المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على الأحباش


يوسف التازي
11-01-15, 01:51 AM
القواعد العامة في الاسماء والصّفات



القاعدة الأولى

إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه
أو أثبته له رسوله صلى الله عليه واله وسلم
من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل
لأن الله أعلم بنفسه من غيره
ورسوله صلى الله عليه واله وسلم أعلم الخلق بربه
مثل صفتي السمع والبصر


القاعدة الثانية
نفي مانفاه الله عن نفسه في كتابه
أو مانفاه عنه رسوله صلى الله عليه واله وسلم مع اعتقاد كمال ضده
لأن الله أعلم بنفسه من خلقه
ورسوله أعلم الناس بربه
مثل: نفي الموت يتضمن كمال حياته


القاعدة الثالثة
صفات الله تعالى توقيفيّة
فلا يثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه
أو أثبته له رسوله صلى الله عليه واله وسلم
ولا ينفى عن الله عز وجل إلا ما نفاه عن نفسه
أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه واله وسلم
لأنه لا أحد أعلم بالله من نفسه تعالى
ولا مخلوق أعلم بخالقه من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم

القاعدة الرابعة
التوقف في الألفاظ المجملة
التي لم يرد إثباتها ولانفيها
أما معناها فيستفصل عنه
فإن أريد به باطل ينزّه الله عنه فإننا نردّه
وإن أريد به حق لا يمتنع عن الله فإننا نقبله
مع بيان ما يدل على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية
والدعوة الى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث
مثل: لفظ (الجهة)..فإننا نتوقف في إثباتها ونفيها
ونسأل قائلها: ماذا تعني بالجهة..؟
فإن قال:أعني أن الله في مكان يحويه..!
قلنا: هذا معنى باطل ينزّه الله عنه ورددناه
وإن قال: أعني جهة العلو المطلق..
قلنا: هذا حق لايمتنع على الله وقبلنا منه المعنى
وقلنا له: لكن الأولى أن تقول: هو في السماء أو في العلو
كما وردت به الأدلة الصحيحة
وأما لفظ (جهة) فهي مجملة حادثة الأولى تركها


القاعدة الخامسة
كل صفة ثبتت بالنقل الصحيح
وافقت العقل الصريح ولابد

القاعدة السادسة
قطع الطمع
عن إدراك حقيقة الكيفية
لقوله تعالى:" ولايحيطون به علماً"


القاعدة السابعة
صفات الله عز وجل تثبت على وجه التفصيل
وتنفى على وجه الإجمال
فالإثبات المفصل
مثل
اثبات السمع والبصروالكلام والقدرة
وسائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة
والنفي المجمل
مثل
نفي المثلية في قوله تعالى " ليس كمثله شيء"


القاعدة الثامنة
كل اسم ثبت لله عز وجل فهو متضمن لصفة...ولا عكس
مثل
الرحمن متضمن صفة الرحمة
الكريم متضمن صفة الكرم
اللطيف متضمن صفة اللطف
وهكذا سائر الأسماء

لكن الصفات
مثل الإرادة الإتيان والاستواء
لانشتق منها أسماء
فلانقول المريد ولا نقول الاتي ولا نقول المستوي وهكذا...سائر الصفات


القاعدة التاسعة
صفات الله كلها صفات كمال
لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه

القاعدة العاشرة
صفات الله عز وجل ذاتية وفعلية
ذاتية مثل: الوجه
وفعلية مثل:الاستواء

والصفات الفعلية متعلقة بأفعاله
وأفعال الله لامنتهى لها "ويفعل الله ما يشاء"


القاعدة الحادية عشرة
دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة
إما التصريح بالصفة مثل : الرحمة ، العزة ، القوة ، الوجه ، اليدين
أو تضمن الإسم لها مثل: البصير متضمن صفة البصر والسميع متضمن صفة السمع
أو التصريح بفعلٍ أو وصفٍ دالٍّ عليها
مثل :"الرحمن على العرش استوى" دالّ على الإستواء
ومثل :"إنا من المجرمين منتقمون" دالّ على الإنتقام وهكذا

القاعدة الثانية عشرة
صفات الله عز وجل يستعاذ بها ويحلف بها
ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أعوذ برضاك من سخطك.."
وبوّب البخاري في كتاب الأيمان والنذور "باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته"


القاعدة الثالثة عشرة
الكلام في الصفات كالكلام في الذات
فكما أن ذاته حقيقية لاتشبه الذوات
فهي
متصفة بصفات حقيقية لاتشبه الصفات
وكما أن إثبات الذات إثبات وجود
لا إثبات كيفية
كذلك إثبات الصفات إثبات وجود
لاإثبات كيفية

القاعدة الرابعة عشرة
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
فمن أقرّبصفات الله كالسمع والبصر والإرادة
يلزمه أن يقرّ بحبة الله ورضاه وغضبه وكراهيته


القاعدة الخامسة عشرة
ما أضيف الى الله مما هو غير بائنٍ عنه
فهو صفة له غير مخلوقة
مثل : سمع الله وبصر الله ورضاه وسخطه..

وكل شيء أضيف الى الله بائن عنه
فهو مخلوق
مثل: بيت الله وناقة الله...
فليس كل ماأضيف الى الله يستلزم أن يكون صفة له

القاعدة السادسة عشرة
صفات الله عز وجل وسائر مسائل الإعتقاد
تثبت بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وإن كان حديثاً واحداً
وإن كان آحاداً

هذه القواعد هي عقيدة أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين
في صفات الله عز وجل مبثوثة في كتب السلف والحمد لله

القاعدة السابعة عشرة
معاني صفات عز وجل الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة
وتفسر على الحقيقة لامجاز ولا استعارة فيها البتّة
أما الكيفية فمنفية
القاعدة الثامنة عشرة
ما جاء في الكتاب أوالسنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به وإن لم يفهم معناه



هذا والله تعالى أجل وأعلم

يوسف التازي
11-01-15, 01:52 AM
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، اللهم فصل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم أجمعين صلاة وسلاما دائمين متلازمين أبد الآبدين آمين.

وبعد،

فهذا مختصر في عقيدة الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم ورضوانه، نتبين من خلاله بطلان قول كثير من أهل الزيغ والبدع - أخزاهم الله - الذين انتسبوا إلى بعض من الأئمة الأربعة كالماتريدية والأحباش وغيرهم، ونسبوا إليهم عقيدة التعطيل بالتأويل الباطل، وهذا فرية بلا مرية، ومن شك في ذلك، فليطالع "أصول البزدوي" و"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" و"روح المعاني" و"الفقه الأبسط" و"شرح العقيدة الطحاوية" و"الجواهر المنفية في شرح وصية الإمام" و"ذم الكلام" و"الصفات" و"الشريعة" و"الأعتقاد" و"التمهيد" و"عقيدة السلف أصحاب الحديث" و"الفتح" و"ترتيب المدارك" و"آداب الشافعي" و"الحلية" و"السنن الكبرى" و"الأسماء والصفات" و"شرح السنة" و"إثبات صفة العلو" و"العلو" و"مختصر العلو" و"مجموع الفتاوى" و"الرسالة" و"الانتقاء" و"اللسان" و"ذم التأويل" و"الطبقات" و"اجتماع الجيوش الاسلامية" و"السير" و"كتاب المحنة" و"مناقب الشافعي" و"السنة" و"سير أعلام النبلاء" و"تهذيب التهذيب" و"مناقب الإمام" و"درء تعارض العقل والنقل" و"طبقات الحنابلة" وأخيراً "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" يظهر له أن زعمه موقع له في خسران، وإن ليس كل من انتسب إلى الإمام أبي حنيفة وبقية أئمة أهل السنة والجماعة - رضوان الله عليهم - يعدُّ موافقاً له في أصول الدين وفروعه، بل هناك من كبار المبتدعة من انتسب إلى الإمام أبي حنيفة، وأبو حنيفة بريء منهم كبراءة الذئب من دم يوسف، فبالمقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي والماتريدية يظهر إنَّهما مختلفان في المنهج متباعدان في التطبيق في كثير من مسائل الاعتقاد. فلم يكن الماتريدي والماتريدية على منهج الإمام أبي حنيفة في الاعتقاد وإن انتسبوا إليه في الفروع، وإنه ليس من منهج الإمام أبي حنيفة نوع من التشبيه أو التعطيل، وكذلك لا يوجد في كلام الإمام تفويض مطلق، بل الذي في كلام أبي حنيفة تفويضٌ مقيَّدٌ بنفي العلم بالكيفيَّة فقط لا المعنى، فقد أثبت الإمام جميع الصفات: ذاتيَّة كانت أو فعليَّةً بدون تأويلٍ، أو تحريفٍ، وظلَّ ملتزماً بمنهجه هذا أثناء التطبيق؛ فأبى أن يُؤوِّل اليد بالقدرة أو النعمة، والرضا بالثواب، والغضب بالعقاب.
وكذلك يزعم الأحباش أنهم على مذهب الإمام الشافعي في الفقه والاعتقاد ولكنهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه، فهم يُأولون صفات الله تعالى بلا ضابط شرعي فيُأولون الاستواء بالاستيلاء كالمعتزلة والجهمية، والإمام الشافعي يثبت صفات الله بلا كيف ولا تعطيل، وهذا هو الصراط المستقيم في باب صفات الله إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل. فعقيدة الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضوان الله عليهم - اعتقاد واحدٌ في أصول الدين. و هذا جمع لنصوص الأئمة الأربعة الواضحة في بيان عقيدتهم ليعرف القارئ الكريم أنهم متفقون في باب الاعتقاد. والحمد لله الذي يسَّر وأعان على إتمام هذا، فللَّهِ وحده الفضل والمنَّة.

--------------------------------------------------------------------------------

إمام المسلمين أبو حنيفة النّعمان رضي الله عنه



ترجمة الإمام أبو حنيفة
هو النعمان بن ثابت بن زوطي, التيمي بالولاء. أبو حنيفة. فقيه العراق وإمام الحنفية وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. ولد ونشأ بالكوفة, ولما شب تلقى الفقه على حماد بن أبي سليمان الأشعري وسمع كثيرا من علماء التابعين وروى عنهم كعطاء ابن أبي رباح ونافع مولى ابن عمر والشعبي والزهري وغيرهم. وروى عنه جماعة منهم ابنه حماد وزفر والهذيل ومحمد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف القاضي وغيرهم. كان زاهدا ورعا, أراده يزيد بن هبيرة, أمير العراق, أيام مروان بن محمد أن يلي القضاء فأبى وأراده بعد ذلك المنصور العباسي على القضاء فامتنع وقال: لن أصلح للقضاء, فحلف عليه المنصور ليفعلن, فحلف أبو حنيفة أنه لن يفعل, فحبسه المنصور إلى أن مات, وقيل إنه قتله بالسم وقيل إنه توفي وهو يصلي. كان واسع العلم في كل العلوم الإسلامية وهو الذي تجرد لفرض المسائل وتقدير وقوعها وفرض أحكامها بالقياس وفرع للفقه فروعاً زاد في فروعه, وقد تبع أبا حنيفة جل الفقهاء بعده ففرضوا المسائل وقدروا وقوعها ثم بينوا أحكامها. وكان أبو حنيفة يتشدد في قبول الحديث ويتحرى عنه وعن رجاله, فلا يقبل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا رواه جماعة عن جماعة, أو إذا اتفق فقهاء الأمصار على العمل به . توفي في بغداد عن سبعين سنة. [الأعلام ج9 ص4، تاريخ بغداد ج13 ص323- 378، وفيات الأعيان ج5 ص405، المسعودي ج3 ص304، البداية والنهاية ج10 ص107، تذكرة الحفاظ ج1ص168 العبر ج1 ص214، النجوم الزاهرة ج2 ص12، مروج الذهب ج3 ص304، المعارف ص495، دائرة المعارف الإسلامية: مادة أبو حنيفة]

عقيدة الإمام أبو حنيفة في التوحيد:

1) قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه. [الفقه الأبسط ص56]

2) قال الإمام أبو حنيفة: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال… [الفقه الأكبر ص302]

3) قال البزدوي: العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسُّنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنُّة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة - رضي الله عنه - في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله. [أصول البزدوي ص3، كشف الأسرار هن أصول البزدوي ج1 ص7، 8]

4) قال الإمام أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله تعالى ربّ العالمين. [شرح العقيدة الطحاوية ج2 ص427 تحقيق د. التركي وجلاء العينين ص368]

5) سئل الإمام أبو حنيفة عن النزول الإلهي، فقال: ينزل بلا كيف. [عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، الأسماء والصفات للبيهقي ص456، وسكت عليه الكوثري، شرح الطحاوية ص245، شرح الفقه الأكبر للقاري ص60]

6) قال الملاَّ علي القاري بعد ذكره قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول…": اختاره إمامنا الأعظم – أي أبو حنيفة – وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات. فمعاني الصفات كلها معلومة وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذْ تَعقُّل الكيف فرع العلم لكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معلوم؛ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات. والعصمة النَّافعة من هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزهاً عن التشبيه، ونفيك منزَّهاً عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبَّهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبِّه، ومن قال استواء ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزه. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج8 ص251]

7) قال الإمام أبو حنيفة: ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأنَّ فيه إبطال صفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال. [الفقه الأكبر ص302]

8) قال الألوسي الحنفيُّ: أنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التَّشبيه والتجسيم. منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعيَّ، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزيُّ، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهُويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني.. [روح المعاني ج6 ص156]

9) قال الإمام أبو حنيفة: ولا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته... [الفقه الأكبر ص301]

10) قال الإمام أبو حنيفة: وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلَّم لا ككلامنا... [الفقه الأكبر ص302]

11) قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين. [الفقه الأبسط ص56]

12) قال الإمام أبو حنيفة: وصفاته الذاتية والفعلية: أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته. [الفقه الأكبر ص301]

13) قال الإمام أبو حنيفة: ولم يزل فاعلاً بفعله، والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق. [الفقه الأكبر ص301]

14) قال الإمام أبو حنيفة: من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض. [الفقه الأبسط ص49، مجموع الفتاوى لابن تيمية ج5 ص48، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص139، العلو للذهبي ص101، 102، العلو لابن قدامة ص116، شرح الطحاوية لابن أبي العز ص301]

15) قال الإمام أبو حنيفة للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده؟ قال: إن الله سبحانه وتعالى في السماء دون الأرض، فقال رجل: أرأيت قول الله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [سورة الحديد: الآية 4] قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه. [الأسماء والصفات ص429]

16) قال الإمام أبو حنيفة: والقرآن غير مخلوق. [الفقه الأكبر ص301]

17) قال الإمام أبو حنيفة: ونقر بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. [الجواهر المنفية في شرح وصية الإمام ص10]

18) قال الإمام أبو حنيفة: ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة. [شرح الوصية ص10]

--------------------------------------------------------------------------------

الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه



ترجمة الإمام مالك
هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، ينتهي نسبه إلى ذي أصبح، وهي قبيلة من اليمن. أبو عبد الله. قدم أحد أجداده من اليمن إلى المدينة وسكنها، وكان جده أبو عامر من أصحاب رسول الله، شهد معه المغازي كلها ما عدا بدرا. هو أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية. أخذ العلم عن نافع مولى عبد الله بن عمر، وأخذه عن ابن شهاب الزهري، وأما شيخه في الفقه فهو ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي. كان مالك إماما في الحديث، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان رجلا مهيبا، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط. حدث عنه كثير من الأئمة، منهم ابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي. قال البخاري. أصح الأحاديث عن مالك عن نافع عن ابن عمر. كان يعتمد في فتياه على كتاب الله ثم على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما ثبت عنده منهما، وكان يعطي لما جرى عليه العمل في المدينة أهمية كبرى، ولا سيما عمل الأئمة وفي مقدمتهم الشيخان: أبو بكر وعمر. حمل إلى جعفر بن سليمان العباسي، والي المدينة فضربه سبعين سوطا لأنه أفتى بعدم لزوم طلاق المكره، وهي فتوى ذات وجه سياسي، لأنها تسري إلى أيمان البيعة التي أحدثوها، وكانو يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند المبايعة، فرأوا أن فتوى مالك تنقض البيعة وتهون الثورة عليهم. سئل مالك عن البغاة أيجوز قتالهم؟ فقال: يجوز قتالهم إن خرجوا على خليفة مثل عمر بن عبد العزيز، فقيل له: إن لم يكن مثله، قال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما، فكانت هذه الفتوى سبب محنته. استند في إبطال يمين المكره على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ‌‌‌‌‌‌‌‌‌ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه. ولما بلغ الخليفة ما فعل والي المدينة بمالك أنكره وعزل جعفر بن سليمان عن المدينة وأمر أن يؤتى به إلى بغداد محمولا على قتب (أي على جمل) . ثم لقي المنصور مالكا في موسم الحج سنة 163هـ واجتمع به في منى واعتذر إليه وطلب منه أن يدون علمه في كتاب يتجنب فيه شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشواذ عبد الله بن مسعود، وأن يقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه من الأئمة والصحابة، وأمر له بألف دينار وكسوة، فصنف مالك الموطأ وهو أول كتاب ظهر في الفقه الإسلامي. ومن كتبه (المدونة) وهي مجموعة رسائل من فقه مالك جمعها تلميذه أسد بن الفرات أقام مالك بالمدينة ولم يرحل منها إلى بلد آخر، وقد وجه إليه الرشيد ليأتيه فيحدثه، فقال: العلم يؤتى، فقصده الرشيد إلى منزله، وجلس بين يديه فحدثه. أكثر من رحل إليه المصريون والمغربيون من أهل أفريقية والأندلس، وهم الذين نشروا مذهبه في شمال أفريقية وفي الأندلس، ثم ظهر مذهبه في البصرة وبغداد وخراسان بواسطة فقهاء رحلوا إليه من تلك البلاد. توفي في المدينة عن 86 عاما ودفن بالبقيع. [الأعلام ج6 ص128، البداية والنهاية ج10 ص174، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج2 ص178-180، تذكرة الحفاظ ج1 ص207، شذرات الذهب ج1 ص289، الفهرست ص 286، وفيات الأعيان ج4 ص135، المعارف ص 498]

عقيدة الإمام مالك في التوحيد:

1) سئل مالك عن الكلام والتوحيد؛ فقال مالك: محال أن يُظنَّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علَّم أمَّته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فما عُصم به المال والدم حقيقة التوحيد. [ذم الكلام ق - 210]

2) عن وليد بن مسلم قال: سألت مالكاً، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات؛ فقالوا أمِرّوها كما جاءت. [الصفات للدارقطني ص75، الشريعة للآجري ص314، الأعتقاد للبيهقي ص118، التمهيد لابن عبد البر ج7 ص149]

3) قال ابن عبد البر: سئل مالك أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم يقول الله عزَّ وجلَّ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: الآيتان 22، 23] وقال لقوم آخرين: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15]. [الانتقاء ص36]

4) عن ابن نافع، وأشهب، وأحدهما قال: يزيد على الآخر: يا أبا عبد الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: الآيتان 22، 23]، ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين؛ فقلت له: فإن قوماً يقولون: لا ينظر إلى الله، إنَّ {نَاظِرَةٌ} بمعنى منتظرة الثواب. قال: كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [سورة الأعراف: الآية 143] أفترى موسى سأل ربه محالاً؟ فقال الله: {لَن تَرَانِي} [سورة الأعراف: الآية 143] أي في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما يبقى بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى وقال الله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15]. [ترتيب المدارك للقاضي عياض ج2 ص42]

5) عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: الآية 5] كيف استوى؟ فما وجد - جاء في لسان العرب ج3 ص446: وجد عليه في الغضب يُجِدُ وجداً ومَوْجِدَة ووجداناً غضب، وفي حديث الإيمان، إني سائلك فلا تجد عليَّ أي لا تغضب من سؤالي - مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعودٍ في يده علاه الرحضاء - يعني العرق - ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج. [الحلية لابي نعيم ج6 ص325، عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني ص17-18، التمهيد ج7 ص151، الأسماء والصفات للبيهقي ص407، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ج13 ص406، 407: إسناده جيد. وصححه الذهبي في العلو ص103]

6) عن يحيى بن الربيع قال: كنت عند مالك ابن أنس، ودخل عليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق فاقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلاماً سمعته. فقال: لم أسمعه من أحد، إنما سمعته منك، وعظَّم هذا القول. [الحلية لابي نعيم ج6 ص325، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج1 ص249، ترتيب المدارك للقاضي عياض ج2 ص44]

7) عن عبد الله بن نافع قال: كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق، يوجع ضرباً، ويحبس حتى يتوب. [الانتقاء ص35]

8) عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان. [مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص263، السنة لعبد الله بن أحمد ص11 (الطبعة القديمة)، التمهيد لابن عبد البر ج7 ص138]

--------------------------------------------------------------------------------

الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه



ترجمة الإمام الشافعي
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي، بن عبد المطلب بن مناف. أبو عبد الله. موطن أبيه مكة خرج أبوه إلى غزة فولد له ابنه محمد، فعادت به أمه إلى مكة وهي يمانية من الأزد، وهو ابن سنتين بعد وفاة أبيه. استظهر القرآن في صباه، ثم خرج إلى قبيلة هذيل بالبادية، وكانوا من أفصح العرب، فحفظ كثيرا من أشعارهم، ثم عاد إلى مكة وقد أفاد فصاحة وأدبا. لزم مكة وقرأ على مسلم بن خالد الزنجي، وهو يومئذ شيخ الحرم المكي ومفتيه، حتى أذن له أن يفتي. ثم أتى الإمام مالكا في المدينة فقرأ عليه الموطأ فاكتسب فقها من مسلم وحديثا من مالك. رحل إلى اليمن وولي عملا لقاضيها مصعب بن عبد الله القرشي، وكانت اليمن مهدا لكثير من الشيعة، فاتهم بالتشيع، وكان الخليفة آنئذ هارون الرشيد، فحمل إليه، وهو في مدينة الرقة مع جماعة من المتهمين، وقد تعرض بهذه التهمة لخطر شديد، لولا لطف الله ثم شفاعة الحاجب الرشيد الفضل بن الربيع، فدافع عنه حتى أثبت براءته، وتكلم الشافعي أمام الرشيد فأعجب به وأمر بإطلاقه ووصله، وكان ذلك عام 184 هـ. انتهز الشافعي فرصة وجوده بالعراق فدخل بغداد واتصل بمحمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، فأنزله عنده وأخذ الشافعي عنه واطلع على كتب فقهاء العراق واكتسب من فقههم، فجمع بين طريقة الفقهاء وطريقة أهل الحديث وكانت له مناظرات مع محمد بن الحسن مملوءة بكتب الشافعي. عاد بعد ذلك إلى مكة وكانت محجة العلماء من سائر الأقاليم، فاستفاد وأفاد وناظر وأخذ عنه كثيرون، ثم رحل إلى بغداد سنة 195 هـ في خلافة الأمين، وأخذ عنه علماء العراق، وأملى هناك كتبه في مذهبه (العراقي أو القديم) ، واجتمع بعلماء بغداد وأئمتها ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، ثم عاد إلى مكة وقد انتشر ذكره في بغداد وانتحل طريقته كثير من علمائها. في سنة 198 هـ عاد إلى العراق في رحلته الثالثة إليه، ومكث في العراق قليلا وسافر منه إلى مصر، فنزل بالفسطاط ضيفا على عبد الله بن عبد الحكم، وكان من أصحاب مالك، وكانت طريقة مالك منتشرة بين المصريين، وفي مصر صنف كتاب (الأم) وهو من كتبه الجديدة التي أملاها مع كتابه (الرسالة) في الأصول. والشافعي هو أحد الأئمة الأربعة. وقد نشر مذهبه بنفسه بما قام به من رحلات، وهو الذي كتب كتبه بنفسه وأملاها على تلاميذه ولم يعرف هذا لغيره من كبار الأئمة. والشافعي شاعر مقل، قريب المعاني، سهل الأسلوب، نجد في بعض مقطوعاته روح الشاعر. هو أول من صنف في أصول الفقه وأول من قرر ناسخ الحديث من منسوخه. من تصانيفه: كتاب الأم، رسالة في أصول الفقه، سبيل النجاة، ديوان شعره وغير ذلك. توفي في مصر عن 54 سنة. [الأعلام ج6 ص249، تاريخ بغداد ج2 ص56-73، وفيات الأعيان ج4 ص163، تذكرة الحفاظ ج1 ص361، شذرات الذهب ج2 ص9، حسن المحاضرة ج1 ص303، البداية والنهاية ج10 ص251، العبر ج1 ص243، حلية الأولياء ج9 ص63، طبقات الشافعية ص 6، معجم الأدباء ج6 ص367، الفهرست ص294]

عقيدة الإمام الشافعي في التوحيد:

1) عن الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: من حلف باللهِ، أو باسم من أسمائه، فحنث؛ فعليه الكفارة. ومن حلف بشيء غير اللهِ، مثل أن يقول الرجل: والكعبة، وأبي، وكذا وكذا ما كان، فحنث؛ فلا كفارة عليه. ومثل ذلك قوله: لعمري.. لا كفارة عليه. ويمين بغير اللهِ فهي مكروهة، منهي عنها من قبل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: إن اللهَ عزَّ وجلَّ نهاكم أن تحلِفوا بأبائكم، فمن كان حالفاً فليحلِف بالله أو ليسكت. [مناقب الشافعي ج1 ص405] وعلل الشافعي ذلك بأن أسماء اللهِ غير مخلوقة؛ فمن حلف باسم اللهِ، فحنث؛ فعليه الكفارة. [آداب الشافعي لابن أبي حاتم ص193، الحلية لابي نعيم ج9 ص112، السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص28، الأسماء والصفات للبيهقي ص255، 256، شرح السنة للبغوي ج1 ص188، والعلو للذهبي ص121، ومختصره للألباني ص77]

2) عن الشافعي أنه قال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها، أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم مثل سفيان، ومالك، وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن اللهَ تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء. [اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص165، إثبات صفة العلو ص124، مجموع الفتاوى ج4 ص181-183، والعلو للذهبي ص120، ومختصره للألباني ص176]

3) عن المزني قال: قلت إن كان أحد يخرج ما في ضميري، وما تعلَّق به خاطري من أمر التوحيد؛ فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه، قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق اللهُ فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: أتدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، ممَّ خُلِق؟ قلت: لا، قال: فشيءٌ تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرَّعها على أربعة أوجهٍ، فلم أصب في شيء منه، فقال: شيءٌ تحتاج إليه في اليوم خمس مرات؛ تدع عِلْمَهُ وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك. فارجع إلى قول اللهِ تعالى: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ {163} إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ} [سورة البقرة: الآيتان 163، 164] فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك. [سير أعلام النبلاء ج10 ص31]

4) عن يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المُسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة. [الانتقاء ص79، مجموع الفتاوى ج6 ص187]

5) قال الشافعي في كتابه الرسالة: والحمد لله... الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. [الرسالة ص7، 8]

6) عن الشافعي أنه قال: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى عن نفسه، فقال: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: الآية 11] [السير للذهبي ج20 ص341]

7) عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول في قول الله عزَّ وجلَّ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15] أعلمنا بذلك أن ثم قوماً غير محجوبين، ينظرون إليه، لا يضامون في رؤيته. [الانتقاء ص79]

8) عن الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد ابن إدريس الشافعي، جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15] قال الشافعي: فلما حجبوا هؤلاء في السخط؛ كان هذا دليلاً على أنه يرونه في الرضا. قال الربيع: قلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم به أدين اللهَ. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج2 ص506]

9) عن الجارودي قال: ذُكر عند الشافعي، إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة [قال عنه الذهبي: جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن. ميزان الاعتدال ج1 ص20، وانظر ترجمته في لسان الميزان ج1 ص34، 35] فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قوله لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى عليه السلام تكليماً من وراء حجاب، وذاك يقول لا إله إلا اللهُ الذي خلق كلاماً أسمعه موسى من وراء حجاب. [الانتقاء ص79، والقصة ذكرها الحافظ عن مناقب الشافعي للبيهقي، اللسان ج1 ص35]

10) عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج1 ص252]

11) عن أبي محمد الزبيري قال: قال رجل للشافعي، أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا، قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم، قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقر بأن القرآن كلام الله؟ قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة، قال الله تعالى ذكره: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} [سورة التوبة: الآية 6] {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [سورة النساء: الآية 164] قال الشافعي: فتقر بأن الله كان، وكان كلامه؟ أو كان الله، ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله، وكان كلامه. قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرُّون بأن الله كان قبل القبل، وكان كلامه. فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللهُ، أو سوى اللهِ، أو غير اللهِ، أو دون اللهِ؟ قال: فسكت الرجل وخرج. [مناقب الشافعي ج1 ص407، 408]

12) وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي - من رواية أبي طالب العُشاري - ما نصه قال: وقد سئل عن صفات الله عزَّ وجلَّ، وما ينبغي أن يؤمن به، فقال: للهِ تبارك وتعالى أسماء وصفات، جاء بها كتابه وخبَّر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أمته، لا يسع أحداً من خلق الله عزَّ وجلَّ قامت لديه الحجَّة أن القرآن نزل به، وصحَّ عنده قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عنه، العدل خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجَّة عليه، فهو كافر بالله عزَّ وجلَّ. فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر؛ فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالدراية والفكر. ونحو ذلك إخبار الله عزَّ وجلَّ أنه سميع وأن لد يدين بقوله عزَّ وجلَّ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [سورة المائدة: الآية 64] وأن له يميناً بقوله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [سورة الزمر: الآية 67] وأن له وجهاً بقوله عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: الآية 88] وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن: الآية 27] وأن له قدماً بقوله - صلى الله عليه وسلم: "حتى يضع الرب عزَّ وجلَّ فيها قدَمه." يعني جهنم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للذي قُتِل في سبيل الله عزَّ وجلَّ أنه: "لقي الله عزَّ وجلَّ وهو يضحك إليه." وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا، بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وأنه ليس بأعور لقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور"، وأن المؤمنين يرون ربهم عزَّ وجلَّ يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له إصبعاً بقوله - صلى الله عليه وسلم: "ما من قلب إلاَّ هو بين إصبعين من أصابع الرحمن عزَّ وجلَّ" وإن هذه المعاني التي وصف الله عزَّ وجلَّ بها نفسه، ووصفه بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تُدرَك حقيقتها تلك بالفكر والدراية، ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه به، وإن كان الوارد بذلك خبراً يقول في الفهم مقام المشاهدة في السَّماع؛ وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ولكن نثبت هذه الصفات، وننفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى: الآية 11]... آخر الاعتقاد. [ذم التأويل لابن قدامة ص124، الطبقات لابن أبي يعلى ج1 ص283، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص165، السير للذهبي ج10 ص79]

--------------------------------------------------------------------------------

الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه



ترجمة الإمام أحمد بن حنبل
هو أحمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني المروزي البغدادي. أبو عبد الله. أصله من مرو ولد في بغداد وفيها تعلم. رحل إلى الكوفة و البصرة وإلى الشام والحجاز واليمن، وعني في هذه الأسفار بطلب الحديث، ثم عاد إلى بغداد. ولما قدم الشافعي إلى بغداد تفقه عليه، ثم اجتهد لنفسه. صاحب المذهب الحنبلي والإمام في الحديث والفقه. وقف وقفته المشهورة في المحنة بخلق القرآن، وتزعم الفريق الذي عارض هذه الفكرة واحتمل مع أصحابه كثيرا من الأذى والضرر، فقد أمر المعتصم بضربه بالسياط، فضرب حتى تمزق جسمه وحبس نحو ثمانية وعشرين شهراً وهو في العذاب، ثابت محتسب، فلما علموا أنه لا يجيب أطلقوا سراحه. في عهد الخليفة الواثق بالله منع من الفتيا وأمر أن يختفي، فلزم بيته حتى مات الواثق فارتفعت المحنة في عهد الخليفة المتوكل وتلاشت فكرة خلق القرآن وقد أظهر المتوكل إكرامه له، فاستدعاه إليه وأكرمه وأمر له بجائزة كبيرة فلم يقبلها، وخلع عليه خلعة سنية فاستحيا منه أحمد فلبسها إلى الموضع الذي كان نازلا فيه، ثم نزعها نزعاً عنيفاً وهو يبكي، وجعل المتوكل يرسل إليه في كل يوم من طعامه الخاص ويظن أنه يأكل منه، ولكنه كان صائماً طاوياً تلك الأيام حتى غادر سامراء وعاد إلى بغداد. سمع الحديث من أكابر المحدثين وشيوخ بغداد وروى عنه البخاري ومسلم وطبقتهما، وكان إمام أهل الحديث في عصره، وعداده في رجال الحديث أثبت منه في عداد الفقهاء. من تصانيفه: المسند ويحتوي على نيف وأربعين ألف حديث. كتاب طاعة الرسول. كتاب الناسخ والمنسوخ. كتاب العلل، كتاب الجرح والتعديل، وغير ذلك. توفي عن 77 سنة. [الأعلام ج1 ص192، تاريخ بغداد ج4 ص412، البداية والنهاية ج10 ص316، شذرات الذهب ج2 ص96، وفيات الأعيان ج1 ص63، العبر ج1 ص435، الفهرست ص320، دائرة المعارف الإسلامية: مادة ابن حنبل]

عقيدة الإمام أحمد بن حنبل في التوحيد:

1) إن الإمام أحمد سئل عن التوكل، فقال: قطع الاستشراف بالإياس من الخلق. [طبقات الحنابلة ج1 ص416]

2) قال الإمام أحمد: لم يزل الله عزَّ وجلَّ متكلماً، والقرآن كلام الله عزَّ وجلَّ، غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيءٍ أكثر مما وصف به نفسه، عزَّ وجلَّ. [كتاب المحنة لحنبل ص68]

3) عن أبي بكر المروذي قال: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها، وقال: تلقتها الأمة بالقبول وتمر الأخبار كما جاءت. [مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص182]

4) قال عبد الله بن أحمد: إن أحمد قال: من زعم أن الله لا يتكلم فهو كافر، إلاَّ أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت. [طبقات الحنابلة ج1 ص56]

5) عن حنبل أنه سأل الإمام أحمد عن الرؤية فقال: أحاديث صحاح، نؤمن بها، ونقر، وكل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج2 ص507، السنة ص71]

6) أورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدَّد وفيه: صفوا الله بما وصف به نفسه، وانفُوا عن الله ما نفاه عن نفسه... [سير أعلام النبلاء ج10 ص591، تهذيب التهذيب ج10 ص107]

7) قال الإمام أحمد: وزعم - جهم بن صفوان - أن من وصف الله بشيءٍ مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدَّث عنه رسوله كان كافراً وكان من المشبِّهة. [مناقب الإمام أحمد ص221]

8) قال الإمام أحمد: نحن نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات اللهِ منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار. [درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ج2 ص30]

9) قال الإمام أحمد: من زعم أن اللهَ لا يُرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن. [طبقات الحنابلة ج1 ص59، 145]

10) عن عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم اللهُ موسى، لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم اللهُ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت. [طبقات الحنابلة ج1 ص185]

11) عن عبدوس بن مالك العطار، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ... والقرآن كلام اللهِ، وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق؛ فإن كلام اللهِ منه، وليس منه شيء مخلوق. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج1 ص157]

--------------------------------------------------------------------------------

نسأل الله أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يوفقنا جميعاً لهدي كتابه والسير على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


عن الشيخ أبو إبراهيم الرئيسي العماني بتصرف

يوسف التازي
11-01-15, 01:53 AM
إليكم بعض النصوص عن السلف الصالح وأهل العلم

في إثبات علو الله تعالى على عرشه وأنه فوق سماواته


- 1 حميد بن ثور , أبو المثنى الهلالي , ممن أدرك النبي صلى الله عليه و سلم , روى الزبير بن بكار عن أبيه أن حميد بن ثور وفد على بعض بني أمية فقيل ما جاء بك فقال :أتاكَ بي الله الذي فوق عرشه ** وخيرٌ ومعروفٌ عليك دليل. تاريخ الإسلام حوادث ووفيات 60 – 81 هـ , ص / 111

- 2 الصحابي الجليل إبن عباس – رضي الله عنهما - حيث روى إنه دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تموت فقال لها كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يحب إلا طيباً وأنزل براءتك من فوق سبع سماوات . أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية بسند حسن .

- 3وقال أيضا : في قوله تعالى ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ: لم يستطع أن يقول من فوقهم ؛ علم أن الله من فوقهم . رواه اللالكائي في شرح أصول السنة بسند حسن.

- 4أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها . عن أنس رضي الله عنه أنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات . أخرجه البخاري .

- 5 قال الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه : العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات بسند حسن.

- 6 قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : وأيم الله إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقتلت – تعني عثمان – ولكن علم الله من فوق عرشه إني لم أحب قتله . أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية بسند صحيح.

- 7 الصحابي الجليل عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما . عن زيد بن أسلم قال : مر ابن عمر براعٍ فقال هل من جزرة فقال : ليس هاهنا ربها فقال ابن عمر : تقول له أكلها الذئب , قال : فرفع رأسه إلى السماء و قال : فأين الله ؟ فقال ابن عمر أنا والله أحق أن أقول اين الله فاشترى الراعي والغنم فأعتقه وأعطاه الغنم . أخرجه الذهبي في العلو .

- 8 التابعي الجليل مسروق . كان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها , قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرئة من فوق سبع سماوات . أخرجه الذهبي في العلو وقال إسناده صحيح .

- 9 قال سليمان التيمي رحمه الله : لو سئلت أين الله لقلت في السماء . أخرجه الذهبي في العلو .

- 10 قال عالم خراسان مقاتل بن حيان ت قبل 150 هـ في قوله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ( المجادلة آية 7 ) : هو على عرشه وعلمه معه . أخرجه أبو داود في مسائله ص / 263 بسند حسن .

- 11 قال الإمام أبو حنيفة: ت 150هـ : من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض. الفقه الأبسط ص49، مجموع الفتاوى لابن تيمية ج5 ص48، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص139، العلو للذهبي ص101، 102، العلو لابن قدامة ص116، شرح الطحاوية لابن أبي العز ص301

- 12قال عالم الشام الإمام الأوزاعي ت 157 هـ : كنا والتابعون متوافرون نقول : ( إن الله عز وجل على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته ) . أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وصححه الذهبي في تذكرة الحفاظ 1/182 .

- 13الامام الكبير سفيان الثوري ت ( 161 هـ ) قال معدان : سألت سفيان الثوري عن قوله عز وجل ( وهو معكم أينما كنتم ) قال : علمه .
أخرجه الذهبي في السير وإسناده صحيح .
قلت : كان الجهمية الاوائل يقولون ان الله في كل مكان - تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا - و يستدلون بآيات المعية !! فلما سُئل الامام الثوري اجاب بأن المعية هنا بالعلم , و الامام الثوري يقر بأن الله فوق عرشه قطعا كما نقل ذلك الامام السجزي حيث قال : ( وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان ) الابانة للسجزي

- 14 قال الإمام مالك ت 179 هـ : الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء . أخرجه أبو داوود في مسائله ص / 263 بسند صحيح.

- 15قال الإمام حماد بن زيد ( ت 179 هـ ) : إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله – يعني الجهمية - ( أخرجه الذهبي في العلو بسند صحيح (

- 16شيخ الإسلام عبدالله ابن المبارك ت 181 هـ قال علي بن حسن بن شقيق : قلت لعبدالله بن المبارك : كيف نعرف ربنا عز وجل ؟ قال : بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه . أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية بسند صحيح ص / 67 .

- 17 الامام جرير الضبي محدث الري ت 188 هـ قال جرير بن عبدالحميد رحمه الله : كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله . أخرجه الذهبي في العلو بسند جيد .

- 18 قال الإمام عبدالرحمن بن مهدي ت 198 هـ : أن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى , وأن يكون على العرش , أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم . أخرجه الذهبي في العلو وقال نقله غير واحد بإسناد صحيح.

- 19أبو معاذ البلخي ت 199 هـ قال أبو قدامة السرخسي : سمعت أبا معاذ خالد بن سليمان بفرغانة يقول : كان جهم على معبر ترمذ , وكان فصيح اللسان ولم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم فكلم السمنية فقالوا له صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج منه , ثم خرج إليهم بعد أيام فقال : هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء فقال أبو معاذ البلخي رحمه الله : كذب عدو الله بل الله عز وجل على العرش كما وصف نفسه. أخرجه الذهبي في العلو بسند صحيح.

- 20 الامام منصور بن عمار ت 200 هـ . كتب بشر المريسي إلى منصور بن عمار يسأله عن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ فكتب إليه استواؤه غير محدود والجواب به تكلف , مساءلتك عنه بدعة , والإيمان بجملة ذلك واجب . تاريخ الإسلام حوادث ووفيات ( 191 – 200 هـ ) ص / 413 .

- 21الإمام الشافعي ت 204 هـ. قال رحمه الله : القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها , أهل الحديث الذين رأيتهم فأخذت عنهم مثل : سفيان ومالك وغيرهما : الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله , وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء . وصية الإمام الشافعي ص / 53 – 54

- 22وقال أيضاً : وأن الله عز وجل يرى في الآخرة ينظر إليه المؤمنين أعياناً جهاراً ويسمعون كلامه وأنه فوق العرش . وصية الإمام الشافعي ص / 38 – 39

- 23قال يزيد بن هارون الواسطي ت 206 هـ : من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي . أخرجه أبو داوود في المسائل ص / 268 بسند جيد .

- 24ذكر الامام سعيد بن عامر الضبعي ت 208 هـ الجهمية فقال : هم شر قول من اليهود والنصارى , قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين , على أن الله عز وجل على العرش وقالوا هم ليس على شيء . كتاب العلو للذهبي

- 25 الامام القعنبي ت 221 هـ . قال بنان بن أحمد كنا عند القعنبي رحمه الله فسمع رجلاً من الجهمية يقول : ( الرحمن على العرش استوى ) فقال القعنبي من لا يوقن أن الرحمن على العرش استوى كما يقر في قلوب العامة فهو جهمي . كتاب العلو للذهبي

- 26الامام عاصم بن علي – شيخ الإمام البخاري – ت ( 221 هـ ) . قال رحمه الله : ناظرت جهماً فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء رباً . كتاب العلو

- 27 الامام هاشم بن عبيد الله الرازي ت 221 هـ . قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي سمعت أبي يقول : سمعت هشام بن عبيدالله الرازي – وحبس رجلاً في التجهم فتاب فجىء به إليه ليمتحنه – فقال له : أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه ؟ فقال لا أدري ما بائن من خلقه , فقال : ردوه فإنه لم يتب بعد . العلو

- 28 بشر الحافي ت 227 هـ قال حمزة بن دهقان قلت لبشر بن الحارث أحب أن اخلوا معك , قال : إذا شئت فيكون يوماً فرأيته قد دخل قبةً فصلى فيها أربعة ركعات لا أحسن أصلي مثلها فسمعته يقول في سجوده : اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الذل أحب إلي من الشرف , اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الفقر أحب إلي من الغنى , اللهم إنك تعلم فوق عرشك أني لا أؤثر على حبك شيئاً , فلما سمعته أخذنا الشهيق والبكاء فقال : اللهم إنك تعلم أني لو أعلم إن هذا هاهنا لم أتكلم . السير 10 / ص 473.

- 29 قال محمد بن مصعب العابد ( ت 228 هـ ) : من زعم انك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك , أشهد أنك فوق العرش , فوق سبع سماوات , ليس كما تقولوا أعداء الله الزنادقة . أخرجه الذهبي في العلو بسند صحيح .

- 30قال الامام الحافظ نعيم بن حماد الخزاعي ت 228 هـ : أخبرنا أبو صفوان الأموي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال قال الله في التوراة أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي لا يخفى علي شيء من أمر عبادي في سمائي ولا أرضي وإلي مرجع خلقي فأنبئهم بما خفي عليهم من علمي أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي وأعاقب من شئت بعقابي

- 31الامام لغوي زمانه أبو عبدالله ابن الأعرابي ت 231 هـ . قال داوود بن علي كنا عند ابن الأعرابي فآتاه رجل فقال : يا أبا عبدالله ما معنى قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) , قال : هو على عرشه كما هو , فقال الرجل ليس كذلك ! إنما معناه استولى , فقال : اسكت ما يدريك ما هذا , العرب لا تقول للرجل استولى على شيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل استولى والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر . ثم قال الإستيلاء بعد المغالبة . أخرجه الذهبي في العلو وصححه الألباني .

- 32 أبو معمر القطيعي ت 236 هـ قال رحمه الله : آخر كلام الجهمية انه ليس في السماء إله . أخرجه الذهبي في العلو

- 33 قال الامام الحافظ إسحاق بن راهويه - شيخ البخاري و مسلم - ( ت 238 هـ ) : قال الله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى , ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة . العلو ص / 1128.

- 34 قال الامام قتيبة بن سعيد 240 هـ : هذا قول الأئمة في الإسلام السنة والجماعة : نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال جل وعلى الرحمن على العرش استوى .

- 35قال الإمام أحمد بن حنبل ت 241 هـ في الرد على الجهمية : فَقُلْنَا لِهمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ, وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: الرحمن على العرش استوى
وقال : خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش

- 36و قال في موضع اخر : و قد اخبرنا انه في السماء فقال أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا
وقال : إليه يصعد الكلم الطيب
وقال : إني متوفيك ورافعك إلي
وقال : بل رفعه الله إليه
وقال : يخافون ربهم من فوقهم
وقال : وهو القاهر فوق عباده
وقال : وهو العلي العظيم
فَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ, أَخْبَرَنَا أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ, وَوَجَدْنَا كُلَّ شَيْءٍ أَسْفَلَ مِنْهُ مَذْمُومًا, يَقُولُ اللَّهُ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار). الرد على الجهمية و الزنادقة

- 37و ايضا : قال ابو بكر الأثرم وحدثني محمد بن ابراهيم القيسي قال قلت لأحمد ابن حنبل يحكى عن ابن المبارك انه قيل له كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه قال احمد هكذا هو عندنا. اثبات صفة العلو للحافظ ابن قدامة


-38قال الإمام الرباني محمد بن أسلم الطوسي ت 242 هـ : قال لي عبد الله بن طاهر بلغني أنك ترفع رأسك إلى السماء فقلت ولم ؟ وهل أرجوا الخير إلا ممن هو في السماء . أخرجه الذهبي في العلو .

- 39قال الزاهد الحارث بن أسد المحاسبي ت 243 هـ : وأما قوله : )الرحمن على العرش استوى ) ( وهو القاهر فوق عباده ) و ( أأمنتم من في السماء(- و ساق أدلة الفوقية و العلو - ثم قال : وهذه توجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها متنزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد به بنفسه فوق عباده لأنه قال ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) يعني فوق العرش والعرش على السماء لأن من كان فوق كل شيء على السماء في السماء . كتاب العقل و فهم القرآن ص 355 , تحقيق القوتلي

- 40قال الامام الكبير عبدالوهاب الوراق ت 250 هـ : من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث , أن الله عز وجل فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة. العلو .
عقب الامام الذهبي بقوله : كان عبد الوهاب ثقة حافظا كبير القدر حدث عنه أبو داود والنسائي والترمذي قيل للإمام أحمد رضي الله عنه من نسأل بعدك فقال سلوا عبد الوهاب وأثنى عليه

- 41 قال الإمام الحافظ الحجة أبو عاصم خشيش بن أصرم المتوفى سنة 253 للهجرة - شيخ أبي داود والنسائي - في كتابه الإستقامة : وأنكر جهم أن يكون الله في السماء دون الأرض ، وقد دل في كتابه أنه في السماء دون الأرض:
بقوله: ((إني متوفيك ورافعك إلي وطهرك من الذين كفروا)) وقوله : ((وما قتلوه يقيناً((
وقوله : ((بل رفعه الله إليه((
وقال: ((يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه((
وقوله : ((إليه يصعد الكلم الطيب((
وذكر أكثر من 75 دليل من القرآن مثل ((ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور . أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا)) ثم قال:
لو كان في الأرض كما هو في السماء لم ينزل من السماء إلى الأرض شيء ولكان يصعد من الأرض إلى السماء كما ينزل من الأرض إلى السماء ، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله في السماء دون الأرض ثم ذكر أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. نقله بنصه الملطي الشافعي مرتضياً له في التنبيه والرد ص104.

- 42الامام البخاري ت256هـ : قال رحمه الله في آخر الجامع الصحيح في كتاب الرد على الجهمية باب قوله تعالى وكان عرشه على الماء :
قال أبو العالية استوى إلى السماء إرتفع
وقال مجاهد في استوى علا على العرش

- 43و قال ايضا في كتابه خلق أفعال العباد - باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله
- قال : حماد بن زيد : "القرآن كلام الله نزل به جبرائيل، ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله" ص8

- قال ابن المبارك : "لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا، بل على العرش استوى" وقيل له : كيف تعرف ربنا ؟ قال : " فوق سماواته على عرشه " ص8

- قال سعيد بن عامر : " الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم : ليس على شيء " ص9

- 44 إمام خراسان الذهلي ( ت 258 هـ ) : قال الحاكم قرأت بخط أبي عمرو المستملي سئل محمد بن يحيى عن حديث عبد الله بن معاوية عن النبي ليعلم العبد أن الله معه حيث كان فقال يريد أن الله علمه محيط بكل ما كان وا لله على العرش . العلو للذهبي ص186

- 45إمام خراسان الامام الذهلي ت 258 هـ : قال الحاكم قرأت بخط أبي عمرو المستملي سئل محمد بن يحيى عن حديث عبد الله بن معاوية عن النبي ليعلم العبد أن الله معه حيث كان فقال يريد أن الله علمه محيط بكل ما كان والله على العرش . العلو للذهبي ص186

- 46الامام الكبير أبو زرعة الرازي ت 264 هـ قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين , وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان في ذلك فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار – حجازاً وعراقاً ويمناً – فكان من مذهبهم وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف , أحاط بكل شيء علماً , ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) . كتاب شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي , 1 / ص 198 .

- 47الامام اللغوي ابن قتيبة الدينوري ت 276 هـ قال : والأمم كلها عربيها وعجميها تقول إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله تعالى فقالت في السماء قال فمن أنا قالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام هي مؤمنة . كتاب تأويل مختلف الحديث ص 272

- 48و قال ايضا في موضع اخر : وكيف يسوغ لأحد أن يقول إنه بكل مكان على الحلول مع قوله ( الرحمن على العرش استوى ( أي استقر كما قال ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ) أي استقررت ومع قوله تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعلم الصالح يرفعه ) وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل وهو عنده وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة وتعرج بمعنى تصعد يقال عرج إلى السماء إذا صعد والله عز وجل ذو المعارج والمعارج الدرج فما هذه الدرج وإلى من تؤدي الأعمال الملائكة إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه والأيدي ترفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر وينزل الرزق

- 49الحافظ الكبير إمام اهل الجرح و التعديل أبي حاتم محمد بن ادريس الحنظلي الرازي 277 هـ : قال الحافظ أبو القاسم الطبري وجدت في كتاب أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي مما سمع منه يقول مذهبنا وإختيارنا: إتباع رسول الله وأصحابه والتابعين من بعدهم والتمسك بمذاهب أهل الأثر مثل الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد رحمهم الله تعالى ولزوم الكتاب والسنة ونعتقد أن الله عزوجل على عرشه بائن من خلقه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . أخرجه الذهبي في العلو .

- 50قال الإمام أبو عيسى الترمذي ت 279 هـ : وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه . جامع الترمذي .

- 51قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني ت280 هـ في مسائله التي نقلها عن أحمد بن إسحاق وغيرهما : وهو سبحانه بائن من خلقه ولا يخلو من علمه مكان , ولله العرش وللعرش حملة يحملونه .- الى ان قال - والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره . درء تعارض العقل والنقل 2 / ص 22 – 23 .

- 52قال الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي ت 280 هـ : ( قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته , ( كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد
قال الذهبي معلقاً : كان عثمان الدارمي جذعاً في أعين المبتدعة . كتاب السير , 13 / 322

- 53ابو العباس ثعلب إمام العربية ( ت 291 هـ ) : قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة : وجدت بخط أبي الحسن الدارقطني رحمه الله ، عن إسحاق الهادي ، قال : سمعت أبا العباس ثعلبا يقول : استوى : أقبل عليه وإن لم يكن معوجا (ثم استوى إلى السماء ) أقبل و استوى على العرش : علا واستوى وجهه : اتصل واستوى القمر : امتلأواستوى زيد وعمرو تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما هذا الذي يعرف من كلام العرب . شرح اعتقاد اهل السنة و الجماعة للامام اللالكائي 3\443
- 54الامام الحافظ الكبير مسند العصر أبو مسلم الكجي الحافظ ( ت 292 هـ ) , روى قصة ملخصها ما قاله :
خرجت فإذا الحمام قد فتح سحرا فقلت للحمامي أدخل أحد قال لا فدخلت فساعة افتتحت الباب قال لي قائل أبو مسلم أسلم تسلم ثم أنشأ يقول
لك الحمد إما على نعمة ... وإما على نقمة تدفع
تشاء فتفعل ما شئته ... وتسمع من حيث لا نسمع
قال فبادرت وخرجت وأنا جزع فقلت للحمامي أليس زعمت أنه ليس في الحمام أحد قال ذاك جني يتزايا لنا في كل حين وينشدنا فقلت هل عندك من شعره شيء قال نعم وأنشدني :
أيها المذنب المفرط مهلا ... كم تمادى وتكسب الذنب جهلا
كم وكم تسخط الجليل بفعل ... سمج وهو يحسن الصنع فعلا
كيف تهدي جفون من ليس يدري ... أرضي عنه من على العرش أم لا . رواه الذهبي في العلو بسنده و صححه الالباني
- 55عمرو بن عثمان المكي ت 297 هـ صنف كتاباً سماه التعرف بأحوال العباد والمتعبدين قال باب ما يجيب الشيطان للتائبين فذكر في التوحيد , فقال : من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل فقال بعد ذكر حديث الوسوسة :
فلا تذهب فى أحد الجانبين لا معطلا ولا مشبها وأرض لله بما رضى به لنفسه وقف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير الى أن قال فهو تبارك وتعالى القائل انا الله لا الشجرة الجائى قبل أن يكون جائيا لا أمره المتجلى لأوليائه فى المعاد فتبيض به وجوههم وتفلج به على الجاحدين حجتهم المستوى على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان تبارك و تعالى .

- 56و قال ايضا : النازل كل ليلة الى سماء الدنيا ليتقرب اليه خلقه بالعبادة وليرغبوا اليه بالوسيلة القريب فى قربه من حبل الوريد البعيد فى علوه من كل مكان بعيد ولا يشبه بالناس .
الى أن قال : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه القائل أأمنتم من فى السماء ان يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا تعالى وتقدس أن يكون فى الأرض كما هو فى السماء جل عن ذلك علوا كبيرا أهـ . مجموع الفتاوى 5 / 62

- 57الامام الحافظ ابن أبي شيبة ت 297 هـ قال في كتابه العرش : فهو فوق السماوات وفوق العرش بذاته متخلصاً من خلقه بائناً منهم علمه في خلقه لا يخرجون من علمه . كتاب العرش 51

-58قال الإمام المحدث زكريا الساجي ت 307 هـ القول في السنة التي رأيت عليها أهل الحديث الذين لقيتهم أن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء . تذكر الحفاظ ص 710 .

- 59قال الإمام الحافظ شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري ت 310 هـ : في تفسير قوله تعالى ( وهو معكم أينما كنتم ) يقول : وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم , وهو على عرشه فوق سماواته السبع . تفسير الطبري 27 / 216

يوسف التازي
11-01-15, 01:54 AM
و قال رحمه الله في تفسيره : ( وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : { ثم استوى إلى السماء فسواهن } علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات

- 61و قال رحمه الله في تفسيره لسورة الملك (( {أم أمنتم من في السماء} وهو الله

- 62و قال ايضا رحمه الله : وعني بقوله : { هو رابعهم } بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه وهو على عرشه

- 63وقال ايضا في تفسير سورة المعارج (( يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل عليه السلام إليه، يعني إلى الله عز و جل ((

- 64قال ابن الأخرم ت 311 هـ : الله تعالى على العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة . تذكر الحفاظ / 747

- 65قال إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله ( ت 311 هـ ) : من لم يقر بإن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سماواته فهو كافر بربه , يستتاب فإن تاب وألا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بالنتن ريحة جيفته , وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال صلى الله عليه وسلم . كتاب التوحيد

- 66نفطويه شيخ العربية ( ت 323 هـ ) : صنف الإمام أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه كتابا في الرد على الجهمية وذكر فيه أشياء منها قول ابن العربي الذي مضى ثم قال وسمعت داود بن علي يقول كان المريسي لا رحمه الله يقول سبحان ربي الأسفل , قال : وهذا جهل من قائله ورد لنص كتاب الله إذ يقول ( أأمنتم من في السماء. ( العلو للذهبي

- 67الامام أبو الحسن الأشعري إمام الفرقة الأشعرية ( ت 324 هـ ) قال في كتابه الإبانة : ( فإن قال قائل ما تقولون في الإستواء ؟ قيل : نقول إن الله مستو على عرشه كما قال ( الرحمن على العرش استوى ) وقال: ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وقال) : بل رفعه الله إليه ) , وقال حكاية عن فرعون ( وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا)
كذّب موسى في قوله إن الله فوق السموات , وقال عزوجل) : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض( فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات وكل ما علا فهو سماء وليس إذا قال ( أأمنتم من في السماء ) يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أنه ذكر السموات فقال وجعل القمر فيهن نورا ولم يرد أنه يملأهن جميعا

- 68و قال في موضع اخر : ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى استوى إستولى وملك وقهر وأنه تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الإستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء والأرض شيء فالله قادر عليها وعلى الحشوش , وكذا لو كان مستويا على العرش بمعنى الإستيلاء لجاز أن يقال هو مستو على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله مستو على الأخلية والحشوش فبطل أن يكون الإستواء الإستيلاء .الإبانة للأشعري و ذكر نحوه عدد من اهل العلم كالذهبي و غيره و ذكر انه شهره الحافظ ابن عساكر , و هذا الكتاب مرجع للاشعرية عند دفاعهم عن امامهم , و ممن نقل هذا الكلام منه من المتأخرين : الامام مرعي الكرمي – ت1033 هـ-

- 69و قال في كتابه الذي سماه إختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين فذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم إلى أن قال : ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة قولهم الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله .. الى ان قال : وإنه على العرش كما قال : ) الرحمن على العرش استوى ) ولا نتقدم بين يدي الله بالقول بل نقول استوى بلا كيف ) قال الذهبي : نقلها ابن فورك بهيئتها في كتابه المقالات و الخلاف بين الاشعري و ابن كلاب(

- 70شيخ الحنابلة الامام أبو الحسن علي البربهاري ت 329 هـ قال : (وهو على عرشه استوى وعلمه بكل مكان ولا يخلو من علمه مكان ) . شرح السنة للبربهاري ص1

-71 الوزير علي بن عيسى ت 334 هـ : قال محمد بن علي بن حبيش : دخل أبو بكر الشبلي رحمه الله دار المرضى ليعالج فدخل عليه الوزير بن عيسى عائدا فقال الشبلي ما فعل ربك ؟ قال : الرب عز وجل في السماء يقضي ويمضي . العلو 1258

-72 العلامة الفقيه أبوبكر الصبغي ت 342 هـ قال رحمه الله: قد تضع العرب في موضع على قال الله تعالى ( فسيحوا في الأرض ) وقال ( ولأصلبنكم في جذوع النخل )ومعناه على الأرض وعلى النخل فكذلك قوله ) من في السماء ) أي من على العرش كما صحت الأخبار عن رسول الله . كتاب العلو ص1264

- 73شيخ المالكية العلامة ابو إسحاق محمد بن القاسم ابن شعبان المالكي ت355 هـ . قال الذهبي : رأيت له تأليفا في تسمية الرواة عن مالك، أوله (أوله: الحمد لله الحميد، ذي الرشد والتسديد، والحمد لله أحق مابدي، وأولى من شكر الواحد الصمد، جل عن المثل فلا شبه له ولا عدل، عال على عرشه، فهو دان بعلمه، وذكر باقي الخطبة، ولم يكن له عمل طائل في الرواية. السير 16 / 79

- 74قال الإمام أبوبكر الآجري ت 360 هـ في كتابه الشريعة : والذي يذهب به أهل العلم أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بكل شيء . كتاب الشريعة

-75وفي موضع آخر قال : ( وفي كتاب الله عز وجل آيات تدل على أن الله تبارك وتعالى في السماء على عرشه وعلمه محيط بجميع خلقه ) ثم ذكر آيات دالة على العلو وذكر جملة من الأحاديث إلى أن قال : ( هذه السنن قد اتفقت معانيها , ويصدق بعضها بعضاً وكلها تدل على من قلنا أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته وقد أحاط علمه بكل شيء وانه سميع بصير عليم خبير . )

- 76 و قال ايضا في موضع اخر من كتابه الشريعة : وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يقولوا في السجود : ) سبحان ربي الأعلى ثلاثا ( وهذا كله يقوي ما قلنا : أن الله عز وجل العلي الأعلى : على عرشه فوق السموات العلا وعلمه محيط بكل شيء خلاف ما قالته الحلولية نعوذ بالله من سوء مذهبهم . ص 295

- 77الحافظ الامام أبو الشيخ ت 369 هـ , قال في كتاب العظمة : له ذكر عرش الرب تبارك وتعالى وكرسيه وعظم خلقهما و علو الرب فوق عرشه . ثم ساق جملة من الأحاديث في ذلك . العظمة 2 / 543 .

- 78قال العلامة أبوبكر الإسماعيلي ت 371 هـ في كتاب إعتقاد أئمة الحديث ص 50 : يعتقدون إن الله تعالى ... استوى على العرش , بلا كيف , إن الله انتهى من ذلك إلى إنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه .

- 79أبو الحسن بن مهدي المتكلم ( ت 380 هـ ) تلميذ الأشعري , قال في كتابه مشكل الآيات : في باب قوله ( الرحمن على العرش استوى ( أعلم أن الله في السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه ومعنى الإستواء الإعتلاء كما تقول العرب إستويت على ظهر الدابة وإستويت على السطح بمعنى علوته وإستوت الشمس على رأسي واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي

- 80و قال ايضا : فالقديم جل جلاله عال على عرشه , يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله : ( أأمنتم من في السماء ) وقوله : ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) وقوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب وقوله ثم يعرج إليه. (العلو للذهبي و كذا كتاب الكلمات الحسان نقله صاحبه عن المخطوط الأصلي لكتاب أبي الحسن بن مهدي الموجود في مكتبة طلعت في مصر ورقة 132

- 81قال الإمام الزاهد أبو عبدالله بن بطة العكبري ت 387 هـ : أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية .

- 82و قال في موضع اخر : و قال : ( الرحمن على العرش استوى ) فهذا خبر الله أخبر به عن نفسه , و أنه على العرش . المختار من الإبانة

- 83و قال أيضا في موضع آخر : و قال ( يخافون ربهم من فوقهم ) فأخبر انه فوق الملائكة , و قد أخبرنا الله تعالى انه في السماء على العرش , أوَ مَا سمع الحلولي قول الله تعالى { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) } . المختار من الإبانة 3\136 -144

- 84و قال ايضا : (وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ . ( متن كتاب الشرح و الإبانة
قال الحافظ ابن حجر عن الإمام ابن بطة : كان إماما في السنة . لسان الميزان4\113

- 85الإمام أبو محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي ت 386 هـ , قال في كتابه الجامع ( ص 139 – 141 ) ( مما اجتمعت الأئمة عليه من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعه وضلالة أن الله تبارك وتعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه وإنه في كل مكان بعلمه . ثم قال في آخره : وكل هذا قول مالك ، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه

- 86 وقال رحمه الله في أول رسالته المشهور في مذهب الإمام مالك ( وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو بكل مكان بعلمه ) . مقدمة ابن أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة ص 56 .
قال الحافظ الذهبي عن الإمام ابن أبي زيد القيرواني : وكان رحمه الله على طريقة السلف في الاصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول، فنسأل الله التوفيق. السير 12\17

- 87الإمام الحافظ محدث الشرق ابن مندة ت 395 هـ قال في كتابه التوحيد : ذكرُ الآي المتلوة والأخبار المأثورة في أن الله عز وجل على العرش فوق خلقه بائن عنهم وبدء خلق العرش والماء . ثم ذكر ثلاث آيات في استواء الرحمن على العرش 3\185

- 88وقال رحمه الله : ذكر الآيات المتلوة والأخبار المأثورة بنقل الرواة المقبولة التي تدل على أن الله تعالى فوق سماواته وعرشه وخلقه قاهراً لهم عالماً بهم . ثم ذكر آيات دالة على العلو وساق جملة من الأحاديث في ذلك . كتاب التوحيد 3 / 185 – 190 .

- 89الإمام ابن أبي زمنين ت 399 هـ قال : ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والإرتفاع فوق جميع ما خلق وسبحان من بَعُدَ فلا يُرى وقَرُبَ بعلمه فسمع النجوى . أصول السنة ص / 88 .

- 90قال القاضي أبوبكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري 403 هـ في كتاب التمهيد : فإن قالوا فهل تقولون إنه في كل مكان قيل معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال تعالى : ) الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ) . التمهيد ص / 260

- 91ثم قال في موضع آخر : ولا يجوز أن يكون معنى استواؤه على العرش هو استيلاؤه عليه ؛ لأن الإستيلاء هو القدرة والقهر والله تعالى لم يزل قادراً قاهراً عزيزاً مقتدراً . التمهيد ص\260 – 262
قال الحافظ الذهبي معلقا على كلام الباقلاني : فهذا النفس نفس هذا الإمام وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف ولا يعرفون إلا السلب ونفي الصفات وردها صم بكم غتم عجم يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل فإنا لله وإنا إليه راجعون . العلو

- 92الشيخ العلامة أبوبكر بن محمد ابن موهب المالكي ت 406 هـ قال في شرحه لرسالة الإمام محمد بن أبي زيد القيرواني : أما قوله إنه فوق عرشه المجيد بذاته , فمعنى فوق وعلى عند جميع العرب واحد وبالكتاب والسنة تصديق ذلك .
- 93وساق حديث الجارية والمعراج إلى سدرة المنتهى
إلى أن قال : وقد تأتي لفظة في في لغة العرب بمعنى فوق كقوله فأمشوا في مناكبها و في جذوع النخل و أأمنتم من في السماء قال أهل التأويل يريد فوقها وهو قول مالك مما فهمه عمن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة مما فهموه عن النبي أن الله في السماء يعني فوقها وعليها فلذلك قال الشيخ أبو محمد إنه فوق عرشه ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته لا تحويه الأماكن وأنه أعظم منها

- 94و قال ايضا : ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته ، لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف ، وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته ، لا تحويه الأماكن وأنه أعظم منها ، وقد كان ولا مكان .... ، نقله عنه الحافظ الذهبي في كتاب العلو ص 264
قلت : و العلامة ابن موهب من أخص تلامذة الامام ابن أبي زيد و هو أعرف بأقواله من المتأخرين الذين حرّفوا كلام الامام ابن ابي زيد بكل صفاقة و الله المستعان

- 95الإمام الحافظ أبو القاسم اللالكائي ت418 هـ : قال رحمه الله في كتابه النفيس شرح أصول اعتقاد اهل السنة: (سياق ما روي في قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) وأن الله على عرشه في السماء وقال عز وجل ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقال : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )وقال ) :وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ) فدلت هذه الآيات أنه تعالى في السماء وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه . وروى ذلك من الصحابة : عن عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأم سلمة ومن التابعين : ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وسليمان التيمي ، ومقاتل بن حيان وبه قال من الفقهاء : مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، وأحمد بن حنبل . شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة 3 \429-430

- 96السلطان العادل يمين الدولة محمود سبكتكين ت421 هـ , قال أبو علي بن البناء: حكى علي بن الحسين العكبري أنه سمع أبا مسعود أحمد بن محمد البجلي قال: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فقال: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية لان لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز أن يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت.
فقال السلطان: ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه.
فبهت ابن فورك، فلما خرج من عنده مات , فيقال: انشقت مرارته. سير أعلام النبلاء 17\487

- 97المفسر الأصولي يحيي بن عمار ت 422 هـ , قال رحمه الله : كل مسلم من أول العصر الى عصرنا هذا اذا دعا الله سبحانه رفع يديه الى السماء . و المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا يقولون في الصلاة ما أمرهم الله به في قوله : ( سبح اسم ربك الأعلى ) – الى ان قال :و نقول : هو بذاته على العرش , و علمه محيط بكل شيء

- 98 و قال ايضا : و لا نقول كما قالت الجهمية انه مداخل للأمكنة و ممازج لكل شيء و لا نعلم أين هو ؟ بل نقولُ هو بذاته على العرش و علمه محيط بكل شيء و علمه و سمعه و بصره و قدرته مدركة لكل شيء و ذلك معنى قوله : ( و هو معكم أين ما كنتم ) فهذا الذي قلناه هو ما قاله الله و قاله الرسول. الحجة في بيان المحجة 2 \ 106 – 107

- 99الامام الحافظ أبوعمر الطلمنكي المالكي ت429 هـ , قال في كتابه الوصول الى معرفة الأصول : (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله ( وهو معكم أينما كنتم ) ونحو ذلك من القرآن أنه علمه وأن الله تعالى فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء ) . العلو للذهبي و اجتماع الجيوش لابن القيم

- 100و قال ايضا في نفس الكتاب : (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته . ( اجتماع الجيوش لابن القيم

- 101وقال في هذا الكتاب أيضا : ( أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز ) ثم ساق بسنده عن مالك قوله : ( الله في السماء وعلمه في كل مكان (
قال الامام الذهبي : (كان الطلمنكي من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس (

- 102الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني الشافعي ت430 هـ مصنف حلية الأولياء, قال في كتاب الإعتقاد له : طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة لا يزول ولا يحول لم يزل عالما بعلم بصيرا ببصر سميعا بسمع متكلما بكلام ثم أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة واللفظية من الجهمية وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وأن الجهمي عندهم كافر إلى أن قال وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش وإستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه . العلو للذهبي ص 243

- 103وقال رحمه الله فى كتابه محجة الواثقين ومدرجة الوامقين تأليفه : وأجمعوا أن الله فوق سمواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية أنه بكل مكان خلافا لما نزل فى كتابه أأمنتم من فى السماء اليه يصعد الكلم الطيب الرحمن على العرش استوى .مجموع الفتاوى لابن تيمية 5/60
- 104الإمام العارف معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني ت418 هـ قال في وصيته لأصحابه : " وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول . وأنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون ; بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة ; لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق . الفتوى الحموية لابن تيمية
-105 قال أيوب السختياني : إنما مدار القوم على أن يقولوا ليس في السماء شيء . أخرجه الذهبي في العلو وقال : هذا إسناد كالشمس وضوحاً وكالأسطوانة ثبوتاً عن سيد أهل البصرة وعالمهم .

يوسف التازي
11-01-15, 01:56 AM
أخرج الترمذي وأبو داود والإمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك و تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء“.. وإسناده صحيح.. وكذلك أخرجه الطبراني في الكبير بلفظ: ”ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء“.. وروى ذلك اللفظ الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه..

وأخرج مسلم في صحيحه.. والإمام مالك في الموطأ وغيرهما.. أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية: ”أين الله؟“ فقالت: «في السماء».. قال: ”من أنا؟“.. قالت: «رسول الله».. فقال لصاحبها: ”أعتقها فإنها مؤمنة“.. وقد تقدم ذكر معنى كون الله في السماء.. أي فوق السماء.. أو معناه أن الله في العلو..

وأخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء“..

وأخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج [أي يُصعد] بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تبارك وتعالى..“..

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها“..

وأخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: «فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات)..».. انتهى من صحيح البخاري..

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ”لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي“..

وقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صححه الذهبي وابن القيم أن حسان بن ثابت أنشد النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً:
«شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من عل، وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل في دينه متقبل، وأن أخا الأحقاق إذ قام فيهم، يقول بذات الله فيهم ويعدل»..

وأخرج النسائي في السنن الكبرى بإسناد صحيح أو حسن على أقل تقدير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن معاذ: ”حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات“..

وفي حديث المعراج المشهور: ”فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم و ليلة; فنزلت إلى موسى فقال: (ما فرض ربك على أمتك؟) قلت: خمسين صلاة قال: (ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم) فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا..“ الحديث.. وفيه دليل على علو الله عز وجل..

وفي حديث الملائكة السياحين المشهور.. رواه البخاري ومسلم وأحمد.. وفيه: ”فإذا تفرقوا عرجوا أو صعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم: من أين جئتم؟“..

وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي: ”من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا طيب، فإنها يتقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل“.. ويدل على علو الله جل وعلا..

وفي حديث الشفاعة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي“.. ويدل أن الله سبحانه فوق العرش..

وفي الحديث الذي رواه مسلم: ”أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء“..

وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم عرفة: ”ألا هل بلغت“.. فقالوا: (نعم).. يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: ”اللهم اشهد“..

وفي الحديث المشهور: ”إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه يدعوه، أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء“.. وهو صحيح..

وفي هذا القدر كفاية..

يوسف التازي
11-01-15, 01:56 AM
إليكم الآيات التي استدل بها العلماء على علو الله على خلقه.. وكونه جل وعلا فوق عرشه فوق سماواته.. وفيها الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

الآية الأولى: قوله تعالى: ï´؟..ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..ï´¾ ووردت في أكثر من موضع، وقوله تعالى: ï´؟الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىï´¾:

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير الآية الأولى: «وأما قوله: ï´؟ثم استوى على العرشï´¾ فإنه يعني: علا عليه».. وذلك في تفسيره لسورة الرعد..

وأما الآية الأخرى.. فقال فيها: «وقوله: ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾ يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا».. وذلك في سورة الرحمن..

وروى البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه قال: «استوى: علا على العرش».. ففسر استواء الرب على عرشه بالعلو.. وذلك في كتاب التوحيد من صحيح البخاري.. باب: ï´؟وكان عرشه على الماءï´¾..

وأخرج اللالكائي عن بشر بن عمر أنه قال: «سمعت غير واحد من المفسرين يقولون ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾ على العرش استوى: ارتفع».. وإسناده صحيح.. وبشر بن عمر هذا ثقة جليل روى له البخاري ومسلم وباقي الستة.. توفي بالبصرة عام 207هـ..

الآية الثانية: قال تعالى: ï´؟أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور.. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًاï´¾:

قال ابن جرير الطبري المفسر المشهور: «وهو الله».. وذلك في تفسيره لهذه الآية..

وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد: «وقال ï´؟أأمنتم من في السماءï´¾ وأراد: مَنْ فوق السماء، كما قال ï´؟ولأصلبنكم في جذوع النخلï´¾ يعني على جذوع النخل، وقال ï´؟فسيحوا في الأرضï´¾، يعني على الأرض، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، فمعنى الآية والله أعلم: أأمنتم مَنْ على العرش كما صرح به في سائر الآيات»..

ولقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية: ”أين الله؟“ فقالت: «في السماء».. وهذا في صحيح مسلم.. ورواه غيره أيضًا..

ومعنى كونه تعالى في السماء أي: على السماء أو فوق السماء.. وهذا مشهور في لغة العرب.. ومثال ذلك قوله تعالى: ï´؟قل سيروا في الأرضï´¾ أي: على الأرض.. وقوله: ï´؟ولأصلبنكم في جذوع النخلï´¾ أي: على جذوع النخل..

أو أن تكون السماء بمعنى العلو.. فإن كل ما علاك فهو سماء.. فيكون معنى كون الله في السماء أي في العلو.. وكلا التفسيرين صحيح وهما بنفس المعنى..

الآية الثالثة: قال تعالى: ï´؟إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعهï´¾:

قال ابن جرير الطبري: «وقوله ï´؟إليه يصعد الكلم الطيبï´¾ يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه»..

الآية الرابعة: قال تعالى: ï´؟يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليهï´¾.. والعروج هو الصعود..

الآية الخامسة: قوله تعالى: ï´؟تعرج الملائكة والروح إليهï´¾:

قال ابن جرير الطبري: «وقوله: ï´؟تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةï´¾ يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح -وهو جبريل عليه السلام- إليه، يعني إلى الله عز وجل، والهاء في قوله ï´؟إليهï´¾ عائدة على اسم الله، ï´؟في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةï´¾ يقول: كان مقدار صعودهم ذلك في يوم لغيرهم من الخلق حمسين ألف سنة، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع»..

الآيتين السادسة والسابعة: قوله تعالى لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: ï´؟إني متوفيك ورافعك إليّï´¾، وقوله تعالى: ï´؟بل رفعه الله إليهï´¾..

الآية الثامنة: قوله تعالى: ï´؟وهو القاهر فوق عبادهï´¾..

الآية التاسعة: قوله تعالى: ï´؟يخافون ربهم من فوقهمï´¾:

ويمتنع حملها [أي الآية] على علو القهر أيضًا؛ إذ أن العرب إذا وضعت حرف الجر (من) قبل كلمة (فوق) دل ذلك على الفوقية الحقيقية، كقوله تعالى: ï´؟فخر عليهم السقف من فوقهمï´¾.. ومثله قول أم المؤمنين زينب بنت جحش (زوجني الله من فوق سبع سماوات) رواه البخاري..

الآية العاشرة: قوله تعالى حكاية عن فرعون: ï´؟وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب..أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباï´¾:

ففي هذه الآية يحكي الله عن فرعون -لعنه الله- أنه يكذب موسى صلى الله عليه وسلم أن إلهه في السماء.. وهذا معناه أن موسى عليه الصلاة والسلام قد أخبره أن ربه في السماء..

يقول ابن جرير الطبري: «وقوله: ï´؟وإني لأظنه كاذباï´¾ يقول: إني لأظن موسى كاذباً فيما يقول ويدعي مِنْ أن له في السماء ربًا أرسله إلينا، وقوله: ï´؟وكذلك زين لفرعون سوء عملهï´¾ يقول الله تعالى ذكره: وهكذا زين اللهُ لفرعون حين عتا عليه وتمرد قبيحَ عمله، حتى سولت له نفسه بلوغ أسباب السموات ليطلع إلى إله موسى».. انتهى من تفسيره عند هذه الآية..

فهذه الآية والله من أعظم الحجج الدامغة على كون الله فوق سماواته على عرشه.. ومن كابر بعد ذلك فهو كفرعون حين قال: وإني لأظنه كاذبًا..! ومن تلقى ذلك بالقبول والتسليم لرب العالمين وأيقن بما جاء به موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فهو المؤمن حقًا..

يوسف التازي
11-01-15, 01:57 AM
لمن يزعم أننا خالفنا السلف الصالح.. هذه نقول عن العلماء والأئمة من السلف الصالح تثبت أن الله فوق عرشه.. فوق سماواته.. وللتوسع راجعوا كتاب إثبات صفة العلو لابن قدامة.. وكتاب العلو للعلي الغفار للذهبي.. وراجعوا مصنفات أهل السنة في العقيدة بصفة عامة..

قول الإمام الأوزاعي:

والأوزاعي هذا من أئمة السلف الكبار.. توفي عام 157هـ.. وقال عنه الحافظ المزي: (إمام أهل الشام فى زمانه فى الحديث و الفقه).. وقال عبد الرحمن بن مهدى: (الأئمة فى الحديث أربعة: الأوزاعي، و مالك، و سفيان الثوري، و حماد بن زيد).. وقال أيضًا: (ما كان بالشام أحدا أعلم بالسنة من الأوزاعي).. وقال ابن حبان: (كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهادهم).. وقال النسائي: (إمام أهل الشام وفقيههم)..

وقد اهتممت بذكر ترجمته لأن مدافع عن الحق -زعم- ذكرت له ذات مرة الإمام الآجري.. فلم يعرفه.. فلهذا التزمت بإذن الله بترجمة كل من أنقل عنهم في هذا الباب..

يقول الإمام الأوزاعي: «كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته».. قال ابن حجر الحافظ: (أخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي).. وذلك في فتح الباري..

قول مقاتل بن حيان:

قال عنه ابن حجر أنه صدوق فاضل.. وقال يحيى بن معين أنه ثقة.. وقال الذهبي أنه ثقة عالم صالح.. وقد ذكره السيوطي أيضًا في طبقات الحفاظ..

قال مقاتل بن حيان: «هو على عرشه وعلمه معهم».. ذكره عنه الحافظ الذهبي في كتابه العلو..

وقال الحافظ الذهبي: «وروى البيهقي بإسناده عن مقاتل بن حيان قال: (بلغنا والله أعلم في قوله تعالى: ï´؟هو الأول والآخرï´¾ هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء ï´؟والظاهرï´¾ فوق كل شيء ï´؟والباطنï´¾ أقرب من كل شيء، وإنما قربه بعلمه وهو فوق عرشه)..».. وإسناده ليس بذاك..

قول الإمام مالك بن أنس:

والإمام مالك لا يخفى.. فلذلك لن أترجم له..

صح عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء».. أخرجه ابن قدامة في كتابه إثبات العلو.. وأخرجه اللالكائي أيضًا.. وإسناده صحيح..

وصح عنه أنه قال: «الاستواء معلوم.. والكيف مجهول».. وهذه أخرجها جمع من الأئمة عنه.. واشتهرت جدًا.. حتى غدت قاعدة أهل السنة في صفات الله..

ويعقب الحافظ الذهبي قائلاً: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الإستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله لا مثل له في صفاته ولا في إستوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا»..

قول حماد بن زيد:

وهو من الأئمة.. تقدم معنا ذكر قول عبد الرحمن بن مهدي: (الأئمة فى الحديث أربعة: الأوزاعي، و مالك، و سفيان الثوري، وحماد بن زيد).. وقال أيضًا: (ما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ولا من سفيان، ولا من مالك).. وقال: (ما رأيت أحدا لم يكتب الحديث أحفظ من حماد بن زيد).. وكان رحمه الله ضريرًا.. وقال عنه ابن حجر: (ثقة ثبت فقيه).. وأثنى عليه الذهبي قائلاً: (الإمام.. أحد الأعلام)..

قال حماد بن زيد: «إنما يدورون [أي الجهمية وأضرابهم كالأحباش] على أن يقولوا ليس في السماء إله».. ذكر ذلك عنه البخاري في خلق أفعال العباد.. وهو صحيح عنه.. قال الذهبي: (هذا إسناد كالشمس وضوحًا وكالإسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم).. وأخرجه ابن بطة في الإبانة كذلك..

قول جرير بن عبد الحميد:

قال عنه ابن حجر: (ثقة صحيح الكتاب).. قال عنه السيوطي: (القاضي.. أحد الأعلام.. وكان ثقة كثير العلم)..

وقال جرير بن عبد الحميد الضبي: «كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله».. ذكره الذهبي.. وإسناده جيد كما قال الألباني رحمه الله..

قول الإمام شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك:

قال عنه المزي: (أحد الأئمة الأعلام و حفاظ الإسلام).. وقال ابن حجر: (ثقة ثبت فقيه جواد عالم مجاهد).. وقال عبد الرحمن بن مهدي: (ما رأيت مثله).. وقال النسائي: (لا نعلم فى عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك).. ولو تتبعنا ثناء الأئمة عليه لما انتهينا..

لما قيل لعبد الله بن المبارك: (كيف نعرف ربنا عزوجل؟).. قال: «في السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض».. فقيل هذا لأحمد بن حنبل فقال: «هكذا هو عندنا».. أخرجه الدارمي وابن بطة وغيرهما.. وإسناده صحيح عنه..

وقال ابن المبارك أيضًا عن الجهمية: «..فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء».. في سنده رجل لم يسمَّ..

قول عباد بن العوام:

وعباد هذا ذكره السيوطي في طبقات الحفاظ.. وقال ابن حجر هو ثقة.. قال عباد بن العوام: «كلمت بشرا المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء».. وإسناده صحيح أو حسن على أقل تقدير..

قول سعيد بن عامر:

وهو عالم البصرة.. قال عنه ابن حجر: (ثقة صالح).. وقال قال زياد بن أيوب: (ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر).. وذكره السيوطي ضمن الحفاظ..

قال عالم البصرة سعيد بن عامر عن الجهمية: «هم شر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله عز وجل على العرش وقالوا هم ليس على شيء».. ذكره عنه البخاري في خلق أفعال العباد..

قول الإمام عبد الرحمن بن مهدي:

وعبد الرحمن بن مهدي من أئمة السلف.. توفي عام 198هـ.. قال صدقة بن الفضل المروزى: (أتيت يحيى بن سعيد القطان أسأله عن شىء من الحديث، فقال لى: الزم عبد الرحمن بن مهدى).. ولما تُكلم فيه أمام أحمد بن حنبل قال: (يجىء إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه؟!).. وقيل له: (كان عبد الرحمن حافظا؟) فقال: (حافظ، وكان يتوقى كثيرًا، كان يحب أن يحدث باللفظ).. وقال: (إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بن مهدى، فعبد الرحمن أثبت).. وقال الشافعى: (لا أعرف له نظيرا فى الدنيا)..

قال الإمام عبد الرحمن بن المهدي: «إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم».. وصحح إسناده الحافظ الذهبي.. وصححه ابن القيم كذلك.. وذكره البخاري في خلق أفعال العباد..

قول العابد الزاهد محمد بن مصعب:

وهو وإن كان ضعيفًا في الرواية.. لكنه كان من العباد.. ولقي الأوزاعي وطبقته.. فهو يعبر عن عقيدة العلماء في ذلك الزمان..

قال محمد بن مصعب العابد: «من زعم أنك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك، أشهد أنك فوق العرش، فوق سبع سموات، ليس كما تقول أعداء الله الزنادقة».. رواه الدارقطني في الصفات بإسناد صحيح.. ورواه غيره كذلك..

قول الإمام قتيبة بن سعيد:

قال عنه ابن حجر أنه ثقة ثبت.. وقال عن السيوطي أنه أحد أئمة الحديث..

قال الإمام قتيبة بن سعيد: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة، نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾..».. ذكره الذهبي عن أبي أحمد الحاكم وأبي بكر النقاش -وفيهما ضعف- عن أبي العباس السراج -الحافظ الثقة- عن قتيبة بن سعيد..

قول الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة.. طيب الله ثراه:

وبالطبع لن أترجم له.. فمثله لا يخفى أبدًا.. رحمه الله كان ناصر السنة وأهلها..

قيل لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل: (الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟) قال: «نعم، هو على عرشه ولا يخلو شيء من علمه».. أخرجه اللالكائي وابن بطة وغيرهما..

وقال الإمام أحمد في رده على الجهمية (عندي منه نسخة مخطوطة وأنا أنقل منها): «باب ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش، وقد قال الله جل ثناؤه: ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾، وقال: ï´؟خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرشï´¾، فقالوا هو تحت الأرضين السبع كما هو فوق العرش وفي السماوات والأرض وفي كل مكان ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان، وتلوا آية من القرءان: ï´؟وهو الله في السماوات وفي الأرضï´¾، فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء، فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة، ليس فيها من عظم الرب شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال: ï´؟أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرضï´¾، ï´؟أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباï´¾، وقال: ï´؟إليه يصعد الكلم الطيبï´¾، وقال: ï´؟إني متوفيك ورافعك إليّï´¾، وقال: ï´؟بل رفعه الله إليهï´¾، وقال: ï´؟وله من في السموات والأرض ومن عندهï´¾، وقال: ï´؟يخافون ربهم من فوقهمï´¾، وقال: ï´؟ذي المعارجï´¾، وقال: ï´؟وهو القاهر فوق عبادهï´¾، وقال: ï´؟وهو العلي العظيمï´¾، فهذا خبر الله، أخبرنا أنه في السماء».. انتهى..

قول ابن الأعرابي إمام اللغة في زمانه:

قال أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: «أخبرني الأزهري أنبأنا محمد بن العباس أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي حدثنا داود بن علي قال كان عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل فقال: (يا أبا عبد الله ما معنى قوله تعالى ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾..؟ قال: (هو على عرشه كما أخبر) فقال الرجل: (ليس كذاك إنما معناه استولى).. فقال: (اسكت ما يدريك ما هذا؟ العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى، والله تعالى لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر».. ورواه الذهبي بإسناد آخر..

قول الإمام البخاري.. إمام الدنيا في الحديث:

وأما الإمام البخاري فقد بوب في صحيحه ضمن كتاب التوحيد: «باب: ï´؟وكان عرشه على الماءï´¾، ï´؟وهو رب العرش العظيمï´¾.. قال أبو العالية: ï´؟استوى إلى السماءï´¾: ارتفع، ï´؟فسواهنï´¾ فخلقهن، وقال مجاهد: ï´؟استوىï´¾: علا ï´؟على العرشï´¾..»..

وفي هذا الباب روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات».. انتهى من صحيح البخاري..

وأما في كتابه (خلق أفعال العباد) ففيه الكثير الطيب في إثبات علو الله على خلقه.. وقد نقلت منه في ردي على المدعو الأشعري هداه الله.. ولا مانع من إعادته..

قال في كتابه هذا في باب: (باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون وأن يبدلوا كلام الله عز وجل):

«وقال وهب بن جرير: الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى»..

وقال: «وقال حماد بن زيد: القرآن كلام الله نزل به جبرائيل، ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله»..

وقال: «وقال ابن المبارك: (لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا بل على العرش استوى).. وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ قال: (فوق سماواته على عرشه)..»..

وقال أيضًا: «وقال سعيد بن عامر: الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم ليس على العرش شيء»..

وقال البخاري أيضًا: «وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك جهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أومن برب يفعل ما يشاء»..

وقال البخاري: «وقال عبد الله بن أنيس رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ”إن الله يحشر العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك وأنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة“..».. وهذا ليس في موضوعنا لكن الأحباش ينكرونه أيضًا..فلا بأس من ذكره..

وقال: «وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في السماء»..

وقال: «وقال ابن مسعود في قوله ï´؟ثم استوى على العرشï´¾ قال: العرش على الماء، والله فوق العرش، وهم يعلم ما أنتم عليه».. وقد تقدم معنا..

وقال: «وقال علي: (..وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت لي أن في السماء إلها)..»..

فهذه النقول توضح عقيدة البخاري أن الله في السماء على عرشه.. وعقيدة السلف الصالح ممن نقل هو عنهم رضي الله عنه وعنهم..

قول الإمامين أبي زرعة وأبي حاتم الرازيان:

وهما من أشهر الأئمة الكبار.. ولكن لا أستبعد أن يتبجح حبشي جاهل ويقول أنه لا يعرفهما.. قال الحافظ المزي عن أبي زرعة: (أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين).. وقال النسائي أنه ثقة.. وقال أبو بكر الخطيب: (كان إمامًا ربانيًا حافظًا متقنًا مكثرًا صادقًا).. وقال أحمد بن حنبل: (ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق بن راهويه، و لا أحفظ من أبى زرعة).. وأما أبو حاتم فقال عنه المزي والخطيب: (كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات المشهورين بالعلم المذكورين بالفضل).. وقال ابن حجر: (أحد الحفاظ)..

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبي [أي أبا حاتم] وأبا زرعة رحمهما الله تعالى عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم أن الله تبارك وتعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف أحاط بكل شيء علما».. وهذان الإمامان الجليلان ينقلان الإجماع على كون الله على عرشه.. بائن من خلقه.. وإسناده عنهما صحيح ثابت..

قول الإمام العلامة ناصر السنة عثمان بن سعيد الدارمي:

رحمة الله عليه.. كان شوكة في حلوق المبتدعة.. ذكره السيوطي في طبقات الحفاظ.. وقال: (الإمام الحافظ الحجة).. ونقل عن أبي الفضل يعقوب القراب قال: (ما رأينا مثل عثمان بن سعيد ولا رأى هو مثل نفسه).. وقال السيوطي: (وله تصانيف في الرد على الجهمية)..

ومن هذه التصانيف كتابه (النقض على المريسي).. قال فيه: «اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته».. وهاهو ينقل الإجماع على ذلك..

وقال الدارمي فيه أيضًا: «وكان الله بكماله على عرشه».. وقال أيضًا: «وهو على عرشه فوق سماواته»..

ومن تصانيفه (الرد على الجهمية).. قال فيه: «فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به، لأنه مذكور في القرآن، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وكالذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون، أتقرون أن لله عرشا معلوما موصوفا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه..؟ فأبى أن يقر به كذلك وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح».. وما أوضحه من كلام من إمام من أئمة السلف..

وبوب في كتابه هذا فقال: «باب استواء الرب تبارك وتعالى على العرش، وارتفاعه إلى السماء، وبينونته من الخلق، وهو أيضا مما أنكروه».. وذكر فيه آيات العلو والاستواء..

وقال في كتابه هذا ردًا على الجهمية في استدلالهم بآية النجوى: «قلنا هذه الآية لنا عليكم، لا لكم، إنما يعني: أنه حاضر كل نجوى ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائن من خلقه يعلم السر وأخفى»..

وقال: «وعلمنا يقينا بلا شك أن الله فوق عرشه فوق سمواته كما وصف، بائن من خلقه»..

وقال: «فالله تبارك وتعالى فوق عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد».. رحمة الله عليه.. كان شوكة -ولا زال- في حلوق أهل التعطيل..

وروى بإسناد صحيح عن قتادة أنه قال: «قالت بنو إسرائيل يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك قال إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم».. وما كان ليحدث عن بني إسرائيل بما هو كفر وتشبيه وهو من التابعين.. أفادني هذا المعنى أخي الحبيب الفاضل عبد الله الخليفي حفظه الله ونفعني به..

وقال أيضًا ذلك الإمام الجليل: «والأحاديث عن رسول الله وعن أصحابه والتابعين ومن بعدهم في هذا أكثر من أن يحصيها كتابنا، هذا غير أنا قد اختصرنا من ذلك ما يستدل به أولوا الألباب أن الأمة كلها والأمم السالفة قبلها لم يكونوا يشكون في معرفة الله تعالى أنه فوق السماء بائن من خلقه، غير هذه العصابة الزائغة عن الحق المخالفة للكتاب وأثارات العلم كلها».. ثم قال: «وظاهر القرآن وباطنه كله يدل على ذلك لا لبس فيه ولا تأول إلا لمتأول جاحد يكابر الحجة وهو يعلم أنها عليه»..

وقال: «ففي قوله تبارك وتعالى: ï´؟لا تفتح لهم أبواب السماءï´¾ دلالة ظاهرة أن الله عز وجل فوق السماء؛ لأن أبواب السماء إنما تفتح لأرواح المؤمنين ولرفع أعمالهم إلى الله عز وجل»..

وقال أيضًا رحمه الله: «فمن آمن بهذا القرآن الذي احتججنا منه بهذه الآيات، وصَدَّق هذا الرسول الذي روينا عنه هذه الروايات، لزمه الإقرار بأن الله بكماله فوق العرش فوق سماواته وإلا فليحتمل قرآنا غير هذا فإنه غير مؤمن بهذا»..

وقال: «والآثار التي جاءت عن رسول الله في نزول الرب تبارك وتعالى تدل على أن الله عز وجل فوق السموات على عرشه بائن من خلقه»..

وقال رحمه الله: «ونكفرهم أيضا أنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بأين، والله قد وصف نفسه بأين ووصف به الرسول، ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾، ï´؟وهو القاهر فوق عبادهï´¾، وï´؟إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفرواï´¾، وï´؟يخافون ربهم من فوقهمï´¾، ï´؟أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرضï´¾، ونحو هذا، فهذا كله وصف بأين، ووصفه رسول الله بأين فقال للأمة السوداء: ”أين الله؟“ قالت في السماء»..

وقال: «وإله المصلين من المؤمنين الذين يقصدون إليه بعبادتهم الرحمنُ، الذي فوق السماء السابعة العليا وعلى عرشه العظيم استوى»..

قول الإمام ابن قتيبة صاحب التصانيف:

وكذلك يقول الإمام ابن قتيبة: «وكيف يسوغ لأحد أن يقول إن الله سبحانه بكل مكان على الحلول فيه مع قوله ï´؟الرحمن على العرش استوىï´¾ ومع قوله ï´؟إليه يصعد الكلم الطيبï´¾، كيف يصعد إليه شيء هو معه وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه، ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرتهم وما ركبت عليه ذواتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله عزوجل هو العلي وهو الأعلى وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه والأمم كلها عجميها وعربيها تقول إن الله في السماء ما تركت على فطرها»..

قول الإمام الترمذي صاحب السنن:

قال الإمام الترمذي في سننه: «وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه»..

قول إمام الأئمة.. العالم الجليل.. الحبر.. محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله:

قال عنه السيوطي في طبقات الحفاظ: (الحافظ الكبير الثبت إمام الأئمة شيخ الإسلام).. وقال عنه ابن حبان: (وكان رحمه الله أحد أئمة الدنيا علما وفقها وحفظا وجمعا واستنباطا حتى تكلم في السنن بإسناد لا نعلم سبق إليها غيره من أئمتنا مع الإتقان الوافر والدين الشديد)..

قال هذا الإمام ابن خزيمة في كتابه التوحيد: «من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سمواته بائن من خلقه فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحته أهل القبلة وأهل الذمة»..

وقال في مقدمة كتابه الجليل ذاك: «علا ربنا، فكان فوق سبع سمواته عاليا، ثم على عرشه استوى»..

وقال فيه أيضًا: «فسمع الله جل وعلا كلام المُجادِلةِ وهو فوق سبع سموات مستو على عرشه»..

وبوّب فيه قائلاً: «باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى، الفعال لما يشاء، على عرشه، فكان فوقه وفوق كل شيء عاليا، كما أخبر الله جلا وعلا»..

وقال أيضًا: «فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا، أن خالقنا مستو على عرشه، لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذى قيل لنا، كما قالت المعطلة الجهمية إنه استولى على عرشه لا استوى، فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم، كفعل اليهود كما أمروا أن يقولوا حطة فقالوا حنطة مخالفين لأمر الله جل وعلا، كذلك الجهمية».. أقول: رحمة الله على ابن خزيمة الإمام.. وكذلك الأحباش..

وبوّب بابًا آخر فقال: «باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء، كما أخبرنا في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم أحرارهم ومماليكهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله إلى أعلاه لا إلى أسفل»..

وقال أيضًا: «فاسمعوا الآن ما أتلو عليكم من كتاب ربنا، الذى هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب، مما هو مصرح في التنزيل أن الرب جل وعلا في السماء، لا كما قالت الجهمية المعطلة إنه في أسفل الأرضين، فهو في السماء عليهم لعائن الله التابعة.
قال الله تعالى: ï´؟أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرضï´¾، وقال الله تعالى: ï´؟أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباï´¾، أفليس قد أعلمَنا -يا ذوي الحجا- خالقُ السموات والأرض وما بينهما في هاتين الآيتين أنه في السماء؟
وقال عز وجل: ï´؟إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعهï´¾، أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا والألباب أن الرب جل وعلا فوق من يتكلم بالكلمة الطيبة؛ فتصعد إلى الله كلمته لا كما زعمت المعطلة الجهمية أنه تهبط إلى الله الكلمة الطيبة كما تصعد إليه.
ألم تسمعوا يا طلاب العلم قوله تبارك وتعالى لعيسى ابن مريم: ï´؟يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليï´¾، أليس إنما يرفع الشيء من أسفل إلى أعلى لا من أعلى إلى أسفل؟ وقال الله عز وجل: ï´؟بل رفعه الله إليهï´¾، ومحال أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها أو إلى موضع أخفض منه وأسفل
فيقال رفعه الله إليه؛ لأن الرفعة في لغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا لا تكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق.
ألم تسمعوا قول خالقنا جل وعلا يصف نفسه ï´؟وهو القاهر فوق عبادهï´¾؟ أو ليس العلم محيطا إن الله فوق جميع عباده من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات جميعا؟
أو لم تسمعوا قول الخالق البارئ ï´؟ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرونï´¾؟
فأعلمنا الجليلُ جل وعلا في هذه الآية أيضًا أن ربنا فوق ملائكته، وفوق ما في السموات وما في الأرض من دابة، وأعلمنا أن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم، والمعطلة تزعم أن معبودهم تحت الملائكة.
ألم تسمعوا قول خالقنا: ï´؟يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليهï´¾؟ أليس معلوما في اللغة السائرة بين العرب -التي خوطبنا بها وبلسانهم نزل الكتاب- أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر وهو في السماء لا في الأرض؟ كذلك مفهوم عندهم أن المعارج: المصاعد، قال الله تعالى: ï´؟تعرج الملائكة والروح إليهï´¾، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا.
وقال جل وعلا: ï´؟سبح اسم ربك الأعلىï´¾، فالأعلى مفهوم في اللغة أنه أعلى كل شيء وفوق كل شيء، والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه وأعلمنا أنه العلي العظيم.
أفليس العلي -يا ذوى الحجا- ما يكون عليا؟ لا كما تزعم المعطلة الجهمية أنه أعلى وأسفل ووسط ومع كل شيء وفي كل موضع من أرض وسماء وفي أجواف جميع الحيوان.
ولو تدبروا آية من كتاب الله ووفقهم الله لفهمها لعقلوا أنهم جهال لا يفهمون ما يقولون وبأن لهم جهل أنفسهم وخطأ مقالتهم»..

قول الإمام الطحاوي رحمه الله:

الأحباش لا يحفظون من العقيدة الطحاوية إلا قوله رحمه الله: «لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات»..

والإمام الطحاوي لا يعني بتلك العبارة نفي علو الله عز وجل وفوقيته.. بل ينفي أن تكون الجهات حاويةً لله.. ويدل على ذلك قوله في موضع آخر: «والعرش والكرسي حق، كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه»..

قول الإمام الفقيه المجتهد ابن قدامة المقدسي.. صاحب المغني:

صنف هذا الإمام الجليل كتابه إثبات صفة العلو، وهو كتاب نافع في بابه.. جمع فيه الأدلة على علو الله على خلقه.. واستوائه على عرشه.. وذكر أقوال الصحابة والتابعين والأئمة..

قال فيه: «..فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء، من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم، يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجئ الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليد واتباعه على ضلالته»..

قول الإمام حافظ المغرب في زمانه أبي عمر بن عبد البر:

قال عنه السيوطي: (الحافظ الإمام).. وقال: (وساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان).. وثناء الأئمة عليه مشهور متوافر..

قال الحافظ ابن عبد البر في كتابه التمهيد عقب حديث النزول: «وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك..» ثم سرد الآيات والأدلة على ذلك..

وقال مبطلاً تهريف المعتزلة وتابعيهم من الأحباش: «وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد وهو الواحد الصمد»..

وقال في كلام جليل عظيم نافع لمن تدبره: «ومن الحجة أيضًا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين، من العرب والعجم، إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم»..

وقال: «وكذلك ليس جهلنا بكيفية [استوائه] على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه»..

وقال في كتابه الآخر الاستذكار: «ولولا أن موسى عليه السلام قال لهم: (إلهي في السماء) ما قال فرعون: يا هامان بن لى صرحًا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموت فأطلع إلى إله موسى..»..

يوسف التازي
11-01-15, 01:58 AM
لمن يزعم أننا خالفنا السلف الصالح.. هذه نقول عن العلماء والأئمة من السلف الصالح تثبت أن الله فوق عرشه.. فوق سماواته.. وللتوسع راجعوا كتاب إثبات صفة العلو لابن قدامة.. وكتاب العلو للعلي الغفار للذهبي.. وراجعوا مصنفات أهل السنة في العقيدة بصفة عامة..

قول الإمام الأوزاعي:

والأوزاعي هذا من أئمة السلف الكبار.. توفي عام 157هـ.. وقال عنه الحافظ المزي: (إمام أهل الشام فى زمانه فى الحديث و الفقه).. وقال عبد الرحمن بن مهدى: (الأئمة فى الحديث أربعة: الأوزاعي، و مالك، و سفيان الثوري، و حماد بن زيد).. وقال أيضًا: (ما كان بالشام أحدا أعلم بالسنة من الأوزاعي).. وقال ابن حبان: (كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهادهم).. وقال النسائي: (إمام أهل الشام وفقيههم)..

وقد اهتممت بذكر ترجمته لأن مدافع عن الحق -زعم- ذكرت له ذات مرة الإمام الآجري.. فلم يعرفه.. فلهذا التزمت بإذن الله بترجمة كل من أنقل عنهم في هذا الباب..

يقول الإمام الأوزاعي: «كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته».. قال ابن حجر الحافظ: (أخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي).. وذلك في فتح الباري..

قول مقاتل بن حيان:

قال عنه ابن حجر أنه صدوق فاضل.. وقال يحيى بن معين أنه ثقة.. وقال الذهبي أنه ثقة عالم صالح.. وقد ذكره السيوطي أيضًا في طبقات الحفاظ..

قال مقاتل بن حيان: «هو على عرشه وعلمه معهم».. ذكره عنه الحافظ الذهبي في كتابه العلو..

وقال الحافظ الذهبي: «وروى البيهقي بإسناده عن مقاتل بن حيان قال: (بلغنا والله أعلم في قوله تعالى: ﴿هو الأول والآخر﴾ هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء ﴿والظاهر﴾ فوق كل شيء ﴿والباطن﴾ أقرب من كل شيء، وإنما قربه بعلمه وهو فوق عرشه)..».. وإسناده ليس بذاك..

قول الإمام مالك بن أنس:

والإمام مالك لا يخفى.. فلذلك لن أترجم له..

صح عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء».. أخرجه ابن قدامة في كتابه إثبات العلو.. وأخرجه اللالكائي أيضًا.. وإسناده صحيح..

وصح عنه أنه قال: «الاستواء معلوم.. والكيف مجهول».. وهذه أخرجها جمع من الأئمة عنه.. واشتهرت جدًا.. حتى غدت قاعدة أهل السنة في صفات الله..

ويعقب الحافظ الذهبي قائلاً: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الإستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله لا مثل له في صفاته ولا في إستوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا»..

قول حماد بن زيد:

وهو من الأئمة.. تقدم معنا ذكر قول عبد الرحمن بن مهدي: (الأئمة فى الحديث أربعة: الأوزاعي، و مالك، و سفيان الثوري، وحماد بن زيد).. وقال أيضًا: (ما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ولا من سفيان، ولا من مالك).. وقال: (ما رأيت أحدا لم يكتب الحديث أحفظ من حماد بن زيد).. وكان رحمه الله ضريرًا.. وقال عنه ابن حجر: (ثقة ثبت فقيه).. وأثنى عليه الذهبي قائلاً: (الإمام.. أحد الأعلام)..

قال حماد بن زيد: «إنما يدورون [أي الجهمية وأضرابهم كالأحباش] على أن يقولوا ليس في السماء إله».. ذكر ذلك عنه البخاري في خلق أفعال العباد.. وهو صحيح عنه.. قال الذهبي: (هذا إسناد كالشمس وضوحًا وكالإسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم).. وأخرجه ابن بطة في الإبانة كذلك..

قول جرير بن عبد الحميد:

قال عنه ابن حجر: (ثقة صحيح الكتاب).. قال عنه السيوطي: (القاضي.. أحد الأعلام.. وكان ثقة كثير العلم)..

وقال جرير بن عبد الحميد الضبي: «كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله».. ذكره الذهبي.. وإسناده جيد كما قال الألباني رحمه الله..

قول الإمام شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك:

قال عنه المزي: (أحد الأئمة الأعلام و حفاظ الإسلام).. وقال ابن حجر: (ثقة ثبت فقيه جواد عالم مجاهد).. وقال عبد الرحمن بن مهدي: (ما رأيت مثله).. وقال النسائي: (لا نعلم فى عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك).. ولو تتبعنا ثناء الأئمة عليه لما انتهينا..

