المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاشتراك اللفظي? التواطئ المتضمن للاشتراك لفظا ومعنى ?التواطئ المتضمن للتشكيك?


طلال العولقي
16-06-05, 02:12 AM
بارك الله فيكم
هذه مسالة لغوية ولها علاقة بمسائل العقيدة
واريد التوضيح فيها
ما المقصود بالاشتراك اللفظي?
التواطئ المتضمن للاشتراك لفظا ومعنى ?
التواطئ المتضمن للتشكيك?

بارك الله فيكم ارجو ان تضربوا امثلة والمسالة للمدارسة

وفقكم الله

عبد
16-06-05, 04:02 AM
في الحقيقة هذا المبحث اللغوي له علاقة بمناحٍ عديدة غير العقيدة فهو مهم في التفسير والحديث والفقه وغيرها من العلوم المتعلّقة بفهم الخطاب اللغوي.

والمشترك اللفظي هو ذلك اللفظ الواحد الذي له اكثر من معنى بحيث تكون هذه المعاني متغايرة ومن ذلك "النهار" فهو لفظ دال على فترة من اليوم وكذلك هو لفظ دال على نوع من الطيور قيل فرخ القطا. وكذلك "الليل" هو فترة الظلام من اليوم وكذلك هو نوع من الطيور قيل فرخ الكروان. قال الشاعر:

والليل والنهار والرئال === والسيد والسبنتى والقطا وجورق

(ولست مرتاحاً لدقة البيت ، وهو من الشمقمقية لابن الونان ، و لايضر) ففي عجز البيت عدّهما من انواع الطيور. وقال الشاعر:

والشيب ينهض في السواد كأنه===ليل يصيح بجانبيه نهارُ

والليل والنهار هنا فتراتا اليوم ، ولكنه استعملهما للتشبيه كما ترى.

أما المشترك المعنوي فهو ذلك اللفظ الذي له معنى كلّي عام يصدق على دلالات متنوعة لا تخرج عن هذا المعنى العام. كقولنا : "كتاب" ومعناه العام من الجمع وضم الشيء لبعضه البعض فكل ورقٍ جمعته وضممته لبعضه البعض لتتصفحه وتقرأه فإنه يُعد كتاباً سواء كان صغيرا أم كبيرا ، مغلّفاً ام غير مغلف ، بل إن البعض يطلقه على ضم الحروف والكلمات لبعضها البعض فنرى الفقهاء مثلاً يقولون "كتاب الصلاة" فيصيرُ هذا الأخير كتاباً داخل كتاب ، ومنه قول الشاعر:

لا تأمنن فزاريا خلوت به ===على قلوصك واكتبها بأسيار

طلال العولقي
17-06-05, 01:34 AM
اخي عبد
بارك الله فيكم فلقد افدت منكم فوائد كثيرة واسال الله يبارك في هذه الفوائد





التواطئ المتضمن للتشكيك?

اما عن هذه النقطة فقد سالت فيها الشيخ عبدالرحمن البراك - حفظه الله - صباح اليوم فا اجابني اجابة مقتضبة وضرب عليها مثال
المثال :
كلمة نور
فقد يقصد نور الشمس وقد يقصد نور السراج وبينهما فرق عظيم
لكنهما اتحدا في اصل المعنى وافترقا في التفاصيل
وقال الشيخ ان هذا المثال ضربه شيخ الاسلام

وفقكم الله

عبد
17-06-05, 03:44 AM
جزاك الله خيرا أخي طلال ، ومن استفاد مني كلمة واحدة فقد أدخل السرور إلى نفسي.

منهاج السنة
27-09-09, 02:11 AM
ما معنى كون الاسماء والصفات تطلق على الله والعبد بالتواطؤ و حقيقة فيهما ابن تيمية

