المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية أبي الزبير عن جابر في صحيح مسلم


محمد الأمين فضيل
15-08-02, 11:05 AM
قال الشيخ سعد الحميد حفظه الله :

بالنسبة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس هو كثير الرواية عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وله في صحيح مسلم عدة أحاديث يرويها عن جابر بالعنعنة يعني يقول عن جابر ولا يقول سمعت جابرا أو حدثنا أو نحو ذلك من العبارات المصرحة بتلقيه ذلك الحديث عن شيخه جابر.

و محمد بن مسلم بن تدرس هذا وصف بالتدليس واستند في ذلك على رواية الليث بن سعد حينما تلقى أحاديث من أبي الزبير ثم سأله فقال: هذه الأحاديث سمعتها كلها من جابر؟ فقال: لا منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه . فقال له: أعلم لي يعني أشر لي في الكتاب الذي كتبه واستنسخه منه أعلم لي على الذي سمعت فأعلم له على بعض الأحاديث قال الليث فهي التي أرويها .

هذه الحكاية من الليث بن سعد وهو إمام من الأئمة بلا شك أنها صريحة في أن أبا الزبير مدلس واستند عليها من استند مثل النسائي فوصفه بالتدليس ومن جاء بعد ذلك مثل الذهبي وابن حجر وغيرهم كلهم وصفوا أبا الزبير بالتدليس وبعضهم بالغ مثل ابن القطان الفاسي وكذلك ابن حزم في رد حتى أحاديث في صحيح مسلم لم يصرح فيها أبو الزبير بالتحديث.

خلاصة ما فصلوا فيه قالوا: رواية أبي الزبير مقبولة إذا صرح بالسماع وإن لم يصرح بالسماع فإنها مردودة إلا إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه فإن أحاديث الليث بن سعد عن أبي الزبير مسموعة .وما عدا ذلك فنرد أحاديث أبي الزبير إذا لم يصرح فيها بالسماع .

هل الكلام هذا ينطبق على ما في صحيح مسلم؟ بعضهم عمم الحكم مثل ابن القطان وأظن ابن حزم كذلك أيضا . وبعضهم قال لا بل ما في صحيح مسلم لا يتعرض له وما كان في خارج صحيح مسلم فهو الذي يمكن أن ينقد بهذا النحو .

وفي رأيي أن هذا الرأي هو أعدل وأوسط الأقوال ليس كالقول الذي يهدر حكاية الليث بن سعد ويقول أبدا أبو الزبير غير مدلس فهذا فيه إهدار لكلام إمام من الأئمة ولاعتماد أئمة آخرين عليه كالنسائي وغير النسائي .

كما أن التعرض للأحاديث التي في صحيح مسلم ليس بلائق والسبب أننا نجد مسلما رحمه الله من الأئمة الذين لهم معرفة تامة بعلل الأحاديث واختار هذه الأحاديث وتجنب أحاديث أخرى لأبي الزبير فلماذا يا ترى أعرض عن تلك الأحاديث التي لأبي الزبير وهي بأسانيد صحيحة إلى أبي الزبير ولم يخرجها في صحيحه دل هذا على أنه انتقى بعض الأحاديث التي تحقق لديه وتأكد لديه بأنها من صحيح حديث أبي الزبير . هذا أمر .

الأمر الآخر أن مسلما رحمه الله صنع مثل صنيع البخاري في عرضه كتابه على أئمة عصره فإنه عرض هذا الكتاب الذي هو الصحيح على شيخه ابن واره وعلى أبي زرعة أيضا وعلى أئمة آخرين في عصره فهذا العرض منه جعله ينظر إلى تلك الأحاديث التي نقدوها مثل أحاديث نقدها أبو زرعة الرازي فأبعدها مسلم من صحيحه إذا دل هذا على أن هذه الأحاديث المبقاة في صحيح مسلم مما أقره أبو زرعة الرازي وهو إمام على تصحيحها..

ثم إننا نجد أيضا أن هذه الأحاديث التي من رواية أبي الزبير في صحيح مسلم تعقب الدارقطني مسلما في كتابه كله واجتنب نقد هذه الأحاديث ولم ينقد الدارقطني الأحاديث التي من رواية أبي الزبير سوى حديث واحد فقط فهل يا ترى نقده عليه بسبب التدليس الجواب لا. وإنما نقده عليه لأن أب الزبير شك في الحديث هل هو مرفوع أو لا ؟ فجاء به على الظن والتخمين فيقول أحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذن الدارقطني نقد مسلما على إيراد هذا الحديث في الصحيح مع العلم أن راويه الذي هو أبو الزبير لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم تجنب الدارقطني نقد تلك الأحاديث التي رواها أبو الزبير والدارقطني إمام وكتابه العلل أكبر شاهد على إمامته في هذا الشأن فلماذا يا ترى لم يتعقب الدارقطني مسلما على هذه الأحاديث؟

كذلك أيضا غير الدارقطني ممن نقد صحيح مسلم وهم أئمة ونسيت أن أتكلم عنهم لكن لعل هذا السؤال فتح لنا بابا ممن نقد صحيح مسلم الدارقطني وابن عمار الشهيد رحمه الله وأبو مسعود الدمشقي وأبو علي الجياني هؤلاء بالذات أربعة أئمة نقدوا بعض الأحاديث التي لها علل من العلل التي اصطلح عليها أئمة الحديث كأن يكون الراجح في الحديث أنه مرسل فيورده مسلم موصولا أو يكون الراجح في الحديث أنه موقوف ويورده مسلم مرفوعا أو يكون فيه زيادة راو أو سقط راو أو نحو ذلك من العلل هذه هي العلل التي يعلون بها وأما هذه العلل الظاهرة عنعنة أبي الزبير عنعنة الأعمش ونحو ذلك من العلل لا يتعرضون لها في صحيح مسلم لتيقنهم أن هذه الأحاديث هي من صحاح أحاديث هؤلاء الرواة

فنجد هؤلاء الأئمة الذين نقدوا صحيح مسلم ما تعرضوا للأحاديث التي رواها أبو الزبير بالعنعنة في صحيح مسلم فلأجل هذا نقول: إن تلك الأحاديث التي من رواية أبي الزبير في صحيح مسلم لا نتعرض لها وأما ما كان في خارج صحيح مسلم فلربما كان فيه شيء من الأحاديث الصحيحة عند أهل العلم العارفين بالعلل ولكن بضاعتنا في العلم قليلة ولم يتحصل لنا ما تحصل لهم من جمع الطرق ومعرفة صواب هذه الرواية من عدمها فلذلك يلجؤنا الأمر والواقع الذي نعيشه إلى أن نقول في هذه الأحاديث إننا نتوقف عن تصحيحها إلا ما ورد التصريح فيه بالسماع فليس عندنا ما عند أولئك الأئمة الفطاحل من المقدرة الحديثية التي تجعلنا نقبل الرواية التي بالعنعنة لتيقننا من أن الراوي أصاب فيها هذه ليست عندنا فلذلك لا نصنع مثل صنيعهم وإنما نلجأ إلى الأخذ بظاهر الرواية.

نقلا عن شريط : مناهج المحدثين العظماء - منهج الإمام مسلم .

