المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة ، للشيخ سفر الحوالي


حديث الروح
17-03-02, 08:02 AM
الحمد لله الرحمن الذي علمنا القرآن وفضلنا بالإيمان ورضي لنا ديناً خير الأديان ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيد ولد آدم نبي الرحمة ونبي الملحمة محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

فإن الله تعالى قدر أن يكون لهذه القارة الصغيرة ذات البيئة القاسية ( أوربا ) أثر كبير في تاريخ الجماعة البشرية كلها وأن تتولى قيادة ركب الغواية في صراعه الأبدي مع ركب الإيمان الذي قدر الله أن يكون معتصمه بلاد التين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين[1] .

والاستكبار على الله والشرود عن دينه الذي بلغت به المجتمعات الغربية المعاصرة غايته لم يأت عرضاً وإنما هو وليد قرون من الصراع والتخبط ثم الجموح والتمرد . فقد كان منبت الحضارة الأوروبية من القاع الذي اجتمعت فيه رواسب الحضارات الجاهلية البائدة ( سومرية ، آشورية ، فرعونية ، إغريقية ، رومانية ) بعد تصفية كل تلك الحضارات من آثار النبوة وبقايا الرسالات حيث استبعدت أو طمست أية إشارة إلى توحيد الله عز وجل وإلى رسله الكرام وكتبه المنـزلة[2] ونفض الغبار عن الأوثان القديمة وشرك القرون الأولى ونُقِّب عما طمره الدهر من أساطير وأصنام وضلالات وجهالات .

ذلك أنه في ظل الحضارة الجاهلية الأخيرة ( الرومانية ) اعتنقت أوربا نصرانية " بولس " المنسوبة زوراً إلى المسيح عليه السلام حينما أعلن ذلك الإمبراطور قسطنطين سنة 325 م وانتقلت عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بيزنطة (القسطنطينية ) ويشاء الله تعالى أن يلي ذلك مرحلة مفجعة من تاريخ أوربا الغربية وهي المرحلة الممتدة من سنة 410م (أي تاريخ سقوط روما بأيدي البرابرة) إلى 1210م ( أي تاريخ ظهور أول ترجمة لكتب أرسطو في أوربا ) ثمانية قرون كاملة من التيه والضلال اصطلح المؤرخون الغربيون على تسميتها ( أو جزء منها ) عصور الظلمات وأفاضوا في الحديث عن الانحطاط الكامل حينئذ في الثقافة والعلم والفن وكل جانب من جوانب الحياة إلا جانباً واحداً شذ عن ذلك وهو الدين حيث توغلت النصرانية في الممالك البربرية الوثنية وكان ذلك العصر هو العصر الذهبي لانتشار النصرانية في أوربا كلها وأسست كنائس وأنظمة رهبانية جديدة[3].

تطيرت أوربا بانتقال العاصمة من روما إلى القسطنطينية الذي أعقبه الاجتياح البربري الكبير لروما والإمبراطورية الغربية وحدث هذا التناقض الحاد = انهيار كامل حضارياً وعلمياً وانتشار هائل دينياً !!

وهذا ما أدى لأن يجاهر بعض المؤرخين (ومنهم أكبر المؤرخين لتلك الفترة قاطبة : ادوارد جيبون ) بالقول إن سبب انهيار الإمبراطورية الغربية هو تحولها من الوثنية إلى النصرانية ، وبالطبع لم تقل الشعوب الأوربية حينئذ مثل هذا ولكن في (( اللاشعور )) ارتبطت الوثنية بالحضارة والقوة وارتبط الدين بالهزيمة والانحطاط ، وهو ما كان له آثار بعيدة المدى في علاقة أوربا بالدين [4]. أعني دينها أما الإسلام فإنه لما كان الرومان عامة يعدون كل ما عداهم من الشعوب برابرة ولما كان البابوات ورجال الكنيسة يعدون الإسلام وثنية فقد اتفق الموردان في النظرة القاتمة إلى العالم الإسلامي وامتـزجت العنصرية القديمة بالحقد الديني الجديد . مع أننا لو انتقلنا إلى واقع الحياة الإسلامية حينئذ وعقدنا مقارنة بين الدينين والحضارتين لوجدنا البون شاسعاً والفرق بعيداً :-

1 – لم يكن لدى أوربا مركز حضاري يمكن أن يسمى "مدينة"بالمفهوم السائد عن المدن فيما بعد . وأكبر ما كانت تعرفه هو ( بيزنطة وروما ) اللتان لم تكونا سوى قريتين متأخرتين إذا قورنتا بالمدن العالمية آنذاك ( بغداد ، دمشق ، القاهرة قرطبة …الخ )[5] .

2 -لم يؤلف في أوربا خلال تلك الحقبة الطويلة كتاب علمي على الإطلاق في حين نجد الواحد من علماء المسلمين يكتب العشرات وربما المئات من المصنفات في فنون المعرفة جميعها .

وإذا كانت أوربا تعد ظهور ترجمة كتب أرسطو بداية الخروج من عصر الظلمات فإن الفضل عليها في ذلك يرجع إلى رجل ليس أوربياً ولا نصرانياً بل هو ابن رشد المتوفى سنة 1198م .

ومن هذا المنطلق العنصري وبتلك الرواسب الجاهلية انتقلت أوربا ببطء – في مرحلة مفعمة بالمفاجئات والإنكسارات الحادة -من عصر الظلمات البربري إلى عصر الظلمات الصناعي وصولاً إلى المرحلة المعاصرة من الظلمات المتراكمة المسماة = عصر ما بعد الحداثة .

واستمر القدر الإلهي ألا تعتنق أوربا الإسلام { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لايعقلون } هذا مع أن أساس نهضتها كان إسلامياً وأن العربية كانت لغة العلم فيها إلى القرن الثامن عشر وأن جامعاتها إنما قامت محاكاة للجامعات الإسلامية .

وليت الأمر وقف عند هذا الحد غير أن ما فعلته أوربا كان أفظع من مجرد التعصب لوثنيتها وترك الاهتداء بهدى الله ، فقد تعدى ذلك إلى العدوان العسكري المتواصل أبداً على الإسلام وأهله والوقوف الدائم مع كل عدو لهم وإن كان عابد حجر أو بقر !! .