/ فصـــل
وأما قول السائل‏:‏ ما معنى كون ذلك حقيقة‏؟‏
فالحقيقة‏:‏ هواللفظالمستعمل فيما وضع له،
وقد يراد بها المعنى الموضوع للفظ الذي يستعمل اللفظ فيه‏.‏
فالحقيقة أو المجاز هي من عوارض الألفاظ في اصطلاح أهل الأصول، وقد يجعلونه منعوارض المعاني لكن الأول أشهر، وهذه الأسماء والصفات لم توضع لخصائص المخلوقين عندالإطلاق، ولا عند الإضافة إلى اللّه ـ تعالى ـ ولكن عند الإضافة إليهم‏.‏
فاسم العلم يستعمل مطلقًا، ويستعمل مضافًا إلى العبد، كقوله‏:‏ ‏{‏شَهِدَ اللّهُأَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاًبِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏‏[‏آلعمران‏:‏18‏]‏،
ويستعمل مضافًا إلى اللّه كقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَبِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏255‏]‏،
فإذا أضيف العلم إلى المخلوق لم يصلح أن يدخل فيه علم الخالق ـ سبحانه ـ
ولم يكنعلم المخلوق كعلم الخالق،
وإذا أضيف إلى الخالق كقوله‏:‏ ‏{‏أَنزَلَهُبِعِلْمِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏166‏]‏
لم يصلح أن يدخل فيه علم المخلوقين، ولم يكن علمهكعلمهم‏.‏
وإذا قيل‏:‏ العلم مطلقًا أمكن تقسيمه، فيقال‏:‏ العلم ينقسم إلى العلم القديم والعلم المحدَث،
فلفظ العلم عام فيهما، متناول لهما بطريق الحقيقة،
وكذلك إذا / قيل‏:‏ الوجود ينقسم إلى قديم ومُحدَث وواجب وممكن،
وكذلك إذا قيل في الاستواء‏:‏ ينقسم إلى استواء الخالق واستواء المخلوق،
وكذلك إذا قيل‏:‏ الإرادةوالرحمة والمحبة تنقسم إلى إرادة اللّه ومحبته ورحمته،
وإردة العبد ومحبته ورحمته‏.‏
فمن ظن أن ‏[‏الحقيقة‏]‏ إنما تتناول صفة العبد المخلوقة المحدثةدون صفة الخالق، كان في غاية الجهل؛
فإن صفة اللّه أكمل وأتم وأحق بهذه الأسماءالحسنى،
فلا نسبة بين صفة العبد وصفة الرب،
كما لا نسبة بين ذاته وذاته،
فكيف يكونالعبد مستحقًا للأسماء الحسنى حقيقة، فيستحق أن يقال له‏:‏ عالم قادر سميع بصير،والرب لا يستحق ذلك إلا مجازًا‏؟‏‏!‏
ومعلوم أن كل كمال حصل للمخلوق فهو من الرب ـسبحانه وتعالى ـ وله المثل الأعلى،
فكل كمال حصل للمخلوق فالخالق أحق به، وكل نقصتنزه عنه المخلوق فالخالق أحق أن ينزه عنه؛
ولهذا كان للّه ‏[‏المثل الأعلى‏]‏،فإنه لا يقاس بخلقه ولا يمثل بهم، ولا تضرب له الأمثال‏.‏ فلا يشترك هو والمخلوق فيقياس تمثيل بمثل؛ ولا في قياس شمول تستوي أفراده، بل ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏‏.‏
ومن الناس من يسمى هذه الأسماء ‏[‏المشككة‏]‏؛ لكون المعنى في أحدالمحلين أكمل منه في الآخر، فإن الوجود بالواجب أحق منه بالممكن،
والبياض بالثلجأحق منه بالعاج
وأسماؤه وصفاته من هذا الباب
فإن اللّه ـ تعالى ـ يوصف بها على/ وجه لا يماثل أحدًا من المخلوقين وإن كان بين كل قسمين قدرٌ مشترك،
وذلك القدرالمشترك هو مسمى اللفظ عند الإطلاق، فإذا قيد بأحد المحلين تقيد به‏.‏
فإذا قيل‏:‏ وجود وماهية وذات، كان هذا الاسم متناولًا للخالقوالمخلوق،
وإن كان الخالق أحق به من المخلوق، وهو حقيقة فيهما‏.
‏ فإذا قيل‏:‏ وجوداللّه وماهيته وذاته اختص هذا باللّه، ولم يبق للمخلوق دخول في هذا المسمى، وكانحقيقة للّه وحده‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ وجود المخلوق وذاته اختص ذلك بالمخلوق وكانحقيقة للمخلوق‏.‏
فإذا قيل‏:‏ وجود العبد وماهيته وحقيقته لم يدخل الخالق في هذاالمسمى، وكان حقيقة للمخلوق وحده‏.‏
والجاهل يظن أن اسم الحقيقة إنما يتناول المخلوق وحده، وهذا ضلالمعلوم الفساد بالضرورة في ‏[‏العقول‏]‏ و‏[‏الشرائع‏]‏ و‏[‏اللغات‏]‏،
فإنه منالمعلوم بالضرورة أن بين كل موجودين قدرًا مشتركًا وقدرًا مميزًا، والدال على ما بهاالاشتراك وحده لا يستلزم ما به الامتياز،
ومعلوم بالضرورة من دين المسلمين أن اللّه مستحق للأسماء الحسنى، وقد سمى بعض عباده ببعض تلك الأسماء، كما سمى العبد سميعًابصيرًا، وحيًا وعليمًا، وحكيمًا، ورءوفا رحيمًا، وملكًا، وعزيزًا، ومؤمنًا ،وكريمًا، وغير ذلك‏.‏
مع العلم بأن الاتفاق في الاسم لا يوجب مماثلة الخالقبالمخلوق، وإنما يوجب الدلالة على أن بين المسميين قدرًا مشتركًا فقط، مع أن المميزالفارق أعظم من المشترك الجامع‏.‏
/وأما ‏[‏اللغات‏]‏ فإن جميع أهل اللغات ـ من العرب والروم، والفرس،والترك، والبربر، وغيرهم ـ يقع مثل هذا في لغاتهم، وهو حقيقة في لغات جميع الأمم،بل يعلمون أن اللّه أحق بأن يكون قادرًا فاعلًا من العبد، وأن استحقاق اسم الربالقادر له حقيقة أعظم من استحقاق العبد لذلك، وكذلك غيره من الأسماء الحسنى‏.‏
وقول الناس‏:‏ إن بين المسميين قدرًا مشتركًا، لا يريدون بأن يكونفي الخارج عن الأذهان أمر مشترك بين الخالق والمخلوق؛ فإنه ليس بين مخلوق ومخلوق في الخارج شيء مشترك بينهما، فكيف بين الخالق والمخلوق،