أبو نايف
15-08-02, 01:51 PM
جزاك الله خيرا يا أخي محمد الأمين فضيل
وبارك الله فيك

السيف المجلى
15-08-02, 02:47 PM
http://www.baljurashi.com/vb/showthread.php?threadid=522&highlight=%E3%CF%E1%D3%C7

عبدالله العتيبي

الطريفي: أبو الزبير ليس مدلسا ولم يثبت ذلك ولو في حديث واحد من وجه معتبر
لقد رد كثير من المتأخرين أحاديث ابي الزبير التي لم يصرح فيها بالسماع، حتى منهم من ضعف جملة منها في صحيح مسلم. وهذا فهم خاطيء لمنهج الحفاظ العلماء

وكنت سألت شيخنا عبد العزيز الطريفي عن ذلك فقال:

ابو الزبير ليس مدلس، ومن اتهمه بالتدليس ورد خبره، فليأت بخبر واحد ثبت تدليسه فيه، بوجه معتبر!!، ولا يرد حديثه لمجرد العنعنه، بل ان كات ثمت مخالفة او نكارة في حديثه، هنا يتوقف في حديثه فقط،.أ.هـ،



قلت:

وخرج قبل فترة قصيرة كتاب للشيخ الفهد في منهج المتقدمين في التدليس، رد على من اتهمه بالتدليس بقوة وها انذا اذكر موجز الادلة:

1-روى عنه شعبه ابن الحجاج ومع تعنته في التدليس وطعنه به لم يذكر عنه تدليس.

2-اخراج مسلم لأبي الزبير جملة من روايته.

3-الدارقطني استدرك على الصحيحين احاديث لم يشر ولو الى حديث واحد من احديثه.

4-صحح احاديثه المعنعنة الترمذي وابن حبان وابن خزيمة وابو داود وابن الجارود وغيرهم.


5-ترجم له البخاري وابو حاتم والعقيلي وابن عدي وابن حبان ولم يرموه بالتدليس.

6-اخرج النسائي له اكثر من (60) حديثا وما علل شيئا منها، مع انه وصفه بالتدليس مما يدل على انه لا يعني رده لعنعنته بل يتوقف عند النكارة فقط

7-صرح الحاكم صراحة على انه ليس بملس كما في معرفة العلوم(34).

8-انه من اهل الحجاز وهم لا يعرفون التدليس.

9-بالسبر لم يثبت انه دلس ولو حديثا واحدا.


راية التوحيد



وقد كنت كتبة للشيخ عبد الله السعد بحثاً نفيساً حول هذه الرواية ، ونشرته من ذي قبل ، ولا مانع من نشره مرة أخرى لتتم الفائدة .

قال حفظه الله تعالى :
رواية أبي الزبيرـ محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي ـ عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه .
هناك من تكلم في هذه الرواية إذا لم تكن من طريق الليث بن سعد، ولم يُصرّح فيها أبو الزبير بالتحديث عن جابر .
فأقول : هناك من تكلم فيها وردّها ، مع أنها باتفاق أهل الحديث تُعْتَبر من أصح الأسانيد ، ومع ذلك وُجِد أنّ هناك من يَردّ هذا الإسناد الذي هو في غايةٍ من الصحة.
فما الذي جعل هذا الشخص ـ وغيره من أهل العلم ـ أنْ يَردَّ مثـل هذا الإسناد ، وهو في غايةٍ من الصحة ؟
قال : إن أبا الزبير مُدلس ولم يُصرّح بالتحديثِ هنا ، فلا بُدَّ أن يُصرّحَ في كل حديثٍ .
فنُجيبُ على هذا الشخص ونَردّ عليه ، فنقول: إنّ قولك هذا مَرْدودٌ من ستة أوجه :

الوجه الأول :
ما المقصود بالتدليس هنا فيما وُصِـفَ به أبو الزبير ؟ هل هو التدليس المذموم الذي يُردُّ به خبر الراوي أم لا ؟
لأن التدليس يطلق على أشياءٍ كثيرة ، فيطلق على الإرسال ، ويطلق ـ أيضاً ـ على التدليس ؛ الذي هو إسقاط الراوي .

الوجه الثاني :
أن التدليس تحته أقسام مُتعددة ، وليس هو قسم واحد ، فلا بُدَّ أن يُحَدَّد، ما المقصود من هذا التدليس الذي رُمِيَ به أبو الزبير ؟
فهناك تدليس الإسناد ، وهناك تدليس الشيوخ ـ وهو أن يُسمّي التلميذ شيخه بغير الاسم المشهور به ـ أو يُكنّيه بكنيةٍ غير معروف بها... وهكذا ، وهناك تدليس العَطْف ، وهناك تدليس السُكوت ، وهناك أنواعٌ متعددة، قد تصل إلى خمسة أو ستة(1) ، فما المقصود من هذا التدليس الذي وُصِفَ به أبو الزبير ؟ .

الوجه الثالث:
هل أبو الزبير مُكْـثِر مِن التدليس أم لا ؟
فليس كل شخص قيل فيه أنه مدلس يكون مكثراً من التدليس ، بل هناك من هو مُقلّ من التدليس جداً ، ومنهم أبو الزبير ، ويدل على هذا شيئين :

