المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صور من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم


أبو محمد نورالدين المعسكري
30-11-13, 01:37 AM
بـسم الله الرحمن الرحيم
- مقدمة:
- الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه وعظمة سلطانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، وأشهد أن لا إلى إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مقر بربوبيته، شاهد بوحدانيته، مذعن له بطاعته، معترف له بفضله ونعمته، فار من ذنبه إلى مغفرته، مؤمل لعفوه ورحمته، بريء من كل حول وقوة إلا حوله وقوته، لا يبتغي سواه ربا، ولا يتخذ من دونه وليا ولا وكيلا، لا يروم عن عبوديته انتقالا ولا تحويلا، عائذ برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.
- وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرفع الناس قدرا وأعلاهم منزلا، رفع الله ذكره وشرح صدره ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، أرسله الله على حين فترة من الرسل، والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوإ حال، يعبدون الأصنام ويدعون الأوثان، ويأتون الفواحش والمنكرات: يقتلون النفس التي حرم الله ويشربون الخمور، ويأكلون الربا ويظلم القوي الضعيف، ويئدون البنات ويقطعون الأرحام، ويأكلون أموال الأيتام، فقام فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوجبه الله عليه من الدعوة والتبليغ والإنذار خير قيام، فأدى الأمانة ونصح الأمة وكشفت به الغمة، وترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، فجزاه الله خير الجزاء عنا وعن جميع الأمة من نبي كريم الفعال جميل الخصال، زكاه ربه سبحانه في جميع جوانبه، في عقله واستقامته فقال: « ما ضل صاحبكم وما غوى »، في لسانه وقوله فقال: « وما ينطق عن الهوى...»، وفي علمه فقال: « علمه شديد القوى...»، وفي فؤاده فقال: « ما كذب الفؤاد ما رأى »، وفي بصره: « ما زاغ البصر وما طغى »، وفي صدره: « ألم نشرح لك صدرك »، وفي طهره ونقاوته: « ووضعنا عنك وزرك »، وفي ذكره: « ورفعنا لك ذكرك»، وفي معاملته: « بالمؤمنين رءوف رحيم»، وفي جميع خُلقه: « وإنك لعلى خلق عظيم »، وفي مبعثه وإرساله: « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ». أما بعد:
فإنه قد طلب مني أن أكتب محاضرة لتكون موضوع الندوة الشهرية التي تقيمها مديرية الشؤون الدينية والأوقاف, بولاية معسكر, وعنوان المحاضرة : « مظـاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم»، وهذا الموضوع لا يمكن حصره، لأن حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقواله وأفعاله وتقريراته وموته رحمة لهذه الأمة بل للعالمين أجمعين، فارتأيت أن يكون الموضوع: « صور من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم»، فأكتفي بذكر نتف من سيرته العطرة تعكس مدى اتصاف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق وملابسته له.
- وهذا الموضوع لم يطرق من قبل استقلالا، إنما كان يذكر ضمن كتب الشمائل المحمدية - حسب إطلاعي- حتى ظهرت ظاهرة - وهي ليست بالجديدة- وهي تشويه النبي صلى الله عليه وسلم وتشويه صورته وصورة أتباعه، الجديد في الأمر، انتشار وسائل الإعلام بشكل رهيب، فما يفعله التافه البليد في مشارق الأرض ومغاربها يطلع عليه معظم الناس على وجه المعمورة، شاءوا أم أبوا، خاصة إذا كان هذا الفعل أو القول موجها لأذية المسلمين ومقدساتهم، أو إهانتهم أو استنقاصهم، أو إشاعة الخلاف بينهم، وإنما يفعل أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وملل الكفر الأخرى ومن حالفهم من بني جلدتنا هذا استثارة لعواطف المسلمين وإظهارا لحقدهم الدفين وتزهيدا لمرضى القلوب من المنتسبين لهذاه الأمة في هذا الدين، وتشويها للإسلام في أعين الباحثين، وتبغيضا لشعوب العالم في رسالة خاتم المرسلين، وإعاضة لقلوب المؤمنين، وهيهات، « ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت
مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل »، وهم ينفقون الأموال الطائلة والأوقات الكثيرة والطاقات الكبيرة ليصدوا الناس عن هذا النور، يريدون ليطفئوه، « والله متم نوره ولو كره الكافرون»، « إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله, فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ...»، وبهجومهم الذي لم ينقطع على جناب النبي صلى الله عليه وسلم ركزوه في هذا العقد والذي قبله على إظهار النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الإرهابي، العنيف، المتسلط... ، وأن أتباعه قد شابهوه، فيصوغون لأنفسهم تقتيلهم وتشريدهم وتدميرهم تحت غطاء الدفاع عن النفس، والمعاملة بالمثل، فوجب على المسلمين والحال هذه، التصدي لهم وذلك برد أقوالهم ودفع عدوانهم، وكشف افترائهم، وإظهار الحق لمن لبس عليه، وقيام كل واحد من المسلمين بما في إمكانه مما ناطه الله به، وبحسب ما شرعه الله له.
