المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الظن يبنى عليه حكم ؟


أبو مهند النجدي
25-06-05, 02:03 AM
أيها الإخوة الأعزاء لدي سؤال وهو هل الظن يبنى عليه حكم كأن يقول شخصاً أظن أن هذا الأمر حلال وهل هو بمعنى التعليق أرجو التكرم بالإفادة وجزاكم الله خيراً ورفع قدركم

فهَّاد
25-06-05, 03:23 PM
السلام عليكم ,,
بسم الله الرحمن الرحيم .

أقول : لا يصح أن نبني الحكم , على الظنون لأنها ليست قطعية الدلالة .
وقد ذم الله الظن فكيف نبني على المذموم حكماً ؟!
قال الحق : { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام 116) ، ويقول : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } ( النجم 23) .

هذا والله أعلم وأحكم .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
26-06-05, 09:05 AM
الظن في كتاب الله على عدة أنواع :
الأول : هو الظن المرجوح فهذا لايجوز العمل به بإجماع أهل العلم قال تعالى {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116
و قال تعالى {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }يونس36
و قال {أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }يونس66
الثاني : بمعنى الجزم قال تعالى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }البقرة46
و قال {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة249
و قال {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأعراف171
و هذا يجوز العمل به بالإجماع .
الثالث : الشك و هو تساوي الطرفين قال تعالى {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }يوسف110
و قال تعالى {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً }الكهف36
و قوله {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }الحج15
و قال تعالى عن الكفار {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24
و قال {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ }الجاثية32
فهذا لا يجوز العمل به حتى يترجح لنا أحد الطرفين لأنه لا يجوز العمل بطرف دون مرجح بإجماع العقلاء .
الرابع : الظن الراجح أو غلبة الظن و هذا كذلك يجوز العمل به بإجماع الفقهاء قال تعالى {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ }النور12
و قال تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }البقرة230
و قال {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ }الحشر2
فالظن إذا كان بمعنى الجزم يجوز العمل يه بالإجماع و إذا كان راجحا يجوز العمل به بإجماع الفقهاء .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
26-06-05, 09:21 AM
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( وأما قول السائل إذا قيل بالجواز فهل يجب وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه
فيقال لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم
وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم وما أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك
وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع فيقال الصواب في ذلك التفصيل فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعا ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها
ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنه كثيرا ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات فضلا عن أن تكون من الظنيات حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة حجة في موضع ويقطع ببطلانها في موضع آخر بل منهم من غاية كلامه كذلك وحتى قد يدعى كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر
وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك كقوله اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم وقوله فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به
وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله فاتقوا الله ما استطعتم وقوله إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين لا شرعي ولا غيره لم يجب علي مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقا للحق فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه ... ) .

الحمادي
26-06-05, 09:34 AM
جزاك الله خيراً يا شيخ عبدالرحمن.
ولكن أليس الظاهريةُ مخالفين لجمهور العلماء في العمل بالظنِّ الراجح؟

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
26-06-05, 10:51 AM
قال بن حزم رحمه الله في المحلى ( فَمَنْ عَجَزَ لِجَهْلِهِ أَوْ عَتَمَتِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ هَذَا فَلاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ وَيَقُولَ بِلِسَانِهِ حَسَبَ طَاقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يُفَسَّرَ لَهُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَكُلُّ دِينٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ‏.‏ ) .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
26-06-05, 11:41 AM
و قد نقل شيخ الإسلام رحمه الله الإتفاق على العمل بالظن الغالب بل قطع بذلك و قال ليس معنى القطع بالعمل بالظن الغالب من حيث الجملة القطع في أفراد هذا المجمل و هذا معنى كلام الشيخ رحمه الله و هو موجود في مجوموع الفتاوى و لكن لا يحضرني الآن أين مجلد و متى ما ظفرت به أنزلته هنا .

أبو مهند النجدي
27-06-05, 05:15 AM
بارك الله فيك يا شيخ عبدالرحمن ورضي عنك على هذه الإفادة

ابن تميم الظاهري
28-06-05, 01:04 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

ذكر الفاضل : ( عبد الرحمن بن طلاع المخلف ) كلاماً عن الإمام ابن حزم الظاهري ..
فأردت تصحيح كلمة فيه والكلام عليه ..
والكلام هو : (( قال بن حزم رحمه الله في المحلى ( فَمَنْ عَجَزَ لِجَهْلِهِ أَوْ عَتَمَتِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ هَذَا فَلاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ وَيَقُولَ بِلِسَانِهِ حَسَبَ طَاقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يُفَسَّرَ لَهُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَكُلُّ دِينٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ‏.‏ ) )) ..

الكلمة التي لا بد من تصحيحها هي ( عتمته ) إلى كلمة ( عجمته ) ..
فالإمام يتكلم عن العاجز إما للجهل وإما لعجمة لسانه ، وشاهده ( ويقول بلسانه حسب طاقته بعد أن يفسر له .. ) ..

أما النص هذا فليس فيه جواز العمل بالظن سواء كان راجحاً أو غالباً أو غيرها ..
فلا يكلف الله نفساً إلى وسعها ومن عمل بوسعه لا يسمى عاملاً بالظن ..

والخلاف واقع بين الجمهور وأهل الظاهر في جزئية قل من يدركها ..
وهي ..

هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟

فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..

ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة ..
وقد يحكي البعض ما أمرنا به في قبول شهادة الشهود مع أننا لا ندري صدق وكذب الشاهد ونحكم بناء على ظننا ..
وهذا خطأ ..
لأن الحكم بناء على الشهود أمر قطعي ثبت بالنص الصحيح باتفاق الجميع ..
ولكن كون هؤلاء كذبوا أو صدقوا فلا يعنينا هذا ..
لأن الله تعالى أمرنا أن نحكم بناء على ظهور البينة وتحققها دون التفات إلى صدق المخبر والشاهد وكذبه ..
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حكم ذكّر الشهود بالله أو قال ..
من قضيت له فإنما أقضي له بقطعة من نار أو كما قال بأبي هو وأمي ..
فمن كان ألحن بحجته من صاحبه وقدم الشهود وهم يكذبون فيما شهدوا فلم يكلفنا الله الحكم إلا بتحري البواطن ..

فالشهادة أمر ..
وصدق الشهود أمر آخر ..
لذلك وجدنا الذي ينهى ويخوف الشاهد إن أراد الكذب بتحذير الشارع له بأنه إن كذب فتلك شهادة زور وهي كبيرة من الكبائر ..

وكذلك الصلاة إلى القبلة ونحوها ففرق بين أن نؤمر بأن نصلي إليها مع التحري وبلوغ الجهد في ذلك التحري وبين إصابة عين الكعبة ..

وكذلك ..
فإن الشريعة منعت القول على الله بالظن مطلقاً ..
فمنعتنا من أن نقول هذا حلال وهذا حرام بلا برهان من الله تعالى ..
لذلك لو رجعنا إلى كثير من الأئمة وجدناهم يقولون عن الحرام : نكره هذا ولا نحبه والاولى تركه خوفاً من أن يقولوا هذا حرام بلا يقين فيقعوا بما حذرهم الله تعالى منه ..
وكذلك كانوا يقولون في الحلال نحب هذا والأولى هذا ويعجبني كذا ..

كذلك هذا وارد عن الصحابة رضي الله عنهم ..
فلم يقولوا بالظن ثم نسبوه إلى الله تعالى ولا إلى الشرع ..
بل تبرأ المفتي منهم من هذا القول ونسبه إلى الشيطان إن كان خطأ ..
ولم يلزم أحد من الصحابة الناس ولم يقل أنه شرع يجب الالتزام به إن حكم بالظن ..

ولو رجعنا إلى أخبارهم لعلمنا هذا علم يقين ..

وأقرب من ذلك كله فعل النبي صلى الله عليه وسلم ..
فهو أعلم خلق الله بكتاب ربه ودينه فلم يقل قولاً بناء على الظن ..
لذلك فأهل الظاهر يعملون كما عمل النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يحكموا بشيء أو على شيء بناء على الظن ..

وقد يحكم الصحابي بالظن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا ينكر عليه ويوجهه للحكم الصحيح ..
وهذا مما أجمعت عليه الأمة من أن المجتهد لا ينكر عليه وإن أخطأ ..
بل له أجر واحد إن أخطأ ..

ولو رجعنا لأخبار الصحابة لما وجدنا قول أحدهم بالظن ينسبه إلى الله وشرعه ..
فلا يحل عند أهل الظاهر نسبة هذا الظن إلى الشرع بل ينسب إلى قائله ولا يلزم به أحد من الناس ..

وكذلك ..
ما يطلق عليه ظن راجح ..
إن كان هناك ظن وظن فاحتار الناظر فيهما ثم رجح ظن منهما بناء عن برهان فلا يسمى المرجح بالبرهان ظن راجح بل هو يقين وقطع ..
وكذلك ما يطلق عليه ظن غالب ..

فنحن بين أمرين إما علم حقيقي وإما علم ظاهر وهو نحو الشهادة وغيرها ..
ولو كانت هذه الظنون يأثم مخالفها لأثم أتباع المذاهب كلها ..
لأنه ليس هناك مذهب إلا وهو يخالف غيره بناء على الظن ..

وإن قالوا اجتهاد هذا لا يلزم اجتهاد آخر ..
قلنا وكذلك القول بالقطع واليقين فهو عمل بالثابت وترك المختلف فيه والمنهي عنه فلا محل للإنكار ..

فالأمة كلها أولا تتفق على القطع واليقين من النص ثم يحصل الخلاف بعد ذلك بالظنون ..
فهل نكتفي بالقطع هذا أو لا هنا يحصل الخلاف ..
فالظاهرية وقفوا وقالوا نكتفي بما ظهر من النص والنصوص الأخرى باليقين ..
وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ..

فانظر في كل مسألة ترى القطع فيها أولاً على أنها من الله تعالى ودلالتها كذلك ثم يجتهد كل طرف في الزيادة على ذلك إما باليقين وإما بالظن ..

وهي طرائق ومناهج ..


والله تعالى الموفق ..

الحمادي
29-06-05, 01:01 AM
جزى الله الإخوةَ خيراً على فوائدهم، وأخصُّ ابنَ تميم الظاهري.

ولي بعضُ التساؤلات أودُّ الإفادةَ منه فيها، وأهمُّها:
توثيقُ مذهب الظاهرية في حكم العمل بالظنِّ، فهذا الموضوع يهمُّني كثيراً.

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
29-06-05, 10:56 AM
نسأل الله تعالى أن يبارك في جهود الإخوة و أني يلهمنا و إياهم التوفيق و السداد .
و لي بعض الملاحظات على مشاركة الأخ الفاضل بن تميم كنت قد أخرتها لحين إتمام البحث في معاني الظن و العلم في كتاب الله تعالى و لكن الآن عن لي إدراجها هنا حتى لا أنساها .
الأولى : كلام بن حزم رحمه الله حتى لو ثبت لفظ ( عجمته ) فظاهره يدل على المراد إلا أن يكون عند الأخ بن تميم لفظ آخر يحسم المسألة فابن حزم رحمه الله قال ( فَمَنْ عَجَزَ لِجَهْلِهِ أَوْ عَتَمَتِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ هَذَا فَلاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ وَيَقُولَ بِلِسَانِهِ حَسَبَ طَاقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يُفَسَّرَ لَهُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَكُلُّ دِينٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ‏.‏ ) فقوله ( حسب طاقته ) يعم الإعتقاد و القول باللسان و لا يخص بفقط القول باللسان و أنا هنا لا أجزم نسبة هذا المعنى لإبن حزم و لكن هو ظاهر كلامه و الأخ بن تميم حفظه الله خص المعنى فقط في القول باللسان دون الإعتقاد بالقلب و لا أعلم كيف فرق بينهما مع عدم ذكره لوجه التفريق .
الثانية : قوله ( فلا يكلف الله نفساً إلى وسعها ومن عمل بوسعه لا يسمى عاملاً بالظن ) الأمر لا يتعلق بالألفاظ و إنما بالحقائق فإن كان مرادك من عمل بوسعه ثم اعتقد أمرا بحسب وسعه و طاقته و إن لم يجزم به جزما قاطعا صح اعتقاده سواء قيل أن هذا ظن غالب أو راجح أو سمي علما فهذا ما نريد أن نبينه و لا مشاحة في الإصطلاح و هذا المعنى هو ظاهر كلام بن حزم رحمه الله و إن أردت أنه لا يجوز له الإعتقاد لأنه لم يجزم جزما قاطعا باعتقاده فهذا كلام باطل ترده نصوص الكتاب و السنة و عمل الصحابة و التابعين و قد ذكرنا طرفا من نصوص الكتاب و منها قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16 فمن استفرغ وسعه في طلب الحق ثم لم يصل إلى الجزم القاطع فقد اتقى الله ما استطاع و صح اعتقاده .
و في الحديث الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « دَعُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ » . فمن بلغه أمر و أتى منه ما استطاع اعتقادا و عملا فقد برئت ذمته و لم يطالب بما لا يقدر عليه و من فرط في طلب الحق و لم يستفرغ وسعه فهو آثم و إن أصاب الحق في نفس الأمر و إثمه لا لأنه أصاب الحق و لكن لتفريطه فيما أمر به من طلب الحق .
الثالث :قوله ( والخلاف واقع بين الجمهور وأهل الظاهر في جزئية قل من يدركها ..
وهي ..
هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟
فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..
ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة .. ) .
إن كان المراد بالظن الذي يرى الجمهور العمل به هو الظن المتساوي الطرفين فنسبة هذا إليهم غير صحيح فإنه بإجماع العقلاء لا يجوز الترجيح من غير مرجح بل لا يجوز العمل بمثل هذا بإجماع الفقهاء لما دلت عليه نصوص الكتاب من تحريم اتباع الظن قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157
و قال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116
و قال {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148و غيرها من الآيات .
و إن كان المراد بالظن هنا الغالب أو الراجح فهذا القول صحيح و لا يقال بأنه لا يجوز اتباع هذا الظن بعد استفراغ و أنه يدخل في اتباع الظن المحرم فهذا القول يرده كتاب الله تعالى كما قال تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }البقرة230 فهذا الظن عند الزوجين هو و لا شك غالب الظن لا الجزم به لأنه لم يحدث عندهما الجزم لعدم وقوع هذا حقيقة ثم لعدم علم كل واحد منهما بنية الآخر و إنما يحكم كل واحد منهما على الآخر بما ظهر له قرائن خاصة و لا يمنع أن يصل الأمر إلى الجزم و لكن يكفي في هذا الظن الغالب بإقامة حدود الله .
و قال تعالى {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ }يوسف42
و هذا كذلك ظن راجح و مع لذلك اتبعه يوسف عليه السلام و لم يكن هذا اتباع للظن المحرم قال بن كثير رحمه الله ( ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج, قال له يوسف خفية عن الاَخر, والله أعلم ـ لئلا يشعره أنه المصلوب ـ قال له {اذكرني عند ربك} يقول: اذكر قصتي عند ربك, وهو الملك, فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك, ... ) .
فالمحرم هو اتباع الظن المتساوي الأطراف و إن كان الظن في الغالب يكون عند ترجح أحد الأطراف و أما عند التساوي فيسمى الشك و كذلك اتباع الظن الراجح من غير اجتهاد أو استفراغ وسع محرم .
و قال تعالى {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ }النور12 فالمؤمنون يتبعون ما غلب على ظنهم من غير جزم و سبب نزول هذه الآية حادثة الإفك و إذا كان النبي صلى الله عليه و سلم لم يجزم ببراءة عائشة رضي الله عنها فكيف بغيرهم من المؤمنين فيجب على المؤمنين حسن الظن بإخوانهم و اتباع هذا الظن .
و قال تعالى {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ }ص24
و هذا ظن من داود عليه السلام اتبعه و عمل به فاستغفر ربه و تاب إلى الله تعالى .
و قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }الحجرات12
فبعض الظن ليس بإثم و ما كان ليس بإثم لا يقال بوجوب اجتنابه و إنما يجب اجتناب ما كان إثما من الظن فلزم جواز العمل ببعض الظن و هو ما يقصد به الظن الغالب أو الراجح و جواز العمل ببعض الظن ينقض القاعدة الكلية بحرمة العمل بالظن و إن كان راجحا .
أخرج البخاري و غيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ) و معلوم ان الحاكم إذا أجتهد فأخطأ لم يصب الحق مع اجتهاده فإما أن يقال بأنه كان جازما بحكمه فيرد هذا القول بأنه لم يصب الحق في نفس الأمر فلم يكن هذا جزما و إن كان يظن أنه جازم لأن العلم الجازم هو ما وافق الحق في نفس الأمر او يقال بأنه كان يغلب على الظن صحة هذا الحكم فحكم به فأخطأ و على كلا الأمرين يجوز العمل بالظن الراجح و اتباعه لأن ما كان في نفس الأمر ليس على الحقيقة و إن كان يدعي الجزم فيه إنما هو ظن راجح لا علم جازم و ما كان يظن بأنه ظن غالب و اتبعه ثم لم يأثم بذلك دل على جواز اتباع هذا الظن .
هذه بعض الأدلة على ما ذكرناه و غيرها كثير و لولا خشية الإطالة لذكرتها بالتفصيل .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
29-06-05, 01:52 PM
و أما قول الأخ الفاضل بن تميم ( وقد يحكي البعض ما أمرنا به في قبول شهادة الشهود مع أننا لا ندري صدق وكذب الشاهد ونحكم بناء على ظننا ..
وهذا خطأ ..
لأن الحكم بناء على الشهود أمر قطعي ثبت بالنص الصحيح باتفاق الجميع ..
ولكن كون هؤلاء كذبوا أو صدقوا فلا يعنينا هذا ..
لأن الله تعالى أمرنا أن نحكم بناء على ظهور البينة وتحققها دون التفات إلى صدق المخبر والشاهد وكذبه ..
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حكم ذكّر الشهود بالله أو قال ..
من قضيت له فإنما أقضي له بقطعة من نار أو كما قال بأبي هو وأمي ..
فمن كان ألحن بحجته من صاحبه وقدم الشهود وهم يكذبون فيما شهدوا فلم يكلفنا الله الحكم إلا بتحري البواطن ..
فالشهادة أمر ..
وصدق الشهود أمر آخر ..
لذلك وجدنا الذي ينهى ويخوف الشاهد إن أراد الكذب بتحذير الشارع له بأنه إن كذب فتلك شهادة زور وهي كبيرة من الكبائر ..
وكذلك الصلاة إلى القبلة ونحوها ففرق بين أن نؤمر بأن نصلي إليها مع التحري وبلوغ الجهد في ذلك التحري وبين إصابة عين الكعبة .. ) .
أقول يجب التفريق بين التأصيل و التنزيل و بين تحقيق المناط و تنقيحه قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والاجتهاد في ‏(‏تحقيق المناط‏)‏ مما اتفق المسلمون عليه، ولابد منه كحكم ذوي عدل بالمثل في جزاء الصيد، وكالاستدلال على الكعبة عند الاشتباه ونحو ذلك، فلا يقطع به الإنسان، بل يجوز أن تكون القبلة في غير جهة اجتهاده، كما يجوز إذا حكم أن يكون قد قضى لأحدهما بشىء من حق الآخر، وأدلة الأحكام لابد فيها من هذا؛ فإن دلالة العموم في الظواهر قد تكون محتملة للنقيض، وكذلك خبر الواحد والقياس، وإن كان قوم نازعوا في القياس، فالفقهاء منهم لم ينازعوا في خبر الواحد كالظاهرية، ... ) .
و قال رحمه الله ( وهذا الذي يسميه بعض الناس‏:‏ تَنقِيح المناط، وهو أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حكم في معين، وقد علم أن الحكم لا يختص به، فيريد أن ينقح مناط الحكم، ليعلم النوع الذي حكم فيه، كما أنه لما أمر الأعرابي الذي واقع امرأته في رمضان بالكفارة، وقد علم أن الحكم لا يختص به، وعلم أن كونه أعرابيًا أو عربيًا أو الموطوءة زوجته لا أثر له، فلو وطئ المسلم العجمي سَرِيَّته كان الحكم كذلك‏.‏
ولكن هل المؤثر في الكفارة كونه مجامعًا في رمضان أو كونه مفطرًا‏؟‏ فالأول‏:‏ مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، والثاني‏:‏ مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو رواية منصوصة عن أحمد في الحجامة فغيرها أولي، ثم مالك يجعل المؤثر جنس المفطر، وأبو حنيفة يجعلها المفطر كتنوع جنسه، فلا يوجبه في ابتلاع الحصاة والنواة‏.‏
وتنازعوا‏:‏ هل يشترط أن يكون أفسد صومًا صحيحًا‏؟‏ وأحمد لا يشترط ذلك، بل كل إمساك وجب في شهر رمضان أوجب فيه الكفارة، كما يوجب الأربعة مثل ذلك في الإحرام الفاسد، فالصيام الفاسد عنده كالإحرام الفاسد، كلاهما يجب إتمامه والمضي فيه، والشافعي وغيره لا يوجبونها إلا في صوم صحيح، والنزاع فيمن أكل ثم جامع أو لم ينو الصوم ثم جامع، ومن جامع وكفَّر ثم جامع‏.‏
ومثل قوله لمن أحرم بالعمرة في جُبَّةٍ مُتضَمخًا بالخلوق‏:‏ ‏(‏انزع عنك الجبَّة واغسل عنك أثر الصُّفرة‏)‏، هل أمره بالغسل لكون المحرم لا يستديم الطيب كما يقوله مالك‏؟‏ أو لكونه نهي أن يتزعفر الرجل فلا يمنع من استدامة الطيب كقول الثلاثة‏؟‏ وعلى الأول فهل هذا الحديث منسوخ بتطييب عائشة له في حجة الوداع‏؟‏‏.‏
ومثل قوله لما سئل عن فأرة وقعت في سَمْنٍ‏:‏ ‏(‏ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم‏)‏، هل المؤثر عدم التغير بالنجاسة، أو بكونه جامدًا، أو كونها فأرة وقعت في سمن، فلا يتعدي إلي سائر المائعات‏؟‏ ومثل هذا كثير، وهذا لابد منه في الشرائع، ولا يسمي قياسًا عند كثير من العلماء كأبي حنيفة ونفاة القياس؛ لاتفاق الناس على العمل به كما اتفقوا على تحقيق المناط، وهو‏:‏ أن يعلق الشارع الحكم بمعني كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان، كأمره باستقبال الكعبة، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضي من الشهداء، وكتحريمه الخمر والميسر، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة، وكتفريقه بين الفدية والطلاق، وغير ذلك‏.‏.. ) .
فكما أنه يجب الإجتهاد و استفراغ الوسع في تحقيق التأصيل كذلك يجب استفراغ الوسع و الإجتهاد عند التنزيل و هذا بإجماع العلماء لذا لا يقال بأنه لا يعنينا صدق الشهود أو كذبهم بل يعنينا هذا و يجب علينا الجزم به فإن لم نستطع الجزم فغلبة الظن تكفي و لكن يقال بأنه بعد الإجتهاد و استفراغ الوسع لا يأثم من أخطا في الحكم و هذا يعم التأصيل و التنزيل فإنه كما أنه يجب الإجتهاد في التأصيل كذلك يجب الإجتهاد في التنزيل و كما أنه يقع الخطأ في التنزيل يقع الخطأ في التأصيل و هذا أمر محسوس مشاهد يدركه كل طالب علم مارس الفقه و أصوله فكم من مسألة من المسائل الكلية اختلف أهل العلم فيها بحسب العلوم و الفهوم و مثل هذا لا يحتاج إلى تمثيل و خطأ أهل العلم في هذه المسائل إنما هو خطأ بسبب اتباع الظن الغالب فيظن الفقيه بحسب اجتهاده و يحكم عليها بما ظهر له ثم يخالفه آخر فيحكم بحكم يناقضه فمن أصاب الحق منهم فقد أصابه إما بجزم أو بغلبة ظن و من أخطأه أخطأه و لا شك بغلبة ظنه لا بجزمه لأنه لو جزم لوصل إلى الحق و من أخطأ الحق لا يقال بأنه جازم لأن الجزم هو إدراك الأمر على حقيقته و هذا لم يدركه .
ثم إن القطع بالحكم الكلي و هو العمل بشهادة الشاهدين لا يعني ترك الإجتهاد في تحقق العدالة في هؤلاء الشهود و إلا أصبح الحاكم من أهل النار كما في الحديث عن ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ اثْنَانِ فِى النَّارِ وَوَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِى الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ جَارَ فِى الْحُكْمِ فَهُوَ فِى النَّارِ ».
و الحديث الذي ذكره الأخ بن تميم حجه عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا » فقد يقضي القاضي في حكم و لا يكون هذا القضاء موافق للحق فيعذر القاضي لاجتهاده و استفراغ و سعه و لا يعذر من قضي له بحق أخيه لأنه يجزم بأن هذا الحكم خلاف الحق و القاضي إنما حكم بما ظهر له و غلب على ظنه و لا يعني عذر القاضي أنه لا يبحث عن صدق الشهود و عدالتهم بل يجب عليه ذلك و فإن قصر أو فرط أثم و إن اجتهد و جزم و وافق جزمه الحق أو غلب على ظنه صدقهم حكم بما غلب على ظنه .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
29-06-05, 11:11 PM
و أما قول الأخ بن تميم ( وكذلك ..
فإن الشريعة منعت القول على الله بالظن مطلقاً ..
فمنعتنا من أن نقول هذا حلال وهذا حرام بلا برهان من الله تعالى ..
لذلك لو رجعنا إلى كثير من الأئمة وجدناهم يقولون عن الحرام : نكره هذا ولا نحبه والاولى تركه خوفاً من أن يقولوا هذا حرام بلا يقين فيقعوا بما حذرهم الله تعالى منه ..
وكذلك كانوا يقولون في الحلال نحب هذا والأولى هذا ويعجبني كذا ..
كذلك هذا وارد عن الصحابة رضي الله عنهم ..
فلم يقولوا بالظن ثم نسبوه إلى الله تعالى ولا إلى الشرع ..
بل تبرأ المفتي منهم من هذا القول ونسبه إلى الشيطان إن كان خطأ ..
ولم يلزم أحد من الصحابة الناس ولم يقل أنه شرع يجب الالتزام به إن حكم بالظن ..
ولو رجعنا إلى أخبارهم لعلمنا هذا علم يقين ..
وأقرب من ذلك كله فعل النبي صلى الله عليه وسلم ..
فهو أعلم خلق الله بكتاب ربه ودينه فلم يقل قولاً بناء على الظن ..
لذلك فأهل الظاهر يعملون كما عمل النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يحكموا بشيء أو على شيء بناء على الظن ..
وقد يحكم الصحابي بالظن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا ينكر عليه ويوجهه للحكم الصحيح ..
وهذا مما أجمعت عليه الأمة من أن المجتهد لا ينكر عليه وإن أخطأ ..
بل له أجر واحد إن أخطأ ..
ولو رجعنا لأخبار الصحابة لما وجدنا قول أحدهم بالظن ينسبه إلى الله وشرعه ..
فلا يحل عند أهل الظاهر نسبة هذا الظن إلى الشرع بل ينسب إلى قائله ولا يلزم به أحد من الناس .. ) .
أما القول بأن الشريعة منعت الحكم بالظن مطلقا فقد بينا الرد عليه بأدلة الكتاب و السنة في المشاركات السابقه فلا وجه لإيرادها هنا و بينا أن هناك ظن مشروع و ظن ممنوع .
و أما الإحتجاج بكلام الأئمة و توقيهم نسبة الحكم إلى الله فهذا حجة لنا لأن الأئمة و إن تورعوا عن إطلاق الألفاظ فإنهم لم يتورعوا عن العمل بما ترجح عندهم و لم يكن هذا عندهم من اتباع الظن الممنوع بل هو من اتباع الظن المشروع فإنهم رحمهم الله لو جزموا بأن ما ترجح عندهم هو حكم الله في نفس الأمر لما توقفوا عن إطلاق لفظ الحرام أو الحلال عليه فلم يبق إلا غلبة الظن و تعارض عندهم عدم جزمهم بنسبة هذا الحكم إلى الله و غلبة ظنهم بأن هذا حكم الله فالتزموا الحكم حقيقة و تورعوا عن إطلاق اللفظ ثم إنهم لم يتوقفوا في العمل بهذا الحكم الذي غلب على ظنهم فلا وجه إذا للإحتجاج بتوقفهم عن إطلاق اللفظ إذا كانوا عملوا بالحقيقة فالعبرة بالحقائق لا بالإسماء .
فقولهم نكره هذا أو يعجبنا هذا أو نقول برأينا فإن كان صواب فمن الله و إن كان خطأ فمنا و من الشيطان و غيرها من العبارات كلها هذه أحكام و تواقيع عن الله و إن لم ينسبوها إلى الله لفظا فحقيقة يتعاملون معها تعامل الشرع لأنه قد غلب على ظنهم هذا الحكم أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه الله فتلفظوا بهذه العبارات لذا تجد من تبعهم على مذهبهم يأخذ هذه العبارات كأقوال للإمام في مسائل الشرع و مثل هذا لا يحتاج إلى تطويل فنظر قليل إلى كتب الفقهاء من المتقدمين و المتأخرين يقطع به الناظر على صحة هذه الحقيقة التي ذكرناها فإلزامهم أنفسهم بما غلب على ظن ينقض القاعدة الكلية بأن لا يجوز اتباع الظن مطلقا لأنهم ألزموا أنفسهم بما غلب على ظنهم و لا فرق بين أن يلتزموه هم أو يلتزمه غيرهم لأنه على ما أصله الأخ الفاضل لا يجوز اتباع الظن مطلقا .
أما ما يلزم الناس فهو النص القطعي و الإجماع القطعي أما فيما اختلف فيه أهل العلم فلا يلزم قول العالم أحد إلا من أخذ بقول هذا العالم إلا أن يكون الدليل ظاهر الرجحان و كان القول الآخر مما يعد من شذوذ القول قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادًا أو تقليدًا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطؤوا خطأ مجمعًا عليه‏.‏ وإذا قالوا‏:‏ إنا قلنا الحق، واحتجوا بالأدلة الشرعية، لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله، ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم، بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطي بل يظهر، فإن ظهر رجع الجميع اليه، وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا؛ كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد‏:‏ إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكمًا، فإن هذا ينقلب، فقد يصير الآخر حاكمًا فيحكم بأن قوله هو الصواب، فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه، بخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه من عند الله، حق وهدي وبيان، ليس فيه خطأ قط، ولا اختلاف ولا تناقض قال تعالى‏:‏ ‏{‏ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 82‏]‏‏.‏.. ) .
و قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وقد يقول كثير من علماء المسلمين ـ أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم ـ أقوالا باجتهادهم، فهذه يسوغ القول بها، ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا شرع دخل فيه التأويل والاجتهاد، وقد يكون في نفس الأمر موافقًا للشرع المنزل فيكون لصاحبه أجران، وقد لا يكون موافقًا له، لكن لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فإذا اتقي العبد الله ما استطاع آجره الله على ذلك، وغفر له خطأه‏.‏
ومن كان هكذا لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه ولكن إذا عرف الحق بخلاف قوله، لم يجز ترك الحق الذي بعث الله به رسوله لقول أحد من الخلق، وذلك هو الشرع المنزل من عند الله، وهو الكتاب والسنة وهو دين الله ... ) .
و حكم القاضي كذلك لا يلزم كل من بلغه بل يلزم من تحاكم إلى القاضي قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق حكم الحاكم ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه، بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قومًا معينين تحاكموا اليه في قضية معينة، لا يلزم جميع الخلق، ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكمًا لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله، بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء، بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكمًا، ومتي ترك العالم ما عَلِمَه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدًا كافرًا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏المص كِتَابٌ أُنزِلَ اليكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَي لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ اليكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏1، 3‏]‏ ... ) .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
30-06-05, 10:07 AM
كنت قد ذكرت أن شيخ الإسلام رحمه الله نقل الإتفاق على العمل بالظن الراجح و لم أذكر كلام الشيخ بلفظه و الآن وقعت على كلام الشيخ رحمه الله و سأنقله مع فوائد كثيرة رحمها الله ذكرها في هذا الموضع تفيدنا في موضوعنا هذا قال رحمه الله ( ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لا نعلم لها معارضا يدفعها وأن نعتقد وجوب العمل على الأمة ووجوب تبليغها‏.‏ وهذا مما لا يختلف العلماء فيه‏.‏ ثم هي منقسمة إلى‏:‏ ما دلالته قطعية، بأن يكون قطعي السند والمتن وهو ما تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وتيقنا أنه أراد به تلك الصورة‏.‏
وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية‏.‏ فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علما وعملا، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة وإنما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي‏؟‏ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي‏؟‏ مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق أو الذي اتفقت على العمل به فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم وذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لا يفيده‏.‏ وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضا من أناس مخصوصين قد تفيد العلم اليقيني لمن كان عالما بتلك الجهات، وبحال أولئك المخبرين، وبقرائن وضمائم تحتف بالخبر وإن كان العلم بذلك الخبر لا يحصل لمن لم يشركه في ذلك‏.‏
ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة فيه المتبحرون في معرفته قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار، وإن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها فضلا عن العلم بصدقها ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم يفيده من كثرة المخبرين تارة ومن صفات المخبرين أخرى ومن نفس الإخبار به أخرى ومن نفس إدراك المخبر له أخرى ومن الأمر المخبر به أخرى فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم‏.‏ هذا هو الحق الذي لا ريب فيه وهو قول جمهور الفقهاء والمحدثين وطوائف من المتكلمين‏.‏
وذهب طوائف من المتكلمين وبعض الفقهاء إلى أن كل عدد أفاد العلم خبرهم بقضية أفاد خبر مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا باطل قطعا لكن ليس هذا موضع بيان ذلك‏.‏
فأما تأثير القرائن الخارجة عن المخبرين في العلم بالخبر فلم نذكره، لأن تلك القرائن قد تفيد العلم لو تجردت عن الخبر وإذا كانت بنفسها قد تفيد العلم لم تجعل تابعة للخبر على الإطلاق كما لم يجعل الخبر تابعا لها بل كل منهما طريق إلى العلم تارة وإلى الظن أخرى وإن اتفق اجتماع ما يوجب العلم به منهما أو اجتماع موجب العلم من أحدهما وموجب الظن من الآخر وكل من كان بالأخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس مثله وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث‏:‏ هل هو نص أو ظاهر‏؟‏ وإذا كان ظاهرا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا‏؟‏ وهذا أيضا باب واسع فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع‏.‏
وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين فإن كان قد تضمن حكما علميا مثل الوعيد ونحوه فقد اختلفوا فيه‏:‏ فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن وعيدا على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل ولا يعمل به في الوعيد إلا أن يكون قطعيا وكذلك لو كان المتن قطعيا لكن الدلالة ظاهرة وعلى هذا حملوا قول عائشة رضي الله عنها‏:‏ أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب قالوا‏:‏ فعائشة ذكرت الوعيد لأنها كانت عالمة به ونحن نعمل بخبرها في التحريم وإن كنا لا نقول بهذا الوعيد لأن الحديث إنما ثبت عندنا بخبر واحد‏.‏.. ) .
هذا كلام الشيخ رحمه الله ( وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين .. )
و هذا القسم الأول ( بأن يكون قطعي السند والمتن وهو ما تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وتيقنا أنه أراد به تلك الصورة‏.‏
وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية‏.‏ فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علما وعملا، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة ) فالقسم الثاني ما لم نتيقن من أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أراد المعنى الذي فهمناه و القسم الأول تيقنا من مراد النبي صلى الله عليه و سلم و لا شك أن خلاف اليقين الظن و الظن إما ظاهر و هذا كما ذكر الشيخ يعمل به في الأحكام الشرعية بإجماع العلماء المعتبرين أو ظن مساوي و هذا لا يجوز اتباعه بإجماع العقلاء .
و أنا ذكرت في مشاركاتي إجماع الفقهاء على العلم بالظن الراجح لأني أعلم بأن العلماء اختلفوا في العقائد هل يقبل فيها خبر الواحد أم لا ؟
و علة التوقف في خبر الواحد عند من توقف أن خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني و العقائد لا بد منها من العلم الجازم و إن كان هذا القول معدود من أقوال أهل البدع فلم يقل به أحد من السلف لا من صحابة و لا تابعين و لكن قال به بعض أهل العلم من أهل القبلة ممن يعتد برأيهم و يذكر قولهم في الخلاف .
و هذا نص كلامي في هذه المسألة ( فالظن إذا كان بمعنى الجزم يجوز العمل يه بالإجماع و إذا كان راجحا يجوز العمل به بإجماع الفقهاء . ) .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
30-06-05, 11:10 AM
و أما قول الأخ الفاضل بن تميم ( وكذلك ..
ما يطلق عليه ظن راجح ..
إن كان هناك ظن وظن فاحتار الناظر فيهما ثم رجح ظن منهما بناء عن برهان فلا يسمى المرجح بالبرهان ظن راجح بل هو يقين وقطع ..
وكذلك ما يطلق عليه ظن غالب ..
فنحن بين أمرين إما علم حقيقي وإما علم ظاهر وهو نحو الشهادة وغيرها ..
ولو كانت هذه الظنون يأثم مخالفها لأثم أتباع المذاهب كلها ..
لأنه ليس هناك مذهب إلا وهو يخالف غيره بناء على الظن ..
وإن قالوا اجتهاد هذا لا يلزم اجتهاد آخر ..
قلنا وكذلك القول بالقطع واليقين فهو عمل بالثابت وترك المختلف فيه والمنهي عنه فلا محل للإنكار ..
فالأمة كلها أولا تتفق على القطع واليقين من النص ثم يحصل الخلاف بعد ذلك بالظنون ..
فهل نكتفي بالقطع هذا أو لا هنا يحصل الخلاف ..
فالظاهرية وقفوا وقالوا نكتفي بما ظهر من النص والنصوص الأخرى باليقين ..
وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ..
فانظر في كل مسألة ترى القطع فيها أولاً على أنها من الله تعالى ودلالتها كذلك ثم يجتهد كل طرف في الزيادة على ذلك إما باليقين وإما بالظن ..
وهي طرائق ومناهج .. ) .
أقول ذكرت ما نقله شيخ الإسلام من اتفاق أهل المعتبرين على العمل بالظاهر في الأحكام الشرعية و لم يقل أحد من أهل العلم بأنه عن ترجح أحد الظنون أو ترجح ظن معين عندهم و إن لم يكن هناك ظن مزاحم له لم يقل أحد من أهل العلم بأنه جازم على كل حال بما رجحه نعم قد يجزم بعضهم بما ثبت عنده و جزمه هذا مبني على ما بلغه علمه في هذه المسألة ثبوتا و دلالة و فهما و علما و قد لا يتحصل لغير هذا العالم هذه العلوم و الفهوم أو يتحصل له بعضها فيختلف الحكم باختلاف الفهم و العلم نقصا و زيادة
و أما الإثم فقد أجمع الصحابة و التابعين على أن المجتهد إذا استفرغ وسعه لا يأثم بل يؤجر على اجتهاده كما ثبت في الحديث الصحيح .
و أما الخلاف فهو واقع في الكليات كما يقع في المعينات و تتبع بسيط في كتاب الخلاف حتى المتقدمه كخلاف الصحابة و التابعين يجد أنه قد وقع خلاف بينهم في مسائل كلية و لم يتوقف أحد منهم في المختلف فيه و يتمسك بالمجمع عليه بل كل تكلم بما ظهر له لأنهم رضوان الله عليهم يعلمون بأن الخطأ كما أنه قد يقع من غيره يقع منه ثم يعلم بأنه يجب عليه الإجتهاد و استفراغ الوسع و يعلم بأنه متى ما حقق هذا الأمر رفع عنه الإثم و ثبت له أجر واحد و متى ما أصاب الحق حتى لو كان الحكم بظن راجح حاز الأجرين لذا لما تحقق هذا الأمر في نفوسهم لم يتركوا الكلام في الفقه و غيره و عمل الصحابة شاهد على بطلان هذا الأصل و أن العالم عليه أن يجتهد و يتكلم بالعلم خاصة في ما نزل على المسلمين و أن الخلاف ليس بمانع من البحث و الترجيح .
و هناك كثير من العبارات تريد تحرير كقول الأخ ( قلنا وكذلك القول بالقطع واليقين فهو عمل بالثابت وترك المختلف فيه والمنهي عنه فلا محل للإنكار ) هل هذه العبارة صحيحه بأن الظاهرية تمسكوا بالمقطوع و المتيقن و تركوا المختلف فيه و لا أريد أن أطيل في بيان الغلط في هذه العبارة و لكن أحيل الإخوة على كتاب المحلى لابن حزم لينظروا كيف صال بن حزم في مسائل شائكة مختلف فيها اختلافا بينا بين الصحابة و لم يتوقف عند المقطوع به و المتيقن .
و العبارة الأخرى ( وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ) هل المقصود بأهل الرأي ممن قال بالقياس أم المقصود به الأحناف و من أخذ برأيهم و على كل حال القول بأن أهل الرأي قالوا بالتأويل و الصرف عبارة فيها الكثير من التجني و الإجحاف فأهل العلم من أهل المذاهب الأصل عندهم التمسك بالكتاب و السنة لا التأويل و صرف ظاهر الأدلة من غير قرينة هذا الأصل لم يقل به أحد من أهل الإسلام حتى أهل البدع من أهل القبلة لم يصرفوا ما صرفوا من ظواهر النصوص من أجل التأويل المجرد و لكن تعارض عندهم ظاهر اللفظ مع أصول و قواعد قعدوها فالتزموا التأويل لمخالفة ظاهر اللفظ لقواعدهم و هذه المسألة عينها هي التي أدت ببعض المذاهب من تأويل بعض النصوص و إن كان التأويل يختلف قربه من الشرع و بعده بحسب قرب القواعد و الأصول من الشرع و بعدها عنه بل نفس الظاهرية الذين يشنعون على المخالفين قد وقعوا في نفي ما هو مقطوع من معاني الألفاظ بسبب أصول و قواعد باطلة عارضت عندهم النصوص بل تعدى هذا إلى الوقوع في تأويل نصوص مقطوع بمعناها كنفي بن حزم لحقائق اسماء الله تعالى و صفاته لأن الأسماء عنده أعلام محضه لا يثبت بها الصفات فالعليم عنده لا تدل على صفة العلم لأن الله تعالى ذكر الاسم و لم يذكر الصفة و لإثبات الصفة لا بد من دليل آخر و هذا المعنى يقطع كل عاقل منصف ببطلانه و لو علمنا بهذا الأصل في دين الله لتكلفنا من المشقة في فهم دين الله و لغة العرب بل و دنيانا ما لا نطيقه بل لكنا أضحوكة الأمم فكل لغات العالم تدل على أن الاسم كما أنه يدل على العلم فإن يدل على الحقيقة فلا يقول عاقل بأن تسمية الطبيب إنما تدل فقط على اسم الطبيب و لا تدل على أنه ممن يعمل في مجال التطبيب .
و غيرها من الأصول التي اعتمدها في كتبه ليس هنا مجال ذكرها مما جرأت أهل العلم الطعن فيه بل جاوز الحد بعضهم في عدم اعتبار أقواله في الخلاف .
أقول بأن القول بالأخذ بالمقطوع من العلم و ترك المختلف فيه مما يقطع ببطلانه بل هو قول مبتدع لم يقله أحد من السلف لا الصحابة و لا التابعين بل و لا أحد من أهل العلم ممن يعتد بقوله .
و القول بأن الظاهرية أخذوا بالمقطوع به و أن أقوالهم كلها مما هو منصوص عليه ثبوتا و دلالة قول باطل نقطع به و لا يختلف فيه عالم فإذا كان الخلاف ثابت قطعا بين الصحابة في الثبوت و الدلالة فمن باب أولى أن يكون ثابت لمن هو خلفهم و كلام الأخ بن تميم يدل على أن هذا مراده ( فالظاهرية وقفوا وقالوا نكتفي بما ظهر من النص والنصوص الأخرى باليقين ..
وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ..
فانظر في كل مسألة ترى القطع فيها أولاً على أنها من الله تعالى ودلالتها كذلك ثم يجتهد كل طرف في الزيادة على ذلك إما باليقين وإما بالظن ... ) فدعوى القطع و اليقين لا تسلم لكل من ادعاها فكم من مدعي للقطع و القطع بخلاف قوله فهؤلاء أهل البدع قطعوا في أمر من المقطوع به بطلان قطعهم بل هذا بن حزم لا بد أنه كان يدعي القطع على أصل بن تميم بأن الاسماء أعلام محضه لا تدل على الصفات و مع ذلك خالفه في قطعه هذا بعض المعاصرين من الظاهرية فبأي قطع نأخذ بقطع المتقدمين من الظاهرية أم بقطع المعاصرين فالكلام في العلم يحتاج إلى أصول و قواعد و إنصاف و تجرد أما إطلاق الألفاظ من غير تحرير و تحقيق فكل يحسنه .

ابن تميم الظاهري
30-06-05, 08:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ..

أخي الفاضل ..
سأجيب على كل تعقيب لك بانفراد ..

وبالله تعالى التوفيق ..
قال الفاضل حفظه الله ..
(( الأولى : كلام بن حزم رحمه الله حتى لو ثبت لفظ ( عجمته ) فظاهره يدل على المراد إلا أن يكون عند الأخ بن تميم لفظ آخر يحسم المسألة فابن حزم رحمه الله قال ( فَمَنْ عَجَزَ لِجَهْلِهِ أَوْ عَتَمَتِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ هَذَا فَلاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ وَيَقُولَ بِلِسَانِهِ حَسَبَ طَاقَتِهِ بَعْدَ أَنْ يُفَسَّرَ لَهُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَكُلُّ دِينٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ‏.‏ ) فقوله ( حسب طاقته ) يعم الإعتقاد و القول باللسان و لا يخص بفقط القول باللسان و أنا هنا لا أجزم نسبة هذا المعنى لإبن حزم و لكن هو ظاهر كلامه و الأخ بن تميم حفظه الله خص المعنى فقط في القول باللسان دون الإعتقاد بالقلب و لا أعلم كيف فرق بينهما مع عدم ذكره لوجه التفريق .)) ..


أقول بارك الله فيك ..

تصحيح اللفظة الوارد في متن المحلى كان تصحيحاً ضرورياً وهو خطأ من الناسخ أو المحقق والله أعلم ..

لذلك قلت أن شاهد التصحيح لتلك الكلمة هو ..

ما قلته آنفاً (ويقول بلسانه حسب طاقته بعد أن يفسر له ) ..

أي أنه أعجمي لم يعرف هذا المعنى فلا بد أن يقول بلسانه كلمة التوحيد مع اعتقاده بما فُسّرت له ..

فكلامي لم يكن مخالفاً لما نقله الفاضل ( عبد الرحمن المطلاع ) ..

بل كان لتصحيح كلمة فقط وردت ونقلت خطأ ..

لأن من لم يكن أعجمياً أو جاهلاً فقد شمله كلام الإمام قبل هذه المسألة ..

