المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضلال الفلسفة بقلم فضيلة الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله


العاصمي الجزائري
25-12-14, 10:59 AM
ضلال الفلسفة

بقلم فضيلة الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله

نقلا عن كتاب (مجموع مقالات العلامة عبد الرحمن الوكيل رحمه الله) جمع وترتيب وعناية شعبان عبد المجيد محمد بن عوض بن عبد الغني المصري
دار سبيل المؤمنين للنشر والتوزيع ص 329-337

خالق ومخلوق ، ربّ ومربوب ، موجِد وموجود ، تلك حقيقة تطامن لها الشعور مخبتا ، وسكن إليها الوجدان مطمئنا ، وسرت على نورها الروح في متاهات الحياة ، وخرّت لها بداهة الفكر ساجدة . (الله ربّ العالمين) سمعها الإنسان الأوّل (آدم) من الله وآمن بها ، وولاّثها من بعده بنيه .
ولكن الإنسان حين أخلد إلى الدّعة ، وتيسّر له ما كان عسيرا من دواعي العيش ، وتجافى - في صلف - عن روح الدين ، بدأ يحاول صدع الحقّ بأوهام الباطل ، وتدنيس قداسة الإيمان بخبث الكفر ، وتلويث روحانية التوحيد بمادية الشرك الوثني ...
كان أمس يبحث في الارض عن العيش ، ويفكّر : كيف يندى ظمأه ، ويكسو عريه ، ويسد جوعه ، ويسخّر ما حوله لنفسه ، ويحمي نفسه من الأعاصير والزلازل والبراكين ، مطمئنّا إلى ربّ كريم قادر يحبّه ويرعاه ؟!
فلما هداه ربّه السبيل ، واطمأنّ إلى دنياه ورغابه منها ، وبدأ الشيطان يزلزل في نفسه طمأنينة الإيمان ، ويحيلها إلى قلق عاصف ، وريب يلبّس عليه - راح يفكّر - مثل هذا النفكير وسواه : من هو الله ؟ ما صفاته ؟ ما صلته بهذا العالم الذي يعيش فيه ، أخلقه أم فاض عنه ؟ وإذا كان خلقه ، فهل ظلّ يرعاه ويربّيه ؟! ثمّ أين الله ؟ أهو بائن من العالم أم هو فيه ؟ وإذا كان غير بائن فأين ؟ وإذا كان بائنا فاين ؟!
في هذه الظلمات التمردية سبح الفكر الإنساني العاجز الضعيف الجاهل بفطرته - بعد اطمئنانه إلى مقومات العيش ونأيه عن الدين - وأجابه شيطان الغرور والترف المحطّم لقواه عما سأل به نفسه بأجوبة ، فكان من هذا ومن التفكير في مناح أخرى : ما يسمّونه فلسفة ، فالفلسفة كما ترى ترف عقلي ، والترف ، جلّه - إن لم نقل كلّه - فساد ، فالفلسفة إذا استمكنت فساد بالنسبة للعقل وللإيمان ، كما أنّ الترف المادي فساد للجسم ومقوماته وللأخلاق .
لقد عرف الإنسان ربّه من ربّه ، لقد كلّمنا الله عن نفسه ، وكلام الله عن نفسه وصفاته وأفعاله وألوهيته وربوبيته كلام الخلاق الحكيم الخبير ، أفيجيء العقل البشري - ذلك القزم الصغير يحاول أن يكون ماردا عملاقا جبّارا فيزعم أنّه يعرف عن ربّ العالمين وعن ذاته وصفاته وصلاته بالعالم أكثر ممّا يعرف ربّه الخالق ؟!! (قتل الإنسان ما أكفره) [عبس : 17]
يقول الله : إنّه الخالق .... زالعقل الفلسفي ينفي صفة الخلق عن الله ، وينسبها لشيء آخر فاض عن الله الله أو انحدر عنه ، أو وجد من نظر الله إلى نفسه ، سموّه أحيانا : العقل الأوّل ، وأحيانا : الحقيقة المحمدية عند فلسفة التصوف الذي سمّوه إسلاميا . وأحيانا وأحيانا !
ويقول الله : إنّه يعلم كلّ كبيرة وصغيرة ، يعلم الكليات والجزئيات : (ويعلم ما في البرّ والبحر وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين) [الأنعام : 59]
ولكنّ العقل الفلسفي ينفي عن الله ذلك ، ويقول إنّه يعلم الكليات لا الجزئيات !!
ويقول الله : إنّه ربّ العالمين وإنّه معنا أينما كنّا ، وأنه أقرب إلى عبده من حبل الوريد ، وأنّه يسمع دعاءنا ويجيبه ، ولكنّ العقل الفلسفي بزعم العالم وجد عن الله ثمّ تركه فلا صلة له به اليوم ولا بعد اليوم !!
ويقول الله عن نفسه إنّه استوى على عرشه ، وأنه العليّ العظيم ، ولكن العقل الفلسفي ينفي ذلك ، ثمّ يحدّثنا عن هذا بما نفهم منه ولا بدّ : أنّه عدم ن وأنه هو هذا الوجود المحسّ !!
ويصف الله نفسه بصفات كلّها حقّ وجمال وجلال وخير ، ولكنّ العقل الفلسفي يأبى إلّ أن يجرّد الإله عنده من صفاته ، فيصفه بالسلوب والعدميات ن حتى ليجعله ليس شيئا ، أو يصفه بما يجعله صورة ذهنية لا توجد إلاّ في الذهن فحسب ، أو يصفه بمثل : (اللاذّ والملتذّ ، والعاشق والمعشوق) من تلك الصفات التي وضع فيها الإنسان خبائث شهواته !!
ويأبى العقل الفلسفي في خاتمة المطاف إلاّ أن ينكر الوجود الإلهي ويتمرّد عليه ، ولا يعترف بالوجود في قيمه إلاّ للإنسان ، ذلك الإنسان المسكين انقسم شطرين على نفسه ن فجعل شطرا منه إلها ، وشطرا منه إنسانا ، ما ثمّ إلاّ الوجود الإنساني !
تلك خاتمة المطاف وبئست هي من خاتمة للفلسفة .
ونحن لو استعرضنا تاريخ الفلسفة الميتافيزيقية ، تاريخ ذلك الترف العقلي الذي أفسد على الإنسان دينه وعقله لشهدنا عجبا ، شهدنا أخلاطا تجمعها كلمة واحدة (ضلالة) ، تلك كلمة عابرة ، وستتبعها إن شاء الله كلمات .