وإنما توهم هذا من توهمه من أهل ‏[‏المنطق اليوناني‏]‏ ومن اتبعهم، حتى ظنوا أن في الخارج ماهيات مطلقة مشتركةبين الأعيان المحسوسة، ثم منهم من يجردها عن الأعيان كأفلاطون، ومنهم من يقول‏:‏لاتنفك عن الأعيان كأرسطو، وابن سينا، وأشباههما‏.‏
وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينا ما دخل على مناتبعهم من الضلال في هذا الموضع في ‏[‏المنطق والإلهيات‏]‏،
حتى إن طوائف من النظارقالوا‏:‏ إنا إذا قلنا‏:‏ إن وجود الرب عين ماهيته ـ كما هو قول أهل الإثبات،ومتكلمة أهل الصفات‏:‏ كابن كلاب، والأشعري وغيرهما ـ
يلزم من ذلك أن يكون لفظ‏[‏الوجود‏]‏ مقولًا عليهما بالإشتراك اللفظي، كما ذكره أبو عبد اللّّه الرازي عن الأشعري، وأبي الحسين البصري وغيرهم؛ وليس هذا مذهبهم، / بل مذهبهم‏:‏ أن لفظ‏[‏الوجود‏]‏ مقول بالتواطؤ، وأنه ينقسم إلى قديم ومُحدَث، مع قولهم‏:‏ إن وجودالرب عين ماهيته، فإن لفظ الوجود عندهم كلفظ الماهية‏.‏
وكما أن الماهية والذات تنقسم إلى قديمة ومحدثة، وماهـية الـرب عـينذاتـه، فكـذلك الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ووجود الرب عين ذاته، ووجود العبد عينذاته، وذات الشيء هي ماهيته‏.‏
فاللفظ من الألفاظ المتواطئة، ولكن بالإضافة يخص أحد المسميين،والمسميان إذا اشتركا في مسمى الوجود والذات والماهية، لم يكن بينهما في الخارج أمرمشترك يكون زائدًا على خصوصية كل واحد، كما يظنه أرسطو، وابن سينا، والرازي،وأمثالهم،
بل ليس في الخارج وجود مطلق، ولا ماهية مطلقة، ولا ذات مطلقة‏.‏
أما المطلق بشرط الإطلاق فقد اتفق هؤلاء وغيرهم على أنه ليس بموجودفي الخارج، وأن على تقدير ثبوته عن أفلاطون وأتباعه، هو قول باطل ضرورة‏.‏
وأما المطلق لا بشرط، فقد يظن أنه في الخارج وأنه جزء من المعين،وهذا غلط،
بل ليس في الخارج إلا المعينات، وليس في الخارج مطلق يكون جزء معين،
لكنهؤلاء يريدون بالجزء ما هو صفة ذاتية للموصوف؛ بناء على أن/ الموصوف مركب من تلكالصفات التي يسمونها الأجزاء الذاتية‏.
‏ كما يقولون‏:‏ الإنسان مركب من الحيوانوالناطق؛ أو من الحيوانية والناطقية، وهذا التركيب تركيب ذهني؛ فالماهية المركبة فيالذهن مركبة من هذه الأمور وهي أجزاء تلك الماهية‏.‏
وأما الحقيقة الموجودة في الخارج فهي موصوفة بهذه الصفات، ولكنكثيرًا من هؤلاء اشتبه عليه الوجود الذهني بالخارجي، وهذا الغلط وقع كثيرًا فيأقوال المتفلسفة، فأوائلهم كأصحاب فيثاغورس كانوا يقولون بوجود أعداد مجردة عنالمعدودات في الخارج، وأصحاب أفلاطون يقولون‏:‏ بوجود المثل الأفلاطونية، وهيالحقائق المطلقة عن المعينات في الخارج‏.‏ وهذه الحقائق مقارنة للمعينات في الخارجكما أثبتوا جواهر عقلية، وهي المجردات‏:‏ كالمادة، والهيولى؛ والعقول والنفوس علىقول بعضهم‏.‏
ومن هذا الباب تفريقهم بين الصفات الذاتية المتقدمة للماهية، التيتتركب منها الأنواع ويسمونها الأجناس والفصول، وبين الصفات العارضة اللازمة للماهيةالتي يسمونها خواصًا وأعراضًا عامة‏.‏ وهذه الخمسة هي الكليات؛ وهي الجنس، والفصل،والنوع، والعرض العام، والخاصة، وقد وقع بسبب ذلك من الغلط في ‏[‏منطقهم‏]‏ وفي‏[‏الإلهيات‏]‏ ما ضل به كثير من الخلق، وقد نبهنا على ذلك في غير هذا الموضع بمالا يتسع له هذا الموضع؛ ولهذا كان لفظ المركب / عندهم يقال على خمسة معان‏:‏ علىالمركب من الوجود والماهية، والمركب من الذات والصفات، والمركب من الخاص والعام،والمركب من المادة والصورة، والقائلون بالجوهر الفرد يثبتون التركيب من الجواهرالمفردة‏.‏
والمحققون من أهل العلم يعلمون أن تسمية مثل هذه المعاني تركيبًاأمر اصطلاحي، وهو إما أمر ذهني لا وجود له في الخارج، وإما أن يعود إلى صفات متعددةقائمة بالموصوف، وهذا حق‏.‏
فإن مذهب أهل السنة والجماعة‏:‏ إثبات الصفات للّه ـ تعالى ـ بلصفات الكمال لازمة لذاته، يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة له، بل يمتنعتحقق ذات من الذوات عَرِيَّة عن جميع الصفات، وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا أنه إذا قيل‏:‏هذا إنسان، فالمشار إليه بهذا المسمىبإنسان، وليس الإنسان المطلق جزءًا من هذا، وليس الإنسان هنا إلا مقيدًا وإنما يوجدمطلقًا في الذهن؛ لا في الخارج‏.‏ وإذا قيل هذا في الإنسانية فالمعنى‏:‏ أن بينهماتشابها فيها؛ لا أن هناك شيئًا موجودًا في الأعيان يشتركان فيه‏.‏
فليتدبر اللبيب هذا، فإنه يحل شبهات كثيرة، ومن فهم هذا الموضع تبينله غلط من جعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظي لا المعنوي، وغلط من جعل أسماءاللّه ـ تعالى ـ أعلامًا محضة لا تدل على معان، ومن زعم أن في الخارج /حقائق مطلقةيشترك فيها الأعيان، وعلم أن ما يستحق الرب لنفسه لا يشركه فيه غيره بوجه منالوجوه، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات‏.‏
وأما المخلوق فقد يماثله غيره في صفاته، لكن لا يشركه في غير مايستحقه منها، والأسماء المتواطئة المقولة على هذا وهذا حقيقة في هذا وهذا؛ فإذاكانت عامة لهما تناولتهما، وإن كانت مطلقة لم يمنع تصورهما من اشتراكهما فيها، وإنكانت مقيدة اختصت بمحلها‏.‏