وإنما هنا الكلام على الجاهل والأعجمي الذي لا يدرك كلمة التوحيد فيجب أن تفسّر له ثم ينطق بها مع اعتقادها ..

وهذا معلوم في كلام الإمام هنا وفي الفصل وغيره ..

ولا يدخل النص المذكور هذا في جواز العمل بالظن عند الإمام ابن حزم الظاهري أصلاً ..

ولا تضاد بين ما قلته فيها وبين ما قلته في الحكم بالظن في الدين ..
وسيأتي بيان كيف لا يدخل هنا في مسألة الحكم بالظن بعد قليل ..

فالإمام يتكلم عن الآن عن وجوب النطق واعتقاد كلمة التوحيد ..

فقال أن من جهل معناها لعجز إدراكها أو عجمة لسانه فلا بد له أن يعتقد بقلبه ويقول بلسانه بحسب طاقته ..



وقلت حفظك الله ..
(( الثانية : قوله ( فلا يكلف الله نفساً إلى وسعها ومن عمل بوسعه لا يسمى عاملاً بالظن ) الأمر لا يتعلق بالألفاظ و إنما بالحقائق فإن كان مرادك من عمل بوسعه ثم اعتقد أمرا بحسب وسعه و طاقته و إن لم يجزم به جزما قاطعا صح اعتقاده سواء قيل أن هذا ظن غالب أو راجح أو سمي علما فهذا ما نريد أن نبينه و لا مشاحة في الإصطلاح و هذا المعنى هو ظاهر كلام بن حزم رحمه الله و إن أردت أنه لا يجوز له الإعتقاد لأنه لم يجزم جزما قاطعا باعتقاده فهذا كلام باطل ترده نصوص الكتاب و السنة و عمل الصحابة و التابعين و قد ذكرنا طرفا من نصوص الكتاب و منها قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16 فمن استفرغ وسعه في طلب الحق ثم لم يصل إلى الجزم القاطع فقد اتقى الله ما استطاع و صح اعتقاده . )) ..



وأقول نفع الله بك ..

نعم لا يتعلق الكلام إلا بالحقائق ..

فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..

لا تكليف إلا مع القدرة ..

فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به ..

سواء وافق الحق أو خالفه ..

فهنا ترتفع المؤاخذة فقط ولا يثبت الحق كما هو معلوم ..

ودليل هذه القاعدة بعض ما ذكرته من نصوص ..

فالوسع في قبول الشهادة بأن نتحرى عدالتهم فقط ..

فلا يكلفنا الله بعلم البواطن وما ينقض العدالة مما خفي علينا ..

فلم أخالفك ههنا أصلاً ..



فكان ذكري لها لأجل بيان العمل بالظن ولا علاقة لهذا في الاعتقاد ..

فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين ..

وليس كما يصطلح عليه أهل الكلام في هذه المعاني ..

فالاعتقاد بالله وألوهيته وربوبيته وغيرها مما يجب اعتقاده لا يجوز أن يكون بظن أصلاً ..

فمتى ما دخل الشك فيه فقد بطل ذلك الاعتقاد ..

لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..

سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ..

ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..

هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ..



ولاحظ أمراً دقيقاً ..

أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..

فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..

أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ..

فمن دخل الشك في تصديق ما أتى الله به تعالى من أمور الاعتقاد وغيرها فليس بمصدق ..

لأن التصديق لا يكون مع وجود شك ولو برهة من زمان ..



فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد ..

وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟!

فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..

واليقين لا يبطله يقين ضرورة ..

فالنص الذي أوردته هو طلب الله تعالى بعد أن نوقن أنه الله المستحق للعبادة والربوبية منا أن نتقيه بما استطعنا ..

وليس قبل أن نوقن أنه الله ..

لأن من لم يوقن ذلك وشك فيه أو تردد فليس مخاطباً بالعمل الوارد في نفس النص لأن التردد شك في تصديق هذه الحقيقة ومن شك في هذه الحقيقة لم يكن معتقداً فالواجب عليه أن يستعيذ بالله إن كان من أهل الإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإن استمر في شكه هذا لم يكن من أهل الإيمان ..



أما من استفرغ وسعه لإصابة الحق في العمل فقد أدى ما عليه وهذا ذكرته آنفاً في التعقيب ولم أخالفه ..

لكن لا يعني من فعل ذلك أنه أصاب الحق عند الله ..

فالعمل بشيء ينتج عنه قضيتين ..

الأولى : إصابة الحق عند الله تعالى وفيه الأجر ..

وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ..



الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..

فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..

ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..

لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..

وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..

وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..

ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ..

ولوجب على القائل هذا أن ينسب كل الظنون التي قال بها كل مفتي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا إلى الله تعالى وشرعه ..

وهذا أيضاً لا يقوله أهل الرأي أصلاً ..

وإنما يعملون بالظن تورعاً واحتياطاً مع عدم نسبتهم لشيء من ذلك إلى الله تعالى لعدم ثبوته من جهة القطع واليقين ..



فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..

ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ..

فلما ورد عن غيرهم اليقين تركوا ما قالوه ..

وكذلك من بعدهم من التابعين ..



فلا محارجة في العمل بالاجتهاد وهذا ما قدمته آنفاً في التعقيب ..

وإنما في نسبة هذا العمل بالظن والرأي إلى الله تعالى والشرع والإلزام به ..

وهذا لا يدركه الكثير من طلبة العلم إلا من رحم الله ..



وقلت حفظك الله ..
(( و في الحديث الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « دَعُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ » . فمن بلغه أمر و أتى منه ما استطاع اعتقادا و عملا فقد برئت ذمته و لم يطالب بما لا يقدر عليه و من فرط في طلب الحق و لم يستفرغ وسعه فهو آثم و إن أصاب الحق في نفس الأمر و إثمه لا لأنه أصاب الحق و لكن لتفريطه فيما أمر به من طلب الحق .)) ..



أقول حفظك الله ..

هذا النص وما فيه هو قولنا أيضاً ولا نخالفك في هذا إلا إن كان مرادك ما تقدم فقط ..



وقلت نفع الله بك ونقلت عني ..
)) الثالث :قوله ( والخلاف واقع بين الجمهور وأهل الظاهر في جزئية قل من يدركها .. هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟ فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..
ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة .. ) .

إن كان المراد بالظن الذي يرى الجمهور العمل به هو الظن المتساوي الطرفين فنسبة هذا إليهم غير صحيح فإنه بإجماع العقلاء لا يجوز الترجيح من غير مرجح بل لا يجوز العمل بمثل هذا بإجماع الفقهاء لما دلت عليه نصوص الكتاب من تحريم اتباع الظن قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157 )) ..



وأقول عفا الله عنك وعنا ..

ليس ذلك قولي أخي العزيز ..



هذا الظن المتساوي الذي ذكرته يقع في نفس المفتي وكذلك يقع بين أهل الفقه ..

فهنا الكلام عن النص الذي دلالته محتملة لأكثر من معنى ..

وهذا لا يجوز العمل به وهو تحكم باتفاق المسلمين ..

ولا إشكال في هذا ..



وإنما الإشكال إذا اختار الفقيه أو المفتي أحد هذه الأقوال بناء على ظنه أنه الأوفق والأسلم والأصح والموافق لمقاصد الشرع التي عنده وليس له في هذا الترجيح دليل يوجب اليقين ..



فكل ما كان حكماً وقولاً في تفسير نص أو خبر أو صرفه أو تخصيصه أو تقييده بناء على الظن والرأي ..



فهذه الأمور وغيرها يجب أن يكون الكلام فيها بناء عن يقين وإلا فلا يحل نسبته إلى الله تعالى ..



واستدلالك في هذه الآية يؤكد قولي السابق في وجوب قطعية الاعتقاد ..
(( و قال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 و قال {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148و غيرها من الآيات .)) ..



فقوله تعالى وذمه لهم لأنهم اتبعوا الظن في اعتقادهم ..

بخلافك يا رسولنا لأنك تقطع باعتقادك ..

فإن تبعت ظنهم فيما يعتقدون فهذا ضلال ..

والآية تتكلم عن الاعتقاد ههنا لأن المخالف كافر وليس بمؤمن لنحمل الكلام على العمل ..

وقلت حفظك الله ..

(( و إن كان المراد بالظن هنا الغالب أو الراجح فهذا القول صحيح و لا يقال بأنه لا يجوز اتباع هذا الظن بعد استفراغ و أنه يدخل في اتباع الظن المحرم فهذا القول يرده كتاب الله تعالى كما قال تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }البقرة230 فهذا الظن عند الزوجين هو و لا شك غالب الظن لا الجزم به لأنه لم يحدث عندهما الجزم لعدم وقوع هذا حقيقة ثم لعدم علم كل واحد منهما بنية الآخر و إنما يحكم كل واحد منهما على الآخر بما ظهر له قرائن خاصة و لا يمنع أن يصل الأمر إلى الجزم و لكن يكفي في هذا الظن الغالب بإقامة حدود الله .
و قال تعالى {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ }يوسف42 )) ..



أقول بارك الله فيك ..

استدلالك ههنا لجواز العمل بالظن الراجح أو الغالب لا يصح ..

الظن الذي ذكرته ههنا ليس هو ظن في أحكام الله تعالى وشريعته ..

وإنما هو في علاقة بين طرفين ..

إلا أنه يتعلق به الشرع من جهة التطليق ومن جهة ابتداء عقد النكاح مرة أخرى ..

وليس هذا مدخلاً لأصل مسألتنا وهو جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى الله تعالى ..



فإن طلق الزوج زوجته طلاقاً باتاً ثم أراد الرجوع إليها ولم يجزم ويقطع أنها ستكون أفضل مما كانت في حياتهما الزوجية الأولى ولا هي كذلك ..

فرجح من ظهور علامات القبول والرضا الموافقة على الإحسان والعشرة بالمعروف فله أن ينكحها ..

وإن ظهر له أو ظن كذلك من خلال كلامها أنها لن تعينه على إقامة حدود الله في الزوجية وهي العشرة بالمعروف والإحسان فليس له أن ينكحها ..

فهو ما طلقها إلا لأجل أسباب معينة وموافقتها على الزواج موافقة على ترك هذه الأسباب التي أوجبت التطليق ..

أما إن كانا يريدان أن يتراجعا وهما على ما كان عليه من شقاق وفعل ما يوجب الشقاق والتطليق فلا يحل لهما ذلك لأنه العمل بما يجزم كل منهما أنه يضر صاحبه به ..

وقد أمرنا في الزواج بأن نحسن إلى بعضنا وأن لا نضار بعضنا ..

فإما إمساك بمعروف وإما تسريح بمعروف ..



فهذا الظن الذي ذكرته ليس هو الذي ذكرته أنا ..

وليس هو كذلك محل النزاع ههنا ..



فكيف نقول أن الظن ههنا منسوب إلى الله تعالى .. ؟!

بل لا يمكن ذلك ..

وكذلك إن قلت أن هذا الظن غالب وأمرنا بالعمل به فليس كذلك أيضاً ..

دعنا نفترض وجود زوج طلق زوجته وأراد إرجاعها ..



وهي مثلاً أختك والزوج أخي ..

وحصل الخلاف والتطليق لأجل معصية الزوج وطلبه من الزوجة أن تأتي ما حرم الله تعالى أو كان عاصياً فاسقاً يشرب الخمر ويزني ..



ثم تقدم أخي يريد إرجاع زوجته ..

ألا تقول له وهي أختك ..

هل تبت عن الحرام .. ؟ وهل أتيت لترجعها ولتطلب منها ما حرمه الله تعالى أيضاً .. ؟

هل تركت الباطل الذي كان بسببه التطليق .. ؟!

سيقول لك نعم الحمد لله ..

فظهر لك أن حاله استقام وليس لك البحث عن نيته ..

فلك أن تأذن لأختك بالزواج منه لظهور صلاحه وترك ما أوجب التطليق ..

وإن قال لك لا لم أتب لازلت أتعاطى الخمر وغيرها ..

فهل توافق حينها .. ؟!



فأي حكم ههنا بالظن الراجح الغالب الذي يعمل به أهل الرأي .. ؟!

فهذا ظهور علامات معينة وهي توبته أو رجوعه إلى الحق أو ترك موجبات التطليق فأوجبت أن نوافق أو نرفض الزواج ..



فالظن ههنا ليس كما ذهبت إليه في تفسيرك ..

فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ..

وهما لا يقطعان بأن يقيما حدود الله تلك في كل أحد ..

لأنك لا تستطيع أن تقطع بخلق شخص وأنه سيأتي بالحلال دائماً ..

لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..

وكذلك الزوجة ولا فرق ..



فلم يكن الحكم بناء على الظن ههنا ..

إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله ..



لأنك لا تستطيع أن تقول أن المطلقة لأجل ترك إقامة حدود الله وشريعته في الزوجية ترجع للزوج دون أن تتأكد منه أنه لن يعود إلى ذلك ..

وكذلك الزوج بلا فرق ..

فيدخل الظن ههنا في نفسها ونفسه ..

فهل سيطبق شرع الله في هذه الحياة الزوجية بعدما أكد لي قبل عقد الزواج أو لا ؟!

فهذه يشك فيها كل أحد لأنها أخلاق وأديان وقلوب يقلبها الله تعالى بين أصبعيه ..

واكتفت الزوجة أو الزوج بما نطق به أحدهما من التوبة والعزم على عدم العود إلى موجبات تلك الفرقة ..





وقلت حفظك الله ..

(( و هذا كذلك ظن راجح و مع لذلك اتبعه يوسف عليه السلام و لم يكن هذا اتباع للظن المحرم قال بن كثير رحمه الله ( ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج, قال له يوسف خفية عن الاَخر, والله أعلم ـ لئلا يشعره أنه المصلوب ـ قال له {اذكرني عند ربك} يقول: اذكر قصتي عند ربك, وهو الملك, فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك, ... ) . )) ..



أقول بارك الله فيك ..

وليست هذه الآية دليلاً على جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى الله تعالى وشرعه ..



يوسف الصديق عليه السلام فسر الرؤيا وظن أن هذا الرجل ناج ..

وقال له اذكرني عند الملك ليخرجني من السجن ..



وهذا ليس اتباع ظن ولا قول به ولا نسبته إلى الشرع ..

فلا يصلح هذا الدليل للاستشهاد به في محل النزاع ..

وهذا لا مدخل له في التشريع والحكم في الدين في شيء أصلاً ..



وقلت بارك الله ..

(( فالمحرم هو اتباع الظن المتساوي الأطراف و إن كان الظن في الغالب يكون عند ترجح أحد الأطراف و أما عند التساوي فيسمى الشك و كذلك اتباع الظن الراجح من غير اجتهاد أو استفراغ وسع محرم . )) ..



وأقول ..

فالمحرم كل قول ينسب إلى الله تعالى وشرعه بلا نص يوجب ذلك القول ..

فإن ترجحت ظنون وتساوت ثم جاء النص القاطع زالت تلك الظنون كلها ..

وصار أحدها هو القطع لا الظن الغالب أو صار غيرها هو القاطع كما جاء به النص ..

فهذا الذي يحل نسبته إلى الله تعالى وأن نسميه شرع وأن نلزم به الناس ..



فليس الظن شرع ولا ملزم للأمة ولا أحد ..

وهذا موجود عن الصحابة ومن بعدهم أيضاً ..



فنحن لا نتكلم عن ديانة المرء وحده ..

وإنما نتكلم عن الشيء الذي يجوز أن نقول هو من الله تعالى وشرعه ..

ونحكم فيه بين الناس في أموالهم وأعراضهم ودماءهم ..



وقال تعالى ..

{ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم * ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } النحل 115-116



فلم يأذن لأحد أن يتقول عليه وينسب رأيه وظنه إلى الشرع ..

ولا يحل لأحد أن يقول هذا حلال وهذا حرام بالظن ..





وقال تعالى ..

{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } النساء 82

ولو كان الواجب اتباع هذه الظنون ونسبتها إلى الله تعالى لأبطلنا الآية السابقة ..

فكل ما كان من الله تعالى فلن تجده مختلفاً ولا متناقضاً في شيء البتة ..



ومن قال أن الظنون توجب الاتفاق كان مبطلاً للحقائق ..

بل اليقين هو الذي يوجب الاتفاق والظن يوجب الاختلاف ..



وما كانت مذاهب أهل الرأي مختلفة إلا بالظنون ..

وليس لظن أحد مزية على ظن غيره في تقديمه ونسبته إلى شرع الله ..



فاعتصمنا بذلك اليقين الواجب علينا فقط ولم ننسب إلى الله تعالى حكماً بظننا ..

ونحن لا ننكر على المجتهد أنه اجتهد واستفرغ وسعه بل هذا مطلوب ..

وإنما ننكر نسبة ذلك الاجتهاد المبني على الظن إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به ..

فمن لم يقطع بشيء فلا يحل أن يجعله مساوياً في الحكم كالذي جاءنا بالبرهان اليقيني أنه من الله تعالى ..

بل يقول هذا رأيي فقط وليس هو قول الله وشرعه ..

ويتأسى بالصحابة رضي الله عنهم في أنهم ما أباحوا نسبة ذلك إلى الله تعالى وشرعه ..



وأما قولك حفظك الله ..

(( وقال تعالى {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ }النور12 فالمؤمنون يتبعون ما غلب على ظنهم من غير جزم و سبب نزول هذه الآية حادثة الإفك و إذا كان النبي صلى الله عليه و سلم لم يجزم ببراءة عائشة رضي الله عنها فكيف بغيرهم من المؤمنين فيجب على المؤمنين حسن الظن بإخوانهم و اتباع هذا الظن .)) ..



ليس فيها دليل على محل النزاع وهو جواز العمل بالظن في الشريعة وجواز نسبة ذلك الظن إلى الله تعالى ..

بل هي حجة لنا في إبطال العمل بالظن ونسبته إلى الله تعالى ..

بل هي توجب اتباع ما ظهر لنا عند الحكم على الناس ..

فعند رؤيتنا أفعال الناس وأقوالهم موافقة لأقوال وأفعال أهل الإيمان فنحكم أنهم أهل إيمان بما ظهر لنا من حالهم ..

سواء كانوا فساقاً في أمرهم الخفي والباطن أم كفاراً ..

وهذا لا علاقة لنا به بل نحكم بما ظهر لنا من أحوالهم فقط والله يتولى السرائر ..



ولا نطلق الأحكام بما نسمع من القيل دون تثبت ..

بل من سمعنا عنه تلك الأقوال ولم يأت برهان عليها فالواجب علينا جيمعاً أن نحسن الظن بالمؤمنين ..

ولو كان هذا فينا لطلبنا من الناس جميعاً أن يحسنوا الظن بنا ..



فقد أذن الله تعالى وأمر أن نظن بالمؤمنين خيراً ما داموا استحقوا لفظ الإيمان ..

ولا يحل لنا أن نظن بهم غير هذا ..



أما قولك : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجزم ببراءة عائشة فكيف بغيرهم من المؤمنين ) ..



فلا نقيصة بقول الروافض أن النبي صلى الله عليه وسلم شك في خلق وطهارة وعفاف عائشة .. !



فكل من قال بذلك لم ينصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمنا رضي الله عنها ..
إلا إن كان مراد كلامه أن عدم الجزم أمر يخالف عدم الشك ..
ولا أراه منطبقاً على مسألتنا التي تريد الاستدلال عليها ..

وإذا كانت هذه المقولة توجب عدم جزم النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة أمنا ..
فقد وجدنا أن بعض الصحابة لم يوجب هذا القول الكاذب شكاً عنده ..
وهم ليسوا بأزواج لأمنا رضي الله عنها ..


وإذا كنت تستشهد بتفسير ابن كثير رحمه الله فقد ذكر ابن جرير الطبري أيضاً كما ذكر ابن كثير أثراً عن خالد بن زيد أن أمرأته أم أيوب سألته ..

أما تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت لا والله ما كنت لأفعله ، قال فعائشة والله خير منك ..

وقال ابن كثير : فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله عز وجل ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ) يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال ..

ويقال إنما قالها أبي بن كعب وقوله تعالى ( ظن المؤمنون ) أي هلا ظنوا الخير فإن أم المؤمنين أهله وأولى به هذا ما يتعلق بالباطن وقوله ( وقالوا ) أي بألسنتهم ( هذا إفك مبين ) أي كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها


نعم إفك مبين ولو لم ينزل الله تعالى براءتها من السماء ..
لأن المقولة تطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته في أنها زنت مع قريب لها ..
وهذه المقولة كاذبة إلا أن يشهد لها برهان ..
وهذا قولنا إلى يوم القيامة وإن لم تنزل هذه الآيات التي قطعت كذب كل كاذب ..

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري ..

(( يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا )) ..



والذي يحل أن يقال في النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة ولا يحل غيره ..

أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع هذه المقولة كما سمعها الناس ..

ولم يأته برهان قاطع على صدق هذه المقولة أو كذبها ..



فلم يحكم بناء على ظنه هذا بالتصديق أو التكذيب ..

وإنما سأل أسامة وعلي ليعلم إن كان قد فاته شيء من خلقها لم يكن يعلمه ..

وعندما أخبرته الجارية بطهارتها وخلوها من الريبة سكت ..

رغم أن علي قال النساء كثير يريد أن لك الزواج من غيرها ..

ورغم ذلك سكت وتركها على طلبها في أن تمرض في بيت والدها ..



ولو كان الحكم بالظن ههنا يجوز لحكم به ..

لكنه عندما زار أمنا رضي الله عنها ذكرها الله تعالى وأنها إن كانت قد أذنبت فالتوبة حق واجب عليها ..



ولم يحكم عليها بشيء أصلاً ..

لأن اتباع الظن وهو اتباع ما يقال في خلق الناس وإيمانهم وتقواهم لا يجوز ..

بل لا يحل إلا إحسان الظن بهم فقط ..

فأي عمل بالظن ههنا .. ؟!

وأي عمل به ونسبة ذلك العمل إلى الله تعالى وشرعه ..؟!



هذا دليل بطلان ما تقوله من جواز العمل بالظن ..

وأجبت عليه لئلا يظن أحد أن دلالته صحيحة على هذه الدعوى ..



وقلت حفظك الله ..
(( و قال تعالى {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ }ص24 و هذا ظن من داود عليه السلام اتبعه و عمل به فاستغفر ربه و تاب إلى الله تعالى )) ..



ليس كل لفظة ( ظن ) واردة في القرآن تعني الظن الذي تريده ..

فداود عليه السلام ههنا يعلم أنه استعجل في الحكم وحكم بالخطأ ..

ثم ظن أن استعجاله هذا وحضور هذان الرجلان لسؤاله كان لأجل ابتلاء الله تعالى له فاستغفر من هذا الحكم وخر راكعاً وأناب ..



فالله تعالى جعل الحكم بالاستعجال دون التمييز للبينة وسماع حجج الخصوم خطأ ..

فعلم داود عليه السلام هذا الخطأ فتاب منه ..



وليست التوبة من شيء إلا إن كان ذنباً أو خطأ ..

وليس هذا في محل النزاع أصلاً ..

فأين جواز العمل بالظن ههنا .. ؟

وأين جواز نسبة هذا الظن إلى الله وشرعه .. ؟!

فالذي ظنه داود هو ظلم أحدهما للآخر وابتلاء الله تعالى له وليس عمله الذي أفتى به ..

لأنه لو كان يعلم أنه قد استعجل في الحكم لما حكم ..

فهو أدرك أن حكمه كان فيه خطأ ..

فاستغفر ربه وأناب من فعله ..


فلو كان عمله بالظن هنا قد أقره الله تعالى وصححه ونسبه إليه لكان استدلالك بها صحيح على ما تدعيه ..
لكن الله تعالى خطأ داود عليه السلام ولم يصحح قوله ولم ينسبه إليه ..
وميز داود عليه السلام هذا وتاب منه ..
وإن قلت هل له أجر قلنا نعم لنيته في إصابة الحق لكنه أخطأ في سماع البينة وحجج الخصوم فيرد هذا الحكم ولا ينسب إلى الله تعالى لأنه لم يأمره بأن يحكم بين الناس بالظن ..

فتأمل بارك الله فيك ..



وقلت حفظك الله ..
(( و قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }الحجرات12 فبعض الظن ليس بإثم و ما كان ليس بإثم لا يقال بوجوب اجتنابه و إنما يجب اجتناب ما كان إثما من الظن فلزم جواز العمل ببعض الظن و هو ما يقصد به الظن الغالب أو الراجح و جواز العمل ببعض الظن ينقض القاعدة الكلية بحرمة العمل بالظن و إن كان راجحا .)) ..

هذا استدلال ابن العربي المالكي وغيره من أهل العلم وهو خطأ ظاهر ..



فالظن في الآية ..

ظن صحيح وظن باطل ..

وهو ما قالوه أن بعض الظن ليس بإثم وبعضه إثم ..

فيجوز أن نعمل بذلك الذي ليس بإثم ..



فالظن هنا هو ما انقدح في نفس وذهن الناظر أولاً بأمارات ترجحه ..

لكن كيف نعرف أن هذا الظن إثم أو ليس بإثم .. ؟!

لأن المستدل بهذه الآية يقر بأن هناك نوع فيه إثم ونوع لا إثم فيه ..



ولا يتضح هذا إلا بالبرهان ليرفع لنا هذا الإشكال والإجمال ..

وبالنصوص الأخرى وهذا النص عرفنا أن الظن يكون إثماً إن لم يكن صادقاً أو يصدق على المعنى الذي انقدح في نفوسنا أولاً بتلك الأمارات ..



فعلمنا أن الظن الذي هو إثم ما كان يكذبه البرهان ..

وعلمنا أن الظن الذي ليس بأثم ما كان يصدقه البرهان ..



فما قلته ..

فإن بعض الظن ليس بإثم وما كان ليس بإثم فلا يقال بوجوب اجتنابه وإنما يجب اجتناب ما كان إثما من الظن ..



فأخبرني أي الظن ههنا الإثم من غيره .. ؟!

إن كان بعض الظن إثم فلا يجوز استحضاره ولا التفكير به ..

فكيف نعرف البعض الآخر من الظن إن كان إثماً أو لا .. ؟!



فالآية تقول ..

يا أهل الإسلام اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض هذا الظن إثم ..

فما هو الكثير هذا وما هو البعض هذا .. ؟!



فليس لكم إلا أن تقولوا أن الذي ليس بإثم هو الذي لم ننهى عنه ولم يكن معصية ..

وأن الظن الكثير الذي فيه الإثم هو ما نهينا عنه ..



فإن قلتم قد نهانا الله تعالى عن اجتناب الكثير فبقي القليل الذي لا إثم له ..

فكذلك نقول لكم هاتوا برهان هذه الظنون التي قلتم أن الله تعالى لم ينهكم عنها وهي جواز العمل بالظن ثم نسبة هذا الظن إلى شرع الله وإلزام الناس به .. !


والصحيح في الآية أن الظن ههنا إذا أيده برهان يصدقه كان ظناً أولاً ثم صار قطعاً ..
كما قلت بأن تقوم بينة على أن فلان شارب للخمر ..

فالناس قبل قيام البينة ظنوا به أنه فاسق شارب للخمر ..

وقد أثموا لظنهم هذا لعدم قيام برهان عليه أولاً ..

فصار الظن هذا قطع بناء على تصديق البرهان له ..



وبأبسط من ذلك ..

الظن الذي قلنا أنه إثم سنقول بناء على أنه معارض للنص ..

فمن ظن بإنسان أنه فاجر فاسق ولم يكن له في ذلك بينة من برهان قاطع على ذلك فهنا يحرم هذا الظن لوجوب الظن بأهل الإيمان الخير إلا إذا قامت بينة من شهود أو إقرار ..

فنحن لا نحكم على صدق وصحة ظن إلا إذا أيده برهان ..

وهذا محل اتفاق بيننا ..



يبقى البعض الآخر من ذلك الظن ..

الذي لم يشهد له برهان لا بصدقه ولا بكذبه ..

وهذا الذي نازعناكم فيه وقلنا قولكم فيه دعوى خالية من برهان يصدقها ..



أما استدلالك بحديث البخاري ..
(( أخرج البخاري و غيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ) و معلوم ان الحاكم إذا أجتهد فأخطأ لم يصب الحق مع اجتهاده فإما أن يقال بأنه كان جازما بحكمه فيرد هذا القول بأنه لم يصب الحق في نفس الأمر فلم يكن هذا جزما و إن كان يظن أنه جازم لأن العلم الجازم هو ما وافق الحق في نفس الأمر او يقال بأنه كان يغلب على الظن صحة هذا الحكم فحكم به فأخطأ و على كلا الأمرين يجوز العمل بالظن الراجح و اتباعه لأن ما كان في نفس الأمر ليس على الحقيقة و إن كان يدعي الجزم فيه إنما هو ظن راجح لا علم جازم و ما كان يظن بأنه ظن غالب و اتبعه ثم لم يأثم بذلك دل على جواز اتباع هذا الظن .)) ..



ونقول وبالله تعالى التوفيق ..

قد بينا كل ذلك آنفاً ونزيده بياناً بعون الله ..

لازلت لا تفرق بين ما نتكلم به وننازعكم وبين ما نتفق عليه معكم ..

فانظر إلى تعليقي الأول تعرف الفرق جيداً ..



نحن نقول لا يجوز الحكم في الدين بالظن ولا يجوز نسبة هذا الظن إلى الله تعالى وشرعه ..

فالمجتهد إذا اجتهد إن كان اجتهاده بناء على الظن والرأي فهذا خطأ وإن أصاب الحق عند الله ..

وقد ذكرت أنت بنفسك هذا الأمر ..

(( فمن بلغه أمر و أتى منه ما استطاع اعتقادا و عملا فقد برئت ذمته و لم يطالب بما لا يقدر عليه و من فرط في طلب الحق و لم يستفرغ وسعه فهو آثم و إن أصاب الحق في نفس الأمر و إثمه لا لأنه أصاب الحق و لكن لتفريطه فيما أمر به من طلب الحق .)) ..

وقد قسمت أنت أيضاً قول المجتهد إلى قسمين وقلت أنه إن لم يوافق الحق في نفس الأمر ..

إما أن يقال بأنه كان جازماً بحكمه ..

أو يقال بأنه كان يغلب على الظن صحة هذا الحكم ..



وبناء على ذلك فيصح العمل بالظن ..



فقد بينت أن الله تعالى لم يأمرنا بأن نقول بشيء في دينه وننسبه إليه بناء على الظن ..

وهذا المجتهد الذي حكم بشيء ولم يوافق الحق قد يكون قاطعاً بأنه حكم الله ..

أو أن ذلك بناء على غلبة الظن ..



فإن كان قاطعاً بأن ذلك مراد الله تعالى فلا يعني صدق قطعيته هذه ويقينه ..

ولو تأملت في الحجج واليقين والقطعية جيداً لأدركت ما أخطأت به ..

لا يعني أن يقول القائل هذا يقين وقطع أنه يقين وقطع عند الله ..

بل قد يخطئ القائل هذا ويظن بشيء أنه يقين وقطع وهو ليس كذلك في حقيقته ..

لأن اليقين لا يبطل اليقين في نفس القضية الواحدة والحكم الواحد ..



فلا بد أن أحد اليقينين الذين يدعيهما القائلين ههنا خطأ ..

فإما أن المجتهد كان يقول بشيء ويعتبره يقين وهو ليس كذلك في مسائل الأصول ومصادر التشريع ..
كمن يقول بإجماع أهل المدينة مثلاً أو أن قول الصحابي حجة شرعية ..
فهذا بناء عن ترجيح وعمل بالظن في هذا الأصل قال بأن الحكم في هذه المسألة الفرعية يقين بناء على أصله في حجية عمل أهل المدينة أو قول الصحابي مثلاً ..



فهنا يقينه خطأ لأنه مبني على الظن ..

وكذلك لو قال أحد أن حكمي هذا يقين وهو يستدل بالإجماع السكوتي ..

وهو ممن يعتبره ليس بحجة أو حجة ظنية ..



فقوله باليقين هنا في المسألة الفرعية خطأ لأن مبناها على ترجيح بالظن أو الخطأ ..



فكل من يدع القطع بشيء وجب أن نقف وننظر من أي وجه قال بذلك ..

فإن قال أن تفسير ودلالة النص أخذناها من اللغة التي خوطبنا بها ولا دليل أو إجماع يصرف هذا المغنى كان قاطعاً في دلالة الآية ..

أو إذا أخذ بتفسير النص من نص آخر أو إجماع كذلك ..

أو أدرك هذه الدلالة بما يدركه كل عاقل من القضايا العقلية التي يسلم بها كل الناس العقلاء ..

كقوله تعالى في اجتماع الناس على أهل الإيمان ..

فالمعلوم أن الناس كلهم لم يجتمعوا بل اجتمعت طائفة من الناس وهو الكل في تلك المحلة وذلك المكان ..

وهذه تدرك ضرورة ..



فهنا نستطيع أن نحكم على قول فلان أن ذلك قطع ..

أما غيرها من الطرق التي تستنطق النصوص فلا تعطي هذه القطعية أصلاً ..

ومن يدعي هذا فقد وقع فيما يبطله أهل الرأي أنفسهم ..

فكل هذه الطرق تعطيهم الظن ولا تعطيهم القطع بالشيء ..



فالحجة لا تبطل الحجة وهذا أس خطأك في هذه المسألة ..

فالدعوى بالقطعية لا تصح إلا بالبرهان على ما يدعيه المدعي ..

فإن ادعاه وأخطأ بتطبيقه فنعرف أنه ظن لم يكن قطع ..


فكم من قائل بالقطع بان خطأ قطعيته لأجل تخصيص لعام فاته أو تقييد لمطلق ..
أو لأجل ناسخ لم يعلمه ..
وهذا معلوم ويخبرنا أن الذي قطع على مثل هذه الأمور قبل ورود هذا التخصيص والتقييد والنسخ مثلاً كان قاطعاً بما تحت يده ولم يكن قاطعاً بالحق عند الله تعالى ..
فهو أصاب من هذه الجهة لأنه عمل بما أمره الله تعالى وكلفه ..
فيأتي من بعده ليخبرنا أن قول فلان خطأ وإنما هو ظن منه لفوات هذه المقيدات أو النواسخ عنه حين حكم ..

وهو قد أخذ الأجر وإن أخطأ في تطبيق القطع في ذلك النص ..

أما الاجتهاد بالظن وهو يعلم أن تلك ظنون لا توجب القطع فهذا شأن المجتهد وحده ..

فلا يحل له أن يقول ذلك دين الله وشرعه ولا أن يلزم به الناس ..

وهذه قضيتنا ومسألتنا وليس غيرها ..


وقد قلت لك سابقاً ..
لا يجوز أن نقول بشيء بالظن في الدين ثم ننسبه إلى الله تعالى وشرعه ونلزم الناس به ..

فلم تأت بما يعارض هذا البتة ..

بل شرعت في تبيين الظن وكأن الظن أمر معضل لا يدرك إلا بكثرة الكلام عليه ..



وقلت ..
(( هذه بعض الأدلة على ما ذكرناه و غيرها كثير و لولا خشية الإطالة لذكرتها بالتفصيل .)) ..



قد أطلت كثيراً ولم تعترض على أس مسألتنا هنا ..

وليت الباقي مما سأقرأه الآن يتعلق بها ..


وتعليقي جاء لئلا يظن أحد أن هذه الدعوى صحيحة ..
فأرجو أن يكون تعليق من يعلق على ما ذكرته بأن يذكر دليل جواز العمل بالظن في أحكام الديانة وجواز نسبة هذا العمل المبني على الظن إلى الله تعالى وشرعه ..

وهذه هي التي ذكرتها وأعترض عليها أخي الفاضل ولم يأت بدليل يؤيدها ..


وبالله تعالى التوفيق ..

ابن تميم الظاهري
30-06-05, 09:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ..

وهذا التعقيب على تعقيبك الثاني ..

قال ابن تميم الظاهري ..
نقل أخونا الفاضل ما قلته في أحد تعقيباتي وعلق عليه وقال ..
((و أما قول الأخ الفاضل بن تميم ( وقد يحكي البعض ما أمرنا به في قبول شهادة الشهود مع أننا لا ندري صدق وكذب الشاهد ونحكم بناء على ظننا ..
وهذا خطأ ..لأن الحكم بناء على الشهود أمر قطعي ثبت بالنص الصحيح باتفاق الجميع ولكن كون هؤلاء كذبوا أو صدقوا فلا يعنينا هذا .. لأن الله تعالى أمرنا أن نحكم بناء على ظهور البينة وتحققها دون التفات إلى صدق المخبر والشاهد وكذبه ..لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حكم ذكّر الشهود بالله أو قال ..من قضيت له فإنما أقضي له بقطعة من نار أو كما قال بأبي هو وأمي ..من كان ألحن بحجته من صاحبه وقدم الشهود وهم يكذبون فيما شهدوا فلم يكلفنا الله الحكم إلا بتحري البواطن ..فالشهادة أمر .. وصدق الشهود أمر آخر ..لذلك وجدنا الذي ينهى ويخوف الشاهد إن أراد الكذب بتحذير الشارع له بأنه إن كذب فتلك شهادة زور وهي كبيرة من الكبائر ..وكذلك الصلاة إلى القبلة ونحوها ففرق بين أن نؤمر بأن نصلي إليها مع التحري وبلوغ الجهد في ذلك التحري وبين إصابة عين الكعبة .. ) .)) ..

هذا ما قلته ونقله عني ثم عقب عليه بأن قال ..
(( أقول يجب التفريق بين التأصيل و التنزيل و بين تحقيق المناط و تنقيحه قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والاجتهاد في ‏(‏تحقيق المناط‏)‏ مما اتفق المسلمون عليه، ولابد منه كحكم ذوي عدل بالمثل في جزاء الصيد، وكالاستدلال على الكعبة عند الاشتباه ونحو ذلك، فلا يقطع به الإنسان، بل يجوز أن تكون القبلة في غير جهة اجتهاده، كما يجوز إذا حكم أن يكون قد قضى لأحدهما بشىء من حق الآخر، وأدلة الأحكام لابد فيها من هذا؛ فإن دلالة العموم في الظواهر قد تكون محتملة للنقيض، وكذلك خبر الواحد والقياس، وإن كان قوم نازعوا في القياس، فالفقهاء منهم لم ينازعوا في خبر الواحد كالظاهرية، ... ) . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
ما علاقة تحقيق المناط ههنا في مسألتنا ..
وكلام ابن تيميه بأن الاستدلال على الكعبة لا يقطع به الإنسان لم أقل بخلافه حتى تأتي بما يؤيده ..
بل قلت آنفاً فرق بين أن نؤمر أن نصلي باتجاه الكعبة وبين أن نصيب عينها ..
فالمطلوب منا وهو ما نقطع به الصلاة باتجاه القبلة ..
أما إصابة عينها فلم يطلب الله تعالى ذلك ..
ولو طلبها لذكر لنا بطلان صلاة من لم يصل لعينها ..
وهذا متعذر أصلاً لأنه لا يجزم أحد إن كان أصاب عينها أو لا ..
وإنما المطلوب فقط الصلاة تجاه القبلة وهذا ما نقطع به ..
أما الظن أو القطع في إصابة العين فهو غير مطلوب منا أصلاً ..
فكل من صلى باتجاه القبلة فقد عمل بما أمر قطعاً ..
وكذلك كل من شهدوا عنده بحق فيجب عليه الحكم بما شهدوا إن كان قد ثبت عنده عدالتهم ..
ولا نلتفت لكذبهم أو كون شهادتهم زوراً أو غيره ..
لأن هذا الظنون لم يكلفنا الله تعالى بالبحث عنها ..
فلا أدري لأي وجه ذكر الفاضل كلام ابن تيميه في هذه القضية ..
وكل أدلة الشرع من القرآن والسنة والإجماع هي على ما فيها من دلالة أولاً ..
ثم تأتي النصوص الأخرى المبينة أن تلك الدلالة ليست على عمومها ونحو ذلك من النسخ والتقييد ..
وليس هذا كلامنا أيضاً ..
بل كلامنا هل يجوز العمل بالظن في أحكام الله تعالى وأن ننسب ذلك الحكم المبني على تلك الظنون إلى شرع الله .. ؟!
هذه قضيتنا وغير هذه فهو فضول وفوائد تناسب من يتبعها أو يقلدها أو يحققها ..
وكل المنقول عن ابن تيميه لا علاقة في القضية المتنازع فيها ..
فما علاقة المؤثر في الكفارة واختلاف الفقهاء في فساد الصوم وغيرها .. ؟!
لذلك سأتجاوز ما فيه مما لا علاقة له بما نتكلم عليه ..
وقلت حفظك الله ..
(( فكما أنه يجب الإجتهاد و استفراغ الوسع في تحقيق التأصيل كذلك يجب استفراغ الوسع و الإجتهاد عند التنزيل و هذا بإجماع العلماء لذا لا يقال بأنه لا يعنينا صدق الشهود أو كذبهم بل يعنينا هذا و يجب علينا الجزم به فإن لم نستطع الجزم فغلبة الظن تكفي و لكن يقال بأنه بعد الإجتهاد و استفراغ الوسع لا يأثم من أخطا في الحكم و هذا يعم التأصيل و التنزيل فإنه كما أنه يجب الإجتهاد في التأصيل كذلك يجب الإجتهاد في التنزيل و كما أنه يقع الخطأ في التنزيل يقع الخطأ في التأصيل و هذا أمر محسوس مشاهد يدركه كل طالب علم مارس الفقه و أصوله فكم من مسألة من المسائل الكلية اختلف أهل العلم فيها بحسب العلوم و الفهوم و مثل هذا لا يحتاج إلى تمثيل و خطأ أهل العلم في هذه المسائل إنما هو خطأ بسبب اتباع الظن الغالب فيظن الفقيه بحسب اجتهاده و يحكم عليها بما ظهر له ثم يخالفه آخر فيحكم بحكم يناقضه فمن أصاب الحق منهم فقد أصابه إما بجزم أو بغلبة ظن و من أخطأه أخطأه و لا شك بغلبة ظنه لا بجزمه لأنه لو جزم لوصل إلى الحق و من أخطأ الحق لا يقال بأنه جازم لأن الجزم هو إدراك الأمر على حقيقته و هذا لم يدركه .)) ..

أين التأصيل والتنزيل في كلامي وما نقلته بارك الله فيك .. ؟!
هل قولي أن الشهادة قد طلبها الله منا وطلب قبولها ما دام الشاهد عدلاً يعني لك ذلك .. ؟!
فهذا الذي نقطع به وهو هذا الطلب بقبول شهادة العدول ..
فكيف نجتهد في هذا الأمر بارك الله فيك .. ؟!
فكيف إن لم نقطع ونجزم بذلك المطلوب فنكتفي بغلبة الظن .. ؟!
أي غلبة ظن ههنا تريد أن تقبل بها قول الشهود .. ؟!
وليس لنا اجتهاد هنا ونظر إلا بالتحري عن العدالة فقط ..
أما إذا ثبتت تلك العدالة فقد وجب القول بما توجبه تلك الشهادة إن خلت القضية عن معارض لها ..

وقلت بارك الله فيك ..
(( ثم إن القطع بالحكم الكلي و هو العمل بشهادة الشاهدين لا يعني ترك الإجتهاد في تحقق العدالة في هؤلاء الشهود و إلا أصبح الحاكم من أهل النار كما في الحديث عن ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ اثْنَانِ فِى النَّارِ وَوَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِى الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ جَارَ فِى الْحُكْمِ فَهُوَ فِى النَّارِ ((

فأي اجتهاد ههنا في تنزيل وتأصيل .. !
وكيف تثبت عدالة العدول .. ؟!
أتثبت أيضاً بغلبة الظن .. !

أليس الله تعالى قد بين لنا من هم الشهود العدول في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..
فعلمنا يقيناً أن الفاسق ليس عدلاً ..
وعلمنا أن من اتصف بكذا وكذا فهو فاسق ..
فكل هذه مبثوثة في النصوص ولا حاجة لأن يجتهد المجتهد فيها إلا في كونها متحققة فيه أو ليست متحققة بالبرهان القاطع وإلا حكم على شخص بالفسق أو عدم العدالة بالظن ..
ولساغ لكل أحد أن يجتهد في عدالة كل أحد ويخرجه من الملة بناء على غلبة الظن ..
فيقول قد رأيت العالم الفلاني أو الرجل الفلاني واقف عند خمّارة أو في خمّارة فهو بغلبة الظن ممن يشرب الخمر .. !
أو رأيته في مكان منعزل مع امرأة متبرجة فبغلبة ظني أنه متخفي عن أعين الناس لأجل منكر .. !
ولساغ أيضاً أن يقول رأيت فلاناً يدخل بنك ربوي فهو فاسق لعمله بالكبيرة أو الصغيرة بحسب رأيه بغلبة الظن .. !

فكيف هذا الاجتهاد الذي تطالب به بارك الله فيك ..
فإن قلت لا نحكم هكذا على عدالة الرجل فلا بد لك أن تبين الطريق الصحيح الذي نقطع به على عدالة فلان أو فسقه ..
وليس ذلك بالظنون وغلبتها بل بما يشهد به المزكون أو غيرهم بأن فلان من أهل العدالة وليس بفاسق ..
وليس التحري عن أمر العدالة أصلاً ..
وإنما التحري لإجل التثبت من فسقه لأن الأصل في المسلمين أنهم عدول ..
وما كان بخلاف العدالة هو الذي يطلب المرء التثبت منه ..
فإن نفاها النافون بيقين فأي اجتهاد تريد ههنا من المفتي أو المجتهد ..؟!

وقلت بارك الله فيك ..
(( و الحديث الذي ذكره الأخ بن تميم حجه عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا » فقد يقضي القاضي في حكم و لا يكون هذا القضاء موافق للحق فيعذر القاضي لاجتهاده و استفراغ و سعه و لا يعذر من قضي له بحق أخيه لأنه يجزم بأن هذا الحكم خلاف الحق و القاضي إنما حكم بما ظهر له و غلب على ظنه و لا يعني عذر القاضي أنه لا يبحث عن صدق الشهود و عدالتهم بل يجب عليه ذلك و فإن قصر أو فرط أثم و إن اجتهد و جزم و وافق جزمه الحق أو غلب على ظنه صدقهم حكم بما غلب على ظنه .)) ..

