المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقوق الادبي لشيخنا ابي فراس عفا الله عنه والموضوع نقله اخونا ابوزيد في منتدى الشرعي العام وعذرا لشيخنا عن بعدنا


اسلام البليدي
20-03-13, 01:08 PM
العقوق الأدبي
بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، خلق الإنسان وعلَّمه، وربَّاه بنعمه وأكرمه، أكرمه بنعمةِ البيان، وجارحةِ اللسان، فكان مفضَّلا على سائر الحيوان، ثم أتمَّ عليه المنَّة، ببعثة الرسل إلى جنسه من جنسِه، وبلسان من لسانِه، فحصلت السعادة لأتباع الرسل، وحلت الشقاوة بمن تنكب عن الصراط المستقيم.
ولا يزال الشأن كذلك من لدن أبي البشر آدم ـ عليه السلام ـ إلى ميقات بعثة خاتم النيئين محمد بن عبد الله ـ عليها أزكى الصلوات والتسليم ـ، ثم ما كان بعد ذلك من أحقاب زمنية متتابعة في بقايا أعقاب البشر...
ويالله! كم من شر عرف في هذا النوع الإنساني؟! من شركٍ باللّه، وتكذيبٍ بالرسل، وعقوقٍ للوالدين، وسفكٍ للدماء المحرّمة، واستباحةٍ للحرمات المعظّمة ... في سيلٍ جرارٍ من أنوع الشرور متدفقٍ في مستنقعٍ لا يقوى أحدٌ على دفع نتن ريحه عنه، وإن ريحه ليوجد من مسيرة كذا وكذا...
وها نحن اليوم أمام ريح شرٍ قاتلٍ فاتكٍ، يتسلّل إلى أنفسنا، ممتطيا صهوة1 أنفاسنا ـ على خفّتها وسرعتها، حتى إذا ما وصل إلى محل النبض منّا، فعل فعلته ـ إلا أن يتداركنا الله بلطفه ورحمته ـ
لولا تداركه الإله بلطفه ولى على الأعقاب ذا نكصان
أو عرفتموه؟!
إنه ريح شر العقوق الأدبي... ووالله ما كنت أدري قبل اليوم ما سرُّ حرقة شيخ المقامات الحريرية ـ أبي زيد السروجي ـ في زَجْرَتِه وزَفْرَتِه قائلا: "صه ياعقق، يا من هو الشَّجا والشَّرَق"2. فلما زمَّ الأنوفَ3 زَخَمَةُ4 هذا الشر، إذا كلمة السروجي تتردّد في الآذان، كأنّها صدى صوتٍ جهِّيرٍ في جبالٍ شاهقةٍ في سكونٍ رهيبٍ.
يالله! أيُّ نَفْسٍ هي من تَعَضُّ يدَ المحسن؟! وأيُّ نَفْسٍ هي من تتنكَّر لمن أزاح عن عينيها القذى؟! وأيُّ نَفْسٍ هي من تقطع حبل الوصال، لمن أمدَّها بحبل متين يوم هي ملقاة في غيابات جبٍّ، تحيط بها الحيَّات والثعابين من كل جانب...
فهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا "
ويا ليت هؤلاء إذ ابتلوا بهذا المرض الفاتك، والسمِّ الناقع، رجعوا إلى معلميهم، فنصحوا لهم بترياق نافع، وسامحوهم فكان لهم ذلك خيرَ شافع.
ولكنهم جمعوا حَشَفًا وسوءَ كيلة، وحسدًا ودعوةً عريضة، فقالوا ـ ويا قُبْحَ ماقالواـ: "ما استفدناه منكم نسيناه، وما رضعناه منك قد بُلناه".
فقيل لهم الآن قد حمي الوطيس! فحقٌّ لكم علينا، وواجبٌ علينا فيكم، أن نشرحكم شرحًا يحلُّ منكم المقفلات، ويفكٌّ فيكم المشكلات، ثم نضعُ عليه الحواشي المطوَّلات ـ إذ الكتاب لا يضيء حتى يظلم ـ وعلى نفسها جنت براقش...
ففيكم ـ أيها العاقُّون ـ عشر خصال:
أولها: الكبر: ويحشر المتكبرون يوم القامة أمثال الذَّر، في صور الرجال يغشاهم الذُّل من كل مكان... كما في الخبر5، وذلك أنه لولا الكبر، لما تنكَّرتم لمن رضعتم لِبانَه, وأخذتم منه لُبابَه، فلما شدوتم شيئا يسيرا من ذلك، ظننتم ـ كبرًا وتيهًاـ كالذي قيل في والي النفَّاطات 6ـ أنكم فُقْتم من تعلمتم منه علمًا، وسولت لكم أنفسكم أمرًا، فصبرٌ جميل، والله المستعان على ما تصفون.
ثانيها: الحسد: وهو أول ذنب عصي به الرب تبارك وتعالى، فحسدتم مشايخكم ـ أحببتم أم كرهتم ـ على ما آتاهم الله من فضله، ورميتموهم بما تعلمون ـ أنتم قبل غيركم ـ أنهم منه برآء، حسدًا من عند أنفسكم من بعد ما تبين لكم الحق.
ثالثها: كفران النعمة: فما راعيتم وِداد اللحظات، ولا حرمة ذوي الإفادات، وتناسيتم ما علَّموكموه من جميل الكلمات: " لا يشكر اللهَ، من لا يشكر الناس" كما في الحديث7، و" الحرُّ من راعى وِداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة" كما أثر عن الإمام الشافعي، وعن الأصمعى:" سمعت أعرابيا يقول: أسرع الذنوب عقوبة: كفران المعروف". وقول القائل:
إذا أفادك إنسان فائدة فأدمِن الشكرَ له أبدا
وقلْ فلان جزاه الله صالحًا واطّرح الكِبْرَ و الحَسَدا
رابعها: الظلم: وما أقبحه من ذنب، فـ " الظلم ظلمات يوم القيامة"، لقد ظلمتم من استفدتم منهم يوم عققتموهم، وأضرمتم في قلوبهم نارا، لا يطفئها إلا طلب العفو والمعذرة، ومن كانت له عند أخيه مظلمة فليستحلَّ منه اليوم، قبلَ أن يأتي يوم لا درهمٌ فيه ولا دينار، وإنّما هي حسنات وسيئات. فاللهم سلّم سلّم.
خامسها: التعالم: وهو من شر غوائل العلم، وأحيلك ـ أيُّها الرجل النبيل ـ على ما سطره يراع الفقيه الأديب بكر أبوزيد ـ برّد الله مضجعه ـ في كتابها الحافل " التعالم".
سادسها: الكذب: وهو كذاك من شر غوائل العلم، بل ذاك من هذا، كذبتم على أنفسكم، يومَ تنكَّرتم لمن أفدتم منهم، وكذبتم على الناس، يومَ أردتم أن تُظهِروا لهم أنّكم أعلم ممن أفدتم منه، وحالكم ـ على الناس ـ ظاهر لا يخفى.
سابعها: الجهل: لأنّكم عصيتم ربكم فيمن تعلمتم منه، وأنكرتم حقه عليكم، ظانِّين غيرَ الحقّ، وضانِّين بالحقّ، فأحاط بكم الجهل من جهاتٍ متعددة، ودخل عليكم العصيان من أبوابٍ متفرِّقة، و" إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء".
ثامنها: النميمة: حملكم الحسد والكِبرُ على أن تَنُمُّوا8 على من أفدتم منه، وخلطتم في ذلك حقًّا بباطلٍ، وسمًّا بعسلٍ، وخِلْتم أن ذلك سيروج على خلائق كثيرة، ونامت أعينكم، وعَيْنُ اللهِ لم تَنْمِ.
تاسعها: الغيبة : حملكم الحسد ـ مرة أخرى ـ على أن تغتابوا من أفدتم منه، وألبستموه لَبوس النصيحة للدين ـ على عادة من يختفي وراء الحق، ليمرِّر الباطل، ويعيش لهؤلاء أصحاب المناقيش ـ تحسبون أن ذلك سيحقق بُغْيَتكم، من غيبتكم، وربُّكم لا تخفى عليه خَافية، ولا يَعْزُب عن علمه جهة ولا زاوية، فأين المَفَرّ؟! يوم لا مَفَرّ!
عاشرها: وهو جماع ما تقدم لقد وقعتم في حَمْئَة "العقوق الأدبي"، ولا نجاة من ذلك إلا بالرجوع إلى الله ـ عز وجل ـ، والتوبة إليه، والاطّراح بين يديه، والإقلاع عن هذا الذنب، فإنه قاسم الظهر، ومفرّق الجمع، وقاطع الرحم، وماحق البركة، وناشر العداوة، وبريد الحسد، ومَذْهبةُ العلم، ومَبْعث الجهل، ومَطْردة الإفادة، وعنوان الخسران...تلك عشرة كاملة.
فأعيذك بالله ـ أيها النّاظر الحصيف ـ أن تحوم حول هكذا شرٍ، فتحُلَّ بدارك مصيبةٌ قارعة، أوتنزل بساحتك نائبةٌ فاجعة...
بل اجعل حب معلميك: خلقًا من أخلاقك ، والدعاء لهم ـ بصدقٍ ـ خصلةً من خصالك، والثناء عليهم ـ بحقٍّ ـ خلّةً من خلالك، والدفع عن أعراضهم ـ في غير ما تعصبٍ ـ سِمةً من سماتك ، والاعتراف لهم عليك بالفضل صفةً من صفاتك، والتوقير لهم ـ في غير إفراط ـ شِيمةً من شِيَمك، والاحترام لهم ـ في غير تفريط ـ شِمالا من شمائلك9...فهذه سبع من علائق الوصايا10، وعقائل السجايا11، قد جعلتها في يمينك، وأقسمت عليك بالله إلا أخذتها خالدةً تالدةً، لا ينازعك فيها إلا ظالم...
ثم إيَّاك إيَّاك وظلمهم، والتنكَّر لفضلهم، فإنَّ لحومهم مسمومة، وعادة الله في منتقصهم معلومة، وإن فقتهم يوما علما، وبرَّزت عليهم تحقيقا وفهما، فاذكر ما حفظته عنهم في بيت الخلاصة، فإنه يغني بلا خصاصة:
وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا12
فليكن هذا منك على ذُكر، ولتكن أنت منه على خُبر، فالاعتراف لأهل الفضل بالفضل: فضلٌ.
ورحم الله عبدا سمع هذه المقالة فبلّغها ، فربَّ سامعٍ أوعى من مبلِّغ. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلي اللهم على عبدك الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله أولا وآخرا .
وكتب أبو فراس مراد بن أحمد عطاسي
ـ البليدة ـ الجزائر المصونة ـ