وحدة الأديان :

لكبار الزنادقة من الصوفية كابن عربي ، والجيلي ، وابن الفارض في تائياه رأي في الوجود الإلهي ن يجعل من وجود الأعيان نفسها وجود الحقّ وعينه ، أو بمعنى أصرح : يجعل الخلق عين الخالق ، فهما ذات واحدة سميت مرّة خلقا ، وأخرى حقّا ، بحسب الباطن والظاهر .
ولهذا الرأي خطره على الدائم الداهم على الدين والأخلاق ، فهو ينفي المسئولية الأخلاقية ، ينفي الخير والشرّ ، والفضيلة والرذيلة ، والثواب والعقاب ، يجعل الشرّ ضريبا للخير ، والرذيلة مسمى الفضيلة ، ويجعل الشرك والكفر من أجلّ حقائق التوحيد والغيمان .
وكان لهذا الرأي نتيجة حتمية لم يتردّدج في التصريح بها زنادقة الصوفية ، تلك هي أنّ الأديان على إطلاقها واحدة ، لا يقصدون بذلك الأديان السماوية المنزلة على الرسل ، بل كلّ ما اتخذه الناس دينا ، سواء كان وضعيا يعتمد على الأسطورة والخرافة ، أم كان سماويا يعتمد على الوحي ، فالمجوسية والوثنية في شتّى مظاهرها ، والمسيحية الحقة والتي شابها الزيف واليهودية المبدّلة والغسلام ، كلّ هذه أديان واحدة ، وكلّها حقّ وهدى ، وكلّ متعبّد على دين منها عابد لله حقّا ، صرّح بهذا ابن عربي ، وعبد الكريم الجيلي ، وابن الفارض .
والذي أدى بهم إلى إعتناق هذه الزندقة : هو زعمهم أنّ وجود الخالق عين المخلوق ، فإذا عبد الصنم وال وثن بأيّ اسم وفي أيّ مظهر ، كان المعبود إلههم ن وكان العابد هو عين المعبود ن ولهذا بطل عندهم معنى الثواب والعقاب ، لأنّ الإله عندهم عابد ومعبود ، إلههم ضال مهتد ، كافر مؤمن ، موحد مشرك ، وكيف يعذّب نفسه ؟!! لا عذاب ، وإنما هو من العذوبة ، كما صرّح ابن عربي .
ونحن لا نرسل القول إرسالا ، بل نستشهد على ما ذكرنا بما يقوله ابن عربي : (والعارف المكمل من رأى كلّ معبود مجلّى للحقّ الذي يعبده فيه ، ولذلك سمّوه كلّهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك) .
ويقول الجيلي عن وحدة الأديان - مفسّرا قول الله - : (لا إله إلاّ أنا) بقوله : (فأنا الظاهر في تلك الاوثان والافلاك والطبائع ن وفي كلّ ما يعبده أهل كلّ ملة ونحلة ، فما تلك الآلهة كلّها إلاّ أنا ) ثمّ يعلّق بقوله : (إنّ الحقّ سبحانه وتعالى عين الأشياء ، وتسميتها بالإلهية تسمية حقيقية ، لا كما يزعم المقلّد من اهل الحجاب : إنّها تسمية مجازية ، ولو كان كذلك لكان الكلام : أنّ تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي يعبدونها ليست بآلهة ، وأنّ لا إله إلتّ أنا فاعبدوني ، لكنه إنما اراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر ، وأنّ خكم الالوهية فيهم حقيقة وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلاّ هو ، فقال : (لا إله إلاّ أنا) أي ما ثمّ ما يطلق عليه اسم الإله إلاّ وهو أنا) .
هذا الضلال أبين من أن يدلّل احد على بطلانه ، وتلك الاسطورة - أسطورة وحدة الأديان بالمعنى الصوفي - بطلانها أظهر من كلّ بطلان ، ومن عجيب أن تجد تلك الزندقة الملحدة من يذود عنها ، ويمجّدها من العرب المسلمين ، ذوي الأسماء اللمّاعة المدوية الصيت !
وفي يدي الآن كتاب : (القضايا الإجتماعية الكبرى) للدكتور عبد الرحمن شهبندر ط 1936 يتحدّث الدكتور فيه عن التعصب الديني ، وانه عقبة في سبيل البحث ن ثمّ استطرد ممجدا ابن عربي وقصيدته في وحدة الأديان ، فيقول عن تلك القصيدة : (طالما استشهدنا بها على سمو الشعور الديني عند العرب ، وجعلناها عنوانا لا للتعمق فقط ، بل له وللعقيدة والمبدإ أيضا ، ذلك أنّ ابن العربي كان من القائلين بوحدة الأديان ويرى جميع المتدينين يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم وصور جميع المعبودات ، والقصيدة هي :