لا يكون شيء أو دليل تذكره أنت أو اذكره أنا حجة علي إلا إذا أبطل ما قلته في أول تعقيب وهو ..
لا يحل العمل بالظن في أحكام الله تعالى ثم نسبة هذه الأحكام المبنية على الظن إلى شرع الله تعالى ولا يحل إلزام الناس بها ..
أما ما عداه فليس بحجة علي ..
وأنما الحديث هذا حجة على من يبطل أن يكون حكم القاضي بناء على شهادة الشهود العدول حجة يجب العمل بها والمصير إليها ..
وقد قلت آنفاً ..
الحكم بشهادة العدول واجب وفرض على القاضي وهو أمر أمرنا به الله تعالى بما نقطع به ولا يشك بذلك أحد ..
وليس لنا البحث والتحري إن كان قد صدق في شهادته أو لم يصدق ..
إلا إذا ثبت كذبه فيها لأن السرائر لله تعالى ولم نطلع عليها كما لم يطلع عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ولسنا نتكلم ههنا عن الذي قضى له القاضي ..
فمن يعلم أنه أخذ حق أخيه بغير حق فهذا تشمله كل النصوص الواردة في تحريم مال أخيك إلا بحقها ..
فالقاضي إذا حكم بناء على غلبة ظنه أن فلان عدل فحكمه باطل ..
ولم يلزمنا الله تعالى بقبول شهادة إلا عدل نعلم ونوقن أنه عدل ..
والعدالة الدينية هذه التي نحكم بها تتعلق بظاهر الرجل ولا تتعلق بباطنه ..
فهذه الظواهر ظاهرة ويعرفها الناس ..
فمن حكم لأنه شهد عنده شهود أن فلان وفلان عدول ..
فيصح حكمه ..
وإن أتى من يبطل عدالة هؤلاء ببرهان وبينة أبطل القاضي حكمه السابق ..
لا كما يقول أهل الرأي أن الاجتهاد لا يبطله اجتهاد ..
فالمشهود عليه والذي أخذ حقه بتلك الشهادة الكاذبة باق على حقه إلى يوم القيامة ..
يرث هذا الحق بنوه وإن طال الزمان ..
فكيف نقبل بحكم القاضي بأن فلان عدل بغلبة الظن .. ؟!
بل لا يوجد نص من الشريعة يؤيد هذا الفعل ..
وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يبطل هذا التصرف والحكم ..
فهو حكم بما ظهر له من صلاح الناس وعدالتهم ..
ولم يأته أحد يبطل عدالة الشهود ..
ولا تحرى عن بواطنهم إن كانوا صادقين أو كاذبين ..
وهو حجة لنا والحمد لله رب العالمين ..

حاول أن تقتصر على محل النزاع أخي الفاضل لئلا نخرج إلى مسائل ليست في أصلنا هذا ..
وما جاوبت عليها إلا ليعلم القارئ أن هذه المذكورات والمنقولات ليس لها متعلق بكلامنا ..
وزدته لئلا يتوهم أحد معارضة لما قلته ..

وبالله تعالى التوفيق ..

يأتي الجواب على التعقيب الثالث وأرجو أن يكون متعلقاً بمسألتنا كذلك ..

ابن تميم الظاهري
30-06-05, 10:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ..

التعقيب الثالث على كلام الأخ الفاضل ( عبد الرحمن المطلاع ) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

قال الفاضل في تعقيبه ..
(( كنت قد ذكرت أن شيخ الإسلام رحمه الله نقل الإتفاق على العمل بالظن الراجح و لم أذكر كلام الشيخ بلفظه و الآن وقعت على كلام الشيخ رحمه الله و سأنقله مع فوائد كثيرة رحمها الله ذكرها في هذا الموضع تفيدنا في موضوعنا هذا )) ..

الاتفاق الذي نقلته وينقله كل من يتكلم في مسائل الظن هو ..
أنه يجوز يجتهد المرء في أمر الديانة ولكن إن كان عن ظن فلا يحل له أن ينسبه إلى التعالى ويلزم الناس به ..

فكلام ابن تيميه ههنا عن الثبوت وعن الدلالة ..
وما يعنينا هنا في مسألتنا من كلامه رحمه الله ما قاله في الدلالة ..
لأن كلامه في قطعية خبر الآحاد ونحوها من المسائل فهذه في قطعية الثبوت لا الدلالة إن تكلمنا عن أصلها ..
أما ما في هذه النصوص من دلالة فهو ما قاله ..
(( وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث‏:‏ هل هو نص أو ظاهر‏؟‏ وإذا كان ظاهرا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا‏؟‏ وهذا أيضا باب واسع فقد يقطع قوم من العلماء بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع‏.‏ )) ..

وقد بينا كيف يقطع أحد بشيء ويخالفه غيره في ذلك القطع ..
فالقطع بدلالة نص لا يعني صحة هذا القطع إلا إن كان كما يلي ..
أن يكون الأصل المتكلم فيه قطعي الثبوت ..
وأن تكون هذه الدلالة التي سماها ابن تيميه ظاهرة على ظاهرها ومفهومها في اللغة التي خوطبنا بها حتى يقوم برهان من نص أو إجماع أو حس على أن الظاهر هذا ليس هو المراد ..
فنأخذ بذلك الصارف عن تلك الدلالة التي ظهرت لنا أولاً ..
ونعلم أن القطع هو كذا وليس ما فهمناه من ظاهر النص أولاً ..

فإذا اختلف العلماء في ذلك وفي كون هذه الدلالة قطعية أو لا فنرجع إلى الله تعالى لنعلم كيف يزول ذلك الخلاف ..
لأنه أمرنا بالرد إلى كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع ..
فلما رجعنا إليه رأينا من فسر أو قال بتلك الدلالة لم يقل بقطع ..
إما لأنه استعمل الظن في تفسير هذه الدلالة مما لم نؤمر به وباتباعه وإلزام الناس به ..
وإما أنه استعمل ما يظن أنه قطع وقام برهان على إبطال هذا الظن وكشف حقيقة ما قال أنه قطع بأن بين لنا أن النص لا يريد تلك العبارة أو الجملة أو المفهوم ..

وليس في كلام ابن تيميه مخالفة لما ذكرته في أصل مسألتنا من أنه لا يجوز العمل بالظن ثم نسبة هذا الحكم المبني على الظن إلى شرع الله ودينه ثم إلزام الناس به ..

ولو قال قائل بأن هذا محل اتفاق لما أبعد ..
فالعبرة ليست بنقل اتفاق على مسائل خارجة عن محل النزاع ..
بل العبرة بأن تنقل لي اتفاق أهل العلم على إبطال ما نازعتك به فقط ..
فإن ثبت هذا بيقين لا شك فيه صرنا إلى قولك وإلا فهو دعوى كغيرها ..

والذي يقول يجوز العمل بالظن هذا وأن الله تعالى أمرنا به وقال أنسبوا ذلك الظن إلى شرع الله وألزموا الناس به يقول بدعوى ..
وليس له دليل على هذه الدعوى البتة ..

ولو كان هذا حق لكان واضحاً لكل أحد ..
فنصوص الله تعالى تمنع القول على الله بالظن والرأي ..
وفتاوى الصحابة والتابعين التي كانت عن ظن ورأي لم يلزموا بها أحدا من الناس ..
ولا قالوا هذا شرع الله ودينه ..

فمن قال بغير هذا فعليه بإسناد خلاف ذلك إلى الشرع والصحابة رضي الله عنهم ..
وإلا بقي قوله مجرد دعوى لا برهان يشهد لها وبها ..

ونقل الفاضل من كلام ابن تيميه أيضاً ..
(( وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين فإن كان قد تضمن حكما علميا مثل الوعيد ونحوه فقد اختلفوا فيه‏:‏ فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن وعيدا على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل ولا يعمل به في الوعيد إلا أن يكون قطعيا وكذلك لو كان المتن قطعيا لكن الدلالة ظاهرة وعلى هذا حملوا قول عائشة رضي الله عنها‏:‏ أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب قالوا‏:‏ فعائشة ذكرت الوعيد لأنها كانت عالمة به ونحن نعمل بخبرها في التحريم وإن كنا لا نقول بهذا الوعيد لأن الحديث إنما ثبت عندنا بخبر واحد‏.‏.. ) . )) ..

وهذا كما قلت ولا فرق ..
فقول ابن تيميه أن الظاهر هذا محل اتفاق هو ما أنكره علينا الأخ الفاضل ..
ثم استشهد به لقوله .. !

وقلت سابقاً ..
أن أهل الظاهر وقفوا على هذا الظاهر أو وقفوا على ما نقل عن هذا الظاهر ..
والناقل هذا كان بما نقطع أنه في لغتنا أو نص ثابت صحيح أو إجماع متيقن ..

أما غيرهم من أهل الرأي فقد صرفوا هذا الظاهر أو تأولوه بهذه الطرق أو بغيرها مما هي ظن ورأي ..

وقال الفاضل ..
(( هذا كلام الشيخ رحمه الله ( وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين .. ) و هذا القسم الأول ( بأن يكون قطعي السند والمتن وهو ما تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وتيقنا أنه أراد به تلك الصورة‏.‏ وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية‏.‏ فأما الأول فيجب اعتقاد موجبه علما وعملا، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة ) فالقسم الثاني ما لم نتيقن من أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أراد المعنى الذي فهمناه و القسم الأول تيقنا من مراد النبي صلى الله عليه و سلم و لا شك أن خلاف اليقين الظن و الظن إما ظاهر و هذا كما ذكر الشيخ يعمل به في الأحكام الشرعية بإجماع العلماء المعتبرين أو ظن مساوي و هذا لا يجوز اتباعه بإجماع العقلاء . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
كيف نعرف مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من النصوص .. ؟!

ألم يخبرنا الله تعالى أنه خاطبنا بلسان عربي مبين .. ؟!
فهذا أصل ..
ألم يخبرنا أن الإجماع اليقيني حق .. ؟!
فهذا أصل ثان ..
ألم يبين لنا في نصوصه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تخصيص العام وتبيين الظاهر ونقله وتقييده ونسخه .. ؟!
فهذا أصل ثالث ..

وأما ما عداها فلا يتحصل لنا منه قطع في بيان مراد الله تعالى ..
لأنه لم يأمرنا بغير هذه الأصول ولا خاطبنا إلا بها ..
فمن قال أنه خاطبنا بغيرها فليذكر برهان ذلك ..
وإلا فهي دعوى لا يصححها برهان ..

وما قلته عن هذه الأصول معلوم ومعروف ولا ينكره من قرأ في كتب العلم وعلم الأخبار ..
أما من لم يقرأ أو لم يميز الحقائق فيعترض ويقول هذه الأصول باطلة أو غير صحيحة ..
وليس لنا كلام ههنا مع من لم يقرأ ولم يحصل العلوم ..
ولا أظن أحد يكابر في هذه الأصول ..

ونحن نظن الخير في الفاضل ( عبد الرحمن المطلاع ) وهذا حقه على كل مسلم ..
نفع الله به ..

وقال الفاضل ..
(( و أنا ذكرت في مشاركاتي إجماع الفقهاء على العلم بالظن الراجح لأني أعلم بأن العلماء اختلفوا في العقائد هل يقبل فيها خبر الواحد أم لا ؟
و علة التوقف في خبر الواحد عند من توقف أن خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني و العقائد لا بد منها من العلم الجازم و إن كان هذا القول معدود من أقوال أهل البدع فلم يقل به أحد من السلف لا من صحابة و لا تابعين و لكن قال به بعض أهل العلم من أهل القبلة ممن يعتد برأيهم و يذكر قولهم في الخلاف . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
وقوفك ههنا ليس له وجه ..
لأن خبر الواحد ثابت ويفيد القطع في الاعتقاد والعمل ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ وفارق البرهان ..

وإن قال به بعض أهل القبلة كما قلت فلا يعني أن نقبله ونتوقف عن ذكر الاتفاق عليه ..
لأن من قال بهذا أخطأ بناء على طريقة أهل الكلام ..
فالعبرة بدليل المخالف وليس بقوله ومن هو ..
فكل من خالف البرهان في مسألة ما فلا يلتفت إلى قوله ..
وهنا يقع الخطأ في حكاية القول الشاذ والمخالف ..
فلا يعتبر بعض طلبة العلم بدليل المخالف وإنما يكتفي أن فلان مخالف فينفي الاتفاق ..

وأتابع ما قاله الفاضل ..
فالعلم اليقيني والظني عندهم ليس هو الذي عندنا شريعياً ..
فلا يلزمنا قولهم هذا ما دام قد عارض الشرع ..
والشرع قد جاء بقبول نذارة الواحد والأكثر مما أتوا به بعد أن فقهوا وتعلموا وحفظوا ..
وأمرنا بقبول نذارة هذا العدل الحافظ ..
فوجب القبول بقوله وما ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم ..
فتلك طرق القطع في هذه الشريعة ..
أما غيرها فهي طرق ظنية أو واهية لم يقبل بها الشرع ..

أما قولك ..
(( و هذا نص كلامي في هذه المسألة ( فالظن إذا كان بمعنى الجزم يجوز العمل يه بالإجماع و إذا كان راجحا يجوز العمل به بإجماع الفقهاء . ) . )) ..

فالظن أصله في اللغة الشك والتهمة وعدم القطع بالشيء إن أطلق فيما لا يشاهد ولا يعاين ولا جاء به الخبر القاطع ..
وراجع في ذلك مادة ظنن في كل المعاجم ..

وقد يأتي بمعنى العلم واليقين ..
إذا كان عن معاينة ومشاهدة وبخبر لا شك فيه ..

فإن ورد نص شرعي بكلمة ظن أو ظنوا فنحمله على ما جاء في لغتنا في الأصل ..
فإن نافاه معنى أخر في نص آخر جعلناه بمعنى العلم واليقين ..
فهذا في النصوص ..

وإن قلت كيف ذلك .. ؟!
قلت لك أن الشك والتهمة لا يصح أن نطلقها على أهل الإيمان من الرسل والأنبياء الذين وردت هذه اللفظة في كلامهم ..

إلا إن كانت هذه اللفظة واردة معنى الشك والوهم ..
فنجعلها على هذا المعنى ..

ومثال ذلك ..
ما ذكره البخاري في باب التفسير عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها وأهلها أنها قالت عندما سألها عروة عن قوله تعالى : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } أو كذبوا ؟ قالت : بل كذبهم قومهم ، فقلت : والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن ، فقالت : يا عرية لقد استيقنوا بذلك ، قلت : فلعلها أو كذبوا ؟ قالت : معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، وأما هذه الآية قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله .
قال أبو عبد الله استيأسوا افتعلوا من يئست منه من يوسف { ولا تيأسوا من روح الله } معناه الرجاء ..

قم نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكر خبر عائشة في موضع آخر وقال ..
حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن بن جريج قال سمعت بن أبي مليكة يقول قال بن عباس رضي الله عنهما { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } خفيفة ذهب بها هناك وتلا { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم فكانت تقرؤها { وظنوا أنهم قد كذبوا } مثقلة ..

وقال البخاري أيضاً ..
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن بن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى حتى إذا استيأس الرسل قال قلت أكذبوا أم كذبوا قالت عائشة كذبوا قلت فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك فقلت لها وظنوا أنهم قد كذبوا قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت فما هذه الآية قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك ، وقال : حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة فقلت لعلها كذبوا مخففة قالت معاذ الله ..

أما في كلامنا فلابد أن نقف على غرض القائل هذا ..
أي ظن يعني .. ؟!

فالظن استعمله العرب بمعنى العلم واليقين فيما كان من أمر أدرك من جهة الخبر أو المشاهدة والمعاينة ..

فلا تقول العرب أصلاً : أظنني حياً ، وأظنني جالساً ..
ولكن تقول أعلم أني حي جالس ..

فالرسل هنا في هذه الآية الذين كذبتهم أممهم فقد شاهدت وعاينت كفر أممها بها لتكذيب هذه الأمم لما جاؤوا به من الحق ..

وقد يقال أن القوم هم الذين كذبوا ..
لكن لنا علاقة في الظن هذا لا تفسير النص ..

فيجوز أن يقال علمت الرسل تكذيبهم وظنت تكذيبهم بمعنى اليقين ..
لا بمعنى الشك والتوهم والوهم والتردد ..

وغيرها من النصوص مثلها ..

فلا يطلق أحد في النصوص الشرعية والاستدلال لها لفظ الظن بمعنى العلم واليقين ..
وهذا مما لا تجده في استعمالات العلماء والفقهاء ..

فعند الكلام على اختيارات واجتهادات الفقهاء ليس لنا أن نطلق لفظ الظن ونعني به اليقين ..
فقولك : ( فالظن إذا كان بمعنى الجزم يجوز العمل به بالإجماع ) ..
ليس بصحيح وحكاية للإجماع على ما لم يجمع عليه في اجتهادات العلماء ..

فإن سموه ظناً راجحاً أو غلبة ظن في اجتهاداتهم ..
فلا يعني أحداً منهم أن يريد اليقين والجزم من لفظة الظن ..
بل المتردد والمحتمل لأوجه فأتى المجتهد فرجح معنى من تلك الأوجه ..

ونحن هنا نقول ..
اختيار وجه من تلك الأوجه ما دامت دلالته محتملة أو متردد لا يصح إلا ببرهان نقطع بأن المراد من ذلك النص هذا الوجه دون غيره ..

وليس هذا محل كلامنا هنا لكن نبهت عليه فقط ..

فنحن نريد دليلاً واحداً صحيحاً على دعوى جواز العمل بالظن والرأي ثم جواز نسبة ذلك الرأي والظن إلى الله تعالى وشرعه ثم جواز إلزام الناس به ..

هذه قضيتنا أخي الفاضل فاستدل لها لا لغيرها ..
فلا علاقة لنا باجتهاد المجتهد بالظن والرأي وقد قلت سابقاً أن هذا شأنه ولا يحل له أن يلزم الناس بهذا الظن والرأي المجرد من دليل وبرهان ثم يلزم الناس به ..
ونفيت أن يكون أحد الصحابة والتابعين قد عمل بتلك الطريقة التي ينادي بها أهل الرأي ..
بل اجتهدوا وأصابوا الحق أو خالفوه وكلهم له الأجر ..
ولم يلزموا أحد بقولهم ولا نسبوا ذلك الظن والرأي إلى الله تعالى ..

فما كان عندك يبطل هذا فأبن عارضته لنعلمه ونستفيد منك ومن علمك ..

وبالله تعالى التوفيق ..

يأتي الكلام على التقيب الرابع ..
وأتمنى كذلك أن يكون في محل النزاع لا في غيره ..

والله المستعان ..

ابن تميم الظاهري
01-07-05, 12:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب الرابع ..

قال ابن تميم الظاهري ..

عقب الفاضل ( عبد الرحمن المطلاع ) في تعقيبه الرابع وذكر أموراً يجب الوقوف عندها وتحريرها ..
وغالب ما ذكره الأخ الفاضل خارج عن محل النزاع في هذا المقال ..
إلا أنني اضطررت لبيانها حتى لا يتوهما أحد أنها من قولنا أو ليست من قولنا ..

قال حفظه الله ونقل عني ..
(( و أما قول الأخ الفاضل بن تميم ( وكذلك .. ما يطلق عليه ظن راجح ..
إن كان هناك ظن وظن فاحتار الناظر فيهما ثم رجح ظن منهما بناء عن برهان فلا يسمى المرجح بالبرهان ظن راجح بل هو يقين وقطع ..وكذلك ما يطلق عليه ظن غالب ..فنحن بين أمرين إما علم حقيقي وإما علم ظاهر وهو نحو الشهادة وغيرها ..ولو كانت هذه الظنون يأثم مخالفها لأثم أتباع المذاهب كلها ..
لأنه ليس هناك مذهب إلا وهو يخالف غيره بناء على الظن ..وإن قالوا اجتهاد هذا لا يلزم اجتهاد آخر ..قلنا وكذلك القول بالقطع واليقين فهو عمل بالثابت وترك المختلف فيه والمنهي عنه فلا محل للإنكار ..فالأمة كلها أولا تتفق على القطع واليقين من النص ثم يحصل الخلاف بعد ذلك بالظنون ..فهل نكتفي بالقطع هذا أو لا هنا يحصل الخلاف ..فالظاهرية وقفوا وقالوا نكتفي بما ظهر من النص والنصوص الأخرى باليقين ..وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ..فانظر في كل مسألة ترى القطع فيها أولاً على أنها من الله تعالى ودلالتها كذلك ثم يجتهد كل طرف في الزيادة على ذلك إما باليقين وإما بالظن ..وهي طرائق ومناهج .. )) ..

ثم قال الفاضل بعد هذا ..
(( أقول ذكرت ما نقله شيخ الإسلام من اتفاق أهل المعتبرين على العمل بالظاهر في الأحكام الشرعية و لم يقل أحد من أهل العلم بأنه عن ترجح أحد الظنون أو ترجح ظن معين عندهم و إن لم يكن هناك ظن مزاحم له لم يقل أحد من أهل العلم بأنه جازم على كل حال بما رجحه نعم قد يجزم بعضهم بما ثبت عنده و جزمه هذا مبني على ما بلغه علمه في هذه المسألة ثبوتا و دلالة و فهما و علما و قد لا يتحصل لغير هذا العالم هذه العلوم و الفهوم أو يتحصل له بعضها فيختلف الحكم باختلاف الفهم و العلم نقصا و زيادة )) ..

قد بينا كل ذلك سابقاً في تعقيبنا ..
وقال أيضاً ..
(( و أما الإثم فقد أجمع الصحابة و التابعين على أن المجتهد إذا استفرغ وسعه لا يأثم بل يؤجر على اجتهاده كما ثبت في الحديث الصحيح . )) ..

وهذه قضية قد أيدتها والحمد لله تعالى ..
فإن كانت هي حق عندكم أيضاً فلا إنكار على من وقف على القطع عنده ..
فإن كنتم ترون القطع بكذا وكذا فلا تنكروا على من وقف على القطع عنده في كذا وكذا ..

وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..
ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة ..
وإنما قلت لو كانت هذه الظنون والآراء في المذاهب يأثم مخالفها وتاركها لوقع قائل ذلك بتأثيم أتباع المذاهب والمقلدة كلهم ..
وهم لا يقولون بهذا ..
فصح عندنا أن هذه الظنون والآراء التي لا يقطع بها لا تلزم أحداً من الناس وليست شرع الله تعالى ودينه ..
وهذه قضيتنا التي أثبتها أنا وأنت اعترضت لإبطالها ..

فإن انتفى التأثيم لأحد علمنا أن ذلك الحكم المبني على الظن والرأي ليس مطلوب منا ولا كلفنا الله تعالى بالالتزام به ولا هو من شرعه ..
وإنما هو اجتهاد نال المجتهد به أجر طلب حكم الله ..
ولا علاقة لنا بقوله وظنه ورأيه لأن الله تعالى لم يأمرنا باتباع كل ظن أو الظن الراجح عند قوم وغير راجح عند غيرهم ..

ولو طلبنا من أهل الرأي ضبط هذا الأصل لنا لما استطاعوا ..
فيلزمون الناس التقليد لهذا الرأي والتأثيم إذا التزمه كأنه شرع من الله تعالى وهو لا يخرج عن كونه ظن أحد المذاهب أو العلماء ..
ومخالفهم في هذا الظن كذلك يفعل ويسطر في كتبه ..
فكلاهما ظن لا يرتفع فيه الخلاف وإنما يتأصل ..
والله تعالى دعانا لترك الخلاف والرد إلى كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
فمن قال لا يوجد فيه القطع فقد أبطل النص هذا ..
فعلمنا أن القطع موجود في النص أو بما خوطبنا به من لغتنا ..
فلم نحتج لبيان ذلك بأكثر من هذه الأصول التي أمرنا الله تعالى بها ..

فنعلم أنه لا معنى لإنكار من أنكر على أهل الظاهر وقوفهم على القطع من لغة أو نص أو إجماع أو حس ومشاهدة وترك هذه الظنون كلها ..

فنريد رفع الخلاف ..
فاعتصمنا بكتاب الله تعالى وما أرشدنا من طرق رفع الخلاف والتنازع ..
ومن قال أن الظنون ترفع الخلاف والتنازع ناقض نفسه ..

وقال حفظه الله ..
(( و أما الخلاف فهو واقع في الكليات كما يقع في المعينات و تتبع بسيط في كتاب الخلاف حتى المتقدمه كخلاف الصحابة و التابعين يجد أنه قد وقع خلاف بينهم في مسائل كلية )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لم نقل بهذا عن الصحابة رضي الله عنهم ولا عن أهل الظاهر ..
وإنما كلامنا هنا عن الخلاف في دلالات النصوص وكيفية التصرف فيها ..
فالصحابة وغيرهم ممن اجتهد في تلك المسائل لم يقل أن رأيه شرع الله ولا أنه يجب الالتزام به ..
فحرر لي هذه بارك الله فيك ..

وقلت أيضاً ..
(( و لم يتوقف أحد منهم في المختلف فيه و يتمسك بالمجمع عليه بل كل تكلم بما ظهر له لأنهم رضوان الله عليهم )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
من قال أني تكلم بهذه القضية .. ؟!
لم أقل أن الواجب التمسك بما هو مجمع عليه أصلاً .. !
بل قلت أن أهل الظاهر وقوفوا عند القطع من تلك النصوص بما يظهر منها أولاً ..
ولم يصرفوا هذه النصوص ولم يقيدوها ولا يفسروها ولم يخصصوها بالرأي والظن ..

وإنما هذا شأن أهل الرأي ..
فإن قال أحد أن لغتنا تقول أن هذه اللفظة مثلاً وهي ( القنطار ) تدل على كذا وكذا من الذهب ، وقال آخر هي كذا وكذا من الفضة ، وقال آخر هي كذا وكذا ، وفيها 10 مذاهب وأكثر أيضاً ..
فكيف نفسر هذا ونعرف مراد الله تعالى .. ؟!

فإن رجعنا إلى لغتنا العربية التي خاطبنا الله تعالى بها علمنا أن القنطار يطلق على المال الكثير في اللغة مع أن اللفظ أعجمي ..
واستعمله العرب بهذا المعنى ..

وعلمنا أن من قيده بحد معين أو وزن أو عدد معين أنه من عنده وليس من اللغة ..
ثم جاء عن الصحابة وعمر بن الخطاب يخطب على المنبر يريد الحد من المهور بقدر 500 درهم أو أقل أو أكثر باختلاف ما قيل عنه ..
فقالت المرأة : الله تعالى يقول : { وآتيتم إحداهن قنطاراً } فرجع عن قوله ولم يحد حداً للمهر كما ذهب إليه أهل الرأي وغيرهم ..

وإنما عمل بما عرفه العرب من هذه اللفظة وهو المال الكثير ..
ولا يعنينا أن يكون أحد في زمان ما أو مكان ما يستعمل هذه اللفظة لتحديد قدر معين من المال أو الوزن أو الكمية ..
لأن هذا اللفظ يختلف باختلاف الزمان والمكان فيما تواضع عليه الناس في كل محلة ..
فكما قيل أنه يطلق على الذهب والفضة فقط فقد ورد عن بلدان تستعمله في وزن الثياب واللباس ..
فلا يعنينا هذا التواضع من أهل محلة ..
بل نلتزم ما عرفه العرب في هذه اللفظة وهذا قطع من قائله ..
أما من حدده فيبطله له استعمال العرب ثم ما تواضع عليه الناس ..
فقد أخبرني شيخي ووالدي الأستاذ الدكتور محمد رواس قلعه جي أن في الشام ومصر تستعمل لفظة القنطار على وزن مائة رطل ..
وذكره أيضاً في كتابه معجم لغة الفقهاء ..

فكل هذا لا يكون حاكماً على كتاب الله تعالى ومفسراً للفظه بما يخالف ما خاطبنا به من لغة العرب ..

وكذلك إن جاءنا النص بلفظة ما كلفظة ( أكل ) فنحن وإياكم نعلم هذه اللفظة وبماذا تستعمل ومتى في لغتنا العربية ..
فلا يصح أن نقول أن كل لفظ أكل في القرآن أو السنة هو بالمعنى المعروف في اللغة ..
لأن النص ورد بمعنى آخر ..
فنضم هذه النصوص لنعلم التفسير الصحيح لتلك اللفظة ..
فعلمنا أن من أخذ مال غيره بسرقة أو خيانة أو غصب أو خديعة أو بإكراه فقد أكل مال غيره بالباطل ..
أي أخذه بغير وجه حق ..

فنفسر النص باللغة أو بالنص أو بالإجماع فقط ..
أما غيرها فليست من المأمور به في الشرع ..
ولا يكون تفسير فلان حجة دون غيره من أهل العلم ..
وقد نستأنس بذكر تفسيرهم إلا أننا لا نلزم بها أحداً من الناس ولا نقول أن ذلك دين الله تعالى إلا حيث أيد ذلك التفسير نص أو إجماع أو لغة فقط ..

فالمسألة التي لا ينكرها أحد ..
أن التفسير باللغة هو مطلوب شرعاً ..
وأن التفسير بالنصوص الأخرى مطلوب شرعاً ..
وأن التفسير بالإجماع مطلوب شرعاً ..

وهذا لا ينكره أحد أصلاً لا من أهل الظاهر ولا من أهل الرأي ..
ولكن الخلاف في غيرها من طرق تفسير النصوص واستخراج دلالته ..
فلا خطأ في كلامي لتعترض عليه ..
والحمد لله رب العالمين ..

وقلت بارك الله فيك ..
(( يعلمون - أي الصحابة - بأن الخطأ كما أنه قد يقع من غيره يقع منه ثم يعلم بأنه يجب عليه الإجتهاد و استفراغ الوسع و يعلم بأنه متى ما حقق هذا الأمر رفع عنه الإثم و ثبت له أجر واحد و متى ما أصاب الحق حتى لو كان الحكم بظن راجح حاز الأجرين لذا لما تحقق هذا الأمر في نفوسهم لم يتركوا الكلام في الفقه و غيره )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
قولك برفع الإثم لا وجه له ..

فلا إثم على من لم يجتهد أصلاً ..
لأن الناس مراتب وكل بحسب طاقته ..
فمن يقدر على النظر والاجتهاد ورأى الخطأ والباطل فواجب عليه أن يبينه ..
ومن لم يقدر على النظر والاجتهاد فالواجب عليه أن يسكت ولا يحل له أن يتكلم فيما لا يحسنه ..

ولم ننكر أصلاً جواز الاجتهاد لكل من قدر على ذلك ..
فلا محل للكلام على ذلك هنا ..

وإنما أنكرنا أن يكون اجتهاد هؤلاء بالظن حجة في الشرع وأن نقول هو شرع الله ودينه وأن نلزم به خلق الله ..

فاعترض على هذه ودع غيرها لنخلص إلى نتيجة يحققها من لم يعلم هذه المسائل ..

وقلت بارك الله فيك ..
(( و عمل الصحابة شاهد على بطلان هذا الأصل و أن العالم عليه أن يجتهد و يتكلم بالعلم خاصة في ما نزل على المسلمين و أن الخلاف ليس بمانع من البحث و الترجيح . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

نعم عمل الصحابة واجتهادهم يبطل أن يكون الحكم بالظن ملزم للناس وشرع لله تعالى ..
وللعالم أن يتكلم بالدين بما شاء فإن كان عن قطع وحققنا أنه قطع من الله تعالى وجب المصير إليه ..
وإن حققنا أنه ظن وليس بقطع وفات العالم القطع حقاً فلا يكون ملزماً لأحد وليس بشرع ولا دين الله تعالى ..

وقال حفظه الله ..
(( و هناك كثير من العبارات تريد تحرير كقول الأخ ( قلنا وكذلك القول بالقطع واليقين فهو عمل بالثابت وترك المختلف فيه والمنهي عنه فلا محل للإنكار ) هل هذه العبارة صحيحه بأن الظاهرية تمسكوا بالمقطوع و المتيقن و تركوا المختلف فيه و لا أريد أن أطيل في بيان الغلط في هذه العبارة و لكن أحيل الإخوة على كتاب المحلى لابن حزم لينظروا كيف صال بن حزم في مسائل شائكة مختلف فيها اختلافا بينا بين الصحابة و لم يتوقف عند المقطوع به و المتيقن . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
أخطأت ههنا لأجل ما ذكرته آنفاً ..
لأنك فهمت أني أتكلم عن المسائل المجمع عليها ..
ولم يكن هذا في كلامي البتة ..

وما قلته تاماً أعيده حتى لا يظن أحد أني قلت ما قاله عني الأخ الفاضل هو ..
(( إن كان هناك ظن وظن فاحتار الناظر فيهما ثم رجح ظن منهما بناء عن برهان فلا يسمى المرجح بالبرهان ظن راجح بل هو يقين وقطع ..وكذلك ما يطلق عليه ظن غالب ..فنحن بين أمرين إما علم حقيقي وإما علم ظاهر وهو نحو الشهادة وغيرها ..ولو كانت هذه الظنون يأثم مخالفها لأثم أتباع المذاهب كلها ..لأنه ليس هناك مذهب إلا وهو يخالف غيره بناء على الظن ..وإن قالوا اجتهاد هذا لا يلزم اجتهاد آخر ..قلنا وكذلك القول بالقطع واليقين فهو عمل بالثابت وترك المختلف فيه والمنهي عنه فلا محل للإنكار ..فالأمة كلها أولا تتفق على القطع واليقين من النص ثم يحصل الخلاف بعد ذلك بالظنون ..فهل نكتفي بالقطع هذا أو لا هنا يحصل الخلاف ..فالظاهرية وقفوا وقالوا نكتفي بما ظهر من النص والنصوص الأخرى باليقين ..وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ..فانظر في كل مسألة ترى القطع فيها أولاً على أنها من الله تعالى ودلالتها كذلك ثم يجتهد كل طرف في الزيادة على ذلك إما باليقين وإما بالظن ..وهي طرائق ومناهج .. )) ..

هذا نص كلامي ..
وهو ظاهر لا يحتاج كثير كلام وتحرير كما طلبت وقلت ..
فالخلاف ههنا في دلالة النص ..
وأهل الظاهر قالوا ووقفوا على تلك الدلالة القطعية من لغة أو نص أو إجماع ولم يزيدوا فيها برأيهم وظنهم البتة ..
وأهل الرأي قالوا بهذا وزادوا أيضاً التفسير بالرأي وتفسير التابع والصحابي الذي لم يكن عن توقيف وغيرها من الطرق التي لا تنتج قطع عند أهل الظاهر وعندهم إلا من جعل هذه الطرق تنتج القطع ولا يكاد يبلغ ذلك بالتحقيق ..

والإمام ابن حزم الظاهري إن وجدت له قولاً في تفسير لفظ أو معنى أو دلالة من نص بظنه أو رأيه بلا لغة أو نص آخر أو إجماع فاذكره لي لأني لا أجده ..

ولو كان الإمام أخطأ في مسألة أو مسائل كما تقول لقلنا أخطأ في العمل بهذا الأصل ..
وليس لنا في الإمام تقليد كما لغيرنا من أهل المذاهب في قبول قول إمام المذهب أو شيخه بكل شيء ..

فنحن ننظر إلى القول نفسه لا إلى القائل ..
فليتك تأتي بهذه المسائل التي قلت أن المحلى مليئ بها ..!
ففهمك لكلامي أن المقطوع به هو المجمع عليه لا يلزم منه خطأ وبطلان ما ذكرته ..

لأني قلت لك ..
أن التفسير باللغة وبالنص والإجماع مطلوب شرعاً منا يقيناً ..
وهذا لا تنكره أنت ولا أهل الرأي فهو باتفاق منا ومنكم ..
وإنما الخلاف وقع في غير هذه الطرق في تفسير النصوص وفهم دلالتها ..
فوقف أهل الظاهر على ما اتفقنا عليه أنه مطلوب منا في تفسير النصوص ..
وزاد أهل الرأي في ذلك ..

وقلت أيضاً أن لي عبارة تحتاج تحرير ..
و العبارة الأخرى ( وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ) هل المقصود بأهل الرأي ممن قال بالقياس أم المقصود به الأحناف و من أخذ برأيهم )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
أخي الحبيب وفقني الله وإياك للحق أينما كان ..
عبارتي لا إشكال فيها البتة ..

وأهل الرأي هم كل من قال بالدين برأيه وظنه سواء كان مذهباً يقلده الناس أو مفتياً أو غيره ..
فكل من قال بدينه برأيه وظنه وألزم الناس به ولم يكن قاطعاً بما يقول فهو من أهل الرأي ..

وقال الفاضل ..
(( و على كل حال القول بأن أهل الرأي قالوا بالتأويل و الصرف عبارة فيها الكثير من التجني و الإجحاف )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
قولي أن أهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف عبارة لا تجني فيها عند من يعلم التأويل والصرف ..
ولا إحجاف البتة إن تكلم المتكلم بطريقة قوم ..

إذا وردنا أمر هل نقول هو على الفور أو التراخي .. ؟!
إذا وردنا عام هل هو على ظاهره أو لا .. ؟!
إذا وردنا لفظ في اعتقاد أو شريعة هل نأوله بما لا تشهد له لغة أو شرع أو لا .. ؟!
وغيرها من المسائل في الخطاب الشرعي ..
كل هذه مسائل قال بها أهل الرأي قديماً وحديثاً ..
ولا أظنك تجهلها وتجهل مكانها ..

ولا أظنك لم تقف على مسألة ورأيت أهل الرأي يصرفون الأمر إلى الندب .. !
فالصرف عندهم يكون بالقرائن والقرائن هذه مختلفة باختلاف الناظر وعلمه ..
ولا تعطي هذه القرائن يقين إلا إن كانت مشاهدة معاينة تنتج ضرورة ..

فأهل الظاهر يبطلون تلك القرائن الظنية ويقولون لا صارف عن الأمر والظاهر إلا دليل أو إجماع ..

فلفظ ( استوى ) ..
تحكم به من تحكم وفسره بمعنى استولى ..
وهذا لا يحفظ في لغة العرب بما قاله أهل اللغة كالإمام ابن الأعرابي وغيره ..

فصرفوا وأولوا لفظ الاستواء الوارد بمعنى لا يؤيده برهان وإنما هو ظن منهم لتنزيه أو غيره كما توهموا ..
فلا يلزمنا هذا التأويل والصرف ونبطله لأن النص لم يأت به ولا كان من لساننا الذي عهده العرب ..

فإن التزم أحد بقواعد وضعها إمام لمذهب أو غيره أو مفتي فلا يكون ذلك عذراً في تأويل تلك النصوص لأجل معارضتها هذه القواعد ..
وقد علمنا أن النص والشرع لا يتعارض البتة ..
فوجب إبطال كل ما من شأنه إيجاد تلك المعارضة من قواعد وأصول لمفتي أو مذهب لا العكس ..
أن نؤول ونصرف الألفاظ عن ظاهرها ومعناها بحجة تلك القواعد المجتهد فيها وقد يكون دليلها ظني .. !

فأين الإحجاف والتجني بارك الله فيك ..

وقال حفظه الله ..
(( بل نفس الظاهرية الذين يشنعون على المخالفين قد وقعوا في نفي ما هو مقطوع من معاني الألفاظ بسبب أصول و قواعد باطلة عارضت عندهم النصوص )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
أين تلك القواعد والأصول التي قلت أنها عارضت هذه النصوص عند أهل الظاهر .. ؟!
اذكرها لنا بارك الله فيك لنعلم ما نقول فيها ..

وقال حفظه الله ..
(( بل تعدى هذا إلى الوقوع في تأويل نصوص مقطوع بمعناها كنفي بن حزم لحقائق اسماء الله تعالى و صفاته لأن الأسماء عنده أعلام محضه لا يثبت بها الصفات فالعليم عنده لا تدل على صفة العلم لأن الله تعالى ذكر الاسم و لم يذكر الصفة و لإثبات الصفة لا بد من دليل آخر و هذا المعنى يقطع كل عاقل منصف ببطلانه و لو علمنا بهذا الأصل في دين الله لتكلفنا من المشقة في فهم دين الله و لغة العرب بل و دنيانا ما لا نطيقه بل لكنا أضحوكة الأمم فكل لغات العالم تدل على أن الاسم كما أنه يدل على العلم فإن يدل على الحقيقة فلا يقول عاقل بأن تسمية الطبيب إنما تدل فقط على اسم الطبيب و لا تدل على أنه ممن يعمل في مجال التطبيب . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
كلامك في قول الإمام ابن حزم يدل على عدم فهمك لكلامه رحمه الله ..
فرق بين أن نطلق على الله تعالى لفظ ( صفة ) وبين أن يكون الله متصفاً بصفات الكمال كلها التي كان بها رباً ..

فالإمام قال بهذا النص ..
لا يجوز أن نطلق على أسماء الله تعالى لفظ ( صفات ) ..
فلا يصح أن نقول الرحيم وهو اسم من أسماء الله تعالى أنه صفة ..
فهل لفظ الجلالة وأسم الوهاب الرحيم ( الله ) صفة .. ؟!
وهل اسمه ( العليم ) صفة .. ؟!
وهل اسمه ( القدير ) صفة .. ؟!

لا علاقة لنا هنا إن كانت هذه مشتقة من صفة فيه أو لا ..
فكلام الإمام مع من قال أن الله تعالى صفة وكذلك قبله كان كلامه من قال أن الله تعالى جسم ..
لأنه عندهم لا يتصور شيء في الوجود إلا وهو جسم أو صفة ..
أي جوهر وذات يحمل أعراض وصفات ..
فكلام الإمام ههنا في إبطال أن يكون الله تعالى جسم أو جوهر أو عرض أو صفات ..

وقال في نفس المقام في كتابه الفصل بعد ورقات ..
أننا لا ننكر الاشتقاق في كل اسم فيه فعل لما هو محدث ..
كاسم الله تعالى ( المصور ، الخالق ) ..
لأن الله تعالى صوّر هذا الشيء وخلقه وهي كلها محدثة مخلوقة ..

وقال أيضاً ..
أن قولنا العليم والقدير والسميع والبصير كلها بمعنى واحد ..
أي أنها كلها تعني ( الله ) أي هذه أسماء لله تعالى فقط ..

وإن كان الإمام ينفي أن يكون الله تعالى متصفاً بصفات الكمال بما يليق به لم يكن يعبد إلا عدماً ..
فالواجب الرجوع إلى كتابه وجمع ما تكلم به كله وإفراده وتحقيقه وفهمه ..
ثم إن قال أحد بغير ما توصلنا إليه من كلام الإمام فلا علاقة لنا به ..
وإنما هو يتكلم عن غيره وينقل ما قاله وكلام الإمام المتكلم فيه يبطله ..

ومن ميز هذا ارتاح من هذا الإشكال ..
وقد حررته في منتدانا وأنت عضو فيه فراجعه بعنوان ( عندلة ظاهرية ويراع تميمي ) ..
وهو من كلام الإمام في باب الصفات نفسه وغيرها من كتبه ..

وقال حفظه الله ..
(( و غيرها من الأصول التي اعتمدها في كتبه ليس هنا مجال ذكرها )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
بل هذا محلها إن كنت تبطل قضية قلتها ..
وإلا فكيف تترك القضايا دون إبطال إن كنت ترى بطلانها ..
فاذكر هذه الأصول التي قلت عنها أنها ترك للقطع واليقين ..

وقال حفظه الله ..
(( مما جرأت أهل العلم الطعن فيه بل جاوز الحد بعضهم في عدم اعتبار أقواله في الخلاف . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
من تجرأ في الطعن في إمام فهذا بينه وبين ربه ..
ولا يعني كل من تجرأ في الطعن بأحد أن كلامه حجة ويجب المصير إليها ..
وقد طعن أناس في أناس ولم يكونوا قد فهموا مرادهم ..
فما قامت لتلك المطاعن حجة عند أهل التحقيق ..

ومن لم يعتد بأقوال أهل الظاهر في مسألة الخلاف فقد استراح بتلك الدعوى ..
التي ما صدرت إلا عن متأخر مقلد لمذهب من المذاهب الأربعة فسار عليها غيره ..

وإن كان الإمام ابن حزم طعن به أحد فلم يكفره أحد فيما أعلم ..
وإنما كفر بعض المقلدة والمتعصبين بعض من ذكرت أقوالهم ههنا ..
فما أنقصه ذم وتكفير هؤلاء ولا أخر علمه وتقواه وورعه وإيمانه ..

فكل من يطعن بغيره أو يكفره أو يذمه فليس كلامه بحجة شرعية يجب التزامها ..

وقال حفظه الله ..
(( أقول بأن القول بالأخذ بالمقطوع من العلم و ترك المختلف فيه مما يقطع ببطلانه بل هو قول مبتدع لم يقله أحد من السلف لا الصحابة و لا التابعين بل و لا أحد من أهل العلم ممن يعتد بقوله . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
هذا لأنك لم تفهم ما قلته من كلامي سابقاً وقد بينته الآن كثيراً ..
فنحن نتكلم عن المقطوع من الدلالة بطرق القطع التي أمرنا بها ..
فكل الأمة تتفق على أن هذه الطرق قد أمرنا بها في الشرع ..
أما الطرق الأخرى في فهم دلالة النص فهي ظنية لا يتفق عليها إلا أهل مذهب ما أو مقلدة ما لتلك الطرق ..

وأما القول الحادث ..
فهو القول بأن الحكم بالظنون هو شرع الله ، وأن تلك الظنون يجب أن يلتزم بها الناس ، وأن الصحابة رضي الله عنهم أفتوا وقالوا فتوانا هي شرع الله تعالى ، وجعلوا ملزمة لكل أحد ..

فهذا القول الذي تريدون إثباته ونريد إبطاله ..
لا غيره بارك الله فيك ..

فاقتصر عليه حتى لا اضطر للتعقيب على ما كان خارجاً عن ذلك القول ..

وقال حفظه الله ..
(( و القول بأن الظاهرية أخذوا بالمقطوع به و أن أقوالهم كلها مما هو منصوص عليه ثبوتا و دلالة قول باطل نقطع به و لا يختلف فيه عالم فإذا كان الخلاف ثابت قطعا بين الصحابة في الثبوت و الدلالة فمن باب أولى أن يكون ثابت لمن هو خلفهم )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
ما قطعت ببطلانه ذلك لأنك لم تفهم كلامي وقد بينته كثيراً الآن ..
ولا يعني وقوع الخلاف في الدلالة بطلان قول من قال بالقطع ..
فحرر هذه أخي لئلا تقع في تناقض أو إشكال ..

وإذا علمت أن من يقول بالقطع في دلالة ما قد لا يكون قاطعاً لأجل ما ذكرته آنفاً فقد استرحت من الاعتراض بهذا ..

تارة من يقطع يكون قاطعاً بما وصل إليه وبلغه ..
فإن بلغ غيره نص آخر أو إجماع لم يعلم الأول كان قطعه ظناً لأنه قد فاته تتمة ما يحكم به في القطع ..
وهذا يقع كثيراً ممن يقول هذا حكمه كذا يقيناً ..
فلا يعني أن حكمه كان باليقين صحيح ..
لما بينت سابقاً ..

وقال حفظه الله ..
(( و كلام الأخ بن تميم يدل على أن هذا مراده ( فالظاهرية وقفوا وقالوا نكتفي بما ظهر من النص والنصوص الأخرى باليقين ..وأهل الرأي قالوا بالتأويل والصرف ونحوها مما هو ظن ..فانظر في كل مسألة ترى القطع فيها أولاً على أنها من الله تعالى ودلالتها كذلك ثم يجتهد كل طرف في الزيادة على ذلك إما باليقين وإما بالظن ... ) فدعوى القطع و اليقين لا تسلم لكل من ادعاها فكم من مدعي للقطع و القطع بخلاف قوله )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
دعوى القطع واليقين قد بينا الكلام عليها ..
ولا تسلم تلك الدعوى إلا حيث قام برهان يؤيدها من لغة أو نص أو إجماع فقط ..
وقد تكلمت عن القطع وكيف يكون من المجتهد وبينت أنه لا يلزم قول أحد أنه قطع بكذا أن يكون فعلاً قد قطع لفوات نص أو إجماع ..

