك قال العلماء "لا تأخذ العلم من صحفي ولا القرآن من مصحفي" . وقال الإمام الأوزاعي: (كان هذا العلم كريماً يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله) و لذلك ينبغي على الإنسان ألا يدخل العلم بدون شيخ، و إياك أن تتكلم في مسألة من المسائل دون أن يكون لك فيها شيخ .وقد قيل: "من دخل في العلم وحده خرج وحده" يعني من غير تحصيل، يخرج كما دخل،و كثير من الناس يجعل الكتاب دليله، وقديماً قيل: (مَن كانَ دليلُه كتابَه، كان خطؤُه أكثرَ من صوابه).

وقد بينا فكرة العلامة ابنِ بدران في كل متن، وطريقة محمد بن عثمان، كما تكلمنا على أصل نَشْأة اللغة العربية بصفة عامة هل نُشوؤها توقيفي رباني؟ أم هو اجتهادي فرداني؟ هما قولان:



الأول:

قالت طائفة من أهل العلم: أصل اللغة العربية توقيفي رباني، والدليل على ما قلنا: قوله تعالى في أوائل سورة البقرة: (وعلم آدم الأسماء كلها) أي: أسماء المسميات التي يتعارفها الناس من أرض وجبال وسهول وأودية وحيوان...

بل قال بعض أهل العلم: علم آدم أسماء كلِ المسميات حتى الملعقة، وعلَّمه كلَّ ما يحتاجه الإنسان في حياته الدنيوية، ويتعامل به بنو آدم في حياتهم اليومية وما أشبه ذلك،و اختلفوا في المسألة: أ كان الأمر دفعة واحدة، أم على مراحل و أطوار متعددة ؟ إلا أن الصحيح أن الأمر لم يكن دُفعة واحدة، بل اللغة جاءت ومرت بمراحل وأطوار عديدة ومتنوعة. أي أنه لم يعلمه كل المسميات دفعة واحدة...
و لربما إذا قيل أن هذا الأمر قد يكون معجزة لنبينا آدم عليه الصلاة و السلام، و لعل الأمر كان دفعة واحدة معجزة من الله، و لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ...
و على كل فنقول المسالة فيها أخذ ورد ، فمن العلماء من قال علمه الأسماء دفعة واحدة و منهم من قال : علمه تلك الأشياء و لكن بمراحل و أطوار متنوعة و عديدة ...

والشأن في هذا كما قال ابن فارس في معرِض حديثه عن توقيف اللغة: (وليس معنى ذلك أن اللغة كلها جاءت جملة واحدة، وإنما المعنى أن الله علم آدم ما شاء، ثم علم بني آدم بعده ما شاء أيضاً حتى انتهى الأمر إلى نبينا-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-فآتاه الله ما لم يؤت أحداً من قبله).
و لذلك كان صلى الله عليه وسلم (هو أفصح من نطق بالضاد)، ويروى في هذا حديث بلفظ: (أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش) (لكن لا أصل له مرفوعاً-كما قال ابن كثير). و لكن من جهة المعنى فمعناه صحيح، فهو صلى الله عليه وسلم افصح من نطق بالضاد .
و هذا الخلاف كله ناتج من لفظ العموم " و علم آدم الأسماء كلها " و سيأتي أن " ال" لها عشرون معنى، و عشرون قسما ...

قال شيحنا العثيمين في: (تفسير القرآن الكريم) (1/106/رقم الآية:31) عند قوله تعالى: (الأسماء): (جمع (اسم)، و(ال) فيها للعموم بدليل قوله تعالى: (كلَّها) وهل هذه الأسماء أسماء لمسميات حاضرة، أو: لكل الأسماء؟ للعلماء في ذلك قولان، والأظهر أنها أسماء لمسميات حاضرة بدليل قوله تعالى: (كلَّها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء) وهذه الأسماء-والله أعلم-ما يحتاج إليه آدمُ وبنوه في ذلك الوقت). فقوله تعالى: " عرضهم " و قوله تعالى: " هؤلاء " دليل على أنها أسماء لمسميات حاضرة... فهؤلاء اسم إشارة ، و كما سبق أن عرفنا الإسم بقولنا : كلمة دلت على المعنى في نفسها و لم تتعرض للزمان وضعا، و تنقسم إلى ثلاثة أقسام ظاهر و مضمر و مبهم، و الظاهر هو الذي يظهر معناه بدون واسطة تكلم أو خطاب أو غيبة،و المبهم هو الذي لا يظهر معناه إلا بإشارة أو جملة تذكر بعده لبيان معناه،-يعني باسم إشارة أو اسم موصول- و الشاهد عندنا أن الله سبحانه أشار و لا يشار إلى المعدوم فقال : ( و علم آدم الأسماء كلَّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء) أي بأسماء هذه المسميات... و قيل أن هذه الأسماء هي ما يحتاج إليه آدم –عليه السلام- و بنوه في ذلك الوقت... و بهذا كله تكون أسماء لمسميات حاضرة.

القول الثاني:أنها أسماء لمسميات غير حاضرة أراها لآدم –عليه السلام – بطريقة الله أعلم بها، و لكن هذا بعيد. --قال أبو البشر: هذا بعيد فهما لا قدرة... أي أن الله سبحانه لا يعجزه شيء و لكن فهم هذا الأمر من الآية فهم بعيد، و هذا شيء جلي واضح و ما ذكرناه إلا دفعا لمنكر الفهم- قال شيخنا أبو الفضل –حفظه الله- : و الصحيح أنه سبحانه علمه أسماء لمسميات حاضرة.

و الثاني :

أصل اللغة اجتهادي: و معناه أنه حصل فيها مواضعة.
ومن قال به رد على أصحاب القول الأول، و من القائلين بالقول الثاني والرادين على أصحاب القول الأول ابنَ جِني إذ لم يسلِّم هذا القول -القول بأن أصل اللغة توقيفي- في: (خصائصه) حيث قال: (إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، وذلك بأن يضع حكيمان أو: ثلاثة لكل واحد من الأشياء سمة ولفظاً -كذا قال-).

ويا حبذا لو قال: (إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة وذلك بأن يضع حكيمان أو: ثلاثة لكل واحد من الأشياء اسماً ومسمى :

والمسمى المرسوم بالذوات *** والإسم هو اللفظ عن السادات

أو: يقول: أن يضع حكيمان أو: ثلاثة لكل واحد من الأشياء ذاتاً، وحدثاً، ورابطة للحدث بالذات، فالذات المراد بها الاسم أو المسمى عند من يرى الفرق بينهما، والحدث الفعل، والرابط بينهما الحرف - كما سيأتي في أقسام الكلام، عند قول ابن آجُروم: "وأقسامه ثلاثة اسم وفعل وحرف جاء لمعنىً"- .

ولهذا كانت اللغة العربية - كما قال بعض العلماء-: من أغنى لغات البشر ثروة لفظية تستوعب حاجات الأمة الحسية والمعنوية، واللغة العربية تمتاز على سائر اللغات بمثالية عميقة صريحة، وهي عظيمة الأثر في تكوين وتلقيح وتطعيم عقلية المسلم، وتقويم لسانيه (القلم واللسان) كما قال شيخنا الدكتور تقي الدين الهلالي –رحمه الله-، ولهذا السبب قال الشاطبي: (الملكات الحاصلة للعرب أحسنُ الملكات، وأوضحُها إبانةً عن المقاصد لدلالة غير الكلمات على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعيِّن الفاعل من المفعول والمجرور-أي: المضاف إليه-... من غير تكلف ألفاظ أخرى.. ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب، وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو: حال لا بد لها من ألفاظ تخصه بالدلالة-ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول مما نقدره بكلام العرب) و تصوروا المترجم عندما يتكلم العربي كلمة واحدة و المترجم يبقى فيها دقائق، لأن اللغة العربية حمالة الوجوه –قال أبو البشر: وهذا ظاهر في المقارنة -مثلا- بين حجم المصحف و حجم ترجمته- فاللغة العربية ثرية بمثالية و لذلك خص نبينا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا: (بُعثت بجوامع الكلم).

قال الزهري -فيما ذكره البخاري- : (جوامع الكلم-فيما بلغنا-أن الله يجمع له الأمورَ الكثيرةَ التي كانت تُكتَب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحوِ ذلك).

فجوامع الكلم التي خُص بها - صلى الله عليه وسلم- نوعان -كما قال ابن رجب الحنبلي –رحمه الله- :

أحدهما:
ما هو في القرآن كقوله تعالى: (إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) و هذه من جوامع مكارم الاخلاق، والآية جمعت و أوعت في الأمر و النهي. روى البيهقي في شعبه والسيوطي في (الدر المنثور) وغيرهما أن الحسن البصري قال: (لم تترك هذه الآية خيراً إلا أمرت به، ولا شراً إلا نهت عنه) قال العلامة الحدوشي معلقا : " سبحان الله وفعلا، حتى قال البعض : لو لم يكن بين أظهرنا من كلام الله –عز وجل- في فضائل الأخلاق و مكارمها، و في الأمر و النهي إلا هذه الآية لكفت الأمة و لكفت البشرية جمعاء، فكأن كلام الحسن البصري –رحمه الله- خرج من بين ثنايا نبينا صلى الله عليه و سلم، فهذا الكلام يشبه كلام النبوة" كذلك قوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) و كذلك قوله تعالى : (و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا و بالوادين إحسانا ) و كذلك قوله تعالى : (و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا ) و كذا قوله تعالى : (و أمرهم شورى بينهم ) و كذلك قوله تعالى : (خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين ) آيات حروفها قليلة لكن جمعت الخير من جميع أطرافه...
فعبارات و ألفاظ هذه الآيات صغيرة ، و لكنها جامعة مانعة، و الأمثلة كثيرة، و هناك من خص هذا النوع بالتآليف ... و يقاس على هذه الأمثلة ...