وإبراء للذمة وقياما بالواجب وتعليما للجاهل ودفاعا عن سيد ولد آدم قامت ثلة من العلماء والدعاة والباحثين بكتابة مقالات وبحوث ومؤلفات وإقامة هيئات وإنشاء منتديات للتعريف بهذا النبي الكريم، خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، وبأخلاقه وسيرته، وخص مجموعة منهم جانب الرحمة وخلق الرأفة بالكتابة والتأليف لدحض أقوال الأفاكين ورد شبه المفترين، فكانت هذه الورقات التي كتبتها جهد المقل، ومحض جمع لما تناثر, إذ لم آت فيها بجديد إنما هو الترتيب والتجويد، وقد جعلت لها مقدمة أتبعتها بذكر جملة من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما له علاقة وطيدة بخلق الرحمة، ثم جعلت تعريفا للرحمة كمدخل للولوج من خلاله إلى أصل الموضوع، وكانت أول نقطة طرقتها فيه، اتصافه صلى الله عليه وسلم، بالرحمة وأنها طبع فيه، وفطرة فطره الله عليها، ثم دعوته إلى الرحمة والتراحم ثم ممارسته الفعلية لها، وذكرت تحت هذا العنوان نماذج من رحمته وصور من رأفته ثم بينت أصل هذه الرحمة المحمدية، وختمت بخاتمة جعلتها لأهم فوائد هذا البحث المتواضع، ونتائجه.
* أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عامة: ( شمائل النبي صلى الله عليه وسلم)
يصف لنا القرآن الكريم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب بليغ رائع وجيز مؤكد، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: « وإنك لعلى خلق عظيم »، فوصف بالعظمة من العظيم، وأُكّد بقسم في بداية السورة وبحرفين من حروف التوكيد، فدل ذلك على أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم متأصلة فيه قد جبله الله سبحانه عليها، فلا تصنّع فيها، وأنه صلوات الله عليه قد بلغ فيها حد الكمال البشري، وأنه ما من خلق جميل، ولا وصف نبيل إلا والنبي صلى الله عليه وسلم قد التزمه وتلبسه، وليس ذلك لشيء إلا لأن تعاليم القرآن الكريم تدعوا إلى الأخلاق السامية والتعاليم العالية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستمسكا بما أوحى الله إليه منفذا لأوامره منتهيا بنواهيه، واقفا عند حدوده، متأدبا بآدابه، وهذا ما أخبرت به أم المؤمنين السائل عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت: - كما في مسند أحمد - « كان خلقه القرآن ».
ولم تكن هذه حاله بعد البعثة فحسب، إنما فطر على محاسن الخصال ومكارم الخلال قبل ذلك، فكان أجود الناس وأكرمهم، وأصدق الناس وأبرّهم أفضلهم مروءة، وخيرهم جوارا، وأحفظهم أمانة، وأوفاهم ذمة، وأشدهم حياء، فهؤلاء قومه يرتضونه حكما في وضع الحجر الأسود في مكانه لعلمهم بعدله وإحسانه، ويلقبونه بالصادق الأمين لمعرفتهم بصدقه وأمانته، ولم يجرأ أحد منهم على نعته بسوء في فعاله إدراكا منهم لطهره وعفافه، وهذه خديجة بنت خويلد تودعه أموالها وتستأمنه على تجارتها لما سمعت عنه من أخبار في حسن الأداء وقمة الوفاء، وهو لا يحسن التجارة، وفي مكة من هو أكبر منه سنا وأكثر تجربة، ثم لما تزوجها رأت منه أضعاف ذلك من حسن العشرة ولين الجانب ونقاء النفس وإكرام الضيف ومساعدة المحتاج وحسن الجوار وصلة الرحم والتواضع والتسامح و... فقالت مقولتها المشهورة التي حق لها أن تكتب بماء العيون، بعد بعثته بيسير، كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: « ... أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.» وهذه شهادة من خالطه وساكنه، ولا يمكنه التكلف، لما فيه من المشقة، والزوجة تطلع على أخلاق زوجها ومعاملته ومعاشرته مالا يطلع عليه غيرها، فالنبي صلى الله عليه وسلم نشأ على هذه الصفات قبل البعثة وزاد فيها رسوخا بعدها، وهذا جانب من أقواله في حثه على التزام الخلق الحسن عموما.
1- روى أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ».
2- روى الترمذي وغيره عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا».
3- روى ابن حبان وغيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله يبغض الفاحش البذيء».
4- روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم».
5- وروى الترمذي عن معاذ وأبي ذر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
6- وقد كان صلى الله عليه وسلم دائم الدعاء والتضرع إلى الله لأن يهديه لمحاسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها، وذلك كما في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه: « ... واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت»، وقد استجاب الله دعاءه فهداه لأحسن الأخلاق ومنها:
​1- الجود والكرم: وهي مراتب: جود بالنفس والرياسة، والراحة، والعلم، والنفع بالجاه والبدن، والعرض حال السب والغيبة، والجود بالمعاملة الحسنة وبالمال و... وكل هذه المراتب وغيرها قد اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل...»، وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: « ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه»، قال: « فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبيلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاءا لا يخشى الفاقة»، وصور كرمه وجوده كثيرة جدا لا تخفى.
2- عدله صلى الله عليه وسلم: وقد رغب فيه بقوله كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة : « سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل...» والعدل له مجالات كثيرة: العدل في الولاية وفي القضاء، وفي المعاملات بين الناس في الإصلاح ، مع الأعداء ومع الأولاد ومع الزوجات، وكل ذلك قد تحقق في النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم حين استشفعوا للمخزومية التي سرقت،كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها:« فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، وروى ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول:« اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.»
3- تواضعه صلى الله عليه وسلم: كان سيد المتواضعين في غير ذلة، فرفعه الله وأعلى قدره، «فمن تواضع لله رفعه» كما في صحيح مسلم، ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويخدم أهله ويحلب شاته، ويأكل مع الخادم، ويجالس المسكين ويمشي مع الأرملة واليتيم، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب الدعوة من عامة الناس، ويقبل الهدية وإن قلت، يركب على الحمار ويردف عليه خلفه، ويمازح الصبيان والأمثلة في ذلك أكثر من أن تحصى، ومنها أن الغريب إذا دخل مجلسه لم يميزه عن غيره حتى يسأل عنه فيدل عليه .