لقد كان إجحافا أن تنظر أوربا للمسلمين النظرة إلى البرابرة (( القوط ، النورمانديين ، الفايكنج )) بلا أدنى اختلاف لكن أنكى منه أن تتداعى القارة طولاً وعرضاً شرقاً وغرباً وتهب هبة رجل واحد لتحرير الأراضي المقدسة من البرابرة الجدد – زعمت - !!

وهكذا كانت الحملات الصليبية .. وكانت الصدمة الحضارية التي لم تنسها أوربا لحظة واحدة من عمرها :-

· أوربا التي لا تعرف المدن تحاصر مدناً هي صغرى في محيط الحضارة الإسلامية لكن بعضها يبلغ عشرة أضعاف روما عاصمة المتحضرين المقدسة !!

· أوربا التي لم تعرف العلم قروناً بل لم تعرف كتاباً إلا الإنجيل ولا قارئاً إلا القسيس تذهل للمكتبات الهائلة التي تختـزنها هذه المدن الصغرى من عامة وخاصة وفي كل فنون المعرفة من الفلك إلى النقد الأدبي !!

· أوربا التي لا تستطيع أن تستغفر ربها أو تصلي له أو تقدم له قرباناً إلا بتوسط البابا وكهنته ولا تستطيع أن تقرأ كتابها المقدس ولا تفسره أو تترجمه إلى لغة حية تجد كتاب الله الأخير (( القرآن )) في الشرق الإسلامي المتحضر تتلوه الملايين في المساجد والبيوت والكل يعبد رب العالمين بلا واسطة مخلوق .

· أوربا التي يعيش 99 % من أهلها عبيداً ورقيق أرض وفلاحين لا يستطيع أحدهم أن يتنفس الهواء خارج إقطاعيته وإن حاول ذلك كان عقابه الكي بمياسم عريضة تطبع العبودية على جبينه مدى الحياة – تجد الناس في الشرق الإسلامي يعيشون ويتنقلون أحراراً في أرض الله الواسعة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي ويتاجرون مع جنوب أفريقية والدول السكندنافية وربما مع جزر الكاريبي !!

· أوربا التي كان أفضل نموذج لوحداتها الإدارية هو حكومات "الكوميون" في إيطاليا تجد الشرق المسلم يعيش أرقى النظم الإدارية في ممالك تبلغ مساحتها مساحة القمر !!

· أوربا التي يحكمها الأباطرة حكماً استبدادياً مطلقاً ويعتقد الرعايا أن القيصر من نسل الآلهة وأن الله هو الذي أعطاه هذا الحق قدراً وشرعاً وأورثه لسلالته المقدسة تفاجأ بالمسلمين وسلاطينهم من الترك تارة ومن الكرد أخرى ومن المماليك ثالثة والكل بشر في نظر سائر البشر [6].

· أوربا الغارقة في الهمجية والوحشية التي تحرق المخالفين وهم أحياء وتتفنن في تعذيب المنشقين وإذلال المقهورين ولا تعرف عهداً ولا ميثاقاً تبهرها الأخلاق الإسلامية في الحرب والسلم سواء [7] .

· أوربا التي ما كانت تحسب العالم إلا أوربا والتي تسمي الوصول إلى شيء من أطراف الشرق اكتشافاً[8] [ وظلت هكذا إلى القرن التاسع عشر ] فوجئت بالمسلمين يجوبون الدنيا شرقاً وغرباً تجاراً ورحالة ودعاة – بكل تواضع وهدوء – لقد وصلوا إلى أجزاء من شمال أوربا قبل أن تعرفها أوربا نفسها هذا عدا العالم الشرقي الهائل السعة بالنسبة لها براً وبحراً [9]،وما المساجد التي اكتشفت في جزر الكاريبي وصرخ كولمبس حين رآها ((يا إلهي!! حتى اليابان فيها مساجد؟!!)) إلا أحد الشواهد الثابتة على هذا .

· أوربا التي كانت تتداوى بمركبات من الروث والبول وأشلاء الحشرات الميتة تفاجأ بالعالم الإسلامي زاخرا بالمستشفيات والمعامل القائمة علة منهج التجربة و الاستقراء مع الخبرة والحدس ، في التشريح والتشخيص والجراحة وتركيب الدواء وكل ذلك مدون في موسوعات ضخمة ظلت المصدر الأول لنهضة الطب الحديث
ولا تزال رافدا متجددا له [10]

وإجمالاً : ولدت أوربا ولادة جديدة ووجد لديها لأول مرة في تاريخها الشعور بأنها أمة واحدة تواجه عدواً أبدياً هو الإسلام ، وكانت طفولتها في ذلك العصر الذي سمي عصر النهضة أو الانبعاث الذي تعمّدت ألاَّ تجعله يبدأ تاريخياً بمعرفة الدين الرباني واكتشاف حضارته العظمى بل بلحظة الإبحار العكسي إلى الجاهلية الإغريقية واكتشاف أرسطو .

حديث الروح
17-03-02, 11:17 AM
إن ولادة أوربا في ظل الحروب الصليبية وشعورها بذاتها من خلالها هو الذي يفسر تلك التناقضات الصارخة التي يعيشها الفكر الغربي متمثلة في هذه المعادلات الصعبة :-

· تعصب صليبي على الإسلام من بطرس الناسك إلى كلاوس[11]يوازيه داخلياً تمرد كامل على دين الصليب .

· إزدراء مطلق للعصور الوسطى باعتبارها عصور إيمان يوازيه تحيز فاضح لها إذا قورنت بنظيرها التاريخي في الإسلام !!

· الحكم بالسذاجة والبدائية على الفكر الإغريقي باعتباره نقطة البداية في مسيرة الحضارة الغربية يوازيه الحكم عليه بالعظمة والإبداع بالنسبة للحضارة الإسلامية .

ولقد صدق أحد المفكرين الغربيين حين قال في وصف هذه الحالة من التناقض (( كانت أوربا تعبد أرسطو وتلعنه في آنٍ واحدٍ )) وهو التناقض الذي يدفع المسلمون ثمنه للحضارة الغربية إلى الآن .

ولئن كانت كتب أرسطو بمنـزلة الكوة الصغيرة التي نفذت منها أوربا في انفلاتها من سجن الكنيسة المظلم فإنها لم توصلها إلى بر الأمان بل إلى نفق الجاهلية الإغريقية التي لم تخرج منه إلا إلى صحراء القلق والضياع التي يصطلي الإنسان الغربي المعاصر بلهيبها .