الأول : أنه لم يصفه أحد من الحُـفّاظ بهذا ، إلا ما جاء عن النسائي(2) رحمه الله ، وهناك كلام لأبي حاتم يُفهم منه هذا الشي ، وأما الباقي فلم يصفونه بالتدليس .
الثاني : قد تتبعنا حديثه ، فأحياناً في روايته عن جابر يذكر شخصاً آخر، فلو كان مُكثراً من التدليس لأسقط هذه الواسطة ، كذلك ـ أيضاً ـ عندما تتبعنا حديثه لم نجده ـ أحياناً ـ يذكر واسطة ، وكثير من المدلسين عندما تَتَتَبّع حديثه قد يذكر واسطة بينه وبين هذا الشخص الذي يروي عنه مباشرة ، فهنا يكون قد دَلس ، وأما أبو الزبير فقد تتبعنا أحاديثه في الكتب ، في الصِحَاح والسنن والمسانيد والمصنفات ، فما وجدناه إلا مُستـقيماً ، وبحمد الله قد مرّت علينا سنوات ونحن نتتبع حديثه ، فهو مُقلٌّ من التدليس ، ومن كان مُقلّ من التدليس فالأصل في روايته أنها محمولة على السماع والاتصال ما لم يدل دليل على خلاف ذلك.
الوجه الرابع:
لو تنـزّلنا وقلنا أنه دلس .
فنقول : الواسطة قد عُلِمَت بينه وبين جابر بن عبد الله ، وصحيفة جابر صحيفة مشهورة ، وقد رواها كبار التابعين في العلم والعمل ، كقتادة وقبله الحسن البصري والشعبي ، وأيضاً أبي الزبير ، وغيرهم من أهل العلم.
كذلك نقول : أن أبا حاتم الرازي رحمه الله ـ وغيره ـ قد نصوا على أنهم قد أخذوا حديث أبا الزبير من سليمان بن قيس اليَشْـكُري(3) ، وسليمان بن قيس اليشكري ثــقة ، فانتفى هذا التعليل من أصله ، لأن الانقطاع على قسمين :
1ـ انقطاع مقبول.
2ـ انقطاع مردود.
ومتى يكون الانقطاع مردود، ويتوقف فيه؟
إذا لم تُعْرف الواسطة المُسْقَطة ، أما إذا عُلِمت الواسطة المُسْقَطة فيـُنْظرُ فيها، فإن كان هذا الواسطة ثـقة أصبح هذا الانقطاع لا يُؤثر.
فمثلا ً: حُمَيْد الطويل ، روايته عن أنس مقبولة على الإطلاق ، لأن الواسطة معلومة، وإن كان حُمَيْد وُصف ومُسَّ بالتدليس ، إلا أن الواسطة معلومة ، ألا وهي ثابت البُناني كما ذكر ذلك الحفاظ(4) ، وثابت رأس في الحفظ والإتـقان ، إذاً من توقف في حديث حُمَيْد الطويل فقد أخطأ.
ومثلا ً: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود رحمه الله ورضي الله عن أبيه ، أبو عُبَـيْدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود ، ومع ذلك حديثه عن أبيه مقبول ، وذلك لأن الحفاظ قد تتبعوا روايته عن أبيه فوجدوها مستـقيمة ، فعلموا بذلك أنّ الواسطة المُسْقَطة ثـقة ، لذلك إمام أهل الحديث في علم صناعة الحديث في عصره ( علي بن المديني ) ، يحكي عنه تلميذه يعقوب بن شيبة فيقول : إن أصحابنا ، علي بن المديني وغيره أدخلوا رواية أبوعبيدة عن أبيه ضمن المُسْند(5) ، أي ضمن المتصل .
كذلك الدارقطني ـ إمام أهل الحديث في عصره ـ أنه قد مَرّ عليَّ في (( السنن))(6) أنه قد صححها.
ونقل الحافظ بن حجر في (( النكت))(7) أن النسائي يصححها.
فعندما يسمع شخص هذا الإسناد فيقول لم يسمع فيَرُدَّهُ ، فلا شك أنه قد أخطأ ، وهذا من الاتصال المقبول ، لأن الواسطة قد عُلِمَت ، وإنْ كُنّا لم نعرفها بأعيانها، لكن بسبب استـقامة هذه الأحاديث التي قد رواها أبو عبيدة عن أبيه .
إذاً الواسطة ـ على سبيل التنـزّل أنه قد دَلس ـ معلومة بين أبي الزبير وجابر، ألا وهي سليمان بن قيس اليشكري وهو ثـقة ، فانتفى هذا التعليل من أصله .
الوجه الخامس :
أن كبار الحفاظ قد قبلوها، كالإمام مسلم بن الحجاج ـ وتعرف مكانته في علم الحديث ـ وكذلك أبو عيسى الترمذي ويقول: ((حسن صحيح)) ، وكذلك النسائي بدليل أنه قد أخرجها كثيراً في كتابه (( السنن ))، والنسائي كان يسميه كبار الحفاظ المتـقدمين أنه (( صحيح النسائي )) كما نص على ذلك بن عدي أبو أحمد في كتابه (( الكامل ))(8) حيث قال: (( ذكره النسائي في صحاحه)) ، وكذلك عندما تستقرأ كتابه تجد أن الغالب عليه الأحاديث الصحيحة ، وأنه إذا كان هناك حديثـاً معلولا ًبيّـنه ، ولذلك قيل : من يصبر على ما صبر عليه النسائي ، عنده حديث بن لهِيعة عن قـتيبة ولم يُخرّج من حديثه شيئاً(9)، وابن لهيعه فيه ضعـف وليس بشديد الضعـف، ومع ذلك لم يُخرّج له أبداً ، حتى قال الزنجاني عندما سأله أبو الفضل بن طاهر المقدسي، قال: إن هناك رجالاً قد أعرض عنهم النسائي، وقد خرّج لهم البخاري في كتابه الصحيح، قال: يابني إن لإبي عبد الرحمن النسائي شرطاً أشد من شرط البخاري(10)، ولاشك أن هذا على سبيل المبالغة.
وكذلك الحافظ الذهبي في كتابه الميزان، ويستفاد هذا من كلام لابن تيمية، وللعلائي، ويستفاد لابن حجر نوعاً ما.
وكذلك بن حبان وبن خزيمة ـ وهم أئمة ـ وكذلك أبو الحسن الدارقطني لم ينتقد على الإمام مسلم ـ فيما نعلم ـ من رواية أبي الزبير عن جابر، فهي صحيحة، وشبه اتفاق بـين الحفاظ على قبولها.
الوجه السادس :
أننا نطلب منك يا أيها الأخ أن تأتي لنا بأحاديث منكرة لأبي الزبير عن جابر، ولن تجد، ونحن قد تتبعنا حديثه ـ كما ذكرتُ ـ مُـنْذ سنوات فوجدناها مستقيمة وفي غاية من الاستقامة، إلا في حديثـيـن أو ثلاثة، وجدنا فيها نوع من النكارة، ومع أن هناك من قبلها وصححها.
حديثه عن بن عمر، عندما طلق امرأته وهي حائض، ففي رواية أبي الزبير أنها لم تحسب عليه طلقة، وفي رواية غيره كما عـند البخاري في رواية أنس بن سيرين أنها حُسِبت عليه طلقة، وهذا الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذكر أبو داود أنه تفرّد بهذا الشي عن بن عمر، وكذلك أبو عمر بن عبد البر، مع أن هناك من تابعه ، لكن الصواب رواية الجماعة، وأنها حُسبت طلقة، بخلاف رواية أبي الزبير بأنها لم تحْـسب، ومع ذلك أعتمد على هذه الرواية من أعتمد من كبار أهل العلم مثل الإمام بن تيمية والإمام بن القـيّم وغيرهم من أهل العلم.
إذاً فالغالب على أحاديثه الاستقامة ، والسبب في تضعيف هذا الشخص وغيره لرواية أبي الزبير المكي عن جابر هو عدم صِحّةَ المنهج ، والله أعلم.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
أنتهي ما أملاه فضيلة الشيخ المحديث ( عبد الله السعد

هيثم حمدان
15-08-02, 03:46 PM
وفقك الله أخي محمّد الأمين فضيل.

محمد الأمين
15-08-02, 08:47 PM
http://muslm.net/cgi-bin/showflat.pl?Board=islam&Number=80291

بسم الله الرحمن الرحيم
--------------------------------------------------------------------------------


هذا الموضوع قد أثار جدلاً واسعاً مؤخراً. وهو قائم على قضية رواية أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه. وقد قمت بجمع ما أراه ملخصاً لحال الرجل، وقمت بتتبع بعض مروياته مما أنكره عليه العلماء. ولم أستوعب الأقوال كلها. كما أني أشير في أول المطاف أن الموضوع خلافي وأن العلماء اختلفوا في قبول رواياته.


--------------------------------------------------------------------------------


أبو الزبير (محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي) ثقة (على الأرجح) لكنه يدلّس عن الضعفاء في حديث جابر ‏‎‎‏. فما كان منه في صيغة العنعنة من غير ‏طريق الليث فهو ضعيف.‏

وتدليس أبو الزبير ثابتٌ معروفٌ عنه مشهور، يعترف به. والتدليس هو إسقاط الراوي بينه وبين شيخه جابر ‏‎‎، مع أنه سمع منه بعض الأحاديث ‏القليلة. روى العقيلي وابن عدي وابن حزم عن سعيد بن أبي مريم قال حدثنا الليث بن سعد قال: إن أبا الزبير دفع إلي كتابين. فقلت في نفسي لو ‏سألته: أسمع هذا كله من جابر؟ فرجعت إليه فقلت: «هذا كله سمعته من جابر؟». فقال: «منه ما سمعته، ومنه ما حُدِّثْتُ عنه». فقلت له: «أَعْلِم لي ‏على ما سمعت». فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي. (ولعلّ تلك الأحاديث التي سمعها منه هي 27 حديث). قال ابن حزم: «فكل حديث لم يقل فيه ‏أبو الزبير أنه سمعه من جابر، أو حدثه به جابر، أو لم يروه الليث عنه عن جابر، فلم يسمعه من جابر بـإقـراره. ولا ندري عمن أخذه. فلا يجوز ‏الاحتجاج به».‏