و الثاني:

ما هو في كلامه - صلى الله عليه وسلم - وهذا كثير خصه العلماء بالتآليف والأجزاء الطويلة و القصيرة، كالحافظ أبي بكر بن السني –تلميذ النسائي، و يقال هو الذي لخص السنن الصغرى، وهو صاحب كتاب عمل اليوم و الليلة- له كتاب سماه: (الإيجاز وجوامع الكلم)، والقاضي أبو عبد الله القضاعي له كتاب سماه: (الشهاب في الحكم و الآداب) و السنة فيها أمثلة كثيرة جدا، ومن ذلك قوله-صلى الله عليه وسلم-: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، و(الحج عرفة)، و(البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، و(أَلحقوا الفرائض بأهلها)، و(كل مسكر حرام)، و(أربع من كن فيه كان منافقاً) و(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ، و(لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيرتغدو خماصا وتروح بطانا) فهي أمثلة كثيرة و دواوين السنة طافحة بها –كما يقولون- .
فجوامع الكلم –إذن- أن يجمع له الأمور الكثيرة، -التي لو كانت في زمن بني إسرائيل لكتبوا فيها كتبا كثيرة- فيجمعها له –صلى الله عليه وسلم في كلمة أو كلمتين.
و كذا القواعـد الفـقهـية، كقولنا : " الأمور بمقاصدها، و اليقين لا يزال بالشك، و قولنا أيضا : المشقة تجلب التيسير..." .و كذا الامثال تعتبر من جوامع الكلم...

فما هي إذن حقيقة وماهية وتعريف اللغة؟

اللغة لغةً: هي اللهج بالكلام أي: الإسراع به، ولهذا يقولون: فلان لهجته فصيحة -أي: لغته-صحيحة وفصيحة وحسنة. و لذلك نقول عن اللغة : " اللهجة " و نقول : " اللهجات" و قد تكون غير العربية و لكنها فصيحة، لا كفصاحة العربية التي نزل بها القرآن .
و لذلك أرسل الله عز وجل الأنبياء و الرسل بلهجات أقوامهم و بألسنتهم، كما قال تعالى : (و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) .

واللغة اصطلاحاً: هي الألفاظ الموضوعة للمعاني، و كل لفظ خال من المعنى لا يعتبر لغة عربية فصيحة بليغة قحة ...

والمعاني قسمان:

معنى ًفي ذاته : و يكون في الأسماء و الأفعال .

و لذلك عندما نعرف الفعل نقول: كلمة دلت على المعنى في نفسها و تعرضت بصيغتها للزمان وضعا.
كقولنا " ضرب" فهذه كلمة دلت على الضرب في ذاتها –قال أبو البشر: و تعرضت بصيغتها للزمان وضعا، وهو "الماضي" و هذا أمر جلي لم يذكره شيخنا عمر –حفظه الله- لأنه من باب "السماء فوقنا و الأرض تحتنا"-.
و نقول في الإسم : كلمة دلت على المعنى في نفسها و لم تتعرض بصيغتها للزمان وضعا.
كقولنا "عمر" فهذا اسم شخص، علم على مسمى، فهمنا معناه من ذاته.

و معنى في غيره: وهذا يكون في الحروف.

و عندما نعرف الحرف نقول : كلمة دلت على معنى في غيرها كدلالة هل على الاستفهام ...
فكلمة "هل" لا تعني شيئا في نفسها، فقد تأتي للاستفهام و الأمر و النفي و تأتي بمعنى التحقيق ...
ومن دلالتها على الأمر، قول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه - : "يا رب، بين لنا في الخمر بيانا شافيا ". فنزل قوله تعالى : (يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما ) ثم نزل قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمرو الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة، فهل أنتم منتهون ) فقال عمر –رضي الله عنه- : " انتهينا يا رب، انتهينا يا رب" فدل على أن عمر –رضي الله عنه- فهم من كلمة " هل " الأمر . و لذلك قال البلاغيون : " الكناية أبلغ من التصريح "، فلو أنه –سبحانه- قال لهم " انتهوا " لكان أقل من قوله فهل أنتم منتهون، فإن قلت فلان كريم، و لربما يكون كريما مع أهله فقط ، و لكن عندما تقول "فلان كثير الرماد" يعني أن نار بيته دائما مشتعلة، و الضيوف لا يفارقون بيته. أو كأن تقول " فلان بطل" و هو ربما بطل مع الضعفاء فقط، و لكن عندما تقول " ... طويل النجاد " تدل على الشجاعة و الإقدام، و الأمثلة كثيرة ...
كما أن "هل" تأتي للسؤال و الجواب، كقول ربنا سبحانه : (يوم نقول لجهنم هل امتلأت، و تقول هل من مزيد).
و تأتي "هل" بمعنى التحقيق، كقوله تعالى : (هل أتاك حديث الغاشية) أي قد أتاك حديث الغاشية –قال أبو البشر: و هذا القول قاله البغوي –رحمه الله- في تفسيره المسمى :" معالم التنزيل"- و من دلالتها على التحقيق أيضان قوله تعالى : (هل أتى على الإنسان حين ... ) أي قد أتى على الإنسان حين ... –قال أبوالبشر: " قاله ابن جرير الطبري –رحمه الله- في تفسيره "- .
و تأتي "هل" أيضا بمعنى النفي، كقوله تعالى : (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) أي ما جزاء الإحسان إلا الإحسان –قال أبو البشر : قال البغوي في تفسيره : أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة- ، فقلنا عندما يأتي بعد "هل" استثناء فإنها تفيد النفي، و كذلك يقال هذا في "ما" و إن"... و لذلك قال القائل :

و إن و ما و هل لنفي عدها *** إذا أتاك حرف إلا بعدها

كقوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم ) أي : ما ينظرون إلا أن تأتيهم .
و "من" كذلك لها نيف و عشرون معنى.
و "في" لها أكثر من خمسة عشر معنى.
فمن قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى... ) فهمنا معنى الابتداء من "من" و من "إلى" فهمنا الانتهاء.
و لعلنا نرجع إلى هذا عندما نقف –إن شاء الله- على قول المصنف : " و حرف جاء لمعنى" .

والاصطلاح لغةً: هو مطلق الاتفاق.

و الاصطلاح اصطلاحاً: هو اتفاق طائفة معهودة على أمر معهود بينهم متى أطلق انصرف إليه.

و قبل الولوج إلى علم النحو لا بد من معرفة أهمية اللغة عامة و النحو بصفة خاصة.

أما أهمية هذا العلم - وهو علم النحو- فقد ذكروا في فضلها أحاديث كثيرة-لا يصح منها شيء- ومن ذلك حث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال: "تعلّموا العربية فإنها من دينكم...".
وكتب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: "أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي"، هذا من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسله إلى أبي موسى الأشعري. - قال العلامة الحدوشي معلقا على هذا الاثر : " لا يصح مرفوعا، و قد غلط من قال : "قال رسول الله صلى الله عليه و على آله وصحبه و سلم"- .

قال ابن الأثير رحمه الله: وفي حديث عمر رضي الله عنه "تعلموا السنن والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن"، والمقصود باللحن: الكلام وأصول العربية، وفي رواية أخرى "تعلموا اللحن في القرآن كما تتعلمونه"، والضمير هنا يعود إلى القرآن، كما تتعلمون القرآن تعلموا ما يتعلق به من العربية، و المراد باللحن هنا : الكلام الفصيح و أصول العربية.
قال ابن الأثير: يريد تعلموا لغة العرب بإعرابها.
وقال الأزهري: معناه تعلموا لغة العرب في القرآن واعرفوا معانيه.

و لذلك كان يقول بعض العلماء: " القرآن قاموس من لا قاموس له " قصدوا انه ينبغي أن يتعلم العربية من حفظ القرآن فهو فصيح بليغ، فيأخذ من ألفاظه لتعابيره. فنقول مثلا : يحسب –بسين مهملة مكسورة- أو يحسب –بسين مهملة منصوبة-، لثبوتهما في حروف القرآن. و لا نقول عرف –براء مهملة مكسورة- لعدم ثبوتها بهذا الشكل في القرآن الكريم ، و إنما الثابت خلافها أي " عرف " براء مهملة منصوبة .
فالقرآن يصقل العقول و يجعل المرء يبدع في التعبير إذا فهم كلام الله تعالى، و ذلك يحتاج إلى دراسة علم النحو.

قال العلامة الأصولي الشاطبي-رحمه الله تعالى-: (العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصوداً لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به). فعلم النحو لا يراد لذاته و إنما يقصد به تقويم اللسانين، -قال أبو البشر: اللسانان هما النطق و الكتابة-.
و لذلك وردت أحاديث و آثار كثيرة تحض على تقويم اللسان، بعضها لا يصح من جهة الإسناد و لكن معناه صحيح، و بعضها موقوف.