ومع أننا لا ننسى إطلاقاً مسؤولية الأمة الإسلامية في كل ما حدث ويحدث فإننا سنتجاوز هذا لننظر نظرة مجردة كيف أصبح الوليد عملاقاً مارداً ، أي كيف تشكلت أوربا الحديثة ؟

وللإجابة الإجمالية على هذا نقول :-

إن هناك اتفاقاً عاماً لدى مؤرخي الفكر الأوربيين على أن النهضة الأوربية قامت على دعائم ( أو حركات ) ثلاث :-

1) النـزعة الإنسانية (( Humanism )) وإحياء الآداب القديمة ( أي الانتكاس للجاهلية الإغريقية ) .

2) حركة الإصلاح الديني .

3) النظرة التجريبية .

وفي كل هذه الحركات نجد الأثر الإسلامي ظاهراً يوازي – إن لم يـزد على – الثورة العقلية الذاتية على خرافات الكنيسة والرغبة الفطرية في التحرير من ظلمها واستبدادها . ومع هذا التوازي في الدوافع والأسباب استطاعت أوربا بدهاء شيطاني أن تحتفظ بأسبابها الذاتية وتمدها إلى نهايات بعيدة أما الخط الآخر فأسدلت عليه حجباً كثيفة من الإهمال والتناسي .

فالنـزعة الإنسانية مدينة كلياً للحضارة الإسلامية ولا ينحصر ذلك في الأثر الأدبي [ إقتباس أبرز ممثليها وهو دانتي من أبي العلاء وابن طفيل ] ، بل يشمل العصر كله حتى أن الإمبراطور فردريك الثاني وهو أكبر أباطرة القرون الوسطى بإطلاق ، ويعتبر لدى بعض المفكرين أول المحدثين ورائد النهضة ،كان يتكلم العربية وكان بلاطه عربي العلم واللسان حتى أنه حينما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم ، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام وسمته "الزنديق الأعظم " !! [12].

أما حركة الإصلاح الديني فلم تولد مع " لوثر " و " كالفن " بل لها جذور عميقة الصلة بالإسلام لا يستطيع أي باحث أوربي أن يغفلها مهما قلل من شأنها ، ومنها (( حركة تحطيم الصور والتماثيل )) التي اجتاحت الإمبراطورية البيزنطية في أوائل القرن الثامن الميلادي – أي بعد قرن تقريباً من ظهور الإسلام - ، وممن آمن بذلك وأصدر مرسوماً عاماً به الإمبراطور " ليو الثالث " [13].

صحيح أن التوراة حرمت ذلك [14]ولكن الكنيسة أحلته فيما حرفت من شريعة الله ووصاياه ، وكل ما فعلته تحويل الناس من تصوير العظماء الدنيويين إلى تصوير المسيح وأمه والقديسين عندها .

أما التجريب الذي تعزى إليه نهضة أوربا العلمية عامة فإن باعثه الظاهري هو التساؤل العقلي الذي افترقت عليه الفلسفة القديمة ، وهو : أيهما أصدق الفكر المجرد أم التجربة الحسية ؟ .

ولم يكن صعود " جاليليو" إلى البرج وإسقاط جسمين متماثلين في الوزن إلا تدليلاً على بطلان قول " أرسطو " في ذلك [15].

ومن هنا فإن الفكر الإسلامي (السني خاصة) الذي رفض أرسطو رفضاً مطلقا ودعا – وفقاً لصريح القرآن – إلى نبذ تقليد السالفين ، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض والنظر في آيات الله الآفاقية والنفسية هو أصل تقدم الإنسانية الحالي كلها ، وما فعله " جاليليو " بالنسبة لحركة الأجرام السماوية ما هو إلا جزء من الأثر السني الذي شمل العالم وصرع المنطق الصوري الإغريقي في الشرق قبل أن تتخلص أوربا منه بعدة قرون [16].

وعلى أية حال انطلقت أوربا في نهضتها بعيداً عن الدين وسوف نتتبع خط سيرها مقتصرين على الجانب المقصود بالذات وهو (( الأدب والفن )) الذي تنعكس على صفحات محيطه المتماوج الأوجه المتعاورة لأوربا في مراحلها التاريخية المتتالية .

كان جمود الآداب جزءاً من الجمود المطلق في ظل الكنيسة حيث كان العلم (وبالأصح معرفة القراءة والكتابة ) منحصراً في رجال الدين ، وأسوأ من ذلك أنه كان بلغة ميتة " اللاتينية " وهي لغة معقدة الأسلوب والقواعد في حين كانت أوربا تتكلم لهجات كثيرة متباينة .

أما المعايير الفنية للأدب والبلاغة والشعر والمسرح فكلها مصفَّدة بآراء أرسطو ونظرياته ، وغاية العبقرية والإبداع والتجديد أن يستنبط الأديب أو الناقد من كلام أرسطو شيئاً أو يفرع عليه آخر ، أما الخروج عليه فهو المحال .

فالملحمة ( وهي التي ينعى الأوربيون على أدبنا العربي خلوّه منها ) ظلت خلال القرون الوسطى والعصر الحديث محكومة بتلك القواعد المتـزمتة والتقاليد الثابتة ومنه ضرورة الاستهلال بالتضرع إلى ربات الشعر مثل " كليوبي " ، فالشاعر الإغريقي هو "ميروس" يتضرع إليها في ملحمته وكذا تضرع صنوه "هزيود" وعلى أثرهما نجد "دانتي" المسيحي يتضرع إلى "أبولو" ( إله الشعر ) في الكوميديا وكذلك تضرع "ميلتون" إلى "أورانيا" (ربة علم الفلك ) في ملحمته "الفردوس المفقود" !! تعالى الله عما يشركون .

وفي الشعر نجد التقيد المطلق بما ورثه القدماء في المضمون والشكل ومن ذلك الالتـزام بالمقاطع وعدد الأبيات في كل مقطع وعدد التفعيلات أيضاً أما النقد فكان ما قرره أرسطو هو المعيار الدقيق ، وكانت المحاكمات الأدبية تتخذ كلامه دستوراً .

وهكذا لم تكن الكلاسيكية إلا تعبيراً واضحاً عن اعتقاد أوربا الكمال المطلق لعمالقة الفكر الإغريق وعلى رأسهم أرسطو .

والمهم أن أوربا النصرانية قدست اللاتينية تقديسها للنص الديني نفسه ، وقدست معايير أرسطو الفنية تقديسها لعلم الكلام الكنسي المنقول عن الفكر الإغريقي .