فإذا قال‏:‏ وجود اللّه، وذات اللّه، وعلم اللّه، وقدرة اللّه، وسمعاللّه، وبصر اللّه، وأرادة اللّه، وكلام اللّه، ورحمة اللّه، وغضب اللّه واستواءاللّه، ونزول اللّه، ومحبة اللّه، وإرادة الله ونحو ذلك، كانت هذه الأسماء كلهاحقيقة للّه ـ تعالى ـ من غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات، ومن غير أن يماثلهفيها شيء من المخلوقات‏.‏ وإذا قال‏:‏ وجود العبد وذاته، وماهيته، وعلمه، وقدرته،وسمعه، وبصره، وكلامه، واستواؤه، ونزوله، كان هذا حقيقة للعبد مختصة به، من غير أنتماثل صفات اللّه ـ تعالى‏.‏
بل أبلغ من ذلك أن اللّه أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشاربوالملابس والمناكح، ما ذكره في كتابه، كما أخبر أن فيها لبنا، وعسلًا، وخمرًا،ولحمًا، وحريرًا، وذهبًا، وفضة، وحورًا، وقصورًا، ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس‏:‏ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء‏.‏
/فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي فيالدنيا، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، والاسم يتناولها حقيقة، ومعلوم أنالخالق أبعد عن مشابهة المخلوق، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته اللّه ـ تعالى ـ منأسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته‏؟‏ وأن يقال‏:‏ ليس ذلك بحقيقة، وهل يكون أحق بهذهالأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض‏؟‏‏!‏ مع أن مباينته للمخلوقاتأعظم من مباينة كل مخلوق‏.‏
والجاهل يضل بقول المتكلمين‏:‏إن العرب وضعوا لفظ الاستواء لاستواءالإنسان على المنزل أو الفلك، أو استواء السفينة على الجودي، ونحو ذلك من استواءبعض المخلوقات، فهذا كما يقول القائل‏:‏ إنما وضعوا لفظ السمع والبصر والكلام لمايكون محله حدقة وأجفانا وأصمخة وأذنًا وشفتين، وهذا ضلال في الشرع وكذب، وإنماوضعوا لفظ الرحمة والعلم والإرادة لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد، وهذا كله جهلمنه‏.‏
فإن العرب إنما وضعت للإنسان ما أضافته إليه، فإذا قالت‏:‏ سمعالعبد، وبصره، وكلامه، وعلمه، وإرادته، ورحمته، فما يخص به يتناول ذلك خصائصالعبد‏.‏ وإذا قيل‏:‏ سمع اللّه وبصره، وكلامه وعلمه، وإرادته ورحمته، كان هذامتناولًا لما يخص به الرب، لا يدخل في ذلك شيء من خصائص المخلوقين، فمن ظن أن هذاالاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئًا من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه باللّه،كان جاهلًا جدًا بدلالات اللغات، ومعرفة الحقيقة والمجاز‏.‏
/وهؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق،ثم ينفون ذلك ويعطلونه، فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق، وينفون مضمون ذلك،ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته، وألحدوا في أسماء اللّه وآياته،وخرجوا عن القياس العقلي والنص الشرعي، فلا يبقى بأيديهم لا معقول صريح ولا منقولصحيح، ثم لابد لهم من إثبات بعض ما يثبته أهل الإثبات من الأسماء والصفات‏.‏ فإذاأثبتوا البعض ونفوا البعض قيل لهم‏:‏ ما الفرق بين ما أثبتموه ونفيتموه‏؟‏ ولم كانهذا حقيقة ولم يكن هذا حقيقة‏؟‏ لم يكن لهم جواب أصلا، وظهر بذلك جهلهم وضلالهمشرعًا وقدرًا‏.‏
وقد تدبرت كلام عامة من ينفي شيئًا مما أثبته الرسل من الأسماءوالصفات، فوجدتهم كلهم متناقضين؛ فإنهم يحتجون لما نفوه بنظير ما يحتج به النافيلما أثبتوه، فيلزمهم إما إثبات الأمرين وإما نفيهما، فإذا نفوهما فلا بد لهم أنيقولوا بالواجب الوجود وعدمه جميعًا‏.‏ وهذا نهاية هؤلاء النفاة الملاحدة الغلاة منالقرامطة وغلاة المتفلسفة، فإنهم إذا أخذوا ينفون النقيضين جميعًا، فالنقيضان كماأنهما لا يجتمعان، فلا يرتفعان‏.‏
ومن جهة أن ما يسلبون عنه النقيضين لابد أن يتصوروه وأن يعبروا عنه؛فإن التصديق مسبوق بالتصور، ومتى تصوروه وعبروا عنه كقولهم‏:‏ الثابت والواجب أو أيشيء قالوه، لزمهم فيه من إثبات القدر المشترك نظير ما يلزمهم فيما نفوه، /ولا يمكنأن يتصور شيء من ذلك مع قولهم‏:‏ أسماء اللّه مقولة بالاشتراك اللفظي فقط‏.‏
فإن المشتركين اشتراكًا لفظيًا لا معنويًا كلفظ ‏[‏المشتري‏]‏المقول على الكوكب والمبتاع، وسهيل المقول على الكوكب وعلى ابن عمرو، فإنه إذا سمعالمستمع قائلًا يقول له‏:‏ جاءني سهيل بن عمرو، وهذا هو المشتري لهذه السلعة، لميفهم من هذا اللفظ كوكبًا أصلًا، إلا أن يعرف أن اللفظ موضوع له، فإذا لم تكنأسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئًا أصلًا، إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته،وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته، فلم يعرفوا شيئًا‏.‏
ثم إن العلم بانقسام الوجود إلى قديم ومحدث وأمثال ذلك علم ضروري،فالقادح سوفسطائي‏.‏