والقصة رواها الفسوي في المعرفة (1\166) مختصرة جداً عن الليث بن سعد قال: «جئت أبا الزبير فأخرج إلينا كتاباً، فقلت: "سماعُك من ‏جابر؟". قال: "ومن غيره". قلت: "سماعَك من جابر". فأخرج إليّ هذه الصحيفة». فقد أخرج أبو الزبير في أول الأمر كتاباً كاملاً. فلما طالبه ‏الليث بما سمعه فقط، أخرج صحيفة فقط من أصل الكتاب. فهذا يدل على أن غالب ما رواه عن جابر إنما دلسه ولم يسمعه. وقد أخرج مسلمٌ ‏وحده من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر 22 حديثاً. وأخرج بهذه الترجمة بعض أصحاب السنن خمسة أخرى (إن صح الإسناد لليث). فهي ‏‏27حديثاً فقط.‏

وقد قال الليث: «فقلت له: "أَعْلِم لي على ما سمعت". فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي». فمن غير المعقول إذاً على أبي الزبير –وهو الحريص على ‏تنفيق بضاعته– أن يعلّم له على بضعة أحاديث فقط ويقول له هذا بعض ما سمعت ولن أخبرك بالباقي!! فيكون قد غش الليث مرة أخرى لأن ‏الليث قال له «أَعْلِم لي على ما سمعت». أي على كل ما سمعت. فقد دلّس على الليث قطعاً في أول الأمر. وكاد الليث يرجع لبلده لولا أنه عرف ‏تدليس أبي الزبير، فعاد إليه وطلب منه التعليم على ما سمعه فقط.‏

أما أن شُعْبَة قد روى عنه، فقد رجع عنه، وضعّف أبا الزبير. قال نعيم بن حماد سمعت هشيماً يقول: سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزَّقه. ‏قال ورقاء: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: «رأيته يزن ويسترجح في الميزان». وقال شعبة لسويد بن عبد العزيز: «لا تكتب عن ‏أبي الزبير فإنه لا يحسن أن يصلي». ثم إن حدّث شعبة عنه فلا ينف هذا أن يكون مُدلّساً. فقد حدَّث شعبة عن قتادة وعن جمعٍ من المحدثين. نعم، ‏ما يرويه شعبة عن المدلّسين فهو محمولٌ على الاتصال، ولا ينفِ هذا تدليس شيخ شعبة إن روى عنه غيره.‏

ولا يشترط أن تجد وصفه بالتدليس عند كل من ترجم له. وكم من مدلّسٍ ثَبَتَ عنه التدليس بالدليل القاطع، ولا تجد كل من ترجم له يذكر ذلك ‏في ترجمته. وكونه من أهل الحجاز لا ينفِ هذا التدليس عنه (كما زعم الحاكم). فهذا ابن جريج من كبار حفاظ مكة. ومع ذلك فشرّ التدليس ‏تدليس ابن جريج. وأبو الزبير قد وصفه النَّسائيّ بالتدليس. وأشار إلى ذلك أبو حاتم. ولا يشترط أن يصفه بذلك كل من ترجم له لأن التدليس ‏يصعب كشفه إلا بحصر الروايات الكثيرة. ولذلك يخفى على كثيرين من الحفاظ. وقد خفي تدليس ابن جريج مثلا على الشافعي فاحتج بحديثه ‏على خصومه بالعنعنة وهو لا‎ ‎يدر تدليسه.‏

ثم لو لم يكن أبو الزبير يدلّس عن ضعيف، لسمع منه الليث حديثه كله، ولم يكتف بـ27 حديثاً ويترك الباقي. ولم يكن ليترك الباقي إن كان أبو ‏الزبير قد سمعه من جابر أو سمعه من ثقة عن جابر. والليث هو في مرتبة مالك بن أنس في الحفظ والعلم والإمامة. وهو أعلم من هؤلاء المتأخرين ‏بحال أبي الزبير. فقوله مُقدّمٌ عليهم قطعاً. ومن نفى تدليس أبي الزبير فقد كذب أبا الزبير نفسه الذي أقر على نفسه لليث بذلك!‏

وقال أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل (4\136): «جالَسَ سليمان اليشكري جابراً فسمع منه وكتب عنه صحيفة، فتوفي وبقيت الصحيفة ‏عند امرأته. فروى أبو الزبير وأبو سفيان الشعبي عن جابر. وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة. وكذلك قتادة». فثبت إذاً أن غالب ‏حديث أبي الزبير عن جابر لم يسمعه منه، بل كثيرٌ منه من صحيفةٍ أخذها وِجَادة. وبعضه لا نعرف من أين جاء به. وأبو حاتم لم يذكر لنا كل ‏هؤلاء الناس الذين دلس عنهم أبو الزبير.‏

وأما من قال أن أبا الزبير قد سمع صحيفة جابر من سليمان بن قيس اليشكري وهو ثقة، فهذا غير كافٍ لنفي تدليس أبي الزبير. فقد ثبت أنه دلس ‏عن صفوان كذلك. والصواب –على التحقيق– أنه سمع بِضعة أحاديث من جابر، ودلّس أكثرها إما عن سليمان وإما صفوان وإما عن غيرهم‎ ‎ممن ‏لا نعرفهم. ومن كانت هذه حاله لا يمكننا الاحتجاج به، لأنه من باب الظن. وقد‎ ‎قال الله تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ ‏الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}. وقد قال رسول الله ‏‎‎‏: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»‏‎ ‎متفق عليه‎.‎

فقد روى الترمذي مختصراً والنسائي في السنن الكبرى (6\178):‏
‏1- أخبرنا محمد بن رافع قال حدثنا شبابة قال حدثنا المغيرة وهو بن مسلم الخراساني عن أبي الزبير عن جابر قال: كان النبي ‏‎‎‏ لا ينام كل ليلة ‏حتى يقرأ تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك».‏
‏2- أخبرني محمد بن آدم عن عبدة عن حسن بن صالح عن ليث عن أبي الزبير عن جابر قال: «كان النبي ‏‎‎‏ لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل ‏السجدة وتبارك الذي بيده الملك».‏
‏3- أخبرنا أبو داود قال حدثنا الحسن وهو بن أعين قال حدثنا زهير قال حدثنا ليث عن أبي الزبير عن جابر قال «كان رسول الله ‏‎‎‏ لا ينام حتى ‏يقرأ آلم تنزيل وتبارك».‏
‏4- أخبرنا أبو داود قال حدثنا الحسن قال حدثنا زهير قال: سألت أبا الزبير: «أسمعت جابراً يذكر ثم أن نبي الله ‏‎‎‏ كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل ‏وتبارك؟». قال: «ليس جابر حدثنيه. ولكن حدثني صفوان أو أبو صفوان».‏

فالمغيرة بن مسلم (وهو ثقة) قد رواه عن أبي الزبير بالعنعنة بدون ذكر الواسطة، كما في الرواية (1). أي أن أبا الزبير قد دلّس عليه كما قد حاول ‏التدليس من قبل على الليث بن سعد، الذي لولا ذكائه وعلمه لانطلى عليه تدليس أبي الزبير. وكذلك دلّس أبو الزبير على ليث بن أبي سليم فرواه ‏معنعناً بدون ذكر الواسطة، كما في الرواية (2). ورواه زهير عنه كذلك، كما في الرواية (3). ثم إنه يعرف تدليس أبي الزبير، فلمّا التقى به سأله: ‏هل أنت سمعت هذا الحديث من جابر؟ قال: «ليس جابر حدثنيه، ولكن حدثني صفوان أو أبو صفوان».‏

فهذا دليلٌ واضحٌ أن أبا الزبير كان يدلّس ولا يوضح للناس تدليسه. فلو لم يشك زهير بسماع أبي الزبير فسأله عن ذلك، لما عرفنا أنه لم يسمع من ‏جابر هذا الحديث. المغيرة بن مسلم الخراساني ثقة جيّد الحديث. وليث بن أبي سليم بن زنيم، يُكتَبُ حديثه ويُعتبَر به. قال معاوية بن صالح عن ابن ‏معين: «ضعيف إلا أنه يكتب حديثه». وقال ابن عدي: «له أحاديث صالحة. وقد روى عنه شعبة والثوري. ومع الضعف الذي فيه، يُكتب ‏حديثه». وقال الذهبي في الكاشف (2\151): «فيه ضعف يسير من سوء حفظه». فهذا لم يتبين لنا إلا من جمع الطرق.‏