ومن هنا كانت الحركة الأدبية المتحررة موصومة منذ البداية بالإلحاد والزندقة ، وكان لابد لدعاتها من التسلح بقدر كبير من المغامرة والجرأة .

إنه ليس تحرراً من القيود الأدبية ولكنه تحرر من القبضة الكنسية الجائرة .

وكانت الزحزحة الأولى حيث ظهر حدثان أدبيان كبيران :-

أولهما : " الكوميديا الإلهية " للشاعر الإيطالي دانتي 1321م أبرز رواد عصر النهضة ( معه : بتراك ، دافينشي ، تشوسر ، مايكل أنجلو ) ، وبذلك سجلت أوربا كما يقول برتراند رسل : وثيقة التحرر الأولى !!

أما وثيقة التحرر الأخرى : - وهي أعظم من الأولى – فكانت على يد المصلح الكنسي "مارتن لوثر" ذلك المتدين الثائر الذي هاله ما رأى من فظائع البابوية فكتب وثيقة الاحتجاج المشهورة سنة 1517م وجعلها خمسة وتسعين بنداً وعلقها على مدخل كنيسة ويتنبرج ، وليست هذه هي وثيقة التحرر التي نريد هنا ولكنها انبثقت منها ، فقد ترجم لوثر الإنجيل إلى اللغة ( اللهجة ) الألمانية الدارجة وكانت أوربا قد عرفت المطبعة لأول مرة على يد جوتنبرج الألماني فكانت طباعة الإنجيل مترجماً بلغة غير اللاتينية هي الوثيقة الأدبية الأم وإن شئت فقل هي (البيان الحداثي الأول)[17]إلا أن أحداً من الناس حينئذ لم يطلق على هذا اسم الحداثة " موديرنـزم " بمصطلحها الأدبي ، ذلك أن الخلاف بين لوثر والكنيسة أكبر من أن يكون في الأدب أو اللغة .

وظهر بعد اللوثرية مذاهب وألوان دينية جديدة لاسيما في القرن السابع عشر وكان من أهم أسباب ظهورها انتشار الإنجيل بلغات حية كثيرة فدخل الجميع من الباب الذي فتحه لوثر ومنها ( الكالفينية = كالفن ) ( الجزويت = اجناثيوس ) (الكويكرز = جورج فوكس ) ( الويزلية = جون ويزلي ) ومع أنها اتجهت كلها تقريباً لمحاربة الكنيسة الكاثوليكية أو مخالفتها فقد برزت في المقابل محاولات لإعادة الوحدة الدينية لأوربا .

ولكن حدث في المرحلة التالية من الدواهي ما أذهل الكنائس جميعها وأنساها شيئاً من الخلافات فيما بينها وأن شئت فقل غمرها إلى حين .

حديث الروح
17-03-02, 11:19 AM
ونعني بذلك التحولات الكبرى في الحياة الأوربية التي يسمونها جميعاً ثورات وأهمها :-

1- الثورة العلمية .

2- الثورة الفرنسية .

3- الثورة الصناعية .

ويهمنا الآن الحديث عن الأولى منها :-

لقد كان العلم ( وبالدقة العلم + موقف الكنيسة الأحمق من العلماء ) يمثل الثورة الكبرى التي نسفت خرافات الكنيسة وأطاحت بعرشها وقوضت وجودها الطاغي إلى الأبد ( كما نسفت في الوقت نفسه أرسطو ونظرياته في العلم والفن والحياة ) .

وقد صدرت بيانات هذه الثورة تباعاً :-

نظرية كوبرنيق عن الأجرام السماوية 1540م .

تطوير النظرية على يد تيكو براهي 1575م .

نظرية جاليليو في الحركة وصنع المرقب 1597م .

قوانين كبلر الثلاثة 1620م .

نظرية الجاذبية وقوانين الحركة لنيوتن 1687م .

أول نظرية كونية وضعها لابلاس 1780م .

وصاحب ذلك متأثراً به نظريات سياسية واقتصادية واجتماعية قدمت بيانات مساندة للثورة :-

1- المكيافيللية في السياسة : مكيافيللي يؤلف الأمير سنة 1513م .

2- ظهور الفلسفة الحديثة على يد ديكارت 1650م .

3- النظرية الطبيعية للدولة والمجتمع "التنين" هوبز 1679م .

4- سبينوزا 1677م يؤسس مدرسة النقد التاريخي للكتب النصرانية المقدسة[18] ويجاهر بنبذ النصرانية في السياسة والأخلاق والاعتقاد بوحدة الوجود .

5- تطوير نظرية هوبز وفلسفة ديكارت على يد لوك 1704م .

6- فيكو 1744م ينادي بإحلال الوضع الإنساني محل الوحي الإلهي .

7- آراء جديدة في المنطق : باركلي 1753م .

8- رفض النصرانية والإيمان بالشك المطلق : هيوم 1776م .

9- ولادة النظرية الرأسمالية في كتاب "ثروة الأمم " آدم سمث 1776م .

10- نظرية العقد الاجتماعي وتقديس العاطفة لا العقل : روسو 1778م .

11- فولتير 1784م يجاهر بالكفر بالأديان ويطالب بمجتمع علماني .

12- ديدرو 1784م والموسوعيون الفرنسيون يضعون دائرة المعارف لتكون بديلاً عن الكتاب المقدس ( كتبت بين عامي 1751-1777 ) .

وهكذا نكون قد اقتربنا من الثورة الثانية التي هي نتيجة لهذه الأولى .

ففي سنة 1789م حدثت الثورة الفرنسية فأضحت معلماً فاصلاً لا في تاريخ الفكر والأدب فحسب بل في التاريخ عامة .

ومنذ عصر النهضة حتى ظهور الثورة الفرنسية كانت " الكلاسيكية " هي السائدة على الأدب الأوربي .

وقيمة الأدب الكلاسيكي تتمثل في مضمونه الأخلاقي والتـزامه المدرسي وحديثه الدائم عما ينبغي أن تكون عليه الحياة .

فالنهايات الكلاسيكية ( في المسرحية والملحمة سواء ) تأتي دائماً انتصاراً للحق والفضيلة ، إنه دعوة إلى الحكمة العملية لكنها لا تخاطب الناس باسم الدين ضرورة كما أنه كان في جوانب منه لا يهدف إلى أكثر من إعطاء أكبر قدر من المتعة للقارئ ولو كانت متعة لغوية تقوم على أنواع المحسنات اللفظية وإثبات القدرة على الحذلقة ، وكان المسرح من احتكار الطبقة الأرستقراطية (الملوك والنبلاء) تفوح منه روائح العهر والفحش والإباحية وغمزات دائمة للدين ورجاله

ونتيجة التغييرات الطارئة وجرياً على سنة التذبذب في التاريخ الأوربي تحول الأدب الأوربي من الكلاسيكية إلى نقيضها " الرومانسية " .