وكذلك العلم بأن بين الاسمين قدرًا مشتركًا علم ضروري‏.‏ وإذاقيل‏:‏ إن اللفظ حقيقة فيهما، لم يحتج ذلك إلى أن يكون أهل اللغة قد تكلموا باللفظمطلقًا، فعبروا عن المعنى المطلق المشترك؛ فإن المعاني التي لا تكون إلا مضافة إلىغيرها‏:‏ كالحياة والعلم، والقدرة والاستواء؛ بل واليد وغير ذلك مما لا يكون إلاصفة قائمة بغيره أو جسما قائمًا بغيره بحيث لا يوجد في الخارج مجردًا عن محله‏.‏ولكن أهل النظر لما أرادوا تجريد المعاني الكلية المطلقة عبروا عنها بالألفاظالكلية المطلقة، وأهل اللغة في ابتداء خطابهم يقولون ـ مثلا ـ‏:‏ جاء زيد، وهذا وجهزيد؛ ويشيرون إلى ما قام به من المجيء والوجه، فيفهم المخاطب ذلك‏.‏
/ثم يقولون تارة أخرى‏:‏ جاء عمرو، ورأيت وجه عمرو، وجاء الفرس،ورأيت وجه الفرس، فيفهم المستمع أن بين هذه قدرًا مشتركًا وقدرًا مميزًا، وأن لعمرومجيئًا ووجهًا نسبته إليه كنسبة مجىء زيد ووجهه إليه، فإذا علم أن عمرًا مثل زيد،علم أن مجيئه، مثل مجيئه، ووجهه مثل وجهه، وإن علم أن الفرس ليست مثل زيد بل تشابههمن بعض الوجوه، علم أن مجيئها ووجهها ليس مجيء زيد ووجهه، بل تشبهه في بعضالوجوه‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ جاءت الملائكة ورأت الأنبياء وجوه الملائكة، علمأن للملائكة مجيئًا ووجوهًا نسبتها إليها كنسبة مجيء الإنسان ووجهه إليه، ثم معرفتهبحقيقة ذلك تبع معرفته بحقيقة الملائكة؛ فإن كان لا يعرف الملائكة إلا من جهةالجملة ولا يتصور كيفيتهم، كان ذلك في مجيئهم ووجوههم لا يعرفها إلا من حيث الجملةولا يتصور كيفيتها‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ جاءت الجن، فاللفظ في جميع هذه المواضع يدل علىمعانيها بطريق الحقيقة، بل إذا قيل‏:‏ حقيقة الملك وماهيته ليست مثل حقيقة الجنيوماهيته كان لفظ الحقيقة والماهية مستعملًا فيهما على سبيل الحقيقة، وكان منالأسماء المتواطئة، مع أن المسميات قد صرح فيها بنفي التماثل‏.‏
وكذلك إذا قيل‏:‏ خمر الدنيا ليس كمثل خمر الآخرة، ولا ذهبها مثلذهبها، ولا لبنها مثل لبنها، ولا / عسلها مثل عسلها، كان قد صرح في ذلك بنفيالتماثل، مع أن الاسم مستعمل فيها على سبيل الحقيقة‏.‏
ونظائر هذا كثيرة؛ فإنه لو قال القائل‏:‏ هذا المخلوق ما هو مثل هذاالمخلوق، وهذا الحيوان الذي هو الناطق ليس مثل الحيوان الذي هو الصامت، أو هذااللون الذي هو الأبيض ليس مثل الأسود، أو الموجود الذي هو الخالق ليس هو مثلالموجود الذي هو المخلوق، ونحو ذلك ـ كانت هذه الأسماء مستعملة على سبيل الحقيقة فيالمسميين اللذين صرح بنفي التماثل بينهما، فالأسماء المتواطئة إنما تقتضي أن يكونبين المسميين قدرًا مشتركًا، وإن كان المسميان مختلفين أو متضادين‏.‏
فمن ظن أن أسماء اللّه ـ تعالى ـ وصفاته إذا كانت حقيقة، لزم أنيكون مماثلًا للمخلوقين، وأن صفاته مماثلة لصفاتهم ـ كان من أجهل الناس، وكان أولكلامه سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه يقتضي نفي جميع أسماء اللّه ـ تعالى ـ وصفاته، وهذا هو غاية الزندقة والإلحاد‏.‏
ومن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز، كانمتناقضًا في قوله، متهافتًا في مذهبه، مشابهًا لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض‏.‏
وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبين له أن مذهب السلف والأئمة /في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقولالصحيح، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف، الذي يؤفك عنه من أفك، خارجًا عنموجب العقل والسمع، مخالفًا للفطرة والسمع، واللّه يتم نعمته علىنا وعلى سائرإخواننا المسلمين المؤمنين، ويجمع لنا ولهم خير الدنيا والآخرة‏.‏
وهذا لا تعلق له بصفات اللّه ـ تعالى ـ قال بعضهم‏:‏ قد قال اللّهتعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاًجَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 148‏]‏، فقد ذم اللّه من اتخذإلهًا جسدًا، و‏[‏الجسد‏]‏ هو الجسم؛ فيكون اللّه قد ذم من اتخذ إلهًا هوجسم‏.‏وإثبات هذه الصفات يستلزم أن يكون جسمًا، وهذا منتف بهذا الدليل الشرعي‏.‏فهذا خلاصة ما يقوله من يزعم أنه يعتمد في ذلك على الشرع، فيقال له‏:‏ هذا باطل منوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن هذا إذا دل إنما يدل على نفي أن يكون جسدًا، لا على نفيأن يكون جسمًا، والجسم في اصطلاح هؤلاء ـ نفاة الصفات ـ أعم من الجسد؛ فإن الجسمينقسم عندهم إلى كثيف ولطيف، بخلاف الجسد‏.‏
فإن أردت بقولك الجسم اللغوي ـ وهو الذي قال أهل اللغة‏:‏ إنه هو/ الجسدـ قيل لك‏:‏ لا يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون جسدًا، وهو الجسماللغوي‏.‏ فإنا نعلم بالضرورة أن الهواء يعلو على الأرض وليس هو بجسد، والجسد هوالجسم اللغوي‏.‏
فقول القائل‏:‏ لو كان مستويًا على العرش لكان جسمًا، والجسمهوالجسد، والجسد منتف بالشرع ـ كلام ملبس‏.‏