ثم إن من الأئمة المتقدمين من نص صراحة على رفض حديث أبي الزبير المعنعن عن جابر. فقال عنه الإمام النسائي في السنن الكبرى (1\640) ‏بعد أن سرد له حديثين بالعنعنة: «فإذا قال: سمعت جابراً، فهو صحيح. وكان يدلس!». أي إذا لم يقل سمعت فهو غير صحيح لأنه مدلس. مثل ‏الذي كذب مرة فقد أبان عن عورته. فلا نقول نقبل حديثه ما لم نعلم أنه كذب. والجرح مقدم على التعديل. فإن الله قد حفظ لنا هذا الدين. ‏ومن حفظه له أن تصلنا أحكام هذا الدين من طريق صحيح متصل غير منقطع رجاله ثقات غير متهمين. فيطمئن المرء له ولا يرتاب. وإلا فلا نعلم ‏يقيناً أن رسول الله ‏‎‎‏ قد قال ذلك. ولم يوجب الله علينا اتباع الظن.‏

فهذا إمامٌ من المتقدمين من كبار أئمة الحديث ومن فقهائهم، قد نص على رد تدليس أبي الزبير. وكان النسائي من أعلم الناس بعلل الحديث ‏وبأحوال الرجال. فإذا لم نقبل بقوله فمن نقبل؟! كيف وقد ثبت ذلك بالدليل القاطع وباعتراف أبي الزبير بتدليسه؟ فإن لم يكن هذا كافياً، فلا ‏نستطيع أن نثبت التدليس على أحد!‏

محمد الأمين فضيل
16-08-02, 12:06 PM
إلى الأخ الفاضل السيف المجلى :

- أراك لم تعرج على قصة الليث بن سعد التي تثبت تدليس أبي الزبير بلا شك .

- القول بأن التدليس لم يكن معرةفا عند الحجازيين قد رده أخونا محمد الأمين بتدليس ابن جريج .

وأنا مع الأخ محمد الأمين في أن المسألة قد أثارت جدلا واسعا وإنما ذكرت كلام الشيخ سعد الحميد لأنشط الإخوة على البحث أكثر وأكثر .

ندا عبد الرحيم
30-06-10, 08:01 PM
وقد كنت كتبة للشيخ عبد الله السعد بحثاً نفيساً حول هذه الرواية ، ونشرته من ذي قبل ، ولا مانع من نشره مرة أخرى لتتم الفائدة .

قال حفظه الله تعالى :
رواية أبي الزبيرـ محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي ـ عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه .
هناك من تكلم في هذه الرواية إذا لم تكن من طريق الليث بن سعد، ولم يُصرّح فيها أبو الزبير بالتحديث عن جابر .
فأقول : هناك من تكلم فيها وردّها ، مع أنها باتفاق أهل الحديث تُعْتَبر من أصح الأسانيد ، ومع ذلك وُجِد أنّ هناك من يَردّ هذا الإسناد الذي هو في غايةٍ من الصحة.
فما الذي جعل هذا الشخص ـ وغيره من أهل العلم ـ أنْ يَردَّ مثـل هذا الإسناد ، وهو في غايةٍ من الصحة ؟
قال : إن أبا الزبير مُدلس ولم يُصرّح بالتحديثِ هنا ، فلا بُدَّ أن يُصرّحَ في كل حديثٍ .
فنُجيبُ على هذا الشخص ونَردّ عليه ، فنقول: إنّ قولك هذا مَرْدودٌ من ستة أوجه :

الوجه الأول :
ما المقصود بالتدليس هنا فيما وُصِـفَ به أبو الزبير ؟ هل هو التدليس المذموم الذي يُردُّ به خبر الراوي أم لا ؟
لأن التدليس يطلق على أشياءٍ كثيرة ، فيطلق على الإرسال ، ويطلق ـ أيضاً ـ على التدليس ؛ الذي هو إسقاط الراوي .

الوجه الثاني :
أن التدليس تحته أقسام مُتعددة ، وليس هو قسم واحد ، فلا بُدَّ أن يُحَدَّد، ما المقصود من هذا التدليس الذي رُمِيَ به أبو الزبير ؟
فهناك تدليس الإسناد ، وهناك تدليس الشيوخ ـ وهو أن يُسمّي التلميذ شيخه بغير الاسم المشهور به ـ أو يُكنّيه بكنيةٍ غير معروف بها... وهكذا ، وهناك تدليس العَطْف ، وهناك تدليس السُكوت ، وهناك أنواعٌ متعددة، قد تصل إلى خمسة أو ستة(1) ، فما المقصود من هذا التدليس الذي وُصِفَ به أبو الزبير ؟ .

الوجه الثالث:
هل أبو الزبير مُكْـثِر مِن التدليس أم لا ؟
فليس كل شخص قيل فيه أنه مدلس يكون مكثراً من التدليس ، بل هناك من هو مُقلّ من التدليس جداً ، ومنهم أبو الزبير ، ويدل على هذا شيئين :