والرومانسية هي ارتداد صوفي ولكن موضوعه ليس الرب كما في رهبانية النصارى بل " الطبيعة " وهي لا تهدف إلى التوجيه العقلي للناس عن طريق حكمة القدماء بل إلى الإشباع العاطفي الذي يجعل الذات محور العالم .

إنها مزيج من اليأس الرهباني والهروب من الواقع الذي كلما تقدمت المعرفة العقلية أظهرت أنه أكثر قتامة وكآبة .

وهكذا كان محورها الدائم هو البؤس ، البؤس الديني كما في " الفردوس المفقود" [19] أو البؤس الأخلاقي كما في " البؤساء " [20] أو البؤس العاطفي والنفسي الذي عبر عنه " روسو " !! .

فلئن كان الأوربيون قبل اعتناق النصرانية يعبدون الحجارة والأشجار والحيوان والكواكب فإن الرومانسية الهاربة من النصرانية قد جمعت هذه الأوثان جميعاً في صنم واحد سمته " الطبيعة " وجعلت محل التراتيل الكنسية تلك الأشعار الوجدانية التي تتعشق المعبود الجديد ، كما فعل رمزها الكبير روسو في " راهب سافوي "

حقاً وجد الفكر الأوربي في الرومانسية راحة من الكد المنطقي الذي أرهق مفكري عصر النهضة وما بعدها نتيجة البحث العقيم في الكليات والماهيات والعلاقة بين العقل والمادة والتطلع اليائس إلى معرفة كنه الأشياء منطقياً ، واستطلاع الميتافيزيقيا أو ما وراء الطبيعة !!

كما وجدوا فيها مهرباً من الالتزام بالمعايير الخلقية عامة ، واستطاعوا إحلال المعايير الجمالية المجردة محلها .

كما كانت الرومانسية ملاذاً لأولئك النفر الذين أزعجتهم الحروب القومية والدينية التي لم تهدأ قط [21] ، حيث فتحت لهم مجال تعويض الذات القانطة المغتربة في صراع ليس لها له ما يبرره عندها ، كما فعل " همنغواي " في وداعاً أيها السلاح " بعد حوالي قرنين .

حديث الروح
17-03-02, 11:25 AM
ثم كان القرن التاسع عشر هو قرن التغيرات الكبرى في كل مجالات الحياة الأوربية :-

· الثورة الصناعية تعم أرجاء القارة حاملة الكوارث الاجتماعية مع التقدم المادي الكبير .

· الرأسمالية بوجهها الكالح تسيطر على أوربا وتحفز الأوربيين للتنافس الضاري على خيرات العالم كلها حيث كان العصر الذهبي للتوسع الاستعماري والاحتكار التجاري .

· الثورات السياسية تجتاح القارة مزلزلة بقايا الإقطاع والأنظمة الملكية.

· الفلسفة المثالية تسود القارة ( وخاصة ألمانيا ) والمذهب النفعي يسيطر على إنجلترا .

· خارطة أوربا تشهد تغييرات مفاجئة متلاحقة ( إمبراطوريات تسقط وولايات تصبح إمبراطوريات ، دول تنكمش وأخرى تختفي…)[22].

· التعصب القومي يبلغ ذروته ( جذور الفاشية ، جذور النازية ، الحركة الصهيونية ) .

· ظهور الحركات المتطرفة ( الماركسية ، العدمية ، الفوضوية ) .

ولعل أكبر الأحداث الفكرية في أول القرن هو ظهور الفلسفة الوضعية التي نادى بها " كونت " 1857م ديناً جديداً للإنسانية .

ثم تلاها البركان الذي تجاوبت أصداؤه في أنحاء القارة كلها وأحدث انقلاباً عاماً في الأفكار والآراء والمعتقدات التي توارثتها أوربا – بل الإنسانية – قروناً طويلة وهو البركان الذي فجره " داروين " في كتابه " أصل الأنواع " المشتمل على نظرية التطور العضوي والانتقاء الطبيعي .

وقد وصلت سيول الحمم التي قذفها البركان إلى أرجاء المعمورة كافة نتيجة جهود عظيمة قام بها أناس متعددو الاتجاهات لكنهم متفقو الدوافع – على ما يبدو – ومن أبرزهم اليهود الثلاثة " ماركس ، فرويد ، دوركايم "[23] وتبعهم بالطبع جموع هائلة من المغررين ( أو المسيرين ! ) في كل مكان .

هذا الحدث المذهل أثار حفيظة دعاة القديم وبالأخص رجال الكنيسة فاستجمعوا قواهم واستنجدوا بكل حميم وخاضوا معركة كان فيها حتفهم وانقشع الغبار عن سقوط آخر قلاع الكنيسة وخروجها كلياً عن ميدان الصراع الفكري العام واندحار الدعاة الأخلاقيين ودعاة الالتزام عامة ولم يبق لهم إلا شراذم في
( حزام الإنجيل)[24] وشبهه .

وهكذا كان الغرور الهائل الذي أوحت به النظرية ، والثقة في التقدم المطلق في كل المجالات الذي أسهمت فيه الاكتشافات العلمية المذهلة حينئذٍ ، وكانت نهاية المطاف ظهور النظرية النسبية في أوائل القرن العشرين( 1905م ).

ونتج عن ذلك تنكر مخيف للماضي بكل مافيه وقطع متعمد للأواصر الرابطة به وثورة شاملة على الأخلاق والتقاليد ، لم يسبق لها نظير من قبل .

في هذا الجو المحموم تأرجح الأدب واستقر في اتجاه مضاد هو " الواقعية " .

والواقعية تعني أوضح ما تعني السقوط :

السقوط من خيال الرومانسية إلى أرض الواقع فالمحور ليس الشاعر بل العامل والفلاح والموظف الصغير .

والنـزول من برج اللغة المعقدة المتأنقة إلى احتضان اللهجات المبتذلة .