4- حلمه وعفوه صلى الله عليه وسلم: وقد بلغ في ذلك مبلغا عظيما، فكم أوذي وكم شتم، وأخرج وكذب صلى الله عليه وسلم، وعودي وظلم، فما زاده ذلك إلا عفوا وحلما كالعود لا يزيده الإشتعال إلا طيبا، فهو يعفوا عمن أراد قتله وهو نائم وقد قام على رأسه بالسيف ثم تمكن منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصة رواها البخاري، ويعفو عن قريش حين تمكن منهم، ويعفو عن المنافق عبد الله بن أبي مرات وقد آذاه إيذاءا شديدا قولا وفعلا.
5- أناته وتثبته صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأنى في شأنه كله، فكان لا يغير على قوم حتى يعلم يقينا كفرهم فينتظر حتى يصبح ويستمع الأذان، وقصة الإفك مشهورة معلومة، فيها من الأناة والحلم والصبر ما الله به عليم.
6- رفقه صلى الله عليه وسلم ولينه: كان صلى الله عليه وسلم رفيقا يحب الرفق في الأمر كله ويدعوا إليه لينا يحب اللين ويدعوا له، يأمر أصحابه بذلك فيقول كما عند مسلم من حديث أبي موسى: " بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا "، ورغب في الرفق في الأمور كلها فقال في الحديث الذي ترويه عائشة رضي الله عنها وهو في صحيح مسلم " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه"، ومعاملته صلى الله عليه وسلم كانت مثالا حيا لما كان يدعوا له ويأمر به، ومن صور ذلك قصة ذاك الشاب الذي أراد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له في الزنا والتي رواها أحمد عن أبي أمامة وأن الصحابة رضي الله عنهم نهروه وزجروه، أما النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه بالرفق واللين وسأله سؤالا بعد سؤال: أترضاه لأمك، لأختك، لابنتك، لعمتك، لخالتك، وذلك بعد أن أدناه منه وأجلسه إلى جنبه والشاب يقول في كل مرة: لا والله جعلني الله فداك، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد: ولا الناس يحبونه لهم، ثم وضع الرسول الرفيق يده على صدره ودعا له: " اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه".
7. صبره صلى الله عليه وسلم: عجيب صبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ابتلاه ربه عز وجل بما لم يبتل به أحدا من العالمين، وهذا مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام كما في المسند: " إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، فما يبتلى أحد من الناس عبر الزمان إلا وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعزية وتسلية وتصبير، نشأ يتيم الأبوين بل الآباء والأمهات، مات أولاده صلى الله عليه وسلم كلهم في حياته إلا فاطمة فكانت بعده بستة أشهر وكان قد أخبر بذلك، مات ولم يشبع من خبز الشعير وكان لا يوقد في بيته نار للطبخ الشهر والشهران، قوبل صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والرفض بعد أن كان الصادق الأمين من أقربائه، واتهم بالسحر والكهانة والكذب والجنون والإفتراء وضرب وشتم وأهين وقذف بالحجارة ورمي بالنجاسة وطرد وحوصر ومات أعز الناس إليه في وقت كان يحتاج إلى الرفيق والأنيس، واتهموه في عرضه وفي عدله، وكان إذا مرض وعك ما يوعك الرجلان، قابل صلى الله عليه وسلم ذلك كله بالصبر والرضا عن الله، فنال بذلك أعلى الدرجات التي لم ينلها أحد من العالمين.
8- شجاعته صلى الله عليه وسلم: إذا أفزع المؤمنين أمر هرع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرى، ويطمئن عليهم ويطمئنهم كان ذلك ليلا أو نهارا، ولا أدل على شجاعته من خوضه المعارك بنفسه ونزوله ساحات الوغى مع أنه المستهدف الأول من الجميع ولا أدل على شجاعته من إقباله حين يدبر الناس ويعلنها مدوية " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" ولا أدل على شجاعته من شهادة ابن عمه وصهره الباسل المقدام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ قال كما يرويه الحاكم في مستدركه عنه: " كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يكون أحد منا أدنى إلى القوم منه".
9- حياؤه صلى الله عليه وسلم: أخبر نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أن الحياء كله خير وأنه لا يأتي إلا بخير وأنه من الإيمان، وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء، في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه" ويؤكد ذلك ما جاء في كتاب ربنا " إن ذلك كان يوذي النبي فيستحيي منكم" وكان صلى الله عليه وسلم من شدة حيائه وكرمه لا يسأل شيئا إلا أعطاه.
10- زهده صلى الله عليه وسلم: جاءت عليه الدنيا مقبلة فأعرض عنها ورضي منها باليسير الذي يبلغه المقصد، كان يؤتى إليه بالمال الكثير فما يلبث عنده إلا عشية أو ضحاها حتى يوزعه على فقراء المسلمين ومحتاجيهم، كان صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، فبكى لحاله الزاهد الورع عمر رضي الله عنه وهو يرى قيصر وكسرى يتقلبان في النعيم، فرد عليه أزهد الناس وأورعهم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ̏ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة ˝.