الأول : أنه لم يصفه أحد من الحُـفّاظ بهذا ، إلا ما جاء عن النسائي(2) رحمه الله ، وهناك كلام لأبي حاتم يُفهم منه هذا الشي ، وأما الباقي فلم يصفونه بالتدليس .
الثاني : قد تتبعنا حديثه ، فأحياناً في روايته عن جابر يذكر شخصاً آخر، فلو كان مُكثراً من التدليس لأسقط هذه الواسطة ، كذلك ـ أيضاً ـ عندما تتبعنا حديثه لم نجده ـ أحياناً ـ يذكر واسطة ، وكثير من المدلسين عندما تَتَتَبّع حديثه قد يذكر واسطة بينه وبين هذا الشخص الذي يروي عنه مباشرة ، فهنا يكون قد دَلس ، وأما أبو الزبير فقد تتبعنا أحاديثه في الكتب ، في الصِحَاح والسنن والمسانيد والمصنفات ، فما وجدناه إلا مُستـقيماً ، وبحمد الله قد مرّت علينا سنوات ونحن نتتبع حديثه ، فهو مُقلٌّ من التدليس ، ومن كان مُقلّ من التدليس فالأصل في روايته أنها محمولة على السماع والاتصال ما لم يدل دليل على خلاف ذلك.
الوجه الرابع:
لو تنـزّلنا وقلنا أنه دلس .
فنقول : الواسطة قد عُلِمَت بينه وبين جابر بن عبد الله ، وصحيفة جابر صحيفة مشهورة ، وقد رواها كبار التابعين في العلم والعمل ، كقتادة وقبله الحسن البصري والشعبي ، وأيضاً أبي الزبير ، وغيرهم من أهل العلم.
كذلك نقول : أن أبا حاتم الرازي رحمه الله ـ وغيره ـ قد نصوا على أنهم قد أخذوا حديث أبا الزبير من سليمان بن قيس اليَشْـكُري(3) ، وسليمان بن قيس اليشكري ثــقة ، فانتفى هذا التعليل من أصله ، لأن الانقطاع على قسمين :
1ـ انقطاع مقبول.
2ـ انقطاع مردود.
ومتى يكون الانقطاع مردود، ويتوقف فيه؟
إذا لم تُعْرف الواسطة المُسْقَطة ، أما إذا عُلِمت الواسطة المُسْقَطة فيـُنْظرُ فيها، فإن كان هذا الواسطة ثـقة أصبح هذا الانقطاع لا يُؤثر.
فمثلا ً: حُمَيْد الطويل ، روايته عن أنس مقبولة على الإطلاق ، لأن الواسطة معلومة، وإن كان حُمَيْد وُصف ومُسَّ بالتدليس ، إلا أن الواسطة معلومة ، ألا وهي ثابت البُناني كما ذكر ذلك الحفاظ(4) ، وثابت رأس في الحفظ والإتـقان ، إذاً من توقف في حديث حُمَيْد الطويل فقد أخطأ.
ومثلا ً: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود رحمه الله ورضي الله عن أبيه ، أبو عُبَـيْدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود ، ومع ذلك حديثه عن أبيه مقبول ، وذلك لأن الحفاظ قد تتبعوا روايته عن أبيه فوجدوها مستـقيمة ، فعلموا بذلك أنّ الواسطة المُسْقَطة ثـقة ، لذلك إمام أهل الحديث في علم صناعة الحديث في عصره ( علي بن المديني ) ، يحكي عنه تلميذه يعقوب بن شيبة فيقول : إن أصحابنا ، علي بن المديني وغيره أدخلوا رواية أبوعبيدة عن أبيه ضمن المُسْند(5) ، أي ضمن المتصل .
كذلك الدارقطني ـ إمام أهل الحديث في عصره ـ أنه قد مَرّ عليَّ في (( السنن))(6) أنه قد صححها.
ونقل الحافظ بن حجر في (( النكت))(7) أن النسائي يصححها.
فعندما يسمع شخص هذا الإسناد فيقول لم يسمع فيَرُدَّهُ ، فلا شك أنه قد أخطأ ، وهذا من الاتصال المقبول ، لأن الواسطة قد عُلِمَت ، وإنْ كُنّا لم نعرفها بأعيانها، لكن بسبب استـقامة هذه الأحاديث التي قد رواها أبو عبيدة عن أبيه .
إذاً الواسطة ـ على سبيل التنـزّل أنه قد دَلس ـ معلومة بين أبي الزبير وجابر، ألا وهي سليمان بن قيس اليشكري وهو ثـقة ، فانتفى هذا التعليل من أصله .
الوجه الخامس :
أن كبار الحفاظ قد قبلوها، كالإمام مسلم بن الحجاج ـ وتعرف مكانته في علم الحديث ـ وكذلك أبو عيسى الترمذي ويقول: ((حسن صحيح)) ، وكذلك النسائي بدليل أنه قد أخرجها كثيراً في كتابه (( السنن ))، والنسائي كان يسميه كبار الحفاظ المتـقدمين أنه (( صحيح النسائي )) كما نص على ذلك بن عدي أبو أحمد في كتابه (( الكامل ))(8) حيث قال: (( ذكره النسائي في صحاحه)) ، وكذلك عندما تستقرأ كتابه تجد أن الغالب عليه الأحاديث الصحيحة ، وأنه إذا كان هناك حديثـاً معلولا ًبيّـنه ، ولذلك قيل : من يصبر على ما صبر عليه النسائي ، عنده حديث بن لهِيعة عن قـتيبة ولم يُخرّج من حديثه شيئاً(9)، وابن لهيعه فيه ضعـف وليس بشديد الضعـف، ومع ذلك لم يُخرّج له أبداً ، حتى قال الزنجاني عندما سأله أبو الفضل بن طاهر المقدسي، قال: إن هناك رجالاً قد أعرض عنهم النسائي، وقد خرّج لهم البخاري في كتابه الصحيح، قال: يابني إن لإبي عبد الرحمن النسائي شرطاً أشد من شرط البخاري(10)، ولاشك أن هذا على سبيل المبالغة.
وكذلك الحافظ الذهبي في كتابه الميزان، ويستفاد هذا من كلام لابن تيمية، وللعلائي، ويستفاد لابن حجر نوعاً ما.
وكذلك بن حبان وبن خزيمة ـ وهم أئمة ـ وكذلك أبو الحسن الدارقطني لم ينتقد على الإمام مسلم ـ فيما نعلم ـ من رواية أبي الزبير عن جابر، فهي صحيحة، وشبه اتفاق بـين الحفاظ على قبولها.
الوجه السادس :
أننا نطلب منك يا أيها الأخ أن تأتي لنا بأحاديث منكرة لأبي الزبير عن جابر، ولن تجد، ونحن قد تتبعنا حديثه ـ كما ذكرتُ ـ مُـنْذ سنوات فوجدناها مستقيمة وفي غاية من الاستقامة، إلا في حديثـيـن أو ثلاثة، وجدنا فيها نوع من النكارة، ومع أن هناك من قبلها وصححها.
حديثه عن بن عمر، عندما طلق امرأته وهي حائض، ففي رواية أبي الزبير أنها لم تحسب عليه طلقة، وفي رواية غيره كما عـند البخاري في رواية أنس بن سيرين أنها حُسِبت عليه طلقة، وهذا الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذكر أبو داود أنه تفرّد بهذا الشي عن بن عمر، وكذلك أبو عمر بن عبد البر، مع أن هناك من تابعه ، لكن الصواب رواية الجماعة، وأنها حُسبت طلقة، بخلاف رواية أبي الزبير بأنها لم تحْـسب، ومع ذلك أعتمد على هذه الرواية من أعتمد من كبار أهل العلم مثل الإمام بن تيمية والإمام بن القـيّم وغيرهم من أهل العلم.
إذاً فالغالب على أحاديثه الاستقامة ، والسبب في تضعيف هذا الشخص وغيره لرواية أبي الزبير المكي عن جابر هو عدم صِحّةَ المنهج ، والله أعلم.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
أنتهي ما أملاه فضيلة الشيخ المحديث ( عبد الله السعد

ليتك بينت أنك أخذت هذا البحث جاهزا من منتديات صناعة الحديث
قال تعالى { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ }

أبو القاسم البيضاوي
02-07-10, 01:01 AM
http://muslm.net/cgi-bin/showflat.pl?Board=islam&Number=80291

بسم الله الرحمن الرحيم
--------------------------------------------------------------------------------


هذا الموضوع قد أثار جدلاً واسعاً مؤخراً. وهو قائم على قضية رواية أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه. وقد قمت بجمع ما أراه ملخصاً لحال الرجل، وقمت بتتبع بعض مروياته مما أنكره عليه العلماء. ولم أستوعب الأقوال كلها. كما أني أشير في أول المطاف أن الموضوع خلافي وأن العلماء اختلفوا في قبول رواياته.


--------------------------------------------------------------------------------


أبو الزبير (محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي) ثقة (على الأرجح) لكنه يدلّس عن الضعفاء في حديث جابر ‏‎‎‏. فما كان منه في صيغة العنعنة من غير ‏طريق الليث فهو ضعيف.‏

وتدليس أبو الزبير ثابتٌ معروفٌ عنه مشهور، يعترف به. والتدليس هو إسقاط الراوي بينه وبين شيخه جابر ‏‎‎، مع أنه سمع منه بعض الأحاديث ‏القليلة. روى العقيلي وابن عدي وابن حزم عن سعيد بن أبي مريم قال حدثنا الليث بن سعد قال: إن أبا الزبير دفع إلي كتابين. فقلت في نفسي لو ‏سألته: أسمع هذا كله من جابر؟ فرجعت إليه فقلت: «هذا كله سمعته من جابر؟». فقال: «منه ما سمعته، ومنه ما حُدِّثْتُ عنه». فقلت له: «أَعْلِم لي ‏على ما سمعت». فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي. (ولعلّ تلك الأحاديث التي سمعها منه هي 27 حديث). قال ابن حزم: «فكل حديث لم يقل فيه ‏أبو الزبير أنه سمعه من جابر، أو حدثه به جابر، أو لم يروه الليث عنه عن جابر، فلم يسمعه من جابر بـإقـراره. ولا ندري عمن أخذه. فلا يجوز ‏الاحتجاج به».‏