لما قيل لعبد الله بن المبارك: (كيف نعرف ربنا عزوجل؟).. قال: «في السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض».. فقيل هذا لأحمد بن حنبل فقال: «هكذا هو عندنا».. أخرجه الدارمي وابن بطة وغيرهما.. وإسناده صحيح عنه..

وقال ابن المبارك أيضًا عن الجهمية: «..فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء».. في سنده رجل لم يسمَّ..

قول عباد بن العوام:

وعباد هذا ذكره السيوطي في طبقات الحفاظ.. وقال ابن حجر هو ثقة.. قال عباد بن العوام: «كلمت بشرا المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء».. وإسناده صحيح أو حسن على أقل تقدير..

قول سعيد بن عامر:

وهو عالم البصرة.. قال عنه ابن حجر: (ثقة صالح).. وقال قال زياد بن أيوب: (ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر).. وذكره السيوطي ضمن الحفاظ..

قال عالم البصرة سعيد بن عامر عن الجهمية: «هم شر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله عز وجل على العرش وقالوا هم ليس على شيء».. ذكره عنه البخاري في خلق أفعال العباد..

قول الإمام عبد الرحمن بن مهدي:

وعبد الرحمن بن مهدي من أئمة السلف.. توفي عام 198هـ.. قال صدقة بن الفضل المروزى: (أتيت يحيى بن سعيد القطان أسأله عن شىء من الحديث، فقال لى: الزم عبد الرحمن بن مهدى).. ولما تُكلم فيه أمام أحمد بن حنبل قال: (يجىء إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه؟!).. وقيل له: (كان عبد الرحمن حافظا؟) فقال: (حافظ، وكان يتوقى كثيرًا، كان يحب أن يحدث باللفظ).. وقال: (إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بن مهدى، فعبد الرحمن أثبت).. وقال الشافعى: (لا أعرف له نظيرا فى الدنيا)..

قال الإمام عبد الرحمن بن المهدي: «إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم».. وصحح إسناده الحافظ الذهبي.. وصححه ابن القيم كذلك.. وذكره البخاري في خلق أفعال العباد..

قول العابد الزاهد محمد بن مصعب:

وهو وإن كان ضعيفًا في الرواية.. لكنه كان من العباد.. ولقي الأوزاعي وطبقته.. فهو يعبر عن عقيدة العلماء في ذلك الزمان..

قال محمد بن مصعب العابد: «من زعم أنك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك، أشهد أنك فوق العرش، فوق سبع سموات، ليس كما تقول أعداء الله الزنادقة».. رواه الدارقطني في الصفات بإسناد صحيح.. ورواه غيره كذلك..

قول الإمام قتيبة بن سعيد:

قال عنه ابن حجر أنه ثقة ثبت.. وقال عن السيوطي أنه أحد أئمة الحديث..

قال الإمام قتيبة بن سعيد: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة، نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾..».. ذكره الذهبي عن أبي أحمد الحاكم وأبي بكر النقاش -وفيهما ضعف- عن أبي العباس السراج -الحافظ الثقة- عن قتيبة بن سعيد..

قول الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة.. طيب الله ثراه:

وبالطبع لن أترجم له.. فمثله لا يخفى أبدًا.. رحمه الله كان ناصر السنة وأهلها..

قيل لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل: (الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟) قال: «نعم، هو على عرشه ولا يخلو شيء من علمه».. أخرجه اللالكائي وابن بطة وغيرهما..

وقال الإمام أحمد في رده على الجهمية (عندي منه نسخة مخطوطة وأنا أنقل منها): «باب ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقال: ﴿خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾، فقالوا هو تحت الأرضين السبع كما هو فوق العرش وفي السماوات والأرض وفي كل مكان ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان، وتلوا آية من القرءان: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾، فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء، فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة، ليس فيها من عظم الرب شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾، ﴿أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾، وقال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾، وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك إليّ﴾، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾، وقال: ﴿وله من في السموات والأرض ومن عنده﴾، وقال: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾، وقال: ﴿ذي المعارج﴾، وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾، وقال: ﴿وهو العلي العظيم﴾، فهذا خبر الله، أخبرنا أنه في السماء».. انتهى..

قول ابن الأعرابي إمام اللغة في زمانه:

قال أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: «أخبرني الأزهري أنبأنا محمد بن العباس أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي حدثنا داود بن علي قال كان عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل فقال: (يا أبا عبد الله ما معنى قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾..؟ قال: (هو على عرشه كما أخبر) فقال الرجل: (ليس كذاك إنما معناه استولى).. فقال: (اسكت ما يدريك ما هذا؟ العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى، والله تعالى لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر».. ورواه الذهبي بإسناد آخر..

قول الإمام البخاري.. إمام الدنيا في الحديث:

وأما الإمام البخاري فقد بوب في صحيحه ضمن كتاب التوحيد: «باب: ﴿وكان عرشه على الماء﴾، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾.. قال أبو العالية: ﴿استوى إلى السماء﴾: ارتفع، ﴿فسواهن﴾ فخلقهن، وقال مجاهد: ﴿استوى﴾: علا ﴿على العرش﴾..»..

وفي هذا الباب روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات».. انتهى من صحيح البخاري..

وأما في كتابه (خلق أفعال العباد) ففيه الكثير الطيب في إثبات علو الله على خلقه.. وقد نقلت منه في ردي على المدعو الأشعري هداه الله.. ولا مانع من إعادته..

قال في كتابه هذا في باب: (باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون وأن يبدلوا كلام الله عز وجل):

«وقال وهب بن جرير: الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى»..

وقال: «وقال حماد بن زيد: القرآن كلام الله نزل به جبرائيل، ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله»..

وقال: «وقال ابن المبارك: (لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا بل على العرش استوى).. وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ قال: (فوق سماواته على عرشه)..»..

وقال أيضًا: «وقال سعيد بن عامر: الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم ليس على العرش شيء»..

وقال البخاري أيضًا: «وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك جهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أومن برب يفعل ما يشاء»..

وقال البخاري: «وقال عبد الله بن أنيس رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ”إن الله يحشر العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك وأنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة“..».. وهذا ليس في موضوعنا لكن الأحباش ينكرونه أيضًا..فلا بأس من ذكره..

وقال: «وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في السماء»..

وقال: «وقال ابن مسعود في قوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ قال: العرش على الماء، والله فوق العرش، وهم يعلم ما أنتم عليه».. وقد تقدم معنا..

وقال: «وقال علي: (..وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت لي أن في السماء إلها)..»..

فهذه النقول توضح عقيدة البخاري أن الله في السماء على عرشه.. وعقيدة السلف الصالح ممن نقل هو عنهم رضي الله عنه وعنهم..

قول الإمامين أبي زرعة وأبي حاتم الرازيان:

وهما من أشهر الأئمة الكبار.. ولكن لا أستبعد أن يتبجح حبشي جاهل ويقول أنه لا يعرفهما.. قال الحافظ المزي عن أبي زرعة: (أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين).. وقال النسائي أنه ثقة.. وقال أبو بكر الخطيب: (كان إمامًا ربانيًا حافظًا متقنًا مكثرًا صادقًا).. وقال أحمد بن حنبل: (ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق بن راهويه، و لا أحفظ من أبى زرعة).. وأما أبو حاتم فقال عنه المزي والخطيب: (كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات المشهورين بالعلم المذكورين بالفضل).. وقال ابن حجر: (أحد الحفاظ)..

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبي [أي أبا حاتم] وأبا زرعة رحمهما الله تعالى عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم أن الله تبارك وتعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف أحاط بكل شيء علما».. وهذان الإمامان الجليلان ينقلان الإجماع على كون الله على عرشه.. بائن من خلقه.. وإسناده عنهما صحيح ثابت..

قول الإمام العلامة ناصر السنة عثمان بن سعيد الدارمي:

رحمة الله عليه.. كان شوكة في حلوق المبتدعة.. ذكره السيوطي في طبقات الحفاظ.. وقال: (الإمام الحافظ الحجة).. ونقل عن أبي الفضل يعقوب القراب قال: (ما رأينا مثل عثمان بن سعيد ولا رأى هو مثل نفسه).. وقال السيوطي: (وله تصانيف في الرد على الجهمية)..

ومن هذه التصانيف كتابه (النقض على المريسي).. قال فيه: «اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته».. وهاهو ينقل الإجماع على ذلك..

وقال الدارمي فيه أيضًا: «وكان الله بكماله على عرشه».. وقال أيضًا: «وهو على عرشه فوق سماواته»..

ومن تصانيفه (الرد على الجهمية).. قال فيه: «فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به، لأنه مذكور في القرآن، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وكالذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون، أتقرون أن لله عرشا معلوما موصوفا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه..؟ فأبى أن يقر به كذلك وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح».. وما أوضحه من كلام من إمام من أئمة السلف..

وبوب في كتابه هذا فقال: «باب استواء الرب تبارك وتعالى على العرش، وارتفاعه إلى السماء، وبينونته من الخلق، وهو أيضا مما أنكروه».. وذكر فيه آيات العلو والاستواء..

وقال في كتابه هذا ردًا على الجهمية في استدلالهم بآية النجوى: «قلنا هذه الآية لنا عليكم، لا لكم، إنما يعني: أنه حاضر كل نجوى ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائن من خلقه يعلم السر وأخفى»..

وقال: «وعلمنا يقينا بلا شك أن الله فوق عرشه فوق سمواته كما وصف، بائن من خلقه»..

وقال: «فالله تبارك وتعالى فوق عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد».. رحمة الله عليه.. كان شوكة -ولا زال- في حلوق أهل التعطيل..

وروى بإسناد صحيح عن قتادة أنه قال: «قالت بنو إسرائيل يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك قال إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم».. وما كان ليحدث عن بني إسرائيل بما هو كفر وتشبيه وهو من التابعين.. أفادني هذا المعنى أخي الحبيب الفاضل عبد الله الخليفي حفظه الله ونفعني به..

وقال أيضًا ذلك الإمام الجليل: «والأحاديث عن رسول الله وعن أصحابه والتابعين ومن بعدهم في هذا أكثر من أن يحصيها كتابنا، هذا غير أنا قد اختصرنا من ذلك ما يستدل به أولوا الألباب أن الأمة كلها والأمم السالفة قبلها لم يكونوا يشكون في معرفة الله تعالى أنه فوق السماء بائن من خلقه، غير هذه العصابة الزائغة عن الحق المخالفة للكتاب وأثارات العلم كلها».. ثم قال: «وظاهر القرآن وباطنه كله يدل على ذلك لا لبس فيه ولا تأول إلا لمتأول جاحد يكابر الحجة وهو يعلم أنها عليه»..

وقال: «ففي قوله تبارك وتعالى: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ دلالة ظاهرة أن الله عز وجل فوق السماء؛ لأن أبواب السماء إنما تفتح لأرواح المؤمنين ولرفع أعمالهم إلى الله عز وجل»..

وقال أيضًا رحمه الله: «فمن آمن بهذا القرآن الذي احتججنا منه بهذه الآيات، وصَدَّق هذا الرسول الذي روينا عنه هذه الروايات، لزمه الإقرار بأن الله بكماله فوق العرش فوق سماواته وإلا فليحتمل قرآنا غير هذا فإنه غير مؤمن بهذا»..

وقال: «والآثار التي جاءت عن رسول الله في نزول الرب تبارك وتعالى تدل على أن الله عز وجل فوق السموات على عرشه بائن من خلقه»..

وقال رحمه الله: «ونكفرهم أيضا أنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بأين، والله قد وصف نفسه بأين ووصف به الرسول، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾، و﴿إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا﴾، و﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾، ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾، ونحو هذا، فهذا كله وصف بأين، ووصفه رسول الله بأين فقال للأمة السوداء: ”أين الله؟“ قالت في السماء»..

وقال: «وإله المصلين من المؤمنين الذين يقصدون إليه بعبادتهم الرحمنُ، الذي فوق السماء السابعة العليا وعلى عرشه العظيم استوى»..

قول الإمام ابن قتيبة صاحب التصانيف:

وكذلك يقول الإمام ابن قتيبة: «وكيف يسوغ لأحد أن يقول إن الله سبحانه بكل مكان على الحلول فيه مع قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ومع قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾، كيف يصعد إليه شيء هو معه وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه، ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرتهم وما ركبت عليه ذواتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله عزوجل هو العلي وهو الأعلى وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه والأمم كلها عجميها وعربيها تقول إن الله في السماء ما تركت على فطرها»..

قول الإمام الترمذي صاحب السنن:

قال الإمام الترمذي في سننه: «وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه»..

قول إمام الأئمة.. العالم الجليل.. الحبر.. محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله:

قال عنه السيوطي في طبقات الحفاظ: (الحافظ الكبير الثبت إمام الأئمة شيخ الإسلام).. وقال عنه ابن حبان: (وكان رحمه الله أحد أئمة الدنيا علما وفقها وحفظا وجمعا واستنباطا حتى تكلم في السنن بإسناد لا نعلم سبق إليها غيره من أئمتنا مع الإتقان الوافر والدين الشديد)..

قال هذا الإمام ابن خزيمة في كتابه التوحيد: «من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سمواته بائن من خلقه فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحته أهل القبلة وأهل الذمة»..

وقال في مقدمة كتابه الجليل ذاك: «علا ربنا، فكان فوق سبع سمواته عاليا، ثم على عرشه استوى»..

وقال فيه أيضًا: «فسمع الله جل وعلا كلام المُجادِلةِ وهو فوق سبع سموات مستو على عرشه»..

وبوّب فيه قائلاً: «باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى، الفعال لما يشاء، على عرشه، فكان فوقه وفوق كل شيء عاليا، كما أخبر الله جلا وعلا»..

وقال أيضًا: «فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا، أن خالقنا مستو على عرشه، لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذى قيل لنا، كما قالت المعطلة الجهمية إنه استولى على عرشه لا استوى، فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم، كفعل اليهود كما أمروا أن يقولوا حطة فقالوا حنطة مخالفين لأمر الله جل وعلا، كذلك الجهمية».. أقول: رحمة الله على ابن خزيمة الإمام.. وكذلك الأحباش..

وبوّب بابًا آخر فقال: «باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء، كما أخبرنا في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم أحرارهم ومماليكهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله إلى أعلاه لا إلى أسفل»..

وقال أيضًا: «فاسمعوا الآن ما أتلو عليكم من كتاب ربنا، الذى هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب، مما هو مصرح في التنزيل أن الرب جل وعلا في السماء، لا كما قالت الجهمية المعطلة إنه في أسفل الأرضين، فهو في السماء عليهم لعائن الله التابعة.
قال الله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾، وقال الله تعالى: ﴿أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾، أفليس قد أعلمَنا -يا ذوي الحجا- خالقُ السموات والأرض وما بينهما في هاتين الآيتين أنه في السماء؟
وقال عز وجل: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾، أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا والألباب أن الرب جل وعلا فوق من يتكلم بالكلمة الطيبة؛ فتصعد إلى الله كلمته لا كما زعمت المعطلة الجهمية أنه تهبط إلى الله الكلمة الطيبة كما تصعد إليه.
ألم تسمعوا يا طلاب العلم قوله تبارك وتعالى لعيسى ابن مريم: ﴿يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾، أليس إنما يرفع الشيء من أسفل إلى أعلى لا من أعلى إلى أسفل؟ وقال الله عز وجل: ﴿بل رفعه الله إليه﴾، ومحال أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها أو إلى موضع أخفض منه وأسفل
فيقال رفعه الله إليه؛ لأن الرفعة في لغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا لا تكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق.
ألم تسمعوا قول خالقنا جل وعلا يصف نفسه ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾؟ أو ليس العلم محيطا إن الله فوق جميع عباده من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات جميعا؟
أو لم تسمعوا قول الخالق البارئ ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾؟
فأعلمنا الجليلُ جل وعلا في هذه الآية أيضًا أن ربنا فوق ملائكته، وفوق ما في السموات وما في الأرض من دابة، وأعلمنا أن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم، والمعطلة تزعم أن معبودهم تحت الملائكة.
ألم تسمعوا قول خالقنا: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾؟ أليس معلوما في اللغة السائرة بين العرب -التي خوطبنا بها وبلسانهم نزل الكتاب- أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر وهو في السماء لا في الأرض؟ كذلك مفهوم عندهم أن المعارج: المصاعد، قال الله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا.
وقال جل وعلا: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فالأعلى مفهوم في اللغة أنه أعلى كل شيء وفوق كل شيء، والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه وأعلمنا أنه العلي العظيم.
أفليس العلي -يا ذوى الحجا- ما يكون عليا؟ لا كما تزعم المعطلة الجهمية أنه أعلى وأسفل ووسط ومع كل شيء وفي كل موضع من أرض وسماء وفي أجواف جميع الحيوان.
ولو تدبروا آية من كتاب الله ووفقهم الله لفهمها لعقلوا أنهم جهال لا يفهمون ما يقولون وبأن لهم جهل أنفسهم وخطأ مقالتهم»..

قول الإمام الطحاوي رحمه الله:

الأحباش لا يحفظون من العقيدة الطحاوية إلا قوله رحمه الله: «لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات»..

والإمام الطحاوي لا يعني بتلك العبارة نفي علو الله عز وجل وفوقيته.. بل ينفي أن تكون الجهات حاويةً لله.. ويدل على ذلك قوله في موضع آخر: «والعرش والكرسي حق، كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه»..

قول الإمام الفقيه المجتهد ابن قدامة المقدسي.. صاحب المغني:

صنف هذا الإمام الجليل كتابه إثبات صفة العلو، وهو كتاب نافع في بابه.. جمع فيه الأدلة على علو الله على خلقه.. واستوائه على عرشه.. وذكر أقوال الصحابة والتابعين والأئمة..

قال فيه: «..فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء، من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم، يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجئ الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليد واتباعه على ضلالته»..

قول الإمام حافظ المغرب في زمانه أبي عمر بن عبد البر:

قال عنه السيوطي: (الحافظ الإمام).. وقال: (وساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان).. وثناء الأئمة عليه مشهور متوافر..

قال الحافظ ابن عبد البر في كتابه التمهيد عقب حديث النزول: «وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك..» ثم سرد الآيات والأدلة على ذلك..

وقال مبطلاً تهريف المعتزلة وتابعيهم من الأحباش: «وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد وهو الواحد الصمد»..

وقال في كلام جليل عظيم نافع لمن تدبره: «ومن الحجة أيضًا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين، من العرب والعجم، إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم»..

وقال: «وكذلك ليس جهلنا بكيفية [استوائه] على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه»..

وقال في كتابه الآخر الاستذكار: «ولولا أن موسى عليه السلام قال لهم: (إلهي في السماء) ما قال فرعون: يا هامان بن لى صرحًا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموت فأطلع إلى إله موسى..»..

يوسف التازي
11-01-15, 02:00 AM
روى البزار في مسنده بإسناد صحيح.. وكذلك روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال يوم أن مات النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم حي لا يموت»..

ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام استقبله الناس، وهو على بعيره، فقالوا: (يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونًا يلقاك عظماء الناس ووجوههم)، فقال عمر رضي الله عنه: «ألا أريكم ههنا..؟ إنما الأمر من ههنا» فأشار بيده إلى السماء.. قال الحافظ الذهبي: إسناده كالشمس..

وصح عنه أيضًا أنه قال: «ويل لديان الأرض من ديان السماء يوم يلقونه، إلا من أمر بالعدل فقضى بالحق».. وفي رواية: سلطان بدلاً من ديان..

وروى الدارمي بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات.. هذه خولة بنت ثعلبة»..

وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة».. أخرجه اللالكائي والطبري في تفسيره..

وكذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: «والعرش فوق الماء، والله عز وجل فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم».. أخرجه اللالكائي بسند صحيح..

وقالت عائشة رضي الله عنها: «وايم الله إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقتلت -يعني عثمان رضي الله عنه- ولكن علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله».. أخرجه عنها الدارمي في رده على الجهمية.. وإسناده صحيح..

وقال زيد بن أسلم: مر ابن عمر براعٍ فقال: «هل من جزرة؟» فقال: (ليس هاهنا ربها) قال ابن عمر: «تقول له أكلها الذئب» فرفع رأسه إلى السماء وقال: (فأين الله؟).. فقال ابن عمر: «أنا والله أحق أن أقول أين الله».. واشترى الراعي والغنم فأعتقه وأعطاه الغنم..

وقال ابن عباس لعائشة رضي الله عنهما وهي تموت: «كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يحب إلا طيبًا، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات».. رواه الدارمي بإسناد صحيح..

يوسف التازي
11-01-15, 02:01 AM
القرآن "عبارة" عن كلام الله تعالى عند الحبشي



يعتقد الأحباش أن القرآن الذي بين أيدينا ليس بكلام الله، بل هو معبراً عن كلام الله، أي هو كلام جبريل معبراً به عن كلام الله النفسي، فقد قال الحبشي بأنه يطلق عليه كلام الله مجازاً لا حقيقة، قال: (فهو عبارة عن كلام الله بمعنى أنه يحكي كلام الله، ليس هو بنفسه كلام اللـه).1 وقال في موضع آخر: (فكلام الله النفسي الذي ليس هو حرفاً ولا لغة هو كلام الله الحقيقي، أما القرآن المتضمن للألفاظ فهو مخلوق، لكن يمكن إطلاق لفظ القرآن عليه من باب المجاز)2.

وهذا لا يختلف عن رأي الجهمية والمعتزلة القائلين بأن القرآن الذي هو كلام الله مخلوق. وقد أكد الحبشي3 بأن القرآن هو كلام جبريل فقال (هو عبارة عن كلام الله الذاتي) وقال أيضا في نفس المصدر (فلو كان القرآن يراد به حيث ذكر كلام الله الذاتي لم يضفه الله تبارك وتعالى إلى جبريل)، أي أن القرآن في الحقيقة هو كلام جبريل وليس هو بكلام الله تعالى. بل استهزأ الحبشي بالذين يعتقدون أن القرآن هو كلام الله تعالى فقال: (بل اعتقادهم أن الله تبارك وتعالى يتكلم بكلام يبدأ به ثم ينتهي وينقضي وهكذا على ما هو المعهود بين العباد). من هنا أخي تعلم أن الحبشي مخالف لعقيدة أهل السنة لأنه يقصد هنا بالعباد أي عامة أهل السنة ثم قال: (ولا يفهمون [أي جمهور أهل السنة] من كلام الطحاوي غير هذا الفهم الفاسد فليتنبه لذلك)، ثم رد على ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية وحذر من شرحه لهذه العقيدة لأنها تختلف وأهواءه

واعلم أخي أن هذا القول مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة، فقد قال الطحاوي: "منه بدأ بلا كيفية قولاً." قال ابن أبي العز: "أي ظهر منه ولا يُدرى كيفية تكلُمِه به". وأكد هذا المعنى بقوله "قولاً" أتى بالمصدر المعروف للحقيقة كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمجاز في قوله: {وكلم الله موسى تكليما}4 فماذا بعد الحق إلا الضلال".5

ولقد قال معتزلي لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: (أريد أن تقرأ {وكلم الله موسى} بنصب اسم الله ليكون موسى هو المتكلم لا الله). فقال له أبو عمرو: "هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: {ولما جاءَ موسى لميقاتنا وكلّمهُ ربُّه}6، فبهت المعتزليّ".7

ونحب أن نذكر كلام الإمام عبد العزيز مع الاختصار من كتابه "الحيدة": قال للمريسي الذي كان يعتقد بخلق القرآن: "يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: إما أن تقول إن الله خلق القرآن وهو عندي كلامه في نفسه، أو خلقه قائماً بذاته ونفسه أو خلقه في غيره". قال: أقول خلقه كما خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشراً، فقد انقطع

فقال الامام عبد العزيز: "إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لأن الله لا يكون محلاً للحوادث المخلوقة، ولا يكون منه شيء مخلوقاً، وإن قال خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه. وإن قال خلقه قائماً بنفسه وذاته فهذا محال لا يكون الكلام إلا من متكلم كما لا تكون الإرادة إلا من مريد والعلم إلا من عالم ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً عُلم أنه صفة لله".8

وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، مذهب السلف والخلف كلهم متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. كما أنهم متفقون على أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء فقد قال الإمام الطحاوي -ومعلوم أن عقيدة الإمام الطحاوي هي عقيدة أهل السنة والجماعة- قال: "أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديماً وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة".9

فنعلم من هنا أن قول الحبشي باطل ومخالف للقرآن وللسنة النبوية ولسلف وخلف أهل السنة والجماعة، فأما مخالفتهم للقرآن فهناك الكثير من الآيات التي لا نستطيع أن نذكرها هنا، فنكتفي بصراحة هذه الآية: {ولا يكلِّمُهم الله وَلا ينظُرُ إليهم}.10 فهنا ذكر الله تعالى أنه يوم القيامة يكلم المؤمنين، فعلم أن كلامه ليس كلاما نفسيا، بل هو كلام حقيقة لا مجال للتأويل فيه مع وجود صراحة القرآن بذلك. وأما مخالفته للسنة النبوية فنذكر قوله عليه الصلاة والسلام وهو يستعيذ بالله قال: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوِزُهُنَّ برٌ ولا فاجر".11

وأما مخالفته لأئمّة أهل السنة والجماعة فنذكر هنا قول أبي حنيفة رضي الله عنه قال: "وهو (أي القرآن) كلام الله محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف".

يوسف التازي
11-01-15, 02:02 AM
تأويل الأحباش الاستواء بالاستيلاء



يقول الحبشي: إن بعض أهل الحق [أي أنصار الجهمية والمعتزلة] يقولون في قوله تعالى

الرحمن على العرش استوى أي قهر، وبعضهم عبّر باستولى وهذا أشرف أنواع التأويلات وأقربها إلى الصواب.1

فالحمد لله الذي فضح هذا الرجل بما سترونه الآن: هو يفخر بأنه أشعري العقيدة، ويفخر بكتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري. ومن خلال هذا الكتاب سيتم تبيين كذب المفتري الحبشي وموافقته للمعتزلة. فقد نص الحافظ ابن عساكر "بأن المعتزلة قالت: (استوى أي استولى على العرش). وأن المشبهة قالت (استوى أي استوى كاستوائنا) فسلك أبو الحسن طريقا وسطا بينهما".2 فهذا شيخك الأشعري يسلك طريقا مخالفا لقول المعتزلة فبماذا تجيبون أيها الأحباش؟؟؟

ثم هذا القول المرذول مخالف للقرآن والسنة وأقوال السلف الصالح وأئمة هذه الأمة المعتبرين. فيا من تدعون أنكم على مذهب الشافعي متى فسّر الشافعي الاستواء بالاستيلاء؟

هذا وقد كفّر الحبشي وأتباعه كل من يعتقد أن الله في السماء فوق عرشه، فقد قيل هذا الكلام في دروسه ودروس أتباعه وكلها موجودة لدينا مسجلة بأصواتهم.

فقد كان يحذر الناس في كتابه "إظهار العقيدة السنية"3 ألا يفتتنوا بتأويل من أسماه بالضال المضل ابن تيمية وتلامذته أمثال ابن أبي العز. وقال أيضاً:4 (أنه قد شرح هذه العقيدة [أي العقيدة الطحاوية] شارح زائغ دعا فيها إلى الضلال والكفر). يقصد هنا ابن أبي العز الحنفي. وابن أبي العز إمامٌ من أئمة الأحناف الكبار المشهورين، وهو شارح العقيدة الطحاوية والتي سار في شرحها على مذهب أهل السنة والجماعة، وقال الحبشي: (إن ابن أبي العز وغيره قالوا بأن الله في السماء)، وأوّل قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}5 قال: (بأن المقصود بها جبريل أو الملائكة). فنقول: أما قولهم بأن المقصود بالآية الملائكة فهو مرفوض، لأن الصيغة أتت بالمفرد ولم تأت بصيغة الجمع، فلم يقل سبحانه وتعالى: (ءأمنتم من في السماء أن يخسفوا بكم الأرض) ولكنه تعالى قال: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}. وحين تقول ذلك لحبشي يقول لك بأنه قد ثبت إطلاق الجمع على المفرد كقوله تعالى: {إنّا نحن نزلنا الذكر}،6 وهذا صحيح، ولكن لا يصح إطلاق المفرد على الجمع، أي لا يصح أن تقول "جاءني رجل" وأنت تقصد رجالاً عديدين، فهذا محال. وأما قولهم بأن المقصود في الآية هو جبريل فهو كذلك قول مرفوض لوجوه عديدة، منها

أولاً: إن الله لم يقل في كتابه: {ءأمنتم} إلا إذا كان المقصود بذلك هو الله، لا أحد غيره من المخلوقات، كما في: [سورة النمل: 45، الأعراف: 97 و99، يوسف: 107 والإسراء: 68]. بل قد جاء في سورة النحل ما يدحض كذبه، فقال تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض}، فقولهم إذن مردود

ثانياً: قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}، أي ضل من تدعون إلا الله، وقوله تعالى: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً}، 7 والآن انتبهوا إلى آخر الآية: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً}،8 فلا مجال للشك في أن الضمير في كلا الآيتين عائد إلى الله تعالى: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً}9، وخير ما فُسِّر به القرآن: القرآن

وهذا يبطل تأويل تلك الجماعة لأنه لا فرق بين قوله تعالى: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً}، وبين قوله تعالى: {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً}، فلا مجال للشك في أن المقصود بمن في السماء هو الله، لأن المقصود بالآية الأولى هو الله تعالى، لذلك بطل التأويل في الآية الثانية بأن المقصود هو جبريل أو الملائكة، ومن زعم أن الآية تعني جبريل فكأنما جعل الآية التي قبلها: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}، أي جبريل، وهذا شرك بالله عزّ وجلّ

ثالثاَ: إن قوله تعالى: {يرسل عليكم حاصباً}، دال على أن الله هو الذي يرسل الحاصب سواء كان إرساله عن طريق جبريل أو أي ملك آخر، فلا يصح أن يكون جبريل هو المُرْسِل لأنه رسولٌ مُرْسَلٌ من ربه ليس هو مرسِل وإنما مُرسَل، بفتح السين لا بكسرها. ولقد جاء في كتاب الله ما يقارب المائة وثمانية وعشرين (128) آية يذكر الله تعالى فيها أنه هو المرسل، كقوله تعالى أنه: يرسل الريح والأبابيل وأمثال ذلك، ولم نجد آية واحدة يذكر فيها أن جبريل أو أن الملائكة يرسلون العذاب إلى الناس، والله تعالى لديه رسل يرسل بهم عذابه أو رحمته، فهل يعقل أن يكون للمرسَلين رسل يرسلون بهم عذابهم؟؟؟

رابعاً: يحذّر الله تعالى عباده أن يخافوا أحداً غيره فيقول: {فلا تخشوهم واخشون}،10 وقوله في مدحه للمؤمنين: {ولا يخشون أحداً إلا اللـه}،11 فكيف يقول ذلك ثم يخالفه بأن يقول لهم: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}، ويعني بذلك -وفقاً لتأويلهم الباطل- تخويف عباده من ملائكته أو من جبريل. وبهذا تعلم -أخي القارئ- أن التناقض ليس من آيات الله وكلامه، وإنما هو ممن يفرون بتأويل آيات الله التي تخالف مذهبهم، فيقعون بأشر مما ظنوه شرا وما يكاد الواحد منهم يظن بأنه قد فر من محظور إلا ويقع في محظور أشد منه، وهذا كله من عواقب التأويل السيئة

خامساً: جاء في تفسير هذه الآية، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "[ءأمنتم عذاب من في السماء، وهو الله عز وجل]".12 وقال ابن جرير رحمه الله: "{ءأمنتم من في السماء}، هو الله: {أن يرسل عليكم حاصباً} وهو التراب فيه الحصباء الصغار".13

وأما ابن كثير وابن قتيبة فقد قرنوا قوله تعالى في الآيتين اللتين قارنّا بينهما من قبل، وهو قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}، وقوله: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً}.14

أما الإمام القرطبي فقد قال: "قال ابن عباس رضي الله عنهما: {ءأمنتم من في السماء}، ءأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه"، ثم قال: "ولم ينكر أحد من السلف أنّ استواءه على عرشه حقيقة، وخصّ بذلك العرش لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا يُعْلَمُ حقيقة كيفيته".15

وقال المراغي في تفسيره: "{ءأمنتم من في السماء}، أي ءأمنتم أن يخسف ربكم بكم الأرض كما خسفها بقارون".16

وقال البيهقي رحمه الله تعالى: "{ءأمنتم من في السماء} وأراد مَن فوق السماء كما قال: {ولأصلبنكم في جذوع النخل}،17 يعني على جذوع النخل، وقال تعالى:{فسيحوا في الأرض}،18 يعني على الأرض. وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات. فمعنى الآية والله أعلم: ‘من على العرش’، كما صرح به في سائر الآيات".19

جارية ترعى الغنم أعلم بما يليق بالّله تعالى من الأحباش
ونقول للأحباش: ألستم تقرّون أن الله ليس كمثله شيء، فإن قلتم نعم؟ قلنا لكم: فلماذا إذن تجعلون ما يقاس على المخلوقات مثل ما يقاس على الله، ولماذا لا تثبتون الصفة مع إقرانها بـ{ليس كمثله شيء} وهذا كاف، ولماذا تقرون بأنه: {ليس كمثله شيء} وأنتم تقيسون البشر بخالقهم، هل عجزتم عن الأخذ بكلا الآيتين فتثبتون أنه في السماء كما وصف نفسه وتثبتون أنه: {ليس كمثله شيء}، كما قال أهل العلم: إعمال النصوص أولى من إبطالها

ولا يمكن أن يلزم منه أنه في حيز وأنه أصغر من السماء وأن العرش أكبر منه إلى غير ذلك، فلو كان هو اللازم لما وصف الله به نفسه. وهذا يلزم عند الموسوسين ولا نملك للموسوسين إلا أن ندعو لهم بالشفاء العاجل

ونفي أن الله في السماء هو تكذيب لكتاب الله حيث قال تعالى: {ءأمنتم من في السماء}، وتكذيب لرسول الله ïپ² لأنه ثبت في صحيح مسلم أنه سأل الجارية: "أين الله". فقالت: في السماء، قال: "من أنا". قالت أنت رسول الله، فقال لسيدها: "أعتقها فإنها مؤمنة".20 فهذا رسول الله ïپ² يشهد لها بالإيمان لقولها أن الله في السماء، والأحباش يشهدون لمن آمن بمثل ما آمنت به الجارية بأنه كافر، لأنه (جعل الله في حيز) كما يقولون

ولعمري، لقد كانت الجارية راعية الغنم أعلم بما يليق بالله من الأحباش، وإقرار الرسول ïپ² لها وعدم إنكاره عليها يؤيّد ما نقول، وحجتنا إقراره لها ذلك

وهناك العشرات من الآيات والأحاديث التي تدل على إثبات فوقية الله تعالى على عرشه، والعرش فوق السماء كما ثبت ذلك عن جميع الصحابة والتابعين، ويمكن الرجوع إلى المراجع التالية لمن أراد التوسع

الدر المنثور 1/44، 3/73 و4/273، و6/79 للسيوطي

الأسماء والصفات ص 296 و401 للبيهقي

العلوّ للعليّ الغفّار، للذهبي

- خلق أفعال العباد ص 31 و40 للبخاري، وغيرهم من الكتب ككتاب التوحيد لابن خزيمة، والعقيدة الطحاوية، والصواعق المرسلة لابن قيم، ومقالات الإسلاميين للأشعري وغير ذلك من الكتب.

تحريف الحبشي لقول أبي حنيفة رضي الله عنه
لقد حرف الحبشي قول أبي حنيفة، فنقل الحبشي عنه أنه قال: "من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أو في الأرض."

قال الحبشي: (إنما كفّر أبو حنيفة قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله في جهة وحيز).21 وهذا للأسف ما يردده تلامذته أو حاملي عقيدته

وقد ناقشت أحد حاملي هذه العقيدة وهو يدّعي أنه حنفي المذهب، فإذا به يردد هذه المقولة عن أبي حنيفة، فعندما أكملت له نص أبي حنيفة وتبين زيف الحبشي وافتراؤه على أبي حنيفة، وأن قول أبي حنيفة حجّة عليه، بُهِتَ وقال لي: (لكنّ مشايخي علموني هذا النص فقط، وهم أعلم مني في فقه أبي حنيفة). ويا ليته اكتفى بذلك ولكن عندما أتيته بالنص ظلّ متمسكا بعقيدته وبتحريفه لقول أبي حنيفة، ولكن لم يدرِ بماذا يرد علي، وانسحب من المجلس، فقلت له: "أنتم تدّعون أنكم أحناف وشافعية، ولكن الحقيقة أنكم مخالفون لهم، وتتأولون نصوصهم لأنكم لا تستطيعون تكفيرهم، ولو استطعتم ذلك لكفرتموهم، ولكنكم علمتم أن الأمة تصب نارها عليكم إذا أنتم تعرضتم لأحد من الأئمة الأربعة، فحرّفتم كلامهم من أجل أن تخدموا به باطلكم". ثم رد علي أحد أتباعه وهو واحد من الجهلة الذين يلتفون حوله، فقال لي مستهزءاً: (يعني هناك بحر كبير فوق السماء وفوقه العرش والله فوق العرش واضع رجله في الماء). فقلت له: "خسئت، أتهزأ بكتاب الله وبسنة نبيه فقد قال تعالى: {وكانَ عرشُهُ على الماء}.22

وقد زعم حبشي آخر أن كلمة: (كان) فعل ماض أي زال هذا الشيء، أي قبل أن يخلق السموات والأرض كان عرشه على الماء، ليس كذلك عرشه الآن على الماء كما كان. فقلت له بأن كلمة "كان" تعني كان ولم يزل، ألم تقرأ قوله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً}،23 فهل كلمة كان تعني أنه ما كان من قبل يهودياً ولا نصرانياً. كلا والله، بل كان مسلماً ولم يزل كذلك

وهناك الكثير من الآيات الدالة على كلمة كان بمعنى كان ولم يزل كقوله تعالى: {إن الله كان سميعاً بصيراً}.24 وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله لم يزل عالماً سامعاً غفوراً رحيماً... الخ. وكذلك نقول في حق العرش كما قال الربيع بن أنس: "فلما خلق (أي اللـه) السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفاً تحت العرش وهو البحر المسجور" وقال محمد بن إسحاق في هذه الآية: "فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والإكرام".

يوسف التازي
11-01-15, 02:03 AM
تأويل الأحباش الاستواء بالاستيلاء



يقول الحبشي: إن بعض أهل الحق [أي أنصار الجهمية والمعتزلة] يقولون في قوله تعالى

الرحمن على العرش استوى أي قهر، وبعضهم عبّر باستولى وهذا أشرف أنواع التأويلات وأقربها إلى الصواب.1

فالحمد لله الذي فضح هذا الرجل بما سترونه الآن: هو يفخر بأنه أشعري العقيدة، ويفخر بكتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري. ومن خلال هذا الكتاب سيتم تبيين كذب المفتري الحبشي وموافقته للمعتزلة. فقد نص الحافظ ابن عساكر "بأن المعتزلة قالت: (استوى أي استولى على العرش). وأن المشبهة قالت (استوى أي استوى كاستوائنا) فسلك أبو الحسن طريقا وسطا بينهما".2 فهذا شيخك الأشعري يسلك طريقا مخالفا لقول المعتزلة فبماذا تجيبون أيها الأحباش؟؟؟

ثم هذا القول المرذول مخالف للقرآن والسنة وأقوال السلف الصالح وأئمة هذه الأمة المعتبرين. فيا من تدعون أنكم على مذهب الشافعي متى فسّر الشافعي الاستواء بالاستيلاء؟

هذا وقد كفّر الحبشي وأتباعه كل من يعتقد أن الله في السماء فوق عرشه، فقد قيل هذا الكلام في دروسه ودروس أتباعه وكلها موجودة لدينا مسجلة بأصواتهم.

فقد كان يحذر الناس في كتابه "إظهار العقيدة السنية"3 ألا يفتتنوا بتأويل من أسماه بالضال المضل ابن تيمية وتلامذته أمثال ابن أبي العز. وقال أيضاً:4 (أنه قد شرح هذه العقيدة [أي العقيدة الطحاوية] شارح زائغ دعا فيها إلى الضلال والكفر). يقصد هنا ابن أبي العز الحنفي. وابن أبي العز إمامٌ من أئمة الأحناف الكبار المشهورين، وهو شارح العقيدة الطحاوية والتي سار في شرحها على مذهب أهل السنة والجماعة، وقال الحبشي: (إن ابن أبي العز وغيره قالوا بأن الله في السماء)، وأوّل قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}5 قال: (بأن المقصود بها جبريل أو الملائكة). فنقول: أما قولهم بأن المقصود بالآية الملائكة فهو مرفوض، لأن الصيغة أتت بالمفرد ولم تأت بصيغة الجمع، فلم يقل سبحانه وتعالى: (ءأمنتم من في السماء أن يخسفوا بكم الأرض) ولكنه تعالى قال: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}. وحين تقول ذلك لحبشي يقول لك بأنه قد ثبت إطلاق الجمع على المفرد كقوله تعالى: {إنّا نحن نزلنا الذكر}،6 وهذا صحيح، ولكن لا يصح إطلاق المفرد على الجمع، أي لا يصح أن تقول "جاءني رجل" وأنت تقصد رجالاً عديدين، فهذا محال. وأما قولهم بأن المقصود في الآية هو جبريل فهو كذلك قول مرفوض لوجوه عديدة، منها

أولاً: إن الله لم يقل في كتابه: {ءأمنتم} إلا إذا كان المقصود بذلك هو الله، لا أحد غيره من المخلوقات، كما في: [سورة النمل: 45، الأعراف: 97 و99، يوسف: 107 والإسراء: 68]. بل قد جاء في سورة النحل ما يدحض كذبه، فقال تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض}، فقولهم إذن مردود

ثانياً: قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}، أي ضل من تدعون إلا الله، وقوله تعالى: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً}، 7 والآن انتبهوا إلى آخر الآية: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً}،8 فلا مجال للشك في أن الضمير في كلا الآيتين عائد إلى الله تعالى: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً}9، وخير ما فُسِّر به القرآن: القرآن

وهذا يبطل تأويل تلك الجماعة لأنه لا فرق بين قوله تعالى: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً}، وبين قوله تعالى: {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً}، فلا مجال للشك في أن المقصود بمن في السماء هو الله، لأن المقصود بالآية الأولى هو الله تعالى، لذلك بطل التأويل في الآية الثانية بأن المقصود هو جبريل أو الملائكة، ومن زعم أن الآية تعني جبريل فكأنما جعل الآية التي قبلها: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}، أي جبريل، وهذا شرك بالله عزّ وجلّ

ثالثاَ: إن قوله تعالى: {يرسل عليكم حاصباً}، دال على أن الله هو الذي يرسل الحاصب سواء كان إرساله عن طريق جبريل أو أي ملك آخر، فلا يصح أن يكون جبريل هو المُرْسِل لأنه رسولٌ مُرْسَلٌ من ربه ليس هو مرسِل وإنما مُرسَل، بفتح السين لا بكسرها. ولقد جاء في كتاب الله ما يقارب المائة وثمانية وعشرين (128) آية يذكر الله تعالى فيها أنه هو المرسل، كقوله تعالى أنه: يرسل الريح والأبابيل وأمثال ذلك، ولم نجد آية واحدة يذكر فيها أن جبريل أو أن الملائكة يرسلون العذاب إلى الناس، والله تعالى لديه رسل يرسل بهم عذابه أو رحمته، فهل يعقل أن يكون للمرسَلين رسل يرسلون بهم عذابهم؟؟؟

رابعاً: يحذّر الله تعالى عباده أن يخافوا أحداً غيره فيقول: {فلا تخشوهم واخشون}،10 وقوله في مدحه للمؤمنين: {ولا يخشون أحداً إلا اللـه}،11 فكيف يقول ذلك ثم يخالفه بأن يقول لهم: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}، ويعني بذلك -وفقاً لتأويلهم الباطل- تخويف عباده من ملائكته أو من جبريل. وبهذا تعلم -أخي القارئ- أن التناقض ليس من آيات الله وكلامه، وإنما هو ممن يفرون بتأويل آيات الله التي تخالف مذهبهم، فيقعون بأشر مما ظنوه شرا وما يكاد الواحد منهم يظن بأنه قد فر من محظور إلا ويقع في محظور أشد منه، وهذا كله من عواقب التأويل السيئة

خامساً: جاء في تفسير هذه الآية، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "[ءأمنتم عذاب من في السماء، وهو الله عز وجل]".12 وقال ابن جرير رحمه الله: "{ءأمنتم من في السماء}، هو الله: {أن يرسل عليكم حاصباً} وهو التراب فيه الحصباء الصغار".13

وأما ابن كثير وابن قتيبة فقد قرنوا قوله تعالى في الآيتين اللتين قارنّا بينهما من قبل، وهو قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}، وقوله: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً}.14

أما الإمام القرطبي فقد قال: "قال ابن عباس رضي الله عنهما: {ءأمنتم من في السماء}، ءأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه"، ثم قال: "ولم ينكر أحد من السلف أنّ استواءه على عرشه حقيقة، وخصّ بذلك العرش لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا يُعْلَمُ حقيقة كيفيته".15

وقال المراغي في تفسيره: "{ءأمنتم من في السماء}، أي ءأمنتم أن يخسف ربكم بكم الأرض كما خسفها بقارون".16

وقال البيهقي رحمه الله تعالى: "{ءأمنتم من في السماء} وأراد مَن فوق السماء كما قال: {ولأصلبنكم في جذوع النخل}،17 يعني على جذوع النخل، وقال تعالى:{فسيحوا في الأرض}،18 يعني على الأرض. وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات. فمعنى الآية والله أعلم: ‘من على العرش’، كما صرح به في سائر الآيات".19

جارية ترعى الغنم أعلم بما يليق بالّله تعالى من الأحباش
ونقول للأحباش: ألستم تقرّون أن الله ليس كمثله شيء، فإن قلتم نعم؟ قلنا لكم: فلماذا إذن تجعلون ما يقاس على المخلوقات مثل ما يقاس على الله، ولماذا لا تثبتون الصفة مع إقرانها بـ{ليس كمثله شيء} وهذا كاف، ولماذا تقرون بأنه: {ليس كمثله شيء} وأنتم تقيسون البشر بخالقهم، هل عجزتم عن الأخذ بكلا الآيتين فتثبتون أنه في السماء كما وصف نفسه وتثبتون أنه: {ليس كمثله شيء}، كما قال أهل العلم: إعمال النصوص أولى من إبطالها

ولا يمكن أن يلزم منه أنه في حيز وأنه أصغر من السماء وأن العرش أكبر منه إلى غير ذلك، فلو كان هو اللازم لما وصف الله به نفسه. وهذا يلزم عند الموسوسين ولا نملك للموسوسين إلا أن ندعو لهم بالشفاء العاجل

ونفي أن الله في السماء هو تكذيب لكتاب الله حيث قال تعالى: {ءأمنتم من في السماء}، وتكذيب لرسول الله  لأنه ثبت في صحيح مسلم أنه سأل الجارية: "أين الله". فقالت: في السماء، قال: "من أنا". قالت أنت رسول الله، فقال لسيدها: "أعتقها فإنها مؤمنة".20 فهذا رسول الله  يشهد لها بالإيمان لقولها أن الله في السماء، والأحباش يشهدون لمن آمن بمثل ما آمنت به الجارية بأنه كافر، لأنه (جعل الله في حيز) كما يقولون

ولعمري، لقد كانت الجارية راعية الغنم أعلم بما يليق بالله من الأحباش، وإقرار الرسول  لها وعدم إنكاره عليها يؤيّد ما نقول، وحجتنا إقراره لها ذلك

وهناك العشرات من الآيات والأحاديث التي تدل على إثبات فوقية الله تعالى على عرشه، والعرش فوق السماء كما ثبت ذلك عن جميع الصحابة والتابعين، ويمكن الرجوع إلى المراجع التالية لمن أراد التوسع

الدر المنثور 1/44، 3/73 و4/273، و6/79 للسيوطي

الأسماء والصفات ص 296 و401 للبيهقي

العلوّ للعليّ الغفّار، للذهبي

- خلق أفعال العباد ص 31 و40 للبخاري، وغيرهم من الكتب ككتاب التوحيد لابن خزيمة، والعقيدة الطحاوية، والصواعق المرسلة لابن قيم، ومقالات الإسلاميين للأشعري وغير ذلك من الكتب.

تحريف الحبشي لقول أبي حنيفة رضي الله عنه
لقد حرف الحبشي قول أبي حنيفة، فنقل الحبشي عنه أنه قال: "من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أو في الأرض."

قال الحبشي: (إنما كفّر أبو حنيفة قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله في جهة وحيز).21 وهذا للأسف ما يردده تلامذته أو حاملي عقيدته

وقد ناقشت أحد حاملي هذه العقيدة وهو يدّعي أنه حنفي المذهب، فإذا به يردد هذه المقولة عن أبي حنيفة، فعندما أكملت له نص أبي حنيفة وتبين زيف الحبشي وافتراؤه على أبي حنيفة، وأن قول أبي حنيفة حجّة عليه، بُهِتَ وقال لي: (لكنّ مشايخي علموني هذا النص فقط، وهم أعلم مني في فقه أبي حنيفة). ويا ليته اكتفى بذلك ولكن عندما أتيته بالنص ظلّ متمسكا بعقيدته وبتحريفه لقول أبي حنيفة، ولكن لم يدرِ بماذا يرد علي، وانسحب من المجلس، فقلت له: "أنتم تدّعون أنكم أحناف وشافعية، ولكن الحقيقة أنكم مخالفون لهم، وتتأولون نصوصهم لأنكم لا تستطيعون تكفيرهم، ولو استطعتم ذلك لكفرتموهم، ولكنكم علمتم أن الأمة تصب نارها عليكم إذا أنتم تعرضتم لأحد من الأئمة الأربعة، فحرّفتم كلامهم من أجل أن تخدموا به باطلكم". ثم رد علي أحد أتباعه وهو واحد من الجهلة الذين يلتفون حوله، فقال لي مستهزءاً: (يعني هناك بحر كبير فوق السماء وفوقه العرش والله فوق العرش واضع رجله في الماء). فقلت له: "خسئت، أتهزأ بكتاب الله وبسنة نبيه فقد قال تعالى: {وكانَ عرشُهُ على الماء}.22

وقد زعم حبشي آخر أن كلمة: (كان) فعل ماض أي زال هذا الشيء، أي قبل أن يخلق السموات والأرض كان عرشه على الماء، ليس كذلك عرشه الآن على الماء كما كان. فقلت له بأن كلمة "كان" تعني كان ولم يزل، ألم تقرأ قوله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً}،23 فهل كلمة كان تعني أنه ما كان من قبل يهودياً ولا نصرانياً. كلا والله، بل كان مسلماً ولم يزل كذلك

وهناك الكثير من الآيات الدالة على كلمة كان بمعنى كان ولم يزل كقوله تعالى: {إن الله كان سميعاً بصيراً}.24 وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله لم يزل عالماً سامعاً غفوراً رحيماً... الخ. وكذلك نقول في حق العرش كما قال الربيع بن أنس: "فلما خلق (أي اللـه) السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفاً تحت العرش وهو البحر المسجور" وقال محمد بن إسحاق في هذه الآية: "فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والإكرام".

يوسف التازي
11-01-15, 02:04 AM
الأحباش "الأشعريّون" يخالفون الإمام الأشعري في الاعتقاد
واعلم أن الأحباش يزعمون أنهم على مذهب الأشعري. كذبوا، بل هم بعيدون كل البعد عن مذهب الإمام الأشعري، ولكنّهم يزعمون ذلك حتى يرضوا عنهم عامة الناس، لأن عامة الناس يعلمون أن الأشعري إمام من أئمة أهل السنة والجماعة لأنه رجع إلى اعتقاد أهل السنة والجماعة وتراجع عن مذهب المعتزلة. ومن مخالفتهم للأشعري أنهم يؤوّلون قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، 26 باستولى، ولقد قال الأشعري: "وقالت المعتزلة استوى أي استولى".27 وقال الأشعري: "وليس استواء الله على العرش استيلاء كما قال أهل القدر".28

فــصــــل
نقول وللأسف لقد أصبح الجهال في هذا الزمان يزعمون أنهم هم العلماء، اغتروا بمدح الجهلة من عامة الناس لهم فنصبوا أنفسهم منازل الدعاة ومنازل العلماء حتى كثر الضلال وشاع، فأصبحت البدعة عندهم سنة والسنة بدعة حتى قاتلوا وكفّروا كل من سار على السنة الصحيحة. ولقد أخبرنا رسول الله وهو يخاطب صحابيا من أصحابه أن من علامات الساعة إضاعة الأمانة فقال "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". قيل كيف إضاعتها يا رسول الله. قال "إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".29 فيجب أن تسند الأمور إلى أهلها، وهم الرجال الصالحون والعلماء العاملون والأمناء المقتدرون والرؤساء المخلصون، فإذا أسندت الرياسات إلى الظلمة ووظائف العالم إلى الجهلة فيكون هذا من علامات الساعة التي أخبرنا عنها الصادق المصدوق

تكفير الإمام أبي حنيفة من أنكر أن الله تعالى في السماء
وها نحن أخي القارئ نبين لك نصّ قول أبي حنيفة رضي الله عنه الذي حرفه الأحباش، وذاك هو: "فقد روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه "الفاروق" بسنده إلى أبي مطيع البلخي، أنه سأل أبا حنيفة -رضي الله عنه- عمن قال لا أعرف ربّي في السماء أم في الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول: {الرحمن على العرش استوى} وعرشُهُ فوقَ سبعِ سماوات، قلت فإن قال إنه على العرش، ولكن يقول لا أدري العرشُ في السماء أم في الأرض. قال هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر". وزاد غيره من الرواة قوله: "لأن الله في أعلى عليين، وهو يُدعى من أعلى لا من أسفل".30

وقد ناقشت حبشياً، وهو الآن من المدرسين في مدارس الأحباش في سيدني، والأحباش يعتمدون عليه وعلى القليل من أمثاله لنشر ضلالهم بين المسلمين، فقلت له مستنداً بهذا القول وبغيره من الأحاديث التي تثبت العلو لله سبحانه وتعالى، قلت: "هل تعتقد أن الله في السماء." أجاب: لا. قلت لماذا. قال "لأن الاعتقاد بذلك كفر". قلت: كيف يكون كفرا وهذا القول الذي ذكرته لك يثبت ذلك. قال: "لأننا إذا قلنا بأن الله في السماء فقد حصرناه فيها والله بلا مكان، لأن المكان محاط بالجهات الست، والله محال عليه أن يكون محصوراً بين هذه الجهات الست، والإمام علي يقول: "كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان". قلت له إن هذا القول عن الإمام علي ضعيف، ولكن على افتراض أنه صحيح، فهل يُستدلّ بهذا القول على أن الله ليس في السماء

إن الإمام علي قال -إن صحّ عنه هذا القول- بأن الله كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. نحن نثبت جهةً أثبتها الله لنفسه وهي جهة الفوق كما قال سبحانه مخبراً عن نفسه: {ءأمنتم من في السماء} ثم قلت له ماذا تقول في هذه الآية: "ءأمنتم من في السماء" قال: المقصود بها جبريل. قلت وماذا تفعل بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، قال: الخلف قالوا بأن استوى أي استولى، قلت والسلف قالوا في تفسير هذه الآية أي أن الله فوق العرش. قال ولكن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أحكم! قلت إذا كان السلف أسلم فيجب على كل مسلم أن يسير على طريقهم لأن طريقهم أسلم من الخلف الذين حكّموا عقولهم المريضة في ذلك، ولم يرجعوا إلى الكتاب والسنة. فبهت وقال نعم، إتباع السلف أفضل. قلت إذن تؤمن بأن الله استوى على العرش، أي أنه فوق العرش. قال نعم، وهذا قول السلف. قلت إذن أين العرش. قال في السماء، قلت يعني أن الله في السماء لأنه فوق العرش. فبهت وقال: لا! إن هذا القول كفر. فقلت له: أنت قلت أنك تؤمن بأن العرش فوق السماء، وقلت بأن الله فوق العرش، يعني ذلك أن الله فوق السماء. فما بالك الآن تراجعت. قال: لأن القول بهذا المعنى يجعل الله في حيز. قلت: لا، إنه ليس كما تقول، إننا جعلنا الله في حيز. دعني أضرب لك مثلاً، ولكن الله ليس كمثله شيء، لكن لأسهل عليك الأمر: تصور رجل في كفّه تفاحة، هل أصبح هذا الرجل داخل التفاحة. قال: لا. قلت "ولله المثل الأعلى". كذلك كان الله ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن خارج المكان! قال يا أخي هل تريد أن تذهب معي إلى البيت وهناك نقرأ معاً كتب الشيخ -أي الحبشي- قلت له للأسف لا، قال لماذا، قلت له لأنك لم تستطع أن تجيبني على هذا الأمر، فتريد أن ترجع إلى قول شيخك، يعني هذا أنك لا تريد الخضوع للكتاب والسنة، ولا تريد إذا ما اتضح لك الأمر الهداية، ولكن ترجع إلى قول شيخك وتتمسك به، وفي ذلك تكون خرجت من الحرج الذي أنت فيه الآن أمام الأخوة هنا. فنسأل الله لكم ولشيخكم الهداية، فإن لم تهتدوا فنسأل الله أن يريحنا من شر فتنتكم، وينجّي أهل السنة والجماعة من ضلالاتكم

وقد حكى الشيخ ناصر الدين الألباني بأن قول هؤلاء بمنزلة قول الشيوعيين والدهريين الذين قالوا ليس في الوجود إله، إنما هي المادة، وهؤلاء الأحباش قالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصل به ولا منفصل عنه لأنهم انتهوا إلى وصف الله بالعدم، ولو سألناهم صفوا لنا العدم لقالوا: العدم ما ليس فوق ولا تحت ولا خارج ولا داخل ولا يمين ولا يسار. فهل بعد هذا الإلحاد إلحاد؟!

وقد صدق فيهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدماً". وعندما طلب دعاة السوء محاكمته إلى الحاكم وادعوا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يشبّه الله -كما يدعي ذلك الأحباش اليوم، ويتبيّن من العبارة السابقة أنه كان يحارب المشبهة، فكيف بك أخي إذا رجعت إلى كتبه، لوجدته أشد الناس حرباً على المشبهة والمعطلة الذين عطلوا الصفات كما هو حال الأحباش اليوم- فحضر ابن تيمية إلى الحاكم، وبعد أن تكلموا وانتهوا طلب الحاكم من شيخ الإسلام أن يتكلم، فلما أثبت له فوقية الله سبحانه وتعالى على خلقه بأدلة واضحة من الكتاب والسنة ومن أقوال السلف الصالح، قال الحاكم عندئذ -وكان رجلاً فطناً- "هؤلاء قوم أضاعوا ربهم". وهذا القول ينطبق على الأحباش اليوم لأنهم كذلك قوم أضاعوا ربهم، فقالوا لا نعرف أين الله، والرسول قد سن لنا أن نسأل أين الله، وأقر لنا الجواب بأنه فوق السماء، وهذا الحديث سيظلّ شوكة في حلق نفاة علو الله

إثبات أن الله تعالى فوق العرش وأن عرشه كان على الماء ولم يزل
وهذا الحبشي ضرب بآيات القرآن عرض الحائط، وردّ أحاديث النبي ïپ² ودفن أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الحق من أهل السنة والجماعة تحت التراب مستنداً إلى بيت من الشعر لجاهليٍ نصراني، وهو المعروف بالأخطل

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق

قال ابن الجوزي رحمه اللـه تعالى: بأنه لم يعرف قائل هذا البيت

فسبحان الله، هل أهل الإثبات والتنزيه مشبّهون أم أنتم أيها الحبشيين المشبهون؟ لقد وقع شيخكم في التشبيه وهو يدّعي تنزيه الله فعطل آياته، وشبه الله بخلقه وهو يدّعي أننا نحن المشبّهة؟

فها أخي القارئ قد تبين لك من هو المشبه، نحن أم هم. نحن قد أثبتنا أن الله في السماء لقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} [الملك 16] ونزهناه بقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى 11]. وهم لم ينزهوا الله بل شبّهوه ببشر حينما زعموا أن استواء الله شبيه باستواء بشر على العراق، تعالى الله عما يقول الأحباش علواً كبيرا

ولقد ردّ الإمام ابن حزم رحمه اللـه تعالى هذا القول فقال: "وهذا فاسد (أي الاستدلال بهذا الشعر) لأنه لو كان ذلك لما كان العرش أولى بالاستيلاء عليه من سائر المخلوقات، ولجاز لنا أن نقول: (الرحمن على الأرض استوى)، لأنه تعالى مستول عليها وعلى كل ما خلق، وهذا لا يقوله أحد، فصار هذا القول دعوى مجردة بلا دليل".31

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللـه تعالى: "وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، و سنة رسوله ، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل شيء وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}32 وقوله تعالى:{يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ} 33 وقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه}،34 وقوله تعالى: {ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه}،35 قال مجاهد في تفسير هذه الآية "الملائكة تعرج إلى الله".36 وقوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه}،37 وقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم}،38 وقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات}،39 ثم عد أكثر من عشر آيات دالات على فوقية الله سبحانه وتعالى على المخلوقات كلها".40

تفسير علماء السلف الصالح الاستواء بالعلو والارتفاع
وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى فيما صنفوه في الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوال الصحابة والتابعين.

فمن ذلك ما رواه الحافظ الذهبي في كتاب العلو وغيره بالأسانيد الصحيحة، عن أم سلمة زوج النبي أنها قالت في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}.41 قالت "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر".42

وثبت عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال لما سئل كيف الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق".43 ولما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن تفسير آية الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".44 وفي رواية زاد "وأنت صاحب بدعة أخرجوه". أي أمر بإخراجه من مجلسه لأنه مبتدع

وقال الإمام الذهبي:45 "فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير ونفوا عنه الكيفية. قال: "قال البخاري46 في صحيحه قال مجاهد: (استوى) علا على العرش وقال إسحاق بن راهوية سمعت غير واحد من المفسرين يقول: {الرحمن على العرش استوى} أي ارتفع وقال الطبري في تفسير هذه الآية: "أي علا وارتفع".

وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد إلى علي بن الحسين بن شقيق قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على العرش استوى بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية" [أي لا نقول كما تقول الجهمية أن الله ليس في السماء]. وقد قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ في فتح المجيد: قال أبو عمر الطلمنكي في كتاب الأصول "أجمع المسلمون أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته". وقال أيضاً: "أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز"، وقال أيضاً: "أجمع المسلون من أهل السنة أن معنى قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}،47 ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء".48

ثم قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ: وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة أثبتوا ما أثبته الله في كتابه على لسان رسوله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته ونفوا عنه مشابهة المخلوقين ولم يمثلوا ولم يكيفوا".49

وقال الحافظ الذهبي: "وأول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله فوق عرشه هو الجعد بن درهم، وكذلك أنكر جميع الصفات وقتله خالد بن عبد الله القسري وقصته مشهورة [أي قتله من أجل قوله أن الله ليس في السماء]، قال وكان ذلك في آخر عصر التابعين فأنكر مقالته أئمة ذلك العصر مثل الأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك ومن بعدهم من أئمة الهدى، فقال الأوزاعي إمام أهل الشام على رأس الخمسين: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".50

وقال الإمام الشافعي51 رحمه الله تعالى: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردّها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}."52

هذا هو حال الأئمة وأقوالهم في الصفات، وقول الإمام الشافعي الذي يدعي الأحباش أنهم على مذهبه. وهو بريء من كل من ينتسب إليه ويخالف قول الله ورسوله ، فإن هؤلاء الأئمة كانوا أحرص الناس على إتباع أوامر الله ورسوله . ونكتفي بهذا الأثر عن عبد الله بن رواحة في شعره قال



شهِدتُ بأن وعـــدَ الله حــــقٌ وأن النــارَ مثوى الكافريـنا
وأن العرش فوق الماءِ طافٍ وفوق العرشِ ربُّ العالمينا
وتحـــملهُ مَلائكـــــــةٌ شـداد ملائـكـــةُ الإله مُســـــَوَّمينا

يوسف التازي
11-01-15, 02:05 AM
الأحباش "الأشعريّون" يخالفون الإمام الأشعري في الاعتقاد
واعلم أن الأحباش يزعمون أنهم على مذهب الأشعري. كذبوا، بل هم بعيدون كل البعد عن مذهب الإمام الأشعري، ولكنّهم يزعمون ذلك حتى يرضوا عنهم عامة الناس، لأن عامة الناس يعلمون أن الأشعري إمام من أئمة أهل السنة والجماعة لأنه رجع إلى اعتقاد أهل السنة والجماعة وتراجع عن مذهب المعتزلة. ومن مخالفتهم للأشعري أنهم يؤوّلون قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، 26 باستولى، ولقد قال الأشعري: "وقالت المعتزلة استوى أي استولى".27 وقال الأشعري: "وليس استواء الله على العرش استيلاء كما قال أهل القدر".28

فــصــــل
نقول وللأسف لقد أصبح الجهال في هذا الزمان يزعمون أنهم هم العلماء، اغتروا بمدح الجهلة من عامة الناس لهم فنصبوا أنفسهم منازل الدعاة ومنازل العلماء حتى كثر الضلال وشاع، فأصبحت البدعة عندهم سنة والسنة بدعة حتى قاتلوا وكفّروا كل من سار على السنة الصحيحة. ولقد أخبرنا رسول الله وهو يخاطب صحابيا من أصحابه أن من علامات الساعة إضاعة الأمانة فقال "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". قيل كيف إضاعتها يا رسول الله. قال "إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".29 فيجب أن تسند الأمور إلى أهلها، وهم الرجال الصالحون والعلماء العاملون والأمناء المقتدرون والرؤساء المخلصون، فإذا أسندت الرياسات إلى الظلمة ووظائف العالم إلى الجهلة فيكون هذا من علامات الساعة التي أخبرنا عنها الصادق المصدوق

تكفير الإمام أبي حنيفة من أنكر أن الله تعالى في السماء
وها نحن أخي القارئ نبين لك نصّ قول أبي حنيفة رضي الله عنه الذي حرفه الأحباش، وذاك هو: "فقد روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه "الفاروق" بسنده إلى أبي مطيع البلخي، أنه سأل أبا حنيفة -رضي الله عنه- عمن قال لا أعرف ربّي في السماء أم في الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول: {الرحمن على العرش استوى} وعرشُهُ فوقَ سبعِ سماوات، قلت فإن قال إنه على العرش، ولكن يقول لا أدري العرشُ في السماء أم في الأرض. قال هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر". وزاد غيره من الرواة قوله: "لأن الله في أعلى عليين، وهو يُدعى من أعلى لا من أسفل".30

وقد ناقشت حبشياً، وهو الآن من المدرسين في مدارس الأحباش في سيدني، والأحباش يعتمدون عليه وعلى القليل من أمثاله لنشر ضلالهم بين المسلمين، فقلت له مستنداً بهذا القول وبغيره من الأحاديث التي تثبت العلو لله سبحانه وتعالى، قلت: "هل تعتقد أن الله في السماء." أجاب: لا. قلت لماذا. قال "لأن الاعتقاد بذلك كفر". قلت: كيف يكون كفرا وهذا القول الذي ذكرته لك يثبت ذلك. قال: "لأننا إذا قلنا بأن الله في السماء فقد حصرناه فيها والله بلا مكان، لأن المكان محاط بالجهات الست، والله محال عليه أن يكون محصوراً بين هذه الجهات الست، والإمام علي يقول: "كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان". قلت له إن هذا القول عن الإمام علي ضعيف، ولكن على افتراض أنه صحيح، فهل يُستدلّ بهذا القول على أن الله ليس في السماء

إن الإمام علي قال -إن صحّ عنه هذا القول- بأن الله كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. نحن نثبت جهةً أثبتها الله لنفسه وهي جهة الفوق كما قال سبحانه مخبراً عن نفسه: {ءأمنتم من في السماء} ثم قلت له ماذا تقول في هذه الآية: "ءأمنتم من في السماء" قال: المقصود بها جبريل. قلت وماذا تفعل بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، قال: الخلف قالوا بأن استوى أي استولى، قلت والسلف قالوا في تفسير هذه الآية أي أن الله فوق العرش. قال ولكن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أحكم! قلت إذا كان السلف أسلم فيجب على كل مسلم أن يسير على طريقهم لأن طريقهم أسلم من الخلف الذين حكّموا عقولهم المريضة في ذلك، ولم يرجعوا إلى الكتاب والسنة. فبهت وقال نعم، إتباع السلف أفضل. قلت إذن تؤمن بأن الله استوى على العرش، أي أنه فوق العرش. قال نعم، وهذا قول السلف. قلت إذن أين العرش. قال في السماء، قلت يعني أن الله في السماء لأنه فوق العرش. فبهت وقال: لا! إن هذا القول كفر. فقلت له: أنت قلت أنك تؤمن بأن العرش فوق السماء، وقلت بأن الله فوق العرش، يعني ذلك أن الله فوق السماء. فما بالك الآن تراجعت. قال: لأن القول بهذا المعنى يجعل الله في حيز. قلت: لا، إنه ليس كما تقول، إننا جعلنا الله في حيز. دعني أضرب لك مثلاً، ولكن الله ليس كمثله شيء، لكن لأسهل عليك الأمر: تصور رجل في كفّه تفاحة، هل أصبح هذا الرجل داخل التفاحة. قال: لا. قلت "ولله المثل الأعلى". كذلك كان الله ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن خارج المكان! قال يا أخي هل تريد أن تذهب معي إلى البيت وهناك نقرأ معاً كتب الشيخ -أي الحبشي- قلت له للأسف لا، قال لماذا، قلت له لأنك لم تستطع أن تجيبني على هذا الأمر، فتريد أن ترجع إلى قول شيخك، يعني هذا أنك لا تريد الخضوع للكتاب والسنة، ولا تريد إذا ما اتضح لك الأمر الهداية، ولكن ترجع إلى قول شيخك وتتمسك به، وفي ذلك تكون خرجت من الحرج الذي أنت فيه الآن أمام الأخوة هنا. فنسأل الله لكم ولشيخكم الهداية، فإن لم تهتدوا فنسأل الله أن يريحنا من شر فتنتكم، وينجّي أهل السنة والجماعة من ضلالاتكم

وقد حكى الشيخ ناصر الدين الألباني بأن قول هؤلاء بمنزلة قول الشيوعيين والدهريين الذين قالوا ليس في الوجود إله، إنما هي المادة، وهؤلاء الأحباش قالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصل به ولا منفصل عنه لأنهم انتهوا إلى وصف الله بالعدم، ولو سألناهم صفوا لنا العدم لقالوا: العدم ما ليس فوق ولا تحت ولا خارج ولا داخل ولا يمين ولا يسار. فهل بعد هذا الإلحاد إلحاد؟!

وقد صدق فيهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدماً". وعندما طلب دعاة السوء محاكمته إلى الحاكم وادعوا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يشبّه الله -كما يدعي ذلك الأحباش اليوم، ويتبيّن من العبارة السابقة أنه كان يحارب المشبهة، فكيف بك أخي إذا رجعت إلى كتبه، لوجدته أشد الناس حرباً على المشبهة والمعطلة الذين عطلوا الصفات كما هو حال الأحباش اليوم- فحضر ابن تيمية إلى الحاكم، وبعد أن تكلموا وانتهوا طلب الحاكم من شيخ الإسلام أن يتكلم، فلما أثبت له فوقية الله سبحانه وتعالى على خلقه بأدلة واضحة من الكتاب والسنة ومن أقوال السلف الصالح، قال الحاكم عندئذ -وكان رجلاً فطناً- "هؤلاء قوم أضاعوا ربهم". وهذا القول ينطبق على الأحباش اليوم لأنهم كذلك قوم أضاعوا ربهم، فقالوا لا نعرف أين الله، والرسول قد سن لنا أن نسأل أين الله، وأقر لنا الجواب بأنه فوق السماء، وهذا الحديث سيظلّ شوكة في حلق نفاة علو الله

إثبات أن الله تعالى فوق العرش وأن عرشه كان على الماء ولم يزل
وهذا الحبشي ضرب بآيات القرآن عرض الحائط، وردّ أحاديث النبي  ودفن أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الحق من أهل السنة والجماعة تحت التراب مستنداً إلى بيت من الشعر لجاهليٍ نصراني، وهو المعروف بالأخطل

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق

قال ابن الجوزي رحمه اللـه تعالى: بأنه لم يعرف قائل هذا البيت

فسبحان الله، هل أهل الإثبات والتنزيه مشبّهون أم أنتم أيها الحبشيين المشبهون؟ لقد وقع شيخكم في التشبيه وهو يدّعي تنزيه الله فعطل آياته، وشبه الله بخلقه وهو يدّعي أننا نحن المشبّهة؟

فها أخي القارئ قد تبين لك من هو المشبه، نحن أم هم. نحن قد أثبتنا أن الله في السماء لقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} [الملك 16] ونزهناه بقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى 11]. وهم لم ينزهوا الله بل شبّهوه ببشر حينما زعموا أن استواء الله شبيه باستواء بشر على العراق، تعالى الله عما يقول الأحباش علواً كبيرا

ولقد ردّ الإمام ابن حزم رحمه اللـه تعالى هذا القول فقال: "وهذا فاسد (أي الاستدلال بهذا الشعر) لأنه لو كان ذلك لما كان العرش أولى بالاستيلاء عليه من سائر المخلوقات، ولجاز لنا أن نقول: (الرحمن على الأرض استوى)، لأنه تعالى مستول عليها وعلى كل ما خلق، وهذا لا يقوله أحد، فصار هذا القول دعوى مجردة بلا دليل".31

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللـه تعالى: "وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، و سنة رسوله ، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل شيء وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}32 وقوله تعالى:{يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ} 33 وقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه}،34 وقوله تعالى: {ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه}،35 قال مجاهد في تفسير هذه الآية "الملائكة تعرج إلى الله".36 وقوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه}،37 وقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم}،38 وقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات}،39 ثم عد أكثر من عشر آيات دالات على فوقية الله سبحانه وتعالى على المخلوقات كلها".40

تفسير علماء السلف الصالح الاستواء بالعلو والارتفاع
وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى فيما صنفوه في الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوال الصحابة والتابعين.

فمن ذلك ما رواه الحافظ الذهبي في كتاب العلو وغيره بالأسانيد الصحيحة، عن أم سلمة زوج النبي أنها قالت في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}.41 قالت "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر".42

وثبت عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال لما سئل كيف الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق".43 ولما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن تفسير آية الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".44 وفي رواية زاد "وأنت صاحب بدعة أخرجوه". أي أمر بإخراجه من مجلسه لأنه مبتدع

وقال الإمام الذهبي:45 "فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير ونفوا عنه الكيفية. قال: "قال البخاري46 في صحيحه قال مجاهد: (استوى) علا على العرش وقال إسحاق بن راهوية سمعت غير واحد من المفسرين يقول: {الرحمن على العرش استوى} أي ارتفع وقال الطبري في تفسير هذه الآية: "أي علا وارتفع".

وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد إلى علي بن الحسين بن شقيق قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على العرش استوى بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية" [أي لا نقول كما تقول الجهمية أن الله ليس في السماء]. وقد قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ في فتح المجيد: قال أبو عمر الطلمنكي في كتاب الأصول "أجمع المسلمون أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته". وقال أيضاً: "أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز"، وقال أيضاً: "أجمع المسلون من أهل السنة أن معنى قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}،47 ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء".48

ثم قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ: وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة أثبتوا ما أثبته الله في كتابه على لسان رسوله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته ونفوا عنه مشابهة المخلوقين ولم يمثلوا ولم يكيفوا".49

وقال الحافظ الذهبي: "وأول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله فوق عرشه هو الجعد بن درهم، وكذلك أنكر جميع الصفات وقتله خالد بن عبد الله القسري وقصته مشهورة [أي قتله من أجل قوله أن الله ليس في السماء]، قال وكان ذلك في آخر عصر التابعين فأنكر مقالته أئمة ذلك العصر مثل الأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك ومن بعدهم من أئمة الهدى، فقال الأوزاعي إمام أهل الشام على رأس الخمسين: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".50

وقال الإمام الشافعي51 رحمه الله تعالى: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردّها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}."52

هذا هو حال الأئمة وأقوالهم في الصفات، وقول الإمام الشافعي الذي يدعي الأحباش أنهم على مذهبه. وهو بريء من كل من ينتسب إليه ويخالف قول الله ورسوله ، فإن هؤلاء الأئمة كانوا أحرص الناس على إتباع أوامر الله ورسوله . ونكتفي بهذا الأثر عن عبد الله بن رواحة في شعره قال



شهِدتُ بأن وعـــدَ الله حــــقٌ وأن النــارَ مثوى الكافريـنا
وأن العرش فوق الماءِ طافٍ وفوق العرشِ ربُّ العالمينا
وتحـــملهُ مَلائكـــــــةٌ شـداد ملائـكـــةُ الإله مُســـــَوَّمينا

يوسف التازي
11-01-15, 02:08 AM
المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنة



لفضيلة الأستاذ حماد بن محمد الأنصاري
الأستاذ بالجامعة الإسلامية



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد.. فقد اطلعت على رسالة صغيرة كتبها شخص باسم عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني وسماها (اتحاد الأذكياء في التوسل بالأنبياء وغيرهم من الصالحين والأولياء) يدعو فيها إلى التوسل بذوات الصالحين مستدلاً على دعواه فيها بخمسة أحاديث مرفوعة وبخمسة آثار موقوفة، وعقب على كل واحد منها بأنه صحيح، وأنها دالة كلها على مرامه..

هذا وقد ألفت رسائل كثيرة في الرد على مثل هذه الرسالة، منها قاعدة التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ زيني دحلان للشيخ السهسواني، وغاية الأماني في الرد على النبهاني للألوسي، ومنهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس للشيخ عبد اللطيف، وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس لبابطين النجدي، ومصباح الظلام في الرد على ابن منصور للشيخ عبد اللطيف وغير ذلك كثير.

فمشاركة لهؤلاء الأعلام في الذب عن السنة المطهرة وحفاظاً على العقيدة السلفية من أن يعبث بها كل لاعب رأيت من الواجب على بيان الحق نحو الأخبار ولآثار التي لبس بها الغمارى على العامة فوضعت قلمي على هذه الأوراق مستعيناً بالله وحده، فإذا تلك الأخبار والآثار على قسمين، قسم دال مرامه ولكنه ضعيف جداً أو موضوع، وقسم خارج عن الموضوع على فرض صحته، وقد قدمت الكلام على الأحاديث المرفوعة التي ساقها في رسالته الصغيرة التي تقدمت الإشارة إليها. وكذلك ما ساق في أصل رسالته هذه ثم قفيته بالكلام على ما أورده من الآثار الموقوفة، وسميت هذه الرسالة (بتحفة القاري في الرد على الغمارى) فإليك أيها القارئ أدلة الغمارى التي لا تنطلي إلا على الأغمار لأنك إذا نظرت إليها تجد أن أسانيدها كلها لا تخلو من كذاب أو متهم بالكذب متروك الحديث أو مجهوله تنقطع أعناق الإبل دون أن يعرف. إضافة إلى أنه أورد فيها حديث عمر في الصحيحين وحديث الأعمى في السنن مع أنهما خارجان عن الموضوع، كما ستقرؤه إن شاء الله في محله.

1 - الحديث الأول من أحاديث الغمارى قال: "أخرج الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني وتمنعين نفسك طيباً وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه وقال:" الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين"، وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهما ". قال: قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير روح بن صلاح، وقد وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف. قال فالحديث صحيح وله طرق، منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمي في مسند الفردوس بإسناد حسن كما قال الحافظ السيوطي"، انتهى كلام الغمارى.
قلت:
قال الحافظ ابن حجر في اللسان: "إن روح بن صلاح ذكره يونس في تاريخ الغرباء وقال: هو من أهل الموصل قدم مصر وحدث بها.رويت عنه مناكير ".
قال الدارقطني:" ضعيف في الحديث ".
وقال ابن ماكولا:" ضعفوه، سكن مصر ".
وقال ابن عدى بعد أن أخرج له حديثين:" وله أحاديث كثيرة في بعضها نكرة "
وقال الذهبي في الديوان:" روح بن صلاح عن ابن لهيعة قال ابن عدى: ضعيف ".
وقال السهسواني في الصيانة:" روح ضعيف ضعفه ابن عدى، وهو داخل في القسم المعتدل من أقسام من تكلم في الرجال، كما في فتح المغيث للسخاوى، ولا اعتداد بذكر ابن حبان له في الثقات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرف كما في الميزان، وكذلك لا اعتداد بتوثيق الحاكم وتصحيحه فإنه داخل في القسم المتسمح "
قال السخاوى: وقسم متسمح كالترمذي والحاكم .
وقال السيوطى في التدريب:" وهو متساهل فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً، حكمنا بأنه حسن إلا أن تظهر فيه علية توجب ضعفه ".
وقال البدر بن جماعة:" والصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الضعف أو الصحة "
ووافقه العراقي وقال:" أن حكمه عليه بالحسن فقط تحكم ".
فقول الحاكم وابن حبان عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولو كان الجرح مبهماً لم يذكر له سبب، فكيف مع بيانه، كما هو الحال في ابن صلاح هذا، فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيفه، وبينوا أن السبب رواية المناكير، فمثله إذا انفرد بالحديث يكون منكراً لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض.

فحديث أنس هذا الذي تبين أنه ضعيف أوهم الغمارى أنه صحيح بتمسكه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح، وقد بينا ضعفه وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر. ولم يكتف بهذا التلبيس بل قال عقبه:

ولهذا الحديث طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمى في الفردوس بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطى.

فهذا كذب منه على ابن عباس رضي الله عنهما وربما على السيوطى أيضاً فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس وهو قوله (بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين).

قال ابن الأثير في أسد الغابة ما نصه:" أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء إجازة بإسناده عن أبي بكر بن أبي عاصم حدثنا عبد الله بن شبيب بن خالد القيس حدثنا يحيى بن إبراهيم بن هاني أخبرنا حسين بن زيد بن على عن عبد الله بن محمد بن عمر بن على عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن فاطمة بنت أسد في قميصه واضطجع في قبرها وجزاها خيراً ".

وروى عن ابن عباس نحو هذا وزاد:" فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه؟ قال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر " .

وقال ابن عبد البر:" روى سعدان بن الوليد السابرى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب ألبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: "إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها " .

ورواه الطبراني في الأوسط أيضاً بدون هذا الشاهد مثل رواية ابن عبد البر، وقال الهيثمى:" وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات " . ولفظه في المجمع عن ابن عباس قال:" لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب خلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع في قبرها، فلما سوى عليها التراب قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئاً لم تصنعه بأحد؟ فقال:" إني ألبستها قميصي لتكسى من ثياب الجنة واضطجعت معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، إنما كانت أحسن خلق الله إلي صنيعاً بعد أبى طالب ". وليس في هذه الروايات عن ابن عباس ذكر للشاهد الذي تقدم في حديث أنس رضي الله عنه ".

2 - وعند الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك ".

قلت:
قال الهيثمى في المجمع:" وفيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه ".
وقال الذهبي في الميزان:" قال ابن عدى عامة أحاديثه غير محفوظة ".
وقال ابن حبان:" لا يحل الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها "
هكذا في الفوائد المجموعة للشوكاني رحمه الله.

3 - وعن ابن عباس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: "سأل بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على فتاب عليه .." انتهى.
قلت:
قال الدارقطني:" تفرد به عمرو بن ثابت أبو المقدام بن هرمز الكوفي يكنى أبا ثابت وقد قال يحيى: أنه لا ثقة ولا مأمون ".
وقال ابن حبان:" يروي الموضوعات".
وقال الذهبي في الميزان:" قال النسائي: متروك الحديث "،
وقال أبو داود:" رافضي".
وقال عبد الله بن المبارك:" لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف "
وفي سؤالات الآجري أبا داود عنه أنه قال:" رافضي خبيث وهو المشئوم ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة "
و ذكره ابن عراق في الوضاعين وقال:" عمرو بن ثابت أبي المقدام " قال ابن حبان:" روى الموضوعات عن الثقات "
وذكره الفتني أيضاً في قانون الضعفاء وقال:" متروك ".
قال يحيى:" عمرو بن ثابت لا ثقة ولا ثابت، إن الله تعالى قد بين الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فدعا بها هو وحواء بقوله تعالى:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. وهذا أقوى رد للمتن الذي رواه هذا الوضاع المجوسي الأصل من غلاة الروافض ".

4 - حديث الأعمى عند الترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجه، وهذا الحديث على القول بصحته فليس فيه متمسك على دعواه لأن الأعمى إنما توسل بدعائه صلى الله عليه وسلم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره في قاعدة التوسل والوسيلة.

ذكر أن العز بن عبد السلام أوقف القول بجواز التوسل به صلى الله عليه وسلم على صحة هذا الحديث، ولكنه لا يدل على التوسل بذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم بل إنما يدل على التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم للأعمى لقوله صلى الله عليه وسلم للأعمى :"إن شئت دعوت وإن شئت صبرت" ولقول الأعمى في آخر دعائه "اللهم فشفعه في".

وسيأتي بسط الكلام على هذا الحديث عن قريب إن شاء الله عند الكلام على حديث الطبراني في توسل عثمان بن حنيف.

5 - الحديث الخامس أخرج الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ في كتابه ثواب الأعمال من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه " أن أبا بكر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول:" اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى كلمتك وروحك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين " (الحديث) لم يزد الغمارى على قوله في هذا الحديث (وهو ضعيف لضعف عبد الملك، ولأن فيه انقطاعاً بين أبيه وبين أبي بكر كما قال الحافظ العراقي في المغنى).
قلت:
قصر في البحث أو أراد التلبيس كما هو عادته لأن عبد الملك بن هارون بن عنترة قال عنه السعدي:" دجال كذاب "
وقال يحيى بن معين أيضاً:" كذاب ".
وقال أبو حاتم:" متروك ذاهب الحديث "
وقال ابن حبان:" يضع الحديث وهو الذي يقال به عبد الملك بن أبي عمرو ".
وقال الذهبي:" واتهم بوضع الحديث "
وكذلك ابن عراق ذكر في الكذابين ما قال السعدي وابن حبان فيه.
وقال الفتني في قانون الضعفاء:" عبد الملك بن هارون الشيباني كذاب دجال

يوسف التازي
11-01-15, 02:11 AM
وقال الحافظ في اللسان:" قال صالح بن محمد عامة حديثه عن أبيه كذب، وأبوه هارون ثقة ".
وقال الحاكم في المدخل:" روى عن أبيه أحاديث موضوعة ".
وقال أبو نعيم:" يروى عن أبيه مناكير وأبوه هارون بن عنترة الشيباني الكوفي فقد قال الحافظ في التقريب: لا بأس به ، الدارقطني يحتج به وأبوه يعتبر به وأما ابنه عبد الملك فمتروك يكذب "- الميزان.

6 - قال الطبراني في الصغير ثنا محمد بن داود بن أسلم السدفي المصري ثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أذنب آدم عليه السلام الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال:" أسألك بحق محمد إلا غفرت لي " الحديث ورواه الحاكم في المستدرك أيضاً قال ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر به
ففي هذا الحديث آفات كثيرة سكت عنها الغمارى لأنها لا تتلاءم مع غرضه من التلبيس. منها
إن الذهبي قال في الميزان:" عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه:( يا آدم لو لا محمد ما خلقتك ). قال في تلخيص المستدرك: بل هو موضوع وعبد الرحمن واه ".
وقال أيضاً:" رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة "
قال الحافظ في اللسان:" لا استبعد أن يكون هو عبد الله بن مسلم بن رشيد وقد ذكره ابن حبان من المتهمين بوضع الحديث، لا يحل كتب حديثه، وهو شيخ لا يعرفه أصحابنا وإنما ذكرته لئلا يحتج به أحد من أصحاب الرأي لأنهم كتبوا عنه فيتوهم من لم يتبحر في العلم أنه ثقة وهو الذي روى عن أبي هدبة نسخة كأنها معمولة، ضبط الخطيب أباه بالتشديد وجده بالتصغير ".
قلت:
وإسماعيل بن مسلمة هذا صدوق يخطئ، وفيه أيضاً مجاهيل
قال الهيثمى في المجمع رواه الطبراني في الأوسط والصغير: وفيه من لم أعرفهم
وقال الطبراني:" لا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صعيد المدني الفهري عن عبد الله به إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده . عبد الرحمن بن زيد، قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك أبوك عن أبيه أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم. قال محمد بن عبد الله: سمعت الشافعي يقول: ذكر لمالك حديث فقال: من حدثك به؟ فذكر به إسناداً منقطعاً فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح عليه السلام- " انتهى.
وقال في الصارم قال الحاكم أبو عبد الله:" روى عبد الرحمن عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".

وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث.

قال الفلاس:" لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ".
وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل:" ضعيف ".
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:" ليس حديثه بشيء ".
وقال البخاري وأبو حاتم الرازي:" ضعفه علي بن المديني جداً ".
وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدارقطني:" ضعيف ".
وقال ابن حبان:" كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوفات فاستحق الترك ".
وقال الحاكم أبو عبد الله:" روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".
وقال ابن خزيمة:" عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه ".
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني:" حدث عن أبيه، لا شيء ".

وما ذكرناه في هذا المكان من كلام أئمة هذا الشأن في بيان حال عبد الرحمن وحال الفهري فيه كفاية لمن له أدنى معرفة بهذا الشأن فكيف يسوغ لأحد الإحتجاج بحديث في إسناده مثل هذين الضعيفين المشهورين بالضعف ومخالفة الثقات اللذين لو كان أحدهما وحده في طريق الحديث لكان محكوماً عليه بالضعف وعدم الصحة فكيف إذا كانا مجتمعين في الإسناد.

وقال ابن عبد الهادي:" وإني لأتعجب من السبكي كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل وفيه قول الله لآدم: (ولو لا محمد ما خلقتك)، مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث ضعيف في الإسناد جداً، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح بل هو مفتعل على عبد الرحمن ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في مواضع، فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم وقال: ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. ثم قال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به فإن الجرح لا أستحله تقليداً والذي أختار لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم فالراوي لحديثهم داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر جرحه بالدليل وأن الراوي لحديثه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم :" من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " ثم إنه رحمه الله لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره فلذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد ".

ومن جملة ما خرجه في المستدرك حديث لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في التوسل قال بعد روايته هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب، فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضوع من الخطأ العظيم والتناقض الفاحش.

ثم إن السبكي عمد إلى هذا الذي أخطأ فيه الحاكم وتناقض فيه فقلده فيه واعتمد عليه وأخذ في التشنيع على من خالفه فقال:" والحديث المذكور لم يقف ابن تيمية عليه بهذا الإسناد ولا بلغه أن الحاكم صححه، ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك يعنى أنه كذب". ولنعرض للجواب عنه قال: وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث ونحن قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته.

قال في الصارم فانظر إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش كيف جاء هذا المعترض إلى حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث موضوع فصححه واعتمد عليه وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطئه وتناقضه ومع معرفة هذا المعترض بضعف رواية وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه وأخذ يشنع على من رد هذا الحديث المنكر ولم يقبله ويبالغ في تخطئته وتضليله .

ويقول الغمارى عن هذا الحديث الموضوع لا من أجل عبد الرحمن بن زيد وحده قال:" وفي علمي أن الذهبي تعقبه فحكم بوضع الحديث وأعله بعبد الرحمن المذكور ".

وهذا منه غلو ومحازفة فإن عبد الرحمن من رجال الترمذي وابن ماجه وقد أخذ عنه الثقات الإثبات مثل مالك بن مغول ويونس بن عبيد وسفيان بن عيينة ووكيع وغيرهم، وهو وإن كان ضعيفاً لم يبلغ به الضعف إلى حد أن يحكم على حديثه بالوضع إذ لم يتهم بكذب له هو في نفسه صالحاً وفي الحديث واهياً، وقال في محل آخر:" هو أحب إلي من ابن أبي الرجال ". وقال ابن عدي:" له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه ". وقال ابن خزيمة:" ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه هو رجل صناعته العبادة والتقشف ليس من أحلاس الحديث "، ثم قال (قلت) وكذا جميع من ضعفه مثل أحمد والنسائي وابن سعد وابن حبان، إنما ضعفوه لسوء حفظه ولغفلته مع وصف بعضهم له بالصلاح والعبادة.

فملخص ما يقال في حديثه هذا أنه ضعيف فقط ليس بصحيح كما قال الحاكم ولا بموضوع كما قال الذهبي وكيف يكون موضوعاً وقد أخرجه البيهقي في دلائل النبوة وهو ملتزم أن لا يخرج في كتبه حديثاً موضوعاً كما ذكره الحافظ السيوطي في اللآلي راداً به على ابن الجوزي إذ أورد في الموضوعات من طريق ابن شاهين حديثاً هو عند البيهقي في الأسماء والصفات وبهذا امتازت كتب البيهقي على سائر من يلتزم أصحابها الصحة، وقد طعن في الحديث ابن تيمية أيضاً كما نقله عنه التقى السبكي في شفاء السقام ولم نشتغل برد كلامه لكونه في معنى كلام الذهبي. انتهى كلام الغمارى الذي إن دل على شيء فإنما يدل على المغالطة إذ تقدم أن عبد الرحمن بن زيد يروي عن أبيه أحاديث موضوعة وهذا الحديث من جملتها.

هذه أدلته المرفوعة على جواز التوسل بذوات الصالحين مع بيان عدم صلاحيتها للاستدلال بها على ما يريد.


الآثار التي دلس بها الغماري على مطلوبه:

1 - منها ما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمن إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فانزل الله {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد، إلى قوله {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ثم قال الغماري تلبيساً كعادته:" هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الملك بن هارون ".

قلت:
قال الحاكم في المستدرك:" أدت الضرورة على إخراجه في التفسير وهو غريب من حديثه ".
وقال الذهبي في التلخيص:" قلت لا ضرورة في ذلك فعبد الملك متروك هالك لكن للأثر طرق، فأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريقي عطاء والضحاك عن ابن عباس قال:" كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون لله، يدعون على الذين كفروا، يقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلى نصرتنا عليهم، فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا - يريد محمداً صلى الله عليه وسلم- ولم يشكوا فيه كفروا به ".


وأخرج أيضاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:" كان يهود المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون عليهم ويستنصرون، يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون: ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان ".

قلت:
هذا الأثر فيه الكذاب عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم الكلام عليه في الأخبار المرفوعة.
قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا أحمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أنه قال بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس:" أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله عز وجل من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبسر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا وقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد وإنا أهل الشرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم: ما هو بالذي كنا نذكر لكم، ما جاءنا بشيء نعرفه، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}" .

قال ابن جرير: ثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس " أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه "، الحديث.
قال حديث عن المنجاب قال حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال:" كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمداً عليهم وليس كذلك يكذبون ".

قال العلائي في المراسيل:" الضحاك بن مزاحم صاحب التفسير كان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس وروى عن يونس بن عبيد أنه قال: ما رأى ابن عباس قط وعن عبد الملك بن ميسرة أنه لم يلقه، إنما لقي سعيد ابن جبير بالري فأخذ عنه التفسير، وروى شعبة عن مشاش أنه قال:" سألت الضحاك لقيت ابن عباس؟ قال: لا "، وقال الأثرم:" سمعت أحمد بن حنبل يسأل الضحاك لقي بن عباس قال: ما علمت ، وقيل له فممن التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير ".

وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه، والله تعالى قد أخبرنا بما يدل على ذلك فقال تعالى:{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}. لم يكونوا بمجردهم ينتصرون على العرب ولا على غيرهم. وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه السلام فكذبوه قال تعالى:{يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} الآية. وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} إلى آخر السورة.. وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} فأنزل الله تعالى هذه الآيات {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} الآية.
وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا:" مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا وكان لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله محمداً رسولاً من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات التي في البقرة {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} الآيات ".
ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا، وهذا لم يذكر فيه السؤال به أحد من السلف بل ذكروا الأخبار به أو سؤال الله أن يبعثه فقد روى ابن أبي حاتم عن أبي رزين عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال:" يستظهرون يقولون نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك يكذبون ".

وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}قال:" كانوا يقولون إنه سيأتي نبي {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } ".

وروى بإسناده عن ابن إسحاق ثنا محمد بن أبي محمد قال أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود ابن سلمة:" يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام ابن مشكم أخو بنى النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى من قولهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الآيات ".

وروى بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال:" كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به، حسداً للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}".

وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت اليهود فعاذت بهذا الدعاء " اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية " وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال:" أدت الضرورة إلى إخراجه "، وهذا مما أنكره عليه العلماء فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب. وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه.

قلت: وهذا الحديث من جملتها، وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما تقدم في الأحاديث المرفوعة.

ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولاً كبني فينقاع وبني قريظة والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج وهم الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم فحارب أولاً بني قينقاع ثم النضير وفيهم نزلت سورة الحشر. ثم بني قريظة عام الخندق فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان فإن هذا من كذب جاهل لم يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أيضاً أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله، .. انتهى (21 ص 86)..

وأما قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}الآية، فكانت اليهود تقول للمشركين:" سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به بل يقولون اللهم ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه ".
هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل القرآن الكريم فإنه تعالى قال: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} والاستفتاح الاستنصار وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلون معه بهذا ينصرون، ليس هو بأقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك لكانوا كلما سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يمكن الأمر كذلك بل لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه.
وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة لهذا النقل وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في دلائل النبوة. وفي كتاب الاستغاثة الكبير، وكتب السيرة ودلائل النبوة والتفسير مشحونة.
بمثل هذا النقول الكاذبة قال أبو العالية وغيره:" كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، ولفظ الآية إنما فيه {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وهذا كقوله تعالى:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر، ومنه الحديث المأثور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بهم أي بدعائهم كما قال "وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم "، وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينصروا به عليهم لا لأنهم أقسموا على الله وسألوه به، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ }.

فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المتنازع فيه بلا دليل لأنه لا دلالة فيها عليه فكيف وقد جاءت الآثار بذلك.

وأما ما ذكر عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون لقد بينا أنه شاذ وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل كانوا مغلوبين معهم، وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقاً كما كانت قريظة حلفاء الأوس وكانت بنو النضير حلفاء الخزرج. ومما ينبغي أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به والأقسام به على الله تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام لأنه أولاً لم يثبت وليس في الآية ما يدل عليه، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعاً لنا فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه له وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا:{لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور" انتهى.

2 - وأخرج الدارمي في مسنده في باب ما أكرم الله تعالى به نبيه بعد موته قال حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال:" قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق "
قال على بن محمد القاري في شرح المشكاة:" قيل في سبب كشف قبره أنه صلى الله عليه وسلم كان يستشفع به عند الجدب فتمطر السماء فأمرت عائشة رضي الله عنها بكشف قبره مبالغة في الاستشفاع به، فلا يبقى منه بينه وبين السماء حجاب
قال الغماري:" وإسناده لا بأس به، أبو النعمان هو محمد بن الفضل السدوسي البصري الملقب بعارم ثقة من رجال الصحيحين، وسعيد بن زيد هو أخو حماد بن زيد قال ابن معين: ثقة. وعمرو بن مالك النكري ثقة من رجال الأربعة. وأبو الجوزاء ثقة من رجال السنة "، انتهى كلامه.

قلت: فيه أربع آفات:

(أ) أبو النعمان عارم قد اختلط في آخر عمره.

(ب) أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه، قال الحافظ في التهذيب: إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمر بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده. وقال الحافظ في التهذيب أيضاً: وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة وابن مسعود وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده. وأحاديثه مستقيمة، وحديثه عند مسلم عن عائشة في الافتتاح بالتكبير. وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضاً أنه لم يسمع من عائشة، قال الحافظ في التقريب: ثقة يرسل كثيراً.

(ج) وعمرو بن مالك النكري صدوق له أوهام قاله في التقريب، قال ابن حبان:" يعتبر حديثه من غير رواية ابنه يخطئ ويغرب ".

(د) سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد صدوق له أوهام، وقال ابن حبان:" كان صدوقاً حافظاً ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم حتى لا يحتج به إذا انفرد "، انتهى من التقريب وأصله.

3 - ذكر الغماري الحكاية التي ذكرها القاضي عياض في الشفاء فيما جرى بين مالك وأبي جعفر المنصور، وقال بعد ذكرها بسندها ما نصه:" وقد زعم ابن تيمية على عادته في التسرع إلى الإطلاقات الكاذبة أن هذا الأثر مكذوب على الإمام مالك، ورد عليه جماعة من العلماء مبينين خطأه وجهله، منهم عصريه السبكي في شفاء السقام وكذا محمد بن عبد الباقي الزرقاني قال في شرح المواهب عقب نقل صاحبها عنه ما نقلناه ما لفظه: هذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد لا بأس به، وأخرجه القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه فمن أين أنها كذب، وليس في إسنادها وضاع ولا كذاب.

وقال الخفاجي في نسم الرياض بعد تخريج عياض للأثر المذكور:" وفي هذا رد على ما قاله ابن تيمية من أن استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد ولم يرو إلا في حكاية مفتراة على مالك، يعنى هذا القصة التي أوردها المصنف، ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه، فقوله أنها كذب محض مجازفة من ترهاته".

هذا كله كلام الغماري، وهو كلام رجل إمعة كل من يمشي يمشي معه وإلا فهذه الحكاية من نظر في سندها جزم بأنها مفتراة وكذب وهي كما يلي، رواها القاضي عياض في الشفاء عن غير واحد بإسناد غريب منقطع مظلم فإليك سندها، قال القاضي عياض في الشفاء: حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقى الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالوا ثنا أبو العباس أحمد بن عمرو بن دلهاث ثنا أبو الحسن علي بن فهر ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا ابن حميد قال:" ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال:{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، ومدح قوماً فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية، وذم قوماً فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية.

وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك "، هذه هي الحكاية المكذوبة مع سندها المظلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً ولا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي سنة 158هـ وتوفي مالك سنة 179 هـ وتوفي ابن حميد سنة 248هـ ولم يخرج من بلده في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذبه أبو زرعة وابن وارة وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب الزبيري وتوفي سنة 242هـ وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة 259هـ وفي الإسناد المذكور أيضاً من لا تعرف حاله ".

قال ابن عبد الهادي في الصارم المنسكي في الرد على السبكي:" والمعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك بصحيحه عنه وإسنادها مظلم منقطع مشتمل على من يهتم بالكذب وعلى من يجهل حاله، وابن حميد ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة ".

قال إسحاق بن منصور:" أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان "، وقال أبو زرعة:" كان يكذب "، وقال ابن حبان:" ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبة ولا يسما إذا حدث عن شيوخ بلده "، فإذا كانت هذه حال ابن حميد عند أئمة هذا الشأن فكيف يقول السبكي في حكاية روايتها منقطعة إسنادها جيد، مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف وقد قال السبكي بعد أن ذكرها وتكلم على روايتها:" فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها لما رواه ابن وهب عن مالك "، هكذا قال السبكي.

والذي حمله هو ومقلدوه على ارتكاب هذا السقطة قلة علمه بهذا الشأن وارتكاب هواه، والذي ينبغي أن يقال: فانظر إلى هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء.

هذا كلام الحافظين الناقدين في هذه الحكاية المفتراة التي تدور بين متهم بالكذب وبين مجاهيل لا يمكن للغماري وغيره أن يعرفهم.

وأذكر هنا كلام الحفاظ الآخرين الذي يؤيد كلام الحافظين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي حول ابن حميد الرازي فأقول: إن ابن حميد الرازي ذكره برهان الدين الحلبي في الكشف عمن رمي بوضع الحديث وقال: قال صالح جزرة:" كنا نتهم ابن حميد في كل شيء يحدثنا به، ما رأيت أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض ". وقال أبو أحمد العسال:" سمعت فضلك الرازي يقول: دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون ". وقال الذهبي في الميزان:" قال أبو على النيسابوري قلت لابن خزيمة: لو أخذت الإسناد عن ابن حميد فإن أحمد بن حنبل أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلا ". وقال صالح جزرة:" ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكوني ". وقد حدث عنه أحمد بن حنبل وابن معين وآخر أصحابه البغوي وابن جرير، مات سنة 248هـ.

وذكره ابن عراق أيضاً في الكذابين وقال فيه كما قال البرهان وغيره.
وقال البخاري في الجزء الأول من تاريخه الكبير:" محمد بن حميد أبو عبد الله الرازي سمع يعقوب القمي وجريراً، فيه نظر، مات سنة 248هـ "، وسئل أبو عبد الله عن محمد بن حميد الرازي لماذا تكلم فيه فقال:" لأنه أكثر على نفسه ".
وقال أبو حاتم الرازي في الجرح: قال ابن معين:" ابن حميد ثقة ليس به بأس رازي كيس، وهذا الأحاديث التي يحدث بها ليست هي من قبله، إنما هي من قبل الشيوخ الذين يحدث بها عنهم ".
وقال أبو حاتم:" سألني ابن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر قال: أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه الشيء فنقول ليس هذا هكذا إنما هو كذا وكذا فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول. قال ابن معين: لبئس هذه الخصلة، قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد بن حنبل فسمعناه ولم نر إلا خيراً ". هذا قبل أن يعرفه أحمد وابن معين كما يدل عليه كلام ابن خزيمة الذي تقدم آنفاً.

4 - قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري حدثنا المفضل بن الموفق أبو الجهم حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك حق السائلين عليك " الحديث.

ثم قال الغماري ورواه أحمد عن يزيد بن هارون والطبراني في الدعاء عن بشر ابن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي وابن خزيمة في كتاب التوحيد عن طريق محمد بن فضيل بن غزوان. ومن طريق أبي خالد الأحمر وأبو نعيم الأصبهاني من رواية أبي نعيم الكوفي خصتهم عن فضيل بن مرزوق به، فزال ما يحشى من ضعف الفضيل بن الموفق بمتابعة هؤلاء له، ولم يبق إلا النظر في حل فضيل وشيخه، فأما فضيل فثقة كما قال ابن عيينة وابن معين وغيرهما، وروى له مسلم والأربعة، وأكبر ما عيب به تشيعه، وليس ذلك بعائبه على ما تقرر في هذا الشأن.

وأما عطية فقال ابن سعد:" كان ثقة إن شاء الله "، وقال الحافظ السيد محمد مرتضى الحسيني:" هو صدوق في نفسه "، حسن له الترمذي عدة أحاديث انفرد بها.

وقال الغماري:" فهذا الحديث حسن كما قال الحافظ العراقي في المغني ". هذا، وللحديث طريق آخر عن بلال رضي الله عنه قال ابن السنى في عمل اليوم والليلة: حدثنا ابن منيع حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت الجزري عن الوزاع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الصلاة قاله: "بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" الحديث.

ثم قال الغماري:" ولم أجد في التوسل بهم يعني الصالحين، حدثنا أصرح من هذا الحديث. وغيره من الأحاديث ليس صريحاً مثله ثم ذكر حديث الإبدال "، انتهى كلام الغماري.