وقال حفظه الله ..
(( فهؤلاء أهل البدع قطعوا في أمر من المقطوع به بطلان قطعهم بل هذا بن حزم لا بد أنه كان يدعي القطع على أصل بن تميم بأن الاسماء أعلام محضه لا تدل على الصفات و مع ذلك خالفه في قطعه هذا بعض المعاصرين من الظاهرية فبأي قطع نأخذ بقطع المتقدمين من الظاهرية أم بقطع المعاصرين )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
قد بينت أن كلام الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله كان بنص ( لا يجوز أن نطلق على الله تعالى وأسمائه لفظ ( الصفات ) .. ) ..

فهذا نص كلامه ..
فهو يعترض على أن نسمي الرحيم صفة ..

وجاء العلامة الجهبذ ابن عقيل الظاهري وقال أخطأ الإمام في تطبيق أصول أهل الظاهر ..
ولا يعني أيضاً أن كلام العلامة ابن عقيل الظاهري هو المقطوع ..
وإنما العبرة بحقيقة هذه المسألة ..

فهل يجوز أن نقول أن الله تعالى وأسمائه صفات .. ؟!
إذا كان يجوز والقطع بخلاف قول الإمام ابن حزم الظاهري عندك وعند غيرك فاذكر دليل جواز تسمية الله باسم ( صفة ) ..
فإن كان لا يجوز ذلك عندك فلا تخطئ الإمام فيما تقر به ..

ثم مسألة كون الله تعالى متصفاً بالرحمة أو العلم أو غيرها وإن كانت مشتقة من أسمائه أو أسمائه مشتقة من صفاته فهذا أمر آخر ..

فما الفرق بين دعوى الإمام ابن حزم الظاهري ودعوى من خالفه .. ؟!
فإن كان ابن تيميه مثلاً قال أنه موافق للمعتزلة في باب الصفات ..
فقد قال الإمام أيضاً أن من سمى الله تعالى وأسمائه أنها صفات وافق المعتزلة ..
لأن أول من قال عن أسماء الله تعالى أنها صفات هم المعتزلة ..

فأي دعوى تصح بارك الله فيك ..؟!
وقولنا هو ..
لا تصح دعوى إلا إذا أيدها برهان من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..
أما غيرها فهي اجتهادات من أصحابها ليس هي الشرع وليست هي الدين الذي أمرنا به ..

ولو قال أحدنا لا أريد القراءة في كتاب ما يطلق عليه ابن تيميه وغيره توحيد الأسماء والصفات
وقال ..
واكتفي بأن أتلوا الآيات التي يوردونها إذا سئلت عما يسمونه صفات ..
فلا أزيد بها أن هذه مشتقة أو ليست مشتقة ..
فأذكر إذا سئلت هل لله يد قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } وغيرها ..
وإن سئلت هل لله عين ذكرت قوله تعالى : { فإنك بأعيننا } ..
وإن سئلت هل لله سمع أو بصر ذكرت قوله تعالى : { وهو السميع البصير } ..
وإن سئلت هل الله تعالى يشبه خلقه قلت : { ليس كمثله شيء } ..
وهكذا في كل ما يطلقون عليه صفات الله ..

هل يكفر عندكم .. ؟!

وقال حفظه الله ..
(( فالكلام في العلم يحتاج إلى أصول و قواعد و إنصاف و تجرد أما إطلاق الألفاظ من غير تحرير و تحقيق فكل يحسنه . )) ..

نعم هذا الواجب ..
فالاستدلال بنص ليس في محل النزاع لا يصح وليس تحقيق وتحرير ..
والاستطراد بما هو خارج عن محل النزاع لا يصح وليس تحقيق وتحرير ..

وهذا والحمد لله لم يكن في كلامنا ..
فكيف وأنت تتلوا قوله تعالى : { إن بعض الظن إثم } ..
فكيف علمت عدم تجردي وعدم إنصافي .. ؟!
أليس بذكرك نص يؤيد ما تدعيه ويبطل ما أثبته ثم لا أصير إلى قولك فيه بعد ثبوته .. ؟!

أليس عدم الإنصاف والتحقيق والتجرد أن نضرب الأدلة ولا نلتزم بها إن أبطلت قولنا .. ؟!
هذا ما أعرفه أنا عن هذا ..
وإلى الآن لم تبين لي دليلاً يبيح لك العمل بالظن والرأي ثم نسبة ذلك الرأي إلى الله تعالى وشرعه ثم إلزام الناس بتلك الظنون ..

وتتكلم فقط عن جواز الاجتهاد وهذا قولنا أيضاً ولا ننكره ..
لكن الخلاف وقع بعد هذا الاجتهاد ..
هل ينسب إلى الله تعالى ..؟
هل يلزم به الناس .. ؟
فهذا مما لم أجده في كلامك إلى الآن ..
ولم تجب عليه إلى الآن ..

فإن وجدته ثم رددته بالهوى والظن والرأي كان لك الحق أن تطلق هذه العبارات الأخيرة ..

فإن كنت لا تريد ذكر دليلك الذي أباح لك العمل بالظن ثم نسبه إلى الله تعالى ثم إلزام الناس به وأنت تعلمه فالواجب علي ذكره لأخيك لأنه لا يعلمه ..
ولا يجوز كتم علم على من سأله يريد الحق فيه ..
وكلامي معك لو كان لغاية التعصب وغيرها ما طال هكذا ..
وما أطلته إلا لنقف على حق من كلامنا ..

وقد يطيل الواحد منا بحسب المقام وقد يخصتر أيضاً بحسب المقام ..
ولا عيب في الاختصار على محل الشاهد والكلام ..

غفر الله لك ولي ..

فالذي أطلبه منك في هذه المسألة التي تنازعنا فيه أن تذكر لي دليل جواز العمل بالظن في الأحكام الشرعية وكذلك جواز نسبة هذه الظنون إلى الله تعال وشرعه فنقول : أن ذلك الحكم المبني على الظن هو شرع الله وقوله ..
وجواز أو وجوب إلزام الناس بهذه الظنون ..

فإن أتيت به وكان برهان لا شك انتهى هذا النقاش وصرت إلى قولك في هذه المسألة ولا بد ..

وإن لم تأت به خلت دعواك من البرهان وصح قولي أن القول بالظنون في أحكام الله لا تنسب إلى الله وشرعه ولا يجوز إلزام الناس بها والحكم بينهم فيها ..

وإن شاء الله لن أعلق على ما سيذكر مما هو ليس في هذه المسألة تحديداً حتى لا نطيل على طالب الحق والحقائق بما قد يحصله في مكان آخر ..

والله المستعان ..

ابن تميم الظاهري
01-07-05, 01:32 AM
تصويب ..
لعدم إمكان تصويب التعقيب لمضي وقت التصويب ..
ولو جعل أخواننا في الإدارة مدة التصويب والتعديل 24 ساعة لكان أوقف وأليق ..

قد قلت أنا ..
(( فالظن أصله في اللغة الشك والتهمة وعدم القطع بالشيء إن أطلق فيما لا يشاهد ولا يعاين ولا جاء به الخبر القاطع ..وراجع في ذلك مادة ظنن في كل المعاجم ..وقد يأتي بمعنى العلم واليقين ..إذا كان عن معاينة ومشاهدة وبخبر لا شك فيه .. )) ..

وصوابه ..
(( فالظن في أصله في اللغة الشك والتوهم والتهمة وعدم القطع بالشيء إن أطلق ، أما ما يدرك بالمشاهدة والمعاينة فلا يطلقون عليه ظن ، وإن كان قد أدرك بالخبر أو بغير المعاينة والمشاهدة فيمكن أن يراد به العلم واليقين في استعمال العرب )) ..

وقلت ..

(( فالظن استعمله العرب بمعنى العلم واليقين فيما كان من أمر أدرك من جهة الخبر أو المشاهدة والمعاينة .. فلا تقول العرب أصلاً : أظنني حياً ، وأظنني جالساً ..
ولكن تقول أعلم أني حي جالس .. )) ..

وصوابه ..
(( فالظن استعمله العرب بمعنى العلم واليقين فيما أدرك من جهة الخبر ، أو فيما أدرك من غير جهة المشاهدة والمعاينة ، فأما ما أدركناه بالمشاهدة والمعاينة فلا تستعمل العرب فيه الظن بمعنى اليقين والعلم فلا تقول العرب أصلاً : أظنني حياً ، وأظنني جالساً .. ولكن تقول أعلم أني حي جالس.. )) ..

ونعتذر على الخطأ في الطباعة ..

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
02-07-05, 11:35 AM
المسألة الأولى : قول الأخ الفاضل بن تميم ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..
لا تكليف إلا مع القدرة ..
فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به ..
سواء وافق الحق أو خالفه ..
فهنا ترتفع المؤاخذة فقط ولا يثبت الحق كما هو معلوم ..
ودليل هذه القاعدة بعض ما ذكرته من نصوص ..
فالوسع في قبول الشهادة بأن نتحرى عدالتهم فقط ..
فلا يكلفنا الله بعلم البواطن وما ينقض العدالة مما خفي علينا ..
فلم أخالفك ههنا أصلاً ... ) .
قوا الأخ ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..
لا تكليف إلا مع القدرة .. ) .
هذا الإتفاق الذي نقله عن أهل الإسلام غير صحيح عند إطلاقه و من المعلوم أنه يدخل في هذا الإتفاق أهل البدع من المسلمين قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف ما لا يطلق، وليس في السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق، كما أنه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر، وإطلاق القول بأنه يجبر العباد، كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين‏.‏
ولهذا كان المقتصدون من هؤلاء، كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأكثر أصحاب أبي الحسن، وكالجمهور من أصحاب مالك، والشافعي وأحمد بن حنبل، كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله يفصلون في القول بتكليف ما لا يطاق، كما تقدم القول في تفصيل الجبر، فيقولون‏:‏ تكليف ما لا يطاق؛ لعجز العبد عنه لا يجوز، وأما ما يقال أنه لا يطاق؛ للاشتغال بضده، فيجوز تكليفه، وهذا؛ لأن الإنسان لا يمكنه في حال واحدة أن يكون قائمًا قاعدًا، ففي حال القيام لا يقدر أن يفعل معه القعود، ويجوز أن يؤمر حال القعود بالقيام، وهذا متفق علي جوازه بين المسلمين، بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع، لكن هل يسمى هذا تكليف مالا يطاق‏؟‏ فيه نزاع‏.‏... ) .
و قال رحمه الله ( والناس متنازعون في مسمي الاستطاعة والقدرة، فمنهم من لا يثبت استطاعة إلا هذه، ويقولون‏:‏ الاستطاعة لابد أن تكون قبل الفعل، ومنهم من لا يثبت استطاعة إلا ما قارن الفعل، وتجد كثيرًا من الفقهاء يتناقضون، فإذا خاضوا مع من يقول من المتكلمين ـ المثبتين للقدر ـ‏:‏ إن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، وافقوهم على ذلك، وإذا خاضوا في الفقه، أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي‏.‏
وعلي هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة، وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها، فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير، وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل، فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين‏.‏
وكذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم‏؟‏ فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله تعالى ‏:‏‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏16‏]‏، فكل من أمره الله ونهاه، فهو مستطيع بهذا الاعتبار، وإن علم أنه لا يطيعه، وإن أريد بالقدرة القدرية التي لا تكون إلا مقارنة للمفعول، فمن علم أنه لا يفعل الفعل، لم تكن هذه القدرة ثابتة له‏.‏... ) .
أنا لا أخالف بأنه لا تكليف إلا بقدرة كما هو معلوم و متفق عليه عند الفقهاء و لكن لا يطلق هذا ثم ينسب الإتفاق لإهل الإسلام قاطبة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( الأمر والنهي، الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه‏.‏
سواء قيل‏:‏ يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فإنه لا خلاف أن تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في الشريعة، بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم، والقدرة تخفيفًا عنه، وضبطًا لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا، وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ‏.‏
وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادًا وراحلة عند جمهور العلماء، مع إمكان المشي لما فيه من المشقة، وكما لا يجب الصوم على المسافر مع إمكانه منه تخفيفًا عليه، وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف معه زيادة المرض وتأخر البرء، وإن كان فعلها ممكنًا‏.‏
لكن هذه المواضع هي مما تختلف فيها الشرائع، فقد يوجب اللّه في شريعة ما يشق، ويحرم ما يشق تحريمه، كالآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وقد يخفف في شريعة أخرى، كما قال المؤمنون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏، وكما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 28‏]‏‏.‏... ) .) .
قال الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول ( المسألة الأولى : إن شرط الفعل الذي وقع التكليف به أن يكون ممكناً فلا يجوز التكليف بالمستحيل عند الجمهور وهو الحق وسواء كان مستحيلاً بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى امتناع تعلق قدرة المكلف به . وقال جمهور الأشاعرة بالجواز مطلقاً ، وقال جماعة منهم أنه ممتنع في الممتنع لذاته جائز في الممتنع لامتناع تعلق قدرة المكلف به احتج الأولون بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوباً حصوله واللازم باطل لأن تصور ذات المستحيل مع عدم تصور ما يلزم ذاته لذاته من عدم الحصول يقتضي أن تكون ذاته غير ذاته فيلزم قلب الحقائق . وبيانه أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل فلا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين فتصوره إما على طريق التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين السواد والبياض ، وإما على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم اجتماع السواد والبياض ، وبالجملة فلا يمكن تعلقه بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات . والحاصل أن قبح التكليف بما لا يطاق معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى استدلال والمجوز لذلك لم يأت بما نبغي الاشتغال بتحريره والتعرض لرده ولهذا وافق كثير من القائلين بالجواز على امتناع الوقوع فقالوا يجوز التكليف بما لا يطاق مع كونه ممتنع الوقوع ، ومما يدل على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وقد ثبت في الصحيح أن الله سبحانه قال عند هذه الدعوات المذكورة في القرآن قد فعلت وهذه الآيات ونحوها إنما تدل على عدم الوقوع لا على عدم الجواز على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلاً ، قال المثبتون للتكليف بما لا يطاق لو لم يصح التكليف به لم يقع وقد وقع لأن العاصي مأمور بالإيمان وممتنع منه الفعل لأن الله قد علم أنه لا يؤمن ووقوع خلاف معلومه سبحانه محال وإلا لزم الجهل واللازم باطل فالملزوم مثله وقالوا أيضاً بأنه لو لم يجز لم يقع وقد وقع فإنه سبحانه كلف أبا جهل بالإيمان وهو تصديق رسوله في جميع ما جاء به ومن جملة ما جاء به أن أبا جهل لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه في أنه لا يصدقه وهو محال . وأجيب عن الدليل الأول بأن ذلك لا يمنع قصور الوقوع لجواز وقوعه من المكلف في الجملة وإن امتنع لغيره من علم أو غيره فهو في غير محل النزاع ، وعن الثاني بأنه لم يكلف إلا بتصديق وهو ممكن في نفسه متصور وقوعه إلا أنه ممن علم الله أنهم لا يصدقونه كعلمه بالعاصين . هذا الكلام في التكليف بما لا يطاق أو التكليف بما علم الله أنه لا يقع فالإجماع منعقد على صحته ووقوعه . ) .
فيجب التفريق بين وقوعه في الشرع و بين جواز وقوعه في الشرع . ) .
المسألة الثانية : الأخ الفاضل كأنه يخصص هذه القاعدة في العمليات دون العلميات فظاهر كلامه كل من اجتهد و استفرغ وسعه في العلميات فيما بلغه من أدلة سواء أدلة نقلية أو عقلية ثم لم يجزم باعتقاده لا يثبت له الإعتقاد لأنه دخله شك في اعتقاده فقال الأخ الفاضل ( فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين ..
وليس كما يصطلح عليه أهل الكلام في هذه المعاني ..
فالاعتقاد بالله وألوهيته وربوبيته وغيرها مما يجب اعتقاده لا يجوز أن يكون بظن أصلاً ..
فمتى ما دخل الشك فيه فقد بطل ذلك الاعتقاد ..
لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..
سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ..
ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..
هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ..
ولاحظ أمراً دقيقاً ..
أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..
فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..
أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ..
فمن دخل الشك في تصديق ما أتى الله به تعالى من أمور الاعتقاد وغيرها فليس بمصدق ..
لأن التصديق لا يكون مع وجود شك ولو برهة من زمان ..
فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد ..
وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! ) .
و هذا الكلام عليه عدة ملاحظات :
الأولى : فيجب أن نفرق هنا فروقات دقيقة يجب التنبه لها .
الفرق بين الشك و الظن .
قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157
سواء قيل الشك في قتله أو الشك نبوته فهم و إن قالوا بأنهم قتلوه ففي غرارة أنفسهم شاكين في هذا غير مستيقنين و غلبة الظن لا يكون فيها شك فالشك هو التوقف عن ترجيح أحد الأمرين و الظن الباطل هو اتباع أحد الأمرين من غير مرجح لا لا يجوز العمل بالشك لأنه من اتباع الظن و إنما يكون فيها ترجح أمر على أمر بمرجح ظاهر هذا هو غلبة الظن بإجماع أهل العلم المعتبرين كما نقل شيخ الإسلام عن الفقهاء و مع ذلك لم يكن هذا من قبيل الشك و لا من اتباع الظن و لا يقال هذا في العمليات و هذا في العمليات فمن فرق بين الأمرين فعليه الدليل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و هذا التفريق هو تفريق أهل البدع في فهمهم لنصوص الكتاب و السنة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية، فلا تثبت إلا بما يفيد العلم وأيضا فإن الفعل إذا كان مجتهدا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد‏.‏ فعلى قول هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقا ولا يثبت بها الوعيد إلا أن تكون الدلالة قطعية ومثله احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التي صحت عن بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه فإنها تضمنت عملا وعلما وهي خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في إثبات العمل ولم يثبتوها قرآنا لأنها من الأمور العلمية التي لا تثبت إلا بيقين‏.‏ وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد، فإن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة وبالأدلة القطعية أخرى، فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية‏.‏... ) .
فالتفريق بين العمليات و العلميات في الإعتقاد هو قول مبتدع مخالف لم ثبت من اعتقاد السلف .
و الدليل أن الأخ يفرق بينهم قوله ( فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد .. )
و الآية التي احتججت بها هي قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16 و هذه الآية عامة و لا شك و لم يذكر لنا الأخ وجه التخصيص و لا دليله مع أن الأخ ذكر أكثر من مره أنه لا يجوز التقييد أو التخصيص أو النسخ بغير دليل و تدبر كيف احتج شيخ الإسلام رحمه الله بهذه الآية على مسائل الإعتقاد ( وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏16‏]‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏)‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة ـ من هذه المسائل الدقيقة ـ قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين؛ لا شرعي، ولا غيره لم يجب علي مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين؛ بل ذلك هو الذي يقدر عليه، لا سيما إذا كان مطابقا للحق‏.‏ فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه‏.‏ )
و كلام الشيخ هذا فيه كذلك رد على قول الأخ بأن الإعتقاد يجب فيه التصديق المتيقن و إلا كان شكا و لا يصح الإعتقاد مع الشك و كلام الأخ هذا مبني على مقدمتين باطلتين :
الأولى : أن الإعتقاد لا يصح إلا باليقين و الجزم .
و المقدمة الثانية : أن من غلب على ظنه بمرجح ظاهر دخله الشك و من دخله الشك لا يصح إيمانه
النتيجه صحيحه من دخله الشك لا يصح إيمانه و لكن مبنيه على مقدمات باطله فإن المرء إذا ما اجتهد و استفرغ وسعه و غلب على ظنه أمر و اعتقده فهذا و لا شك ينفعه و هو ما قدر عليه و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
ثم إن من غلب على ظنه لا يكون شاكا لأن الشك هو استواء الطرفين لا غلبة الظن بأحد الأمرين فإن غلب ظنه بأحد الأمرين فله حالين :
الأول : إذا غلب ظنه بمرجح ظاهر فلا يدخل في اتباع الظن بل هو مأمور باتباع هذا الظاهر لأنه فعل ما يستطيعه .
و الثاني : من اتبع الأمرين بغير مرجح ظاهر و إنما اتباعا للهوى فهو ممن اتبع الظن و دخل في ما نهى الله عنه من اتباع الظن .
و قوله تعالى {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }يونس94 فالمتضادان لا يجتمعان و قد يرتفعان فالشك هو استواء الأطراف مع عدم الترجيح فالشك اعتقاد التوقف أو التردد و غلبة الظن أو الظن الراجح هو ترجح أحد الأمرين بمرجح و هما يتضادان و لا شك و قد يخلف غلبة الظن اليقين و هو من أضداد الشك و قد يخلف الشك غلبة الظن من غير مرجح ظاهر و هو كذلك من أضداد غلبة الظن بمرجح ظاهر و اليقين فهل يصح اعتقاد من غلبه الظن بمرجح ظاهر أم يقال بأنه قد دخله الشك في اعتقاده و هو ممن اتبع الظن .
و قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104
فمن غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه و سلم ثم اتبع النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الإعتقاد و ترك عبادة الأوثان و عبد الرحمن و صدقه و شهد بصدقه بلسانه و تابعه على شرعه هل يقال بأن هذا شاكا و لا يصح إيمانه و هل يستوى هذا بمن شك في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم حتى لو تابعه على شرعه و أظهر صدقه كحال المنافقين أو بمن غلب على ظن كذب النبي صلى الله عليه و سلم بغير برهان و لا شك أنه لا يوجد برهان على هذا فلما لم يوجد دل على غلبة الظن بكذب النبي صلى الله عليه و سلم إنما هو محض اتباع الظن المنهي عنه الذي يخالف البرهان و البينة مخالفة ظاهرة و هذا وجه الرد على قوله الأخ ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! ) .
فاعتقاد أهل الكفر مبني على اتباع ظن من غير برهان ظاهر و اعتقاد أهل الإيمان مبني على جزم أو ظن راجح بمرجح سواء كان هذا المرجح عقلي أو نقلي فإن اعتقاد ألوهية الله و ربوبيته و اعتقاد نبوة النبي صلى الله عليه و سلم لا يصح لا في عقل و لا نقل وجود دليل يدل على خلافهما فدل على أن كل من قال خلافهما إنما قاله بظنه المخالف للدليل قطعا و من وافقهما و إن كان بظن غالب فإنما قاله بدليل مرجح و كما قلنا سواء كان هذا الدليل نقلي أو عقلي قال تعالى {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ }آل عمران151 و هذا عموم يدخل فيه كل سلطان عقلي و نقلي فإن عبادة غير الله لا تصح لا عقلا و نقلا فاستحقوا العقوبة من الله لأنهم رجحوا عبادة غير الله تعالى من غير مرجح .
و قال تعالى {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }الأنعام81 فمن غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتبعه على هذا هل يدخل فيمن أشرك مع الله غيره بغير برهان أم مع من يستحق الأمن من أهل الإيمان فمن آمن و صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتبعه على ذلك و لم يلبس هذا الإيمان بظلم لا يخالف عالم أنه داخل فيمن آمن لا فيمن أشرك مع الله غيره بل من تدبر أحوال الصحابة علم أنهم لا بد أن يبدؤوا قبل الوصول إلى اليقين و الجزم لا بد أنهم مروا بمرحلة الظن الغالب و مع ذلك لم يقل أحد أنهم إذا بلغوا هذه المرحلة لم يكونوا حينها من أهل الإيمان بل من أهل الكفر مع أنهم أظهروا الإيمان و غلب على ظنهم صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتبعوه و أظهروا موافقته هذلا يصح لا في عقل و لا في نقل .
و قال تعالى {قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }يونس68
فكل من قال بأن لله ولد لا شك و أنه قاله بغير برهان و سلطان سواء ادعى أنه عنده سلطان بذلك أم لك يدع لذا من اتبع هذا الظن هو و لا شك ممن اتبع الظن الباطل المحرم .
و قال تعالى {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى }النجم23
فالله تعالى أرسل إليه السلطان و الحجه و البرهان و بين لهم بطلان ما يدعونه و لكنهم اتبعوا ما يطنونه حقا بلا برهان و لا حجة فكانوا بهذا مذمومين فقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }النساء174.
أي واضحا لا لبس فيه فهو نور و النور حتى الأعمى قد يحس فيه فكيف لو كان مبينا .
و قال تعالى {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ }الدخان9 فهم لو كانوا عندهم غلبة ظن بصدق النبي صلى الله عليه و سلم ثم أظهروا صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتباعه لا يقال بأنهم في شك يلعبون بل ظاهرهم أنهم من أهل الإيمان و التصديق و أما لو غلب على ظنهم صدقه ثم لم يظهروا اتباعه فكفرهم لا لأنهم شكوا بل لأنهم لم يتبعوه و لو اتبعوه لنفعهم غلبة ظنهم .
و قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ }فصلت45
فشكهم هو الذي منعهم من تصديق موسى عليه و اتباعه و لو قيل بأن الشك هنا هو غلبة الظن قيل لو أنهم عملوا بغلبة الظن و اتبعوه و صدقوه و تبرؤوا من الكفر و الشرك هل يصبحوا مؤمنين أم لا ؟
فالشك كفر بإجماع المسلمين سواء أظهر الإسلام أم لا و غلبة الظن مع التصديق و إظهار الإسلام نافعه و لا شك كما أجمع على هذا سلف الأمة و أئمتها فهي نافعه و لا شك في الدنيا و الآخرة و إن كانت أنقص من وجود الجزم و اليقين .
و قال تعالى {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ }ص8
فهم لم يصدقوا الني صلى الله عليه و سلم و لم يتبعوه لشكهم فيه و هذا الشك مبني على أنهم كانوا يستغربون كيف أرسل الله تعالى محمدا و أنزل عليه الكتاب من بينهم و لو تدبرنا في حجتهم هذه لعلمنا أنها من أسخف الحجج ولا يقبلها عقل الصغار قبل الكبار و إلا لو أنزل الكتاب على غير النبي صلى الله عليه و سلم فمكان قولهم فيه ؟ .
و قال تعالى {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ }سبأ21
فمن غلب ظنه الإيمان بالآخرة و عمل بما غلب على ظنه هل حكمه كحكم من شك في الآخرة و اتبع هذا الظن الباطل .
و لا يقال بأن الأخ يوافق على هذا و إن سماه غيره ظن راجح أو غلبة ظن قلنا كلام الأخ يخالف هذا فهو مثلا في العمليات يوافق على كلام شيخ الإسلام في حكاية للإجماع فقال الأخ ( وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..
ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة ... )
و انظر قوله ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟!
فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..
واليقين لا يبطله يقين ضرورة ... ) .
و قاله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..
أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..
فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ... ) .
الثانية : قوله ( لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..
سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ) أهل العلم فرقوا بين اليقين و الظن الراجح لفظا و معنى فمن قال من أهل العلم بالظن الراجح و وجوده قال بأنه دون القطع و اليقين و ما ذكرته من الإجماع الذي نقله شيخ الإسلام و الإجماع كذلك الذي نقله في العلم بالمقطوع به ثبوتا و دلالة دليل واضح على أنهم يفرقون بين الأمرين فمن قال بالعمل بالظن الراجح قولا و عملا لم يرد قطعا العمل بالمجزوم به و إنما أراد العمل بالراجح و هذا ليس بيقين عندهم فليزم أن من اعتقد بظن راجح لا يصح إيمانه لأنه قد دخله الشك في إيمانه و هذا لا يوافق عليه من قال بالراجح من الظن و لا يجوز إيهام عدم التفريق بين القطع و غلبة الظن عندهم كما هو مذهب الأخ بن تميم بأنه الإيمان لا يصح إلا بيقين فالإيمان عند أهل السنة و الجماعة و إن كان يجب بالقطع و اليقين و لكن يصح بغلبة الظن و اتباعها و هذا ليس من اتباع الظن المذموم .
الثالثة : قوله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..
أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..
فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..
أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ... ) .
فعلى هذا القول لا يكون هناك تصديق إلا بيقين فلا يكون مصدقا إلا من كان متيقنا و أما من غلب على ظنه الصدق و صدق فلا يكون مصدقا لأنه غير ميتقن و هذا القول غير صحيح قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها‏:‏ أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏)‏، وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه، وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، وبعضه لفظي، مع أن الذي عليه أئمة أهل السنة والحديث ـ وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهم ـ‏:‏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص‏.‏
وأئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ـ مع جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ـ متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقوله الخوارج، ولا يسلب جميع الإيمان كما تقوله المعتزلة، لكن بعض الناس قال‏:‏ إن إيمان الخلق مستوٍ، فلا يتفاضل إيمان أبي بكر وعمر وإيمان الفساق، بناء على أن التصديق بالقلب واللسان، أو بالقلب، وذلك لا يتفاضل‏.‏
وأما عامة السلف والأئمة، فعندهم أن إيمان العباد لا يتساوى، بل يتفاضل، وإيمان السابقين الأولين أكمل من إيمان أهل الكبائر المجرمين، ثم النزاع مبني على الأصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ العمل، هل يدخل في مطلق الإيمان‏؟‏ فإن العمل يتفاضل بلا نزاع، فمن أدخله في مطلق الإيمان قال‏:‏ يتفاضل، ومن لم يدخله في مطلق الإيمان احتاج إلى الأصل الثاني وهو‏:‏ أن ما في القلب من الإيمان هل يتفاضل‏؟‏ فظن من نفي التفاضل أن ليس في القلب ـ من محبة الله، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه وأمثال ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق ـ ما هو متفاضل بلا ريب، ثم نفس التصديق ـ أيضًا ـ متفاضل من جهات‏:‏
منها‏:‏ أن التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون مجملاً، وقد يكون مفصلاً، والمفصل من المجمل، فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه، والحديث ومعانيه، وصدق بذلك مفصلاً، كمن صدق أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه‏.‏
ومنها‏:‏أن التصديق المستقر المذكور أتم من العلم الذي يطلب حصوله مع الغفلة عنه‏.‏
ومنها‏:‏ أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى الدرجات، درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات، وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد‏.‏
ولهذا كان المشائخ ـ أهل المعرفة والتحقيق، السالكون إلى الله أقصد طريق ـ متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق، كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث ... ) .
فمن غلب على ظنه بمرجح الصدق و عمل بهذا التصديق لا يقال بأنه غير مصدق فالتصديق هو اعتقاد الصدق و اعتقاد الصدق قد يكون بالعلم الجازم و قد يكون بغلبة الظن .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
02-07-05, 03:19 PM
و أما قول الأخ بن تميم ( ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..
هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ... ) .
يعني أن من غلب ظنه و لم يجزم لا يصح إيمانه بما غلب ظنه به لأنه لم يجزم علما بأن هذا التفريق كما ذكرنا سابقا لا أصل له لا من كتاب و لا سنة و لا قول صاحب بل هو قول أهل البدع الذين يشترطون أن تكون مسائل الإعتقاد مقطوع بها و إلا لا يصح الإعتقاد و التزموا على هذا الأصل رد خبر الواحد في العقائد لأنه يفيد الظن و ما يفيد الظن لا يعتمد عليه و يلزمهم أنه يجب اعتقاد وجوب الشي أو حرمته أو كراهته أو استحبابه في العمليات و لا يجوز العمل في الأحكام حتى يعتقد هذا فكيف ساغ لهم قبول خبر الواحد في العمليات مع أنه لا بد معه من اعتقاد و إلا لم يصح العمل
و ردوا خبر الواحد بحجة أنه يفيد الظن و لا يفيد الجزم في العقائد .
قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وقد تنوعت طرق الناس في جواز هذا؛ فطائفة قالت‏:‏ لا يتبع قط إلا العلم ولا يعمل بالظن أصلا، وقالوا‏:‏ إن خبر الواحد يفيد العلم، وكذلك يقولون في الظواهر، بل يقولون‏:‏ نقطع بخطأ من خالفنا، وننقض حكمه، كما يقوله داود وأصحابه، وهؤلاء عمدتهم إنما هـو مـا يظنونه ظاهرًا‏.‏ وأمـا الاستصحاب، فالاستصحاب ـ في كثير مـن المواضع ـ من أضعف الأدلة وهم في كثير مما يحتجون به قد لا يكون ما احتجوا به ظاهر اللفظ، بل الظاهر خلافه، فطائفة قالت‏:‏ لما قام الدليل على وجوب العمل بالظن الراجح كنا متبعين للعلم، فنحن نعمل بالعلم عند وجود العلم، لا نعمل بالظن‏.‏ وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأتباعه‏.‏... ) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله ( أما الأول‏:‏ فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث، وهو أن كل ما أمر اللّه تعالى به فإنما أمر بالعلم، وذلك أنه في المسائل الخفية عليه أن ينظر في الأدلة، ويعمل بالراجح، وكون هذا هو الراجح أمر معلوم عند أمر مقطوع به، وإن قدر أن ترجيح هذا على هذا فيه شك عنده لم يعمل به، وإذا ظن الرجحان فإنما ظنه لقيام دليل عنده على أن هذا راجح، وفرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد،أما اعتقاد الرجحان فقد يكون علمًا وقدلا يعمل حتى يعلم الرجحان، وإذا ظن الرجحان أيضًا فلابد أن يظنه بدليل يكون عنده أرجح من دليل الجانب الآخر، ورجحان هذا غير معلوم، فلابد أن ينتهي الأمر إلى رجحان معلوم عنده، فيكون متبعًا لما علم أنه أرجح، وهذا اتباع للعلم لا للظن وهو اتباع الأحسن، كما قال‏:‏‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 145‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏18‏]‏،وقال‏:‏‏{‏وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏55‏]‏‏.‏ فإذا كان أحد الدليلين هو الأرجح فاتباعه هو الأحسن،وهذا معلوم‏.‏
فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين‏.‏ وحينئذ، فما عمل إلا بالعلم وهذا جواب الحسن البصري، وأبيّ وغيرهم‏.‏ والقرآن ذم من لا يتبع إلا الظن فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا أرجح من غيره؛ كما قال‏:‏‏{‏مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏157‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ
الظَّنَّ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏148‏]‏، وهكذا في سائر المواضع يذم الذين إن يتبعون إلا الظن، فعندهم ظن مجرد لا علم معه، وهم يتبعونه، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادًا عمليًا، لكن لا يلزم إذا كان أرجح ألا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر‏.‏... ) .
و الأخ قد وافق على أن العمليات يعمل بها بما ظهر لنا و أقر بإجماع شيخ الإسلام و أقر بوجود مرحلة وسط بين اليقين و بين الظن و هي الحكم بالظاهر و من المعلوم أن الحكم بالظاهر لا يكون بيقين فقال ( وهذا كما قلت ولا فرق ..
فقول ابن تيميه أن الظاهر هذا محل اتفاق هو ما أنكره علينا الأخ الفاضل ..
ثم استشهد به لقوله .. !
وقلت سابقاً ..
أن أهل الظاهر وقفوا على هذا الظاهر أو وقفوا على ما نقل عن هذا الظاهر ..
والناقل هذا كان بما نقطع أنه في لغتنا أو نص ثابت صحيح أو إجماع متيقن ... ) .
فالظاهر واقع لا محالة إما في الكليات أو الجزئيات أو في المعينات و كل هذا إقرار بوجود مرحلة وسط بين اليقين و الظن و هو الظن الراجح
و أقر كذلك بمرحلة وسط في التنزيل فالحكم على المعينات قد يكون بيقين أو بظن و معلوم أن الظن هنا غالب و مرجح بمرجح ظاهر فقال ( وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يبطل هذا التصرف والحكم ..
فهو حكم بما ظهر له من صلاح الناس وعدالتهم ..
ولم يأته أحد يبطل عدالة الشهود ..
ولا تحرى عن بواطنهم إن كانوا صادقين أو كاذبين ... ) .
فهو حكم و لا شك بما ظهر له من عدالتهم و هو مأمور بالحكم بعدالتهم و إن لم يجزم بعدالتهم و لكن يجب عليه القبول بتعديل غيرهم لهم فالظن واقع و لا شك إما في عدم جزمه بعدالة الشهود أو بعدم جزمه بصدق الموثقين أو أن يأتي أحدهم بحجة هي ألحن من حجة صاحبه فيقضي له بما ظهر له و لم يكن هذا من الظن المحرم .
و يجب أن يعلم هنا أن قولي بالعمل بالظن الراجح ليس معناه الظن المرجد من غير مرجح معتبر و إنما هو العمل أو الإعتقاد بمرجح معتبر مع عدم بلوغ مرحلة الجزم و اليقين لا كما أفهم من إطلاقات الأخ أن مرادي أي ظن و إن لم يكن هناك مرجح معتبر .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-07-05, 11:15 AM
أما من استفرغ وسعه لإصابة الحق في العمل فقد أدى ما عليه وهذا ذكرته آنفاً في التعقيب ولم أخالفه ..
لكن لا يعني من فعل ذلك أنه أصاب الحق عند الله ..
فالعمل بشيء ينتج عنه قضيتين ..
الأولى : إصابة الحق عند الله تعالى وفيه الأجر ..
وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ..
الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..
فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..
ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..
لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..
وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..
وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ..
ولوجب على القائل هذا أن ينسب كل الظنون التي قال بها كل مفتي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا إلى الله تعالى وشرعه ..
وهذا أيضاً لا يقوله أهل الرأي أصلاً ..
وإنما يعملون بالظن تورعاً واحتياطاً مع عدم نسبتهم لشيء من ذلك إلى الله تعالى لعدم ثبوته من جهة القطع واليقين ..
فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..
ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ..
فلما ورد عن غيرهم اليقين تركوا ما قالوه ..
وكذلك من بعدهم من التابعين ..
فلا محارجة في العمل بالاجتهاد وهذا ما قدمته آنفاً في التعقيب ..
وإنما في نسبة هذا العمل بالظن والرأي إلى الله تعالى والشرع والإلزام به ..
وهذا لا يدركه الكثير من طلبة العلم إلا من رحم الله .. ) .
ذكرنا هنا ثلاثة أمور في الإجتهاد و استفراغ الوسع :
الأول : استفراغ الوسع في التنزيل و هذا مجمع عليه بأنه يجب على المجتهد استفراغ الوسع لإصابة الحق في نفس الأمر فإن أصاب الحق فله أجران و إن أخطأه فله أجر واحد و إذا أخطأه فلا شك أنه حكم بما غلب على ظنه أنه الحق و لكنه أخطأ إصابة الحق و قد يصيب الحق كما ثبت في الحديث الصحيح عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » .
فكما أن الحاكم إذا اجتهد و غلب على ظنه صحة الحكم قد يخطأ فكذلك لو اجتهد و غلب على ظنه صحة الحكم قد يصيب الحكم فإصابة الحكم قد تكون عن غلبة ظن و قد تكون عن يقين و جزم و أما الخطأ في الحكم لا يمكن أن يكون عن يقين و جزم حتى لو ادعى الحاكم اليقين لأن اليقين لا يمكن أن يكون خطأ أبدا و إنما هو غلبة ظن أخطأ في إصابة الحكم فيها فعذر لاجتهاده .
الثاني : الخطأ في الكليات و المراد بالكليات الأحكام العامة التي تلزم كل مسلم و هذا كذلك الخطأ فيها وارد فليس كل مسألة اتفق عليه المسلمون فكثير من المسائل سواء العلميات أو العمليات اختلف فيها المسلمون فمن اجتهد في فهم نصوص الكتاب و السنة و أخطأ في فهمه و لم يكن خطأه فيما لا يصح الإسلام إلا به كان معذورا أما ما لا يصح الإسلام إلا به فلا يعذر فيه إلا المكره فلا يقال بأن من قال بأن عيسى هو بن الله أو هو الله أو عبد مع الله غيره معذور لأنه اجتهد فإن حقيقة الإسلام لا تثبت إلا بإفراد الله بالعبادة و بالشهادة لنبينا صلى الله عليه و سلم بالرسالة و كل ما يناقضهما مناقضة تامة لا يعذر فيه بجهل و لا تأويل والإسلام‏:‏ أن يستسلم العبد لله لا لغيره، كما ينبئ عنه قول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏، فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر، وكلاهما ضد الإسلام‏ و لا دخل للتأويل و الجهل بهذه المسألة فإن لكل شئ حقيقه فإن لم توجد هذه الحقيقة انتفى الاسم عمن لم تثبت به هذه الحقيقة و لكن يدخل العذر بالجهل في عقوبة من لم تثبت فيه هذه الحقيقة فإن من لم تثبت هذه الحقيقة له كافر و لا شك و لكن من اجتهد و استفرغ و سعه في طلب الحق لا يعذب حتى تقوم عليه الحجه كما قال تعالى {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15
و قال تعالى {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى }طه134
و في الحديث الصحيح عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِى لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ، وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ » . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ « لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ » .
و لا يعني عدم عقوبته في الدنيا و الآخرة عدم خروجه من الإسلام بل هو غير مسلم لعدم وجود حقيقة الإسلام .
الثالث : الإعتقاد و الأخ يشترط أن يصل فيه المكلف إلى اليقين و أنه لا مرتبه وسط بين اليقين و الشك و بينا خطأ هذا الإطلاق و أن المكلف متى ما غلب على ظنه الحق فصدق به و اعتقده و أظهر الإلتزام به حكم له بالإسلام و نفعه هذه الإعتقاد في الدنيا و الآخرة و أن الجزم و اليقين و إن كان مطلوبا و لكن إن لم يقدر إلا على ما غلب ظنه لا يقال بأنك شاك و لا يصح إيمانك هذا من جهة التنظير قد يخالف فيه بعض المتكلمة و لكن من جهة التنزيل لا يمكن أن يحكم لمن جاء مسلما و قال بأنه يغلب على ظنه صحة الإسلام و أنه حق و يعتقد بكل ما فيه لا يمكن أن يحكم له بأنه لا زال على كفره و أنه ليس بمسلم لأنه لا زال شاكا .
و بينا كذلك أن الإجتهاد في مسائل الإعتقاد كالإجتهاد في مسائل الأحكام يجب فيه الجزم و اليقين و من لم يقدر على اليقين صح إيمانه بما غلب ظنه و ذكرنا أن قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16 يدل على ذلك و هو عام بالعمليات و العلميات .
فقوله ( وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ... ) .
إن كان مراده لا يكون العمل إلا بيقين فهذا خطأ و لا شك و هو قد أقر بأن العمل بالظاهر و الظاهر قد يصيب به الحق و قد لا يصيب و عندها يكون العمل بغلبة الظن لا الجزم لأنه لو كان جزما لكان أصاب الحق جزما و لا يقال هنا أنه حكم بالظاهر .
و إن كان مراده أنه لا يجوز العمل إلا بما قطع به من الأصول و لا يجوز العمل بما اختلف فيه من الأصول و لعل هذا مراده و هذا كذلك خطأ و قد بينا بأن عموم الشرع سواء كان عمليات أو عمليات يجوز العمل بما هو ظاهر او يغلب على الظن و متى ما اختلف في مسألة من مسائل أصول الفقه و رجح بعضهم العمل بهذه المسألة بمرجح معتبر جاز له ذلك فإصاب الحق فله أجران و إن أخطأ فله أجر على اجتهاده فالتفريق بين مسائل أصول الفقه أو أحكامه أو مسائل أصول الدين في مسألة العذر بالجهل أو التأويل تفريق مبتدع لم يرد عن السلف .
و قول الأخ الفاضل ( الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..
فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..
ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..
لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..
وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..
وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به .... ) .
يجب أن يعلم أن الظن يدخل في فهم كتاب الله تعالى و انظر فهم الصحابة رضوان الله عليهم في فهم القرء كما قال تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }البقرة228
فهم لا يختلفون في أن المطلقه تتربص ثلاثة قروء و لكن اختلفوا في معنى القرء هنا قال بن كثير رحمه الله ( وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: أحدهما) أن المراد بها الأطهار, وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب, عن عروة, عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة, فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن, فقالت: صدق عروة, وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه {ثلاثة قروء}. فقالت عائشة: صدقتم, وتدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار, وقال مالك, عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك, يريد قول عائشة, وقال مالك عن نافع, عن عبد الله بن عمر, أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته, فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرىء منها, وقال مالك: وهو الأمر عندنا وروى مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار, وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور, وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي في الأطهار ... ) .
و من المعلوم أن كل قول من هذه الأقوال يريد بن صاحبه أنه هو الذي أراده الله تعالى و لم يتوقف في نسبته لله تعالى و إن كان عن غلبة ظن لا يقين
و يقع كذلك الخطأ في فهم حديث النبي صلى الله عليه و سلم أخرج البخاري و غيره عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحدا منهم ) و من المعلوم أن أحدهما مخطئ و لا شك و من كان مخطئا لم يكن حكمه بيقين و لا شك لأنه لو كان بيقين لأصاب الحق و لا يمكن أن يكون بظن محض من غير مرجح معتبر فلا يكون إلا بظن غالب بمرجح معتبر لذا لم يعنفه النبي صلى الله عليه و سلم ثم إنه نسب هذا القول للنبي صلى الله عليه و سلم مع أنه قول خطأ و لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم .
و كذلك من اعتمد أصلا كمن قال بالقياس و أنه مما يحبه الله تعالى ثم عمل بهذا القياس و رجح بعض الأحكام و نسبها لله تعالى لا يكون بهذا آثما و قد يصيب الحق بقياسه هذه و قد يخطئ .
نعم كان بعض السلف يتورع عن نسبة مثل هذه الأقوال لله تعالى لأنه تعارض عنده أن هذا هو الحق الذي يحبه الله تعالى و هو ما يترجح عنده و بين أنه لم يرد لفظ ظاهر لا من كتاب و لا سنة يدل على هذه المعنى و إنما هو قياس على دليل من كتاب و سنة فتوقف عن نسبته لله تعالى و إن كان في نفسه و من يتبعه على هذا القول يعمل به و يتقرب به إلى الله تعالى لأنه يغلب على ظنه أن الحق الذي يحبه الله تعالى فحقيقة نسبته لله تعالى متحققه و لكن نسبة هذا القول لله تعالى لفظا يتورع عنها بعض السلف فالإجتهاد في الأحكام الشرعية في القياس هو من باب العمل بغلبة الظن قال بن القيم رحمه الله ( أقسام الرأي وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام رأي باطل بلا ريب ورأي صحيح ورأي هو موضع الاشتباه والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به وسوغوا القول به وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله والقسم الثالث سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد ولم يلزموا أحد العمل به ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد سألت الشافعي عن القياس فقال لي عند الضرورة وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر االضرورة لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار وكان أسهل عليهم من حفظها كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر حفظه فلم يتعدوا فى استعماله قدر الضرورة ولم يبغوا العدول إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم فالباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكى والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها ... ) .
قال شيخ الإسلام بن تيميه ( ‏الشرع المنزل‏]‏‏.‏ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏.‏
والثاني ‏[‏الشرع المؤول‏]‏‏.‏ وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏.‏
والثالث ‏[‏الشرع المبدل‏]‏‏.‏ وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك‏.‏.. ) .
فمن الخطأ القول ( وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ... ) فالإجتهاد في فهم الكتاب و السنة قد يصل به صاحبه إلى القطع و قد يصل إلى غلبة الظن بل و قد يخطئ في فهم معاني الكتب و السنة و مع ذلك هذه الطريق مأمور بها بإجماع المسلمين .
و كذلك العمل بالقياس قد يصل به صاحبه إلى القطع و قد يصل إلى غلبة الظن و قد يخطئ و قد يصيب و يجوز العمل به و لا يحرم .
و قوله ( فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..
ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ... ) دليل على جواز العمل بالرأي الراجح و لو كان العمل بالرأي الراجح لا يوصل إلى القطع البته لما عملوا به فالقياس و القول بالرأي قد يوصل إلى القطع كما أن الأدلة النقلية قد توصل إلى القطع و القياس قد يكون خطأ كما أن فهم النصوص قد يكون خطأ فلا فرق بينهما و إن كان ورود الخطأ على القياس أكثر من وروده على النصوص لذا كان السلف لا يستعملون القياس مع وجود النص و يتورعون عن نسبة ما ترجح عندهم بالقياس إلى الله تعالى قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والقياس الصحيح نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه سئل عن فَأْرة وقعت في سَمْن فقال‏:‏ ‏[‏ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم‏]‏ ، وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصًا بتلك الفأرة وذلك السمن؛ فلهذا قال جماهير العلماء‏:‏ إنه أي نجاسة وقعت في دهن من الأَدْهَان، كالفأرة التي تقع في الزيت، وكالهِرِّ الذي يقع في السمن فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن‏.‏ ومن قال من أهل الظاهر‏:‏ إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن فقد أخطأ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة لكن لما استفتي عنها أفتي فيها، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو نوع فأجاب المفتي عن ذلك خصه لكونه سئل عنه، لا لاختصاصه بالحكم‏.‏
ومثل هذا أنه سئل عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبَّةٌ مُضَمَّخة بخَلُوق فقال‏:‏ ‏[‏انزع عنك الجبة واغسل عنك الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك‏]‏ ، فأجابه عن الجبة، ولو كان عليه قميص أو نحوه كان الحكم كذلك بالإجماع‏.‏
والنوع الثاني من القياس‏:‏ أن ينص على حكم لمعني من المعاني، ويكون ذلك المعني موجودًا في غيره، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعني المشترك بين الأصل والفرع سوي بينهما، وكان هذا قياسًا صحيحًا‏.‏
فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما، وهما من باب فَهْم مراد الشارع؛ فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ، وإذا عرفنا مراده، فإن علمنا أنه حكم للمعني المشترك لا لمعنى يخص الأصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك، وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس، كما أنا علمنا أن الحج خص به الكعبة، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان، وأن الاستقبال خص به جهة الكعبة، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس، ونحو ذلك، فإنه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره‏.‏ ) .
و قال رحمه الله ( وأما تخريج المناط وهو‏:‏ القياس المحض، وهو‏:‏ أن ينص على حكم في أمور قد يظن أنه يختص الحكم بها فيستدل على أن غيرها مثلها؛ إما لانتفاء الفارق، أو للاشتراك في الوصف الذي قام الدليل على أن الشارع علق الحكم في الأصل، فهذا هو القياس الذي تقر به جماهير العلماء وينكره نفاة القياس‏.‏ وإنما يكثر الغلط فيه لعدم العلم بالجامع المشترك الذي علق الشارع الحكم به، وهو الذي يسمي سؤال المطالبة، وهو‏:‏ مطالبة المعترض للمستدل بأن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم، أو دليل العلة‏.‏ فأكثر غلط القَائِسِين من ظنهم علة في الأصل ما ليس بعلة؛ ولهذا كثرت شناعاتهم على أهل القياس الفاسد‏.‏ فأما إذا قام دليل على إلغاء الفارق، وأنه ليس بين الأصل والفرع فرق يفرق الشارع لأجله بين الصورتين، أو قام الدليل على أن المعني الفلاني هو الذي لأجله حكم الشارع بهذا الحكم في الأصل وهو موجود في صورة أخري، فهذا القياس لا ينازع فيه إلا من لم يعرف هاتين المقدمتين‏.‏... ) .
فما قطعنا به عن طريق القياس و أنه مراد الله تعالى جاز نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس و ما لم نقطع به و إنما هو غلبة ظن بمرجح معتبر جاز عدم نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس .

ابن تميم الظاهري
03-07-05, 10:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب على الرد الأول ..
بالله تعالى التوفيق ..

قال الفاضل نقلاً عني ..
(( المسألة الأولى : قول الأخ الفاضل بن تميم ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..لا تكليف إلا مع القدرة ..فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به ..سواء وافق الحق أو خالفه ..فهنا ترتفع المؤاخذة فقط ولا يثبت الحق كما هو معلوم ..ودليل هذه القاعدة بعض ما ذكرته من نصوص ..فالوسع في قبول الشهادة بأن نتحرى عدالتهم فقط ..فلا يكلفنا الله بعلم البواطن وما ينقض العدالة مما خفي علينا ..فلم أخالفك ههنا أصلاً ... )) .

وقال بعد هذا ..
(( قول الأخ ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..لا تكليف إلا مع القدرة .. ) .هذا الإتفاق الذي نقله عن أهل الإسلام غير صحيح عند إطلاقه و من المعلوم أنه يدخل في هذا الإتفاق أهل البدع من المسلمين )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لا وجه للإنكار في هذه القضية لوجوه ..

الوجه الأول ..
هذه المسألة ليست من مسائل الأصول وهي من علم الكلام زجت في مبحث الأصول والفقه ونحن نتكلم عن مسألة أصولية تبنى عليها مسائل فقهية فكان الصحيح عدم ذكرها ..

فالذي قال بإطلاق القول بالتكليف بما لا يطاق أراد إثبات أن الله تعالى سلب قدرتهم وأنهم فاعلين ..

وقال ابن تيميه فيما نقلت عنه ..
(( كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين‏ )) ..

فهذه القضية هي ..
هل العبد قادر فاعل أو ليست له قدرة في الأصل وإنما القدرة من الله تعالى .. ؟!
وهي هل العبد هو الفاعل أم هو الله تعالى .. ؟!

فنفوا أن يكون فاعل الفعل هو العبد والله معاً لئلا يكون للفعل أكثر من فاعل ..

وليست هي ..
هل يمكن أن يكون العبد عاجزاً عن فعل المأمور به أو لا يكون .. ؟!
وهذه القضية لا ينكرها أحد أصلاً ..
فاقتصر عليها ولا تبعد ..

الوجه الثاني ..
مسألة القدرة التي نقلتها عن ابن تيميه مع مخالفه من أهل البدع لا تدخل في كلامي ..

وقد قلت آنفاً ..
(( لا تكليف إلا مع القدرة ..فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به )) ..
فنحن نتكلم عن العمل في الأحكام الشرعية ..
فالعامل يعمل بعمل من الأعمال الشرعية لا يجب عليه عند عدم قدرته ..
وهذه لا يقول بخلافها من له مُسكة من عقل ..

وقد أبطلت هذا الاعتراض بنقلك عن ابن تيميه حين نقلت عنه ..
(( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف ما لا يطلق، وليس في السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق، كما أنه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر، وإطلاق القول بأنه يجبر العباد، كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين‏.‏ ولهذا كان المقتصدون من هؤلاء، كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأكثر أصحاب أبي الحسن، وكالجمهور من أصحاب مالك، والشافعي وأحمد بن حنبل، كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله يفصلون في القول بتكليف ما لا يطاق، كما تقدم القول في تفصيل الجبر، فيقولون‏:‏ تكليف ما لا يطاق؛ لعجز العبد عنه لا يجوز، وأما ما يقال أنه لا يطاق؛ للاشتغال بضده، فيجوز تكليفه، وهذا؛ لأن الإنسان لا يمكنه في حال واحدة أن يكون قائمًا قاعدًا، ففي حال القيام لا يقدر أن يفعل معه القعود، ويجوز أن يؤمر حال القعود بالقيام، وهذا متفق علي جوازه بين المسلمين، بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع، لكن هل يسمى هذا تكليف مالا يطاق‏؟‏ فيه نزاع‏.‏... )) .

وما أبطل اعتراضك هو ..
(( وهذا متفق علي جوازه بين المسلمين، بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع )) ..

فكلامي هنا لا في غيره ..
وقولي باتفاق على هذه وليست على كون العبد هو الفاعل لفعله أو الله تعالى والخلاف فيها ..

فجهم ومن وافقه يريدون بهذه المسألة أن كل ما فعله الإنسان ليس من فعله وقدرتهم بل هو من فعل الله تعالى وقدرته ..
فلكل مقام مقال ..

وقد قلت ..
(( أنا لا أخالف بأنه لا تكليف إلا بقدرة كما هو معلوم و متفق عليه عند الفقهاء و لكن لا يطلق هذا ثم ينسب الإتفاق لإهل الإسلام قاطبة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( الأمر والنهي، الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه‏.‏ )) ..

نعم إذا وقفت على كلامي واقتصرت عليه في مسألة العمل كما هي مسألتنا التي نتكلم فيها ..

فلا يمكن أن نأتي بلفظة واحدة ثم نخرجها عن المسألة التي نتكلم عليها إلى مسائل أخرى ..

فالقضية هي ..
أن الإنسان إن لم يستطع فعل أمر شرعي فيسقط عنه وهذا باتفاق أهل الإسلام لا ينكر ذلك أحد ..

وحتى من ذكرت خلافهم لم يخالفوا في هذا وإنما خالفوا في كون الفعل هذا والقدرة هذه لهم أو لله ..

وإذا قلت لي ينكر ذلك أحد من الناس قلت لك ..
ألا يمرض هؤلاء الناس .. ؟! ألا يغمى عليهم .. ؟!

فإمكان أن يكلفها الله تعالى بما لا نطيق أو بالمستحيل أمر يجب التسليم به من أكل أحد ..

أما من أدخل في دينه ما ليس بدين وأتى بعلم الكلام يحشو به كتب الأصول وهو باطل فلا يلزم أحد ..
وكيف ونحن نقرأ : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } أفوق هذا بيان وعظة ..
فاقتصر في مسألتنا على ما نتكلم فيه وهو هل يجوز العمل بالظن ثم نسبته إلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا ..

وقال الفاضل ونقل عني ..
(( المسألة الثانية : الأخ الفاضل كأنه يخصص هذه القاعدة في العمليات دون العلميات فظاهر كلامه كل من اجتهد و استفرغ وسعه في العلميات فيما بلغه من أدلة سواء أدلة نقلية أو عقلية ثم لم يجزم باعتقاده لا يثبت له الإعتقاد لأنه دخله شك في اعتقاده فقال الأخ الفاضل ( فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين ..وليس كما يصطلح عليه أهل الكلام في هذه المعاني ..فالاعتقاد بالله وألوهيته وربوبيته وغيرها مما يجب اعتقاده لا يجوز أن يكون بظن أصلاً ..فمتى ما دخل الشك فيه فقد بطل ذلك الاعتقاد ..لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ..ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ..ولاحظ أمراً دقيقاً ..أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ..فمن دخل الشك في تصديق ما أتى الله به تعالى من أمور الاعتقاد وغيرها فليس بمصدق ..لأن التصديق لا يكون مع وجود شك ولو برهة من زمان ..فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد ..وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! ) . )) ..

ثم قال ..
(( و هذا الكلام عليه عدة ملاحظات : الأولى : فيجب أن نفرق هنا فروقات دقيقة يجب التنبه لها .الفرق بين الشك و الظن .قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157سواء قيل الشك في قتله أو الشك نبوته فهم و إن قالوا بأنهم قتلوه ففي غرارة أنفسهم شاكين في هذا غير مستيقنين و غلبة الظن لا يكون فيها شك فالشك هو التوقف عن ترجيح أحد الأمرين و الظن الباطل هو اتباع أحد الأمرين من غير مرجح لا لا يجوز العمل بالشك لأنه من اتباع الظن و إنما يكون فيها ترجح أمر على أمر بمرجح ظاهر هذا هو غلبة الظن بإجماع أهل العلم المعتبرين كما نقل شيخ الإسلام عن الفقهاء و مع ذلك لم يكن هذا من قبيل الشك و لا من اتباع الظن و لا يقال هذا في العمليات و هذا في العمليات فمن فرق بين الأمرين فعليه الدليل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و هذا التفريق هو تفريق أهل البدع في فهمهم لنصوص الكتاب و السنة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية، فلا تثبت إلا بما يفيد العلم وأيضا فإن الفعل إذا كان مجتهدا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد‏.‏ فعلى قول هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقا ولا يثبت بها الوعيد إلا أن تكون الدلالة قطعية ومثله احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التي صحت عن بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه فإنها تضمنت عملا وعلما وهي خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في إثبات العمل ولم يثبتوها قرآنا لأنها من الأمور العلمية التي لا تثبت إلا بيقين‏.‏ وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد، فإن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة وبالأدلة القطعية أخرى، فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية‏.‏... ) فالتفريق بين العمليات و العلميات في الإعتقاد هو قول مبتدع مخالف لم ثبت من اعتقاد السلف )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
أخي الفاضل لا تتسرع في القراءة أو الفهم ثم تحكم بناء على ذلك وتخطئ غيرك ..

انظر ما قلت أول كلامي ..
(( فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين )) ..

فالاعتقاد هذا كان في نفس المعتقد فلا نتكلم عن إثباته نحن لتأتي بما قلت من كلام زائد ..
فحاول أن تقتصر على ما له متعلق بكلامنا فقط بعد فهم كلامي ..
وقد قلت في نفس المكان ..

(( فالنص الذي أوردته هو طلب الله تعالى بعد أن نوقن أنه الله المستحق للعبادة والربوبية منا أن نتقيه بما استطعنا ..وليس قبل أن نوقن أنه الله ..لأن من لم يوقن ذلك وشك فيه أو تردد فليس مخاطباً بالعمل الوارد في نفس النص لأن التردد شك في تصديق هذه الحقيقة ومن شك في هذه الحقيقة لم يكن معتقداً فالواجب عليه أن يستعيذ بالله إن كان من أهل الإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإن استمر في شكه هذا لم يكن من أهل الإيمان .. )) ..

فالآية هذه لا بد أن تعي أنها ليس المخاطب فيها الكفار وإنما أهل الإيمان ..
لم أخصص الآية كما نسبت لي بشيء وإنما جواباً على ما قلته أنت وفسرت به النص وقلت ..
(( فمن استفرغ وسعه في طلب الحق ثم لم يصل إلى الجزم القاطع فقد اتقى الله ما استطاع و صح اعتقاده .)) ..

فاعترضت على إدخالك في التفسير لمسألة الاعتقاد ..
فالآية لا تتكلم كيف يصح الاعتقاد ومتى ..
وإنما تتكلم عن الذي على المؤمن من عبادة الله وطاعته بقدر طاقته ..
والاعتقاد بالاستدلال لم أذكره أصلاً ..
ولم أذكر اجتهادك في العقائد ..
وإنما قلت وأقول مرة أخرى ..
أن الذي يعتقد باعتقاد في نفسه لا يجوز له ولا يصح أن يشك في ذلك الاعتقاد ولو برهة من الزمان ..

وذلك اعتراضاً على ما ذكرته وبياناً لما خفى منه ..
ولا تفريق عندي بين علميات ولا عمليات وإنما هذا فهمك الخاطئ لكلامي ..
وكان الأولى أن تسأل إن كنت غير قاطع بمرادي لأنك قلت ..
(( المسألة الثانية : الأخ الفاضل كأنه يخصص هذه القاعدة في العمليات دون العلميات فظاهر كلامه )) ..

فلو سألت عن مرادي لما اضطررنا عن جواب ما لم نقله أو قلناه وفهمته خطأ أو فهمته بظنك ..

فالمسألة التي نتكلم عليها ههنا هي في الحكم الشرعي لا في غيره ..

وقلت أيضاً ..
(( و كلام الشيخ هذا فيه كذلك رد على قول الأخ بأن الإعتقاد يجب فيه التصديق المتيقن و إلا كان شكا و لا يصح الإعتقاد مع الشك و كلام الأخ هذا مبني على مقدمتين باطلتين : الأولى : أن الإعتقاد لا يصح إلا باليقين و الجزم .و المقدمة الثانية : أن من غلب على ظنه بمرجح ظاهر دخله الشك و من دخله الشك لا يصح إيمانه ، النتيجه صحيحه من دخله الشك لا يصح إيمانه و لكن مبنيه على مقدمات باطله فإن المرء إذا ما اجتهد و استفرغ وسعه و غلب على ظنه أمر و اعتقده فهذا و لا شك ينفعه و هو ما قدر عليه و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .ثم إن من غلب على ظنه لا يكون شاكا لأن الشك هو استواء الطرفين لا غلبة الظن بأحد الأمرين فإن غلب ظنه بأحد الأمرين فله حالين : الأول : إذا غلب ظنه بمرجح ظاهر فلا يدخل في اتباع الظن بل هو مأمور باتباع هذا الظاهر لأنه فعل ما يستطيعه .و الثاني : من اتبع الأمرين بغير مرجح ظاهر و إنما اتباعا للهوى فهو ممن اتبع الظن و دخل في ما نهى الله عنه من اتباع الظن . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
الاعتقاد في نفسك هو غير الاعتقاد عن طريق الاجتهاد ففرق بينهما تسلم من كثرة النقول والاعتراض ..

فمن يعتقد بشيء الآن هو غير من يريد الاستدلال ليثبت عقيدة له ..
إذا كنت تقول قبل أكثر من تعقيب أن عنايتك بالمعاني لا بالألفاظ فضع معنى كلامي مع ما يوافقه مما قدمت تخرج لك حقيقة كلامي ..

وأسأل سؤالاً يزول فيه عنك هذا الفهم ..
إذا اعتقد أحد من المسلمين بأن الله تعالى حق وموجود وهو خالق كل شيء وربه الواحد الأحد ..

ولم يكن اعتقاده هذا عن طريق الاجتهاد بل هذا ما فهمه من الناس الذين أخبروه عن الإسلام ..

فاستمر كذلك معتقداً في نفسه أن الله حق موجود خالق كل شيء وربه الواحد الأحد ..
ثم شك هذا المسلم في صحة هذه الاعتقادات التي اعتقدها ..
وشك هنا أي لم يجزم بحقيقة هذه الأمور وكون الله تعالى مستحقاً لها ..
أي تردد ههنا بين قبول هذه الحقيقة وتصديقها وبين ردها وتكذيبها ..

فماذا تقول عنه .. ؟!
ألا تقول كما قلت آنفاً ..
استعذ بالله وإن تكرر وأصر على ذلك خرج من جملة أهل الإسلام ..
فأي وجه اعتراض ههنا .. ؟!

أما قولك في الشك وما فسرته وبينه فلا يصح ..
فالشك ضد اليقين ..
هذا في لغة العرب ولا يعرفون غير هذا ..
وأمرنا أن لا نصدق ولا نكذب ما يأتي به أهل الكتاب في كتابهم ..
بل نقول آمنا بالله وكتبه ورسله ..
أي أننا نؤمن بكل كتب ربنا أما ما في كتبكم هذه فلا نقطع أنها من الله تعالى ..
لذلك نتوقف حتى يؤيد ما جئتم به من أمور برهان يرفعنا إلى اليقين ..
وليس لهم ذلك ..
ولو كان الشك كما قلت هو استواء الأطراف ..
من عدم التصديق وعدم التكذيب والتردد في الشيء لعدم قيام مرجح ..
لكنا شاكين في كتب الله تعالى ..!
وما أراك إلا رجعت إلى كتب أهل الكلام أو كتب الأصول التي أخذوا هذه التعريفات عن أهل الكلام ..

والظن قد قدمت بيانه من أهل اللغة ..
والاعتقاد هو استقرار وثبوت شيء أو حكمه في نفسك ..
فكل حكم يثبت في نفس الإنسان ويستقر فهو معتقد له ..
هذا في اللغة ..
وقد يخلو من من يقين ..
لأن اعتقاد المعتقد لا يكون يقيناً إلا ببرهان ..
وقد يكون حقاً بالتخرص لا عن برهان ..
وقد يكون يقيناً بالاستدلال بالبرهان وقد يكون يكون حقاً ..
ليتك تترفق ولا تستعجل ..

وما تسميه هنا أن هناك من غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح باللغة التي خوطبنا بها بناء على كلامك في الظن والشك وغيرها ..
وغلبة الظن لا يوجد لها تعريف عندكم واضح المعالم أصلاً ..
فليتك تخبرنا ما هو تعريف الظن الغالب أو غلبة الظن عندكم ..
فالظن عرفناه في اللغة التي خوطبنا بها بغير ما تطلقون عليه من تعريف ظن عندكم ..
والظن هو الشك والشك ضد يقين ..
ويطلق على اليقين إن كان عن معاينة أو برهان كما بينت آنفاً ..
هذه لغتنا التي يعرفها العرب لا غيرها ..
وهي موجودة في معاجم اللغة لا تحتاج تفصيل أكثر ..
فيجب استعمال الأسماء على مسمياتها وإلا خلطنا على الناس وتلبس الاسم باسم غيره وأوقعنا الإشكال ..
فإذا كنت ترى أن القرآن خاطبنا الله تعالى به بلغتنا العربية فهذه معان الظن والشك في لغتنا ..
أما حشو بعض أهل التقليد أو أهل الاجتهاد أو أهل الأصول كتبهم لكلام بناء على علم الكلام الذي تلقفوه من اليونان وغيرهم ولم يبطلوا الباطل منه ويبينوه للناس فلا يصح استعماله في كتاب لم ينزل على علوم القوم ولغتهم ..

وحتى لا تفهمني خطأ أقول ..
تعريف أهل الكلام للظن والشك جاء بناء على خطأ وقعوا فيه لاستقبال كل ما جاء من الكفار في هذه العلوم ..
فلم يجردوها ولم ينقحوها ولم يخرجوا منها ما كان يضاد شرعنا أو لغتنا ..
بل استعملوا كل هذه العلوم وفق دين القوم ونظرتهم ..
فعرفوا الظن بما لا يعرفه العرب ولا جاء في شريعتنا ..
فسار الكثير على هذا فسموا الحكم الذي لم يكن عن يقين ظن راجح أو غالب ..
ولجلجوا في بيان وتعريف ما هو الظن الغالب ..

فإن كان ما يرجحه المرء بناء على أمر ظاهر ولم يكن يقيناً فهو ظن ثان كما الظن الأول ولا فرق ..

فاجتمع ظنان ..
فأي معنى في قولك ..
(( وغلبة الظن أو الظن الراجح هو ترجح أحد الأمرين بمرجح و هما يتضادان و لا شك )) ..
فأي معنى في كون الشيء الأول أو الحكم الأول ظن ..
وأن ما رجحه أيضاً كان ظناً مثله .. ؟!
فنضم الشك مع الشك فيحصل به يقين .. !
لأن الشك كما عرفنا في لغتنا هو ضد اليقين ..
فكلاهما ظن وهو ضد اليقين ولم يلزمنا الله تعالى به أصلاً ..
وهذه قضيتنا لا غيرها ..
وعلى هذا لجاز لأهل الباطل أن يأتوا ما لم يوقنوا به مع ما هو مثله ليقولوا أنه يقين أو أنه لازم لنا وللناس وشرع الله ..
فليتك اقتصرت على بيان دليل جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى شرع الله وجواز إلزام الناس به أو إيجاب ذلك ..

حتى لا نتكلم في أمر خارج عن هذا الأمر ..
فالذي يلزم الناس من الحق ليس تفسيري وتفسيرك وشرحي وشرحك ..
وإنما قولك وتفسيرك الذي يقوم على حجة وبرهان لا شك فيها ..
فإن رأيت خطأ من كلامي فنبه عليه بعد ذلك أصل المسألة ..
بعد أن تقول أن الله تعالى أمرنا وأجاز لنا العمل بالظن في الشريعة ..
ثم أجاز لنا نسبة حكم هذا الشيء بالظن إلى الله تعالى ..
ثم أجاز أو أوجب علينا إلزام الناس بهذه الظنون ..
ثم تستدل لكلامك على هذه القضايا الثلاثة ..
وكل ما عداها فهو خارج عنها ..

وإن وسّع الله عليك بالعلم بعد ذلك فنبه على ما رأيت أنه خطأ من كلامي بعد أن تذكر قولك وحجتك على كل هذه القضايا التي منعتها ..

وقلت حفظك الله ..
(( و قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104 فمن غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه و سلم ثم اتبع النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الإعتقاد و ترك عبادة الأوثان و عبد الرحمن و صدقه و شهد بصدقه بلسانه و تابعه على شرعه هل يقال بأن هذا شاكا و لا يصح إيمانه و هل يستوى هذا بمن شك في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم حتى لو تابعه على شرعه و أظهر صدقه كحال المنافقين أو بمن غلب على ظن كذب النبي صلى الله عليه و سلم بغير برهان و لا شك أنه لا يوجد برهان على هذا فلما لم يوجد دل على غلبة الظن بكذب النبي صلى الله عليه و سلم إنما هو محض اتباع الظن المنهي عنه الذي يخالف البرهان و البينة مخالفة ظاهرة و هذا وجه الرد على قوله الأخ ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! )) ..

فالشك كما قلنا ونعيده أنه ضد اليقين ..
فمن لم يوقن أن الله تعالى مستحق للعبادة والربوبية فلم يكن مؤمناً ..
فالشك إن دخل الإيمان فالواجب الاستعاذة منه كما قدمت ..
وإن أصر إنسان عليه وتعمده فلا يكون من أهل الإيمان ..
فالظن وهو الشك وهو ضد اليقين إن حصل من أحد وقال به في عقيدة أو عمل في كتاب الله أو سنة رسوله وعاند فيه بعد بيان الحق له وعاند أو جحد فلا يكون من أهل الإيمان ..

أما اعتراضك على قولي ..
(( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! )) ..
فلا أرى كيف فاتك ما قلته .. !
فلا تأتي لجملة وتفسرها دون بقية الكلام حتى تعي ما أتكلم عليه ..
وقد قلت هذه الجملة بعد كلام كثير عند قولك ..
(( من عمل بوسعه ثم اعتقد أمرا بحسب وسعه و طاقته و إن لم يجزم به جزما قاطعا صح اعتقاده سواء قيل أن هذا ظن غالب أو راجح أو سمي علما فهذا ما نريد أن نبينه و لا مشاحة في الإصطلاح )) ..

وقد قلت أنا ..
(( فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..واليقين لا يبطله يقين ضرورة ..فالنص الذي أوردته هو طلب الله تعالى بعد أن نوقن أنه الله المستحق للعبادة والربوبية منا أن نتقيه بما استطعنا .. )) ..

فليست العقيدة الصحيحة هي بذل الوسع كما تقول بحسب الطاقة وإن لم نجزم ..
ولو كانت كذلك لصححنا عقائد الكفار لأنهم بذلوا وسعهم وطاقتهم ولم يكونوا جازمين أو جازمين في اعتقاد ألوهية عيسى عليه السلام ..
هذا وجه اعتراضي على كلامك هذا ..

وبيان بطلانه ..
فالشك في اعتقاد المسلم في ربه أو دينه هو المخرج عن الملة بعد بيان الوجه الصحيح للشاك وعاند ..
فالمطلوب منا أن نوقن في أنفسنا أن الله حق وما جاء به حق ..
والظن هو شك بلغتنا التي خوطبنا بها ..
ولا تلزم أحد تعريفات من لم يخاطبنا الله تعالى بلغتهم وبيانهم ..
وهم من تبعهم من جاء من علمائنا بهذه التعريفات وحشى بها كتبنا في الأصول والاعتقاد ..
فمن شك فلا يكون موقناً أصلاً ..
فاعتقاد أهل الإيمان بمني على يقين أن الله تعالى حق ومستحق للعبادة والربوبية وليس على ظن أو غالب ظن ..
فالمشكلة أنك تستعمل الظن في غير محله وتقول لا عبرة بالألفاظ وإنما بالمعنى ..
والمعنى في الظن في اللغة العربية هو الشك وأمرنا أن نتبع في تفسير ألفاظ الشرع اللغة أو الشرع نفسه ..

فليتك وقفت هنا ..
والذي يجب أن تحرره عندك وتعلمه ..
أن قول الناس ( يقين ) يريدون به الحكم أو الشيء نفسه ..
وهو الثابت عندهم أو الذي يتكلمون فيه ..
أي ثبت هذا عندي بيقين وهو ضد الشك ..

أما الدليل الذي أوجب هذا فلا يقولون عنه يقين ..
وإنما يقولون ثبت هذا بيقين من برهان أو عن برهان ..
وإذا قالوا ( ظن ) ..
يريدون به الشك وهو عدم اليقين ..
أي هذا الأمر مشكوك به عندهم ..
فإذا أطلقنا كلمة ظن في اعتقادنا بالله ورسله وكتبه بلغتنا التي خوطبنا فيها لم نكن من أهل الإيمان ..
فالواجب تفسير ألفاظ الشريعة بلغتنا إن لم يكن للشرع تفسير لها ..
والذي لا يخالف فيه عالم كما قلت أنت هو الذي يوقن أن الله حق ودينه حق ..
أما من ظن وهو الشاك فليس من أهل الإيمان عند أهل العلم ..

والذي كان من الصحابة رضي الله عنهم أول الأمر كان حق ويقين أن الله حق ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
وإن لم يقم برهان عند بعضهم من الخبر لصدق المخبر بهذه الحقائق وعدم كذبه وهذا الذي عهدوه منه ..
فمن يقول أن الصحابة لم يوقنوا بكون الله تعالى ودينه حق فقد أخطأ عليهم بلا شك ..

فتعريفك للظن بغير لغة العرب أوقعك بكل هذا ..
فلو قلت أن الظن هو الشك والذي هو ضد اليقين عند العرب وبلسانهم خوطبنا لاسترحت من شغل فكرك بكل ما قلته ..

أما قولك ..
(( و لا يقال بأن الأخ يوافق على هذا و إن سماه غيره ظن راجح أو غلبة ظن قلنا كلام الأخ يخالف هذا فهو مثلا في العمليات يوافق على كلام شيخ الإسلام في حكاية للإجماع فقال الأخ ( وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة ... ) )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لا يصح تعميم الكلام والنقل لما أقله ..
والقضية التي قلت أنها حق هي ما قلته آنفاً ..
وقد نقلت هناك كلامك هذا (( و أما الإثم فقد أجمع الصحابة و التابعين على أن المجتهد إذا استفرغ وسعه لا يأثم بل يؤجر على اجتهاده كما ثبت في الحديث الصحيح . )) ..

فقلت أنا معلقاً عليها ..
(( وهذه قضية قد أيدتها والحمد لله تعالى ..فإن كانت هي حق عندكم أيضاً فلا إنكار على من وقف على القطع عنده ..فإن كنتم ترون القطع بكذا وكذا فلا تنكروا على من وقف على القطع عنده في كذا وكذا ..وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة .. )) ..

هذا قولي الذي يصح نقله عني لا ما نقلته بارك الله فيك ..
وهو يخالف قولك الذي قلته آنفاً وزدت بيانه في تعريف الظن والشك واليقين ..

وقلت ناقلاً عني ..
(( و انظر قوله ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟!فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..واليقين لا يبطله يقين ضرورة ... )) . و قاله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ... )) .

فاليقين إذا زال في اعتقاد المؤمن لم يكن مؤمناً ..
فهو يوجب تصديق الشيء المعتقد به ..
فإن ارتفع اليقين ارتفع تصديقه ..
قد تكلمنا عليه وبينا خطأ فهمك فلا حاجة لإعادة ما قلنا ..

وقلت ناقلاً عني ..
(( الثانية : قوله ( لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ) )) ..

ثم اعترضت بقولك ..
(( أهل العلم فرقوا بين اليقين و الظن الراجح لفظا و معنى فمن قال من أهل العلم بالظن الراجح و وجوده قال بأنه دون القطع و اليقين و ما ذكرته من الإجماع الذي نقله شيخ الإسلام و الإجماع كذلك الذي نقله في العلم بالمقطوع به ثبوتا و دلالة دليل واضح على أنهم يفرقون بين الأمرين فمن قال بالعمل بالظن الراجح قولا و عملا لم يرد قطعا العمل بالمجزوم به و إنما أراد العمل بالراجح و هذا ليس بيقين عندهم فليزم أن من اعتقد بظن راجح لا يصح إيمانه لأنه قد دخله الشك في إيمانه و هذا لا يوافق عليه من قال بالراجح من الظن و لا يجوز إيهام عدم التفريق بين القطع و غلبة الظن عندهم كما هو مذهب الأخ بن تميم بأنه الإيمان لا يصح إلا بيقين فالإيمان عند أهل السنة و الجماعة و إن كان يجب بالقطع و اليقين و لكن يصح بغلبة الظن و اتباعها و هذا ليس من اتباع الظن المذموم .)) ..

أهل العلم إذا فرقوا بين هذه المسميات كما عهدنا في لغتنا وشرعنا فالحمد لله تفريقهم صحيح لا شك فيه ..

وإن كان تفريقهم بناء على علم الكلام فهذا ما لا نصححه البتة ..

فاليقين بينا تفسيره ..
والظن بينا تفسيره ..
والشك بينا تفسيره ..
كل هذا بلغتنا العربية لا لغة يونانية أو غيرها ..
وكل ما قاله الفاضل ههنا يضاد اللغة والقرآن ..
وكل الخطأ في نقوله أو تحريره واقع في تفسير هذه المعاني بغير ما عرفه العرب ..
فإن جاء بتفسير لأهل اللغة العربية لما خالفناه ..

لكنه جاء إلى كلام عام في كتب الأصول وبعض كتب الاعتقاد وحسب أن هذه الألفاظ تفسيرها هكذا كما قال وهو تفسير قطعي صحيح ..

وهذا لا يصح كما قدمنا من أن اللفظ الوارد في الشريعة يجب الرجوع فيه إلى أهل اللغة وكذلك النصوص الشرعية أو لتفسيره ..

فمن فسّر لفظاً بلغة غيرنا أو شرع ليس لنا فقد أخطأ ..
وعلمنا أن الظن هو الشك ، وعلمنا أن الشك هو ضد اليقين ..
هذه في لغتنا لا ينكرها من وقف على كتب اللغة ..

فلما خاطبنا الله تعالى بهذه الألفاظ وجب حملها على ما جاء عن العرب وعرفوه لا غيره ..
هذا إن لم يرد تفسير شريعي يبين أن اللفظ هذا نقل عن معناه إلى معنى شريعي آخر ..

هكذا يحصل التفاهم بين الله تعالى وبين عباده ..
ولا يحصل التفاهم بتفسير أحد دون أحد وبعلم دون علم إلا اللغة والشرع فقط ..

فإن ورد لفظ نرى في تفسيره في اللغة أو الشرع ثم ننظر في معناه وإن كان معارضاً بأصل آخر ..

فما عارضه أصل من أصول الإيمان أبطلناه وصححنا ما أيد الشرع معناه أو لم يأت بما يضاده ..

ونقل الفاضل عني ..
(( الثالثة : قوله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ... )) ..

وقال حفظه الله ..
(( فعلى هذا القول لا يكون هناك تصديق إلا بيقين فلا يكون مصدقا إلا من كان متيقنا و أما من غلب على ظنه الصدق و صدق فلا يكون مصدقا لأنه غير ميتقن و هذا القول غير صحيح قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها‏:‏ أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏)‏، وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه، وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، وبعضه لفظي، مع أن الذي عليه أئمة أهل السنة والحديث ـ وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهم ـ‏:‏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص‏.‏ )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
اليقين أمر في النفس بإثبات أو نفي شيء ..
فمن كان موقنا بشيء فهو يثبت تصديقه أو تكذيبه ..
ومن كان موقناً بشيء ويستدل بما يثبته فهو مصدق له ..
ومن كان موقناً بشيء ويستدل بما ينفيه فهو مكذب له ..
فهذا معنى التصديق الوارد ..

فاليقين إما أن يكون إثبات وإما أن يكون نفي ..
فاليقين هو العلم وإزاحة الشك ..
هذا في لغتنا العربية ..

فمن علم بشيء وأزاح الشك من قلبه فهو موقن بذلك الشيء ..
فإما أن يكون يقينه هذا إثباتاً لشيء أو نفياً له ..

فإن قلنا هذا عن عقيدة الإسلام الصحيح الذي ثبت عندك مثلاً بأن فلان يوقن بعقيدته ..

فإنه يثبت أشياء بعلم وأزاح الشك عن نفسه وقلبه ..
وينفي كذلك أشياء بعلم وأزاح الشك عن نفسه وقلبه ..
ومن لم يوقن باعتقاد الاسلام الصحيح الذي ثبت مثلاً عندك فلا يكون موقناً ..
بل هو شاك في اعتقاده ..

فمن وقف على هذه المعاني أمن من الخطأ الذي ورد في تعقيب الأخ الفاضل ..
ولا علاقة ههنا بكون الإيمان يزيد وينقص وبين تفسير اليقين في الاعتقاد ..
ولا يلزم مما قلته ما تحاول إلزامي به وهو باطل يقيناً ..
فالإيمان يزيد وينقص ..

فمسألة تصديق وإثبات القلب أن الله تعالى حق ودينه حق لا تدخله مسألة الزيادة والنقص ..

فإما أن يقول هو حق ودينه حق وإما أن يقول ليس كذلك ..
فلا مرتبة متوسطة بين ذلك ..

فبلغتنا نقول ..
أنا أشك في كون الله مستحقاً للعبودية ..
وأنا أوقن أن الله مستحقاً للعبودية ..
ولا نقول أن أشك ويزيد شكي أحياناً أو أوقن ويزيد يقيني أحياناً ..
أو ينقص مرة ويزيد مرة ..

فإما أن تزيل الشك في نفسك في تلك القضية وإما أن تثبت الشك في تلك القضية ..

فلا مرتبة بين ذلك أصلاً لا في عقل ولا نقل ولا لغة عرفناها وخاطبنا الله تعالى بها ..
وهذه قضية أخرى بعيدة عن كل مقالنا هذا ..
فلا أدري لماذا تأت بهذه المسائل .. ؟!
فاقتصر على محل النزاع واذكر دليله فقط بارك الله فيك ..
لنحصل على علم من مسألتنا ..

وأنبه على المشايخ وأهل المعرفة والتحقيق الذين ذكرهم ابن تيميه ونقلت عنه ..
(( ولهذا كان المشائخ ـ أهل المعرفة والتحقيق، السالكون إلى الله أقصد طريق ـ متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق، كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث ... )) ..

أي الصوفية ومن سلك مسلكهم في المعرفة والتحقيق الذين سلكوا إلى الله أقصد طريق متفقين مع مذهب أصحاب الحديث في زيادة ونقص الإيمان ..
هذا تنبيه فقط وتفصيله ليس هذا مقامه ..

هذا جواب ما مضى من تعقيبك الأول ..

والحمد لله رب العالمين ..

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
03-07-05, 11:49 PM
و قال الأخ ( وقلت نفع الله بك ونقلت عني ..
)) الثالث :قوله ( والخلاف واقع بين الجمهور وأهل الظاهر في جزئية قل من يدركها .. هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟ فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..
ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة .. ) .
إن كان المراد بالظن الذي يرى الجمهور العمل به هو الظن المتساوي الطرفين فنسبة هذا إليهم غير صحيح فإنه بإجماع العقلاء لا يجوز الترجيح من غير مرجح بل لا يجوز العمل بمثل هذا بإجماع الفقهاء لما دلت عليه نصوص الكتاب من تحريم اتباع الظن قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157 )) ..
وأقول عفا الله عنك وعنا ..
ليس ذلك قولي أخي العزيز ..
هذا الظن المتساوي الذي ذكرته يقع في نفس المفتي وكذلك يقع بين أهل الفقه ..
فهنا الكلام عن النص الذي دلالته محتملة لأكثر من معنى ..
وهذا لا يجوز العمل به وهو تحكم باتفاق المسلمين ..
ولا إشكال في هذا ..
وإنما الإشكال إذا اختار الفقيه أو المفتي أحد هذه الأقوال بناء على ظنه أنه الأوفق والأسلم والأصح والموافق لمقاصد الشرع التي عنده وليس له في هذا الترجيح دليل يوجب اليقين ..
فكل ما كان حكماً وقولاً في تفسير نص أو خبر أو صرفه أو تخصيصه أو تقييده بناء على الظن والرأي ..
فهذه الأمور وغيرها يجب أن يكون الكلام فيها بناء عن يقين وإلا فلا يحل نسبته إلى الله تعالى ..
واستدلالك في هذه الآية يؤكد قولي السابق في وجوب قطعية الاعتقاد ..
(( و قال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 و قال {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148و غيرها من الآيات .)) ..
فقوله تعالى وذمه لهم لأنهم اتبعوا الظن في اعتقادهم ..
بخلافك يا رسولنا لأنك تقطع باعتقادك ..
فإن تبعت ظنهم فيما يعتقدون فهذا ضلال ..
والآية تتكلم عن الاعتقاد ههنا لأن المخالف كافر وليس بمؤمن لنحمل الكلام على العمل ... ) .
ذكرت أكثر من مرة أن الظن يقع في فهم الكتاب و السنة فالنص المحتمل أكثر من معنى قد يكون ترجيح أحد المعاني بمرجح معتبر مع عدم بلوغ اليقين بأن هذا هو مراد الله تعالى و مثل هذا نقلنا كلام شيخ الإسلام رحمه الله إجماع أهل العلم المعتبرين على العمل بالظاهر و إن لم يصل مرحلة اليقين .
و كذلك يقع الظن الغالب في تحقيق المناط و هذا بالنص و الإجماع ففي الحديث الصحيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » .
و عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا » .
فلا وجه لقول الأخ ( هنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ... ) فالحكم بالظن المتساوي الأطراف من غير مرجح لا يختلف العقلاء بأنه لا يجوز فلم يبق إلا الحكم بالظن الراجح و الأدلة التي ذكرناها كلها تدل على جواز الحكم بالظن الراجح عند عدم القدرة على اليقين سواء في فهم النصوص أو في العمل بها و سواء كان هذا العمل حكم بين الناس أو فتيا .
ثم إن أهل العلم المعتبرين عند ترجيحهم لأحد المعاني في نص من النصوص لا يكون ترجيحهم لمجرد الظن لا بد أن يكون معهم مرجح إما نقلي أو عقلي و قد يكونون بلغوا مرتبة اليقين أم لم يبلغوها و اكتفوا بغلبة الظن و هذا أمر يعرفه كل ممارس مطلع على نصوص الكتاب و السنة و أقوال أهل العلم و ترجيحاتهم لمعاني هذه النصوص بعضها على بعض فليس كل ما رجحوه من معاني جزموا بصحته بل قد يكون العالم يرجح معنى من المعاني اليوم ثم تراه رجح معنى آخر لمرجح آخر بدا له و لم يقل أحد منهم بأنه يجب أبلغ مرحلة اليقين في ترجيحي هذا و إلا لا يجوز لي الترجيح و لو لم أبلغ اليقين أكون قد حكمت بالظن هذا لا يقوله صغار طلبة العلم فضلا عن أئمة الفقه و علماء المسلمين .
و الأخ مغرم بتخصيص النصوص من غير دليل مع أنه يستنكر هذا الفعل أشد الإنكار بل يوجب العمل باليقين لا بالظن عن الترجيح سواء كان هذا الظن راجح أو مرجوح فكلاهما عنده سواء فانظر قوله ( واستدلالك في هذه الآية يؤكد قولي السابق في وجوب قطعية الاعتقاد ..
(( و قال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 و قال {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148و غيرها من الآيات .)) ..
فقوله تعالى وذمه لهم لأنهم اتبعوا الظن في اعتقادهم ..
بخلافك يا رسولنا لأنك تقطع باعتقادك ..
فإن تبعت ظنهم فيما يعتقدون فهذا ضلال ..
والآية تتكلم عن الاعتقاد ههنا لأن المخالف كافر وليس بمؤمن لنحمل الكلام على العمل ... ) .
فالآية و إن كان لفظها ورد على مسائل التوحيد و إن كان ذكر فيها تحريم ما لم يحرمه الله تعالى كما قال تعالى عنهم ( ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) الأنعام .
فهي تعم كل اتباع الظن لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فاتباع الظن محرم على كل حال سواء كان في مسائل الإعتقاد أو في مسائل الأحكام و سواء كان في تحقيق المناط أو في تنقيحه .

ابن تميم الظاهري
04-07-05, 12:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب على الرد الثاني ..

وبالله تعالى نتأيد ..
قال ابن تميم الظاهري ..

قال الفاضل ناقلاً لكلامي ..
(( و أما قول الأخ بن تميم ( ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ... )) ..

ثم قال ..
(( يعني أن من غلب ظنه و لم يجزم لا يصح إيمانه بما غلب ظنه به لأنه لم يجزم علما بأن هذا التفريق كما ذكرنا سابقا لا أصل له لا من كتاب و لا سنة و لا قول صاحب بل هو قول أهل البدع الذين يشترطون أن تكون مسائل الإعتقاد مقطوع بها و إلا لا يصح الإعتقاد )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
فسّر الظن وغلبة الظن أولاً ثم اعترض بما تريد ..
فإن فسّرته بلغتنا العربية وكان مخالفاً لكلامي فحق لك ولغيرك الاعتراض ..

وقد قلت حفظك الله أن تفريقي لا أصل له لا من كتاب و لا سنة و لا قول صاحب بل هو قول أهل البدع ..

فتفريقي بين الشك واليقين يقول به كل عربي علم لغة العرب وفهم ما تطلق عليه هذه الأسماء ..
وهو في كتاب الله وسنة رسوله ..

فلا أدري كيف يكون التفسير للألفاظ بلغة العرب وبالشرع كلام أهل البدع .. !
فهل تنكر تعريف اللغة لليقين والشك .. ؟!
فاللغة تقول أن الشك ضد اليقين ، وأن اليقين ضد الشك ..
فلا يثبت يقين في شيء مع شك في نفس الأمر ..
ومن قال بهذا فلم يقف على تعريف اللغة وبيان الشرع ..

ويظهر أنك لا تفرق بين بين قولنا يقين وشك ..
وبين قولنا قطع وظن ..

فقولنا أننا نقطع أن حكم كذا التحريم أو الإيجاب أي أننا ثبت عندنا أن حكم هذا الشيء مقطوع به من جهة البرهان والاستدلال ..
فنعني هنا الاستدلال عليه كان بناء عن قطع أو عن ظن ..
وإذا قلنا أننا نوقن أن حكم كذا التحريم ..
أي لا نشك في أن حكم كذا كذا ..
ولا يعنينا هنا من أي جهة حصل اليقين ..
فإن التفتنا إلى الجهة أطلقنا على ثبوت ذلك الحكم أنه قطعي أو ظني ..
بحسب برهاننا أو دليلنا الذي نستدل عليه ..

لأن الموقن بالشيء قد يكون بغير برهان ..
لذلك قلت لك آنفاً أن اليقين في إثبات شيء أو نفيه ..
أو تصديقه أو تكذيبه ..

ولا علاقة لنا في صحة يقينه هذا وعدمه ..
وإنما نحن نريد تمييز كلام المتكلم فنقول له ..
هل توقن بهذا الشيء أنه كذا أو لا توقن ..
أي هل تشك فيه أو لا تشك ..

فإن قال نعم أوقن قيل له ..
فمن أي وجه قررت ذلك الحكم وقلت أنك موقن أنه هو المراد من الشرع مثلاً ..

فيقول أوجب البرهان عليّ أن أقطع بأن حكم كذا هو كذا ..
واستدل بنص صحيح أو إجماع وفسرهما بلغتنا إن لم يكن هنا ناقل بالشرع عن هذا المعنى ..