و من الأحاديث المشهورة بين الناس:
حديث: لا يسمع الله دعاء ملحونا (لا يصح ومعناه صحيح)
قال العلامة الحدوشي معلقا على هذا الحديث : " كان بعض شيوخنا يقول: هذا لا يعجبني، فمن كان ضعيفا فهو ضعيف لفظا و معنى !"

وحديث: تعلموا العربية وعلموها النّاس (لا يصح ومعناه صحيح )

وحديث: أعربوا العربية وعلموها الناس (لا يصح ومعناه صحيح) و قد نسب هذا و من تقدمه لعمر –رضي الله عنه-.

وحديث: رحم الله امرأ أصلح لسانه. (لا يصح مرفوعا ومعناه صحيح).

انظر: (تذكرة المضوعات) (205)، و(ضعيف الجامع) (3103)، و(الفوائد المجموعة...) (المغير) (68)، و(موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة).

وقد روي أنّ عمر مرّ بقوم يرمون رشقا فوقف ينظر فأخطأوا فقال: ما أسوأ رميكم -متعجباً من سوء رميهم- فقالوا يا أمير المؤمنين نحن متعلمين، فقال: لحنكم أشدّ عليّ من سوء رميكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله امرأ أصلح لسانه) (قال العلامة الحدوشي: "الزيادة التي في الأثر لا تصح").
فكان ينبغي عليهم أن يقولوا: " نحن متعلمون" لا " متعلمين"... فهي –كلمة متعلمون- خبر "نحن".

وكان عبد الله أبن عباس وابن عمر يضربان أولادهما على اللحن.

و قال أبو بكر: لأن أقرأ وأسقط أحبّ إلي من أقرأ وألحن. بل وزاد بعضهم " و أسقط من السماء" .
و لذلك قيل أنه من كان تاجرا و يلحن فتجارته تكسد و من كانت له بنات و يلحن فإنهن يعنسن، لخوف الناس من أن يرضعن أبناؤهم اللحن و البلادة...

و لهذا قال الأصمعي –رحمه الله- : إنّ أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار)، لأنه لم يكن -صلى الله عليه وسلم- يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه. وصح مثله عن أبي داود صاحب السنن، وعن الشوكاني وعن غيرهما.

قال العلامة الحدوشي وهو يحكي قصة حدثت في تطوان: كان رجل يحفظ القرآن و ليس معه غيره في باب العلم، و كان الناس يتوسمون به خيرا فيقدمونه للخطابة، ففي يوم وهو على المنبر قال : من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفرت –قراها "غفرت" - بغين معجمة منصوبة و فاء مهملة منصوبة و راء مهملة عليها سكون و تاء مرفوعة- ، ويكأنه نسب الغفران لنفسهن فكان في الحضور رجل كبير في السن أعجبته الخطبة فقال للخطيب : لو تعيد لي الخطبة، فجلس معه في مكان و أخذ يعيد له الخطبة، و الرجل يبكي !!... فسأل الناس ابن الخطيب وهو يسمع والده يعيد نفس اللحن "غفرت له ذنوبه" فقال لهم يا جماعة : عمي أحمد سبقكم بفضيلتين، فقالوا : كيف!! فقال : إن والدي غفر له مرتين!! أما أنتم فقد غفر لكم مرة واحدة... !!!
فهذا اللحن صرف مغفرة الذنوب –التي هي لله وحده- للخطيب. فنستغفر الله و نعوذ به من شر اللحن وما يترتب عليه.

و لذلك قالوا : نخشى أن يندرج تحت قوله صلى الله عليه و سلم : (من كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار).

وقد ورد أنّ الأصمعي سمع التجار يلحنون فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.
وقال شعبة : (إذا كان المحدّث لا يعرف النحو فهو كالحمار على رأسه مخلاة ليس فيها شعير)، المخلاة: هي ما يجعل فيه العلف و يوضع في رأس البهيمة (رواه البيهقي في: "شعبه")

مثَل الطالب الحديثَ ولا *** يَعرف النحو ولا له آلته

كحمار قد عُلِّقت ليس فيها *** من شعير برأسه مِخلاتُهْ

و هذا إمام النحاة سيبويه –قال شيخنا عمر: قيل بالغلبة، كما ينصرف قول الحافظ إلى ابن حجر و البيت إلى البيت الحرام ...-
يقال أنه كان متزوجا بامرأة جميلة و انشغل عنها بالتأليف و التحصيل ففرط في حقها، فمرة تركته حتى خرج من مكتبته ثم أحرقتها، فلما رأى المكتبة أحرقت أغمي عليه، فلما استيقظ قال لها : أنت طالق.

و يقال: (أنّ سيبويه ذهب ليطلب الحديث فطلب منه الشيخ أن يقرأ فقال: ليس أبا الدرداء فقال له الشيخ :لحنت يا سيبويه ,فقال: والله لأطلبنّ النحو حتى لا ألحن بعد هذا أبداً، فطلبه حتى صار إماماً فيه). و لهذا نقول دائما بالخطأ نصل إلى الصواب، و بالخطأ نتعلم. حتى أنه قيل أن عكرمة قال له ابن عباس: ألق درسا فقال : كيف ألقي درسا بين يديك و أنت من أنت و أنت حبر الأمة فأجابه : هذا شرف لك أن تلقي الدرس بين يدي لأصحح لك، ثم بين له أن الهدهد تكلم أمام سليمان -عليه السلام- فقال : أحطت بما لم تحط به و جئتك من سبإ بنبإ يقين، و بين له أن النملة تكلمت بين يدي سليمان -عليه السلام- فقالت: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان و جنوده و هم لا يشعرون... فلهذا طلب منه أن يتكلم ليعلمه و يبين له خطأه.

و قال السيوطي: (لا يجوز لأحد أن يتكلم في كتاب الله حتى يكون ملماً بالعربية لأنّ القرآن عربي ولا تفهم مقاصده إلا بمعرفة قواعد العربية).

وقال ابن المبارك: (لا يُقبل الرجل بنوع من العلوم ما لم يزين علمَه بالعربية).
و ثبت بالتجربة أن من أتقن النحو و تأصل فيه يفهم كثيرا من العلوم بدون شيخ.

وأذكر أن شيخنا عبد الله بن الصديق كان يلقي أسئلة في النحو على بعض الطلبة فالطالب إذا لم يجب قال له: (مشى لابن السبكي و خلى الأجرومية تبكي). يقصد أنه لم يطلب العلم بأصوله.

و ورد عن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: ما تزندق من تزندق بالمشرق إلا جهلا بكلام العرب.

بل قيل أن المبتدعة ما أوتوا إلا بجهلهم لكلام العرب، فالمعتزلة قالوا أن القرآن مخلوق لأن الله قال : الله خالق كل شيء. و كل من ألفاظ العموم، لجهلهم باللغة العربية...

والسلف كانوا يعدون اللحن في الكلام أقبح من آثار الجذري في الوجه.

ولهذا قالوا: تعلموا اللغة العربية فإنها مفتاح كل كتاب.
لهذا ينبغي التفرغ لعلم النحو لأن كل الكتب مفتاحها في علم النحو.

وكان سيدنا عمر بن الخطاب-يقول للأطفال: تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة.
و قيل أن الأعمش مر بجماعة ملتحين فسألهم أ تحفظون كتاب الله؟ قالوا : لا، قال : وتحفظون أحاديث رسول الله؟ قالوا : لا،قال : لا رواية و لا دراية؟ قالوا : لا رواية و لا دراية، قال أتحفظون شعر العرب الجاهلي؟ قالوا : لا، قال : وماذا تحفظون؟ أتحفظون اللغة العربية؟ قالوا : لا، فقال: إني لأجد صاحب لحية و لا يحفظ ما ذكرت لكم و لا يتقن اللغة العربية، إني لأشتهي أن ألطمه على وجهه –مع أن اللطم على الوجه ممنوع، وما أحوجنا إلى لطمات الأعمش- فكثير من أصحاب اللحى يحتاجون إلى لطمات الأعمش.

فعلم النحو كالملح للطعام، فالكلام بلا نحو كلام مضيع، فلا بد من دراسة النحو...

بل قال الشافعي -وهو مرجع في اللغة-: ما جهل الناسُ ولا اختلفوا إلا بتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو طاليس-والمبتدعة وفرق الضلالة أتوا بجهلهم لكلام العرب.

و قال السيوطي: وقد اتفق العلماء على أن النحو محتاج إليه في كل فن من فنون العلم ولا سيما في التفسير والحديث فإنه لا يجوز لأحد أن يتكلم في كتاب الله حتى يكون ملماً بالعربية لأنّ القرآن عربي، ولا تفهم مقاصده إلا بمعرفة قواعد اللغة العربية.

وقال ابن الصلاح: ينبغي للمحدث أن لا يروي حديثه بقراءة لحان-وهذا فيه بين المحدثين خلاف، منهم من قال: هناك فرق بين اللحن الخفي، واللحن الجلي- ومنهم من قال غير ما ذكرنا.

ومما يحكى أن رجلين ترافعا إلى زياد في ميراث أبيهما فقالا: إنّ أبونا مات وإنّ أخينا وثب على مال أبانا فأكله: فقال زياد إنّ الذي أضعت من نفسك أضر عليك مما أضعت من مالك، هذا ما كان من زياد وأما القاضي فقال له: لا رحم الله أباك ولا جبر عظم اخيك قم في لعنة الله وحر سقر. لأنهم كانوا لا يحتملون اللحن.