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي .............. إذا لم يكن ديني إلى دينه دان

لقد صار قلبي قابلا كل صورة .............. فمرعى لغزلان، ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طـائـف .............. وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت .............. ركائبه، فالحب ديني وإيماني

وابن العربي هذا لا حاجة به إلى من يذكره من المتشددين الثقيلي الوطأة بأنّ هناك في بعض الأديان المنحطّة من السخافات والأعمال المنكرة ما لا يجوز أن يتسع لها قلبه ، أو يطمئنّ إليها لبّه ، فهذا كلّه كتن معلوما عنده ، إلاّ أنه كان في موقفه المستجد أسمى من أن يفوته المعنى العظيم المتجلّي الشامل ، بانصرافه إلى الجزئيات الموضعية الخاصة ، وإذا كان الكون في نفسه الحساسية الصافية أشبه بقطعة شعرية نفسية منسحمة فمصراع واحد معوج ، أو بيت واحد فاسد ، لا يحول دون تمتعه بالقصيدة كلّها كاملة ، وإعجابه بالفنان المبدع الذي أجاد نظمها وأحكم قوافيها ووزنها ، وخذ مثالا آخر على هذه الروح السمحة الرفيعة ما قاله ابن الفارض الحموي المصري المتوفي سنة 633 ه في تائيته الكبرى :

وإن نار بالقرآن محراب مسجد ................ فما بار بالإنجيل هيكل بيعة
وإن عبد النار المجوس وما انطفت ............ كما جاء في الأخبار ألف حجة
فما قصدوا غيري وإن قصدهم .................. سواي وإن لم يظهروا عقد نية
فلا عبث والخلق لم يخلقوا سدى .............. وإن لم تكن افعالهم بالسديدة

انتهى نص كلام الدكتور الشهبندر ...............
واأسفاه ، هذا مثل عال يتحطّم أمام عيني !!
لقد كنا نسمع عن الدكتور وموقفه وعربيته وإسلاميته ، فنعجب ونصفق حتى تدمي الأكف من التصفيق إعجابا وثناء ، كان الدكتور الشهبندر زعيما عربيا كبيرا ، ومن عجب ان يجعل الزعماء تمجيد الإلحاد والزندقة وسيلة للزعامة .
إنّ هذا الزعيم العربي الكبير في سبيل تملّق الباحثين من الغرب وخرافاتهم حول ما يسمونه التسامح الديني ، الذي هو في حقيقته إلحاد ، يحاول تمجيد رأي ابن عربي ليثبت للغربيين أننا أسبق منهم تسامحا ، وبمعنى أدق : أسبق منهم إلحادا !!
فما ذلك التسامح الديني الذي يشيد به الدكتور شهبندر ، ويصف من يعترض عليه بالمتشددين ثقيلي الوطأة !! إنه يشيد بالوثنية بالمجوسية بالزندقة ، بعبادة عجل بني إسرائيل ، بالتحلّل من كلّ خلق وأدب وفضيلة ، بالإباحية المطلقة !!
أفذلك تسامح ديني ؟! فيوصف الملحد الزنديق بأنّه متدين متسامح ؟! إذا كانت دعوة ابن عربي إلى وحدة الأديان وضعيها وسماويها ، باطلها وحقّها تسمى تسامحا ، فلا كان ذلك التسامح ، إنّ دعوة ابن عربي هي تكذيب صريح لنصّ القرآن : (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران :85] ، وقوله تعالى : (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [ النساء : 48] ، أفمن يكذب بالقرآن نشيد بتسامحه الديني ؟!!
إنّنا نلمح في ثنايا كلام الدكتور إعجابا شاعريا ، وهوى ضالعا مع زندقة ابن عربي وزميله ابن الفارض في تائيته ، نلمح ثورة نفسية مكبوتة على المتدينين الذين يتعصبون للحق بوصفه إيّاهم أنهم (ثقيلون شديدو الوطأة) .
أفمن يدعو إلى عبادة الله وحده نعتبره ثقيلا شديد الوطأة ؟! أفمن يدعوا إلى نبذ الشرك وتحطيم الأصنام ، وإخلاص العبادة لله وحده ثقيل شديد الوطأة ؟!
ألاّ إنّي سوف أطلقها صريحة واضحة جلية : إنّ معنى التسامح الديني ومفهومه عند أربابه : مرادف للخروج عن الدين ، بل هو الإنسلاخ من الدين الحقّ إلى دين الهوى والشيطان ، ورضي الله عن أنس ابن مالك إذ يقول لأصحابه : (والله إنّكم لتعملون العمل ترونه في أعينكم أدق من الشعرة ، وكنا نراه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات) .
ترى هل نسمع كلمة الكفر فنسكت عليها ؟ وهل نشاهد على الأرض مئات الطواغيت فنسكت راضين ، ليقال عن ذلك إنه تسامح ديني !!
أنسكت عمن يكتب عن الله سبحانه الخجو الهراء والبذاءة لنعرف معنى التسامح !! ؟
ترى هل كان الدكتور يتسامح وشيعته من ابواق الفرنجة وعبيدهم : لو طعنهأحد في وطنيته ، في شرفه ، لا اقول في عقيدته !!
ألا إنّ من عجب الشيطان تسخيره للإنسان مثل هذا التسخير ! يشتمك إنسان عادي مثلك فيثيرك حتى تقتله ن ويشتم الكفور الحقود ربّك العظيم ، فيملأ الشيطان خياشيم شهواتك بتسطورة التسامح ، حتى تكفر بربك !! هأنتذا ترضى هجو الله ولا ترصى هجو نفسك ، هذا هو هدف التسامح الديني !!
وقد تعرض لنقد أسطورة وحدة الأديان الإمام ابن تيمية وقد تعرّض لهذا النقد الدكتور مصطفى حلمي في كتابه : (ابن الفارض والحب الإلهي) يحاول نقضه وموعدنا إن شاء الله العدد القادم حيث نبيّن صحة نقد الإمام وزيف دفاع الدكتور ؛ والله الموفق المستعان .