والقصة رواها الفسوي في المعرفة (1\166) مختصرة جداً عن الليث بن سعد قال: «جئت أبا الزبير فأخرج إلينا كتاباً، فقلت: "سماعُك من ‏جابر؟". قال: "ومن غيره". قلت: "سماعَك من جابر". فأخرج إليّ هذه الصحيفة». فقد أخرج أبو الزبير في أول الأمر كتاباً كاملاً. فلما طالبه ‏الليث بما سمعه فقط، أخرج صحيفة فقط من أصل الكتاب. فهذا يدل على أن غالب ما رواه عن جابر إنما دلسه ولم يسمعه. وقد أخرج مسلمٌ ‏وحده من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر 22 حديثاً. وأخرج بهذه الترجمة بعض أصحاب السنن خمسة أخرى (إن صح الإسناد لليث). فهي ‏‏27حديثاً فقط.‏

وقد قال الليث: «فقلت له: "أَعْلِم لي على ما سمعت". فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي». فمن غير المعقول إذاً على أبي الزبير –وهو الحريص على ‏تنفيق بضاعته– أن يعلّم له على بضعة أحاديث فقط ويقول له هذا بعض ما سمعت ولن أخبرك بالباقي!! فيكون قد غش الليث مرة أخرى لأن ‏الليث قال له «أَعْلِم لي على ما سمعت». أي على كل ما سمعت. فقد دلّس على الليث قطعاً في أول الأمر. وكاد الليث يرجع لبلده لولا أنه عرف ‏تدليس أبي الزبير، فعاد إليه وطلب منه التعليم على ما سمعه فقط.‏

أما أن شُعْبَة قد روى عنه، فقد رجع عنه، وضعّف أبا الزبير. قال نعيم بن حماد سمعت هشيماً يقول: سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزَّقه. ‏قال ورقاء: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: «رأيته يزن ويسترجح في الميزان». وقال شعبة لسويد بن عبد العزيز: «لا تكتب عن ‏أبي الزبير فإنه لا يحسن أن يصلي». ثم إن حدّث شعبة عنه فلا ينف هذا أن يكون مُدلّساً. فقد حدَّث شعبة عن قتادة وعن جمعٍ من المحدثين. نعم، ‏ما يرويه شعبة عن المدلّسين فهو محمولٌ على الاتصال، ولا ينفِ هذا تدليس شيخ شعبة إن روى عنه غيره.‏

ولا يشترط أن تجد وصفه بالتدليس عند كل من ترجم له. وكم من مدلّسٍ ثَبَتَ عنه التدليس بالدليل القاطع، ولا تجد كل من ترجم له يذكر ذلك ‏في ترجمته. وكونه من أهل الحجاز لا ينفِ هذا التدليس عنه (كما زعم الحاكم). فهذا ابن جريج من كبار حفاظ مكة. ومع ذلك فشرّ التدليس ‏تدليس ابن جريج. وأبو الزبير قد وصفه النَّسائيّ بالتدليس. وأشار إلى ذلك أبو حاتم. ولا يشترط أن يصفه بذلك كل من ترجم له لأن التدليس ‏يصعب كشفه إلا بحصر الروايات الكثيرة. ولذلك يخفى على كثيرين من الحفاظ. وقد خفي تدليس ابن جريج مثلا على الشافعي فاحتج بحديثه ‏على خصومه بالعنعنة وهو لا‎ ‎يدر تدليسه.‏

ثم لو لم يكن أبو الزبير يدلّس عن ضعيف، لسمع منه الليث حديثه كله، ولم يكتف بـ27 حديثاً ويترك الباقي. ولم يكن ليترك الباقي إن كان أبو ‏الزبير قد سمعه من جابر أو سمعه من ثقة عن جابر. والليث هو في مرتبة مالك بن أنس في الحفظ والعلم والإمامة. وهو أعلم من هؤلاء المتأخرين ‏بحال أبي الزبير. فقوله مُقدّمٌ عليهم قطعاً. ومن نفى تدليس أبي الزبير فقد كذب أبا الزبير نفسه الذي أقر على نفسه لليث بذلك!‏

وقال أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل (4\136): «جالَسَ سليمان اليشكري جابراً فسمع منه وكتب عنه صحيفة، فتوفي وبقيت الصحيفة ‏عند امرأته. فروى أبو الزبير وأبو سفيان الشعبي عن جابر. وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة. وكذلك قتادة». فثبت إذاً أن غالب ‏حديث أبي الزبير عن جابر لم يسمعه منه، بل كثيرٌ منه من صحيفةٍ أخذها وِجَادة. وبعضه لا نعرف من أين جاء به. وأبو حاتم لم يذكر لنا كل ‏هؤلاء الناس الذين دلس عنهم أبو الزبير.‏

وأما من قال أن أبا الزبير قد سمع صحيفة جابر من سليمان بن قيس اليشكري وهو ثقة، فهذا غير كافٍ لنفي تدليس أبي الزبير. فقد ثبت أنه دلس ‏عن صفوان كذلك. والصواب –على التحقيق– أنه سمع بِضعة أحاديث من جابر، ودلّس أكثرها إما عن سليمان وإما صفوان وإما عن غيرهم‎ ‎ممن ‏لا نعرفهم. ومن كانت هذه حاله لا يمكننا الاحتجاج به، لأنه من باب الظن. وقد‎ ‎قال الله تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ ‏الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}. وقد قال رسول الله ‏‎‎‏: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»‏‎ ‎متفق عليه‎.‎

فقد روى الترمذي مختصراً والنسائي في السنن الكبرى (6\178):‏
‏1- أخبرنا محمد بن رافع قال حدثنا شبابة قال حدثنا المغيرة وهو بن مسلم الخراساني عن أبي الزبير عن جابر قال: كان النبي ‏‎‎‏ لا ينام كل ليلة ‏حتى يقرأ تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك».‏
‏2- أخبرني محمد بن آدم عن عبدة عن حسن بن صالح عن ليث عن أبي الزبير عن جابر قال: «كان النبي ‏‎‎‏ لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل ‏السجدة وتبارك الذي بيده الملك».‏
‏3- أخبرنا أبو داود قال حدثنا الحسن وهو بن أعين قال حدثنا زهير قال حدثنا ليث عن أبي الزبير عن جابر قال «كان رسول الله ‏‎‎‏ لا ينام حتى ‏يقرأ آلم تنزيل وتبارك».‏
‏4- أخبرنا أبو داود قال حدثنا الحسن قال حدثنا زهير قال: سألت أبا الزبير: «أسمعت جابراً يذكر ثم أن نبي الله ‏‎‎‏ كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل ‏وتبارك؟». قال: «ليس جابر حدثنيه. ولكن حدثني صفوان أو أبو صفوان».‏

فالمغيرة بن مسلم (وهو ثقة) قد رواه عن أبي الزبير بالعنعنة بدون ذكر الواسطة، كما في الرواية (1). أي أن أبا الزبير قد دلّس عليه كما قد حاول ‏التدليس من قبل على الليث بن سعد، الذي لولا ذكائه وعلمه لانطلى عليه تدليس أبي الزبير. وكذلك دلّس أبو الزبير على ليث بن أبي سليم فرواه ‏معنعناً بدون ذكر الواسطة، كما في الرواية (2). ورواه زهير عنه كذلك، كما في الرواية (3). ثم إنه يعرف تدليس أبي الزبير، فلمّا التقى به سأله: ‏هل أنت سمعت هذا الحديث من جابر؟ قال: «ليس جابر حدثنيه، ولكن حدثني صفوان أو أبو صفوان».‏