1/ صهوة كل شيء أعلاه، ومن الفرس مقعد الفارس، وعليه بيت المعلقة :
يُزِلُّ الغلامَ الخفَّ عن صهواته / ويُلوي بأثواب العنيف المثقَلِ
المعلقات مع شرح الزوزني ص/50 .
وفي المقصورة لابن دريد:
مُداخِلُ الخلقِ رحيبٌ شَجْرُه/ مُخْلَوْلِقُ الصَّهْوًةِ مَمْسُود وَأَى
2/ عقق : معدول عن عاقّ للمبالغة مثل: "غُدَر"من غادر و"فُسَق" من فاسق. اللسان 5/989
3 / زمّ الأنوف: أي جعل فيها زماما وجرَّها به، فلا تقوى على الانفكاك عنه البتَّة، من قولهم زمّ البعير إذا خطمه، قال في اللسان:" وفي الحديث : " لا زمام، ولا خطام" أراد ما كانوا يفعلونه من زمّ الأنوف، وهو أن يُخرق الأنف، ويجعل فيه زمام كزمام البعير ليقاد به...". وانظر تمامه فهو نفيس في هذا المعنى اللسان 7/248 القاموس ص/2008
4/ الزَخَمَة: الرائحة الكريهة، يقال:" لحم زَخِمٌ دَسِمٌ" خبيث الرائحة، وخصَّ بعضهم ذلك بلحوم السباع، فقال لا تكون الزخمة إلا في لحوم السباع، والزَهَمَة في لحوم الطير كلّها، وهي أطيب من الزخمة. اللسان 7/239.

5 / أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا بلفظ:" يحشر المتكبرون يوم القيامة: أمثال الذّر في صُوَر الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، فيساقون إلى سجن بُولُس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَون فيها من عصارة أهل النار: طينة الخبال " [ح/2492] قال الترمذي حديث حسن صحيح. وبُولُس كلمة أعجمية سمي بها ذلك السجن.