قلت: هذا كله كلام الغماري حول هذا الخبر الذي حاول أن يلبس به على العامة موهماً أنه وجد ضالته وإلا ففي هذا الخبر أمران لم يتناولهما الغماري لأن تناوله لهما ينقض عليه ما يريد من التلبيس:

(أ) في سنده ضعيف وهو فضيل بن مرزوق، قال الحافظ:" صدوق بهم ورمي بالتشيع ". وقال ابن حبان:" منكر الحديث جداً، كان ممن يخطيء على الثقات ويروى عن عطية الموضوعات. وقال الذهبي في الميزان:" عطية أضعف من فضيل بن مرزوق ". وقال أبو عبد الله الحاكم:" فضيل بن مرزوق ليس من شرط الصحيح، عيب على مسلم إخراجه في الصحيح ". وروى أحمد بن أبي خيثمة عن ابن معين:" ضعيف "، اختلف فيه قول ابن معين كما قال ابن شاهين في ثقاته. وقال أبو حاتم:" صالح الحديث صدوق بهم كثيراً يكتب حديثه ولا يحتج به "، كذا في التهذيب، وقال ابن عدي:" إذا وافقه الثقات يحتج به ". وفي روايته هذا الحديث لا يعلم أحد تابعه إلا من لا يعتد بمتابعته.

(ب) الفضل بن الموفق بن أبي المتئد الكوفي فيه ضعف. قاله في التقريب وقال الذهبي في الميزان:" ضعفه أبو حاتم وكذا في الترغيب والترهيب للمنذري والكاشف للذهبي والتلخيص للحافظ ". فإن قلت قد وثقه ابن حبان كما ذكره المنذري في الترغيب والترهيب، قلت: لا اعتداد بتوثيق ابن حبان إذا تفرد به، قال الذهبي في الميزان في ترجمة عمارة بن حديد:" ولا تفرح بذكر ابن حبان له في الثفات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرفه "، ونص الحافظ في التهذيب، قال أبو حاتم:" كان شيخنا صالحاً ضعيف الحديث وكان قرابة لابن عيينة له عند ابن ماجة حديث أبي سعيد في القول: إذا خرج إلى الصلاة ".

(ج) عطية بن سعد العوفي صدوق يخطيء كثيراً كان شيعياً مدلساً قاله في التقريب. وقال الإمام أحمد:" بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، كان يكنيه بأبي سعيد فيقول قال أبو سعيد: يعنى يوهم أنه الخدري فهذا تدليس أي تدليس ".

قال في توضيح الأفكار فإن: صادف شهرة راو ثقة يمكن أخذ ذلك الراوي عنه فمفسدته أشد كما وقع لعطية العوفي في تكنية محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري لأن عطية كان قد لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ، وقد اجتمع في عطية من وجوه الضعف ثلاثة: تدليس، وعدم الضبط، وكثرة الخطأ، كما صرح بذلك الحافظان ابن القيم في الهدي والحافظ بن حجر في التقريب وطبقات المدلسين. فعلى كل حال فالذين جرحوا عطية أكثر ممن وثقه، ومن المعلوم أن الجرح المبين مقدم على التعديل، فالذين جرحوه خمسة عشر من النقاد أبو حاتم و سالم المرادي و أحمد و هشيم و يحيى و النسائي و البيهقي و الثوري و ابن عدي و عبد الحق الأشبيلي و الذهبي و المنذري و الحافظ ابن القيم و الحافظ ابن حجر و الدارقطني.

وأما الموثقون فمنهم ابن معين على قول والترمذي، فابن معين قال فيه صالح كما في الميزان وهذه اللفظة في المرتبة السادسة من مراتب التوثيق فهي توثيق لين وحكمه أنه يكتب حديثه للإعتبار فهذا التوثيق لا ينافي القول بالضعف وأما الترمذي فلم يصرح بتوثيقه، نعم حسن له غير حديث، وتحسينه لا يدل على أن عطية ممن يحتج بحديثه في كل موضع فإنه ربما يحسن الحديث لمجيئه من طريق أخرى ولاحتمال أن يكون التحسين في موضع قد ثبت عند الترمذي التصريح بالتحديث فيه فإن عطية مدلس كما تقدم، وحديث المدلس إنما يقبل إذا صرح بالتحديث على أن الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، ولذا لم يعتمد العلماء عليه في هذا الباب وردوا على تصحيحه وتحسينه في غير موضع.

فإن قلت: إن الحافظ ابن حجر قال في تخريج الأذكار للنووي وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال: حدثني أبو سعيد فذكره لكن لم يرفعه فقد أمن من ذلك تدليس عطية العوفي.

(هنا بقي) فالجواب أنه لا يحصل الأمن من تدليس عطية بهذا فإن عطية تقدم أنه يكنى محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري، والأشبه أن هذا الحديث موقوف. قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن صالح العجلي الكوفي:" وله عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج الرجل من بيته قال اللهم بحق السائلين عليك " الحديث، قال: خالفه أبو نعيم ورواه عن فضيل فما رفعه "، قال أبو حاتم:" وقفه أشبه، والموقوف ليس بحجة عند المحققين ". وقد صدر المنذري هذا الحديث في باب الترغيب في المشي إلى المساجد بلفظ ( روى ) وأهمل الكلام عليه في آخره وهذا عنده دلالة للإسناد الضعيف كما قال في ديباجة الكتاب وصرح النووي في الأذكار بضعفه، فبطل قول الغماري أنه بسند صحيح، وهذا كله مع أن الحديث خارج عن الموضوع لأن الغماري ساقه مستدلاً به على التوسل بالذوات فليس في هذا الحديث توسل بالذوات بل هو توسل بحق تفضل الله به على من سأله ودعاه وحده وهو الإجابة في قوله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

وأما الشاهد الذي فرح به الغماري فهو من رواية الوازع بن نافع العقيلي قال فيه ابن معين:" ليس بثقة "، وقال البخاري:" منكر الحديث "، وقال النسائي:" متروك "، وقال أيضاً:" ليس بثقة "، قاله في الميزان.

5 - حدثنا إبراهيم بن علي الباهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح السمان عن مالك قال:" أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال:" ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم يسقون وقل له عليك بالكيس الكيس"، فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه "
قال الحافظ:" إسناده صحيح، وأخرجه البيهقي في الدلائل بإسناد صحيح ". وقال الحافظ في الفتح:" وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة " انتهى كلام الغماري.

قلت: في هذا الأثر مالك بن عياض الداري، ذكره البخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه (ج 4:ص 304هـ) وكذلك ابن أبي حاتم ذكره في الجرح والتعديل بما نصه:

" مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب روى عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وروى عنه أبو صالح السمان سمعت أبي يقول ذلك وسكت عنه أيضاً انتهى منه " (ج 4:قسم (1) ص 213).

وكل من سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فهو مجهول، فإنه قال في الجزء الأول من الجرح والتعديل ما نصه:" وقصدنا بحكاياتنا الجرح والتعديل في كتابنا هذا إلى العارفين به العالمين له متأخراً بعد متقدم إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهم الله، ولم نحك عن قوم قد تكلموا في ذلك لقلة معرفتهم به ونسبنا كل حكاية إلى حاكيها، والجواب إلى صاحبه ونظرنا في اختلاف أقوال الأئمة في المسئولين عنهم فحذفنا تناقض قول كل واحد منهم وألحقنا بكل مسئول عنه ما لاق به وأشبهه من جوابهم على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى "، انتهى (ج1: ص 38 من الجرح والتعديل)
وقد قال الأخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة فهذه القصة غير ثابتة وقد أوهم المؤلف صحتها محرفاً لكلام بعض الأئمة مقلداً في ذل بعض ذوي الأهواء قبله وقد وعد بتفصيل ذلك في رسالة أفردها في هذا الموضوع، انتهى من السلسلة ( ج 1:ص 47 )

وفي هذه القصة أيضاً أن سيف بن عمر الضبي الأسدي المعروف هو الذي روى في فتوحه أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث، فعلم بهذا أن الأثر المذكور ليس فيه أن الجائى أحد الصحابة بل الذي روى أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف فإن سيفاً صاحب الفتوح الذي روى هذا الكلام الأخير،
قال فيه يحيى:" فليس خير منه "
وقال أبو داود:" ليس بشيء " وقال أبو حاتم:" متروك "
وقال ابن حبان:" أتهم بزندقة "
وقال ابن عدى:" عامة حديثه منكر " هكذا في الميزان للذهبي.
وقال الحافظ في التقريب:" ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ "، أفحش ابن حبان القول فيه
وقال الخزرجي في الخلاصة:" ضعفوه ".
وقال البرهان في الكشف الحثيث فيمن رمى بوضع الحديث:" سيف كالواقدي "
وقال مكحول البيروتي: سمعت جعفر بن أبان قال: سمعت ابن نمير يقول:" سيف الضبي تميمي كان يقول حدثني رجل من بني تميم، وكان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة ".
وقال ابن عراق في الكذابين:" سيف بن عمر متهم بالزندقة ووضع الحديث ".
وقال الفتني في قانون الضعفاء:" متروك اتهم بالوضع والزندقة "
فعلى هذا فهذا الأثر كما قال الأخ الألباني غير ثابت لا سيما وهو منام والمنام لا تثبت به الأحكام الشرعية إلاّ إذا كان من نبي.

وأما ما قاله ابن سعد في الطبقات من أن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب معروف فهذه الكلمة لا تفيد شيئاً لأنه- أعني ابن سعد- لم يذكر في ترجمته من روى عنه إلا أبا صالح السمان حيث قال في الجزء الخامس ص 12 ما نصه:" مالك الدار مولى عمر بن الخطاب وقد انتموا إلى جبلان من حمير وروى مالك الدار عن أبي بكر الصديق وعمر رحمهما الله، روى عنه أبو صالح السمان وكان معروفاً، فمن المعلوم أن المعروف هو الذي روى عنه اثنان فأكثر، وإلا فهو مجهول العين والحال معاً إذا لم يوثق بحديثه في قسم الضعيف إلا إذا وثقه غير من روى عنه، وكذلك إذا وثقه من روى عنه إذا كان أهلاً لذلك على القول الأصح.

6 - ومنها ما رواه الطبراني في الكبير قال حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش (وفي نسخة قيرس) المصري المقري حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا أبن وهب يعنى عبد الله عن أبي سعيد المكي يعنى شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الختمى المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف:" أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان ابن حنيف: ائت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلى حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: ما حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أو تصبر" فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ائت الميضاة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات"، قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط "، ورواه في المعجم الصغير من هذا الطريق بهذا اللفظ ثم قال: لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي، وهو ثقة وهو الذي يروي عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح.
وأقر على هذا التصحيح الحافظان زكى الدين المنذرى ونور الدين الهيثمى، انتهى كلام الغمارى.

قلت: في هذا الحديث آفتان:
إحداهما شبيب بن سعيد التميمى الحبطى أبو سعيد البصري،
قال الذهبي في الميزان والحافظ في التهذيب:" قال ابن عدي حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير وقال ولعل شبيباً لما قدم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب"
وقال ابن المديني:" ثقة وكتابه كتاب صحيح "
وقال الحافظ في التقريب:" شبيب بن سعيد التميمى الحبطى أبو سعيد لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب، وفيه أيضاً طاهر بن عيسى بن قريش أو ابن قيرس أستاذ الطبراني مجهول لا يعرف بالعدالة "
قال الشيخ سليمان صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد شرح الكتاب التوحيد: قال الذهبي:" طاهر بن عيسى صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد: قال الذهبي: بن بكير وأصبغ بن الفرج وعنه الطبراني توفي سنة 292هـ ولم يذكر فيه الذهبي جرحاً ولا تعديلاً، فهو إذا مجهول الحال لا يجوز الاحتجاج بخبره لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة ". انتهى من التيسير (ص 211-212 منه).

قال الطبراني:" تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة وهذا من الطبراني إخبار منه بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح يبين أن عثمان لم ينفرد به وطريق ابن وهب هذه نؤيد ما ذكره ابن عدي فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابن شبيب بل ذكر فيها أن الأعمى دعى بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف في هذا الأثر، وليس كذلك بل في حديث الأعمى أنه قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال في نفسي.. وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته هذه فيشبه أنه أن يكون حدث ابن وهب به من نفسه كما قال ابن عدي فلم يتقن الرواية ".
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر الذي حدث عنه حماد بن سلمة في حديث الأعمى اسمه عمير بن يزيد، وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة، وهذه الطريق فيها " فشفعني في نفسي " مثل طريق روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهي قوله " وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك " أو قال:" فعل مثل ذلك " وهذه قد يقال إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى وقوله :" وإن كانت حاجته فعل مثل ذلك " قد يكون مدرجاً من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل " وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك "، بل قال:" وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك " وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بادعاء المشروع بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم على فرض صحة هذا الأثر.

ولفظ الحديث المعروف يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول " اللهم فشفعه في " وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعياً شافعاً له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم وفيه أيضاً أنه قال " وشفعني فيه " وليس المراد أن يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة فسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له صلى الله عليه وسلم وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من جنس العمل فمن صلى عليه صلى الله عليه كذلك الأعمى سال منه الشفاعة فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة فلهذا قال: "اللهم فشفعه في وشفعني فيه" وذلك أن قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا من كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق ولهذا أمر الأعمى أن يقول:" فشفعه في وشفعني فيه " بخلاف قوله " وشفعني في نفسي " فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من طريق غريب.

وأما قوله "وشفعني فيه" فإنه رواه عن شعبة رجلان جليلان عثمان بن عمرو وروح بن عبادة وشعبة أجل من روى حديث الأعمى. ومن طريق عثمان بن عمرو عن شعبة رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ورواه الإمام أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث مع أن قوله "وشفعني فيه" إن كان محفوظاً مثل ما ذكرنا وهو أنه طلب أن يكون شفيعاً لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم كان سائلاً مجرداً كسائر السائلين، ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً فيكون أحدهما شفيعاً للأخر بخلاف الطالب والواحد الذي لم يشفع غيره، فهذه الزيادة فيها عدة علل.

أولاً: انفراد راويها بها عمن أبر وأحفظ منه.

ثانياً: إعراض أهل السنن عنها

ثالثاً اضطراب لفظها

رابعاً أن راويها عرف له عن روح أحاديث منكرة

ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة، فلا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه. ومن المعلوم أن الواحد بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال:" اللهم شفعه في وشفعني فيه " مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع له كان هذا كلاماً باطلاً مع أن عثمان بن حنيف لم يأمر صاحب الحاجة أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ولا أن يقول (فشفعه في) ولم يأمر بالدعاء المأثور على وجهه، وإما أمره ببعضه وليس هناك من النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته (فشفعه في) لكان كلاماً لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان صاحب الحجة، كما أنه لم يأمره بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم بل الذي أمره به ليس مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه،

وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لم يكن فعل ذلك الصحابي سنة يجب على المسلمين اتباعها، لا غايته أن يكون مما يسوغ فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول،

ولهذا نظائر كثيرة مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء ويأخذ لأذنيه ماء جديداً، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وروى عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل، فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعا لهما فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا، والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مع العنق، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، بل هذا من كلام أبي هريرة جاء مدرجاً في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" وأنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء" وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له، فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة، وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وينزل مواضع منزلة ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً ولم يستحب ذلك جمهور العلماء كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، ولم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي فعل فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة،

وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يلتمس الحجر الأسود وأن يصلى خلف المقام وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد المدينة وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التي كان ينهي عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمى عن المعرور بن سويد قال:" كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض "، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى بالقصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبهت على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحباباً أو لحجة عارضة تنازعوا فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه عليهم فعله لأنه كان أسمح بخروجه أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك، ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة فإن هذا لم يفعله سائر الصحابة، ولم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته، ولم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة بل غايته أن يقال هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أو يقال في التعريف أنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة هكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه الاجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة أن هذه سنة مشروعة للمسلمين فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه ولا حراماً إلا ما حرمه ولا مستحباً إلا ما استحبه ولا مكروهاً إلا ما كرهه ولا مباحاً إلا ما أباحه.

وهكذا في الإباحات كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباحة حذيفة السحور بعد طهور الضوء المنتشر إلا أن الشمس لم تطلع وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك فوجب الرد إلى الكتاب والسنة.

وهكذا الكراهة والتحريم مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقاً أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر، ومن ذلك قول سلمان أن الريق نجس وقول ابن عمر في الكتابية لا يجوز نكاحها، وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم وقول علي وزيد وابن عمر في المفوضة أنه لا مهر لها إذا مات الزوج وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل أنها تعتد إلى أبعد الأجلين وقول ابن عمر لا يجوز الاشتراط في الحج وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها ليس عليها لزوم المنزل وقول عمر وابن مسعود أن المبتوتة لها السكنى والنفقة وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فإنه يجب الرد إلى الله والرسول، ونظائرها كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال من العلماء إن قول الصحابي حجة، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على قول فقد يقال "هذا إجماع إقراري" إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال " حجة ".

وأما إذا عرف أن غيره خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها لا ريب عند أهل العلم.

وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعياً له ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لن يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل معنا حتى يخصب الناس لما استسقى بالناس قال:" اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته. وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية ابن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.

وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء "اللهم شفعه في" وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المخالف لعمر محجوجاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه لا له. والله أعلم.

وأما القسم الثالث مما يسمى توسلاً فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يحتج به أهل العلم وهو الأقسام على الله عز وجل بالأنبياء والصالحين والسؤال بأنفسهم فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ثابتاً لا في الأقسام أو السؤال به ولا في الأقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه فتكون مسألة نزاع فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة.

وإتماماً للفائدة نختم هذه الرسالة بما ذكره ابن كثير في تفسيره وغيره عند قوله عز وجل:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}.. الآية.

قال ابن كثبر ما نصه:" ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله. سمعت الله يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} الآية، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشد يقول:


فطـاب من طيبهن القاع والأكم يا خير من دفـنـت بالقـاع أعظـمه

فيه العفـاف وفيه الجود والكـرم نـفسي الفـداء لقــبـر أنـت سـاكـنـه

عند الصراط إذا مـا زلت القدم أنت الرسـول الذي ترجى شفاعـته

ولا نجـوم ولا لـوح ولا قـلـم لولاك مـا خلقت شـمـس ولا قـمـر

فأنت أكرم من دانـت له الأمـم صـلى علـيــك إله الدهـر أجـمـعــه


ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: "يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ".

فهذه القصة الباطلة أخرجها ابن النجار في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة بالسند التالي، قال أخبرنا عبد الرحمن ابن أبي الحسن في كتابه أخبرنا أبو الفرج ابن أحمد أخبرنا أحمد بن نصير أخبرنا محمد بن القاسم سمعت غالب بن غالب الصوفي يقول سمعت إبراهيم بن محمد المزكي يقول سمعت أبا الحسن الفقيه يحكى عن الحسن بن محمد عن ابن فضيل النحوي عن محمد بن روح عن محمد بن حرب الهلالي قال:" حج أعربي فلما جاء على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، وذكر القصة بتمامها ".

فهذه الحكاية ذكرها أيضاً بعض الفقهاء والمحدثين، وليست بصحيحة ولا ثابتة إلى العتبي، وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم، وبعض العلماء يرويها عن العتبي لا إسناد كما في تفسير ابن كثير عند الآية المقدمة الذكر آنفاً وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي
وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم أيضاً عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً آخر إلى على بن أبي طالب رضي الله عنه، روى أبو الحسن على بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن على بن محمد بن على حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال حدثني أبي عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي رضي الله عنه فذكر هذه الحكاية، فهذا خبر منكر موضوع وأثر مختلق مصنوع لا يصلح الاعتقاد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض. والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم إن كان ابن عدى الطائي فهو متروك كذاب وإلا فهو مجهول، وقد ولد الهيثم ابن عدى بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل ثم انتقل إلى بغداد فسكنها
قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول:" الهيثم بن عدى كوفي ليس بثقة كان يكذب "
وقال العجلي وأبو داود:" كذاب "
وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي:" متروك الحديث ".
وقال السعدي:" ساقط قد كشف قناعه "
وقال أبو زرعة:" ليس بشيء "
وقال البخاري:" سكتوا عنه أي تركوه ".
وقال ابن عدي:" ما أقل ما له من المسند وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ونسب وأشعار "
وقال ابن حبان:" كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلى أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعة يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها ".
قال الحاكم أبو أحمد الكبير:" هو ذاهب الحديث "
وقال الحاكم أبو عبد الله صاحب المستدرك:" الهيثم ابن عدى الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة "
وقال العباس بن محمد:" سمعت بعض أصحابنا يقول قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب "

وفي الجملة فليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به حجة لأن إسنادها مظلم مختلق ولفظها مختلف أيضاً، ولو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة على مطلوب المعترض ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم. وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم.

وأما سند ابن النجار فهو أيضاً مجاهيل غير معروفين ابتداء من شيخه إلى محمد بن حرب الهلالي، قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم" قال ما نصه:" ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، واتفق الأئمة على أنه إذا دعى بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه ".


" هذا "

وقد أغنانا الله عز وجل عما حرم من التوسلات الشركية والبدعية بما شرع لنا من التوسل المشروع وهو التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا قال الله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وكذلك شرع لنا التوسل إليه بالأعمال الصالحة من دعائه وطاعته واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام وحبه والإيمان به كما في حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إليه لما وقعوا في الشدة بأعمالهم الصالحة ففرج عليهم. قال الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقد أجمع الصحابة والتابعون لهم باحسان أن الوسيلة إليه تعالى في هذه الآية هي طاعة الله تعالى بما شرع والانتهاء عما نهى عنه ومنع. وقال تعالى:{ادعُونِي أَستجب لكم} .. الآية.

فهذا هو التوسل المشروع، وأما التوسل غير المشروع فهو قسمان:

1 - توسل شركي: كالحلف بغير الله ودعاء غير الله قال الله تعالى:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}، {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}..

وكذلك الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وتعليق التمائم والحلقات والطِيَرَة هذه كلها من الشرك. لا يجوز لمؤمن بالله أن يصرف الاستغاثة والذبح والاستعاذة لغير الله فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك كما جاءت به النصوص.

2 - التوسل البدعي: كأن يقول توسلت بجاه فلان أو بحرمته أو بحقه عليك أو بفضله أو بعمله فإن هذه الألفاظ بدعية لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في واحد منها شيء صحيح ولا حسن بل كل ما نقل في هذا الباب موضوع أو ضعيف جداً لا يصلح للاحتجاج به أو صحيح خارج عن الموضوع كما تقدم في توسل عمر رضي الله عنه بالعباس وكما في حديث الأعمى على القول بصحته.

ونسأل الله العلي القدير أن يلهمنا الصواب في القول والعمل ويجنبنا الخطأ والزلل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أمين
..

يوسف التازي
11-01-15, 02:12 AM
في ذكرى المولد النبوي




الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى الله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.. أما بعد:

في مثل هذه الأيام يحتفل فئام من البشر بيوم مولد سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وهم من وقت ليس ببعيد يعدون العدة ويجهزون الأجهزة استعداداً للاحتفال لهذا اليوم، فالأضواء قد علقت في أعمدة الشوارع، والبيوت قد زينت بالزهور والورود، والحلويات قد أصبح لها سوق رائجة للبيع، وبعض الأمكنة استئجرت حتى يقام بها هذا الاحتفال، ويقيمون الابتهالات والدعوات في المساجد، أضف إلى ذلك آلات المعازف والطبول والدفوف لإقامة المهرجانات الاحتفاليَّة بذكره مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأشياء كثيرة كثيرة قد نُفِضَ عنها الغبار استعداداً لذكرى المولد النبوي!!
فهل فعل هذا من الأمور التي ترضي الرب تبارك وتعالى؟ وما هو حكمه؟ وهل فعله السلف أو أقروه؟ إلى غير ذلك من الأشياء التي سأطرقها في هذا البحث اليسير.
وقبل أن أصول وأجول في ثنايا هذا البحث فإني سأذكر مقدمة يسيرة نافعة بإذن الله عز وجل لمن أراد الله هدايته وأبعده عن أسباب شقاوته، كلها من سلسبيل القرآن ومشكاة الحديث والسنة، فهما المنهل العذب الزلال على قلوب أهل الإيمان، والصواعق المردية لأهل الكفر والضلال.
فهذه مقدمة نافعة في الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة، ووجوب طاعة الله ورسوله، وأن مرجع أهل السنة والجماعة في استدلالهم هو كتاب الله وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام لا إلى آراء الناس وعقول المشايخ، نقول فيها:
يا مَن يقرأ هذا الكلام المزبور والخط المسطور، قد أنزل الله علينا هذا القرآن ليكون الهادي لنا في ظلمات الحياة، ومنيراً للصراط المستقيم، وقائداً يدعو البشرية جمعاء إلى جنة خلد أعدت للمؤمنين.
وقد ذكر الله عز وجل في هذا الكتاب العظيم آيات كثيرة بلغت ثلاثاً وثلاثين آية كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ـ قدس الله روحه ـ كلها في الأمر والحث على طاعة الله ورسله والتمسك بغرز القرآن والسنة فقد قال تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا} [الأحزاب: 36].
فقد ذكر الله أنه لا يكون للمؤمنين إذا قضى الله ورسوله عليهم أي أمر، وتأمل هنا قوله تعالى {أمراً} فهي نكرة في سياق النفي فتعم كل أمر، فإذا قضى الله ورسوله أي أمر لا يكون لهم أن يتخيروا من أمرهم، هذا غير الذي قضى فيهم ثم ذكر الله عزَّ وجل أن من عصى الله ورسوله فهو في ضلال بعيد؛ لأنه يأبى ما قضاه الله ورسوله عليه وخالف أمرهما.
وقال تعالى {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون* ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 51 ـ 52].
وقال تعالى {..فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 36].
وقال تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..} [الحشر: 7].
وقال تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92].
وقد حذرنا الله عز وجل من الإشراك بطاعته فقال {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121]، وقال تعالى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله..} [الشورى: 21]، وقال تعالى {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبائنا..} [لقمان: 21]، وقال تعالى {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً} [النساء: 61].
ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يوصينا بالتمسك بسنته فيقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". (مسند أحمد 4/126، وانظر صحيح الجامع 2546).
وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". (صحيح مسلم867).
وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (رواه البخاري 2697، ومسلم 1718).
والعجب كل العجب أن ترى كثيراً ممن ينتسبون للإسلام ويقولون بألسنتهم نحن نحب الله ورسوله فإذا أنكرت عليهم شيئاً من منكرات في الدين ظاهرةٍ عليهم، جادلوك بألسنتهم وبدءوا يستندون بأقوال لبعض من ينتسب إلى العلم، ثم إذا قلت لهم قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجوا وأكثروا وقالوا أنت قرن مماحك، فواأسفاه على أناس أعرضوا عن الكتاب والسنة، وكأنّ هذين الأصلين لا اعتبار لهما في مجرى حياتهم، ويأتي آخرون من هذا الصنف ثم يقولون وهل أنت أعلم من الشيخ الفلاني أو العالم الرباني فهم يرونا نفعل مثل هذه الأمور التي تدعون أنها منكرات وبدع ولم ينكروا علينا ما نفعله؟
وهذه طامة كبيرة وقارعة خطيرة حيث أن مثل هؤلاء قد أجّروا عقولهم لمشايخهم ولم يطلبوا أدلة الكتابة والسنة؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لتركوا منكرات كثيرة وقعوا بها ولما أقلعوا عن البدع والمعاصي التي تحيط بهم.
فأعيذك الله أخي وأنت يا أختاه أن تكونا من مثل هذا النوع فإن الهوى استحكم على قلوبهم فهم إما أن يناقشوك بآرائهم وأهوائهم أو بآراء مشايخهم بلا استناد للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وقد قال الشاعر ينكر على المحتجين بكلام شيوخهم:ـ

أقول قال الله قال رسوله *** فتجيب شيخي إنه قد قالَ

وأمثال هؤلاء قليل ـ إن شاء الله ـ وأسأله تعالى أن يهديهم ويصلح شأنهم.
وقد يحصل لك في النقاش مع مثل هذه النخبة من البشر أن يقولون لك هذه وجهة نظرنا وما ندين الله به وأنت يا من تناقشني برأيك هذه هي وجهة نظرك وما تدين الله به، والحمد لله كل على هدى مستقيم.
وهذه شبهة غير منطقيَّة والجواب عن ذلك أن يقال: أن المرجع في النزاع والنقاش هو كتاب الله سبحانه وتعلى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل يقول {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} [النساء: 59].
وقال تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله..} [الشورى: 10].
نعم، هذا هو مرجعنا كتاب الله عز وجل..

لا تذكـــر الكتب الســـوالف *** طلع النهار فأطفئ القنديلا

إذاً ما يدعي به بعضهم بأنّ آرائهم هي التي يدينون الله بها فكلامهم هذا مردود عليهم، وعلى هذا فإن اليهود والنصارى يدينون الله بما هم عليه من الكفر والضلال ولن ينقذهم كلامهم هذا عند الله شيئاً.
وأنا الآن أطلب من القارئ الكريم والأخت الكريمة أن يتجردا للحق فالحق أحق أن يتبع فماذا بعد الحق إلا الضلال، وحذار حذار من الهوى فالله عز وجل يقول {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26] وقال: {بل اتبع الذين ظلموا أهوائهم}.
وقد أحسن من قال:

إن الهوان هو الهوى قلب اسمه *** فـــإذا هَوِيتَ فقــد لقيت هوانــــاً

وأختم بقول الله سبحانه {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153]، وليكن شعار كل مسلم طالب للحق مبتعد عن الباطل أن يقول ما قاله أحد المتقدمين ـ رحمه الله ـ:

كتــاب الله عــز وجــل قولي *** ومــا صحت به الآثــار ديني
فدع ما صدّ عن هذي وخذها *** تكــن منها عــلى عين اليقين





--------------------------------------------------------------------------------


المبحث الأول
في حكم الاحتفال بذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم.

في يوم 12/ 3 يحتفل جمع من الأمة الإسلامية بذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الحقيقة إن الاحتفال بمثل هذا اليوم واتخاذه عيداً بدعة منكرة قبيحة ولم يدل على جوازها كتاب ولا سنة ولا إجماع سلف الأمة.
بل الأمة الإسلامية في عهد القرون الثلاثة الأولى التي فضلها محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها مجمعة أنها لا تعرف احتفالاً ولا عيداً إلا الأضحى والفطر، أما سواهما من الأعياد والذكريات فهو لغو غير معدود ولا معروف عندهم، بل لا تشرئب إليها أنفسهم، ولا ترتفع إليها أعناقهم.
ذلك أنهم كانوا شديدي الإنكار على كل من خالف الإسلام بكفر أو بدعة أو معصية، ولقوة اعتصامهم بالكتاب والسنة خلت بيوتاتهم من البدع المنكرة، والأمور المحدثة.
وللقارئ أو القارئة أن يسألا ويقولا:
ما سبب حكمك على أن من احتفل بذكرى مولد النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد ارتكب بدعة منكرة في الدين؟
فأقول وبالله التوفيق:
1ـ النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده في حياته وهو المبلغ للدين، ولم يأمر بذلك.
2ـ أن الخلفاء الراشدين لم يفعلوا هذا الاحتفال مع أنهم أحب للرسول صلى الله عليه وسلم منا.
3ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصانا بالتمسك بسنته، وأن لا نعبد الله إلا بما شرع، وذكرى المولد لو كان فيها خير لذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها خبراً، ومن تعبّد الله بما لم يشرعه لعباده وعلى لسان رسوله، فقد اتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقصور أو بالتقصير في تبليغ دعوة الله.
4ـ قال الإمام مالك بن أنس ـ نوّر الله ضريحه ـ: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، فما دام أن السلف لم يفعلوا مثل هذه البدعة المحدثة فحري بنا ألا نفعلها، وقد قال الناظم:

وكل خير في إتباع من سلف *** كل شـر فـي ابتداع من خلف

5ـ أن يوم المولد وليلته لو كان لها مزية لاختصت بفضل معين، ثم إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتذكر سيرته لا تكون في يوم واحد بل في كل الأيام نقرأ سيرته ونتبع ما شرعه لنا صلى الله عليه وسلم.
وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم من شر ما يعلمه لهم".
6ـ إن بعض الموالد فيها اختلاط الرجال بالنساء، وفيها الغلو بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى أنّ بعضهم قد يجعله في مقام الربوبية، وبعضهم يظن أن محمداً صلى الله عليه وسلم يحضر المولد فيقومون له محييين ومرحبين، ويكون كذلك من المنكرات مشاركة المعازف من الطبل وآلات الموسيقى، وكذلك بعضهم يستغيث بمحمد صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه المدد والغوث وأنه يعلم الغيب. وكل هذه الأمور منكرة محرمة وبعضها فيها شرك بالله ـ عياذاً به سبحانه ـ فكيف إذا اجتمعت كلها.
7ـ الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا في الحديث الصحيح فقال: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" رواه النسائي بسند صحيح. ولفظه: "كل" هنا للعموم فيكون معناها أن أية بدعة محدثة في الدين فهي بدعة.
8ـ من فعل هذه البدعة فقد تشبه بأعداء الله فإن النصارى يحتفلون بعيد ميلاد المسيح عيسى بن مريم، وقد سرت بدعتهم هذه للمسلمين فأصبحوا يحتفلون بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، والرسول حذرنا من التشبه بأعداء الله فقال: "من تشبه بقوم فهو منهم" والحديث رواه أحمد وأبو داود وجوّد إسناده ابن تيمية، وحسنه ابن حجر.
9ـ من احتفل بذكرى المولد فقد اتهم ديننا بالنقص، ولو كان قصد هذا المبتدع حسناً؛ فإن بدعته طعن في دين الله عز وجل وتكذيب لقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3].
10ـ إن الكفار أعداء الله يفرحون بإقامة هذه البدع؛ لأنهم قرءوا كتبنا الإسلامية وعلموا أنه متى أحدث في الدين بدعة ماتت سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، "وأوضح أنموذج لذلك ما ذكره الجبرتي من أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي، وأمره بتعليق الزينات، بل وحضر الحفل بنفسه من أوله إلى آخره..." ويعلل الجبرتي اهتمام الفرنسيين بالاحتفال بالموالد عموماً بما "رآه الفرنسيون في هذه الموالد من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، وإتباع الشهوات، والرقص، وفعل المحرمات" أ.ه. [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (155) المنتدى الإسلامي].
11ـ إننا لو نقبنا في بداية تاريخ هذه البدعة ومن هو أول من فعلها فسنجد أنهم الفاطميون العبيديون، وهم من الباطنيين، وقد حكموا مصر وكان بدء حكمهم في مصر في القرن الرابع الهجري، وقد ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابة "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1/490) أنه كان للفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرة جداً، ومنها مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومولد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (567هـ) وهي السنة التي انتهت فيها دولتهم بموت آخرهم العاضد، قال: "ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلّ عندهم الصالحون من العلماء والعباد..". [الرد على الرفاعي والبوطي، للعباد (82ـ83). وكتاب القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، (2/451ـ452)].
وقال العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية سابقاً في كتابة "أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام" (44ـ45) : "مما حدث وكثر السؤال عنه الموالد فنقول: إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، وأولهم المعز لدين الله توجه من المغرب إلى مصر في شوال سنة (361هـ)، فوصل إلى ثغر الإسكندرية في شعبان سنة (362هـ) ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان فابتدعوا ستة موالد النبوي، ومولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب...". [القول الفصل، إسماعيل الأنصاري (2/457ـ458)].
وبعض أهل العلم ذكر أن أول من احتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم هو الملك المظفر "أبو سعيد كوكبوري" ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية

يوسف التازي
11-01-15, 02:14 AM
10ـ إن الكفار أعداء الله يفرحون بإقامة هذه البدع؛ لأنهم قرءوا كتبنا الإسلامية وعلموا أنه متى أحدث في الدين بدعة ماتت سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، "وأوضح أنموذج لذلك ما ذكره الجبرتي من أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي، وأمره بتعليق الزينات، بل وحضر الحفل بنفسه من أوله إلى آخره..." ويعلل الجبرتي اهتمام الفرنسيين بالاحتفال بالموالد عموماً بما "رآه الفرنسيون في هذه الموالد من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، وإتباع الشهوات، والرقص، وفعل المحرمات" أ.ه. [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (155) المنتدى الإسلامي].
11ـ إننا لو نقبنا في بداية تاريخ هذه البدعة ومن هو أول من فعلها فسنجد أنهم الفاطميون العبيديون، وهم من الباطنيين، وقد حكموا مصر وكان بدء حكمهم في مصر في القرن الرابع الهجري، وقد ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابة "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (1/490) أنه كان للفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرة جداً، ومنها مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومولد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (567هـ) وهي السنة التي انتهت فيها دولتهم بموت آخرهم العاضد، قال: "ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلّ عندهم الصالحون من العلماء والعباد..". [الرد على الرفاعي والبوطي، للعباد (82ـ83). وكتاب القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، (2/451ـ452)].
وقال العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية سابقاً في كتابة "أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام" (44ـ45) : "مما حدث وكثر السؤال عنه الموالد فنقول: إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، وأولهم المعز لدين الله توجه من المغرب إلى مصر في شوال سنة (361هـ)، فوصل إلى ثغر الإسكندرية في شعبان سنة (362هـ) ودخل القاهرة لسبع خلون من شهر رمضان فابتدعوا ستة موالد النبوي، ومولد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب...". [القول الفصل، إسماعيل الأنصاري (2/457ـ458)].
وبعض أهل العلم ذكر أن أول من احتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم هو الملك المظفر "أبو سعيد كوكبوري" ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية (13/ 137) عن هذا الملك وهو أبو سعيد كوكبوري: "كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً.. [إلى أن قال:] قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة آلف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى.. [إلى أن قال:] ويعمل الصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم" أ.ه [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (140)].
ويمكن الجمع بين قول من قال إن الاحتفال بالمولد النبوي أول من فعله الرافضة بنو عبيد القداح في القرن الرابع، وبين قول من قال أول من فعله هو ملك إربل في القرن السابع، أن يقال:
أن أول من فعله بنو عبيد القداح في مصر ثم سرت هذه البدعة إلى الشام والعراق في القرن السابع الهجري.
وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية عن الدولة الفاطمية (11/346): "هم كفار، فساق، فجار ملحدون، زنادقة، معطلون الإسلام جاحدون ولمذهب المجوسية معتقدون" ا.هـ.
وقال ياقوت في معجمه (1/138) عن الملك المظفر صاحب إربل وقد كان من معاصريه: "طباع هذا الأمير متضادة، فإنه كثير الظلم، عسوف بالرعية، راغب في أخذ الأموال من غير وجهها" ا.هـ.
إذاًَ علمنا علم اليقين أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن هذه البدعة تسربت للمسلمين من الكفار العبيديين ومن ملك إربل الظالم المتعسف المبتدع، فهل يجوز لنا أن نأخذ ديننا من مثل هؤلاء المبتدعة؟
12ـ ومن الأمور التي تجعلنا نقول إن الاحتفال بذكرى المولد بدعة، أن إحياء بدعة المولد يفتح الباب للبدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن، ولهذا تجد المبتدعة ينشطون في إحياء البدع ويتكاسلون عن السنن ويبغضونها ويعادون أهلها. [حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال (142)].
والبدعة أحب إلى إبليس من مائة معصية؛ لأنها تجر الإنسان إلى الشرك بالله وقد لا يعلم ذلك، ولأن صاحبها يعتقد أنه على صواب ويجادل عن جواز بدعته، أما صاحب المعصية يعلم أن المعصية غير جائزة وقد يتوب منها ويستغفر الله عز وجل.
13ـ يُلزَم أصحاب بدعة المولد النبوي أن يفعلوا ذكرى لوفاته صلى الله عليه وسلم وذكرى ليوم بعثته في نشر دين الإسلام وهلم جراً، ثم أن محمداً صلى الله عليه وسلم توفي في شهر ربيع الأول "فلأي سبب يفرحون ـ أي أصحاب البدعة ـ بميلاده، ولا يحزنون بموته لولا قسوة القلب"، وعلى هذا الإلزام يكون في كل يوم ذكرى مولد أو وفاة لكل نبي وصالح وضاع ديننا بالموالد والذكريات.


المبحث الثاني
ذكر أقوال لأهل العلم في إنكار هذه البدعة


1ـ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه: "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" وفي رواية النسائي "وكل ضلالة في النار".
2ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/123): "وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً.. من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً. مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيم له منا، وهم على الخير أحرص...".
وتأمل رعاك الله ما قاله "مع اختلاف الناس في مولده"؛ لأن بعض أهل العلم قال: ولد صلى الله عليه وسلم في يوم التاسع من ربيع الأول، وبعضهم قال ولد في يوم الثاني عشر. ولذا يلزم من يفعل هذه البدعة أن يحتفل كل يوم قيل إنه ولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى ينال ما يريده من موافقة اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم.
3ـ وقد ألف الفاكهاني رسالة "المورد في عمل المولد" وأنكر هذه البدعة وقال: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون" إلى آخر ما قال رحمه الله (1/ 8ـ9) من كتاب "رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي"، تحت إشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء.
4ـ وألف الشيخ إسماعيل الأنصاري رسالة ضخمة بما يقارب (600) صفحة وذكر أن الاحتفال بالمولد بدعة، وردّ على معظم الشبه التي يثيرها أدعياء هذه البدعة في رسالته "القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل".
5ـ وممن أنكر هذه البدعة الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام".
6ـ والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه "صيانة الإنسان".
7ـ والشيخ ابن باز، ومحمد ابن إبراهيم وجمع من العلماء المتقدمين والمتأخرين ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ.


المبحث الثالث
شبهــــات وردود


يستند بعض مقيمي مثل هذا المولد إلى شبهات يتعلقون بها ويجوزون بناءً عليها فعل بدعتهم، ولذا فلا بد من عرض شيء منها ، وسأذكر أهم الشبه التي يتعلق بها هؤلاء وأناقشها، خاصة أن بعض من ينتسب إلى العلم ويقيم مثل هذه الموالد يلبّس على العوام بهذه الشبه ـ فلا حول ولا قوة إلا بالله ـ.

كيف، لا أدري، لماذا؟ ربمـا *** أنني يومـاً عرفـــت السببـــا
عالِم يدعو بدعــوى جاهــل *** وليوث الحرب ترجو الأرنبا


الشبهة الأولى: أن إقامة مثل هذا المولد من قبيل البدعة الحسنة الجائزة في دين الإسلام.


ويجاب عن هذه الشبة بأن يقال: ليس في دين الإسلام بدعة تسمى بدعة حسنة، فإنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي مرّ بنا مراراً يقول: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وزاد النسائي "وكل ضلالة في النار".
وقد ذكر الشاطبي في كتابه "الاعتصام" (1/28) أن "ابن الماجشون" قال: سمعت مالكاً يقول: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً".
ثم إنه صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ مسلم "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
فهل عمل بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من دين الإسلام الذي ذكره الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم لنا، وهل فعل هذه البدعة كان عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وذكر الإمام ابن بطة في كتاب "الإبانة" (1/339) عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" وذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بسند صحيح.
ورحمة الله على الإمام مالك الذي كان كثيراً ما ينشد:
وخير أمور الدين ما كان سنة *** وشر الأمور المحدثات البــدع

ذكره الشاطبي في كتابه "الاعتصام" (1/115).

الشبهة الثانية: يستند بعضهم إلى ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح"، ثم يقولون وكثير من المسلمين يستحسن فعل الاحتفال بذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن ذلك:
1ـ أن هذا الكلام المنسوب لابن مسعود رضي الله عنه إنما أراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد كل من هب ودب من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام، وكلامه صريح في ذلك، وهذا لفظه عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ".
وهذا مثل ما رآه الصحابة حسن من العلم بالتاريخ والابتداء به بالهجرة، ومثل وضع ديوان العطاء زمن عمر بن الخطاب، ومثل جمع المصحف في عهد أبي بكر، وأما ما رأوه سيئاً مثل التحلق والاجتماع على عد التسبيح والتحميد والتكبير، وقد أنكر ذلك ابن مسعود وأبي موسى الأشعري، ومثل إنكار الصحابة لبدعة الخوارج، ومثل إنكار علي رضي الله عنه على الرافضة في غلوهم فيه وإنكار الصحابة معه. [الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي لحمود التويجري (163ـ166)بتصرف].
2ـ أن يقال إن كثيراً من أهل الإسلام يستقبحون البدع ويعتبرونها ضلالة، ومن ضمنها بدعة المولد النبوي.
3ـ أن هذا الكلام الوارد عن ابن مسعود المراد به ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسناً لا ما رآه بعضهم واستحسنه وقد ذكر هذا الجواب أربعة من أئمة العلم، وهم ابن القيم والشاطبي وابن قدامة وابن حزم. [القول الفصل، الأنصاري (2/591)].
ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتبهم أو إلى المرجع السابق ذكره فقد ذكر الشيخ إسماعيل جميع أقوالهم.

الشبهة الثالثة: أن الاحتفال بالمولد يفعله الكثير من الناس بل يراه بعض المشايخ، ولو كان منكراً ما فعله هؤلاء.
والجواب عن هذه الشبهة:
1ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، رواه أهل السنن إلا النسائي وهو حسن لغيره. (سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 1331).
2ـ ذكر العلامة محمد ابن إبراهيم ـ رحمه الله ـ عن الإمام الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أنه قال نقلاً عن بعض مشايخه: "إن الاحتجاج على تحسين البدع بهذه الدعوى ليس بشيء في أمر تركته القرون الثلاثة المقتدى بهم"، ثم قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ "ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول: "ولو كان هذا منكراً لما فعله الناس"، ثم قال ما ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "من اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المستحدثة المخالفة للسنة..". [رسائل في حكم الاحتفال بالمولد، رسالة الشيخ محمد ابن إبراهيم].
3ـ أن فعل الكثير من الناس لأي شيء لا يدل على أنه حق بل إن الله ذم الكثرة في القرآن فقال {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116]، وقال {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103]، وقال {وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم} [الأنعام: 119]، وقال تعالى {وإن كثيراً من الخلفاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا أو قليل ما هم} [ص: 24].
4ـ ويرد على من قال إن بعض المشايخ يقول بجوازه بل يفعله، بأن رسول الهدى يقول: "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، ووالله إن قول رسول الله أحب إلينا من قول أمة كلها، وقد قال أبو بكر بن أبي داود:

ودع عنك آراء الرجال وقولهم *** فقول رسول الله أزكى وأشرح

ويقال لمن استدل بقول شيوخه، أيهما أحب إليك قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أم قول مشايخك؟ فإن قال بل قوله عليه الصلاة والسلام أحبُّ إليّ، فيقال له: إن الله عز وجل يقول {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}، وقد ذكر ابن تيمية في كتاب العبودية قول الحسن البصري: "ادعى قوم محبة الله ورسوله فأنزل الله عليهم آية الممتحنة {قل إن كنتم تحبون الله..}، فامتحنهم الله بهذه الآية.
وقد قال الإمام الشافعي: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. [الرسالة (104)].
إن قال إن قول شيخي أحب إلي من قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فإني أبشره بآية عظيمة {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}. [النساء: 115].
وقد قال ابن تيمية: "ومن نصب شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا بدينهم وكانوا شيعاً". [الفتاوى (2/239ـ240)].

الشبهة الرابعة: دعوى بعضهم أن من لم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم فإنه يكره الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحبه ولا يعظمه.
والجواب عن هذه الشبهة أن يقال:
1ـ بل إنكم أنتم يا من تدعون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعظموه ولا توقروا شرعه، واتِّباع سنَّته، واجتناب ما نهى عنه من البدع المحدثة، فلم خصصتم هذا اليوم لقراءة الشمائل المحمدية هل لكم نص بذلك من كتاب أو سنَّة؟!
2ـ ويقال كذلك أنتم الذين تنقصتم محمداً صلى الله عليه وسلم، ورميتموه بالتقصير فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (1844) في كتاب الإمارة).
وقد نهانا محمد صلى الله عليه وسلم وحذرنا عن البدع كلها، فقال: "وكل بدعة ضلالة".
قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (1/102): "وكما أنك لا تجد مبتدعاً إلا وهو متنقص للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة فإن يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلاً مقلداً، وإن كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق لله ورسوله".
وإني أبشر السني بكلام عظيم لابن القيم قاله كذلك في إغاثة اللهفان (1/111) "وهذا المبتدع إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يشبها بآراء الرجال ولا بشيء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسل على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه من صده على ما ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة.

إذا لم يكن بد من الصبــر، فاصطبر *** على الحق، ذاك الصبر تحمد عقباه

وأختم بما ذكره أبو داود في سننه عن حذيفة رضي الله عنه قال: " كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر مقال".
وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (20750) واللفظ له، وأخرجه كذلك أبو داود (4611) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "فيوشك قائل أن يقول: ما هم بمتبعي فيتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره! فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة..". هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أصحابه الكرام الميامين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

يوسف التازي
11-01-15, 02:15 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد،




* فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت فيهم الشركيات والبدع والخرافات، ومن ضمن هذه الشركيات التي انتشرت بشكل كبير تعظيم بعض المسلمين لمن يسمونهم بالأولياء والصالحين ودعاؤهم من دون الله واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون، فعظموهم وطافوا حول قبورهم.


* ويزعمون أنهم بذلك يتوسلون بهم إلى الله لقضاء الحاجات وتفريج الكربات، ولو أن هؤلاء الناس الجهلة رجعوا إلى القرآن والسنة وفقهوا ما جاء فيهما بشأن الدعاء والتوسل لعرفوا ما هو التوسل الحقيقي المشروع ؟


* إن التوسل الحقيقي المشروع هو الذي يكون عن طريق طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، وعن طريق التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وسؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فهذا هو الطريق الموصل إلى رحمة الله ومرضاته.


* أما التوسل إلى الله عن طريق : الفزع إلى قبور الموتى والطواف حولها، والترامي على أعتابها وتقديم النذور لأصحابها، لقضاء الحاجات وتفريج الكربات فليس توسلا مشروعا بل هذا هو الشرك والكفر بعينه والعياذ بالله .


* فكل من غلا في حيٍ ، أو رجل صالح، أو نحوه، وجعل له نوعا من أنواع العبادة مثل أن يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الرب والتي لا تصلح إلا الله تعالى، فقد أشرك بالله شركا أكبر، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر.


* والذين كانوا يدعون مع الله آلهةً أخرى مثل اللات والعزى وغيرها لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، وإنما كانوا يعبدونها ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى اللهزلفى ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.


* فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً) [الإسراء: 56] وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [سبأ :22] فأخبر سبحانه: أن ما يُدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به.


* ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته:{ لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا} وكان ذلك سدا لذريعة الوقوع في الشرك فإن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان بسبب تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.


* وأما ما جاء في توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما، الذي قد يحتج به البعض، فإن عمر توسل بدعاء العباس لا بشخصه، والتوسل بدعاء الأشخاص غير التوسل بشخصهم بشرط أن يكونوا أحياء؛ لأن التوسل بدعاء الحي نوع من التوسل المشروع بشرط أن يكون المتوسل بدعائه رجلا صالحا. وهذا من جنس أن يطلب رجل الدعاء من رجل صالح حي ثم يطلب من الله أن يقبل دعاء هذا الرجال الصالح الحي له.


* أما الميت الذي يذهب إليه السائل ليسأل الله ببركته ويطلب منه العون قد أصبح بعد موته لا يملك لنفسه شيئا ولا يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فكيف ينفع غيره؟! ولا يمكن لأي إنسان يتمتع بذرة من العقل السليم يستطيع أن يقرر أن الذي مات وفقد حركته وتعطلت جوارحه يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فضلا عن أن ينفع غيره، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم قدرة الإنسان على فعل أي شيء بعد موته فقال: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له} فتبين من الحديث أن الميت هو الذي بحاجة إلى من يدعو له ويستغفره له، وليس الحي هو الذي بحاجة إلى دعاء الميت، وإذا كان الحديث يقرر انقطاع عمل ابن آدم بعد موته، فكيف نعتقد أن الميت حي في قبره حياة تمكنه من الاتصال بغيره وإمداده بأي نوع من الإمدادات؟ كيف نعتقد ذلك؟! وفاقد الشيء لا يعطيه والميت لا يمكنه سماع من يدعوه مهما أطال في الدعاء قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَايَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمٍْ) [فاطر:13،14] فنفى الله عنهم الملك وسماع الدعاء ومعلوم أن الذي لا يملك لا يعطي، وأن الذي لا يسمع لا يستجيب ولا يدري، وبينت الآية أن كل مدعو من دون الله كائنا من كان فإنه لا يستطيع أن يحقق لداعيه شيئا .


* وكل معبود من دون الله فعبادته باطلة، قال تعالى: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) [الآية يونس: 106،107] ويتبين من هذه الآية أن كل مدعو من دون الله لا ينفع ولا يضر، فإذا ما الفائدة من عبادته ودعائه، وهذا فيه تكذيب لأهل الخرافة الذين يقولون ذهبنا للقبر الفلاني أو دعونا الولي الفلاني وتحصل لنا ما نريد، فمن قال ذلك فقد كذب على الله، ولو فرض أن حصل شيء مما يقولون فإنه حصل بأحد سببين:


1- إن كان الأمر مما يقدر عليه الخلق عادة فهذا حصل من الشياطين لأنهم دائما يحضرون عند القبور، لأنه ما من قبر أو صنم يعبد من دون الله إلا تحضره الشياطين لتعبث في عقول الناس.


* وهؤلاء المتوسلون بالأولياء لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان قديما فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان وقد يكون بعض ذلك صدقاً، ولكن أكثره كذب، وقد تقضي بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهون مما يقدر عليه البشر عادة، فيظن هؤلاء السذج أن الشيخ، أو الولي هو الذي خرج من قبره وفعل ذلك، وإنما هو في الحقيقة الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم.


2- أما إن كان الأمر مما لا يقدر عليه إلا الله كالحياة والصحة والغنى والفقر، وغير ذلك مما هو من خصائص الله، فهذا انقضى بقدر سابق قد كتبه الله ولم يحصل ذلك ببركة دعاء صاحب القبر كما يزعمون.


* فينبغي على الإنسان العاقل ألا يصدق مثل هذه الخرافات، وأن يعلق قلبه بالله وينزل حاجته به حتى تقضي ولا يلتفت إلى الخلق لأن الخلق ضعفاء مساكين فيهم الجهل والعجز، وكيف يطلب الإنسان حاجته من مخلوق مثله؟ وقد يكون ذلك المخلوق ميتا أيضا لا يسمع ولا يرى ولا يملك شيئا، ولكن الشيطان يزين للناس ما كانوا يعملون.

الكرامات المزعومة


* لقد اختلطت الأمور على كثير من الناس اختلاطا عجيبا جعلهم يجهلون حقيقة المعجزات والكرامات، فلم يفهموها على وجهها الصحيح، ليفرقوا بين المعجزات والكرامات الحقيقية التي تأتي من الله وحده إتماما لرسالته إلى الناس وتأييدا لرسله أو إكراما لبعض أوليائه الصالحين الحقيقيين، لم يفرقوا بينها وبين الخرافات والأباطيل التي يخترعها الدجالون ويسمونها معجزات وكرامات ليضحكوا بها على عقول الناس وليأكلوا أموالهم بالباطل

.
* ولقد ظن الجهلة من الناس أن المعجزات والكرامات من الأمور الكسبية والأفعال الاختيارية التي تدخل في استطاعة البشر، بحيث يفعلونها من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم، وبهذا الجهل اعتقدوا أن الأولياء والصالحين يملكون القدرة على فعل المعجزات والكرامات في أي وقت يشاءون، وما ذلك إلا بجهل الناس بربهم وبحقيقة دينهم.


* ونقول لهؤلاء : إن تصوير ما يحدث من هؤلاء الدجالين على أنها معجزة أو كرامة لهذا الولي أو ذلك كذب، وإنما هذه الحوادث كلها من عبث الشياطين أو من اختراع عقلية ماكرة اصطنعت تلك الحوادث الوهمية وسمتها كرامات ومعجزات لتضفي على أصحاب هذه القبور مهابة وإجلالا فتجعل لهم بركات ليعظمهم الناس.


* ولا يمكن لأي عاقل يحتفظ بفطرته السليمة أن يصدق أن الميت يمكنه القيام بأي عمل بعد أن خرجت روحه من بدنه وبطلت حركته وأكل الدود جسمه وأصبح عظاما بالية، من الذي يصدق مثل هذه المزاعم المفضوحة إلا إنسان جاهل ساذج!! لأن هذه المزاعم التي يزعمونها مما يستحيل أن يفعلها الأحياء فضلا عن الأموات! فهل نلغي عقولنا التي منحنا الله لنصدق مثل هذهالخرافات؟


* إن العقول المستنيرة والفطرة السليمة ترفض بشدة تصديق مثل هذه الخرافات لما في ذلك من مخالفة لسنن الله الشرعية والكونية. قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 79،80]

المشركون قديما وحديثا


* إن الكثيرين من الناس من مرتادي القبور والمزارات يقولون: إن المشركين في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، أما نحن فلا أصنام عندنا نعبدها، بل لدينا قبور لبعض المشايخ والصالحين لا نعبدها ولكننا فقط نسأل الله أن يقضي حاجاتنا إكراما لهم، والعبادة غير الدعاء.

* ونقول لهؤلاء : إن طلب المدد والبركة من الميت هو في الحقيقة دعاء، كما كانت الجاهلية تدعو أصنامها تماما ولا فرق بين الصنم الذي يعبده المشركون قديما وبين القبر الذي يعبد الناس ساكنه حديثا، فالصنم والقبر والطاغوت كلها أسماء تحمل معنى واحدا وتطلق على كل من عبد من دون الله سواء كان إنسانا حيا أو ميتا أو جمادا أو حيوانا أو غير ذلك، ولما سئل المشركون قديما عن سبب توسلهم بالأصنام ودعائهم لها كان جوابهم: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) [الزمر:3] أي وسطاء بيننا وبين الله لقضاء حاجتنا، ومن ذلك يتبين أنه لا فرق بين دعوى الجاهلية الأولى وبين عباد القبور الذين ينتسبون إلى الإسلام اليوم فغاية الجميع واحدة وهي الشرك بالله ودعاء غير الله.
شرك المحبة


* إن مجرد انصراف القلب والمشاعر كلها إلى مخلوق بالحب والتعظيم فيما لا يجوز إلا الله يعتبر عبادة له، فالذين يزعمون أنهم يحبون الموتى من الأولياء والصالحين لكنهم يعظمونهم ويقدسونهم بما يزيد عن الحد الشرعي هم في الحقيقة يعبدونهم لأنهم من فرط حبهم له انصرفوا إليهم فجعلوا لهم الموالد والنذور وطافوا حول قبورهم كما يطوفون حول الكعبة واستغاثوا بهم وطلبوا المدد والعون منهم، ولولا التقديس والغلو فيهم ما فعلوا كل ذلك من أجل الموتى.


* ومن غلوهم يهم أيضا أنهم يحرصون على أن يحلفوا بهم صادقين بينما لا يتحرجون من أن يحلفوا بالله كاذبين هازلين، والبعض منهم قد يسمع من يسب الله تعالى فلا يغضب لذلك ولا يتأثر بينما لو سمع أحدا يسب شيخه لغضب لذلك غضبا شديدا أليس في ذلك غلو في أوليائهم ومشايخهم أكثر من تعظيمهم لله؟ وأن محبتهم لهم غلبت محبة الله، قال تعالى: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه) [البقرة:165]
الله قريب من عباده


* إن الله تعالى قريب من عباده( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة: 186] فليس بين الله وبين عباده ما يمنع من مناجاته واللجوء إليه وطلب الحاجة منه مباشرة حتى يلجأ الإنسان إلى قبور الموتى يتوسل بهم ويدعوهم ليشفعوا له عند الله ويسألهم مالا يملكون ويطلب منهم ما لا يقدرون عليه.


* بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ربه مباشرة، ويتوسل إليه التوسل المشروع وذلك بالتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأن يكون معتقدا تمام الاعتقاد أن الله تعالى هو المعز المذل المحيي المميت الرازق النافع المدبر لشؤون الحياة كلها وأن بيده وحده النفع والضر، قال صلى الله عليه وسلم : {واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك} فالفرد سواء كان حيا أو ميتا من باب أولى لن ينفع ولن يضر أحد إلا بشيء قد كتبه الله.


* لذا فيجب على كل من ابتلي بمثل هذه الشركيات وهذه البدع والخرافات من طواف حول القبور وتعظيمها وسؤال أصحابها الحاجات وتفريج الكربات أن يتوب إلى الله من هذا العمل الفاسد الذي هو في الحقيقة شرك بالله وصاحبه مخلد في النار والعياذ بالله . قال تعالى: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) [المائدة 72 ] وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له في كل شأن من شؤون حياته وأن يعبد الله بما شرعه إن كان صادقا في إسلامه وألا يلتفت لأحد من الخلق كائنا من كان لا في دعاء ولا غيره مما لا يقدر عليه إلا الله وأن يلتزم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وألا يخالط أهل البدع وأهل الشرك لئلا يتأثر بهم ويقلدهم فيهلك معهم ويخسر الدنيا والآخرة والله أعلم



وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

يوسف التازي
11-01-15, 02:16 AM
كشفُ السّتْر عمّا ورد فيِ السّفر إلى القبْر

لمحدِّث المدينة النبوية
شيخ حماد بن محمد الأنصاري
رحمه الله تعالى




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد فقد ورد إليّ سؤال صورته:
وقع بين شخصين نزاع، هل يجوز لشخص أن ينوي السفر لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم دون المسجد أفتونا والله يحفظكم؟

والجواب:
إن زيارة القبور كان منهيا عنهاً في أول الإسلام لقرب الناس آنذاك من عبادة الأصنام، ثم نسخ ذلك بقوله صلى الله عليه و سلم : ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ))([1]).
وأبيحت الزيارة للرجال دون النساء وبقيت في حق النساء محرمة إلى يوم القيامة لحديث ابن عباس([2]) رضي الله عنهما عند أبي داود والترمذي وغيرهما:
((لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم زائرات القبور)) الحديث([3]).
كما أن شدّ الرحل إلى قبر مخصوص محرّم لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (( لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد …))([4]) الحديث.
وفي هذا الحديث الأخير مشروعية شد الرحل إلى أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
وأما ما سوى هذه المساجد الثلاثة فقد دل هذا الحديث الصحيح على أنه لا يجوز شدّ الرحل إليه بمجرده، وذلك إذا كان يقصد الزائر مجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم دون المسجد، وأما إذا قصد المسجد ثم زار القبر الشريف فهذا مشروع لما تقدم من مشروعية زيارة القبر للرجال.
ولم يرد عن النبي صلى الله عليه و سلم نص صحيح في جواز شد الرحال إلى قبر مخصوص سواء كان قبره صلى الله عليه و سلم أو قبر غيره، فمن ثَمَّ لم ينقل عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن أحد من التابعين لهم بإحسان أنه شد رحلاً لمجرد قصد زيارة قبره صلى الله عليه و سلم ولا لمجرد زيارة قبر غيره.
وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))([5])، فالخير في اتباع السلف والشر في ابتداع الخلف.
هذا وقد استدل بعض المتأخرين ممن ينتمي إلى العلم على مشروعية مجرد قصد زيارة القبر الشريف أو غيره ـ بأدلة إما موضوعة أو ضعيفة جداً لا تثبت بمثلها الأحكام الشرعية كما هو معلوم عند أهل التحقيق والمعرفة بالحديث، أذكرها مع بيان بطلانها أو ضعفها بما قاله أئمة الشأن، فأقول بعد الاستعانة بالله:
أدلة المجيزين لشد الرحل وعدم قابليتها للاستدلال بها على دعواهمأربعة عشر حديثا
1ـ (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )).
أخرجه أبو الشيخ وابن أبي الدنيا، عن ابن عمر، وهو في صحيح ابن خزيمة، وأشار إلى تضعيفه([6])، وقال: "في القلب من سنده شيء، وأنا أبرأ إلى الله من عهدته"([7]).
قلت: فيه مجهولان:
أ ـ عبد الله بن عمر العمري، قال أبو حاتم: مجهول.
ب ـ موسى بن هلال البصري العبدي، قال أبو حاتم: مجهول([8]).
وقال العقيلي: لا يصح حديثه، ولا يتابع عليه، يعني هذا الحديث([9]).
وقال الذهبي: وأنكر ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر … فذكر هذا الحديث([10]).
وفي رواية: (( (من زار قبري حلت له شفاعتي )).


2ـ (( من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي )).
أخرجه الطبراني والبيهقي([11])، عن ابن عمر.
وفيه حفص بن سليمان القاري:
وقال الإمام أحمد بن حنبل: متروك الحديث([12]).
وقال البخاري: تركوه([13]).
وقال ابن خراش: كذاب يضع الحديث.
وذكر الذهبي هذا الحديث من منكراته بما لفظه: " وفي ترجمته في كتاب "الضعفاء" للبخاري تعليقاً: ابن أبي القاضي حدثنا سعيد بن منصور حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا: (( من حج وزارني بعد موتي…)) الحديث"([14]).

3ـ (( من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)).
أخرجه البيهقي عن أنس([15]).
وفيه أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي:
قال الذهبي: متروك.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث([16]).
وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به([17]).

4ـ (( من حج ولم يزرني فقد جفاني )).
قال السخاوي في "المقاصد"([18]): "لا يصح، أخرجه ابن عدي في "الكامل"، وابن حبان في "الضعفاء"، والدارقطني في "العلل"، و"غرائب مالك"، عن ابن عمر مرفوعاً.
وقال الذهبي في "الميزان"([19]): "بل هو موضوع".

5ـ (( من زار قبري ـ أو قال: من زارني ـ كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة )).
أخرجه أبو داود الطيالسي([20]) في مسنده عن عمر بن الخطاب.
وفيه مجهول، وسنده كما يلي:
قال أبو داود: حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال: حدثني رجل من آل عمر، عن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول… الحديث.

6ـ (( من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة )).
أخرجه الدارقطني في سننه، وابن عساكر عن حاطب([21]).
وفيه هارون أبو قزعة أو ابن أبي قزعة:
قال البخاري: لا يتابع على هذا الحديث([22]).
وشيخ أبي قزعة أيضاً مجهول.
وقد ذكر الذهبي في "الميزان"([23]) حديث حاطب هذا، وحديث عمر الذي قبله من منكرات هارون بن أبي قزعة.

7ـ (( من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد دخل الجنة )).
قال النووي في المجموع([24]): "حديث موضوع، لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث".

8ـ (( من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة )).
أخرجه ابن النجار في "الدرة الثمينة في تاريخ المدينة"([25])، والدارقطني([26]).
وفيه مسلمة بن سالم:
قال الذهبي في "ديوان الضعفاء"([27]): "فيه تجهم".
وقال ابن عبد الهادي: مجهول الحال لم يعرف بنقل العلم، ولا يحل الاحتجاج بخبره، وهو شبيه موسى بن هلال العبدي المتقدم([28]).

9ـ (( من لم يزر قبري فقد جفاني )).
رواه ابن النجار في "تاريخ المدينة" بلا سند بصيغة التمريض، ولفظه: "ورُوي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : … الحديث"([29]).
قال ابن عبد الهادي: هذا الحديث من الموضوعات المكذوبة على علي بن أبي طالب([30]).
قلت: وفي سنده النعمان بن شبل الباهلي، كان متهماً.
وقال ابن حبان: يأتي بالطامات([31]).
وذكره الذهبي في "الميزان"([32]).
وفي سنده أيضاً: محمد بن الفضل بن عطية المديني، كذاب مشهور بالكذب، ووضع الحديث.
قال الذهبي في "الميزان"([33]): قال أحمد: حديثه حديث أهل الكذب([34]).
وقال ابن معين: الفضل بن عطية ثقة، وابنه محمد كذاب([35]).
وقال الذهبي: مناكير هذا الرجل كثيرة، لأنه صاحب حديث([36]).
وقال أيضاً: قال الفلاس: كذاب([37]).
وقال البخاري: سكتوا عنه، رماه ابن أبي شيبة بالكذب([38]).
وقد رُوي هذا الحديث عن علي مرفوعاً([39]) بسند فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة، وهو متهم بالكذب، ووضع الحديث.
قال يحيى: كذاب([40]).
وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث([41]).
وقال السعدي: كذاب([42]).
وقال الذهبي: واتهم بوضع حديث: (( من صام يوماً من أيام البيض عُدِل عشرة آلاف سنة )) ([43]).
ولهذا الكذاب ـ أعني عبد الملك بن هارون ـ له بلايا كثيرة تراجع في "الميزان"([44]) للذهبي.

10ـ (( من أتى زائراً لي وجبت له شفاعتي … )) الحديث.
أخرجه يحيى الحسيني عن بكير بن عبد الله مرفوعاً.
وقال ابن عبد الهادي: "هذا حديث باطل، لا أصل له، مع أنه ليس فيه دليل على محل النـزاع، وهو السفر إلى القبر"([45]).

11ـ (( من لم تمكنه زيارتي فليزر قبر إبراهيم الخليل )).
قال ابن عبد الهادي: "هذا من الأحاديث المكذوبة والأخبار الموضوعة، وأدنى من يعدّ من طلبة العلم يعلم أنه حديث موضوع، وخبر مفتعل مصنوع، وإن ذكر مثل هذا الكذب من غير بيان لحاله لقبيح بمن ينتسب إلى العلم"([46]).

12ـ (( من حج حجة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى عليَّ في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه )) ([47]).
رواه أبو الفتح الأزدي في الجزء الثاني من فوائده بسنده إلى أبي سهل بدر بن عبد الله المصيصي عن الحسن بن عثمان الزيادي.
قال الذهبي: حديث بدر عن الحسن بن عثمان الزيادي باطل ـ يعني هذا الحديث ـ، وقد رواه عنه النعمان بن هارون([48]).
هذا مع أن أبا الفتح الأزدي ضعيف.
وقال ابن الجوزي: كان حافظاً ولكن في حديثه مناكير، وكانوا يضعفونه([49]).
وقال الخطيب: متهم بوضع الحديث([50]).
ضعفه البرقاني، وأهل الموصل لا يعدونه شيئاً([51]).

13ـ (( من زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال شفيعا )).
أخرجه العقيلي في "الضعفاء"([52]) عن ابن عباس مرفوعا، ومن طريقه أخرجه ابن عساكر.
هذا حديث موضوع على ابن جريج.
قال ابن عبد الهادي: "قد وقع تصحيف في متنه وإسناده، أما التصحيف في متنه فقوله: (( من زارني ))، من الزيارة، وإنما هو (( من رآني في المنام كان كمن رآني في حياتي ))، هكذا في كتاب العقيلي في نسخة ابن عساكر (( من رآني))، من الرؤيا، فعلى هذا يكون معناه صحيحاً لقوله صلى الله عليه و سلم: (( من رآني في المنام فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل بي )).

يوسف التازي
11-01-15, 02:17 AM
فهذا الحديث ليس بثابت، سواء كان بلفظ الزيارة أو الرؤيا، لأن راويه فضالة بن سعيد ابن زميل المزني شيخ مجهول، لا يعرف له ذكر إلا في هذا الخبر الذي تفرد به، ولم يتابع عليه"([53]).
وقال الذهبي: "قال العقيلي: حديثه غير محفوظ، حدثناه سعيد بن محمد الحضرمي، حدثنا فضالة، حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا: (( من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي)).
وقال الذهبي: هذا موضوع على ابن جريج"([54]).

14ـ (( ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر)).
أخرجه ابن النجار في "تاريخ المدينة" عن أنس([55]).
وفيه سمعان بن المهدي:
قال الذهبي: سمعان بن المهدي عن أنس بن مالك حيوان لا يعرف،ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها قبّح الله من وضعها([56]).
قال ابن حجر في "اللسان"([57]): وهذه النسخة من رواية محمد بن المقاتل الرازي، عن جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان، فذكر النسخة، وهي أكثر من ثلاث مائة حديث اهـ.
قلت: هذه أربعة عشر حديثاً يستدل بها القائلون على جواز شدّ الرحل إلى القبر، وهذا جملة ما احتج به من أجاز شدّ الرحل إلى زيارة القبر الشريف بمجرده.
فقد تبين لك أن جميع هذه الأخبار ليس فيها حديث صحيح، ولا حسن، بل كلها ضعيفة جداً، أو موضوعة لا أصل لها كما تقدم لك عن أئمة هذا الشأن مفصلاً، فلا تغتر بكثرة طرقها وتعددها، فكم من حديث له طرق أعاف هذه الطرق التي سردناها عليك، ومع ذلك فهو موضوع عند أهل الباب، لأن الكثرة لا تفيد إذا كان مدارها على الكذابين، أو المتهمين، أو المتروكين، أو المجهولين كما سمعت في هذه الأحاديث، فإنها لا تخلو من كذاب، أو متهم، أو متروك، أو مجهول لا يعرف أبداً، ومثل هذا لا يصلح للتقوية كما هو معلوم عند أهل هذا الفن، هذا إذا لم يكن من الصحيح ما يُبطلها، فكيف وهو موجود ومعلوم في الصحيح كما تقدم مِنْ منع شدّ الرحل إلى غير المساجد الثلاثة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم"([58]):
"لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئاً لا أهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأجل حديث روي في ذلك حديث رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره صلى الله عليه و سلم كقوله: (( من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة))، و (( من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي))، و (( من لم يحج ولم يزرني فقد جفاني )) ، ونحو هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة".
قلت: هذا هو الصواب الذي يجب أن يدان الله به، ومن كان عنده حديث صحيح في هذا الموضوع ـ أعني في جواز شدّ الرحل إلى قبر مخصوص ـ فعليه البيان.
وأما هذه الأحاديث فهي كما قدمت إما أحاديث موضوعة مكذوبة، وإما أحاديث ليست في شدّ الرحل بل هي في الزيارة المشروعة المجمع عليها.
وفي هذه الزيارة نصوص صحيحة صريحة تغني عن هذه البواطل، التي لا يصح الاحتجاج بها في ثبوت حكم من الأحكام الشرعية كائنا ما كان، بل ولا تجوز روايتها إلا مع بيان أنها موضوعة أو ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها لئلا يدخل في قوله صلى الله عليه و سلم: (( من حدّث عني بحديث يُرى انه كذب فهو أحد الكاذبين)) عند مسلم وغيره عن المغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب مرفوعا بألفاظ متعددة([59]).

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) أخرجه مسلم (رقم 977)، وأبو داود (رقم 3235)، والترمذي (رقم 1054)، والنسائي (4/89)، وأحمد (5/356)، وغيرهم من حديث بريدة.
([2]) قال الشيخ: حديث صحيح من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح هذا؛ قيل: باذام مولى أم هانئ، وقيل: ميزان البصري، فعلى كلا من القولين فالحديث صحيح، لأن باذام إذا روى عنه محمد بن جحادة فحديثه صحيح، وهذه الرواية من روايته عنه، بخلاف ما إذا روى عنه الكلبي وأمثاله، وأما على القول بأن أبا صالح هذا هو ميزان البصري فلا خلاف في صحة هذه الرواية، لأنه ثقة، وليس في سنده انقطاع، ولا تدليس، ولا إرسال. (كذا في هامش الطبعة السابقة).
([3]) أخرجه أبو داود (رقم 3236)، والترمذي (رقم 320)، والنسائي (4/95)، وابن ماجه (رقم 1575)، من طريق أبي صالح عن ابن عباس مرفوعا.
وأبو صالح هذا: قيل: هو باذام مولى أم هانئ.
وله شاهدان أحدهما حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي (رقم 1056)، وابن ماجه (رقم 1576) عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه مرفوعا: (لعن الله زوارات القبور).
وحديث حسان بن ثابت: أخرجه ابن ماجه (رقم 1574)، والبخاري في التاريخ الكبير (3/29)، وأحمد (3/442ـ443)، وابن أبي شيبة (3/345) من طريق عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه: (لعن رسول الله r زوارات القبور).
([4]) أخرجه البخاري (رقم 1189)، ومسلم (رقم 1397).
([5]) أخرجه مسلم (رقم 1718).
([6]) انظر: المقاصد الحسنة (رقم1125).
([7]) انظر: التلخيص الحبير (2/267)، لسان الميزان (6/135).
([8]) الجرح والتعديل (8/166).
([9]) الضعفاء (4/170).
([10]) ميزان الاعتدال (4/226).
([11]) الطبراني في معجمه الكبير (12/406)، والبيهقي في السنن الكبرى (5/246)، وشعب الإيمان (8/92ـ93).
([12]) العلل (2298).
([13]) التاريخ الكبير (2/363).
([14]) ميزان الاعتدال (1/559).
([15]) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (8/95)، من طريق سليمان بن يزيد عن أنس.
([16]) الجرح والتعديل (4/149).
([17]) المجروحين (3/151).
([18]) المقاصد الحسنة (رقم 1178).
([19]) ميزان الاعتدال (4/265).
([20]) مسند أيي داود الطيالسي (رقم 65).
([21]) أخرجه الدارقطني في سننه (2/278)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/278)، من طريق هارون أبي قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب.
([22]) انظر: الضعفاء للعقيلي (4/363)، الكامل لابن عدي (7/2577).
([23]) ميزان الاعتدال (4/285).
([24]) المجموع شرح المهذب (8/261).
([25]) الدرة الثمينة (ص143)، من طريق مسلمة بن سالم عن عبد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن أبيه مرفوعا.
([26]) في الأفراد والغرائب (كما في أطرافه 3/376).
([27]) ديوان الضعفاء (ص385).
([28]) الصارم المنكي (ص36).
([29]) الدرة الثمينة (ص144).
([30]) الصارم المنكي (ص151).
([31]) المجروحين (3/73).
([32]) ميزان الاعتدال (4/65).
([33]) ميزان الاعتدال (4/6).
([34]) العلل (2/549).
([35]) انظر: الجرح والتعديل (8/75).
([36]) ميزان الاعتدال (4/7).
([37]) ميزان الاعتدال (4/6).
([38]) انظر: التاريخ الكبير (1/208)، ميزان الاعتدال (4/6).
([39]) انظر: الصارم المنكي (ص151 ـ 152).
([40]) تاريخ الدوري (2/376).
([41]) الجرح والتعديل (5/374).
([42]) انظر: ميزان الاعتدال (2/666).
([43]) ميزان الاعتدال (2/667).
([44]) ميزان الاعتدال (2/666ـ667).
([45]) الصارم المنكي (ص 153).
([46]) الصارم المنكي (ص53).
([47]) انظر: الصارم المنكي (ص139 ـ141).
([48]) ميزان الاعتدال (1/300).
([49]) الضعفاء لابن الجوزي (2/53).
([50]) تاريخ بغداد (2/244).
([51]) انظر: ميزان الاعتدال (3/523).
([52]) الضعفاء للعقيلي(3/457).
([53]) الصارم المنكي (ص150).
([54]) ميزان الاعتدال (3/348ـ349).
([55]) الدرة الثمينة لابن النجار (ص143ـ144).
([56]) ميزان الاعتدال (2/234).
([57]) لسان الاعتدال (3/114).
([58]) اقتضاء الصراط المستقيم (2/772ـ773).
([59]) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/9) من حديث المغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب.

يوسف التازي
11-01-15, 02:21 AM
حديث الأعمى




عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه" أن رجلاً ضريرَ البصر أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَني ، قاَلَ "إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ" (وفي روايةٍ "وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ") ، فَقَالَ: ادْعُهُ ، فأَمَرَهُ أَنْ يتوَضَأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءهُ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلى رَبِّي في حَاجَتي هَذه فَتُقْضَى لي، اللَّهُمَّ فشفعهُ ِفيَّ وَشَفِّعْني فِيهِ ، قال: ففعل الرجل فبرأ.
رواه أحمد (4/138) ، والترمذي (5/569) ، وابن ماجه (1/441) ، وهو حديثٌ صحيحٌ.


هذا الحديث لا حجة فيه على التوسل بذات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو جاهه، لا في حياته ولا بعد مماته، ولا أنه عامٌّ لكلِّ أحدٍ، بل هو خاصٌّ بذلك الصحابي الأعمى، وفي زمن حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم الخاص له ، والأدلة على ذلك كثيرةٌ، منها:

1 أن الأعمى إنما جاء إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليدعوَ له "ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَنِي"، وهو توسلٌ جائزٌ مشروعٌ، وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح في حياته، ولا أصلحَ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُتوسل بدعائه ، ومثل هذا: توسل الصحابة بدعاء العباس رضي الله عنه في عهد عمر رضي الله عنه لما أصابهم الجدب

2 نُصح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالأفضل، وهو الصبر" وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، وإصراره رضي الله عنه على الدعاء "ادْعُهُ"

3 توجيه النبي صلى الله عليه وسلم الرجلَ الأعمى لنوع آخر من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، فأمَرَه أنْ يتوضأَ ويصليَ ركعتين ويدعوَ لنفسه "فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ"

4 أنَّ الأعمى قال "اللهمَّ فَشِفِّعْهُ فيَّ " ، أي: اقبل شفاعته، أي: دعاءه صلى الله عليه وسلم لي

5 قول الأعمى "وَشَفِّعْنِي فِيهِ" - ولم يذكرْها المصنف - يعني: اقبل شفاعتي، أي: دعائي في أنْ تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم في ردِّ بصري

6 لم يفعل أحدٌ من العميان في عصر السلف هذا الأمر، أي: الصلاة والدعاء، لأنهم لم يفهموا الحديث على عمومه، فليس هناك دعاءٌ منه صلى الله عليه وسلم لهم، وقد لقي ربه عز وجل، فكيف سيقولون مثل هذا الدعاء ؟

7 ذكر العلماء هذا الحديث في معجزاته صلى الله عليه وسلم كالبيهقي في "دلائل النبوة" وغيره .

يوسف التازي
11-01-15, 02:22 AM
أحاديث واهيات في مسألة التوسل بالذات .::.::.
.::..::..::..::..::..::..::..::..::..::..::..::.





هذه الشُبُهات أوْهَى من بيت العنكبوت ! وهي لا تَخرج عن أربعة أمور :
الأول : إما استدلال بدليل لا يُسلَّم لِصاحبه باستدلاله فيه ، إذ ليس فيه ما يخدم مقصده
الثاني : أن يكون الدليل ضعيفاً لا تقوم به حجّة .
الثالث : أن يكون فِعل عالم ، وأفعال العلماء يُستَدلّ لها ولا يُستدلّ بها ، كما بينه ابن القيم رحمه الله . فليس فِعل أحد من الناس حُجّة على الْخَلْق إلا فعل محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أفعال الصحابة على خِلاف بين أهل العلم ، والصحيح حُجّية قول الصحابي ما لم يُخالِف أو يُخالَف .
الرابع : تحريف في النصوص لهوى في النفس ! وثَنْي أعناق النصوص والزيادة فيها ، أو النقص منها لتخدم أغراض قائليها



الحديث الأول




عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً...أقبل الله عليه بوجهه

رواه أحمد (3/21) واللفظ له، وابن ماجه وغيرهما
إسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي في "الأذكار" وابن تيمية في "القاعدة الجليلة" والذهبي في "الميزان" بل قال في "الضعفاء" (88/1): (مجمع على ضعفه),والحافظ الهيثمي في غير موضع من "مجمع الزوائد" وأورده أبو بكر بن المحب البعلبكي في "الضعفاء والمتروكين" والبوصيري في"مصباح الزجاجة"،وقال عنه أبو حاتم:"يكتب حديثه ضعيفا", وقال أحمد : ضعيف الحديث وبلغني أن عطية كان يأتي ( الكلبي ) فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد !!!؟ فيقول : قال أبو سعيد …!!! يوهم أنه أبو سعيد الخدري …!,وقال النسائي : ضعيف . والحافظ ابن حجر بقوله فيه: (صدوق يخطىء كثيراً، كان شيعياً مدلساً، وقد أبان فيه عن سبب ضعفه وهو أمران
الأول: ضعف حفظه بقوله: (يخطىء كثيراً) وهذا كقوله فيه "طبقات المدلسين": (ضعيف الحفظ) وأصرح منه قوله في "تلخيص الحبير" (241 طبع الهند) وقد ذكر حديثاً آخر: وفيه عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف
الثاني: تدليسه
وأورده (أعني الحافظ) في رسالة "طبقات المدلسين" (?18) فقال: (تابعي معروف، ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح) ذكره في "المرتبة الرابعة" وهي التي يورد فيها (من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد) كما ذكره في المقدمة
وقد ضعف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في "الترغيب" والنووي وابن تيمية في "القاعدة الجليلة" وكذا البوصيري، فقال في "مصباح الزجاجة" (2/52): (هذا إسناد مسلسل بالضعفاء: عطية وفضيل بن مرزوق والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء). وقال صديق خان في "نزل الأبرار" (?71) بعد أن أشار لهذا الحديث وحديث بلال الآتي بعده: (وإسنادهم ضعيف، صرح بذلك النووي في"الأذكار







الحديث الثاني

حديث بلال الذي أشار إليه صديق خان هو ما روي عنه أنه قال: كان رسول الله إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله
توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً.. الحديث


أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة – رقم82" من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عنه
قال النووي في "الأذكار": (حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث) وقال الحافظ بعد تخريجه: (هذا حديث واه جداً، أخرجه الدارقطني في "الأفراد" من هذا الوجه وقال: تفرد به الوازع، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث. والقول فيه أشد من ذلك، فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة، متروك الحديث، وقال الحاكم: يروي أحاديث موضوعة) وقال ابن عدي : أحاديثه كلها غير محفوظة وقال البخاري : منكر هذا الحديث وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : وهو ضعيف . وقال أيضاً وهو متروك ومجمع على ضعفه

قال الألباني:(ومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبداً، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته عز وجل، لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟، لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته عز وجل، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له تبارك وتعالى





الحديث الثالث


عن أبي أمامة قال: كان رسول الله إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد.. أسألك بنور
وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك


قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/117): (رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه).وقال في موضع آخر:لا يحل الإحتجاج به
قال ابن حبان عن فضال هذا: (شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه). وقال أيضاً: لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل له
وقال ابن عدي في "الكامل" (25/13): أحاديثه كلها غير محفوظة
وقال عنه البيهقي في الشعب:(فضال صاحب مناكير



الحديث الرابع


عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي رضي الله عنهما دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فلما فرغ دخل رسول الله ، فاضطجع فيه فقال: الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بين أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/257): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح
ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/121) وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعفه ابن عدي وقال:له أحاديث كثيرة في بعضها نكرة، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني (ضعيف الحديث) وقال ابن ماكولا: (ضعفوه) وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: (له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة) فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكراً لتفرده به
قال الألباني:وقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو كان الجرح مبهماً، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا





الحديث الخامس


عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: كان رسول الله يستفتح بصعاليك المهاجرين

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (1/81/2)ومداره على أمية بن خالد مرفوعاً بلفظ
... يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين
ولم تثبت صحبة أمية بن خالد، فالحديث مرسل ضعيف، وقال
ابن عبد البر في "الاستيعاب" (1/38): لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل
وقال الحافظ في "الإصابة" (1/133): ليست له صحبة ولا رواية
وفيه علة أخرى، وهي عنعنة أبي اسحاق

ثم لو صح فإن معناه مخالف لما يظن البعض فقد قال المناوي في "فيض القدير": كان يستفتح أي يفتتح القتال، من قوله تعالى:( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ذكره الزمخشري
ويستنصر أي يطلب النصرة بصعاليك المسلمين أي بدعاء فقرائهم الذين
لا مال لهم
فقد اخرج النسائي (2/15) بلفظ: " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم" وأصله في "صحيح البخاري" (6/67) فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين
لا بذواتهم وجاههم



الحديث السادس


عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك

أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/615) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب
فتعقبه الذهبي فقال: قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا

وقد أورد الحاكم في المستدرك (3/332) حديثاً آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد
ومدار الحديث على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم،وقد ضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص وفي فتح الباري وغيرهما, وقال البيهقي: (تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، من هذا الوجه، وهو ضعيف)وكذلك ضعفه الهيثمي في المجمع وقال ابن الجوزي:اجمعوا على ضعفه .وهو متهم بالوضع، رماه بذلك الحاكم نفسه فقد قال في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. وقد أورد الحاكم أيضا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه الضعفاء
، وقال في آخره: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي
جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح
لا أستحله تقليداً، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء
الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله :من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن). وقد ضعفه أيضا أحمد بن حنبل وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني والحافظ العلائي والمناوي والعلجوني والزيلعي والسخاوي والشوكاني وغيرهم.قال الترمذي: وعبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ ضَعِيفٌ في الحَديثِ، ضَعفَهُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وعليّ بنُ المَدِينيّ وغيْرُهُما مِنْ أهلِ الحَديثِ، وهو كَثِيرُ الغَلَطِ
وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك
وقال فيه أبو نعيم: (روى عن أبيه أحاديث موضوعة). وكذا قال الحاكم نفسه كما سبق ,بل ضعّفه جداً علي بن المديني وابن سعد وغيرهما، وقال الطحاوي: (حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف
وقد أطلنا الكلام فيه لما ذكره الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب في حديث في كتاب البيوع حيث قال:" عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد وثق قال ابن عدي أحاديثه حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه انتهى" فهذا القول بين هذه الأقوال جميعها كنقطة في بحر.وليس للعاقل التمسك به وإنما عليه أيضا أن ينظر إلى علل الحديث الأخرى
والفهري أورده الذهبي في "الميزان" وساق له هذا الحديث وقال: (خبر باطل)وكذا قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (3/360) وزاد عليه قوله في الفهري هذا: (لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته)
قلت: والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه، وهو الذي روى عن ابن هدية نسخة كأنها معمولة
قال الألباني: والحديث رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (207): ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد ابن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون، وقد أشار إلى ذلك الحافظ الهيثمي حيث قال في "مجمع الزوائد" (8/253): رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم
ويقول الألباني: وللحديث عندي علة أخرى وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه كما مضى، وتارة كان يرويه موقوفاً على عمر، لا يرفعه إلى النبي ، كما رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" (?427) من طريق عبد الله ابن اسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد به، وعبد الله هذا لم أعرفه أيضاً، فلا يصح عن عمر مرفوعا ولا موقوفاً، ثم رواه الآجري من طريق آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم أسألك بحق محمد عليك الحديث نحوه مختصراً، وهذا مع إرساله ووقفه، فإن إسناده إلى ابن أبي الزناد ضعيف جداً، وفيه عثمان بن خالد والد أبي مروان العثماني، قال النسائي: (ليس بثقة).انتهى كلامه
وجاء في كنز العمال:(عن علي قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {فتلقى آدم من ربه كلمات} فقال: إن الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة وإبليس بميسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير ومكث آدم بالهند مائة سنة باكيا على خطيئته، حتى بعث الله تعالى إليه جبريل وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن، قال فعليك بهذه الكلمات، فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك، لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم
ثم قال: رواه الديلمي وسنده واه وفيه حماد بن عمرو النصيبي عن السري بن خالد واهيان
قلت: حماد النصيبي قال عنه الحافظ ابن حجر:"متروك" وفي موضع آخر:مذكور بوضع الحديث
وقال يحيى بن معين: هو ممن يكذب ويضع الحديث
وقال عمرو بن علي الفلاس، وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف جداً
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: كان يكذب
وقال البخاري: منكر الحديث
وقال أبو زرعة: واهي الحديث
وقال النسائي: متروك
وقال ابن حبان: يضع الحديث وضعاً
وقال ابن عدي: عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه
وقال الدارقطني: ضعيف
وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي عن الثقات أحاديث موضوعة، وهو ساقط بمرة
وقال فيه الإمام العلجوني بعد ذكر وصايا علي بن أبي طالب:( موضوعة كلها وضعها حماد بن عمرو النصيبي وهو عند أئمة الحديث متروك كذاب
وقال عنه الهيثمي: متروك
وقال عنه السيوطي: (وحماد النصيبي والسري كذابان). وقال عنه في موضع آخر: وهو كذاب وضاع
وذكره أبو عبد الله الحاكم في مراتب الوضاعين في المرتبة السادسة
وقال عنه الحافظ السخاوي: ممن كان يفعله بهذا المقصد (أي للإغراب) على سبيل الكذب حماد بن عمرو النصيبي أحد المذكور بالوضع
وقال عنه ابن كثير:أحد الكذابين الصواغين
وجاء في اللآلئ المصنوعة: قال الدارقطني:حدثنا أبو ذر أحمد بن محمد بن أبي بكر الواسطي حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار حدثنا حسين الأشقر حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فقال قال سأل بحق محمد وعلي وفاطمة تفرد به عمرو عن أبيه أبي المقدام وتفرد به حسين عنه وعمرو قال عنه يحيى لا ثقة ولا مأمون وقال ابن حبان يروي الموضوعات عن الإثبات وكذلك أورده صاحب تذكرة الموضوعات وقال :فيه حسين بن حسن اتهمه ابن عدي


قلت:ةهاك أقوال العلماء في حسين الأشقر
قال البخارى : فيه نظر . و قال فى موضع آخر : عنده مناكير
و قال أبو زرعة : منكر الحديث
و قال أبو حاتم : ليس بقوى
و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : غال من الشتامين للخيرة
و قال أبو أحمد بن عدى : و ليس كل ما يروى عنه من الحديث فيه الإنكار يكون من قبله ، و ربما كان من قبل من يروى عنه ، لأن جماعة من ضعفاء الكوفيين يحيلون بالروايات على حسين الأشقر ، على أن حسينا هذا فى حديثه بعض ما فيه
و ذكره أبو حاتم بن حبان فى كتاب الثقات
قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 2/336
و ذكره العقيلى فى " الضعفاء " ، و أورد عن أحمد بن محمد بن هانىء قال : قلت لأبى عبد الله ـ يعنى ابن حنبل ـ : تحدث عن حسين الأشقر ! قال : لم يكن عندى ممن يكذب و ذكر عنه التشيع ، فقال له العباس بن عبد العظيم : أنه يحدث فى أبى بكر و عمر . و قلت أنا : يا أبا عبد الله أنه صنف بابا فى معائبهما . فقال : ليس هذا بأهل أن يحدث عنه . و قال له العباس : أنه روى عن ابن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه عن حجر المدرى قال : قال لى على : إنك ستعرض على سبى ، فسبنى ، و تعرض على البراءة منى ، فلا تتبرأ منى . فاستعظمه أحمد ، و أنكره ، قال ـ ونسبه إلى طاووس ـ : أخبرنى أربعة من الصحابة أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه ، فأنكره جدا ، و كأنه لم يشك أن هذين كذب
ثم حكى العباس عن على ابن المدينى أنه قال : هما كذب ليسا من حديث ابن عيينة
و ذكر له العقيلى روايته عن قيس بن الربيع عن يونس عن أبيه عن على بن أبى طالب قال : أتيت النبى صلى الله عليه وآله وسلم برأس مرحب
قال العقيلى : لا يتابع عليه ، و لا يعرف إلا به . و ذكر له عن ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رفعه : " السباق ثلاثة ... " ، قال العقيلى
:لا أصل له عن ابن عيينة
و ذكر ابن عدى له مناكير ، و قال فى بعضها : البلاء عندى من الأشقر
و قال النسائى و الدارقطنى : ليس بالقوى
و قال الأزدى : ضعيف ، سمعت أبا يعلى قال : سمعت أبا معمر الهذلى يقول : الأشقر كذاب
و قال ابن الجنيد : سمعت ابن معين ذكر الأشقر ، فقال : كان من الشيعة الغالية
قلت : فكيف حديثه ؟ قال : لا بأس به . قلت : صدوق ؟ قال : نعم ، كتبت عنه
و قال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوى عندهم . اهـ

وهذه أقوالهم في عمرو بن ثابت
قال المزى في تهذيب الكمال
قال على بن الحسن بن شقيق : سمعت ابن المبارك يقول : لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت ، فإنه كان يسب السلف
و قال الحسن بن عيسى : ترك ابن المبارك حديث عمرو بن ثابت
و قال هناد بن السرى : مات عمرو بن ثابت ، فلما مر بجنازته فرآها ابن المبارك دخل المسجد و أغلق عليه بابه حتى جاوزته
و قال أبو موسى محمد بن المثنى : ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن عمرو بن ثابت
و قال عمرو بن على : سألت عبد الرحمن بن مهدى عن حديث عمرو بن ثابت ، فأبى أن يحدث عنه ، و قال : لو كنت محدثا عنه لحدثت بحديث أبيه عن سعيد بن جبير فى التفسير
و قال عباس الدورى ، عن يحيى بن معين : ليس بثقة ، و لا مأمون ، لا يكتب حديثه. و قال فى موضع آخر : ليس بشىء
و قال أبو داود ، عن يحيى : هو غير ثقة .و قال معاوية بن صالح ، عن يحيى : ضعيف
و قال أبو زرعة : ضعيف الحديث
و قال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، يكتب حديثه ، كان ردىء الرأى ، شديد التشيع
و قال البخارى : ليس بالقوى عندهم
و قال أبو عبيد الآجرى : سألت أبا داود عن عمرو بن ثابت بن أبى المقدام ،فقال : رافضى خبيث
و قال فى موضع آخر : رجل سوء ، قال هناد : لم أصل عليه ; قال : لما مات النبي صلى الله عليه وسلم كفر الناس إلا خمسة. و جعل أبو داود يذمه. قال أبو داود و قد روى إسماعيل بن أبى خالد و سفيان عن عمرو بن ثابت و هو المشوم ، ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة ، و جعل يقول ـ يعنى أن أحاديثه كانت مستقيمة
و قال فى موضع آخر : سئل أبو داود عن عمرو بن ثابت ، فقال : من شرار الناس . ثم قال أبو داود : عمرو بن ثابت ، و أبو إسرائيل ـ يعنى الملائى ـ ، و يونس بن خباب ليس فى حديثهم نكارة إلا أن يونس بن خباب زاد فى حديث القبر : و على ولى
و قال النسائى : متروك الحديث
و قال فى موضع آخر : ليس بثقة ، و لا مأمون
و قال أبو حاتم بن حبان : يروى الموضوعات عن الأثبات
و قال أبو أحمد بن عدى : و الضعف على رواياته بين
روى له ابن ماجة فى " التفسير " . اهـ
قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 8/10
و قال أبو داود فى" السنن " إثر حديث فى الاستحاضة : و رواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل ، و هو رافضى خبيث ، و كان رجل سوء
زاد فى رواية ابن الأعرابى : و لكنه كان صدوقا فى الحديث
و من عادة المؤلف أن من علق له أبو داود رقم له رقمه ، و هذا منه فأغفله
و قال ابن سعد : كان متشيعا مفرطا ، ليس هو بشىء فى الحديث ، و منهم من لا يكتب حديثه لضعفه و رأيه ، و توفى فى خلافة هارون
و قال أبو أحمد الحاكم : حديثه ليس بالمستقيم
و قال عبد الله بن أحمد ، عن أبيه : كان يشتم عثمان ، ترك ابن المبارك حديثه
و قال الساجى : مذموم ، و كان ينال من عثمان و يقدم عليا على الشيخين
و قال العجلى : شديد التشيع غال فيه ، واهى الحديث
و قال البزار : كان يتشيع ، و لم يترك . اهـ


الحديث السابع


توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم وبعضهم يرويه بلفظ: إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم


وهذا حديث لا أصل له قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: هو حديث كذب موضوع من الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام وقال غيره من العلماء حديث باطل لم يروه أحد من العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث فمن أين إذاً جاء هذا الحديث الباطل الموضوع المكذوب ؟
قال الألوسي: وما يذكر عن بعض العامة من قوله عليه الصلاة والسلام: "إِذا كانتْ لكم إِلى اللَّه تعالى حاجةٌ فاسألوا اللَّه تعالى بجاهي فإِنَّ جاهي عند اللَّه عظيم". لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو شيء في كتب الحديث



الحديث الثامن


حديث الأعرابي
يقول الشيخ دحلان: وفي صحيح البخاري : أنه لما جاء الأعرابي وشكا للنبي القحط فدعا الله فانجابت السماء بالمطر قال : (( لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه من ينشد قوله ؟ )) فقال علي يا رسول الله : كأنك أردت قوله وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل فتهلل وجه الرسول ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه ولو كان ذلك حراماً لأنكر ولم يطلب إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه ولو كان ذلك حراماً لأنكر ولم يطلب إنشاده

الرد
يقول الشيخ نسيب الرفاعي في كتابه التوصل إلى حقيقة التوسل
(إن حديث الأعرابي الذي يعزوه الشيخ الدحلان إلى البخاري بلفظه أعلاه ليس في البخاري قطعاً بهذه الرواية !!! وهنا نترك الكلام والرد للشيخ بشير السهسواني رحمه الله وغفر له قال في كتابه : ( صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ) ما يلي : ويروي الدحلان في كتابه ( الدرر السنية في الرد على الوهابية ) : ( وفي صحيح البخاري ( وذكر الحديث إلى قوله : عصمة للأرامل ) وقال : فتهلل وجه الرسول الكريم ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله : يستسقى الغمام ولو كان بوجهه ولو كان ذلك حراماً أو شركاً لأنكره ولم يطلب إنشاده ليس في صحيح البخاري هذه الرواية إنما ورد من حديث أنس قال : جاء رجل إلى النبي فقال : هلكت المواشي وتقطعت السبل فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء : فقال تهدمت السبل وهلكت المواشي فادع الله يمسكها فقال : (( اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر )) فانجابت عن المدينة انجياب الثوب
وقد روى البخاري حديث أنس هذا … من طرق وليس في واحدة منها قال : لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه … الخ
والصواب : أن راوي الحديث هو البيهقي لا البخاري وفي سنده مسلم الملائي وهو متروك الموضوع فانظر إلى تحريف الدحلان عدا عن أغلاط لغوية يجل عنها رسول الله وهو أفصح العرب وذلك من وجوه
إن كلمة ( لما ) لا يدخل في جوابها في مثل هذه المواضع لفظة : ( الفاء ) في قوله فدعا الله

إن لفظ ( شكا ) متعد بـ( إلى ) لا بـ( اللام ) قال الله تعالى ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) وفي رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك بن البخاري : أن رجلاً شكا إلى النبي : هلك المال وجعد العيال
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله : اشتكت النار إلى ربها متفق عليه
وعن خباب قال : أتينا رسول الله فشكونا إليه حر الرمضاء فسلم يشكنا رواه مسلم
وعن عائشة رضي الله عنها عن البخاري في كتاب التيمم : فشكوا ذلك إلى رسول الله وقد جاء تعدية ( شكا ) بـ( إلى ) في غير واحد من الأحاديث الصحيحة وقال في القاموس : شكا أمره إلى الله

إن قوله : فانجابت السماء بالمطر لا معنى له فإنه ( انجابت ) بمعنى انكشفت وانكشاف السماء بالمطر لا محصل له


أن الانجياب يدل على انقطاع المطر في الحديث فانجابت عن المدينة انجياب الثوب وانقطاع السحاب بعد دعاء السقي يدل على عدم إجابة الدعاء النبي وهذا
باطل بالبداهة بدليل أن الروايات كلها دالة على أن دعاء النبي في هذه الواقعة قد أجيب بلا مرية


إن انقطاع السحاب قبل ظهوره محال


إن صلة الانجياب بـ: عن كما في حديث انس لا بـ: الباء
وبالجملة : فصدر ما عزاه إلى البخاري أعني قوله : لما جاء الأعرابي وشكا للنبي إلى قوله بالمطر … ليس في البخاري ولا البيهقي ولا في غيره من الكتب الحديثية فيما أعلم إذن إنما هو اختلاق الدحلان نفسه اهـ
قلت: وهذه ترجمة مسلم الملائي
قال المزى فى تهذيب الكمال
قال عمرو بن على : كان يحيى بن سعيد ، و عبد الرحمن ابن مهدى لا يحدثان عن مسلم الأعور ، و كان شعبة ، و سفيان يحدثان عنه و هو منكر الحديث جدا
و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : كان وكيع لا يسميه . قلت : لم ؟ قال : لضعفه
و قال أيضا : سئل أبى و أنا أسمع عن مسلم الأعور ، فقال : هو دون ثوير ، و ليث ابن أبى سليم ، و يزيد بن أبى زياد ، و كان يضعف
و قال إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين : مسلم الأعور لا شىء
و قال أبو بكر بن أبى خيثمة ، عن يحيى بن معين ، يقال : إنه اختلط
و قال أبو زرعة : ضعيف الحديث
و قال أبو حاتم : يتكلمون فيه ، و هو ضعيف الحديث
و قال البخارى : يتكلمون فيه
و قال فى موضع آخر : ضعيف ، ذاهب الحديث ، لا أروى عنه
و قال أبو داود : ليس بشىء
و قال الترمذى : يضعف . و قال فى موضع آخر : ليس عندى بالقوى
و قال النسائى : ليس بثقة
و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : غير ثقة
و قال النسائى فى موضع آخر ، و على بن الحسين بن الجنيد : متروك
و قال أبو حاتم بن حبان : اختلط فى آخر عمره ، فكان لا يدرى ما يحدث به
روى له الترمذى ، و ابن ماجة . اهـ
ْ
قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 10/136
و قال الدارقطنى : ضعيف . وقال مرة : مضبوط الحديث
و قال الفلاس أيضا : متروك الحديث
و قال أحمد أيضا : لا يكتب حديثه
و قال يحيى بن معين أيضا : ليس بثقة
و قال ابن المدينى ، و العجلى : ضعيف الحديث
و قال الدارقطنى : متروك
و قال الحاكم أبو أحمد : ليس بالقوى عندهم
و قال الساجى : منكر الحديث ، و كان يقدم عليا على عثمان . حدثنا أحمد بن محمد بن خالد المخزومى ، حدثنا يحيى القطان ، حدثنى حفص بن غياث قال : قلت لمسلم الملائى : ممن سمعت هذا ؟ قال : من إبراهيم عن علقمة ، قلت : علقمة عن من ؟ قال : عن عبد الله ، قلت : عبد الله عن من ؟ قال : عن عائشة ـ يعنى أنه لا يدرى ما يحدث به
و من منكراته حديثه عن أنس فى الطير ، رواه عنه ابن فضيل ، و ابن فضيل ثقة ،والحديث باطل . اهـ

وكذلك ضعفه الإمام الترمذي والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء وقال الذهبي:مسلم ترك. وضعفه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد , وضعفه الحافظ ابن حجر في الإصابة ,وقال عنه الحافظ السيوطي في اللآلئ المصنوعة:متروك



الحديث التاسع


حديث سواد بن قارب
روى الطبراني في الكبير : أن سواد بن قارب أنشد الرسول قصيدته التي توسل فيها التوسل ويقول الدحلان : ولم ينكر الرسول عليه ومنها قوله
و أشهد أن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غـــائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايــب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وإن كان فيما فيه شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب

قال الشيخ نسيب الرفاعي
الكلام على متن هذا الحديث
إن هذه الأبيات الأربعة التي استشهد بها الشيخ دحلان على جواز التوسل بذات رسول الله ليس فيها معاني التوسل الذي يعنيه وبخاصة في البيت الثاني وهو قوله
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب وإنك أدنى المرسلين وسيلة
تقدم معنا في أول الكتاب في تعريف الوسيلة لغة وشرعاً أن الوسيلة هي القربة إلى الملك ووسل إلى الله وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل . ولا شك ولا ريب أن العمل الذي عمله رسول الله أعظم الأنبياء فصار بذلك أوفى المرسلين إلى الله وسيلة أي قربة ومنزلة فأي معنى من معاني التوسل بذوات المخلوقين موجود في هذا البيت …؟ الجواب : ليس فيه أي معنى من معاني التوسل بذوات المخلوقين إنما معناه هو ما قلناه آنفاً : إن أعمال رسول الله هي أعظم أعمال الأنبياء والمرسلين فصار بذلك أدناهم وأقربهم إلى الله تعالى
كما أن الوسيلة معناها كما فسرها رسول الله في قوله
إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فمن صلى علي مرة الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة رفيعة في الجنة … لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو
وهذا المعنى أيضاً لا يخرج عن المعنى الأول وهي الوسيلة والقربة من الله تعالى فهل في ذلك ما يفيد جواز التوسل بذات المخلوق …؟
وهذا ما يقصده سواد بن قارب في أبياته التي يمدح بها رسول الله ولعل الدحلان يقصد أيضاً ما جاء في البيت الأخير
بمغن قتيلاً عن سواد ن قارب وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة
وكذلك ليس في البيت الأخير ما يعين الدحلان على مراده ألبته لأن سواد بن قارب يخاطب رسول الله ويرجوه أن يدعو الله تعالى أن يكون له شفيعاً يوم القيامة والخطاب هذا ولا شك كان في حياته وطلب الشفاعة منه حال حياته لا بأس به لأنه طلب لدعائه لأن يكون سواد في جملة من يشفعه الله بهم يوم القيامة أي يأذن له بالشفاعة فيهم فما الذي في هذا البيت من معانيالتوسل بذوات المخلوقين …؟! اللهم إلا إذا كان الدحلان يريد أن يحمل الألفاظ ليستقيم مراده …!! فهذا شيء آخر إنما لا يقر على ذلك فإن اللغة العربية التي خلق الله مفاهيمها ومدلولات ألفاظها لا تخضع إلى مراد الدحلان فقواعد اللغة ثابتة ومعانيها فرغ منها فلا يطمع أحد في تغييرها على ما يحب ويهوى
والخلاصة : ليس في متن هذا الحديث أي معنى من معاني التوسل المعروف عند الدحلان ومن البدهي بعد ذلك أن لا يصلح هذا الحديث حجة ولا دليلاً على مراد التوسل بذوات المخلوقين فسقطت حجة الاستدلال به على ذلك متناً أما سنداً فإليك تفصيل ذلك

الكلام على سند هذا الحديث
تبين لك يا أخي القارئ المسلم الكريم : أن هذا الحديث ليس في صيغة متنه ما يفيد قيام أية حجة على صحة ما يجهد ( القوم …) ويحاولون من إثبات جواز التوسل بذوات المخلوقين
وحتى لو صح هذا الحديث سنداً ليس في متنه حجة لهم بل هو ولا شك حجة عليهم كما أثبتنا ذلك آنفاً فكيف وإن سنده ضعيف …!!! فقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيثمي في كتابه (( مجمع الزوائد )) إنه حديث ضعيف كما ثبت أن كافة طرقه ورواياته التي ورد فيها ضعيفة واهية وإليك البيان


رواية البيهقي وهي عنده : فيها زياد بن زيد بن بادويه ومحمد بن نواس الكوفي . قال الذهبي : هذا حديث منكر بالمرة ، ومحمد بن نواس وزياد ، مجهولان لا تقبل روايتهما . وأضاف : وأخاف أن يكون موضوعاً أبي بكر بن عباس


رواية أبي يعلى : وقد رواها ابن كثير في ( السير – المطولة ) ص344-346 وقال : هذا منقطع من هذا الوجه
وقد أوضح الحافظ الذهبي في الجزء الأول من / تاريخ الإسلام الكبير / ص124 علة هذه الطريقة . فقال : أبو عبد الرحمن : اسمه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي متفق على تركه وعلي بن منصور فيه جهالة مع أن الحديث منقطع


قلت: وهذه ترجمة الوقاصي
قال المزى في تهذيب الكمال
عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبى وقاص القرشى الزهرى الوقاصي أبو عمرو المدنى ، و يقال له : المالكى أيضا نسبة إلى جده سعد بن مالك . اهـ
و قال المزى
قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد ، عن يحيى بن معين : لا يكتب حديثه ، كان يكذب
و قال عباس الدورى ، عن يحيى بن معين : ضعيف
و قال فى موضع آخر : ليس بشىء
و قال على ابن المدينى : ضعيف جدا
و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : ساقط
و قال يعقوب بن سفيان : لا يكتب حديثه أهل العلم إلا للمعرفة ، و لا يحتج بروايته
و قال أبو حاتم : متروك الحديث ، ذاهب
و قال البخارى : تركوه
و قال أبو داود : ليس بشىء
و قال الترمذى : ليس بالقوى
و قال النسائى : متروك
و قال فى موضع آخر : ليس بثقة و لا يكتب حديثه
قال الهيثم بن عدى : توفى فى خلافة هارون
روى له الترمذى حديثا واحدا عن الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة : " سئل رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن ورقة يعنى ابن نوفل ..... الحديث . اهـ
قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 7/134
و قال الساجى : يحدث بأحاديث بواطيل
و قال ابن البرقى : ليس بثقة
و قال البخارى فى " تاريخه " : سكتوا عنه
و قال أبو بكر البزار : لين الحديث
و قال أبو أحمد الحاكم : متروك الحديث
و قال ابن حبان : كان يروى عن الثقات الموضوعات ، لا يجوز الاحتجاج به
و قال ابن عدى : عامة حديثه مناكير ، إما إسنادا و إما متنا . اهـ


رواية ابن عدي : قال الذهبي : فيه سعيد ، يقول : أخبرني سواد بن قارب – وبينهما انقطاع – وعباد ليس بثقة يأتي بطامات


رواية محمد بن السائب الكلبي : قال ابن كثير في / السيرة المطولة /ج1 ص348-349 : محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب ورمي بالرفض كما في التقريب
قلت: وهذه ترجمة الكلبي
قال المزى فى تهذيب الكمال
قال أبو بكر بن خلاد الباهلى ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه : كان بالكوفة كذابان أحدهما الكلبى
و قال عمرو بن الحصين ، عن معتمر بن سليمان ، عن ليث بن أبى سليم : بالكوفة كذابان : الكلبى و السدى ، يعنى محمد بن مروان
و قال عباس الدورى ، عن يحيى بن معين : ليس بشىء
و قال معاوية بن صالح ، عن يحيى بن معين : ضعيف
و قال أبو موسى محمد بن المثنى : ما سمعت يحيى و لا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عن الكلبى
و قال البخارى : تركه يحيى بن سعيد و ابن مهدى
و قال عباس الدورى ، عن يحيى بن يعلى المحاربى : قيل لزائدة : ثلاثة لا تروى عنهم : ابن أبى ليلى ، و جابر الجعفى ، و الكلبى
قال : أما ابن أبى ليلى فبينى و بين آل ابن أبى ليلى حسن فلست أذكره ، و أما جابر الجعفى فكان والله كذابا يؤمن بالرجعة ، و أما الكلبى فكنت أختلف إليه فسمعته يقول يوما : مرضت مرضة فنسيت ما كنت أحفظ فأتيت آل محمد فتفلوا فى فى فحفظت ما كنت نسيت . فقلت : والله لا أروى عنك شيئا ، فتركته
و قال الأصمعى ، عن أبى عوانة : سمعت الكلبى يتكلم بشىء من تكلم به كفر
و قال مرة : لو تكلم به ثانية كفر ، فسألته عنه فجحده
و قال عبد الواحد بن غياث ، عن ابن مهدى : جلس إلينا أبو جزء على باب أبى عمرو ابن العلاء فقال : أشهد أن الكلبى كافر . قال : فحدثت بذلك يزيد بن زريع فقال : سمعته يقول : أشهد أنه كافر . قال
فماذا زعم ؟ قال : سمعته يقول : كان جبريل يوحى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقام النبى صلى الله عليه وسلم لحاجة و جلس على فأوحى إلى على . قال يزيد : أنا لم أسمعه يقول هذا ، و لكنى رأيته يضرب على صدره و يقول : أنا سبأى أنا سبأى
قال أبو جعفر العقيلى : هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ
و قال واصل بن عبد الأعلى : حدثنا محمد بن فضيل عن مغيرة ، عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب : ما دمت على هذا الرأى لا تقربنا ، و كان مرجئا
و قال زيد بن الحباب : سمعت سفيان الثورى يقول : عجبا لمن يروى عن الكلبى
قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : فذكرته لأبى ، و قلت : إن الثورى قد روى عنه
قال : كان لا يقصد الراوية عنه و يحكى حكاية تعجبا فيعلقه من حضره ، و يجعلونه رواية عنه
و قال وكيع : كان سفيان لا يعجبه هؤلاء الذين يفسرون السورة من أولها إلى آخرها مثل الكلبى
و قال على بن مسهر ، عن أبى جناب الكلبى : حلف أبو صالح أنى لم أقرأ على الكلبى من التفسير شيئا
و قال أبو عاصم النبيل : زعم لى سفيان الثورى ، قال : قال لنا الكلبى : ما حدثت عن أبى صالح عن ابن عباس فهو كذب ، فلا ترووه
و قال الأصمعى ، عن قرة بن خالد : كانوا يرون أن الكلبى يزرف ، يعنى يكذب
و قال أحمد بن سنان القطان الواسطى ، عن يزيد بن هارون : كبر الكلبى و غلب النسيان ، فجاء إلى الحجام و قبض على لحيته ، فأراد أن يقول : خذ من ها هنا يعنى ما جاوز القبضة ، فقال : خذ ما دون القبضة
و قال أبو حاتم : الناس مجمعون على ترك حديثه ، لا يشتغل به ، هو ذاهب الحديث
و قال النسائى : ليس بثقة و لا يكتب حديثه
و قال أبو أحمد بن عدى : و للكلبى غير ما ذكرت من الحديث ، أحاديث صالحة و خاصة عن أبى صالح ، و هو معروف بالتفسير ، و ليس لأحد تفسير أطول منه ، و لا أشبع منه ، و بعده مقاتل بن سليمان ، إلا أن الكلبى يفضل على مقاتل لما قيل فى مقاتل من المذاهب الرديئة
و حدث عن الكلبى الثورى و شعبة فإن كانا حدثا عنه بالشىء اليسير غير المسند
و حدث عنه ابن عيينة ، و حماد بن سلمة ، و هشيم ، و غيرهم من ثقات الناس و رضوه فى التفسير . و أما الحديث ، خاصة إذا روى عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، ففيه مناكير و لشهرته فيما بين الضعفاء يكتب حديثه
و قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : كتب البخارى فى موضع آخر : محمد بن بشر سمع عمرو بن عبد الله الحضرمى ، سمع منه محمد بن إسحاق ، و هو الكلبى
قال محمد بن عبد الله الحضرمى : مات بالكوفة سنة ست و أربعين و مئة
روى له الترمذى ، و ابن ماجة فى " التفسير " . اهـ

قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 9/180
و قال على بن الجنيد ، و الحاكم أبو أحمد ، و الدارقطنى : متروك
و قال الجوزحانى : كذاب ، ساقط
و قال ابن حبان : وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق فى وصفه ، روى عن أبى صالح التفسير ، و أبو صالح لم يسمع من ابن عباس ، لا يحل الاحتجاج به
و قال الساجى : متروك الحديث ، و كان ضعيفا جدا لفرطه فى التشيع ، و قد اتفق ثقات أهل النقل على ذمه و ترك الرواية عنه فى الأحكام و الفروع
قال الحاكم أبو عبد الله : روى عن أبى صالح أحاديث موضوعة
و ذكر عبد الغنى بن سعيد الأزدى أنه حماد بن السائب الذى روى عنه أبو أسامة
و تقدم فى ترجمة عطية أنه كان يكنى الكلبى أبا سعيد و يروى عنه . اهـ


رواية أبي بكر محمد بن جعفر بن سيل الخرائطي في كتابه الذي جمعه في هواتف الجان وهي عند ابن كثير في / السيرة المطولة / ص346 وفيها الشعر ما سوى : وكن لي شفيعاً


رواية الفضل بن عيسى القرشي : عن العلاء بن يزيد
قال السيوطي في شرح / شواهد المغني / ج2 ص255 : والعلاء ابن يزيد قال المديني : كان يضع الحديث . وقال البخاري وغيره منكر الحديث . وقال أبو حيان : روى نسخة موضوعة . وأورد له الذهبي في / الميزان / عدة مناكير
قلت: وهذه ترجمة العلاء بن يزيد والصحيح أن اسمه العلاء بن زيد كما سيأتي
قال المزى فى تهذيب الكمال
العلاء بن زيد ، و يعرف بابن زيدل الثقفى ، أبو محمد البصرى . اهـ
و قال المزى
و قال البخارى ، و العقيلى ، و ابن عدى : منكر الحديث
و قال أبو حاتم : منكر الحديث ، متروك الحديث ، بابة أبى هدبة ، و زياد بن ميمون
و قال أبو داود : متروك الحديث
و قال ابن حبان : روى عن أنس نسخة موضوعة لا يحل ذكره إلا تعجبا
و قال الدارقطنى : متروك
روى له ابن ماجة حديثا واحدا عن أنس
" إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقعى كما يقعى الكلب " . اهـ

قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 8/183
و قال أبو حاتم : كان أحمد يتكلم فيه
و قال النسائى : ضعيف
و قال الحاكم : يروى عن أنس أحاديث موضوعة
و كذا قال أبو نعيم ، و زاد : سكن الأيلة ، لا شىء
و قال أبو حاتم : حديثه ليس بالقائم
و قال العقيلى : نسبه أبو الوليد الطيالسى إلى الكذب
و قال ابن شاهين فى " الضعفاء " : قال ابن معين : ليس بثقة
و فرق العقيلى بين العلاء بن زيد ، و العلاء بن زيدل ، فقال فى الأول : يعنى واسطى . لكن وقع عنده العلاء بن يزيد ، و نقل تكذبيه عن الطيالسى ، و عن البخارى : منكر الحديث . ثم ساق له من رواية يزيد بن هارون عنه عن أنس قصة معاوية الليثى . ثم ساق ترجمة العلاء بن زيدل ، و لم ينسبه ، و قال : منكر الحديث . و نقل قول أبى داود فيه
فالراجح أنه العلاء بن زيدل و ربما خفف بحذف اللام ، و أما يزيد فزيادة الياء أوله خطأ .اهـ

رواية الحسن بن سفيان : في مسنده من طريق الحسن بن عمارة . قال السيوطي في شرح شواهد المغني ص255 : والحسن بن عمارة ضعيف جداً
قلت: وهذه ترجمة الحسن بن عمارة
قال المزى فى تهذيب الكمال
قال البخارى : قال لى أحمد بن سعيد : سمعت النضر بن شميل ، عن شعبة ، قال : أفادنى الحسن بن عمارة ، عن الحكم ْ قال أحمد : أحسبه قال : سبعين حديثا ْ فلم يكن لها أصل
و قال عبدان ، عن أبيه ، عن شعبة : روى الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن يحيى ابن الجزار ، عن على سبعة أحاديث ، فسألت الحكم عنها ، فقال : ما سمعت منها شيئا
و قال على بن الحسن بن شقيق ، قلت لابن المبارك : لم تركت أحاديث الحسن بن عمارة ؟ فقال : جرحه عندى سفيان الثورى ، و شعبة بن الحجاج ، فبقولهما تركت حديثه
و قال أبو بكر المروذى : قلت لأحمد بن حنبل : فكيف الحسن بن عمارة ؟ قال : متروك الحديث
و قال أبو طالب أحمد بن حميد : سمعت أحمد بن حنبل يقول : الحسن بن عمارة متروك الحديث
قلت له : كان له هوى ؟ قال : لا ، و لكن كان منكر الحديث ، و أحاديثه موضوعة ، لا يكتب حديثه
و قال أحمد بن أصرم المزنى : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الحسن بن عمارة ، فقال : ليس بشىء ، إنما يحدث عن الحكم ، عن يحيى ابن الجزار
و قال أحمد بن سعد بن أبى مريم ، عن يحيى بن معين : لا يكتب حديثه
و قال أبو بكر بن أبى خثيمة ، عن يحيى بن معين : ليس حديثه بشىء
و قال معاوية بن صالح ، عن يحيى : ضعيف
و قال عبد الله بن على ابن المدينى ، عن أبيه : ما أحتاج إلى شعبة فيه ، أمره أبين من ذلك ، قيل له : يغلط ، فقال : أى شىء كان يغلط ؟ ، و ذهب إلى أنه كان يضع الحديث
و قال أبو حاتم ، و مسلم ، و النسائى ، و الدراقطنى : متروك الحديث
و قال النسائى فى موضع آخر : ليس بثقة ، و لا يكتب حديثه
و قال زكريا بن يحيى الساجى : ضعيف الحديث ، متروك ، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه
و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : ساقط
و قال صالح بن محمد البغدادى : لا يكتب حديثه
و قال عمرو بن على : رجل صالح ، صدوق ، كثير الخطأ و الوهم ، متروك الحديث
روى له الترمذى ، و ابن ماجة
و قال النسائى فى " مسند على " فى حديث رزين بن عقبة ، عن الحسن ، عن واصل الأحدب ، عن شقيق بن سلمة ، قال : حضرنا عليا حين ضربه ابن ملجم ... الحديث : ما آمن أن يكون هذا الحسن هو ابن عمارة . اهـ

قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب" 2/307
و قال ابن المبارك ، عن ابن عيينة : كنت إذا سمعت الحسن بن عمارة يحدث عن الزهرى جعلت أصبعى فى أذنى
و قال العقيلى : حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدى حدثنا سفيان حدثنا ابن أبى نجيح عن مجاهد : لا بأس ببيع من يزيد ، كذلك كانت تباع الأخماس . قال سفيان : فحدثت به بالكوفة ، فبلغ الحسن بن عمارة ، فحدث به ، و زاد فى آخره على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
و قال العقيلى : حدثنى عبد الله بن محمد بن صالح السمرقندى حثنا يحيى بن حكيم المقوم قلت لأبى داود الطيالسى : إن محمد بن الحسن صاحب الرأى حدثنا عن الحسن ابن عمارة عن الحكم عن ابن أبى ليلى عن على قال : رأيت النبى صلى الله عليه وآله وسلم قرن ، و طاف طوافين ، و سعى سعيه . فقال أبو داود ، و جمع يده إلى نحره : من هذا كان شعبة يشق بطنه من الحسن بن عمارة
و قال ابن سعد : كان ضعيفا فى الحديث
و ذكره يعقوب فى باب من يرغب عن الرواية عنهم
و قال أبو بكر البزار : لا يحتج أهل العلم بحديثه إذا انفرد
و قال ابن المثنى : ما سمعت يحيى و لا عبد الرحمن رويا عنه شيئا قط
وقال أبو العرب : قال لى مالك بن عيسى : إن أبا الحسن الكوفى ـ يعنى العجلى ـ ضعفه ، و ترك أن يحدث عنه
و قال الحميدى : ذمر عليه
و قال يعقوب بن شيبة : متروك الحديث
و قال ابن حبان : كان بلية الحسن التدليس عن الثقات ما وضع عليهم الضعفاء ، كان يسمع من موسى بن مطير و أبى العطوف و أبان بن أبى عياش و اضرابهم ، ثم يسقط أسماءهم ، و يرويها عن مشائخه الثقات ، فالتزقت به تلك الموضوعات ، و هو صاحب حديث الدعاء الطويل بعد الوتر و هو جالس
و قال السهيلى : ضعيف بإجماع منهم . اهـ



الحديث العاشر


حديث السؤال بمحمد والأنبياء
يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبي فقال : إني أتعلم القرآن ويتفلت مني فقال رسول الله : قل : اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وانجيل عيسى وفرقان محمد وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته


الكلام على سند هذا الحديث
قال ابن تيمية رحمه الله : (هذا الحديث ذكره روين بن معاوية العبدري في جامعه ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكنه رواه في عمل يوم ليلة كابن السني وأبي نعيم وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب فضائل الأعمال وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب وموضوعة
ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون ابن عنترة وقال : هذا حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل قال أبو موسى : ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك بن هارون عن أبيه عن جده عن الصديق t وعبد الملك ليس بذلك القوي وكان بالري وأبوه وجده ثقتان قلت – يعني ابن تيمية : عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب قال يحيى بن معين : كذاب . وقال السعدي : دجال كذاب . وقال أبو حاتم بن حبان : يضع الحديث وقال النسائي : متروك . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال أحمد بن حنبل : ضعيف . وقال ابن عدي : له أحاديث لم يتابعه عليها أحد . وقال الدار قطني : هو وأبوه ضعيفان . وقال الحاكم في كتاب المدخل : عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات وقول الحافظ أبو موسى ( هو منقطع ) يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع
قلت: ضعف عبد الملك هذا الحافظ العراقي في تخريج الإحياء وقال عنه الحافظ الهيثمي:ضعيف جدا وفي مرة أخرى قال : تركوه وكذلك قال عنه الغرياني والحافظ السخاوي وقال عنه الإمام الفتني:دجال.وقال عنه الحافظ المنذري في(الترغيب والترهيب): متروك





الحديث الحادي عشر


حديث دعاء حفظ القرآن
الحديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعاً أنه قال : من سره أن يوعيه الله القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف من قوارير بعسل وزعفران وماء ومطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في أدبار صلواته : اللهم إني أسألك بأنك مسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل وأسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيبك وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك وذكر تمام الدعاء
الكلام على سند هذا الحديث
قال ابن تيمية رحمه الله
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين . قال أبو أحمد بن عدي فيه : منكر الحديث وقال أبو حاتم بن حبان : دجال يضع الحديث . وضع على ابن جريح عن عطاء ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل
قلت: موسى بن عبد الرحمن الصنعاني هذا قال عنه الإمام السيوطي في الدر المنثور
ومن التفاسير الواهية لوهاء رواتها التفسير الذي جمعه موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين يسنده إلى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد نسب ابن حبان موسى هذا إلى وضع الحديث... .انتهى كلامه عنه
وقال عنه الحافظ الهيثمي: وضاع , وقال عنه أيضا: كذاب

والله تعالى أعلى وأعلم

يوسف التازي
11-01-15, 02:23 AM
الشبهة

يستدل الأحباش بحديث اللهم أسألك بحق محمد ليجوزوا التوسل و نعني بالتوسل : المذموم
إليكم نص الحديث



ورد في كتاب المستدرك للحاكم أن ءادم عليه الصلاة والسلام حين اقترف الخطيئة أي المعصية الصغيرة قال: (اللهم أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي،قال: كيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد؟ قال :رفعت رأسي فرأيت على قائمة من قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، قال أما إذ سألتني بمحمدٍ فقد غفرت لك) قال الحاكم و الحديث صحيح


الرد على هذه الشبهة



هذا الحديث، للتوضيح، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/615) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: (صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب).
فتعقبه الذهبي فقال: (قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري
لا أدري من ذا
وقد أورد الحاكم في المستدرك (3/332) حديثاً آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد

ومدار الحديث على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم،وقد ضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص وفي فتح الباري وغيرهما, وقال البيهقي: (تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، من هذا الوجه، وهو ضعيف)

وكذلك ضعفه الهيثمي في المجمع


وقال ابن الجوزي:اجمعوا على ضعفه .وهو متهم بالوضع


ورماه بذلك الحاكم نفسه فقد قال في كتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم":
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه


وقد أورد الحاكم أيضا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه "الضعفاء"
وقال في آخره: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي
جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح
لا أستحله تقليداً، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء
الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله :من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن وقد ضعفه أيضا أحمد بن حنبل وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني والحافظ العلائي والمناوي والعلجوني والزيلعي والسخاوي والشوكاني وغيرهم

قال الترمذي : وعبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ ضَعِيفٌ في الحَديثِ، ضَعفَهُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وعليّ بنُ المَدِينيّ وغيْرُهُما مِنْ أهلِ الحَديثِ، وهو كَثِيرُ الغَلَطِ
وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك


وقال فيه أبو نعيم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة


وكذا قال الحاكم نفسه كما سبق، بل ضعّفه جداً علي بن المديني وابن سعد وغيرهما

وقال الطحاوي: (حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف)
و ذكره الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب في حديث في كتاب البيوع حيث قال:" عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد وثق قال ابن عدي أحاديثه حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه انتهى" فهذا القول بين هذه الأقوال جميعها كنقطة في بحر. وليس للعاقل التمسك به وإنما عليه أيضا أن ينظر إلى علل الحديث الأخرى







فهل لعاقل أن يحتج بهذا الحديث؟

يوسف التازي
11-01-15, 02:24 AM
إنّ الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلـه إلاّ الله وحده لا شريكَ لـه، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أمّا بعد:

فهذه خلاصة يسيرة فيها الدفاع عن حديث الجارية أردنا فيها المنافحة عن عقيدة أهل السنة مثبتين ما ثبت بالدليل ، فنقول مستعينين بالله جل وعلا:

قال معاوية بن الحكم السلمي:
أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بجارية، فقلت: يا رسول الله، عليّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله: (( أين الله؟)) فقالت: في السماء، فقال: (( من أنا؟ ))، قالت: رسول الله، قال: (( اعتقها فإنّها مؤمنة )) أهـ.
رواه الإمام مالك في (( الموطأ )) (2/776 )، والإمام الشافعيّ في (( الرّسالة )) (ص/75 -واللفظ لـه- )، وابن أبي شيبة في (( الإيمان )) (ص/36 رقم: 84 )، والإمام أحمد في (( المسند )) (5/448 )، وأبو داود في (( السنن )) (1/260 الصحيح )، والدّارميّ في (( الرّد على الجهميّة )) (ص/39 )، وفي (( الرّد على المريسي )) (1/491 )، وعبد الله ابن الإمام أحمد في (( السنّة )) (1/306)، وابن خزيمة في (( التوحيد )) (1/279 )، واللالكائيّ في (( شرح أصول الاعتقاد )) (3/392 )، والبيهقيّ في(( الأسماء والصفات )) (ص/532 )، وفي(( السنن الكبرى )) (7/354 و10/98 )، ومسلمٌ في (( صحيحه )) (5/23 رقم: 1199 )، والذّهبي في (( العلو )) (ص/81 المختصر )، وغيرهم -رحم الله الجميع-.

من طرق؛ عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم به؛ ورواه من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم جماعة كما في (( المصنّف لعبد الرزاق )) (10/402 )، و (( مسند الإمام أحمد )) (3/443 و5/448 ) وغيرهم -رحم الله الجميع-.

وهذا الحديث، وهو المشهور بحديث الجارية، حديثٌ صحيحٌ باتفاق أهل النقل، صححه جمهرةٌ من أهل العلم؛ منهم الإمام مسلم حيث أخرجه في ((صحيحه )) (5/23 رقم: 1199 )، والحافظ ابن حجر في (( الفتح )) (13/359 )، والبيهقيُّ في (( الأسماء والصفات )) (ص/533 )، والذهبيّ في (( العلو ))(ص/81 مختصر )، والألبانيّ في مواضع منها (( الإيمان ))(ص/36) لابن أبي شيبة، حيث قال-رحمه الله-: (( إسناده صحيحٌ على شرط الشيخين )) ، وقال في (( مختصر العلو ))(ص/81): (( فإنّه مع صحّةِ إسناده، وتصحيح أئمة الحديث إيّاه دون خلافٍ بينهم أعلمه )) أهـ.

فلا نعلم في صحّة هذا الحديث خلافاً، ولم نرَ أحداً تعرّض لـه بتضعيف، بل إجماع أهل الحديث والسنّة منعقدٌ على صحته، ولم يخالف في ذلك إلاّ المتأخرون من شذاذ الجهميّة، كالكوثري والغماري والسقاف، وذلك موافقة منهم لأهوائهم، ولتسلم لهم عقيدة التعطيل، وإن كان ذلك على حساب النّص الشرعيّ، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

وهنا لفتة، وهي أن الذي حمل نفاة العلو للطعن في حديث الجارية هو اشمئزاز نفوسهم من السؤال بـ (أين ) ولازم هذا عندهم أن يكون الله جل وعلا في مكان، فيقال جواباً عن هذا:

أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قد صرح بجواز السؤال بـ ( أين ) من غير لبس أو خفاء _كما ثبت في الحديث _ ، فالذي ينكر ذلك إنما ينكر على النبّي صلى الله عليه و سلم سؤاله للجارية ، خاصة بعدما علمت _ أخي القارئ _ إجماع أهل النقل على صحة الحديث ، وحسبك بمن نخّل كتب السنة تنخيلاً الإمام الألباني _ طيب الله ثراه_ حيث قال: ((… وتصحيح أئمة الحديث إياه دون خلاف بينهم أعلمه )) أهـ ،هذا أولاً.
أمّا ثانياً:أن منشأ الغلط عند هؤلاء النفاة هو بسبب خلطهم بين نوعي المكان الوجودي المخلوق، والعدمي، فلم يفهموا من معنى المكان إلاّ الأول، وصواب القسمة أن يقال: من أراد بالمكان الشيء الوجودي المخلوق الذي كان بعد أن لم يكن _وهو الذي يتبادر لأذهان جماهير الناس من معنى المكان _فهو مبطل قائل بالكفر، ولم يقل بذلك عالم من علماء السنّة فضلاً عن أن ينسب القول بذلك لشيخ الإسلام_كما ادّعاه من ضعف دينه وعقله وفهمه_ فالله تعالى لا تحوزه المخلوقات وهو أكبر وأعظم وقد وسع كرسيه السماوات والأرض؛ ففي (( الصحيحين )) عن النبيّ صلى الله عليه و سلم قوله: (( يقبض الله الأرض والسماوات بيمينه… الحديث ))، وأمّا من أراد بالمكان الشيء العدمي وهو ما فوق العالم وليس ثمّة مخلوق ولا جهات إلاّ العلو المطلق فلا شك أنّ هذا من أعظم الكمال اللائق به سبحانه والذي لا يجوز نفيه أو صرفه عن رب الأرض و السماوات جل وعلا.

والمسألة تحتاج إلى تفصيل وليس هنا موضعه.

وممّا يعجب منه اللّبيب، هو اختلاف مسالك هؤلاء النفاة في ردّ الحديث، ورفضه، فتارة ينفون أن يكون رواه الإمام مسلم، ويقولون: لعلّها زيدت فيما بعد، وتارةً بأنّه مضطرب، وتارةً أخرى بأنّه شاذ، وغير ذلك من الدعاوى والتي تدلُّ بكثرتها وتنوّعها على البعد كلَّ البعد عن جادّة الحقّ والصّواب، فلو أنّ كلمتهم اتفقت على مطعنٍ واحدٍ، لقلنا ننظر في قولهم؛ أمّا أن يكون الحال كذلك، بحيث لم يتركوا مطعناً أو مدخلاً إلاّ ذكروه وجاهدوا في إثباته، ممّا يدلّ -من حيث الجملة- على بطلان قولهم وفساده.

فقد روى اللالكائي (1/149) بسنده إلى مطرف بن الشخير، قال: (( لو كانت هذه الأهواء كلّها هوىً واحداً لقال القائل: الحقّ فيه، فلمّا تشعبت واختلفت عرف كلّ ذي عقلٍ أنّ الحقّ لا يتفرّق )) أهـ

وإليك أخي القارئ مجمل الاعتراضات على هذا الحديث والردّ عليها

نقول:
-1 زعم الكوثري أنّ الحديث مضطرب، فقال: إنّ حديث الرسول صلى الله عليه و سلم مع الجارية لم يكن إلاّ بالإشارة، فعبّر الرّاوي عمّا فهمه من إشارة الجارية باللّفظ المذكور، ثمّ اشتهر اللفظ بعد ذلك بين الصحابة، وصواب الحديث وأصله... فمدّ النبي صلى الله عليه و سلم يده إليها مستفهماً، من في السماء؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله…كذا قال،ولاحول ولاقوة إلابالله، وإلى الله وحده المشتكى؛ فإنّ الحديث الذي ادّعى فيه المعارضة لا يصحّ، وقد رواه الذهبيّ في (( العلو )) بالمعنى المذكور آنفاً، وكونه لا يصحّ، فذلك من وجهين:
*أولاً: من جهة إسناده، فهو من رواية سعيد بن زيد أبو الحسن البصري، وقد ضعفه الأئمة، كالقطان، والنسائي، قال الجوزجاني: (( سمعتهم يضعّفون أحاديثه، فليس بحجةٍ بحال )) ، وقال ابن حبان في(( المجروحين )) (( وكان ممّن يخطأ في الأخبار، ويهم في الآثار، حتى لا يُحتجّ به إذا انفرد )) ، وترجم له الحافظ في(( التقريب )) فقال: (( صدوق لـه أوهام ))؛ وأورده ابن عدي في(( الكامل ))(3/378)؛ فالإسنادُ ضعيفٌ.
*ثانياً: من جهة متنه، فما جاء من روايته من ذكر اليد والاستفهام، هو ممّا تفرّد به دون كلّ من روى هذا الحديث من الرواه الحفّاظ، فتفرّده بذلك ممّا يدلُّ على نكارة الحديث؛ فلفظ الإشارة ضعيف سنداً ومتناً، فلا يصحّ بحال اعتباره معارضاً للفظ (( أين الله؟ ))حتى يُقال بعد ذلك بالاضطراب، فتبين بذلك أنّ دعوى الاضطراب مضطربة

-2 أمّا دعوى أنّ الصحابي قد صاغ الحديث من عند نفسه، وعبّر عن إشارة الجارية بهذا اللفظ، فكلامٌ سخيفٌ ودعوى باطلة، وما أسهل الدعاوى أن تطلق، ولكنّها عند التحقيق لا تكون شيئاً، فأين الدليل على ذلك؟! أهو اللّفظ الضعيف الذي فيه سعيد بن زيد؟، أم هو الهوى ورفض الحق؟ -وعلى فرض التسليم بقوله من باب المناظرة- أليس هذا دليلاً واضحاً على أنّ الصحابة رضي الله عنهم قد تلقّوا الحديث بهذا اللّفظ بالقبول، من غير إنكارٍ ولا ردّ؟ ألم يكن الصحابة يفهمون عقيدة التنـزيه فيبادروا إلى رد الحديث ورفضه، وهذه اعتراضات ملزمة، إذ لا مفرّ منها لمن سلك هذا المسلك المنحرف.

-3 وأمّا ما ذهب إليه الغماري مِنْ أنّ الحديث شاذ، فالصواب أن يُقال: بل قول الغماري هو الشاذّ، فإنّ الشاذ في اصطلاح المحدّثين، هو مخالفة الثقة للأوثق منه، وأين هذا في الحديث؟! اللّهم إن كان يقصد العكس من كون رواية سعيد بن زيد -والتي فيها الإشارة- هي الشاذة، فعندئذٍ يُنظر في قوله ويُصوّب، ويُقال: بل هو منكر.

-4 وأمّا قول الكوثري أنّ في الحديث يحيى بن كثير، وهو مدلس وقد عنعن، فمردود، فإنّه وإن كان أكثر الطرق مدارها على يحيى بن كثير إلاّ أنّه ورد من غير طريقه كما في (( الموطأ ))(2/776)
قال الإمام مالك -رحمه الله-: عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم..وذكره، وعنه الإمام الشافعيّ في (( الرّسالة ))(ص75 فقرة242)
ثمّ إن يحيى بن كثير قد صرّح بالتحديث في روايته عن هلال كما عند الإمام أحمد في (( المسند ))(5/448-449)، فانتفت شبهة التدليس بهذين الوجهين، ولله الحمد.

وحديث معاوية بن الحكم الذي فيه قصة الجارية لا يُنافي ما رواه الإمام أحمد في (( مسنده ))(3/451)، ومالك في (( موطئه ))(2/777) من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن رجلٌ من الأنصار، أنّه جاء بأمّةٍ سوداء، وقال: يا رسول الله، إنّ عليّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة، أُعتقها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ((أتشهدين أنّ لا إله إلاّ الله؟))، قالت: نعم، قال: (( أتشهدين أنّي رسول الله؟ ))، قالت: نعم، قال: (( أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ ))، قالت: نعم، قال: (( أعتقها )) ))أهـ.

فهذا الحديث صحيحٌ، وحديث معاوية بن الحكم أصح منه، ولا تنافي بين الحديثين، فضلاً عن أن يكون حديث الأنصاري مُعلاً لحديث معاوية بن الحكم، فكلاهما ثابتان من جهة النقل، وإعلال حديث معاوية بحديث الأنصاري خطأٌ محض، فإنّه لا تنافي بين الحديثين، فكلٌّ منهما في مناسبة مختلفة عن الأخرى، فهما متنان لقصتين مختلفتين .
ثمّ إنّ حديث معاوية أصح إسناداً من حديث الأنصاري، فإعلال حديث الأنصاري أولى من حديث معاوية- إن كان هناك عِلّة-.
وبالجملة؛ فحديث الجارية صحيح، والمعارض لـه من الأحاديث، إمّا ضعيف لا يثبت، أو ليس بينه وبين حديث الجارية مناسبة.

ورحم الله الإمام الألباني حيث قال: (( وهذا الحديث صحيحٌ بلا ريب، ولا يشكّ في ذلك إلاّ جاهلٌ أو مغرضٌ من ذوي الأهواء الذين كلّما جاءهم نصٌّ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يُخالف ما هم عليه من الضلال، حاولوا الخلاص منه بتأويله بل بتعطيله، فإن لم يمكنهم ذلك، حاولوا الطعن في ثبوته كهذا الحديث )) أهـ.

-5 ثم قول ابن حفيظ في كتابه " مواهب المنان بشرح أحاديث نور الإيمان " في الفوائد والملحقات ص (38) عند شرح الحديث الثامن عشر حديث عائشة ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) : ((من أقرب الأمثلة لهذا الحديث أن من في زماننا هذا من يترك الآيات المحكمات في القرآن والأحاديث المحكمة في السنة ويتبع المتشابه , ومن أصرح الأمثلة في ذلك حديث الجارية التي في رواية قال لها مرةً : من ربك ؟ قالت : الله , ومن نبيك ؟ قالت : محمد , قال أعتقها فأنها مؤمنة , وجاء في رواية ( أتشهدين أن لا أله إلا الله ) ، وجاء في رواية : ( أين الله) ؟ قالت : في السماء , وجاء في رواية أنها أعجمية فقال لها : (أين الله) , فأشارت إلى السماء , قال من أنا فأشارت إليه بالسماء تعني أنه رسول الله هذه , روايات أربع , ثلاث منهن محكمات لا إشكال فيها , وواحدة هي التي فيها الإشكال وهي رواية ( أين الله قالت في السماء ) فتجد أن كثيراً تميل قلوبهم و تتعلق بواطنهم بالرواية المتشابهة وهذا إظهار لما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولما أخبر وعلم من أعلام نبوته فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )) ا.هـ

نقول : وهذا من كذب ابن حفيظ ، ولا غرو إذا كان ( إمام ضلالة ) بين يدي ( أتباع حماقة ! ) فغرهم بشكله وجبته وخرقته ، وذكره عدد الروايات الأربع !!!!! ، فظنوا أنه من أهل التحقيق !!! .
فيذكر الأحمق للحديث أربع روايات !! .
الأولى : رواية قال لها مرةً : من ربك ؟ قالت : الله , ومن نبيك ؟ قالت : محمد , قال أعتقها فأنها مؤمنة
الثانية : جاء في رواية أتشهدين أن لا أله إلا الله .
الثالثة : وجاء في رواية : أين الله ؟ قالت : في السماء .
الرابعة : , وجاء في رواية أنها أعجمية فقال لها : أين الله , فأشارت إلى السماء , قال من أنا فأشارت إليه بالسماء تعني أنه رسول الله .

فنقول هذا دجل وخطل ، فقد سبق و سقنا روايات الحديث و كلها متفقة على السؤال عن الله تعالى بـ ( الأين ) ، وإخبار الجارية له بـ : أن الله في السماء ، وشهادة النبي لها بالإيمان .
و أما الراويات التي ذكرها المريض ابن حفيظ ! فالأولى ، وهي قوله : ( من ربكِ .. ) ، فهذا من كذبه وتلبيسه فلم يرد هذا اللفظ في حديث الجارية مطلقاً ! ، وإنما جاء في حديث آخر رواه النسائي قال : أخبرنا موسى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة وإن عندي جارية نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم من ربك قالت الله قال من أنا قالت أنت رسول الله قال فأعتقها فإنها مؤمنة .
وفي رواية الإمام أحمد : عن الشريد أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عندي جارية سوداء أو نوبية فأعتقها فقال ائت بها فدعوتها فجاءت فقال لها من ربك قالت الله قال من أنا فقالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعتقها فإنها مؤمنة .
ومثله ما ذكره المريض ابن حفيظ في الرواية الثانية من قوله : (أتشهدين أن لا إله إلا الله ) ، وهي عند الإمام مالك في " الموطأ " عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت نعم قال أتشهدين أن محمدا رسول الله قالت نعم قال أتوقنين بالبعث بعد الموت قالت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها .

وهذه قصة مغايرة لقصة معاوية بن الحكم السابقة ، رواها الإمام أحمد في " المسند " والدارمي في " السنن " وسمى الصحابي وهو الشريد بن سويد ، إضافة إلى أن في القصة هنا ما يدل على المغايرة ، ففيها بيان السبب وهو أن عليه كفارة عتق رقبة ! ، أما في حديث معاوية ، فليس عليه كفارة ، وإنما أراد أن يعتقها مقابل ضربه لها .

وبقية الروايات التي ذكرها المريض ابن حفيظ ! معناهما واحد ! ، فالثالثة : هي المشهورة الواضحة ، والرابعة في ذكر الأعجمية – وإن كان سندها ضعيف – إلا أنها لا تخالف رواية الأئمة ، ففيها : (فقال لها أين الله فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء يعني أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة ) .
فسألها : أين الله ، فأشارت بأصبعها إلى السماء .
وسألها من أنا ؟ ، فأشارت بإشارتين الأولى إلى الرسول : لتحقيق معنا الرسالة ، والثانية : إلى السماء ، لتحقيق معنا : أنه مرسل من الله الذي في السماء – أي العلو والفوقية .

وكما تقدم الإشارة إليه أن هذه الرواية ضعيفة لضعف المسعودي في هذه الطريق بخاصة ، وللاختلاف عليه في إسناده ، وللمخالفة في متنه ! ، فالرواية الصحيحة في " الموطأ " و " صحيح مسلم " وغيرهما ، أنها : تكلمت ، ولم تشر بأصبعها ، وقالت : أنت رسول الله ، فتنفي صفة العجمة ! .

فمن الذي يتبع المتشابه بعد هذا ؟ .
أليس هو الذي يترك الروايات الواضحات التي رواها هؤلاء الأئمة ، ثم يلّفق على السامعين برواياتٍ لم ترد في الحديث أصلا ؟! .
ألا لعنة الله على الكاذبين .

6- ومما لا يفوتنا ذكره أيضاً والتنبيه عليه، هو ما ادّعاه الكوثري من أنّ سؤال النبيّ صلى الله عليه و سلم للجارية (( أين الله؟ )) هو سؤال عن المكانة لا المكان، وهذا هو موقف المعتزلة أيضاً من الحديث.

ويُجاب عن هذا بأنّه تأويلٌ فاسد بغير بيّنة أو دليل، وهو صرف للنّص عن ظاهره بمحض الهوى والتجنّي، فإنّ المكانة لا يُقال عنها أين؟ ولا يُجاب عنها بأنّها في السماء، إلاّ إذا دخلت عليها (( من ))، كقولك: أين الثرى من الثريا؟؛ أو أين أنت من فلان؟، فعندها يصحّ، أما والحال كما تعرف من لفظ الجارية، فإنّ حمله على معنى المكانة لا يصح لا عقلاً، ولا لغةً، ولا شرعاً، لما تظافر من الأدلة على ثبوت العلو الذّاتي لله جلَّ وعلا

لذلك قال شيخ الإسلام-رحمه الله- في (( الفتاوى (5/122): (وقد وصف الله تعالى نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض اكابر أصحاب الشافعي: في القرآن آلف دليل أو أزيد على أن الله تعالى عالٍ على الخلق وانه فوق عباده ). أهـ

ورحم الله ابن القيم حين قال في (( النونية ))(1/249 هراس (ألفا تدل عليه بل ألفان الأولى وذوق حلاوة القرآن فوق السماء مباين الأكوان لناجع التعطيل والهذيان إلى أن ترجعوا للوحي بالإذعان تحكيم تسليم مع الرضوان يا قومنا والله إن لقولنا عقلا ونقلا مع صريح الفطرةكل يدل بأنه سبحانه أترون أنا تاركون ذا كله يا قوم ما أنتم على شيء وتحكموه في الجليل ودقه

والمقصود أن الكوثري بتأويله هذا يجعل فوقيّة الله على خلقه في كلّ النصوص الواردة في الكتاب والسنّة بمعنى أنّه أفضل منهم منـزلة وأعلى قدراً، ولا شكّ أنّ هذا المعنى لو صرّح به في حقّ الله جلّ وعلا، لكان قبيحاً، فإنّ ذلك إنّما يُقال في المتقاربين في المنـزلة، وأحدهما أفضل من الأخر، أمّا من كان الفرق بينهما كالفرق الذي بين العبد وربّه، فممّا يُنـزه كلام النبيّ صلى الله عليه و سلم عنه، وكلام الله جلّ وعلا -بطريق الأولى- أن يجعل علامة صدق إيمان العبد، أو أن يرتب مدحاً أو ثواباً على مجرّد معرفته أنّ الخالق أعلى مكانة وأجلَّ قدراً من المخلوق، فإنّ هذا الأمر بديهي لا يحتاج إلى تأمّل، ويستقل العقل بإثباته، وحتى سفلة الناس وسقطهم وكافرهم ومؤمنهم يُثبته، فهل يقول مؤمن بعد هذا أن نصوص الكتاب المصرّحة بلفظ العلو والفوقيّة والاستواء هي فقط لإثبات علو القدر والمكانة، سبحانك هذا بهتانٌ عظيم

إذا قيل أنّ السيف أمضى من العصى ألم تر أنّ السيف ينقص قدره

ومما يُستدلُّ به أيضاً على بطلان هذا القول وردّه، هو حديث النـزول، فإذا كان العلو، علو قدرٍ ومكانة، فهل يقول الكوثري أنّ نـزوله جلّ شأنه إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير هو نـزول قدر ومكانة أيضاً؟؟- تعالى الله عمّا يقول أدعياء التنـزيه علواً كبيراً-.

فهذه جملة من شبه النفاة حول الحديث، والرّد عليها باختصار

وإليك أخي القارئ شيئاً من كلام أهل العلم وأئمته على هذا الحديث حتى تطمئن نفسك


يقولُ الحافظ ابن عبد البرّ-رحمه الله-في (( التمهيد ))(22/80)
معاني هذا الحديث واضحة، يستغنى عن الكلام فيها، وأمّا قوله: (( أين الله؟ )) فعلى هذا أهل الحق لقوله تعالى: } أمنتم من في السماء { ولقوله: } إليه يصعد الكلم الطيّب { ولقوله "تعرج الملائكة والـروح إليه " ومثل هذا في القرآن كثير ))؛ وانظر (7/128) فإنّه مهم.

ويقول -رحمه الله- في (( الاستذكار ))(23/167)
وأمّا قوله في هذا الحديث للجارية (( أين الله؟ )) فعلى ذلك جماعة أهل السنّة، وهم أهل الحديث ورواته المتفقهون فيه وسائر نقلته، كلّهم يقول ما قال الله في كتابه.. . ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التشبيه، والله المستعان، ومن قال بما نطق به القرآن، فلا عيب عليه عند ذوي الألباب.

ويقول الذهبي -رحمه الله- في ((مختصر العلو ))(ص/81)

ففي الخبر مسألتان: إحداهما: شرعية قول المسلم: أين الله؟. ثانيهما: قول المسؤول: في السماء، فمن أنكر هاتين المسألتين فإنّما يُنكر على المصطفى صلى الله عليه و سلم

ويقول الإمام الدارميّ -رحمه الله-في (( الردّ على الجهميّة ))(ص/175)
ونكفرهم أيضاً لأنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بـ (( أين؟ )) والله قد وصف نفسه بـ (( أين؟ )) فقال: "الرحمن على العرش استوى " ، "وهو القاهر فوق عباده " ، "إنّي متوفيك ورافعك إليّ " ، "يخافون ربّهم من فوقهم " ...فهذا كلّه وصف بـ (( أين؟ ))؛ ووصفه رسول الله صلى الله عليه و سلم بـ (( أين؟ )) فقال للأمة السوداء: (( أين الله؟ )) فقالت: في السماء، فقال: (( من أنا؟ )) قالت: رسول الله، قال: (( اعتقها فإنّها مؤمنة ))؛ والجهمية تكفر به، وهذا من واضح كفرهم، والقرآن كلّه ينطق بالردّ عليهم، وهم يعلمون ذلك، أو بعضهم، ولكنهم يكابرون ويغالطون الضعفاء، فقد علموا أنّه ليس من حجة أنقض لدعواهم من القرآن )). وانظر (ص/39)

ويقول شيخ الإسلام (4/62)
والجارية التي قال لها النبيّ صلى الله عليه و سلم ((أين الله؟ )) قالت: في السماء، قال: (( اعتقها فإنها مؤمنة ))، جارية أعجمية، أرأيت من فقهها وأخبرها بما ذكرته؟ وإنّما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها، وأقرّها النبيّ r على ذلك وشهد لها بالإيمان، فليتأمّل العاقل ذلك يجده هادياً لـه على معرفة ربّه بالإقرار به كما ينبغي، لا ما أحدثه المتعمقون المتشدقون ممّن سوّل لهم الشيطان وأملى لهم . أهـ

ويقولُ الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي بعد ذكره لحديث معاوية بن الحكم:
ومن أجهل جهلاً وأسخف عقلاً وأضلّ سبيلاً ممن يقول أنّه لا يجوز أن يقال: (( أين الله؟ )) بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله (( أين الله؟ )) ))أهـ.

وبعد؛ فهذه عقيدة أهل السنّة، وهذا كلام أئمتهم، فأيُّ عيب على من نطق بما في الكتاب والسنّة، مثبتاً ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه و سلم

والكلام في هذه المسائل يحتاج إلى تقعيد وتأصيل وإلى ذكر النظائر والأدلة و المقام لا يحتمل

والحمد لله رب العالمين.
ثم الله نسأل أن يتقبل هذا العمل فيكون لنا تقية من عذاب جهنم ،
وهو العلي العظيم ، آمين

يوسف التازي
11-01-15, 02:26 AM
حول خدر رجل ابن عمر





حول خدر رجل ابن عمر




تخريج الحديث
- الأدب المفرد - جزء 1 - صفحة 335
حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال : خدرت رجل بن عمر فقال له رجل اذكر أحب الناس إليك فقال محمد . و في بعض الطبعات "يا محمد"

- تهذيب الكمال - المزي ج 17 ص 143 :
أخبرنا به أبو الحسن ابن البخاري ، وزينب بنت مكي ، قالا : أخبرنا أبو حفص بن طبرزذ ، قال : أخبرنا الحافظ أبو البركات الانماطي ، قال : أخبرنا أبو محمد الصريفيني ، قال : أخبرنا أبو القاسم بن حبابة ، قال : أخبرنا عبدالله بن محمد البغوي ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : أخبرنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمان بن سعد ، قال : كنت عند عبدالله بن عمر ، فخدرت رجله ، فقلت له : يا عبد الرحمان ما لرجلك ؟ قال : اجتمع عصبها من هاهنا . قال : قلت : ادع أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد ، فانبسطت .

-مسند ابن الجعد- علي بن الجعد بن عبيد ص 369 :
حدثنا علي أنا زهير عن أبي إسحاق عن عمرو بن الحارث الهدي أخي جويرية بنت الحارث قال لا والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارا ابن درهما ابن عبدا ابن أمة ابن شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا تركها صدقة وبإسناده عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال رأيت قيس بن سعد بن عبادة على شط دجلة فتوضأ ومسح على خفين له من أرندج فرأيت أثر أصابعه على الخفين وبه عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال كنت عند عبد الله بن عمر فخدرت رجله فقلت له يا أبا عبد الرحمن ما لرجلك قال اجتمع عصبها من ها هنا قلت أدع أحب الناس إليك قال يا محمد فانبسطت

- الكلم الطيب )جزء 1 صفحة 173)
*عن الهيثم بن حنش قال :
كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك فقال : يا محمد فكأنما نشط من عقال

* وعن مجاهد قال :
خدرت رجل رجل عند ابن عباس رضي الله عنهما فقال له ابن عباس : اذكر أحب الناس إليك فقال : محمد صلى الله عليه وسلم فذهب خدره

- الأذكار النووية- يحيى بن شرف النووي ص) 305 باب ما يقوله إذا خدرت رجله )

روينا في كتاب ابن السني عن الهيثم بن حنش قال : " كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله ، فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكأنما نشط من عقال " ( 3 ) . 917 - وروينا فيه ( 4 ) عن مجاهد قال : " خدرت رجل رجل عند ابن عباس ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فذهب خدره (5)

- تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 31 ص 177 :
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن طلحة بن علي الرازي وأبو القاسم إسماعيل بن أحمد قالا أنا أبو محمد الصريفيني أنا أبو القاسم بن حبابة نا أبو القاسم البغوي نا علي بن الجعد انا زهير عن ابن ( 3 ) إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال كنت عند عبد الله بن عمر فخدرت رجله فقلت له يا أبا عبد الرحمن ما لرجلك قال اجتمع عصبها من ها هنا قال قلت ادع أحب الناس إليك فقال يا محمد فانبسطت

- الطبقات الكبرى - محمد بن سعد ج 4 ص 154 :
قال أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا سفيان وزهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال كنت عند بن عمر فخدرت رجله فقلت يا أبا عبد الرحمن ما لرجلك قال اجتمع عصبها من هاهنا هذا في حديث زهير وحده قال قلت ادع أحب الناس إليك قال يا محمد فبسطها


احتجاج الأحباش بهذه الرواية


احتج الأحباش بأن ابن عمر خدرت رجله فقيل له " أذكر أحب الناس إليك ، فقال " يا محمد " وزعم نبيل الشريف أن بعض المحرفين حذفوا ياء النداء من كتاب الأدب المفرد ([1]) . وهو مطالب بإثبات المخطوطة التي تثبت يا النداء من الكتاب المذكور.

وقد ذكر الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت الرواية وضبطها بدون ياء النداء وهذا الموافق لرواية سفيان، وهو من الحفاظ الأثبات، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ، وسواه غلط مردود. وطبع كتابه بدار نشر حبشية، ولكن بتحقيق شيخ حبشي اسمه أسامة السيد اضطر إلى التعقيب على ذلك ([2]) .
وفي كتاب الأذكار ضبط النووي رواية مجاهد بدون يا النداء، بخلاف رواية الهيثم بن حنش المثبتة ليا النداء.و الأحباش يقولون عن حديث الجارية في صحيح مسلم إنه مضطرب لاختلاف الالفاظ فيه بين (أين الله) وبين (أتشهدين أن لا إله إلا الله). وكان ذلك بدعة أحدثها الكوثري. فقولوا رواية خدر الرجل مضطربة لاختلاف الروايات فيها.

واذا رجعنا إلى النسخ المطبوعة والمحققة لكتاب " الأدب المفرد" وأهمها نسخة " فضل الله الصمد " التي قورنت بمخطوطات عديدة ،لن نجد لفظ النداء ، وحتى وجودها في بعض النسخ دون الأخرى يبطل الاحتجاج بها لاحتمال عدم ورودها في الأصل . وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فلا سندها مقطوع بصحته ولا ثبوت لفظ (يا) مقطوع بصحته .

ثم قول صالح آل شيخ (( قول ابن عمر : محمد ، بدون حرف النداء ، والشائع عند العرب كما سيأتي استعمال يا النداء في تذكر الحبيب ليكون أكثر استحضاراً في ذهن الخادرة رجله ، فتنطلق . ))
هذه مفاهيمنا : 45

وقول عبد الرحمن بن حسن بن قائد الريمي (( ولفظ رواية البخاري : اذكر أحب الناس إليك . فقال : محمد ، بدون (يا) النداء . وهي في رواية الباقين . ))
الوابل الطيب ورافع الكلم الطيب لابن القيم : 365 الفصل 52 ط دار عالم الفوائد

وقول عبد الرحمن الدمشقية (( وبقي الاختلاف حول الرواية التي عند البخاري في الأدب المفرد (964) حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال: خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك. فقال: محمد.
وهذه الرواية أصح سنداً من روايات ابن السني وغيره، وأفادت فوائد:
منها قول ابن عمر: محمد، بدون حرف النداء. ومنها؟ أن سفيان من الحفاظ الأثبات، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ وأما الروايات الأخرى فمردودة . ))
أحاديث يحتج بها الشيعة : 252

وقول الحويني الأثري (( أخرجه ابن السني في (اليوم والليلة) (169) ، من طريق محمد بن مصعب ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الهيثم بن حنش ، قال : كنا عند عبد الله بن عمر .. فذكره .
ومحمد بن مصعب هو القرقساني ، ضعيف . وقد خولف إسرائيل ، خالفه سفيان الثوري ، فرواه عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن سعيد قال : خدرت رجل ابن عمر ، فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : محمد .
أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) (964) ، قال : حدثنا أبو نعيم : ثنا سفيان به ، والثوري أثبت في أبي إسحاق من إسرائيل ، وعبد الرحمن بن سعد ثقة ، فهذا الوجه قوي .
وقد رواه أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق ، عن أبي سعد قال : كنت أمشي مع ابن عمر ، وذكر نحوه ، أخرجه ابن السني (167) ، والمعتمد رواية الثوري . والله أعلم . ))
الفتاوى الحديثية : 1/126

وقول سعد الشهراني (( قول ابن عمر : محمد بدون حرف النداء ، وهذا هو المثبت في أوثق طبعات الأدب المفرد والتي حقق أحدها الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ، والثانية التي حققها الشيخ فضل الله الجيلاني ، وذكر في مقدمتها أنه راجع عدة مخطوطات ومطبوعات لتحري ضبط النص .
وإن زعم تلميذ الحبشي نبيل الشريف أن بعض المحرفين حذفوا ياء النداء من كتاب الأدب المفرد . وعلى النافي الدليل فأين المخطوطة التي يثبت فيه ياء النداء من الكتاب المذكرة . ))
فرقة الأحباش : 295 ط دار عالم الفوائد

فهاهنا إشكالات حول أصل مصداقية الرواية لا يجوز تجاوزها ، علىالأحباش الإجابة عنها : فان تجاوزوها وقعوا في مشاكل أخرى منها :

1) التحقق من النسخة المخطوطة .

2) صحة السند إلى ابن عمر. وأن يكون متواترا بحسب الاشتراط الأشعري لقبول الرواية في العقائد .

3) أن هناك روايتين متضادتين إحداهما متضمنة لياء النداء والأخرى لا تتضمنها فيجب الترجيح بين الروايتين قبل المسارعة إلى الاحتجاج بواحدة منهما.

4) مخالفة هذه الرواية للقرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وللسنة " إذا سألت فاسأل الله ". بل ولقول الصحابة قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب " لا تسأل أحدا غير الله " ([3]) .

وقول الصحابي وفعله يجب أن يكون مقيدا بموافقة قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن خالفت هذين الأصلين وجب تركها ، وقد قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق " أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ". فلا نترك كتاب الله وسنة رسوله وفعل جمهور الصحابة لفعل فرد منهم ، هذا إذا ثبت ذلك عنه بسند صحيح .

5) هب أن ( يا ) دعاء لغير الله فماذا قال رب ابن عمر ورسول ابن عمر وابن عبد الله بن عمر ؟

لقد قال تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر " إذا سألت فاسأل الله " وقال " الدعاء هو العبادة " وهذه الآيات والأحاديث أصح سندا من رواية ابن عمر.

ولا يترك قول الله ورسوله لقول ابن عمر إلا متحيز عديم الإنصاف مفضل لكلام غير الله ورسوله على كلام الله ورسوله.

ومثل هذه الرواية إن صحت يجعلها الله فتنة للذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ولا ليهديهم سبيلا .

6) مخالفة الرواية لعمل جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوسلوا بعمه ، حيث أصيب المسلمون في عهده بالقحط والجدب ، فلو جاز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم لمجرد خدر الرجل فالاستغاثة به عند وقوع المجاعة أولى ، ولو كانت الاستغاثة عند الصحابة جائزة لأجازوا التوسل به صلى الله عليه وسلم . غير أن الثابت عند البخاري أنهم تركوا التوسل به بعد موته. ثبت ذلك بأدلة أصح إسنادا من الأسانيد المشكلة التي تتمسكون بها وأوضح متونا منها.

فكيف يترك الصحابة التوسل ويجيزون الاستغاثة ؟ وكيف تكون الاستغاثة به بعد موته جائزة عندهم وهم لم يجيزوا لأنفسهم التوسل به بعد موته وهو دون الاستغاثة !

7) أن ابن عمر أصيب بالعمى ولم يعرف عنه أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم فكيف يستغيث بالنبي لمجرد خدر الرجل ولا يستغيث به لما هو أعظم من خدر الرجل وهو ذهاب البصر، لو كانت الاستغاثة به جائزة لفعل .



تذكر المحبوب عند خدر الرجل

8) أن الرجل قال لابن عمر " أذكر أحب الناس إليك " فأمره بتذكره ولم يقل له : استغث بأحب الناس إليك . فقال " محمد " أو " يا محمد " أي يا محمد أنت أحب الناس إليَّ ، فكانت إجابة ابن عمر مطابقة لسؤال من أمره بتذكر أحب الناس إليه . وأما أن تكون استغاثة فجواب ابن عمر يكون غير مطابق لمن سأله أن يذكره ولم يسأله أن يدعوه مع الله .

ومن هذا الباب أوردها البخاري وابن تيمية وابن السني على فرض ثبوت لفظ النداء ، فلم يبن النووي ولا ابن علان ولا البخاري على رواية ابن عمر جواز الاستغاثة بغير الله ، وإنما كان شرح ابن علان للرواية دليلاً على بطلان تمويهاتكم كما سيأتي .



كيف فهم أهل العلم هذه الرواية

ذكر الحبيب عند الخدر كان أمراً شائعاً عند العرب ، وجاءت أشعارهم بهذه العادة الشائعة في استعمال ياء النداء عند تذكر الحبيب ، ويطلب به استحضار المنادى في القلب ، يستشفون بذكر الحبيب لإذهاب خدر الرجل ، فيقال لمن خدرت رجله تذكر أحب الناس إليك فيذكر اسمه لا على سبيل الاستغاثة به وإنما كما قال ابن علان "من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه من الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر ([4]) .

وروى ابن السني قول الوليد بن عبد الملك في حبابة :

أثيبى مُغرماً كلفاً محباً إذا خدرت له رجل دعاك ([5])

وقول جميل لبثينة :

وأنت لعيني قرة حين نلتقي وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي

وقول الموصلي :

والله ما خدرت رجلي وما عثرت إلا ذكرتك حتى يذهب الخَدَرُ

وقال أبو العتاهية :

وتخدر في بعض الأحايين رجله فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر

وقول آخر:

صبّ محبّ إذا ما رِجلُهُ خدرَت نادىَ كُبَيْشَةَ حتى يذهب الخدر

وقالت امرأة :

إذا خدرت رجلي دعوت ابنَ مُصعب فإن قلت : عبد الله أجلى فتورها

فإن كان هذا العمل صحيحاً فقد صححتم الجاهلية وزعمتم أن كل مشرك استغاث بحبيبته أغاثه حبيبه وان الله يرضى لجميل استغاثته ببثينة ، وهذا قمة الجهل المركب .


ما فهمه النووي من الرواية
وليس فيه ما يدل على جواز الاستغاثة بغير الله فإنه ذكر اسم المحبوب وليس دعاء له. وانظر قول النووي « وإذا طنت أذنه صلى على النبي وقال ذكر الله بخير من ذكرني وإذا خدرت رجله ذكر من يحبه» (المجموع 4/524). ما قال: استغاث به أو توسل به.
فالنووي يستعمل كلمة (ذكر) ثلاث مرات كلها متعلق بمجرد التذكر والاستحضار. وليس بمعنى الاستغاثة أو التوسل أو طلب الحاجة.
ومما يؤكد أن فهم النووي كان مجرد ذكر اسم المحبوب وليس الاستغاثة. ما قاله بعدما روى رواية ابن عمر:
« وروينا فيه عن إبراهيم بن المنذر الحزامي أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في صحيحه قال: أهل المدينة يعجبون من حسن بيت أبي العتاهية: وتخدر في بعض الأحايين رجله فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر» (الأذكار للنووي ص210).
مما يؤكد أن النووي لم يفهم من الأثر أن له علاقة بالتوسل لأنه أورد ما يقوله أبو العتاهية في شعره مما ثبت عن العرب في الجاهلية فعل مثله من ذكر اسم المحبوب عند خدر الرجل .
مما يؤكد أن النووي جرى في الرواية على فهم ما كان عليه العرب من تذكر اسم المحبوب وليس طلب الحاجة منه.
ولهذا قال: « وإذا طنت أذنه صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال ذكر الله بخير من ذكرني وإذا خدرت رجله ذكر من يحبه» (المجموع 4/524).
ما فهمه ابن علان من الرواية
وذكر اسم الحبيب عند الخدر كان أمراً شائعاً عند العرب، وجاءت أشعارهم بهذه العادة الشائعة في استعمال ياء النداء عند تذكر الحبيب، ويطلب به استحضار المنادى في القلب، يستشفون بذكر الحبيب لإذهاب خدر الرجل، فيقال لمن خدرت رجله تذكر أحب الناس إليك فيذكر اسمه لا على سبيل الاستغاثة به كما قال ابن علان: « من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه من الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر» (الفتوحات الربانية6/200).

ولهذا أن الرجل قال لابن عمر: « اذكر أحب الناس إليك » فأمره بتذكره ولم يقل له: استغث بأحب الناس إليك. فقال "محمد" أو "يا محمد" أي يا محمد أنت أحب الناس إلي. فكانت إجابة ابن عمر مطابقة لسؤال من أمره بتذكر أحب الناس إليه. وأما أن تكون استغاثة فجواب ابن عمر يكون غير مطابق لمن سأله أن يذكره ولم يسأله أن يدعوه مع الله.
ما فهمه ابن الجوزي
وقال ابن الجوزي (زاد المسير4/344).
« إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لُبنىَ باسمها ودعوت».
تأمل قوله (تذكرت) ثم ذكر النداء باسمها.
ما فهمه ابن السني
وذكر ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص321) قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك في حبابة :
أثيبي مغرما كلفا محبا .......... إذا خدرت له رجل دعاك
ومن هذا الباب أوردها البخاري وابن تيمية والنووي وابن علان وابن السني على فرض ثبوت لفظ النداء. فلم يبن النووي ولا ابن علان ولا البخاري على رواية ابن عمر جواز الاستغاثة بغير الله، وإنما كان شرح ابن علان لرواية دليلاً على بطلان تمويهاتكم.
فأنتم محجوجون بفهم العلماء وقد عهدنا مخالفينا يقولون دائما: لا نريد فهمكم، نريد فهم أهل العلم.
وها نحن نقول: هذا ما فهمه العلماء كالنووي وابن السني وغيرهم من الرواية مجرد الذكر أعني تذكر المحبوب بالاسم وليس الاستغاثة. فماذا يقول الأحباش؟


هل ( يا محمد ) لمجرد النداء ؟

أما زعمهم أننا نكفر المسلم الموحد لقوله ( يا محمد ) لمجرد النداء. فان الأنبياء كانوا ينهون عن دعاء غير الله كقول إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } وقصدهم الدعاء الديني الذي يدعى فيه غير الله لكشف ضر أو جلب نفع بدعوى التقرب بالولي إلى الله . ونحن إذ نتكلم عن الدعاء فإنما نعني به هذا ، لا مجرد دعاء الزوجة بإحضار الطعام ! فسحقا لمن يعتمد التمويه والتلبيس ليضل الناس بغير علم.

ونحن نشهد أن استعمال (يا) لمجرد النداء لا شرك فيه، وهو شبيه بقول المصلي " السلام عليك أيها النبي " أو للندبة كقول فاطمة رضي الله عنها لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبتاه : أجاب ربا دعاه، يا أبتاه : جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . وقول أبي بكر له لما مات: بأبي أنت وأمي "يا" رسول الله . وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل : يا أرض ربي وربك الله " .

فأنتم تعلمون أن النزاع معكم ليس في هذا ، وإنما في النداء المتضمن طلب دفع الكرب وقضاء الحوائج ، وهو الذي ننكره عليكم ، أما أن يكون كل نداء لمجرد النداء محرم وكفر عندنا : فان الله استعمل ( يا ) المنادى في حق محمد صلى الله عليه وسلم لمجرد النداء ، فإنه يقول له حين يسجد تحت العرش " يا محمد ارفع رأسك . . . " فهذا نداء لا نحرمه . ولا نحرم أن يقول القائل ( يا محمد صلى الله عليك ) وإنما نحرم نداء قضاء الحوائج وكشف الضر.

ياؤكم ليست لمجرد النداء

ولكن : هل حقا (ياؤكم) لمجرد النداء أم لحاجة ، تريدون من غير الله قضاءها ، وضر تريدون كشفه، ومدد تريدون مدكم به كقولكم : المدد يا رفاعي شيء لله يا جيلاني اقضً حاجتي ، لا تردنا خائبين ، نشكوا إليك حالنا تعطف تكرم تلطف تحنن !

ونداء غير الله لدفع مضرة أو جلب منفعة فيما لا يقدر عليه الغير دعاء ، والدعاء عبادة ، وعبادة غير الله شرك يؤدي إلى سخط الله ، قد شهد بذلك شيخكم الرفاعي حين ذكر في كتاب " حالة أهل الحقيقة مع الله ص 92 " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال : أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ فلماذا يغضب الرب ؟ أليس لأن الاستغاثة بغيره شرك به .


تغيير الصحابة ( أيها النبي) في التشهد بعد موته إلى (النبي)

وحتى مجرد النداء الذي ليس فيه استغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم قد تركه العديد من الصحابة، فقد ذكر ابن مسعود صيغة التشهد " السلام عليك أيها النبي... " ثم قال (وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض قلنا: السلام . يعنى: على النبي صلى الله عليه وسلم " (البخاري رقم 6265). وهم لا يغيرون شيئا علمهم صلى الله عليه وسلم إياه كما كان يعلمهم الصلاة إلا بتعليم منه صلى الله عليه وسلم .

قال الحافظ ابن حجر " وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون ( السلام عليك أيها النبي " بكاف الخطاب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات النبي تركوا الخطاب وذكروه بلفظ الغيبة فصاروا يقولون ( السلام على النبي ) ([6]) . قال " وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ " فلما قبض قلنا السلام على النبي " بحذف لفظ (يعني) .

قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده " إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير واجب فيقال : السلام على النبي " فتعقب ابن حجر السبكى فقال " قد صح بلا ريب. وقد وجدت له متابعا قويا: قال عبد الرزاق " أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي صلى الله عليه وسلم حي " السلام عليك أيها النبي. فلما مات قالوا: السلام على النبي " ( الفتح 2/ 314 ) كتاب الآذان : باب التشهد في الآخرة .

وقد حكى الزبيدي هذه العبارة عن الحافظ ابن حجر كاملة كما في إتحافه (3/ 161) فخذوه حيث حافظ عليه نص.

فهلا أجبتمونا عن سبب تركهم التوسل به بعد موته وتغيير صيغة السلام عليه ؟ . إن هذا يؤكد تقيد الصحابة في الألفاظ : فإذا كانوا تركوا لفظ الخطاب وهو دعاء له صلى الله عليه وسلم . فكيف يتلفظون بخطاب فيه دعاء إليه مع الله ؟ هذا مع عدم التسليم بأن السلام عليه دليل على الاستغاثة به ، فإنه كان يسلم على أموات المسلمين بهذا السلام وليس كل المسلمين أحياء في قبورهم يصلون كما هو الحال مع الأنبياء !


كيف يكيل الأشاعرة بمكيالين

ذكر السبكي حجة من يرون تحريم الشطرنج بما رواه أبو بدر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه سئل عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد. قال السبكي " إسناده صحيح ". لكن قول ابن عمر لا يتفق ومذهب السبكي وبما أنه لا يستطيع تضعيف إسناده لوى عنقه فقال :

" ورأي إمامنا الشافعي في قول الصحابي معروف ، وقول الصحابي حجة بشرط أن لا يعارضه قول صحابي آخر، وهذا قد عارضه ما رويناه فيما تقدم ... وهذه المسألة مسألة اجتهاد ، ولعل ابن عمر كان يذهب إلى التحريم. ثم إن هذا الأثر لم يقل " بظاهره " أحد من العلماء ... وإذا كان الأثر متروك " الظاهر " سقط الاحتجاج به " ([7]) .

فانظر كيف ردوا قول ابن عمر بما عارضه من أقوال الصحابة الآخرين : فهلا ردوا قول ابن عمر بما عارضه من فعل أبيه أمام جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتوسلوا بدعاء العباس في أمر هو أعظم من مجرد خدر الرجل ألا وهو وقوع الجفاف والجدب ؟

لكن الصحابة لم يستغيثوا به بل تركوا التوسل به بعد موته، وهذا إسناده أصح من إسناد قصة خدر رجل ابن عمر وعليه جماعة الصحابة الذين هم أولى بالأخذ من فعل فرد يخالفهم على فرض صحته وصحة الاستدلال به حيث إن الأثر لا يفيد الاستغاثة أصلا وإنما تذكر الحبيب كما قال له الرجل " أذكر أحب الناس إليك " .


هل ثبتت يا النداء في كلم ابن تيمية ؟

أما عن ورود لفظ النداء (يا محمد) في كتاب الكلم الطيب لابن تيمية ، فقد صرح الألباني بأنه آثر إيرادها حرصا على الأمانة العلمية لأنه وجدها في بعض المخطوطات دون البعض الآخر، فطرأ الشك في صحة نسبتها إلى مؤلفها، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .

فالرواية رواية سفيان ، وهي التي لم تتضمن لفظ النداء أصلا. وقد استغل الذين في قلوبهم زيغ هذا المحتمل المتشابه فتجاهلوا ما صرح به الألباني من أنه وجد لفظ النداء مثبتا في بعض المخطوطات دون بعض .

· أما إلزامنا بتكفير ابن تيمية على فرض صحة إثبات ( يا ) النداء ، فليست الياء للاستغاثة بل لذكر المحبوب ، ثم على افتراض زلة ههنا فكتبه مملوءة في النهي عن الاستغاثة بغير الله مما يؤكد أنه لم يفهم من ( يا ) النداء بمعنى الاستغاثة .

ثم منذ متى يُكفّر من يروي المناكير والغرائب ؟ هذه كتب السنن تحوي الروايات الموضوعة المخالفة لأصول العقائد كحديث " إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد " (رواه أحمد في السنة 1/301 والخطيب في تاريخه 1/295 ) . فقد تتضمن كتب المحدثين روايات لا تمثل بالضرورة موافقتهم لها، فهذا مسند أحمد نجد فيه يروي في مسنده رواية تجيز الاستعاذة بغير الله وهي قول حسان البكري " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد " غير أن البخاري والخطابي رويا عنه ما يخالف ما تضمنه مسنده قال الخطابي " كان أحمد يحتج لحديث "أعوذ بكلمات الله التامات " بأن النبي لا يستعيذ بمخلوق " ([8]) . ولو كان كل من يروي شيئاً من ذلك كافراً لحكمنا بكفر أحمد والبيهقي وغالب المحدثين .

ثم نحن لا نكفر كل من زلت قدمه ، فقد يقول المؤمن كفراً ولا يكفر به ، فإن نسبة الاستيلاء إلى الله عندنا كفر ولكننا مع ذلك لم نكفركم لأننا نعتقد أنكم تجهلون حقيقة ما تؤول إليه هذه الكلمة في حق الله ، ونكل الباقي إلى الله الذي له الأمر من قبل ومن بعد . ومن زيغكم وتحيزكم وجدلكم أنكم تتحاشون حقيقة أن ابن تيمية من أبرز من قاوم المستغيثين بغير الله وردهم وأفحمهم وقد كتب في ذلك كتابا بعنوان " الاستغاثة " حرم فيه الاستغاثة بغير الله .

· ولو أننا نكفر كل من زلت قدمه لسارعنا إلى تكفير الغزالي القائل " ليس في الإمكان أفضل مما كان " وتكفير الجويني الذي صرح في البرهان بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات . وكذلك الحليمي كما نقله السبكي عنهما ([9]) مما أدى بالإمام المازري إلى الطعن فيه والتشنيع به غاية التشنيع وصرح بأنه سهل على الجويني ركوب هذا المذهب : إدمانه النظر في مذهب أولئك يعني الفلاسفة . ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله تخفى عليه خافية " .

ولحكمنا بكفر القشيري الذي استحسن قول من زعم أن الله يكنس المزابل ([10]) . وبكفر ابن فورك الذي استحسن رواية أن الله يقعد النبي صلى الله عليه وسلم معه على العرش ([11]) . وبكفر ابن الخطيب الذي استحسن رواية هذه الرواية ([12]) .


زعموا أنه لا يؤخذ بخبر الواحد في العقائد

ولا يحق لهؤلاء أن يحتجوا بأمثال هذه الرواية ولو كانت صحيحة ، لأنهم أشاعرة ، والأشاعرة اشترطوا شرطاً زائداً على مجرد صحة الرواية : وهو أن تكون الرواية متواترة لأنهم لا يقبلون خبر الآحاد في أمور العقائد حتى وإن كان في البخاري !

وهكذا شهدوا بنقض أصل من أصولهم - لطالما ينقضونه - وهو أن لا يحتجوا في العقائد إلا :

1) ما كان مقطوعاً به من السند .

2) ما كان ثابتا بطريق المتواتر فإن الأخذ بخبر الواحد عند الأشاعرة ممنوع في العقائد . وأنت ترى كثيراً مما يحتجون به في مسائل العقائد هو دون المتواتر بل دون الصحيح .


استعراض طرق الحديث

ولنستعرض لكم الآن سند هذه الرواية عن ابن عمر: أما الروايات عند ابن السني فضعيفة بالاتفاق معهم ([13]) .

وبقي الاختلاف حول الرواية التي عند البخاري في الأدب المفرد (964) حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال : خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل : أذكر أحب الناس إليك . فقال: محمد .

وهذه الرواية أصح سنداً من روايات ابن السني وغيره ، وأفادت فوائد :

منها قول ابن عمر : محمد ، بدون حرف النداء . ومنها ؟ أن سفيان من الحفاظ الأثبات ، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ وأما الروايات الأخرى فمردودة .


الرواية عن أبي اسحق السبيعي

تدليسه :

ولكن في الرواية أبو اسحاق السبيعي ، وهو ثقة ولكنه مدلس ، وقد عنعنه عن هذا المجهول ، ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين ([14]) وابن حبان والكرابيسى وأبو جعفر الطبري ([15]) ، قال شعبة " لم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث " ([16]) " يعني أنه كان يدلس . قال " ولم يسمع من أبي وائل إلا حديثين " ([17]) . قال العجلي " والباقي إنما هو كتاب أخذه " وعدّ جماعة ممن روى عنهم ولم يأخذ منهم ([18]) وذكره ابن الصلاح في مقدمته (ص 353) في المدلسين والحافظ العراقي في التقييد (ص 445) وابن حبان في الثقات ( 5 / 177 ) والحاكم في معرفة علوم الحديث (105) والنسائي (ميزان الاعتدال 1 / 360 ) والعلائي في جامع التحصيل (ص108)


اختلاطه :

ناهيك عن أنه قد اختلط ، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبى شعبة ( أو أبي سعيد ) وتارة عن عبد الرحمن بن سعد وهذا اضطراب يرد به الحديث. بل رماه الجوزجاني بالتشيع من رؤوس محدثي الكوفة ، وعن معن قال " أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق يعني للتدليس ، وروى عن أناس لم يعرفوا عند أهل العلم إلا ما حكى هو عنهم . فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقف أولى " ([19]) .


نفي اختلاط السبيعي مردود

أما نفي الأحباش اختلاط أبي اسحاق السبيعى ([20]) واحتجاجهم بنفي الذهبي عنه الاختلاط :

ا) فقد أثبت الحافظ ابن حجر اختلاط أبى إسحاق السبيعي كما في التقريب وبرهان الدين الحلبي في رسالته الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط ([21]) .

فخذه أيها الحبشي حيث حافظ عليه نص .

2) وأثبت ابن الكيال اختلاطه في كتابه الذي أسماه " الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقاة " وقد حققه صاحبكم كمال الحوت ولم يعلق على إدراجه في جملة المختلطين ([22]) .

3) وأثبت اختلاطه الحافظ ابن الصلاح ، حكاه عنه ابن الكيال .

4) وحكى الجوزجاني أنه واحد ممن لا يحمد الناس مذاهبهم ([23]) .

5) أن الرواية التي جاءت من غير يا النداء أصح من هذه التي ورد فيها عدة علل أهمها الجهاله والاضطراب ، وفيها من اختلف في توثيقه كالسبيعي ، فإننا لو سلمنا في توثيقه فلن نسلم في تصحيح سند تضمن الجهالة والاضطراب.


تناقض الأحباش في الاعتماد على الذهبي دون العسقلاني

وأما احتجاجهم بالذهبي فهو منهم عجيب !

* أونسيتم معشر الأحباش قول شيخكم في الذهبي أنه خبيث ، ثم تعجب من الحافظ ابن حجر كيف سلّم له حكمه على الرجال بجرح أو تعديل ؟ فكيف سلّمتم للذهبي في هذا الموضع وأعرضتم عن الحافظ ابن حجر الذي أثبت الاختلاط ؟

* أونسيتم أن شيخكم انتقد الذهبي واتهمه بالتساهل في رواية الحديث وأنه يأتي بأحاديث غير ثابتة وآثار من كلام التابعين من غير تبيين من حيث الإسناد والمتن ([24]) . فكيف طرأ هذا التبديل في موقفكم حتى صار قول الذهبي مقدماً على قول الحافظ ابن حجر ؟

* وقد نهى شيخكم عن الأخذ بتصحيحات الحاكم إلا أن يوافقه الذهبي ([25]) غير أنه عند الحاجة إلى حشو الأدلة لإثبات بدعته يقدم الحاكم على الذهبي كما فعل في حديث " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي ... " حيث تمسك بقول الحاكم " صحيح " وتجاهل تعقيب الذهبي عليه " بل موضوع " ! أليس هذا كيلاً بمكيالين وتذبذبا في المنهج ؟!

وإذا كانت شهادة الذهبي في السبيعي حجة عندكم :

- فخذوا بشهادته في الرفاعية حيث شهد بأنه " قد كثر الزغل في طائفة الرفاعية ، وتجددت لهم أحوال شيطانية من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات " ([26]) .

- وخذوا بشهادته في لعن من تخرج متطيبة إذ قال " ومن الأفعال التي تُلعَن عليها المرأة إظهار الزينة . . . وتطيبها بالمسد والعنبر" ([27]) .

- وخذوا بشهادته في ابن فورك أنه كان يقول إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قد بطلت بعد موته وليس هو رسول الله ([28]) . لأن الصفة عرض والعرض لا يبقى زمانين . مع أنكم رفضتم شهادته في ابن فورك ([29]) .

وإذا كان السبيعي عندكم عدلاً فخذوا بروايته " إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد " ([30]) فأثبتوا أن الله يجلس على العرش . أما نحن فنضعف كلا الروايتين .

وحين نفى الذهبي الاختلاط عن السبيعي أثبت له سوء الحفظ فقال " لما وقع في هرم الشيخوخة نقص حفظه وساء ذهنه وما اختلط " وفي لفظ آخر " شاخ ونسي ولم يختلط : وقد تغير قليلاً " ثم نقل عن الإمام الفسوي أن بعض أهل العلم قالوا : كان قد اختلط ، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه ([31]) .

لكن لصوص النصوص بتروا نص الذهبي ولم يكملوا كلامه المثبت لسوء حفظ أبي إسحاق وتغيره ، كل ذلك من أجل تعديل رواية تميل إليها أهواؤهم ، وهذا ليس من الأمانة العلمية .

4) فشيخكم لا يرى الاحتجاج بحكم الذهبي ، لكنكم مضطرون لفعل أي شيء يرجح صحة رواية ابن عمر فاحتججتم بالذهبي وتخليتم عن الحافظ ابن حجر وعما نقله عن نقاد آخرين تكلموا في أبي إسحاق كابن حبان والجوزجاني ... ومعلوم أنه من تُكُلمّ فيه بجرح وتعديل قدم الجرح على التعديل بشرط تبيين الجرح .

فهل لكم في روايات أصح سنداً من هذه لا خلاف حول قطعية أسانيدها كرواية عمر في العدول عن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم والتوسل بعمه العباس لحسم النزاع بيننا ؟ إذ الرواية عن ابن عمر لم تصح . ونسبة ياء النداء ليست قطعية السند ، فما هذه العقيدة التي لا تستند على القطعي بل تتمسك بكل متشابه ؟ هل هذا إلا خُلُق الزائغين ؟ أنظر كيف يشتغل هؤلاء بالضعيف والمكذوب من الحديث لمحض التشويش ، ويكفرون مخالفهم لهذا المنهج المهترئ الذي يجتنب الصحيح الصريح ويتعلق بالموضوع والواهي والضعيف من الروايات



الشيخان رويا للسبيعي!!


قد يقول قائل : ألست تقر بأن السبيعي من رجال الشيخين ؟ فكيف تضعفه هنا ؟

* أن السبيعي ثقة روى له البخاري ومسلم ولكنهما رويا لمن هو أوثق منه ما يخالف روايته ، فتكون روايته شاذة – على فرض إفادتها جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته – لمعارضتها الرواية الأصح سنداً والمتفق على صحتها والتي أفادت ترك الصحابة التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وقد اجتمعت في رواية السبيعي عدة علل منها الاضطراب والتدليس والاختلاط ، فلم لا يحكم عليها بعد ذلك بالشذوذ ؟ لاسيما وأن الرواية المخالفة لها خالية من هذه العلل :

فليس من التجرد للحديث الميل إلى الرواية الأضعف لمجرد موافقتها المذهب .

* فالسبيعي ثقة ولكنه مدلس ومختلط ، وإذا ثبت عنعنته وتدليسه أو تخليطه أثناء روايته حكم بضعفها وقبل من رواياته ما تجرد عن الاختلاط والتدليس .. ومن كان ثقة ولكن بقيود فليس من الإنصاف أن يطلب منا توثيقه بإطلاق ، فإن البخاري ومسلماً لم يرويا عنه " في صحيحيهما بإطلاق " بخلاف ما فعله البخاري في الأدب المفرد حيث لم يشترط فيه الاقتصار على الصحيح من الروايات .

* أن الذين يعترضون على كلامنا في أبي إسحاق – مع توثيقنا له – يكيلون بمكيالين فإن شيخهم الكوثري قد طعن في سعيد بن أبي هلال وهو من رجال البخاري وطعنوا في عبد الله بن نافع .

* أن طريقة الأحباش في العديد من الروايات هي رد الصحيح إذا جاء مخالفاً : فقد رد شيخهم حديث الصوت وهو عند البخاري في صحيحه ولم يقبل سعيد بن أبي هلال في حديث الرجل وهو في صحيح البخاري ، ولم يقبلوا حديث الجارية وطعنوا فيه وزعموا أنه مضطرب الإسناد وهو في صحيح مسلم ، وردّوا حديث " الراحمون يرحمهم الرحمن " المتفق على صحته برواية ضعيفة عند النسائي " ارحموا أهل الأرض ".

وردوا حديث ابن عباس عند مسلم في طلاق الثلاث وحكم شيخهم على الرواية بالشذوذ ، واقفاً منها موقف السبكي من رواية ابن عمر في حكم الشطرنج .

* فلماذا الكيل بمكيالين ؟ ومن الذي يتناقض؟ إنهم الأشاعرة المتفاخرون بعلم الكلام الذي يودي إلى الشك والريبة والتردد كما جاء في الفتح (13/350) للحافظ ابن حجر " وقد أفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك ، وببعضهم إلى الإلحاد " ، قال " وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدّوه ذريعة للشك والارتياب " .

وحكى الغزالي في المنقذ من الضلال ( ص14) تجربته الفاشلة مع علم الكلام فقال "لم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لمرضي الذي كنت أشكو منه شافياً .. ولم يكن من كلام المتكلمين إلا كلمات ظاهرة التناقض والفساد " .


___________________________________________

([1]) - شريط مجالس الهدى الوجه الأول ( 430 ) .

([2]) - الكفاية لذوي العناية تحقيق أسامة السيد 184 مؤسسة الكتب الثقافية .

([3]) - حلية الأولياء 2 / 194 سير أعلام النبلاء 4 / 463 .

([4]) - الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 6 / 200 لابن علان ط : دار إحياء التراث .

([5]) - وانظر بلوغ الأرب 2 / 320 – 321 .

([6]) - فتح الباري 11 / 56 كتاب الاستئذان : كتاب الأخذ باليد .

([7]) - طبقات السبكي 4 / 342 محققة . وهكذا تكون نهاية كل نص لا يوافق مذهبهم : يتعرض لعملية انشطار تقسمه قسمين : ظاهر ، وباطن .

([8]) - فتح الباري 6 / 410 والإنصاف للمرداوي 2 / 456 .

([9]) - أنظر طبقات السبكي 5/193-196 و 200-201 محققة .

([10]) - الرسالة القشيرية 128 .

([11]) - مشكل الحديث وبيانه 391 .

([12]) - تاريخ بغداد 8/52 .

([13]) - الرواية رقم ( 170 ) فيها محمد بن مصعب القرقسائي " ضعيف " قال " قال عنه يحي بن معين : ليس بشيء لم يكن من أصحاب الحديث وكان مغفلاً وقال النسائي : ضعيف ، وقال بن حبان : لا يجوز الاحتجاج به " ( العبر للذهبي 1 / 279 وتهذيب التهذيب 9 / 458 ) وأما الرواية رقم ( 169 ) ففيها غياث بن ابراهيم " كذاب " " كان يضع الحديث " ( لسان الميزان 4 / 490 الكامل لابن عدي 6 / 2036 ) والهيثم بن حنش مجهول العين ، قال الخظيب في ( الكفاية ص 88 ) المجهول عند أصحاب الحديث كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ، ولا عرفه العلماء به ، وذكر منهم الهيثم بن حنش ) .

([14]) - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص 101 ترجمة رقم ( 91 ) ط : دار الكتب العلمية وانظر كتاب التبيين لأسماء المدلسين لبرهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي ص 160 ترجمة رقم ( 58 ) .

([15]) - تهذيب التهذيب 8 / 66 .

([16]) - سير أعلام النبلاء 5 / 398 تهذيب التهذيب 8 / 65 .

([17]) - تهذي بالتهذيب 8 / 66 .

([18]) - تاريخ الثقات ص 366 تحقيق عبد المعطي قلعجي .

([19]) - تهذيب التهذيب 8 / 66 .

([20]) - مجلة منار " الهدى " ط26 / 22 .

([21]) - تقريب التهذيب ( 639 ) وانظر مقدمة فتح الباري ص 431 والاغتباط ص 87 ترجمة رقم ( 85 ) ط : دار الكتاب العربي .

([22]) - الكواكب النيرات ص 84 ط : دار الكتب العلمية .

([23]) - أحوال الرجال 79 ( 102 ) .

([24]) - إظهار العقيدة السنية 97 .

([25]) - قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في أسنى المطالب ص 573 بأن الحاكم متساهل في التصحيح ونقل عن المناوي تعقب الذهبي لكثير من تصحيحات الحاكم .

([26]) - العبر في خبر من غبر 3 / 75 .

([27]) - الكبائر ص 102 الكبيرة الثامنة والعشرون .

([28]) - سير أعلام النبلاء 6 / 83 و 17 / 216 .

([29]) - مجلة منار الهدى 44 / 53 .

([30]) رواه أحمد في السنة 1/301 حديث رقم (585) .

([31]) ميزان الاعتدال ترجمة رقم ( 5335 و 6393 ) .

يوسف التازي
11-01-15, 02:26 AM
اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا





يحتج الأحباش على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث انس : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون

فيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر رضي الله عنه إنما كان بجاه العباس رضي الله عنه، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كان مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون.

وأما سبب عدول عمر رضي الله عنه عن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم - بزعمهم – وتوسله بدلاً منه بالعباس رضي الله عنه ، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.

وفهمهم هذا خاطىء، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة اهمها:


- 1 إن القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا.. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئاً محذوفاً، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بــ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بــ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بــ (دعاء) نبينا، وإنا نتوسل إليك بــ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن.

ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.

ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي صلى الله عليه وسلم .

ترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في دراه، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعوا ربهم قائلين: (اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث). مثلاً أم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ذاته فعلاً، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق صلى الله عليه وسلم طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟

أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقاً في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين أن يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني، إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم ، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليس غير.

ويرشد إلى ذلك قوله تبارك وتعالى: ï´؟وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ï´¾ - النساء:64


- 2 وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس , موظف مثلاً، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالباً. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.

وهكذا فالتوسل إلى الله عز وجل بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به سبحانه وتعالى، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا) أي: كنا إذ قل المطر مثلاً نذهب إلى صلى الله عليه وسلم ، ونطلب منه ان يدعو لنا الله جل شأنه.


- 3 ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر رضي الله عنه: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، أي إننا بعد وفاة نبينا جئنا بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.

تُرى لماذا عدل عمر رضي الله عنه عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه، مع العلم ان العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يذكر أمام شأن النبي صلى الله عليه وسلم ومقامه؟

أما الجواب فهو: لأن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فأنى لهم أن يحظوا بدعائه صلى الله عليه وسلم وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه }وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ- {المؤمنون:100

ولذلك لجأ عمر رضي الله عنه، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس رضي الله عنه، لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية آخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ممكناً، وما كان من المعقول ان يقر الصحابة رضوان الله عليهم عمر على ذلك أبداً، لأن الانصراف عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعرفون قدر نبيهم صلى الله عليه وسلم ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد.

فتعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد والفواقر، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. وأمر آخر نقوله جواباً على شبهة أولئك، وهو: هب أن عمر رضي الله عنه خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بالتابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضاً؟ لا شك أن هذا ضرب من التمحل والتكلف لا يحسدون عليه.


- 4 إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما أمراً جديراً بالانتباه، وهو قوله: (إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبدالمطلب)، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس رضي الله عنهما، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بعمه رضي الله عنه، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل العلم والانصاف.


- 5 لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس رضي الله عنه استجابة لطلب عمر رضي الله عنه، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني رحمه الله في "الفتح" (3/150) حيث قال: قد بين الزبير بن بكار في "الأنساب" صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس

وفي هذا الحديث:

أولاً: التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديداً.

ثانياً: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا صلى الله عليه وسلم في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين للقارىء – مما يأتي – أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم إنما كان توسلاً بدعائه صلى الله عليه وسلم فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضاً، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.

أما أن توسلهم به إنما كان توسلاً بدعائه، فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: (كانوا إذ قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر...) فذكر الحديث، نقلته من "الفتح" (2/399)، فقوله: (فيستسقي لهم) صريح في أنه رضي الله عنه كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى، ففي "النهاية" لابن الأثير (2/381) : الاستسقاء، استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم، واستقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك

إذا تبين هذا، فقوله في هذه الرواية (استسقوا به) أي بدعائه، وكذلك قوله في الرواية الأولى: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي بدعائه، لا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث إلا هذا ويؤيده :

ثالثاً: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل به صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعاً، فعدول عمر عن هذه إلى التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه أكبر دليل على أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما رأيت في توسل معاوية بن أبي سفيان والضحاك بن قيس بيزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.

فهل يجوز أن يجمع هؤلاء كلهم على ترك التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم لو كان جائزاً، سيّما والمخالفون يزعمون أنه أفضل من التوسل بدعاء العباس وغيره؟!

اللهم إن ذلك غير جائز ولا معقول، بل إن هذا الإجماع منهم من أكبر الأدلة على أن التوسل المذكور غير مشروع عندهم، فإنهم أسمى من أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير

يوسف التازي
11-01-15, 02:29 AM
اصول اعتقاد اهل السنة والجماعة

http://ar.islamway.net/collection/3852/%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%AF-%D8%A3%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9

التوحيد واثبات صفات الرب عز وجل

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=lecview&sid=1152&read=1&lg=794

يوسف التازي
11-01-15, 02:31 AM
العقيدة الحقة

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=344582

سبحان الله الحمد لله لا اله الا الله الله أكبر لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الحمد لله رب العالمين

يوسف التازي
11-01-15, 02:56 AM
الفصل السادس
الأحباش

المبحث الأول
التسمية والنشأة



تعتبر فرقة الأحباش فرقة معاصرة تنسب إلى مؤسسها الشيخ عبد الله بن محمد الهرري المعروف بالحبشي نسبة إلى الحبشة، وأما الهرري فهي نسبة إلى هَرَر، وهي مدينة تقع في أفريقيا، يحدها من الشرق الصومال، ومن الغرب الحبشـة، ومـن الجنوب كينيـا، ومـن الشمال الشرقي جمهورية جيبوتي، وعندمـا احتُلّت الصومـال قُسمت إلى خمسة أجزاء، فكان إقليم الصومال الغربي " هرر " من نصيب الحبشـة وذلك سنـة 1304هـ، سنة 1887م؛ ولذلك أُطلق عليهم - أيضاً - اسم " الهررية " .

ولد الحبشي في مدينـة هرر سنـة 1339هـ ، سنة 1920م في بيت محب للعلم فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، كما تلقى علوم اللغـة والفقـه على يـد والده وبعض أقربائـه، واتجـه إلـى الطرق الصوفيـة فأخـذ الإجازة بالطريقـة الرفاعيـة مـن الشيـخ عبـد الرحمن السبسبي الحموي، والشيخ طاهـر الكيالي، والإجازة بالطريقـة القادريـة مـن الشيخ أحمد العربيني والشيخ الطيب الدمشقي([1]) .

لقد اتصف عبد الله الهرري، بأنه رجل شديد الخصومة لمخالفيه حتى ممن سبقه من علماء السلف الصالح، وهذا يتضح من مهاجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث أخذ يبث الفتنة بين أتباع علماء السلف ومخالفيهم مـن الصوفيـة وغيرهـم، حتـى أصبـح يُلقـب بشيخ الفتنة، يقول عبد الرحمن دمشقية: " إنه أتى من بلد يبغضه أهلها حتى صاروا يلقبونه " بشيخ الفتنـة " حسب شهادة بعض أقارب الحبشي؛ وذلك لمساهمتـه في فتنـة (كُلُب) في بلاد هرار بإيعاز من أهل أديس أبابا، حيث تعاون مع أعداء المسلمين وبالتحديد حاكم (أندارجي) صهر (هيلا سيلاسي) ضد الجمعيـات الإسلامية وتسبب في إغلاق مدارس الجمعيـة الوطنيـة الإسلاميـة لتحفيظ القرآن بمدينـة هـرر سنـة 1367هـ سنة 1940م، وصدر الحكم على مدير المدرسة (إبراهيم حسن) بالسجن ثلاثاً وعشرين سنـة مع النفي، وبالفعل تم نفيه إلى مقاطعة (جوري) طريداً سجيناً وحيداً حتى قضى نحبـه بعد سنوات قليلـة . ثـم انتهـى الأمر بتسليم الدعـاة والمشايخ إلى هيلا سيلاسي وإذلالهم، ومنهم من فر إلى مصر والسعوديـة واستقـر بهـا .

وسبب هذا التعاون بين الحبشي وبين السلطة ضد القائمين على مدارس تحفيظ القرآن اتهامـه لهم أنهم ينتمون إلى العقيدة الوهابية، ولا يزال التاريخ يذكر له فتنـة (كُلُب) التي كـان مـن نتائجهـا إغلاق مدارس تحفيظ القرآن، ونفي الدعـاة والمشايخ وسجنهم، وبسببها أطلق الناس هناك على الحبشي صفة (الفتّان) أو ( شيخ الفتنة) "([2]) .

ترك الحبشي مسقط رأسه متوجهاً إلى لبنان سنة 1370هـ، سنة 1950م، فاستُقبل وهُيأ له الإقامة على كفالة دار الفتوى في بيروت ليتنقل بين مساجدها مقيماً الحلقات العلمية والمحاضرات وذلك بإذن خطي([3]) .

ولكن الحبشي على عادته في بث الأحقاد ونشر الفتن استغل بساطة الناس في لبنان وحبهم للدين فأخذ يملأ قلوبهم غيظاً على خصومه من المشايخ والعلماء ويُزَوّر كلامهم، مسلطاً لسانه عليهم فكفّر الشيخ الألباني وابن باز، ورمى ابن تيمية بالكفـر والردة والزندقـة، وأمر بإحراق كتبـه، ووصف الإمـام الذهبي بأنه خبـيث والشيخ سيد سابق بأنـه مجوسي، كما لعـن سيد قطب، وأثنى هـو وأتباعه على عبد الناصر لأنه شنقـه، وفي المقابل نجده وأتباعه يوالون غير المسلمين ويساعدونهم في ضرب المسلمين، والدعاة إلى الله، وعند سؤالهم عن ذلك يقولون: هذا ذكاء وليس موالاة للكفار([4]) .

لقد نجح الحبشي في تخريج مجموعات كبيرة من المتعصبين الذين لا يرون مسلماً إلا من أعلن الإذعان والخضوع لعقيدة شيخهم، مما دفعهم إلى إيذاء الدعاة بالضرب والحكم على مخالفيهم بالكفر، والاعتداء على المساجد، وهذا أدى إلى تنفير العامة من الإسلام، حيث يقول عبد الله الشامي: " وما أكثر ما سمعته من كثير من عوام الناس؛ وذلك قولهم: " إذا كان هكذا هو الدين فإني لا أريده " وقول الأكثر التزاماً: " لقد أصبحت المساجد موضع الجدل والخصام والعداوة، لذا فإني سأكتفي على الصلوات في بيتي ولن أقرب من هذه المساجد ثانية … وليس هذا غريباً فالأحباش يثيرون الخصومات والجدل في المساجد، ويفسقون ويكفرون الكثيرين من الأئمة فيها، وينادون فيها بفسوق العالم الفلاني وكفر العالم الفلاني … وهكذا حتى لا يكاد يسلم من ألسنتهم " قاذفات التكفير " عالم واحد، وقلما ينجو منها بعضهم إلاّ من كان موافقاً لهواهم أو مهادناً "([5]) .

كما أنهم وجهوا سهامهم إلى الحركات الإسلامية فأطلقوا عليها لقب الأصولية وهو أحد شعارات اليهود والنصارى ضد الإسلام والمسلمين، حيث يقول النائب البرلماني في لبنان عن الأحباش عدنان الطرابلسي: " نحن في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية نخالف حزب الإخوان الهدّام، فلسنا أصوليين بالمعنى السلبي، إننا لسنا مع الأصولية السلبـية، هذه الأصولية المزعومة المراد منها الكرسي والزعامـة والتخريب، لا لهذه الأصولية التي تكفر حكام العرب المسلمين

لمجرد أنهم حكموا بالقانون من غير أن يعتقدوا أن القانون خير من القرآن "([6]) .

بل إن مرشحهم الآخر " طه ناجي " كان يتنقل بين مدن شمال لبنان النصرانية، إهدن وبشرى وزغرتا، وكان يعد النصارى بالقضاء على الأصولية الإسلامية ويحثهم على إعطائه أصواتهم ومنحه ثقتهم . ويؤكد هذا ما قاله عدنان الطرابلسي، بأن الأحباش قد أعطوا أصواتهم للمسيحيين أثناء انتخابات لبنان، كما أن المسيحيين بادلوهم هذه المودة فأعطوا (16000) صوتاً من أصواتهم لطه ناجي مرشح الأحباش في الشمال لكنه فشل في الانتخابات([7]) .

إن الأحباش في دورهم هذا يشبهون الخوارج، حيث يكفرون علماء الإسلام ويحاربون المسلمين ويتسامحون مع النصارى والصليبيين، بل ويتبادلون معهم أصوات الانتخابات !!! .

وللحبشي العديد من الكتب ومنها :

1- المقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية : وفي هذا الكتاب يحكم بكفر الإمام ابن تيمية وزيفه وخبث عقيدته، وقد تعمد الكذب عليه والافتراء بأقوال لم يقلها الإمام ابن تيمية .

2- التعقيب الحثيث : رد فيه على الشيخ الألباني رحمه الله وكفره لمجرد فتواه ببدعة التسبيح بالمسبحة .

3- النهج السوي في الرد على سيد قطب وتابعه فيصل مولوي : يحكـم فيه بكفـر سيـد قطب؛ لقوله بأن من احتكم إلى غير شريعة الله بأنه كافر، كما يحكم بكفر المولوي لفتواه بالنهي عن الاختلاط بالنساء وعن السفر إلى بلاد المشركين من غير ضرورة وعن النظر إلى المرأة الأجنبية .

4- الدليل القويم على الصراط المستقيم .

5- بغية الطالب في معرفة العلم الديني الواجب .

6- إظهار العقيدة السنية شرح الطحاوية([8]) .

لقد نشط الحبشي وكثر المتخرجون على عقيدته وفكره، فبرز منهم أناس جدليون على نسق أهل الكلام الأوائل أمثال العلاف والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، وقد كان تركيزهم على علماء أهل السنة وخاصة الإمام ابن تيمية حيث كتب أتباع الحبشي عدة كتب ترد على الإمام ابن تيمية ومنها الرسائل السبكية في الرد على ابن تيمية، وكتاب التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني، وهذه الكتب مليئة بالكذب والتلفيق على الإمام ابن تيمية رحمه الله .

انطلق أتباع الحبشي وهم يطرقون بيوت الناس، ويلحون عليهم تعلم العقيدة الحبشية، ويوزعون عليهم كتب شيخهم بالمجان، وليس ذلك على صعيد لبنان فحسب، بل على صعيد العالم حيث انتشر أتباعهم في العالم وأثاروا القلاقل في أوروبا وأمريكا واستراليا والسويد والدنمارك، وذلك بإثارة مسألة تحديد القبلة معلنين أن الناس في أمريكا وكندا يتجهون إلى غير جهة القبلة، فصدر كتاب في أمريكا يرد عليهم واسمه الأحباش وجهة القبلة .

وقد ورد في الكتاب أنه تم طرد أتباع الحبشي من مونتريال ومن ولاية أوكلاهوما وفلوريدا عندما حاولوا تغيير اتجاه القبلة من الجهة الشمالية الشرقية إلى الجهة الجنوبية الشرقية معتمدين حجة واهية، وهي أن الأرض مسطحة غير كروية، ولما وجدوا أن حجتهم واهية اتجهوا إلى حجة أخرى، وهي أن الشرق قبلة للذين في الغرب، وأن الغرب قبلة للذين في جهة الشرق، ثم يقرر الكاتب بأن الطريقة التي عالج بها الأحباش قضية اتجاه القبلة اتسمت بإثارة الفتنة، وعدم التسامح واختلاق الفوضى في المساجد الأمر الذي جعلهم عرضة للطرد في أي مكان حلوا فيه، مع أن مؤلف الكتاب أكد أن رجلين من أئمة الأحباش نزلوا في كندا

تحت كفالة الكنيسة المتحدة([9]) .

ولو ثبت هذا فإنه يثير التساؤل حول تحديد الجهات التي تقف وراء هذه الطائفـة وتدعمها لتستعملها أداة في التشويش على المسلمين وإحداث فوضى العقيدة بينهم .

لقد أصدر الشيخ عبد العزيز بن باز فتوى في الحبشي بعد أن اطلع على أحواله وفرقته برقم 2392/1 بتاريخ 30/10/1406هـ جاء فيها ما يلي: " إن طائفة الأحباش طائفة ضالة، ورئيسهم المدعو عبد الله الحبشي معروف بانحرافه وضلاله، فالواجب مقاطعتهم، وإنكار عقيدتهم الباطلة، وتحذير الناس منهم، ومن الاستماع لهم أو قبول ما يقولون "([10]) .



المبحث الثاني

عقيدة الأحباش



تعتبر عقيدة الأحبـاش خليطاً مـن الأفكـار والمعتقدات السابقة حيث أخذوا بعضها مـن الأشاعـرة والبعض الآخـر مـن الخوارج والمرجئـة وأفكـار الفرق الباطنيـة، وأحيانـاً نجد الحبشي متناقضـاً ومتردداً وغير ثابت على رأي واحد .