.................................................. ...............
1 - (6/1370)
2 - اسنا بصدد تأريخ الفلسفة حين نبيّن أوّل ما اتجه إليه الفكر من الابحاث الفلسفية وإنّما هو تحويمة حول الموضوع تؤدي ما نهدف إليه الآن .
3 - لم ننسب الآراء إلى قائليها الىن فلسنا بحاجة إلى ذلك وربما عدنا إلى الموضوع نفصّله وننسب كلّ رأي إلى قائله من الفلاسفة
4 - ص (195) الجزء الأول من فصوص الحكم بشرح وتحقيق الدكتور أبو العلا عفيفي
5 - (ص 69 / الجزء 1) من كتاب الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ط 1293 ه
6 - جرت العادة على تلقيب محي الدين الحاتمي الصوفي بابن عربي من غير (ال) ؛ تمييزا له عن أبي بكر بن العربي الفقيه المالكي ، ولكن الدكتور أخطأ هنا

العاصمي الجزائري
25-12-14, 11:00 AM
المعرفة عند الصوفية :

نمهد لحديثنا اليوم بهذا التمهيد اللماح عن المعرفة عند الصوفية ... يستمد الصوفية معارفهم - في زعمهم - عن طريق (الذوق) أو الكشف الشهودي ؛ ولذا تتباين المعارف عندهم تبعا لتباين الأذواق ، وقد لجأوا إلى هذه الأسطورة حين أيقنوا أنّ معرفتهم تصادم العقل والنقل وتناقضهما ؛ ويؤمن الصوفية إيمانا وثيقا بأنّ العقل ليس وسيلة إلى إدراك الحقيقة ، وبأنّ النقل حجاب يستر وراءه الحقيقة الكبرى ، ولذا يقول التلمساني : (القرآن كله شرك ، وإنما التوحيد كلامنا)
وكان من قولهم : (من ذاق عرف) أي من إستمد معرفته عن طريق الذوق كان هو العارف المكمل ، أما من يستمد معرفته من الدين فهو من أهل الظاهر المحجوبين عن إدراك كنه الحقيقة الإلهية الكبرى ، أو بمعنى أوضح : عن إدراك حقيقة الألوهية التي يقوّم وجودها عندهم وجودات العالم الظاهر .
وقد شطح بهم الذوق الأسطوري إلى إعتناق خرافة (وحدة الوجود) ، وبالتالي إلى إعتناق خرافة (وحدة الأديان) بالمعنى الصوفي ؛ فعن إيمانهم بوحدة الوجود نتج إيمانهم بوحدة الأديان .

علاقة وحدة الوجود بوحدة الأديان :
آمن الصوفية أن وجود الخلق عين وجود الحق ، فالمظاهر عين المظاهر ، والعبد عين الرب ، والمخلوق هو بذاته الخالق ، ويعبر ابن عربي عن ذلك بقوله : (سبحان من خلق الأشياء ، وهو عينها) والإيمان بهذه الأسطورة - فوق أنه زندقة وإلحاد وإنكار صريح للألوهية - يهدر القيم الأخلاقية والدينية ، وينفي المسؤولية ، فإله الصوفية هو عين الصنم في الجاهلية ، والعجل في السامرية ، وهو بذاته عابد الصنم وعابد العجل ، فكيف إذن يوجد إيمان وكفر ؟ إذا كان الإله معبودا من وجه وعابدا من وجه آخر ؟؟!
لهذا صرّح الصوفية - وقد آمنوا بوحدة الوجود - بوحدة الاديان حتى ذخبوا مع الزندقة إلى آخر مداها ، وانحطوا مع الوثنية إلى قرارها السحيق ، فالإيمان بوحدة الاديان نتيجة حتمية - كما ترى - للإيمان بوحدة الوجود .