والصراحة في عرض ما يدور في النفس الإنسانية بلا مواربة فالحبيبة هنا ليست ملاكاً تحوم حوله الأشواق المثالية بل هي جسد تظمأ له رغبات الجوارح …

القضايا الكلية ليست ما يتعلق بحقيقة الوجود وغاية الإنسان فيه وإنما هي الهدف اليومي للفرد العادي …

وعلى المستوى العام بقيت في أوربا إلى مطلع القرن العشرين بقايا من الأوضاع الاجتماعية الموروثة وشيء من القيم الشاحبة ( الأسرة ، الرابطة القومية ، احترام ظاهري للعهود والمواثيق ، نوع من الالتزام بالمبادئ الأخلاقية ) وهذه البقايا عصفت بها الرياح الهوجاء التي حملت دخان الحرب العالمية الأولى إلى أرجاء القارة ومنها إلى أطراف العالم الأخرى .

وأسفرت تلك الحرب – مما أسفرت عنه – عن انكسار حاد في نظرة الإنسانية إلى مصيرها وانقلبت الثقة والتفاؤل خيبة وتشاؤماً ، وأفاق الإنسان الأوربي المخدر بنشوة التقدم المطلق على المدافع وهي تدمر مع القلاع والمدن أحلامه بيوتيبيا[25] علمية إنسانية لقد كان فصلاً جديداً من مسرحية التاريخ الأوربي حيث اختفى مشهد "بروميثوس" وظهر مشهد "سيزيف" [26].

في هذا الوضع الخانق تنادت الأصوات للعودة إلى شيء من المسلمات الثابتة والالتزامات الإنسانية وظهرت نقاط " ويلسون " الأربع عشرة ثم الالتفات حول شبح عصبة الأمم .

وكانت فترة مابين الحربين من أعظم الأحقاب في التاريخ الأوربي هيجاناً وصراعاً ولاسيما في الميدان الفكري حيث تضاربت الدعاوى والاتجاهات وظهرت مذاهب جديدة في كل فن ومعايير جديدة في كل علم ومجموعات اجتماعية غريبة.

وفي ظل هذا الهيجان نمت ظاهرة الشعر الإنجليزي الحر وتألق "إليوت " [27] أبرز شعراء الحداثة ، أما الشعر الفرنسي الحر فقد ظهر قبل ذلك بكثير .

وفي الجانب الآخر قفز العلم التجريبي قفزات هائلة كان من أعظمها ما سمي اكتشاف الذرة سنة 1938 م .

وتدور السنون ولم يدرك أكثر الناس مغزى هذا الاكتشاف حتى انفجرت أعنف حروب التاريخ وأشدها هولاً ( الحرب العالمية الثانية ) هناك ذهلت أوربا بجحافل هتلر وهي تدك باريس وقذائفه وهي تغطي سماء لندن وكتائبه وهي تسحق لينينجراد ولكن الذهول الأكبر كان ساعة الانتصار حيث سقطت القنبلة الذرية على هيروشيما[28] ، وكان إعلان انتصار الحلفاء يعني في الوقت نفسه إعلان وقوف الإنسانية على حافة الهاوية الكبرى .

وفي هذه الأجواء الخانقة والمشاهد الفظيعة ظهرت ألوان من الآراء والمذاهب أكثر قتامة وعبوساً وأكثر شعوراً بتفاهة الحياة وعبثها .

لقد انهارت الآمال الكبرى في التقدم والثقة في عقل الإنسان !!

أما الآلة التي أراحت الإنسان من عناء العمل اليدوي المرهق فقد أصبحت صنماً يسحق إنسانية الإنسان بل معبوداً جباراً ينتقم من الجنس الإنساني بوحشية لا نظير لها في التاريخ كله !!

لم تعد المأساة تتمثل في " أرض يباب " فحسب بل أصبحت " طاعوناً " [29] ، واتسعت دائرة البلاء بواسطة وسائل الاتصال المتقدمة والتدفق المسيطر للمعلومات ليصبح الإنسان في جزر الهند السحيقة وحوض الأمازون وأحراش أفريقية يعيش مأساة الوجود الحائر والمستقبل المعتم ويرى هذا الشبح الرهيب معلقاً فوق رأسه .

أما داخل أوربا نفسها فقد أصبح الفرد العادي يحمل الهموم الكبرى التي ما كان يكابدها في عصور خلت إلا قلة من الفلاسفة التشاؤميين أمثال "شبنجلر وأرويل" ويعيش الأزمة الخانقة التي ذهبت بعقل نيتشه ودمرت نفسية شوبنهاور وألجأت تولستوي إلى المنفى . حتى المسرح الذي كان وسيلة الناس للهروب من الواقع الكالح إلى ميادين من المتعة واللهو و إشغال الوقت تحول ( ومعه السينما ) إلى مسرح عبث ووجودية وفوضوية وعدمية … الخ .

لم يعد أحد يتحدث عن " طرطوف " بل عن " دماء الخنازير " وأمثالها [30].

إنها بأصرح عبارة = مأساة أمة لم تسلم وجهها إلى الله ولم تعرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى .

إن الذنوب والمعاصي تدمر الأمة وتنـزل بها من موجبات العقوبة ما لا يعلمه إلا الله فكيف بالإلحاد الصريح المتدفق موجات إثر موجات في ذلك المحيط الهائج المضطرب.

ومع اتساع الهوة بين الواقع المعاصر – بيأسه وقنوطه ومعضلاته المستعصية – وبين النظريات الوضعية الشمولي منها والنسبي ظهر جلياً عقم الفلسفة وارتدت في كرة خاسرة يصدق عليها قول أحد كبارها (( إنها ثرثرة تهدف إلى التخلص من الثرثرة )) وتسرب فراغ المضمون هذا إلى الملجأ الهش الذي هرب إليه فلاسفة اللامعقول وهو " الأدب " وكان الدخول من باب " النقد " الذي باسمه تحولت اللغة إلى موضوع رئيس لجدل فلسفي عقيم وكان استدراج فروع الأدب كافة إلى هذا المستنقع متلاحقاً وسريعاً ، ولعل أوضح الأدلة على ذلك انسياق الماركسية له رغم شموليتها المغالية واعتسافها المطلق للأدب في إطار" الواقعية الاشتراكية " التي لا تزيد عن كونها نموذجاً مدرسياً معاصراً – كما عبر جارودي - .