فإنه إن عنى بالجسم الجسد، كانت المقدمة الأولى ممنوعة؛ فإن عاقلًالا يقول‏:‏إنه لو كان فوق العرش لكان جسدًا، ولا يقول عاقل‏:‏ إنه لو كان له علموقدرة، لكان جسدًا‏.‏ ولا يقول عاقل‏:‏ إنه لو كان يرى ويتكلم لكان جسدًا وبدنًا‏.‏
فإن الملائكة لهم علم وقدرة وترى وتتكلم، وكذلك الجن، وكذلك الهواءيعلو على غيره وليس بجسد‏.‏
وإن عنى بالجسم ما يعنيه أهل الكلام؛ من أنه الذي يشار إليه، وجعلواكل ما يشار إليه جسمًا، وكل ما يرى جسمًا أو كل ما يمكن أنه يرى أو يوصف بالصفاتفهو جسم، أو كل ما يعلو على غيره ويكون فوقه فهو جسم فيقال له‏:‏ فالجسد والجسمبهذا التفسير الكلامي ليس هو جسدًا في لغة العرب، بل هو منقسم إلى غليظ ورقيق، إلىما هو جسد وإلى ما ليس بجسد‏.‏
/ ولذا يقول الفقهاء‏:‏ النجاسة إن كانت متجسدة كالميتة فحكمها كذا،وإن كانت غير متجسدة كالبول فحكمها كذا‏.‏
وإذا قدر أن الدليل دل على أنه ليس بجسد لم يلزم ألا يكون جسمًابهذا الاصطلاح؛ لأن الجسم أعم عندهم من الجسد، ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام؛كما إذا قلت‏:‏ ليس هو بإنسان، فإنه لا يلزم أنه ليس بحيوان‏.‏
فلفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعناه في عرف أهلالكلام؛ فإذا كان معناه في اللغة هو معنى الجسد ـ وهذا منتف بما ذكر من الدليل ـبطل قول من نفي الاستواء بالذات؛ أو غيره من الصفات، بأنه لو كان موصوفًا بذلك لكانجسمًا، فإن التلازم حينئذ منتف، فإحدى المقدمتين باطلة؛ إما الأولى وإما الثانية‏.‏
ونظير هذا أن يقول‏:‏ لو كان له علم وقدرة لكان محلًا للأعراض، وماكان محلا للأعراض فهو محل الآفات والعيوب، فلا يكون قدوسا،ولا سلامًا؛لأن أهل اللغةقالوا‏:‏ العَرَض بالتحريك ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه، فلو جاز أن تقوم به هذهلكان ـ تعالى وتقدس ـ معيبًا ناقصًا، وهو ـ سبحانه ـ مقدس عن ذلك؛ إذ هو السلامالقدوس‏.‏
فيقال‏:‏ لفظ العَرَض مشترك بين ما ذكر من معناه في اللغة، وبينمعناه في عرف أهل الكلام، فإن معناه ـ عند من يسمى العلم والقدرة / مطلقًا عرضًاـ‏:‏ ما قام بغيره كالحياة، والعلم، والقدرة والحركة، والسكون ونحو ذلك‏.‏
وآخرون يقولون‏:‏ هو ما لا يبقى زمانين‏.‏ ويقولون‏:‏ إن صفاتالخالق باقية، بخلاف ما يقوم بالمخلوقات من الصفات، فإنها لا تبقى زمانين‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أنه إذا قال‏:‏ لو قام به العلم والقدرة لكانعرضًا، وما قام به العرض قامت به الآفات، كلام فيه تلبيس، فإن إحدى المقدمتينباطلة‏.‏
فإن لفظ العَرَض إن فسر بالصفة، فالمقدمة الثانية باطلة، وإن فسربما يعرض للإنسان من المرض ونحوه، فالمقدمة الأولى باطلة‏.‏
ونظير ذلك أن يقول‏:‏ لو كان قد استوى على العرش لكان قد أحدثحدثًا، وقامت به الحوادث؛ لأن الاستواء فعل حادث ـ كان بعد أن لم يكن ـ فلو قام بهالاستواء لقامت به الحوادث، ومن قامت به الحوادث فقد أحدث حدثًا، واللّه ـ تعالى ـمنزه عن ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لعن اللّه من أحدث حدثًا، أو آوىمحدثا‏)‏ ولقوله‏:‏ ‏(‏وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة‏)‏‏.‏
فإنه يقال له‏:‏ الحادث في اللغة ما كان بعد أن لم يكن، واللّه ـتعالى ـ يفعل ما يشاء؛ فما من فعل يفعله إلا وقد حدث بعد أن لم يكن‏.‏
/وأما المحدثات التى ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، فهي المحدثاتفي الدين، وهو أن يحدث الرجل بدعة في الدين لم يشرعها اللّه، والإحداث في الدينمذموم من العباد، واللّه يحدث ما يشاء لا معقب لحكمه‏.‏
فاللفظ المشتبه المجمل إذا خص في الاستدلال وقع فيه الضلالوالإضلال‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء‏.‏
الوجه الثاني ـ في بيان بطلان ما ذكر من الاستدلال‏:‏ أن يقال ـ‏:‏إن اللّه ـ سبحانه ـ منزه أن يكون من جنس شيء من المخلوقات‏:‏ لا أجساد الآدميين،ولا أرواحهم، ولا غير ذلك من المخلوقات؛ فإنه لو كان من جنس شيء من ذلك بحيث تكونحقيقته كحقيقته، للزم أن يجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له،ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم أن يكون القديم الواجب الوجودبنفسه، غير قديم واجب الوجود بنفسه، وأن يكون المخلوق الذي يمتنع غناه غنيًا يمتنعافتقاره إلى الخالق، وأمثال ذلك من الأُمور المتناقضة، واللّه ـ تعالى ـ نزه نفسهأن يكون له كُفو، ومثل، أو سََمِيٌّ، أو نِدٌّ‏.‏
فهذه الأدلة الشرعية والعقلية يعلم بها تنزه اللّه ـ تعالى ـ أنيكون من جنس أجساد الآدميين، أو غيرها من المخلوقات، لكن المستدل على ذلكبقوله‏:‏/‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاًجَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 148‏]‏ استدل بحجة ضعيفة؛ فإن‏[‏الجسد‏]‏ وإن كان قد قال الجوهري وغيره‏:‏ إن الجسد هو البدن، يقال‏:‏ منه تجسد،كما يقال‏:‏ من الجسم تجسم، والجسد ـ أيضًا ـ الزعفران ونحوه من الصبغ، وهو الدمأيضا؛ كما قال النابغة‏:‏
