المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من نماذج الصالحين من بني إسرائيل


غانم غالب غانم
01-12-13, 11:19 PM
الصالحون من بني إسرائيل بعد موسى:



عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : « أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَخْلَفُوا خَلِيفَةً عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُوسَى صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ يُصَلِّي لَيْلَةً فِي الْقَمَرِ فَوْقَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَذَكَرَ أُمُورًا كَانَ صَنَعَهَا ، فَخَرَجَ فَتَدَلَّى بِسَبَبٍ ، فَأَصْبَحَ السَّبَبُ مُتَعَلِّقًا فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ.
وفي رواية أحمد: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ فِي مَمْلَكَتِهِ فَتَفَكَّرَ فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ ، وَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ قَدْ شَغَلَهُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ ، فَتَسَرَّبَ فَانْسَابَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ قَصْرِهِ ، فَأَصْبَحَ فِي مَمْلَكَةِ غَيْرِه ).
قَالَ : فَانْطَلِقْ حَتَّى أَتَى قَوْمًا عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَوَجَدَهُمْ يَضْرِبُونَ لَبَنًا أَوْ يَصْنَعُونَ لَبَنًا ، فَسَأَلَهُمْ : كَيْفَ تَأْخُذُونَ عَلَى هَذَا اللَّبِنِ ؟
قَالَ : فَأَخْبَرُوهُ ، فَلَبِنَ مَعَهُمْ ، فَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، فَإِذَا كَانَ حِينُ الصَّلاةِ قَامَ يُصَلِّي ، فَرَفَعَ ذَلِكَ الْعُمَّالُ إِلَى دِهْقَانِهِمْ أَنَّ فِينَا رَجُلا يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وفي رواية أحمد: (فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى رَقِيَ أَمْرُهُ إِلَى مَلِكِهِمْ وَعِبَادَتُهُ وَفَضْلُهُ ، فَأَرْسَلَ مَلِكُهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ).
ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَهُ يَسِيرُ عَلَى دَابَّتِهِ ، فَلَمَّا رَآهُ فَرَّ ، فَاتَّبَعَهُ فَسَبَقَهُ ، فَقَالَ : أَنْظِرْنِي أُكَلِّمْكَ .
قَالَ : فَقَامَ حَتَّى كَلَّمَهُ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَلَكًا وَأَنَّهُ فَرَّ مِنْ رَهْبَةِ اللهِ .
وفي رواية أحمد: (قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ صَاحِبُ مُلْكِ كَذَا وَكَذَا تَفَكَّرْتُ فِي أَمْرِي فَعَلِمْتُ أَنَّ مَا أَنَا فِيهِ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي ، فَتَرَكْتُهُ وَجِئْتُ هَاهُنَا أَعْبُدُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.
فَقَالَ: مَا أَنْتَ بِأَحْوَجَ إِلَى مَا صَنَعْتَ مِنِّي.
قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَسَيَّبَهَا ، ثُمَّ تَبِعَهُ فَكَانَا جَمِيعًا يَعْبُدَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ).
قَالَ : إِنِّي لأَظُنَّنِي لاحِقٌ بِكَ.
قَالَ : فَاتَّبَعَهُ فَعَبْدُ اللهِ حَتَّى مَاتَا بِرُمَيْلَةَ مِصْرَ.
وفي رواية أحمد: (فَدَعَوَا اللَّهَ أَنْ يُمِيتَهُمَا جَمِيعًا).
قَالَ عَبْدُ اللهِ : لَوْ أَنِّي كُنْتُ ثُمَّ لاهْتَدَيْتُ إِلَى قَبْرَيْهِمَا مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي وَصَفَ لَنَا.



تخريج الحديث:
رواه أحمد: 4312 ، والطبراني في المعجم الكبير: 10370 ، والأوسط: 6599 ، والبزار في مسنده: 1990 .
وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة: 2833.




غريب الحديث:
فتدلى بسبب: السبب الحبل.
لبن معهم: اشتغل بصناعة اللبن.
الدهقان: التاجر.
الرميلة: منطقة ذات رمل كثير على شاطئ من شواطئ مصر .
صحيح القصص النبوي: ص297 .




