المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعليقات على قضية هدى وعرفات


أحمد بن مسفر العتيبي
02-12-13, 02:34 PM
تعليقات على قضية هدى وعرفات
بعض الوقائع والقصص المعاصرة في تضاعيفها دفائن من المسائل الشرعية التي تفتح مغاليق الذِّهن . وهي سبيل إلى العصف الذهني الذي تفتقر إليه الهِمم الظامئة .

ومن نظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يلحظ عنايته بتوضيح التوعية الأخلاقية والزوجية والتربوية في مجتمعه ،كقصته حين اعتزل نساءه ،وقصته مع هند بنت عتبة لما استفته في شُحِّ زوجها، وقصة بريرة وغيرها من القصص والوقائع . وقد تقرر عند الأصوليين أن العادة ليست هي البيان الشرعي ، بل يلزم ذكر الدليل لرؤوس المسائل .

هذه القضية تم تداول أحداثها في الفضائيات ومواقع التواصل الإجتماعي ، وأصبحت حديث الناس ، في بلدين متجاورين .
ولأن هذه الحادثة باتت قضية رأي عام ، ولأن المستشار مؤتمن ، فيلزم تبيِّين بعض الوسوم الدقيقة في هذه الحادثة الجسيمة ، لئلا يغتر مُغترٌ بسموم الإعلام .

عرفات شاب يمني يعمل بائعًا في جنوب المملكة ، وقد تعرَّف على هدى في متجره . ولما تقدَّم لها شرعاً عند وليِّها للزواج منها ، تم رفضه بحجة خِطبتها لشابٍ آخر . وتوالت الأحداث في هروب الفتاة إلى اليمن ، ثم لحقها الشاب وهناك تدخلت الحكومة اليمنية في القضية . ولا يُعلم هل القضاء اليمني سوف يُزوِّجهما أم تعود الفتاة حسيرةً إلى أهلها والشاب يُحبس خلف القضبان ؟ ! .



· هذه الحادثة المعاصرة يمكن أن نتأمل مسائلها في عدة نقاط :
1- الغالب في المعضلات الخاصة بين الرجل والمرأة من جهة الجانب الخُلقي السلبي ، تكون الُأنثى هي القادحة لزناده ، ويكون الرجل هو من يُضرم النار لتأجيج الفتنة نسأل الله العافيه . فيجب تنبيه النساء لدرء هذه المعضلة وبتر أسبابها ومولِّداتها . وفي المرفوع :" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان " أخرجه الترمذي بإسناد حسن . ولن يطمع الذِّئب إلا في الغنم القاصية ! .


2- الجاذبية العاطفية بين الرجل والأنثى لا يمكن تعليقها على الكلام الِّلين والثناء الغرامي ، فهذه لا تكفي لتثبيت الحب الزوجي المقصود ، بل لا بد من التناسب الخُلقي والتوافق القلبي والرِّضا التام بين الطرفين . ولعل في قصة مُغيث وبريره خير شاهد على هذا ، فقد روى عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبداً أسود يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي لعباس بن عبد المطلب: "يا عباس، ألا تعجب من حُبِّ مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا". ثم قال النبي : "لو راجعتهِ". قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع". قالت: لا حاجة لي فيه ". أخرجه البخاري . ولم يشرع الخلع في الإسلام إلا لتنافر القلوب وحفظ الحقوق .


3- الكفاءة في قضية الزواج بين جنسيتين مختلفتين لا يجوز قصرها على الهوية الدنيوية والحمية الوطنية . بل هي مُقيَّدة بالرِّضا عن الدِّين والخُلق ، وما سواهما باطل من الأعراض والأغراض الفانية . وهذا هو المعنى الراجح للكفاءة باتفاق الفقهاء . وقد توعَّد الرسول صلى الله عليه وسلم من يخالف هذا الهدي بإحداث الفتنة في الأرض والفساد الكبير .


4- وليُّ المرأة الحكيم هو من يسعى في تدبير زواجها لا في تعسيره ، والورع ليس في تأخير الزواج ، إنما في تدبيره وتسهيله . والشواهد في السنة النبوية تؤكِّد هذا المعنى وتُقرِّره في أذهان الناس ، حتى لا يغفلوا عن معناه في شؤونهم . ومن ذلك القصة العجيبة التي حدَّث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"كان فيمن كان قبلكم رجلٌ اشترى أرضاً، فوجد فيها كنزاً، فذهب إلى الذي باعه فقال: هلم خذ كنزك ، قال: إني بعتك الأرض بما فيها، قال: إنِّي اشتريتُ أرضاً ولم أشتر كنزاً، قال: وأنا بعتُ الأرض بما فيها، فجاء رجل صالح فاختصما إليه فقال لهذا: ألك ولدٌ ذكر؟ قال: نعم. وقال لهذا: ألك ابنة؟ قال: نعم، قال: زوِّجا أحدهما بالآخر، وادفعا إليهما الكنز" متفق عليه .



