المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام


صالح بن عمير
16-12-13, 10:13 PM
الأحاديث التي وردت عند البخاري بخصوص رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام هما حديثان بينهما بعض الاختلاف:

6993- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي " ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ

6994- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِي ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ "

فالحديث الأول قال عنه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنه خاص بالصحابة رضي الله عنهم لأن النص فيه على رؤيته حقيقةً، أما الحديث الآخر فهو لعامة أمته ولم يشرح الشيخ معناه وكان ذلك في جواب عن سؤال في لقاءات الباب المفتوح.

وقال الشيخ ابن جبرين رحمه الله جواباً على سؤال عن هذا الحديث: "فيما يظهر لي أن هذا الحديث خاص بالصحابة الذين رأوا شخصه وعرفوه ورأوا وجهه، وعاشروه وعرفوه، فإذا رأوه في المنام عرفوه، وقالوا: هذا الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما من بعدهم الذين لم يروه، فإن الشيطان قد يتمثل بصورة إنسان، أي إنسان، ويقول: أنا محمد‍ فما يدريك أن هذا محمد ! صلى الله عليه وسلم؟
فهل رأيته حتى تحكم أن هذه هي صورته وشخصه؟ فما دمت أنك لم تره فليس هناك يقين بأن هذا محمد صلى الله عليه وسلم."

أما الشيخ ابن باز رحمه الله فقد جعل الحديث الأول للصحابة رضي الله عنهم ولغيرهم مع توجيه رؤيته لغيرهم برؤيته يوم القيامة في الجنة إن مات صاحب الرؤيا على الإسلام، فقال رحمه الله :"إذا رآه على صورته فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل به، وأما إذا رآه على غير صورته ما يكون رآه، لو رآه شايب، يعني لحيته بيضاء، أو رآه شاب ما له لحية، فما يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول له لحية كثة ليس فيها إلا شعرات يسيرة من الشيب، فإذا رآه على صورته فإنه سيراه يوم القيامة وفي الجنة إن مات على الإسلام، أو فقد رآه في الحقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل في صورته".

وابن حجر رحمه الله أورد في الفتح عند شرحه لهذا الحديث ما يؤيد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام على صورته لغير الصحابة رضي الله عنهم ولمن بعدهم باستشهاده بابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لايعرفها قال: لم تره، وبحديث عاصم بن كليب عند الحاكم قال: حدثني أبي قال: قلت لابن عباس: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، قال: صفه لي، قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته.

وقال ابن حجر رحمه الله عندما نقل كلام القاضي عياض وهو قوله: "يحتمل أن يكون المراد بقوله: فقد رآني أو فقد رآى الحق أن من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقاً، ومن رآه على غير صورته كانت رؤياه تأويل".

قال ابن حجر رداً على النووي: "ولم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقةً في الحالين، لكن في الأولى الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير".

ونقل ابن حجر عن القرطبي قوله: "والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثاً، بل هي حق في نفسها، ولو رئي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله".

وقال القرطبي في المفهم: "قد تقرر أن الذي يُرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها، غير أن تلك الأمثلة تارة تقع مطابقة وتارةً يقع معناها، فمن الأول رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها وفيه :"فإذا هي أنت" فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه، ومن الثاني رؤيا البقر التي تنحر، والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور".

فمن هذه النقول يتضح أن فتاوى العلماء رحمهم الله في الوقت الحاضر لم تخالف أقوال أئمة السلف حول هذه الأحاديث إلا ما ذكره النووي رحمه الله ولم يوافقه ابن حجر على ذلك.

فمما ورد ذكره من أقوال أهل العلم وبربطه بعلم تعبير الرؤى أقول وبالله التوفيق:

- رؤية النبى صلى الله عليه وسلم على صفته الحقيقية في المنام ليس لها تأويل إلا رؤيته على وجه الحقيقة في الواقع فلذا جاء النص منه صلى الله عليه وسلم لصحابته بأنهم سيرونه على الحقيقة عند رؤيتهم له في المنام. أما رؤية غير الصحابه له صلى الله عليه وسلم فتأول برؤيته في الجنة يوم القيامة وقد تعني البشارة للرائي لأن مآل رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام بعد موته لا تكون إلا في الجنة مع استبعاد بعض العلماء أن يكون تأويلها رؤيته يوم القيامة لاشتراك عموم الناس في ذلك لأن الرؤيا لم تأت إلا لاختصاص الرائي بأمر زائد عن المعروف.

- رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا بصورة ليست مطابقة على صفته تعني في الغالب مثال أو رمز لسنته عليه الصلاة والسلام أو مثال لدين الرائي فما كان فيها من نقص فيؤول على دين الرائي ونقصه، أو ما تعنيه الرؤيا من معاني تختص بنقص في السنة لدى الرائي. فمهما كان فيها من اختلاف فليست هي من الشيطان قطعاً وليست أضغاثاً أو حديث نفس لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلابد أن يكون لها تأويل صادق موافق لواقع الرائي.

وما يؤيد هذا الكلام على سبيل المثال ما رآه البخاري رحمه الله في رؤياه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام بجانبه، وبِيَد البخاري مروحة يذبّ بها عن رسول الله؛ فسأل عن ذلك أحد المعبّرين؛ فقال: أنت تَذُبّ وتُبعد الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال البخاري إن هذه الأشياء مجتمعة حملته على وضع كتاب "الصحيح".. وسمّاه "الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه".

وهذه الأشياء هي هذه الرؤيا وقوله: كنا في مجلس علم فقال أحدهم: "لو ينشط منا أحد فيضع كتاباً في الصحيح من الحديث".

ثم رأى أحد أصحابه في المنام، الرسول صلى الله عليه وسلم يمشي والبخاري يمشي خلفه يضع قدمه موضع قدم النبي صلى الله عليه وسلم.

فرؤيا البخاري أنه يذب عن رسول الله صلى الله عليه سلم بالمروحة لا تدل على معناها الظاهر فلا يمكن له أن يقابل النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا فيذب عنه بالمروحة على الحقيقة، فعلمنا من ذلك أن الذب هذا في المنام رمزاً من الرموز وكذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ترمز لسنته، وأيدها أيضاً ما وقع له على وجه الحقيقة بجمعه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتنقيتها من الأذى ومن الخطأ ومن الكذب، فيكون معنى الذب في الرؤيا هو التنقية والتنقيح.


وما يحتاج إلى تفصيل هو قول ابن حجر رحمه الله حيث قال: "قلت: ويظهرُ لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة , وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير وعليها يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم : (فقد رأى الحق) ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك، ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك , فقد رآه حقيقة".

كلام ابن حجر هنا لا يختلف كثيراً عما قاله العلماء وما شرحناه سابقاً. فمجمل ما قاله العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أنها تنقسم إلى قسمين:

1- من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام على صفته المعروفة كاملة ليس فيها نقص فتأويلها أنه سيراه على الحقيقة، فإن كان من الصحابة ففي الدنيا وإن كان من غير الصحابة ففي الجنة.

2- من رآه صلى الله عليه وسلم في المنام ولكن ليس على صفته المعروفة بل هناك شئ من الاختلاف فيها فيعني أن صورته عليه الصلاة والسلام في هذه الرؤيا تُأول برمز يدل على السنة أو دين الرائي ولايكون تأويلها كما في القسم الأول.

فكأن العلماء يرون أن الاختلاف في صفة واحدة من صفاته صلى الله عليه وسلم في الرؤيا يجعلها لا تندرج في القسم الأول بل في القسم الثاني، أما ابن حجر فيرى أنه لو حصل الاختلاف في أكثر من صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم فالرؤيا لا يزال يطلق عليها أنه رآه على الحقيقة مع تأويل الاختلاف بحسبه.

ويظهر لي أن كلام ابن حجر رحمه الله لا يختلف عن كلام العلماء السابقين إلا في المسمى فقط.

والله أعلم