أولاً : الإيمان :

يرى الحبشي أن الإيمان هو مجرد اعتقاد في القلب، وأنه لا يُشترط لصحة إسلام المسلم النطق بل يكفي الاعتقاد([11]) وأما الداخـل فـي الإسـلام فيشترط لـه النطق بالشهادتين ولو مرة في العمر حيث يقول: " ويكفي لصحة الإسلام النطق بالشهادتين مـرة فـي العمـر "([12]) ويؤكد هـذا بعد ذلك بقوله: " وأعلـم أن النطق بالشهادتين بعد البلوغ فرض علـى كـل مكلف مرة واحدة في عمره بنيـة الفرض "([13]) .

ثم قال الحبشي مبيناً أن الاعتقاد في الإيمـان لا يستلزم العمل بقوله: " فمن لا يؤدي شيئـاً مـن فرائض الله، ولا يجتنب شيئاً مـن المحرمات، ولكنـه قال ولو مرة فـي العمر: لا إله إلا الله فهذا مسلـم مؤمـن، ويقال له - أيضاً - مؤمن مذنب، وأن استحضار بقيـة الإسـلام كالصلاة والصيـام ليس بشرط في تحقيق الإيمان "([14]) .

لقد تجاهل الحبشي عقيدة أهل السنة التي تقوم على أن " الإيمان قول وعمل يزيد وينقص "([15]) وقد أكد الإمام الشافعي هذه الحقيقة بقوله: " الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية "([16]) .

اتبع الحبشي فـي الإيمـان قـول المرجئـة الذين قالوا " هو اعتقاد ونطق فقط "([17])، وقد رد عليهم الإمام الشافعي والإمام أحمد بأن الأعمال تدخل في الإيمان مستدلين بقوله تعالى: ]وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[([18]) قال الإمام الشافعي: " ليس عليهم أحج من هذه الآية "([19]) .

وقـال الإمـام البخـاري: " لقيـت أكثـر مـن ألـف رجـل من العلمـاء بالأمصـار فمـا رأيت أحـداً منهـم يختلف فـي أن الإيمان قول وعمـل، ويزيـد وينقص "([20]) .

وهكذا تتضح مخالفة الحبشي وأتباعه لموقف سلف الأمة واتباعهم كل من خالف منهج السلف كالمرجئة والكرامية .

ثانياً : صفات الله تعالى :

اتبع الحبشي في إثبات الصفات منهج الأشاعرة، حيث ذكر في كتابه الصراط المستقيم أن الواجب معرفة ثلاث عشرة صفة فقال: " إن الواجب العيني المفروض على كل مكلف " أي البالغ العاقل " أن يعرف من صفات الله ثلاث عشرة صفة، الوجود، والقدم، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والقيام بنفسه، والبقاء، والقدرة، والإرادة، والحياة، والعلم، والكلام والسمع، والبصر، وأنه يستحيل على الله ما ينافي هذه الصفات .

ولما كانت هذه الصفات ذِكرُها كثيراً في النصوص الشرعية قال العلماء يجب معرفتها وجوباً عينياً، وقال بعضهم بوجوب معرفة عشرين صفة، فزادوا سبع صفات معنوية، قالوا وكونه تعالى قادراً ومريداً وحياً وعالماً ومتكلماً وسميعاً وبصيراً، والطريقة الأولى هي الراجحة "([21]) .

إن اتباع الحبشي لمذهب الأشاعرة في الصفات وتمديد هذه الصفات بثلاث عشرة صفة منهج مخالف لمذهب السلف، الذي يقوم على إثبات ما أثبت الله لنفسه وما أثبته له رسولهr من غير تشبيه ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل، حيث يقول الإمـام أحمد بن حنبـل: " لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله r لا يتجاوز القرآن والحديث "([22]) .

وقال الإمام الشافعي: " آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله r " ([23]) .

وقال الإمام ابن تيمية مبيناً منهج السلف: " وجماع القول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن نفى صفاته كان معطلاً، ومن مثل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثلاً، والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات، إثباتاً بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل "([24]) .

ومع اتباع الأحباش للأشاعرة في إثبات الصفات إلا أنهم شذوا في إثباتها كما وردت في القرآن الكريم أو السنـة النبويـة، وهذا يوضحه موقفهم من صفة القدرة والكلام .

1- القدرة :

يعقتد الأحباش بأن الله تعالى ليس على كل شيء قدير؛ وذلك لأنهم ساروا على نهج المتكلمين والفلاسفة، ولكن عندما يجدون النص الواضح المخالف لمعتقدهم يتجهون إلى التأويل المخالف للحق وذلك يمثلـه قوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[([25]) نجدهم يقولون بأن هذه الآية " لا تعني أن الله على كل شيء قدير لأن (كل) لا تفيد التعميم هنا، فيصير قادراً على نفسه، وإنما المعنى أن الله قادر على أكثر الأشياء وليس على كل شيء قدير لأن الله غير قادر على الظلم؛ لأن الظلم ممتنع على الله "([26]) .

ويقـول الحبشـي فـي كتابـه إظهـار العقيدة: " الكل كما يراد به التعميم يراد بـه أيضاً الأكثـر مجـازاً، أي إذا كان هنـاك دليـل شرعي أوعقلي قطعي، وإلا فيبقى علـى عمومـه، فيقـال: كـل العلمـاء أتقيـاء، مع أن بعضهم غيـر تقـي، فمـن هنـا يُعلَم أنـه لا يقال إن الله متصف بالقدرة علـى الظلـم والسَّفـه والكذب، لأن ذلك محال، والمحال لا يدخل تحت القدرة، لأن المحـال ما يمتنع وقوعـه وحصولـه عقلاً، والمقدور والممكن ما يمكن وقوعه عقلاً "([27]) .

إن اعتقاد الأحباش هذا يتعارض مع نص القرآن الكريم الواضح الدال على قدرة الله تعالى المطلقة على كل شيء دون الدخول في متاهات الفلاسفة الضالة، كما أنه يتعارض مع قوله تعالى في الحديث القدسي: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا "([28]) .

فتحريم الله تعالى الظلـم على نفسـه دليـل قدرتـه عليـه، ولـو كان غيـر قادر عليـه لما كان هناك معنى للتحريم، ويوضح هذا الإمام ابن تيمية بقوله: " إن الظلم الذي حرمـه الله على نفسـه مثـل أن يترك حسنات المحسن فلا يجزيـه بهـا، ويعاقب البرىء كما لم يفعـل مـن السيئـات، ويعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس بغير القسط، ونحو ذلك من الأفعال التي ينزه عنها الرب لقسطه وعدله وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد والثناء؛ لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه "([29]) .

وقـال شـارح الطحاويـة معقبـاً علـى الحديـث: " فهذا دل على ... أنـه حرمـه علـى نفسـه، كمـا أخبـر أنه كتب على نفسـه الرحمـة، وهـذا يبطل احتجاجهم، بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك . فيقال لهـم: هـو سبحانـه كتب على نفسـه الرحمـة، وحـرم علـى نفسه الظلم، وإنمـا كتـب على نفسـه وحـرم علـى نفسـه ما هو قادر عليـه، لا مـا هـو ممتنـع عليـه "([30]) .

2- كلام الله :

لقد أعلـن الحبشي أن القرآن الكريـم فـي الحقيقـة كـلام جبريـل وليس كلام الله تعالى، وذلك حين اعتبر أن لفظ القرآن المنزل عبارة عن كلام الله حيث قـال: " اللفظ المنزل الذي هو عبارة عن الكلام الذاتي "([31]) ثم استدل على ذلك بقوله: " ويدل على هذا قوله تعالى: ]إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ[([32]) حيث أضافه إلى جبريل …. وقد ورد إسناد القراءة إلى الله تعالى مراداً به قراءة جبريل؛ لأنها بأمر الله تعالى، قال الله تعالى: ]فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ[([33]) ولا معنى لذلك إلاّ أن جبريل يقرؤه على النبي بأمر الله تعالى له بذلك "([34]) .

كما صرح الحبشي في كتابه الدليل القويم بأن " القرآن بمعنى اللفظ المنزل هوغير كلام الله "([35]) وهذا تصريح واضح منه بأن القرآن ليس كلام الله .

إن الأحباش وافقوا في قولهم هذا قول من قال: ]إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ[([36]) حيث توعده الله بسقر عقاباً على قوله فقال تعالى: ]سَأُصْلِيهِ سَقَرَ[([37]) .

وقد وضح الإمام الطحاوي عقيدة السلف في كلام الله تعالى بقوله: " وإن القرآن كلام الله، منـه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحيا ً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقـاً، وأيقنوا أنـه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البريـة، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشـر فقـد كفـر، وقـد ذمه الله وعابـه وأوعده بسقر "([38]) .

وينكر الحبشي أن يكون كلام الله بحرف ولا صوت ولا لغة فيقول : " ليس هو بحرف ولا صوت ولا لغة عربية ولا غيرها والحاصل أنه إن قصد بكلام الله اللفظ المنزل الذي بعضه بلغة العرب، وبعضه بالعبرانية، وبعضه بالسريانية فهو حـادث مخلوق لله، … وكلٌ يطلق عليه كلام الله، أي أن صفة الكلام القائمة بذات

الله يقال لها كلام الله، واللفظ المنزل الذي هو عبارة عنه يقال له كلام الله "([39]) .

وهـذا الكلام واضح البطـلان؛ لأن الكـلام صفـة لله تعالـى يجب إثباتها لله تعالى دون تشبيه أو تكييف أو تعطيل أو تحريف " لأنه تعالى لم يزل متكلمـاً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديـم ، وإن لم يكـن الصـوت المعين قديماً، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة "([40]) .

3- الاستواء :

يتضح تناقض الحبشي في موقفه من صفة الاستواء وعدم ثباته على رأي واحد فمرة يعتبر، أن المقصود بالاستواء القهر فيقول: " فتحمل لفظة الاستواء على القهر، لأن القهر صفة كمال لله تعالى، هو وصف نفسه به قال تعالى: ]خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[([41])([42]) .

وثانية يرى أنه استوى استواءً يليق به فيقول: " استوى استواءً يعلمه هو مع تنزيهه عن استواء المخلوقين كالجلوس والاستقرار "([43]) .

وثالثـة يُـأول الاستـواء بالاستيـلاء فيقول: " ويصح تأويل الاستواء بالاستيلاء "([44]) موافقاً في ذلك قول المعتزلة حيث قال الامام الأشعري: " وقالت المعتزلة: ]الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[([45]) يعني استولى "([46]) .

ورابعة يقول: " والاستواء قد يراد به أيضاً العلو، والعلو على وجهين: علو مكـان وعلو معنى أي علو قدر، والذي يليق بالله هو علو القدر لا علو المكان، لأنه لا شأن في علو المكان إنما الشأن في علو القدر "([47]) .

هذا هو موقف الحبشي وأتباعه من صفة الاستواء موقف متردد غير ثابت على قول واحـد، ولكن الموقف الحق في ذلك هو موقف علماء السلف حيث فسروا الاستواء بمعنى العلو، قال مجاهد وغيره من علماء السلف ]اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ[([48]) " علا على العرش "([49]) وهـذا يتفق مع اللغة حيث قال الحافظ ابن عبد البر: " والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على شيء، وقولهم في تأويل الاستواء (استولى) فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة "([50]) .

ولذلك كان جواب الإمام مالك واضحاً عندما سُئل كيف استـوى على العرش ؟ فأطرق برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ مبتدعاً، ثم أمر به فأخرج "([51]) .

ثالثاً : التكفير :

لقدغالى الأحباش في التكفير متبعين منهج الخوارج في تكفير كل من خالفهم دون مراعاة ضوابط التكفير، ولا وجود مسامحة في التعامل مع المخالفين بل يلاحظ فيهم الفظاظة والقسوة؛ ولذلك برعوا في التفتيش والتنقيب في بطون كتب العلماء لاستخراج ما يرخص لهم تكفيرهم، وشن الحملات عليهم حتى لا يكاد يسلم أحد من حملاتهم، فهذا الإمام الذهبي قال عنه الحبشي: " وإذا قيل عن الذهبي خبيث فهـو فـي محلـه "([52]) كمـا سلـط لسانـه على الإمـام ابن تيمية وشارح العقيـدة الطحاويـة ابـن أبـي العـز الحنفي فقال: " وقد شرح هـذه العقيدة شارح زائـغ دعـا فيهـا إلـى الضلالـة والكفـر … موافقة لابن تيمية، وكأنـه ظِلُّ ابـن تيميـة لا يخالفـه فـي شيء مـن ضلالاته التي مقتته الأمة من أجلها "([53]) وأما الشيخ الألباني فلا يتوقع له الحبشي أن يموت على الإسلام فقال عنه: " هذا إن مات مسلماً "([54]) .

وكذلك تعرض لسيد قطب حتى قال عنه " لم يسبق له أن جثى بين يدي العلماء للتعلم ولا قرأ عليهم، ولا شم رائحة العلم، وهو من كبار الخوارج الكفرة، وكـان أول أمـره صحفيـاً ماركسيـاً "([55]) وأثنـى الحبشـي وأتباعـه على جمال عبد الناصر؛ لأنه شنقه([56]).

كما تعرض للشيخ سيد سابق واصفاً إياه بأنه " مجوسي وإن ادعى أنه من أمة محمد "([57]) .

كما أن ألفاظه تجاه مخالفيه كانت تعتمد على السب والشتم حيث كان يصف مشايخ وعلماء الجزيرة العربية بأنهم " بهائم نجد " ومشايخ اللفائف، كما كفر الشيخ عبد العزيز بن باز، حتى أدى ذلك بأحد أتباعه أن يقول: " أهدي سلامي إلى مسلمي لبنان طالباً منهم الاجتماع صفاً واحداً على طحن الوهابية "([58]) .

ومن المعلوم أن هذا يتعارض مع أخلاق الإسلام لقول الرسولr : " ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء "([59]) .

وكفر الأحباش كل من يقول بأن الله في السماء ويظهر هذا من قولهم: " من قال لا إله إلاّ الله وهو يعتقد أن الله في السماء، فإن هذه الشهادة لا تنفعه، وهو كافر لأن الشهادة تنفع مع الاعتقاد الصحيح، أما مـن تلفظ بها بلسانه وعقيدته فاسدة فإنها لا تنفعه "([60]) .

وهذا يدل على جهل الأحباش بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأن الذي يصف الله تعالى بأنه في السماء هو الله نفسه بدليل قوله: ]أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ[([61]) .

كما أن الرسولr شهد للجارية بالإيمان؛ لقولها إن الله في السماء، أخرج مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبيr قال لجارية أراد معاوية بن الحكم أن يعتقها : أين الله ؟ فقالت : في السماء، فقال: من أنا ؟ قالت أنت رسول الله " قال : اعتقها فإنها مؤمنة "([62]) .

فلماذا ينكر الأحباش بل يكفرون من قال إن الله في السماء ؟!!!

لقد خصص الحبشي قسماً من كتابه " الصراط المستقيم " لموضوع التكفير، وأعتني بهذا الأمر وشرحه، وتوسع فيه حتى فتح على تلاميذه أبواب التكفير على أوسعها، لدرجة أنه غالى في التفصيل، حتى أتى بألفاظ كثيرة مستقبحة مع أنه لا يخفى كفرها على الجهال فضلاً عن العلماء، وقد كان كافية أن ينهى الناس عن التلفظ بسبّ الله عز وجل دون الحاجة إلى ذكر أنواع السب بالتفصيل الذي ينافي الأدب مع الله تعالى بألفاظ يستحي الإنسان من ذكرها ناهيك عن كتابتها في كتاب([63]) .

ومـن المعلـوم أنـه لا يجـوز لأحـد إخراج أحداً من دين الله تعالى إلاّ ببينـة ودليـل يعـذر بهمـا يـوم القيامة عنـد الله تعالى، لأن المسلم قد يخرج من الدين بإخراجه منه من ليس كذلك لقول الرسولr : " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما "([64]) وفي رواية أخرى: " أيما امرىء قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه "([65]) .

وقـد بين شـارح الفقـه الأكبـر، بـأن أهـل البدع يكفرون بعضهم بعضاً فقال: " فمن عيوب أهل البدعة أنه يكفر بعضهم بعضـاً، ومـن ممـادح أهل السنة والجماعة أنهم يخطّئون ولا يكفّرون "([66]) ولذلك لا بد من الالتزام بضوابط التكفير ومن ذلك :

1- أن كل عمل من أعمال الكفر لا نكفر صاحبه به إلا إن كان وراءه كفر اعتقادي، وإلا فهو كفر عملي لا يوجب خروج صاحبه من الملة بمجرده، وعلى هذا جرى اتفاق السلف، ولذلك قال الإمام الطحاوي : " ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله "([67]) .

2- أنـه لا يكفـي أن يقـول الرجـل كفـراً حتـى نسارع إلى تكفيره، فقد يكـون جاهـلاً أو مخطئـاً أو متـأولاً، فـلا يقـال لـه لأول وهلة (كَفَرت) وإنمـا يقـال أخطـأت إلا أن يكون قد تلفظ بما يُعرف كُفره بديهة كمـن يسب الله تعالى أو النبيr .

3- أنه لا يُحكم بالكفر الاعتقادي إلاّ بتحقق شروط التكفير وانتفاء الموانع، بمعنى أن لا يقوم بالشخص مانع من تكفيره، كبعض أنواع الجهل والتأويل والإكراه، فقد يجتمع في الأمر الواحد عدة موانع تمنع من الحكم الصحيح، ومثال ذلك استحلال الصحابي البدري قدامة بن مظعون للخمر هو وأصحابه، متأولين قول الله تبارك وتعالى: ]لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[([68]) فظن أنـه لا جنـاح عليـه أن يشـرب الخمـر إذا مـا اتقى وآمـن وعمـل الصالحـات .

ومعلوم أن تحريم الخمر ثابت في القرآن، وأن من استحله بعد تحريمه كفر، وكان قدامة يعلم هذا التحريم في القرآن، ومع ذلك لم يحكم الصحابة بكفره وأصحابه لوجود مانع التأويل، فإنه لما بلغ عمرt خبر قدامة وأصحابه اتفق هو وعلي وسائر الصحابة أنهم إذا اعترفوا بالتحريم جُلِدُوا، لأن الحد حق لله، وإن أصروا على استحلالها قُتِلوا (يعني الكفر) وقال عمرt لقدامة: أخطأت، أما أنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر، ثم أقيم عليه وعلـى مـن معـه الحـد . ثم إن عمرt بلغه بعد ذلك أن قدامـة أيس مـن التوبـة قكتب إليه عمر يقول: " أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هـو ]غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ[([69]) ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولاً ؟ أم يأسك من رحمة الله ثانياً "([70]) .

لقد كان على الحبشي أن يعلم أتباعه ضوابط التكفير وخطورته قبل أن يعلمهم أنواع الكفريات المخرجة من الدين لإطلاقها على المسلمين وعلمائهم مما أدى إلى فتـح بـاب التكفيـر على مصراعيه متبعين منهج الخوارج وجماعة التكفير والهجرة .

رابعاً : التوسل :

التوسل هـو التقـرب إلى الله بطاعته وعبادتـه، واتبـاع أنبيائه ورسلـه، وبكـل عمـل يحبـه الله ويرضـاه . قـال ابن عباس رضي الله عنهمـا: " الوسيلة هي القربة " وقال قتادة في قوله: " وابتغوا إليه الوسيلة " تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه " وهكذا فإن كل ما أمر به الشرع من الواجبات والمستحبـات، فهو توسل شرعي ووسيلة شرعيـة([71]) . قال الله تعالى: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[([72]) وقال أيضاً: ]قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [([73]) .

يتضخ مما سبق أن آية المائدة يحض الله تعالى فيها عباده على أن يبتغوا إليه الوسيلة، أي التقرب إليه بالإيمان والتقوى والجهاد في سبيله، ولهم الفلاح والفوز بالجنة وذلك أقصى غايات الفلاح والنجاح .

وأما في آيتي الإسراء فإن الله تعالى، يبين أن عمل المشركين بالتزلف إلى الله تعالى بأشخاص المخلوقين، لا يفيدهم شيئاً؛ لأنهم لا يملكون كشف الضر عنهم، ولا تحويله، فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم لا يقدم ولا يؤخر، ولا يوصلهم إلى مبتغاهم؛ لأنهم أخطأوا الطريق إلى الله تعالى . ولذلك يقول شارح الطحاوية : " فإن الداعي تارة يقول بحق نبيك أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما : أنه أقسم بغير الله، ولا يجوز الحلف بغير الله لقول الرسولr : " من حلف بغير الله فقد أشرك "([74]) .

والثاني : اعتقاده أن لأحد على الله حقاً، وليس لأحد على الله حقٌ إلا ما أحقـه على نفسه، كقوله تعالى: ]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[([75]) وقول الرسول r لمعاذ " يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده ؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم "([76])([77]) .

يوسف التازي
11-01-15, 02:57 AM
وينقسم التوسل إلى قسمين :

1- توسل مشروع : وهو كل توسل ندبنا الله تعالى إليه في كتابه وحثنا عليه، ووضحه لنا رسولهr ، أي ما كان موافقاً لما شرع الله من التقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ولا يحب ويرضى إلا الذي أمر به . وهذا التوسل ثلاثة أنواع :

أ - توسـل المؤمن إلى الله تعالى بذاته العليـة وبأسمائـه الحسنى وبصفاتـه العليا .

ب – توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة.

ج – توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له .

2- توسل ممنوع : وهو المخالف لشرع الله وهو ثلاثة أنواع :

أ – التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به . كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بفلان – ولا يعني إلاّ ذاته وشخصه – أن تقضي حاجتي .

ب- التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان أو حقه أو حرمته أو بركته كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان عندك أو بحقه عليك أو بحرمته أو بركته أن تقضي حاجتي .

ج- الإقسام على الله بالمتوسل به كأن يقول: اللهم أقسم عليك بفلان أن تقضي لي حاجتي .

وقـد أجـاز المستحلون للتوسـل الممنوع كـل هذه الأوجه الثلاثة والحقيقة أنها جميعاً باطلة، وفاسدة، ومخالفة لأصول الديـن ونصوصه([78]) . ونظراً لانتماء الحبشي للصوفية واعتقاده بأفكارها ومعتقداتها فقـد أجـاز كل توسـل ممنوع وهـذا يتضح مـن أقوالـه، ففي كتابـه إظهـار العقيدة: " إن أدلة التوسل بالنبي وغيره وردت بها الآثار التي تبين أن التوسل به في حياته وبعد مماته جائز "([79]) .

وأمـا فـي كتابـه بغية الطالب فيتحدث عن زيارة قبر الرسولr فيقول: " والزيارة تكون بعد صلاة ركعتي تحية المسجد … ثم يتوسل بالمصطفى في نفسه ويتشفع به إلى ربه "([80]) .

وفي كتابه الصراط المستقيم تحت عنوان " إثبات أن التوسل بالأنبياء والأولياء جائز، وأنه ليس شركاً " : " اعلم أنه لا دليل حقيقي يدل على عدم جواز التوسل بالأنبياء والأولياء في حال الغيبة أو بعد وفاتهـم بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله؛ لأنه ليس عبادة لغير الله مجرد النداء لحي أو ميت ولا مجرد التعظيم ولا مجرد الاستغاثة بغير الله، ولا مجرد قصد قبر ولي للتبرك ولا مجرد طلب ما لم تجربه العادة بين الناس، ولا مجرد صيغة الاستغاثة بغير الله تعالى، أي ليس ذلك شركاً "([81]) .

إن موقف الحبشي من التوسل أدى به إلى الإعلان عن جواز الاستغاثة بالأموات بل زعم أنهم يخرجون من قبورهم لكشف كرب الداعي حيث سئل الحبشي عمن يستغيث بالأموات ويدعوهم قائلاً: يا سيدي بدوي أغثني يا دسوقي المدد قال " يجوز ذلك، فإنه يجوز أن يقول أغثني يا بدوي ساعدني يا بدوي " ثم قيل له: إن الأرواح تكـون فـي برزخ فكيف يستغاث بهم وهم بعيدون ؟ أجاب: " الله تعالى يكرمهم بأن يُسمعهم كلاماً بعيداً وهم في قبورهم فيدعون لهذا الإنسان وينقذوه أحياناً، يخرجون من قبورهم فيقضون حوائج المستغيثين بهم ثم يعودون إلى قبورهم "([82]) .

لقد رد عليهم عبد الرحمن دمشقية مبيناً بطلان معتقدهم، فردوا عليه بالقول: " جهل عبد الرحمن دمشقية أن الولي الصالح قد يخرج من قبره بعد موته كرامـة لـه … ما المانع شرعاً أوعقلاً على أن يخرج الأولياء من قبورهم … وإن كرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم "([83]) .

وهكذا يتبين لنا مدى انحراف الأحباش عن المنهج الصحيح الذي وضحه القرآن الكريم والسنة النبوية .




المبحث الثالث
موقفهم من الصحابة والعلماء



للأحباش مواقف من صحابة رسول الله ومن علماء السلف مخالفة للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية .

أولاً : موقفهم من الصحابة :

لقد كان للأحباش مواقف واضحة من صحابة رسول الله r وهي الطعن فيهم مخالفين وصية رسول الله r ، مركزين في ذلك على عائشة ومعاوية رضي الله عنهما حيث يقول الحبشي: " كل من قاتل علياً فهم بغاة ولو كان مَنْ هم من خيار الصحابة "([84]) مع العلم أن ممن قاتل علياً t عنه عائشة رضي الله عنها حيث يشكل ذلك طعناً فيها لكونها قامت بقتال الجيش الذي أرسله قتالاً شديداً، ويلزم منه سب من خرجوا معها من الصحابة كطلحة والزبير وعمرو بن العاص وغيرهم ممن قاتل مع عائشة في موقعة الجمل أو مع معاوية، ويؤكد هذا قول الحبشي في كتابه بغية الطالب: " وليس مِنْ سبّ الصحابة، القول إن مقاتلي عليّ منهم بغاة "([85]) .

كما أنه لم يسلم منهم خالد بن الوليد الذي سماه الرسول r سيف الله المسلول حيث يرى الحبشي أن الحديث " لا تسبوا أصحابي " خاص بطائفة من الصحابة فقط وليس كلهم، وقد أخرج خالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان رضـي الله عنهمـا بقولـه " وهـؤلاء لا يدخل فيهـم خالـد بـن الوليـد الذي سمـاه النبي r " سيف الله " ولا معاويـة بـن أبـي سفيان "([86]) معتبـراً أنـه لـم يثبـت شـيء فـي فضائل معاوية بقوله: " من قال بأن القتلى والقاتلين كلاهما في الجنة فهـو مخطـىء، ولا دليل على ذلك، إذ أن معاوية كان زعيم الفئة الباغية "([87]) .

كما زعـم الحبشـي عـدم أفضليـة الصحابـة علـى من بعـدهم بقولـه: " وأما ما زعم بعض الناس بأن كل فرد من أفراد الصحابة أفضل ممن جاء بعدهـم علـى الإطلاق فهو منابذ للقرآن والحديث؛ لأن كثيراً من التابعين ومن جاء بعدهم أرقى عند الله من بعض أفراد الصحابة "([88]) .

وقد حاول الحبشي الرد على الأحاديث التي تنهى عن سب الصحابةy ، فقول الرسول r : " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "([89]) .

بين الحبشي أن النهي خاص ببعض الصحابة بقوله: " هذا الحديث لا يريد به الرسول كل من لقيه مؤمناً به، إنما يعني به السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من طبقتهم في الفضل، لا يلحق بهم من ليس من طبقتهم كخالد بن الوليد فإنه ليس من السابقين الأولين؛ لأن إسلامه كان بعد الحديبية "([90]) . ثم يعقب الحبشي بالقول " فمن يظن أن هذا الحديث عام في جميع أفراد الصحابة فهو جهل منه بالحقيقة التي أرادها رسول الله، وإنما ينطبق على معاوية فإنه كان يأمر سعداً بسب عليt "([91]) .

وأما قول الرسول r : " الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم ببغضي أبغضهم"([92]) .

يعقب الحبشي على هذا الحديث بقوله: " فهذا إنما هو من حيث الإجمال ليس من حيث التفصيل، فإن بغض جميع الصحابة كفر؛ لأنه معاندة لثناء الله تعالى عليهم، ولا يُعْطى هذا الحديث أن لا يذكر أي فرد منهم إلا بخير "([93]) .

لقد جعل الحبشي الألفاظ العامة التي أطلقها الرسول فيما يتعلق بالصحابة خاصة بفئة منهم دون دليل وهذا القول ظاهر البطلان .

إن من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة محبة أصحاب رسول الله r وعدم سب أحد منهـم وحفظ وصيته r فيهم حيث قال: " لا تسبوا أحداً من أصحابي "([94]) وقول الرسول r : " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذيـن يلونهـم " قال عمران: " فلا أدري أذكر بعد قرنـه قرنين أو ثلاثـة "([95])، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: " لا تسبوا أصحاب محمدr ، فلمقام أحدهم ساعة، يعني مع النبيr خير من عمل أحدكم أربعين سنة "([96]) وقال أيضا: " إياك وشتم أحد من أصحاب محمدr فيكبك الله في النار على وجهك "([97]) .

وقيل لعائشة رضي الله عنها: إن أناساً يتناولون أصحاب رسول الله r حتى أبا بكر وعمر !! فقالـت : " وما تعجبون من هذا ! انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر "([98]) .

وقد أجمل الإمام الطحاوي عقيدة السلف فيهم بقوله: " ونحب أصحاب رسول الله r ولا نفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان "([99]) .

ولذلك حاول علماء السلف تبرير القتال الذي وقع بينهم بالاجتهاد حيث يقول الإمام الغزالي: " واعتاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم، كما أثنى الله تعالى ورسولهr ، وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنياً على الاجتهاد "([100]) .

وكان الإمام الشافعي إذا سئل عما جرى بين الصحابة يردد قول عمر بن عبد العزيز: " تلك فتنة قد طهر الله منها أيدينا أفلا نطهر منها ألسنتنا "([101]) .

وأما بالنسبـة لتركيـز الأحباش على معاويةt فلعلهم يريدون أن ينتصروا للروافض والشيعـة، أو إحيـاء الفتنـة وإيقاظهـا بعد أن ماتت وخمدت متناسين فضائل معاويـةt ، حيث كان كاتباً للوحي وهذا يقتضي ملازمتـه لرسول اللهr ، وقد ثبت فـي صحيح مسلم، أن النبي r استجاب لطلب أبـي سفيـان بـن حـربt في أن يكون ابنه معاوية كاتباً للوحي "([102]) ولو كانت هذه الفضيلة وحدها لمعاويةt لكفت، إذ كيف يكون كاتب الوحي، فاسقاً أو من أهل النار .

كما أن من فضائله أن النبيr قد دعاله فقال: " اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب "([103]) وفي رواية أخرى " اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى واغفر له في الآخرة والأولى "([104]) .

وأمـا عائشـة أم المؤمنين رضي الله عنها وخالد بن الوليد سيف الله المسلول فمعلوم مكانتهما عند المسلمين ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل : " ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله r كلهم أجمعين، والكف عن الذى جـرى بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله r أو واحداً منهم فهو مبتدع رافضي، ولا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم ولا يطعن على أحد منهم "([105]) .

إن الخوض في فتن الماضي ليس من المعلوم من الدين بالضرورة، بل هو من المعلوم فساده بالضرورة، وليس لأحد أن يزعم مدافعته عن السنة، وهو يسب ويفسق بعض من أسهموا بنقل السنة وكتاب الله تعالى إلينا، فكيف يشتم ويفسق من كان كاتباً لوحي رسول الله r أو زوجة لرسول الله r كأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ؟ لن يفعل ذلك إلا من كان رافضياً مريض القلب، مخالفاً لكتاب الله تعالى وسنة رسولهr .

ثانياً : موقفهم من العلماء :

إن من يفسق صحابياً ويجرؤ على النيل منه، ليس عليه ببعيد أن يفسق أو يكفر من هو دونه، وهو المنهج الذي اختاره الأحباش للنيل من علماء السلف الصالح . وأول طعن وجهه الأحباش، كان للأئمة الأربعة وكل من عاب علم الكلام واتهامهم بأنهم لا عقل لهم؛ لكونهم عابوا علم الكلام حيث يذكر الحبشي بيتاً من الشعر في كتابه إظهار العقيدة السنية فيقـول:

عَابَ الكلامَ أُناسٌ لا عُقُولَ لَهُمْ وما عَلَيه إذا عابوه من ضَرَرِ([106])

ووصف الأحباش من ذم علم الكلام بأنهم " جهلة غوغائيون لا عبرة بهم لأنهم يذمون علم الكلام "([107]) .

وقد ذم الأئمة الأربعة علم الكلام، حيث قال الإمام أبو حنيفة: " لعن الله عمراً بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام "([108]) .

وقال الإمام مالك " أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه، أيدع دينه كل يوم لدين جديد "([109]) .

وقال الإمام الشافعي: " لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام "([110]) .

وقـال الإمـام أحمـد بـن حنبل: " لا يفلح صاحب كلام أبداً . علماء الكلام زنادقة "([111]) .

ووجه الحبشي الذم لكل من ذم علم الكلام بقوله: " فيا طلاب الحق لا يُهَولَنَّكم قدح المشبهة المجسمة في هذا العلم، إنه علم الكلام "([112]) . .

ثم اتهـم الإمام الشافعي وأبا حنيفة والطحاوي، بأنهم من علماء الكلام فقال: " ومن أشهر ما ألف في هـذا العلـم هـذه العقيـدة المشهورة بالعقيدة الطحاوية التي مؤلفها من السلف … وكان الشافعي أتقن هذا العلم، علم الكلام الذي لأهـل السنة قبـل أن يتقـن علم الفقه … وأن أبا حنيفة ألف في علم الكلام خمس رسائل "([113]) .

فكيف يتفق قول الحبشي هذا مع قول علماء السلف في ذم علم الكلام بكل صراحة ووضوح .

وأما الإمام ابن تيمية فلم يسلم من اتهامات وافتراءات الحبشي وأتباعه بل إن الحبشي كتب كتاباً سماه المقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية اتهمه فيها باتهامات شتى، لم يُحِلْ فيها إلى كتاب من كتب ابن تيمية ومن هذه المزاعم أن الإمام ابن تيمية يشبه الله بخلقه بقوله: " إن ابن تيمية أحيا التشبيه "([114]) . ومن المعلوم أن طريقة غلاة التنزيه التأويل وإثبات الصفات من غير تأويل لها، يقتضي التشبيه عندهم، فهل صرح ابن تيمية بالتشبيه أم قال ما يقتضي ذلك عند الحبشي؟!

إن من العجب أن ينسب الحبشي إلى ابن تيمية هذا القول في الوقت الذي حكم بالكفر على من يقول بمثله، حيث قال في مجموع الفتاوى: " فمن قال علم الله كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي أو إرادته ومحبته ورضاه وغضبـه مثل إرادتي ومحبتي ورضائي وغضبي، أو استواءه على العرش كاستوائي، أو نزولـه كنزولي، أو إتيانه كإتياني ونحو ذلك فهذا قد شبه الله ومثله بخلقه تعالى الله عما يقولون، وهو ضال خبيث مبطل، بل كافر "([115]) . كما زعم الحبشي أن ابـن تيميـة نقض إجمـاع المسلمين فقال إن نار جهنم تفنى([116]) .

إن هذا القول افتراء، وكـذب على ابن تيميـة حيـث يقول في الفتاوى : " وقد اتفق سلف الأمـة وأئمتها وسائر أهل السنـة والجماعة على أن من المخلوقـات مالا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش . ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة . وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسولهr واجماع سلف الأمة وأئمتها "([117]).

وزعم أيضاً أن ابن تيمية يقول: بأن العالم أزلي غير مخلوق لله كما حذر من شرح بن أبي العز الحنفي للعقيدة الطحاوية بقوله: " فيجب الحذر من شرحٍ له، شرحه بعض الحنفية الذين هم ممن قبل أربعة قرون شحنه مؤلفـه بآراء ابن تيمية كقوله بأزلية العالم "([118]) . وقال أيضاً : " وقد شرح هذه العقيدة شارح زائغ دعا فيها إلى الضلال والكفر كاعتقاد أزلية العالم بنوعه موافقه لابن تيمية "([119]) .

ويبطل قول الحبشي أقوال الإمام ابن تيمية بحدوث العالم، ففي الفتاوي قال: " كل مخلوق فهو محدث مسبوق بعدم نفسه، وما ثم قديم أزلي إلا الله وحده " ([120]) .

وفي درء تعارض العقل والنقل قال: " كل ما سوى الله مخلوق حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي، ليس معه شيء قديم نقدمه "([121]) .

وفي منهاج السنة النبوية: " القول بقدم العالم قول الدهريين وهو كفر ظاهر معلوم فساده بالعقل والشرع، إذ لو كان العالم قديماً، لوجب أن يكون مع الله قديم آخر، وهذا من أبطل الباطل وأن من قال بذلك فليس معه إلاّ الجهل "([122]) .

هذا بعض ما افتراه الأحباش من أكاذيب على الإمام ابن تيمية ولا غرابة في ذلك، لأن من طعن في الصحابةy لا يُستبعد أن يطعن في غيرهم.

وقد سبق بيان موقف الحبشي من بعض العلماء عند الحديث عن موضوع التكفير، حيث كَفَّر الشيخ الألباني والشيخ ابن باز، كما وصف الإمام الذهبي بأنه خبيث، والشيخ سيد سابق بأنه مجوسي، وأما الشهيد سيد قطب، فلم يسلم من لسانه حيث كفـره، وأثنى هو وأتباعه على عبد الناصر لأنه شنقه . إن سيداً رحمه الله قد أمضى معظم حياته في السجون حتى انتهى به الأمر إلى المشنقة، لأنه لم يرضَ أن تكون كلمة " لا إله إلا الله " كلمة لا مدلول لها ولا أثر لها بين من ينتسبون إليها، فآثر كلمة الحق وصبر على دفع ثمنها بالشنق بعد أن عاش حياته في السجن والتعذيب، ثم جاء الحبشي بعد ذلك ليوجه له اللعن والتكفير !!! وأما الدكتور يوسف القرضاوي المفكر الإسلامي فلم يسلم من ألسنة الأحباش وخاصة في برامج الفضائيات . إن الأحباش بقولهم هذا في حق العلماء مخالف مخالفة صريحة لمكانة العلماء في الإسلام حيث قال الرسول r : " وإن العالِمَ ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر "([123]) . فالواجب احترام العلماء لمكانتهم عند الله تعالى ثم عند مخلوقاته ولكن يأبى الأحباش إلا مخالفة توجيهـات الرسولr في قوله: " ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء "([124]) فالطعن واللعن والفحش من القول على ألسنتهم، وكذلك الجرأة في تكفير العلماء حيث نهىr عن ذلك بقوله: " أيما امرىء قـال لأخيـه يا كافـر فقـد بـاء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه "([125]) .

يوسف التازي
11-01-15, 03:02 AM
المبحث الرابع
بعض فتاوى الأحباش



للأحباش فتاوى مخالفة للشرع مخالفة واضحة ومن ذلك :

1- أكل البصل والثوم يسقط صلاة الجمعة :

أفتى الحبشي لمن يريد التخلف عن صلاة الجمعة في المسجد أن يأكل الثوم أو البصل؛ لأن في أكلهما النهي عن الإتيان إلى المساجد، كما أنه لا يسمح لتلاميذه المقيمين في بلاد مخالفة له في الاعتقاد كالسعودية بحضور الجمعة والجماعات في مساجدهم؛ ويرخص لهم أكل الثوم والبصل قبيل صلاة الجمعة حتى يصيروا معذورين عند الله من حضور الجمعة؛ وإذا ألحَّ البعض عليهم بحضور الجمعة سألوه: هل يستشهد خطيب المسجد بابن تيمية ؟ فإن قال: لا ، ذهبـوا معـه، وإن قال: نعـم، أكلوا الثوم والبصل . فأصبح تلاميذ الحبشي يأكلـون الثـوم والبصـل لتحصـل لهـم الرخصة ويقوم بهم العذر لتضييع صلاة الجمعة([126]) .

إن هذا ليدل بوضوح على تحايل الأحباش على شرائع الله وأوامره وإصرارهم على ترك صلاة الجمعة، وهذا مخالف مخالفة واضحة لشرع الله تعالى حيث إن الأحاديث الواردة في حكـم من ترك الجمعة يخيف من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ومن ذلك قول الرسولr : " من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه "([127]) وقوله: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين "([128]) .

2- زكاة الأوراق النقدية :

يرى الحبشي أن العملة الورقية المستعملة في هذا العصر كالدينار والدولار وغيرهما، لا زكاة عليها؛ لأنها ليست داخلة في قوله تعالى: ]وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ[([129]) ووافق القول بعدم الزكاة عليها قائلاً: " وتجب في النقد أي الذهب والفضة المضروب من ذلك وغيره، وأما غير الذهب والفضـة من الأثمان فلا زكاة فيه … فهذه العملة المستعملة في هذا العصر لا تجب فيها الزكاة "([130]) .

وهذا القول يعني أن أصحاب الملايين من الدولارات أو الدنانير لا زكاة عليهم، وهذا مخالف للحق كما أن فتواه هذه تعتبر وسيلة للتهرب من دفع الزكاة .

3- جواز أخذ الربا :

أفتى الحبشي بجواز أخـذ الربـا مـن الكفـار . فقـد سئـل عن حكم أخذ الربا في لبنـان فقـال: " هذه دار حـرب عند الإمام محمد بن الحسن الشيباني – أحد أئمة الحنفيـة – عنـده يكفي لكون الدار دار حرب: إظهار أحكام الكفر على وجه الاشتهار " . قيل له أذن أخذ الربا جائز ؟ أجاب : يجوز في لبنان وغيره من كل بلد يظهر فيها أحكام الكفر على الاستهتار "([131]) .

وأما عن وضع المال في البنوك الربوية فيقول الحبشي: " والأحسن ألا تضع أموالك، فتوكل على الله وتضعه في البيت فإن كتب الله عليه الضياع فلا بد من ذلك، وإن حفظه الله يُحفظ، ولكن إن لم يكن عندك قوة على هذا التوكل فضعه في بنك ليس له مساهم مسلم، بل يكون كل المؤسسين كفاراً . ضعه هناك وخذ عليه فائدة . هذا إن أردت أن تستفيد فإن تحققت الاستفادة فإنه يجوز "([132]) .

لقد أجاز الحبشي الربا معرضاً عن قوله تعالى: ]الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ[([133]) .

4- فتواه في مخارج الحروف :

أفتى الحبشي بوجوب تشديد مخارج السين والصاد؛ لأنهما من الأحرف المستقبحة حتى قال الناس إذا أردت سماع تغريد البلابل والعصافيـر فعليك بالصلاة في مساجد الأحباش. واعتبر أن أولى الحروف عناية بإخراجها الصاد([134]) . كما أنه ركز على التشديدات في سورة الفاتحة واعتبر أن من ترك واحدة منها لم تصح صلاته فقال: " وكذلك تجب التشديدات الأربع عشرة فيها فمن ترك شيئاً منها لم تصح قراءته للفاتحة فلا تصح صلاته؛ فلو خفَّف مشدداً لم تصح صلاته إن لم يعد تلك الكلمة على الصواب "([135]) .

وقد شدد الحبشي على أتباعه في ألفاظ النية حتى صار تشديدها عندهم في الصلاة هو الشغل الشاغل وشق عليهم أداء تكبيرة الإحرام عند الدخول إلى الصلاة([136])، وهذا كله يرجع إلى التكلف ووسوسة الشيطان حتى " أتعب الموسوسون أنفسهم في ألفاظ النية التي أحدثوها، واشتغلوا بمخارج حروفها، ولم يصح عنهr شيء، إنما كان ينوي بقلبه فقط، وكذلك أصحابه، فاستحوذ الشيطان على طائفة، وأشغلهم بمخارج حروف النية ليصرف قلوبهم عن الحضور مع الله تعالى الذي هو روح الصلاة … ولو أدرك النبيr هؤلاء لمقتهم، ولو أدركهم عمر t لضربهم، ولو أدركهم أحد من الصحابة والتابعين لبدّعهم وكرههم "([137]) .

5- فتاوى حول المرأة :

- جواز خروج المرأة متعطرة :

يقول الحبشي: " إذا خرجت – المرأة – متعطرة أو متزينة ساترة ما يجب عليهـا سـتره من بدنهـا … فليس في ذلـك أكثر من الكراهة التنزيهية أي أنها لا تعصى "([138]) ويستدل الحبشي على قوله هذا بدليل قول الرسولr : " أيما امرأة خرجت مستعطرة فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية " ثم عقب على الحديث بقوله " وشرح الحديث أن المرأة التي تقصد بخروجها متطيّبة استمالة الرجال إليها أي للفاحشة "([139]) .

وهذا القول مخالف لظاهر الحديث الذي أطلق الحكم فجـاء الحبشي ليقيده باستمالـة الرجال دون دليل وهذا باطل، ويؤكد بطلانه أن الرسولr نهى المرأة أن تتعطر وهي ذاهبة للمسجد فقال: " أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل "([140]) فهل وهي ذاهبة للمسجد تستميل الرجال ؟!!!

- جواز خروج المرأة دون إذن زوجها :

أباح الحبشي خروج المرأة على طاعة زوجها إذا لم يأذن لها بالذهاب لطلب العلم . بل أجاز لها السفر ولو بغير إذنه لاستفتاء المشايخ في أي وقت بل قال تخرج بدون رضاه([141]) . وهذه دعوة إلى نشوز المرأة وتطاولها على زوجها وهذا مخالف لشرع الله تعالى وقوامة الرجل .

6- الدعوة إلى القومية :

من الملاحظ أن الأحباش يركزون في تصريحاتهم ومقابلاتهم على القومية العربية، والأمة العربية ولبنان العربي حيث يقول الحبشي نزار الحلبي: " وصل مرشحنا الدكتور عدنان طرابلسي بالرعاية والعناية الإلهية ليرفع في البرلمان مع الإخوة الوطنيين الطيبين هوية لبنان العربي "([142]) .

وقـال عدنـان الطرابلسي النائـب عـن الأحباش في البرلمان: " لا مانع من أن يكون هناك صلح مع إسرائيل، ولكن المطلوب أن يكون لنا كشعب عربي حقوق نطالب فيها ضمن الإجماع العربي، وأنا بدون تحفظ مع هذا الإجماع، وأنا مع الكتلة العربية كاملة، يهمنا المصلحة العربية العامة الشاملة "([143]) .

وقال حسام قرقيرا - نائب رئيس جمعية المشاريع وهي جمعية تابعة للأحباش – في مقابلة أجرتها معه جريدة السفير : " نحن مع الإجماع العربي، فإذا حصل إجماع عربي على إنهاء الحرب مع اليهود فنحن مع هذا الإجماع "([144]) .

وهذا أدى بالأحباش أن يكون لهم موقف من الجهاد حيث إن الحبشي عندما سئل عن الجهاد قال: " إننا اليوم ضعفاء ولا جهاد اليوم؛ لأن أسلحتنا لا تساوي عُشر عُشر ما عند أعدائنا وفي هذه الحال فليس فرضاً الجهاد ومن قال خلاف ذلك فقد خالف القرآن والحديث "([145]) . إن قول الحبشي هذا مخالف للكتاب والسنة حيث قـال الله تعالى : ]انفـِرُوا خِفافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[([146]) وقال: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ …[([147]) وقال الرسولr : " من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق … "([148]) وقال: " ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله "([149]) .

كما أن المسلمين يملكون من القدرات البشرية والمالية والأسلحة ما يفوق غيرهم لو اتحدوا ورجعوا إلى كتاب الله تعالى . وسنة رسوله ، وطرحوا بعيداً عنهم شعار القومية الذي أدى إلى تفريق الأمة الإسلامية وضعفها . ولسنـا ضد العروبة فنحن عرب، وكتاب ربنا نزل باللغة العربية ونبينا محمدr عربي غير أننا نرفض هذه الشعارت التي جاءت بديلاً عن شعار الإسلام بهدف تفتيت وحدة المسلمين . وزرع القوميات المتعددة التي حذر منها الرسول r واعتبر التعصب لها جاهلية . ثم نتساءل لماذا هذا الحرص الزائد في الدعوة إلى شعارات الصلح مع اليهود مع أنهم اغتصبوا فلسطين ودنسوا أرضها ومقدساتها، فكان الأولى بالحبشي وأتباعه أن يحضوا على جهاد اليهود؛ لإخراجهم من فلسطين لا أن يدعوا إلى صلحهم ومسالمتهم، وأن يدعوا إلى توحيد المسلمين، لا محاربة الحركات الإسلامية المخالفة لآرائهم .



--------------------------------------------------------------------------------

يوسف التازي
13-01-15, 02:41 PM
الرد الوافر على من كفر شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله

http://www.ansarsunna.com/vb/showthread.php?t=45347

http://islamqa.info/ar/96323

وكل يؤخذ منه ويرد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا وقع شيخ الاسلام ابن تيمية في خطأ فلا يحل لمسلم يخاف الله أن يتكلم في هذا العالم الفقيه المحدث الذي جمع انواع العلوم وكان من أهل الافتاء فاذا ثبت وقوعه رحمه الله في خطأ فلا نتابعه عليه ولا نطعن فيه لا سيما وأن لحوم العلماء مسمومة فلا نتابعه فيما ثبت خطؤه فيه بل لا ننكر فضله ونترحم عليه ونترضى عليه جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خيرا وهكذا شأن جميع علماء المسلمين رحمهم الله جميها ولا عصمة الا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليتق الله أناس يتتبعون اخطاء العلماء ويتكلمون فيهم فيبوؤون بوزر الغيبة ويقعون في المحظور شرعا والعياذ بالله فليتوبوا الى الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

ثناء العلماء على الشيخ ابن تيمية رحمه الله

http://www.alifta.net/Fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=2&View=Page&PageNo=1&PageID=2684

شيخ الاسلام ابن تيمية لم يكن ناصبيا وراجعوا عقيدته الواسطية

http://waqfeya.com/book.php?bid=4921

يوسف التازي
13-01-15, 03:00 PM
لا يجوز الطعن والتكلم في شيخ الاسلام ابن تيمية فان ثبت خطؤه في مسالة فلا تنكلم فيه فلا عصمة الا للانبياء وابن تيمية كان من كبار العلماء فان ثبت خطؤه فلا نتابعه عليه ولا نتكلم فيه الا بخير فكل يؤخذ منه ويرد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتق الله رجال يتتبعون اخطاء العلماء فيبوءون باثم الغيبة ولحوم العلماء مسمومة وليتوبوا الى الله تعالى ولا يعني خطأ عالم ان نتكلم بل لا نتابعه عليه ونترحم ونترضى عليه وعلى جميع علماء المسلمين وجميع علماء المسلمين شأنهم كذلك ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=327604

ثناء الائمة في ابن تيمية

http://waqfeya.com/book.php?bid=5685

http://www.alifta.net/Fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=2&View=Page&PageNo=1&PageID=2684

ابن تيمية لم يكن ناصبيا

http://www.khayma.com/kshf/R/RAF/dfa3%20-%20tym.htm

ثناء العلماء على ابن تيمية رحمه الله
http://islamqa.info/ar/96323

يوسف التازي
13-01-15, 03:03 PM
وكذلك كل العلماء شأنهم كذلك اذا اخطؤوا لا نتابعهم على خطئهم لأنه لا عصمة الا للأنبياء وكل يؤخذ منه ويرد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونترضى عليهم ونترحم عليهم اجمعين تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون
فرحم الله جميع علماء المسلمين ولحومهم مسومة فلنتق الله ولا نتكلم فيهم الا بخير رحمهم الله

دفاع عن المحدث الشيخ الالباني رحمه الله

http://waqfeya.com/book.php?bid=2384

يوسف التازي
13-01-15, 03:08 PM
المهم هو النجاة من النار فلنتق الله ولنطهر السانتنا من الوقوع في اعراض العلماء وغيبهم رحمهم الله اجمعين والحمد لله
سؤال محمد عبد الوهاب لماذا هو محارب وكثير ما يقال فيه ويسمون من يتبعه بالوهابي ر؟.

hr

الجواب :

الحمد لله

لتعلم أخي أن من سنن الله تعالى في عباده المصطفين أن يبتليهم على قدر إيمانهم ليبين الصادق من الكاذب ، كما قال سبحانه : (ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت / 1 – 3 ، وأشدّ أولئك العباد بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، كما صحّ ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

ولو تأمّل الإنسان سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجد أنه – بأبي هو وأمي – قد أصابه من البلاء الشيءُ العظيم ، حتى نُعت بأنه كذاب وساحر ومجنون ، ووُضع سلا جزور على ظهره ، وطرد من مكة ، وأدميت قدماه الشريفتان في الطائف ، حاله حال الأنبياء الذين كُذِّبوا من قبله صلوات ربي وسلامه عليهم .

والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد أصيب بما أصيب به العلماء والدعاة المخلصون ، لكن كانت العاقبة في النهاية للحق الذي كان يحمله ، وأنّى للحق أن يخبو نوره أو يعفو أثره ، ولك أن تتصوّر أن يوفّق الله هذا الرجل بغرس التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وأطرافها ، ويقضي على جلّ صور الشرك وأشكاله ، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على إخلاصه وتفانيه في دعوته فيما نحسب ، مع ما اقترن ذلك من سداد الله له وتوفيقه إياه .

وأما أعداء الدعوة فلم يألوا جهداً في إلصاق التهم الباطلة به ، فزعموا – وهم كاذبون – بأن الشيخ يدّعي النبوة ، وأنه ينتقص من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه يكفّر الأمة جزافاً .. إلى غير ذلك من الافتراءات التي أُلصقت به ، ومن ينظر إلى تلك الدعاوى يعلم يقيناً أنها محض كذب وافتراء ، وكتب الشيخ المبثوثة أكبر شاهد على ذلك ، وأتباعه من الذين استجابوا لدعوته لم يذكروا ذلك أيضاً ، ولو كان الأمر كما ادّعى المدّعون لأبان ذلك أتباعُه ، وإلاّ كانوا له عاقّين غير بارّين ، ولو أردت الاستفصال في هذا الأمر واستجلاء ما خفي عليك من حقائق فعليك بالرجوع إلى كتاب " دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف . فإنك ستجد فيه ما يشفي تساؤلاتك بإذن الله .

أما نعت أتباعه ( بالوهابية ) فما هو إلاّ مسلسل من مسلسلات افتراءات أعداء الدعوة فيه أيضاً ، ليحولوا الناس عن دعوة الحق ، وليبنوا بين دعوته وبين الناس جداراً وحاجزاً يحول دون بلوغ الدعوة ، ولو تأمّلت قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه لوجدت أحداثها تقارب ما حصل لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب .

فقد أورد ابن هشام في السيرة (1/394) أن الطفيل خرج قاصداً مكة ، فتلقفته قريش على أبوابها وحذرته من السماع من محمد صلى الله عليه وسلم ، وأوحوا إليه بأنه ساحر وأنه يفرّق بين المرء وزوجه ... ، فلم يزالوا به حتى عمد إلى قطن فوضعه في أذنيه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حدّث نفسه بأن ينزع القطن ، ويسمع منه ، فإن كان ما يقوله حقاً قبل منه ، وإن كان ما يقوله باطلاً وقبيحاً ردّ ، فلما استمع إليه ما كان منه إلاّ أن أسلم في مكانه .

نعم أسلم بعد أن وضع القطن في أذنيه ، وهكذا ينهج المناوئون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نهج قريش في الافتراء ، ذلك لأن قريشاً تدرك تمام الإدراك أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تلامس شغاف القلوب والأفئدة ، وتهتدي إليها الفطرة ، فعمدوا إلى تهويل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحولوا دون بلوغ الناس الحق ، وهكذا نرى الذين يتكلمون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يعيدون نفس الفصول والمؤامرات التي حيكت حيال الدعوة الأولى .

وعليك أخي الكريم – إن كنت تنشد الحق – أن لا تترك لتلك الدعاوى مجالاً لسمعك وقلبك واقصد الحق في المسألة بالنظر إلى كتب الشيخ محمد ، فكتبه أعظم دليل على كذب القوم والحمد لله .

وثمت أمرٌ آخر لطيفوهو أن اسم الشيخ هو ( محمد ) والنسبة إليه محمدي ، أما ( وهّابي ) فهو نسبة إلى الوهّاب ، و الوهاب هو الله تعالى كما قال : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) آل عمران /8 .

و الوهاب كما قال الزجاج في اشتقاق أسماء الله ص : 126 : " الكثير الهبة والعطية ، وفعّال في كلام العرب للمبالغة، فالله عز وجل وهّاب يهب لعباده واحداً بعد واحد ويعطيهم" .

ولاشك أن سبيل الوهّاب هو السبيل الحق الذي لا اعوجاج فيه ولا افتراء ، وحزبه غالب ومفلح ( ومن يتولّ الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون ) المائدة /56 ، (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) المجادلة/22 .

وقديماً اتهموا الشافعي بالرفض فردّ عليهم قائلاً :

إن كان رفضاً حبّ آل محمد *** فليشهد الثقلان أني رافضي

ونحن نردّ على من يتّهمنا بالوهابية بقول الشيخ ملا عمران الذي كان شيعياً فهداه الله إلى السنة ، قال رحمه الله :

إن كان تابع أحمد متوهّباً *** فأنا المقرّ بأنني وهّابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي *** ربٌ سوى المتفرّد الوهّاب
نفر الذين دعاهم خير الورى *** إذ لقّبوه بساحرٍ كذّاب

والله تعالى أعلم .

( انظر : منهاج الفرقة الناجية للشيخ محمد جميل زينو ص : 142 – 143 )

يوسف التازي
13-01-15, 03:10 PM
ومما قاله الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله معرِّفا بنفسه :" أُخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذي أدين الله به : مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين ، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة ؛ لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم ، وعن إشراكهم في ما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب و لا نبي مرسل ، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم ، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة .

وأنا صاحب منصب في قريتي ، مسموع الكلمة ، فأنكر هذا بعض الرؤساء لكونه خالف عادة نشؤوا عليها . وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله ، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر ، وأنواع من المنكرات ،فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنا عند العوام ، فجعلوا قدحهم وعداوتهم في ما آمر به من التوحيد ، وما نهيتهم عنه من الشرك ، ولبَّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس ، وكبرت الفتنة جدا ..." انتهى المقصود منه من الدرر السنية : 1/64-65 ،79-80 .

يوسف التازي
13-01-15, 03:17 PM
الرد على الاحباش والرافضة في موضوع دراسة مقارنة عقيدة الوهابية وعقيدة واليهود

http://www.alsrdaab.com/vb/showthread.php?t=60257

www.dd-sunnah.net/forum/forumdisplay.php?f=24

يوسف التازي
13-01-15, 03:21 PM
دفاع عن الشيخين الكريمين والعالمين الفاضلين ابن باز والعثيمين رضي الله عنهما ورحمهما الله واسكنهما فسيح جناته

http://www.alifta.net/Fatawa/FatawaDetails.aspx?********name=ar&View=Page&PageID=11539&PageNo=1&BookID=2#P7

يوسف التازي
13-01-15, 04:04 PM
عقيدة المؤمن

http://waqfeya.com/book.php?bid=8934

يوسف التازي
13-01-15, 04:11 PM
الله في السماء الرحمن على العرش

www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=4016‎En

الرد على من انكر الحرف والصوت واثبات ان القرآن كلام الله حقيقة

http://islamport.com/w/aqd/Web/4739/1.htm

يوسف التازي
13-01-15, 04:19 PM
الرد على احد الاحباش للاستاذ دمشقية واثبات العلو لله الواحد القهار

الاحتجاج بليس كمثله شيء
قولك بأن دليلك على نفي أن الله في السماء هو قوله تعالى (ليس كمثله شيء).

أولا: أكمل الآية ولا تقطعها أيها المعطل المدلس الإنتقائي. فلو أنك أكملت الآية لوقعت في الحيرة، لأن صفتي السميع العليم مما يوصف بهما البشر فيلزمك أن تؤول هاتين الصفتين كما أولت الإستواء وإلا لزمك التناقض أو تعود إلى منهجنا في نفي التشبيه أولا ثم إثبات الصفة ثانيا: فتسلم من التشبيه ثم من التعطيل. وإلا فعدم توهم التشبيه في السميع والبصير مع توهم التشبيه في الإستواء تحكم محض. فما لزم من الاستواء يلزم من السمع والبصر أو يلزمك التناقض والتحكم.

فإن قلت: لا يشبه سمعه وبصره سمع البشر وبصرهم: قلنا لك ولا يشبه استواؤه استواء البشر. فالتناقض منك لا منا.

أنتم ملزمون بالتحيز وإن نفيتموه
ثانيا: الاحتجاج بعموم (ليس كمثله شيء) هو حجة المعتزلي ضد الأشاعرة. فإن الأشعري يثبت رؤية الله. أما المعتزلي فإنه ينفي رؤية الله مستدلا بعموم (ليس كمثله شيء). فما أردت أن تلقمنا إياه حجرا قد ألقمك إياه المعتزلي. فيلزمك تنزيه الله عن الرؤية وموافقة المعتزلي، وإلا لزمك التناقض والتحيز. وقد ألزمك المعتزلي بالتحيز لاعتقادك أيها الأشعري أنه يجوز رؤية الله في الآخرة، فقال لك متهكما: قد أضحك الناس على عقله من زعم أن الله يُرى لا في محل. فأنت عنده مثبت للتحيز إلزاما وإن نفيت ذلك لأنك تثبت له رؤية ولا بد أن تكون الرؤية لمحل. فظلمك لنا فرع عن ظلمه لك.

أأمنتم من في السماء ليست على ظاهرها
وأما ما نقلتموه عن النووي من أن قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء) ليس على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم.

فالجواب: قطعت كلامه أيها المدلس الحبشي. وبقية كلامه هكذا:

« فمن قال باثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي على السماء» انتهى.

فلماذا لم تنقل كلامه بتمامه أيها الحبشي المخابراتي العفلقي المدلس؟؟؟

من قال بأنها ليست على ظاهرها قال بأن المراد منها أنه فوق السماء لا كما قال شيخك بأن المراد بذلك الملائكة. وقد سقت لك ذلك ولكنك تجاهلت ذلك.

قال البيهقي في الأسماء والصفات (2 :165): « ومعنى قوله في هذه الأخبار "من في السماء" أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة ». وذكر البيهقي قول جهم أن الله مع كل شيء وفي كل شيء ثم قال: « كذب عدو الله: إن الله في السماء كما وصف نفسه » (الأسماء والصفات 2: 170).

واعترف بأن أبا الحسن الطبري – من خواص أصحاب أبي الحسن الأشعري - ذهب إلى أن الله في السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما يقول: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوت الطير على قمة رأسي، بمعنى: علا في الجو فوجد فوق رأسي، والقديم سبحانه عالٍ على عرشه [الأسماء والصفات 517 – 518 محققة 2/152 – 153].

وعليكم أيها الأحباش بما قاله شيخكم ابن فورك الأشعري: « إعلم أنه ليس يُنكر قولُ من قال: إنّ الله في السماء. لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به، وهو قوله: ) أأمنتم من في السماء( ومعنى ذلك أنه فوق السماء » [مشكل الحديث وبيانه 392 ط: دار عالم الكتب].

هل قرأتها جيدا أيها الحبشي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

النووي يلقم الأحباش حجرا ويثني على معاوية
قال النووي « وأما معاوية رضي الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله عنه.
وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها وكلهم عدول رضي الله عنهم ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم» (تحت حديث رقم 2381 بداية كتاب الفضائل وأما الشرح 15/149) وهو دائم الترضي عنه (انظر 7/168 ).
وهو دائم الترضي عنه فيروي أحاديث لصحابة يرد فيها الترضي عن معاوية. (أنظر رياض الصالحين 658 و811 و1034 و1376 و1450 و1571 و1643 1783).

فخذوه حيث حافظ عليه نص.

كذابون على أبي حنيفة

أما قول أبي حنيفة « من قال لا أعرف ربي أفي السماء هو أم في الأرض فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مشبه».

وأسألك أيها الحبشي لماذا لم تضع لهذا النص مصدرا من كتاب لأبي حنيفة؟؟؟

يالك من كذاب أشر. فإليك نص كلام أبي حنيفة:

قال أبو حنيفة: « من قال لا أعرف ربي: في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذلك من قال: إنه على العرش ولا أدري: العرش في السماء أو في الأرض؟ لأن الله تعالى قال: ] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ [طه: 5]» [انظر الفقه الأكبر 36 – 37 والعلو للذهبي 101].

قيل له: فإن قال: إن الله تعالى على العرش استوى ولكن (القائل) يقول: لا أدري: ألعرش في السماء أم في الأرض؟

قال: هو كافر لأنه أنكر كون العرش في السماء لأن العرش في أعلى عليين [كما في نسخة الكوراني]، والله تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل، لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية في شيء. انتهى.

الله في السماء دون الأرض عند أبي حنيفة باعتراف البيهقي
ويؤيد هذا ما رواه البيهقي من أن امرأة كانت تجالس جهم بن صفوان، جاءت إلى أبي حنيفة وقالت له: «أنت الذي تعلِّم الناس المسائل وقد تركتَ دينك. أين إلهك الذي تعبده؟

فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إليها وقد وضع كتابين: عنوان أحدهما: (الله تبارك وتعالى في السماء دون الأرض).

البيهقي يصادق على قول أبي حنيفة
قال البيهقي « لقد أصاب أبو حنيفة رضي الله عنه فيما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله: إن الله عز وجل في السماء ».

ينقلون عن البيهقي ما لا يعقلون
وأما ما نقلته أيها الحبشي عن البيهقي:

« يجب أن يُعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشىء من خلقه، لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف». انتهى من كتابه الاعتقاد والهداية.

تأمل أيها الحبشي قول البيهقي « هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف».

ألا ترى أنك تخالف البيهقي الذي نقلت لك صريح كلامه أن معنى أأمنتم من في السماء) أي هو الله فوق السماء. كما وصف نفسه بذلك.

أنت ترى أن الآية متعلقة بالملائكة وأن من أثبت أن الله فوق السماء فهو كافر. فالبيهقي يثبت لله ما تنفيه أنت وتحكم بكفر من يثبته.

فصار البيهقي عندك كافرا.

رشق الأحباش بالحجر من كلام ابن حجر
وقلت أيها الحبشي:

« وفي كتاب المنهاج القويم شرح شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي على المقدمة الحضرمية ص/224 يقول :"واعلم أن القَرافي وغيرَه حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك».

فإليك بعض الحجر من كلام ابن حجر الهيتمي:

فقد نص ابن حجر المكي الهيتمي على أن المشهور [بل] الصحيح من المذهب عدم تكفير المجسمة كما قاله جمع من المتأخرين: من أن المجسمة لا يكفرون، ولكن أطلق في المجموع تكفيرهم [الإعلام بقواطع الإسلام ص 38 و 50].

قال: « وينبغي حمل الأول [أي عدم التكفير] على ما إذا قالوا جسمٌ لا كالأجسام، والثاني [أي التفكير] على ما إذا قالوا: جسمٌ كالأجسام، لأن النقص اللازم على الأول قد لا يلتزمونه، ولازم المذهب ليس بمذهب [الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/358 وانظر 351 و387] وانتهى إلى أن الصحيح أننا لا نكفّر الجهوية [أي القائلين على الله بالجهة] ولا المجسمة إلا إن صرّوا باعتقاد لوازم الحدوث ...» الخ.

وإليك مزيدا من إلقامك بالحجر:

ونصّ العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى على أن معتقد الجهة مخطئ خطأ معفوًا عنه، لأن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم [قواعد الأحكام الكبرى 170 الحاوي للفتاوي 2/133].

قلت: والحمد لله على اعتراف العز بأن طريقة أهل الكلام صعبة المدرك عسيرة الفهم. فهذا أحد أدلة أهل السنة على بطلان طريقة أهل الكلام].

قال العز « فإن قيل يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثًا؟ قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب لأن المجسمة جازمون بأنه من جهة وبأنه قديم أزلي ليس بمحدث، فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافه وإن كان لازمًا من قوله » [قواعد الأحكام الكبرى 172].

وقال الأسنوي: « لا نكفّر المجسمة على المشهور كما دل عليه كلام الشرح والروضة في الشهادات » [الإعلام بقواطع الإسلام للهيتمي 25 و 38 و 50].

وقال به أبو حامد الغزالي [فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة 129 و 148].

وقال الجلال الدوّاني في شرحه على العقائد العضدية (ص532) « ومنهم من تستّر بالبلكفة وقال: هو جسم لا كالأجسام، وله حيّز لا كالأحياز، ونسبته إلى حيزه ليست كنسبة الأجسام إلى أحيازها‎) وهكذا ينفي عنه جميع خواصّ الجسم حتى لا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يُكفّرون بخلاف المصرحين بالجسمية ».

فيا لك من مدلس أفاك تتجاهل صريح ما قاله ابن حجر والعز بن عبد السلام.

وفي النهاية لا تنس أيها الحبشي أنك عند المعتزلي مجسم لأنه يستحيل في العقل رؤية ما ليس بجسم ولا يكون في جهة أو حيز.

فهذا ردي عليك أيها الحبشي.

يوسف التازي
13-01-15, 04:23 PM
الرد على احد الاحباش للاستاذ دمشقية واثبات العلو لله الواحد القهار

الاحتجاج بليس كمثله شيء
قولك بأن دليلك على نفي أن الله في السماء هو قوله تعالى (ليس كمثله شيء).

أولا: أكمل الآية ولا تقطعها أيها المعطل المدلس الإنتقائي. فلو أنك أكملت الآية لوقعت في الحيرة، لأن صفتي السميع العليم مما يوصف بهما البشر فيلزمك أن تؤول هاتين الصفتين كما أولت الإستواء وإلا لزمك التناقض أو تعود إلى منهجنا في نفي التشبيه أولا ثم إثبات الصفة ثانيا: فتسلم من التشبيه ثم من التعطيل. وإلا فعدم توهم التشبيه في السميع والبصير مع توهم التشبيه في الإستواء تحكم محض. فما لزم من الاستواء يلزم من السمع والبصر أو يلزمك التناقض والتحكم.

فإن قلت: لا يشبه سمعه وبصره سمع البشر وبصرهم: قلنا لك ولا يشبه استواؤه استواء البشر. فالتناقض منك لا منا.

أنتم ملزمون بالتحيز وإن نفيتموه
ثانيا: الاحتجاج بعموم (ليس كمثله شيء) هو حجة المعتزلي ضد الأشاعرة. فإن الأشعري يثبت رؤية الله. أما المعتزلي فإنه ينفي رؤية الله مستدلا بعموم (ليس كمثله شيء). فما أردت أن تلقمنا إياه حجرا قد ألقمك إياه المعتزلي. فيلزمك تنزيه الله عن الرؤية وموافقة المعتزلي، وإلا لزمك التناقض والتحيز. وقد ألزمك المعتزلي بالتحيز لاعتقادك أيها الأشعري أنه يجوز رؤية الله في الآخرة، فقال لك متهكما: قد أضحك الناس على عقله من زعم أن الله يُرى لا في محل. فأنت عنده مثبت للتحيز إلزاما وإن نفيت ذلك لأنك تثبت له رؤية ولا بد أن تكون الرؤية لمحل. فظلمك لنا فرع عن ظلمه لك.

أأمنتم من في السماء ليست على ظاهرها
وأما ما نقلتموه عن النووي من أن قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء) ليس على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم.

فالجواب: قطعت كلامه أيها المدلس الحبشي. وبقية كلامه هكذا:

« فمن قال باثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي على السماء» انتهى.

فلماذا لم تنقل كلامه بتمامه أيها الحبشي المخابراتي العفلقي المدلس؟؟؟

من قال بأنها ليست على ظاهرها قال بأن المراد منها أنه فوق السماء لا كما قال شيخك بأن المراد بذلك الملائكة. وقد سقت لك ذلك ولكنك تجاهلت ذلك.

قال البيهقي في الأسماء والصفات (2 :165): « ومعنى قوله في هذه الأخبار "من في السماء" أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة ». وذكر البيهقي قول جهم أن الله مع كل شيء وفي كل شيء ثم قال: « كذب عدو الله: إن الله في السماء كما وصف نفسه » (الأسماء والصفات 2: 170).

واعترف بأن أبا الحسن الطبري – من خواص أصحاب أبي الحسن الأشعري - ذهب إلى أن الله في السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما يقول: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوت الطير على قمة رأسي، بمعنى: علا في الجو فوجد فوق رأسي، والقديم سبحانه عالٍ على عرشه [الأسماء والصفات 517 – 518 محققة 2/152 – 153].

وعليكم أيها الأحباش بما قاله شيخكم ابن فورك الأشعري: « إعلم أنه ليس يُنكر قولُ من قال: إنّ الله في السماء. لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به، وهو قوله: ) أأمنتم من في السماء( ومعنى ذلك أنه فوق السماء » [مشكل الحديث وبيانه 392 ط: دار عالم الكتب].

هل قرأتها جيدا أيها الحبشي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

النووي يلقم الأحباش حجرا ويثني على معاوية
قال النووي « وأما معاوية رضي الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله عنه.
وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها وكلهم عدول رضي الله عنهم ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم» (تحت حديث رقم 2381 بداية كتاب الفضائل وأما الشرح 15/149) وهو دائم الترضي عنه (انظر 7/168 ).
وهو دائم الترضي عنه فيروي أحاديث لصحابة يرد فيها الترضي عن معاوية. (أنظر رياض الصالحين 658 و811 و1034 و1376 و1450 و1571 و1643 1783).

فخذوه حيث حافظ عليه نص.

كذابون على أبي حنيفة

أما قول أبي حنيفة « من قال لا أعرف ربي أفي السماء هو أم في الأرض فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مشبه».

وأسألك أيها الحبشي لماذا لم تضع لهذا النص مصدرا من كتاب لأبي حنيفة؟؟؟

يالك من كذاب أشر. فإليك نص كلام أبي حنيفة:

قال أبو حنيفة: « من قال لا أعرف ربي: في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذلك من قال: إنه على العرش ولا أدري: العرش في السماء أو في الأرض؟ لأن الله تعالى قال: ] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ [طه: 5]» [انظر الفقه الأكبر 36 – 37 والعلو للذهبي 101].

قيل له: فإن قال: إن الله تعالى على العرش استوى ولكن (القائل) يقول: لا أدري: ألعرش في السماء أم في الأرض؟

قال: هو كافر لأنه أنكر كون العرش في السماء لأن العرش في أعلى عليين [كما في نسخة الكوراني]، والله تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل، لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية في شيء. انتهى.

الله في السماء دون الأرض عند أبي حنيفة باعتراف البيهقي
ويؤيد هذا ما رواه البيهقي من أن امرأة كانت تجالس جهم بن صفوان، جاءت إلى أبي حنيفة وقالت له: «أنت الذي تعلِّم الناس المسائل وقد تركتَ دينك. أين إلهك الذي تعبده؟

فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إليها وقد وضع كتابين: عنوان أحدهما: (الله تبارك وتعالى في السماء دون الأرض).

البيهقي يصادق على قول أبي حنيفة
قال البيهقي « لقد أصاب أبو حنيفة رضي الله عنه فيما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله: إن الله عز وجل في السماء ».

ينقلون عن البيهقي ما لا يعقلون
وأما ما نقلته أيها الحبشي عن البيهقي:

« يجب أن يُعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشىء من خلقه، لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف». انتهى من كتابه الاعتقاد والهداية.

تأمل أيها الحبشي قول البيهقي « هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف».

ألا ترى أنك تخالف البيهقي الذي نقلت لك صريح كلامه أن معنى أأمنتم من في السماء) أي هو الله فوق السماء. كما وصف نفسه بذلك.

أنت ترى أن الآية متعلقة بالملائكة وأن من أثبت أن الله فوق السماء فهو كافر. فالبيهقي يثبت لله ما تنفيه أنت وتحكم بكفر من يثبته.

فصار البيهقي عندك كافرا.

رشق الأحباش بالحجر من كلام ابن حجر
وقلت أيها الحبشي:

« وفي كتاب المنهاج القويم شرح شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي على المقدمة الحضرمية ص/224 يقول :"واعلم أن القَرافي وغيرَه حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك».

فإليك بعض الحجر من كلام ابن حجر الهيتمي:

فقد نص ابن حجر المكي الهيتمي على أن المشهور [بل] الصحيح من المذهب عدم تكفير المجسمة كما قاله جمع من المتأخرين: من أن المجسمة لا يكفرون، ولكن أطلق في المجموع تكفيرهم [الإعلام بقواطع الإسلام ص 38 و 50].

قال: « وينبغي حمل الأول [أي عدم التكفير] على ما إذا قالوا جسمٌ لا كالأجسام، والثاني [أي التفكير] على ما إذا قالوا: جسمٌ كالأجسام، لأن النقص اللازم على الأول قد لا يلتزمونه، ولازم المذهب ليس بمذهب [الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/358 وانظر 351 و387] وانتهى إلى أن الصحيح أننا لا نكفّر الجهوية [أي القائلين على الله بالجهة] ولا المجسمة إلا إن صرّوا باعتقاد لوازم الحدوث ...» الخ.

وإليك مزيدا من إلقامك بالحجر:

ونصّ العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى على أن معتقد الجهة مخطئ خطأ معفوًا عنه، لأن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم [قواعد الأحكام الكبرى 170 الحاوي للفتاوي 2/133].

قلت: والحمد لله على اعتراف العز بأن طريقة أهل الكلام صعبة المدرك عسيرة الفهم. فهذا أحد أدلة أهل السنة على بطلان طريقة أهل الكلام].

قال العز « فإن قيل يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثًا؟ قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب لأن المجسمة جازمون بأنه من جهة وبأنه قديم أزلي ليس بمحدث، فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافه وإن كان لازمًا من قوله » [قواعد الأحكام الكبرى 172].

وقال الأسنوي: « لا نكفّر المجسمة على المشهور كما دل عليه كلام الشرح والروضة في الشهادات » [الإعلام بقواطع الإسلام للهيتمي 25 و 38 و 50].

وقال به أبو حامد الغزالي [فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة 129 و 148].

وقال الجلال الدوّاني في شرحه على العقائد العضدية (ص532) « ومنهم من تستّر بالبلكفة وقال: هو جسم لا كالأجسام، وله حيّز لا كالأحياز، ونسبته إلى حيزه ليست كنسبة الأجسام إلى أحيازها‎) وهكذا ينفي عنه جميع خواصّ الجسم حتى لا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يُكفّرون بخلاف المصرحين بالجسمية ».

فيا لك من مدلس أفاك تتجاهل صريح ما قاله ابن حجر والعز بن عبد السلام.

وفي النهاية لا تنس أيها الحبشي أنك عند المعتزلي مجسم لأنه يستحيل في العقل رؤية ما ليس بجسم ولا يكون في جهة أو حيز.

فهذا ردي عليك أيها الحبشي.

كما لاحظتم أيها الأحبة فقد حاد مالك79 هداه الله عن أسئلتي تماما وبان عجزه واضحا.

ألزمته بتأويل صفتي السميع البصير كما يفعل في الاستواء فلم يجب عن ذلك واكتفى بأنه يثبت لله أنه سميع بصير. وأن من يتوهم التشبيه في صفة الاستواء دون السمع والبصر فإنه متناقض لأنها كلها مما يوصف به المخلوق، فما الذي أوجب تأويل الاستواء دون صفتي السميع البصير. قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا). فحاد وهرب مالك79 وبقي إلزامي نسيا منسيا.

واكتفى بالكذب أنني اتهمته بأنه ينفي صفتي السميع والبصير. ثم زعم أنني توهمت ذلك ووصفني بالجهل. وأنا ألزمته بتأويلهما كما يفعل في الاستواء. فمن المتوهم الجاهل الآن؟

غير أنه قال كلمة لو أنه طردها في سائر الصفات لأغنته عن تحريف صفات الاستواء والنزول والمجيء... الخ. فإنه قال بأن « التوافق في اللفظ لا يعني التوافق في المعنى». ولكنه للأسف قد انتابه التخبط والتناقض لسوء المنهج الذي نشأ عليه.

زعم أنه يثبت لله الاستواء على عرشه. مع أنني لم أتهمه بأنه لا يعتقد أن الله قال ذلك. ولكنني أتهمه أنه يحرف نص الاستواء حين يزعم أن الله استولى على عرشه وقهره. فكان جوابه عن الاستواء أيضا ليس إلا حيدة وهروبا.

ذكرت له إلزام المعتزلي له لإثباته رؤية الله بأنه يعتقد بالجهة والتجيز لأنه يستحيل في العقل أن يكون هناك ما يمكن رؤيته ولا يكون في محل ولا يكون متحيزا. فحاد وهرب عن الجواب. وهو في الحقيقة ترك أصحابه بهذه الحيدة في هروب وضيق صدر وشك مما أتاهم به الحبشي.

ألزمته بإثبات البيهقي وابن فورك وأبي الحسن الطبري (من خواص الإمام أبي الحسن الأشعري) بأن الله في السماء بمعنى أنه على السماء وفوق عرشه. وأن البيهقي قال: إن الله في السماء فوق عرشه كما نطق به الكتاب والسنة. وأنا أبا الحسن الطبري فسر الاستواء بالاعتلاء فوق السطح: فتجاهل مالك79 وحاد وهرب. وترك أصحابه في شك مما تعلموه من شيخهم بهذا الموقف الهزيل الضعيف وهذه الحيدة والهروب.

ألزمته بإثبات البيهقي لكتاب كتبه أبو حنيفة وعنوانه (الله في السماء دون الأرض). لأؤكد له كذب الأحباش فيما ينقلونه عن المتعصب القديم الكوثري. بل واستحسان البيهقي لكتاب أبي حنفية ومصادقته على عقيدته بأن الله في السماء دون الأرض. فلم يجب مالك79 عن ذلك وحاد وهرب.

طالبته بأن يضبط النص الذي افتراه على أبي حنيفة من كتاب الفقه فلم يفعل وحاد وهرب كعادته. مع أن كتابه (الله في السماء دون الأرض) يؤكد التحريف المنسوب إليه من كل من الكوثري والأحباش. فلم نجد لمالك79 جوابا وبقي أصحابه في حيرة بعد هذه الحيدة الواضحة.

ألزمته بأن يقرأ تمام ما نقله النووي عن القاضي بإثبات أن الله في السماء أي على السماء: فحاد وهرب ولم نجد له كلمة.

ألزمته بعقيدة الحافظ النووي وأنه كان دائم الترضي عن معاوية وأن هذا منه موقف سني مخالف لموقف المتحبش الشيعي. فحاد وهرب ولم نجد له كلمة. وترك بهذه الموقف الهزيل أصحابه في شك وتردد وضيق صدر من ضعف من كانوا يزعمون أن شيخهم علمهم العقيدة بالأدلة العقلية والنقلية. ثم تبين بأنهم كانوا يقررون عقيدتهم بكلاشنكوف منظمة الصاعقة وحزب البعث للرفيق ميشو (ميشال عفلق)، وأنه لما زال سلطان هذا الكلاشنكوف عن لبنان لم يعد للأحباش من وسيلة يقررون بها عقيدتهم الكلامية الجدلية التحريفية لا بالعقل ولا بالنقل وبقي لهم السباب والشتم واتهام مخالفهم بالذنب الجوال وغير ذلك من ألفاظ الساقطين ومن لا علاقة لهم بالحوار العلمي الأخلاقي، الأمر الذي لا يقنع طالب الحق بل يزيده تحقيرا لهم ولأسلوبهم الفظ الغليظ.

ألزمته بأن ابن حجر والعز بن عبد السلام والغزالي والأسنوي والدواني صرحوا بعدم كفر المجسم والجهوي بل وقول ابن فورك بأنه لا ينكر على من قال بأن الله في السماء لورود القرآن به. فلم نجد من مالك جوابا.

أما ما ينقله عن النسفي فأنا لم أقل بأن الله في مكان بمعنى أنه محصور فيه. وإنما هو فوق المكان والعرش مخلوق مكاني لا زماني. وكذلك السماوات. والله فوق عرشه وفوق سماواته. وكان من الممكن إلزامي بقول النسفي فيما لو كنت أعتقد بأنه منحصر داخل المكان.

وقول النسفي ليس قرآنا. فإن النسفي متأثر بالفلاسفة ومنهجهم.

وله عظائم وكلام في حق الأشاعرة يلزم منه تكفيره. منها:

· فقد زعم النسفي بأنه « لا يجوز أن يوصف الله بالمجيء والذهاب » [بحر الكلام 23]. وهو قولٌ عظيم فإن الذي وصف الله بالمجيء هو الله نفسه. فكيف يُحكم على ما أجازه الله بأنه غير جائز؟!

· فقد زعم النسفي في تبصرة الأدلة بأن دليل التمانع مأخوذ من كتاب الله. فكذبه الحافظ ابن حجر وصرح بأنه مأخوذ من الفلاسفة وبالتحديد من آرسطو (لسان الميزان4/428).

· على أن الحافظ قد استحسن احتجاج النسفي في الكافي بما رواه عن محمد بن الحسن أنه قال: « ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحِيَل الموصلة إلى إبطال الحق» [فتح الباري 12/328 – 329].

· ولا تنس يا مالك بأن النسفي يتهم الأشاعرة بأنهم يرون جواز تخليد الكفار في الجنة وتخليد المؤمنين في النار كما نقله المرتضى الزبيدي عنه في (إتحاف السادة المتقين 2/185).

· فماذا تقول في اتهام النسفي للأشاعرة بأنهم يرون تخليد الكفار في الجنة؟؟؟

وهكذا فأنتم تجيدون الاحتجاج على الناس بما يقوله الناس وتهربون دائما من إلزامهم لكم بما يقوله الله ورسوله. ولا تنس يا مالك79 بأنكم لا تزالون لا تقرون للجارية بما أقرها عليه النبي من الإيمان لتصريحها بأن الله في السماء وأنتم تشمئزون من قولها ولا تبالون بمخالفة النبي في إقراره لإيمانها.

وأما ما نقلته عن القرافي فهذا ليس مما استقر عليه قول ابن حجر فقد نقلت لك صريح كلامه في عدم تكفير المجسمة والجهوية. وأما ما يقال من أن الشافعي وأحمد وأبو حنيفة أطلقوا القول بتكفيرهم فهات لك النص من مصادر كتبهم. ولا أعتقد أنك سوف تستطيع ذلك.

وأنا أطلق لله جهة فوق التي هو سبب اعتقادي بها فإنه وصف نفسه فوق علا على عرشه وارتفع كما فسره مجاهد وأبو العالية تلميذا ابن عباس فيما رواه عنهما البخاري في صحيحه.

وكلام السلف في إثبات علو الله في جهة فوق العرش كثير وثابت من كلام السلف.

] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه [ [فاطر 10]. روى البخاري (7430) قول النبي r : « ولا يصعد إلى الله إلا الطيب » [ومع أن البيهقي تأول صعود العمل بالقبول إلا أنه حار في التعامل مع قوله (إلى الله) ففضل تفويضه زاعماً أنه جرى في ذلك على طريقة السلف (فتح الباري 13/416)].

] يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي [ [آل عمران 55]، قال الطبري عن الحسن رضي الله عنه: « رفعه إليه فهو عنده في السماء » [تفسير الطبري 3/3/203].

] تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه [ [المعارج 4]، قال البخاري: قال مجاهد: « يقال ذي المعارج: الملائكة تعرج إلى الله » [البخاري 4/389 كتاب التوحيد باب رقم 23]. وقال الطبري: « يعني تصعد الملائكة والروح إلى الله عز وجل، والهاء في قوله ] إِلَيْهِ [ عائدة على اسم الله عز وجل » [جامع البيان مجلد 12 ج 29 ص 44].

الجواب على السؤال الإختياري
قال مالك: ماذا تقول في القرطبي وابن عباس رحمهم الله الذين أولوا الآية: (أأمنتم من في السماء) بالملائكة؟ عبارة القرطبي: (أأمنتم من في السماء) قال ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه، وقيل هو إشارة إلى الملائكة، وقيل جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب» انتهى.

ألعلك كذاب تكذب على ابن عباس يا مالك79؟

أين قال ابن عباس بأن معنى الآية هم الملائكة؟

لقد ورد تفسير الآية بالملائكة في سياق (((يقال))) وليس في سياق ما قال ابن عباس كما ادعيت كذبا وزورا.

قال القرطبي « وقيل إشارة إلى الملائكة». هكذا بصيغة المجهول أيها المجهول. ولم ينسب القرطبي شيئا من ذلك الى ابن عباس.

فأين قال ذلك ابن عباس؟

والرواية عن ابن عباس (أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه): والتي ليس فيها ذكر للملائكة وردت من غير إسناد. وفي سياق ما يقال.

راجع قول القرطبي: قيل كذا وقيل كذا. وهذا لا قيمة له ولو أنه ورد بسند آحاد لقلتم لا يجوز رواية الآحاد في مسائل العقائد. فكيف قبلت أيها المتناقض رواية بغير إسناد في مسائل العقائد؟

شيخكم يرفض الحديث الجارية زعم لأنه ليس متواترا مع أن الحديث في صحيح مسلم. وهذا مسجل عندي بصوته.

عند تأمل الرواية نجد أنها دليلا لنا وليس لكم يا مالك. فإنها تؤكد أن ابن عباس يثبت أن الضمير في الآية يعود على الله. فإنه يقول: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه. (تفسير القرطبي 18/215 تفسير البغوي4/371 ).

فأسألك من هو الذي في السماء إن عصيناه؟ أليس الله؟

بل إن المروي عن ابن عباس أن الله في السماء. ولك أن تتأمل هذه النقولات عن ابن عباس رضي الله عنه:

فقد قال في تفسير قوله تعالى: ] وَجَاءَ رَبُّك [ [الفجر 22]، « فيجيء الله فيهم والأمم جثيّ » [تفسير الطبري ج30 ص118-120].

وفي تفسير: ] ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [ [فصلت 11]، قال: أي ارتفع إلى السماء [تفسير البغوي 1/78 البقرة آية رقم 29].

وفي تفسير: ] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [ [الملك 16]، قال: أي وهو الله كما رواه عنه ابن الجوزي [زاد المسير 8/322].

وفي رواية القرطبي التي احتججتم بها من غير تتأملوا نصها : « أأمنتم عذاب مَن في السماء إن عصيتموه » [تفسير القرطبي 17/215].

بل قد روى البخاري عن ابن عباس ما يلي: وروى البخاري أن ابن عباس قال: « لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في السماء » [البخاري: خلق أفعال العباد ص40].

قال البيهقي في الأسماء والصفات (2 :165): « ومعنى قوله في هذه الأخبار "من في السماء" أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة ».

ونقل الحافظ ابن حجر كلام البيهقي [الأسماء والصفات 2/162-163 تحقيق عماد الدين حيدر مشكل الحديث وبيانه 172 و335 و392 وانظر فتح الباري 13/418 وانظر أيضاً 8/67 حديث رقم (4351) وفي كتاب التوحيد 13/415 وانظر كتاب الاعتقاد للبيهقي ص 113].

وهذا الكلام يجعل البيهقي في عداد مثبتي جهة العلو لله في السماء، فقد نقل النووي عن القاضي عياض ما نصه: « فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول "في السماء" أي على السماء » [شرح النووي على مسلم 5/24 – 25].

والسماء في قوله: ] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [ [الملك 16]، ليست هي نفس المخلوق العالي: العرش فما دونه، وإنما هي اسم جنس للعالي لا يخص شيئاً. فقوله (في السماء) أي في العلو دون السفل ليس بمعنى السماء الدنيا أو التي تحت العرش كما يفتري الحبشي [إظهار العقيدة السنية 112].

ومما يؤكد أن السماء لفظ اصطلاحي يراد به العلو قول النبي r : « الخيمة درّة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون » (متفق عليه). يبين ذلك أيضاً قول الإمام النووي رحمه الله: « قوله (طولها في السماء) أي في العلو » [شرح النووي على مسلم ج 17/176].

قال الطبري: ] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء [ وهو الله (تفسير الطبري المجلد 12/29).

وقد وصف الأحباش الطبري بالحافظ المجتهد (مجلة منار "الهدى" 14/22).

ووصفه السبكي بأنه الإمام الجليل المجتهد المطلق أحد أئمة الدنيا علماً وديناً.

قال السيوطي: هو عندي المبعوث على رأس المائة الثالثة (صون المنطق والكلام للسيوطي 87-88)].

كذا روى ابن الجوزي عن ابن عباس [زاد المسير 8/322]. والبغوي والسيوطي [معالم التنزيل للبغوي 4/371 والدر المنثور للسيوطي 8/238].

وقال أحمد: « ] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء [ فهذا خبر من الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل منه مذموماً » [الرد على الجهمية 41 و48].

وقال الحارث المحاسبي بعد أن ذكر أدلة الفوقية من القرآن ] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [ [الملك 16]، ] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب [ [فاطر 10]، ثم قال: « فهذا يوجب أنه فوق العرش لأنه أبان في هذه الآية أن (((ذاته بنفسه))) فوق عباده » [فهم القرآن 346 – 350 وهو كتاب له في التفسير].

وفي الختام: ألا تستحيي يا مالك79 أن تأتي عن ابن عباس بما لا سند له ويخالف اعتراف شيخك أبي بكر بن فورك القائل: « إعلم أنه ليس يُنكر قولُ من قال: إنّ الله في السماء. لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به، وهو قوله: ) أأمنتم من في السماء( ومعنى ذلك أنه فوق السماء » [مشكل الحديث وبيانه 392 ط: دار عالم الكتب].

وأما قولك هداك الله:

فهل ستبقى على دين فرعون وهامان يا دمشقية.

فالجواب: يسلم عليك الأشعري والجويني وابن خزيمة والطبري وابن الجوزي والحافظ ابن عبد البر ويقولون لك:

« إن فرعون كذَّب موسى في قوله: إن الله سبحانه فوق السماوات » [الإبانة 106 رسالة في إثبات الاستواء والفوقية 1/177 ضمن المنيرية والتوحيد لابن خزيمة 114].

وقال الطبري: «... يقول: وإني لأظن موسى كاذباً فيما يقول ويدّعي: إن له في السماء رباً أرسله إلينا » [تفسير الطبري مجلد11 ج24 ص43 ومجلد10 ج20 ص 49]. وحكاه ابن الجوزي في (زاد المسير 6/223).

وقال الدارمي [قال عنه الذهبي "كان لَهِجاً بالسنة وفاق أهل زمانه. . . وكان جذعة في أعين المبتدعة. قال أبو الفضل الجارودي "كان عثمان الدارمي إماماً يُقتدى به في حياته وبعد مماته" (سير أعلام النبلاء 3/319-325)]: « ففي هذه الآية بيان بيّن ودلالة ظاهرة أن موسى كان يدعو فرعون إلى معرفة الله بأنه فوق السماء، فمن أجل ذلك أمر ببناء الصرح ورام الاطلاع عليه » [الرد على الجهمية 21].

وقال ابن عبد البر في التمهيد: « فدلّ على أن موسى عليه السلام كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذباً » [التمهيد 7/133].

فمن أنكر علوّ الله فهو الفرعوني الهاماني ويستشهد بعقيدة فرعون من حيث يظنها عقيدة الرسول r الذي أقر الجارية على اعتقادها بأن الله في السماء.

ومن هنا نرى في سلوكيات الأحباش المنكرين تجاه إخوانهم شيئاً من الفرعنة. كما فعل المعتزلة في أحمد وغيره وكما يفعل أفراخهم بالعلماء اليوم. فهؤلاء رضوا بأن يكون فرعون إمامهم في نفي علو الله.

وقد كان آخر الإلزامات: مطالبتي له بأن يرد على آية الإسراء التي حيرتهم وأربكتهم وجعلتهم في حيص بيص.

وأرجو أن نجد عليها جوابا من الأحباش.

وبعد هذا أسأل:

هل سوف يعتب علي أحد في ختم هذه الصفحة حيث لم نجد من الأجباش إلا حيدة وهروبا وتزويرا وكذبا؟

لقد تعمدت التفرغ للرد عليه حتى أبين للقارئ الكريم أننا والله نملك الأدلة وصدق المنهج القويم. وإفلاس هذه الجماعة وإلا فالوقت مهم لكي أستعمله لصالح أقوام يبحثون عن الحق بدلا من تضييعه مع قوم يصدون عن الحق.

ولكن كما قلت: لعله موقف من مواقفي يبين إفلاس ما عند القوم مع كثرة صراخهم بأننا نهرب منهم وأننا نحذف مشاركاتهم.

وفي هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.

...................

يوسف التازي
13-01-15, 04:30 PM
« أما ءاية الاستواء فلسنا نحن أول من أولها».

الجواب من الدمشقية:
نعم. صدقت. قد سبقكم بها المعتزلة وعمدوا إلى تأويلها وشنع عليهم أبو منصور البغدادي لذلك واعتبر تأويل الاستواء بالاستيلاء قولا فاسدا [أصول الدين 113-114].

بل قال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: « وليس استواء الله استيلاء كما قال أهل القدر » [ص 233-234 تحقيق الجنيدي]. وأهل القدر هم المعتزلة. وأنتم تضللون المعتزلة وتقلدونهم.

وذكر ابن بطال تأويل قول المعتزلة (استولى) فقال: « فأما قول المعتزلة فهو قول فاسد » نقله الحافظ العسقلاني عنه ووافقه عليه [فتح الباري 13/405-406 وانظر إتحاف السادة المتقين 2/107].

· فكيف أخذتم بهذا القول الفاسد المعتزلي بشهادة أصحابكم الأشاعرة؟

وقال أبو بكر ابن فورك في مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري (ص 325): « (((إن مخالفينا))) يقولون إن معنى الاستواء: الاستيلاء ». فالأشاعرة المتأخرون مخالفون لسلفهم. موافقون لمخالفي سلفهم! يعني المعتزلة.

الحجة الدامغة في براءة الأشعري من الأشاعرة
وتأمل الآن كيف أثبت لك أن الأشعري بريء من قول المعتزلة (استولى) الذي وافقهم عليه الأشاعرة مخالفين بذلك الأشعري:

قال الحافظ ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري أن « المعتزلة قالت استوى أي استولى وأن المشبهة قالت استوى بذاته بحركة وانتقال. قال: « فسلك أبو الحسن طريقاً وسطاً بينهما » [تبيين كذب المفتري ص 150].

فهذا النص واضح في حكاية الأشعري مذهب المعتزلة في الاستواء وواضح أنه لم يأخذ به.

· فكيف علمكم شيخكم ما قالته المعتزلة وأعرض عنه الأشعري؟
قال ابن فوركرحمه الله
ولكنا نقول على مذهب أصحابنا: إن الله عز وجل في السماء على معنى أنه فوقها وعليها كما قال الله عز وجل: (فسيحوا في الأرض). أي فوقها. وكما قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل). أي عليها» (مشكل الحديث وبيانه ص334-335).

وقال أيضا:

« قال المفسرون: أأمنتم من في السماء) أن المراد بذلك من فوقها» ثم صرح بأن استعمال (في) بمعنى (على) ظاهر في اللغة محتجا بنفس الآيتين السابقتين.(مشكل الحديث وبيانه172).

وهذا ما أكده الحافظ ابن حجر ونقله عن البيهقي قائلا:

« وقد حكى البيهقي عن أبي بكر الضبعي قال العرب تضع (في) موضع (على) كقوله تعالى (فسيحوا في الأرض) وقوله (ولأصلبنكم في جذوع النخل) فكذلك قوله (من في السماء) أي على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار» (فتح الباري13/418).

(وانظر كلام البيهقي [الأسماء والصفات 2/162-163 تحقيق عماد الدين حيدر كتاب الاعتقاد للبيهقي ص 113].

فتأمل هذا التصريح الواضح بأن الآية تعود على الله وأن (أأمنتم من في السماء) بمعنى على السماء. وأن الأخبار بعلو الله في السماء قد صحت أسانيدها.

قال أبو حنيفة: « من قال لا أعرف ربي: في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذلك من قال: إنه على العرش ولا أدري: العرش في السماء أو في الأرض؟ لأن الله تعالى قال: ] الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ [طه: 5]» [انظر الفقه الأكبر 36 – 37 والعلو للذهبي 101].

غير أن مالكا قد دلس بقية النص الذي قطعه من كلام أبي حنيفة في كتاب إشارات المرام للبياضي. فقد شرح فيه كلام أبي حنيفة (وأنه تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية في شيء). (إشارات المرام197-198).

وهنا أكذوبة شائعة نشرها من قلدوا أبا حنيفة في الفقه وخالفوه في العقائد. إذ زعموا كما قال البياضي وقال مثله الحبشي « إنما كفّر أبو حنيفة قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله في جهة وحيز » [الدليل القويم 54].

فهذه التأويلات لكلام أبي حنيفة مستبعدة وتتعارض مع صريح كلامه وما نقله عنه البيهقي.

فقد أثبت البيهقي لأبي حنيفة كتابا بعنوان (الله في السماء دون الأرض). [أنظر كتاب الأسماء والصفات 2 : 170 للبيهقي تحقيق عماد الدين].

موضوع معاوية:

لم تريد التهرب من موضوعنا والانتقال الى موضوع ءاخر. هل تشعر بمأزق؟!!

الجواب من الدمشقية:

وأما إيرادي موقف النووي من معاوية فلألزمكم بتناقضكم فقد عهدتكم تقولون دائما:

« وخذه حيث حافظ عليه نص».

فإنني أعرفكم مقلدين وكلام الحافظ عندكم حجة يجب الأخذ بها. وقد لقنتكم موتاكم هذه العبارة « وخذه حيث حافظ عليه نص».

· فلماذا رفضتموه حيث حافظ عليه نص؟

· وهل النووي ضال في ثنائه على معاوية؟

وأخيرا اود أن أحذرك من الاحتجاج بأقوال النصارى في العقيدة. فقد احتججت بقول الأخطل النصراني: قد استوى بشر على العراق.

فهل بلغ الضلال بكم أن تشعروا بالحرج مما يرويه مسلم كحديث الجارية بينما تنشرح صدوركم للرواية عن النصارى؟؟

يوسف التازي
13-01-15, 04:33 PM
تتخذ الفرق الباطلة من انتحال مذهب في الفروع كساءً لها وترويجاً لمذهبها الفاسد ، فما من إمام إلا وينتسب إليه أقوام وهو منهم بريء . بريء ممن يشركون بالله فيستغيثون بالمخلوق ويجيزون الاستعاذة به دون الخالق ويجيزون عمل الحيلة على الله .
قال أبو المظفر الاسفراييني " قد نبغ من أحداث أهل الرأي من تلبّس بشي من مقالات القدرية والروافض مقلداً فيها وإذا خاف سيوف أهل السنة نسب ما هو فيه من عقائده الخبيثة إلى أبي حنيفة تستراً به ، فلا يغرنك ما ادعوا من نسبتها إليه فإن أبا حنيفة بريء منهم ومما نسبوه إليه " ( ) .
• قال السبكي " كان [ يعني القاضي عبد الجبار المعتزلي ] ينتحل مذهب الشافعي في الفروع " ( ) .
• ويتحدث القشيري عن طائفة من المعتزلة يقلدون مذهب أبى حنيفة ، واتخذوا التمذهب بالمذهب الحنفي سياجاً عليهم ، وقد أشربـوا في قلوبـهم فضـائح القدرية " ( ) .
والحبشي وأضرابه معطلون ينتحلون مذهب الشافعي في الفروع تمويهاً على الناس ، ويتسترون بالانتساب إلى الشافعي والأشعري بينما لا يتفقون مع الأشعري فيما انتهى إليه من إثبات الصفات وعدم التأويل .
• أما مذهبه في العقيدة فليس على مذهب الشافعي فإنه يعتمد تأويل صفات الله بينما منهج الشافعي إثباتها . ويدعو للاستعاذة والاستغاثة والاستعانة بغير الله والشافعي بريء من الشرك .
• ويحتج الأحباش على مخالفهم بكتاب اسمه الفقه الأكبر يزعمـون أنه للشافعي ( ) وهو يجري على طريقة الأشاعرة في تأويل الصفات . وأسلوبه مغاير لأسلوب الشافعي في التصنيف ، فهو يجري على طريقة علم الكلام . بينما لا تكاد تجد كتاباً للشافعي إلا وقد ذم فيه علم الكلام
وتواتر هذا الذم عنه لدى كل من رووا عنه .
ولكن فرحتهم بالكذبة لم تطل ، فقد قال حاجى خليفة ( في نسبته إلى الشافعي شك والظن الغالب أنه من تأليف أكابر العلماء ) ( ). وقال فؤاد سيزكين " لم تتضح بعد نسبة المؤلفات التالية إلى الشافعي منها (الفقه الأكبر) ( ). ومن الأدلة على كذب هذا الكتاب أنه ورد فيه تلك العبارة (42,52,72) ( قال بعض أصحابنا ) وهو يقصد أصحابه في المذهب فهو شافعي المذهب وليس هو الشافعي صاحب المذهب .

المعاملة بالمثل
قد أنكر الأحباش نسبة كتاب (الإبانة) إلى الأشعري وقالوا: هذا تلميذه أبو بكر ين فورك لم يذكر كتاب الإبانة من ضمن كتب الأشعري . ونحن نقول لهم بالمقابل : هذا السبكي صاحب أكبر طبقات في ترجمة الشافعي والشافعية لم يذكر للشافعي كتاباً اسمه الفقه الأكبر .
وكذبوا عليه أيضاً بأن نسبوه إلى علم الكلام بالرغم من ذمه لعلم الكلام الذي قال عنه الذهبي لعل هذا متواتر عنه ( أي الشافعي ) ( ) . وقد زعموا أن الشافعي قسم البدعة " الشرعية " إلى حسنة وسيئة . وكان مقصود الشافعي البدعة اللغوية ( )
ولكن من أين لهم أنه كان يقسم علم الكلام إلى مذموم وممدوح ؟ !
• الحبشي أقرب إلى " حفص الفرد " معاصر الشافعي والذي حط عليه الشافعي ورماه بالزندقة وحذر منه لأنه كان يتعاطى علم الكلام وتأويل الصفات ، وهذا الرجل اليوم يتعاطى علم الكلام ويتأول الصفات ، مكملاً بذلك مسيرة حفص الفرد تحت مظلة الشافعي، بينما حكمه عند الشافعي كحكم حفص الفرد عنده .
قال الشافعي للربيع " لا تشتغل بالكلام فإني اطلعت من أهل الكلام على التعطيلى" وقال " حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام " ( ) وتواتر عنه ذم أهل الكلام . ووصفهم أبو حنيفة بأنهم " قاسية قلوبهم غليظة أفئدتهم لا يبالون مخالفة الكتاب والسنة وليس عندهم ورع ولا تقوى" ( )
• الحبشي يطعن في بعض أصحاب النبي ïپ¥ ويعتبرهم من أهل النار ومرتكبي كبائر، وهذا خلاف مذهب الشافعي . فإن الشافعي ينهى عن الكلام فيما جرى بينهم ، ويرى الخوض فيه خصلة من خصال الروافض.
• اعترف الأحباش بأن الشافعي كان " يتحرى الدقة فيما يرويه الرواة منسوباً إلى النبي ïپ¥ وكان يشترط فيمن يروي الحديث أن يكون صادقاً ورعاً " ( ) . وأما الأحباش فأكثر اعتمادهم في مسائل التوسل والتبرك والزيارة وفضل العمائم وعامة أصول الدين على الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة كما ستراه بالدليل من كتب شيخهم .
• الحبشي يدعو إلى التصرف بينما يقول الشافعي " لو أن رجلاً تصوف أول النهار ، لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق ، وما لزم أحد الصوفية أربعين يوماً فعاد إليه عقله أبداً " ويقـول " أسـس التصـوف على الكسل " ( ) .
فالشافعي بريء من هذه الأفكار المنحرفة التي تتسلل إلى المسلمين تحت ستار مذهبه. وعلى الحبشي أن يوافق الشافعي في أصوله قبل فروعه فإن الشافعي لم يكن أشعرياً . ولم يكن يختلف مقدار أنملة عن عقيدة أحمد ومالك والأوزاعي ولم يعهد عنهم الارتماء على الأضرحة والاستغاثة بالموتى وتحريف معاني نصوص القرآن بالتأويلات المستكرهة المستبعدة ولم يكونوا يجيزون التقليد الأعمى .
وفي الختام أسأل الله أن يهدي أتباع الحبشي إلى الهدى والحق ، وأن يجمعنا وإياهم على التوحيد والسنة ، فبهما تصفو القلوب وتتآلف ، فبالتوحيد تتحقق الوحدة ، وبدون التوحيد لا تتوحد .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

يوسف التازي
13-01-15, 04:33 PM
تتخذ الفرق الباطلة من انتحال مذهب في الفروع كساءً لها وترويجاً لمذهبها الفاسد ، فما من إمام إلا وينتسب إليه أقوام وهو منهم بريء . بريء ممن يشركون بالله فيستغيثون بالمخلوق ويجيزون الاستعاذة به دون الخالق ويجيزون عمل الحيلة على الله .
قال أبو المظفر الاسفراييني " قد نبغ من أحداث أهل الرأي من تلبّس بشي من مقالات القدرية والروافض مقلداً فيها وإذا خاف سيوف أهل السنة نسب ما هو فيه من عقائده الخبيثة إلى أبي حنيفة تستراً به ، فلا يغرنك ما ادعوا من نسبتها إليه فإن أبا حنيفة بريء منهم ومما نسبوه إليه " ( ) .
• قال السبكي " كان [ يعني القاضي عبد الجبار المعتزلي ] ينتحل مذهب الشافعي في الفروع " ( ) .
• ويتحدث القشيري عن طائفة من المعتزلة يقلدون مذهب أبى حنيفة ، واتخذوا التمذهب بالمذهب الحنفي سياجاً عليهم ، وقد أشربـوا في قلوبـهم فضـائح القدرية " ( ) .
والحبشي وأضرابه معطلون ينتحلون مذهب الشافعي في الفروع تمويهاً على الناس ، ويتسترون بالانتساب إلى الشافعي والأشعري بينما لا يتفقون مع الأشعري فيما انتهى إليه من إثبات الصفات وعدم التأويل .
• أما مذهبه في العقيدة فليس على مذهب الشافعي فإنه يعتمد تأويل صفات الله بينما منهج الشافعي إثباتها . ويدعو للاستعاذة والاستغاثة والاستعانة بغير الله والشافعي بريء من الشرك .
• ويحتج الأحباش على مخالفهم بكتاب اسمه الفقه الأكبر يزعمـون أنه للشافعي ( ) وهو يجري على طريقة الأشاعرة في تأويل الصفات . وأسلوبه مغاير لأسلوب الشافعي في التصنيف ، فهو يجري على طريقة علم الكلام . بينما لا تكاد تجد كتاباً للشافعي إلا وقد ذم فيه علم الكلام
وتواتر هذا الذم عنه لدى كل من رووا عنه .
ولكن فرحتهم بالكذبة لم تطل ، فقد قال حاجى خليفة ( في نسبته إلى الشافعي شك والظن الغالب أنه من تأليف أكابر العلماء ) ( ). وقال فؤاد سيزكين " لم تتضح بعد نسبة المؤلفات التالية إلى الشافعي منها (الفقه الأكبر) ( ). ومن الأدلة على كذب هذا الكتاب أنه ورد فيه تلك العبارة (42,52,72) ( قال بعض أصحابنا ) وهو يقصد أصحابه في المذهب فهو شافعي المذهب وليس هو الشافعي صاحب المذهب .