نتائج الإيمان بوحدة الأديان :
ويعني الصوفية بالأديان : كلّ ما جعله الإنسان دينا سواء كان سماويا أم وضعيا ن صحيحا أم زائفا ، قائما على التوحيد الحقّ ، أم على الوثنية المشركة والإيمان بوحدة الأديان - بهذا المعنى - يمزج الضدّين ، ويجمع النقيضين ، ويخلط الإيمان بالكفر والحق بالباطل ، والخير بالشر ، والوجود بالعدم .
الإيمان بوحدة الأديان عند الصوفية ينتج عنه الإيمان بأن ليس ثمت آخرة ، ولا بعث ولا جزاء ولا حساب ، ولا دينونة ، فالصوفية في غايتها تتلاقى مع المادية الصرفة في نهايتها .
ولا يخدعنك شقشقة الصوفية ولهجهم أحيانا بالخوف والرجاء ، فما هي إلاّ حبائل يوقعون بها السذج الغافلين في شراكهم ، وإلاّ فبربك قل لي : إذا كان الإله هو نفسه هذه الموجودات المتعينة في موادها ، فهل لهذا الإله دنيا وآخرة ؟!
إذا كان الغله كافرا مؤمنا ، شريرا خيرا ، باطلا حقا ن عاصيا طائعا ، ضالا مهتديا ، فعن أيّ حاليه يجزي نفسه ؟؟
أو يرضى الإله الخزي لنفسه لنفسه فيقيم لنفسه حسابا عسيرا ، أو يدين نفسه بالجريمة الفاضحة المفضوحة يوم الدينونة ؟!
أو يموت الإله ثمّ يحيا ؟؟! أقولها صريحة جلية دون مخافة من تثريب : إنّ كبار الصوفية يكفرون بالبعث والجزاء لأنهم يكفرون بالالوهية والربوبية ، وإن حاولوا الصريخ والعويل ... فإيمانهم بالوحدتين الوجودية والدينية يدمغهم - رضوا أم سخطوا - بما قلناه .
ولذا تأول زعماؤهم كل ما ورد عن الجزاء الأخروي وعن الآخرة بمعناه الديني الصحيح ، فجعلوا العذاب من العذوبة ، والقيامة عودة الإله إلى حيث كان قبل التعين الأول في الحقيقة المحمدية ...
بعد هذا نعود إلى ما وعدنا به قراءنا الافاضل من قبل من مناقشة الدكتور مصطفى حلمي في نقده للإمام ابن تيمية فيما دمغ به الصوفية من كفرهم حين دانوا بوحدة الأديان .