و المفروض أن يقولا: (إنّ أبانا مات وإنّ أخانا وثب على مال أبينا فأكله).

زين الدين نعمان
25-11-12, 09:25 PM
الدّرس الثّالث

(كم ترك الأوّل للآخر ؟!)

قال –مفرّغه- نعمان زين الدّين –جزاه الله خيرا- :
بسم الله الرّحمن الرّحيم

قــال الشّيخ عمر الحدّوشي حفظه الله

الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، و لا عدوان إلاّ على الظّالمين ، وأشهد أن لاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وليّ الصّالحين ، وأشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، ونبيّه و خليله ، وصفيّه و حبيبه، بلّغ الرّسالة و أدّى الأمانة ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين من رّبّه ، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك .

ثمّ أمّا بعد؛

فهذا الدّرس الثّالث في حلّ ألفاظ متن الأجرومية وهي المرحلة الأولى وستأتي إن شاء الله إن وفقّنا الله المرحلة الثّانية و المرحلة الثّالثة وبعدها نبدأ إن شاء الله ألفية ابن مالك.
طبعا في الدّروس السّابقة ذكرنا بعض القواعد التي ينبغي أن يحصّلها الطالب، وذكرنا أنّ الأشياء تعرف بحقائقها كما ذكرنا أنّ الأشياء تعرف بأضدادها، وذكرنا أنّ اللّغة لغة هي اللّهج بالكلام أي الإسراع به، وهذه المسائل ينبغي أن تحفظ لا أن تسجّل فقط، و اللّغة إصطلاحا هي الألفاظ الموضوعة للمعاني، و المعاني قسمان معنى في ذاته ومعنى في غيره، و المعنى الذي يكون في ذاته يكون في الأسماء و الأفعال، ولذلك عندما سيأتي إن شاء الله تعريف الإسم و الفعل، نقول في الإسم كلمة دلّت على معنى في نفسها و لم تتعرّض بصيغتها للزّمان وضعا، ونقول في الفعل كلمة دلّت على معنى في نفسها وتعرّضت بصيغتها للزّمان وضعا، وستأتي التقسيمات المعروفة بإعتبارات مختلفة ومتنوعة للإسم و الفعل و يأتي تعريف كلّ نوع، ثمّ أنّ الذي يكون المعنى في غيره، وهو الحرف وهو من جهة اللّغة الطّرف، ومن جهة الإصطلاح كلمة دلّت على معنى في غيرها كدلالة هل على الإستفهام، وكلّ هذا سيأتي إن شاء الله تعالى، وسنتكلم على الحروف التي تأتي للمعاني، و الحروف التي تأتي للمباني... وأيضا تكلمنا عن الإصطلاح لغة وهو مطلق الاتفاق، والإصطللاح إصطلاحا إتفاق طائفة معهودة على أمر معهود بينهم متّى أطلق إنصرف إليه وقلنا بأنّ أصل اللّغة و الواضع لها قيل أنّه الله سبحانه وتعالى وذكرنا قوله تعالى "وعلّم آدم الأسماء كلّها" على القول بأنّ [ال] للجنس وقيل بأنّ الواضع هو أبو الأسود الدؤلي كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعلى أنّ معاني الكلمات لم تكن دفعة واحدة ومرة واحدة بل كان ذلك بمراتب وأطوار مرت بها اللّغة العربية كما يقول ابن جنّي و غيره كذلك قلنا بأنّ هناك مساهمات في تقويم اللّغة العربية و في تأسيس أصولها وقواعدها ومن ذلك مساهمة الشّعر العربيّ الجاهليّ... إذ ساهم في نشأة اللّغة العربية و في معرفة اللّغة العربية حتّى إنّ عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- كان يقول إذا قرأ أحدكم شيئا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر فإنه ديوان العرب، وفي رواية فليلتمسه في شعر العرب. إذا قرأ أحدنا شيئا من كتاب الله عزّ وجلّ فلم يدر ما تفسيره إذا إلى ماذا نلجأ ؟ ملجأنا إلى الشّعر العربيّ الجاهليّ لأنّه ديوان العرب، وهذا رواه البيهقي في سننه الكبرى و الخطيب أيضا في جامعه وذكره الهندي في الكنز يعني كنز العمّال. كذلك قال عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- مرة الشعر ديوان العرب هو أوّل علم العرب. ولذلك كانت تقال في سوق عكاظ قصائد شعرية رنانة يتيمة عصماء لإثراء اللّغة العربية، لذلك قال الشّعر ديوان العرب هو أوّل علم العرب إلى أن قال و عليكم بشعر الجاهليّة شعر الحجاز لأنّ شعر الحجاز هو كالديوان للّغة العربية وقد نظم هذا بعضهم في قصيدة طويلة جدا لا داعي لذكرها الآن في هذه المرحلة و لربما نذكرها في المرحلة الثانية...
فمن له كتاب التهذيب للطّبري يجد فيه أمثلة كثيرة تتعلق بمدح الشعر الجاهلي و شعر الحجاز...
كان عبد الملك بن مروان يقول لمؤدّب أولاده علمهم الشّعر يمجدو حتّى يحصل لهم المجد والرفعة و صيانة اللّسان العربي هذا رواه البخاري في الأدب المفرد. -قال أبو البشر: و ابن أبي الدنيا في النفقة و لفظه : "علمهم الشعر يمجدوا وينجدوا ، وأطعمهم اللحم تشتد قلوبهم ، وجز شعورهم تشتد رقابهم ، وجالس بهم علية الرجال يناقضوهم الكلام". و في إسناده إبراهيم بن المنذر وهو صدوق و عمر بن سلام وهو مقبول الحديث –كما قال الحافظ في التقريب- و جعله ابن حبان في الثقات، و بمثل هذا الإسناد يعتد-.
بل قال أبو الزناد قيل لسعيد ابن المسيّب إنّ ناسا يكرهون الشّعر وكثير من النّاس يذمّون الشّعر و الشّعر لا يذمّ وإنّما حسنه حسن و قبيحه قبيح، الشّعر بمنزلة الكلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح فإذا كان يصف النّساء وقدودهنّ و خدودهنّ وأردافهنّ وعجوزهنّ فهذا مذموم وإذا كان يصف الخمر ويصف أشياء محرمة فهذا قبيح لا يجوز...
أمّا إذا كان من أجل تقوية اللّغة العربية و من أجل الحثّ على مكارم الأخلاق فهذا ممدوح إن شاء الله تعالى و لذلك النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم كان يضع الكرسيّ لحسّان بن ثابت ويأمره أن يجيب عنه الكفّار فيقول له: أهجهم فإنّ جبريل معك أو معك روح القدس أو يؤيدك روح القدس و الأحاديث في هذا الموضوع كثيرة وإنّ من الشعر لحكمة...
والشّاهد عندنا؛ سعيد بن المسيّب جاء إليه أناس و قالوا له إنّ أناسا يكرهون الشّعر فماذا قال لهم ؟
قال: "لقد نسكوا نسكا أعجميّا "، هذا ورع بارد فطالب العلم ينبغي أن يأخذ الفائدة ولو من عدوّه من باب الحكمة ضالت المؤمن أينما وجدها فهو أحقّ بها أو أينما وجدها فليلتقطها.
هذا الإمام مالك مرّ في بعض الأزقّة وسمع طفلا يقول حكمة فسجّلها لمّا قيل له تسجّلها من فم طفل فقال الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها التقطها أو هو أحقّ بها و أهلها.
ومن باب قول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كما في الصحيحين- لأبي هريرة مع خصمه "صدقك وهو كذوب" وفي الأخير قال له "أتدري من كنت تخاطب هذه الأيام قال لا يا رسول الله قال إنّه الشيطان صدقك وهو كذوب". فإذا وجد الإنسان الحكمة فليأخذها سواء في شعر العرب الجاهليّ أو في أيّ فنّ من الفنون ما دام يستفيد منها ويفيد...
"تعلمت الشرّ لا للشرّ ولكن لتوقّّيه *** فمن لم يعلم الخير من الشرّ يقع فيه"