11- مزاحه وضحكه صلى الله عليه وسلم: كان صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه صغارا وكبارا وعجائزا، ولا يقول إلا صدقا، ونهى صلى الله عليه وسلم عن المزاح بالكذب أشد النهي، روى أصحاب السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ̏ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له˝، ورغب في ترك الكذب ولو من مزاح، فعن أبي أمامة فيما روى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ̏ أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا˝. روى الترمذي في الشمائل أن عجوزا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ا لله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: ̏ يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز˝ قال : فولت تبكي فقال: ̏ أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن...˝ وكان ضحكه صلى الله عليه وسلم تبسما، روى الترمذي عن جابر بن سمرة قال: ̏ كان صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تبسما ˝ وكان صلى الله عليه وسلم كثير التبسم لما روى أحمد عن عبد الله بن ا لحارث قال: ̏ ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم˝. كان صلى الله عليه وسلم يتعجب مما يتعجب منه أصحابه ويضحك مما يضحك منه أصحابه.
12- وفاؤه صلى الله عليه وسلم: ̏ إن حسن العهد من الإيمان˝ حديث رواه الحاكم عن عائشة رضي الله عنها وهي صفة من الصفات الجليلة التي تحلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها، رواه البخاري عن عائشة، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وفاء وقضاء عند أداء ما عليه من الحقوق أو الديون، وإن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال يوما بعد أن رأت ثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة فغارت: ̏ ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشّدق، قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها˝، قال: ̏ ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء˝ المسند، ومما يبين شدة وفائه صلى الله عليه وسلم ماروى البخاري عن جبير بن مطعم أنه صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر:̏ لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النّتنى لتركتهم له˝، ردا لجميله يوم أن دخل في جواره عند رجوعه من الطائف مكسور القلب.
هذه الشمائل والصفات والأخلاق وغيرها كثير، ما ميز النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره من أبناء آدم عليه السلام، مدرسة عرفها الصديق المحب فنهل منها، كما عرفها العدو المبغض فجحدها واستكبر عنها وعرفها المنصف فانبهر لها وسلم لها ولصاحبها، وما أسلم، وما ذكرنا لها إلا لارتباطها بموضوعنا أشد الإرتباط، فهي لبنات بناء الرحمة وسلم مرتقى الرحيم، إذ العدل نقيضه الظلم والكرم نقيضه البخل، والتواضع ضده الكبر، والحلم ضده الجهل والأناة عكسها العجلة والرفق يخالفه الشدة، ومقابل الصبر والشجاعة الجزع والجبن، وضد الحياء والزهد والتبسم والوفاء، اللؤم والجشع والعبوس والخيانة، وهذه الصفات الذميمة القبيحة تنافي الرحمة وتخالفها، ولا تجتمع وإياها في قلب واحد.
ومن خلال ما سطر يتضح جليا علاقة الرحمة التي اتصف بها أرحم الخلق بالصفات الأخرى فيظهر أنها أصلها وثمرتها وأم الأخلاق كلها، لذا كان تعريف أهل اللغة لها على النحو التالي:
التعريف اللغوي للرحمة:
قال ابن منظور: رحم: الرحمة: الرقة والتعطف...والمغفرة.
وقال ابن فارس: رحم: الراء والميم والحاء أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، يقال من ذلك رحمه يرحمه: إذا رق له وتعطف عليه، والرُّحم والمرحمة، والرّحمة بمعنى، والرَّحم: علاقة القرابة.
التعريف الإصطلاحي: مما قيل في التعريف اللغوي يظهر أن الرحمة هي إسم جامع للعطف والشفقة ورقة القلب والمغفرة والإحسان والصلة ولين المعاملة.
دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة: هذه الرحمة هي التي كان يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإتصاف بها، ويحث على انتهاجها في مسيرة المسلم الحياتية مع أسرته ومع نفسه، وفي معاملته لجيرانه وأقاربه، وفي أثناء عمله مع زملائه وعماله، وخلال سيره في طريقه مع الكبير والصغير، الرفيع والبسيط، بل يجعل هذا منهجه حتى مع الموافق والمخالف والقريب والبعيد، ونجد هذا التوجيه النبوي في كثير من أحاديثه عليه الصلاة والسلام من ذلك:
1- ما روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ̏ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل˝ وزاد أحمد: ̏ ومن لا يغفر لا يغفر له ̏ وفي رواية الطبراني: ̏ من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء˝.
2- روى أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ̏ الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء˝.
3- روى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ̏ لا تنزع الرحمة إلا من شقي˝.
4- روا الحاكم في المستدرك عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ̏ لن تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه، قالوا بلى يا رسول الله، قال: أفشوا السلام بينكم تحابوا، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا، قالوا: يارسول الله، كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم، (أي صاحبه) ولكن رحمة العامة، رحمة العامة.˝
اتصافه صلى الله عليه وسلم بالرحمة: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث عليها فحسب بل كان متصفا بها مجبولا عليها قبل البعثة، وازدادت بعدها فيه، وهذا مصداق قول الله عز وجل: ̏ فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك...̏، ثم إن الله سبحانه وتعالى وصف حرصه عليه الصلاة والسلام ورأفته ورحمته بالمؤمنين فقال: ̏ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم˝، واختصر ربنا جل وعلا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته بكلمة واحدة فقال: ̏ وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين˝، وقال سبحانه: ̏ إنا كنا مرسلين رحمة من ربك˝ قال الفراء: رحمة مفعول به بمرسلين، والرحمة النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا رحمة مهداة من رب العالمين إلى الخلائق أجمعين، ورسالته وشريعته رحمة، لو علم الخلق قدرها وأيقنوا عظمتها لما حادوا عنها ولا استبدلوها بغيرها، ولعاشوا في كنف الخير ورغد العيش، وقد صدق ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله كما في مسند الدارمي من حديث أبي هريرة: ̏ يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ˝ وقد سماه ربه بنبي الرحمة كما أخبرنا عن نفسه وهو يعدد أسماءه التي سماه الله بها فقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى: ̏ أنا محمد وأحمد والمقفّي والحاشر ونبي التوبة، ونبي الرحمة ˝، ومن أجمل ما قيل في - رحمته - شعرا، قول أمير الشعراء: أحمد شوقي:
وإذا عفوت فقادرا ومقدّرا​ ◊​​لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أمّ أو أب ◊​​هذان في الدنيا هما الرحماء
بل كان عليه الصلاة والسلام – بأبي هو وأمي وروحي – أرحم من الأم والأب .