رأي الدكتور حلمي :
الدكتور الفاضل معجب أيما إعجاب باسطورة ابن الفارض فيما يسميه : (الحب الإلهي) ، وقد جلّى الدكتور في بحثه هذه الأسطورة جلاء واضحا ، غير أنا نلاحظ أنّ بحث الدكتور لم يكن خالصا للحقيقة والفكر الصحيح ، وتلك ليست من سمات الباحثين في حقائق الفكر العليا ، بل نلاحظ العاطفة جامحة مشبوبة الهوى ، نلاحظ دفاعا عاطفيا حارّا عن ابن الفارض ، وتمجيدا له في زندقاته ، ونحن لا نملك أن نمنع الدكتور من محبته ابن الفارض أو تقديسه ، ولكنا نملك بعون الله الذياد عن الحق فكريا ودينيا ، ذلك الحق الذي حاولت عاطفة الدكتور الفاضل أن تجليه باطلا ، لا سيما وقد حاول الدكتور وهو في فورة العاطفة الصوفية أن يجد لابن الفارض سندا من القرآن يؤيد زعمه في أسطورة وحدة الأديان ، ويبلغ الإعجاب بالدكتور حدا يجعله يلح في الطلب أن نتمثل صوفية ابن الفارض في ناحيتها الروحية والعملية ، حتى ليقول : (وهل هناك حياة أنعم حالا وأوفر كمالا من هذه الحياة التي يبسط عليها الحب والإخاء والمساواة أجنحتها على هذا الوجه الذي يصوره لنا مذهب ابن الفارض في الوحدة ، وحدة المحب والمحبوب ، وحدة الخلق والحق ، وحدة الاديان والشرائع ؟
إذ تزول كل مظاهر التفرقة بين أفراد النوع الإنساني ، فينظر المعتنقون للأديان المختلفة ، على أنهم إخوة متحابون متساوون ، لا على أنهم أعداء متباغضون متنافرون)
إذن فالدكتور الفاضل يقر - مع الأسف - بإيمان ما ذهب إليه الصوفية من وحدة الأديان سماويها ووضعيها ، صحيحها وزائفها ...
ولست أدري كيف تشمل الوحدة جماعة أرباب متفرقون ؟؟
كيف يشمل الإخاء قلبا يغبد الله وآخر يعبد الصنم ؟
كيف يشمل الحب مؤمنا مخبتا لله الذي يامره بمجانبة الشرك والوثنية ، وآخر يعبد هواه المصور في صنم أو عجل أو بهاء ؟
كيف يتوحد العالم وليست هناك وحدة تشمل آلهته المعبودة في قلوب العابدين .
إنّ المؤمن بإله يعمل بما شرعه له ذلك الإله ، أو بما يشرعه الزاعمون أنهم وسطاء له ، ولا ريب في أنّ هناك تباينا بعيدا وتناقضا بينا في تلك الشرائع ، وتبعا لهذا تتباين الأعمال والأخلاق والعقائد ، اتكفي الإنسانية وحدها لتكون رباطا يربط هذه القلوب ؟
من ذا الذي سيزيل كل مظاهر التفرقة بين أفراد النوع الإنساني ، والأديان السماوية - في سموها وجلالها ودابها وسعيها الملح - لم تزل تلك التفرقة في الواقع ، رغم انها حاولت ذلك في كلّ زمن ، وتسلحت بالحقّ والصبر والعزيمة والهدى والنور ؟
فالدارس للتاريخ يجد أنّ العالم كلّه لم يجتمع يوما على كلمة واحدة ؛ هذا هو الشأن مع الأديان السماوية ، فكيف مع الوضعية ؟أيريد الدكتور إرغام العقول على أن تفهم أن رباط الإنسانية أقوى من رباط الدين ؟
لا يا دكتور ، فالدين أيّا كان له قوة هائلة تدفع إلى التضحية الهائلة معتنقيه ، ومع ذلك كله ، فلم يجمع العالم حتى اليوم دين واحد ولا حب واحد ، الناس شانهم دائما مع الدين : (فريق في الجنة وفريق في السعير) [الشورى : 7] ، أمّا هذه الشاعرية ، أما تلك الخيالات المجنحة بالتهاويل ، أما تلك الأساطير المقنعة بالأوهام والشهوات ؛ فلن تستطيع مصادمة الحق والواقع ، وإذا شئت العمل في سبيل وحدة تشمل الناس فلتكن تحت راية دين واحد ، هو الحق والصدق والخير والجمال وهو الإسلام ، وهو إخلاص العبادة لله وحده ، وأن لا يعبد الله إلاّ بما شرع ، لا تحا طاغوت صوفية ابن الفارض وشيوخ ابن الفارض الوثنيين ، أعداء الله ورسله ، بل أعداء الإنسانية من أول الدهر .
فالتاريخ يحدثنا حديث صدق : أنّ الجماعة الإسلامية الأولى كانت هي الجماعة الإنسانية المثالية في سمو الروح ، وقوة العزيمة وسماحة الأخلاق ن ونبل الغيثار ، وجلال التضحية في سبيل المثل العليا ، وشمول الرحمة ، والتوحيد الشامل التام في المباديء والغايات ؛ ويشهد التاريخ أيضا أنّ الفرد في هذه الجماعة كان لا يهدف إلاّ إلى خير جماعته ورقيها ، ودوام وحدتها نقية صافية ، ولقد عاش في ظل هذه الجماعة الإسلامية المسيحي واليهودي وسواهم ، عاش هؤلاء جميعا يرف عليهم العدل ، والأمن ويغمر دنياهم الرضى ، ويرعى أيامهم السلام ، أتعرف لماذا يا دكتور ؟
لأن هذه الجماعة كانت معتصمة بدينها الحق ، هداها القرآن ، ومشكاتها السنة ، أما عهود الوثنية والمجوسية والمسيحية الزيفاء واليهودية الضالة فكانت عهود استبداد وبطش ، وعبودية ذليلة للسلطان الغشوم .
كان الجور لحمتها والطغيان سداها ، كانت تتنزى جريمة وفسقا ، وكانت تهوى انحطاطا في الخلق والفكر والعقيدة ، كانت عهود جريمة فردية وجماعية ؛ لأنها كانت تتولى الشيطان وتكفر بالرحمن .
فهل يريد دكتورنا الفاضل أن نكون خليطا واوشابا وأمشاجا من هؤلاء ، ومع ذلك نكون وحدة يرعاها السلام والوئام ؟!
أعقيدة مشرقة الوحي من السماء ، وشريعة يقطر سلسها من الوحي الرشيد ، هذان لا يصلحان لتكوين وحدة إنسانية تتمثل الحب خلقا ، والتفاني في الإيثار غاية ، ومع ذلك تصلح صوفية ابن الفارض لهذا يا دكتور ؟!
اللهم إنّ هذا قول يحيله العقل السليم ، ويصمه الدين بالخرافة الملحدة .
ليت الدكتور يدرس الحب في الإسلام - من كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم - كما درس الحب عند ابن الفارض ، ليعلم أن ما يزعمه ابن الفارض حبا ، إن هو إلاّ غيّ وهوى ، وزندقة وتمجس سحريّ القناع ، مبدؤوه ومنتهاه عبادة الشهوات .
لقد زعمت الفلسفة أنها تتجرّد في بحوثها للحق ، فهل تجرّد دكتورنا الفاضل في بحثه هذا لما زعمته الفلسفة ، أم تراه جنح جنوحا ومال ميلا حاول أن يتسامى بصوفية ابن الفارض إلى الذروة العليا من الروحية ، دون ان يبالي الدكتور في سبيل هذا بالدين او بالحقّ الواضح الصريح ؟!
إنّ من يقارن بين فكرتين يا دكتور يجب ان يكون خبيرا بهما ، حتى يستطيع أن يحكم بالحق ، ولكنها - فيما ظهر لي - لا تعلم عن حقيقة الدين الإسلامي شيئا ، وإلاّ لما رفعت وحدة ابن الفارض ووثنيته وإباحيته فوق توحيد القرىن وهداه .
وليعذرني الدكتور الفاضل - رغم أني كنت تلميذه يوما - إذا قلت له : كن حلسا لزندقة ابن الفارض ما شئت ، ولكن حذار أن يكون ذلك على حساب القرىن يا دكتورنا العزيز .