فإذن يتعلم الإنسان شعر العرب الجاهليّ لصيانة لسانه من الخطإ وهكذا نقول في جميع شعر العرب الجاهليّ و لا نقول كما قالوا لسعيد بن المسيّب إنّ أناسا يكرهون الشّعر فقال لهم "نسكوا نسكا أعجميا". يعني هذا ورع ولكنّّه ورع بارد وفي بعض الأحيان يظنّ المرء أنّه ورع من الوارعين فإذا به يتشدّد ويضيق على نفسه واسعا و يجاهد في غير عدوّ...
إذن باختصار لعلّ لهذا الموضوع عودة بإذن الله تعالى ولكن نقول أحسن ما كتب في علم النّحو وأحسن متن للنّحو للمبتدئين هو متن من غير مثنوية من غير إستثناء هو متن ابن آجروم هذا أحسن متن يبتدئ به طالب العلم في صيانة لسانه ولذلك من حصّله بالمراحل الثلاثة -الإبتدائيّة و المتوسطيّة والإنتهائيّة- و حصّلها و أصّلها وحفظ متن الأجرومية وحفظ الحقائق و حفظ المعاني وحلّ ألفاظ المتن يكون قد حصّل بإذن الله علم النحو إلاّ الأبواب التي لم تذكر في كتاب ابن آجروم فعلم النحو لا ينبغي أن يتوسع فيه الإنسان يبقى فيه عشر سنوات كما يفعل البعض في بعض البلدان وهو يدرس علم النحو وعندما تسأله في الوضوء وعن عقيدته تجده لا يفقه شيئا فعلم النحو آلة ولهذا تسمّى علوم الآلات وتسمّى علوم المعقولات لأنّ العلوم الشرعية تنقسم إلى المعقولات و المنقولات أو قل الكتاب و السنّة، و المعقولات ما يفهم بها الكتاب و السنّة فينبغي للإنسان أن يضبط علم المعقولات ودائما بالمراحل الثلاثة...
فما هي هذه المراحل فالطالب في كل العلوم الشرعية لا يخلوا من أحوال ثلاثة ولا رابع لها بالإتفاق عند أصحاب المناهج التعليمية لا بدّ من المراحل الثلاث ولا يمكن أن يخرج الطالب في مرحلة من المراحل بتاتا لأنّ الطالب إما أن يكون مبتدئا وإما أن يكون متوسطا وإمّا أن يكون منتهيا نقول منهيا أي أنتهاء مؤقتا أو نقول إدعاء، نهاية إدعائية لأنّ العلم لا نهاية له كما قال الإمام أحمد و غيره و العلماء الأفذاذ الذين كانوا يجتهدون في الطلب وبعضهم رأى الإمام أحمد و في يده محبرة فقال له يا أحمد إلى متى و المحبرة في يدك فقال له الإمام من المحبرة إلى المقبرة إشارة إلى أنّ نهاية العلم الموت وفوق كلّ ذي علم عليم ومنتهى العلم إلى الله ...

وقل لمن يدّعي في العلم معرفة *** إن علمت شيئا غابت عنك أشياء

فليست هناك نهاية للعلم أبدا وكلّما يقرأ الإنسان إلاّ و يستفيد ولذلك نقول في ضبط المرحلة الأولى وتعريفها و حقيقتها :
المرحلة الأولى هي كلّ من لا يستطيع أن يأتي بمثال أو جملة مفيدة ولا أن يقيم عليها الأدلة لو قيل للمبتدئ إعطني جملة فيها مبتدأ و خبر أو جملة فيها الفعل و المفعول به و الحال أو قيل له إعطني جملة فيها المبتدأ و الخبر و النعت لا يستطيع و لو قيل له إعطني جملة فعلية أو جملة إسمية لا يستطيع...
فهو لا يستطيع أن يأتي بمثال سواء كان مفردا أو جملة ولا يستطيع إعرابها و لا إقامة الدليل عليها فإن قلت له أقم الدّليل على أنّ هذه جملة فعليّة أو جملة إسميّة أوقلت له أقم الدّليل على أنّ هذا فاعل وهذا مفعول وكيف يكون الفاعل و كيف يكون المفعول إذن هذا المبتدئ إذا كان الطالب في بداية الطلب بدأ طرق الباب وطبعا إذا داوم الطرق فتح له الباب، لكن إذا بدأ طرق الباب وكان طرقه خفيفا فأهل البيت لا يسمعون صوته فإذن عندما يطرق ثمّ يطرق آن ذاك يفتح له الباب و كيف يتم فتح الباب ؟ وذلك بحفظ المتن و أن يحلّ ألفاظ المتن، فمثلا عندنا الآن متن إبن آجروم إذن لابدّ أن يحفظ المتن أوّلا ثمّ يقوم بحلّ ألفاظه ونحن سنقوم بحلّ ألفاظ المتن فقط في هذه الدورة الإبتدائية وطبعا بالقواعد التأصيليّة والتعاريف و الحقائق و الماهيّات و الأمثلة و الأنواع و الإعراب لأنّ كثيرا من الألفاظ لم تحلّ، وكثير من الطلبة يحفظون المتن و لكنّهم لا يعرفون معاني الألفاظ و كيف يحلّ هذه الألفاظ، أنا لا أدّعي أنّ معظم ألفاظ مقدمة ابن آجروم بكرا لم يفتضها أحد، بل الحمد لله إفتضها كثير من العلماء ولكنّني أقول لكم و أنا بذلكم زعيم وضامن أن إستقصاء هذا في المرحلة الأولى قد يكون صعبا بعض الشيء ولا طالب علم محروم ولا ينبغي للطالب أن يقول في أوّل درس هذه الألفاظ صعبة... لا أبدا "ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل مدّكر" كلّ شيء ميسر و سهل ولكن فليأخذ الإنسان بالأسباب لأنّ أيّ علم في بدايته صعب و الطالب إن لم يحفظ المتن و الحقائق النّحويّة وكما سبق أن قلنا بأنّ الأشياء تعرف بحقيقتها كما أنّ الأشياء تعرف بماهيتها وماهية الشيء حقيقته و ذاته ومنه قوله تعالى "إنّ الله يامركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتّخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع ربّك يبيّم لنا ماهيّ" ما معنى ماهيّ ؟ هي ماهية الشيء، و حقيقتة الشيء و ذات الشيء، فالأشياء تعرف بحقائقها كما تعرف بماهيتها كما تعرف بأضدادها...

إذن فليبدأ الطالب وليجعل نصب عينيه "ما لا يدرك كلّه لا يترك بعضه أوجلّه" العلم دائما إعطه كلّك يعطيك بعضه، إجتهد حتّى تظنّ أنّك قد تعبت تعبا شديدا أن تحسّ بأنّك قد تعبت إذن إجتهد ممكن أن تستخرج شيئا من الكنوز وشيئا من الفوائد وشيئا من القواعد، أمّا العلم فلا يحصّله بطال فالعلم لابدّ فيه من نوع مشقّة ولا تظنّ أنّ العلم محصور عند فلان
لا أبدا العلماء يقولون العلم مفرّق في الأمّة ثمّ إيّاك يا طالب العلم إيّاك أن تقول ما ترك الأوّل للآخر شيئا، ولا تقل كما يقول البعض العلم إنتهى أمره، فهم من فهم و الذي فهم قد مات فلم يبق الآن إلاّ من يدّعي...
فهذا غير صحيح ولا تستدل بقوله -وهذا من طمس البصيرة- "ما ترك الأوّل للآخر شيئا" هذا غير صحيح بل اجعل نصب عينيك "كم ترك الأوّل للآخر" عكس قاعدة المثبّطين.
فهناك قاعدة تثبط و قاعدة ترفع الهمّة عاليا ماذا تقول أنت: "كم ترك الأوّل للأخر" كم هنا للتكثير، يعني الأوّل ترك أشياء لم يفهمها وسيشقّ طريقها وعبابها وفتح ألفاظها ومعانيها من ؟؟ الآخر، أمّا إذا قلت ما ترك الأوّل للآخر شيئا فلابدّ أن تلحق دون أن تستفيد شيئا...
فالغزال يجري أكثر من الأسد لكنّ الأسد يمسكه لماذا ؟ لأنّه يلتفت إلى الوراء...
فأنت إذا شئت السبق لا تلتف إلى الوراء ولا تلتفت إلى تلك القواعد المثبّطة ثم احفظ قول القائل

يقول من تقرع أسماعه *** كم ترك الأوّل للآخر

طبعا هذه المقولة ضد التي تثبط يقول ماترك الأوّل للآخر شيئا، ولذلك قال العلماء ليس هناك كلمة أضرّ بالعلم من قولهم ما ترك الأّوّل للأخر للآخر شيئا.
لماذا لأنّه يقطع الآمال عن العلم وهذه القاعدة تحملك على التّّقاعد و التّكاسل عن التعلم...
إنّما العلم بالتعلّم كما قال الرسول صلّى الله عليه و سلّم -والحديث حسن- -قال أبو البشر: هذا جزء من حديث رائق حسنه الشيخ الألباني في الصحيحة و لفظه : "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه"- .
وليس كلمة أحض على العلم ككلمة من قول علي -رضي الله عنه- -وهذه المقولة أيضا إحفظوها- " قيمة كلّ امرئ ما يحسن " وزاد بعض العلماء ما يحسن ويعمل به لأنّ العلم لا يراد لذاته .

إذن هذه قاعدة أضرّ كلمة بالعلم و على المتعلّم ما هي ؟ ما ترك الأوّل للآخر شيئا
و القاعدة التي ترفع الهمّة ما هي؟ كم ترك الأوّل للآخر

والقاعدة الأخرى التي ترفع العلم عاليا و تحضّ وتزيد وتشحن همّة الطالب كلمة عليّ رضي الله عنه "قيمة كلّ امرئ ما يحسن"، قل لي ما تحسن أقل لك من أنت إذا كنت تحسن علم النحى أقول لك أنت نحويّ و إذا كنت تحسن التفسير أقول لك أنت مفسّر وهكذا لأنّ ما تحسن هو الذي يشهد لك...
هذا ابن مالك إمام من الأئمة ويكفي خلاصته بل وتسهيله بل وكافيّته وشافيّته... كتب قويّة رصينة في علم النحو ويكفي أنّ في العالم العربي بل و الغربي يقرأون علم النحو بمتون إبن مالك...
إبن مالك هذا شيخ من هو شيوخ الإمام النّوويّ وما أدراك ما الإمام النّوويّ هذا إمام من الأئمّة إمام شافعيّ زاهد ورع بصرف النّظر عن بعض أخطائه في الأسماء و الصفات ومع ذلك من هو شيخه؟ إبن مالك.