وهكذا تحول الاهتمام ( وبخاصة في فرنسا ) عن موضوع " الأنا والعالم ، والوجود ، والمادة ، والعقل … " الخ إلى " النص ، الشكل ، التركيب ، البنية ، الرمز ، الأسطورة … " الخ كما تحولت الأفكار من المعارك التقليدية بين الفلسفات المنهجية كالحال بين الماركسية والوجودية إلى ضروب جديدة متنافرة من التقلبات الفكرية والجدل غير ذي الموضوع ، وهو ما شهده العقد السادس الميلادي الذي يمكن أن يوصف بأنه " عقد البنيوية " !!

ففي الستينيات برزت البنيوية منافساً للوجودية من جهة ، وتطويراً للمادية الجدلية من جهة أخرى ، وتغلغلت في كثير من العلوم حتى ظهر منافسها "التفكيكية" في السبعينيات .

واختلفت آراء البنيويين في البنيوية وذهب بها كل منهم مذهبه ، وحدثت نتيجة لذلك فوضى فكرية ما تـزال تغمر الفكر الغربي ، وقد جلبها اليسار العربي ومؤسساته ، وبعض الاتجاهات الوجودية الملفقة إلى العالم العربي ، حتى اكتظت بها الملاحق الأدبية في الجرائد اليومية فضلاً عما عداها ، هذا في حين أن الزمن قد عفى عليها في بلادها .

حديث الروح
17-03-02, 11:26 AM
ونظراً لما حظيت به النظرية – ولا تزال – في عالمنا العربي ولكونها تمثل المعلم الفاصل بين مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة فسوف ينحصر جل اهتمامنا هنا بها مع شيء من التفصيل عن مدارسها وحلقاتها وتطبيقاتها في فروع المعرفة :-

1- مدرسة جنيف : في القرن التاسع عشر نادى الباحث الاجتماعي اليهودي " دوركايم " بالنظرية المسماة " العقل الجمعي " ودعا إلى دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها " أشياء مستقلة " وتبعاً لذلك ظهر الباحث اللغوي السويسري " فرديناد دي سوسيور " بنظريته في " ظاهرة اللغة " حيث جرد اللغة من دلالاتها الإشارية المألوفة وعدها نظاماً من الرموز يقوم على علاقات ثنائية ، ومن هنا ظهرت فكرة " البنية " ومن أبرز ما قرره سوسيور بقوة مبدأ " اعتباطية الرمز اللغوي " [31] وهو ما يعني أن أشكال التواصل الإنساني ما هي إلا أنظمة تتكون من مجموعة من العلاقات التعسفية ، أي العلاقات التي لا ترتبط ارتباطاً طبيعياً أو منطقياً أو وظيفياً بمدلولات العالم الطبيعي " [32] وأن " كل نظام لغوي يعتمد على مبدأ لا معقول من اعتباطية الرمز وتعسفه " أي تماماً كما يعتبط العقل الجمعي عند " دوركايم " ويتعسف فيفرض على الناس ماهو خارج عن ذواتهم . ومن هنا انبعثت فكرة " السيمولوجيا " أي علم الدلالة أو العلامة والإيحاء وتطورت فيما بعد .

2- المدرسة الشكلية الروسية : ويرجع أصلها إلى "حلقة موسكو اللغوية" وهي نوع من الإلحاد غير الماركسي في روسيا وقد أدمجها استالين قسراً ضمن الواقعية الاشتراكية لكن نفراً من روادها هاجروا إلى الغرب وهناك طوروا الفكرة ، ومنهم معلمها الشهير " جاكوبسون " ، ومن أهم آرائها " تحرير الكلمة الشعرية من الاتجاهات الفلسفية والدينية " [33]. والانطلاق من " دراسة العمل الأدبي في ذاته " فهي تؤكد " أن العمل الأدبي يتجاوز نفسية مبدعه ويكتسب خلال عملية الموضعة الفنية وجوده الخاص المستقل " [34]

وتؤكد أن " العمل الفني لا يتطابق بشكل كامل مع الهيكل العقلي للمؤلف ولا المتلقي " أو كما يقول : " موخاروفسكي " فإن " الأنا الشاعر لا ينطبق على أية شخصية فعلية ملموسة ولا حتى شخصية المؤلف نفسه إنه محور تركيب القصيدة الموضوع " [35]

هذا هو الأساس الذي بالاعتماد عليه يحمل البنيويون النصوص فلسفات وأفكاراً ورؤى لم تخطر لقائلها ببال بل لم تظهر في عصره – إن كان قديماً – وعليه نادى "رولات بارت" أكبر ناقد في أوربا كما وصفه الدكتور الغذامي بنظرية "موت المؤلف" !!

وهكذا ابتدأت الشكلية الروسية من دعوتها إلى استقلال الكلمة الشعرية كشيء قائمٍ بذاته ، وانتهت إلى استقلال العمل الأدبي عن نفسية مؤلفه من ناحية ، وعن الموضوع الاجتماعي الذي يشير إليه بأدواته وإجراءاته الخاصة من ناحية أخرى " [36]

وأكدت هذه المدرسة ضمن استقلالية العمل الأدبي أن لهذا العمل زمنه الخاص وعارضت "الأفكار الأكاديمية التقليدية" عن تطور الأدب ومساره التقدمي المطرد ، وأنكرت فكرة التوالي الطبيعي للمذاهب الأدبية أو توالدها فيما بينها ، وحرصت على إبراز حقيقة عدم الاستقرار في الأشكال الأدبية " [37]

وغايرت المدرسة الشكلية الاتجاهات النقدية الأخرى التي تهتم بالمضمون حيث صرفت الاهتمام الأكبر إلى الشكل جاعلة إياه وسيلة للوعي وتجديد الرؤية ، فوظيفة الفن عندها ليس إعطاء رؤية ولا تصوير الواقع أو التعبير عن العالم الطبيعي الموضوعي وإنما هي " استخدام اللغة بطريقة جديدة بحيث يثير لدينا وعياً باللغة من حيث هي لغة ، ومن خلال هذا الوعي يتجدد الوعي بدلالات اللغة ، هذا الوعي الذي تطمسه العادة والرتابة على حد تعبير "جورج لوكاش" [38]

وهكذا نصل إلى الفكرة نفسها "موت المؤلف" كما نادى بها "رولات بارت"[39]

3- حلقات "براغ ، كوبنهاجن ، نيويورك " اللغوية .

ويهمنا منها أمور نوجزها ما أمكن :-

أ – أن أصلها جميعاً هو الشكلية الروسية نفسها ، وخصوصاً " جاكبسون " المحرك الأساسي لحركة براغ حيث كان يعمل ملحقاً ثقافياً لروسيا بها [40] ، ثم أسست على منوالها مدرسة " كوبنهاجن " [41].