فالقطعية والظنية التي يستعملها أهل الكلام لا علاقة لنا بها ..
ولا ألتزمها أصلاً في كلامي لأني أبطل الأخذ عنهم إلا ما كان يشهد له النص ..

فالذي نقطع به هو البرهان ..
أي الذي نثبت به حقيقة من الحقائق العلمية أو الشرعية هو البرهان فقط ..

ومثال بسيط ..
يقول المتكلم ..
أنا أوقن أن هذا كتاب ..
فينفي الشك من نفسه في تقرير هذه الحقيقة ..
وقد يقول ..
أنا أشك في كون هذا الشيء كتاب ..

فإن استدل لكل هذا كان مثبتاً بقطع أو بظن ..
ولو تأملت كلامي السابق جيداً لما وقعت في هذا الخطأ ..
ففرق بين هذه بارك الله فيك حتى لا تقع في الخطأ ..
ومن رد خبر الآحاد في الاعتقاد لا علاقة لنا به ههنا ..
ولا هو قولنا ولا يلزم عن قولنا أصلاً ..

فكل هذه التقسيمات جاءت من أهل الكلام ولم يعرفها أئمة الإسلام والصحابة والتابعين ..
وإنما عندنا أن خبر الواحد يوجب القطع ونوقن بصدقه وأن ما فيه حق إذا جاء بشروطه من العدل الضابط الحافظ عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

فيوجب أن الحكم الوارد فيه بحرمة أو إيجاب القطع بأنه من الله تعالى لا من غيره لأن الله تعالى أمرنا بالأخذ به ..
ونوقن صدقه وأن ما فيه حق ولا نشك بهذا لأن الله تعالى أمرنا أن نقبل خبر العدل الذي حفظ وضبط ما يرويه لنا من الأخبار عن الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم ..

فدليل قطعيته هو أمر الله تعالى لنا بالأخذ به بشروطه ..
ونوقن أيضاً أن ما في هذه الأخبار أنها حق أيضاً ..

فلما استدللنا على كونها ثابتة قطعاً بالدليل والبرهان قلنا أن يقيننا هنا حق مقطوع به ..
فاليقين في إثبات شيء أو نفيه لا يعني بالضرورة القطع به من جهة النص ..
فقد يوقن الكفار بشيء بأن عيسى عليه السلام ربهم وخالقهم ..
وليس لهم برهان في ذلك أو خيّل لهم أن عندهم برهان ..

فلا أدري لماذا تريد الخروج من الموضوع ترك مسألتنا ..
ولا تقل أن هذه من مسألتنا ..

بل مسألتنا ..
هل يجوز أو يجب العمل بالظن ويجوز أن ننسب هذه الأحكام المبنية على الظن إلى دين الله وشرعه ، وأنه يجب أو يجوز إلزام الناس بها .. ؟!

فهذه مسألتنا ..
إذا أثبتناها بالبرهان أو نفيناها فبعدها تكلم بما شئت من جزئياتها أو جزئيات غيرها ..
فلا يليق الخروج عن محل النزاع إلى مسائل فرعية أو جزئية وقد تكون خارجة عن أصل ما تنازعنا فيه ..

فهنا الذي يجب عليك أن تقوله ..
أن تفسير الظن والشك واليقين هو كذا ..
وإما أن توافقني وإما أن تخالفني وتبين من أين أتيت بهذه التعريفات ..
فإما أن نتفق عليها وإما أن نخالفها ونذكر وجه المخالفة ..

أما أن نجعل هذه المسألة لكل كلمة ولكل مسألة وإن لم تكن داخلة في مقالنا هذا فهذا خروج عن المحل لا يليق بك حفظك الله ..

فاذكر برهان ما يلي ..
1- أمر الله تعالى أن يعمل المسلم بالظن ..
وهنا تبين تفسير الظن بما أمرنا للسماع له من لغة ونص وإجماع ..
وإن شئت فسّر اليقين والشك أيضاً ..

2- أمر وأباحة الله تعالى للمسلم أن ينسب ما توصل إليه بناء على الظن في الأحكام الشرعية إلى الشرع وإلى الله تعالى ..
بنص أو إجماع واضح جلي ثابت لا إشكال فيه ..

3- أمر الله تعالى أو إباحته إلزام الناس بالحكم المبني على الظن ..
بنص أو إجماع واضح كذلك ثابت لا إشكال فيه ..

هذه مسائلنا التي لم تثبتها إلى الآن ولم تأت ببراهين كالشمس في إثباتها ..

وعود على تعقيبك ..
وقد قلت حفظك الله نقلاً عن ابن تيميه ..
(( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وقد تنوعت طرق الناس في جواز هذا؛ فطائفة قالت‏:‏ لا يتبع قط إلا العلم ولا يعمل بالظن أصلا، وقالوا‏:‏ إن خبر الواحد يفيد العلم، وكذلك يقولون في الظواهر، بل يقولون‏:‏ نقطع بخطأ من خالفنا، وننقض حكمه، كما يقوله داود وأصحابه، وهؤلاء عمدتهم إنما هـو مـا يظنونه ظاهرًا‏.‏ )) ...
إلى آخر قاله بعدها أيضاً ..

قال ابن تميم الظاهري ..
كلام ابن تيميه ومحاولة إضعاف الاستصحاب لا علاقة له في كلامنا هنا ..
وإنما هو متعلق بما ذكره ابن تيميه في كلامه : (( وكذلك يقولون في الظواهر )) ..
فهو يريد إبطال كون الظاهر يفيد العلم ..
وليس هذا مقامه ..

وقد نقل الفاضل ما يفيد ويؤيد ما قلته ..
(( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( أما الأول‏:‏ فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث، وهو أن كل ما أمر اللّه تعالى به فإنما أمر بالعلم، )) ..

وهذه القضية نفسها التي أنكرها علينا الفاضل في قولنا قبل ردود أن الحكم بناء على شهادة الشهود إنما هو عن علم وقطع ..

أما بقية ما نقله عن ابن تيميه فكله يرده تفسير الظن والشك واليقين في لغتنا التي خوطبنا بها ..
فإن أثبت الفاضل أن الظن يستعمل في غير ما بيناه من أهل اللغة فقد صحت له هذه الإطلاقات في كون ذلك الشيء ظن راجح أو غالب ..

ولا يكون كلام أحد حجة على أحد إلا حيث استدل أحدهما بدليل وبرهان يوجب المصير إلى قوله ..
والبرهان هو ما نطلبه في تفسير هذه الألفاظ وكذلك إثبات المسائل الثلاثة السابقة ..

فلم يأت ذلك البرهان رغم كثرة الردود .. !
وما ذم الله تعالى الظن إلا بما فسره العرب من لفظه ..
وليس شيء غيره ..
ومن ادعى أن الظن في المذموم في النصوص وارد على غير الشك فليأت ببرهان أضوأ من الشمس حتى يصار إلى قوله ..

أما الدعوى ..
فكل أحد يحسنها ..
وليست طريقنا والحمد لله ..

فقد بينا أن الظن والشك واليقين عرفهم العرب على معاني ..
وبهذا نحصل على برهان معنى هذه الألفاظ ..
والله تعالى كلمنا بلسان عربي مبين فوجب الرجوع إلى ذلك اللسان لنعرف المراد ..
إلا أن يكون بين لنا في نص آخر أو نفس النص أن ذلك المعنى عند العرب ليس هو المراد وإنما معنى آخر كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها ..
فلا تكثر في أمر لا يسلم لك ولم تأت به ببرهان ..

وقال الفاضل ..
(( و الأخ قد وافق على أن العمليات يعمل بها بما ظهر لنا و أقر بإجماع شيخ الإسلام و أقر بوجود مرحلة وسط بين اليقين و بين الظن و هي الحكم بالظاهر و من المعلوم أن الحكم بالظاهر لا يكون بيقين فقال ( وهذا كما قلت ولا فرق ..
فقول ابن تيميه أن الظاهر هذا محل اتفاق هو ما أنكره علينا الأخ الفاضل ..
ثم استشهد به لقوله .. ! )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
أخي الحبيب ..

عندما تتكلم بلساني وتقول ما لم أقله فلا يصح أن تبني على ذلك حكماً وقولاً ..
بل إرجع إلى كلامي في موضعه ثم بيان في التعقيب قبل هذا تفهم ما الذي أقررت به من الإجماع ..

وهو نفي الإثم فقط ..
فما علاقة ما تستشهد به بما قلته .. ؟!

وقول ابن تيميه ( أن الظاهر كذا ... ) ..
لا أتكلم عن لفظ الظاهر والمعنى منه عند أهل الأصول ..
بل هو كلام ابن تيميه الذي نقلته عنه ..
فأنت تريد الاستدلال لقبول الحكم الظاهر أو المعنى الظاهر ..
فتعلقت بقول الذي نقلته عن ابن تيميه ( أن الظاهر كذا وكذا .. ) ..

فليست هذه تلك وليس هذا قولي أصلاً .. !
ثم تأتي تستدل بكلامي أن أهل الظاهر وقفوا على هذا الظاهر ..
لتقول أن هناك مرتبة بين اليقين والظن وهو الظن الراجح .. !

فلا يوجد أضعف من هذا الطريق .. !
الظاهر الذي تتكلم عنه هو ما يظهر من لفظ النص وليس غيره بلسان عربي مبين ..
ثم إن اليقين والشك هما الضدان ..
والذي سميته ظن راجح لأنه ظهر من النص فهذا الذي لا يصح البتة ..
فكيف نفهم كلام الله تعالى إن لم نعمل بما يظهر من لفظة واردة في النص بمعناه العربي الصحيح .. ؟!

إذا قلت لأخيك ..
اذهب واحضر لي كتاباً ..
أي معنى تفهمه من هذه الجملة بحسب لسان العرب .. ؟!

هل تقول أن إرادته جلب الكتاب مظنون .. ؟!
قد يكون المظنون الذي هو مشكوك به هو أي كتاب يريد أو وقت جلب هذا الكتاب وغيره ..
لكنك لا يمكن أن تبطل أنه يريد منك أن تجلب له الكتاب ..
ومن قال أنه لا يريد ذلك وإننا في شك من أنه يريد إحضار كتاب فقد أتى بالغرائب .. !

ولما صح كلام وتفاهم بين البشر البتة ..
فالواجب حمل كلام المتكلم وكذلك النص نحمله على لغة المخاطب بالنص ..
فإذا قال تعالى : { وأقيموا الصلاة } فنحمله على لغة المخاطب فنقول ..
العرب عرفت الصلاة بمعنى الدعاء ..
فنقول أمرنا الله تعالى بالدعاء ..
ثم علمنا من النصوص أيضاً أن الله تعالى طلب منا هيئة مخصوصة وسماها صلاة ..
فعلمنا أن الله تعالى أمرنا بصلاة على هيئة مخصوصة ..
فنسمي الدعاء صلاة وكذلك نسمي تلك الهيئة صلاة ..
فلا أهملنا لفظ العرب لهذه الكلمة ولا أهملنا تفسير الشرع ..
وقد نهمله إن ورد في نص أنه يبطل ذلك المعنى اللغوي ..
وهذا لا إشكال فيه ..

فأي ظنون وظن غالب يظهر من كلام الله تعالى لنا بحسب لساننا العربي .. ؟!
فكل ما قاله الفاضل هنا أخطأ به بلا شك ..
ولن يقدر على الإتيان ببرهان يجعلنا نقول ..
أن كلام الله تعالى عندما نسمعه فهو مظنون به ومشكوك به على أي معنى وجهة .. !!
وقد يخيّل إلى البعض أن لهم برهان في ذلك ..
لأن النص فسّر ألفاظاً واردة بمحل بغير اللفظ العربي ..
فهنا ليس كلام الله هو المشكوك به والمظنون ..
بل قول القائل هذا هو المظنون المشكوك به ..
لأنه لم يقف على اللفظ المفسر ..

فليس كلام الله مظنون به ولا مشكوك من مراده وتفسيره لألفاظه البتة ..
إلا من فسّر هذا الكلام من غير يوجب القطع بتفسير إمام أو تابعي أو غيرهم مما يعمل به بعض أهل المذاهب ..

فتفسير كلام الله تعالى يكون بكلامه هو وبكلامنا العربي الفصيح الذي يتفق عليه العرب ..
أما ما عدا هذا فكلام لا تتحصل منه بعلم ..

فسبحان الله كيف نجعل كلام الله مظنوناً به ..
وكلامنا نجعله مقطوع به ونطالب الناس أن يلتزموا معناه العربي الذي عهده السامع .. ؟!

ووالله لو قال لي أحد ..
أنا مسافر الآن ..
فقلت ..
كلامه هذا مظنون ولا نعرف ما المراد منه ولا نقطع به لشك بي وبعقلي .. !

فيقول القائل ..
أفأقول لك إني مسافر غداً فتقول لا أدري إن كنت تريد السفر المعروف أو غيره .. !
فقد تكون تريد سفراً بمعنى الموت فلا أدري أي معنى ..

أفيقول أحد مثل هذا .. ؟!
وإن قال أحد قد يكون يريد سفر الموت ..

قيل له ..
ارجع إلى اللغة واعرف على ماذا يطلق السفر في كلام العرب ..
فما علاقة السفر المعروف بنية وقصد وقدرة ترجع إلى المسافر ..
مع الموت المعروف وهو الوفاة ..

فكل ما يقال هنا لا يؤيده شيء ..
ولو كان ما قاله الفاضل لكان قول من قال أن الشريعة فيها أسرار ..
وفيها ظاهر وباطن حق لا شك فيه .. !

لأنهم يقولون كلام الله ومراده ليس هو الظاهر منه ..
بل له معنى اختص به خواص الخواص وأولياء الناس .. !

ونحن لا نقول بمثل هذا والحمد لله ..
بل كلام الله تعالى على ظاهره الذي فسره لنا بالنص نفسه أو نص غيره ..
أو الذي فسره لنا العرب بما اتفقوا عليه فقط ..
ومن قال غير هذا فعليه أن يأت ببرهان لا شك فيه ..
وإلا فما أسهل الدعوى ..

ثم قول الفاضل في آخر مقاله في الظن الراجح والمرجوح ..
فأي ظن هذا وما هو تعريف الظن الراجح والمرجوح .. ؟!
وأي اعتبار هنا ومن اعتبره .. ؟!

فإذا كان الظن هو الشك في لغتنا التي خوطبنا فيها ..
فكيف يكون الشك راجحاً .. ؟!

فالشك ليس له مراتب ..
واليقين ليس له مراتب ..
في نفس الأمر والقضية الواحدة ..

فلا يقول أحد ..
أشك أن زيد حي وأوقن أن زيد حي .. !
فإما أن تشك في كونه حياً ..
وإما أن توقن في كونه حياً ..

فإن قال أحد ..
أشك تارة أن زيد حي وأوقن تارة أن زيد حي ..

فما يحكم عليه الناس اليوم .. ؟!

وكل من خالف هذه القسمة فقد أتى بما لا يعضده له لا برهان من نص ولا من لغة ولا من عقل ..

فالتفسير أو الحكم المأخوذ بالظن والذي هو شك في ثبوته وعدمه لا يرتقي إلى يقين إذا انضم له شك مثله ..

أما إذا انضم له نص آخر قاطع في أن المراد كذا وكذا وليس كذل ..
فيكون النص ذلك أوجب يقيناً في النفس أزال تلك الشكوك والتي هي ظنون ..

ثم نسأله أيضاً ..
من اعتبر هذا المرجح .. ؟!
ومن طلب منا أن نلتفت لما تسميه مرجح معتبر .. ؟!
وما هي تلك المرجحات المعتبرة .. ؟!
كل هذا يدخل تفسيرك وكلامك وشرحك لكلام ابن تيميه ..

فإن كان الله تعالى جعل أشياء معينة أنها توجب العمل بتلك الشكوك والظنون فأبنه بياناً لا شك فيه ..

فارجع إلى قضيتنا هنا وهي ما ذكرته كثيراً ..
نريد البرهان على هذه المسائل ..

1- أمر الله تعالى أن يعمل المسلم بالظن ..
وهنا تبين تفسير الظن بما أمرنا للسماع له من لغة ونص وإجماع ..
فإن شئت فسّر اليقين والشك أيضاً ..
وطبقه على ما تتكلم به ..

2- أمر وأباحة الله تعالى للمسلم أن ينسب ما توصل إليه بناء على الظن في الأحكام الشرعية إلى الشرع وإلى الله تعالى ..
بنص أو إجماع واضح جلي ثابت لا إشكال فيه ..

3- أمر الله تعالى أو إباحته إلزام الناس بالحكم المبني على الظن ..
بنص أو إجماع واضح كذلك ثابت لا إشكال فيه ..

هذه مسائلنا التي لم تثبتها إلى الآن ..
فالمسألة ليست كثرة الاعتراض بقدر ما هي تحقيق القول بهذه المسائل ..
بحسب ما ورد في سؤال السائل ..

وننظر الآن في التعقيب الثالث لنعرف ما فيه ..

والحمد لله رب العالمين ..

ابن تميم الظاهري
04-07-05, 03:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب الرابع ..

قال ابن تميم الظاهري ..

قال الفاضل ناقلاً عني ..
(( أما من استفرغ وسعه لإصابة الحق في العمل فقد أدى ما عليه وهذا ذكرته آنفاً في التعقيب ولم أخالفه ..لكن لا يعني من فعل ذلك أنه أصاب الحق عند الله ..فالعمل بشيء ينتج عنه قضيتين ..الأولى : إصابة الحق عند الله تعالى وفيه الأجر ..وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ..الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ..ولوجب على القائل هذا أن ينسب كل الظنون التي قال بها كل مفتي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا إلى الله تعالى وشرعه ..وهذا أيضاً لا يقوله أهل الرأي أصلاً ..وإنما يعملون بالظن تورعاً واحتياطاً مع عدم نسبتهم لشيء من ذلك إلى الله تعالى لعدم ثبوته من جهة القطع واليقين ..فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ..فلما ورد عن غيرهم اليقين تركوا ما قالوه ..وكذلك من بعدهم من التابعين ..فلا محارجة في العمل بالاجتهاد وهذا ما قدمته آنفاً في التعقيب ..وإنما في نسبة هذا العمل بالظن والرأي إلى الله تعالى والشرع والإلزام به ..وهذا لا يدركه الكثير من طلبة العلم إلا من رحم الله .. ) ..

فقال الأخ الفاضل ..
(( ذكرنا هنا ثلاثة أمور في الإجتهاد و استفراغ الوسع :الأول : استفراغ الوسع في التنزيل و هذا مجمع عليه بأنه يجب على المجتهد استفراغ الوسع لإصابة الحق في نفس الأمر فإن أصاب الحق فله أجران و إن أخطأه فله أجر واحد و إذا أخطأه فلا شك أنه حكم بما غلب على ظنه أنه الحق و لكنه أخطأ إصابة الحق و قد يصيب الحق كما ثبت في الحديث الصحيح عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
ليست هذه قضيتنا ومحل تنازعنا أصلاً ..
لازلت تذكر ما هو خارج عن محل النزاع ..

وبقية قولك يدل على عدم تفريقك بين اليقين واستعماله ..
وبين الظن واستعماله في مسألتنا بمعنى الحكم المبني على الظن ..

وكل ما تكلمت به في تطبيق هذا النص لا علاقة له في اعتراضي ومنعي من دعواك ..

فالمجتهد هذا إذا حكم فأخطأ ..

فالخطأ الذي لم يدركه أحد من الناس ففيه أجر بلا شك ..
أما الخطأ الذي بان وانكشف أنه خطأ فلا يحل للمجتهد هذا أن يقول به بعد البيان له عن الخطأ في قوله ..

والخطأ هذا كيف نعرف أنه أخطأ .. ؟!
أليس عن طريق من بين له الخطأ الذي وقع به ..

ولا جواب لك ههنا إلا بلى ..
فإذا بان الخطأ للمجتهد من قول غيره بما كان عن قطع وبرهان فلا يحل القول به ..
بل يتركه وقد ناله أجر النية الصالحة في إصابة الحق ..

ويجب عليه ههنا أن يرجع عنه ولا يحل له الاستمرار به وهو يعرف أنه خطأ ..
فالاستدلال بهذا النص ليس فيه حجة لكم وليس هو حجة علينا وليس أصلاً في محل نزاعنا ..

ثم إن العامل إذا اجتهد بالظن والأمر المشكوك في ثبوته وعدمه فهذا أمر يخصه ..
مع عدم وجود نص يوجب عليه هذا العمل ..
وإنما يقول من يعمل بذلك أنه أحوط ..

فأنا قلت ..
أن الله تعالى لم يأمرنا بالعمل بكل ما هو ظن ومشكوك به بل أمرنا بأن لا نقول عليه بشيء في دينه إلا ببرهان لا شك فيه ..
وإن عملنا بالخطأ ولم نعلم أنه خطأ أو قد تيقنا أنه ثبت عندنا بالظن فلا يحل أن ننسبه إلى الله تعالى ونقول حكم هذا الشيء هو شرع الله ..
بل هو رأيك وقولك وشرعك لنفسك ..
ولا يحل لنا أن نلزم به الناس ونقول لابد من امتثال هذا الظن ..
وأنه شريعة ربنا ..

فإما أن تثبت خلاف ما قلته وإما أن تقر به أو ببعضه وكل ذلك ليس لك طريق في الاعتراض أو الإثبات إلا ببرهان لا شك فيه ..

وقال الفاضل ..
(( الثالث : الإعتقاد و الأخ يشترط أن يصل فيه المكلف إلى اليقين و أنه لا مرتبه وسط بين اليقين و الشك و بينا خطأ هذا الإطلاق و أن المكلف متى ما غلب على ظنه الحق فصدق به و اعتقده و أظهر الإلتزام به حكم له بالإسلام و نفعه هذه الإعتقاد في الدنيا و الآخرة و أن الجزم و اليقين و إن كان مطلوبا و لكن إن لم يقدر إلا على ما غلب ظنه لا يقال بأنك شاك و لا يصح إيمانك هذا من جهة التنظير قد يخالف فيه بعض المتكلمة و لكن من جهة التنزيل لا يمكن أن يحكم لمن جاء مسلما و قال بأنه يغلب على ظنه صحة الإسلام و أنه حق و يعتقد بكل ما فيه لا يمكن أن يحكم له بأنه لا زال على كفره و أنه ليس بمسلم لأنه لا زال شاكا . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

هذا الاعتراض كله جاء بناء على خطأ في الفهم من المعترض ..
وعدم تفريقه بين اليقين والقطع ..
وقد بينا ذلك مما يبطل هذا الفهم عنا ..

فالاعتقاد الصحيح لا يلزم منه القطع ..
وإنما يلزم فيه اليقين ..
ومن فرق بين هذين علم أن اعتراض المعترض كان خطأ منه ..

فاليقين عدم الشك بالشيء سواء كان صحيحاً أو باطلاً ..
والقطع هو إثبات للشيء أو نفيه بالدليل والبرهان ..

فعلى القارئ أن يميز بين هذه الألفاظ والإطلاقات ليستريح ..

فكل قاطع بشيء فهو موقن به ..
وليس كل موقن قاطع بذلك الشيء ..
حرر هذه ترتاح أخي الحبيب ..


وقال الفاضل ..
(( فقوله ( وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ... ) .
إن كان مراده لا يكون العمل إلا بيقين فهذا خطأ و لا شك و هو قد أقر بأن العمل بالظاهر و الظاهر قد يصيب به الحق و قد لا يصيب و عندها يكون العمل بغلبة الظن لا الجزم لأنه لو كان جزما لكان أصاب الحق جزما و لا يقال هنا أنه حكم بالظاهر . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

العمل بيقين يختلف عن العمل بقطع ..
فالعمل بيقين من يعمل بشيء وهو يثبته أو ينفيه بما لا مجال فيه للشك في نفسه البتة ..
فإن عمل بشك فهو مثبت أو ناف بما لا مجال فيه لليقين في نفسه البتة ..
وهذان لا يقعان في نفس الشيء البتة عند أهل اللغة والشرع والعقل البتة ..

فلا يعمل أحد وهو يوقن ويشك في نفس الأمر البتة ..
فإما هذا وإما ذاك وهذا الذي قلت أن العمل باليقين لا يصح أن يكون مع العمل بالشك في نفس الأمر ..
وهو جزء الكلام الذي نقلته عني ..
فهذا مرادي من ذلك لأني أعترض على جعلك العمل بالشيء الواحد فيه شك ويقين معاً ..
فالشك هو الظن لا غيره في لغتنا وشريعتنا ..
فأخبرك أن الشك لا يجتمع مع اليقين في شيء واحد البتة ..
لأنهما ضدان يتعارضان فكيف نثبتها في شيء واحد ..

والعمل بالقطع ..
هو العمل بالشيء سواء كان شكاً أو يقيناً أول الأمر مع الاستدلال له بما هو برهان ..

فأما اليقين فثبوته لا يعني صحة شيء أو عدمه في حقيقة الأمر بل يدل على أنه ثابت أو منفي في نفسك فقط ..

فاليقين إشعار للغير بأني لا أشك أن ذلك الشيء أنه محرم مثلاً ..
وأما القطع بأن ذلك محرم فهو بالاستدلال على تحريم ذلك الشيء أو الفعل ..

ففرق بين هذه أخي ..
فكلامك في هذه المسألة لا يستقيم ولا يصح عند أهل اللغة أصلاً ..

وقال أيضاً ..
(( فالتفريق بين مسائل أصول الفقه أو أحكامه أو مسائل أصول الدين في مسألة العذر بالجهل أو التأويل تفريق مبتدع لم يرد عن السلف )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لا يصح أن نفهم كلام المعترض خطأ ثم نتكلم عليه ونجعل تفريقه بدعة ..
فما أسهل من إطلاق لفظ البدعة على كل شيء ..

فليست هذه المسألة في مقامنا هذا ..
ولم أتكلم عليها بل أنت شككت في مرادي وتكلمت بما تظن أنه قولي وتفريقي ..

وقال أيضاً ناقلاً عني ..
(( و قول الأخ الفاضل ( الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به .... ) .)) ..

فقال معلقاً ..
(( يجب أن يعلم أن الظن يدخل في فهم كتاب الله تعالى و انظر فهم الصحابة رضوان الله عليهم في فهم القرء كما قال تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }البقرة228 )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
السؤال هنا هل طلب الله تعالى منا أن نفسر القرآن بالظن والشك أو لا .. ؟!
هل طلب منا تفسير أو الحكم أو الاجتهاد بالظن أو أمرنا بذلك أم لا .. ؟!

هنا السؤال الذي إلى الآن لم تجب عليه ..
ولم تذكر برهانه البتة ..

أما ذكرك مسألة فهم الأمة والصحابة ومن بعدهم للفظ القرء فلم نؤمر به أصلاً ..

فالله تعالى حين تكلم عن القرء وهي في لغتنا تطلق على ..
إما الحيض ..
وإما الطهر ..
وإما على الطهر والحيض معاً ..

والمعتبر هو مراد المتكلم ..
ولا يحل لنا أن نقول أن المراد كذا أو كذا إلا إذا علمنا هذا المراد ..
فكل من تخيّر أحد هذه المعاني فلم يأمرنا الله تعالى بالأخذ منه لهذا المعنى ..
وإنما أمرنا أن نفسر هذه الألفاظ المشتركة بما بينه تعالى لنا في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..

فإن كان اللفظ له معنى واحد في لغتنا فنعمل به وهو القطع في تفسيره ..
وإن كان اللفظ فيه أكثر من معنى في لغتنا فوجب أن ننظر إلى تفسير الشرع له وبيانه أي معنى من هذه المعاني أراد ..

ولبيان كيف تفسير هذه اللفظة ما يلي ..

قد وردت السنة في بيان متى يجوز تطليق المرأة وفيه ابتداء عدتها متى يكون بأن قال فطلقها في طهر غير مجامع فيه وفي رواية طاهراً أو حاملاً ..
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره ( تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) ..
وبين النص الأول الذي فيه ثلاثة قروء أن المطلوب بقاء المرأة مدة معينة ..
وهي القروء الثلاثة ..
فاحتار من احتار أي معنى من معان اللغة أراد النص .. ؟!

ولكن لما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تبدأ المرأة عدتها وأنها تبدأها بالطهر الغير مجامع فيه أو الذي تكون فيه حاملاً ..
علمنا أن المراد ههنا من لفظ ( القرء ) أنه الطهر ..
فهذا وجه بيان أي المعاني أراد النص بما نقطع به ..
فالنبي صلى الله عليه وسلم بين الوجه الذي يجوز فيه أن تطلق المرأة ..
وهو كونها طاهراً ..
فعلمنا أن بداية عدتها لا بد أن تكون بالطهر ..
ثم على هذا الخلاف لا تحصل فائدة كبيرة أصلاً لو حققنا قول كل طرف ..

فمن يقول أن القرء هو الحيض فيشترط ثلاث حيضات ..
فقد دخل فيها ثلاثة أطهار بلا شك لمن ميز حقيقة المسألة ..

ومن قال القرء هو الطهر فيقول إن دخلت في الحيضة الثالثة فقد حلت وبرءت من عدتها ..
فكلهم وقع عنده ثلاثة أطهار وكلهم وقع عنده ثلاث حيضات ..
فالقائل بأنه طهر يقول : تكون في الطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ..
وهذه ثلاثة مع ثلاثة ..
والقائل بأنه حيض يقول : تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر باعتبار من قال بنهاية الحيض تكون طاهراً ..
وهذه ثلاثة أطهار وثلاث حيضات ..

فإن حملنا القرء في الآية على أي معنى لم يتحقق إشكال وجاز نسبته إلى الله تعالى ..

وليس هو تحكم ولا قول بالضدين ..
بل كل التفسيرات يتحقق فيها ما أراده الله تعالى ..

وأما إذا نسب أحدهم ذلك إلى الله تعالى بأن قال هو الطهر أو هو الحيض فلا إشكال فيه لأنه كله وارد في النص نفسه ..
وليس بظن من أحد لأنهم كلهم إما عملوا بلفظ واحد من ألفاظ المشترك كالطهر ..
وهو يعلم بأن بداية العدة تكون بالطهر ..
أو عمل بلفظ واحد وهو الحيض ودخل في اختياره ثلاثة أطهار ..

فكل هذا لا إشكال فيه أصلاً ..
لذلك لو قال أحد أن القرء في العدة هو الطهر والحيض وهذا مراد الله لما كان مخالفاً لأحد في الحقيقة ..

فكلهم يوجب ثلاثة أطهار ..
وكلهم يوجب ثلاث حيضات ..

فالآية تريد إثبات مدة معينة ..
وسواء قلنا الحيض هو القرء فقد ثبت أثنائه ثلاثة أطهار ..
أو قلنا هو الطهر فثبت فيه ثلاث حيضات ..

والنص النبوي يريد بيان وقت الجواز في التطليق أفي الطهر أو في الحيض ..
فلا إشكال في هذه المسألة أصلاً ..

أما ما ذكره الفاضل ..
(( و يقع كذلك الخطأ في فهم حديث النبي صلى الله عليه و سلم أخرج البخاري و غيره عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحدا منهم ) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

ليس في هذا الحديث جواز أو أمر بالعمل بالظن البتة ..

فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن لا يصلي أحدهم العصر إلا في مكان كذا ..

فالصحابة الذين صلوا في وقت العصر ولم يأخروا هذه الصلاة عملوا بالذي يقطعون به ولم يشكوا به البتة ..
وهو الأمر بالصلاة لوقتها الذي ثبت عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قطعاً ..

فحملوا لفظ الحديث هنا على أنه أراد الإسراع ..
وهذا يبطل القول على الظن ولا يحل نسبة ذلك إلى الشرع ..

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هنا جملة تامة وقضية محددة ..
فلا يحل لأحد أن يحملها على غير ما يظهر منها في الأمر أو النهي ..
بناء على ظنه أنه أراد كذا أو كذا ..

وكان على من صلى عند دخول وقت العصر قبل وصول ذلك المكان أن يقول ..
أمرنا بعدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها ..
ثم جاءت رخصة لنا في ترك هذه الصلاة حتى نصل مكان كذا ..
من صاحب الشرع ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ..

ومن صلى في المكان وأخر صلاة العصر فقد عمل بالحق والذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
لأن هذا مقتضى قوله لا يحل أن نتقول عليه بما لم يقله ولا بينه ..

وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى في وقت العصر قبل بلوغ المكان لأنه أخطأ ولا عتب على مخطئ ..

وكيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم : ( ما أمرتكم به فأتوا به ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم ..

فهذا أمر أو نهي لهم فالواجب أن يأتيه السامع بما استطاع وأن يجتنب ما نهي عنه ..

فإن كان لا تصلوا العصر تدل عند المخالف غير النهي أو الأمر بالصلاة في ذلك المحل فعليه بيان ذلك الصارف ببرهان لا شك فيه ..

ولا برهان لمن قال نصلي العصر في وقتها ..
إلا أنه أعمل النص الوارد في عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها ..
وهذا الإعمال لا يصح مع أمر أو نهي من الشارع لأمر متعلق به ذلك النص وارد بعده ..

والرواية هذه ليست دليلاً على جواز ووجوب العمل بالظن ولا نسبته إلى الله تعالى ولا إلزام الناس به ..
فأين هو الذي جاء بالشرع من عند الله ليأمرناً بشيء اشتبه علينا مع أصول ونصوص أخرى .. ؟!

وإنما في النص هذا أمر أو نهي عن شيء ..
وعمل السامع إما بما ظهر من النص والتزم النهي ..
أو عمل بما يظنه أنه أراده ..
ثم لم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما ..
لأن المجتهد إن أخطأ فلا مذمة عليه ..
لأن صارفه عن الامتثال كان نصاً يقطع بوجوب العمل به وهو عدم جواز التأخير ..
فهنا قضيتان متعارضتان ..
وجوب الصلاة في وقتها وحرمة تأخيرها عن وقتها ..
وجوب تأخير أو جواز التأخير لصلاة عن وقتها إذا رخص لنا الشارع في صلاة واحدة ويوم واحد فقط ..

وكلها قضايا قطعية عند كل طرف توجب أمراً ..
والذي جمع بينهما بأن أخذ بالزائد منهما أصاب وعمل بالنصوص كلها ..
ومن أخذ بقضية فإنه ترك قضية أخرى ونص آخر لم يعمل به ..
وهذا خطأ ظاهر ..

والأمر الزائد هو أن لا تصلى العصر إلا في بني قريظة ..
وهو بخلاف الأمر الوارد أولاً في وجوب الصلاة في وقتها وعدم جواز تأخيرها ..

كنقله صلى الله عليه وسلم وسلم وقت صلاة المغرب يوم النحر ولا فرق ..
فالعامل بالنصوص كلها أولى وأحق وأصح من العامل بنص واحد في حال تعارض ظاهر في أحكام تلك النصوص ..

فائدة ..
من أنكر على أهل الظاهر الأخذ بالظاهر وحمل الأمر على الوجوب والعمل بجميع النصوص الواردة فيما يظن فيه التعارض وهو ليس كذلك والأخذ بالزائد منهما فلينكر كذلك على الصحابة ..
فإن صح أنه لا إنكار ولا تصحيح لأحد الأقوال بناء على الظن ..
فهذا هو حد الإنصاف في هذه المسألة والمسائل المشابهة ..
وننظر في الأدلة غيرها لنصحح هذه المسائل وغيرها أو نبطلها ..

وقال الفاضل ..
(( لا يمكن أن يكون بظن محض من غير مرجح معتبر فلا يكون إلا بظن غالب بمرجح معتبر لذا لم يعنفه النبي صلى الله عليه و سلم ثم إنه نسب هذا القول للنبي صلى الله عليه و سلم مع أنه قول خطأ و لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
ما هو الظن الذي رجح عند من صلى العصر في وقتها أنه أراد الإسراع .. ؟!

فلا والله لم يصلوا العصر لأجل الظن ..
وإنما صلوا لثبوت وجوب الصلاة في وقتها ..
وهذا يقطع به كل أحد وليس فقط الصحابة رضي الله عنهم ..

ولم يكن عدم امتثالهم لهذا الأمر الثاني لأجل ظن منهم ..
ولكن اشتبه عليهم أصلان وواجبان يقطعان بصحتهما بلا شك ..
فعملوا بالثابت والواجب الأول لأن النص الثاني يعارض حكم النص الأول ..
فتوهموا التعارض بين هذه الواجبات ..

أما ما يحاول الفاضل من جعل هذه الحادثة كما يطلق عليه هو أو من يقول بقوله في وجوب أو إباحة القول بالظن على دين الله ونسبته إليه وإلزام الناس به فلا يصح له البتة ..

فإذا تعارض عندكما واجبان أو محرمان فقولوا كما قال الصحابة ..
بأنه يعمل بالثابت الأول ونحمل الثاني على الإسراع ..

ولكنكم لا تقولون بهذا في مسألتنا هذه التي نازعناكم بها ..
فأنتم تأتون إلى حكم ثبت قطعاً بالنص والدلالة فتصرفون الوجوب أو التحريم إلى معنى آخر وليس معارض هذا القطعي الصحيح إلا ظن منكم ليس له برهان ..

وقال أيضاً ..
(( و كذلك من اعتمد أصلا كمن قال بالقياس و أنه مما يحبه الله تعالى ثم عمل بهذا القياس و رجح بعض الأحكام و نسبها لله تعالى لا يكون بهذا آثما و قد يصيب الحق بقياسه هذه و قد يخطئ . )) ..

مسألة كون القياس أصلاً ومصدراً شرعياً ليس هذا مقام بيان عدم صحة ذلك ..
وأما من قال أن القياس يحبه الله تعالى فهذه عجيبة لم يقلها المتقدم من أهل القياس ولا المتأخر ممن وقفت على كلامهم ..
فهذه غريبة عجيبة ..!

فإن ثبت لكم هذا الأصل ببرهان لا شك فيه ثم كان حكمه يعارض حكماً أو نصاً فإنتم تسقطون حكمه أصلاً ولا تجمعون بين حكمه وحكم النص ..
وهو القياس الفاسد الاعتبار ..

وحتى أن الكثير ممن يقول بالقياس فإنهم يبطلون القياس ويقدمون عليه قول الصحابي إذا تعارضا ..

وإن كثيراً منكم إذا ورد قول الصحابي أهمل القياس ..
حتى إمام أهل القياس لا يقول بما قاله الأخ الفاضل .. !

فقد نقل عنه أن مذهبه في الاجتهاد أنه إذا كانت المسألة ورادة عن صحابي فلا يقول برأيه ، وإن كانت ورادة عن التابعين فإنه يزاحمهم ..

وقد قال إمام أهل القياس وهو أبو حنيفة ..
من لم يدع القياس في مجلس القضاء لم يفقه ..

وقال أيضاً ..
علمنا هذا رأي فمن جاءنا بخير منه أخذناه ..

وقال الإمام مالك ..
وددت لو ضربت سوطا لكل مسألة قلت فيها بالرأي ..

وقال ربيعة ..
ما كان يضاد النص من الرأي فاضرب به الحائط ..

وهذا ومعناه منقول عن الأئمة ولا ينكره إلا من لم يتكلف النظر في أقوالهم في هذه المسألة ..

ولا نظن ذلك في أخينا الفاضل ..

فأي شرع هذا ننسبه إلى الله تعالى وهو يضرب بالحائط .. ؟!
وأي شرع هذا ويريد المرء أن يضرب فيه بالسياط .. ؟!
وأي شرع هذا ويقول أول من أسس له أن من لم يتركه في مجلس القضاء لم يفقه .. ؟!
وأي شرع هذا يدري القائل به أن هناك ما هو خير منه .. ؟!
وأي شرع هذا الذي يتركونه لأجل قول صاحب .. ؟!

فأي استدلال واحتجاج تحتج به بارك الله فيك .. ؟!
فلو تمهلت لما قلت ما قلته ونسبته إلى سلف الأمة ..
فكل من قال برأيه من الأئمة لم يجعله ملزماً للناس ولم ينسبه إلى الله تعالى إن كان يعلم أنه بناء عن رأي وظن ..

ولو جئت برواية عن صحابي أو تابعي أو عن إمام مشهود له بالإمامة أن ذلك الظن والرأي الذي يقول به شرع الله ويجب إلزام الناس به لكان كلامك صحيحاً لا شك فيه وإنما ننازع بعدها في كون قول من قال حجة أو لا ..

ولن تأت برواية تجعل هذه الظنون شرعاً لله تعالى وتنسبه إليه ..
ووالله لو تأملت كلام الأئمة لعلمت أنهم كيف تحرجوا أن يطلقوا ما قالوه بالرأي أنه شرع الله خوفاً من وقوعهم في ذم الله تعالى لمن قال هذا حلال وهذا حرام ولم يأذن الله تعالى له بذلك ..

فأي إذن تأت به وتنسبه لأئمة السلف بارك الله .. ؟!
أما سمعت قول الصديق ..
أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إن قلت في كتاب الله برأيي .. !

أما سمعت قول الإمام أحمد فيما يروى عنه من مسائل الفقه يقول لمسائل أحب كذا ولا أحب كذا ولا يعجبني كذا .. !

أما سمعت أن الإمام مالك وقيل أيضاً أبو حنيفة أنهما منعا أن يحكم الخليفة بمذهبهما .. ؟!

وقال الفاضل ..
(( نعم كان بعض السلف يتورع عن نسبة مثل هذه الأقوال لله تعالى لأنه تعارض عنده أن هذا هو الحق الذي يحبه الله تعالى )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
بل كل من شهدنا له بالإمامة والعلم يبرأ أن يتقول على الله تعالى بالظن ..
ويقول هذا رأيي والله بريء منه وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ..
وهذا هو الحق فيهم والإحسان إليهم لا غيره ..

فلا ننكر إجتهادهم لكن لا نرميهم بما يبرأون منه بلسانهم ..
فلم يلزم الصحابة رضي الله عنهم ولا الأئمة من بعدهم أحداً برأيه ..
ولا قالوا رأينا ههنا شرع الله ودينه وقد ثبت عندهم بالرأي والظن ..

أما ما ينسبونهم فقد يتوهم أحدهم أن ذلك شرع الله فيطلق هذا ..
ثم يتضح للناظر أن قوله خطأ لأن القطع جاء بخلاف قوله فلا يكون ما حكاه هو فعلاً قول الله وشرعه ..

فإن أنكرت هذا فاذكر لي رواية صحيحة عن أحد الصحابة يقول فيها برأيه وينسب ذلك إلى الله ويقول هو شرعه ويلزم الناس به ..

فإن أتيت بذلك ناقشنا هل قول القائل هذا حجة في الشريعة أو لا ..
فما يتورع أحد أن يبين ما هو دين الله تعالى ..

ولو علمت أن التورع معناه الاحتياط لما قلت هذا ..
بل الأئمة يتورعون عن أن ينسبوا لله تعالى قولاً بالظن والرأي ..
فيحتاطون لدينهم من أن يتقولوا على الله تعالى فيقعوا فيما ذمه الله تعالى ..

فترفعوا عن القول على الله ونسبة شيء إليه تعالى إلا حيث قطعوا أنه من الله ..
وكان القفو بغير علم حاضر في ذهنهم ، والنهي عن القول بما لم يأذن به الله تعالى من القول أن هذا حلال وذاك حرام حاضر في ذهنهم لذلك احتاطوا من نسبة هذه الأقوال المبنية على الظن أنها شرع الله ودينه ..
ولم يلزموا بها الناس لأنهم لم يقطعوا أنها شرع الله الملزم لكل أحد ..

فلا يتورع أحد من بيان أن ذلك الأمر قول الله أو ليس قوله إن ثبت عنده بما يقطع به ..

بل الورع هو الاحتياط من أن نقول هذا قول الله أو ليس بقوله ما دمنا لم نقطع بذلك ..

وبهذا يبطل أن يتقول أحد على الأئمة أنهما تورعوا فيما يقطعون به ولم ينسبوه إلى الله ..
ويثبت أن ما تورعوا به كان لأجل قطعهم بحقيقة ما اختاروه ..

وإن قيل للفاضل ..
ما هو الرأي الصحيح الذي أمرنا باتباعه .. ؟!
فإن أنصف نفسه صار إلى قولنا ..

فنحن لم نؤمر بالرأي في الدين بحسب عقولنا وما نظنه ..
وإلا ما كان اعتراض علي بن أبي طالب وجه ..
فلو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من مسح ظاهره ..

فهل يقول الفاضل ..
أن العقل يمنع صحة أن يكون المسح للأسفل أولى من الأعلى في الخف .. ؟!

بل العقل الصحيح يؤيد هذا بلا شك من أحد ..
فكلنا يقول أن مسح الخف الأولى أن يكون للأسفل لأنه يلاقي القذر ..
أما الأعلى فلا يلاقيه إلا نادراً أو يحتمل أن يلاقيه ..

إلا الشرع ورد بخلاف هذا الرأي الصحيح الذي لا ينكره أحد ..
وقال تمسح الأعلى لا الأسفل ..

وكذلك في العبادات وغيرها بلا فرق ..
فأي رأي أمرنا الله تعالى به وأن نقوله في ديننا وننسبه إليه ونلزم الناس به ..

لو كان عندكم معنى واضح معلوم لما اختلف أحد ..
ولكان ذلك الرأي التي ترى أننا أمرنا به ملزماً لكل الناس وكل مجتهد فلا يحل لأحدهم أن يخرج عنه ..

إلا أن الواقع من الفقهاء يخالف هذا ..
ويثبت للناظر المنصف أن الرأي ليس له تعريف محدد عندهم ..
وبعضهم يدخل أمور والبعض الآخر يخرجها ..

وأن الرأي عند كل فريق مما كان بالظن لا دليل يشهد لصحته البتة ..
فإن قالوا النص ورد به قلنا لهم ..
هاتوا برهانكم وأفصحوا عن ذلك النص الذي خفي علينا ..
فقد يفوتنا ما عندكم فنستفيد منكم ..

فكل من تكلم في تفريع الرأي وتقسيمه كان بناء على ظنه ورأيه ..
ورأيه ليس بأولى من رأي غيره ..

فالله عز وجل أمرنا بالرجوع إليه عند التنازح ..
وقد رجعنا نحن ..
فنريد ممن يعلق أن يرجع إلى النص ..
ورجوعنا إلى النص لو كان للظنون لما ارتفع الخلاف في المتنازع فيه ..
ولكان أمر الله تعالى بالرد إليه باطلاً لا معنى له ..

فيقول تعالى ..
إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ..

فقلنا ..
سمعاً وطاعة ..

فقلنا لمن ينازعنا ..
هات برهان الأمر بالعمل في الدين بناء على الرأي والظن ..
هات برهان جواز نسبة هذه الظنون إلى الله تعالى وأنها شرعه ..
هات برهان جواب ووجوب إلزام الناس بهذه الظنون ..

هذا ما نادينا به ..

وعلى المنادى أن يمتثل لأمر الله تعالى بعد أن ظهر تنازعنا ..
فإن ذكر دليل كل ذلك وكان قوله الصواب والحق رجعنا إلى قوله وبهذا نقسم قسماً براً ..
وإن لم يكن له دليل على هذه الدعاوى التي قدمتها فقد كفانا مؤنة النقاش والرد فيما لا يصح عند المعترض ..