6/ قال عبد الصمد بن المعذِّل في صديق له تولى إمارة النَّفاطات ـ عيون النَّفط ـ فأظهر تيها وكبرا:
لعمري لقد أظهرت تيهًا كأنما توليت للفضل بن مروان عُكْبَرا
دَعِ الكبرَ واستبق التواضع إنه قبيحٌ بوالي النَّفط أنْ يَتَكَبَرا
لحفظ عيون النَّفط أحدثت نخوةَ فكيف به لو كان مِسْكًا وعَنْبَرا
أباطيل وأسمار للعلامة محمود شاكر ص/54 .

7 / أخرجه أبو داود [ح/4811] والترمذي [ح/1954] من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظه المذكور.

8 / النّميمة رفع الحديث على جهة التحريش والإفساد، والفعل نمّ ينُِمّ ينِمّ ، والأصل الضمّ , انظر اللسان [7/547] القاموس ص/ 1050.

9 / الشِمال: الخُلُق، والجمع: شمائل. تقول "ليس من شِمالي: أنْ أعمل بشمالي" أي ليس من خُلُقي أن أعمل بيدِي الشمال، وقريب من هذا ـ لفظا ـ :" ينسج الشِمال باليمين" فالشِمال هنا جمع شَمْلة، وهي الكساء والمئزر يشتمل به، وعليه قول الحريري في المقامة الطيبية " قال: فإن سجد على شِماله ، قال لا بأس بفِعاله". انظر الأساس للزمخشري 1/523 ، اللسان 6/457.

10/ أصل مادة [ع ل ق ] يدل على نشوب ـ علوق ـ شيء بشيء، ومنه "العَلَقة" لأنها تعلق بلهاة الدابة عند شربها الماء، والعِلْق ـوجمعه أعلاق ـ الشيء النفيس، لأن النفوس تعلق به، و"العَلاقة" ـ والجمع علائق ـ: المهر، لأنه يعلِّق كلّ واحد بصاحبه، و"العلائق" الألقاب، لأنها تُعلَّق على الناس ـ والمفرد عِلاقةـ ، و"العلائق" ما علق من الصيد بالحبال وفي المثل "أعْلَقت فأدْرِك" أي أدرك صيدك الذي علق بالحبال، وعلائق الوصايا ـ هناـ الوصايا التي حق لها أن تُعلّق لأهميتها، وهو ناظر إلى معنى المعلقات، وقال الثعالبي في شعر السريّ: وقد أخرجت من شعره ما يكتب في جبهة الدهر، ويعلق في كعبة الظرف". وإنما آثرت علائق على أعلاق ـ جمع علق للنفيس من الشيء كما تقدم ـ للمشاكلة اللفظية ـ مع صحته معنى ـ وذلك من مقاصد العرب في كلامه، انظر: تاج القاموس للزبيدي26/ 192 وما بعدها، اللسان 5/994. شرح الشريشي على المقامات3/92
11 / العقائل: جمع عقيلة وهو في الأصل المرأة الكريمة النفيسة، ثم استعمل في الكريم من كل شيء، ومن ذلك إطلاقه على درة البحر قال:
درة من عقائل البحر بِكر لم تخنها مثاقب اللآلِ
انظر الأساس للزمخشري 1/172 اللسان6/545.

12/ قال ابن حمدون في حاشيته على شرح المكودي 1/ 23 :" ويروى أن ابن مالك زاد بعد هذا " فائقة منها بألف بيت " ثم وقف، ولم يستطع الزيادة على هذا الشعر أياما، فرأى شخصا في منامه فقال: سمعت أنك تضع ألفية في النحو، قال ابن مالك : نعم ، فقال : إلى أين وصلت فقال: إلى "فائقة منها بألف بيت" فقال ما منعك من إتمام هذا البيت، فقال له عجزت منذ أيام، فقال له أتريد إتمامه؟ قال له نعم، فقال له " والحي قد يغلب ألف ميت" فقال له لعلك أنت ابن معطي، قال له نعم، فاستحيا منه، فلما أصبح أسقط ذلك الشطر وقال "وهو بسبق... الخ ". __________________