يقال أنّ إبن مالك عندما كان ينظم الألفية جاءه الإمام النّوويّ وكان يتكلم على مسوغات الإبتداء بالنّكرة -لأنّ الإسم إذا كان نكرة لا يجوز الإبتداء به إلاّ بمسوغات- فقال :

"ولا يجوز الإبتداء بالنّكرة *** ما لم تفد كعند زيد نمرة
وهل فتى فيكم فما خل لنا *** ورجل من الكرام عندنا"

من هو الرجل الكريم الذي كان عنده ؟ الإمام النّوويّ...
هذا يقول كلمة مشبّكة بحروف من ذهب هذه الكلمة قالها إبن مالك في كتابه القيم التسهيل...

وهذه الكلمات و الله إذا حفظتموها هي أجمل من قولهم "كم ترك الأوّل للآخر"...

كلمات نيّرة المفيدة التي حفظناها في أوّل الطلب ويحفظها كلّ طالب علم في أوّل الطلب يقولون "إذا كانت العلوم منحا إلهيّة ومواهب إختصاصية يهبها سبحانه وتعالى لمن يشاء فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على كثير من المتقدمين " فهذا دليل على أنّ المتقدّم ليست له مزيّة كبيرة في العلوم ولذلك كان يقول الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى " ولا نعلمه تبارك وتعالى خصّ بالعلم قوما دون قوم" هل الله عزّ وجلّ خصّ بالعلم قوما دون قوم ؟ الجواب لا ولذلك يقولون كثير من التابعين أعلم من كثير من الصحابة من جهة العلم و ليس من جهة الفضل فالصحابة بالجملة أفضل من كلّ من يأتي بعدهم.
ولكن قد يكون واحد من النّاس أفضل من صحابي من جهة الإستقلال و من جهة العلم فلذلك يقول لا نعلمه تبارك وتعالى -لا في الكتاب و لا في السنّة- خصّ قوما دون قوم.
هل توجد آية قرآنية تقول على أنّ المتقدمين يعلمون أو يفهمون أكثر ممّا جاء بعدهم ؟ لا أبدا ولا نعلم أنّه خصّ بالعلم قوما دون قوم ولا وقفه على زمن دون زومن.

كلام رائع سبحان الله يشبه كلام النبوّة. فالله عزّ وجلّ لم يوقف العلم على زمن دون زمن بل جعله مشتركا مقسوما بين عباده يفتح للآخر منه ما أغلقه عن الأوّل ولربّما بعض الأشياء لم يفهمها الأوّل وفهمها الآخر...
و ينبه المقلّ منه على ما أغفل عنه المكثر ويحييه بمتأخر يتعقب قول متقدّم. ولذلك نرى كثيرا من المتقدمين إستدرك عليهم كثير من المتأخرين وتال يعترض على ماض وأوجب الله على كلّ من علم شيئا من الحقّ أن يظهره و أن ينشره وجعل ذلك زكاة العلم كما جعل الصدقة زكاة المال.

و الله لم يوقف العلم على زمن دون زمن ولذلك ترون كثيرا من المتأخرين يستدركون على المتقدّمين فلذلك قال القائل:

"قل لمن لا يرى المعاصر شيئا *** ويرى للأوائل تقديما
إنّ ذاك التقديم كان حديثا *** وسيبقى هذا الحديث قديما"

إذن فلا مزية لأحد ولذلك يقول أيضا الصّديق حسن خان عنده كلام جميل وعنده بعض العبارات تشبه عبارات إبن مالك يقول "كيف ونتائج الأفكار لا تقف عند حدّ وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية بل لكل عالم وكلّ متعلم منها حظّ غزير يحرزه في وقته المقدّر له وليس لأحد أن يزاحمه فيه". لماذا؟ لأنّ العلم واسع كالبحر الزاخر و الفيض الإلهي ليس له انقطاع و لا آخر.
الفيض الإلهي إمنانه سبحانه وتعالى ومواهبه سبحانه وتعالى لا حدّ أو لا حدّ لها لا انقطاع أو لا انقطاع لها ، لا حدّ و لا نهاية ولا انقطاع لها.
إذن العلوم منح إلهيّة ومواهب صمدانيّة فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخرين ما لم يدّخرلكثير من المتقدّمين.
خذوا مثلا شيخ الإسلام ابن تيمية -ما شاء الله- أبدع في علم الأسماء و الصّفات و في علم التوحيد وأبدع في أشياء كثيرة وتلامذته أيضا أبدعوا في علم الرّجال أبدعوا في علم الحديث رواية ودراية وهذا المزّي عجزت النساء أن لدن مثله وهذا الذهبيّ صيرفيّ الرجال جبل نفخ فيه روح وهذا ابن القيّم وهذا ابن كثير وغيرهم وهذا ابن عبد الهادي هؤلاء كلّهم تلامذة إبن تيميّة -رحمه الله- تعالى فقد أبدعوا وأتوا بما لم يأت به الأوائل بدون مثنويّة...
أروني عالما من العلماء المتقدّمين له ما لشيخ الإسلام ابن تيميّة وأروني عالما من المتقدّمين له ما للمزّي في علم الرّجال وله ما للذهبيّ في علم الرّجال وله ما لابن عبد الهادي في قواعد علم الحديث وله ما لإبن القيّم في اطّلاعه في علمه في فقهه في شعره إلى آخره.
صدق رسول الله صلّى الله عليه و على صحبه حين قال مثل أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره والحديث له طرق فأقل ما يقال فيه أنّه حديث حسن من حديث أنس وقد حكم كثير من العلماء بصحته و بصحة إسناده.
فالحديث أمعنوا فيه النّظر. ماذا نفهم منه إذا علمنا أنّه صحيح ؟ نفهم منه أنّ الدين كلّه نحتاج إلى أوّل الأمّة كما هو محتاج إلى آخر الأمّة .
كيف يحتاج إلى أوّل الأمّة ؟ في إبلاغه إلى من بعدهم.
وكذلك محتاج إلى القائمين به في آخرها.
وتثبت النّاس على السنّة وروايتها و إظهارها.
وطبعا كما قال ابن مالك.

"وهو بسبق حائز تفضيلا *** مستوجب ثنائي الجميل"

الفضل لمن ؟ الفضل للمتقدّم دائما كذلك الزرع يحتاج إلى مطر واحد أم يحتاج إلى المطر الأول و الثاني؟
يحتاج إلى المطر الأوّل لكي ينبت و يحتاج إلى المطر الثّاني لكي يكبر فهو يحتاج إلى الأول و إلى الثاني.
إذن هو يحتاج، عمدته الكبرى ما هو؟ المطر الأوّل واحتياج الزرع إلى المطر الثّاني آكد.
لأنّه إذا تبت و تأسّس وكان عمدة لكن بعد ذلك توقفت السماء هل سيعيش الورع أم سيموت؟ سيموت طبعا ولذلك نقول لولا المطر الأوّل لما نبت الزرع في الأرض ولا تعلقّ أساسه فيها ولولا المطر الثّاني لما عاش. إذن الغرض من هذا أنّ هذه الأمّة أشرف من سائر الأمم. وأنّ الخير في أوّلها وآخرها والمقربون فيها أكثر من غيرها و أعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبّيها محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-.
فماذا فهمنا.
وهناك حديث آخر يقول فيه النّبيّ عليه الصلاّة و السلاّم أمّتي أمّة مباركة لا يدرى أوّلها خير أم آخرها.
ولهذا قال في آخر الزمان يكون الواحد منّا له أجر خمسين صحابيّ قالوا يا رسول الله خمسين منا أومنهم.قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بل أجر خمسين منكم. -قال أبو البشر : صححه الألباني- .
لأنّ الصحابة يجدون على الخير أعوانا و في زمننا لا نجد على الخير أعوانا ولذلك ورد في حديث أبي موسى الأشعريّ أنّ النّبي عليه الصلاّة و السلاّم قال "إنّ هذه الأمّة أمّة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب جعل عذابها في الدنيا القتل والفتن و الزّلازل"
لم يقيّدها بالأوّل و لا بالآخر وهذا حديث أيضا بإسناد حسن .
" جعل عذابها في الدنيا القتل والفتن و الزّلازل " هذا هو الموجود الآن ، هذا هو نصيبها.
إذا قرأتم في كتب المحاضرات و كتب الآداب خذوا مثلا العقد الفريد فيه كلمات جميلة لمدح اللّغة العربية.
يقول إنّني رأيت آخر كلّ طبقة واضعي كلّ حفنة ومؤلّفي كلّ أدب أهذب لفظا وأسهل لغة و أحكم مذاهب
وأوضح طريقة من الأوّل "لماذا ؟" لأنّه ناقص متعقّب والأوّل بادئ متقدّم.
كما قيل أنّ ابن مالك كان ينظم الألفيّة وكما هو معلوم أنّ ألفية ابن معطي متقدّمة فعندما بدأ ابن مالك في نظمه وقف عند قوله

"فائقة ألفية ابن معطي *** فائقة منها بألف بيت"

واجتهد في معالجة البيت و إكماله فلم يستطع ذلك ، فلمّا آوى إلى المنام رأى رجلا فقال له بلغني أنّك تقوم بنظم الألفي قال نعم
قال أين وصلت ؟ قال وصلت إلى قولي "فائقة ألفية ابن معطي"
فقال له زد ، قال لا أستطيع وقفت
قال له و الحيّ يغلب ألف ميت
فعلم أنّه ابن معطي فتأدّب معه وقال:

"وهو بسبق حائز تفضيلا *** مستوجب ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافرة *** لي و له في درجات الآخرة"

تأدّبا معه.