وما أريـق على الأصـنام مـن جسد فليس المراد بالجسد في القرآن لاهذا ولا هذا، فليس المراد من العجل أن له بدنًا مثل بدن الآدميين، ولا بدنًا كأبدانالبقر، فإن العجل لم يكن كذلك، والعرب تقول‏:‏ جسد به الدم يجسد جسدًا‏:‏ إذا لصقبه، فهو جاسد وجسد‏.‏
قال الشاعر‏:‏
ساعد به جسد مورس ** من الدماء مائع ويبــس
والجسد الأحمر والمجسد ما أشبع صبغه من الثياب؛ لكمال ما لصق به منالصبغ، فاللفظ فيه معنى التكاثف والتلاصق؛ولهذا يقول الفقهاء‏:‏ نجاسة متجسدة وغيرمتجسدة، وهو في القرآن يراد به الجسد المصمت المتلاصق المتكاثف، أو الذي لا حياةفيه‏.‏
وقد ذكر اللّه ـ تعالى ـ لفظة الجسد في أربعة مواضع، فقال تعالى‏:‏‏{‏وَمَاجَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ‏}‏‏[‏الأنبياء‏:‏8‏]‏، وقال تعالى‏:‏/‏{‏وَأَلْقَيْنَا عَلَىكُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏34‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُمُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَخْرَجَ لَهُمْعِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 88‏]‏ كأنه عجل مصمت لا جوفله‏.‏ وقد يقال‏:‏ إنه لا حياة فيه، خار خورة، ولم يقل‏:‏ عجلًا له جسد، له بدن، لهجسم؛ لأنه من المعلوم أن كل عجل له جسد هو بدنه وهو جسمه، والعجل المعروف جسد فيهروح‏.‏
والمقصود‏:‏ أنّ ما أخرجه كان جسدًا مصمتًا لا روح فيه حتى تبيننقصه، وأنه كان مسلوب الحياة والحركة‏.‏
وقد روى أنه إنما خارخورة واحدة، وقد يقال‏:‏ إن أريد بالجسد المصمتأو الغليظ ونحوه، فلم قيل‏:‏ إن ذلك ذكر لبيان نقصه من هذا الوجه، بل من هذا الوجهضلوا به، وإنما كان النقص من جهة‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏‏.‏‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏ وقد يقال‏:‏ إذا كان لا حياة فيهفالنقص كان فيه من جهة عدم الحياة، وغيرها من صفات الكمال، لا من جهة كونه له بدن،أو ليس له بدن، فالآدمي له بدن‏.‏
ولو أخرج لهم عجلًا كسائر العجول، أو آدميًا كاملًا، أو فرسًا حيًا،أو جملًا أو غير ذلك من الحيوان ـ لكان أيضًا له بدن، ولكان ذلك أعجوبة عظيمة،وكانت الفتنة به أشد، ولكن اللّه ـ سبحانه ـ بين أن المخرج كان موصوفًا بصفات النقصيحقق ذلك‏.‏
/ الوجه الثالث‏:‏ وهو أنه سبحانه قال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُلاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏‏.‏‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏ فلم يذكر فيما عابه به كونه ذا جسد؛ولكن ذكر فيما عابه به ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏‏.‏ ‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏، ولو كان مجرد كونه ذا بدن عيبًاونقصًا لذكر ذلك‏.‏
فعلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها، على أن كون الشيء ذابدن عيبًا ونقصًا، وهذه الحجة نظير احتجاجهم بالأفول، فإنهم غيروا معناه في اللغة،وجعلوه الحركة، فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب العالمين، ولو كان كماذكروه لكان حجة عليهم لا لهم‏.‏
الوجه الرابع ‏:‏ أن اللّه تعالى وصفه بكونه عجلًا جسدًا له خوار،ثم قال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏‏.‏ ‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏، وقال في السورة الأخرى‏:‏ ‏{‏فَكَذَلِكَأَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا‏}‏‏[‏طه‏:‏87ـ89‏]‏، فلم يقتصر في وصفه على مجرد كونه جسدًا، بل وصفه بأن له خوارًا،وبين أنه لا يكلمهم، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا‏.‏
فالموجب لنقصه إما أن يكون مجموع الصفات أو بعضها، أو كل واحد منها؛فإن كان المجموع لم يدل على أن نقصها واحدة نقص، وإن كان بعضها فليس كونه جسدًابأولى من كونه له خوار‏.‏ وليس هذا وهذا بأولى من كونه مسلوب/ التكلم والقدرة علىالنفع والضر، وإن كان كل منهما؛ فمعلوم أنهم إنما ضلوا بخواره ونحو ذلك، واللّه ـتعالى ـ إنما احتج عليهم بعدم التكلم والقدرة على النفع والضر‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أنه ليس في القرآن دلالة على أن كونه جسدًا وكونهله خوار صفة نقص، وإنما الذي دل عليه القرآن أن كونه لا يكلمهم ولا يقدر على نفعهموضرهم نقص، يبين ذلك‏:‏ أن الخوار هو الصوت والإنسان الذي يصوت، ويقال‏:‏ خار يخورالثور، وهو يكلم غيره، وقد يهديه السبيل‏.‏
واللّه ـ سبحانه ـ بين أن صفات العجل ناقصة عن صفات الإنسان، الذييكلم غيره ويهديه، فالعابد أكمل من المعبود، يبين هذا أنه لو كلمهم لكان أيضًامصوتًا، فلو كان ذكر الصوت لبيان نقصه لبطل الاستدلال بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُلاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً‏}‏‏.‏‏[‏الأعراف‏:‏148‏]‏ فإن تكليمه لهم لو كلمهم إنما كان يكون بصوت يسمعونه منه‏.‏