فهذا دليلٌ واضحٌ أن أبا الزبير كان يدلّس ولا يوضح للناس تدليسه. فلو لم يشك زهير بسماع أبي الزبير فسأله عن ذلك، لما عرفنا أنه لم يسمع من ‏جابر هذا الحديث. المغيرة بن مسلم الخراساني ثقة جيّد الحديث. وليث بن أبي سليم بن زنيم، يُكتَبُ حديثه ويُعتبَر به. قال معاوية بن صالح عن ابن ‏معين: «ضعيف إلا أنه يكتب حديثه». وقال ابن عدي: «له أحاديث صالحة. وقد روى عنه شعبة والثوري. ومع الضعف الذي فيه، يُكتب ‏حديثه». وقال الذهبي في الكاشف (2\151): «فيه ضعف يسير من سوء حفظه». فهذا لم يتبين لنا إلا من جمع الطرق.‏

ثم إن من الأئمة المتقدمين من نص صراحة على رفض حديث أبي الزبير المعنعن عن جابر. فقال عنه الإمام النسائي في السنن الكبرى (1\640) ‏بعد أن سرد له حديثين بالعنعنة: «فإذا قال: سمعت جابراً، فهو صحيح. وكان يدلس!». أي إذا لم يقل سمعت فهو غير صحيح لأنه مدلس. مثل ‏الذي كذب مرة فقد أبان عن عورته. فلا نقول نقبل حديثه ما لم نعلم أنه كذب. والجرح مقدم على التعديل. فإن الله قد حفظ لنا هذا الدين. ‏ومن حفظه له أن تصلنا أحكام هذا الدين من طريق صحيح متصل غير منقطع رجاله ثقات غير متهمين. فيطمئن المرء له ولا يرتاب. وإلا فلا نعلم ‏يقيناً أن رسول الله ‏‎‎‏ قد قال ذلك. ولم يوجب الله علينا اتباع الظن.‏

فهذا إمامٌ من المتقدمين من كبار أئمة الحديث ومن فقهائهم، قد نص على رد تدليس أبي الزبير. وكان النسائي من أعلم الناس بعلل الحديث ‏وبأحوال الرجال. فإذا لم نقبل بقوله فمن نقبل؟! كيف وقد ثبت ذلك بالدليل القاطع وباعتراف أبي الزبير بتدليسه؟ فإن لم يكن هذا كافياً، فلا ‏نستطيع أن نثبت التدليس على أحد!‏

قد طولت البحث و كبرته بلا فائدة زائدة فكل ما ذكرته و دندنت حوله هو قصة الليث أما من نقلت عنهم مثل النسائي إنما هم في هذه المسألة تبع لليث .
و الليث لم يقل إن ما لم يصرح فيه ابو الزبير بالسماع فهو ضعيف !! و استنباط من استنبط مثل هذا الامر إنما هو مبني على الضن المحض وليس بمبني على اليقين .
ومن أخطاء كثير من المتكلمين في علم الحديث أنهم يجعلون عنعنة المدلس تدليس وهذا خطأ محض , فالائمة يفرقون بين العنعنة و التدليس , فيقولون دَلَّسَهُ ولا يقولون عَنْعَنَهُ , فعنعنة المقل من هذا التدليس (( أي اسقاط واسطة )) الاصل فيها الصحة و الاتصال , أما عنعنة المكثر فالاصل فيها التدليس , ولا يقول أحد شم رائحة هذا العلم أن كل حديث المكثر (( من هذا التدليس )) قد دلسه لكن لما كان الغالب عليه التدليس أُخد بالكثير و توقف في القليل , لكنهم يحكمون بالأصل و الاحتياط , أما المقل فالغالب على حديثه عدم التدليس فلا يترك الكثير ويعل بالقليل وهذا فيه جناية على السنة و فيه من الهدم الخفي ما الله به عليم , فكما هو معلوم من منهج المحدثين جبال هذا العلم الشريف أنهم لا يتركون حديث الراوي حتى يغلب صوابه على خطأه , قال الوليد بن شجاع سمعت الاشجعي يذكر عن سفيان قال : (( ليس يكاد يفلت من الغلط أحد , إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط , و إذا كان الغالب عليه الغلط ترك )) {انظر شرح علل الترمذي ص: 113 } .
وقال اسحاق ابن منصور : قلت لأحمد : (( متى يترك حديث الرجل ؟ )) قال : (( إذا كان الغالب عليه الخطأ )) { نفس المصدر } , فعلم من هذا (( وغيره كثير )) أن الحكم للغالب في هذه المسائل و أن المكثر من هذا التدليس و المقل ليسا سواء , و يبدو لي من كثير ممن يتكلم في هذه المسألة أنهم يخلطون بين المشهور بالشيئ و المكثر منه , فالمشهور بالتدليس لا يعني أنه مكثر منه وهنا يتبين لك ضرر التقليد و العجلة , و كثير ممن تكلم في هذه المسألة يقول في أحاديث المدلسين التي في الصحيحين أنها مما " اطلعا (( أي البخاري و مسلم )) على تصريح ذلك المدلس بالسماع من طريق أخرى لم تبلغنا " وهذا بعيد جدا وبينه و بين الصواب مفاوز ولا يخفى ما في هذا الرأي من الضن بل إن شئت فقل بأنه كله ضن لا غير , و الصواب أن الشيخين كغيرهما من الائمة المتقدمين أصحاب هذا الشأن و أركانه لا يرون إعلال حديث الحفاظ الثقات المقلين من التدليس (( اسقاط الواسطة )) بالعنعنة وهذا هو الصواب حتى يتبين أن هذا الحافظ قد دلس وتراهم يقولون دلس ولا يقولون عنعن و عند غير المتخصصين ترى العكس وهم في عصرنا كثر لكن الائمة الحفاظ من المتقدمين و من تبعهم على ما اتخدوه منهجا في هذا العلم لا يطلقون بلا تقييد و لا يكثرون من الضنون بلا بينة ولا برهان , و الله المستعان , و من الأئمة الحفاظ الدين مشوا على هذا المنهج القويم الامام الحافظ طبيب العلل علي بن المديني رضي الله عنه - قال يعقوب بن شيبة السدوسي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا ، قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول: حدثنا. اهـ «الكفاية» (ص362) ...

خالد بن عمر
03-07-10, 01:06 AM
ليتك بينت أنك أخذت هذا البحث جاهزا من منتديات صناعة الحديث
قال تعالى { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ }


هذه المشاركة كتبت في الملتقى قبل أن يُنشأ الموقع المذكور بسنوات!
هداك الله وأصلح بالك

أبوفاطمة الشمري
03-07-10, 01:23 AM
هذه المشاركة كتبت في الملتقى قبل أن يُنشأ الموقع المذكور بسنوات!
هداك الله وأصلح بالك

أضحك الله سنك!!

محيي الدين الأزهري
28-04-18, 10:09 PM
الإخوة الأكارم: من يتكرم ويرفع لنا كتاب: "إتحاف الذكي بمنهج الأئمة المتقدمين والمتأخرين في عنعنة أبي الزبير المكي".

عبد القادر حسن
29-04-18, 01:10 PM
من بركة العلم أن ينسب إلى أهله وأول من تكلم في هذا الموضوع وطرق بابه ، هو الدكتور محمود سعيد ممدوح في كتابه تنبيه المسلم إلى تعدي الألباني على صحيح مسلم وكتابه مطبوع ومتداول وعلى الشبكة، وقد نشر في عدة أماكن في هذا المنتدى .