المعاملة بالمثل
قد أنكر الأحباش نسبة كتاب (الإبانة) إلى الأشعري وقالوا: هذا تلميذه أبو بكر ين فورك لم يذكر كتاب الإبانة من ضمن كتب الأشعري . ونحن نقول لهم بالمقابل : هذا السبكي صاحب أكبر طبقات في ترجمة الشافعي والشافعية لم يذكر للشافعي كتاباً اسمه الفقه الأكبر .
وكذبوا عليه أيضاً بأن نسبوه إلى علم الكلام بالرغم من ذمه لعلم الكلام الذي قال عنه الذهبي لعل هذا متواتر عنه ( أي الشافعي ) ( ) . وقد زعموا أن الشافعي قسم البدعة " الشرعية " إلى حسنة وسيئة . وكان مقصود الشافعي البدعة اللغوية ( )
ولكن من أين لهم أنه كان يقسم علم الكلام إلى مذموم وممدوح ؟ !
• الحبشي أقرب إلى " حفص الفرد " معاصر الشافعي والذي حط عليه الشافعي ورماه بالزندقة وحذر منه لأنه كان يتعاطى علم الكلام وتأويل الصفات ، وهذا الرجل اليوم يتعاطى علم الكلام ويتأول الصفات ، مكملاً بذلك مسيرة حفص الفرد تحت مظلة الشافعي، بينما حكمه عند الشافعي كحكم حفص الفرد عنده .
قال الشافعي للربيع " لا تشتغل بالكلام فإني اطلعت من أهل الكلام على التعطيلى" وقال " حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام " ( ) وتواتر عنه ذم أهل الكلام . ووصفهم أبو حنيفة بأنهم " قاسية قلوبهم غليظة أفئدتهم لا يبالون مخالفة الكتاب والسنة وليس عندهم ورع ولا تقوى" ( )
• الحبشي يطعن في بعض أصحاب النبي  ويعتبرهم من أهل النار ومرتكبي كبائر، وهذا خلاف مذهب الشافعي . فإن الشافعي ينهى عن الكلام فيما جرى بينهم ، ويرى الخوض فيه خصلة من خصال الروافض.
• اعترف الأحباش بأن الشافعي كان " يتحرى الدقة فيما يرويه الرواة منسوباً إلى النبي  وكان يشترط فيمن يروي الحديث أن يكون صادقاً ورعاً " ( ) . وأما الأحباش فأكثر اعتمادهم في مسائل التوسل والتبرك والزيارة وفضل العمائم وعامة أصول الدين على الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة كما ستراه بالدليل من كتب شيخهم .
• الحبشي يدعو إلى التصرف بينما يقول الشافعي " لو أن رجلاً تصوف أول النهار ، لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق ، وما لزم أحد الصوفية أربعين يوماً فعاد إليه عقله أبداً " ويقـول " أسـس التصـوف على الكسل " ( ) .
فالشافعي بريء من هذه الأفكار المنحرفة التي تتسلل إلى المسلمين تحت ستار مذهبه. وعلى الحبشي أن يوافق الشافعي في أصوله قبل فروعه فإن الشافعي لم يكن أشعرياً . ولم يكن يختلف مقدار أنملة عن عقيدة أحمد ومالك والأوزاعي ولم يعهد عنهم الارتماء على الأضرحة والاستغاثة بالموتى وتحريف معاني نصوص القرآن بالتأويلات المستكرهة المستبعدة ولم يكونوا يجيزون التقليد الأعمى .
وفي الختام أسأل الله أن يهدي أتباع الحبشي إلى الهدى والحق ، وأن يجمعنا وإياهم على التوحيد والسنة ، فبهما تصفو القلوب وتتآلف ، فبالتوحيد تتحقق الوحدة ، وبدون التوحيد لا تتوحد .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التوحيد والشرك

الاحتياط في الدين واتقاء الشرك
أيها المسلم : احتط لدينك : فإن الله لن يقول لك يوم القيامة : لماذا لم تستغث بمحمد  بعد موته ؟
واعلم أن أمامك خصمين يختصمان في الله :
الأول يحضك على دعاء الله وحده .
والآخر يحضك على دعاء غير الله .
فأي الخصمين أقرب إلى الحق ؟
أنا أدعوك إلى التوحيد ، إلى دعاء الله وحده دون من سواه . ما هي عقوبتي إن كنت مخطئاً في دعوتي هذه لك ؟ هل أدخل النار؟
فانهم إن كانوا مخطئين عرضوا أنفسهم للخلود في النار لأن ذنب الشرك أعظم من ذنب الربا والزنى وشهادة الزور .
فما هي عقوبتهم إن كانوا مخطئين وكان دعاء غير الله شركاً ؟
أما سمعت قوله تعالى :
{ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } ثم قال { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } مما يؤكد أن دعاء غير الله هو موضوع الشرك في الآية .
وقال { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } ؟
أتركب المخاطرة في دينك بما يحرمك من الجنة ويدخلك في نار لا خروج بعدها ؟
لقد كان العلماء يأخذون بالأحوط في مسائل الفقه، فلماذا لا تأخذ بالأحوط في مسائل العقيدة كدعاء غير الله الذي لا أعلم نوعاً من الشرك ورد فيه الزجر والتحذير في القرآن من فعله مثله ؟
الاحتياط في التوحيد

والله عز وجل أرسل محمدا  بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك وقطع أسبابه وذرائعه : صغيرة كانت أو كبيرة ولو كان الشرك لفظياً ..
- جاءه رجل فقال له : ما شاء الله وشئت . فقال " أجعلتني لله نداً ؟ قل ما شاء الله وحده ".
- وسئل  أي الذنب أعظم ؟ قال " أن تجعل لله نداً وهو خلقك " قال الشيخ ملا علي قاري " أي تجعل نظيراً لله في دعائك وعبادتك "( ).
- ونهى عن الحلف بغير الله لأنه شرك مع أن الحالف ليس عابداً للمحلوف به من دون الله .
- ونهى عن الصلاة بعد الفجر والعصر مع أن المصلي في هذين الوقتين لا يرضى أن يشارك عباد الشمس في شركهم .
فكيف بعد ذلك يأذن بدعاء أموات ؟ وكيف لا يثبت عن واحد من أصحابه أنه استغاث به بالرغم من المحن والشدائد والقحط والفتن التي تعرضوا لها ؟ أفلا جاؤا إلى قبره وسألوه أن يستسقي لهم أو يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه ؟

يوسف التازي
13-01-15, 04:42 PM
أولياء الله بين المفهوم الصوفي والمنهج السني

http://saaid.net/book/open.php?cat=88&book=2480

يوسف التازي
13-01-15, 04:47 PM
الشرك باسم التوحيد
يدسون السم في الدسم

أحذر الذين يضعون السم في الدسم : يسمون الشرك والاستغاثة بغير الله توسلا ، قد بدلوا اللغة كما بدلوا الشريعة . يستعملون ألفاظاً شرعية ويجعلونها طعما ، ويختارون لها معاني غير شرعية لتقريب شركهم إلى العوام ، فيستسيغونها ويألفونها ولا ينفرون منها ، وهم يرجون أن لا يكشف الناس هذه الحقيقة وهذا التلبيس فسحقاً لمن ورث اليهود في تلبيس الحق بالباطل .
لذا كان من الواجب الاعتناء بالألفاظ الشرعية ومعرفة معانيها وما أراد الشارع منها لكل من يجاهد هؤلاء بل لكل مسلم ، وذلك حتى لا تختلط المفاهيم ويتمكن المبطلون من التلبيس ، الذين ضيقوا معنى العبادة حتى صار مفهومها قاصراً على السجود ، وأفرغوا من معانيها : الدعاء والاستغاثة والنذر ( ) والذبح.
وهم وإن زعموا أن استغاثتهم توسلا فليس بأمانيهم : إذ تبديل الألفاظ لا يغير من الحقيقة شيئا فإن العبرة بالحقائق لا بالتسميات ، كما أن الحقائق تتغير بتغير أسمائها ، فالحكم يدور مع الحقيقة وجوداً وعدماً .
إنهم يتعلقون بالأسماء ويغيرون حقائق النصوص ، قد خالفوا المشركين في التسمية ووافقوهم في الحقيقة ، كما عبد المشركون الأوائل من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وقالوا { هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فسموا شركهم (شفاعة) ولم يرتض الله هذه التسمية بل سماها شركاً . ثم جاء بعدهم من لم يعرف حقيقة جاهليتهم ، فنحا نحوهم وسمى- مثلهم- الشرك توسلاً وشفاعة .

الاستغاثة غير التوسل

الاستغاثة ليست بمعنى التوسل لما يلي:
1) أن السلف ما فهموا التوسل والاستغاثة بمعنى واحد . ولو فهموا ما فهمه السبكي وغيره لاستغاثوا لكنهم لم يفعلوا .
2) أن السلف تركوا التوسل به ïپ¥ بعد موته بالإجماع كما في قصة القحط عن عمر حيث قال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك " ( ) . فإذا تركوا التوسل به بعد موته ïپ¥ فكيف يعقل أن يستغيثوا به بعد موته ؟
3) الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة ، وهو مستعمل لمعنى الطلب من المستغاث به لا بمعنى التوسل .
وإذا طلب العبد من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله في عبادته ، والشرك محبط للعمل ، قال تعالى لنبيه محمد ïپ¥ { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . وبما أن الله خاطب بذلك سيد الخلق وأعظم الموحدين . فنحن أولى أن نخاف ونحذر من الوقوع في الشرك كل الحذر حتى لا يخدعنا الشيطان ويوحي إلينا أننا ما دمنا مسلمين نقر بالشهادتين فلن نقع في الشرك .

تنبيه على تناقض الأحباش
يتساءل الأحباش : كيف تتهمون من يقول لا إله إلا الله بالشرك لدعائه غير الله ؟ وجوابنا مستفاد مما يقولونه هم دائما أن " من قال لا إله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء فإن هذه الشهادة لا تنفعه وهو كافر لأن الشهادة تنفع مع الاعتقاد الصحيح ، أما من تلفظ بها بلسانه وعقيدته فاسدة فإنها لا تنفعه " ( ).
وهذا ما نقوله لهم : إن من دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه فإنه مخالف بعقيدته ما يتلفظ به لسانه .
وكيف يكفر من وافق قول القرآن { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ؟ ووافق شهادة النبي ïپ¥ للجارية بالإيمان لقولها أن الله في السماء ؟ فإن كان الكتاب والسنة غير كافيين لكم فعليكم بما قاله شيخكم ابن فورك الأشعري " اعلم أنه ليس ينكر قول من قال : إن الله في السماء ؟ لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به ، وهو قوله { ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ومعنى ذلك أنه فوق السماء" ( ).
4) لو كانت الاستغاثة بمعنى التوسل لصار معنى { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } أي تتوسلون بربكم ؟ إلى من؟ ولصار معنى قوله تعالى { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } أي فتوسل به الذي من شيعته على الذي من عدوه ! توسل به إلى من ؟
5) الاستغاثة بالله طلبٌ منه لا طلبٌ به . والمستغيث بالشيء طالب منه سائل له . والمستغاث هو المسئول منه لا المسئول به.
ومن المعلوم أن المتوسل به لا يدعى ولا يسأل ولا يطلب منه ، وإنما يطلب به لا منه . وهذا التفريق بين المدعو وبين المدعو به ضروري لا يعرفه عامة الناس وبالتالي لا يتفطنون لهذا المكر الحبشي بهم .
6) أنك قد تجد في إحدى الروايات عن أحمد جواز التوسل بالنبي ïپ¥ إن صحت ، أما أن تجد أحداً من الأئمة المعتبرين يجيز الاستغاثة بغير الله فهذا مستحيل .
ولهذا حكى ابن حجر الهيتمي إجماع الحنابلة على أن من يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً ( ). ولم يعترض الهيتمي على هذا الإجماع بل أقره وأورده مستحسنا له ، بينما أجاز التوسل بالنبي ïپ¥ في حاشيته على إيضاح المناسك للنووي .
• وحكى الحافظ ابن رجب عن أحمد أنه كان يدعو فيقول " اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك " ( ).

مفاجأة من السبكي
7) أن تعلقهم بالسبكي على أن " التوسل والاستغاثة بمعنى واحد" مع تجاهل القرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } والحديث "إذا سألت فاسأل الله " ليس من صفات المسلم. ولقد كان السبكي يقصد بـ ( الاستغاثة بالنبي ) : الاستغاثة إلى الله بالنبي ïپ¥ ولذلك قال " اعلم أنه يجوز التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه " . ثم استدل على ذلك بحديث "يا رب أسألك بحق محمد" ( ) .
ثم قال " ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه ، فالمسئول في هذه الدعوات كلها هو الله وحده لا شريك له ، والمسئول به مختلف ، ولم يوجب ذلك إشراكاً ولا سؤال غير الله ، كذلك السؤال بالنبي ïپ¥ ليس سؤالاً للنبي ïپ¥ بل سؤال لله به ". وضرب لذلك مثلا أن تقول " استغثت الله بالنبي ïپ¥ كما يقول : سألت الله بالنبي ïپ¥ " ( ). وهذا يفيد : أن سؤال غير الله شرك عند السبكي . وأن الاستغاثة بالنبي معناها عنده : الاستغاثة بالله بالنبي ïپ¥ ولكنه عادة يختصر العبارة ويقول : ( الاستغاثة بالنبي ) . ولذلك قال " وقد يحذف المفعول به ( أي الله المستغاث ) ويقال : استغثت بالنبي ïپ¥ " ( ). على أن هذا خطأ من السبكي أدى إلى استغلاله فيما بعد .
• بل قال السبكي في قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } " إن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص ( ).
ونحن مع اختلافنا مع السبكي في استخدام عبارة " استغثت بالنبي " وحول التوسل ، إلا أننا نتفق معه على عدم جواز سؤال غير الله . وبهذا ينكشف تلبيس الأحباش وتحريفهم للنصوص .
وهذا السبكي الابن ينقل عن القماح شعراً يقول فيه ( ) :
فاضرع إلى الله الكريم ولا تسل بشراً فليس سواه كاشـف الضر

مفاجأة من عند أبي حنيفة
8) ونقلب السحر على الساحر فنقول : إن كان التوسل والاستغاثة بمعنى واحد فحينئذ نقرر لكم أن أبا حنيفة نهى عن الاستغاثة بالنبي ïپ¥ ونلبس عليكم ما تلبسون .
فإن قلتم : أين صرح بهذا ؟ قلنا : ألم ينه أبو حنيفة عن التوسل بالنبي ïپ¥ ورواه عامة الأحناف عنه ؟
قال المرتضى الزبيدي " وقد كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، إذ ليس لأحد على الله حق " ( ) وهو ما جاء عند البلدجي في شرح المختارة . والقدوري في شرح الكرخي ، ونصه ( ) " لا ينبغي ( ) لأحد أن يدعو الله إلا به ، والدعاء المأذون فيه ، المأمور به : هو ما استفيد من قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ } (الأعراف 180) وقال أيضا " وأكره أن يقول : بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك " ( ).
وقد نقل الحبشي كلام أبي حنيفة وقول أصحابه كابي يوسف " لا يدعى الله بغيره " وقد ذكرها الحبشي عنه ولم يشك في نسبتها إليه وإنما زعم أن قوله لا حجة فيه ( ).
فإذا خلطنا التوسل بالاستغاثة حملنا نهي أبي حنيفة عن التوسل على معنى الاستغاثة . وهذا اللائق بمن لا يفرق بين النوعين تمويها وغشاً للناس .
ولئن كنا بذلك نفاةً للتوسل ، صفوا بذلك عمر بن الخطاب لقوله بعد موت النبي ïپ¥ فيما رواه البخاري ( اللهم كنا نتوسل بنبيك " ثم صفوا بذلك أبا حنيفة ثانياً .
فلسنا نفاة كل توسل إذ ليس كل توسل حراماً ، كالتوسل بدعاء الرجل الصالح لا بذاته .
ولسنا نفاة كل استغاثة ، فالاستغاثة بالحاضر الحي جائزة . مثالها استغاثة الناس بآدم يوم الموقف .
ولسنا ضد كل أنواع التبرك فإن السلف الذين كانوا يتبركون به ïپ¥ وهو حي : قد تركوا التبرك به بعد موته ولم يتبرك بعضهم ببعض .
نعم ، لقد استغاث الصحابة بالنبي ïپ¥ في حياته ولكنهم لم يكونوا يستغيثونه إلا أمامه وهو حي ويطلبون منه أن يدعو الله لهم لنزول المطر كما في كتاب الاستسقاء عند البخاري ، وعلى المخالف أن يثبت ولو حادثة واحدة تناقض ذلك . فيلزمه إن كان أشعرياً أن لا يأتي من الأخبار في العقائد إلا بما كان متواتراً ، فإن عجز عن الإتيان بدليل صحيح يثبت به الاستغاثة به وهو حي غائب ، فهو أعجز عن الإتيان بدليل على الاستغاثة به بعد موته .



لا إله إلا هو : لا غياث إلا هو

• قال البيهقي " ومن أسمائه الغياث ومعناه : المدرك عباده في الشدائد . قال ïپ¥ في حديث الاستسقاء " اللهم أغثنا اللهم أغثنا " ( ).
فأنتم تتوجهون بالاستغاثة إلى من كان يستغيث الله وحده . فكيف يكون من بين المستغيثين من يكون غياثاً للمستغيثين في آن واحد .
والله وحده غياث المستغيثين مطلقاً لا يستثنى من ذلك نبي ولا ولي . قال القرطبي عند شرح اسم الله (غياث المستغيثين) " يجب على كل مكلف أن يعلم أنه لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله " ( ). فهل الله عندكم وحده غياث المستغيثين مطلقاً ؟ أم أن هناك غياثاً آخر للمستغيثين يستحق أن يشارك الله في هذا الاسم ؟

أليس الله بكاف عبده ؟
دعاء غير الله قبيح عند الزبيدي
قال الزبيدي " وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } .
أضاف " ليعلم العارف أن المستحق لأن يلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها ... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره " ( ) وذكر أن إبراهيم الخواص قرأ قوله تعالى { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } ثم قال "ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله " ( ) .
فالاستغاثة بغير الله استغناء عن الله بغيره وسوء ظن به وادعاء بأنه غير كاف لدعاء عباده ، ولو كان عندكم كافياً لما لجأتم إلى غيره { فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } .

كلمات ذهبية للجيلاني

• قال الشيخ عبد القادر الجيلاني (يا من يشكو الخلق مصائبه ، ايش ينفعك شكواك إلى الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق عز وجل يبعدونك ، وفي سخطه يوقعونك... أنت يا جاهل تدعي العلم ، تطلب الخلاص من الشدائد بشكواك الخلق .. ويلك أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره ".
• قال " لا تدعو مع الله أحداً كما قال { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } " .
• قال لولده عند مرض موته "لا تخف أحداً ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلي الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد" ( ) .
واستغاثة العبد الضعيف بعبد ضعيف مثله كاستغاثة الغريق بغريق مثله . ومن الأقوال المنقولة عن الشيخ أحمد الرفاعي " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال " أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ ( ) غير أنكم سويتم الرفاعي برب العالمين ووصفتموه بأنه غوث الثقلين . يستغيث به الجن والإنس بل حتى النعجة التي ينقض عليها الذئب تصيح : خلصني يا سيدي أحمد . وقد كذبوا عليك أيتها النعجة بينما أنت على ملة هدهد سليمان .
والله تعالى هو الغياث { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } . فجعلتم الرفاعي شريكاً معه في ذلك . والله { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فجعلتم الرفاعي شريكاً له في هذه الآية وغوث الثقلين يسأله الجن والإنس في السماء والأرض ، فكيف يكون غضب الله عليكم ؟
وإذا كانت الاستغاثة بمحمد ïپ¥ جائزة فلماذا نوبخ النصارى الذين يستغيثون بالمسيح ؟ أليس هذا إقراراً منكم بجواز قول النصارى يا مسيح ؟ وجواز قول الشيعة "يا حسين " " يا صاحب الزمان " ؟
ونحن نحتج عليكم بما تحتجون به على النصارى إذ تقولون : أين قال المسيح اعبدوني مع الله ؟ ونحن نقول لكم : أين قال محمد ïپ¥ إدعوني مع الله ؟ لا فرق بين " يا محمد يا بدوي لا عبد القادر يا رفاعي " وبين "يا مسيح " "يا حسين ". قال تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ } وقال { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } .
وهل يمكن للنبي ïپ¥ سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قدر أن هناك ألفاً في مصر يسألونه ïپ¥ وألفاً في أندونيسيا وألفاً في الصين ، كلهم يستغيثون به : فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ؟
إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي ïپ¥ لا يشغله سمع عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق . وجعلتموه شريكاً مع الله في قوله { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ } وجعلتم كل مقبور مستحقاً صفات : سميع ، بصير ، مجيب ، كاشف .
• إن النبي الذي تدعونه مع الله لجلب النفع ودفع الضر كان هو يتوجه إلى الله وحده لذلك . هو يتوجه إلى الله وأنتم تتوجهون إليه ؟ ما وافقتم من تزعمون محبته . وهو الذي أمره الله أن يقول { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } . وإذا كان الذي يدعونه من دون الله لا يسمع من دعاه عن بعد حين كان حياً : فكيف يقبل من عنده عقل الاعتقاد أن النبي أو الصالح يسمع من يناديه ولو من بعيد وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع كل من يدعوه بعد موته ولو كان في أمريكا ؟ قال تعـالى { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } .
ويوم أن يحال بينه ïپ¥ وبين أناس عند الحوض يقول " أصيحابي أصيحابي ، فيقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (متفق عليه) .
فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته .
وهذا عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
فما بال أناس يعتقدون أنه ïپ¥ يسمع مناديه في المشرق والمغرب ؟ هل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن الله للكفار إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على أشياء مما عندهم { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } .

يوسف التازي
13-01-15, 04:48 PM
الشرك باسم التوحيد
يدسون السم في الدسم

أحذر الذين يضعون السم في الدسم : يسمون الشرك والاستغاثة بغير الله توسلا ، قد بدلوا اللغة كما بدلوا الشريعة . يستعملون ألفاظاً شرعية ويجعلونها طعما ، ويختارون لها معاني غير شرعية لتقريب شركهم إلى العوام ، فيستسيغونها ويألفونها ولا ينفرون منها ، وهم يرجون أن لا يكشف الناس هذه الحقيقة وهذا التلبيس فسحقاً لمن ورث اليهود في تلبيس الحق بالباطل .
لذا كان من الواجب الاعتناء بالألفاظ الشرعية ومعرفة معانيها وما أراد الشارع منها لكل من يجاهد هؤلاء بل لكل مسلم ، وذلك حتى لا تختلط المفاهيم ويتمكن المبطلون من التلبيس ، الذين ضيقوا معنى العبادة حتى صار مفهومها قاصراً على السجود ، وأفرغوا من معانيها : الدعاء والاستغاثة والنذر ( ) والذبح.
وهم وإن زعموا أن استغاثتهم توسلا فليس بأمانيهم : إذ تبديل الألفاظ لا يغير من الحقيقة شيئا فإن العبرة بالحقائق لا بالتسميات ، كما أن الحقائق تتغير بتغير أسمائها ، فالحكم يدور مع الحقيقة وجوداً وعدماً .
إنهم يتعلقون بالأسماء ويغيرون حقائق النصوص ، قد خالفوا المشركين في التسمية ووافقوهم في الحقيقة ، كما عبد المشركون الأوائل من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وقالوا { هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فسموا شركهم (شفاعة) ولم يرتض الله هذه التسمية بل سماها شركاً . ثم جاء بعدهم من لم يعرف حقيقة جاهليتهم ، فنحا نحوهم وسمى- مثلهم- الشرك توسلاً وشفاعة .

الاستغاثة غير التوسل

الاستغاثة ليست بمعنى التوسل لما يلي:
1) أن السلف ما فهموا التوسل والاستغاثة بمعنى واحد . ولو فهموا ما فهمه السبكي وغيره لاستغاثوا لكنهم لم يفعلوا .
2) أن السلف تركوا التوسل به  بعد موته بالإجماع كما في قصة القحط عن عمر حيث قال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك " ( ) . فإذا تركوا التوسل به بعد موته  فكيف يعقل أن يستغيثوا به بعد موته ؟
3) الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة ، وهو مستعمل لمعنى الطلب من المستغاث به لا بمعنى التوسل .
وإذا طلب العبد من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله في عبادته ، والشرك محبط للعمل ، قال تعالى لنبيه محمد  { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . وبما أن الله خاطب بذلك سيد الخلق وأعظم الموحدين . فنحن أولى أن نخاف ونحذر من الوقوع في الشرك كل الحذر حتى لا يخدعنا الشيطان ويوحي إلينا أننا ما دمنا مسلمين نقر بالشهادتين فلن نقع في الشرك .

تنبيه على تناقض الأحباش
يتساءل الأحباش : كيف تتهمون من يقول لا إله إلا الله بالشرك لدعائه غير الله ؟ وجوابنا مستفاد مما يقولونه هم دائما أن " من قال لا إله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء فإن هذه الشهادة لا تنفعه وهو كافر لأن الشهادة تنفع مع الاعتقاد الصحيح ، أما من تلفظ بها بلسانه وعقيدته فاسدة فإنها لا تنفعه " ( ).
وهذا ما نقوله لهم : إن من دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه فإنه مخالف بعقيدته ما يتلفظ به لسانه .
وكيف يكفر من وافق قول القرآن { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ؟ ووافق شهادة النبي  للجارية بالإيمان لقولها أن الله في السماء ؟ فإن كان الكتاب والسنة غير كافيين لكم فعليكم بما قاله شيخكم ابن فورك الأشعري " اعلم أنه ليس ينكر قول من قال : إن الله في السماء ؟ لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به ، وهو قوله { ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ومعنى ذلك أنه فوق السماء" ( ).
4) لو كانت الاستغاثة بمعنى التوسل لصار معنى { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } أي تتوسلون بربكم ؟ إلى من؟ ولصار معنى قوله تعالى { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } أي فتوسل به الذي من شيعته على الذي من عدوه ! توسل به إلى من ؟
5) الاستغاثة بالله طلبٌ منه لا طلبٌ به . والمستغيث بالشيء طالب منه سائل له . والمستغاث هو المسئول منه لا المسئول به.
ومن المعلوم أن المتوسل به لا يدعى ولا يسأل ولا يطلب منه ، وإنما يطلب به لا منه . وهذا التفريق بين المدعو وبين المدعو به ضروري لا يعرفه عامة الناس وبالتالي لا يتفطنون لهذا المكر الحبشي بهم .
6) أنك قد تجد في إحدى الروايات عن أحمد جواز التوسل بالنبي  إن صحت ، أما أن تجد أحداً من الأئمة المعتبرين يجيز الاستغاثة بغير الله فهذا مستحيل .
ولهذا حكى ابن حجر الهيتمي إجماع الحنابلة على أن من يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً ( ). ولم يعترض الهيتمي على هذا الإجماع بل أقره وأورده مستحسنا له ، بينما أجاز التوسل بالنبي  في حاشيته على إيضاح المناسك للنووي .
• وحكى الحافظ ابن رجب عن أحمد أنه كان يدعو فيقول " اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك " ( ).

مفاجأة من السبكي
7) أن تعلقهم بالسبكي على أن " التوسل والاستغاثة بمعنى واحد" مع تجاهل القرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } والحديث "إذا سألت فاسأل الله " ليس من صفات المسلم. ولقد كان السبكي يقصد بـ ( الاستغاثة بالنبي ) : الاستغاثة إلى الله بالنبي  ولذلك قال " اعلم أنه يجوز التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه " . ثم استدل على ذلك بحديث "يا رب أسألك بحق محمد" ( ) .
ثم قال " ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه ، فالمسئول في هذه الدعوات كلها هو الله وحده لا شريك له ، والمسئول به مختلف ، ولم يوجب ذلك إشراكاً ولا سؤال غير الله ، كذلك السؤال بالنبي  ليس سؤالاً للنبي  بل سؤال لله به ". وضرب لذلك مثلا أن تقول " استغثت الله بالنبي  كما يقول : سألت الله بالنبي  " ( ). وهذا يفيد : أن سؤال غير الله شرك عند السبكي . وأن الاستغاثة بالنبي معناها عنده : الاستغاثة بالله بالنبي  ولكنه عادة يختصر العبارة ويقول : ( الاستغاثة بالنبي ) . ولذلك قال " وقد يحذف المفعول به ( أي الله المستغاث ) ويقال : استغثت بالنبي  " ( ). على أن هذا خطأ من السبكي أدى إلى استغلاله فيما بعد .
• بل قال السبكي في قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } " إن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص ( ).
ونحن مع اختلافنا مع السبكي في استخدام عبارة " استغثت بالنبي " وحول التوسل ، إلا أننا نتفق معه على عدم جواز سؤال غير الله . وبهذا ينكشف تلبيس الأحباش وتحريفهم للنصوص .
وهذا السبكي الابن ينقل عن القماح شعراً يقول فيه ( ) :
فاضرع إلى الله الكريم ولا تسل بشراً فليس سواه كاشـف الضر

مفاجأة من عند أبي حنيفة
8) ونقلب السحر على الساحر فنقول : إن كان التوسل والاستغاثة بمعنى واحد فحينئذ نقرر لكم أن أبا حنيفة نهى عن الاستغاثة بالنبي  ونلبس عليكم ما تلبسون .
فإن قلتم : أين صرح بهذا ؟ قلنا : ألم ينه أبو حنيفة عن التوسل بالنبي  ورواه عامة الأحناف عنه ؟
قال المرتضى الزبيدي " وقد كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، إذ ليس لأحد على الله حق " ( ) وهو ما جاء عند البلدجي في شرح المختارة . والقدوري في شرح الكرخي ، ونصه ( ) " لا ينبغي ( ) لأحد أن يدعو الله إلا به ، والدعاء المأذون فيه ، المأمور به : هو ما استفيد من قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ } (الأعراف 180) وقال أيضا " وأكره أن يقول : بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك " ( ).
وقد نقل الحبشي كلام أبي حنيفة وقول أصحابه كابي يوسف " لا يدعى الله بغيره " وقد ذكرها الحبشي عنه ولم يشك في نسبتها إليه وإنما زعم أن قوله لا حجة فيه ( ).
فإذا خلطنا التوسل بالاستغاثة حملنا نهي أبي حنيفة عن التوسل على معنى الاستغاثة . وهذا اللائق بمن لا يفرق بين النوعين تمويها وغشاً للناس .
ولئن كنا بذلك نفاةً للتوسل ، صفوا بذلك عمر بن الخطاب لقوله بعد موت النبي  فيما رواه البخاري ( اللهم كنا نتوسل بنبيك " ثم صفوا بذلك أبا حنيفة ثانياً .
فلسنا نفاة كل توسل إذ ليس كل توسل حراماً ، كالتوسل بدعاء الرجل الصالح لا بذاته .
ولسنا نفاة كل استغاثة ، فالاستغاثة بالحاضر الحي جائزة . مثالها استغاثة الناس بآدم يوم الموقف .
ولسنا ضد كل أنواع التبرك فإن السلف الذين كانوا يتبركون به  وهو حي : قد تركوا التبرك به بعد موته ولم يتبرك بعضهم ببعض .
نعم ، لقد استغاث الصحابة بالنبي  في حياته ولكنهم لم يكونوا يستغيثونه إلا أمامه وهو حي ويطلبون منه أن يدعو الله لهم لنزول المطر كما في كتاب الاستسقاء عند البخاري ، وعلى المخالف أن يثبت ولو حادثة واحدة تناقض ذلك . فيلزمه إن كان أشعرياً أن لا يأتي من الأخبار في العقائد إلا بما كان متواتراً ، فإن عجز عن الإتيان بدليل صحيح يثبت به الاستغاثة به وهو حي غائب ، فهو أعجز عن الإتيان بدليل على الاستغاثة به بعد موته .



لا إله إلا هو : لا غياث إلا هو

• قال البيهقي " ومن أسمائه الغياث ومعناه : المدرك عباده في الشدائد . قال  في حديث الاستسقاء " اللهم أغثنا اللهم أغثنا " ( ).
فأنتم تتوجهون بالاستغاثة إلى من كان يستغيث الله وحده . فكيف يكون من بين المستغيثين من يكون غياثاً للمستغيثين في آن واحد .
والله وحده غياث المستغيثين مطلقاً لا يستثنى من ذلك نبي ولا ولي . قال القرطبي عند شرح اسم الله (غياث المستغيثين) " يجب على كل مكلف أن يعلم أنه لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله " ( ). فهل الله عندكم وحده غياث المستغيثين مطلقاً ؟ أم أن هناك غياثاً آخر للمستغيثين يستحق أن يشارك الله في هذا الاسم ؟

أليس الله بكاف عبده ؟
دعاء غير الله قبيح عند الزبيدي
قال الزبيدي " وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } .
أضاف " ليعلم العارف أن المستحق لأن يلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها ... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره " ( ) وذكر أن إبراهيم الخواص قرأ قوله تعالى { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } ثم قال "ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله " ( ) .
فالاستغاثة بغير الله استغناء عن الله بغيره وسوء ظن به وادعاء بأنه غير كاف لدعاء عباده ، ولو كان عندكم كافياً لما لجأتم إلى غيره { فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } .

كلمات ذهبية للجيلاني

• قال الشيخ عبد القادر الجيلاني (يا من يشكو الخلق مصائبه ، ايش ينفعك شكواك إلى الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق عز وجل يبعدونك ، وفي سخطه يوقعونك... أنت يا جاهل تدعي العلم ، تطلب الخلاص من الشدائد بشكواك الخلق .. ويلك أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره ".
• قال " لا تدعو مع الله أحداً كما قال { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } " .
• قال لولده عند مرض موته "لا تخف أحداً ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلي الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد" ( ) .
واستغاثة العبد الضعيف بعبد ضعيف مثله كاستغاثة الغريق بغريق مثله . ومن الأقوال المنقولة عن الشيخ أحمد الرفاعي " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال " أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ ( ) غير أنكم سويتم الرفاعي برب العالمين ووصفتموه بأنه غوث الثقلين . يستغيث به الجن والإنس بل حتى النعجة التي ينقض عليها الذئب تصيح : خلصني يا سيدي أحمد . وقد كذبوا عليك أيتها النعجة بينما أنت على ملة هدهد سليمان .
والله تعالى هو الغياث { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } . فجعلتم الرفاعي شريكاً معه في ذلك . والله { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فجعلتم الرفاعي شريكاً له في هذه الآية وغوث الثقلين يسأله الجن والإنس في السماء والأرض ، فكيف يكون غضب الله عليكم ؟
وإذا كانت الاستغاثة بمحمد  جائزة فلماذا نوبخ النصارى الذين يستغيثون بالمسيح ؟ أليس هذا إقراراً منكم بجواز قول النصارى يا مسيح ؟ وجواز قول الشيعة "يا حسين " " يا صاحب الزمان " ؟
ونحن نحتج عليكم بما تحتجون به على النصارى إذ تقولون : أين قال المسيح اعبدوني مع الله ؟ ونحن نقول لكم : أين قال محمد  إدعوني مع الله ؟ لا فرق بين " يا محمد يا بدوي لا عبد القادر يا رفاعي " وبين "يا مسيح " "يا حسين ". قال تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ } وقال { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } .
وهل يمكن للنبي  سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قدر أن هناك ألفاً في مصر يسألونه  وألفاً في أندونيسيا وألفاً في الصين ، كلهم يستغيثون به : فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ؟
إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي  لا يشغله سمع عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق . وجعلتموه شريكاً مع الله في قوله { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ } وجعلتم كل مقبور مستحقاً صفات : سميع ، بصير ، مجيب ، كاشف .
• إن النبي الذي تدعونه مع الله لجلب النفع ودفع الضر كان هو يتوجه إلى الله وحده لذلك . هو يتوجه إلى الله وأنتم تتوجهون إليه ؟ ما وافقتم من تزعمون محبته . وهو الذي أمره الله أن يقول { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } . وإذا كان الذي يدعونه من دون الله لا يسمع من دعاه عن بعد حين كان حياً : فكيف يقبل من عنده عقل الاعتقاد أن النبي أو الصالح يسمع من يناديه ولو من بعيد وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع كل من يدعوه بعد موته ولو كان في أمريكا ؟ قال تعـالى { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } .
ويوم أن يحال بينه  وبين أناس عند الحوض يقول " أصيحابي أصيحابي ، فيقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (متفق عليه) .
فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته .
وهذا عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
فما بال أناس يعتقدون أنه  يسمع مناديه في المشرق والمغرب ؟ هل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن الله للكفار إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على أشياء مما عندهم { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } .

يوسف التازي
13-01-15, 04:50 PM
الاستعاذة بغير الله جائزة عنده

والحبشي لا يفتي فقط بجواز الاستغاثة برسول الله ïپ¥ ، ولكنه يجيز الاستعاذة به مع الله ، فقال " وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً " واستدل بحديث الحارث بن حسان " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" ( ).
وهذه ستناقش بتفاصيلها بعد قليل ولكن يهمنا هنا بيان أن هذا الرجل قد تفرد عن باقي المنحرفين بجواز الاستعاذة بغير الله وهذا ما لم أسمعه من غيره.
بل حتى الشعراني على ضلالاته فإنه قد صرح بأن الله لم يأذن لأحد أن يستعيذ بغيره .
قال الشعراني ما نصه " ولو أن أحداً من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمرنا الله أن نستعيذ بمحمد ïپ¥ أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر ، ولكن علم الله عجز الخلق عن رد كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل " ( ).


القرآن يحكم بيننا
مناقشة قرآنية حول الاستغاثة بغير الله

القرآن مليء بالآيات الناهية عن دعاء غير الله ، فلنذكر جملة من هذه الآيات حيث أن الله تعالى أمرنا بالرد إليه وإلى رسوله ïپ¥ عند التنازع فقال { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } والقرآن ما ترك شيئاً إلا بيّنه كما قال تعالى { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } .
الآية الأولى : قوله تعالى { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } ما أوضح هذه الآية لطالب الحق ، وهل بعدها مبرر للنزاع والجدل ؟
فقوله { أَحَدًا } نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله . والمسجد ليس مكانا للسجود فقط وإنما للدعاء أيضاً ، فالصلاة التي تتضمن السجود تتضمن أكثر منه : وهو الدعاء ، فهل يجيز أحد أن يُدعا غيرُ الله في الصلاة ؟ فما الذي يجعل دعاء غير الله داخل الصلاة محرماً وخارجها جائزاً ؟
• وأي مضادة لله أعظم : من أن يقول الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } فيقول الحبشي: بل ادعوا مع الله أحداً : ادعوا البدوي والدسوقي والرفاعي!
وأي مخالفة أعظم من أن يقول الله { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فيخالف الحبشي ربه ويقول: إن تدعوهم يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا استجابوا لكم بل خرجوا من قبورهم لقضاء حوائجكم ولو من مكان بعيد ، ويقول الله { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } فيقول الحبشي: القائل بأنهم غافلون طعن بهم .


قصة الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام

• قال الحافظ " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك ".
وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته ( ).
ومن لم يعِ هذه الحقيقة لم يفهم الشرك الذي كان عليه المشركون .
الآية الثانية : قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) قال ابن عباس : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوحٍ عليه السلام فلما ماتوا بنوا لهم الصور والتماثيل ( ).
• روى ابن جرير " حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى بن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم : لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم: فلما ماتوا ، وجاء آخرون : دبّ اليهم ابليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبِهِم يُسقَوْن المطر ، فعبدوهم " وذكر مثله ابن الجوزي ( ).
الآية الثالثة : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } ( النجم 19) عن مجاهد قال : كان رجل صالح يلتُ السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره ( ) وأما مناة فكانت أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها . فلما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام .
• فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله ïپ¥ منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين : وُدّ وسواع ويغوث فيستسقون بها . ولا يزال كثيرون يجهلون أن أصنام مشركي الأمس ما هي إلا رموز تذكارية للصالحين ، وأنهم ما عبدوا أصناماً لمجرد حبهم للحجر والحديد وإنما عبدوا الصالحين الذين صورت الأصنام بصورهم .
الآية الرابعة : قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ( الأحقاف ه ) فحكم على من دعا غيره بغاية الضلال ، ولم يستثن من الضلالة من يدعون الأنبياء والأولياء ، وأن هذا المدعو لا يستجيب له ، بل هو غافل عن دعائه .
الآية الخامسة : قوله تعالى { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ } فيقف العابدون والمعبودون { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي فرقنا بينهم { وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ما كانت عبادتكم لنا { فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } كنا موتى لا نسمع ولا نعلم بعبادتكم لنا كما قال تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } وقوله { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا 81 كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } وقوله { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } .
{ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي عاينت وتحققت أن هذا العمل كان في حقيقته شركاً ظنوه استشفاعاً مشروعاً وإذا بهؤلاء المعبودين يتبرأون من عابديهم ويحلفون أنهم كانوا غافلين عما كانوا يشركونهم به مع الله ، فهذا موقف عظيم يحشر الله فيه الذين كانوا يدعون الصالحين الذين كانوا أمواتاً غافلين عما كان يحدث عند قبورهم من طواف واستغاثة .
الآية السادسة : قوله تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } فيقولون { قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } وفي آية أخرى { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } .
فهذا مآل دعوتهم : لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً : بل كانوا يدعون الشيطان { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } ( النساء 117 ) وفي النهاية يتضح لهم الأمر فيندمون ويقولون { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا } . تلك حقيقة يتعامى عنها مشركو اليوم الذين يروجون للتوجه إلى الأنبياء والصالحين بالدعاء , إنهم يدعون الناس إلى عبادة الشيطان والجن .


الله ينفي استجابة الميت والحبشي يخالفه
الآية السابعة : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } والنبي ïپ¥ عبد مثلنا { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } . فالنهي عام عن دعاء جميع العباد وتخصيص الدعاء بالمعبود وحده .
الله تعالى يتحدى الذين تدعونهم من دونه أن يستجيبوا . والحبشي يقول : بل يستجيبون ، فيخرجون من قبورهم ويغيثون الملهوف ثم يعودون إلى قبورهم.
وهذا نص واضح في أن المشركين كانوا يدعون بشراً لا أصناماً . ولك أن تتأمل وصف الله للمدعوين هنا بأنهم {عِبَادٌ } لله مثل الذين يدعونهم . مما يدل على أن المراد بذلك الصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صورهم ، فإن الأصنام لا توصف بأنها عباد لله. ولا يقال إن الأصنام مثل البشر! ومعنى الآية " أنتم عباد وهم عباد أمثالكم : فكيف يتوجه العباد بالدعاء إلى العباد ؟

الآية الثامنة : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } (الحج 73 ) . فالأصنام والقبور تشترك في صفات الضعف : فكلها لا تقدر على خلق ذبابة ولا على استعادة ما يسلبه الذباب منها .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } .
{ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ } .
{ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا } . { لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } .
{ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } . { مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } . وهذا كله شامل للأصنام والقبور . بل وللأنبياء .
قال إبراهيم عليه السلام لأبيه { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ } .
وأمر الله نبينا أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } . وقال له { وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا } .

الآية التاسعة : قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ 20 أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } ( النحل 20 ) هل تتحدث الآية عن بعث الأصنام إلى الحياة بعد الموت ؟ لا يمكن ذلك:
• لأن ( الذين ) من الأسماء الموصولة , والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنحويين ، فهي عامة في كل من دُعِيَ من دون الله . وهي لا يُخبَر بها إلا عن العقلاء , ولو كان المراد بها الأصنام والحجارة لكان حق الكلام أن يقال ( والتي تدعونها من دونه ما تملك من قطمير . إن تدعوها لا تسمع دعاءكم ولو سمعت ما استجابت لكم ) . والأصنام لا يحل بها موت ولا بعث لأنها خارجة عن قانون الحياة والموت والبعث ، ولأن الشعور يستعمل فيمن يعقل لا في الأحجار.
• ولأن { أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء } لا يصح إضافتها إلى الأحجار التي صنع منها الصنم ، إذ هي جمادٌ لا يصح وصفه بالحياة ولا بالموت . فلم يبق إلا أن الكلام متعلق بالصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صدرهم .

اتفقنا أنهم لا يخلقون واختلافنا هل يملكون
ومن تلبيسات الأحباش قولهم " عقيدة أهل السنة أن محمداً لا يخلق نفعاً " لكنهم يعتقدون أن الأنبياء والأولياء يملكون في قبورهم نفعاً ويدفعون ضراً بإذن الله , ويلبسون الأمر على الناس فيظن العامي أنهم موحدون ما داموا يعتقدون أن محمداً ïپ¥ لا يخلق النفع .
ولقد قال رسول الله ïپ¥ لأحد الموحدين حين قال له " ما شاء الله وشئت " " أحعلتنى لله نداً ؟ " وقال لمجموعة من الموحدين من الصحابة حين قالوا له " إجعل لنا ذات أنواط " : " قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ؟ وقال لمن حلف بغير الله " من حلف بغير الله فقد أشرك " .

المشركون لا يعتقدون استقلال معبوداتهم
وحرفوا المصطلحات الشرعية فزعموا أنهم ما داموا لا يعتقدون استقلال الأنبياء والأولياء بالنفع والضر فهم غير مشركين . فيقال لهم : قد وافقكم أبو جهل على أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لا تخلق نفعاً ولا ضراً ، إذ كان يراها مملوكة لله , كما كانوا يقولون في الحج :
" لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك " ( ). مما يؤكد أنهم لم يكونوا يعتقدون استقلال شركائهم مع الله بالنفع والضر .
ولقد استفتح أبو جهل يوم بدر بالرب دون اللات والعزى وهُبَل فقال " اللهم أقطَعَنا الرحم ، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة " فكان ذلك استفتاحاً منه ، فنزلت { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ } ( ).
فتعريفاتكم ليست بأمانيكم ولا منجية لكم عند الله . فقد قامت عليكم الحجة بقول النبيïپ¥ " الدعاء هو العبادة " ( ) ، فمخالفتكم للتعريف النبوي مردود عليكم . فإنه إذا عُرف التفسير من جهة النبي ïپ¥لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة .
الآية العاشرة : قوله تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال الطبرى " كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشـرك به في عبـادته " ( ).
فمجرد اعتقاد أن غير الله لا يخلق نفعاً لا يبرّىء من الشرك بل لابد من إخلاص التوحيد وذلك بأن يكون الدعاء لله وحده .
فإن محمداً ïپ¥ نهى عن دعاء الله مطلقاً من غير استثناء فقال لابن عباس " إذا سألت فاسأل الله " ولم يكن ابن عباس ولا الصحابة يعتقدون أن أحداً غير الله ينفع أو يضر ، ولم يقل لهم النبي ïپ¥ ما دمتم تعتقدون أن النفع والضر من الله جاز لكم أن تسألوا غير الله .
وقوم إبراهيم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تملك نفعاً فضلاً عن أن تخلقه ، فلما سألهم { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } ما قالوا بلى تنفع وتضر .
ولما كان دعاء غير الله عند إبراهيم شركاً قال لهم : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } فحكم عليهم في الآية التي تليها أن دعاءهم لها عبادة من دون الله { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } ( مريم 48 و 49 ) وأكد ذلك في آية واحدة فقال { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وقد دلت الآية على أن دعاء غير الله عبادة تتعارض مع الإسلام لرب العالمين .
ولو كان يعلم عنهم أنهم كانوا يعتقدون فيها النفع والضر لما حاجّهم بذلك ولأجابوا عن سؤاله { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } " نعم , إنها تنفع وتضر . فلما عجزوا عن الإجابة قالوا { بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } قال { أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ } فقال لهم أولاً { تَدْعُونَ } ثم قال { تَعْبُدُونَ } وفى آية أخرى { أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ } .

استغاثتهم بهم مسبوقة باعتقادهم فيهم
هذا ولا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك عاقل يقول : أغثني يا من لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شرك أكبر ولا أصغر.
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاده فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من الاعتقاد الفاسد قد عبّر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله : أغث يا رفاعي ، المدد يا جيلاني ، شيء لله يا سيدي دسوقي ، ثم عبّر عنه العمل فصار يقبّل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النـذور عنـدها على نيـة الشفاء ( ) .
قال الآلوسي " ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك ( يشير إلى قولهم يا سيدي فلان أغثني ) إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر على جلب الخير ودفع الأذى ، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه " . واعتبر الآلوسي هؤلاء من جملة من قال الله فيهم ، { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } ( ).
• تصور رجلاً جائعاً فقيراً يخير بين أن يذهب إلى فقير مثله أو إلى غني : فإلى من يذهب ؟ بالطبع سيذهب الى الغني ويترك الفقير . لا تنس أن ذهابه إلى الغني قد سبقه علمه بأن هذا الغني يملك نفعاً وإلا : فذهابه إلى فقير مثله مع علمه بفقره يعتبر جنوناً . وكذلك المستغيث بغير الله : يعلم في قرارة نفسه أن من يطلب منهم لا يملكون تحقيق شيء له ، وإن أنكر ذلك باللسان .
الآية الحادية عشرة : قوله تعالى { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } . وقد أمرنا الله أن نعتقد أن النبي ïپ¥ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ } هذا وهو حي . فكيف وهو ميت ؟ أفيجوز أن يقال إنه كان لا يملك النفع والضر قبل موته فلما مات صار يملكهما ؟
وكيف يقول لابنته فاطمة " لا أملك لك من الله شيئا " بينما يحث المسلمين على الاستغاثة به عند قبره بعد موته ؟

اتركوا دعاء من لا يملك نفعاً ولا ضراً

الآية الثانية عشرة : قوله تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ } (يونس 106) أي المشركين ، فليس في شرع ربنا جواز دعاء من لا يملك نفعا ولا ضراً ولم يقل تعالى : ولا تدع ما لا يخلق نفعا وإنما المعنى : لا تدع من تعلم أنه لا يضر ولا ينفع كما قـال تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } (الأعراف 197) ، لم يستثن الله نبياً ولا ولياً . فهذه الآية نص صريح على تحريم دعاء من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا يملك نصراً وإلا فإن فعل فقد رد على أعقابه إلى الضلالة بعد إذ هداه الله كما قـال تعـالى { قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ } (الأنعام 71) .
- ودعاء من لا يغنى من الله شيئاً محرم في القرآن وهو من خصال المشركين قال تعالى { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ }. ولم يقل (التي يسجدون لها من دون الله) .

تدعون من صرّح بأنه لا يغني !
فهذا رسول الله ïپ¥ بأنه لا يغني عن أحد من الله شيئاً ولا حتى لابنته فاطمة . وهو موافق في هذا للقرآن . فقد نهى إبراهيم أباه أن يدعو من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً ؟ ويعقوب يقول لأولاده { وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ } ورسولنا ïپ¥ يعلن بالكلمة نفسها إلى فاطمة وأقربائه وجميع قريش .
وإذا كان لا يملك شيئاً لفلذة كبده فاطمة وهو حي : أفيملكه لغيرها وهو ميت ؟ قال لابنته " يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار : فإني لا أملك لكِ من الله ضرا ولا نفعا " وفي رواية " لا أغني عنك من الله شيئا " وفى رواية " لا أملك " فكيف نستغيث بمن كان يقول وهو حي " لا أملك لكم [لا أغني عنكم] ، من الله شيئا " (متفق عليه) .
وهو الذي إذا استغاث به الناس يوم القيامة وهو حي حاضر يقول " لا أملك لك من الله شيئاً قد بلّغتُك " ! ولا نجد في القرآن جواز سؤال من يملك نفعاً لكنه لا يخلق نفعاً !

لما أراد نوح أن يدعو الله لإنقاذ ولده قال الله تعالى : { قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ }.
فالذي يدعو الصالحين إن كان مستحقا للعقاب فالنبي أو الولي لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، فقد مات أبو طالب على الشرك ، ولو كان الأمر بيد النبي ïپ¥ لما مات على ذلك .
{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ } .
{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } .
{ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } .
وإذا ثبت أن دعاءكم لغير الله شرك فقد قال الله تعالى :
{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ }
{ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ }

حجة رازية أشعرية
• قال الرازي " إعلم أن الكفار أوردوا سؤالا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } .
وتقرير الجواب :
أن هؤلاء الكفار : إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها .
والأول باطل : لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً ، فكيف يعقل صدور الشفاعة منها ؟
والثاني باطل : لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله . فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة. فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره " ( ) انتهى كلام الرازي رحمه الله .

بين قبر اليوم وصنم الأمس عند الرازي :
وذكر الرازي كذلك أن المشركين " وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.
قال : ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله " ( ) 0 انتهى كلامه وهو نفيس جدا . وصدور مثل هذا الكلام من رجل من عظماء الأشاعرة هو حجة على متأخريهم ، فهل يصير الرازي عندهم " وهابياً " بعد هذا ؟.
• وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالا على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً " ( ) .
وهذا ما نؤكده دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين : هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى .
وإنما يقع اليوم في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس .
سؤال قرآني موجه إلى المشركين
الآية الرابعة عشرة : قوله تعالى { قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } [ الزمر 38 ] . فمن لم يكتف بدعاء الله وحده لم يكن حسبه الله ، قال قتادة في هذه الآية " سأل النبي ïپ¥ المشركين فسكتوا " أي سألهم : هل هن كاشفات ضره ؟ هل هن ممسكات رحمته ؟ فسكتوا لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الضر والنفع ولو كانوا يعتقدون العكس لأجابوا . وإنما كانوا يتخذونها وسائط وشفعاء عند الله .

النصارى لا يعتقدون أن مريم تخلق نفعاً
الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . فالذين يدعون غير الله وإن كانوا يعتقدون أن من يدعونه لا يخلق نفعاً إلا أنه ما زالت هناك مشابهة بينهم وبين النصارى الذين يعتقدون أن مريم لا تخلق نفعاً ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في تفسير قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } . قال ابن عباس ومجاهد "وهم: عيسي وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) . وكل من دعا ميتا أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .
وقد اعترف الرازي بأنه " ليس المراد بالآية الأصنام لأنه تعالى قال في صفته { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } قال : وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام " ( )

دعاء غير الله تأليه لغير الله
فالنصارى يعترفون بأنهم اتخذوا المسيح إلهاً ، لكنهم يرفضون اتهامهم بتأليه مريم ويقولون : نحن لم نؤله مريم ، بل نعتبرها بشراً ، ولا نعتقد أنها تخلق نفعاً ولا ضراً ، غير أننا نتخذها شفيعة لنا عند الرب. لكن الله ألزمهم بعبادتها وإن رفضوا، لأنهم يدعونها من دون الله ويطلبون منها ما يطلبه الأحباش من الجيلاني والرفاعي .

ولو سمعوا ما استجابوا
الآية السادسة عشرة : قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [ الأحقاف 5 ]. وهذه صفات مشتركة بين الأصنام والقبور ، وقد جمع الله بينهما في آية واحدة فقال { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء } [ النمل 80 ] . وقد استدل ابن الهمام بهذه الآية على عدم سماع الأموات وأن عدم سماع الكفار فرع عدم سماع الموتى ( ) . وهذه الآية مفسرة بقوله تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . وأفضل التفسير : تفسير القرآن بالقرآن .
وجاء في الفتاوى البزازية " من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم : يكفر. وقال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان الجياني : ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقد بذلك فقد كفر " ( ) .
• وقد احتج مشايخ الحنفية رحمهم الله على عدم سماع الموتى بقصة أصحاب الكهف { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } إلى قوله { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فإنهم من أولياء الله ، وقد أنامهم نوماً ثقيلا لا توقظهم الأصوات . فلو كانوا يعلمون لكان كلامهم هذا كذبا .

الآية السابعة عشرة : قوله تعالى { قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } [ الرعد 16 ] و { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } فغير الله لا يقضون بشيء ولا يملكون نفعاً ولا ضراً ولا يسمعون وإذا سمعوا لا يستجيبون ، وهؤلاء يقولون : بلى ، يقضون بشيء ويستجيبون لمن شاءوا .

الدعاء أفضل العبادة
هل أجاز النبي عبادة غير الله مع الكراهة ؟!
والدعاء عبادة كما قال رسولنا ïپ¥ " الدعاء هو العبادة " ( ) ، وفي رواية "الدعاء مخ العبادة " ( ) . ثم إن الاستشهاد بقول رسول الله ïپ¥ خير من الاستشهاد بعلماء اللغة. وإذا عُرف التفسير من جهة النبي ïپ¥ لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
• وما سماه النبي عبادة لا يجيز للناس صرفه لغير الله مع الكراهة كما زعم الحبشي وغيره. بل ما كان عنده عبادة لا يصرف إلا لله .
• قال الزبيدي " قال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه: استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قُبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها ويمكن حمل العبادة على " المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار". وعن معنى رواية "الدعاء مخ العبادة" قال الزبيدي " أي خالصها، وإنما كان مخا لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها لما فله فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية استشعار ذلة البشرية " ( )
وإذا كانت العبادة هي الذلة والتذلل: فهؤلاء يتوجهون إلى غير الله بأفضل العبادة وهو الدعاء كما قال ابن عباس {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال " أفضل العبادة الدعاء " ( ) .
وهذا التفسير لغويٌّ وشرعي: علَّمنا إياه سيد البشر وأفصحهم ïپ¥ والذي لا يجيز صرف عبادة لغير الله . والتوجه بالدعاء لغير الله تأليهٌ لغير الله . فقد قال رسول الله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " فدل على أن الدعاء مدق أعظم أنواع العبادة ، لأنه يجمع من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات كتوجه الوجه والقلب واللسان وحصول التذلل والخضوع والرغبة فيما عند المدعو والرهبة منه وهذه حقيقة العبادة بل مخها .
قال الفيومي في المصباح المنير " دعوت الله : أي رغبت فيما عنده من الخير، وأما الاستغاثة فهي طلب الغوث والنصرة ، والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام . عاذ به أي التجأ واعتصم " ( ) .
ووصف الخطابي الدعاء بأنه ( ) " استمداد المعونة [ من الله ] وحقيقته إظهار الافتقار إليه وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية ". ثم احتج بقول النبي ïپ¥ " الدعاء هو العبادة " .
{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قال الطبري أي اعبدوني ( )
قال القرطبي " فدل على أن الدعـاء هو العبـادة وكذا عليه أكثر المفسرين " ( ) .
قلت : فسرها قبلهم رسول الله ïپ¥ فأبى الأحباش إلا الهروب من هذه الأقوال الصريحة عن جمهور العلماء إلى التفسـيـر الغريب المرجوح للآية وهو " أطيعوني أُثبْكم " ( ) . قال الحافظ " وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب . وأجاب الجمهور بأن الدعاء من أعم العبادة " ، واعتبر قول النبي ïپ¥ " الدعاء هو العبادة " كقوله في الحديث الآخر " الحج عرفة " ( )
{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } [ غافر ] قال السدي : أي دعائي ( ) قال الحافظ وضع عبادتي موضع دعائي " ( ) وقال القسطلاني في إرشاد الساري كلاماً بنحوه .

شبهة : العبادة نهاية التذلل
الدعاء توحيد عند الزبيدي

• واعترض الأحباش على ذلك فقالوا " العبادة نهاية التذلل " هكـذا أثبتـها علماء اللغة " ( ) .
ويقال لهم : إذا كان الشرع يعتبر دعاء قضاء الحوائج عبادة فقد ألزمكم الشرع بالوقوع في غاية التذلل. يؤكد ذلك قول الحافظ ابن حجر " الدعاء هو غاية التذلل والافتقار" ( ) . وأن فائدة الدعاء " إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه ". وقال مثله الزبيدي ( ) ، وزاد عليه لأن وصف لفظ الدعاء يطلق ويراد به التوحيد كما في قوله تعالى { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } وقوله { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } ، فهذه شهادة من الزبيدي ضدكم بأنكم صرفتم التوحيد إلى غير الله .
فإذا كان الدعاء غاية التذلل والافتقار وإظهار الفاقة والتضرع وهو التوحيد : فمثل هذا لا يجوز صرفه لغير الله وإلا كان شركاً .

الدعاء عند الرازي أعظم مقامات العبودية
• قال الفخر الرازي " المقصود من الدعاء إظهار الذلة والأنكسار" وقال " وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : الدعاء أعظم مقامات العبادة " ( ).
وفسر قوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فقال : كأنه سبحانه وتعالى يقول : عبدي أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء . أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك فأنت العبد المحتاج ، وأنا الإله الغني " ( ) .
كما نقل عن الخطابي قوله " الدعاء هو العبادة " معناه أنه أعظم العبادة " و " حقيقة الدعاء استمداد العبد المعونة من الله " ( ) .
فهذا هو الرازي يصرح بأن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار، محتجا بهذه الآية .
وذكر الحليمي أن الدعاء من التخشع والتذلل لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله " ( ) . وعرّف صاحب القاموس الدعاء بالرغبة إلى الله ( ) .

السجود لغير الله ليس هو الشرك الوحيد

وهؤلاء لم يفهموا من العبادة إلا الركوع والسجود . وهم بذلك يقصرون العبادة على بعض أفرادها كقولهم " العبادة نهاية التذلل " .
ولا ننسى أن المحبة والخضوع والتوكل والإنابة والخوف والرجاء والطاعة والتقوى كل ذلك عبادة لا ركوع فيها ولا سجود .
ورمي الجمار ليس فيه سجود ومع ذلك فهو عبادة ؟
والصيام عبادة لا سجود فيها .
والوقوف عند عرفة ركن الحج وهو عبادة لا سجود فيها .
وقراءة القرآن عبادة ليس فيها سجود .
فلماذا لا يكون الدعاء عبادة وإن لم يكن فيه ركوع ولا سجود .
فالرسول ما علّمنا أن الصوم والصلاة والحج عبادة فقط ، بل علمنا أيضاً أن الدعاء عبادة ، وقد بلّغ فقال " الدعاء هو العبادة " .
فكما أن ( الحج عرفة ) وعرفة أعظم مواقف الحج . فكذلك ( الدعاء عبادة ) بل من أعظم أنواع العبادة ولبّها وركنها الأعظم ، كما أن عرفة أفضل الوقوف ، يؤكد ذلك حديث أنس " الدعاء مخ العبادة " وهو ما قال مثله الرازي والزبيدي ( ) .

لا يفقهون ما يتلون في صلاتهم
وهؤلاء إذا دخلوا في الصلاة قالوا { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
فإذا خرجوا منها قالوا : إياك نستعين ونستمد يا محمد يا رفاعي يا بدوي.. فلم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، وإن الشرك لهو أعظم المنكر.
ولو أنهم تدبروا ما يقرءون لكان خيراً لهم ، فإن { إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } جاءت بعد آيات بينت ربوبية الله المطلقة لكل العوالم ورحمته الواسعة وأنه هو المالك ليوم الدين فهو المنجي وهو الراحم وهو الذي يملك الشفاعة والمغفرة، فلا تجوز الاستعانة بمن لا يتصف بهذه الصفات.
وقد نص الحافظ ابن رجب ( ) في ( جامع العلوم والحكم 281) أن قوله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لأن الدعاء هو العبادة " وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وقال { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } ولم يأمرنا أن نسأل غيره . ولم يقل (وقال ربكم ادعو أنبيائي وأوليائي) ولم يقل رسوله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الأنبياء والأولياء ".
وقال السبكي بأن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " ( ) وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص .


الآية التي قطعت جميع وسائل الشرك

الآية الثامنة عشرة : قوله تعالى { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } فهذه الآية قطعت طرق الشرك كلها وسدت أبوابه أمام المشركين .
فإن الداعي غير الله إنما يتعلق قلبه بالقبور:
1- لما يرجو فيها من حصول منفعة أو دفع مضرة وحينئذ :
فلا بد أن يكون معتقداً أن هذا الولي يملك أسباب المنفعة ، فنفى الله ذلك قائلاً { لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } .
2- أو أن يكون هذا الولي المدعو شريكاً مع الله ، فنفى الله ذلك قائلاً { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } .
3- أو أن يكون وزيرا معاوناً لله ذا حرمة وقدر يمكن الانتفاع به عند المالك . فنفى الله ذلك قائلاً { وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } .
4- فلم يبق للمشرك إلا حجة واحدة يتعلق بها وهى الشفاعة فيقول { هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فنفى الله ذلك وقال { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ونفى عن غيره النفع والضر والشراكة في الملك وامتلاك الشفاعة وإنما الشفاعة حق يملكه الله ، فلا يسألها من لا يملكها وحتى إذا أعطي نبينا الشفاعة فإنه لا يشفع فيمن يشاء ولكن فيمن يأذن الله .
الآية التاسعة عشرة : قوله تعالى { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ولم تستثن الآية ممن { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } نبياً أو ولياً ، والآية ترد ما يدعيه الأحباش أن قبر السيدة نفيسة " معروف بالإجابة " ( ) ؟ فإن الله تعالى يقول { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } ! فمن أصدق عندكم : الله أم الحبشي ؟

الآية العشرون : قولـه تعالى { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ويناقض الحبشي هذه الآية فيقول : الأنبياء والأولياء : يجيبون المضطر إذا دعاهم ويكشفون السوء ، وليس الله وحده ، وقد قال الشيعة من قبله : الأئمة والسادة يجيبون المضطر إذا دعاهم ، وقالها النصارى من قبلهم : المسيح ومريم والقديسون .


ا

يوسف التازي
13-01-15, 04:51 PM
الاستعاذة بغير الله جائزة عنده

والحبشي لا يفتي فقط بجواز الاستغاثة برسول الله  ، ولكنه يجيز الاستعاذة به مع الله ، فقال " وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً " واستدل بحديث الحارث بن حسان " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" ( ).
وهذه ستناقش بتفاصيلها بعد قليل ولكن يهمنا هنا بيان أن هذا الرجل قد تفرد عن باقي المنحرفين بجواز الاستعاذة بغير الله وهذا ما لم أسمعه من غيره.
بل حتى الشعراني على ضلالاته فإنه قد صرح بأن الله لم يأذن لأحد أن يستعيذ بغيره .
قال الشعراني ما نصه " ولو أن أحداً من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمرنا الله أن نستعيذ بمحمد  أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر ، ولكن علم الله عجز الخلق عن رد كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل " ( ).


القرآن يحكم بيننا
مناقشة قرآنية حول الاستغاثة بغير الله

القرآن مليء بالآيات الناهية عن دعاء غير الله ، فلنذكر جملة من هذه الآيات حيث أن الله تعالى أمرنا بالرد إليه وإلى رسوله  عند التنازع فقال { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } والقرآن ما ترك شيئاً إلا بيّنه كما قال تعالى { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } .
الآية الأولى : قوله تعالى { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } ما أوضح هذه الآية لطالب الحق ، وهل بعدها مبرر للنزاع والجدل ؟
فقوله { أَحَدًا } نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله . والمسجد ليس مكانا للسجود فقط وإنما للدعاء أيضاً ، فالصلاة التي تتضمن السجود تتضمن أكثر منه : وهو الدعاء ، فهل يجيز أحد أن يُدعا غيرُ الله في الصلاة ؟ فما الذي يجعل دعاء غير الله داخل الصلاة محرماً وخارجها جائزاً ؟
• وأي مضادة لله أعظم : من أن يقول الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } فيقول الحبشي: بل ادعوا مع الله أحداً : ادعوا البدوي والدسوقي والرفاعي!
وأي مخالفة أعظم من أن يقول الله { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فيخالف الحبشي ربه ويقول: إن تدعوهم يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا استجابوا لكم بل خرجوا من قبورهم لقضاء حوائجكم ولو من مكان بعيد ، ويقول الله { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } فيقول الحبشي: القائل بأنهم غافلون طعن بهم .


قصة الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام

• قال الحافظ " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك ".
وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته ( ).
ومن لم يعِ هذه الحقيقة لم يفهم الشرك الذي كان عليه المشركون .
الآية الثانية : قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) قال ابن عباس : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوحٍ عليه السلام فلما ماتوا بنوا لهم الصور والتماثيل ( ).
• روى ابن جرير " حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى بن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم : لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم: فلما ماتوا ، وجاء آخرون : دبّ اليهم ابليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبِهِم يُسقَوْن المطر ، فعبدوهم " وذكر مثله ابن الجوزي ( ).
الآية الثالثة : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } ( النجم 19) عن مجاهد قال : كان رجل صالح يلتُ السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره ( ) وأما مناة فكانت أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها . فلما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام .
• فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله  منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين : وُدّ وسواع ويغوث فيستسقون بها . ولا يزال كثيرون يجهلون أن أصنام مشركي الأمس ما هي إلا رموز تذكارية للصالحين ، وأنهم ما عبدوا أصناماً لمجرد حبهم للحجر والحديد وإنما عبدوا الصالحين الذين صورت الأصنام بصورهم .
الآية الرابعة : قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ( الأحقاف ه ) فحكم على من دعا غيره بغاية الضلال ، ولم يستثن من الضلالة من يدعون الأنبياء والأولياء ، وأن هذا المدعو لا يستجيب له ، بل هو غافل عن دعائه .
الآية الخامسة : قوله تعالى { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ } فيقف العابدون والمعبودون { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي فرقنا بينهم { وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ما كانت عبادتكم لنا { فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } كنا موتى لا نسمع ولا نعلم بعبادتكم لنا كما قال تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } وقوله { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا 81 كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } وقوله { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } .
{ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي عاينت وتحققت أن هذا العمل كان في حقيقته شركاً ظنوه استشفاعاً مشروعاً وإذا بهؤلاء المعبودين يتبرأون من عابديهم ويحلفون أنهم كانوا غافلين عما كانوا يشركونهم به مع الله ، فهذا موقف عظيم يحشر الله فيه الذين كانوا يدعون الصالحين الذين كانوا أمواتاً غافلين عما كان يحدث عند قبورهم من طواف واستغاثة .
الآية السادسة : قوله تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } فيقولون { قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } وفي آية أخرى { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } .
فهذا مآل دعوتهم : لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً : بل كانوا يدعون الشيطان { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } ( النساء 117 ) وفي النهاية يتضح لهم الأمر فيندمون ويقولون { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا } . تلك حقيقة يتعامى عنها مشركو اليوم الذين يروجون للتوجه إلى الأنبياء والصالحين بالدعاء , إنهم يدعون الناس إلى عبادة الشيطان والجن .


الله ينفي استجابة الميت والحبشي يخالفه
الآية السابعة : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } والنبي  عبد مثلنا { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } . فالنهي عام عن دعاء جميع العباد وتخصيص الدعاء بالمعبود وحده .
الله تعالى يتحدى الذين تدعونهم من دونه أن يستجيبوا . والحبشي يقول : بل يستجيبون ، فيخرجون من قبورهم ويغيثون الملهوف ثم يعودون إلى قبورهم.
وهذا نص واضح في أن المشركين كانوا يدعون بشراً لا أصناماً . ولك أن تتأمل وصف الله للمدعوين هنا بأنهم {عِبَادٌ } لله مثل الذين يدعونهم . مما يدل على أن المراد بذلك الصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صورهم ، فإن الأصنام لا توصف بأنها عباد لله. ولا يقال إن الأصنام مثل البشر! ومعنى الآية " أنتم عباد وهم عباد أمثالكم : فكيف يتوجه العباد بالدعاء إلى العباد ؟

الآية الثامنة : قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } (الحج 73 ) . فالأصنام والقبور تشترك في صفات الضعف : فكلها لا تقدر على خلق ذبابة ولا على استعادة ما يسلبه الذباب منها .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } .
{ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ } .
{ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا } . { لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } .
{ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ } . { مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } . وهذا كله شامل للأصنام والقبور . بل وللأنبياء .
قال إبراهيم عليه السلام لأبيه { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ } .
وأمر الله نبينا أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } . وقال له { وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا } .

الآية التاسعة : قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ 20 أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } ( النحل 20 ) هل تتحدث الآية عن بعث الأصنام إلى الحياة بعد الموت ؟ لا يمكن ذلك:
• لأن ( الذين ) من الأسماء الموصولة , والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنحويين ، فهي عامة في كل من دُعِيَ من دون الله . وهي لا يُخبَر بها إلا عن العقلاء , ولو كان المراد بها الأصنام والحجارة لكان حق الكلام أن يقال ( والتي تدعونها من دونه ما تملك من قطمير . إن تدعوها لا تسمع دعاءكم ولو سمعت ما استجابت لكم ) . والأصنام لا يحل بها موت ولا بعث لأنها خارجة عن قانون الحياة والموت والبعث ، ولأن الشعور يستعمل فيمن يعقل لا في الأحجار.
• ولأن { أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء } لا يصح إضافتها إلى الأحجار التي صنع منها الصنم ، إذ هي جمادٌ لا يصح وصفه بالحياة ولا بالموت . فلم يبق إلا أن الكلام متعلق بالصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صدرهم .

اتفقنا أنهم لا يخلقون واختلافنا هل يملكون
ومن تلبيسات الأحباش قولهم " عقيدة أهل السنة أن محمداً لا يخلق نفعاً " لكنهم يعتقدون أن الأنبياء والأولياء يملكون في قبورهم نفعاً ويدفعون ضراً بإذن الله , ويلبسون الأمر على الناس فيظن العامي أنهم موحدون ما داموا يعتقدون أن محمداً  لا يخلق النفع .
ولقد قال رسول الله  لأحد الموحدين حين قال له " ما شاء الله وشئت " " أحعلتنى لله نداً ؟ " وقال لمجموعة من الموحدين من الصحابة حين قالوا له " إجعل لنا ذات أنواط " : " قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ؟ وقال لمن حلف بغير الله " من حلف بغير الله فقد أشرك " .

المشركون لا يعتقدون استقلال معبوداتهم
وحرفوا المصطلحات الشرعية فزعموا أنهم ما داموا لا يعتقدون استقلال الأنبياء والأولياء بالنفع والضر فهم غير مشركين . فيقال لهم : قد وافقكم أبو جهل على أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لا تخلق نفعاً ولا ضراً ، إذ كان يراها مملوكة لله , كما كانوا يقولون في الحج :
" لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك " ( ). مما يؤكد أنهم لم يكونوا يعتقدون استقلال شركائهم مع الله بالنفع والضر .
ولقد استفتح أبو جهل يوم بدر بالرب دون اللات والعزى وهُبَل فقال " اللهم أقطَعَنا الرحم ، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة " فكان ذلك استفتاحاً منه ، فنزلت { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ } ( ).
فتعريفاتكم ليست بأمانيكم ولا منجية لكم عند الله . فقد قامت عليكم الحجة بقول النبي " الدعاء هو العبادة " ( ) ، فمخالفتكم للتعريف النبوي مردود عليكم . فإنه إذا عُرف التفسير من جهة النبي لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة .
الآية العاشرة : قوله تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال الطبرى " كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشـرك به في عبـادته " ( ).
فمجرد اعتقاد أن غير الله لا يخلق نفعاً لا يبرّىء من الشرك بل لابد من إخلاص التوحيد وذلك بأن يكون الدعاء لله وحده .
فإن محمداً  نهى عن دعاء الله مطلقاً من غير استثناء فقال لابن عباس " إذا سألت فاسأل الله " ولم يكن ابن عباس ولا الصحابة يعتقدون أن أحداً غير الله ينفع أو يضر ، ولم يقل لهم النبي  ما دمتم تعتقدون أن النفع والضر من الله جاز لكم أن تسألوا غير الله .
وقوم إبراهيم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تملك نفعاً فضلاً عن أن تخلقه ، فلما سألهم { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } ما قالوا بلى تنفع وتضر .
ولما كان دعاء غير الله عند إبراهيم شركاً قال لهم : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } فحكم عليهم في الآية التي تليها أن دعاءهم لها عبادة من دون الله { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } ( مريم 48 و 49 ) وأكد ذلك في آية واحدة فقال { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وقد دلت الآية على أن دعاء غير الله عبادة تتعارض مع الإسلام لرب العالمين .
ولو كان يعلم عنهم أنهم كانوا يعتقدون فيها النفع والضر لما حاجّهم بذلك ولأجابوا عن سؤاله { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } " نعم , إنها تنفع وتضر . فلما عجزوا عن الإجابة قالوا { بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } قال { أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ } فقال لهم أولاً { تَدْعُونَ } ثم قال { تَعْبُدُونَ } وفى آية أخرى { أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ } .

استغاثتهم بهم مسبوقة باعتقادهم فيهم
هذا ولا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك عاقل يقول : أغثني يا من لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شرك أكبر ولا أصغر.
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاده فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من الاعتقاد الفاسد قد عبّر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله : أغث يا رفاعي ، المدد يا جيلاني ، شيء لله يا سيدي دسوقي ، ثم عبّر عنه العمل فصار يقبّل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النـذور عنـدها على نيـة الشفاء ( ) .
قال الآلوسي " ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك ( يشير إلى قولهم يا سيدي فلان أغثني ) إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر على جلب الخير ودفع الأذى ، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه " . واعتبر الآلوسي هؤلاء من جملة من قال الله فيهم ، { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } ( ).
• تصور رجلاً جائعاً فقيراً يخير بين أن يذهب إلى فقير مثله أو إلى غني : فإلى من يذهب ؟ بالطبع سيذهب الى الغني ويترك الفقير . لا تنس أن ذهابه إلى الغني قد سبقه علمه بأن هذا الغني يملك نفعاً وإلا : فذهابه إلى فقير مثله مع علمه بفقره يعتبر جنوناً . وكذلك المستغيث بغير الله : يعلم في قرارة نفسه أن من يطلب منهم لا يملكون تحقيق شيء له ، وإن أنكر ذلك باللسان .
الآية الحادية عشرة : قوله تعالى { يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } . وقد أمرنا الله أن نعتقد أن النبي  لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ } هذا وهو حي . فكيف وهو ميت ؟ أفيجوز أن يقال إنه كان لا يملك النفع والضر قبل موته فلما مات صار يملكهما ؟
وكيف يقول لابنته فاطمة " لا أملك لك من الله شيئا " بينما يحث المسلمين على الاستغاثة به عند قبره بعد موته ؟

اتركوا دعاء من لا يملك نفعاً ولا ضراً

الآية الثانية عشرة : قوله تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ } (يونس 106) أي المشركين ، فليس في شرع ربنا جواز دعاء من لا يملك نفعا ولا ضراً ولم يقل تعالى : ولا تدع ما لا يخلق نفعا وإنما المعنى : لا تدع من تعلم أنه لا يضر ولا ينفع كما قـال تعالى { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } (الأعراف 197) ، لم يستثن الله نبياً ولا ولياً . فهذه الآية نص صريح على تحريم دعاء من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا يملك نصراً وإلا فإن فعل فقد رد على أعقابه إلى الضلالة بعد إذ هداه الله كما قـال تعـالى { قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ } (الأنعام 71) .
- ودعاء من لا يغنى من الله شيئاً محرم في القرآن وهو من خصال المشركين قال تعالى { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ }. ولم يقل (التي يسجدون لها من دون الله) .

تدعون من صرّح بأنه لا يغني !
فهذا رسول الله  بأنه لا يغني عن أحد من الله شيئاً ولا حتى لابنته فاطمة . وهو موافق في هذا للقرآن . فقد نهى إبراهيم أباه أن يدعو من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً ؟ ويعقوب يقول لأولاده { وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ } ورسولنا  يعلن بالكلمة نفسها إلى فاطمة وأقربائه وجميع قريش .
وإذا كان لا يملك شيئاً لفلذة كبده فاطمة وهو حي : أفيملكه لغيرها وهو ميت ؟ قال لابنته " يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار : فإني لا أملك لكِ من الله ضرا ولا نفعا " وفي رواية " لا أغني عنك من الله شيئا " وفى رواية " لا أملك " فكيف نستغيث بمن كان يقول وهو حي " لا أملك لكم [لا أغني عنكم] ، من الله شيئا " (متفق عليه) .
وهو الذي إذا استغاث به الناس يوم القيامة وهو حي حاضر يقول " لا أملك لك من الله شيئاً قد بلّغتُك " ! ولا نجد في القرآن جواز سؤال من يملك نفعاً لكنه لا يخلق نفعاً !

لما أراد نوح أن يدعو الله لإنقاذ ولده قال الله تعالى : { قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ }.
فالذي يدعو الصالحين إن كان مستحقا للعقاب فالنبي أو الولي لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، فقد مات أبو طالب على الشرك ، ولو كان الأمر بيد النبي  لما مات على ذلك .
{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ } .
{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } .
{ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } .
وإذا ثبت أن دعاءكم لغير الله شرك فقد قال الله تعالى :
{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ }
{ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ }

حجة رازية أشعرية
• قال الرازي " إعلم أن الكفار أوردوا سؤالا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } .
وتقرير الجواب :
أن هؤلاء الكفار : إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها .
والأول باطل : لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً ، فكيف يعقل صدور الشفاعة منها ؟
والثاني باطل : لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله . فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة. فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره " ( ) انتهى كلام الرازي رحمه الله .

بين قبر اليوم وصنم الأمس عند الرازي :
وذكر الرازي كذلك أن المشركين " وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.
قال : ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله " ( ) 0 انتهى كلامه وهو نفيس جدا . وصدور مثل هذا الكلام من رجل من عظماء الأشاعرة هو حجة على متأخريهم ، فهل يصير الرازي عندهم " وهابياً " بعد هذا ؟.
• وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالا على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً " ( ) .
وهذا ما نؤكده دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين : هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى .
وإنما يقع اليوم في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس .
سؤال قرآني موجه إلى المشركين
الآية الرابعة عشرة : قوله تعالى { قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } [ الزمر 38 ] . فمن لم يكتف بدعاء الله وحده لم يكن حسبه الله ، قال قتادة في هذه الآية " سأل النبي  المشركين فسكتوا " أي سألهم : هل هن كاشفات ضره ؟ هل هن ممسكات رحمته ؟ فسكتوا لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الضر والنفع ولو كانوا يعتقدون العكس لأجابوا . وإنما كانوا يتخذونها وسائط وشفعاء عند الله .

النصارى لا يعتقدون أن مريم تخلق نفعاً
الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . فالذين يدعون غير الله وإن كانوا يعتقدون أن من يدعونه لا يخلق نفعاً إلا أنه ما زالت هناك مشابهة بينهم وبين النصارى الذين يعتقدون أن مريم لا تخلق نفعاً ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في تفسير قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } . قال ابن عباس ومجاهد "وهم: عيسي وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) . وكل من دعا ميتا أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .
وقد اعترف الرازي بأنه " ليس المراد بالآية الأصنام لأنه تعالى قال في صفته { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } قال : وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام " ( )

دعاء غير الله تأليه لغير الله
فالنصارى يعترفون بأنهم اتخذوا المسيح إلهاً ، لكنهم يرفضون اتهامهم بتأليه مريم ويقولون : نحن لم نؤله مريم ، بل نعتبرها بشراً ، ولا نعتقد أنها تخلق نفعاً ولا ضراً ، غير أننا نتخذها شفيعة لنا عند الرب. لكن الله ألزمهم بعبادتها وإن رفضوا، لأنهم يدعونها من دون الله ويطلبون منها ما يطلبه الأحباش من الجيلاني والرفاعي .

ولو سمعوا ما استجابوا
الآية السادسة عشرة : قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [ الأحقاف 5 ]. وهذه صفات مشتركة بين الأصنام والقبور ، وقد جمع الله بينهما في آية واحدة فقال { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء } [ النمل 80 ] . وقد استدل ابن الهمام بهذه الآية على عدم سماع الأموات وأن عدم سماع الكفار فرع عدم سماع الموتى ( ) . وهذه الآية مفسرة بقوله تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . وأفضل التفسير : تفسير القرآن بالقرآن .
وجاء في الفتاوى البزازية " من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم : يكفر. وقال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان الجياني : ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقد بذلك فقد كفر " ( ) .
• وقد احتج مشايخ الحنفية رحمهم الله على عدم سماع الموتى بقصة أصحاب الكهف { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } إلى قوله { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فإنهم من أولياء الله ، وقد أنامهم نوماً ثقيلا لا توقظهم الأصوات . فلو كانوا يعلمون لكان كلامهم هذا كذبا .

الآية السابعة عشرة : قوله تعالى { قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } [ الرعد 16 ] و { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } فغير الله لا يقضون بشيء ولا يملكون نفعاً ولا ضراً ولا يسمعون وإذا سمعوا لا يستجيبون ، وهؤلاء يقولون : بلى ، يقضون بشيء ويستجيبون لمن شاءوا .

الدعاء أفضل العبادة
هل أجاز النبي عبادة غير الله مع الكراهة ؟!
والدعاء عبادة كما قال رسولنا  " الدعاء هو العبادة " ( ) ، وفي رواية "الدعاء مخ العبادة " ( ) . ثم إن الاستشهاد بقول رسول الله  خير من الاستشهاد بعلماء اللغة. وإذا عُرف التفسير من جهة النبي  لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
• وما سماه النبي عبادة لا يجيز للناس صرفه لغير الله مع الكراهة كما زعم الحبشي وغيره. بل ما كان عنده عبادة لا يصرف إلا لله .
• قال الزبيدي " قال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه: استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قُبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط وما كان كذلك كان أتم العبادة وأكملها ويمكن حمل العبادة على " المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار". وعن معنى رواية "الدعاء مخ العبادة" قال الزبيدي " أي خالصها، وإنما كان مخا لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها لما فله فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية استشعار ذلة البشرية " ( )
وإذا كانت العبادة هي الذلة والتذلل: فهؤلاء يتوجهون إلى غير الله بأفضل العبادة وهو الدعاء كما قال ابن عباس {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال " أفضل العبادة الدعاء " ( ) .
وهذا التفسير لغويٌّ وشرعي: علَّمنا إياه سيد البشر وأفصحهم  والذي لا يجيز صرف عبادة لغير الله . والتوجه بالدعاء لغير الله تأليهٌ لغير الله . فقد قال رسول الله  " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " فدل على أن الدعاء مدق أعظم أنواع العبادة ، لأنه يجمع من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات كتوجه الوجه والقلب واللسان وحصول التذلل والخضوع والرغبة فيما عند المدعو والرهبة منه وهذه حقيقة العبادة بل مخها .
قال الفيومي في المصباح المنير " دعوت الله : أي رغبت فيما عنده من الخير، وأما الاستغاثة فهي طلب الغوث والنصرة ، والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام . عاذ به أي التجأ واعتصم " ( ) .
ووصف الخطابي الدعاء بأنه ( ) " استمداد المعونة [ من الله ] وحقيقته إظهار الافتقار إليه وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية ". ثم احتج بقول النبي  " الدعاء هو العبادة " .
{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قال الطبري أي اعبدوني ( )
قال القرطبي " فدل على أن الدعـاء هو العبـادة وكذا عليه أكثر المفسرين " ( ) .
قلت : فسرها قبلهم رسول الله  فأبى الأحباش إلا الهروب من هذه الأقوال الصريحة عن جمهور العلماء إلى التفسـيـر الغريب المرجوح للآية وهو " أطيعوني أُثبْكم " ( ) . قال الحافظ " وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب . وأجاب الجمهور بأن الدعاء من أعم العبادة " ، واعتبر قول النبي  " الدعاء هو العبادة " كقوله في الحديث الآخر " الحج عرفة " ( )
{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي } [ غافر ] قال السدي : أي دعائي ( ) قال الحافظ وضع عبادتي موضع دعائي " ( ) وقال القسطلاني في إرشاد الساري كلاماً بنحوه .

شبهة : العبادة نهاية التذلل
الدعاء توحيد عند الزبيدي

• واعترض الأحباش على ذلك فقالوا " العبادة نهاية التذلل " هكـذا أثبتـها علماء اللغة " ( ) .
ويقال لهم : إذا كان الشرع يعتبر دعاء قضاء الحوائج عبادة فقد ألزمكم الشرع بالوقوع في غاية التذلل. يؤكد ذلك قول الحافظ ابن حجر " الدعاء هو غاية التذلل والافتقار" ( ) . وأن فائدة الدعاء " إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه ". وقال مثله الزبيدي ( ) ، وزاد عليه لأن وصف لفظ الدعاء يطلق ويراد به التوحيد كما في قوله تعالى { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } وقوله { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } ، فهذه شهادة من الزبيدي ضدكم بأنكم صرفتم التوحيد إلى غير الله .
فإذا كان الدعاء غاية التذلل والافتقار وإظهار الفاقة والتضرع وهو التوحيد : فمثل هذا لا يجوز صرفه لغير الله وإلا كان شركاً .

الدعاء عند الرازي أعظم مقامات العبودية
• قال الفخر الرازي " المقصود من الدعاء إظهار الذلة والأنكسار" وقال " وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : الدعاء أعظم مقامات العبادة " ( ).
وفسر قوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فقال : كأنه سبحانه وتعالى يقول : عبدي أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء . أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك فأنت العبد المحتاج ، وأنا الإله الغني " ( ) .
كما نقل عن الخطابي قوله " الدعاء هو العبادة " معناه أنه أعظم العبادة " و " حقيقة الدعاء استمداد العبد المعونة من الله " ( ) .
فهذا هو الرازي يصرح بأن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار، محتجا بهذه الآية .
وذكر الحليمي أن الدعاء من التخشع والتذلل لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله " ( ) . وعرّف صاحب القاموس الدعاء بالرغبة إلى الله ( ) .

السجود لغير الله ليس هو الشرك الوحيد

وهؤلاء لم يفهموا من العبادة إلا الركوع والسجود . وهم بذلك يقصرون العبادة على بعض أفرادها كقولهم " العبادة نهاية التذلل " .
ولا ننسى أن المحبة والخضوع والتوكل والإنابة والخوف والرجاء والطاعة والتقوى كل ذلك عبادة لا ركوع فيها ولا سجود .
ورمي الجمار ليس فيه سجود ومع ذلك فهو عبادة ؟
والصيام عبادة لا سجود فيها .
والوقوف عند عرفة ركن الحج وهو عبادة لا سجود فيها .
وقراءة القرآن عبادة ليس فيها سجود .
فلماذا لا يكون الدعاء عبادة وإن لم يكن فيه ركوع ولا سجود .
فالرسول ما علّمنا أن الصوم والصلاة والحج عبادة فقط ، بل علمنا أيضاً أن الدعاء عبادة ، وقد بلّغ فقال " الدعاء هو العبادة " .
فكما أن ( الحج عرفة ) وعرفة أعظم مواقف الحج . فكذلك ( الدعاء عبادة ) بل من أعظم أنواع العبادة ولبّها وركنها الأعظم ، كما أن عرفة أفضل الوقوف ، يؤكد ذلك حديث أنس " الدعاء مخ العبادة " وهو ما قال مثله الرازي والزبيدي ( ) .

لا يفقهون ما يتلون في صلاتهم
وهؤلاء إذا دخلوا في الصلاة قالوا { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
فإذا خرجوا منها قالوا : إياك نستعين ونستمد يا محمد يا رفاعي يا بدوي.. فلم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، وإن الشرك لهو أعظم المنكر.
ولو أنهم تدبروا ما يقرءون لكان خيراً لهم ، فإن { إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } جاءت بعد آيات بينت ربوبية الله المطلقة لكل العوالم ورحمته الواسعة وأنه هو المالك ليوم الدين فهو المنجي وهو الراحم وهو الذي يملك الشفاعة والمغفرة، فلا تجوز الاستعانة بمن لا يتصف بهذه الصفات.
وقد نص الحافظ ابن رجب ( ) في ( جامع العلوم والحكم 281) أن قوله  " إذا سألت فاسأل الله " منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لأن الدعاء هو العبادة " وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وقال { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } ولم يأمرنا أن نسأل غيره . ولم يقل (وقال ربكم ادعو أنبيائي وأوليائي) ولم يقل رسوله  " إذا سألت فاسأل الأنبياء والأولياء ".
وقال السبكي بأن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " ( ) وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص .


الآية التي قطعت جميع وسائل الشرك

الآية الثامنة عشرة : قوله تعالى { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } فهذه الآية قطعت طرق الشرك كلها وسدت أبوابه أمام المشركين .
فإن الداعي غير الله إنما يتعلق قلبه بالقبور:
1- لما يرجو فيها من حصول منفعة أو دفع مضرة وحينئذ :
فلا بد أن يكون معتقداً أن هذا الولي يملك أسباب المنفعة ، فنفى الله ذلك قائلاً { لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } .
2- أو أن يكون هذا الولي المدعو شريكاً مع الله ، فنفى الله ذلك قائلاً { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } .
3- أو أن يكون وزيرا معاوناً لله ذا حرمة وقدر يمكن الانتفاع به عند المالك . فنفى الله ذلك قائلاً { وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } .
4- فلم يبق للمشرك إلا حجة واحدة يتعلق بها وهى الشفاعة فيقول { هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } فنفى الله ذلك وقال { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ونفى عن غيره النفع والضر والشراكة في الملك وامتلاك الشفاعة وإنما الشفاعة حق يملكه الله ، فلا يسألها من لا يملكها وحتى إذا أعطي نبينا الشفاعة فإنه لا يشفع فيمن يشاء ولكن فيمن يأذن الله .
الآية التاسعة عشرة : قوله تعالى { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ولم تستثن الآية ممن { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } نبياً أو ولياً ، والآية ترد ما يدعيه الأحباش أن قبر السيدة نفيسة " معروف بالإجابة " ( ) ؟ فإن الله تعالى يقول { لاَ يَسْتَجِيبُونَ } ! فمن أصدق عندكم : الله أم الحبشي ؟

الآية العشرون : قولـه تعالى { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ويناقض الحبشي هذه الآية فيقول : الأنبياء والأولياء : يجيبون المضطر إذا دعاهم ويكشفون السوء ، وليس الله وحده ، وقد قال الشيعة من قبله : الأئمة والسادة يجيبون المضطر إذا دعاهم ، وقالها النصارى من قبلهم : المسيح ومريم والقديسون .


ا

يوسف التازي
13-01-15, 04:52 PM
ولو سمعوا ما استجابوا

{ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } فلا هم يملكون ولا هم يسمعون كما قال تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ولا إذا سمعوا يستجيبون ، لكن الحبشي يخالف هذه الآية فيقول : بلى يسمعون ويستجيبون ويخرجون من قبورهم فيقضون الحوائج ويكشفون الضر ثم إلى قبورهم يعودون ، ويملكون النفع والضر، ولكنه دلّس على العامة حتى لا يكتشفوا شركه فقال " ولكنهم لا يخلقون النفع والضر " .
وقد فسر الأحباش { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ } أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء الكافرين لأنها جمادات ميتة لا روح فيها ، فكيف تقاس هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع بالنبي ïپ¥ والأولياء والصالحين ( ) .
غير أنهم لم يتكرموا بتفسير الآية بكاملها وبالتحديد قوله تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } إن آخر الآية يؤكد أن الضمير متعلق بالبشر الذين اتخذوهم آلهة ورمزوا الأصنام بهم .
ومع أن السجود للأصنام شرك لا شك فيه فقد سئل شيخهم عن حكم السجود لصنم لم يسجد له بعد فأجاب بأنه " كبيرة من كبائر الذنوب ليس أكثر وليس شركاً ( ) .


سماع أبي جهل دليل على سماع سيدنا محمد !

ثم احتجوا بقول النبي ïپ¥ في قتلى المشركين يوم بدر لما سأله عمر " كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها ؟ فقال ïپ¥ (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) ( ) . بمعنى أنه إذا كان أبو جهل يسمع في قبره فالأنبياء والأولياء أولى بالسماع منه.
• وهذا قياس باطل ، والقياس أصلا باطل لا يجوز استعماله في أمور التوحيد . قال إمام المالكية ، حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر " لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام " ( ) .
قال ابن سيرين " ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، وأول من قاس إبليس " حين قال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( ) وبهذا الاستدلال من الحبشي يصير الأصل في كل ميت أنه يسمع ، وهذا الفهم الباطل يتعارض وقوله تعـالى { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ } ( ) { وقوله إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } .
ألا بئس ما توصل إليه أولئك من الاستدلال بسماع طواغيت قريش على سماع الأنبياء والأولياء !.
أولاً : ونحن نرد عليهم فنقول : لو كان ما تقولونه صحيحا فما معنى { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فعلى فرض سماعهم لا يستجيبون .
• ثانياً : أن هناك رواية تضمنت زيادة (الآن) أي أنهم الآن يعلمون حين تبوؤا مقاعدهم " ( ) . وفيه تحديد السماع بمدة وجيزة كما في الحديث الذي يحتجون به " إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه " وهو حجة عليهم فإنه إذا كان أي ميت يسمع قرع نعال مشيعيه بطل تخصيص السماع من القبر بالأنبياء والأولياء . وقد نقل إلينا السلف هذا الحديث ولم يفهموه على الوجه الذي تفهمونه أنتم .
• ثالثاً : أنهم تجاهلوا تفسير قتادة الذي أورده البخاري ومسلم " أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ïپ¥ توبيخا وتصغيراً ونقمة وحسرة وندامة " ( ) .
وقد صدر مثل هذا التوبيخ من الأنبياء السابقين منهم صالح عليه السلام { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } .
• رابعاً : من أضل ممن يسمع هذه الآية { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [الأحقاف 5] ، ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا . ويطلب أدلة أخرى لأن الآية لا توافق هواه بل هي حجة عليه إلى يوم القيامة !
فأهل البدعة والشرك أمام حواجز إذا اخترقوا أولها صعب عليهم ثانيها . فإذا تخطوا حاجز { لاَ يَسْمَعُواْ } اعترضهم حاجز { وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا } .
هل كل مخاطب يسمع ؟

• واحتجوا بأن الحي يقرئ الميت السلام كقوله ïپ¥ عند زيارة قبور المسلمين " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " ( ) ثم قالوا : هل يلقى السلام على من لا يسمع ؟
وليس كل من خوطب يكون سامعا بالضرورة. فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود ( ) فهل كان الحجر يسمعه ؟
وليس كل من سمع يكون مجيبا ، فقد فسر الحافظ سلام زائر المقابر " السلام عليكم " أي اللهم اجعل السلام عليكم ( ) .
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك فقال " فخطاب الموتى بالسلام في قول الذي يدخل المقبرة : السلام عليكم أهل القبور من المؤمنين لا يستلزم أنهم يسمعون ذلك : بل هو بمعنى الدعاء ، فالتقدير: اللهم اجعل السلام عليكم ، كما نقدر في قولنا الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإن المعنى : اللهم اجعل الصلاة والسلام عليك يا رسول الله " ( ) .
وهل كل مخاطب يسمع ؟ إن قلتم نعم هذا ضروري ، قيل لكم : هذا خطاب عمر للحجر الأسود : " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع " ولولا أني رأيت رسول الله ïپ¥ يقبلك ما قبلتك " ( ) .
ونسأل : هل يستوي عندكم المسلم عليهم والمستغيث بهم ؟ هل يستوي من يدعو الله لهم بالسلام والرحمة وبين من يدعوهم أن يكشفوا ضره ويغيثوا لهفة ؟ أم أنكم تأتون بمثل هذه الحجج الداحضة للتمويه على عوام الناس !
وقد حكى الأحناف ومنهم صاحب الدر المختار أن هذا من باب الدعاء له لأن السلام دعاء من المؤمن لأخيه .
• والأحناف أشد الناس إنكاراً لمسألة سماع الميت ، فجاء في رد المحتار على الدر المختار (180:3) أن إسماع الكافرين يوم بدر حالة خاصة جعلها الله زيادة في حسرتهم وأن سماع الميت قرع نعال مشيعيه يكون في أول الوضع في القبر فقط. وهو قول العلامة الشيخ أحمد الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح للشرنبلالي " شرح نور الإيضاح " باب أحكام الجنائز قال " وأكثر مشايخنا على أن الميت لا يسمع عندهم (صفحة 326) . أضاف " وأما السلام عليهم فحملوه على انه دعاء لهم وليس خطابا ، لأن السلام دعاءً لهم . بالرحمة والأمن " (341 الطبعة الأزهرية) .
• ولما نفدت حججهم قالوا : ألستم تؤمنون أن الله على كل شيء قدير؟ أليس الله قادرا أن ينطق الشجر والحجر والدواب فكيف تحددون قدرة الله وتحيلون على الله أن يفعل ذلك ؟ وهي حجة واهية شبيهة على ضعفها بحجج النصارى: ألستم يا مسلمين تزعمون أن الله على كل شيء قدير ، فهل يعجز القدير إن أراد أن يتخذ ولدا أن يفعل ؟
والجواب : أن الله الذي هو على كل شيء قدير هو. الذي حكم أننا لو دعوناهم ما سمعوا دعاءنا .
أن الله لا يفعل إلا ما كان حقا ولا يفعل الباطل . ودعاء غير الله باطل بالدليل من كلام الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } .



احتجاجهم برؤية نبينا موسى عند المعراج

شبهة : واحتج الحبشي بحديث " مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره " على جواز أن نسألهم وهم في قبورهم وأن موسى كان سبب تخفيف الصلاة فحصل به نفع وهو ميت.
والجواب : أن مخاطبتكم لموسى بناء على مخاطبة نبينا له قياس باطل . فإنه ïپ¥ كان يلقى جبريل فهل كان يستغيث الصحابة بجبريل أم أنهم كانوا يستغيثون ربهم فاستجاب لهم { أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ } لماذا لم يستغيثوا بالملائكة مباشرة ؟
• أن حياة الأنبياء في قبورهم لا ينكرها أحد ولكن هل مجرد كون موسى حياً في قبره دليل على جواز سؤاله ؟ فإن كلام نبينا لموسى حالة خاصة في وقت خاص. فإنه لم يكن يكلم موسى في أي وقت وإنما كلمة يوم المعراج فقط .
• لقد بنيتم على حديث المعراج هذا جواز سؤال الأنبياء وغيرهم في قبورهم ، بينما حديث المعراج صريح في أن موسى ïپ¥ هو الذي طلب من النبي ïپ¥ أن يسأل الله التخفيف فقال: ارجع إلى ربك " واسأله " .
• ولكن في الحديث فوائد أخرى تجاهلتموها ومنها أنه أفاد علو الله فوق سماواته . ففي السماء السابعة فرضت الصلاة خمسين. ولما رجع النبي إلى السماء الخامسة لقي موسى فأمره أن يرجع إلى الله فيسأله التخفيف. حتى قال النبي ïپ¥ " فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ... ". فليس من الإنصاف أن تحتجوا ببعض الحديث وتعرضوا عن البعض الآخر .
• أننا لا نعلق حكم سؤال المقبور على حياته أو موته ولكن مدار الحكم على المشروع الوارد ، فلا يوجد في دين الإسلام الحث على محادثة أو مطالبة مدفون .
فالحديث حجة عليكم . فلم يقل أغثنا يا موسى أو المدد على النحو الذي تفعلونه حين تقولون لغير الأنبياء مدد يا رفاعي مدد يا جيلاني . وكقول علي بن عثمان الرفاعي (خليفة الشيخ أحمد الرفاعي) " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلي سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخله إن كانت لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
وقول الشيخ جاكير الكردي للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " ( ) .
• وإذا اختلفنا في فهم نص : فإننا نرجع إلى فهم الصحابة : والصحابة لم يفهموا الحديث على النحو الذي تفهمونه من جواز سؤال الأنبياء مع الله أو التوسل بهم : إيتونا برواية صحيحة السند إلى صحابي سأل نبياً من الأنبياء السابقين بعد موته . فان لم تجدوا فأنتم المخالفون للسلف ، فخبر موسى لم يخف عليهم وقد تركوا التوسل بنبيهم ïپ¥ بعد موته .
• أن النبي ïپ¥ رأى موسى وغيره من الأنبياء في السماوات على قدر منازلهم، ولم يكن عاكفا عند قبر موسى والفرق كبير جداً بين الأمرين . لكن أهل الزيغ يتجاهلون هذا الفرق. ولو لم يكن فرق لكلم الرسول ïپ¥ الأنبياء دائما من غير معراج .
• وإذا كانت أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة : فأرواح الأنبياء في أعلى عليين . ولم يعرف عن السلف مخاطبة شهداء ولا أنبياء .
كيفية حياتهم في القبور
واحتجوا بقول النبي ïپ¥ " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " ( ) بل زاد الحداد الصوفي فقال " يأكلون ويشربون ويصلون ويحجون بل وينكحون وكذلك الشهداء: شوهدوا نهارا وجهارا يقاتلون الكفار في العالم المحسوس في الحياة وبعد الممات " ( ) .
الجواب : أما موتهم الدنيوي فلا يجوز إنكاره ، قال تعالى { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } . ولكن: ألم يكن رسول الله ïپ¥ يعلم أن الأنبياء السابقين (إبراهيم وموسى وعيسى) أحياء في قبورهم ؟ فلماذا لم يسألهم ولم يخاطبهم ولم يفعل صحابته شيئا من ذلك ؟ فإن رسولنا لم يستغث قبل موته بأحد من الأنبياء مع علمه بحياتهم البرزخية ، ولم يعلّم أحداً من أصحابه أن يستغيثوا بنبي من الأنبياء.
• وأما زعمهم أنهم ينكحون وأن حياة النبي ïپ¥ هي السبب في تحريم مناكحة أزواجه من بعده لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته. فهذا تدليس فإن الله وصف نساء النبي ïپ¥ بأنهن أمهات المؤمنين . وكيف يجوز للابن أن ينكح أمه ؟ ولو كانت العلة هي الحياة لجاز نكاح مطلقته ïپ¥ .
ثم إن قوله تعالى عن عيسى { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } . دليل على أن الأنبياء وإن كانوا أحياء فإنهم لا يعودون شهداء على قومهم. وهؤلاء يجعلون النبي ïپ¥ شهيداً عليهم سواء في حياته أو بعد موته ! كقول علوي المالكي " روحانية المصطفى ïپ¥ حاضرة في كل مكان ، فهي تشهد أماكن الخير ومجالس الفضل " (الذخائر المحمدية 259) فكأنه يقول : وهو معكم أينما كنتم!
ويبطل ذلك قول النبي ïپ¥ " لجبريل عليه السلام " ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ } فإذا كلن نزول جبريل لزيارة محمد ïپ¥ لا تكون إلا بأمر رب العالمين فكيف بنزول أرواح المشايخ واجتماعها بالأحياء وادعاء الجهال مجيء الرسول ïپ¥ إلى مجالس الذكر واتصاله بالمتصوفة يقظة !!
ويتناقض الحبشي في الروايات التي يحتج بها. فتارة يأتي بحديث موضوع هو " من صلى علي عند قبري سمعته " ( ). وتارة يأتي بحديث صحيح " فإن صلاتكم معروضة علي " يبطل احتجاجه بالحديث الأول الموضوع المثبت للسماع ( ) . فالحديث الأول ضعيف وهو حجة على من زعم أنه لا يستدل في العقائد إلا بقطعي السند بل متواتر.
والحديث الثاني صحيح وهو حجة على من زعم أنه يسمع، فلو كان يسمع لما عرضت عليه صلاة أمته ، ولما انتظر حتى يبلغه الملك سلام أمته. فتأمل تناقض أهل البدع !!