العاصمي الجزائري
25-12-14, 11:01 AM
نقد الدكتور لابن تيمية :

نهض الإمام ابن تيمية رضي الله عنه ليدفع عن الدين غائلة التصوف وسواها ، وكان مما وجه إليه سهام نقده القاتل أسطورة وحدة الأديان ، فهاجمها هجوم المؤمن القوي والمفكر الرشيد اللماع الفكر ، هاجمها متسلحا بالنقل والعقل حتى صرعها وصرع القائلين بها ، وتلك خصيصة من خصائص الإمام ابن تيمية أنه ينقض الفكرة بالفكرة ، ويذود عن قضايا العقل السليمة بالعقل والنقل ، ويحامي عن الدين بالدين والفكر ، فهو لا يبطل أسطورة من الفلسفة أو التصوف إلاّ إذا برهن على بطلانها من ناحية النقل والعقل ، وهو يكاد يكون نسيج وحده من هذه الناحية العظيمة ، ولسنا بصدد عرض نقد ابن تيمية ، فهو مبسوط بوضوح في كثير من كتبه ، والدكتور الفاضل يلخص نقد ابن تيمية ، فيقول : (أورد ابن تيمية بيتا ينسب عبارته إلى ابن عربي الذي يقرر فيه وحدة العقائد والتسوية بينها فيقول :

عقد الخلائق في الإله عقائدا .... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

ونظر ابن تيمية في هذا البيت ، وحاول أن يجرحه من الناحية المنطقية ، فرأى أن فيه تناقضا ، لأن الجمع بين النقيضين في الإعتقاد في غاية الفساد ، ولأن القضيتين المتناقضتين في السلب والإيجاب على وجه يلزم صدق إحداهما كذب الأخرى لا يمكن الجمع بينهما ، والصوفية يزعمون عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل ، ويقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين و من سلك طريقهم يخالف لمقول والمنقول ، ولا ريب عند ابن ايمية في أنّ هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة ، وقد زاد ابن تيمية الأمر تفصيلا وإيضاحا ، فعرض لمذهب ابن عربي في الإعتقاد بكل ما وردت به الأديان المختلفة ، فإذا هو يقرر أنّ القائلين بهذا القول مشركون لأنهم عدلوا بالله كلّ مخلوق ، وجوزوا أن يعبد كلّ شيء ، مع أنهم يعبدون كلّ شيء فإنهم يقولون : (ما عبدنا إلاّ الله) ، وهذا في نظر ابن تيمية مخالف لدين المرسلين ، ولدين أهل الكتاب ، وللملل جميعا ، بل ولدين المشركين أيضا ؛ ويستدل ابن تيمية على ذلك كلّه بأنّ الرسل كانوا يعتبرون ما عبده المشركون شيئا غير الله وينظرون إلى عابده على أنه عابد لغير الله ، مشرك به عادل به ، جاعل له ندّا ، كما يستدل بأنّ الرسل دعوا الحق إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين غيره )
هذا تلخيص الدكتور لنقد ابن تيمية لوحدة الأديان عند الصوفية ، وهو نقد محكم من ناحية العقل والنقل ، ولكن الدكتور يعلق على هذا بقوله : (ولكن نقد ابن تيمية على ما فيه من منطق سليم وحجة معقولة في حدود وجهة نظره التي نظر منها إلى المسألة ، وهي أنه نظر إلى الشرائع باعتبارها مختلفة في الواقع ، لا إلى أصلها باعتباره واحدا يمكن دحضه وإظهار ما فيه من اوجه الخطإ إذا لاحظنا أن في القرىن كثيرا من الآيات الكريمة التي حفلت بالمعاني الدالة على أن الدين في أصله واحد وفي فروعه متعدد) !!
واها لدكتورنا الفاضل ، إنه صوب إلى غير مرمى، وحارب في غير حرب ، وجادل وهما فهو يحاول أن يدحض رأي الإمام ابن تيمية من طريقين :

أولا : ملاحظته أن ابن تيمية نظر إلى الشرائع باعتبارها مختلفة في الواقع لا إلى أصلها باعتبارها واحدا .
وثانيا : يسوق الآيات من القرآن خيل إليه أنها تؤيّد وجهة نظر ابن الفارض في وحدة الأديان