ومع أنّك لو قرأت ألفية ابن معطي و ألفية ابن مالك تجد فعلا ألفية ابن مالك أفضل بكثير من ألفية ابن معطي ولكن الخير لمن ؟ الخير للمتقدّم. لكن غالبا ما يأتي الإنسان و لا يكون إلاّ معتدي. لكن ومع ذلك الأوّل له الفضل لكن لا نحصر العلم على زمان دون زمان ولا نوقفه على أشخاص دون أشخاص بل العلم مواهب ربانيّة حتّى قال أبو العلاء المعرّي :
.
وإنّي و إن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لم تستطعه الأوائل

فربّ حديث تقدّم على قديم وسبق وإن تأخّر، كما يقولون ربّ حديث (ضد القديم) تقدّم على قديم وسبق وإن تأخّر...
ولهذا العلماء يقولون الرّجال معادن ولكلّ زمان محاسن والخواطر التي تخطر موارد لا تنزح و لا تقل و الأفكار مصابيح لا تنطفئ و الأفهام -كما يقولون- مرايا لا تتناها صورها و العقول سحائب لا ينفد مطرها و المعالي غير متناهية و الفضائل غير متوارية.
وكما يقولون أمّ اللّيالي ولود، حشرة تلد كثيرا والفضل في كلّ حين مشهود و أنّ الفضل بيد الله يوتيه من يشاء.

فإذن إيّاك يا أخي يا طالب العلم وإيّاي والكلام الذي يشبه مضغ الماء ليس له طعم و لا معنى فيما لا نعلم. نقول نحن الآن في آخر الزمان لا نمكن أن نفهم و لا نملك أن نستدرك ولا نمكن أن نبدع.
هذه حجّة المثبطين. الذي يهدمون ولا يبنون. و إيّاكم و الهدم بلا بناء فإذا كنت لا تستطيع شيئا نعم اسكت أبلغ الردّ السكوت و أبلغ من السكوت و القول العلم و العمل.

وأنا الآن لا أتوسع في ذكر شروط العلم لأنّ شروط العلم إختلف فيها العلماء فمنهم من يقول أربعة
أوّلها التفرغ للعلم
ثانيها الحزم إذا تفرغت للعلم فاحزم "يا يحيى خذ الكتاب بقوّة" في حفظ القرآن ينبغي أن يكون الحزم في طلب العلم ينبغي أن يكون الحزم.
ثالثها العزم ومنه أولوا العزم من الرسل العزم العزيمة إشارة إلى أنّك ضدّ الرخصة ينبغي أن تحصّل العلوم بشدّة بحزم وعزم و تفرغ ثمّ اخذكه عن الحملة أي أهله وهو رابعها
ما ينبغي كما قال القائل:

ولا تكن كقوم موسى واصــــــ****ــــطبر لكدّه وللملاهي طلّق

إذا أردت أن تحصّل العلم إستحضر هذا البيت ولاتكن كقوم موسى لأنّهم كسالى
الهاتف طلّقه "الفيس بوك" طلّقه الصفحات التي لا تستفيد منها طلّقها الحاسوب من حيث هو طلّقه لأنّ الحاسوب كما سبق أن قلت أنّ الواحد إذا كان يبحث يذهب إلى الشيخ "غوغل" يضع كلمة ويخرج له الحديث لكن عندما يغلقه يصبح أمّيا و العياذ بالله.
والله إذا طبّقنا هذا البيت فقط و البيت السابق.

يقول من تقرع أسماعه *** كم ترك الأوّل للآخر

وقيمة كلّ امرئ ما يحسن إذا طبّقنا هذه القواعد و الله -عزّ وجلّ- سنحصّل العلم ونحن صغار أمّا إذا كان همّك اللّعب في الهاتف وهمّك الذهاب إلى الصفحات وهمّك الذهاب إلى اليوتيوب وهكذا فستضيع تدخل و تخرج وتبقى أمّيا الآن أمريكا تشكوا من كثرة الأمّية التي تفشت بسبب الحاسوب.
الحاسوب قد تستعين به و إن كنت أنا أفضل إن شئت البحث عن حديث لا ترجع إلى الحاسوب.
لأنّ البحث ينمّي ذاكرتك ويطلعك على ما لم تعلم فلذلك لابدّ من البحث .
طيب المهمّ هنا الحديث ليس في الطلب وفي شروط الطلب وإنّما بينت هذا في كتاب "إتحاف الطالب بمراتب الطلب" هذا إن شاء الله له عودة فأقول بإختصار حتّى لا نبعد النجعة:
المرحلة الأولى ما هي كلّ من لا يستطيع أن يأتي بمثال أو جملة مفيدة بله أن يعربها و يقيم الدليل عليها.
كأن تقول له اذكر لي مثالا فيه المبتدأ و الخبر أو الفعل و الفاعل لا يستطيع.
وإذا قلت له أعرب أو أقم الدليل فلا يستطيع من باب أولى وأحرى و اخلولق -كما يقولون- .
ولوكان منتهيا لقال لك.

ورفعوا مبتدأ بالابتدا *** كذاك رفع خبر بالمبتدى

تقول له إعطني الدليل يقول لك زيد قائم ، تقول له أين المبتدأ وأين الخبر يقول لك زيد مبتدأ و قائم خبر.
تقول له إعطني ما الرّافع للمبتدأ الذي ذكره إبن مالك يقول لك الإبتداء تقول له ما معنى الإبتداء يقول لك جعلك الشيئ أوّلا لتخبر عنه ثانيا. تقول له قدّر للمبتدإ الإبتداء يقول الإبتداء لا يظهر و لا يقدّر.
تقول له هل الإبتداء عامل لفظيّ أو عامل معنويّ يقول لك عامل معنويّ.
طيب ما هو العامل المعنويّ وإلى كم ينقسم يقول لك العامل المعنويّ إمّا أن يكون في الأسماء و إمّا أن يكون في الأفعال.

العامل المعنويّ قل شيئان *** الإبتداء و التجرد يا إخوان

هذا يكون منتهيا طيب هذا فيما يتعلّق بالمرحلة الأولى.

والمرحلة الثانية ضابطها هو كلّ من يستطيع أن يأتي بمثال أو جملة مفيدة ويستطيع أن يعربها ولكن لا يستطيع أن يقيم عليها الأدلّة.
لو قلت له أذكر لي مثالا من الأمثلة أو أذكر جملة مفيدة إسمية كانت أو فعلية يأتيك بها تقول له أعربها يستطيع أن يعربها تقول له أقم الدّليل عليها مثلا "جاء زيد " فعل ماض مبني على الفتح زيد فاعل العامل في الرفع و الفاعل مرفوع
أصغى لي لبيب الفاعل مرفوع والمفعول منصوب
تقول له أقم الدّليل عليها فلا يستطيع ذلك.

والمرحلة الثالثة وقبل تبيينها ممكن للشيخ أو الأستاذ أن يغيّر في طريقة الإلقاء ممكن أن أجعل المرحلة الأولى مبسطة جدا وممكن أن يزيد الجرعة فتكون مبسطة ولكن فيها نوع من الشدّة و الزيادة كذلك نفس ما يقال في المرحلة الأولى يقال في الثانية و الثالثة ويمكن أن تكون المرحلة الثالثة فيها أدلّة من ألفية إبن مالك ومن تسهيله و من الأشمونيّ والوزانيّ إلى غير ذلك وسيكون الطالب آنذاك -إن شاء الله عزّ وجلّ- قد إشتدّ فهمه وساعده.

هذه المراحل ينبغي على الطّالب إذاحصلها أن يجتهد وينتقل إلى مراحل أخرى فنحن الآن عرفنا المرحلة الأولى و الثانية إجمالا وسنعرف المرحلة الثالثة إجمالا ثمّ سنبدأ مع المرحلة الأولى تفصيلا هناك قاعدة معروفة "يتكلّم على الشيء إجمالا لنتفرغ إليه نفصيلا " هذا في الأصل الغالب و في بعض الأحيان ربّما يذكر الشيء تفصيلا لنتفرغ إليه إجمالا –العكس- لكن الأصل الغالب نبدأ بالشيء إجمالا مثلا يقول إبن آجروم كما سيأتي إن شاء الله والمرفوعات سبعة ثم يذكر لك الفاعل و النائب و المبتدأ إلى آخره ويذكر أيضا المنصوبات إجمالا ثمّ يتفرغ إليه تفصيلا.

لكن -ربّما- قد يكون العكس قد يذكر الشيئ تفصيلا ثم يذكره إجمالا كما في قوله باب معرفة علامات الإعراب ولكن لا يقال فصل المعربات قسمان.

والأن سنذكر المرحلة الثالثة إجمالا ثم نرجع للمرحلة الأولى تفصيلا و عليها ستكون هذه الدورة -بإذن الله تعالى-.