لا يفرقون بين الأحياء وبين الأموات
ولم يعد هؤلاء يفرقون بين الموت والحياة، بل يسوون بين الحي والميت مخالفين بذلك القران والسنة :
• أما القرآن فيقول تعالى { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ } وعند الحبشي يستويان. وقال المسيح عليه السلام { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
• وأما السنة فقد قال نبينا ïپ¥ عند الموت " اللهم الرفيق الأعلى" ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن الدنيا. غير أن المنحرفين يجعلون النبي شهيدا عليهم في الدنيا وفي القبر. بل ويحضر عند موت كل من رآه من أمته في المنام فيراه وهو يضحك إليه أو يكلمه كما زعم نبيل الشريف .
فتوحيدكم لا يصححه قرآن ولا سنة ، بل يشهدان بضد ذلك. ونذكركم بما قال القشيري " كل توحيد لا يصححه الكتاب والسنة فهو تلحيد لا توحيد " ( ) .

دعاء غير الله باطل
20) { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان 30 ] ، فحكم الله على كل دعاء لغيره أنه باطل . فإذا كان كذلك فكيف يزعم هؤلاء الجاهلون أن قول النبي ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " لا يعني " لا تسأل أحداً غير الله " ؟ ألم يصف الدعاء بأنه عبادة فكيف يبيز عبادة مع الكراهة ؟
ولنفرض أن الرسول لم يقلها : ألم يقلها الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وقوله { أَحَدًا } نكرة في سياق النهي ، وإذا كانت { أَحَدًا } لا تعم كل مدعو عندكم فماذا تقولون في هذه الآيات :
{ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } أليس واضحاً أن دعاء أحد مع الله شرك كما اقتضه الآية الكريمة بكل وضوح ؟
الرسول سمى التبرك بالشجرة تأليهاً
وشبه الرسول ïپ¥ قول الصحابة " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " بقول من قال لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } مع أنهم لم يخطر لهم أن يسجدوا للشجرة أو يعبدوها وإنما قصدوا التبرك بها فتنبه لهذه الفائدة ففيها حجة عظيمة .
وكذلك أصحاب الكهف هربوا من الشرك وكانوا يقولون { رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } وقالوا عن قومهم { اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } وقد سارع قومهم إلى اتخاذ قبورهم مكانا للتبرك والدعاء { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا } [ الكهف 14 – 15 ] .
فإذا كان دعاء غير الله تأليها لغير الله كان حقيقة قولكم : أجعلت المدعو واحداً ؟ شبيهاً بقول من قالوا { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }

دعاء غير الله شرك

الآية الرابعة والعشرون : قوله تعالى { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } [ لجن 20] ، فالشرك إنما حصل بدعاء غيره معه : نبيا كان أو وليا ، وقد قال ïپ¥ " من مات وهو يدعو مات دون الله ندا دخل النار" ( ) ، وهو تحقيق قوله تعالى { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .

الآية الخامسة والعشرون : قوله تعالى { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
الآية السادسة والعشرون : قوله تعالى { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ } قالوا { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا } .
{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام 40 ] .

الآية السابعة والعشرون : قوله تعالى { وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } [ النحل 86 ] فالذين قالوا { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس الأصنام وإنما البشر الذين تم نحت صورهم على شكل تماثيل و أصنام .
الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } فدعاء غير الله عند الله شرك يؤدي إلى حرمان الجنة { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } [المائدة 72] فلماذا المجازفة وركوب المخاطر في دينكم بشرك يؤبدكم في جهنم ؟ !

دعاء الله إيمان
ودعاء غير الله كفر

الآية التاسعة والعشرون : قوله تعالى { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } قال ابن عباس " يقول : لولا إيمانكم " ( ) وذكره البخاري في كتاب الإيمان فقال "دعاؤكم إيمانكم " ( ) .
{ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ 73 مِن دُونِ اللَّهِ } قالوا { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } [ غافر 73 ] فحكم الله بأنهم كافرون { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } بعدمـا حكم بشركهم { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ } . واجتمعت الصفتان في آية واحدة { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } [غافر12] فهم بدعائهم غير الله يكفرون ويشركون .
وهكذا صار دعاء غير الله عندهم إيماناً وهو عند الله شرك { وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } ودعاء الله وحده عندهم كفر . وهو عند الله إيمان .

الآية الثلاثون : قوله تعالى { حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [ الأنعام 130] ، دلت هذه الآية على أن حكم دعاء غير الله عند الله كفر. ونص الله على أن الكافرين يكرهون إخلاص الدعاء إليه وحده فقال { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [ غافر 14 ] . فمن كره منا قصره على دعاء الله وحده فقد وافق الكفار فيما يكرهونه .

الآية الواحدة والثلاثون : قوله تعالى { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } [ الزمر 8 ] . وقد قال تعالى { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ثم حكم عليهم بالكفر فقال { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [ الرعد 14 ] .

دعاء غير الله عبادة للشيطان
فإذا كان الدعاء عبادة صار توجيه هذه العبادة لغير الله عبادة للشيطان ، هذا مآل دعوتهم : لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } [ النساء 117 ] . وقد حذر الله من عبادة الشيطان فقال { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .

دعاء غير الله تأليه لغيره

والنصارى ملزمون بتأليه مريم وإن لم يلتزموه لأنهم دعوها من دون الله ، قال تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم ، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } قال ابن عباس ومجاهد " وهم : عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) . وكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .






المشبهة الحقيقيون
المضيعون لحقوق الله

اعلم أن حق الله عليك أن توحده : فالشرك هضم لحق الله بل تشبيه ومساواة له بمخلوقاته ، قال تعالى { تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } يحلف الذين كانوا يدعون الأولياء أنهم كانوا يشبهونهم برب العالمين . فوقعوا في الغلو الذي حذرنا منه نبينا بقوله " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ( ) . وهكذا خالفوا أصل التوحيد وجعلوا معنى لا اله إلا الله : أي لا شبه بين الله وخلقه ، ودندنوا حول غير ما دندن حوله القران وهو شرك الدعاء .
ولا يغرنك قول البوصيري :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإن الذين قال لهم نبينا ïپ¥ " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم " لم يكونوا يقولون له : أنت ابن الله ، وإنما كانوا يقولون " وفينا نبي يعلم ما في غد " فهل يتناسب هذا وقول البوصيري وأمثاله ممن يظنون أنه لا يكون غلوا وإطراء إلا أن ننسب له الألوهية ؟! .
وفى نهاية الأمر يقف الجميع أمام الله ، فيؤمر من كانوا يدعون مع الله غيره أن يدعوهم في ذاك اليوم العصيب : قال تعالى { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } [ يونس 64 ] .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا } [الكهف 52 ] { وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ } [ فصلت ] .
من النداء ما هو دعاء

قد شهدت لغة العرب بأن الدعاء يسمى نداء. قال أبو حيان النحوي في البحر المحيط ( 7 / 418 ) عند تفسير قوله تعالى { دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ } أي ناداه .
وسمى الله النداء دعاء لأن مدلولهما واحد من باب الترادف على معنى واحد . { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } ووصف زكريا نداءه لله بأنه دعاء فقال { وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } ووصف الله نداء زكريا بأنه دعاء فقال { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فالنداء في الأصل هو رفع الصوت بالدعاء، وقال في آخر ندائه { إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء } .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ } { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } قال ïپ¥ " دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه " . وكذلك نوح { إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا } وفي آية أخرى { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ } .
فكم من آية صريحة في النهي عن دعاء غير الله وقلوبكم لم تستجب . .

يوسف التازي
13-01-15, 04:54 PM
ولو سمعوا ما استجابوا

{ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } فلا هم يملكون ولا هم يسمعون كما قال تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ولا إذا سمعوا يستجيبون ، لكن الحبشي يخالف هذه الآية فيقول : بلى يسمعون ويستجيبون ويخرجون من قبورهم فيقضون الحوائج ويكشفون الضر ثم إلى قبورهم يعودون ، ويملكون النفع والضر، ولكنه دلّس على العامة حتى لا يكتشفوا شركه فقال " ولكنهم لا يخلقون النفع والضر " .
وقد فسر الأحباش { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ } أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء الكافرين لأنها جمادات ميتة لا روح فيها ، فكيف تقاس هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع بالنبي  والأولياء والصالحين ( ) .
غير أنهم لم يتكرموا بتفسير الآية بكاملها وبالتحديد قوله تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } إن آخر الآية يؤكد أن الضمير متعلق بالبشر الذين اتخذوهم آلهة ورمزوا الأصنام بهم .
ومع أن السجود للأصنام شرك لا شك فيه فقد سئل شيخهم عن حكم السجود لصنم لم يسجد له بعد فأجاب بأنه " كبيرة من كبائر الذنوب ليس أكثر وليس شركاً ( ) .


سماع أبي جهل دليل على سماع سيدنا محمد !

ثم احتجوا بقول النبي  في قتلى المشركين يوم بدر لما سأله عمر " كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها ؟ فقال  (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) ( ) . بمعنى أنه إذا كان أبو جهل يسمع في قبره فالأنبياء والأولياء أولى بالسماع منه.
• وهذا قياس باطل ، والقياس أصلا باطل لا يجوز استعماله في أمور التوحيد . قال إمام المالكية ، حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر " لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام " ( ) .
قال ابن سيرين " ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، وأول من قاس إبليس " حين قال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( ) وبهذا الاستدلال من الحبشي يصير الأصل في كل ميت أنه يسمع ، وهذا الفهم الباطل يتعارض وقوله تعـالى { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ } ( ) { وقوله إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } .
ألا بئس ما توصل إليه أولئك من الاستدلال بسماع طواغيت قريش على سماع الأنبياء والأولياء !.
أولاً : ونحن نرد عليهم فنقول : لو كان ما تقولونه صحيحا فما معنى { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } فعلى فرض سماعهم لا يستجيبون .
• ثانياً : أن هناك رواية تضمنت زيادة (الآن) أي أنهم الآن يعلمون حين تبوؤا مقاعدهم " ( ) . وفيه تحديد السماع بمدة وجيزة كما في الحديث الذي يحتجون به " إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه " وهو حجة عليهم فإنه إذا كان أي ميت يسمع قرع نعال مشيعيه بطل تخصيص السماع من القبر بالأنبياء والأولياء . وقد نقل إلينا السلف هذا الحديث ولم يفهموه على الوجه الذي تفهمونه أنتم .
• ثالثاً : أنهم تجاهلوا تفسير قتادة الذي أورده البخاري ومسلم " أحياهم الله حتى أسمعهم قوله  توبيخا وتصغيراً ونقمة وحسرة وندامة " ( ) .
وقد صدر مثل هذا التوبيخ من الأنبياء السابقين منهم صالح عليه السلام { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } .
• رابعاً : من أضل ممن يسمع هذه الآية { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } [الأحقاف 5] ، ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا . ويطلب أدلة أخرى لأن الآية لا توافق هواه بل هي حجة عليه إلى يوم القيامة !
فأهل البدعة والشرك أمام حواجز إذا اخترقوا أولها صعب عليهم ثانيها . فإذا تخطوا حاجز { لاَ يَسْمَعُواْ } اعترضهم حاجز { وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا } .
هل كل مخاطب يسمع ؟

• واحتجوا بأن الحي يقرئ الميت السلام كقوله  عند زيارة قبور المسلمين " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " ( ) ثم قالوا : هل يلقى السلام على من لا يسمع ؟
وليس كل من خوطب يكون سامعا بالضرورة. فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود ( ) فهل كان الحجر يسمعه ؟
وليس كل من سمع يكون مجيبا ، فقد فسر الحافظ سلام زائر المقابر " السلام عليكم " أي اللهم اجعل السلام عليكم ( ) .
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك فقال " فخطاب الموتى بالسلام في قول الذي يدخل المقبرة : السلام عليكم أهل القبور من المؤمنين لا يستلزم أنهم يسمعون ذلك : بل هو بمعنى الدعاء ، فالتقدير: اللهم اجعل السلام عليكم ، كما نقدر في قولنا الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ، فإن المعنى : اللهم اجعل الصلاة والسلام عليك يا رسول الله " ( ) .
وهل كل مخاطب يسمع ؟ إن قلتم نعم هذا ضروري ، قيل لكم : هذا خطاب عمر للحجر الأسود : " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع " ولولا أني رأيت رسول الله  يقبلك ما قبلتك " ( ) .
ونسأل : هل يستوي عندكم المسلم عليهم والمستغيث بهم ؟ هل يستوي من يدعو الله لهم بالسلام والرحمة وبين من يدعوهم أن يكشفوا ضره ويغيثوا لهفة ؟ أم أنكم تأتون بمثل هذه الحجج الداحضة للتمويه على عوام الناس !
وقد حكى الأحناف ومنهم صاحب الدر المختار أن هذا من باب الدعاء له لأن السلام دعاء من المؤمن لأخيه .
• والأحناف أشد الناس إنكاراً لمسألة سماع الميت ، فجاء في رد المحتار على الدر المختار (180:3) أن إسماع الكافرين يوم بدر حالة خاصة جعلها الله زيادة في حسرتهم وأن سماع الميت قرع نعال مشيعيه يكون في أول الوضع في القبر فقط. وهو قول العلامة الشيخ أحمد الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح للشرنبلالي " شرح نور الإيضاح " باب أحكام الجنائز قال " وأكثر مشايخنا على أن الميت لا يسمع عندهم (صفحة 326) . أضاف " وأما السلام عليهم فحملوه على انه دعاء لهم وليس خطابا ، لأن السلام دعاءً لهم . بالرحمة والأمن " (341 الطبعة الأزهرية) .
• ولما نفدت حججهم قالوا : ألستم تؤمنون أن الله على كل شيء قدير؟ أليس الله قادرا أن ينطق الشجر والحجر والدواب فكيف تحددون قدرة الله وتحيلون على الله أن يفعل ذلك ؟ وهي حجة واهية شبيهة على ضعفها بحجج النصارى: ألستم يا مسلمين تزعمون أن الله على كل شيء قدير ، فهل يعجز القدير إن أراد أن يتخذ ولدا أن يفعل ؟
والجواب : أن الله الذي هو على كل شيء قدير هو. الذي حكم أننا لو دعوناهم ما سمعوا دعاءنا .
أن الله لا يفعل إلا ما كان حقا ولا يفعل الباطل . ودعاء غير الله باطل بالدليل من كلام الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } .



احتجاجهم برؤية نبينا موسى عند المعراج

شبهة : واحتج الحبشي بحديث " مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره " على جواز أن نسألهم وهم في قبورهم وأن موسى كان سبب تخفيف الصلاة فحصل به نفع وهو ميت.
والجواب : أن مخاطبتكم لموسى بناء على مخاطبة نبينا له قياس باطل . فإنه  كان يلقى جبريل فهل كان يستغيث الصحابة بجبريل أم أنهم كانوا يستغيثون ربهم فاستجاب لهم { أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ } لماذا لم يستغيثوا بالملائكة مباشرة ؟
• أن حياة الأنبياء في قبورهم لا ينكرها أحد ولكن هل مجرد كون موسى حياً في قبره دليل على جواز سؤاله ؟ فإن كلام نبينا لموسى حالة خاصة في وقت خاص. فإنه لم يكن يكلم موسى في أي وقت وإنما كلمة يوم المعراج فقط .
• لقد بنيتم على حديث المعراج هذا جواز سؤال الأنبياء وغيرهم في قبورهم ، بينما حديث المعراج صريح في أن موسى  هو الذي طلب من النبي  أن يسأل الله التخفيف فقال: ارجع إلى ربك " واسأله " .
• ولكن في الحديث فوائد أخرى تجاهلتموها ومنها أنه أفاد علو الله فوق سماواته . ففي السماء السابعة فرضت الصلاة خمسين. ولما رجع النبي إلى السماء الخامسة لقي موسى فأمره أن يرجع إلى الله فيسأله التخفيف. حتى قال النبي  " فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ... ". فليس من الإنصاف أن تحتجوا ببعض الحديث وتعرضوا عن البعض الآخر .
• أننا لا نعلق حكم سؤال المقبور على حياته أو موته ولكن مدار الحكم على المشروع الوارد ، فلا يوجد في دين الإسلام الحث على محادثة أو مطالبة مدفون .
فالحديث حجة عليكم . فلم يقل أغثنا يا موسى أو المدد على النحو الذي تفعلونه حين تقولون لغير الأنبياء مدد يا رفاعي مدد يا جيلاني . وكقول علي بن عثمان الرفاعي (خليفة الشيخ أحمد الرفاعي) " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلي سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخله إن كانت لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
وقول الشيخ جاكير الكردي للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " ( ) .
• وإذا اختلفنا في فهم نص : فإننا نرجع إلى فهم الصحابة : والصحابة لم يفهموا الحديث على النحو الذي تفهمونه من جواز سؤال الأنبياء مع الله أو التوسل بهم : إيتونا برواية صحيحة السند إلى صحابي سأل نبياً من الأنبياء السابقين بعد موته . فان لم تجدوا فأنتم المخالفون للسلف ، فخبر موسى لم يخف عليهم وقد تركوا التوسل بنبيهم  بعد موته .
• أن النبي  رأى موسى وغيره من الأنبياء في السماوات على قدر منازلهم، ولم يكن عاكفا عند قبر موسى والفرق كبير جداً بين الأمرين . لكن أهل الزيغ يتجاهلون هذا الفرق. ولو لم يكن فرق لكلم الرسول  الأنبياء دائما من غير معراج .
• وإذا كانت أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة : فأرواح الأنبياء في أعلى عليين . ولم يعرف عن السلف مخاطبة شهداء ولا أنبياء .
كيفية حياتهم في القبور
واحتجوا بقول النبي  " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " ( ) بل زاد الحداد الصوفي فقال " يأكلون ويشربون ويصلون ويحجون بل وينكحون وكذلك الشهداء: شوهدوا نهارا وجهارا يقاتلون الكفار في العالم المحسوس في الحياة وبعد الممات " ( ) .
الجواب : أما موتهم الدنيوي فلا يجوز إنكاره ، قال تعالى { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } . ولكن: ألم يكن رسول الله  يعلم أن الأنبياء السابقين (إبراهيم وموسى وعيسى) أحياء في قبورهم ؟ فلماذا لم يسألهم ولم يخاطبهم ولم يفعل صحابته شيئا من ذلك ؟ فإن رسولنا لم يستغث قبل موته بأحد من الأنبياء مع علمه بحياتهم البرزخية ، ولم يعلّم أحداً من أصحابه أن يستغيثوا بنبي من الأنبياء.
• وأما زعمهم أنهم ينكحون وأن حياة النبي  هي السبب في تحريم مناكحة أزواجه من بعده لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته. فهذا تدليس فإن الله وصف نساء النبي  بأنهن أمهات المؤمنين . وكيف يجوز للابن أن ينكح أمه ؟ ولو كانت العلة هي الحياة لجاز نكاح مطلقته  .
ثم إن قوله تعالى عن عيسى { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } . دليل على أن الأنبياء وإن كانوا أحياء فإنهم لا يعودون شهداء على قومهم. وهؤلاء يجعلون النبي  شهيداً عليهم سواء في حياته أو بعد موته ! كقول علوي المالكي " روحانية المصطفى  حاضرة في كل مكان ، فهي تشهد أماكن الخير ومجالس الفضل " (الذخائر المحمدية 259) فكأنه يقول : وهو معكم أينما كنتم!
ويبطل ذلك قول النبي  " لجبريل عليه السلام " ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ } فإذا كلن نزول جبريل لزيارة محمد  لا تكون إلا بأمر رب العالمين فكيف بنزول أرواح المشايخ واجتماعها بالأحياء وادعاء الجهال مجيء الرسول  إلى مجالس الذكر واتصاله بالمتصوفة يقظة !!
ويتناقض الحبشي في الروايات التي يحتج بها. فتارة يأتي بحديث موضوع هو " من صلى علي عند قبري سمعته " ( ). وتارة يأتي بحديث صحيح " فإن صلاتكم معروضة علي " يبطل احتجاجه بالحديث الأول الموضوع المثبت للسماع ( ) . فالحديث الأول ضعيف وهو حجة على من زعم أنه لا يستدل في العقائد إلا بقطعي السند بل متواتر.
والحديث الثاني صحيح وهو حجة على من زعم أنه يسمع، فلو كان يسمع لما عرضت عليه صلاة أمته ، ولما انتظر حتى يبلغه الملك سلام أمته. فتأمل تناقض أهل البدع !!

لا يفرقون بين الأحياء وبين الأموات
ولم يعد هؤلاء يفرقون بين الموت والحياة، بل يسوون بين الحي والميت مخالفين بذلك القران والسنة :
• أما القرآن فيقول تعالى { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ } وعند الحبشي يستويان. وقال المسيح عليه السلام { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
• وأما السنة فقد قال نبينا  عند الموت " اللهم الرفيق الأعلى" ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن الدنيا. غير أن المنحرفين يجعلون النبي شهيدا عليهم في الدنيا وفي القبر. بل ويحضر عند موت كل من رآه من أمته في المنام فيراه وهو يضحك إليه أو يكلمه كما زعم نبيل الشريف .
فتوحيدكم لا يصححه قرآن ولا سنة ، بل يشهدان بضد ذلك. ونذكركم بما قال القشيري " كل توحيد لا يصححه الكتاب والسنة فهو تلحيد لا توحيد " ( ) .

دعاء غير الله باطل
20) { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان 30 ] ، فحكم الله على كل دعاء لغيره أنه باطل . فإذا كان كذلك فكيف يزعم هؤلاء الجاهلون أن قول النبي  " إذا سألت فاسأل الله " لا يعني " لا تسأل أحداً غير الله " ؟ ألم يصف الدعاء بأنه عبادة فكيف يبيز عبادة مع الكراهة ؟
ولنفرض أن الرسول لم يقلها : ألم يقلها الله { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وقوله { أَحَدًا } نكرة في سياق النهي ، وإذا كانت { أَحَدًا } لا تعم كل مدعو عندكم فماذا تقولون في هذه الآيات :
{ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } أليس واضحاً أن دعاء أحد مع الله شرك كما اقتضه الآية الكريمة بكل وضوح ؟
الرسول سمى التبرك بالشجرة تأليهاً
وشبه الرسول  قول الصحابة " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " بقول من قال لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } مع أنهم لم يخطر لهم أن يسجدوا للشجرة أو يعبدوها وإنما قصدوا التبرك بها فتنبه لهذه الفائدة ففيها حجة عظيمة .
وكذلك أصحاب الكهف هربوا من الشرك وكانوا يقولون { رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } وقالوا عن قومهم { اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } وقد سارع قومهم إلى اتخاذ قبورهم مكانا للتبرك والدعاء { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا } [ الكهف 14 – 15 ] .
فإذا كان دعاء غير الله تأليها لغير الله كان حقيقة قولكم : أجعلت المدعو واحداً ؟ شبيهاً بقول من قالوا { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }

دعاء غير الله شرك

الآية الرابعة والعشرون : قوله تعالى { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } [ لجن 20] ، فالشرك إنما حصل بدعاء غيره معه : نبيا كان أو وليا ، وقد قال  " من مات وهو يدعو مات دون الله ندا دخل النار" ( ) ، وهو تحقيق قوله تعالى { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .

الآية الخامسة والعشرون : قوله تعالى { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
الآية السادسة والعشرون : قوله تعالى { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ } قالوا { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا } .
{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام 40 ] .

الآية السابعة والعشرون : قوله تعالى { وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } [ النحل 86 ] فالذين قالوا { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس الأصنام وإنما البشر الذين تم نحت صورهم على شكل تماثيل و أصنام .
الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } فدعاء غير الله عند الله شرك يؤدي إلى حرمان الجنة { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } [المائدة 72] فلماذا المجازفة وركوب المخاطر في دينكم بشرك يؤبدكم في جهنم ؟ !

دعاء الله إيمان
ودعاء غير الله كفر

الآية التاسعة والعشرون : قوله تعالى { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } قال ابن عباس " يقول : لولا إيمانكم " ( ) وذكره البخاري في كتاب الإيمان فقال "دعاؤكم إيمانكم " ( ) .
{ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ 73 مِن دُونِ اللَّهِ } قالوا { بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } [ غافر 73 ] فحكم الله بأنهم كافرون { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } بعدمـا حكم بشركهم { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ } . واجتمعت الصفتان في آية واحدة { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } [غافر12] فهم بدعائهم غير الله يكفرون ويشركون .
وهكذا صار دعاء غير الله عندهم إيماناً وهو عند الله شرك { وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } ودعاء الله وحده عندهم كفر . وهو عند الله إيمان .

الآية الثلاثون : قوله تعالى { حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [ الأنعام 130] ، دلت هذه الآية على أن حكم دعاء غير الله عند الله كفر. ونص الله على أن الكافرين يكرهون إخلاص الدعاء إليه وحده فقال { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [ غافر 14 ] . فمن كره منا قصره على دعاء الله وحده فقد وافق الكفار فيما يكرهونه .

الآية الواحدة والثلاثون : قوله تعالى { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } [ الزمر 8 ] . وقد قال تعالى { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } ثم حكم عليهم بالكفر فقال { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [ الرعد 14 ] .

دعاء غير الله عبادة للشيطان
فإذا كان الدعاء عبادة صار توجيه هذه العبادة لغير الله عبادة للشيطان ، هذا مآل دعوتهم : لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا } [ النساء 117 ] . وقد حذر الله من عبادة الشيطان فقال { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .

دعاء غير الله تأليه لغيره

والنصارى ملزمون بتأليه مريم وإن لم يلتزموه لأنهم دعوها من دون الله ، قال تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } . ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم ، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في قوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } قال ابن عباس ومجاهد " وهم : عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) . وكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا .






المشبهة الحقيقيون
المضيعون لحقوق الله

اعلم أن حق الله عليك أن توحده : فالشرك هضم لحق الله بل تشبيه ومساواة له بمخلوقاته ، قال تعالى { تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } يحلف الذين كانوا يدعون الأولياء أنهم كانوا يشبهونهم برب العالمين . فوقعوا في الغلو الذي حذرنا منه نبينا بقوله " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ( ) . وهكذا خالفوا أصل التوحيد وجعلوا معنى لا اله إلا الله : أي لا شبه بين الله وخلقه ، ودندنوا حول غير ما دندن حوله القران وهو شرك الدعاء .
ولا يغرنك قول البوصيري :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإن الذين قال لهم نبينا  " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم " لم يكونوا يقولون له : أنت ابن الله ، وإنما كانوا يقولون " وفينا نبي يعلم ما في غد " فهل يتناسب هذا وقول البوصيري وأمثاله ممن يظنون أنه لا يكون غلوا وإطراء إلا أن ننسب له الألوهية ؟! .
وفى نهاية الأمر يقف الجميع أمام الله ، فيؤمر من كانوا يدعون مع الله غيره أن يدعوهم في ذاك اليوم العصيب : قال تعالى { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } [ يونس 64 ] .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا } [الكهف 52 ] { وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ } [ فصلت ] .
من النداء ما هو دعاء

قد شهدت لغة العرب بأن الدعاء يسمى نداء. قال أبو حيان النحوي في البحر المحيط ( 7 / 418 ) عند تفسير قوله تعالى { دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ } أي ناداه .
وسمى الله النداء دعاء لأن مدلولهما واحد من باب الترادف على معنى واحد . { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } ووصف زكريا نداءه لله بأنه دعاء فقال { وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } ووصف الله نداء زكريا بأنه دعاء فقال { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فالنداء في الأصل هو رفع الصوت بالدعاء، وقال في آخر ندائه { إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء } .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ } { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } قال  " دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه " . وكذلك نوح { إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا } وفي آية أخرى { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ } .
فكم من آية صريحة في النهي عن دعاء غير الله وقلوبكم لم تستجب . .

يوسف التازي
13-01-15, 04:55 PM
أقوال السلف في اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية

وحال أكثر أهل الأرض خلط عبادة الله بعبادة غيره . . قال تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [ يوسف 106 ] قال الطبري " وإيمانهم بالله هو قولهم : الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكا في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده ، وبنحو هذا قال أهل التأويل " ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع .
قال قتادة " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك " وقال " الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك " وقال ابن زيد " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه وخالقه ورازقه وهو يشرك به . . . ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك : المشركون كانوا يقولون هذا " ( ) .
• وممن جاء بعدهم كابن قتيبة الذي ذكر الفطرة التي فطر الله الناس عليها ثم قال " فلست واجداً أحداً إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا إن سماه بغير اسمه ، أو عبد شيئا دونه ليقربه منه عند نفسه ، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا ، قال تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ( ) .
وقال العز بن عبد السلام " لا يمكن أن يقال: إنهم [ المشركين ] ، كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله ، لأنهم قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( ) .
وأكد ابن الجوزي أن "ما يقال عن الفلاسفة من جحد الخالق محال فإن أكثر القوم يثبتون الصانع " ( ) .
وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته إن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى واحتج بقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم . . . } ونقل عن إبراهيم الحلبي أن غلاة الروافض أسوأ حالا من المشركين لأنهم اعتقدوا الألوهية في علي ، وأما الذين عبدوا الأصنام فلم يعتقدوا الألوهية فيها وإنما عبدوها تقربا إلى الله تعالى ( ) .
• ومع هذا ظن من لم يعرف الجاهلية أن المشركين ما داموا يعتقدون أن الله هو الخالق وأنه لا خالق مع الله فلن يزالوا موحدين. مع أن الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق وحده هو إيمان فطري وتوحيد ناقص لا يصير به المشركون موحدين وإن اعتقدوا أن الله هو الخالق الرازق وحده . إذ لم يخالف أبو جهل ولا أبو لهب هذه الحقيقة .
فالمشركون يعتقدون أن آلهتهم لا تخلق لأنك لو سألتهم { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } { مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ } فلم يقولوا : أصنامنا هي الخالقة .
ولهذا لم ينفعهم إذ أشركوا بالله أن يجيبوا بأن خالق الكون هو الله ، فان إبليس يعلم أن الله هو الخالق الرازق وحده وهذا بالطبع لا ينفعه.
وكانوا إذا مسهم الضـر في البحـر أو وقعوا في شدة لجأوا إلى الله : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
ولكن مشركي زماننا جمعوا بين الشرك والجهل المركب وصاروا بجهلهم أشد جاهلية من مشركي الأمس ، فتروي كتب تراجم الصوفية أنهم إذا مسهم الضر أو أصابهم كرب استغاثوا بغير الله ، قال النبهاني " وكان تجار اليمن يستغيثون بسيدي أبي الغيث الشحري اليمني أحد الأولياء في شدائد البحر ومضايق البر " ( ) . وهذا عين ما كان عليه شرك الجاهليين الأوائل ، قال ابن قتيبة في تفسير { وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ } " ومعنى الدعاء هاهنا الاستغاثة ، ومنه دعاء الجاهلية ، وهو قولهم : يا آل فلان ، وإنما هو استغاثتهم " ( ) .
فكيف تعجب اليوم إذا قال قائل إن مشركي اليوم مع قولهم لا اله إلا الله أكثر شركا من مشركي الأمس ؟! فان لا اله إلا الله : كلمة الإخلاص ولا بد أن يوافقها عمل الإخلاص ولا ينفع مع عمل الشرك كلمة الإخلاص .
فالأحباش يقولون " من قال لا اله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء جالس على العرش فلا تنفعه وإن كان يقول لا اله إلا الله لأن الشهادة تنفع صاحبها إن كان يعتقد معناها : أما كثير من الناس اليوم تسمعهم يأتون بالشهادتين بألسنتهم لفظا وفي قلوبهم ما فيها من الاعتقادات الفاسدة " ( ) .
ونحن نقول ما يقوله الأحباش أن من كانت عقيدته قبورية فهو مخالف لأبي جهل بلفظ الشهادتين موافق له في عقيدته الفاسدة من حيث التعلق بالصالحين والتبرك بصورهم وقبورهم ، فلماذا يجوز لكم أن تخرجوا الموحد مع أنه يشهد أنه لا اله إلا الله ولا يحق لنا نحن ؟!
ولقد أخبر رسولنا ïپ¥ أن أقواما من هذه الأمة سيلحقون بالمشركين فقال ïپ¥ " لا تقوم الساعة حتى يلتحق أقوام من أمتي بالمشركين ويعبدون الأوثان " ( ) . وقال " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة " وذو الخلصة صنم لدوس في جنوب جزيرة العرب كانوا يعبدونه في الجاهلية .
فهذان الحديثان رد على من يحتجون بحديث " وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي " والذي هو خاص بالصحابة ، أو يقال : إن النبي ïپ¥ لا يخاف أن يطبقوا على الشرك لأن الأمة لا تجمع على ضلالة ، وهذا ما يقتضيه الجمع بين الأحاديث .





الحبشي يجيز الاستعاذة بغير الله


والحبشي لا يجيز فقط الاستغاثة برسول الله ïپ¥ فحسب ، ولكنه يجيز الاستعاذة به ، وهذا شرك باتفاق العلماء ، فقد ذكر البيهقي أنه لا يجوز أن يستعاذ بمخلوق من مخلوق ( ) ، واحتج بقوله تعالى { فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } واحتج الحافظ برواية عن النبي ïپ¥ " وإذا استعذت فاستعذ بالله " ( ) .
قال الحبشي " وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً ولو قال قائل يا رسول الله المدد فهو عندهم صار كافرا " واستدل بحديث الحارث بن حسان " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد " ( ) .
وإذا كان نبينا ïپ¥ لم يقر قول من قال " ما شاء الله وشئت " فقال له: أجعلتني لله ندا " وقال للمسيء خطبته "بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله " ونهى عن الحلف بغير الله فكيف يرضى أن يكون شريكا مع الله فيما خص به نفسه { فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } .
إن هذا شرك يخالف إجماع المسلمين ويتعارض وقوله تعالى { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } [ فصلت 36 ] روى البخاري قول شيخه نعيم بن حماد: لا يستعاذ بمخلوق " ( ) واحتج أحمد بحديث خولة بنت حكيم أن رسول الله ïپ¥ قال " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق : لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك " ( ) . قال الخطابي " كان أحمد يحتج بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات " بأن النبي لا يستعيـذ بمخلوق " ( ) . وأكده المرداوي الحنبلي في الإنصاف (2/ 456).
قال ابن خزيمة في التوحيد ( 1 / 401) " فهل سمعتم عالماً يجيز أن يقول الداعي : أعوذ بالكعبة من شر ما خلق ؟ هذا لا يقوله مسلم يعرف دين الله ، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه " ؟

الكلام على سند هذا الحديث
ثانياً : هذا الحديث جاء من روايتين : زيد بن الحباب وعفان ، غير أن زيادة (ورسوله) زائدة من رواية زيد بن الحباب تفرد بها عن عفان عن عاصم بن أبي النجود وهو صدوق كثير الخطأ كما قاله أحمد ( ) وإنما وثقوا رواية عفان. وبذلك لا تصح زيادة (ورسوله) لأن عفان رواه بدون هذه الزيادة وهو أوثق من زيد .
تنبيه مهم :
قد حسن شيخنا الألباني رواية الترمذي (سلسلة الضعيفة 3/373) وهي من طريق سفيان بن عيينة وليس من طريق عفان بن مسلم ومحمد بن مخلد الحضرمي. وطريق سفيان ليس فيها زيادة (ورسول الله) حسب رواية الترمذي (رقم 3273) فليُتنبه لذلك حتى لا يحتج بتحسين الألباني، ثم إن رواية أحمد عن عفان جاءت بدون زيادة (ورسول الله) وإنما الزيادة من طريق زيد بن الحباب ، قال الحافظ في التقريب (صدوق يخطئ في حديث الثوري) فرواية (أعوذ بالله) رواها حافظان ثقتان : عفان بن مسلم وسفيان بن عيينة . ورواية (أعوذ بالله ورسوله) جاءت من طريق محمد بن مخلد الحضرمي ، قال ابن أبى حاتم الرازي " سألت أبي عنه فقال " لا أعرفه " (الجرح والتعديل رقم 398) وقال الحافظ: ضعفه أبو الفتح الأزدي (لسان الميزان5/423 ميزان الاعتدال8150).
فظهر أن رواية الإمامين : عفان وسفيان (أعوذ بالله) هي المحفوظة . وأما رواية (ورسوله) منكرة أو شاذة والله أعلم .
ثالثاً : لو جازت الاستعاذة بغير الله لجاز الحلف بغيره .
رابعاً : أن مَن عَلم معنى الاستعاذة لا يمكن أن يقول بجوازها لغير الله. فإن معناها كما فسرها الشيخ مصطفى نجا: أعتصم وأتحصن وألتجئ إلى الله تعالى وألصق نفسي برحمته وفضله وكرمه( ). ولهذا قال الشعراني " ولو أن أحدا من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمَرَنا الله أن نستعيذ بمحمد ïپ¥ أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر، ولكن علم الله عجز الخلق عن رد كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل"( ). فهل يجيز عاقل موحد الاستعاذة بغير الله لمجرد رواية ضعيفة يحتج بها من يحرمون عادة الاستدلال بغير المتواتر في مسائل العقيدة ؟

المستعيذ بغير الله موافق لمشركي العرب

فالحبشي قد وافقت عقيدته مشركي العرب إذ كانوا يستعيذون بسادة الجن من أذى قومهم { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [الجن 6] . قال مجاهد " كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً : نعوذ بعظيم هذا الوادي " .
فهل يجوز التعوذ بالإنس بينما يحرم التعوذ بالجن ؟
وهل يقول عاقل : يجوز لي أن أقول أعوذ برسول الله من النار. أعوذ برسول الله من شر ما خلق الله. أعوذ برسول الله من الجنة والناس أعوذ برسول الله من الضلالة ؟

هذا هو توحيد الحبشي !!!

هذا هو التوحيد الذي يدعوك إليه الحبشي : عِلم كلام واستغاثة واستعاذة بغير الله وتأويل للصفات ، يسميه "علم التوحيد" أو " علم الدين الضروري " ! هكذا يدس لك السم في الدسم
• ألم يذكر في كتابه (الدليل القويم 229) دعاء المكروب وفيه قول علي بن أبي طالب " لقنني رسول الله ïپ¥ هؤلاء الكلمات وأمرني إذا أصابني كرب أو شدة أن أقولهن : لا اله إلا الله الحليم الكريم سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم "( ). فلم يأمره إذا أصابه كرب ان يسأل غير الله أو يستغيث بأصحاب القبور وانما علمه اللجوء إلى الله وحده .
ألم يعترف بأن قول القائل (أغثني يا رسول الله) (أغثني يا رفاعي يا بدوي يا جيلاني) أمر غير مشروع ( ) فلماذا يدافع عنه في مواقف أخرى ويهاجم منكري الاستغاثة بغير الله ؟
لماذا يوجه المكروبين إلى القبور ؟ أيريد إكمال دور الفاطميين الذين ملأوا مساجدنا بالقبور والأضرحة والمزارات والعتبات ؟





كلمة حول الحلف بغير الله

وبمناسبة الكلام على الحلف بغير الله فالأحباش لا يرضونا اعتبار الحلف بغير الله شركا. قالوا " كان أحمد يعتبر من حلف برسول الله فحنث أن عليه كفارة كما أن الذي حلف بالله ثم حنث فعليه كفارة . ابن تيمية يجعل الحلف بغير الله شركا مطلقا. . . هذا مع أن المعروف في مذهب الإمام أحمد حرام " (منار الهدى 41/ 44) .
وقد كتموا وجود روايتين عن أحمد لا واحدة. فإنه في إحدى الروايتين عنه أنه تنعقد به اليمين .
ولماذا التركيز على إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم انعقاد اليمين هو قول الجمهور ؟ أهو رغبة في التشويش أم ميلا مع الهوى وعدم إعطاء الحق أولوية!
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ïپ¥ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " ( ) . أنتم تتمسكون في أن لفظ ( لا ينبغي ) لا يفيد التحريم . فماذا تقولون في لفظ ( ينهاكم ) ؟
والحلف بغير الله كأن يقول : والله وحياتك ( ) .
قال أبو حنيفة " لا يحلف إلا بالتوحيد متجرداً بالتوحيد والإخلاص " ( ) .
وقال ابن نجيم الحنفي " ويُخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك " ( ) "قال ابن مسعود " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلىّ من أن أحلف بغيره صادقا " ( ) . ومعنى هذا أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق . وأن سيئة الشرك أعظم وأقبح من سيئة الكذب .
قال !الحافظ " قال العلماء : السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه ، والعظمة في الحقيقة إثما هي لله وحده " .
وإن من قواعد العقيدة الإسلامية سد كل باب يوصل إلى الشرك أو ينقص كمال التوحيد ، ولهذا جاء النهي عن كل فعل أو قول يوقع في الشرك الأكبر أو الأصغر وإن لم يقصد صاحبه ذلك. وجاء النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وصوم يوم السبت .
والسؤال : هل الحلف بالله شرك أم لا ؟ هل الشرك مكروه أم محرم ؟ هل الكذب مكروه ؟ أيهما أعظم : الشرك أم الكذب ؟
قال تعالى { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } [!لأنعام 151].
وكيف يكون الحلف بغير الله مكروها وقد قال رسول الله ïپ¥ " من حلف بغير الله فقد كفر" " فقد أشرك". قال الحافظ " تمسك به من قال بتحريم ذلك " ( )
فليس هناك شرك أو كفر مكروه فعله. بل الكفر والشرك محرم سواء كان شركا أصغر أم أكبر. مع أن الاعتقاد أن الحلف بغير الله شركا أصغر كما نص عليه ابن القيم ( ) .
وقد أثبت البخاري أن الحلف بغير الله كفر دون كفر. وأما الترمذي فلم ينكر الترمذي أنه شرك و قرن الحلف بالرياء مع أنه ترجم له بالكراهة كقوله تعالى { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } .
وليس من الإنصاف ترك ألفاظ الرسول ïپ¥ والتمسك بألفاظ غيره .
وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الحلف بغير الله .
وأما قول النبي ïپ¥ " أفلح وأبيه " فقد أجاب عنها جمع من العلماء منهم النووي :
فقد ذهب الحافظ ابن عبد البر إلى أن هذه اللفظة منسوخة لنهي الرسول ïپ¥ عن الحلف بغير الله . وهذا الذي ذهب إليه الماوردي وحكاه البيهقي وقال السكبى : أكثر الشراح عليه وهو الذي قاله الطحاوي (انظر فتح الباري 11 / 534) .
وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف بالمخلوقات ، وقد قال رسول الله ïپ¥ " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهل هذا أمر استحباب أم أمر وجوب ؟ فان قيل : ( استحباب ) قلنا: كيف يقول ( ليصمت) ثم هو يحلف بغير الله ؟ فلا يبقى إلا ما قاله النووي أن هذا ما كانت تستعمله العرب كقول النبي ( ثكلتك أمك ) .

مسألة التميمة

أما التميمة فقد جاءت الأحاديث الكثيرة بتحريم التمائم عموما بلا استثناء والوعيد لمن فعل ذلك. فعن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله ïپ¥ يقول " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " ( ) .
وقال أيضا " من علق تميمة فقد أشرك" ( ) .
وقال " من تعلق تميمة فلا أتم الله له " ( ) .
وأما إذا كان المعلق من القران والأدعية والأذكار الصحيحة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال :
الأول : جواز ذلك . قالوا : إن التعليق الجائز هو ما كان بعد نزول البلاء ، أما قبل نزوله فلا يجوز . قال بهذا عائشة " ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء " وفي رواية " التمائم ما علق قبل نزول البلاء وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة " ( ) .
وقال مالك " أرى ذلك من العين " ( ) .
الثاني : جواز تعليق التمائم مطلقاً إذا كان كانت بكلام الله وهو رواية ثانية عن مالك .
الثالث : المنع مطلقا واليه ذهب ابن مسعود وابن عباس وحذيفة وعقبة بن عامر وعبد الله بن عكيم وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ورواية لأحمد .
أدلتهم : عموم النهي الوارد من غير استثناء . قالوا : ولو كان تعليق التمائم مشروعا لاستثناه النبي ïپ¥ كما استثنى الرقية حين قال " اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً " ( ) .
فرخص فيما لم يكن فيه شرك ، ولم يرد مثل هذا التفصيل في التمائم.
وحتى استثناء الرقى فإنه جاء مقروناً بعرضها ومتابعتها لاحتمال تلبيسها بالباطل من قبل الزائغين الذين يستدرجون العوام إلى الشرك .





موقفه من حديث
" إذا سألت فاسأل الله "

قال الحبشي " فإن قيل : أليس في حديث ابن عباس " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " ما يدل على عدم جواز التوسل بغير الله ؟ قال : فالجواب أن الحديث لا يعني تحريم سؤال غير الله والاستعانة ( ) بغير الله ، وإنما يفيد أن الأولى أن يسأل الله ويستعان الله .
قال: وهذا نظير قوله ïپ¥ " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " فكما لا يفهم من هذا الحديث عدم جواز صحبة غير المؤمن وعدم إطعام غير التقي وإنما يفهم منه إن الأولى بالصحبة المؤمن وبالإطعام التقي فكذلك يفهم من حديث ابن عباس ، الأولوية .
كما أن رسول الله ïپ¥ لم يقل : لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله ، أليس هناك فرق بين أن يقال لا تسأل غير الله وبين أن يقال إذا سألت فاسأل الله " ( ) انتهى.
و الجواب :
إن لم يقله محمد ïپ¥ فقد قاله رب محمد { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] وفهم السلف أن " اسأل الله " تعني عدم سؤال غيره ولهذا لم يثبت بسند صحيح أنهم كانوا يسألون غير الله ، وإنما ثبت العكس بالسند الصحيح ، قال سالم بن عبد الله " لا تسأل أحداً غير الله " ( ) .
بل قاله محمد ïپ¥ " من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له الجنة " ( ) . فإذا كان رسول الله ïپ¥ يكره أن يسأل الحي حيا مثله - وهذا ليس محرماً - فأين شرع أن يسأل الحي ميتاً ؟!
فأنتم شر ممن يسأل الأحياء يشحذ منهم لأنكم تتسولون من الأموات !
• قال نبينا ïپ¥ ما لا تهواه نفسك الأمّـارة بالشرك " من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار " ( ) .
• أن الأمر يفيد الوجوب ما لم يصرفه عنه صارف ، ولذلك نص الحافظ ابن رجب على أن قوله ïپ¥ " إذا سألتَ فاسأل الله " منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قال : لأن الدعاء هو العبادة ، وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر 60 ] ( ).
وسبق احتجاج السبكي في فتاويه (1/13) بالآية على عدم جواز الاستعانة بغير الله . وإذا كان كذلك فهذه أكبر قرينة على التحريم .
• وما زعمه الحبشي أن قول النبي ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " ليس معناه : لا تسأل غير الله . وإنما معناه الأفضل أن لا تسأل غير الله . إنما هو تحريف واضح .
فإذا كان الأمر كما يقول : فقد ضاع المراد من الكلام. إذ ما قيمة الكلام إن كان المعنى ( إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره ) فقد كان الأولى بالرسول ïپ¥ حينئذ أن يقول : إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره . وإنما يكون للكلام معنى إذا فهم منه تخصيص الله بالسؤال دون غيره .
• أن قوله تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] يؤكد أن قوله " إذا سألت فاسأل الله " يفيد وجوب سؤال الله وحده فيما لا يقدر عليه غيره ، وليس مجرد الكراهة . لأن الدعاء عند الرسول عبادة ، ولأن سؤال الله وحده حق وسؤال غيره باطل كما قال تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } [الحج 62] فهذا الباطل محرم وليس مكروهاً فقط . قال تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } والله أمر الرسول ïپ¥ أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } .
وقال { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } لماذا { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فتأمل الآية : كيف نهى الله عن دعاء غيره لأنه لا إله إلا هو. فمن في دعا غيره وخالف أول الآية { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } فقد نقض آخرها { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فهل هذا النقض مكروه أم محرم ؟
• ولنضرب لذلك مثالا يوضح مخالفة هؤلاء للشرع والعقل: أنت تعلم أن زيدا غني يملك أموالاً كثيرة وقد عرض عليك إذا احتجت شيئا أن تأتيه ليعطيك ما تريد فقال لك : سلني ما شئت من مال فإني أعطيك. لكنك مع حاجتك للمال وعلمك بأن زيدا يملكه لم تذهب إليه. بل ذهبت إلى عمرو وهو رجل فقير لا يملك مالا، فقلت له أعطني مالا يا عمرو فقال لك : إذا سألت فاسأل زيدا فإني لا أملك لك مما عند زيد شيئا. فامتنعت من الذهاب إلى زيد وأصررت على الأخذ من عمرو ما ليس عنده ، فكم تكون غبيا معاندا إذا أصررت على أن تسأل عمروا ما ليس عنده باعترافه ، أو تصر عليه أن يطلب لك مالا من زيد وقد قال لك زيد وعمرو : عليك أن تسأل زيدا فقط ؟

( فائــدة )
• وقد بايع النبي ïپ¥ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا قط منهم أبو بكر وأبو ذر وثوبان ، فكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فينزل عن دابته ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه. وهذا لا يستطيعه كل واحد، لذا أسر النبي به إلى بعضهم بخلاف قوله " إذا سألت فاسأل الله " فإنه لم يسره فهو بذلك عام وملزم للجميع .
• وإذا كان " من لم يسأل الله يغضب عليه " ( ) فكيف بمن يسأل غيره ويبتهل إلى الأموات ويلح عليهم بالدعاء ؟ هل يعرف مثل هذا طعم التوحيد ؟! فهذه مبادئ التوحيد عند الحبشي ، يزعمون أن عندهم علم التوحيد الضروري ، فإذا جاءهم من يطلب التوحيد : علموه الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وطلب المدد من أصحاب الأضرحة . هكذا يضعون السم في الدسم .
أتدعون قبرا وتذرون أحسن الخالقين !
أتستبدلون الذي هو أدنى (القبر) بالذي هو خير ( الله ) ؟
واعجب ممن خرج من القبر كيف يطيب نفساً بالرجوع إليه !

من أسباب زيارة القبور الدعاء لأهلها
ولقد علمنا رسول الله ïپ¥ أن نزور القبور لندعو لأصحابها بالرحمة والمغفرة لا لنطلب منهم . ولم يشرع لنا دعاء الأموات لحصول المنفعة منهم. بل قد وعد هو أن يشفع لمن يدعو الله له ، ولم يَعِدْ بإجابة من يسأله بعد موته .
وحدّد أسباب زيارة القبور بسببين :
ïپ¶ للدعاء للأموات .
ïپ¶ لتذكر الآخرة .
أما ثالثتكم من تبرك واستغاثة وطلب للترياق عند الأضرحة بما تسمونه " ترياقاً مجرباً " فهو ïپ¥ بريء من ذلك .

المخالفون للطحاوي

• قال الطحاوي " وفي دعاء الأحياء منفعة للأموات ". ثم قال بعدها مباشرة " والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ( ) .
فنبه إلى أن أصحاب القبور ينتظرون من الأحياء الدعاء لهم وأن على الأحياء أن يتوجهوا إلى الله وحده في قضاء حوائجهم. لكن الأمر انقلب اليوم ، فقلب أهل الزيغ عبارة الطحاوي حتى صارت هكذا " وفي دعاء الأموات منفعة للأحياء " فصار دعاء الأموات منفعة للأحياء ، وصار الحي يذهب إلى الميت ليطلب منه الدعاء لا ليدعو له .
فما أبعد الحبشي عن هدي نبينا ïپ¥ وعن قول الطحاوي الذي شرح عقيدته على منهج جهم بن صفوان ، ولم يستفد من كلامه ، حتى قلب قوله فصار في طلب الدعاء من الأموات منفعة للأحياء ، وكأن غير الله أقرب إليهم وأسرع إجابة وأعظم رحمة !
إن دعاء المؤمن لأخيه وقضاء حاجته هو إيمان وعمل صالح ، فهل يقول الملك للولي في القبر : آمين ولك بمثل ما دعوت لأخيك ؟ وهل يكتب للميت عمل صالح لقضائه حاجة الحي مع أن العمل ينقطع بالموت ؟

منكرو العلو يستبدلون السماء بالأرض
لقد صرف الله قلوب الذين أنكروا علوه في السماء إلى أسفل سافلين ، فتوجهوا بالدعاء إلى أعماق الأرض حيث الموتى . وصارت آمالهم متعلقة هناك بعدما انتكست فِطَرُهُم فصرفهم الله عن التوجه إليه { صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون } [ التوبة 127] . يدعون الأموات : ويدعون الحي الذي لا يموت !!!
الصد عن سؤال الله والحض على دعاء غيره

لما دعوا غير الله أعرضوا عن دعاء الله وحده ، بل جعلوا من علامات الصوفي الحقيقي " أن لا يكون له إلى الله حاجة " " وأن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ به من النار " ( ) . وجعلوا سؤال الله أقل المنازل ، وترْك سؤاله أعظمها ، فزعم القشيري أن " ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء ، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك" وزعم أن عبد الله بن المبارك قال " ما دعوت الله منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد " ( ) .
واعتبروا ترك دعاء الله من تمام الرضا بالله - ولم يعتبروا الصلاة كذلك مع أنها دعاء - فقال قائلهم " الرضا أنه لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضياً " وقال رويم " الرضا أن لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره " .
وزعم شيخهم أحمد الرفاعي أنه " لما وضع المنشار على رأس زكريا عليه السلام أراد أن يستغيث الله فعاتبه الله وقال " ألا ترضى بحكمي ؟ فسكت حتى قطع نصفين " ( ) . وزعم آخر أن إبراهيم قال حين ألقي في النار " علمه بحالي يغنيه عن سؤالي ". بمثل هذه الأكاذيب صرفوا الناس عن دعاء الله : وإذا دعي الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا دعي الذين من دونه إذا هم يستبشرون ( ) !



النقشبنديون يستغيثون بالكلاب والحرباء
بئس للظالمين بدلا

فصرفهم عن دعائه ووجههم إلى الحيوانات ليستغيثوا بها .
وقد ذكروا عن شيخ الطريقة النقشبندية بهاء الدين نقشبند أن شيخه علمه أن يطلب المدد من كلاب الحضرة النقشبنيدة ويخدمهم بإخلاص وأنه اجتمع مرة بكلب وحرباء ، فحل له من لقائهما بكاء عظيم وسمع لهما تأوهاً وحنيناً فاستلقى كلٌ منهما على ظهره ورفع الكلب قوائمه الأربع إلى السماء وأخذ يدعو الله ، وكذلك فعلت الحرباء ، والشيخ واقفٌ يبكي وهو يقول آمين ، يؤمن على دعاء الكب والحرباء ( ) .
فأي درك وصل إليه هؤلاء أن يستغيثوا بالكلاب والحرباء ويوصيهم مشايخهم بطلب المدد من كلاب الحضرة الصوفية ! وتأمله وهو يقول : مدد يا سيدي كلب!
ما هذه العقيدة : أموات قائمون في قبورهم على نفس كل مريد بما كسبت ، وكلاب وحرباء : الله خير أما يشركون ؟ !
وماذا لو عرضت هذه الخزعبلات على هندوسي يريد اعتناق الإسلام ثم هو يرى هؤلاء يطلبون المدد من الكلاب كما يطلب الهندوس المدد من البقر : هل يعتنق الإسلام ؟!

الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

كيف يكيل الأشاعرة بمكيالين
تناقض الأحباش في تخريج هذه الرواية .
شبهات أخرى حول الاستغاثة بغير الله .
ماذا بعد الاستغاثة بالنبي ïپ¥
كيف نفهم التوحيد







الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

واحتجوا بأن ابن عمر خدرت رجله فقيل له " أذكر أحب الناس إليك ، فقال " يا محمد " وزعم نبيل الشريف أن بعض المحرفين حذفوا ياء النداء من كتاب الأدب المفرد ( ) . وهو مطالب بإثبات المخطوطة التي تثبت يا النداء من الكتاب المذكور.
وقد ذكر الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت الرواية وضبطها بدون ياء النداء وهذا الموافق لرواية سفيان ، وطبع كتابه بدار نشر حبشية، ولكن بتحقيق شيخ حبشي اسمه أسامة السيد اضطر إلى التعقيب على ذلك ( ) .
على أنني رجعت إلى النسخ المطبوعة والمحققة لكتاب " الأدب المفرد" وأهمها نسخة " فضل الله الصمد " التي قورنت بمخطوطات عديدة ولم يجد المحقق لفظ النداء ، وحتى وجودها في بعض النسخ دون الأخرى يبطل الاحتجاج بها لاحتمال عدم ورودها في الأصل . وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فلا سندها مقطوع بصحته ولا ثبوت لفظ (يا) مقطوع بصحته .
فهاهنا إشكالات حول أصل مصداقية الرواية لا يجوز تجاوزها ، عليكم الإجابة عنها : فان تجاوزتموها وقعتم في مشاكل أخرى :
1) التحقق من النسخة المخطوطة .
2) صحة السند إلى ابن عمر. وأن يكون متواترا بحسب الاشتراط الأشعري لقبول الرواية في العقائد .
3) أن هناك روايتين متضادتين إحداهما متضمنة لياء النداء والأخرى لا تتضمنها فيجب الترجيح بين الروايتين قبل المسارعة إلى الاحتجاج بواحدة منهما.
4) مخالفة هذه الرواية للقرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وللسنة " إذا سألت فاسأل الله ". بل ولقول الصحابة قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب " لا تسأل أحدا غير الله " ( ) .
وقول الصحابي وفعله يجب أن يكون مقيدا بموافقة قول الله ورسوله ïپ¥ فإن خالفت هذين الأصلين وجب تركها ، وقد قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق " أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ". فلا نترك كتاب الله وسنة رسوله وفعل جمهور الصحابة لفعل فرد منهم ، هذا إذا ثبت ذلك عنه بسند صحيح .
5) هب أن ( يا ) دعاء لغير الله فماذا قال رب ابن عمر ورسول ابن عمر وابن عبد الله بن عمر ؟
لقد قال تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } . وقال النبي ïپ¥ لابن عمر " إذا سألت فاسأل الله " وقال " الدعاء هو العبادة " وهذه الآيات والأحاديث أصح سندا من رواية ابن عمر.
ولا يترك قول الله ورسوله لقول ابن عمر إلا متحيز عديم الإنصاف مفضل لكلام غير الله ورسوله على كلام الله ورسوله.
ومثل هذه الرواية إن صحت يجعلها الله فتنة للذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ولا ليهديهم سبيلا .
6) مخالفة الرواية لعمل جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل به ïپ¥ بعد موته وتوسلوا بعمه ، حيث أصيب المسلمون في عهده بالقحط والجدب ، فلو جاز الاستغاثة بالنبيïپ¥ لمجرد خدر الرجل فالاستغاثة به عند وقوع المجاعة أولى ، ولو كانت الاستغاثة عند الصحابة جائزة لأجازوا التوسل به ïپ¥ . غير أن الثابت عند البخاري أنهم تركوا التوسل به بعد موته. ثبت ذلك بأدلة أصح إسنادا من الأسانيد المشكلة التي تتمسكون بها وأوضح متونا منها.
فكيف يترك الصحابة التوسل ويجيزون الاستغاثة ؟ وكيف تكون الاستغاثة به بعد موته جائزة عندهم وهم لم يجيزوا لأنفسهم التوسل به بعد موته وهو دون الاستغاثة !
7) أن ابن عمر أصيب بالعمى ولم يعرف عنه أنه استغاث بالنبي ïپ¥ فكيف يستغيث بالنبي لمجرد خدر الرجل ولا يستغيث به لما هو أعظم من خدر الرجل وهو ذهاب البصر، لو كانت الاستغاثة به جائزة لفعل .

تذكر المحبوب عند خدر الرجل
8) أن الرجل قال لابن عمر " أذكر أحب الناس إليك " فأمره بتذكره ولم يقل له : استغث بأحب الناس إليك . فقال " محمد " أو " يا محمد " أي يا محمد أنت أحب الناس إليَّ ، فكانت إجابة ابن عمر مطابقة لسؤال من أمره بتذكر أحب الناس إليه . وأما أن تكون استغاثة فجواب ابن عمر يكون غير مطابق لمن سأله أن يذكره ولم يسأله أن يدعوه مع الله .
ومن هذا الباب أوردها البخاري وابن تيمية وابن السني على فرض ثبوت لفظ النداء ، فلم يبن النووي ولا ابن علان ولا البخاري على رواية ابن عمر جواز الاستغاثة بغير الله ، وإنما كان شرح ابن علان للرواية دليلاً على بطلان تمويهاتكم كما سيأتي .

كيف فهم أهل العلم هذه الرواية

فذكر الحبيب عند الخدر كان أمراً شائعاً عند العرب ، وجاءت أشعارهم بهذه العادة الشائعة في استعمال ياء النداء عند تذكر الحبيب ، ويطلب به استحضار المنادى في القلب ، يستشفون بذكر الحبيب لإذهاب خدر الرجل ، فيقال لمن خدرت رجله تذكر أحب الناس إليك فيذكر اسمه لا على سبيل الاستغاثة به وإنما كما قال ابن علان "من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه من الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر ( ) .
وروى ابن السني قول الوليد بن عبد الملك في حبابة :
أثيبى مُغرماً كلفاً محباً إذا خدرت له رجل دعاك ( )
وقول جميل لبثينة :
وأنت لعيني قرة حين نلتقي
وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي
وقول الموصلي :
والله ما خدرت رجلي وما عثرت
إلا ذكرتك حتى يذهب الخَدَرُ
وقال أبو العتاهية :
وتخدر في بعض الأحايين رجله
فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر
وقول آخر:
صبّ محبّ إذا ما رِجلُهُ خدرَت
نادىَ كُبَيْشَةَ حتى يذهب الخدر
وقالت امرأة :
إذا خدرت رجلي دعوت ابنَ مُصعب
فإن قلت : عبد الله أجلى فتورها
فإن كان هذا العمل صحيحاً فقد صححتم الجاهلية وزعمتم أن كل مشرك استغاث بحبيبته أغاثه حبيبه وان الله يرضى لجميل استغاثته ببثينة ، وهذا قمة الجهل المركب .

هل ( يا محمد ) لمجرد النداء ؟


أما زعمهم أننا نكفر المسلم الموحد لقوله ( يا محمد ) لمجرد النداء. فان الأنبياء كانوا ينهون عن دعاء غير الله كقول إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } وقصدهم الدعاء الديني الذي يدعى فيه غير الله لكشف ضر أو جلب نفع بدعوى التقرب بالولي إلى الله . ونحن إذ نتكلم عن الدعاء فإنما نعني به هذا ، لا مجرد دعاء الزوجة بإحضار الطعام ! فسحقا لمن يعتمد التمويه والتلبيس ليضل الناس بغير علم.
ونحن نشهد أن استعمال (يا) لمجرد النداء لا شرك فيه، وهو شبيه بقول المصلي " السلام عليك أيها النبي " أو للندبة كقول فاطمة رضي الله عنها لما مات رسول الله ïپ¥ : يا أبتاه : أجاب ربا دعاه، يا أبتاه : جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . وقول أبي بكر له لما مات: بأبي أنت وأمي "يا" رسول الله . وكقول رسول الله ïپ¥ إذا سافر فأقبل الليل : يا أرض ربي وربك الله " .
فأنتم تعلمون أن النزاع معكم ليس في هذا ، وإنما في النداء المتضمن طلب دفع الكرب وقضاء الحوائج ، وهو الذي ننكره عليكم ، أما أن يكون كل نداء لمجرد النداء محرم وكفر عندنا : فان الله استعمل ( يا ) المنادى في حق محمد ïپ¥ لمجرد النداء ، فإنه يقول له حين يسجد تحت العرش " يا محمد ارفع رأسك . . . " فهذا نداء لا نحرمه . ولا نحرم أن يقول القائل ( يا محمد صلى الله عليك ) وإنما نحرم نداء قضاء الحوائج وكشف الضر.
ياؤكم ليست لمجرد النداء
ولكن : هل حقا (ياؤكم) لمجرد النداء أم لحاجة ، تريدون من غير الله قضاءها ، وضر تريدون كشفه، ومدد تريدون مدكم به كقولكم : المدد يا رفاعي شيء لله يا جيلاني اقضً حاجتي ، لا تردنا خائبين ، نشكوا إليك حالنا تعطف تكرم تلطف تحنن !
ونداء غير الله لدفع مضرة أو جلب منفعة فيما لا يقدر عليه الغير دعاء ، والدعاء عبادة ، وعبادة غير الله شرك يؤدي إلى سخط الله ، قد شهد بذلك شيخكم الرفاعي حين ذكر في كتاب " حالة أهل الحقيقة مع الله ص 92 " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال : أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ فلماذا يغضب الرب ؟ أليس لأن الاستغاثة بغيره شرك به .

تغيير الصحابة ( أيها النبي)
في التشهد بعد موته إلى (النبي)

وحتى مجرد النداء الذي ليس فيه استغاثة بالنبي ïپ¥ قد تركه العديد من الصحابة، فقد ذكر ابن مسعود صيغة التشهد " السلام عليك أيها النبي... " ثم قال (وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض قلنا: السلام . يعنى: على النبي ïپ¥ " (البخاري رقم 6265). وهم لا يغيرون شيئا علمهم ïپ¥ إياه كما كان يعلمهم الصلاة إلا بتعليم منه ïپ¥ .
قال الحافظ ابن حجر " وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون ( السلام عليك أيها النبي " بكاف الخطاب في حياة النبي ïپ¥ فلما مات النبي تركوا الخطاب وذكروه بلفظ الغيبة فصاروا يقولون ( السلام على النبي ) ( ) . قال " وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ " فلما قبض قلنا السلام على النبي " بحذف لفظ (يعني) .
قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده " إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي ïپ¥ غير واجب فيقال : السلام على النبي " فتعقب ابن حجر السبكى فقال " قد صح بلا ريب. وقد وجدت له متابعا قويا: قال عبد الرزاق " أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ïپ¥ حي " السلام عليك أيها النبي. فلما مات قالوا: السلام على النبي " ( الفتح 2/ 314 ) كتاب الآذان : باب التشهد في الآخرة .
وقد حكى الزبيدي هذه العبارة عن الحافظ ابن حجر كاملة كما في إتحافه (3/ 161) فخذوه حيث حافظ عليه نص.
فهلا أجبتمونا عن سبب تركهم التوسل به بعد موته وتغيير صيغة السلام عليه ؟ . إن هذا يؤكد تقيد الصحابة في الألفاظ : فإذا كانوا تركوا لفظ الخطاب وهو دعاء له ïپ¥ . فكيف يتلفظون بخطاب فيه دعاء إليه مع الله ؟ هذا مع عدم التسليم بأن السلام عليه دليل على الاستغاثة به ، فإنه كان يسلم على أموات المسلمين بهذا السلام وليس كل المسلمين أحياء في قبورهم يصلون كما هو الحال مع الأنبياء !

يوسف التازي
13-01-15, 04:57 PM
أقوال السلف في اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية

وحال أكثر أهل الأرض خلط عبادة الله بعبادة غيره . . قال تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [ يوسف 106 ] قال الطبري " وإيمانهم بالله هو قولهم : الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكا في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده ، وبنحو هذا قال أهل التأويل " ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع .
قال قتادة " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك " وقال " الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك " وقال ابن زيد " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه وخالقه ورازقه وهو يشرك به . . . ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك : المشركون كانوا يقولون هذا " ( ) .
• وممن جاء بعدهم كابن قتيبة الذي ذكر الفطرة التي فطر الله الناس عليها ثم قال " فلست واجداً أحداً إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا إن سماه بغير اسمه ، أو عبد شيئا دونه ليقربه منه عند نفسه ، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا ، قال تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ( ) .
وقال العز بن عبد السلام " لا يمكن أن يقال: إنهم [ المشركين ] ، كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله ، لأنهم قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( ) .
وأكد ابن الجوزي أن "ما يقال عن الفلاسفة من جحد الخالق محال فإن أكثر القوم يثبتون الصانع " ( ) .
وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته إن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى واحتج بقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم . . . } ونقل عن إبراهيم الحلبي أن غلاة الروافض أسوأ حالا من المشركين لأنهم اعتقدوا الألوهية في علي ، وأما الذين عبدوا الأصنام فلم يعتقدوا الألوهية فيها وإنما عبدوها تقربا إلى الله تعالى ( ) .
• ومع هذا ظن من لم يعرف الجاهلية أن المشركين ما داموا يعتقدون أن الله هو الخالق وأنه لا خالق مع الله فلن يزالوا موحدين. مع أن الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق وحده هو إيمان فطري وتوحيد ناقص لا يصير به المشركون موحدين وإن اعتقدوا أن الله هو الخالق الرازق وحده . إذ لم يخالف أبو جهل ولا أبو لهب هذه الحقيقة .
فالمشركون يعتقدون أن آلهتهم لا تخلق لأنك لو سألتهم { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } { مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ } فلم يقولوا : أصنامنا هي الخالقة .
ولهذا لم ينفعهم إذ أشركوا بالله أن يجيبوا بأن خالق الكون هو الله ، فان إبليس يعلم أن الله هو الخالق الرازق وحده وهذا بالطبع لا ينفعه.
وكانوا إذا مسهم الضـر في البحـر أو وقعوا في شدة لجأوا إلى الله : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } .
ولكن مشركي زماننا جمعوا بين الشرك والجهل المركب وصاروا بجهلهم أشد جاهلية من مشركي الأمس ، فتروي كتب تراجم الصوفية أنهم إذا مسهم الضر أو أصابهم كرب استغاثوا بغير الله ، قال النبهاني " وكان تجار اليمن يستغيثون بسيدي أبي الغيث الشحري اليمني أحد الأولياء في شدائد البحر ومضايق البر " ( ) . وهذا عين ما كان عليه شرك الجاهليين الأوائل ، قال ابن قتيبة في تفسير { وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ } " ومعنى الدعاء هاهنا الاستغاثة ، ومنه دعاء الجاهلية ، وهو قولهم : يا آل فلان ، وإنما هو استغاثتهم " ( ) .
فكيف تعجب اليوم إذا قال قائل إن مشركي اليوم مع قولهم لا اله إلا الله أكثر شركا من مشركي الأمس ؟! فان لا اله إلا الله : كلمة الإخلاص ولا بد أن يوافقها عمل الإخلاص ولا ينفع مع عمل الشرك كلمة الإخلاص .
فالأحباش يقولون " من قال لا اله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء جالس على العرش فلا تنفعه وإن كان يقول لا اله إلا الله لأن الشهادة تنفع صاحبها إن كان يعتقد معناها : أما كثير من الناس اليوم تسمعهم يأتون بالشهادتين بألسنتهم لفظا وفي قلوبهم ما فيها من الاعتقادات الفاسدة " ( ) .
ونحن نقول ما يقوله الأحباش أن من كانت عقيدته قبورية فهو مخالف لأبي جهل بلفظ الشهادتين موافق له في عقيدته الفاسدة من حيث التعلق بالصالحين والتبرك بصورهم وقبورهم ، فلماذا يجوز لكم أن تخرجوا الموحد مع أنه يشهد أنه لا اله إلا الله ولا يحق لنا نحن ؟!
ولقد أخبر رسولنا  أن أقواما من هذه الأمة سيلحقون بالمشركين فقال  " لا تقوم الساعة حتى يلتحق أقوام من أمتي بالمشركين ويعبدون الأوثان " ( ) . وقال " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة " وذو الخلصة صنم لدوس في جنوب جزيرة العرب كانوا يعبدونه في الجاهلية .
فهذان الحديثان رد على من يحتجون بحديث " وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي " والذي هو خاص بالصحابة ، أو يقال : إن النبي  لا يخاف أن يطبقوا على الشرك لأن الأمة لا تجمع على ضلالة ، وهذا ما يقتضيه الجمع بين الأحاديث .





الحبشي يجيز الاستعاذة بغير الله


والحبشي لا يجيز فقط الاستغاثة برسول الله  فحسب ، ولكنه يجيز الاستعاذة به ، وهذا شرك باتفاق العلماء ، فقد ذكر البيهقي أنه لا يجوز أن يستعاذ بمخلوق من مخلوق ( ) ، واحتج بقوله تعالى { فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } واحتج الحافظ برواية عن النبي  " وإذا استعذت فاستعذ بالله " ( ) .
قال الحبشي " وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً ولو قال قائل يا رسول الله المدد فهو عندهم صار كافرا " واستدل بحديث الحارث بن حسان " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد " ( ) .
وإذا كان نبينا  لم يقر قول من قال " ما شاء الله وشئت " فقال له: أجعلتني لله ندا " وقال للمسيء خطبته "بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله " ونهى عن الحلف بغير الله فكيف يرضى أن يكون شريكا مع الله فيما خص به نفسه { فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } .
إن هذا شرك يخالف إجماع المسلمين ويتعارض وقوله تعالى { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ } [ فصلت 36 ] روى البخاري قول شيخه نعيم بن حماد: لا يستعاذ بمخلوق " ( ) واحتج أحمد بحديث خولة بنت حكيم أن رسول الله  قال " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق : لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك " ( ) . قال الخطابي " كان أحمد يحتج بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات " بأن النبي لا يستعيـذ بمخلوق " ( ) . وأكده المرداوي الحنبلي في الإنصاف (2/ 456).
قال ابن خزيمة في التوحيد ( 1 / 401) " فهل سمعتم عالماً يجيز أن يقول الداعي : أعوذ بالكعبة من شر ما خلق ؟ هذا لا يقوله مسلم يعرف دين الله ، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه " ؟

الكلام على سند هذا الحديث
ثانياً : هذا الحديث جاء من روايتين : زيد بن الحباب وعفان ، غير أن زيادة (ورسوله) زائدة من رواية زيد بن الحباب تفرد بها عن عفان عن عاصم بن أبي النجود وهو صدوق كثير الخطأ كما قاله أحمد ( ) وإنما وثقوا رواية عفان. وبذلك لا تصح زيادة (ورسوله) لأن عفان رواه بدون هذه الزيادة وهو أوثق من زيد .
تنبيه مهم :
قد حسن شيخنا الألباني رواية الترمذي (سلسلة الضعيفة 3/373) وهي من طريق سفيان بن عيينة وليس من طريق عفان بن مسلم ومحمد بن مخلد الحضرمي. وطريق سفيان ليس فيها زيادة (ورسول الله) حسب رواية الترمذي (رقم 3273) فليُتنبه لذلك حتى لا يحتج بتحسين الألباني، ثم إن رواية أحمد عن عفان جاءت بدون زيادة (ورسول الله) وإنما الزيادة من طريق زيد بن الحباب ، قال الحافظ في التقريب (صدوق يخطئ في حديث الثوري) فرواية (أعوذ بالله) رواها حافظان ثقتان : عفان بن مسلم وسفيان بن عيينة . ورواية (أعوذ بالله ورسوله) جاءت من طريق محمد بن مخلد الحضرمي ، قال ابن أبى حاتم الرازي " سألت أبي عنه فقال " لا أعرفه " (الجرح والتعديل رقم 398) وقال الحافظ: ضعفه أبو الفتح الأزدي (لسان الميزان5/423 ميزان الاعتدال8150).
فظهر أن رواية الإمامين : عفان وسفيان (أعوذ بالله) هي المحفوظة . وأما رواية (ورسوله) منكرة أو شاذة والله أعلم .
ثالثاً : لو جازت الاستعاذة بغير الله لجاز الحلف بغيره .
رابعاً : أن مَن عَلم معنى الاستعاذة لا يمكن أن يقول بجوازها لغير الله. فإن معناها كما فسرها الشيخ مصطفى نجا: أعتصم وأتحصن وألتجئ إلى الله تعالى وألصق نفسي برحمته وفضله وكرمه( ). ولهذا قال الشعراني " ولو أن أحدا من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمَرَنا الله أن نستعيذ بمحمد  أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر، ولكن علم الله عجز الخلق عن رد كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل"( ). فهل يجيز عاقل موحد الاستعاذة بغير الله لمجرد رواية ضعيفة يحتج بها من يحرمون عادة الاستدلال بغير المتواتر في مسائل العقيدة ؟

المستعيذ بغير الله موافق لمشركي العرب

فالحبشي قد وافقت عقيدته مشركي العرب إذ كانوا يستعيذون بسادة الجن من أذى قومهم { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [الجن 6] . قال مجاهد " كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً : نعوذ بعظيم هذا الوادي " .
فهل يجوز التعوذ بالإنس بينما يحرم التعوذ بالجن ؟
وهل يقول عاقل : يجوز لي أن أقول أعوذ برسول الله من النار. أعوذ برسول الله من شر ما خلق الله. أعوذ برسول الله من الجنة والناس أعوذ برسول الله من الضلالة ؟

هذا هو توحيد الحبشي !!!

هذا هو التوحيد الذي يدعوك إليه الحبشي : عِلم كلام واستغاثة واستعاذة بغير الله وتأويل للصفات ، يسميه "علم التوحيد" أو " علم الدين الضروري " ! هكذا يدس لك السم في الدسم
• ألم يذكر في كتابه (الدليل القويم 229) دعاء المكروب وفيه قول علي بن أبي طالب " لقنني رسول الله  هؤلاء الكلمات وأمرني إذا أصابني كرب أو شدة أن أقولهن : لا اله إلا الله الحليم الكريم سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم "( ). فلم يأمره إذا أصابه كرب ان يسأل غير الله أو يستغيث بأصحاب القبور وانما علمه اللجوء إلى الله وحده .
ألم يعترف بأن قول القائل (أغثني يا رسول الله) (أغثني يا رفاعي يا بدوي يا جيلاني) أمر غير مشروع ( ) فلماذا يدافع عنه في مواقف أخرى ويهاجم منكري الاستغاثة بغير الله ؟
لماذا يوجه المكروبين إلى القبور ؟ أيريد إكمال دور الفاطميين الذين ملأوا مساجدنا بالقبور والأضرحة والمزارات والعتبات ؟





كلمة حول الحلف بغير الله

وبمناسبة الكلام على الحلف بغير الله فالأحباش لا يرضونا اعتبار الحلف بغير الله شركا. قالوا " كان أحمد يعتبر من حلف برسول الله فحنث أن عليه كفارة كما أن الذي حلف بالله ثم حنث فعليه كفارة . ابن تيمية يجعل الحلف بغير الله شركا مطلقا. . . هذا مع أن المعروف في مذهب الإمام أحمد حرام " (منار الهدى 41/ 44) .
وقد كتموا وجود روايتين عن أحمد لا واحدة. فإنه في إحدى الروايتين عنه أنه تنعقد به اليمين .
ولماذا التركيز على إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم انعقاد اليمين هو قول الجمهور ؟ أهو رغبة في التشويش أم ميلا مع الهوى وعدم إعطاء الحق أولوية!
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " ( ) . أنتم تتمسكون في أن لفظ ( لا ينبغي ) لا يفيد التحريم . فماذا تقولون في لفظ ( ينهاكم ) ؟
والحلف بغير الله كأن يقول : والله وحياتك ( ) .
قال أبو حنيفة " لا يحلف إلا بالتوحيد متجرداً بالتوحيد والإخلاص " ( ) .
وقال ابن نجيم الحنفي " ويُخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك " ( ) "قال ابن مسعود " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلىّ من أن أحلف بغيره صادقا " ( ) . ومعنى هذا أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق . وأن سيئة الشرك أعظم وأقبح من سيئة الكذب .
قال !الحافظ " قال العلماء : السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه ، والعظمة في الحقيقة إثما هي لله وحده " .
وإن من قواعد العقيدة الإسلامية سد كل باب يوصل إلى الشرك أو ينقص كمال التوحيد ، ولهذا جاء النهي عن كل فعل أو قول يوقع في الشرك الأكبر أو الأصغر وإن لم يقصد صاحبه ذلك. وجاء النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وصوم يوم السبت .
والسؤال : هل الحلف بالله شرك أم لا ؟ هل الشرك مكروه أم محرم ؟ هل الكذب مكروه ؟ أيهما أعظم : الشرك أم الكذب ؟
قال تعالى { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } [!لأنعام 151].
وكيف يكون الحلف بغير الله مكروها وقد قال رسول الله  " من حلف بغير الله فقد كفر" " فقد أشرك". قال الحافظ " تمسك به من قال بتحريم ذلك " ( )
فليس هناك شرك أو كفر مكروه فعله. بل الكفر والشرك محرم سواء كان شركا أصغر أم أكبر. مع أن الاعتقاد أن الحلف بغير الله شركا أصغر كما نص عليه ابن القيم ( ) .
وقد أثبت البخاري أن الحلف بغير الله كفر دون كفر. وأما الترمذي فلم ينكر الترمذي أنه شرك و قرن الحلف بالرياء مع أنه ترجم له بالكراهة كقوله تعالى { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } .
وليس من الإنصاف ترك ألفاظ الرسول  والتمسك بألفاظ غيره .
وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الحلف بغير الله .
وأما قول النبي  " أفلح وأبيه " فقد أجاب عنها جمع من العلماء منهم النووي :
فقد ذهب الحافظ ابن عبد البر إلى أن هذه اللفظة منسوخة لنهي الرسول  عن الحلف بغير الله . وهذا الذي ذهب إليه الماوردي وحكاه البيهقي وقال السكبى : أكثر الشراح عليه وهو الذي قاله الطحاوي (انظر فتح الباري 11 / 534) .
وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى وهو الحلف بالمخلوقات ، وقد قال رسول الله  " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهل هذا أمر استحباب أم أمر وجوب ؟ فان قيل : ( استحباب ) قلنا: كيف يقول ( ليصمت) ثم هو يحلف بغير الله ؟ فلا يبقى إلا ما قاله النووي أن هذا ما كانت تستعمله العرب كقول النبي ( ثكلتك أمك ) .

مسألة التميمة

أما التميمة فقد جاءت الأحاديث الكثيرة بتحريم التمائم عموما بلا استثناء والوعيد لمن فعل ذلك. فعن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله  يقول " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " ( ) .
وقال أيضا " من علق تميمة فقد أشرك" ( ) .
وقال " من تعلق تميمة فلا أتم الله له " ( ) .
وأما إذا كان المعلق من القران والأدعية والأذكار الصحيحة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال :
الأول : جواز ذلك . قالوا : إن التعليق الجائز هو ما كان بعد نزول البلاء ، أما قبل نزوله فلا يجوز . قال بهذا عائشة " ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء " وفي رواية " التمائم ما علق قبل نزول البلاء وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة " ( ) .
وقال مالك " أرى ذلك من العين " ( ) .
الثاني : جواز تعليق التمائم مطلقاً إذا كان كانت بكلام الله وهو رواية ثانية عن مالك .
الثالث : المنع مطلقا واليه ذهب ابن مسعود وابن عباس وحذيفة وعقبة بن عامر وعبد الله بن عكيم وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ورواية لأحمد .
أدلتهم : عموم النهي الوارد من غير استثناء . قالوا : ولو كان تعليق التمائم مشروعا لاستثناه النبي  كما استثنى الرقية حين قال " اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً " ( ) .
فرخص فيما لم يكن فيه شرك ، ولم يرد مثل هذا التفصيل في التمائم.
وحتى استثناء الرقى فإنه جاء مقروناً بعرضها ومتابعتها لاحتمال تلبيسها بالباطل من قبل الزائغين الذين يستدرجون العوام إلى الشرك .





موقفه من حديث
" إذا سألت فاسأل الله "

قال الحبشي " فإن قيل : أليس في حديث ابن عباس " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " ما يدل على عدم جواز التوسل بغير الله ؟ قال : فالجواب أن الحديث لا يعني تحريم سؤال غير الله والاستعانة ( ) بغير الله ، وإنما يفيد أن الأولى أن يسأل الله ويستعان الله .
قال: وهذا نظير قوله  " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " فكما لا يفهم من هذا الحديث عدم جواز صحبة غير المؤمن وعدم إطعام غير التقي وإنما يفهم منه إن الأولى بالصحبة المؤمن وبالإطعام التقي فكذلك يفهم من حديث ابن عباس ، الأولوية .
كما أن رسول الله  لم يقل : لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله ، أليس هناك فرق بين أن يقال لا تسأل غير الله وبين أن يقال إذا سألت فاسأل الله " ( ) انتهى.
و الجواب :
إن لم يقله محمد  فقد قاله رب محمد { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] وفهم السلف أن " اسأل الله " تعني عدم سؤال غيره ولهذا لم يثبت بسند صحيح أنهم كانوا يسألون غير الله ، وإنما ثبت العكس بالسند الصحيح ، قال سالم بن عبد الله " لا تسأل أحداً غير الله " ( ) .
بل قاله محمد  " من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له الجنة " ( ) . فإذا كان رسول الله  يكره أن يسأل الحي حيا مثله - وهذا ليس محرماً - فأين شرع أن يسأل الحي ميتاً ؟!
فأنتم شر ممن يسأل الأحياء يشحذ منهم لأنكم تتسولون من الأموات !
• قال نبينا  ما لا تهواه نفسك الأمّـارة بالشرك " من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار " ( ) .
• أن الأمر يفيد الوجوب ما لم يصرفه عنه صارف ، ولذلك نص الحافظ ابن رجب على أن قوله  " إذا سألتَ فاسأل الله " منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قال : لأن الدعاء هو العبادة ، وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر 60 ] ( ).
وسبق احتجاج السبكي في فتاويه (1/13) بالآية على عدم جواز الاستعانة بغير الله . وإذا كان كذلك فهذه أكبر قرينة على التحريم .
• وما زعمه الحبشي أن قول النبي  " إذا سألت فاسأل الله " ليس معناه : لا تسأل غير الله . وإنما معناه الأفضل أن لا تسأل غير الله . إنما هو تحريف واضح .
فإذا كان الأمر كما يقول : فقد ضاع المراد من الكلام. إذ ما قيمة الكلام إن كان المعنى ( إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره ) فقد كان الأولى بالرسول  حينئذ أن يقول : إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره . وإنما يكون للكلام معنى إذا فهم منه تخصيص الله بالسؤال دون غيره .
• أن قوله تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] يؤكد أن قوله " إذا سألت فاسأل الله " يفيد وجوب سؤال الله وحده فيما لا يقدر عليه غيره ، وليس مجرد الكراهة . لأن الدعاء عند الرسول عبادة ، ولأن سؤال الله وحده حق وسؤال غيره باطل كما قال تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } [الحج 62] فهذا الباطل محرم وليس مكروهاً فقط . قال تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } والله أمر الرسول  أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } .
وقال { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } لماذا { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فتأمل الآية : كيف نهى الله عن دعاء غيره لأنه لا إله إلا هو. فمن في دعا غيره وخالف أول الآية { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } فقد نقض آخرها { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فهل هذا النقض مكروه أم محرم ؟
• ولنضرب لذلك مثالا يوضح مخالفة هؤلاء للشرع والعقل: أنت تعلم أن زيدا غني يملك أموالاً كثيرة وقد عرض عليك إذا احتجت شيئا أن تأتيه ليعطيك ما تريد فقال لك : سلني ما شئت من مال فإني أعطيك. لكنك مع حاجتك للمال وعلمك بأن زيدا يملكه لم تذهب إليه. بل ذهبت إلى عمرو وهو رجل فقير لا يملك مالا، فقلت له أعطني مالا يا عمرو فقال لك : إذا سألت فاسأل زيدا فإني لا أملك لك مما عند زيد شيئا. فامتنعت من الذهاب إلى زيد وأصررت على الأخذ من عمرو ما ليس عنده ، فكم تكون غبيا معاندا إذا أصررت على أن تسأل عمروا ما ليس عنده باعترافه ، أو تصر عليه أن يطلب لك مالا من زيد وقد قال لك زيد وعمرو : عليك أن تسأل زيدا فقط ؟

( فائــدة )
• وقد بايع النبي  جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا قط منهم أبو بكر وأبو ذر وثوبان ، فكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فينزل عن دابته ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه. وهذا لا يستطيعه كل واحد، لذا أسر النبي به إلى بعضهم بخلاف قوله " إذا سألت فاسأل الله " فإنه لم يسره فهو بذلك عام وملزم للجميع .
• وإذا كان " من لم يسأل الله يغضب عليه " ( ) فكيف بمن يسأل غيره ويبتهل إلى الأموات ويلح عليهم بالدعاء ؟ هل يعرف مثل هذا طعم التوحيد ؟! فهذه مبادئ التوحيد عند الحبشي ، يزعمون أن عندهم علم التوحيد الضروري ، فإذا جاءهم من يطلب التوحيد : علموه الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وطلب المدد من أصحاب الأضرحة . هكذا يضعون السم في الدسم .
أتدعون قبرا وتذرون أحسن الخالقين !
أتستبدلون الذي هو أدنى (القبر) بالذي هو خير ( الله ) ؟
واعجب ممن خرج من القبر كيف يطيب نفساً بالرجوع إليه !

من أسباب زيارة القبور الدعاء لأهلها
ولقد علمنا رسول الله  أن نزور القبور لندعو لأصحابها بالرحمة والمغفرة لا لنطلب منهم . ولم يشرع لنا دعاء الأموات لحصول المنفعة منهم. بل قد وعد هو أن يشفع لمن يدعو الله له ، ولم يَعِدْ بإجابة من يسأله بعد موته .
وحدّد أسباب زيارة القبور بسببين :
 للدعاء للأموات .
 لتذكر الآخرة .
أما ثالثتكم من تبرك واستغاثة وطلب للترياق عند الأضرحة بما تسمونه " ترياقاً مجرباً " فهو  بريء من ذلك .

المخالفون للطحاوي

• قال الطحاوي " وفي دعاء الأحياء منفعة للأموات ". ثم قال بعدها مباشرة " والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ( ) .
فنبه إلى أن أصحاب القبور ينتظرون من الأحياء الدعاء لهم وأن على الأحياء أن يتوجهوا إلى الله وحده في قضاء حوائجهم. لكن الأمر انقلب اليوم ، فقلب أهل الزيغ عبارة الطحاوي حتى صارت هكذا " وفي دعاء الأموات منفعة للأحياء " فصار دعاء الأموات منفعة للأحياء ، وصار الحي يذهب إلى الميت ليطلب منه الدعاء لا ليدعو له .
فما أبعد الحبشي عن هدي نبينا  وعن قول الطحاوي الذي شرح عقيدته على منهج جهم بن صفوان ، ولم يستفد من كلامه ، حتى قلب قوله فصار في طلب الدعاء من الأموات منفعة للأحياء ، وكأن غير الله أقرب إليهم وأسرع إجابة وأعظم رحمة !
إن دعاء المؤمن لأخيه وقضاء حاجته هو إيمان وعمل صالح ، فهل يقول الملك للولي في القبر : آمين ولك بمثل ما دعوت لأخيك ؟ وهل يكتب للميت عمل صالح لقضائه حاجة الحي مع أن العمل ينقطع بالموت ؟

منكرو العلو يستبدلون السماء بالأرض
لقد صرف الله قلوب الذين أنكروا علوه في السماء إلى أسفل سافلين ، فتوجهوا بالدعاء إلى أعماق الأرض حيث الموتى . وصارت آمالهم متعلقة هناك بعدما انتكست فِطَرُهُم فصرفهم الله عن التوجه إليه { صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون } [ التوبة 127] . يدعون الأموات : ويدعون الحي الذي لا يموت !!!
الصد عن سؤال الله والحض على دعاء غيره

لما دعوا غير الله أعرضوا عن دعاء الله وحده ، بل جعلوا من علامات الصوفي الحقيقي " أن لا يكون له إلى الله حاجة " " وأن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ به من النار " ( ) . وجعلوا سؤال الله أقل المنازل ، وترْك سؤاله أعظمها ، فزعم القشيري أن " ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء ، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك" وزعم أن عبد الله بن المبارك قال " ما دعوت الله منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد " ( ) .
واعتبروا ترك دعاء الله من تمام الرضا بالله - ولم يعتبروا الصلاة كذلك مع أنها دعاء - فقال قائلهم " الرضا أنه لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضياً " وقال رويم " الرضا أن لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره " .
وزعم شيخهم أحمد الرفاعي أنه " لما وضع المنشار على رأس زكريا عليه السلام أراد أن يستغيث الله فعاتبه الله وقال " ألا ترضى بحكمي ؟ فسكت حتى قطع نصفين " ( ) . وزعم آخر أن إبراهيم قال حين ألقي في النار " علمه بحالي يغنيه عن سؤالي ". بمثل هذه الأكاذيب صرفوا الناس عن دعاء الله : وإذا دعي الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا دعي الذين من دونه إذا هم يستبشرون ( ) !



النقشبنديون يستغيثون بالكلاب والحرباء
بئس للظالمين بدلا

فصرفهم عن دعائه ووجههم إلى الحيوانات ليستغيثوا بها .
وقد ذكروا عن شيخ الطريقة النقشبندية بهاء الدين نقشبند أن شيخه علمه أن يطلب المدد من كلاب الحضرة النقشبنيدة ويخدمهم بإخلاص وأنه اجتمع مرة بكلب وحرباء ، فحل له من لقائهما بكاء عظيم وسمع لهما تأوهاً وحنيناً فاستلقى كلٌ منهما على ظهره ورفع الكلب قوائمه الأربع إلى السماء وأخذ يدعو الله ، وكذلك فعلت الحرباء ، والشيخ واقفٌ يبكي وهو يقول آمين ، يؤمن على دعاء الكب والحرباء ( ) .
فأي درك وصل إليه هؤلاء أن يستغيثوا بالكلاب والحرباء ويوصيهم مشايخهم بطلب المدد من كلاب الحضرة الصوفية ! وتأمله وهو يقول : مدد يا سيدي كلب!
ما هذه العقيدة : أموات قائمون في قبورهم على نفس كل مريد بما كسبت ، وكلاب وحرباء : الله خير أما يشركون ؟ !
وماذا لو عرضت هذه الخزعبلات على هندوسي يريد اعتناق الإسلام ثم هو يرى هؤلاء يطلبون المدد من الكلاب كما يطلب الهندوس المدد من البقر : هل يعتنق الإسلام ؟!

الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

كيف يكيل الأشاعرة بمكيالين
تناقض الأحباش في تخريج هذه الرواية .
شبهات أخرى حول الاستغاثة بغير الله .
ماذا بعد الاستغاثة بالنبي 
كيف نفهم التوحيد







الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

واحتجوا بأن ابن عمر خدرت رجله فقيل له " أذكر أحب الناس إليك ، فقال " يا محمد " وزعم نبيل الشريف أن بعض المحرفين حذفوا ياء النداء من كتاب الأدب المفرد ( ) . وهو مطالب بإثبات المخطوطة التي تثبت يا النداء من الكتاب المذكور.
وقد ذكر الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت الرواية وضبطها بدون ياء النداء وهذا الموافق لرواية سفيان ، وطبع كتابه بدار نشر حبشية، ولكن بتحقيق شيخ حبشي اسمه أسامة السيد اضطر إلى التعقيب على ذلك ( ) .
على أنني رجعت إلى النسخ المطبوعة والمحققة لكتاب " الأدب المفرد" وأهمها نسخة " فضل الله الصمد " التي قورنت بمخطوطات عديدة ولم يجد المحقق لفظ النداء ، وحتى وجودها في بعض النسخ دون الأخرى يبطل الاحتجاج بها لاحتمال عدم ورودها في الأصل . وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فلا سندها مقطوع بصحته ولا ثبوت لفظ (يا) مقطوع بصحته .
فهاهنا إشكالات حول أصل مصداقية الرواية لا يجوز تجاوزها ، عليكم الإجابة عنها : فان تجاوزتموها وقعتم في مشاكل أخرى :
1) التحقق من النسخة المخطوطة .
2) صحة السند إلى ابن عمر. وأن يكون متواترا بحسب الاشتراط الأشعري لقبول الرواية في العقائد .
3) أن هناك روايتين متضادتين إحداهما متضمنة لياء النداء والأخرى لا تتضمنها فيجب الترجيح بين الروايتين قبل المسارعة إلى الاحتجاج بواحدة منهما.
4) مخالفة هذه الرواية للقرآن { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وللسنة " إذا سألت فاسأل الله ". بل ولقول الصحابة قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب " لا تسأل أحدا غير الله " ( ) .
وقول الصحابي وفعله يجب أن يكون مقيدا بموافقة قول الله ورسوله  فإن خالفت هذين الأصلين وجب تركها ، وقد قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق " أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ". فلا نترك كتاب الله وسنة رسوله وفعل جمهور الصحابة لفعل فرد منهم ، هذا إذا ثبت ذلك عنه بسند صحيح .
5) هب أن ( يا ) دعاء لغير الله فماذا قال رب ابن عمر ورسول ابن عمر وابن عبد الله بن عمر ؟
لقد قال تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } . وقال النبي  لابن عمر " إذا سألت فاسأل الله " وقال " الدعاء هو العبادة " وهذه الآيات والأحاديث أصح سندا من رواية ابن عمر.
ولا يترك قول الله ورسوله لقول ابن عمر إلا متحيز عديم الإنصاف مفضل لكلام غير الله ورسوله على كلام الله ورسوله.
ومثل هذه الرواية إن صحت يجعلها الله فتنة للذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ولا ليهديهم سبيلا .
6) مخالفة الرواية لعمل جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل به  بعد موته وتوسلوا بعمه ، حيث أصيب المسلمون في عهده بالقحط والجدب ، فلو جاز الاستغاثة بالنبي لمجرد خدر الرجل فالاستغاثة به عند وقوع المجاعة أولى ، ولو كانت الاستغاثة عند الصحابة جائزة لأجازوا التوسل به  . غير أن الثابت عند البخاري أنهم تركوا التوسل به بعد موته. ثبت ذلك بأدلة أصح إسنادا من الأسانيد المشكلة التي تتمسكون بها وأوضح متونا منها.
فكيف يترك الصحابة التوسل ويجيزون الاستغاثة ؟ وكيف تكون الاستغاثة به بعد موته جائزة عندهم وهم لم يجيزوا لأنفسهم التوسل به بعد موته وهو دون الاستغاثة !
7) أن ابن عمر أصيب بالعمى ولم يعرف عنه أنه استغاث بالنبي  فكيف يستغيث بالنبي لمجرد خدر الرجل ولا يستغيث به لما هو أعظم من خدر الرجل وهو ذهاب البصر، لو كانت الاستغاثة به جائزة لفعل .

تذكر المحبوب عند خدر الرجل
8) أن الرجل قال لابن عمر " أذكر أحب الناس إليك " فأمره بتذكره ولم يقل له : استغث بأحب الناس إليك . فقال " محمد " أو " يا محمد " أي يا محمد أنت أحب الناس إليَّ ، فكانت إجابة ابن عمر مطابقة لسؤال من أمره بتذكر أحب الناس إليه . وأما أن تكون استغاثة فجواب ابن عمر يكون غير مطابق لمن سأله أن يذكره ولم يسأله أن يدعوه مع الله .
ومن هذا الباب أوردها البخاري وابن تيمية وابن السني على فرض ثبوت لفظ النداء ، فلم يبن النووي ولا ابن علان ولا البخاري على رواية ابن عمر جواز الاستغاثة بغير الله ، وإنما كان شرح ابن علان للرواية دليلاً على بطلان تمويهاتكم كما سيأتي .

كيف فهم أهل العلم هذه الرواية

فذكر الحبيب عند الخدر كان أمراً شائعاً عند العرب ، وجاءت أشعارهم بهذه العادة الشائعة في استعمال ياء النداء عند تذكر الحبيب ، ويطلب به استحضار المنادى في القلب ، يستشفون بذكر الحبيب لإذهاب خدر الرجل ، فيقال لمن خدرت رجله تذكر أحب الناس إليك فيذكر اسمه لا على سبيل الاستغاثة به وإنما كما قال ابن علان "من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه من الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر ( ) .
وروى ابن السني قول الوليد بن عبد الملك في حبابة :
أثيبى مُغرماً كلفاً محباً إذا خدرت له رجل دعاك ( )
وقول جميل لبثينة :
وأنت لعيني قرة حين نلتقي
وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي
وقول الموصلي :
والله ما خدرت رجلي وما عثرت
إلا ذكرتك حتى يذهب الخَدَرُ
وقال أبو العتاهية :
وتخدر في بعض الأحايين رجله
فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر
وقول آخر:
صبّ محبّ إذا ما رِجلُهُ خدرَت
نادىَ كُبَيْشَةَ حتى يذهب الخدر
وقالت امرأة :
إذا خدرت رجلي دعوت ابنَ مُصعب
فإن قلت : عبد الله أجلى فتورها
فإن كان هذا العمل صحيحاً فقد صححتم الجاهلية وزعمتم أن كل مشرك استغاث بحبيبته أغاثه حبيبه وان الله يرضى لجميل استغاثته ببثينة ، وهذا قمة الجهل المركب .

هل ( يا محمد ) لمجرد النداء ؟


أما زعمهم أننا نكفر المسلم الموحد لقوله ( يا محمد ) لمجرد النداء. فان الأنبياء كانوا ينهون عن دعاء غير الله كقول إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } وقصدهم الدعاء الديني الذي يدعى فيه غير الله لكشف ضر أو جلب نفع بدعوى التقرب بالولي إلى الله . ونحن إذ نتكلم عن الدعاء فإنما نعني به هذا ، لا مجرد دعاء الزوجة بإحضار الطعام ! فسحقا لمن يعتمد التمويه والتلبيس ليضل الناس بغير علم.
ونحن نشهد أن استعمال (يا) لمجرد النداء لا شرك فيه، وهو شبيه بقول المصلي " السلام عليك أيها النبي " أو للندبة كقول فاطمة رضي الله عنها لما مات رسول الله  : يا أبتاه : أجاب ربا دعاه، يا أبتاه : جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . وقول أبي بكر له لما مات: بأبي أنت وأمي "يا" رسول الله . وكقول رسول الله  إذا سافر فأقبل الليل : يا أرض ربي وربك الله " .
فأنتم تعلمون أن النزاع معكم ليس في هذا ، وإنما في النداء المتضمن طلب دفع الكرب وقضاء الحوائج ، وهو الذي ننكره عليكم ، أما أن يكون كل نداء لمجرد النداء محرم وكفر عندنا : فان الله استعمل ( يا ) المنادى في حق محمد  لمجرد النداء ، فإنه يقول له حين يسجد تحت العرش " يا محمد ارفع رأسك . . . " فهذا نداء لا نحرمه . ولا نحرم أن يقول القائل ( يا محمد صلى الله عليك ) وإنما نحرم نداء قضاء الحوائج وكشف الضر.
ياؤكم ليست لمجرد النداء
ولكن : هل حقا (ياؤكم) لمجرد النداء أم لحاجة ، تريدون من غير الله قضاءها ، وضر تريدون كشفه، ومدد تريدون مدكم به كقولكم : المدد يا رفاعي شيء لله يا جيلاني اقضً حاجتي ، لا تردنا خائبين ، نشكوا إليك حالنا تعطف تكرم تلطف تحنن !
ونداء غير الله لدفع مضرة أو جلب منفعة فيما لا يقدر عليه الغير دعاء ، والدعاء عبادة ، وعبادة غير الله شرك يؤدي إلى سخط الله ، قد شهد بذلك شيخكم الرفاعي حين ذكر في كتاب " حالة أهل الحقيقة مع الله ص 92 " أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال : أتستغيث بغيري وأنا الغياث " ؟ فلماذا يغضب الرب ؟ أليس لأن الاستغاثة بغيره شرك به .

تغيير الصحابة ( أيها النبي)
في التشهد بعد موته إلى (النبي)

وحتى مجرد النداء الذي ليس فيه استغاثة بالنبي  قد تركه العديد من الصحابة، فقد ذكر ابن مسعود صيغة التشهد " السلام عليك أيها النبي... " ثم قال (وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض قلنا: السلام . يعنى: على النبي  " (البخاري رقم 6265). وهم لا يغيرون شيئا علمهم  إياه كما كان يعلمهم الصلاة إلا بتعليم منه  .
قال الحافظ ابن حجر " وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون ( السلام عليك أيها النبي " بكاف الخطاب في حياة النبي  فلما مات النبي تركوا الخطاب وذكروه بلفظ الغيبة فصاروا يقولون ( السلام على النبي ) ( ) . قال " وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ " فلما قبض قلنا السلام على النبي " بحذف لفظ (يعني) .
قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده " إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي  غير واجب فيقال : السلام على النبي " فتعقب ابن حجر السبكى فقال " قد صح بلا ريب. وقد وجدت له متابعا قويا: قال عبد الرزاق " أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي  حي " السلام عليك أيها النبي. فلما مات قالوا: السلام على النبي " ( الفتح 2/ 314 ) كتاب الآذان : باب التشهد في الآخرة .
وقد حكى الزبيدي هذه العبارة عن الحافظ ابن حجر كاملة كما في إتحافه (3/ 161) فخذوه حيث حافظ عليه نص.
فهلا أجبتمونا عن سبب تركهم التوسل به بعد موته وتغيير صيغة السلام عليه ؟ . إن هذا يؤكد تقيد الصحابة في الألفاظ : فإذا كانوا تركوا لفظ الخطاب وهو دعاء له  . فكيف يتلفظون بخطاب فيه دعاء إليه مع الله ؟ هذا مع عدم التسليم بأن السلام عليه دليل على الاستغاثة به ، فإنه كان يسلم على أموات المسلمين بهذا السلام وليس كل المسلمين أحياء في قبورهم يصلون كما هو الحال مع الأنبياء !