وسنناقش الوجهة الأولى من نقد الدكتور لابن تيمية
فأقول : إن كنت تعني يا دكتور بالأديان لفظا عاما مطلقا يتناول كلّ دين سواء أكان دينا من السماء أم دينا وضعته أهواء البشر وشهواتهم ، فأقول : نعم هاجم ابن تيمية الأسطورة من هذه الناحية وجلى جلاء واضحا تناقض الأديان على إطلاقها وعمومها تناقضا بينا في الاصول والفروع ، فما يسوي عاقل بيندين سماوي وضعه العليم الحكيم الخبير ، وبين دين وضعي وضعته زندقات البشر ووثنياتهم ، وما يسوي عاقل بين دين يقوم على أساسين : عبادة الله وحده لا شريك له ، وعبادة الله بما شرع . وبين دين يقوم على تأليه الحجر أو العجل ، ولن تيتطيع يا دكتور مطلقا ، المعارضة في وضوح التناقض البين والتخالف الذريع بين هذين في الأصول والفروع .
وإن كنت تعني يا دكتور بالاديان لفظا مخصصا لا يقصد به إلاّ كلّ دين سماوي صحيح جاء به الوحي من الله رب العالمين فأقول ان ابن تيمية طالما صرّح في كتبه بغير ما أسندته غليه ، وهو انه نظر إلى الشرائع باعابارها مختلفة في الواقع لا إلى أصلها باعتبارها واحدا ؛ إن ابن تيمية يفهم جيدا أن الدين واحد وأنه كله لله ، وأن لا تخالف مطلقا إلاّ في الفروع أما الأصول فواحدة في كلّ دين سماوي وهي الإيمان بالله الواحد المعبود وحده وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعدم التفرق في الدين والإخلاص في النية ، والعمل عن بينة بما شرعه الله وحده على لسان رسله ومما بينه في كتبه .
وإليك نصا واحدا يبين لك فهم ابن تيمية فهما جيدا لهذه المسألة :
( كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، قال نوح: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:72]، وقال تعالى في حق إبراهيم : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[البقرة:130-132]، وقال يوسف عليه السلام: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف:101]، وقال موسى عليه السلام: (يَا قَوُم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ) [يونس:84-85]، وقال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) [المائدة:44]، وقال عن بلقيس : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [النمل:44]، وقال: ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) [المائدة:111]، وقال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) [آل عمران:19]، وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران:85]، وقال تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [آل عمران:83]. )

إنتهى كلام ابن تيمية بنصه ..
أفرأيت يا دكتور أنّ ابن ايمية يفهم جيدا أنّ الدين كلّه لله منذ بدء الخليقة واحد ن وأنّ الانبياء جميعهم مبعوثون بدين الإسلام ، أما وقد وضح هذا جيدا فيسقط الوجه الأول من نقد الدكتور ، والوحدة التي ينقدها ابن تيمية يا دكتور هي وحدة الصوفية القائمة على أساس أن الأديان كلها على إطلاقها واحد ، سواء منها الدين السماوي القائم على التوحيد ، أم الدين الوضعي القائم على الشرك والوثنية هذه هي الوحدة التي ينقدها الإمام ، أما الوحدة بالمعنى الصحيح كما بينها القرآن فها أنت ترى في النص الذي سقناه أن ابن تيمية يقرها ويجليها ، وشتان شتان بين هذه الوحدة وبين الوحدة عند الصوفية ، فابن الفارض يعترف بالمجوسية دينا صحيحا ، ويقر عبادة العجل والصنم وغيرهما من المخلوقات ويعتبرها عبادة لله ربّ العالمين ، وغلى هذا يتوجه نقد ابن تيمية أفتستطيع أن تبطل إذن نقد ابن تيمية الذي بينا لك إلى أين يتجه ؟!
أما أن تنقل نقده إلى معنى لا يقصده بل يقره هو ، وهو أن دين الله الذي بعث به كل رسله واحد فهذا ليس من سمة الباحث الذي ينشد الحق والحقيقة يا دكتور . أما الآيات التي حاول الدكتور الإستشهاد بها ليبرهن على صحة نظر ابن الفارض فنقول الىن إنها بالذات تدمغ ابن الفارض بالوثنية الجاحدة وموعدنا بمشيئة الله مناقشته فيما فهمه منها العدد المقبل .

.............................................

(1) (9/1380)
(2) ص (300) من كتاب ابن الفارض والحب الإلهي
(3) انظر دقة ابن تيمية في إيراد الحجج المنطقية الصادقة ، وليتأمل علماؤنا الذين يحقدون على ابن تيمية
(4) إذن ذكر ابن تيمية أنّ دين الرسل جميعا هو الإسلام العام فهو إذا قد نظر إلى الدين أنه واحد في أصله وهذا الذي ذكره الدكتور يرد على الدكتور زعمه فيما بعد
(5) (ص 301) من كتاب ابن الفارض والحب الإلهي
(6) أعني يوجد تناقض بين الأديان السماوية وبين الاديان الوضعية ويوجد تناقض بين بعض الأديان الوضعية وبين بعضها الآخر .
(7) ص (77-78) من كتاب العبودية لابن تيمية ط مطبعة السنة المحمدية 1947
__________________

العاصمي الجزائري
02-05-15, 12:47 PM
يرفع للفائد