ثم حلقة " نيويورك " التي أسست بعد هجرة " جاكوبسون " إليها حيث التقى بـ "كلود ليفي شتراوس" [42] وهناك نبت من علاقتهما الفكرية الكثير من عناصر البنيوية الحديثة وأركانها ، ثم ما لبث شتراوس أن أصبح زعيم البنيوية الفرنسية كما سيأتي .

ونبغ من هذه الحلقة " نعوم جومسكي " أبرز ممثلي البنيوية الأمريكية !!

وهنا لابد أن يستوقفنا دور " جاكوبسون " الكبير في تأسيس وتطوير البنيوية حتى أن بعض الباحثين يلخص ((تاريخ نشأة البنائية وتشكلاتها المختلفة في شخصيته ومغامراته العلمية ابتداءً من مطلع شبابه في موسكو حتى تخرج على يديه أجيال من الباحثين في أوربا وأمريكا ، وأصبح الحجة الأولى والمرجع الأخير في علم اللغة الحديث)) [43] .

فهل الأمر مصادفة ؟ أم عبقرية فردية ؟ أم أن هذه الحركة والشهرة الواسعة وراءها ما وراءها ؟!

لعل الإجابة تأتينا من معرفة أن كلاً من زعيمي المدرستين الأمريكية والفرنسية "جومسكي وشتراوس" يهودي بل إن جومسكي تربى في الأرض المحتلة [44] .

ومع أنني لم أجد من خلال بحثي المحدود ما يدل على دين "جاكوبسون" لكن ما علمناه عن دوره وما نعلمه عن دور المؤسسات المريبة في احتضان الأفكار الشاذة وتوجيهها وما هو واضح من صلته بالماركسية [45] التي هي فكرة يهودية يجعلنا على الأقل نستريب في انتمائه ، ونتساءل أليس من السذاجة أن نغض الطرف عن كون رجال هذا المذهب يهوداً ورموزه توراتية ونحمل المصادفة وحدها عبء ذلك ؟؟ !!

ونزيد : أليست النفسية اليهودية منذ حلول غضب الله عليها مسؤولة عن كثير من المفاسد والشرور في الفكر والواقع من غير اشتراط دافع للإفساد عمداً بالضرورة ، فليس من شرط الأفاعي (هكذا كما سماهم المسيح) لكي تكون شريرة أن تضع بروتوكولات للإيقاع بالحمام !!

ب – المدرسة الأمريكية " نيويورك ":

"هي التي لقيت أكبر قدر من الذيوع في العالم العربي" كما يقول الدكتور صلاح فضل [46] .

ولعل الأصح - أن يقال في المشرق العربي - وهي التي تربى في أحضانها الكاتب النصراني "كمال أبو ديب" [47] الذي سار على خطاه الدكتور عبد الله الغذامي وتلميذه السريحي عندنا [48] .

ج – الاتجاهات التطويرية للبنيوية [49]:

انبثق من البنيوية اتجاهات قامت بتطوير الفلسفات المعروفة وفق منهج بنيوي، أي بصياغة جديدة للفلسفات والنظريات المشهورة ومن رواد تلك الاتجاهات ( إضافة إلى شتراوس وتطويره للدراسات الانتربولوجية ) :-

1- "لوى التوسير" أعاد صياغة الماركسية بحيث تقرأ من منظور بنيوي لا منظور هيجلي!! وقريب منه "هنري لوفيفر" الزعيم الماركسي الحركي .

2- "جاك لاكان " أعاد صياغة الفرويدية ، بل إن كتاباته تعد في مجملها صدى لتلك النظرية ، خاصة رسالته " وراء مبدأ الواقع " التي كان عنوانها محاكاة لعنوان كتاب فرويد " وراء مبدأ اللذة " .

3- " ميشل فوكو " الذي صاغ نظرية جديدة في اللغة وأصلها وتراكيبها ووظيفتها ، من خلال مصدره الخاص لاستكناه الحقيقية الإنسانية وهو "الجنون " معلناً أن المجنون يمكن أن يؤدي دور النبي عند المؤمنين بالأديان!! [50]

4- " رولان بارت " صاغ نظرية بنيوية لتغير الأزياء ( الموضة ) هي في جزء منها تطوير لآراء " دوركايم " كما أحدث أثراً بالغاً في النقد الأدبي خاصة بعد أن أصبح عضواً في مجلة [ TELQUE ] صوت الاتجاه الذي يسمى ما بعد البنيوية أو ( التفكيكيين ) الذين ينتمي إليهم الغذامي في كتابه السالف ذكره .

3 - المدرسة الفرنسية : وهي المدرسة الرائجة في القارة الأوربية والمغرب العربي وانتشرت في المشرق العربي تبعاً لانتشار الحداثة ، ولن نفصل القول فيها وإنما نوجز أهم اتجاهاتها :

1- البنيوية الانتربولوجية : ( أي التي تبحث في الإنسان وتطور حياته وعاداته الاجتماعية ) وزعيمها هو اليهودي "كلود ليفي شتراوس" السالف الذكر ، وقد طور اتجاهات دوركايم وفريزر عن الأساطير والعادات الاجتماعية للبدائيين وفق منظوره البنيوي وهو كثيرا ما يعلن عن ولائه الماركسي واعتناقه لمبادئ المادية الجدلية ، كما أنه يميل إلى البرنامج الاشتراكي سياسياً واقتصادياً ويرى أن مستقبل الغرب والعالم كله مرهون بانتصار الاشتراكية [51].

2- الاتجاه الماركسي : ويمثله رواد الروس المهاجرين إلى فرنسا أو الفرنسيين الماركسيين ومن أشهرهم " لوسيان جولدمان " و " لوكاش " وهما مهاجران ، وتسمى بنيويتهما " البنيوية التكوينية أو التوليدية " في حين تسمى بنيوية شومسكي " التحويلية " ! ، وقد استمدا النظرية من " جان بياجيه " مؤسسها الأصلي ولكنهما حولاها إلى ماركسية [52].

خالد الفارس
20-02-04, 01:36 AM
جزاك الله خيرا

سلطان العتيبي
20-02-04, 02:39 AM
لو أنزلت الرسالة على ملف وورد , إني أراك من المحسنين !!

أبوحاتم
20-02-04, 07:51 PM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة سلطان العتيبي
لو أنزلت الرسالة على ملف وورد , إني أراك من المحسنين !!