فوائد الحديث:
1- وجود الصالحين من بني إسرائيل بعد وفاة موسى عليه السلام.


2- مشروعية قيام الليل في شريعة بني إسرائيل ، وكذا يشرع إقامتها في المساجد ، وهذا مما وافقه شرعنا.


3- كان لبني إسرائيل خلفاء وملوك يسوسونهم من غير الأنبياء ، فيبدو أن الذي ورد في الحديث الصحيح من رواية البخاري: 3268 ، ومسلم: 4879 : « كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى...... »: إنما يدل على الأغلب الأعم.

4- الفطر السليمة والنفوس المؤمنة تفر من الملك ، لما قد يجره على الإنسان من ظلم وعدوان.

5- إذا لم يستطع الإنسان تغيير المنكر فعليه مفارقة أهله واعتزالهم ، وهذا الذي يبدو من حال الملك ، إذ لو كان قادرا على حمل رعيته على الاستقامة ما كان له أن يفر من أمر فيه صلاح أعظم.

6- صلاة الرجل فوق المسجد الأقصى يدل على الأنبياء كانوا يعظمونه ويشدون الرحال إليه ، وكذلك الصالحون من بعدهم ، ويبدو أن بعض الملوك الصالحين قد اختاروه موطنا لسكناهم.

7- من كانت له فكرة فكل شيء له عبرة ، فقد وصل هذا الملك وهو يصلي إلى درجة عالية من الخشوع وارتفع إيمانه بالله فقرر ما فيه صلاح نفسه وآخرته.

8- الصلاة ذات الخشوع والخضوع تظهر آثارها على نفس المسلم ، وصلاة الحركات الشكلية لا أثر لها على سلوك المسلم.

9- الإيمان العظيم قد يتطلب من النفس أن تترك الكثير من المتع الدنيوية ، والتقلب في النعيم ، كحال هذا الملك.

10- الإيمان القوي يجعل ترك كل ما في هذه الدنيا سهلا ، كحال هذا الملك وحال صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما تركوا كل شيء وهاجروا في سبيل الله.

11- لا ينبغي للمسلم أن يستشير من حوله إذا كانت مشورتهم تقوده إلى المعاصي ، فقد هرب الملك دون أن يستشير أحد ، ولو استشارهم لربما لم يوافقوه على ما فعل.

12- مما دعا إليه الأنبياء وعمل به الصالحون : أن خير ما يأكل الإنسان من عمل يده.
13- الحريص على صلاته يترك العمل فور النداء بالصلاة.

14- يتميز المسلم بخلقه وإيمانه ، فلم يكن أحد من العمال في مكان هذا العمل مشهورا حتى جاء هذا الملك فذاع سيطه بالتقوى والخلق فأحبه من حوله من العمال.

15- كان الملك يتمتع بقوة جسمية يدل على ذلك: تدليه بالحبل من أعلى المسجد ، وعمله بيده ، وهروبه على ساقيه بعدما علم بأمره الملك الآخر.

16- توبة أصحاب المناصب الرفيعة تؤثر في الناس كثيرا ، إذ لو كان هذا الرجل من عامة الناس لربما لم يؤثر في الملك الآخر لدرجة أن يترك ملكه ، ولا شك أن هذا أمر مشاهد عندما يتوب الممثلين والكبار يكن لتوبتهم وقع قوي ، ويقلدهم الكثير ، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله ، وفضل الله واسع.

17- الظاهر أن الملك الآخر كان عنده بذرة الإيمان ، لذا كان معروفا في مملكته أنه يحب أهل الصلاح والتقوى ، ولو لم يكن ذلك لما رفع إليه الناس أمر هذا الرجل إلا ربما من باب التحذير منه.

18- مشروعية الدعاء بالموت مع الجماعة الصالحة ، وكذا الدفن.

19- التعرف على بعض الصناعات القديمة ، منها: صناعة الحبال ، وصناعة اللبن.

20- في الحديث مشروعية الهجرة في سبيل الله .

21- هذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ، إذا هو يخبر عن حال الأمم الماضية ، ويصف مكان قبروهم بدقة متناهية جعلت الصحابة يتصورون الموقع بدقة.