ممارسته صلى الله عليه وسلم لهذا الخلق: مارسه كعبادة، وقد بلغ في كل عبادة أقصاها، بهذا ندرك أن سكنات النبي صلى الله عليه وسلم وحركاته وأقواله وأفعاله وتصرفاته كلها كان مبعثها وأساسها رحمته صلى الله عليه وسلم، وقد تعددت صور الرحمة في حياته عليه السلام، فشملت الكبار والصغار والنساء والرجال والعبيد والأحرار والمساكين والضعفاء والأهل والأقارب والأباعد بل حتى الأبرار والفجار والمسلمين والكفار، والحيوان والجماد، كان صلى الله عليه وسلم رحمة حال السلم والحرب وحال السفر والحضر، حال الشدة والرخاء والعسر واليسر والفرح والحزن، والرضا والغضب، كان بكل شيء رحيما بالإنس والجن والحيوان والجماد، تشريعه رحمة ومبعثه رحمة وقرآنه رحمة، ودعوته رحمة، تبسمه رحمة وبكاؤه رحمة وحياته كلها رحمة، بل حتى موته رحمة، وبيان ذلك فيما روى مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ̏ إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها ، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ˝ وهذا أول ما نذكره من صور الرحمة وهو:
1- رحمته بأمته عموما: من رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته تبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصح للأمة، فما ترك خيرا إلا دل عليه وما ترك شرا إلا حذر منه، قال الله عز وجل: ̏ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ˝ عزيز عليه ما عنتم، أي: يشق عليه ما تلقون من المكروه والعنت، حريص عليكم، أي: على إيمانكم وصلاح شأنكم، ويبين هذا ما أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبه: ̏ أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي، ˝ وإن محمدا دعا ربه أن يقلب لعنه وسبه وجلده لأفراد من أمته كفارة ورحمة وقربة وصلاة لهم، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ̏ اللهم إن محمدا بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ˝، وورد الحديث بألفاظ أخرى تؤدي نفس المعنى الذي ذكر.
وإن من أعظم صور رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، موقفه يوم القيامة أمام ربه وخالقه، يستشفع لأمته، والرب قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، والكل يصرخ ويصيح – فارا – نفسي نفسي، وهو يدعوا: أي رب أمتي أمتي، فيشفعه الله في كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فذلك المقام المحمود الذي وعده، روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ̏ إن لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا˝. ورحمته بأمته صلى الله عليه وسلم مست جوانب عدة أبرزها:
2- رحمته في تشريعاته: فكثيرا ما كان يدع الشيء مخافة أن يفرض أو يتحرى به الخلوة، كما ثبت ذلك عن أم المؤمنين عائشة: ̏ وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ˝كما ثبت في موطأ مالك عن عائشة، وكان يدفع المشقة عن أمته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وكان يقول كما في الموطأ وصحيح مسلم: ̏ ذروني ما تركتكم ˝ ويقول: ̏ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بـ كذا...˝ ومن ذلك السواك وعدم التخلف عن الغزو و...، وإن الصلاة قد فرضت خمسين، فما زال عليه الصلاة والسلام يراجع ربه في التخفيف حتى صارت خمسا في الأداء وخمسين في الأجر والثواب، ومن ذلك أيضا صلاة التراويح التي تركها خشية الوجوب، ومن ذلك شربه في السفر وإفطاره، ومن ذلك قوله في الحج كما في الصحيحين: ̏ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم˝ ولم يكن رحيما في تشريعاته فحسب بل وفي تبليغها أيضا وهي الصورة الثالثة.
3- رحمته في دعوته صلى الله عليه وسلم: وأول حديث يتبادر إلى كل الأذهان حديث الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، وهو في الصحيحين عن انس، وإن الصحابة نهروه، فنهاهم وقال : ̏ لا تزرموه دعوه ˝ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له بعد أن دعاه: ̏ إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن˝، وقد مرّ معنا حديث الأعرابي الذي أسلم من ورائه من قومه بسبب عطاء أعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحسن وصف معاوية بن الحكم السلمي الذي أورده مسلم في صحيحه، إذ تكلم في الصلاة جهلا فأنكر عليه الصحابة ذلك قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله مانهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: ̏ إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن˝ وحتى إن العصاة من أمته الذين يخالفون بعض تعاليمه وأوامره فإنه يأخذهم بالرفق واللين والرحمة وهي الصورة الرابعة.