وإذا كنت تقول أن القياس يحبه الله تعالى ..
فكيف تستدل بقول يبطل لك ما تأت به ..
فنقلت أن الإمام أحمد يقول عن الشافعي ..
(( يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد سألت الشافعي عن القياس فقال لي عند الضرورة )) ..

ثم النقل عن الإمام أحمد بالنص يبطل هذا أيضاً وقد نقل عنه في مسائله ..
(( يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس )) ..
ولا يعنيني من قدم الجواز عند الإمام على من قدم التحريم ..

بل استشهد لك بما قاله من تستدل بقوله ..

ولو سألناكم الآن ..
ما هو القياس الصحيح وما هو الباطل .. ؟!
وما هي الأشياء التي تعتبر في جعل شيء علة أو ليست بعلة .. ؟!
وما هو دليل كل هذا لما أتيتم بدليل لكل هذا ..

بل كل استدلال المستدل للقياس بأدلة ليس فيها تفصيل معرفة أنواع القياس ولا شروطه ولا ضوابطه ولا العلة ومبطلاتها ولا مسالكها وكل ما جاء به أهل الأصول بعد الأئمة ..

فكل هذا يدخل على كلامك ..
ولا محل له لإبطاله ولنا فيه مقال نتممه بين فترة وأخرى عندنا في منتدى الظاهرية ..

فأين كل هذه الأدلة التي طالبنا فيها .. ؟!

أما قول ابن تيميه ..
(( قال شيخ الإسلام بن تيميه ( ‏الشرع المنزل‏]‏‏.‏ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏.‏ والثاني ‏[‏الشرع المؤول‏]‏‏.‏ وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏.‏ والثالث ‏[‏الشرع المبدل‏]‏‏.‏ وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك‏.‏.. )) .

قال ابن تميم الظاهري ..

أما كون الآراء شرعاً فباطل ..
وما كان من عند الله تعالى فهو الشرع بمعنى شرع الله ..

والتشريع كذلك ..
وهو خاص بما بينه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ..

أما آراء الرجال فليست بشرع بمعنى الشرع الذي نتنازع فيه البتة ..
وإنما هي رأي قائلها ومن قلده ..

أما ما ينسب إلى الله تعالى كذباً فهو التبديل والتحريف للحق والواجب ..
ولا يسمى شرعاً بمعنى نسبته إلى الله تعالى ..

بل قد يكون النص صحيحاً والحكم فيه ظاهر صحيح لا شك فيه ..
ثم يدخله التبديل والتحريف ..
فلا نقول شرع مبدل .. بل نقول القول هذا تبديل وتحريف ..
فإن النص هذا صحيح وهو من شرع الله ثم دخله التحريف والكذب ..

أما ما لم يثبت كونه شرعاً فيجوز إطلاقنا عليه الشرع المبدل باعتبار ما كان ..
كإطلاقنا على التوارة والإنجيل أنهما شرع مبدل محرف ..

فهما كانا شرع ثم بدلاً وحرفاً فلم يظهر لنا منه ما هو الشرع وما هو التحريف ..

فباعتبار ما كان فهو شرع ثم أبطل الله تعالى كونه شرعه الثابت ..

أما شريعتنا فلا يقول فيها ( شرع مبدل ) ..
لأن نفس الشرع لم يتبدل بل أضيف إليه بالكذب والتحريف ..

فعندما نتكلم أن ذلك شرع الله نريد الشرع الذي ثبت قطعاً أنه من الله تعالى ..
ولا نريد معنى الشرع والتشريع باللغة أو العرف ..

وقد يصح أن نقول هذا شرع مؤول ونعني أن ذلك الدليل هو شرع والرأي الذي فسره واجتهد به هو الذي أوّل النص ..

ثم إن التأويل لا يختلف في وقوعه أحد أصلاً ..
وإنما المراد معنى التأويل الذي هو ليس بشرع الله ولم يثبت قطعاً ..

فأهل العلم يسمون التفسير تأويلاً كابن جرير الطبري ومن وافقه ..
ويقولون كذلك أن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه ليس المراد منه ما يظهر منه بل معنى آخر بينه النص أو الحس ..

فإطلاق جملة ( الشرع المؤول ) غير دقيق ولا يصح بما ذكرته ..
فإن تأول مجتهد معنى نص فلا يسمى تأوله هذا شرعاً ..
وإنما يقال هذا رأي فلان في مسألة كذا ولا يقول أحد أن شرع فلان كذا ..

ولو كان هذا الإطلاق صحيح لكانت مذاهب الأئمة شرائع شتى ..
وما قال أحد أن أقوال المذاهب والأئمة هي شرائع ..

فتقسيم الشيخ لا يعني صحة كل ما جاء به ..

ثم إن من تنقل عنه وهو ابن تيميه يبطل أن يكون ذلك الاجتهاد والرأي شرع منسوب إلى الله تعالى ويجب إلزام الناس به ..

وأطلق القول فيه وقال ..
(( وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏ )) ..

فإذا كنت تقر بهذا فلماذا تعترض على ما تؤيده .. ؟!

وإن كنت تريد بيان أشياء وردت في المقال فليس هذا مقامها بارك الله ..
وكنت طلبت بيانها أو الحوار فيها في مقال آخر أو مقام آخر ..

أما أن تأتي بما يبطل ما تعترض به ثم تصر على النقاش في كل حرف وجملة وكلمة مما هو ليس داخلاً في مسألتنا فليس بما يليق بك وبنا ..

وقال ابن تيميه في الشرع المنزل ..
(( وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏ )) ..

لم يبين ما هو ذلك الشرع المنزل ..
ولو قال هو ما نقطع به أنه منزل من الله تعالى بدلالته وثبوته لكانت الجملة تامة صحيحة لا تحتاج تفصيل ..

وهذا الشرع المنزل الذي قلنا به وقلتم أيضاً ..
ثم اختلفنا في رأي الرجال هل يلزمنا أو لا يلزمنا ..
هل هو حجة في الدين أو ليس بحجة ..
وهل هو شرع الله أو ليس بشرع الله ..

فأتنم بهذا النقل تبطلون اعتراضكم علينا وتوافقون على ما قلنا ..
ثم تذكرون بخلاف هذا الذي تنقلون .. !

فنحن قلنا أن الذي قال عنه ابن تيميه أنه لا يجب ولا يلزم به الناس ..
أنه ليس بشرع الله ولا نلتزمه ونقول بخطأ كل من التزمه تقليداً أو ألزم الناس به وحكم به في القضاء وبين الناس في كل شيء ..

فما لكم تنكرون علينا ما تقرون به وتستنصرون بذكره .. ؟!
فقد قدمتم أن كلامنا باطل في عدة مواضع وأن قولنا أن لا يحل إلزام الناس به ولم يأمر الله تعالى بذلك مخالف لقول أهل السنة ..

ثم تذكر قول ابن تيميه الذي وافق قولنا فيه جملة إلا موضع واحد ..
أنه هل يحرم القول بالظن على الله أو لا يحرم ..
فإذا حررنا معنى الظن في لغتنا علمنا خطأ من أخرج هذا النوع في التحريم في مسألة التقول على الله بلا إذن وبالظن وبلا برهان ..

وقال لا يلزم عموم الناس به ..
ولا يمنع عموم الناس منه ..
أي لماذا تمنع من لا تدري إن كان هذا الرجل يصيب الحق فيما يتجهد به أو لا يصيبه ..
بل لا يحل ترك أحد ممن ملك شرط الاجتهاد وهذا قولنا أيضاً ..
ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه ..

ولو اقتصرت على كلام ابن تيميه من البداية لما دخلنا بكل هذا التفريع الذي لا داع له ..

وقال الفاضل ..
(( فمن الخطأ القول ( وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ... ) فالإجتهاد في فهم الكتاب و السنة قد يصل به صاحبه إلى القطع و قد يصل إلى غلبة الظن بل و قد يخطئ في فهم معاني الكتب و السنة و مع ذلك هذه الطريق مأمور بها بإجماع المسلمين . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لازلنا في إشكال معنى اليقين والظن والشك الذي وقع فيه الأخ الفاضل ..
فلو وقف عليها بما في لغتنا التي أمرنا باتباعها إن عدم البيان الشرعي لارتاح ..

فنحن لا ننكر أن يجتهد المرء إن ملك ما يؤهله للاجتهاد ..
ولكن ننكر أن يكون اجتهاد هذا المجتهد أو غيره حجة شرعية ..
وأن هذا الاجتهاد المبني على الظن حجة يلزم بها الناس ..
وننكر أن ذلك شرع الله الذي أمرنا به ..

وأما بيان أنواع القياس بكلام ابن تيميه فما أسهل رده ..

وأول ذلك ..
كل شيئين فهما يخالفان بعضهما البعض في وجوه ويتشابهان في وجوه ..
فالتفاح يتفق مع الموز في أنه فاكهة وفيها سكر وفيها ماء يمكن صنع عصير منه ..

وكذلك كل شيء في الدنيا يمكن أن تخرج وجه اتفاق بينه وبين غيره من الأشياء في نفس الجنس والنوع ..

لكن العبرة ليست بهذه المشابهة والاتفاق ..
بل العبرة بشاهدة الشرع أن هذا الشبه أو ذلك الاتفاق معتبر في الحكم في الشريعة ..
فأينما ورد ذلك الوصف والاتفاق يجب فيه كذا ..

فإثبات الشبه بين شيئين والاختلاف بينهما ليس بعسير ..
ولو أتيت لي بأي شيء أخرج لك وجه شبه ووجه اختلاف بينه وبين الشي الآخر ..

فقولنا أن هذا الفرق مؤثر فمن أين ذلك .. ؟!
أمن شرع قلنا أن ذلك مؤثر أم من ظن ورأي .. ؟!

وما هي هذه المؤثرات في الأشياء التي نص عليها الشارع أنك متى ما وقفت عليها فلا بد أن تحكم فيها .. ؟!

فإن بين الشرع أنه إذا ورد هذا السبب فلا بد أن تحكموا بكذا في ذلك الأمر فهذا شرع والحمد لله وليس بظن ولا قياس ..

وإن أوجد أحدنا من عنده سبباً وسماه علة ..
فأوجب أنها متى ما وجد ذلك السبب أو العلة كما يسميها خطأ حكم بكذا ..
فهذا ما نبطله ونقول هو ليس بشرع ولا يلزم أحد ..

وأما الثاني من أنواع القياس عند ابن تيميه فهو ورود السبب والصفة والشرط ..
ولا علاقة له بالقياس عند من يجيزه ..

ولا ينص شرع على أن حكم كذا متعلق بوجود كذا إلا أن يكون سبباً أو صفة أو شرطاً ..

أما تسمية ذلك علة فهو باطل ..
لأن اللغة لا تعرف هذه التسمية الحادثة من أهل القياس ..

فإن العلة تلازم المعلول ضرورة ..
فكل ما ينتج ضرورة من شيء فهو علته ..

فالإشكال واقع في تسمية أهل القياس لهذا أنه علة ..
أنه من قال أن هذا الوصف ملازم لذلك الشيء .. ؟!
فهذا يحتاج إثبات من برهان ..
ثم من قال لكم أن هذا الوصف إذا وجد في ذلك الشيء يجب الحكم بكذا .. ؟!
فهذا يحتاج إثبات ببرهان أيضاً ..

فصار القياس ليس ثابتاً عند من يقول به بما يقطعون به ..
ولا صارت أجزائه مما يقطعون به ..

فظنون اجتمعت مع ظنون ..
لأن المنصف منهم لا يقول بثبوت القياس بما هو قاطع عنده ..
بل غالب من قال بجوازه يستدل إما بدلالة بعيدة مأولة ليست ظاهرة ..
وإما يستدل بإجماع سكوتي ..

والغريب العجيب ..
أن أكثر من يستدل للقياس بالإجماع السكوتي لا يرى حجية الإجماع السكوتي في الأصل ..
وجملتهم يسير على قاعدة أن الأصول يجب أن تثبت بالقطع لا بالظن ..
ثم يقولون أن تلك الدلالة في النص ليست قاطعة على مرادهم في الاعتبار ..

أليس هذا قولاً غريباً .. !

فأما نسبة العمل بالقياس إلى الصحابة والذي يراد به القياس عند المتأخرين فلا يصح ..

فهل يذكر لنا أحد رواية عن صاحبي وضع فيها الأصل والفرع والعلة والحكم .. ؟!
لو قلبنا تراث الأمة كلها لما وجدنا أحدهم تكلم في هذا ..
وكل ما يظن من فتواهم أنه القياس عند المتأخرين منهم فهو تخرص منهم ولم يقفوا على قول بشرائط القياس والعلة عندهم ..

فكيف نطلق القول أنهم عملوا بالقياس الذي عند المتأخرين بلا تصريح منهم ..؟!

بل لو قال من منع هذه الدعوى ..
أن الصحابة لم يعملوا بالقياس الذي عندكم لصح كلامه ..
فلا يكون كلام كل أحد وفتوى كل أحد مخرجة على القياس عند المتأخرين ..

أما ما سماه قياسا صحيحاً إن نص الشارع على معنى ..
فهذا ليس بقياس أصلاً ..
وإن عمل الصحابة بهذا النوع وهو الحكم بالسبب والشرط فلم يعملوا بالقياس بما يعرفه أهل القياس من التأخرين والمعاصرين ..

فإن نفى الشارع الفارق بين شيئين في أحكام الديانة فأين هو القياس رعاك الله .. ؟!
فمن عمل بالنص الذي نفى الفرق فقد عمل بالنص ولم يعمل بقياس ..
وكذلك من عمل بالنص الذي قال إذا وجد هذا السبب أو الشرط فاحكموا بكذا فأين هو القياس رعاك الله .. ؟!

كل هذا عمل بالنص الوارد ولا مجال فيه للقياس أصلاً ..
فإن تأمل المجتهد فوجد سبباً نص الشارع على اعتباره موجباً للحكم حكم به ..

أما إيجاد سبب وخلق شرط وإحداث مؤثرات لم ينزل الله تعالى بها شرعاً ..
ولم يتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم ..
ولم يتكلم فيها ولا أمثالها الصحابة رضي الله عنهم فأي صواب في هذا وأي قطع ..
وأي شرع ننسبه ههنا إلى الله تعالى ونلزم الناس به ..

وكيف يكون هذا الشرع الذي يقول عنه الغزالي وهو أحد أئمة أهل القياس أنه صعب سبره وفهمه .. !

فإذا هذا كان إمام عندهم فيه يقول هكذا ..
فكيف بمن بعده وأدنى منه في العلم ..

وللقارئ أن ينظر الآن إن كانوا يطبقون هذا القياس ..
فأول ما يتركه كل نعم كل أهل القياس الذين صادفتهم فهو باب القياس من الأصول ..

ويدرسونه على عجل ويكتفون بتقليب كتب المذهب عندهم فيعرفوا هذا قياس أو ليس بقياس .. !

ووجدت أكثر من أعرفهم من أهل الظاهر أن أول باب وأهمه عندهم باب القياس ..

فيدرسونه ليعرفوا ما فيه وكيفيته حتى لا يتكلموا بشيء لا يعرفونه ..
لذلك قد أحسن الإمام ابن حزم الظاهري في بيان تناقض أهل القياس ..
ولولا خبرته وعلمه فيه لما تكلم فيه ..
ولما صنف فيه كتابه ( الإعراب ) ..
الذي كشف فيه تناقضات المذاهب فيه وفي غيره ..

فلو قلنا للقائل بالقياس في مسألة اختلفنا فيها ..
أمرنا الله تعالى بالرد إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..
حتى يرتفع الخلاف ..

فلا يستطيع أحد أن يقول أن الرد إلى القياس يوجب رفع الخلاف ..
وإلا لماذا اختلف الفقهاء في المذاهب الأربعة وكان خلافهم لأجل القياس .. ؟!

فنحن نسأل ببساطة ..
هل يوجب القياس رفع الخلاف أو يثبته ويفرعه .. ؟!
ولا أظن أحد تأتيه الجرأة فيقول أنه يوجب رفع الخلاف ..

فالله تعالى أمرنا بالرجوع لشيء لا يختلف فيه أحد ..
حتى يزول ذلك الخلاف الحاصل ..
وعلمنا أنه أمرنا بالرجوع إلى نصوصه لنعلم ما فيه شرعه ..
وكذلك أمرنا بالرجوع إلى اللغة لنفهم ما خاطبنا به ..
وهذا كله باتفاق بين أهل الظاهر وأهل القياس ..
فوجب أن نرجع إلى ما اتفقنا عليه وأثبتنا أنه حق ..

فإن وقع أحدنا بالخطأ وظن أن حديث الآحاد لا يوجب القطع كما يقول بعض أهل الكلام صححنا له ذلك بالبرهان الذي لا شك فيه عنده وعندنا ..
وكذلك أي مسألة فيهما يظن الظان أنها لا توجب القطع ..

فلا نقرر مسألة إلا بما نشهد به ونقطع على أنه من الله تعالى ..
ثم نقرر ما نشاء مما اختلفنا فيه في غيرهما ..

فنعرف أن قول فلان بناء على الظن والقياس إن كان حقاً أو باطلاً ..
بالبراهين التي نتفق عليها والتي أمرنا الله بالرد عليها فقط ..

وما حكيته من اتفاق في الرد عند التنازع إلى كلام الله ورسوله ..
يخالفنا فيه من شذ وقال كلام الله هذا للعوام وهو الشريعة ..
وكلامه وهو الحقيقة لخواص الخواص ولأوليائه ..
فلا نعني هؤلاء ..

وولله لو حررنا هذا الأصل العظيم لما استمر لنا خلاف مع مخالف ..
ولعمنا الحق مع أي أحد من هذه الأقوال ..

ولكن التوفيق عزيز ..
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهله ..

اللهم آمين ..

وقال الفاضل قولاً ..
(( فما قطعنا به عن طريق القياس و أنه مراد الله تعالى جاز نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس و ما لم نقطع به و إنما هو غلبة ظن بمرجح معتبر جاز عدم نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس . )) ..

فكيف نقطع بالقياس إن كان ثبوت العلة ظنياً .. ؟!
وأن الأمر به عندكم أيضاً ظني لا قطعي .. !

ثم إذا كان بغلبة الظن فلماذا جاز عدم نسبته لله تعالى .. ؟!
بل لا يحل نسبته إلى الله تعالى ولا جاز عدم نسبته ..
أي جاز عدم نسبته وجازت نسبته .. !

فجاز عدم نسبته إلى الله هل هي أبيح عدم نسبته ..
وهل يباح أيضاً نسبته كما أبحنا عدم نسبته .. ؟!


وننظر في التعقيب الأخر إن كان فيه ما يجب التعليق عليه ..
فإن أقر الفاضل بكلام ابن تيميه وأيده فهو مؤيد لقولنا والحمد لله ..

ولا عيب في الرجوع عن القول ..
فوالله الذي لا إله إلا هو لو وجدت البراهين التي تثبت ما أبطله لما ترددت طرفة عين من الرجوع إلى الحق ..

فالقول بالحق جميل ..
والرجوع إلى الحق أجمل ..


والحمد لله رب العالمين ..

ابن تميم الظاهري
04-07-05, 03:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ..

أما تعليق الأخ الفاضل الأخير فقد تكرر كثيراً ..
وخطأ الأخ الفاضل أنه لم يقف على تعريف أهل اللغة للظن واليقين والشك ..
ولو وقف عليها لما اعترض على هذا ..

وقد بينت ذلك كثيراً ..
والحمد لله رب العالمين ..

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
04-07-05, 10:00 AM
من الأدلة التي ذكرتها في بيان أن الشارع اعتمد العمل بالظن الراجح قوله تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }البقرة230
فقال الأخ حفظه الله ( أقول بارك الله فيك ..
استدلالك ههنا لجواز العمل بالظن الراجح أو الغالب لا يصح ..
الظن الذي ذكرته ههنا ليس هو ظن في أحكام الله تعالى وشريعته ..
وإنما هو في علاقة بين طرفين ..
إلا أنه يتعلق به الشرع من جهة التطليق ومن جهة ابتداء عقد النكاح مرة أخرى ..
وليس هذا مدخلاً لأصل مسألتنا وهو جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى الله تعالى ..
فإن طلق الزوج زوجته طلاقاً باتاً ثم أراد الرجوع إليها ولم يجزم ويقطع أنها ستكون أفضل مما كانت في حياتهما الزوجية الأولى ولا هي كذلك ..
فرجح من ظهور علامات القبول والرضا الموافقة على الإحسان والعشرة بالمعروف فله أن ينكحها ..
وإن ظهر له أو ظن كذلك من خلال كلامها أنها لن تعينه على إقامة حدود الله في الزوجية وهي العشرة بالمعروف والإحسان فليس له أن ينكحها ..
فهو ما طلقها إلا لأجل أسباب معينة وموافقتها على الزواج موافقة على ترك هذه الأسباب التي أوجبت التطليق ..
أما إن كانا يريدان أن يتراجعا وهما على ما كان عليه من شقاق وفعل ما يوجب الشقاق والتطليق فلا يحل لهما ذلك لأنه العمل بما يجزم كل منهما أنه يضر صاحبه به ..
وقد أمرنا في الزواج بأن نحسن إلى بعضنا وأن لا نضار بعضنا ..
فإما إمساك بمعروف وإما تسريح بمعروف ..
فهذا الظن الذي ذكرته ليس هو الذي ذكرته أنا ..
وليس هو كذلك محل النزاع ههنا ..
فكيف نقول أن الظن ههنا منسوب إلى الله تعالى .. ؟!
بل لا يمكن ذلك ..
وكذلك إن قلت أن هذا الظن غالب وأمرنا بالعمل به فليس كذلك أيضاً ..
دعنا نفترض وجود زوج طلق زوجته وأراد إرجاعها ..
وهي مثلاً أختك والزوج أخي ..
وحصل الخلاف والتطليق لأجل معصية الزوج وطلبه من الزوجة أن تأتي ما حرم الله تعالى أو كان عاصياً فاسقاً يشرب الخمر ويزني ..
ثم تقدم أخي يريد إرجاع زوجته ..
ألا تقول له وهي أختك ..
هل تبت عن الحرام .. ؟ وهل أتيت لترجعها ولتطلب منها ما حرمه الله تعالى أيضاً .. ؟
هل تركت الباطل الذي كان بسببه التطليق .. ؟!
سيقول لك نعم الحمد لله ..
فظهر لك أن حاله استقام وليس لك البحث عن نيته ..
فلك أن تأذن لأختك بالزواج منه لظهور صلاحه وترك ما أوجب التطليق ..
وإن قال لك لا لم أتب لازلت أتعاطى الخمر وغيرها ..
فهل توافق حينها .. ؟!
فأي حكم ههنا بالظن الراجح الغالب الذي يعمل به أهل الرأي .. ؟!
فهذا ظهور علامات معينة وهي توبته أو رجوعه إلى الحق أو ترك موجبات التطليق فأوجبت أن نوافق أو نرفض الزواج ..
فالظن ههنا ليس كما ذهبت إليه في تفسيرك ..
فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ..
وهما لا يقطعان بأن يقيما حدود الله تلك في كل أحد ..
لأنك لا تستطيع أن تقطع بخلق شخص وأنه سيأتي بالحلال دائماً ..
لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..
وكذلك الزوجة ولا فرق ..
فلم يكن الحكم بناء على الظن ههنا ..
إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله ..
لأنك لا تستطيع أن تقول أن المطلقة لأجل ترك إقامة حدود الله وشريعته في الزوجية ترجع للزوج دون أن تتأكد منه أنه لن يعود إلى ذلك ..
وكذلك الزوج بلا فرق ..
فيدخل الظن ههنا في نفسها ونفسه ..
فهل سيطبق شرع الله في هذه الحياة الزوجية بعدما أكد لي قبل عقد الزواج أو لا ؟!
فهذه يشك فيها كل أحد لأنها أخلاق وأديان وقلوب يقلبها الله تعالى بين أصبعيه ..
واكتفت الزوجة أو الزوج بما نطق به أحدهما من التوبة والعزم على عدم العود إلى موجبات تلك الفرقة .... ) .
فهذا حكم عام يشمل صور لا حصر لها العمل به مقيد بالظن لا بالجزم فالله تعالى لو أراد تقييد هذا الحكم بالجزم لقال فإن علما أو فإن تيقنا و لكن لما عدل عن لفظ اليقين و العلم علم بأن هذا الحكم معلق بالظن لا بالجزم و ليس المراد هنا بالظن الظن المرجح بغير دليل لأن اتباع الظن المرجح بغير دليل حرام بإجماع العقلاء فلم يبق إلا الظن الراجح فهذه الآية دليل من جهة أن الله تعالى علق الرجوع بغلبة الظن و لو كان العمل بالظن الراجح حرام و أنه من جنس اتباع الظن المحرم لما علق الحكم به .
و الحكم المعلق به في هذه الآية عن الحال لا عن المآل فمن ظهر من حاله أنه قد استقام و أراد أن يقيم حدود الله بينه و بين مرتجعته فلا جناح عليهما أن يتراجعا .
فمن جهة التأصيل علق الله تعالى هذا الحكم بالظن فهو حكم عام و لا شك و من جهة التنزيل لا بد من وجود اليقين أو الظن الغالب بأن كلا الزوجين يريدا أن يقيما حدود الله فإن وجد الظن الغالب فلا جانح عليهما أن يتراجعا فلا وجه لقول الأخ الفاضل ( استدلالك ههنا لجواز العمل بالظن الراجح أو الغالب لا يصح ..
الظن الذي ذكرته ههنا ليس هو ظن في أحكام الله تعالى وشريعته ..
وإنما هو في علاقة بين طرفين ... ) .
ثم إن التفريق بين ظن يعمل به في التنزيل و ظن لا يعمل به في التأصيل تفريق لا دليل له فالظن إن كان غالب و ترجح بمرجح ظاهر يعمل به التنزيل و التأصيل و إن كان ظنا من غير مرجح ظاهر فهو ظن باطل لا يجوز اتباعه و قد بينا أكثر من مرة أن حتى نصوص الشارع من كتاب و سنة يختلف فيها أهل العلم و بعضهم يرجح ما يخالف غيره من أهل العلم و من المعلوم أن أحدهما لا بد أن يكون قد حكم بظن راجح عنده فأخطأ و لو كان حكمه بيقين لما أخطأ و لم يقل أحد له يجب أن تتوقف عن الحكم بهذا الظن الراجح لأن لو قيل هذا للزم كل أهل العلم التوقف عن الإجتهاد لأن ما من عالم إلا و قد أخطأ في فهم آية أو حديث قال تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء23 .
قال بن كثير رحمه الله ( فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل, أو لم تكن في حجره, قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له,... ) .
و قال كذلك ( وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا إبراهيم بن موسى, أنبأنا هشام ـ يعني ابن يوسف ـ عن ابن جريج, حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة, أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان, قال: كانت عندي امرأة فتوفيت, وقد ولدت لي فوجدت عليها, فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك ؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة ؟ قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك ؟ قلت: لا, هي بالطائف قال: فانكحها, قلت: فأين قول الله {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك, هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم, وهو قول غريب جداً ... ) فالصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا في آية واحدة على معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما و لا بد أن أحدهما يكون مخطئا و من كان مخطئا لم يكن و لا شك جازما لأن الجزم لا بد أن يكون موافق الحق فلم يكن إلا مرجحا لرأي بمرجح معتبر عنده و لو لم يكن مرجحا بمرجح عنده لم يقل بهذا القول و لتوقف عن الترجيح فدل على أن الترجيح بغلبة الظن عند الصحابة جائز حتى لو كان في كتاب الله و هذا دأب كل أية أو حديث اختلف أهل العلم في معانيها على أقوال متضادة و هذا دليل ظاهر على أن أهل العلم كانوا يستعملون الظن الراجح في فهم كتاب الله تعالى و سنة النبي صلى الله عليه و سلم و لم يتوقفوا عن العمل بهذا الظن حتى لو في كتاب الله تعالى ثم مع ذلك يقولون بأن هذا هو مراد الله تعالى في كتابه و مراد رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنته أو يدل عليه حالهم .
فالأخ الفاضل تمسك بأن الآية المقصود بها العمل بين الزوجين و نحن نتكلم عن تعليق الله تعالى حكم الرجوع بالظن و هذا حكم كلي لا عيني فكل من أرادا أن يتراجعا و ظنا أنهما يقيما حدود الله تعالى فلا جناح عليهم أن يتراجعا فتعليق هذا الحكم بالظن دل على جواز العمل بالظن الراجح و أنه ليس من الظن المحرم المنهي عنه .
و أما قوله ( فالظن ههنا ليس كما ذهبت إليه في تفسيرك ..
فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ..
وهما لا يقطعان بأن يقيما حدود الله تلك في كل أحد ..
لأنك لا تستطيع أن تقطع بخلق شخص وأنه سيأتي بالحلال دائماً ..
لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..
وكذلك الزوجة ولا فرق ..
فلم يكن الحكم بناء على الظن ههنا ..
إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله ..
لأنك لا تستطيع أن تقول أن المطلقة لأجل ترك إقامة حدود الله وشريعته في الزوجية ترجع للزوج دون أن تتأكد منه أنه لن يعود إلى ذلك ..
وكذلك الزوج بلا فرق ... ) .
من عبارات الأخ نستطيع أن نعرف أن الأمر في حقيقته و إن كان في بعض أحواله قد يجزم به و لكن الظن الغالب يقع في بعض طرقه فقوله ( فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ) و الظاهر غير المقطوع به و قوله ( لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..) و قوله ( إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله .. ) فالحكم بصلاح الزوج أو الزوجه هو في حقيقته ظن غالب لا جزم فقد يصرحا أن يريدا أن يقيما حدود الله و لكن يتبين من حال أحدهما مثلا أن لا يريد أن يقيم حدود الله و قد يجزم بأن يريد إقامة حدود الله و قد يتوقف فيه بالنظر إلى حاله هل هو ممن يقيم حدود الله الله أم لا ؟ و قد يغلب على الظن أن يقيم حدود الله و لا يجزم به فمتى ما جزم بأنه يريد أن يقيم حدود الله بالتبين أو غلب على ظننا جاز التراجع و كلامنا هنا عن الحال لا المآل فالمآل لا نعلم به لأنه قد نجزم من حاله أن يريد إقامة حدود الله و جزمنا حق في حاله الذي نراه و لكن قد يتغير دينه و خلقه و يتغير حاله فيما بعد فيكون عندنا جزم آخر يضاد الجزم الأول في حالين مختلفين .
فالموافقة على التراجع مشروطه بالظن أنهما يقيما حدود الله و الظن هذا يعرف من حالهما حين إرادة التراجع لا أنه معلق بحالهما بعد التراجع و معرفة حالهما مقيده بالظن لا الجزم أي متى ما ظن أنهما يريدا إقامة حدود الله بينهما جاز التراجع و لو ترجح عدم إقامة حدود الله أو توقف لم يجز التراجع و لو تراجعا و هذه حالهما كانا ممن اتبع الظن المحرم لا المشروع .
فدل على أن الآية حجة في العمل بالظن الراجح سواء كان العلم في الكليات أو المعينات .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
04-07-05, 11:08 AM
و احتججت بقوله تعالى {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ }يوسف42
فرد الأخ على احتجاجي بقوله أقول بارك الله فيك ..
وليست هذه الآية دليلاً على جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى الله تعالى وشرعه ..
يوسف الصديق عليه السلام فسر الرؤيا وظن أن هذا الرجل ناج ..
وقال له اذكرني عند الملك ليخرجني من السجن ..
وهذا ليس اتباع ظن ولا قول به ولا نسبته إلى الشرع ..
فلا يصلح هذا الدليل للاستشهاد به في محل النزاع ..
وهذا لا مدخل له في التشريع والحكم في الدين في شيء أصلاً ... ) .
فالله تعالى أقر يوسف على ظنه و لم يرد عليه بأن اتباعه للظن هنا محرم ولم يكن ظن يوسف هنا ظن مساوي و لا مرجح بغير دليل فدل على أن العمل بالظن الراجح بمرجح معتبر معتبر عند الله و عند رسله عليهم السلام و أما التفريق بين الديانه و بين غيرها فهذا تفريق من غير دليل فلم يذكرنا الأخ الفاضل دليل من كتاب و سنة أو إجماع معتبر حرمة العمل بالظن الراجح إذا كان الترجيح بمرجح معتبر شرعا فدلائل كتاب الله عامة لا يجوز تخصيصها إلا بدليل صحيح معتبر و إلا كان تحكما على الله و قلنا أكثر من مرة الظن يدخل في فهم كتاب الله و سنة رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم و مع ذلك لم ينه أحد من الصحابة من الشروع في تفسير كتاب الله أو بيان مراد النبي صلى الله عليه و سلم نعم قد يتوقف بعضهم خوفا من القول على الله بغير علم أو لعدم ترجح أحد المعاني عنده و لكن لم يتوقف كلهم عن هذا الأمر إذا ترجح عنده أحد المعاني .
فالمحرم كما ذكرنا هو اتباع الظن بغير برهان و المشروع اتباع الظن ببرهان فمن قال بأن اتباع الظن ببرهان ظاهر يدخل في اتباع الظن الممنوع فقد افترى على الله و كذب فكل اتباع للظن بغير برهان فهو محرم سواء كان في العمليات أو العلميات و سواء كان في الكليات أو الجزئيات أو المعينات و كل اتباع الظن ببرهان ظاهر جائز سواء كان في العمليات أو العلميات و سواء كان الكليات أو الجزئيات أو المعينات و من قال غير هذا فقد أتى بقول لا يسنده لا عقل و لا نقل و إنما اشتبه عليه نصوص من كتاب الله تعالى تحرم اتباع الظن فظن أن كل ظن لا يجوز اتباعه ثم لما نظر إلى كتاب الله تعالى و سنة النبي صلى الله عليه و سلم و الأمر بالتمسك بهما أخرج فهمهما و إن كان بظن راجح من الظن المحرم مع أن المعنى و احد ففرق بين وجوب اتباع الكتاب و السنة بالجملة و حرمة الخروج عنهما و بين التمسك بفهمها و اتباعه ففهم النصوص لا يلزم كل معين و إنما يلزم من رجح هذا الفهم و من وافقه على هذا الفهم و لا يلزم من خالفه في الفهم إذا كان النص يحتمل أكثر من معنى و كان المرجح من أهل الإجتهاد بل و لا من توقف عن ترجيح أحد الأقوال المعتبره في النص و هذا الأصل كما هو مستقر في نصوص الكتاب و السنة كذلك مستقر في القياس عن من قال بالقياس و لا فرق .
و الأقوال المعتبره المختلفه في نصوص الكتاب و السنة يجوز لمن رجح أحدها بما ظهر له نسبتها إلى الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه و سلم بما ترجح عنده و إن لم يكن جازم بما ترجح عنده و يجوز له كذلك عدم نسبتها و نسبة هذا الفهم لنفسه و هذا الأصل يلزم الظاهرية و غيرهم فمن المستقر حسا و مشاهدة و عقلا و شرعا أن الظاهرية و لاشك أصابوا في فهم بعض نصوص الكتاب و السنة و أخطأوا في بعضها فهل يحل لهم نسبة ما أخطأوا به إلى الله و رسوله صلى الله عليه و سلم فإن قيل يحل قيل كذلك يحل لغيرهم هذا و إن قيل يحرم قيل فلم ينسبون كل ما فهموه من النصوص إلى الله و رسوله صلى الله عليه و سلم مع أنهم و لا شك يقعون في فهم بعض النصوص خطأ و يقطعون بخطأ مخالفهم كما نقل شيخ الإسلام عن داود و أصحابه و من المعلوم أن ما أخطأوا في فهمه لم يكونوا جازمين و إلا لكان في نفسه حقا .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
04-07-05, 11:49 AM
تنويه مهم قبل إكمال الرد على الأخ الفاضل :
أنا لم أقل في حياتي كلها وجوب العلم بالظن الراجح فيما كان محله اجتهادات أهل العلم سواء كان هذا الظن في النص أو في القياس و اجتهادات اهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام تسوغ و لا تجب و لا تلزم كل معين كما يلزم الشرع المنزل كل معين ففهم الشرع شئ و التمسك بعين الشرع شئ آخر .
و لكن أصل الخلاف قول الأخ ( هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟
فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..
ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة .. ) هذا كلامه بنصه و فصه .
فالأخ كلامه ظاهر بأنه يحرم العمل بالظن الراجح بل و يجزم بأنه لم يرد نص في الشرع بجواز العمل بالظن البته و لا يقال بأنه مراده هنا العمل بالظن غير الراجح لأن العقلاء كلهم مجمعون بعدم جواز الترجيح من غير مرجح و أهل العلم كلهم يحرمون اتباع الظن من غير ترجيح بمرجح بغض النظر عن صحة المرجح أو بطلانه فشيخ الإسلام رحمه الله يسوغ اتباع الظن الراجح و هو ما سماه بإجتهادات المجتهدين و الظاهرية كما نقل عنهم الأخ يحرمون اتباع اجتهادات المجتهدين .
و أما مسألة نسبته للشرع فهذه مسألة أخرى قد بينا وجه في أكثر من موضع .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
04-07-05, 11:31 PM
و قول الأخ ( فإن أقر الفاضل بكلام ابن تيميه وأيده فهو مؤيد لقولنا والحمد لله ..
ولا عيب في الرجوع عن القول .. ) و لننقل كلام الشيخ بلفظه حتى نعرف ما هو كلام الشيخ الذي هو مؤيد له ( ‏[‏الشرع المؤول‏]‏‏.‏ وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏.‏) .
و قال رحمه الله ( و‏[‏المتأول‏]‏ موارد الاجتهاد التي تنازع فيها العلماء، فاتباع أحد المجتهدين جائز لمن اعتقد أن حجته هي القوية، أو لمن ساغ له تقليده ولا يجب على عموم المسلمين اتباع أحد بعينه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ) .
هذا كلام الشيخ بلفظه و شيخ الإسلام هنا يجيز العمل بالشرع الموؤل و هو آراء المجتهدين ولا يوجبه و لا يحرمه و لننقل أصل الظاهرية الذي أقره الأخ الفاضل بل و قطع بأنه لا يوجد دليل واحد يجيز العمل بالظن فقال الأخ بن تميم { هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟
فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..
ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة .. } و ردنا هو على قوله ( لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء .... ) و قوله ( ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة ... ) فهل مذهب شيخ الإسلام هو مذهب الظاهرية بعدم جواز العمل بالظن البتة لا في فتيا و لا قضاء و لا حكم أم مذهبه جواز العمل به و إن كان لا يوجبه فإن كان الأخ يقر بما ذهب إلى شيخ الإسلام فليقر ببطلان مذهب الظاهريه الذي قرره في أول مشاركاته .
و أنا لم أقل أبدا بأنه يجب العمل بالظن الراجح لذا قلت ( الرابع : الظن الراجح أو غلبة الظن و هذا كذلك يجوز العمل به بإجماع الفقهاء .... ) و لم أقل يجب و لا أعرف كيف فهم الأخ أني أوجب العمل بالظن الراجح و أنه يلزم كل مكلف اتباعه .
و قلت في موطن آخر ( فالظن إذا كان بمعنى الجزم يجوز العمل يه بالإجماع و إذا كان راجحا يجوز العمل به بإجماع الفقهاء .... ) و فرقت في النقل بين إجماع الفقهاء و بين غيرهم .
ثم انظر إلى قول الأخ الفاضل ( وكذلك ..
فإن الشريعة منعت القول على الله بالظن مطلقاً ..
فمنعتنا من أن نقول هذا حلال وهذا حرام بلا برهان من الله تعالى ..
لذلك لو رجعنا إلى كثير من الأئمة وجدناهم يقولون عن الحرام : نكره هذا ولا نحبه والاولى تركه خوفاً من أن يقولوا هذا حرام بلا يقين فيقعوا بما حذرهم الله تعالى منه ..
وكذلك كانوا يقولون في الحلال نحب هذا والأولى هذا ويعجبني كذا ..
كذلك هذا وارد عن الصحابة رضي الله عنهم ..
فلم يقولوا بالظن ثم نسبوه إلى الله تعالى ولا إلى الشرع .... ) هو ينقل عن الشريعة بأنها منعت القول على الله بالظن مطلقا ثم يؤيد كلام شيخ الإسلام بأنه يسوغ العمل بالشرع المؤول الذي هو اجتهادات المجتهدين و التي هي عند الظاهرية من الظن الممنوع ثم ينقل عن الصحابة رضوان الله عليهم العمل بالظن و لا أعرف كيف عمل الصحابة حتى لو كان لأنفسهم بما منعت منه الشريعة مطلقا فلو صح أن الشريعة منعت من العمل بالظن مطلقا لكان الصحابة أولى الناس بتركه و لكن لما عمل به الصحابه رضوان الله عليهم دل على جوازه و هذل كذلك دليل ساقه الأخ الفاضل ليهدم أصل الظاهرية بتحريم العمل بالظن مطلقا .
ثم إني لا أخالف بأن اجتهاد المجتهد لا يلزم به غيره سواء كان هذا الإجتهاد اجتهاد في فهم نص يحتمل عدة معاني أختلف فيها أهل العلم أو قياس و لكن هذا الإجتهاد يسوغ للعالم العمل به لأنه يرى هو الحق في هذه المسألة و من وافقه على هذا الرأي و لا يكون لازما لعموم الأمة لأن هذا لا يكون إلا للكتاب و السنة و الإجماع المعتبر و لو كان الظن يمنع من العمل به مطلقا لما عمل به الصحابة و أفتوا من استفتاهم به .
فالأخ في أول مشاركاته في هذا الموضوع نقل حرمة العمل بالظن مطلقا بل و قطع أنه لا يوجد دليل يدل على جواز العمل بالظن ثم آخر كلامه أيد كلام الشيخ رحمه الله بتسويغ العمل باجتهادات المجتهدين و في أثناء مشاركاته نقل أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا بالظن و أفتوا و لا أعرف بأي كلام الآخ نأخذ بمنعه للعمل بالظن مطلقا أم بتجويزه للعمل بالظن مع عدم إيجابه على عموم المسلمين .

ابن تميم الظاهري
05-07-05, 03:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ..


أخي الحبيب ..
ما لك تستعجل .. ؟!

تروى وأقرأ كلامي لتعرف أني ما قلت بما حكيته عني واعترضت ..
فتمهل أخي واقرأ جيداً حتى لا نعيد ما قلناه ثم ترجع تعترض بما بيناه ثم نرجع ننسخ ونضع ..
فلن ننتهي هكذا إن قرأنا كلام بعضنا بهذا الشكل وتلك السرعة ..

فالقضية ليست سبق ..
وإنما بيان مسائل في الدين ..
ولا يمنع أن يتمهل المسلم ويحسب خطوته ويعرف أين تكون ..

ثم إنك تتكلم ولا تجيب على ما أسألك عنه ..
وتعترض على فروع ولا تذكر برهان مسألتك التي تدافع عنها ..
وتأت بأدلة بعيدة عن محل النزاع وتكررها وتكرر قول ابن تيميه فيها ..
ونحن لا نقول في ابن تيميه إلا خيراً ..
لكن كلامه ليس هو الذي أمرنا بالرجوع إليه عند التنازع ..

فأقول لك تفسيرك للظن واليقين والشك لا يصح لأنه بخلاف اللغة ..
ولا تأت بذكر له ولا تعترض عليه وتكرر كلام ابن تيميه ..

فلو كان كلامي خطأ وأني تقولت على اللغة فبين لي ذلك أو للقارئ حتى لا يقع في الخطأ بسبب كلامي ..
فالكثير مما سألتك عنه واعترضت به لم تجب عنه ..
رغم أني راعيت كل جملة قلتها وبينت ما فيها وما ارتضيه منها ..
وإن أصبت قلت هذا قولنا وهو الحق أو الصواب أو غيرها من العبارات التي تدل على الموافقة لما تنقله أو لأمر يتفرع عنه ..

وما قلته أنا كله وما كان في أصل مسألتنا أعرضت عنه .. !
والآن تنقل عني خطأ وتفهمه خطأ وتنطق بلساني ما لم أقله ..

فأجمل أخي الفاضل غفر الله لي ولك ..

وقد نقلت عني ما لم أقله ..
وقد قلت لك ..

(( أما قول ابن تيميه ..
(( قال شيخ الإسلام بن تيميه ( ‏الشرع المنزل‏]‏‏.‏ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏.‏ والثاني ‏[‏الشرع المؤول‏]‏‏.‏ وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏.‏ والثالث ‏[‏الشرع المبدل‏]‏‏.‏ وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك‏.‏.. )) . قال ابن تميم الظاهري .. أما كون الآراء شرعاً فباطل ..
وما كان من عند الله تعالى فهو الشرع بمعنى شرع الله ..والتشريع كذلك ..
وهو خاص بما بينه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ..أما آراء الرجال فليست بشرع بمعنى الشرع الذي نتنازع فيه البتة ..وإنما هي رأي قائلها ومن قلده ..أما ما ينسب إلى الله تعالى كذباً فهو التبديل والتحريف للحق والواجب ..
ولا يسمى شرعاً بمعنى نسبته إلى الله تعالى ..بل قد يكون النص صحيحاً والحكم فيه ظاهر صحيح لا شك فيه ..ثم يدخله التبديل والتحريف ..فلا نقول شرع مبدل .. بل نقول القول هذا تبديل وتحريف ..فإن النص هذا صحيح وهو من شرع الله ثم دخله التحريف والكذب .. أما ما لم يثبت كونه شرعاً فيجوز إطلاقنا عليه الشرع المبدل باعتبار ما كان ..كإطلاقنا على التوارة والإنجيل أنهما شرع مبدل محرف ..فهما كانا شرع ثم بدلاً وحرفاً فلم يظهر لنا منه ما هو الشرع وما هو التحريف ..فباعتبار ما كان فهو شرع ثم أبطل الله تعالى كونه شرعه الثابت .. أما شريعتنا فلا يقول فيها ( شرع مبدل ) ..لأن نفس الشرع لم يتبدل بل أضيف إليه بالكذب والتحريف ..فعندما نتكلم أن ذلك شرع الله نريد الشرع الذي ثبت قطعاً أنه من الله تعالى ..ولا نريد معنى الشرع والتشريع باللغة أو العرف ..وقد يصح أن نقول هذا شرع مؤول ونعني أن ذلك الدليل هو شرع والرأي الذي فسره واجتهد به هو الذي أوّل النص ..ثم إن التأويل لا يختلف في وقوعه أحد أصلاً ..وإنما المراد معنى التأويل الذي هو ليس بشرع الله ولم يثبت قطعاً ..فأهل العلم يسمون التفسير تأويلاً كابن جرير الطبري ومن وافقه ..ويقولون كذلك أن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه ليس المراد منه ما يظهر منه بل معنى آخر بينه النص أو الحس ..فإطلاق جملة ( الشرع المؤول ) غير دقيق ولا يصح بما ذكرته ..
فإن تأول مجتهد معنى نص فلا يسمى تأوله هذا شرعاً ..وإنما يقال هذا رأي فلان في مسألة كذا ولا يقول أحد أن شرع فلان كذا ..ولو كان هذا الإطلاق صحيح لكانت مذاهب الأئمة شرائع شتى ..وما قال أحد أن أقوال المذاهب والأئمة هي شرائع ..فتقسيم الشيخ لا يعني صحة كل ما جاء به ..ثم إن من تنقل عنه وهو ابن تيميه يبطل أن يكون ذلك الاجتهاد والرأي شرع منسوب إلى الله تعالى ويجب إلزام الناس به ..وأطلق القول فيه وقال ..
(( وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏ )) .. فإذا كنت تقر بهذا فلماذا تعترض على ما تؤيده .. ؟! وإن كنت تريد بيان أشياء وردت في المقال فليس هذا مقامها بارك الله .. وكنت طلبت بيانها أو الحوار فيها في مقال آخر أو مقام آخر .. أما أن تأتي بما يبطل ما تعترض به ثم تصر على النقاش في كل حرف وجملة وكلمة مما هو ليس داخلاً في مسألتنا فليس بما يليق بك وبنا .. )) ..

