المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهداية تبدأ من الإنسان


عزام محمد الشريدة
07-04-14, 10:36 PM
الهداية تبدأ من الإنسان

قال تعالى "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"
من هو فاعل الفعل يشاء في هذه الآية ؟بمعنى:هل يعود الضمير على المفعول"من" أو يعود على الفاعل "لفظ الجلالة"؟ فاختلاف المفسِّر يؤدي إلى اختلاف المعنى ، وفي رأيي أن الضمير يعود على المفعول "من" وليس على لفظ الجلالة، للأسباب التالية:
1- إذا اجتمع مفسِّران صالحان للتفسير عاد الضمير على المفسِّر الأقرب،بسبب الاحتياج المعنوي ،وذلك أمنا للبس ، وقد يعود الضمير على البعيد مع القرينة المانعة للبس ، كقوله تعالى:" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها "،فأعاد الضمير على البعيد لوجود القرينة .
2- القرآن الكريم يربط مع القريب بسبب الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية بين أجزاء التركيب كما في الأمثلة التالية:
قال تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" و"جهرة" حال مبني على الفعل "نرى"وليس على الفعل "نؤمن "،بسبب القرب والاحتياج المعنويين بينهما ، وقال تعالى"وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين*على قلبك لتكون من المنذرين *بلسان عربي مبين* وشبه الجملة "بلسان عربي مبين" متعلقة ب"المنذرين"وليس بـــ"نزل"، وقال تعالى"يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" و"من" معطوفة على القريب لفظ الجلالة ،وليس على الكاف ، بدليل قوله تعالى "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " ، وقال تعالى"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " "فالذين من قبلكم" معطوفة على الضمير في "خلقكم" وليس على لفظ الجلالة ،لأن الله تعالى لا يأمر بتقوى غيره ،وقال تعالى" "قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء "وقوله تعالى "أن نفعل "معطوف على "ما يعبد "وليس على "أن نترك"لأن صلاته لا تأمره بأن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون .
3- ويجوزأن يكون البناء والربط والتعليق مع البعيد مع القرينة وهي العلامة التي تمنع اللبس ،كما في الأمثلة التالية:قال تعالى:فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلَِكم إلى الكعبين *ففي قوله تعالى "وأرجلكم "قراءتان ،قراءة الجر بالعطف على الرؤوس وقراءة النصب بالعطف على الأيدي،وقال تعالى"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيحَ ابن مريم " و"المسيح "معطوف على الأحبار والرهبان ،وليس على لفظ الجلالة ، لأن الله تعالى لا يأمر بتأليه المسيح عليه السلام .
4- كما يمكن الربط مع البعيد عندما يمنع مانع معنوي الربط مع القريب ،أو لعدم الاحتياج المعنوي مع القريب ،كقوله تعالى "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه " وشبه الجملة "لامرأته "متعلق بالفعل "قال" البعيد وليس بـالفعل "اشتراه"القريب ،لأن تعليقه بالفعل"اشتراه"يجعل الفعل "قال" بلا مقول ،ومما يدل على تعليقه بالبعيد هو جملة مقول القول وياء المخاطبة ،وقال تعالى"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " ويوم القيامة مبني على الفعل "يأت" البعيد وليس على الفعل "غل" القريب لأن العقل لا يسمح بوجود علاقة معنوية بين فعل الغلول ويوم القيامة ،إذ لا غلول يوم القيامة، وقال تعالى "وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ، لأن الكفر لا يكون بالمسجد الحرام ،بل هناك صد عن المسجد الحرام ،وقال تعالى "فإن حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعن " ،و"من اتبعن" معطوفة على "التاء" في أسلمت ،البعيد ،لأن عطفها على لفظ الجلالة القريب يسبب اللبس الذي يرفضه العقل ،وفي الشاهد"موضوع الحديث"لا يوجد مانع معنوي من الربط مع القريب.
4-فاصلة الآية تتناسب مع هذا الطرح حيث يقول تعالى ما معناه :الله أعلم بمن يريد الهداية فيهديه الله .
5- من غير المعقول أن يقول الله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم - :أنت لا تهدي من تشاء وتحب ولكن أنا الذي أهدي من أشاء وأحب ،علما بأن الرسول الكريم مبعوث لهداية الناس إلى الطريق الصحيح ،فالله يهدي من أوصله عقله إلى الهداية ويضل من أوصله عقله إلى الضلال ،ولهذا قال تعالى"تبت يدا أبي لهب وتب"لأن الله بعلمه الأزلي عرف أن أبا لهب لن يؤمن فحكم عليه بالضلال وأضله الله .
6- والله عادل ولا يظلم ربك أحدا ،فمن غير المعقول أن يضلنا الله ثم يقوم بحسابنا ،والعدالة الإلهية ترفض هذا الشيء وكذلك العدالة الإنسانية .
ومن هنا وللأسباب السابقة الذكر فإن الضمير في "يشاء" عائد على المفعول ،فالإنسان هو الذي يشاء الهداية أو الكفر ،قال تعالى"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ،وقال تعالى"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ،والقرآن الكريم لا يناقض بعضه بعضا ،والإيمان والكفريكون بمشيئة الله ،ولا شيء يحدث خارج إرادة الله ،ولكن البداية تكون من الإنسان ،ومن هنا فلا حجة لأحد في هذه الآية ،ولا يحق له القول كيف يعذبنا الله وهو لم يرد هدايتنا ،أو إنني لا أصلي لأن الله لم يهدني ،ويضع المسؤولية على عاتق الله سبحانه وتعالى ،فإرادتنا دائرة صغرى ضمن دائرة المشيئة الإلهية الكبرى،ولا شيء يحدث خارج إرادة الله سبحانه وتعالى ،ونحن المسؤولون عن الهداية أو الضلال.