المرحلة الثالثة هي كلّ من يستطيع أن يأتي بمثال أو جملة مفيدة ويستطيع أن يعربها كما يستطيع أن يقيم عليها الأدّلة.

مثلا إذا قال المبتدأ مرفوع نقول له أقم الدّليل على أنّ المبتدأ مرفوع فيقول ورفعوا. مبتدأ أو يقول المضاف إليه مجرور تقول له أقم الدّليل على أن المضاف إليه مجرور فيقول و الثاني اجرر.

ثمّ قال العلماء -تنبهوا لهذا أيضا- نقول له أقم الدّليل على أن المضاف إليه مجرور
لا يمكن أن يقول "نونا تلي الإعراب أو تنوينا ممّا نضف احذف كطور سينا والثاني اجرر.

فنقول له اذكر لي الدّليل موضع الشاهد فقط ولا تزد لنعلم أنّك قد فهمت فقل الثاني اجرر فقط.

يقول المبتدأ مرفوع بالإبتداء نقول له أقم الدّليل على أنّ المبتدأ مرفوع بالإبتداء فيقول ورفعوا مبتدأ بالإبتدا، فيقف هنا فإذا زاد كذاك رفع خبر بالمبتدا. فنعلم أنّه لم يفهم
علم النّحو من يحث هو بجميع قواعده وضوابطه
من أين يأخذ؟ و على أيّ مراحل يأخذ ؟ يأخذ من هذه المراحل الثلاث بل أستطيع أن أسميّ هذه المراحل مفاتح علم النّحو وليس علم النّحو فحسب فقد سبق أن ذكرنا بأنّ المقدّمات مفاتيح العلوم وأنا أقول بأنّ المراحل الثلاث مفاتيح العلوم ينبغي على كلّ طالب أن لا يجهل هذه المراحل الثلاث وهذه التعاريف التي ذكرت لكم للمراحل الثلاث فهي تجرّ ديلها على كلّ العلوم مثلا إذا أردت أن تدرس علم أصول الفقه لابدّ فيه من المراحل الثلاث وهكذا في علم التفسير و البلاغة و المنطق وفي كلّ العلوم و الفنون
فهذه المراحل أوّلا تجعلك ملمّا باصطلاحات المؤلفين وتكون ملمّا بمنهجهم و إلاّ إذا كنت تجهل مناهج المؤلفين فتكون كمن يكبّ الماء في الرمل أو كمن يزرع فوق الرّمل ثمّ أنّه في هذه المراحل لا يكون هدفنا هو سرد الكتاب وختم الكتاب و كفى ونخرج منه كما دخلنا وطبعا لابدّ أيضا من تصحيح النّسخة على الشيخ المدرس.

وهناك بعض القواعد الأساسيّة لابدّ منها، هذه القواعد لتأسيس العلم -علم النّحو- لأنّ ممّا ينبغي لكلّ شارع في فنّ من الفنون وبادئ فيه أن يتصوره وأن يستحضره بحدّه وماهيته ونقيضه و ضدّه و أنواعه ومثاله كما يقول المناطقة لأنّ الأشياء تعرف بحقائقها كما أنّ الأشياء تعرف بمثالها كما أنّ الأشياء تعرف بأنواعها كما أنّ الأشياء تعرف بأضدادها.

والضدّ يظهر بحسنه الضدّ *** وبضدّها تتبيّن الأشياء

ونقول هذا لأنّه يأتينا -إن شاء الله- ما هو الرفع؟ فتقول ضدّ الخفض ماهو الخفض؟ ضدّ الرّفع إذن التعريف هنا بالضدّية.
إذا شئتم أن تحصّلوا وإذا شئتم أن تثبتو في هذا العلم عليكم بالإجتهاد و العزم و الجد وعليكم أيضا بملازمة الشيوخ و المثافنة و عليكم أيضا بالصّبر لأنّ من عرف المطلوب حقر ما بذل ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد من طلب عظيما خاطر بعظيمته -أي نفسه-.

كما يقول سيّدنا معاوية رضي الله عنه ومن طلب العلا من غير كدّ أضاع العمر في طلب المحال. ولذلك تجدون المئات يدرسون في المدارس الشّرعية بينما أربعة أو خمسة أو إثنان سيصبحون مشايخ و الباقي سيصبحون تجارا أو لهم صناعة أخرى لأنّهم ما أخذوا شيئا من العلم، و العلم مواهب ربّانيّة، فلماذا لم يحصّلوا ؟ لأنّهم كانوا يشتغلون بالهواتف و يشتغلون بالنت وضيّعوا أوقاتهم ولذلك من طلب العلا من غير كدّ أضاع العمر في طلب المحال. ولذلك هناك قاعدة تقول بقدر ما تتعنّى تبلغ ما تتمنّى.
ولهذا يقولون من جاد بوقته حصّل العلوم و من أشغل وقته خدمه العلم ويقولون من جاد بنفسه جاد بنفسه أو من جاد بماله جاد بنفسه.

ويحكون قصّة أنّ حاتم الطائيّ وهو مشهور بالعطار و الكرم لدرجة أنّ واحدا كان كريما ولكنّه لم يشتهر إشتهار حاتم فجاء ليقتله حسدا و غيرة فسبحان الله عندما وصل لبلد حاتم لقي حاتما وهو لا يعرفه فسأله قال له هل تعرف حاتما قال له نعم أعرفه لماذا؟ وحاتم ظنّ أنّه يطلب نوالا وعطاء فقال نعم أعرفه قال إنّي أريد قتله قال له إذا تريد قتله فستجد هذا الصباح في هذا البيت والبيت كان قد أعدّه للضيوف و في الصباح جاء ملثما و الرجل جاء مشرعا سيفه ليقتله فوجده ملثما وقال له لا أقتل من لم أرى وجهه فلمّا رفع القناع إذا به هو الذي لقيه البارحة قال نعم أنا حاتم فقال سبحان الله من جاد بماله جاد بنفسه وهذه قاعدة دائما أقولها. لماذا ؟ لمن يقول بأنّه سيذهب للجهاد و يفعل و يفعل مع أنّه بخيل لدرجة لا تطاق فإذا كنت فعلا ممّن يجود بنفسه وهو يبخل فجد أوّلا بمالك و المال مال الله و إن نسب الله المال إليك ومن نعمه عليك أن خلقك ونسب إليك كما قال الله عزّ وجلّ " هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنّما يبخل عن نفسه و الله الغني و أنتم الفقراء" و أنت مجرد خليفة في مال الله "ْامنوا بالله وسوله وأنفقوا ممّا جعلكم مستخلفين فيه " والمال مال الله " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" ومع ذلك نسبه إليك. إنّ الله اشترى من المومنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة " ليضاعف الأجر و إلاّ فالمال مال الله.
فالمهمّ الشّاهد عندنا كما قال سيّدنا عمرو بن العاص عليكم بكلّ أمر مزلقة مهلكة هذا مهمّ أيضا ما معنى هذا يعني عليكم بجسام الأمور دون خسائسها دعك من سفاسف الأمور وابحث عن الأمور العالية.
وحتّى يكون الطالب على بصيرة تامّة من أوّل الأمر من طلبه أن لا يخلّط بين العلوم وأن لا ينتقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب ولا فائدة فإذا فعل ذلك لربّما لا يحصّل شيئا وهذا لا يتمّ إلاّ بمعرفة مبادئ كلّ فنّ و أيضا يتمّ بحفظ المتون الصغيرة ولذلك عندما تقرأون في تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير و الأعلام تجدون الذهبيّ رحمه الله يذكر في ترجمة العالم الرّجل يصفه بأوصاف كبيرة إمام علاّمة نحرير ثمّ يقول جبل نفخ فيه روح ومع ذلك يذكر في طلبه قرأ كتابا صغيرا لماذا هذا ؟ ليبيّن لك أنّ هذا العالم لم يصل إلى هذه الدرجة بالقفز إلى أمّهات الكتب بل بدأ بصغار العلوم قبل كبارها كما قال ابن عبّاس في قوله تعالى "ولكن كونوا ربّانيّين بما كنتم تعلّمون الكتاب و بما كنتم تدرسون" قال الربّانيّ إمّا نسبة إلى الربّ أو نسبة إلى التربية أنّه يربّي بصغار العلم قبل كبارها.
ونقف هنا بإذن الله وغدا إن شاء الله ربّّما نتكلم عن المبادئ العشرة .

ابو صهيب الجزائري
20-11-13, 09:10 PM
السلام عليكم
هل يوجد تفريغ لكل دروس الشيخ التي شرح فيها متن الآجرومية

أبو حمزة القاهري
12-05-14, 04:27 AM
السلام عليكم
هل يوجد تفريغ لكل دروس الشيخ التي شرح فيها متن الآجرومية
نعم يا إخوة، نريد هذا الشرح.
بارك الله فيكم وفي الشيخ .............

ابو صهيب الجزائري
12-05-14, 08:21 PM
السلام عليكم
الآخ ابو حمزة نحن في الإنتضار

حسام عبدالله السيد
13-05-14, 10:21 PM
له شرحان هذا التفريغ لاى واحد من الاثنين

نافع ملازادة
09-12-14, 06:40 PM
هل يوجد تفريغ لعلم المصطلح و علم الرجال فإني محتاج اليه جدا و بارك الله في جهدكم الجيد