5- الإستشارة في الأمور التي تتردَّد في النفس مندوب إليها . وحينما هجر الناس الاستخارة والاستشارة وركنوا إلى الموازين المادية والظنون القلبية حلَّت بهم القلاقل النفسية والأُسرية وأصبح العائل خصماً وقاضياً وشاهداً على موليته ومن أراده حليلاً لها . وقد اختبرتُ كثيراً من الطلبة في دعاء الإستخارة ، فوجدتُ نقصًا كبيراً في معرفتها . وكما يقال : الأثرة تدل على المسير ! .


6- هروب الفتاة من بيت أهلها مع عشيقها مُنكر بيِّن وحكمه التحريم ، وهو ظاهرة اجتماعية بدأت تتوسع في المجتمعات العربية بسبب العفن الإعلامي الذي عمَّ داؤه وطمَّ . وأغلب حالات الفجور التي تقع على المرأة يكون هذا السبب هو المحرِّك لها والغازل لنسيجها ، فيجب استئصال هذا الداء من الأُسر المسلمة وتوعية الفتاة المسلمة بأهمية السِّتر والعفاف واتِّباع خطوات الهدى والرشاد . وقد تقرر عند الأصوليين أن المحرم لذاته لا يباح إلا للضرورة ، وهي منتفية هنا .


7- تسوُّق المرأة بلا محرم من الناحية الفقهية ليس حرامًا ، لإنتفاء الخلوة في مكان السوق واتباعاً للعوائد ، لكنه باب فتنة ومحرِّك لغرائز الرجال للطمع في المرأة ومحادثتها والتحرش بها أو النيل منها . وسدُّ هذا الباب خير سبيل لوأد الشر وقطع دابرِه . ورحم الله الإمام القرطبي (ت: 671هـ )حين قال : " والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منهاإلا لضرورة" .


8- التحرُّر من قيود القبيلة والعائلة وسلوم القبائل كما تسمى، أضحى غاية عند كثير من الشباب والفتيات ، مع عدم لزومها شرعاً ، ومن الناحية الفقهية بعض تلك القيود لها أصل في الشرع ، لأن العرف أطلقها ولم يُقيِّدها إلا في مسائل معدودة ، وبعض عُرف الناس يُنجي من الفتن والنكبات ، إذا وافق الوحي ، فلا يجوز ترك العرف مطلقاً بحجة تغيُّر الزمان وتبدُّل الحال . وقد تقرر عند الأصوليين أن الحاجة التي تبيح المحرم لغيره أو لعارض ، هي التي يترتب على تركها ضيق وحرج .



9- النكتة العلمية في مثل هذه القصة ومثيلاتها أن بعض الفتيات يطمعن بالتزويج من غير وليِّ لحجج خاصة ، بعضها تتعلَّق بالميل النفسي لرجل معيَّن ، والبعض الآخر لأسبابٍ تتعلَّق بالبيئة والمذهب والاتجاه التربوي . والزواج من غير وليِّ باطل عند الجمهور باتفاق ، ولم يشذ عن هذا سوى بعض الأحناف ، وخلافهم غير معتبر لدلالة النهي القطعية في مسألة الوليِّ . ومن فقه الإمام الحجاوي ( ت: 968هـ) رحمه الله تعالى استدراكه خِلاف المسألة بعبارة وجيزة حين قال :" فلو زوَّجت نفسها أو غيرها أو وكَّلت غير وليِّها في تزويجها ولو بإذن وليها فيهن ، لم يصح . فإن حَكم بصحته حاكم أو كان المتولِّي العقد حاكمًا لم ينقض " . وعضل المرأة في زواجها بالكفء لا يجوز ، وزواجها بلا وليِّ لا يصح . والقاضي هو الخبير بتناسب هذه الحادثة مع الأحكام . فلا يصح الإفتئات فيها عن حكمه .


10- الإصغاء إلى البنات مطلب شرعي ، فيلزم رعاة البيوت الجلوس معهن وملاطفتهن وفهم طموحهن ، والكبت النفسي لا يحمي الغرائز ولا يربِّي الكريمات ، ومن استظل بظل شرع الله وجد السعادة وراحة القلب .
والعقوبة الخلقيه في الإسلام خطيرة كما أشار الوحي .

ومن لطائف التفسير أن الجريمة تكبر بكبر المجرم ، وتصغر بصغره ، والدليل من القرآن قول الله تعالى : " فإذا أُحصن فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نِصفُ ما على المحصنات من العذاب " ( النساء : 25 ) . ولو علم البنات بهذه اللطيفة لتبدلَّت أحوالهن بنور الله .


هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة