المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقائق وخفايا كرتون الـ 99 منقول


محمد ابن الشنقيطي
07-01-14, 08:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

يتحدث الناس مؤخرا عن مسلسل رسوم متحركة اسمه الـ 99 , وعن وجود إشكالات فيه من حيث تسمية أبطال المسلسل بأسماء الله وإعطائهم قدرات خارقة مأخوذة من معاني أسمائه, فشاهدت مجموعة من المقاطع التي يشرح فيها صاحب المسلسل د. نايف المطوع هدف المسلسل وفكرته, وتبين لي من خلالها عمق فكرة المسلسل وخطورة أهدافه, فتمت مشاهدة مجموعة من حلقاته وتسجيل مجموعة من الملاحظات, وسأعرض أهم ذلك في هذا المقال ليكون الناس على بينة.

هدف المسلسل بين تحريف الدين وتقديمه للغرب[1]!
تأتي فكرة المسلسل الأساسية -كما يقول صاحبه - على خلفية "التجديد الديني" في الإسلام, حيث إنّه يوجد - كما يرى– نوعان من المسلمين اليوم: النوع الأول يتمسك بالدين بتفسيراته الأصيلة من مئات السنين, والآخر يرى أن الدين يجب أن يتم تحديثه حسب العصر وفق تفسيرات جديدة, وصاحب المسلسل يقول بكل وضوح إنه لا ينتمي للفريق الأول, بل يهدف لإعادة التفكير في ما هو الإسلام حتى للمسلمين أنفسهم, ويقول: إنه يتمنى أن يؤثر المسلسل بقوة على الطفل, بحيث يقف ضد أي أحد يعلمه أن يحكم على أحد بناء على أي رب يعبد أو بناء على أنه لا يؤمن!
يبيّن د نايف المطوع بوضوح أنّه يستهدف أبناءنا نحن المسلمين برسائل تحريف خفيّة, حيث يقول: " كأب لخمسة أطفال من الأشياء التي كنت أفكر فيها أن الإسلام يحتاج إلى أن يعاد التفكير فيه ويعاد تصميمه ويعاد بناؤه "[2], ويؤكّد أنّه صنع المسلسل ليحارب لأجل قلوب وعقول الأطفال الذين علُّموا أن يستخدموا دينهم للكراهية, وأكثر ما يهمه هو صناعة القدوة لأولاده في عالم يتلاعب فيه بالدين حتى داخل أسرته! فنصف الفكرة من المسلسل الإثارة والترفيه, والنصف الآخر هو هذه الرسالة التي يريد إيصالها للأطفال من خلال قدوات مبنية على قيم يزعم أنّه استوحاها من الأسماء الحسنى, لكنّها تشترك فيها الإنسانية ويتفق عليها الجميع, وبذلك يغلق الهوة بين الشرق والغرب, ويوصل فكرة للأطفال أنه لا يوجد في الحقيقة تلك الفروق الكبيرة بيننا. وقام د نايف بتأكيد عمق هذا المعنى بتقديم شخصية جديدة من أبطال الفلم اسمها وكيلة أمام جمهور غربي, ثم رفع يده وعمل بأصبعيه رمز الصليب, وقال: سأبقي أصبعي مصلبين لأجل مستقبل وكيلة, إذا وعدتموني أن تبقوا أصابعكم على هيئة هلال, وأشار بيده الأخرى على هيئة هلال! ومن أمثلة الرسائل الخفيّة استخدامه للثلاثية في المسلسل, حيث يكون الأبطال ثلاثة, وفيهم امرأة ورجلان أو العكس فلا مشكلة في ذلك بنظره, وهنا يذكر لجمهوره الغربي قضية الخلوة في الإسلام, ويقول ساخرا إنها تُمنع حتى لا يحدث شيء شرير بين الفتى والفتاة.. وهنا يضحك الجمهور[3].
وفي الجانب المقابل أكّد المطوع للغرب مراراً أنّ المسلسل غير ديني أبداً, وليس فيه أية رسائل إسلامية خفيّة موجهة للغرب, وخلفيته الدينية مخفية لا تظهر كمحتوى يمكن تمييزه إلا من عالم دين. ويقول إنه قال لكاتبي السلسلة إنّه لن يعتبر نفسه أنجز إلا إذا شاهد الأطفال اليهود الأبطال وظنوا أنهم يهود, والنصارى ظنوا أنهم نصارى, والمسلمون ظنوا أنهم مسلمون.
كما أكّد على ابتعاد المسلسل عن الواقع السياسي, ولهذا جاء الأبطال من كل الدول, وذكر أنّه قد يكون مستقبلاً أبطال من دول أخرى لم ترد الآن, ويؤكّد أنّ الأشرار ليسوا من إسرائيل, وقد جعل من الواضح أنّ الأحجار – التي تستمد منها القدرات الخارقة كما سيأتي في فكرة المسلسل - لديها حكمة من كل الثقافات نصرانية ويهودية وغيرها. وقد كان أوباما كرّم وأثنى على المطوع وقصصه المصورة الـ 99 في تعزيز التسامح, مشبها فكرة المطوع بفكر أوباما الذي قدمه بالقاهرة وأنّه أكثر الردود عليه إبداعاً![4], وعبّر المطوع عن سعادته وخجله وفخره من تكريم أوباما, وأنّه كاد يسمّى ولده باراك من شدة تأثره, بينما عبّر عن صدمته واندهاشه عندما اتصل به أحدهم ليهنئه على ولده الخامس قائلا له: أصبح لديك أبناء يكفون لتحرير فلسطين!

خلفية نايف المطوع:
انتقل المطوع مبكرا للدراسة بأمريكا, واعترف بتأثر شخصيته بالحياة بالغرب وجو الحرية هناك, ويبدو من الصور التي عرضت في لقائه مع الجزيرة الإنجليزية أنه لم يكن ملتزما بتعاليم دينه, وذكر أنّه كاد يتخلّى عن دينه في مرحلة من حياته[5], ولم يسأل المطوع العلماء عن المسلسل بل يسخر منهم ويكذب إذا سأل عمن أجازوا مسلسله ويسخر من بعض القضايا الدينية كالدعاء[6].
يتلقى المطوّع دعما معنويا ومادياً من شخصيات خليجية كبيرة وشخصيات بارزة بهوليود, وله صلات بمراكز فكر علمانية وتغريبية تتبنى فكره, إضافة للدعم المعنوي الذي يتلقاه من وسائل الإعلام والرموز السياسية والفكرية والإعلامية في الغرب[7].

فكرة المسلسل
الفكرة من المسلسل هي تقديم 99 شخصية سميت بأسماء الله, ولها قدرات خارقة ذات صلة بالأسماء الحسنى التي سميت بها, وهي قدرات انتقلت لها عبر أحجار كريمة اجتمعت فيها الحضارات الإنسانية المتراكمة, وقد فقدت تلك الأحجار الـ (99) ويقوم الأبطال بالعثور عليها.
يحضر في المسلسل شخصية تمثل الشر وهي شخصية ترفض التحديث! وتريد أن تمنع الأبطال من تحديث الأحجار التي تعطي تلك القدرات, ومن ينضم تحت تلك الشخصية في المسلسل لهم لون واحد فقط, ويخضعون لسيطرة من الأعلى للأسفل. وقد أراد المطوع بذلك أن يرمز لعلماء المسلمين ممن يتمسكون بدينهم كما أنزل ويتهمهم بالسيطرة على الناس. بينما الفريق المقابل ملونون يريدون التحديث! ويدور الصراع بين قوى الخير وقوى الشر التي يحاول كل منها قيادة الـ 99, ويقدم المقطع شخصية رأس الشر على أنه يقول إنّ العالم يملكه الأقوياء الذين يستطيعون فرض إرادتهم على الجماهير التي لا عقل لها[8].

بعض محتويات المسلسل
يمتلئ المسلسل ككثير من مسلسلات الأطفال اليوم بالخرافات والقدرات الخارقة للأبطال, والجديد في الـ 99 أنّ هذه القدرات تتعلّق بأسماء الله وصفاته – تعالى الله عما يقول الظالمون - , وسأضرب بعض الأمثلة للشخصيات من خلال بعض الحلقات التي شوهدت:
نور: ترى الظلام والنور في داخل كل من تراهم.
فتاح: يفتح ممرات بشكل خارق حتى إنه يمكنه نقل الشخص من بلد لآخر.
باعث: يمكنه نقل أي شيء من مكان لمكان, فيسلط طاقته على دبابة – مثلا - فيرسلها لمكان آخر ويسقط راكبوها.
رقيب: يسمع الأصوات البعيدة ويرى المشهد عن بعد.
باطنة: تستطيع إخفاء الأشخاص والأشياء.
عليم: يعلم الغيب والعياذ بالله فيتنبأ بما سيقع.
ضار: يرسل الألم لمن شاء ويسحبه ممن شاء.
بارئ: لديه قدرة على شفاء المرضى.
وهكذا.., ولازالت الشخصيات تستمر في الظهور.
وأما شخصية الشرير رغال فهو لا يموت أبدا, وأعطى لبعض الشخصيات هذه القدرة, أي أنهم لا يموتون, وفي الحلقة 17 يقول لصديقه: لقد جعلتك تعيش للأبد! وفي بداية القصة يتنبئ رغال بخسوف القمر وتستعمل عبارة (الكهانة) في هذا السياق.

الخلاصات الشرعية:
- رسالة البرنامج وفكر من وراءه
نحن أمام برنامج أعده شخص صاحب رسالة يريد إيصالها, يريد التأثير على الأطفال وتحبيبهم في التدين المحرّف وفق القيم والثقافة الغربية الليبرالية, وتكريههم في الدين الحقيقي الأصيل, ولدى الرجل خلفيات ضد ديننا الذي يعتبره قابلا لتحريفه الذي يسميه بإعادة التفسير, خصوصا في ما يتعلق بالمرأة والعلاقة بالأديان الأخرى كما يبدو من كلامه في الإعلام, ويبدو أنه سيعالج ذلك من خلال المسلسل, والله أعلم ماذا سيكون فيه غير ذلك من معالجات, فهو لم يحدد لذلك مجالا أو ضابطا غير وجهة نظره هو, وهذا يدع المجال مفتوحا.
إنّ الفكر الذي يتبنّاه نايف المطوع هو فكر خطير يستبيح التلاعب بالدين وتحريفه باسم إعادة تفسيره دون اعتبار لمرجعية القرآن والسنة وما علم من الدين بالضرورة مما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعوهم بإحسان إلى يومنا هذا[9], فهذا الفكر يستبيح تخطئة وإبطال كل ما سبق ويزهد في التراث العلمي الذي يسميه بالتقليدي ويرمي أهله بالتحجر والسيطرة والتخلف, ويخلط بين نموذج الكنيسة الذي ثار عليه الغرب حين احتكر رجاله تفسير دين محرّف أصلاً, وبين دين حنيف محفوظة نصوصه, ودور العلماء فيه هو الاجتهاد وليس السيطرة بل الهيمنة فيه للوحي على العلماء وعلى غيرهم, ولا عصمة فيه لغير الوحي. ومع الطعن في العلماء ورميهم بما ذكر يقوم هذا الفكر بالهجوم على الثوابت وتمييع الدين ليتوافق مع الأفكار والقيم الغربية, ولا يستلهم من الدين آخر المطاف سوى القيم المشتركة, مع تحييد وتحريف أي شيء يتعارض مع ثقافة الغرب ويختلف معها, فهو إعادة لتسويق قيم الغرب باسم "تجديد" الدين لا غير.
هذا الفكر ليس جديداً بل هو محاولة لاستنساخ حركات فكرية وجدت في الغرب وانتهت به إلى العلمانية, وقد بدأ قبل قرن تقريباً في التغلل بعالمنا الإسلامي مع احتكاك بعض مفكريه بالغرب ومستشرقيه, ونظّر لهذا الفكر بعض الرموز المتأثّرة بمدارس عقلية قديمة, ويستند فكرهم على تعظيم ما يظنونه عقلا ثم التسلّط على النصوص وجعلها تبعاً له, والدين لا يتعارض مع العقل بل الدين يرشد العقل للحق وينور له الطريق ويحميه من القصور, ولكنّهم يجعلون الدين تبعاً لما يظنونه عقلاً, على عكس ما أمر الله به في مثل قوله: {أتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء}, وخلافا لما وصف الله به كتابه من كونه هدى ونوراً وتبياناً لكل شيء, فجعلوه معطلاً لا يعمل إلا في المشتركات الإنسانية وتحت هيمنة القيم الغربية التي يعتبرونها عين العقل.
وهذا الفكر يتطرّف لدرجة أن يرد بعض أصحابه قطعيات دينية, ويحلّلون محرمات منصوصاً عليها, ويطالبون بإلغاء الحدود الشرعية, ويتهكمون من النصوص التي توجب على المرأة الحجاب وغير ذلك, وربما يساوى بعضهم بين دين الله والأديان المحرفة ولا يعتبرون أتباعها كفاراً, ولا يتحرجون من إقرار تلك الأديان ومدحها والتلبس ببعض شعائرها وشركياتها بحجة التعايش والتعددية, والقرآن صريح في أنّ الإسلام دين الله الذي لا يقبل سواه كما قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام }, وقوله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }, وأنّ من لم يسلم ومن لم يؤمن بالرسول ويتبعه كافر كما قال تعالى في سورة النساء: { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا }, وقال تعالى في سورة المائدة: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } وقال { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } والقرآن كله يدل على هذا والآيات فيه كثيرة وقطعية, ولا يمكن أن يكون الإنسان مسلماً إلا باعتقاد ما نصّت عليه, وبأن يعادي الكفر وأهله كما صرّحت بذلك آيات كثيرة كقوله تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده.. } الآية. قارن هذا مع قول المطوّع بأنّه يريد تقليص الهوة بين الأديان وقيامه برفع لعلامة الصليب, تجد أنّه يتوجّه في اتجاه معاكس للدين والله المستعان.
إنّ تجديد الدين المحمود هو إعادة إحياء ما اندرس منه, ونشره والاقتراب به لواقع الناس اليوم كما أنزله الله وكما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم, ليعالج مشكلات العصر بشموليته وكماله وصلاحيته لكل زمان ومكان, أما التحريف والتمييع فهو تبديل ونكوص عن حكم الله وتقليد للغرب ونشر للبراليته, ولا يفيد تسميته زورا بالتجديد لتسويقه.

- ألوان من المخالفات العقدية
وفوق ذلك جمع المسلسل ألوانا من المخالفات العقدية كالكهانة وادعاء علم الغيب واستمداد النفع من الأحجار كفعل الوثنيين, وديننا قطع كل وسائل التعلّق بغير الله ورد النفوس للفطرة التي تقتضي تعلّق القلوب بالله واستمداد النفع منه وحده, حتى حرّم ديننا اتخاذ ما ليس سببا سبباً كتعليق التمائم.
ولن أطيل الوقوف مع تلك المخالفات لكي لا أطيل على القارئ, ولكي أخص بمزيد من العناية معالجة المخالفة المستمرة في جميع المسلسل, وهي نسبة أسماء الله للمخلوقين ووصفهم بصفاته, وهذا يخل بتوحيد الأسماء والصفات, ويمثّل صورة من صور الإلحاد فيها, وقد قال تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه }, والإلحاد هو الميل عن المقصد, وقد جاء المسلسل بإلحاد عظيم يفوق من وجه ما صنعه المشركون من الإلحاد بأسماء الله, فتأمل ما قاله الطبري شيخ المفسرين المتوفى سنة 310 هجرية واصفا إلحاد المشركين بقوله: " كان إلحادهم في أسماء الله أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها "اللات" اشتقاقا منهم لها من اسم الله الذي هو "الله"، وسموا بعضها "العزى" اشتقاقا لها من اسم الله الذي هو "العزيز". وروي ذك عن ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد, فهذا إلحاد المشركين. وأمّا إلحاد المسلسل فهو لا يشتق من تلك الأسماء بالزيادة والنقص بل يكتفي بحذف الألف واللام فقط ثم يسمّي الشخصيات الكرتونية بأسماء الله تعالى كباطنة وصمدة ووكيلة وباعث وضار.. آلخ!
فمن التوحيد أن لا يدعى غير الله بهذه الأسماء ولا يشركه فيها أحد, فقوله تعالى { فادعوه بها } أي ادعو الله بتلك الأسماء التي هي له وحده, فهو أمر سبقه تخصيص الله لنفسه بهذه الأسماء { ولله الأسماء الحسنى } أي ليست لغيره بل له وحده, فلا يجوز أن يدعى غير الله بأسمائه الحسنى. وكذلك قوله تعالى: {له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض}. قال ابن عثيمين: "فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحقة، وبأنه يسبح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها".
وقد تعرّف الله سبحانه إلينا بهذه الأسماء وما تضمّنتها من الصفّات لنتعلّق به ونحبّه ونعظمه ونفرده بالعبادة التي لا يستحقّها إلا هو, كما قال القرطبي: " سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله ". فأي محادّة له فوق أن يسمّى بها غيره ويوصف ذلك الغير بصفاته على وجه سخيف يشوش معانيها وينسبها لشخصيات كرتونية! فالطفل المشاهد بين أمرين أحلاهما مرّ, فالأسماء والصفات تنسب لغير ربه, ومعانيها تحرّف وتسطّح في صورة بشرية خيالية سخيفة, فكيف سيفهم تلك الأسماء ويبقى حسنها وتعظيمها وسعة وعظمة معانيها راسخة في نفسه, وكيف ستكون هيبتها وهيبة اختصاص الله بها في نفسه بعد أن رآها بهذه الصورة السخيفة المخلّة منسوبةً لشخصيات كرتونية!
بل إنّ النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم صحابي كان يصلح بين الخصوم قبل الإسلام ويدعونه أبا الحكم, وقال له: إنّ الله هو الحَكَم وإليه الحكم. أخرجه أبو داود والنسائي. والله سبحانه مختص بأنّ له الحكم ولا معقب لحكمه, أما حكام البشر فيكون حكمهم تبعا لحكمه وإلا فهم طواغيت, وأخذ العلماء من هذا الحديث أن لا يسمّى أحد بشيء يختص به الله تعالى. وكذلك في الصحيحين أنّه صلى الله عليه وسلم قال: (أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك).
فالواجب أن يذر الإنسان المسلم هؤلاء الذي يميلون بأسماء الله وصفاته فيصفون بها غيره, وهذا المسلسل يسمّي بأسماء الله شخصيات كرتونية ويصفها بصفاته العلى, فكيف لا يغضب المسلمون للّه؟ وكيف يستمرئ أحدهم أن يشاهد أطفاله هذا الإلحاد؟ وأقل آثار مشاهدتهم له أن تهون هذه المخالفات في أعينهم ويستسهلوا مشاهدتها دون أن تستنكرها نفوسهم, بينما قصد الشرع إلى التنفير من هذه المخالفات والتشنيع على فاعليها, والمسلسل هذه الشخصيات كأبطال يحبّها الأطفال ويتعلّقون بها!

- شبهة وردّها
فإن قيل: بعض أسماء الله يسمّى بها المخلوق كعليم وحيّ. فيجاب عن ذلك من عدّ وجوه:
أولا: المسلسل لم يقتصر على هذه الأسماء بل تعدّى للأسماء التي يختص بمعانيها الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله في تحفة المولود: " ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب تبارك وتعالى, فلا يجوز التسمية بالأحد والصمد ولا بالخالق ولا بالرازق وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب تبارك وتعالى ولا تجوز تسمية الملوك بالقاهر والظاهر كما لا يجوز تسميتهم بالجبار والمتكبر والأول والآخر والباطن وعلام الغيوب ".
ثانياً: هناك فرق بين تسمية المخلوق وبين الإخبار عنه, وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: " وأما الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره كالسميع والبصير والرؤوف والرحيم, فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق, ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى ".
ثالثا: أنّ صاحب المسلسل صرّح بربط أسماء أبطال المسلسل بأسماء الله الحسنى ووضع لأولئك الأبطال صفات خارقة لاحظ فيها بعض معاني تلك الأسماء الحسنى, وهذه ليست مجرد تسمية لبشر يلاحظ فيها الوصف البشري فقط, بل فيها التفات إلى معنى الكمال المتضمن في الأسماء الحسنى. فالأسماء حين تطلق على العبد إطلاقا جائزاً فهي تطلق بحسب اتصافه بمعانيها كأوصاف بشرية ناقصة تليق به كمخلوق, بينما المسلسل يجعل لها معانٍ خارقة لا يقدر عليها مخلوق, كادعاء علم الغيب لشخصية عليم ورؤية البواطن لنور, وغير ذلك مما هو واضح في المسلسل. يقول ابن القيم: " أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته.. فالرب تبارك وتعالى فِعاله عن كماله", ومعنى هذا الكلام أنّ كمال أفعال الله مرتبط بكماله في ذاته وأسمائه وصفاته, وهنا نلاحظ في المسلسل أنّ لتلك الأسماء التي سمّي بها الأبطال كمال مزعوم فوق وصف المخلوق, فليست مجرد أسماء تطلق على المخلوق بحسب بشريته, لأنّ أفعال الشخصيات التخيّليّة تفوق أفعال البشر, وتلك الأفعال مستمدة مما سيمّت به من أسماء, ومن هنا فتلك الأسماء لم تشترك مع أسماء الله الحسنى في اللفظ فقط, فلا يمكن أن تقاس التسمية في المسلسل على التسمية البشرية العادية لو افترضنا جدلاً أنّها سائغة.
رابعاً: أنّ الإخبار بمعنى اسم من الأسماء التي يصح أن يخبر بالمخلوق عنها شيء وتشبيه المخلوق بمعاني الكمال الإلهية التي تضمنتها الأسماء الحسنى شيء, فكما ينزّه الله سبحانه عن مشابهته للمخلوقين فكذلك ينزّه عن مشابهة المخلوقين له, فكلا الأمرين نفاه الله فلا يجوز القول أو الإيحاء به, قال تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }. فمن أثبت للمخلوق اسماً من أسمائه على وجه فيه تشبيه أو إضاف للمخلوق معنىً لا يليق بالمخلوق -كما في المسلسل - فقد وقع في الإلحاد في أسماء الله. قال ابن القيم: " وما لزم صفة من جهة اختصاصهِ تعالى بها فإنَّه لا يَثْبُتُ للمخلوق بوجه". لذا نفت النصوص صفات الله عن المخلوقين كما في نفي علم الغيب عن المخلوقين, بل ونهت عن إتيان الكهّان ولو بدون تصديق لهم فيما يدعون من علم الغيب, وبيّن الله لنا أنّ ادّعاء صفات الكمال الإلهي من شأن الطغاة كما حكى تعالى من قصة إبراهيم عليه السلام التي حكاها بقوله: { إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت }, ولا يخفي على مسلم أنّ جزءا كبيرا من آيات القرآن التي عالجت موضوع الشرك جاءت في نفي صفات الكمال الإلهي عن المخلوقين كالرزق والنفع والضر والإحياء والإماتة وعلم الغيب, وغير ذلك مما نفاه الله عن الخلق لعدم لاختصاصاه به سبحانه ولينتفي تعلّق عباده إلاّ به وحده ويوحّدوه ولا يشركوا به.
خامساً: أنّ المسلسل حين ربط أسماء أبطاله بالأسماء الحسنى وقع في نوع آخر من التشبيه والإلحاد في أسماء الله, فقد ذكر ابن القيم أنّ من أنواع الإلحاد في أسمائه تعالى تشبيه صفات الله بصفات خلقه, وقال ابن عثيمين مبيناً هذا النوع من أنواع الإلحاد في الأسماء الحسنى: " أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه ", والحقيقة أنّ المسلسل وصاحبه صرّح بالربط بين هذه الأسماء وبين أسماء الله بصورة لا تقبل الشك, ولذا فهو يوحي من خلال مشاهد الأبطال - المسمّين بتلك الأسماء – بمعاني الأسماء ويجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين تارة فتدخل في هذا التشبيه لصفات الله بصفات خلقه, وتفوقها تارة فتدخل في تشبيه الخلق بصفات الخالق.

الخاتمة
وختاماً أناشد الآباء والأمهات الفضلاء بأن يحذروا وينتبهوا لما يشاهد أبناؤهم, فالغزو شديد على عقول أبنائنا وقلوبهم, وقد تبنت هذه القناة ومن ورائها –ككثير من وسائل الإعلام اليوم - كبر توصيل هذه الغزو بأسلوب خبيث مخادع, وبعد أن كانت هذه الأفكار ولا زالت تغزو عقول الكبار من خلال الصحف والقنوات التي تشوّه الدين وأهله وتسوّق لقيم الغرب وعلمانيته, انتقل هذا الغزو للصغار عبر وسائل تخاطب عقولهم بطريقة محبّبة لهم, وهنا لا بد عموما من الانتباه والمتابعة لكل ما يشاهده الأبناء؛ لأنّ هناك الكثير من الغثاء والفساد يتسرّب حتى من خلال بعض القنوات التي يفترض أنها تنتقي ما تبث لتجتنب الفساد, ومن باب أولى تلك القنوات التي تنتقي ما تبث لتفسد, فعلى الآباء والأمهات خصوصاً وعموم المسلمين مسؤولية كبيرة في هذا الزمان لتحصين المجتمع وخصوصا الصغار من سيل الباطل, الذي يستهدف تحريف الدين والترويج لمفاهيم تفصله عن الحياة وتنحيه عن القيادة وتستبدله بقيم الغرب الليبرالية لتروج بين المسلمين باسم الدين.
والأسرة اليوم تحتاج للأب والأم, تحتاج لوقتهما وحنانهما وأفكارهما, لا تحتاج فحسب لمال يأتي بما يشغل الأبناء من قنوات وملهيات, فهذا هروب من المسؤولية الحقيقية المتمثّلة في غرس القيم من خلال التربية بالقدوة والتربية بالقصة والتربية بالمواقف والتربية بالحوار وغير ذلك مما صار هامشا في زمن القنوات, فلنعد لمسؤولياتنا فالحمل ثقيل والخطب خطير, وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه: (والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها), وقال كما في صحيح مسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة).

نسأل الله أن يصلحنا ويكفينا شرور المضلين, والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد.


وكتبه/ أبو محمد طارق عنقاوي
5 ربيع الأول 1435 هـ


@tariqangawi


الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/t18298.html#ixzz2pja6paxg