4- رحمته بالعصاة من أمته صلى الله عليه وسلم: وقد رأينا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوع المعصية مع الشاب الذي استأذنه في الزنا، فما تصرفه بعد وقوعها؟، لا يخفى على معظم الناس حديث الرجل الذي واقع أهله في نهار رمضان، وهذا ذنب عظيم اقترفه إذ أفطر في نهار رمضان متعمدا، وقد أدرك ذلك وعلمه فقال كما في الصحيحين: هلكت يا رسول الله قال: ̏ وما أهلكك ؟ ˝ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الكفارات، فكان جوابه فيها عدم الإستطاعة، حتى أُتي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر وباقي القصة معلوم معروف، ومن أمثلة رحمته بأصحاب المعاصي: نهيه صلى الله عليه وسلم الصحابة عن سب وشتم ولعن شارب الخمر الذي حده، وحثهم على الدعاء له بالمغفرة والتوبة، ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في التي رجمت في الزنا وقد صلى عليها كما في صحيح مسلم: ̏ لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى˝، وروى مسلم في صحيحه أن ماعز بن مالك جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: ̏ ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه˝، فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يارسول الله طهرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قال في الأولى، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ̏ فيم أطهرك ؟ ˝ فقال: ̏ من الزنا ˝ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ̏ أبه جنون˝ فأخبر أنه ليس به جنون، فقال: ̏ أشرب خمرا ˝ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ̏ أزنيت˝ فقال: نعم، فأمر به فرجم، ثم قال عنه: ̏ لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم˝، ثم جاءت بعده الغامدية وهي حبلى وأقرت على نفسها وفعل معها صلى الله عليه وسلم ما فعل مع ماعز من الإعراض، ثم أمهلها حتى وضعت ثم أمهلها حتى فطم الصبي ثم أمر بها فرجمت.
ولا يظنن ظان أن الحدود ليست من الرحمة في شيء، بل هي عين الرحمة للأمة ولمن أقيمت عليه، فهي للناس كالتطعيم للطفل، ولو في حد الرجم، وليس الموضع محلا لبيان ذلك وإلا لذكرت من الحجج ما يذهب الظن ويقمع الشبهة ويشرح الصدر.
كان هذا في عموم الأمة ، أما بتخصيص بعض أفرادها و أصنافها فنذكر
5- رحمته صلى الله عليه و سلم بالمساكين و الفقراء و المحتاجين : كان صلى الله عليه و سلم إذا رأى فقيرا أو محتاجا رق قلبه و تغير لونه، و أسدى إليه ما يستطيع من المعروف، و كان لا يمنع سائلا و لايرده و لا ينهره، و قد جاءه رجال من مضر قد أصابتهم الفاقة فقام في الناس خطيبا يحث على الصدقة و الإنفاق.فإجتمع بين يديه كومتان من طعام و لباس فتهلل وجهه كأنه مذهبة. وأورد الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم أهل الصفة،ولم يتناول منها شيئا،و إذا أتته هدية أرسل إليهم و أصاب منها و أشركهم فيها، وحث صلى الله عليه و سلم أصحابه بأن يحذوا حذوه في أهل الصفة كما عند البخاري في صحيحه.
5- رحمته بالنساء:كثيرا ما كان صلى الله عليه و سلم يوصي بالنساء عموما فيقول" و استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع و إن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فإستوصوا بالنساء خيرا" الصحيحان، و خصص صلى الله عليه و سلم فأوصى بالأمهات أعظم الوصايا.حين سئل من رجل من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فأجاب كما في الصحيحين"أمك، و كررها ثلاثا"، كما أوصى بالزوجات في أعظم خطبة في الإسلام في حجة الوداع كما في سنن أبي داوود و غيره و هو في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال "إتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله و إستحللتم فروجهن بكلمة الله" و كان خير زوج، وأوصى بالبنات و الأخوات و رتب على الإحسان إليهن أعلى الدرجات، و جعلها من أفضل القربات،روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال،قال رسول الله صلى الله عليه و سلم"من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن، و إتقى الله فيهن فله الجنة" و في رواية "كن له حجابا من النار يوم القيامة"، و خص من النساء الأرامل بإحسان أكثر فقال "الساعي على الأرملة...." الصحيحان وكان يسعى في قضاء حوائجهن بنفسه.
7_ رحمته صلى الله عليه و سلم بالأطفال:كان يمسح رؤوسهم و يداعبهم و يسلم عليهم و يلطف بهم، وما الحديث الذي ذكرناه في إبقاء الأم حتى تفطم ولدها قبل إقامة الحد عليها إلا لون من ألوان رحمته بالطفل، و كان صلى الله عليه وسلم يقوم في الصلاة يريد إطالتها ، فيسمع بكاء الصبي فيتجوز فيها رحمة به و بأمه، و قد أخرج ذلك البخاري و مسلم، خدمه أنس بن مالك عشر سنين ، فما سمع منه لوما ولا رأى منه تضجرا ،روى الترمذي عن أنس قال "خدمت النبي صلى الله عليه و سلم عشر سنين، فما قال لي أف قط ، و ما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم من أحسن الناس خلقا" و قال عنه صلى الله عليه و سلم كما في مسند ابي يعلى "خدمت رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر سنين، فما ضربني ضربة ولا سبني سبة، ولا إنتهرني، ولا عبس في وجهي...". و خص صلى الله عليه و سلم من بين الأطفال الأيتام و شدد في رعايتهم و رحمتهم و الرأفة بهم و حذر من إذايتهم فقال صلى الله عليه و سلم كما في صحيح الموطأ و البخاري من حديث سهل بن سعد"أنا و كافل اليتيم في الجنة هكذا، و قال بإصبعيه السبابة و الوسطى" و روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال "اني أحرج عليكم حق الضعيفين، اليتيم و المرأة" و ابيض يستسقى الغمام بوجهه فقال اليتامى عصمة للأرامل.
8- رحمته بالعبيد: كان صلى الله عليه و سلم يكثر من الوصية بهم خيرا،فيحث على أن يطعموا مما يطعم مالكهم و أن يكسوا مما يلبس، وأن يعانوا على ما كلفوا به، و ألا يكلفوا ما يشق عليهم، و ألا يحملوا فوق ما يطيقون، قال صلى الله عليه و سلم كما في الصحيحين لأبي ذر رضي الله عنه"...إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده ، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه" وكان صلى الله عليه وسلم يعينهم على المكاتبة و يحض على إعتاقهم، و قد شرع من الكفارات و طرق تحريرهم من الرق ما يعجز اللسان عن وصفه وهذا رحمة منه بهم.
9- رحمته بالمريض:كان صلى الله عليه و سلم يعود المرضى ليؤنسهم و يدعو لهم و رغب في ذلك و رتب عليه أجزل الثواب، روى البخاري عن إبن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على مريض يعوده قال"لابأس طهور إن شاء الله" و في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى و يقول " اللهم رب الناس أذهب البأس،إشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما"، و قد عاد غلاما يهوديا، و دعاه إلى الإسلام فأسلم، فحمد الله. كان إذا عاد المريض جلس عند رأسه و قال سبع مرات"أسأل الله العظيم....".
10- رحمته بجيرانه عليه الصلاة و السلام: كيف يتصور حال النبي صلى الله عليه و سلم مع جيرانه و هو القائل كما في الصحيحين من حديث إبن عمر"و مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ولا شك انه كان يتفقد أحوالهم و يحترم كبيرهم و يرحم صغيرهم ويكسب معدومهم و يعين ضعيفهم و يعود مريضهم. و كان صلى الله عليه و سلم يقول"من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليحسن إلى جاره " و كان يقول "ليس المؤمن الذي يشبع و جاره جائع" و قد أكثر صلى الله عليه و سلم في الوصية بالجار، كما أكثر جبريل عيه السلام ذلك، و الأحاديث فيها متعددة.
11- رحمته بأهل بيته صلى الله عليه و سلم:إذا كان صلى الله عليه و سلم رحيما بالبعيد و بعموم أمته، فإن حاله مع آل بيته يكون أعظم فقد قال عليه الصلاة و السلام كما في سنن إبن ماجة من حديث إبن عباس" خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي"، كان نعم الزوج و نهم الأب ما ضرب زوجة قط و لا خادما، كما صح عن أم المؤمنين، وكان يكون في مهنة أهله، و كان يخسف نعله و يخيط ثوبه و يحلب شاته، رفقا بزوجاته، إذا دخل بيته لاعب أولاده وقبلهم. وقد رآه رجل يقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه من لا يرحم لا يرحم" وكان صلى الله عليه وسلم إذا ارتحله أحد أبنائه وهو في الصلاة ساجد لم يقم حتى يقضي حاجته كما روى ذلك أحمد وكان صلى الله عليه وسلم يبكي رحمة عند فقد أحد من آله كما حدث ذلك في موت ابنه ابراهيم عليه السلام وقد سئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري :"يا ابن عوف إنها رحمة ثم اتبعها بأخرى فقال إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
لم تقتصر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته بل تعدت إلى الكفار.
12- رحمته صلى الله عليه وسلم بالكافرين : قال الله عز وجل " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" قال ابن عباس في تفسيرها :" من امن بالله ورسوله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف فذلك الرحمة في الدنيا " ومصداق هذا في كتاب الله عز وجل حيث قال :"وإذ قالو اللهم ان كان هذا هو الحق من ......وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم....".
وكان صلى الله عليه وسلم حريصا كل الحرص على إسلامهم وترك كفرهم . حتى كاد يهلك من شدة ما يجد من الأسى والأسف فعاتبه ربه فقال :" ولا يحزنك كفرهم""فلا تأس على القوم الكافرين""لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" " فلعلك باخع نفسك على أثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" وكان صلى الله عليه وسلم يدعو الكثير منهم بالهداية و الإيمان وإن أذوه وعادوه وكذبوه وصدوا عنه ومن ذلك ما ثبت في مسلم عن أبي هريرة قال:قيل: يا رسول الله ادع على المشركين .قال :"إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة" .وروى الشيخان أن الطفيل بن عمرو الدوسي قدم وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله . إن دوسا عصت وأبت .فادع الله عليهم .فقال: "اللهم أهد دوسا وأت بهم" . ومن العجيب الذي لا يستطيعه أحد من الناس ما حدث له صلى الله عليه وسلم في الطائف من تكذيب واستهزاء وإهانة وتعذيب .ثم يرسل الله عز وجل ملك الجبال مع جبريل عليهما السلام ويقول إن الله قد سمع قول قومك لك . وما ردوا عليك .وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم" واقترح عليه ملك الجبال بعد إلقاء السلام عليه أن يطبق عليهم الأخشبين . فما كان رد الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم ؟ قال :"بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" .وإن تعجب فعجب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول واستغفاره له وهو المنافق البغيض الذي ما ترك دسيسة ولا كيدا إلا بذله في قتل محمد صلى الله عليه وسلم ودحر دينه روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر قال :لما توفي عبد الله ابن أبي .جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه .ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما خيرني الله" فقال: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم...." وسأزيد على سبعين " قال إنه منافق . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل "ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا...." وحتى حال قتاله لهم صلى الله عليه وسلم فقد انتهج أسلوب الرحمة. إذ القتال ليس غاية في حد ذاته إنما هو وسيلة يلجأ إليها عند عدم وجود خيار آخر وهذا ما سيذكر في النقطة الموالية.
13- رحمته صلى الله عليه وسلم في جهاده : في الصحيحين عن سهل بن سعد في فتح خيبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الراية علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وقال له " أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم .ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه . فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" . كان الرسول الكريم بخلاف ما كانت عليه أعراف الحروب في ذلك العصر وفي كل عصر من الخيانة والخديعة بل كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد إنهاء الهدنة أو نقض العهد أعلم عدوه بذلك وكان صلى الله عليه وسلم إذا أمر رجلا على سرية أوصاه كما في سنن ابن ماجة في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا فقال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلو من كفر بالله .اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا أنت لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال أو فصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم...." ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل نسائهم وشيوخهم إلا المقاتلين منهم ونهى عن التعرض لرهبانهم الذين هم في صوامعهم .ونهى صلى الله عليه وسلم عن قطع الأشجار وتخريب البنايات وتحريق الزروع إلا في حالة الضرورة. وهذا رحمة منه صلى الله عليه وسلم أما الأسرى فكانت لهم معاملة خاصة. أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحسان إليهم وإطعامهم مما يطعمون.
14- رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان: تعدت رحمته بني جنسه إلى الحيوانات و البهائم فقال عليه الصلاة والسلام " وفي كل كبد رطب صدقة" وقد سئل عن البهائم هل فيها من أجر كما في الصحيحين وفي الأدب المفرد عن معاوية بن قرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والشاة إن رحمتها رحمك الله" وعن ابن عباس كما في الطبراني في الكبير أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفلا قبل هذا. أتريد أن تميتها موتات".
وقد أخذ بعض الصحابة فرخين لطائر يسمى الحمّرة فجعلت ترفرف وتحوم حول المكان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال كما عند أبي داود: ̏ من فجع هذه بولدها، ردّوا ولدها إليها ˝، ونهى صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الحيوان هدفا للرمي، وغرضا للعبث واللعب، وعن الوسم والكي، ومن أبين وأدل رحمة الله بالحيوان ما ثبت في سنن أبي داود عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا لرجل من الأنصار ، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذرفاه فسكت، فقال صلى الله عليه وسلم: ̏ لمن هذا الجمل˝ فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي، يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ̏ أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتُدئبُه˝ أي تتعبه.
15- رحمته صلى الله عليه وسلم بالجماد: كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن قطع الأشجار لغير فائدة، ومن رحمته بالجمادات ما جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا، قال:̏ إن شئت˝، قال فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشقن فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يُسَكَّت، حتى استقرت، قال صلى الله عليه وسلم: ̏ بكت على ما كانت تسمع من الذكر˝ فتسكيته صلى الله عليه وسلم وضمه لها رحمة منه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
​- هذا غيض من فيض رحمة النبي الكريم ورشف من معين رأفته.
أصل رحمة النبي صلى الله عليه وسلم : هذه الرحمة المحمدية هي هدية رب البرية، فرحمة النبي صلى الله عليه وسلم من رحمة الله سبحانه وتعالى ونبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام من رحمة الرحيم الرحمان، قال الله عز وجل: ̏ وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك˝ وقال سبحانه: ̏ فبما رحمة من الله لنت لهم˝ قال المفسرون فبرحمة الله ورأفته بنبيه صلى الله عليه وسلم وبمن آمن معه، ألان له قلبه لأتباعه وأصحابه، فالله عز وجل هو الذي أوجد هذه الرحمة في قلب محمد صلى الله عليه وسلم وقدّرها، وساقها إلى من شاء من عباده، فإلى الله تنسب أصلا وإيجادا، كما تنسب إلى من أجراها على يديه تبعا على أنه سبب من الأسباب، قال الله عز وجل: ̏ ورحمتي وسعت كل شيء˝ وجاء في دعاء الملائكة في قوله تعالى: ̏ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ˝ وقال: ̏ وربك الغني ذو الرحمة ˝، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ̏ لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي ˝، وفي الصحيحين أيضا أن امرأة في السبي كانت تبحث عن ولدها بلهفة، فلما وجدته ألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم سائلا أصحابه ليقرر شيئا عظيما: ̏ أتُرى هذه طارحة ولدها في النار؟ ˝ فقالوا: لا، فقال عند ذاك: ̏ لله أرحم بعباده من هذه بولدها ˝، ومما تنحني لأجله الأعناق وتخر له الجباه سجدا، حمدا لربها ومالك نواصيها، ما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ̏جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه˝.
فإن المسلم الذي جثا على ركبتيه لما قرأ سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلم من صور رحمته ما يندهش العقل له، يعلم ويوقن أن هذه الرحمة ماهي إلا جزء من جزء من مئة جزء من رحمة الله سبحانه وتعالى، فعند ذلك يذهل عقله ويطيش لبه، فلا يدري ما يقول، إلا أن يحمد الله عز وجل ويستغفره من كل ذنب اقترفه في السر والعلن، ويقرر أن ربا هذا وصفه وهذا شأنه يجب أن يحب ويعظم ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى ويطاع فلا يعصى، وأن الرحمة المهداة يجب أن يحب ويوقر ويطاع في أقواله ويتّبع في أفعاله.
فاللهم اسلك بنا طريقه، واسقنا من حوضه وأنلنا شفاعته، واحشرنا في زمرته.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم اجعلنا ممن يرجو رحمتك ويخشى عذابك ويؤمن بكتبك وأنبيائك.
اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وفرج كروبنا واقض ديوننا، ويمن كتبنا وبيض وجوهنا يوم لقائك، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأئمتنا ولمن علمنا ولمن أوصانا...