فعلم أن ذكر التصويت لم يكن لكونه صفة نقص، فكذلك ذكر الجسد‏.‏
وبالجملة، من ذكر أن القرآن دل على هذا وهذا هو العيب الذي عابه به،وجعله دليلًا على نفي إلهيته؛ فقد قال على القرآن ما لا يدل عليه؛ بل هو على نقيضهأدل‏.‏
/ الوجه السادس‏:‏ أن اللّه ـ تعالى ـ ذكر عن الخليل صلى الله عليهوسلم أنه قال‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَايُغْنِي عَنكَ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 24‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ يَسْمَعُونَكُمْإِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَاآبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏ 72ـ74‏]‏ فاحتج علىنفي إلهيتها بكونها لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، مع كون كل منهما له بدنوجسم، سواء كان حجرًا أو غيره‏.‏
فلو كان مجرد هذا الاحتجاج كافيًا لذكره إبراهيم الخليل وغيره منالأنبياء ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ بل إنما احتجوا بمثل ما احتج اللّه به مننفي صفات الكمال عنها؛ كالتكلم والقدرة، والحركة وغير ذلك‏.‏
الوجه السابع‏:‏ أن يقال‏:‏ ما ذكره اللّه ـ تعالى ـ إما أن يكوندالًا على أن الإله ـ سبحانه ـ موصوف ببعض هذه الصفات؛ وإما ألا يدل‏.‏ فإن لم يدلبطل ما ذكروه؛ وإن دل فهو يدل على إثبات صفات الكمال للّه تعالى، وهو التكليمللعباد، والسمع والبصر والقدرة، والنفع والضر‏.‏
وهذا يقتضى أن تكون الآيات دليلًا على إثبات الصفات، لا على نفيها،ونفاة الصفات إنما نفوها لزعمهم أن إثباتها يقتضى التجسيم، والتجسيد‏.‏ فالآياتالتي احتجوا بها هي عليهم لا لهم‏.‏
وهذا أمر قد وجدناه مطردًا في عامة ما يحتج به نفاة الصفات منالآيات، فإنما تدل على نقيض مطلوبهم، لا على مطلوبهم‏.‏
/ الوجه الثامن‏:‏ أنه إذا كان كل جسم جسدًا، وكل ما عبد من دوناللّه ـ تعالى ـ من الشمس والقمر، والكواكب والأوثان وغير ذلك، أجسامًا، وهي أجساد،فإن كان اللّه ذكر هذا في العجل لينفي به عنه الإلهية، لزم أن يطرد هذا الدليل فيجميع المعبودات‏.‏
ومعلوم أن اللّه لم يذكر هذا في غير العجل‏.‏ إنه ذكر كونه جسدًالبيان سبب افتتانهم به، لا أنه جعل ذلك هو الحجة عليهم، بل احتج عليهم بكونه لايكلمهم ولا يهديهم سبيلًا‏.‏
الوجه التاسع‏:‏ أنه ـ سبحانه ـ قال في الأعراف‏:‏ ‏{‏أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا‏}‏‏[‏الأعراف‏:‏195‏]‏ وللناس في هذه الآية قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنه وصفهم بهذه النقائص ليبين أن العابد أكمل منالمعبود‏.‏
الثاني‏:‏ أنه ذكر ذلك لأن المعبود يجب أن يكون موصوفًا بنقيض هذهالصفات، فإن قيل بالقول الأول، أمكن أن يقال بمثله في آية العجل، فلا يكون فيه تعرضلصفات الإله‏.‏ وإن قيل بالثاني، وجب أن يتصف الرب ـ تعالى ـ بما نفاه عنالأصنام‏.‏
وحينئذ، فإن كانت هذه الأمور أجسامًا كانت هذه الدلالة معارضة / لماذكر في تلك الآية، وإن لم تكن أجسامًا بطل نفيهم لها عن اللّه ـ تعالى ـ ووجب أنيوصف اللّه ـ عز وجل ـ بما جاء به الكتاب والسنة، من الأيدي وغيرها، ولا يجب أنتكون أجسامًا، ولا يكون ذلك تجسيمًا، وإذا لم يكن هذا تجسيمًا فإثبات العلو أولىألا يكون تجسيمًا‏.‏ فدل على أنه لا يكون تجسيما، فدل على أن الشرع مناقض لماذكروه‏.‏
الوجه العاشر‏:‏ أن يقال‏:‏ دلالة الكتاب والسنة على إثبات صفاتالكمال، وأنه نفسه فوق العرش أعظم من أن تحصر، كقوله‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُالْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏‏[‏فاطر‏:‏10‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ‏}‏‏[‏النساء‏:‏158‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ‏}‏‏[‏المعارج‏:‏4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ‏}‏‏[‏الأعراف‏:‏206‏]‏‏.‏
وقد قيل‏:‏ إن ذلك يبلغ ثلاثمائة آية، وهي دلائل جلية بينة، مفهومةمن القرآن، معقولة من كلام اللّه ـ تعالى‏.‏
فإن كان إثبات هذا يستلزم أن يكون اللّه جسمًا، وجسدًا، لم يمكن دفع موجب هذه النصوص بما ذكر في قصة العجل؛ لأنه ليس فيها أن مجرد كونه جسدًا هو النقصـ الذي عابه اللّه وجعله مانعًا من إلهيته ـ وإن كان إثبات العلو والصفات لا يستلزمأن يكون جسمًا وجسدًا بطل أصل كلامهم، في ـ أن عمدتهم ـ أن إثبات العلو يقتضي التجسيم والتجسد، فإذا سلموا أنه لا يستلزم التجسيم والتجسد، لم يكن لهم دليل علىنفي ذلك‏.‏
/ وحينئذ، فإذا دلت قصة العجل أوغيرها على امتناع كون الرب ـ تعالىـ جسدًا أو جسمًا، لم يكن بين النصوص منافاة، بل يوصف بأنه نفسه فوق العرش، وينفيعنه ما يجب نفيه عنه ـ سبحانه ـ وتعالى‏.‏
والمقصود أن الشرع ليس فيه ما يوافق النفاة للعلو وغيره من الصفات بوجه من الوجوه‏.‏
واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم‏