كأنني لم أقل كل هذا حتى تأتي فتعترض علي .. !
على كل حال هب أنه أتاك من يسألك في الدين وسألتك مستفتيا فقال ..

وقلت ..
(( فأتنم بهذا النقل تبطلون اعتراضكم علينا وتوافقون على ما قلنا ..ثم تذكرون بخلاف هذا الذي تنقلون .. ! فنحن قلنا أن الذي قال عنه ابن تيميه أنه لا يجب ولا يلزم به الناس .. أنه ليس بشرع الله ولا نلتزمه ونقول بخطأ كل من التزمه تقليداً أو ألزم الناس به وحكم به في القضاء وبين الناس في كل شيء .. فما لكم تنكرون علينا ما تقرون به وتستنصرون بذكره .. ؟! فقد قدمتم أن كلامنا باطل في عدة مواضع وأن قولنا أن لا يحل إلزام الناس به ولم يأمر الله تعالى بذلك مخالف لقول أهل السنة .. ثم تذكر قول ابن تيميه الذي وافق قولنا فيه جملة إلا موضع واحد .. أنه هل يحرم القول بالظن على الله أو لا يحرم .. فإذا حررنا معنى الظن في لغتنا علمنا خطأ من أخرج هذا النوع في التحريم في مسألة التقول على الله بلا إذن وبالظن وبلا برهان .. وقال لا يلزم عموم الناس به .. ولا يمنع عموم الناس منه .. أي لماذا تمنع من لا تدري إن كان هذا الرجل يصيب الحق فيما يتجهد به أو لا يصيبه .. بل لا يحل ترك أحد ممن ملك شرط الاجتهاد وهذا قولنا أيضاً ..
ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه .. ولو اقتصرت على كلام ابن تيميه من البداية لما دخلنا بكل هذا التفريع الذي لا داع له .. )) ..

هل يجوز العمل بالظن في شرع الله .. ؟!
وإن كان يجوز فما هو الدليل الذي لا شك فيه الذي أجاز أن نتقول على الله ما ما لم يأذن لنا به بلا برهان ..
وكيف نصرف قوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ؟!
وهل يجوز أن ننسب آراء الرجال إلى شرع الله ونقول هي دين الله تعالى ..؟!
وهل يجوز أن نلزم الناس بهذه الظنون والآراء .. ؟!

ولا أريد كلام الرجال بل أريد الدليل الصحيح بسنده ..
ونحن تبع للدليل لا لغيره فأرشدني ..

فماذا تجيبه .. ؟!

هل تأتي له بقصة يوسف لما ظن أن الرجل ناج فقال أذكرني عند ربك فنسي .. ؟!
سيقول لك ..
وما دخل هذا في التشريع والحكم .. ؟! فالقضية هنا أنه ظن أن الرجل ناج فقط ..
فما علاقة ظنه أنه ناج بالحكم والتشريع ..؟!
وما هو الحكم الشرعي الذي نتج عن هذا .. ؟!

أو تأت بالدليل الذي قال الله تعالى به أن الزوج والزوجة إن ظنا أن يقيما حدود الله ..

فأي ظن في حكم أو تشريع .. ؟!
أما قرأت من مقالي أن بينت تعريف الظن عند أهل اللغة وأنهم يستعملون الظن بما يدركونه بالمشاهدة والمعاينة والخبر بمعنى اليقين .. ؟!
هل نقول أن الظن هنا شك كما هو معلوم في معنى الظن في اللغة .. ؟!
أيأمرهم الله تعالى وهما شاكين بإقامة حدوده أن يتراجعا .. ؟!
هل تبطل أن يكون الظن معناه الشك في اللغة التي خوطبنا بها .. ؟!
فهذا الظن في الآية بمعنى اليقين لأن المعنى اللغوي باطل ههنا في هذا المقام إذا نظرنا في معنى الآية ويجب على كل أحد أن يبطله وليس أهل الظاهر فقط ..

فالظن إما أن يكون معناه اليقين إن كان عن أمر أدركناه بالمشاهدة أو الخبر ..
وإما أن يكون معناه الشك ليس له غير هذين المعنيين في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها ..
فأي تعريف للظن تقول به ومن أين أتيت به لتبطل معناه في اللغة التي يتفق كل أهل الإسلام أن الله تعالى تكلم بلسان عربي مبين .. !

فكيف تفسر الظن ههنا بالله عليك .. ؟!

فاذكر دليلاً في محل النزاع تسلم من الاعتراض ..

فأجب بارك الله فيك بدليل واضح في محل النزاع للننتهي من الحوار هذا بعلم نستفيد به ..

أما كثرة النقول فلا ينتج عنها إلا كثرة الاعتراض والردود ..
وقد أمرنا الله تعالى عند التنازع بالرد إليه ..

فهل تردنا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليرتفع الخلاف والتنازع .. ؟!

انتظر دليلاً وبرهاناً كالشمس على هذه المسائل ..
المسألة الأولى : هل يجوز العمل بالظن في دين الله تعالى .. ؟!
أي هل أمرنا الله تعالى أن نتقول عليه بالظن .. ؟!

المسألة الثانية : هل يجوز أن ننسب آراء الرجال التي هي مبنية على الظن إلى دين الله تعالى وشرعه فنقول قول الإمام أحمد شرع الله ودينه ، وقول الإمام الشافعي شرع الله ودينه وهكذا في كل الأئمة ..

المسألة الثالثة : هل يجوز أن نلزم الناس بهذه الظنون .. ؟!
فنحكم بين الناس فيها في الدماء والأعراض والأموال والنفوس ..

أجب على هذه الأسئلة ببراهين لنخلص إلى نتيجة يوقن بها الإنسان ..
واذكر كل ذلك بدليله من الشرع ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

ولا تذكر لي قول الرجال فإن الله تعالى لم يقل إذا تنازعنا ( ارجعوا لرأي فلان أو فلان من الناس ) بل قال إلى الله ورسوله فقط ليرتفع الخلاف ..

وها أنا انتظر هذا الدليل ..
وليعلم كل من يقرأ أني أقسم قسماً براً أنه لو ذكر الأخ الفاضل دليلاً على ما يقول لتركت قولي إلى قوله ولشكرته ودعوت له في غيبته وفي حضوره ..
فقد أهدى لنا الحق الذي غاب عنا ..

فأنا هذا الذي بلغته من النصوص ولم أرى ما يثبت هذه المسائل ..
ومن يعلم حجة على من لا يعلم ..

واقتصر على هذه الأدلة بارك الله حتى لا يتشتت البحث ..

والحمد لله رب العالمين ..

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
05-07-05, 09:17 AM
أخي الفاضل قلت ( (( فأتنم بهذا النقل تبطلون اعتراضكم علينا وتوافقون على ما قلنا ..ثم تذكرون بخلاف هذا الذي تنقلون .. ! فنحن قلنا أن الذي قال عنه ابن تيميه أنه لا يجب ولا يلزم به الناس .. أنه ليس بشرع الله ولا نلتزمه ونقول بخطأ كل من التزمه تقليداً أو ألزم الناس به وحكم به في القضاء وبين الناس في كل شيء ... ) و نسبت إلي أني فهمتك خطأ و أني نسبت لك القول بجواز العمل بالظن و إن كان هذا الظن لا يلزم الناس و إنما يعمل به من غلب على ظنه أنه حق و الحق أن هذا هو كلامك لا كلامي فقلت وفقني الله و إياك إلى الحق ( وقال لا يلزم عموم الناس به ..
ولا يمنع عموم الناس منه ..
أي لماذا تمنع من لا تدري إن كان هذا الرجل يصيب الحق فيما يتجهد به أو لا يصيبه ..
بل لا يحل ترك أحد ممن ملك شرط الاجتهاد وهذا قولنا أيضاً ..
ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه ... ) فقولك إذا هو أن اجتهاد المجتهدين لا يلزم عموم الناس و هذا حق و لا شك و أنه لا يمنع عموم الناس منه و هذا يناقض قولك بأن العمل بالظن ليس عليه دليل البته لأن ما لم يمنع منه عموم الناس أي يجوز لبعض الناس العمل به و ما يجوز العمل به لبعض الناس يدل على جواز العمل بالظن لبعض الناس و هذا يناقض قولك بعدم جواز العمل بالظن مطلقا ثم ما هو الدليل الذي رجح عندك جواز الإجتهاد و العمل بالظن للمجتهد و عندك أنه لا يجوز العمل بالظن مطلقا .

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
05-07-05, 11:55 AM
هناك الكثير مما يستحق التعليق في كلام الأخ و لكن هنا مسألة يجب التعليق عليها و بيان وجه الحق فيها .
قول الأخ ( أما قرأت من مقالي أن بينت تعريف الظن عند أهل اللغة وأنهم يستعملون الظن بما يدركونه بالمشاهدة والمعاينة والخبر بمعنى اليقين .. ؟!
هل نقول أن الظن هنا شك كما هو معلوم في معنى الظن في اللغة .. ؟!
أيأمرهم الله تعالى وهما شاكين بإقامة حدوده أن يتراجعا .. ؟!
هل تبطل أن يكون الظن معناه الشك في اللغة التي خوطبنا بها .. ؟!
فهذا الظن في الآية بمعنى اليقين لأن المعنى اللغوي باطل ههنا في هذا المقام إذا نظرنا في معنى الآية ويجب على كل أحد أن يبطله وليس أهل الظاهر فقط ..
فالظن إما أن يكون معناه اليقين إن كان عن أمر أدركناه بالمشاهدة أو الخبر ..
وإما أن يكون معناه الشك ليس له غير هذين المعنيين في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها ..
فأي تعريف للظن تقول به ومن أين أتيت به لتبطل معناه في اللغة التي يتفق كل أهل الإسلام أن الله تعالى تكلم بلسان عربي مبين .. ! ) .
أقول قال تعالى {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ }النور12
و قول الأخ ( فلا نقيصة بقول الروافض أن النبي صلى الله عليه وسلم شك في خلق وطهارة وعفاف عائشة .. ! ) لا وجه له لأنه يعرف مرادي جيدا .
ذكرنا سبب نزول هذه الآية و أنها في حادثة الإفك و لا تخرج عن أمرين إما يكون الظن هنا اليقين أو الظن الغالب و ذكرت أن الآية هنا المراد بها الظن الغالب و ليس مرادي الظن الغالب الشك أي التوقف في براءتها و لكن مرادي ترجيح أن عائشه رضي الله عنها بريئة من هذا الفعل و اعتقاد هذا الأمر و إظهاره و قلت بأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يجزم ببراءة عائشه رضي الله عنها مع أنه لا ينطق عن الهوى و الوحي ينزل عليه ليل نهار و هذا حديث النبي صلى الله عليه و سلم في حادثة الإفك قال مسلم حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِىُّ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنِ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِى حَدَّثَنِى وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَهُ - قَالَتْ عَائِشَةُ - فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِى فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِى هَوْدَجِى وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِى أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِى فَإِذَا عِقْدِى مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِى فَحَبَسَنِى ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِى فَحَمَلُوا هَوْدَجِى فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِىَ الَّذِى كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّى فِيهِ - قَالَتْ - وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِى بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِى الَّذِى كُنْتُ فِيهِ وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِى فَيَرْجِعُونَ إِلَىَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِى مَنْزِلِى غَلَبَتْنِى عَيْنِى فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِىُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِىُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِى فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِى فَعَرَفَنِى حِينَ رَآنِى وَقَدْ كَانَ يَرَانِى قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَىَّ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِى فَخَمَّرْتُ وَجْهِى بِجِلْبَابِى وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِى كَلِمَةً وَلاَ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِى الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِى نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِى شَأْنِى وَكَانَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِى قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ وَلاَ أَشْعُرُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِى فِى وَجَعِى أَنِّى لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اللُّطْفَ الَّذِى كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِى إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ « كَيْفَ تِيكُمْ ». فَذَاكَ يَرِيبُنِى وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقِهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِى أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا وَلاَ نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنَّ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِى التَّنَزُّهِ وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِىَ بِنْتُ أَبِى رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِى رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِى حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِى مِرْطِهَا فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَتْ أَىْ هَنْتَاهُ أَوَلَمْ تَسْمَعِى مَا قَالَ قُلْتُ وَمَاذَا قَالَ قَالَتْ فَأَخْبَرَتْنِى بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِى فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِى فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ « كَيْفَ تِيكُمْ ». قُلْتُ أَتَأْذَنُ لِى أَنْ آتِىَ أَبَوَىَّ قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا. فَأَذِنَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجِئْتُ أَبَوَىَّ فَقُلْتُ لأُمِّى يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِى عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا - قَالَتْ - قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا قَالَتْ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لاَ يَرْقَأُ لِى دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصَبَحْتُ أَبْكِى وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْىُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِى فِرَاقِ أَهْلِهِ - قَالَتْ - فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالَّذِى يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِى يَعْلَمُ فِى نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ - قَالَتْ - فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَرِيرَةَ فَقَالَ « أَىْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَىْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ ». قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِى الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ - قَالَتْ - فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْمِنْبَرِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ - قَالَتْ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ « يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِى مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِى أَهْلِ بَيْتِى فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِى إِلاَّ خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِى إِلاَّ مَعِى ». فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِىُّ فَقَالَ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ - قَالَتْ - فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ رَجُلاً صَالِحًا وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لاَ تَقْتُلُهُ وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ - قَالَتْ - وَبَكَيْتُ يَوْمِى ذَلِكَ لاَ يَرْقَأُ لِى دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِى الْمُقْبِلَةَ لاَ يَرْقَأُ لِى دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَأَبَوَاىَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِى فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِى وَأَنَا أَبْكِى اسْتَأْذَنَتْ عَلَىَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِى - قَالَتْ - فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ - قَالَتْ - وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِى مُنْذُ قِيلَ لِى مَا قِيلَ وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِى شَأْنِى بِشَىْءٍ - قَالَتْ - فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ « أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِى عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِى اللَّهَ وَتُوبِى إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ». قَالَتْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِى حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأَبِى أَجِبْ عَنِّى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا قَالَ. فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ لأُمِىِّ أَجِيبِى عَنِّى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ إِنِّى وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِى نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّى بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِى بِذَلِكَ وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِى وَإِنِّى وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِى وَلَكُمْ مَثَلاً إِلاَّ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ. قَالَتْ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِى - قَالَتْ - وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِى بِبَرَاءَتِى وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِى شَأْنِى وَحْىٌ يُتْلَى وَلَشَأْنِى كَانَ أَحْقَرَ فِى نَفْسِى مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِىَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى وَلَكِنِّى كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِى اللَّهُ بِهَا قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَجْلِسَهُ وَلاَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْىِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِى الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْهِ - قَالَتْ - فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ « أَبْشِرِى يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ ». فَقَالَتْ لِى أُمِّى قُومِى إِلَيْهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ بَرَاءَتِى - قَالَتْ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) عَشْرَ آيَاتٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِى - قَالَتْ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاللَّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى ) إِلَى قَوْلِهِ (أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِى. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَمْرِى « مَا عَلِمْتِ أَوْ مَا رَأَيْتِ ». فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِى سَمْعِى وَبَصَرِى وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ وَهِىَ الَّتِى كَانَتْ تُسَامِينِى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ الزُّهْرِىُّ فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ. وَقَالَ فِى حَدِيثِ يُونُسَ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ. ) .
تدب قول عائشه رضي الله عنها ( َهُوَ يَرِيبُنِى فِى وَجَعِى أَنِّى لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اللُّطْفَ الَّذِى كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِى إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ « كَيْفَ تِيكُمْ ». فعائشه رضي الله عنها أحست تغيرا من النبي صلى الله عليه و سلم و هذا التغير و لا شك له سبب و سببه و لا شك حادثة الإفك و لو كان النبي صلى الله عليه و سلم يتيقن بأن عائشه رضي الله عنها لم تزن لم يصدر منه مثل هذا الفعل و ليس هذا شكا من النبي صلى الله عليه و سلم في عائشه و لكن طرأ على النبي صلى الله عليه و سلم ما يضعف يقينه بسلامة عائشه من الفاحشة و إن كان لم يثبت هذا الفعل حينها و لم ينف كذلك فالنبي بقى على أصل العفة و الطهارة و الشرف لأنه هو الثابت حينها و أما الوقوع في الفاحشة لم يثبت .
و انظر قول علي رضي الله عنه ( عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كثير ) فلو كان علي متيقنا بأنها لم تفعل الفاحشه لم يقل هذا و لنفى هذا الفعل عنها و أمر النبي صلى الله عليه و سلم بإمساكها لا بمفارقتها ثم إن فعل النبي صلى الله عليه و سلم و دعوته لإسامه و علي رضوان الله عليهما دليل صريح بأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن جازما ببراءتها و لو كان جازما لما سألهما ثم سؤاله الجارية عنها مع أنها رضي الله عنها تبيت في فراشه بل و قول أسامه رضي الله عنه ( هُمْ أَهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا.) هو تمسك بالأصل المتيقن و هي أنها على أصلها لا نعلم عنها إلا خيرا و ليس فيه جزم بأنها لم تقع بالفاحشه و إنما فيه العمل بالأصل السابق مع احتمال أن لا تكون هذه الحادثة داخله في هذا الأصل و لو كان الأصل المتيقن بأنها طاهره و أنها لم تقع بالفاحشه يكفي في الحكم عليها لما احتاج النبي صلى الله عليه و سلم إلى سؤال أسامه و علي بل و لما احتاج كل هذا السعي لإثبات براءتها بل و لما احتاج المسلمون إلى الخوض في هذه الحادثة لأن عندهم أصل سابق يجب التمسك به و هو الأصل عفتها و طهارتها حتى يثبت خلافه و الواجب هو التمسك بالأصل و لكن يضعف هذه التمسك لأن هذه الحادثة يمكن وقوعها و يمكن عدم وقوعها عندهم فكثر الخوض فيها كما قالت عائشه رضي الله عنها ( وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِى قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ وَلاَ أَشْعُرُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ... ) و من المعلوم أن الناس لم يفيضوا بكلام أهل الإفك قبل هذه الحادثة و لا يشكون بطاهرة عائشه أبدا و لكن هذه الحادثة أضعفت هذا اليقين فكان لا بد من الرجوع إلى هذا اليقين ببرهان حتى لا يكون لأحد في هذه المسألة كلام و كان من الواجب التمسك بالأصل و هو طاهرتها حتى يتيقن أحج الأمرين لذا أمر الله تعالى بأن يظن المسلمون بأنفسهم خيرا حتى يثبت خلاف هذا الظن بدليل مع احتمال صحة هذا الظن و احتمال بطلانه و لو كان الظن هنا المراد به اليقين و كان هذا اليقين عام في جميع المؤمنين لكان الواجب عقوبة من وقع في الإفك قبل ثبوت براءتها لأنه أمر متيقن ظاهر عام مبني على أصل صحيح و لكن الحق أن هذا الظن غير متيقن فلم يجز عقوبة من خاض في الإفك حتى يثبت براءتها بدليل و إن كان لا يجوز كذلك الظن بأنها وقعت في الفاحشة لأن لم يثبت ذلك عليها .
و في الحديث كذلك ( دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ - قَالَتْ - وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِى مُنْذُ قِيلَ لِى مَا قِيلَ وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِى شَأْنِى بِشَىْءٍ - قَالَتْ - فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ « أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِى عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِى اللَّهَ وَتُوبِى إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ». فأي يقين عند النبي صلى الله عليه و سلم الذي يمنعه من الجلوس معها شهرا كاملا و لم تغير عنه إلا بسبب تغير يقينه بعفتها و طهارتها و إن كان يغلب على ظنه عفتها و طهارتها لتمسكه بما علم منها من خيرا و لكن هذه الحادثة عكرت صفو هذا اليقين ثم أي يقين عن النبي صلى الله عليه و سلم الذي يوجب عليه أن يكلمها بمثل هذا الكلام و يطلب منها إن كانت ألممت بذنب أن تتوب إلى الله و لم لم يقل لها مثل هذا الكلام قبل هذه الحادثة بل النبي صلوات الله عليه كلامه صريح بأنه لا يجزم ببراءتها حين قال ( فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ ) فهل هذا كلام من يجزم ببراءة عائشه رضي الله عنها و لا نقول أنه كان يشك ببراءتها لأن الله تعالى أمر المؤمنين بحسن الظن بإخوانهم كما في الآية و النبي صلى الله عليه و سلم إمام المتقين فلم يبق إلا أنه كان يحسن الظن بها و لا يجزم ببراءتها و هذا هو عينه الظن الراجح الذي نتكلم عليه فدل على أن معنى الآية المراد به الظن الراجح لا المساوي و لا المتيقن و هذا دليل على الظن يطلق في كتاب الله تعالى بمعنى الرجحان و أما ما يطلق عليه بأنه اليقين أو العلم فهو حقيقة من قبيل المقاربة لا من قبيل المطابقة و يلاحظ هذا من كلام أهل التفسير في معنى الظن إذا أريد به الراجح فغالبا يقولون بأنه العلم أو اليقين و هذا الإطلاق قد يتمسك به من لا يعرف طريقة أهل التفسير فالفرق واضح بين العلم و الظن في كتاب الله تعالى و أزعم بل أجزم أنه ما من ظن أطلق في كتاب الله تعالى إلا و أريد به الراجح سواء كان ظن باطل أو حق فالباطل من جنس الترجيح بغير مرجح و الحق من جنس الترجيح بمرجح معتبر ظاهر و هذا مبحث مهم جدا من تدبر كتاب الله تعالى حل له إشكالات كثيرة في إطلاقات بعض أهل اللغة و الفقهاء .
و انظر قول عائشه رضي الله عنها ( فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ إِنِّى وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِى نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّى بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِى بِذَلِكَ وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِى... )
فهي رضي الله عنها فهمت أنهم قد استقر في نفوسهم أنها وقعت في الفاحشه و العياذ بالله لذا لو قالت بانها بريئة لم يصدقها أحد و لو فهمت منهم أن يجزمون بأنها بريئة لقالت بأنها بريئة و صدقوها و انتهى الموضوع لأنهم عندها جازمون بصدقها فهي فهمت من حالهم على أفضل الأحوال أنهم لا يجزمون بصدقها و إن كانوا لا يتهمونها بالفاحشه .
و انظر لقول أفضل هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ( فَقُلْتُ لأَبِى أَجِبْ عَنِّى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا قَالَ. فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم ... ) فهل هذا قول جازم متيقن ببراءة ابنته أم قول من يترجح عنده براءة ابنته و لم يجزم بعد .
و انظر إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم ( قَالَتْ - فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ « أَبْشِرِى يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ ». فضحك النبي صلى الله عليه و سلم مع أنه كان لا يزورها و كان لا يعاملها بلطف و استبشاره ببراءتها كل هذا يدل على أنه لم يكن جازما ببراءتها و إلا لم يحتج إلى كل هذا حتى يستبشر و يبشر .
و انظر إلى ردة فعل عائشة رضي الله عنها عندما بشرها النبي صلى الله عليه و سلم ( فَقَالَتْ لِى أُمِّى قُومِى إِلَيْهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ بَرَاءَتِى ... ) فهل هذا التعامل من عائشة إلا لما رأت تغير النبي صلى الله عليه و سلم عليها حين سمع بالحادثة و لم يعاملها معاملة الجازم ببراءتها .
و انظر إلى فعل أبا بكر رضي الله عنه ( قَالَتْ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاللَّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعَائِشَةَ. ) أي بعد نزول البراءة منع النفقه عن مسطح لأنه ممن تكلم على عهائشه رضي الله عنها و لم يمنعها قبل نزول البراءة لأن لم يكن متيقنا من براءتها قبل النزول .
بعد هذا كله هل المراد بالظن في هذه الآية اليقين أم الشك فاليقين حديث حادثة الإفك صريح بأن النبي صلى الله عليه و سلم و الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا متيقين من براءة عائشه و قد صدرت منهم أفعال و أقوال تدل على عدم اليقين و أما الشك فنجزم بأنه لم يكونوا شاكين أي يتساوى عندهم الوقوع و عدم الوقوع فلم يبق إلا أنهم يغلب على ظنهم براءتها و لا يجزمون بذلك و هذا هو معنى الظن الذي عمل به النبي صلى الله عليه و سلم و الصحابه و أمرهم به الله تعالى في كتابه فكان النبي صلى الله عليه و سلم يقول بناء على هذا الظن ( فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِى إِلاَّ خَيْرًا ) و كان أسامه يقول ( هُمْ أَهْلُكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا.) و قال زينب رضي الله عنها ( مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا.) و بناء على عدم الجزم كان النبي صلى الله عليه و سلم يسأل علي و أسامه و الجارية و زينب و يقول لعائشه رضي الله عنها ( وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِى اللَّهَ وَتُوبِى إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ».
فمفردات لغة العرب متى ما اختلفت حروفها فلابد من فروق في المعاني و ان كانت هذه المفردات تجتمع في قدر مشترك من المعاني و لكن لا بد أن تختلف باختلاف الحروف فلا يمكن أن يكون المعنى متفق من كل وجه مع اختلاف الحروف فالظن الغالب و اليقين يجتمعان في قدر مشترك و هو الظن الغالب يفيد ركون النفس و ميلها إلى معنى معين مع اتباعه و اليقين يفيد الجزم بصحة المعنى مع وجوب التزامه لذا يعمد بعض أهل اللغة و أهل التفسير للمقاربة بإطلاق لفظ اليقين و العلم على الظن الغالب .
و الشك و الظن يجتمعان في قدر أن الظن الغالب لا يجزم به من كل وجه ففيه احتمال وقوع الخطأ فهو من جهة هذا القدر يجتمع مع الشك بأن الشك هو عدم الجزم بصحة الأمر فجاز عند أهل اللغة و التفسير تسمية الظن شكا و الشك ظنا .
قال أبو هلال العسكري في الفروق ( الفرق بين الظن والعلم: أن الظان يجوز أن يكون المظنون على خلاف ما هو ظنه ولا يحققه والعلم يحقق المعلوم وقيل جاء الظن في القرآن بمعنى الشك في قوله تعالى " إن هم إلا يظنون "(2) والصحيح أنه على ظاهره.... )

ابن تميم الظاهري
05-07-05, 08:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ..


أخي الفاضل ..
أما قولك نقلاً عني ..
(( ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه ... )) ..

فتقول ..
(( فقولك إذا هو أن اجتهاد المجتهدين لا يلزم عموم الناس و هذا حق و لا شك و أنه لا يمنع عموم الناس منه و هذا يناقض قولك بأن العمل بالظن ليس عليه دليل البته لأن ما لم يمنع منه عموم الناس أي يجوز لبعض الناس العمل به و ما يجوز العمل به لبعض الناس يدل على جواز العمل بالظن لبعض الناس و هذا يناقض قولك بعدم جواز العمل بالظن مطلقا ثم ما هو الدليل الذي رجح عندك جواز الإجتهاد و العمل بالظن للمجتهد و عندك أنه لا يجوز العمل بالظن مطلقا . )) ..

فوالله الذي لا إله إلا هو لو لا أنني أجزم أنك من أهل الخير لقلت هذا الرجل يتلاعب بالكلام ..
لكني أعلم من ظاهرك وكلامك أنك محب للخير والحق لذلك أتحاور معك ..

أخي الحبيب ..
قولي : ( ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه ) ..

فليس كما ذهبت به وأولته أو فهمته ..
إذا بان للمجتهد خطأ الاجتهاد أو بان له أنه كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب إلتزامه ..

فالنتيجة ما هي .. ؟!
أن المجتهد لا بد أن يقول ويجتهد بطرق الاجتهاد التي أمرنا بها والتي توصلنا إلى القطع ..
لأني قلت لو بان أن اجتهاده كان بناء عن ظن وجب تركه وبيانه للناس أنه خطأ ..

فكيف تعترض علي بما لا أقوله ولا ينتج من كلامي .. ؟!
فالدليل على أن من اجتهد يجب أن يكون بالطرق التي توصل إلى القطع معلوم ..
وقد بين الله تعالى لنا كل ذلك ..

فما قلت البتة أن العمل في الاجتهاد يجوز لبعض الناس بالظن ..
ولو أخرجت كلامي كله لن تجد هذه فما أدري كيف تنسبها لي ..

الله عز وجل أمرنا أن نقول عليه بعلم وقطع وبرهان ..
والمجتهد مطلوب منه ذلك وهذا قول ..
فإن ظهر خطأ الاجتهاد تركه وتبرأ منه ..
وإن ظهر له أنه كان عن ظن وتخرص كذلك تركه وتبرأ منه ..

فكل مجتهد مأمور بأن لا يتقوّل على الله بصغيرة ولا كبيرة ..
والتقوّل كل قول على الله ودينه بلا علم وقطع ..
فلا يقول هذا حلال وهذا حرام ..

لذلك نقول لك : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ..
والبرهان ما نقطع به ولا نشك فيه طرفة عين ..
فهاتوا برهانكم قلنا لكم كذلك على ما تدعون بأن الله تعالى أمركم بالعمل بالظن ..

ولذلك قال لكم الله تعالى ولنا : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } النحل 116 ..
لذلك قلنا لكم لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام بلا علم وقطع ..

وقال عز وجل : { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } النساء 157 ..
فاختلف أهل الكتاب في قتل عيسى عليه السلام وقال الله تعالى إنه لفي شك منه ..
ثم قال ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ..
فاتبعوا ما تصوروه وما ترددوا به وما توهموه ..

وقال عز وجل : { نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين } الأنعام 143 ..
ونحن نقول نبؤونا بعلم وبرهان عن قول الله تعالى الذي أمركم أن تتقولوا عليه بالظن إن كانت دعواكم صادقة ..

وقال تعالى : { هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } الأنعام 148 ..
ونحن نقول لكم أيضاً هل عندكم من علم وبرهان على دعواكم أن الله تعالى أمركم بالعمل بالظن .. ؟!
وما الحكم بالظن والظن الغالب كما تسميه إلا تخرص ..
لأنك تقر أنه لا يجزم بالشيء هذا ولا عكسه .. !!

هذه بعض براهيننا في منعنا من التقول على الله تعالى بالظن والتخرص ..
فهل تخرج لنا براهينك .. ؟!

التي طال المقام وإلى الآن لم تأت بدليل واحد صريح صحيح يوجب أو يجيز دعواك على الله .. !


وتقول عن تفسير الآية في التعقيب الثاني في حادثة الإفاك ..
(( إما يكون الظن هنا اليقين أو الظن الغالب )) ..

فأما اليقين فنعرفه باللغة ومتى يصح إطلاق الظن ويراد به اليقين ..
وأما الظن الغالب فما هو هذا .. ؟!
ثم تقول ..
(( و لكن مرادي ترجيح أن عائشه رضي الله عنها بريئة من هذا الفعل و اعتقاد هذا الأمر )) ..

كيف معنى الظن هنا ترجيح .. ؟!
وكيف تطلق عبارة ( الظن الراجح والمرجوح ) .. ؟!
كيف يكون ترجيح الراجح أو ترجيح المرجوح في عباراتك .. ؟!
لأنك تقول أن الظن هنا معناه الترجيح .. !!
فزن هذه الجمل مع بعضها وأعطنا النتيجة ..

ثم من أين لك أن تفسير الظن هو الترجيح كما قلت .. ؟!
هل اللغة التي خوطبنا بها تشهد لكلامك .. ؟!
أليس هذا محل اعتراض .. ؟!

وحديث الإفك ليس فيه إلا ..
أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم وأهل الإيمان أمرهم الله تعالى أن لا نطعن في الناس بناء على شكوكنا وتحليلاتنا ما دمنا لا نجزم على شيء ولا برهان عندنا ..

فالأصل أن المؤمن خير تقي حتى يثبت عليه ببرهان غير هذا ..

فالنبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه إحسان الظن ممن ظهر منه التقوى والعفاف ..
وكذلك أهل الإيمان طلب الله تعالى منا هذا ..
فلما ترك أهل الإيمان هذا الأصل الذي بينه الله تعالى عاتبهم ..
فكما ترون في أنفسكم الخير فلا بد أن تروه في غيركم من أهل الإيمان ..

هذا ما في حادثة الإفك فليست الحادثة بمعضلة ..

فها أنت تفسر الظن بكلام لم يرد عن العرب ولا يعرفوه ..
فكيف يكون الظن معناه ههنا الترجيح .. ؟!
الله عز وجل أمرهم أمر وجوب في نصوص أخرى وحذرهم من إطلاق قول بناء على شكنا في الناس فتركوا هذا الأمر وتصوروا فيها رضي الله عنها غير هذا ..

فلا معنى لأن يكون معنى الظن ههنا ترجيح أصلاً ..
وهو كمن فسّر الماء بالماء .. !

أما قولك ..
(( و الشك و الظن يجتمعان في قدر أن الظن الغالب لا يجزم به من كل وجه ففيه احتمال وقوع الخطأ فهو من جهة هذا القدر يجتمع مع الشك بأن الشك هو عدم الجزم بصحة الأمر فجاز عند أهل اللغة و التفسير تسمية الظن شكا و الشك ظنا )) ..

وكأن الشك هو غير الظن حتى يأتي الفاضل فيقول ..
(( الشك والظن يجتمعان )) ..
كمن يقول ..
إن الأسد والليث يجتمعان في كذا ويفترقان في كذا .. !!

ثم أتى ليبين القدر هذا الذي يجتمعان فيه فقال ..
(( أن الظن الغالب لا يجزم به )) .. !!

سبحان الله ..
الظن هو الشك في اللغة ، والشك هو الظن في اللغة ..
فكلاهما تخرص ولا جزم فيهما إلا في شيء واحد وهو عدم إثبات شيء وعدم نفيه ..
فالظان لا يجزم بالشيء أنه موجود أو أنه غير موجود ..
ومن أتى بكلام غير هذا فقد نسب إلى لغتنا ما لا تعرفه ..
وتقوّل عليها بكلام اليونان وأرسطو الذي تلقفه أهل المنطق واحتكموا به ووزنوا به نصوص الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..

أما تواضع الفقهاء بناء على تعريف أهل الكلام لهذه الألفاظ فلا يصح لمعارضته اللغة التي خوطبنا فيها وأنهم أخذوا هذه التقسيمات والتفريعات من أهل منطق اليونان ..!

فلو كانت لغتنا خالية والله تعالى خاطبنا بمسميات اليونان وأرسطو وأضرابه لقلنا صدقت أخي تفسيرك وإبطالك لمعنى الظن في لغتنا نسلم لك به وبه نقول ..


أما نقلك عن أبو هلال العسكري ..
(( قال أبو هلال العسكري في الفروق ( الفرق بين الظن والعلم: أن الظان يجوز أن يكون المظنون على خلاف ما هو ظنه ولا يحققه والعلم يحقق المعلوم وقيل جاء الظن في القرآن بمعنى الشك في قوله تعالى " إن هم إلا يظنون "(2) والصحيح أنه على ظاهره.... )) ..

فقوله أن المظنون يجوز أن يكون على خلاف ما هو ظنه فهذا الذي قلته ..
ولا أدري لماذا تأتي كل مرة ما يبطل لك كلامك ..

فالمظنون قد يكون بخلاف ما حسبته وقد يكون مثله ..
فكلاهما عدم الجزم في إثبات شيء وعدم الجزم في نفيه ..

أما قوله أن الظن قيل جاء في القرآن فكلام باطل ..
القرآن خاطبنا الله تعالى بلغتنا العربية واللغة لم تعرف الظن إلا أنه الشك ..
وعرفت الظن بمعنى اليقين للمشاهد المعاين أو الثابت بالخبر ..
فكيف يبطل أن يكون الظن هو الشك بكلام من دخلهم علم الكلام .. ؟!
وهذا ما لا برهان له لا العسكري ولا الأخ الفاضل لذلك لا يتكلم عليه مباشرة ويكتفي بالنقول ..

هات تعريف الظن في معاجم العرب التي نتفق على ما فيها ..
فإن أتيت به وهو يخالف ما قلته أنا فقد صدقت ..
وإلا لا يوجد أسهل من الدعوى ..
فصناعة الحروف والكلام كل واحد يحسنها لكن العبرة بتحقيق الحقائق التي نريد الكلام عليها وليس بكثرة النقل لما هو خارج أو لا يحقق لنا قضيتنا ..

وإلى الآن ننتظر خروج هذا البرهان رغم كثرة ما أجاب الفاضل ونقل عن غيره ..
إلا أن برهانه لم يظهر إلى الآن ولم يذكره ..
ففسر الظن بما يريده وفق كلام أهل المنطق بما لا تعرفه لغتنا ..
وتأول كل نص بما يوافق دعواه بلا برهان ..

فهل يصعب عليك إيجاد برهان يبيح لك التقول على الله بالظن والتخرص .. ؟!


فردنا إلى كتاب الله ورسوله ما دمنا قد تنازعنا ..
وهذا ما أمرنا الله تعالى به وليس رأيك أو رأيي ..
ونحن قلنا لك أن الله منع من كل قول عليه في دينه إلا عن علم وبرهان وقطع ..
وذكرنا طرفاً صالحاً من أدلتنا ..
مع أننا مانعون ..

فاذكر أدلتك الصريحة الصحيحة بارك الله فيك ..

حتى لا نكثر في الردود دون فائدة ..

عبد الرحمن بن طلاع المخلف
06-07-05, 09:18 AM
لا أريد أن أكثر الكلام و لكن تعليق بسيط و إن كان ردودك فيها الكثير مما يستحق أن يعلق عليه فقولك ( ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه ... )) هل تعرف أحي الفاضل ما معنى ( لا يجب التزامه ) لغة و شرعا لو قلت أخي الفاضل يحرم التزامه لكان المنع منه من أصله أي لا يجوز العمل بالظن و لكن قلت ( لا يجب التزامه ) أي يجوز أو يستحب و لكن لا يجب التزامه فلم إذا قولك ( فوالله الذي لا إله إلا هو لو لا أنني أجزم أنك من أهل الخير لقلت هذا الرجل يتلاعب بالكلام ..
لكني أعلم من ظاهرك وكلامك أنك محب للخير والحق لذلك أتحاور معك ... ) فأنا لم أتلاعب بالكلام بل هو ظاهر لفظك .
قال تعالى {قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ }هود53
و قال تعالى {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }البقرة55
و قال تعالى {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً }الإسراء90
فليس من شرط ذكر الأدلة و البينات إيمان من سمع بها فقد تكون هناك حجب تجب المستمع و القارئ من فهمها كما قال تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ }الأنعام25
و قال {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً }الإسراء46
و قال {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57
و أنا حقيقة لا أطلب منك الحكم على ما نقلته و إنما إردت المدارسة و الوصول للحق .
و أما الأدلة فقد ذكرت منها الكثير لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد بل و بعضها أنت ذكرتها بنفسك و يكفي أخي الفاضل ما ذكرته و لك التدبر فيه و مطالعته فإن تبين لك أنه الحق فالحمد لله و إن كان غير ذلك فنسأل الله تعالى أن يجعل هذا في ميزان حسناتنا .
و الإخوة الأفاضل القراء طلبة العلم المتمرسين هم من يستطيع أن يميز بين الدليل و غيره فلهم أن يحكموا و يبينوا هل أنا ذكرت أدلة أم لا ؟
فإن أراد الأخ التوقف إلى هنا فهو و ما أراد و إن أراد المدارسة و المذاكرة في هذه المسائل و غيرها لمراجعة علومنا و تلقيح فهومنا فأنا على أتم الإستعداد لأن المطلوب حقيقة و قبل كل شئ الوصول إلى الحق فالتخلي من الباطل و العمل به مطلوب كل عاقل و تنبيه الإخوة الإخوة الأفاضل طلبة العلم و نصحهم لإخوانهم من الوسائل الموصلة إلى الحق فمن رام طلب الحق و العمل به لا فرق عنده بين أن يعلم أنه أخطأ أم أصاب لأنه يعلم بأنه ما من أحد إلا راد و مردود عليه إلا النبي صلى الله عليه و سلم فمعرفته بخطأ نفسه بالدليل مما يورث البشر و الفرح لأنه علم أن كان على خطأ و الآن تبين له خطأ من أخطاءه حتى يتركه بل و الواجب أن يكافئ من هداه إلى عيبه و أقله أن يدعو له فكما أن من دفع إليك شيئا يستحق أن يكافئ فكذلك من رفع عنك شيئا يستحق أن يكافئ .

عبدالله الفاخري
06-07-05, 02:37 PM
قول الله تعالى (فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله)

أبو إلياس الوحسيني
20-07-07, 05:16 AM
الحمد لله

يكفي لابطال ما يقوله الاخ ابن تميم أن غالب من ينتسب للعلم وهو منهم انما يقلد

اهل الجرح و التعديل في حكمهم على الرجال ......فهؤلاء رجال السند ماتوا وصاروا رميما

فمن اين لك القطع و الجزم في الحكم عنهم وليس عندك فيهم ظاهر قرآن ولاسنةو انت لست

حتى من معاصريهم ! ! ! ومن اين لك القطع و الجزم - بالتالي - بكل حديث وليس لك

فيه ظاهر من قرآن و سنة و انما هو كلام رجال في رجال .

الثاني

ياتي المستفتي ليسأل الصحابي فيقول اقول فيها برأيي فان كان صوابا فمن الله وان كان خطا فمني و

من الشيطان و الله و رسوله بريئان

فهل كان يفتي في الدجاج ! ! و التجارة ! ! و امور الدنيا ! ! حتى يقول و الله و رسوله

بريئان ? ? ! ام انه كان يتكلم في الدين ?

اما ان تقول هو يفتي في امور الدنيا فهذا تعمد للكذب

واما ان تقول هو يفتي في امور الدين بغلبة ظنه .....وهذا ما تاباه و واقعهم يشهد

بما لا تاباه.

ليس الموضوع نسبة الحكم الى الله او عدم نسبته....هذا موضوع آخر

موضوعنا....عمل الصحابة بغلبة الظن في امور الدين في الاجتهاد.

هل كان الصحابة يجيبون بغالب ظنهم فيما يسألون عنه من امور الدين

بلى و الله انهم يجيبون.

ولم يكونوا يجيبون على امور العجن و البيع و الشراء فهذه لا يحتاج فيها الى تبرئة الله و تبرئة رسوله

لأن الناس يميزون السؤال في الدين عن السؤال في امور الدنيا.

العجب ان الظاهرية يسمعون قول النبي صلى الله عليه و سلم عندما يحكم لعل أحدكم يكون ألحن

في حجته...فمن قضيت له بحق اخيه ...او كما قال رسول الله صلى الله عليه فالنبي صلى الله عليه

و سلم انما كان يقضي بما يظهر له من القرائن...ويدرك صلى الله عليه و سلم ان واقع الحال قد

يكون بغير ما حكم به ......ولم ينزل وحي يقطع في الامر....والحكم لا بد منه ...فالناس يحتاجون

للفصل بينهم حتى تطمئن الانفس و تهدا ...

الظاهرية يسمعون كل هذه الاحاديث و يصرون ان غلبة الظن بسبب القرائن لا يعمل به !

وآثار الصحابة في الفتوى بغلبة الظن كثيرة اوردها ابن القيم في اعلام الموقعين....فمن اردها

فليرجع اليها.

ولا تخلط مرة اخرى بين نسبة الحكم الى الله و بين موضوع العمل بغلبة الظن في الدين.

مبارك مسعود
08-08-07, 09:57 PM
شكرا جزيلا لجميع الإخوة الذين أجابوا عن هذا السؤال فالأجابات كلها مفيدة جدا لطلبة العلم أمثالي فجزاكم الله خيرا .

أبو إلياس الوحسيني
12-08-07, 03:43 AM
الحمد لله

يكفي لكي يكون الانسان على بينة من امره في مسألة العمل بغلبة ظن المجتهد كون النبي

صلى الله عليه و سلم ارسل احد اصحابه الى يهود خيبر ليخرص عليهم تمارهم ...و الاثر صحيح..

وهو في الموطا...أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة الى خيبر

فيخرص بينه و بين يهود خيبر ..قال- اي الراوي - فجمعوا له من حلي نسائهم فقالوا له هذا لك

وخفف عنا وتجاوز في القسم فقال عبد الله بن رواحة يا معشر اليهود و الله انكم لمن ابغض خلق

الله الي وما ذاك بحاملي على ان احيف عليكم فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت و انا لا

ناكلها.فقالوا بهذا قامت السماوات و الارض.

معنى الخرص..قال ابن الاثير في النهاية ...وفيه انه أمر بخرص النخل و الكرم....قال ابن الاثير

خرص النخلة و الكرمة يخرصها خرصا اذا حزر ما عليها من الرطب تمرا و من العنب زبيبا...

فهو من الخرص : الظن لأن الحزر انما هو تقدير بظن...و الاسم الخرص بالكسر- يقصد الخاء-يقال كم

خرص أرضك...وفاعل ذلك الخارص

فها انتم ترون معشر العقلاء العمل بالظن الغالب ...و بالخرص....و لكن الظاهرية يصرون على ان

العمل بغلبة الظن و الخرص مذموم على الاطلاق...ويستدلون بآيات مثل ان هم الا يخرصون ...

ان يتبعون الا الظن...فالعجب منهم و الصحابة عملوا و افتوا بغلبة الظن و ليس في امور الدنيا

بل في امور الدين...أترى الناس يستفتون أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم عن النجارة

و الحدادة و الجزارة.....لا و الله بل في امور الدين....

ويقال للظاهرية اخيرا

أخبرونا هل دينكم كله قطعي يقيني ?

لا شك أنهم يقولون نعم....وهم يرفعون شعار الاسلام كما انزله الله

فيقال لهم...اذن لقد فقتم الصحابة علما فقد كانوا يقولون في المسائل التي تردهم..أقول

فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله و ان كان خطأ فمني و من الشيطان و الله و رسوله بريئان.

أما الظاهرية فيلزمهم من مذهبهم ان يقولوا هذا هو الحق القطعي اليقيني الذي لا شك فيه

و لا ريب....

فإما أن يكونوا أعلم من الصحابة او أنهم أخطاوا الطريق.

قال ابن الاثير في النهاية...وفيه أنه امر بخرص النخل و الكرم