يوسف التازي
13-01-15, 04:58 PM
هل ثبتت يا النداء في كلم ابن تيمية ؟

أما عن ورود لفظ النداء (يا محمد) في كتاب الكلم الطيب لابن تيمية ، فقد صرح الألباني بأنه آثر إيرادها حرصا على الأمانة العلمية لأنه وجدها في بعض المخطوطات دون البعض الآخر، فطرأ الشك في صحة نسبتها إلى مؤلفها، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .
فالرواية رواية سفيان ، وهي التي لم تتضمن لفظ النداء أصلا. وقد استغل الذين في قلوبهم زيغ هذا المحتمل المتشابه فتجاهلوا ما صرح به الألباني من أنه وجد لفظ النداء مثبتا في بعض المخطوطات دون بعض .
• أما إلزامنا بتكفير ابن تيمية على فرض صحة إثبات ( يا ) النداء ، فليست الياء للاستغاثة بل لذكر المحبوب ، ثم على افتراض زلة ههنا فكتبه مملوءة في النهي عن الاستغاثة بغير الله مما يؤكد أنه لم يفهم من ( يا ) النداء بمعنى الاستغاثة .
ثم منذ متى يُكفّر من يروي المناكير والغرائب ؟ هذه كتب السنن تحوي الروايات الموضوعة المخالفة لأصول العقائد كحديث " إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد " (رواه أحمد في السنة 1/301 والخطيب في تاريخه 1/295 ) . فقد تتضمن كتب المحدثين روايات لا تمثل بالضرورة موافقتهم لها، فهذا مسند أحمد نجد فيه يروي في مسنده رواية تجيز الاستعاذة بغير الله وهي قول حسان البكري " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد " غير أن البخاري والخطابي رويا عنه ما يخالف ما تضمنه مسنده قال الخطابي " كان أحمد يحتج لحديث "أعوذ بكلمات الله التامات " بأن النبي لا يستعيذ بمخلوق " ( ) . ولو كان كل من يروي شيئاً من ذلك كافراً لحكمنا بكفر أحمد والبيهقي وغالب المحدثين .
ثم نحن لا نكفر كل من زلت قدمه ، فقد يقول المؤمن كفراً ولا يكفر به ، فإن نسبة الاستيلاء إلى الله عندنا كفر ولكننا مع ذلك لم نكفركم لأننا نعتقد أنكم تجهلون حقيقة ما تؤول إليه هذه الكلمة في حق الله ، ونكل الباقي إلى الله الذي له الأمر من قبل ومن بعد . ومن زيغكم وتحيزكم وجدلكم أنكم تتحاشون حقيقة أن ابن تيمية من أبرز من قاوم المستغيثين بغير الله وردهم وأفحمهم وقد كتب في ذلك كتابا بعنوان " الاستغاثة " حرم فيه الاستغاثة بغير الله .
• ولو أننا نكفر كل من زلت قدمه لسارعنا إلى تكفير الغزالي القائل " ليس في الإمكان أفضل مما كان " وتكفير الجويني الذي صرح في البرهان بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات . وكذلك الحليمي كما نقله السبكي عنهما ( ) مما أدى بالإمام المازري إلى الطعن فيه والتشنيع به غاية التشنيع وصرح بأنه سهل على الجويني ركوب هذا المذهب : إدمانه النظر في مذهب أولئك يعني الفلاسفة . ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله تخفى عليه خافية " .
ولحكمنا بكفر القشيري الذي استحسن قول من زعم أن الله يكنس المزابل ( ) . وبكفر ابن فورك الذي استحسن رواية أن الله يقعد النبي ïپ¥ معه على العرش ( ) . وبكفر ابن الخطيب الذي استحسن رواية هذه الرواية ( ) .

تخريج الأحباش رواية ابن عمر

وقد حكم الأحباش على طرق هذه الرواية عند ابن السني " عمل اليوم والليلة" بالضعف بل وبالوضع أي الكذب فقالوا ( ) " ضعيف: ضعفه الألباني في الكلم " ثم قالوا مرتين " أبو إسحاق يدلس وقد عنعنه وقد اختلط " فهاهم يحتجون بتضعيف الألباني للرواية ثم يأتينا منهم من يقول " ومن جملة تذبذبكم أن ضعفتم رواية ابن عمر في خدر الرجل " ( ) .
فشهدوا على أنفسهم بضعف الرواية. وباختلاط السبيعي وتدليسه وأنه عنعن في هذه الرواية. لكن هذه الرواية الواهية توافق هواهم في دعوة الناس إلى الاستغاثة بغير الله ، وهم لا يستطيعون مخالفة الهوى لأن أهل البدع أهل أهواء كما وصفهم السلف بذلك. ولأن اتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة ، ولهذا اشتق لهم اسم مما غلب عليهم وهو الهوى.

زعموا أنه لا يؤخذ بخبر الواحد في العقائد
ولا يحق لهؤلاء أن يحتجوا بأمثال هذه الرواية ولو كانت صحيحة ، لأنهم أشاعرة ، والأشاعرة اشترطوا شرطاً زائداً على مجرد صحة الرواية : وهو أن تكون الرواية متواترة لأنهم لا يقبلون خبر الآحاد في أمور العقائد حتى وإن كان في البخاري !
وهكذا شهدوا بنقض أصل من أصولهم - لطالما ينقضونه - وهو أن لا يحتجوا في العقائد إلا :
ا) ما كان مقطوعاً به من السند .
2) ما كان ثابتا بطريق المتواتر فإن الأخذ بخبر الواحد عند الأشاعرة ممنوع في العقائد . وأنت ترى كثيراً مما يحتجون به في مسائل العقائد هو دون المتواتر بل دون الصحيح .









استعراض طرق الحديث

ولنستعرض لكم الآن سند هذه الرواية عن ابن عمر: أما الروايات عند ابن السني فضعيفة بالاتفاق معهم ( ) .
وبقي الاختلاف حول الرواية التي عند البخاري في الأدب المفرد (964) حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال : خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل : أذكر أحب الناس إليك . فقال: محمد .
وهذه الرواية أصح سنداً من روايات ابن السني وغيره ، وأفادت فوائد :
منها قول ابن عمر : محمد ، بدون حرف النداء . ومنها ؟ أن سفيان من الحفاظ الأثبات ، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ وأما الروايات الأخرى فمردودة .

الرواية عن أبي اسحق السبيعي
تدليسه:
ولكن في الرواية أبو اسحاق السبيعي ، وهو ثقة ولكنه مدلس ، وقد عنعنه عن هذا المجهول ، ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين ( ) وابن حبان والكرابيسى وأبو جعفر الطبري ( ) ، قال شعبة " لم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث " ( ) " يعني أنه كان يدلس . قال " ولم يسمع من أبي وائل إلا حديثين " ( ) . قال العجلي " والباقي إنما هو كتاب أخذه " وعدّ جماعة ممن روى عنهم ولم يأخذ منهم ( ) وذكره ابن الصلاح في مقدمته (ص 353) في المدلسين والحافظ العراقي في التقييد (ص 445) وابن حبان في الثقات ( 5 / 177 ) والحاكم في معرفة علوم الحديث (105) والنسائي (ميزان الاعتدال 1 / 360 ) والعلائي في جامع التحصيل (ص108)

اختلاطه :
ناهيك عن أنه قد اختلط ، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبى شعبة ( أو أبي سعيد ) وتارة عن عبد الرحمن بن سعد . وهذا اضطراب يرد به الحديث. بل رماه الجوزجاني بالتشيع من رؤوس محدثي الكوفة ، وعن معن قال " أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق يعني للتدليس ، وروى عن أناس لم يعرفوا عند أهل العلم إلا ما حكى هو عنهم . فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقف أولى " ( ) .

نفي اختلاط السبيعي مردود

أما نفي الأحباش اختلاط أبي اسحاق السبيعى ( ) واحتجاجهم بنفي الذهبي عنه الاختلاط :
ا) فقد أثبت الحافظ ابن حجر اختلاط أبى إسحاق السبيعي كما في التقريب وبرهان الدين الحلبي في رسالته الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط ( ) .
فخذه أيها الحبشي حيث حافظ عليه نص .
2) وأثبت ابن الكيال اختلاطه في كتابه الذي أسماه " الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقاة " وقد حققه صاحبكم كمال الحوت ولم يعلق على إدراجه في جملة المختلطين ( ) .
3) وأثبت اختلاطه الحافظ ابن الصلاح ، حكاه عنه ابن الكيال .
4) وحكى الجوزجاني أنه واحد ممن لا يحمد الناس مذاهبهم ( ) .
5) أن الرواية التي جاءت من غير يا النداء أصح من هذه التي ورد فيها عدة علل أهمها الجهاله والاضطراب ، وفيها من اختلف في توثيقه كالسبيعي ، فإننا لو سلمنا في توثيقه فلن نسلم في تصحيح سند تضمن الجهالة والاضطراب.

تناقضهم في الاعتماد على الذهبي

وأما احتجاجهم بالذهبي فهو منهم عجيب !
• أونسيتم معشر الأحباش قول شيخكم في الذهبي أنه خبيث ، ثم تعجب من الحافظ ابن حجر كيف سلّم له حكمه على الرجال بجرح أو تعديل ؟ فكيف سلّمتم للذهبي في هذا الموضع وأعرضتم عن الحافظ ابن حجر الذي أثبت الاختلاط ؟
• أونسيتم أن شيخكم انتقد الذهبي واتهمه بالتساهل في رواية الحديث وأنه يأتي بأحاديث غير ثابتة وآثار من كلام التابعين من غير تبيين من حيث الإسناد والمتن ( ) . فكيف طرأ هذا التبديل في موقفكم حتى صار قول الذهبي مقدماً على قول الحافظ ابن حجر ؟
• وقد نهى شيخكم عن الأخذ بتصحيحات الحاكم إلا أن يوافقه الذهبي ( ) غير أنه عند الحاجة إلى حشو الأدلة لإثبات بدعته يقدم الحاكم على الذهبي كما فعل في حديث " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي ... " حيث تمسك بقول الحاكم " صحيح " وتجاهل تعقيب الذهبي عليه " بل موضوع " ! أليس هذا كيلاً بمكيالين وتذبذبا في المنهج ؟!
وإذا كانت شهادة الذهبي في السبيعي حجة عندكم :
- فخذوا بشهادته في الرفاعية حيث شهد بأنه " قد كثر الزغل في طائفة الرفاعية ، وتجددت لهم أحوال شيطانية من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات " ( ) .
- وخذوا بشهادته في لعن من تخرج متطيبة إذ قال " ومن الأفعال التي تُلعَن عليها المرأة إظهار الزينة . . . وتطيبها بالمسد والعنبر" ( ) .
- وخذوا بشهادته في ابن فورك أنه كان يقول إن نبوة محمد ïپ¥ قد بطلت بعد موته وليس هو رسول الله ( ) . لأن الصفة عرض والعرض لا يبقى زمانين . مع أنكم رفضتم شهادته في ابن فورك ( ) .
وإذا كان السبيعي عندكم عدلاً فخذوا بروايته " إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد " ( ) فأثبتوا أن الله يجلس على العرش . أما نحن فنضعف كلا الروايتين .
وحين نفى الذهبي الاختلاط عن السبيعي أثبت له سوء الحفظ فقال " لما وقع في هرم الشيخوخة نقص حفظه وساء ذهنه وما اختلط " وفي لفظ آخر " شاخ ونسي ولم يختلط : وقد تغير قليلاً " ثم نقل عن الإمام الفسوي أن بعض أهل العلم قالوا : كان قد اختلط ، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه ( ) .
لكن لصوص النصوص بتروا نص الذهبي ولم يكملوا كلامه المثبت لسوء حفظ أبي إسحاق وتغيره ، كل ذلك من أجل تعديل رواية تميل إليها أهواؤهم ، وهذا ليس من الأمانة العلمية .
4) فشيخكم لا يرى الاحتجاج بحكم الذهبي ، لكنكم مضطرون لفعل أي شيء يرجح صحة رواية ابن عمر فاحتججتم بالذهبي وتخليتم عن الحافظ ابن حجر وعما نقله عن نقاد آخرين تكلموا في أبي إسحاق كابن حبان والجوزجاني ... ومعلوم أنه من تُكُلمّ فيه بجرح وتعديل قدم الجرح على التعديل بشرط تبيين الجرح .
فهل لكم في روايات أصح سنداً من هذه لا خلاف حول قطعية أسانيدها كرواية عمر في العدول عن التوسل بالرسول ïپ¥ والتوسل بعمه العباس لحسم النزاع بيننا ؟ إذ الرواية عن ابن عمر لم تصح . ونسبة ياء النداء ليست قطعية السند ، فما هذه العقيدة التي لا تستند على القطعي بل تتمسك بكل متشابه ؟ هل هذا إلا خُلُق الزائغين ؟ أنظر كيف يشتغل هؤلاء بالضعيف والمكذوب من الحديث لمحض التشويش ، ويكفرون مخالفهم لهذا المنهج المهترئ الذي يجتنب الصحيح الصريح ويتعلق بالموضوع والواهي والضعيف من الروايات .
الشيخان رويا للسبيعي

قد يقول قائل : ألست تقر بأن السبيعي من رجال الشيخين ؟ فكيف تضعفه هنا ؟
• أن السبيعي ثقة روى له البخاري ومسلم ولكنهما رويا لمن هو أوثق منه ما يخالف روايته ، فتكون روايته شاذة – على فرض إفادتها جواز الاستغاثة بالنبي ïپ¥ بعد موته – لمعارضتها الرواية الأصح سنداً والمتفق على صحتها والتي أفادت ترك الصحابة التوسل بدعاء النبي ïپ¥ بعد موته ، وقد اجتمعت في رواية السبيعي عدة علل منها الاضطراب والتدليس والاختلاط ، فلم لا يحكم عليها بعد ذلك بالشذوذ ؟ لاسيما وأن الرواية المخالفة لها خالية من هذه العلل :
فليس من التجرد للحديث الميل إلى الرواية الأضعف لمجرد موافقتها المذهب .
• فالسبيعي ثقة ولكنه مدلس ومختلط ، وإذا ثبت عنعنته وتدليسه أو تخليطه أثناء روايته حكم بضعفها وقبل من رواياته ما تجرد عن الاختلاط والتدليس .. ومن كان ثقة ولكن بقيود فليس من الإنصاف أن يطلب منا توثيقه بإطلاق ، فإن البخاري ومسلماً لم يرويا عنه " في صحيحيهما بإطلاق " بخلاف ما فعله البخاري في الأدب المفرد حيث لم يشترط فيه الاقتصار على الصحيح من الروايات .
• أن الذين يعترضون على كلامنا في أبي إسحاق – مع توثيقنا له – يكيلون بمكيالين فإن شيخهم الكوثري قد طعن في سعيد بن أبي هلال وهو من رجال البخاري وطعنوا في عبد الله بن نافع .
• أن طريقة الأحباش في العديد من الروايات هي رد الصحيح إذا جاء مخالفاً : فقد رد شيخهم حديث الصوت وهو عند البخاري في صحيحه ولم يقبل سعيد بن أبي هلال في حديث الرجل وهو في صحيح البخاري ، ولم يقبلوا حديث الجارية وطعنوا فيه وزعموا أنه مضطرب الإسناد وهو في صحيح مسلم ، وردّوا حديث " الراحمون يرحمهم الرحمن " المتفق على صحته برواية ضعيفة عند النسائي " ارحموا أهل الأرض ".
وردوا حديث ابن عباس عند مسلم في طلاق الثلاث وحكم شيخهم على الرواية بالشذوذ ، واقفاً منها موقف السبكي من رواية ابن عمر في حكم الشطرنج .
• فلماذا الكيل بمكيالين ؟ ومن الذي يتناقض؟ إنهم الأشاعرة المتفاخرون بعلم الكلام الذي يودي إلى الشك والريبة والتردد كما جاء في الفتح (13/350) للحافظ ابن حجر " وقد أفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك ، وببعضهم إلى الإلحاد " ، قال " وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدّوه ذريعة للشك والارتياب " .
وحكى الغزالي في المنقذ من الضلال ( ص14) تجربته الفاشلة مع علم الكلام فقال "لم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لمرضي الذي كنت أشكو منه شافياً .. ولم يكن من كلام المتكلمين إلا كلمات ظاهرة التناقض والفساد " .

يوسف التازي
13-01-15, 04:59 PM
هل ثبتت يا النداء في كلم ابن تيمية ؟

أما عن ورود لفظ النداء (يا محمد) في كتاب الكلم الطيب لابن تيمية ، فقد صرح الألباني بأنه آثر إيرادها حرصا على الأمانة العلمية لأنه وجدها في بعض المخطوطات دون البعض الآخر، فطرأ الشك في صحة نسبتها إلى مؤلفها، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .
فالرواية رواية سفيان ، وهي التي لم تتضمن لفظ النداء أصلا. وقد استغل الذين في قلوبهم زيغ هذا المحتمل المتشابه فتجاهلوا ما صرح به الألباني من أنه وجد لفظ النداء مثبتا في بعض المخطوطات دون بعض .
• أما إلزامنا بتكفير ابن تيمية على فرض صحة إثبات ( يا ) النداء ، فليست الياء للاستغاثة بل لذكر المحبوب ، ثم على افتراض زلة ههنا فكتبه مملوءة في النهي عن الاستغاثة بغير الله مما يؤكد أنه لم يفهم من ( يا ) النداء بمعنى الاستغاثة .
ثم منذ متى يُكفّر من يروي المناكير والغرائب ؟ هذه كتب السنن تحوي الروايات الموضوعة المخالفة لأصول العقائد كحديث " إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد " (رواه أحمد في السنة 1/301 والخطيب في تاريخه 1/295 ) . فقد تتضمن كتب المحدثين روايات لا تمثل بالضرورة موافقتهم لها، فهذا مسند أحمد نجد فيه يروي في مسنده رواية تجيز الاستعاذة بغير الله وهي قول حسان البكري " أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد " غير أن البخاري والخطابي رويا عنه ما يخالف ما تضمنه مسنده قال الخطابي " كان أحمد يحتج لحديث "أعوذ بكلمات الله التامات " بأن النبي لا يستعيذ بمخلوق " ( ) . ولو كان كل من يروي شيئاً من ذلك كافراً لحكمنا بكفر أحمد والبيهقي وغالب المحدثين .
ثم نحن لا نكفر كل من زلت قدمه ، فقد يقول المؤمن كفراً ولا يكفر به ، فإن نسبة الاستيلاء إلى الله عندنا كفر ولكننا مع ذلك لم نكفركم لأننا نعتقد أنكم تجهلون حقيقة ما تؤول إليه هذه الكلمة في حق الله ، ونكل الباقي إلى الله الذي له الأمر من قبل ومن بعد . ومن زيغكم وتحيزكم وجدلكم أنكم تتحاشون حقيقة أن ابن تيمية من أبرز من قاوم المستغيثين بغير الله وردهم وأفحمهم وقد كتب في ذلك كتابا بعنوان " الاستغاثة " حرم فيه الاستغاثة بغير الله .
• ولو أننا نكفر كل من زلت قدمه لسارعنا إلى تكفير الغزالي القائل " ليس في الإمكان أفضل مما كان " وتكفير الجويني الذي صرح في البرهان بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات . وكذلك الحليمي كما نقله السبكي عنهما ( ) مما أدى بالإمام المازري إلى الطعن فيه والتشنيع به غاية التشنيع وصرح بأنه سهل على الجويني ركوب هذا المذهب : إدمانه النظر في مذهب أولئك يعني الفلاسفة . ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله تخفى عليه خافية " .
ولحكمنا بكفر القشيري الذي استحسن قول من زعم أن الله يكنس المزابل ( ) . وبكفر ابن فورك الذي استحسن رواية أن الله يقعد النبي  معه على العرش ( ) . وبكفر ابن الخطيب الذي استحسن رواية هذه الرواية ( ) .

تخريج الأحباش رواية ابن عمر

وقد حكم الأحباش على طرق هذه الرواية عند ابن السني " عمل اليوم والليلة" بالضعف بل وبالوضع أي الكذب فقالوا ( ) " ضعيف: ضعفه الألباني في الكلم " ثم قالوا مرتين " أبو إسحاق يدلس وقد عنعنه وقد اختلط " فهاهم يحتجون بتضعيف الألباني للرواية ثم يأتينا منهم من يقول " ومن جملة تذبذبكم أن ضعفتم رواية ابن عمر في خدر الرجل " ( ) .
فشهدوا على أنفسهم بضعف الرواية. وباختلاط السبيعي وتدليسه وأنه عنعن في هذه الرواية. لكن هذه الرواية الواهية توافق هواهم في دعوة الناس إلى الاستغاثة بغير الله ، وهم لا يستطيعون مخالفة الهوى لأن أهل البدع أهل أهواء كما وصفهم السلف بذلك. ولأن اتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة ، ولهذا اشتق لهم اسم مما غلب عليهم وهو الهوى.

زعموا أنه لا يؤخذ بخبر الواحد في العقائد
ولا يحق لهؤلاء أن يحتجوا بأمثال هذه الرواية ولو كانت صحيحة ، لأنهم أشاعرة ، والأشاعرة اشترطوا شرطاً زائداً على مجرد صحة الرواية : وهو أن تكون الرواية متواترة لأنهم لا يقبلون خبر الآحاد في أمور العقائد حتى وإن كان في البخاري !
وهكذا شهدوا بنقض أصل من أصولهم - لطالما ينقضونه - وهو أن لا يحتجوا في العقائد إلا :
ا) ما كان مقطوعاً به من السند .
2) ما كان ثابتا بطريق المتواتر فإن الأخذ بخبر الواحد عند الأشاعرة ممنوع في العقائد . وأنت ترى كثيراً مما يحتجون به في مسائل العقائد هو دون المتواتر بل دون الصحيح .









استعراض طرق الحديث

ولنستعرض لكم الآن سند هذه الرواية عن ابن عمر: أما الروايات عند ابن السني فضعيفة بالاتفاق معهم ( ) .
وبقي الاختلاف حول الرواية التي عند البخاري في الأدب المفرد (964) حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال : خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل : أذكر أحب الناس إليك . فقال: محمد .
وهذه الرواية أصح سنداً من روايات ابن السني وغيره ، وأفادت فوائد :
منها قول ابن عمر : محمد ، بدون حرف النداء . ومنها ؟ أن سفيان من الحفاظ الأثبات ، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ وأما الروايات الأخرى فمردودة .

الرواية عن أبي اسحق السبيعي
تدليسه:
ولكن في الرواية أبو اسحاق السبيعي ، وهو ثقة ولكنه مدلس ، وقد عنعنه عن هذا المجهول ، ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين ( ) وابن حبان والكرابيسى وأبو جعفر الطبري ( ) ، قال شعبة " لم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث " ( ) " يعني أنه كان يدلس . قال " ولم يسمع من أبي وائل إلا حديثين " ( ) . قال العجلي " والباقي إنما هو كتاب أخذه " وعدّ جماعة ممن روى عنهم ولم يأخذ منهم ( ) وذكره ابن الصلاح في مقدمته (ص 353) في المدلسين والحافظ العراقي في التقييد (ص 445) وابن حبان في الثقات ( 5 / 177 ) والحاكم في معرفة علوم الحديث (105) والنسائي (ميزان الاعتدال 1 / 360 ) والعلائي في جامع التحصيل (ص108)

اختلاطه :
ناهيك عن أنه قد اختلط ، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبى شعبة ( أو أبي سعيد ) وتارة عن عبد الرحمن بن سعد . وهذا اضطراب يرد به الحديث. بل رماه الجوزجاني بالتشيع من رؤوس محدثي الكوفة ، وعن معن قال " أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق يعني للتدليس ، وروى عن أناس لم يعرفوا عند أهل العلم إلا ما حكى هو عنهم . فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقف أولى " ( ) .

نفي اختلاط السبيعي مردود

أما نفي الأحباش اختلاط أبي اسحاق السبيعى ( ) واحتجاجهم بنفي الذهبي عنه الاختلاط :
ا) فقد أثبت الحافظ ابن حجر اختلاط أبى إسحاق السبيعي كما في التقريب وبرهان الدين الحلبي في رسالته الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط ( ) .
فخذه أيها الحبشي حيث حافظ عليه نص .
2) وأثبت ابن الكيال اختلاطه في كتابه الذي أسماه " الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقاة " وقد حققه صاحبكم كمال الحوت ولم يعلق على إدراجه في جملة المختلطين ( ) .
3) وأثبت اختلاطه الحافظ ابن الصلاح ، حكاه عنه ابن الكيال .
4) وحكى الجوزجاني أنه واحد ممن لا يحمد الناس مذاهبهم ( ) .
5) أن الرواية التي جاءت من غير يا النداء أصح من هذه التي ورد فيها عدة علل أهمها الجهاله والاضطراب ، وفيها من اختلف في توثيقه كالسبيعي ، فإننا لو سلمنا في توثيقه فلن نسلم في تصحيح سند تضمن الجهالة والاضطراب.

تناقضهم في الاعتماد على الذهبي

وأما احتجاجهم بالذهبي فهو منهم عجيب !
• أونسيتم معشر الأحباش قول شيخكم في الذهبي أنه خبيث ، ثم تعجب من الحافظ ابن حجر كيف سلّم له حكمه على الرجال بجرح أو تعديل ؟ فكيف سلّمتم للذهبي في هذا الموضع وأعرضتم عن الحافظ ابن حجر الذي أثبت الاختلاط ؟
• أونسيتم أن شيخكم انتقد الذهبي واتهمه بالتساهل في رواية الحديث وأنه يأتي بأحاديث غير ثابتة وآثار من كلام التابعين من غير تبيين من حيث الإسناد والمتن ( ) . فكيف طرأ هذا التبديل في موقفكم حتى صار قول الذهبي مقدماً على قول الحافظ ابن حجر ؟
• وقد نهى شيخكم عن الأخذ بتصحيحات الحاكم إلا أن يوافقه الذهبي ( ) غير أنه عند الحاجة إلى حشو الأدلة لإثبات بدعته يقدم الحاكم على الذهبي كما فعل في حديث " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي ... " حيث تمسك بقول الحاكم " صحيح " وتجاهل تعقيب الذهبي عليه " بل موضوع " ! أليس هذا كيلاً بمكيالين وتذبذبا في المنهج ؟!
وإذا كانت شهادة الذهبي في السبيعي حجة عندكم :
- فخذوا بشهادته في الرفاعية حيث شهد بأنه " قد كثر الزغل في طائفة الرفاعية ، وتجددت لهم أحوال شيطانية من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات " ( ) .
- وخذوا بشهادته في لعن من تخرج متطيبة إذ قال " ومن الأفعال التي تُلعَن عليها المرأة إظهار الزينة . . . وتطيبها بالمسد والعنبر" ( ) .
- وخذوا بشهادته في ابن فورك أنه كان يقول إن نبوة محمد  قد بطلت بعد موته وليس هو رسول الله ( ) . لأن الصفة عرض والعرض لا يبقى زمانين . مع أنكم رفضتم شهادته في ابن فورك ( ) .
وإذا كان السبيعي عندكم عدلاً فخذوا بروايته " إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد " ( ) فأثبتوا أن الله يجلس على العرش . أما نحن فنضعف كلا الروايتين .
وحين نفى الذهبي الاختلاط عن السبيعي أثبت له سوء الحفظ فقال " لما وقع في هرم الشيخوخة نقص حفظه وساء ذهنه وما اختلط " وفي لفظ آخر " شاخ ونسي ولم يختلط : وقد تغير قليلاً " ثم نقل عن الإمام الفسوي أن بعض أهل العلم قالوا : كان قد اختلط ، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه ( ) .
لكن لصوص النصوص بتروا نص الذهبي ولم يكملوا كلامه المثبت لسوء حفظ أبي إسحاق وتغيره ، كل ذلك من أجل تعديل رواية تميل إليها أهواؤهم ، وهذا ليس من الأمانة العلمية .
4) فشيخكم لا يرى الاحتجاج بحكم الذهبي ، لكنكم مضطرون لفعل أي شيء يرجح صحة رواية ابن عمر فاحتججتم بالذهبي وتخليتم عن الحافظ ابن حجر وعما نقله عن نقاد آخرين تكلموا في أبي إسحاق كابن حبان والجوزجاني ... ومعلوم أنه من تُكُلمّ فيه بجرح وتعديل قدم الجرح على التعديل بشرط تبيين الجرح .
فهل لكم في روايات أصح سنداً من هذه لا خلاف حول قطعية أسانيدها كرواية عمر في العدول عن التوسل بالرسول  والتوسل بعمه العباس لحسم النزاع بيننا ؟ إذ الرواية عن ابن عمر لم تصح . ونسبة ياء النداء ليست قطعية السند ، فما هذه العقيدة التي لا تستند على القطعي بل تتمسك بكل متشابه ؟ هل هذا إلا خُلُق الزائغين ؟ أنظر كيف يشتغل هؤلاء بالضعيف والمكذوب من الحديث لمحض التشويش ، ويكفرون مخالفهم لهذا المنهج المهترئ الذي يجتنب الصحيح الصريح ويتعلق بالموضوع والواهي والضعيف من الروايات .
الشيخان رويا للسبيعي

قد يقول قائل : ألست تقر بأن السبيعي من رجال الشيخين ؟ فكيف تضعفه هنا ؟
• أن السبيعي ثقة روى له البخاري ومسلم ولكنهما رويا لمن هو أوثق منه ما يخالف روايته ، فتكون روايته شاذة – على فرض إفادتها جواز الاستغاثة بالنبي  بعد موته – لمعارضتها الرواية الأصح سنداً والمتفق على صحتها والتي أفادت ترك الصحابة التوسل بدعاء النبي  بعد موته ، وقد اجتمعت في رواية السبيعي عدة علل منها الاضطراب والتدليس والاختلاط ، فلم لا يحكم عليها بعد ذلك بالشذوذ ؟ لاسيما وأن الرواية المخالفة لها خالية من هذه العلل :
فليس من التجرد للحديث الميل إلى الرواية الأضعف لمجرد موافقتها المذهب .
• فالسبيعي ثقة ولكنه مدلس ومختلط ، وإذا ثبت عنعنته وتدليسه أو تخليطه أثناء روايته حكم بضعفها وقبل من رواياته ما تجرد عن الاختلاط والتدليس .. ومن كان ثقة ولكن بقيود فليس من الإنصاف أن يطلب منا توثيقه بإطلاق ، فإن البخاري ومسلماً لم يرويا عنه " في صحيحيهما بإطلاق " بخلاف ما فعله البخاري في الأدب المفرد حيث لم يشترط فيه الاقتصار على الصحيح من الروايات .
• أن الذين يعترضون على كلامنا في أبي إسحاق – مع توثيقنا له – يكيلون بمكيالين فإن شيخهم الكوثري قد طعن في سعيد بن أبي هلال وهو من رجال البخاري وطعنوا في عبد الله بن نافع .
• أن طريقة الأحباش في العديد من الروايات هي رد الصحيح إذا جاء مخالفاً : فقد رد شيخهم حديث الصوت وهو عند البخاري في صحيحه ولم يقبل سعيد بن أبي هلال في حديث الرجل وهو في صحيح البخاري ، ولم يقبلوا حديث الجارية وطعنوا فيه وزعموا أنه مضطرب الإسناد وهو في صحيح مسلم ، وردّوا حديث " الراحمون يرحمهم الرحمن " المتفق على صحته برواية ضعيفة عند النسائي " ارحموا أهل الأرض ".
وردوا حديث ابن عباس عند مسلم في طلاق الثلاث وحكم شيخهم على الرواية بالشذوذ ، واقفاً منها موقف السبكي من رواية ابن عمر في حكم الشطرنج .
• فلماذا الكيل بمكيالين ؟ ومن الذي يتناقض؟ إنهم الأشاعرة المتفاخرون بعلم الكلام الذي يودي إلى الشك والريبة والتردد كما جاء في الفتح (13/350) للحافظ ابن حجر " وقد أفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك ، وببعضهم إلى الإلحاد " ، قال " وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدّوه ذريعة للشك والارتياب " .
وحكى الغزالي في المنقذ من الضلال ( ص14) تجربته الفاشلة مع علم الكلام فقال "لم يكن الكلام في حقي كافياً ولا لمرضي الذي كنت أشكو منه شافياً .. ولم يكن من كلام المتكلمين إلا كلمات ظاهرة التناقض والفساد " .

يوسف التازي
13-01-15, 05:01 PM
شبهات أخرى حول الاستغاثة

ومن شبهاتهم : حديث الأعمى المشهور وفيه أن النبي ïپ¥ علمه أن يقول " يا محمد إني أتوجه إليك في حاجتي هذه لتقضى " ( ) .
وعلى افتراض أنه كان بعيدا فهو :
استحضار لمضمر في القلب كقول المصلى في صلاته : السلام عليك أيها النبي . وقد تقدم أن الصحابة تركوا هذا اللفظ لما قبض ïپ¥ وصاروا يقولون : السلام على النبي ، فإذا تركوا بعد موته خطاباً فيه دعاءً له لا دعاء إليه فكيف يمكن أن يقال بعد ذلك إنهم كانوا يستغيثونه بعد موته ؟
فإذا كانوا تركوا قول (السلام عليك) بعد موته فمن باب أولى أن يتركوا لفظ يا محمد
ولا يمكن أن يقول الرسول ïپ¥ " من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأنا أضمن له الجنة " ويقول " إذا سألت فاسأل الله " ثم هو يعلمهم أن يسألوا الأموات من أنبياء وصالحين .
أن أحداً من الصحابة لم يفهم من هذا الحديث جواز الاستغاثة ولذلك لم يستغيثوا به ïپ¥ بعد موته بل تركوا حتى التوسل الذي هو أدنى من الاستغاثة كما في حديث حادثة القحط المشهورة أيام خلافة عمر كما عند البخاري . فكيف يكون التوسل به حراماً والاستغاثة جائزة ؟
• أما قوله ( يا محمد ) فمن يمكنه أن يؤكد أنه كان بعيداً عنه ؟ وقد قال له النبي ïپ¥ " إيت الميضأة " فمن يدعي أنه ذهب إلى ميضأة بيته والأصل أن يدل السياق على أقرب ميضأة وهي ميضأة بيته ïپ¥ أو المسجد فلا يكون الأعمى مخاطباً له من مكان بعيد عنه !
وأما احتجاجكم بلفظ ( إني أتوجه بك ) : فهو توجه بدعاء النبي ïپ¥ وهذا ما حدث حقاً ، فقد توجه النبي ïپ¥ وطلب منه أن يدعو له فوعده ïپ¥ بالدعاء له . ولهذا قال في آخر دعائه " اللهم فشفعه في " أي اللهم اقبل دعاءه في .
• وأما التوجه الذي يفهمه الأحباش فهو التوجه إلى قبور الأنبياء والصالحين ، تلك هي سنتهم ، فإنهم رفاعيو الطريقة ، وقد سن كم محمد الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته ( ) . وهي سنن النصارى .
أما سنة نبينا فقد كان ïپ¥ يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي [ والدعاء صلاة ] ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " ، فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء ملة الشرك .

المستغيثون بالماء وهو ( جماد ) !

ومن شبهاتهم : الاحتجاج بأن الماء يسمى غيثاً لقول النبي ïپ¥ " اللهم اسقنا غيثا مغيثا " قال الأحباش المستغيثون بالجماد " وإذا كان الرسول ïپ¥ سمى المطر مغيثاً لأنه ينقذ من الشدة بإذن الله : فالنبي والولي أولى بهذا الوصف من الجماد : معناه كذلك أن النبي والولي ينقذ من الشدة بإذن الله " ( ) !
هكذا عادوا إلى الاستغاثة بالجمادات فإن الماء ليس بشراً ولا ملكاً !
ولا فرق بين الماء والحجر فكلاهما لا يعقل ، فإذا جاز تسمية الماء مغيثاً على معنى جواز الاستغاثة به لأنه ينقذ من شدة ، فالطعام ينقذ من شدة فيجوز الاستغاثة به ، وهو من النبات والشجر، والوثنيون يعبدون الشجر والحجر، فإذا جازت الاستغاثة بالماء فجوزوا الاستغاثة بالحجر لأنه ينقذ من شدة فإن الله جعله سبباً لنا ينقذنا به من الحر والقر فنتخذ منه البيوت ونحارب به العدو !
هكذا بلغت بهم السفاهة أن يجعلوا الماء مغيثا (اسم فاعل) بمعنى أنه يستغاث به ، كل ذلك ليثبتوا مسئولا مع الله ولو كان ماءاً ولكن : هل منكم من جرب الاستغاثة بالماء قبل أن يأتي بهذه الحجة الواهية ؟
ولكن إذا كان النبي أولى بهذا الوصف فلماذا لم يدع الناس إلى هذا الأولى فعلمنا أن الماء غيث ولم يعلمنا أنه هو ïپ¥ غيث ؟!
وهذا الحديث حجة عليكم فإنه لما سمى الرسول ïپ¥ الماء مغيثا لم يستغث به ، ولم يفهم صحابته هذا الفهم السقيم فلم يثبت عنهم الاستغاثة بنبي ولا ولي .
فاعتباركم الماء غوثا لأن اسمه غيث : تلبيس وتمويه . فقد قربكم لفظ الغوث هذا إلى يغوث صنم قوم نوح .
• ومن يدري ! لربما تستغيثون بالماء ، فإذا نزل " المغيث " قلتم : الماء هو الترياق المجرب كما قلتم في قبر معروف الكرخي لأن الفصل بين الحلال والحرام عندكم هو التجربة !
فاثبتوا على الاستغاثة بالماء أيها الظالمون حتى تلقوا الله على ذلك . فأنتم كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه : وما دعاء الكافرين إلا في ضلال .
ومن شبهاتهم : استدلالهم بقوله تعالى { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } وزاغوا عن قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
ولكن أيستعينون بالصلاة وهم فيها أم يخاطبونها بعد خروجهم منها ؟ هل منكم يا من تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون : من يعترف بأنه وقف يوماً يطلب الاستعانة من الصلاة وهو يصليها أو من الصبر الذي يصبره قائلاً : يا صبر أغثني ، يا صلاة أغيثيني اقضي حوائجي ادفعي كروبي ؟ كيف تستغيثون بالعرض الذي هو صفة لا تقوم بنفسها ؟ أنسيتم قواعد علم الكلام ؟
نوصيكم أن تتدبـروا كـلام الله { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } { وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .
ومن من السلف فهم هذا الفهم السقيم ، ولو كان هذا الذي فهموه فهل طبقوه ؟ هل ثبت أن أحدهم كان يطلب العون والغوث من الصلاة ؟
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
ومن شبهاتهم : أن عمر كتب عام الرمادة إلى أبي موسى بالبصرة أن " غوثاه لأمة محمد " فسارع المسلمون إلى إغاثة أهل المدينة لمّا أصابها الجفاف . فقال هؤلاء : أرأيتم كيف استغاث عمر بغير الله ( ) ؟
والجواب : والله ما نهينا أحداً عن الاستغاثة بمثل ما فعل عمر من اتخاذ الوسائل الشرعية ، ولذلك كتب الاستغاثة في رسالة وأرسلها ، ولم يناد في الهواء ، وأرسلها إلى الأحياء القادرين ، ولم يقل : يا رسول الله غوثاه لأمة محمد . وإنما نهينا عن الاستغاثة على طريقة النقشبندية والرفاعية حيث الاستغاثة بالأرواح والأشباح .
أفلا تسألون أنفسكم : لماذا لم يقل عمر : غوثاه يا رسول الله لأمة محمد ؟ لعلكم لا تجهلون هذه البديهيات لكنكم ما تضربون هذه الأمثال إلا جدلاً وتلبيساً على العوام !
ولا ننسى أن عمر هو الذي عدل عن التوسل بذات النبي ïپ¥ وجمع جمهور الصحابة عام الرمادة وتوسل أمامهم بدعاء عمه العباس ، فإما أن يكون ذلك تناقضاً منه وإما أن يكون سوء الفهم منكم :
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفتـه من الفهـم السقيـم

ليست كل استغاثة حراماً

ومن ظن أن كل استغاثة حرام فهو مخطئ ، فإن الاستغاثة المنفية على نوعين :
الأولى : الاستغاثة بالميت منفية مطلقاً وفي كل شيء .
الثـانية : الاستغاثة بالمخلوق الحي الغائب مطلقاً أو الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الخالق .
ثم إنّ فِعلَ عمر حجة عليكم ، فإنه لم يلجأ إلى الأموات على النحو الذي تفعلونه ولا إلى قبر النبي ïپ¥ ، ولم يستغث بأبي موسى من غير أن يكتب له الرسالة ويرسلهما بواسطة جنوده وبريده ، وهل كان عمر ليستغيث به لو لم يكن عنده ما يستحق الاستغاثة ؟
أما أنتم فتستغيثون بالأولياء وتعلمون أنه ليس عندهم ما كان عند أبي موسى لعمر ، وتشهدون أن ليس عندهم النفع الذي تسألونهم ولا دفع الضر الذي تطلبون منهم دفعه عنكم !
• وليــس كل دعـاء حـراماً ، فقد قـال تعـالى { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } أي الله { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فالدعاء هنا ليس دعاء عبادة ، فإننا نقيد تحريم استغاثة ودعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فمن خلط بين الأمرين فهو مخادع ملبس ، يقال له ما قيل لأهل الكتاب { لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
ومن شبهاتهم : ما ذكره الهيتمي من أن الاستغاثة من الله حقيقة والغوث منه حقيقة وإيجاد ، والنبي مستغاث به مجازاً ، والغوث منه تسبباً وكسباً بمنزلة قوله تعالى { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى } .


الجواب :
• أن هذا المجاز أداة اللعب بالدين ، سبقكم إليه الباطنيون لا السلف الصالح .
• أن الله ما أمر بهذا المجاز المزعوم ، وإنما أمر أن ندعوه هو مباشرة وحقيقة فقال { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } .
• أن هذا مشابهة لمن جعلوا وجود المخلوقات وجوداً مجازياً ولا وجوداً حقيقياً إلا وجود الله .
• أن هذا مشابهة للجبريين الذين جعلوا فعل العباد فعلاً مجازياً بناء على أن وأن وجودهم مجازي ، وسبقوكم بالاستدلال الباطل بالآية ، بينما هي تثبدت الرمي للنبي ïپ¥ وتنفي عنه إصابة الرمي .
• ماذا تقولون دام فضلكم فيمن توجه إلى التصاوير والأصنام مجازاً وزعم أن النفع الحاصل منها مجازي وإنما النفع من الله حقيقة ومنها مجازاً ؟!
• أن نقول : من سبق الهيتمي إلى هذا التفسير أم لعله خفي على الأمة حتى خلق الله الهيتمي لينشلنا من الضلال والجهل في تفسير هذه الآية الذي جهله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما حيث لم يذكروا استغاثة مجازية كالرمي على تفسيركم الفاسد لهذه الآية ، أم أنهم علموه ولكنهم كتموه !

الفرق بين الاستغاثة والدعاء

الاستغاثة لا تكون إلا من مكروب ، أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة ، فكل استغاثة دعاء كما أن الدعاء في اللغة نداء وطلب . وهو نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة ، وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة ، ودعاء مسألة متضمن دعاء العبادة ، على تعريف التضمن أنه دلالة الدليل على بعض معناه .
وإذا كانت الاستغاثة من أنواع الدعاء والدعاء هو العبادة تبين أن الاستغاثة عبادة لا يتوجه بها إلا إلى الله .
ومن شبهاتهم : أن الناس " يستغيثون يوم القيامة بآدم " .
وهذه استغاثة بالحاضر الحي القادر ، وقد كان الصحابة يأتون رسول الله ïپ¥ ويطلبون منه في حياته أن يدعو الله . لكن نفي آدم والأنبياء قدرتهم على الإغاثة وقولهم (لست لها ) حجة عليكم فإنه يدل على أن الأنبياء لا يقدرون دائماً على إجابة ما يطلبه الناس منهم . فلما قال لهم آدم ( لست لها ) تركوه وتوجهوا إلى غيره من الأنبياء لافتقاد شرط القدرة على الإغاثة .

تحريفهم قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ }

ومن شبهاتهم : احتجاجهم بآية { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ } مع مخالفتهم لما فهمه السلف منها حيث معناها المجيء إليه في حياته . فلا يجوز إحداث تأويل في آية أو حديث لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه لأنه يلزم من ذلك الطعن بهم أنهم جهلوا الحق الذي اهتدى إليه الخلوف من بعدهم ، أو أنهم علموه ولكن كتموه عن الأمة .
• قد ذم الله من تخلف عن هذا المجيء واعتبرهم منافقين مستكبرين غير مغفور لهم فقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
• ولم يثبت أن أحداً من الصحابة أتى قبر النبي ïپ¥ وسأله الاستغفار وهذا يقتضي دخول الصحابة في المنافقين المستكبرين وأن الله لن يغفر لهم لأنهم ما عملوا بهذه الآية ، بل ثبت تركهم للتوسل به بعد موته والتوسل بغيره .
• ولا يعقل أن يعطل الصحابة تطبيق الآية ثم يأتي هؤلاء الخلوف ويفهمون منها ما لم يفهمه ولم يطبقه الصحابة .
• ثم إن إيجاب مجيء القبر على كل مذنب من أمة محمد ïپ¥ تكليف بما لا يطاق ، فإن الأمة لا تستطيع مجيء القبر عند ارتكاب كل ذنب .
• أن في هذا الفهم إلغاء لدور الحج والعمرة ، بل يصير القبر حرماً يحج إليه الناس وحينئذ : فلماذا يحج الناس إلى مكة ؟ أليس ليعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ؟ ولماذا يفعلون ذلك والآية تنص بزعمهم على وجوب حج المذنبين إلى قبره ïپ¥ ؟ وكأنهم يقولون : من حج إلى قبر النبي ïپ¥ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه !!!
• ويلزم أن يصير القبر عيداً ، بل أعظم أعياد المذنبين ، وهذا مخالفة للنبي ïپ¥ فإنه نهى عن أن يتخذ قبره عيداً .
• أن الآية خاصة بحياة النبى ïپ¥ ودليل ذلك أن قوله { إِذ ظَّلَمُواْ } للماضي لا للمستقبل ، وكل عربي يعلم أن { إِذ } المفيدة للمـاضي تختلـف عن ( إذا ) المفيدة للمستقبل حيث نزلت الآية فيمن ترك الرسول ïپ¥ وتحاكم إلى الطاغوت فهو بذلك أساء إلى الرسول وترك حقاً شرعياً لا تتحقق التوبة منه إلا بالمجيء إلى النبي ïپ¥ وإعلان التحاكم إليه . فوضح من ذلك أن هذه الآية نزلت في المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } .
أما ما يدعيه القوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فاخبرونا :
ألم يكن الصحابة من هذا العموم ؟
وإذا كان الجواب : نعم .
فمن عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه ؟ لقد تركوا التوسل به كما عند البخاري ( ) ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره ïپ¥ وطلب الاستغفار هناك بعد موته .
وإن كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به أو أنهم جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف !
ومن شبهاتهم : أن الأنبياء والأولياء مكرمون عند الله وأن ما يحصل لسائليهم من الإجابة إنما هو من معجزاتهم وكراماتهم . وأن الله أعطاهم ما لم يعط غيرهم .
الجواب : أن أكرم هذه الأمة نبيها ولم يستغث به الصحابة بل تركوا التوسل به بعد موته كما رواه البخاري عن عمر في قصة الاستسقاء .
• إن هناك شرطين للولاية هما الإيمان والتقوى كما قال تعالى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } والإيمان والتقوى في القلب لا يمكن الاطلاع عليهما ، ولا يحق لأحد إثباتهما أو نفيهما ، فالحكم عليهم بأنهم أولياء إثبات لإيمانهم وتقواهم . وهو خطأ آخر . فإنك منهي عن تزكية نفسـك { فَلاَ تُزَكُّوآ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } . فكيف تزكي غيرك .
• فهذا حكم بالنيابة عن الله . فليس من حكم على شخص بأنه في النار يكون هو المخطئ فقط ، ولكن من حكم عليه بالجنة نيابة عن الله فهو مخطئ أيضاً .
• أن هذا عين ما يتعلق به النصارى ، فإنهم يحتجون على غيرهم بما عاينوه من معجزات المسيح وكرامات أمه . وفي كل مرة تخرج صرخة من كنيسة وتزعم راهبة أن مريم ظهرت عليها ، وإنما هو شيطان يظهر للناس بصورة الولي الميت ويقضي لهم حوائجهم باسم هذا الولي تماماً كما كانت تفعل الشياطين عند الأصنام فتخاطب من يدعو الأصنام تحتال على الجهال لتزيدهم تمسكاً بشركهم وتخدعهم بهذه الحيل .
• ومن ذا الذي يزعم أن كل من أعطى شيئاً جاز طلبه منه ؟ فالصيام والقرآن يشفعان يوم القيامة كما جاء في الخبر : وحملة العرش يستغفرون ، بل وحتى الحيتان في البحر تستغفر لطالب العلم ، فلماذا لا تسألون الصيام حوائجكم لعله يشفع لكم ؟ أو لعلكم تسألون الحيتان أن تستغفر لكم ، إذا كنتم قد أجزتم الاستغاثة بالماء وبالصبر والصلاة : فماذا يمنعكم بعد ذلك أن تستغيثوا بالصيام والملائكة والحيتان ؟!
ومن شبهاتهم : احتجاجهم بحديث " إن لله ملائكة في الأرض يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصابت أحدكم عرجةً بفلاة من الأرض فلينادِ يا عباد الله أعينوا " ( ) .
• وهذا الحديث ضعيف لا يحتج به لما يلي :
1. أن الصحابة تركوا التوسل بالرسول ïپ¥ وهو أحب إليهم من رجال الغيب فكيف يتركون التوسل به ثم يتعلقون برجال في الهواء ؟
وقد وجه بعض أهل العلم هذه الرواية بمناداة حاضر قادر وهم الملائكة ، فليس في الأثر دعاء لغائب .
2. أن ناكثي العهد ومخلفي الوعد ممن يقولون ( نحن أشاعرة ) زعموا أنه لا يجوز الاستدلال في مسائل العقائد إلا بالمتواتر . وها هم هنا يحتجون بالآحاد الضعيف السند في مسألة عقدية .
3. أن فيه أسامة بن زيد الليثي قال الحافظ في التقريب (317) " صدوق يهم " وقال أحمد : ليس بشيء ، وقال عبد الله لأبيه أحمد : أراه حسن الحديث فقال أحمد : إن تدبرت حديثه فسوف تعرف فيه النكرة . وقال أبو حاتم : يُكتب حديثه ولا يُحتج به ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وتركه ابن القطان ويحي بن سعيد وقال " اشهدوا أنى قد تركت حديثه " ( ) . وقد وثقه آخرون كالدارمي وابن عدي ووثقه ابن شاهين وزاد ابن حبان " يخطئ " .
ومن تدبر هذه الأقوال علم أن ما تفرد به حقه الرد ، فإن توبع قُبِلَ . غير أن هذه الرواية التي رواها هنا مما تفرد به فحقها الرد .
وقد روي موقوفاً بإسناد أجود من هذا عند البيهقي عن جعفر بن عون في شعب الإيمان (سلسلة الأحاديث الضعيفة 2: 111) ، وهو مع ذلك معلول بالوقف .
4. أن أسامة تفرد به ، وتفرد ضعيف الحفظ يُعد منكراً إذا لم تؤيده أصول صريحة صحيحة . وأما قول الحافظ (هذا حديث حسن الإسناد غريب جداً) فمعلوم أن حسن إسناده لا يدل على حسن الحديث دائماً .
5. وفيه حاتم بن إسماعيل الراوي عن أسامة " صحيح الكتاب صدوق يهم" ( قاله الحافظ في التقريب 994) وقال ( وقرأت بخط الذهبي في الميزان " قال النسائي : ليس بالقوي " ( التهذيب 2/128) .
* وفي رواية أخرى من طريق أحمد بن يحي الصوفي ثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني عن عبد الله بن عيسى عن زيد عن عتبة بن غزوان عن النبي ïپ¥ أنه قال " إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني " . قال الهيثمي في (مجمع الزوائد 10/132) " رجاله ثقات على ضعف في بعضهم " .
• وكذلك رواية " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة : فليناد : يا عباد الله احبسوا . فإن لله حاضراً في الأرض سيحبسه ". رواه أبو يعلى والطبراني . وفيه معروف بن حسان : وهو ضعيف . قال أبو حاتم في ( الجرح والتعديل 8/323 ) " ضعيف ! " وقال ابن عدي في ( الكامل 6 / 325 ) " منكر الحديث " . وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10/132) " فيه معروف بن حسان وهو ضعيف " . وقال الشيخ محمد بن درويش الحوت في ( أسنى المطالب ص 62 ) " معروف بن حسان منكر الحديث " .
وفيه سعيد بن أبي عروبة : اختلط ، قال النسائي : من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء . ومعروف بن حسان من الصغار ولم يسمع منه قبل الاختلاط إلا الكبار . وكان بدأ اختلاطه سنة 132 واستحكم سنة 148 أفاده البزار ، ثم إن سعيداً مدلس كثير التدليس ، وقد روى هذا الحديث معنعناً عن أبي بريدة فلا يقبل .
وروى ابن أبي شيبة في المصنف ( 10/424 ) : ثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله ïپ¥ قال .. " فذكره . وهذا إسناد معضل فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس مشهور .
• فهذه الروايات قد اجتمع فيها علل كثيرة ، وهناك علة أشعريه يتجاهلها الأشاعرة وهي أن الرواية ليست من المتواتر ، ورواية غير المتواتر عندهم ممنوع في العقائد ! فهل يجوز للأشعري ما لا يجوز لغيره !
ولو فرضنا أن الرواية بلغت مرتبة الحسن فإنها شاذة بالنسبة لما خالفها من الروايات الأصح سنداً ، ابتداء من كتاب ربنا { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء 67 ] ولا فرق بين الأرض الفلاة وبين البحر وتتعارض وقوله { قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 63 قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } [ الأنعام 63 ] فالآية تؤكد أن الله وحده هو المنجي لعباده في البر والبحر ، ويأبى هؤلاء إلا الشرك ورد كتاب الله وما صح من سنة نبيه ïپ¥ بهذه الروايات المعلولة .
أفيجوز أن يأتي جواب رسول الله على الآية : نعم هناك غير الله من ينجي في البر والبحر إذا قال لهم " أغيثوني " !!!
كيف يكون هذا جوابه وقد قال " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " . وأرشدنا إلى أن الدعاء عبادة بل مخها .
• إن هذه الروايات أصح سنداً وأكثر توافقاً مع القرآن من رواية " فليقل يا عباد الله أغيثوا " الضعيفة التي تتمسكون بها .
وإنه لمن علامات الزيغ : الإعراض عن الآيات الصريحة والروايات الصحيحة ، وإيثار المعلول وغريب الروايات عليها .
هذا إبراهيم عليه السلام يتعرض لأعظم نار أوقدت فيكتفي بالله ويقول : حسبي الله ونعم الوكيل . فلم يناد رجال الغيب .
هكذا يثنينا الحبشي عن (يا الله) ويحضنا على (يا عباد الله) وهذا فساد في الفطرة والدين والعقل ، ومخالفة للملة الحنيفية التي كان عليها إبراهيم عليه السلام ، بل ترى مثل هذا الشرك في الملل التي انحرفت عن ملته ، كاليهود والنصارى .
ومن شبهاتهم التي يقابلون بها المنكرين عليهم ، قولهم : هل يحرم استعمال (ياء) المنادى مطلقاً كأن أنادي إنساناً على الطريق يا فلان ؟ فإذا قال المنكر : لا ، قالوا : فلماذا تفرقون بين الإباحة هنا والتحريم هناك ؟ .
وهذا جدل بالباطل كما قال تعالى { ما ضربوه لك إلا جدلا ، بلى هم قوم خصمون } وقال { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْء } ِ[ النحل 60 ] إنهم يتغافلون عمداً عن وجود الأسباب في الحي وانقطاعها في الميت .
فالشريعة لم تحرم الدعاء بين اثنين مع أخذ الأسباب ، أما ما يحصل عند القبور والمزارات والأضرحة فالأسباب فيه منقطعة فلا حياة لهم ولا سمع ولو كان بيدهم نفع أو ضر لكان الأولى بهم أن ينفعوا أنفسهم فيخرجوا من القبور ويستبدلوها بالقصور .
ومن يملك أسباب دفع الضر والشفاء من المرض كالطبيب فطلب الدواء منه ليس شركاً أما طلب الدواء من ميت فهو شِركٌ في الدين وخلل في العقل .
• وهل يستطيع الميت أن يفعل في قبره ما يفعله الحي من إنقاذ غريق أو قتل بريء ؟ إذن كيف توجه المغفل بطلب الحاجة من الميت مع أنه صار بموته أعجز مما كان عليه وهو حي ؟
أترى ضاعت عقول هؤلاء ؟ هل يستطيعون إغراء نصراني بدخول الإسلام بمثل هذه الخرافات ؟
• بل لم تعد عندكم استغاثة النصراني بالمسيح وأمه منكراً ولم تعد استغاثة الشيعة بالحسين وبـ " صاحب الزمان " منكراً .
هل يمكن للنبي ïپ¥ سماع أدعية آلاف ممن يدعونه في وقت واحد من مناطق مختلفة ؟ أو تعتقدون أن نبينا لا يشغله سمع عن سمع ؟ ويسمع من يناديه ولو من مكان بعيد ، وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع من يدعوه بعد موته ؟ وقد حكم علماء الأحناف بكفر من إذا تزوج امرأة بغير شهود فقال : إن الله ورسوله شاهدان . وعللوا ذلك بأنه اعتقد أن رسول الله ïپ¥ يعلم الغيب ، وهو ما كان يعلم الغيب حين كان في الأحياء فكيف بعد الموت ( ) .
وهل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن الله للنصارى والباطنيين إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على بعض ما عند النصارى واليهود والباطنية !
ولا ننسى أن أول من أحدث بناء القباب والمشاهد وأسموها زوراً ( مساجد ) هم العبيديون أبناء اليهودي عبيد الله القداح . وزعموا أنهم فاطميو النسب ، واستطاعوا في خلال خمسة قرون حكموا فيها العالم الإسلامي أن يملؤوه من هذه الأضرحة التي لا يكاد يخلو منها مسجد.
حتى صرنا نرى للحسين والسيدة زينب عدة أضرحة في مصر والعراق وكربلاء وغيرها . وهؤلاء الأحباش إنما يعيدون إحياء هذه اللوثة الباطنية العبيدية والتنقيب عن الأدلة لتشريعها وتسويغها بين الناس .

الأسباب يجب أن تكون مشروعة

وزعم الحبشي أن الله جعل الأولياء أسباباً لنا ندعوهم ونستغيث بهم ، وأن ذلك يجوز من الموحد ما دام يعتقد أن الضُرّ والنفع بيد الله . أما إن كان يعتقد أن غير الله ينفع أو يضر من دون الله فقد وقع في الشرك .
إن هذا هو الافتراء على الله ، قال تعالى { وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } ولا يجوز جعل شيء سبباً إلا بتوقيف من الشرع وبعلم ، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم كان مبطلا بل داعية بدعوى الجاهلية ، فإنه لم يجعل الاستغاثة بغير الله سبباً إلا عُبّاد الأصنام حيث زعموا أن وساطة الصالحين سبب تحصل بها القربى إلى الله مَا { نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر ] { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } ، فهم اخترعوا سبباً ما شرعه الله لهم سبباً

والأسباب تنقسم إلى نوعين : سبب مشروع ، وسبب محرم .
فكل ما شرعه الله ورسوله فهو سبب مشروع ، وما لم يشرعه فليس من الأسباب ولا الوسائل . والله لم يشرع لنا أن نسأل غيره فقد قال { ادْعُوا رَبَّكُمْ } وقال { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } وقال { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } ولم يقل واسألوا الرسول من فضـل الله ، وقال { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وقال رسوله ïپ¥ " إذا سألت فاسأل الله " ولم يسمح لنا أن نسأل الأسباب مع المسبب .
فكيف يقال بعد هذا : إن سؤال غير الله سبب مشروع ؟ من الذي شرعه : آلله أذن لكم أم على الله تفترون ؟ لو جعلها أسباباً لنص عليها ورغّب فيها ، ولكن لا دليل من القرآن ولا من السنة ولا من عمل السلف على مشروعية ذلك

أسبابكم غير مشروعة
لو كانت أسبابكم شرعية لسارع الصحابة إلى التمسك بها ولما تركوا دعاء الرسول بعد موته واتخذوا من دعاء العباس سبباً مشروعاً لهم ، الأمر الذي يؤكد أن مفهوم الأسباب الشرعية عند الصحابة هو طلب الدعاء من المتوسل به بحياته ويكون ذلك في حياته وأما ما سواه فهي أسباب غير مشروعة . وهذا يثبت مخالفة فهمكم لما فهمه السلف حول الأسباب الشرعية .
نعم قد تكون الاستغاثة بالميت سبباً لكشف الضر : مثل كون السرقة سبباً لكشف الفقر وحصول الرزق . ومثل كون شهادة الزور سبباً لتحصيل المال . ولهذا حرّم الله من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته .
فكلا السببين حرام ، مع فارق أن السرقة وشهادة الزور أهون عند الله من الشرك والاستغاثة بمن شهد أنه لا يملك لنا من الله شيئاً .
ولو كان دعاء غير الله من عقيدة الفرقة الناجية لاشترك النصارى والروافض مع الفرقة الناجية لأن دعاء غير الله والاستغاثة بالأضرحة والمزارات عقيدة مشتركة بين الملل الثلاثة : الحبشية والرافضية والنصرانية .
فهذا دليل على اتفاق الحال بينكم وبين المشركين أن ما تطلبونه منهم هو عين ما كانوا يطلبونه من أصنامهم من كشف الضر والنصرة على العدو وقضاء الحاجة . فاتفقتم معهم في أمرين :
ا- أنكم تطلبون من الصالحين ما كانوا يطلبونه منهم .
2- أنكم تطلبون من غير الله .
ولكن أعظم الأسباب النافعة : إخلاص العبادة لله . وفي الشرك الضرر في الدين والدنيا . لأن النبي ïپ¥ أخبر أن شفاعته تنال من حقق التوحيد وابتعد عن الشرك ، قال " فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " ( ) فتأمل كيف جعل الله تحقيق التوحيد من أعظم أسباب نيل الشفاعة .

حججكم وحججهم واحدة
• ومن عقيدة الحبشي أن المسبب هو الله عز وجل وأنه لا يجوز الالتفات إلى الأسباب ، فما له يلتفت إلى السبب هنا وقد نُهي عن ذلك بأن أمره الله أن لا يدعو إلا إياه ، فهو وأمثاله طبائعيون في الاستغاثة والدعاء . يجعلون الأسباب شريكة مع مسببها .
• نعم ، نحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها ، ولكن لا يعني ذلك سؤال الأسباب من دون الله . فالله جعل الريح سبباً لجلب السحاب ، والسحاب سبباً لنزول المطر { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا } فهل تجيزون لأنفسكم أن تسألوا الرياح من دون الله أن تسيّر لكم سحاباً ؟

شهادة للشيخ الفاخوري
لماذا أسقطها الأحباش من كتابه ؟

وقد شهد مفتي بيروت الشيخ عبد الباسط فاخوري ( ) بمشابهة كثير من المسلمين بالمشركين الأوائل فقال بأن " أكثر العوام من جهة الإسلام قد تغالوا وأفرطوا وابتدعوا بدعاً تخالف المشروع من الدين القويم فصاروا يعتمدون على الأولياء الأحياء منهم والأموات معتقدين أن لهم التصرف وبأيديهم النفع والضر ويخاطبونهم بخطاب الربوبية وهذا غلو في الدين القويم وخروج عن الصراط المستقيم " . ولكن هذا النص وغيره قد حذفه الأحباش ، وهي خيانة علمية سجلها لهم التاريخ .

من صفات الأولياء المقبورين

تأمل كيف يحاول المبطلون إغراءك بدعاء أوليائهم من دون الله ، فيزعمون أنهم أوتوا مفاتح الغيب ، وأنهم يتصرفون في الأكوان ويسمعون ، وفي قبورهم مراقبون لمريديهم ، وتارة أنهم يحضرون مجالس الذاكرين ، بل وأنهم صـاروا صفة من صفات الله ؟ .
بل منهم أصحاب مراتب عليا أوكل الله إليهم إمساك الأرض من زواياها .
كل ذلك لتتعلق بهم قلوب العوام رغبة ورهبة ، إذ لو تجرد الولي عن هذه الصفات لما توجه المحتاجون المكروبون بالدعاء إليه .
فلهذا لقبوا الرفاعي بالغوث الذي تستغيث به الخلائق وتخطو إلى قبره عند الدعاء ثلاث خطوات على نية رجاء قبول الدعاء ؟ وأن للأولياء صعوداً ونزولاً من وإلى العرش وأنهم يغيرون ما في اللوح المحفوظ ! وأن الوصول إلى الله لا يتم إلا بوضع صورة الولي في مخيلة الذاكر .
ويوم القيامة يُصوّر لكل أمة ما كانت تعبد فتتبع الصورة التي كانت تعبدها في الدنيا فتودي بها إلى نار جهنم جزاءً وفاقا .
والنقشبندية الذين يجعلون من أصول الذكر للمريد : أن يضع بين عينيه وفي مخيلته صورة الشيخ لأنه وسيلته إلى الله ( ) ، سيتبعون صورة الشيخ في الآخرة فتنتهي بهم إلى حيث ينتهي مصير الشرك .
وقد جاء في البحر الرائق ( ) الحكم بالشرك على من ادعى التصرف للأولياء .

يوسف التازي
13-01-15, 05:03 PM
شبهات أخرى حول الاستغاثة

ومن شبهاتهم : حديث الأعمى المشهور وفيه أن النبي  علمه أن يقول " يا محمد إني أتوجه إليك في حاجتي هذه لتقضى " ( ) .
وعلى افتراض أنه كان بعيدا فهو :
استحضار لمضمر في القلب كقول المصلى في صلاته : السلام عليك أيها النبي . وقد تقدم أن الصحابة تركوا هذا اللفظ لما قبض  وصاروا يقولون : السلام على النبي ، فإذا تركوا بعد موته خطاباً فيه دعاءً له لا دعاء إليه فكيف يمكن أن يقال بعد ذلك إنهم كانوا يستغيثونه بعد موته ؟
فإذا كانوا تركوا قول (السلام عليك) بعد موته فمن باب أولى أن يتركوا لفظ يا محمد
ولا يمكن أن يقول الرسول  " من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأنا أضمن له الجنة " ويقول " إذا سألت فاسأل الله " ثم هو يعلمهم أن يسألوا الأموات من أنبياء وصالحين .
أن أحداً من الصحابة لم يفهم من هذا الحديث جواز الاستغاثة ولذلك لم يستغيثوا به  بعد موته بل تركوا حتى التوسل الذي هو أدنى من الاستغاثة كما في حديث حادثة القحط المشهورة أيام خلافة عمر كما عند البخاري . فكيف يكون التوسل به حراماً والاستغاثة جائزة ؟
• أما قوله ( يا محمد ) فمن يمكنه أن يؤكد أنه كان بعيداً عنه ؟ وقد قال له النبي  " إيت الميضأة " فمن يدعي أنه ذهب إلى ميضأة بيته والأصل أن يدل السياق على أقرب ميضأة وهي ميضأة بيته  أو المسجد فلا يكون الأعمى مخاطباً له من مكان بعيد عنه !
وأما احتجاجكم بلفظ ( إني أتوجه بك ) : فهو توجه بدعاء النبي  وهذا ما حدث حقاً ، فقد توجه النبي  وطلب منه أن يدعو له فوعده  بالدعاء له . ولهذا قال في آخر دعائه " اللهم فشفعه في " أي اللهم اقبل دعاءه في .
• وأما التوجه الذي يفهمه الأحباش فهو التوجه إلى قبور الأنبياء والصالحين ، تلك هي سنتهم ، فإنهم رفاعيو الطريقة ، وقد سن كم محمد الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته ( ) . وهي سنن النصارى .
أما سنة نبينا فقد كان  يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي [ والدعاء صلاة ] ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " ، فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء ملة الشرك .

المستغيثون بالماء وهو ( جماد ) !

ومن شبهاتهم : الاحتجاج بأن الماء يسمى غيثاً لقول النبي  " اللهم اسقنا غيثا مغيثا " قال الأحباش المستغيثون بالجماد " وإذا كان الرسول  سمى المطر مغيثاً لأنه ينقذ من الشدة بإذن الله : فالنبي والولي أولى بهذا الوصف من الجماد : معناه كذلك أن النبي والولي ينقذ من الشدة بإذن الله " ( ) !
هكذا عادوا إلى الاستغاثة بالجمادات فإن الماء ليس بشراً ولا ملكاً !
ولا فرق بين الماء والحجر فكلاهما لا يعقل ، فإذا جاز تسمية الماء مغيثاً على معنى جواز الاستغاثة به لأنه ينقذ من شدة ، فالطعام ينقذ من شدة فيجوز الاستغاثة به ، وهو من النبات والشجر، والوثنيون يعبدون الشجر والحجر، فإذا جازت الاستغاثة بالماء فجوزوا الاستغاثة بالحجر لأنه ينقذ من شدة فإن الله جعله سبباً لنا ينقذنا به من الحر والقر فنتخذ منه البيوت ونحارب به العدو !
هكذا بلغت بهم السفاهة أن يجعلوا الماء مغيثا (اسم فاعل) بمعنى أنه يستغاث به ، كل ذلك ليثبتوا مسئولا مع الله ولو كان ماءاً ولكن : هل منكم من جرب الاستغاثة بالماء قبل أن يأتي بهذه الحجة الواهية ؟
ولكن إذا كان النبي أولى بهذا الوصف فلماذا لم يدع الناس إلى هذا الأولى فعلمنا أن الماء غيث ولم يعلمنا أنه هو  غيث ؟!
وهذا الحديث حجة عليكم فإنه لما سمى الرسول  الماء مغيثا لم يستغث به ، ولم يفهم صحابته هذا الفهم السقيم فلم يثبت عنهم الاستغاثة بنبي ولا ولي .
فاعتباركم الماء غوثا لأن اسمه غيث : تلبيس وتمويه . فقد قربكم لفظ الغوث هذا إلى يغوث صنم قوم نوح .
• ومن يدري ! لربما تستغيثون بالماء ، فإذا نزل " المغيث " قلتم : الماء هو الترياق المجرب كما قلتم في قبر معروف الكرخي لأن الفصل بين الحلال والحرام عندكم هو التجربة !
فاثبتوا على الاستغاثة بالماء أيها الظالمون حتى تلقوا الله على ذلك . فأنتم كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه : وما دعاء الكافرين إلا في ضلال .
ومن شبهاتهم : استدلالهم بقوله تعالى { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } وزاغوا عن قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
ولكن أيستعينون بالصلاة وهم فيها أم يخاطبونها بعد خروجهم منها ؟ هل منكم يا من تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون : من يعترف بأنه وقف يوماً يطلب الاستعانة من الصلاة وهو يصليها أو من الصبر الذي يصبره قائلاً : يا صبر أغثني ، يا صلاة أغيثيني اقضي حوائجي ادفعي كروبي ؟ كيف تستغيثون بالعرض الذي هو صفة لا تقوم بنفسها ؟ أنسيتم قواعد علم الكلام ؟
نوصيكم أن تتدبـروا كـلام الله { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } { وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .
ومن من السلف فهم هذا الفهم السقيم ، ولو كان هذا الذي فهموه فهل طبقوه ؟ هل ثبت أن أحدهم كان يطلب العون والغوث من الصلاة ؟
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
ومن شبهاتهم : أن عمر كتب عام الرمادة إلى أبي موسى بالبصرة أن " غوثاه لأمة محمد " فسارع المسلمون إلى إغاثة أهل المدينة لمّا أصابها الجفاف . فقال هؤلاء : أرأيتم كيف استغاث عمر بغير الله ( ) ؟
والجواب : والله ما نهينا أحداً عن الاستغاثة بمثل ما فعل عمر من اتخاذ الوسائل الشرعية ، ولذلك كتب الاستغاثة في رسالة وأرسلها ، ولم يناد في الهواء ، وأرسلها إلى الأحياء القادرين ، ولم يقل : يا رسول الله غوثاه لأمة محمد . وإنما نهينا عن الاستغاثة على طريقة النقشبندية والرفاعية حيث الاستغاثة بالأرواح والأشباح .
أفلا تسألون أنفسكم : لماذا لم يقل عمر : غوثاه يا رسول الله لأمة محمد ؟ لعلكم لا تجهلون هذه البديهيات لكنكم ما تضربون هذه الأمثال إلا جدلاً وتلبيساً على العوام !
ولا ننسى أن عمر هو الذي عدل عن التوسل بذات النبي  وجمع جمهور الصحابة عام الرمادة وتوسل أمامهم بدعاء عمه العباس ، فإما أن يكون ذلك تناقضاً منه وإما أن يكون سوء الفهم منكم :
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفتـه من الفهـم السقيـم

ليست كل استغاثة حراماً

ومن ظن أن كل استغاثة حرام فهو مخطئ ، فإن الاستغاثة المنفية على نوعين :
الأولى : الاستغاثة بالميت منفية مطلقاً وفي كل شيء .
الثـانية : الاستغاثة بالمخلوق الحي الغائب مطلقاً أو الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الخالق .
ثم إنّ فِعلَ عمر حجة عليكم ، فإنه لم يلجأ إلى الأموات على النحو الذي تفعلونه ولا إلى قبر النبي  ، ولم يستغث بأبي موسى من غير أن يكتب له الرسالة ويرسلهما بواسطة جنوده وبريده ، وهل كان عمر ليستغيث به لو لم يكن عنده ما يستحق الاستغاثة ؟
أما أنتم فتستغيثون بالأولياء وتعلمون أنه ليس عندهم ما كان عند أبي موسى لعمر ، وتشهدون أن ليس عندهم النفع الذي تسألونهم ولا دفع الضر الذي تطلبون منهم دفعه عنكم !
• وليــس كل دعـاء حـراماً ، فقد قـال تعـالى { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } أي الله { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فالدعاء هنا ليس دعاء عبادة ، فإننا نقيد تحريم استغاثة ودعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فمن خلط بين الأمرين فهو مخادع ملبس ، يقال له ما قيل لأهل الكتاب { لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
ومن شبهاتهم : ما ذكره الهيتمي من أن الاستغاثة من الله حقيقة والغوث منه حقيقة وإيجاد ، والنبي مستغاث به مجازاً ، والغوث منه تسبباً وكسباً بمنزلة قوله تعالى { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى } .


الجواب :
• أن هذا المجاز أداة اللعب بالدين ، سبقكم إليه الباطنيون لا السلف الصالح .
• أن الله ما أمر بهذا المجاز المزعوم ، وإنما أمر أن ندعوه هو مباشرة وحقيقة فقال { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } .
• أن هذا مشابهة لمن جعلوا وجود المخلوقات وجوداً مجازياً ولا وجوداً حقيقياً إلا وجود الله .
• أن هذا مشابهة للجبريين الذين جعلوا فعل العباد فعلاً مجازياً بناء على أن وأن وجودهم مجازي ، وسبقوكم بالاستدلال الباطل بالآية ، بينما هي تثبدت الرمي للنبي  وتنفي عنه إصابة الرمي .
• ماذا تقولون دام فضلكم فيمن توجه إلى التصاوير والأصنام مجازاً وزعم أن النفع الحاصل منها مجازي وإنما النفع من الله حقيقة ومنها مجازاً ؟!
• أن نقول : من سبق الهيتمي إلى هذا التفسير أم لعله خفي على الأمة حتى خلق الله الهيتمي لينشلنا من الضلال والجهل في تفسير هذه الآية الذي جهله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما حيث لم يذكروا استغاثة مجازية كالرمي على تفسيركم الفاسد لهذه الآية ، أم أنهم علموه ولكنهم كتموه !

الفرق بين الاستغاثة والدعاء

الاستغاثة لا تكون إلا من مكروب ، أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة ، فكل استغاثة دعاء كما أن الدعاء في اللغة نداء وطلب . وهو نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة ، وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة ، ودعاء مسألة متضمن دعاء العبادة ، على تعريف التضمن أنه دلالة الدليل على بعض معناه .
وإذا كانت الاستغاثة من أنواع الدعاء والدعاء هو العبادة تبين أن الاستغاثة عبادة لا يتوجه بها إلا إلى الله .
ومن شبهاتهم : أن الناس " يستغيثون يوم القيامة بآدم " .
وهذه استغاثة بالحاضر الحي القادر ، وقد كان الصحابة يأتون رسول الله  ويطلبون منه في حياته أن يدعو الله . لكن نفي آدم والأنبياء قدرتهم على الإغاثة وقولهم (لست لها ) حجة عليكم فإنه يدل على أن الأنبياء لا يقدرون دائماً على إجابة ما يطلبه الناس منهم . فلما قال لهم آدم ( لست لها ) تركوه وتوجهوا إلى غيره من الأنبياء لافتقاد شرط القدرة على الإغاثة .

تحريفهم قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ }

ومن شبهاتهم : احتجاجهم بآية { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ } مع مخالفتهم لما فهمه السلف منها حيث معناها المجيء إليه في حياته . فلا يجوز إحداث تأويل في آية أو حديث لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه لأنه يلزم من ذلك الطعن بهم أنهم جهلوا الحق الذي اهتدى إليه الخلوف من بعدهم ، أو أنهم علموه ولكن كتموه عن الأمة .
• قد ذم الله من تخلف عن هذا المجيء واعتبرهم منافقين مستكبرين غير مغفور لهم فقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
• ولم يثبت أن أحداً من الصحابة أتى قبر النبي  وسأله الاستغفار وهذا يقتضي دخول الصحابة في المنافقين المستكبرين وأن الله لن يغفر لهم لأنهم ما عملوا بهذه الآية ، بل ثبت تركهم للتوسل به بعد موته والتوسل بغيره .
• ولا يعقل أن يعطل الصحابة تطبيق الآية ثم يأتي هؤلاء الخلوف ويفهمون منها ما لم يفهمه ولم يطبقه الصحابة .
• ثم إن إيجاب مجيء القبر على كل مذنب من أمة محمد  تكليف بما لا يطاق ، فإن الأمة لا تستطيع مجيء القبر عند ارتكاب كل ذنب .
• أن في هذا الفهم إلغاء لدور الحج والعمرة ، بل يصير القبر حرماً يحج إليه الناس وحينئذ : فلماذا يحج الناس إلى مكة ؟ أليس ليعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ؟ ولماذا يفعلون ذلك والآية تنص بزعمهم على وجوب حج المذنبين إلى قبره  ؟ وكأنهم يقولون : من حج إلى قبر النبي  رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه !!!
• ويلزم أن يصير القبر عيداً ، بل أعظم أعياد المذنبين ، وهذا مخالفة للنبي  فإنه نهى عن أن يتخذ قبره عيداً .
• أن الآية خاصة بحياة النبى  ودليل ذلك أن قوله { إِذ ظَّلَمُواْ } للماضي لا للمستقبل ، وكل عربي يعلم أن { إِذ } المفيدة للمـاضي تختلـف عن ( إذا ) المفيدة للمستقبل حيث نزلت الآية فيمن ترك الرسول  وتحاكم إلى الطاغوت فهو بذلك أساء إلى الرسول وترك حقاً شرعياً لا تتحقق التوبة منه إلا بالمجيء إلى النبي  وإعلان التحاكم إليه . فوضح من ذلك أن هذه الآية نزلت في المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } .
أما ما يدعيه القوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فاخبرونا :
ألم يكن الصحابة من هذا العموم ؟
وإذا كان الجواب : نعم .
فمن عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه ؟ لقد تركوا التوسل به كما عند البخاري ( ) ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره  وطلب الاستغفار هناك بعد موته .
وإن كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به أو أنهم جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف !
ومن شبهاتهم : أن الأنبياء والأولياء مكرمون عند الله وأن ما يحصل لسائليهم من الإجابة إنما هو من معجزاتهم وكراماتهم . وأن الله أعطاهم ما لم يعط غيرهم .
الجواب : أن أكرم هذه الأمة نبيها ولم يستغث به الصحابة بل تركوا التوسل به بعد موته كما رواه البخاري عن عمر في قصة الاستسقاء .
• إن هناك شرطين للولاية هما الإيمان والتقوى كما قال تعالى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } والإيمان والتقوى في القلب لا يمكن الاطلاع عليهما ، ولا يحق لأحد إثباتهما أو نفيهما ، فالحكم عليهم بأنهم أولياء إثبات لإيمانهم وتقواهم . وهو خطأ آخر . فإنك منهي عن تزكية نفسـك { فَلاَ تُزَكُّوآ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } . فكيف تزكي غيرك .
• فهذا حكم بالنيابة عن الله . فليس من حكم على شخص بأنه في النار يكون هو المخطئ فقط ، ولكن من حكم عليه بالجنة نيابة عن الله فهو مخطئ أيضاً .
• أن هذا عين ما يتعلق به النصارى ، فإنهم يحتجون على غيرهم بما عاينوه من معجزات المسيح وكرامات أمه . وفي كل مرة تخرج صرخة من كنيسة وتزعم راهبة أن مريم ظهرت عليها ، وإنما هو شيطان يظهر للناس بصورة الولي الميت ويقضي لهم حوائجهم باسم هذا الولي تماماً كما كانت تفعل الشياطين عند الأصنام فتخاطب من يدعو الأصنام تحتال على الجهال لتزيدهم تمسكاً بشركهم وتخدعهم بهذه الحيل .
• ومن ذا الذي يزعم أن كل من أعطى شيئاً جاز طلبه منه ؟ فالصيام والقرآن يشفعان يوم القيامة كما جاء في الخبر : وحملة العرش يستغفرون ، بل وحتى الحيتان في البحر تستغفر لطالب العلم ، فلماذا لا تسألون الصيام حوائجكم لعله يشفع لكم ؟ أو لعلكم تسألون الحيتان أن تستغفر لكم ، إذا كنتم قد أجزتم الاستغاثة بالماء وبالصبر والصلاة : فماذا يمنعكم بعد ذلك أن تستغيثوا بالصيام والملائكة والحيتان ؟!
ومن شبهاتهم : احتجاجهم بحديث " إن لله ملائكة في الأرض يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصابت أحدكم عرجةً بفلاة من الأرض فلينادِ يا عباد الله أعينوا " ( ) .
• وهذا الحديث ضعيف لا يحتج به لما يلي :
1. أن الصحابة تركوا التوسل بالرسول  وهو أحب إليهم من رجال الغيب فكيف يتركون التوسل به ثم يتعلقون برجال في الهواء ؟
وقد وجه بعض أهل العلم هذه الرواية بمناداة حاضر قادر وهم الملائكة ، فليس في الأثر دعاء لغائب .
2. أن ناكثي العهد ومخلفي الوعد ممن يقولون ( نحن أشاعرة ) زعموا أنه لا يجوز الاستدلال في مسائل العقائد إلا بالمتواتر . وها هم هنا يحتجون بالآحاد الضعيف السند في مسألة عقدية .
3. أن فيه أسامة بن زيد الليثي قال الحافظ في التقريب (317) " صدوق يهم " وقال أحمد : ليس بشيء ، وقال عبد الله لأبيه أحمد : أراه حسن الحديث فقال أحمد : إن تدبرت حديثه فسوف تعرف فيه النكرة . وقال أبو حاتم : يُكتب حديثه ولا يُحتج به ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وتركه ابن القطان ويحي بن سعيد وقال " اشهدوا أنى قد تركت حديثه " ( ) . وقد وثقه آخرون كالدارمي وابن عدي ووثقه ابن شاهين وزاد ابن حبان " يخطئ " .
ومن تدبر هذه الأقوال علم أن ما تفرد به حقه الرد ، فإن توبع قُبِلَ . غير أن هذه الرواية التي رواها هنا مما تفرد به فحقها الرد .
وقد روي موقوفاً بإسناد أجود من هذا عند البيهقي عن جعفر بن عون في شعب الإيمان (سلسلة الأحاديث الضعيفة 2: 111) ، وهو مع ذلك معلول بالوقف .
4. أن أسامة تفرد به ، وتفرد ضعيف الحفظ يُعد منكراً إذا لم تؤيده أصول صريحة صحيحة . وأما قول الحافظ (هذا حديث حسن الإسناد غريب جداً) فمعلوم أن حسن إسناده لا يدل على حسن الحديث دائماً .
5. وفيه حاتم بن إسماعيل الراوي عن أسامة " صحيح الكتاب صدوق يهم" ( قاله الحافظ في التقريب 994) وقال ( وقرأت بخط الذهبي في الميزان " قال النسائي : ليس بالقوي " ( التهذيب 2/128) .
* وفي رواية أخرى من طريق أحمد بن يحي الصوفي ثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني عن عبد الله بن عيسى عن زيد عن عتبة بن غزوان عن النبي  أنه قال " إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني " . قال الهيثمي في (مجمع الزوائد 10/132) " رجاله ثقات على ضعف في بعضهم " .
• وكذلك رواية " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة : فليناد : يا عباد الله احبسوا . فإن لله حاضراً في الأرض سيحبسه ". رواه أبو يعلى والطبراني . وفيه معروف بن حسان : وهو ضعيف . قال أبو حاتم في ( الجرح والتعديل 8/323 ) " ضعيف ! " وقال ابن عدي في ( الكامل 6 / 325 ) " منكر الحديث " . وقال الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10/132) " فيه معروف بن حسان وهو ضعيف " . وقال الشيخ محمد بن درويش الحوت في ( أسنى المطالب ص 62 ) " معروف بن حسان منكر الحديث " .
وفيه سعيد بن أبي عروبة : اختلط ، قال النسائي : من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء . ومعروف بن حسان من الصغار ولم يسمع منه قبل الاختلاط إلا الكبار . وكان بدأ اختلاطه سنة 132 واستحكم سنة 148 أفاده البزار ، ثم إن سعيداً مدلس كثير التدليس ، وقد روى هذا الحديث معنعناً عن أبي بريدة فلا يقبل .
وروى ابن أبي شيبة في المصنف ( 10/424 ) : ثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله  قال .. " فذكره . وهذا إسناد معضل فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس مشهور .
• فهذه الروايات قد اجتمع فيها علل كثيرة ، وهناك علة أشعريه يتجاهلها الأشاعرة وهي أن الرواية ليست من المتواتر ، ورواية غير المتواتر عندهم ممنوع في العقائد ! فهل يجوز للأشعري ما لا يجوز لغيره !
ولو فرضنا أن الرواية بلغت مرتبة الحسن فإنها شاذة بالنسبة لما خالفها من الروايات الأصح سنداً ، ابتداء من كتاب ربنا { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [ الإسراء 67 ] ولا فرق بين الأرض الفلاة وبين البحر وتتعارض وقوله { قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 63 قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } [ الأنعام 63 ] فالآية تؤكد أن الله وحده هو المنجي لعباده في البر والبحر ، ويأبى هؤلاء إلا الشرك ورد كتاب الله وما صح من سنة نبيه  بهذه الروايات المعلولة .
أفيجوز أن يأتي جواب رسول الله على الآية : نعم هناك غير الله من ينجي في البر والبحر إذا قال لهم " أغيثوني " !!!
كيف يكون هذا جوابه وقد قال " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " . وأرشدنا إلى أن الدعاء عبادة بل مخها .
• إن هذه الروايات أصح سنداً وأكثر توافقاً مع القرآن من رواية " فليقل يا عباد الله أغيثوا " الضعيفة التي تتمسكون بها .
وإنه لمن علامات الزيغ : الإعراض عن الآيات الصريحة والروايات الصحيحة ، وإيثار المعلول وغريب الروايات عليها .
هذا إبراهيم عليه السلام يتعرض لأعظم نار أوقدت فيكتفي بالله ويقول : حسبي الله ونعم الوكيل . فلم يناد رجال الغيب .
هكذا يثنينا الحبشي عن (يا الله) ويحضنا على (يا عباد الله) وهذا فساد في الفطرة والدين والعقل ، ومخالفة للملة الحنيفية التي كان عليها إبراهيم عليه السلام ، بل ترى مثل هذا الشرك في الملل التي انحرفت عن ملته ، كاليهود والنصارى .
ومن شبهاتهم التي يقابلون بها المنكرين عليهم ، قولهم : هل يحرم استعمال (ياء) المنادى مطلقاً كأن أنادي إنساناً على الطريق يا فلان ؟ فإذا قال المنكر : لا ، قالوا : فلماذا تفرقون بين الإباحة هنا والتحريم هناك ؟ .
وهذا جدل بالباطل كما قال تعالى { ما ضربوه لك إلا جدلا ، بلى هم قوم خصمون } وقال { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْء } ِ[ النحل 60 ] إنهم يتغافلون عمداً عن وجود الأسباب في الحي وانقطاعها في الميت .
فالشريعة لم تحرم الدعاء بين اثنين مع أخذ الأسباب ، أما ما يحصل عند القبور والمزارات والأضرحة فالأسباب فيه منقطعة فلا حياة لهم ولا سمع ولو كان بيدهم نفع أو ضر لكان الأولى بهم أن ينفعوا أنفسهم فيخرجوا من القبور ويستبدلوها بالقصور .
ومن يملك أسباب دفع الضر والشفاء من المرض كالطبيب فطلب الدواء منه ليس شركاً أما طلب الدواء من ميت فهو شِركٌ في الدين وخلل في العقل .
• وهل يستطيع الميت أن يفعل في قبره ما يفعله الحي من إنقاذ غريق أو قتل بريء ؟ إذن كيف توجه المغفل بطلب الحاجة من الميت مع أنه صار بموته أعجز مما كان عليه وهو حي ؟
أترى ضاعت عقول هؤلاء ؟ هل يستطيعون إغراء نصراني بدخول الإسلام بمثل هذه الخرافات ؟
• بل لم تعد عندكم استغاثة النصراني بالمسيح وأمه منكراً ولم تعد استغاثة الشيعة بالحسين وبـ " صاحب الزمان " منكراً .
هل يمكن للنبي  سماع أدعية آلاف ممن يدعونه في وقت واحد من مناطق مختلفة ؟ أو تعتقدون أن نبينا لا يشغله سمع عن سمع ؟ ويسمع من يناديه ولو من مكان بعيد ، وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع من يدعوه بعد موته ؟ وقد حكم علماء الأحناف بكفر من إذا تزوج امرأة بغير شهود فقال : إن الله ورسوله شاهدان . وعللوا ذلك بأنه اعتقد أن رسول الله  يعلم الغيب ، وهو ما كان يعلم الغيب حين كان في الأحياء فكيف بعد الموت ( ) .
وهل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن الله للنصارى والباطنيين إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على بعض ما عند النصارى واليهود والباطنية !
ولا ننسى أن أول من أحدث بناء القباب والمشاهد وأسموها زوراً ( مساجد ) هم العبيديون أبناء اليهودي عبيد الله القداح . وزعموا أنهم فاطميو النسب ، واستطاعوا في خلال خمسة قرون حكموا فيها العالم الإسلامي أن يملؤوه من هذه الأضرحة التي لا يكاد يخلو منها مسجد.
حتى صرنا نرى للحسين والسيدة زينب عدة أضرحة في مصر والعراق وكربلاء وغيرها . وهؤلاء الأحباش إنما يعيدون إحياء هذه اللوثة الباطنية العبيدية والتنقيب عن الأدلة لتشريعها وتسويغها بين الناس .

الأسباب يجب أن تكون مشروعة

وزعم الحبشي أن الله جعل الأولياء أسباباً لنا ندعوهم ونستغيث بهم ، وأن ذلك يجوز من الموحد ما دام يعتقد أن الضُرّ والنفع بيد الله . أما إن كان يعتقد أن غير الله ينفع أو يضر من دون الله فقد وقع في الشرك .
إن هذا هو الافتراء على الله ، قال تعالى { وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } ولا يجوز جعل شيء سبباً إلا بتوقيف من الشرع وبعلم ، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم كان مبطلا بل داعية بدعوى الجاهلية ، فإنه لم يجعل الاستغاثة بغير الله سبباً إلا عُبّاد الأصنام حيث زعموا أن وساطة الصالحين سبب تحصل بها القربى إلى الله مَا { نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ الزمر ] { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } ، فهم اخترعوا سبباً ما شرعه الله لهم سبباً

والأسباب تنقسم إلى نوعين : سبب مشروع ، وسبب محرم .
فكل ما شرعه الله ورسوله فهو سبب مشروع ، وما لم يشرعه فليس من الأسباب ولا الوسائل . والله لم يشرع لنا أن نسأل غيره فقد قال { ادْعُوا رَبَّكُمْ } وقال { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } وقال { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } ولم يقل واسألوا الرسول من فضـل الله ، وقال { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وقال رسوله  " إذا سألت فاسأل الله " ولم يسمح لنا أن نسأل الأسباب مع المسبب .
فكيف يقال بعد هذا : إن سؤال غير الله سبب مشروع ؟ من الذي شرعه : آلله أذن لكم أم على الله تفترون ؟ لو جعلها أسباباً لنص عليها ورغّب فيها ، ولكن لا دليل من القرآن ولا من السنة ولا من عمل السلف على مشروعية ذلك

أسبابكم غير مشروعة
لو كانت أسبابكم شرعية لسارع الصحابة إلى التمسك بها ولما تركوا دعاء الرسول بعد موته واتخذوا من دعاء العباس سبباً مشروعاً لهم ، الأمر الذي يؤكد أن مفهوم الأسباب الشرعية عند الصحابة هو طلب الدعاء من المتوسل به بحياته ويكون ذلك في حياته وأما ما سواه فهي أسباب غير مشروعة . وهذا يثبت مخالفة فهمكم لما فهمه السلف حول الأسباب الشرعية .
نعم قد تكون الاستغاثة بالميت سبباً لكشف الضر : مثل كون السرقة سبباً لكشف الفقر وحصول الرزق . ومثل كون شهادة الزور سبباً لتحصيل المال . ولهذا حرّم الله من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته .
فكلا السببين حرام ، مع فارق أن السرقة وشهادة الزور أهون عند الله من الشرك والاستغاثة بمن شهد أنه لا يملك لنا من الله شيئاً .
ولو كان دعاء غير الله من عقيدة الفرقة الناجية لاشترك النصارى والروافض مع الفرقة الناجية لأن دعاء غير الله والاستغاثة بالأضرحة والمزارات عقيدة مشتركة بين الملل الثلاثة : الحبشية والرافضية والنصرانية .
فهذا دليل على اتفاق الحال بينكم وبين المشركين أن ما تطلبونه منهم هو عين ما كانوا يطلبونه من أصنامهم من كشف الضر والنصرة على العدو وقضاء الحاجة . فاتفقتم معهم في أمرين :
ا- أنكم تطلبون من الصالحين ما كانوا يطلبونه منهم .
2- أنكم تطلبون من غير الله .
ولكن أعظم الأسباب النافعة : إخلاص العبادة لله . وفي الشرك الضرر في الدين والدنيا . لأن النبي  أخبر أن شفاعته تنال من حقق التوحيد وابتعد عن الشرك ، قال " فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " ( ) فتأمل كيف جعل الله تحقيق التوحيد من أعظم أسباب نيل الشفاعة .

حججكم وحججهم واحدة
• ومن عقيدة الحبشي أن المسبب هو الله عز وجل وأنه لا يجوز الالتفات إلى الأسباب ، فما له يلتفت إلى السبب هنا وقد نُهي عن ذلك بأن أمره الله أن لا يدعو إلا إياه ، فهو وأمثاله طبائعيون في الاستغاثة والدعاء . يجعلون الأسباب شريكة مع مسببها .
• نعم ، نحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها ، ولكن لا يعني ذلك سؤال الأسباب من دون الله . فالله جعل الريح سبباً لجلب السحاب ، والسحاب سبباً لنزول المطر { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا } فهل تجيزون لأنفسكم أن تسألوا الرياح من دون الله أن تسيّر لكم سحاباً ؟

شهادة للشيخ الفاخوري
لماذا أسقطها الأحباش من كتابه ؟

وقد شهد مفتي بيروت الشيخ عبد الباسط فاخوري ( ) بمشابهة كثير من المسلمين بالمشركين الأوائل فقال بأن " أكثر العوام من جهة الإسلام قد تغالوا وأفرطوا وابتدعوا بدعاً تخالف المشروع من الدين القويم فصاروا يعتمدون على الأولياء الأحياء منهم والأموات معتقدين أن لهم التصرف وبأيديهم النفع والضر ويخاطبونهم بخطاب الربوبية وهذا غلو في الدين القويم وخروج عن الصراط المستقيم " . ولكن هذا النص وغيره قد حذفه الأحباش ، وهي خيانة علمية سجلها لهم التاريخ .

من صفات الأولياء المقبورين

تأمل كيف يحاول المبطلون إغراءك بدعاء أوليائهم من دون الله ، فيزعمون أنهم أوتوا مفاتح الغيب ، وأنهم يتصرفون في الأكوان ويسمعون ، وفي قبورهم مراقبون لمريديهم ، وتارة أنهم يحضرون مجالس الذاكرين ، بل وأنهم صـاروا صفة من صفات الله ؟ .
بل منهم أصحاب مراتب عليا أوكل الله إليهم إمساك الأرض من زواياها .
كل ذلك لتتعلق بهم قلوب العوام رغبة ورهبة ، إذ لو تجرد الولي عن هذه الصفات لما توجه المحتاجون المكروبون بالدعاء إليه .
فلهذا لقبوا الرفاعي بالغوث الذي تستغيث به الخلائق وتخطو إلى قبره عند الدعاء ثلاث خطوات على نية رجاء قبول الدعاء ؟ وأن للأولياء صعوداً ونزولاً من وإلى العرش وأنهم يغيرون ما في اللوح المحفوظ ! وأن الوصول إلى الله لا يتم إلا بوضع صورة الولي في مخيلة الذاكر .
ويوم القيامة يُصوّر لكل أمة ما كانت تعبد فتتبع الصورة التي كانت تعبدها في الدنيا فتودي بها إلى نار جهنم جزاءً وفاقا .
والنقشبندية الذين يجعلون من أصول الذكر للمريد : أن يضع بين عينيه وفي مخيلته صورة الشيخ لأنه وسيلته إلى الله ( ) ، سيتبعون صورة الشيخ في الآخرة فتنتهي بهم إلى حيث ينتهي مصير الشرك .
وقد جاء في البحر الرائق ( ) الحكم بالشرك على من ادعى التصرف للأولياء .

يوسف التازي
13-01-15, 05:04 PM
كيف نفهم التوحيد

ومن الشرك الذي يفوق شرك أهل الشرك القدامى ما يرويه الصيادي عن علي بن عثمان خليفة الرفاعي أنه قال : " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلىَّ سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخلة لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
ويروي النبهاني أن الشيخ جاكير الكردي كان يقول للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " فكانوا في مركب فهبت الريح بهم وتلاطمت الأمواج فاستقبلوا العراق جهة مكان الشيخ ونادوه باسمه فسكنت الريح . فشعر الشيخ باستغاثتهم به فأشار بكمه إلى الجنوب فهبت ريح طيبة وأوصلتهم إلى البر ( ) .
وذكر النبهاني أن تجار اليمن كانوا يستغيثون بأبي الغيث اليمني في شدائد البحر ومضايق البر ( ) .
بعد هذا ينكر الأحباش على مؤلف كتاب " كيف نفهم التوحيد " قوله إن أبا جهل أكثر توحيداً من الذين يقولون لا إله إلا الله في زماننا ، وقد اقتطعوا كلامه ، ولم يكملوا عبارته التي ذكر فيها أنه كان في مركب وهبت بهم الريح فصار الناس يستغيثون بالجيلاني بدلاً من التوجه إلى الله القائل { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ويقول { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } فأولئك دعوه مخلصين له الدين ، وهؤلاء دعوا الجيلاني فأي الفريقين على التوحيد ؟!














لا تتبعوا خطوات الشيطان

هؤلاء المجادلون المشوشون يبدءون تشويشهم خطوة خطوة :
المرحلة الأولى : ما المانع من التوسل بالنبي ïپ¥ إلى الله .
المرحلة الثانية : ما الفرق بين النبي وبين الصحابي والتابعي ؟
المرحلة الثالثة : ما الفرق بين الصحابة وبين الأولياء ؟
المرحلة الرابعة : تعلمون أن النبي ïپ¥ حيٌ في قبره ، إذن فهو يسمع كلامنا وقد أوكل الله له ملكاً يسمعه كلامنا فلماذا لا نستغيث به وهو المقرب إلى الله صاحب الجاه عنده ؟
المرحلة الخامسة : أليس ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ؟ إذن فهؤلاء الأولياء مكرَّمونا في قبورهم لهم من الأحوال ما للأنبياء فلماذا لا نستغيث بهم .
وهكذا خطوات تدريجية نحو الشرك ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } .

مراتب الأولياء وخصائصهم

• ونسب منحرفو الصوفية إلى الأولياء ما لم يخطر ببال المشركين الأوائل ، فجعلوا السموات والأرض تقوم بهم:
فالنقباء ثلاثمائة : وهم الذين نقبوا الكون وخرجوا إلى فضاء شهود المُكوِّن ومسكنهم المغرب .
والأبدال أربعون : " الأبدال " ومسكنهم الشام .
والأخيار سبعة : وهم السياحون في الأرض .
والأوتاد أربعة : موزعون على أربع زوايا من الكون ليكونوا ركناً له . فهؤلاء هم الذين يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع .
والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها .
والنقباء مشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر .
والحواريون اثنان : وكان منهم في زمن الرسول ïپ¥ الزبير.
والقطب أو الغوث : ويكون واحداً وهو القائم بحق الكون والمكون . وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد ، بيده قسطاس الفيض الأعظم ... فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل " ( ) .
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . وأجبتم قوله تعالى { وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } فقلتم : يمسكها القطب والبدل والوتد والنجب... الخ .
كيف يكون لهؤلاء هذا التصرف المزعوم ، وقد قال سيد ولد آدم ïپ¥ " لا أملك لكم من الله شيئاً " . إن سموم عقائد الأمم الأخرى قد دست بين المسلمين وتسرب إليهم كثير من عقائد الشيعة فيجب مجاهدة هذه السموم حتى ينصرنا الله.


كيف نفهم التوحيد

ومن الشرك الذي يفوق شرك أهل الشرك القدامى ما يرويه الصيادي عن علي بن عثمان خليفة الرفاعي أنه قال : " يا سادة ، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها ، ومن شكا إلىَّ سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت ، أو نخلة لا تثمر ، أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فإني مجيب له " ( ) .
ويروي النبهاني أن الشيخ جاكير الكردي كان يقول للناس " إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي " فكانوا في مركب فهبت الريح بهم وتلاطمت الأمواج فاستقبلوا العراق جهة مكان الشيخ ونادوه باسمه فسكنت الريح . فشعر الشيخ باستغاثتهم به فأشار بكمه إلى الجنوب فهبت ريح طيبة وأوصلتهم إلى البر ( ) .
وذكر النبهاني أن تجار اليمن كانوا يستغيثون بأبي الغيث اليمني في شدائد البحر ومضايق البر ( ) .
بعد هذا ينكر الأحباش على مؤلف كتاب " كيف نفهم التوحيد " قوله إن أبا جهل أكثر توحيداً من الذين يقولون لا إله إلا الله في زماننا ، وقد اقتطعوا كلامه ، ولم يكملوا عبارته التي ذكر فيها أنه كان في مركب وهبت بهم الريح فصار الناس يستغيثون بالجيلاني بدلاً من التوجه إلى الله القائل { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ويقول { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } فأولئك دعوه مخلصين له الدين ، وهؤلاء دعوا الجيلاني فأي الفريقين على التوحيد ؟!














لا تتبعوا خطوات الشيطان

هؤلاء المجادلون المشوشون يبدءون تشويشهم خطوة خطوة :
المرحلة الأولى : ما المانع من التوسل بالنبي ïپ¥ إلى الله .
المرحلة الثانية : ما الفرق بين النبي وبين الصحابي والتابعي ؟
المرحلة الثالثة : ما الفرق بين الصحابة وبين الأولياء ؟
المرحلة الرابعة : تعلمون أن النبي ïپ¥ حيٌ في قبره ، إذن فهو يسمع كلامنا وقد أوكل الله له ملكاً يسمعه كلامنا فلماذا لا نستغيث به وهو المقرب إلى الله صاحب الجاه عنده ؟
المرحلة الخامسة : أليس ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ؟ إذن فهؤلاء الأولياء مكرَّمونا في قبورهم لهم من الأحوال ما للأنبياء فلماذا لا نستغيث بهم .
وهكذا خطوات تدريجية نحو الشرك ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } .

مراتب الأولياء وخصائصهم

• ونسب منحرفو الصوفية إلى الأولياء ما لم يخطر ببال المشركين الأوائل ، فجعلوا السموات والأرض تقوم بهم:
فالنقباء ثلاثمائة : وهم الذين نقبوا الكون وخرجوا إلى فضاء شهود المُكوِّن ومسكنهم المغرب .
والأبدال أربعون : " الأبدال " ومسكنهم الشام .
والأخيار سبعة : وهم السياحون في الأرض .
والأوتاد أربعة : موزعون على أربع زوايا من الكون ليكونوا ركناً له . فهؤلاء هم الذين يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع .
والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها .
والنقباء مشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر .
والحواريون اثنان : وكان منهم في زمن الرسول ïپ¥ الزبير.
والقطب أو الغوث : ويكون واحداً وهو القائم بحق الكون والمكون . وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد ، بيده قسطاس الفيض الأعظم ... فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل " ( ) .
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . وأجبتم قوله تعالى { وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } فقلتم : يمسكها القطب والبدل والوتد والنجب... الخ .
كيف يكون لهؤلاء هذا التصرف المزعوم ، وقد قال سيد ولد آدم ïپ¥ " لا أملك لكم من الله شيئاً " . إن سموم عقائد الأمم الأخرى قد دست بين المسلمين وتسرب إليهم كثير من عقائد الشيعة فيجب مجاهدة هذه السموم حتى ينصرنا الله.

يوسف التازي
13-01-15, 05:07 PM
أقسام التوحيد بين السلف والمتكلمين

وقد اعترض الحبشي على تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات واعتبر ذلك بدعة لا دليل عليها ( ) .
ووصف كاتب حاقد تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات بأنه مشابهة لعقيدة الثالوث عند النصارى .

• الجواب الأول
• إذا كان تقسيم التوحيد عند أمثال هذا كالثالوث : فما الفرق بينه وبين ثالوث أهل الكلام الأشاعرة الذين قسموا التوحيد إلى :
- واحد في ذاته لا قسيم له .
- واحد في صفاته لا شبيه له .
- واحد في أفعاله لا شريك له .
• أن دليلنا على تقسيم التوحيد هو نفس دليلكم في تقسيم الكفر والتوحيد إلي ثلاثة أقسام وعلى تقسيم البدعة ، حيث حسّن الحبشي ما ذمه النبي ïپ¥ بقوله " كل بدعة ضلالة " وجزّاً ما لم يقبل التجزئة .
- أما تقسيمكم للكفر فقد جاء في مجلتكم (منار الهدى 2/16 و 39) ما نصه " وهؤلاء فقهاء الإسلام الذين قسّموا الكفر إلى ثلاثة أقسام أخذوا ذلك مما فهموا من القرآن ". وذلك رداً على من طالب الحبشي بالدليل على تقسيم الكفر إلى ثلاثة أقسام .
- وأما تقسيم شيخكم التوحيد إلى ثلاثة أقسام فهو مبنيٌ على طريقة الفلاسفة كابن سينا والفارابي ( ) ويتفق تماماً مع تقسيم المعتزلة كما نجده عند القاضي عبد الجبار المعتزلي وبنفس اللفظ ( ) .
حيث يقسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
• واحد في ذاته لا قسيم له ، بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة . وفسّره بمعنى (الأحد) الذي لا ينقسم ( ) , وهو من تعبير الفلاسفة كقول الفيلسوف الكندي " ولا ينقسم الله بنوع من أنواع التكثر " ( ). ( ) ولفظ (الأحد) مفهوم عند العامة والخاصة ، ولكن جاء المؤولة أهل الكلام واصطلحوا على معنى خفي لهذا اللفظ وهو: الذات المجردة عن الصفات
• واحد في صفاته لا شبيه له . بمعنى نفي النظير عنه في ذاته ( ) .
• واحد في أفعاله لا شريك له . بمعنى نفي المساهم في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات ( ) . ( ) .
وليس في شيء من هذه الأقسام الثلاثة تطرقٌ إلى التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه : وهو توحيد الله في الدعاء والعبادة والذبح والنذر { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي } (مريم 48) { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (الجن 18) ولهذا نجد عندهم شرك دعاء غير الله على النحو الذي كان عليه أهل الجاهلية من نذر وذبح للأولياء وللأضرحة ، مع زعمهم أنهم قرروا التوحيد بهذه الأقسام الثلاثة .
فهذه التعابير محدثة لم ينطق بها السلف ولا يستسيغها الناس لا لصعوبتها وإنما لعُجْمَة لكنتها ولأنها من عند الفلاسفة والمتكلمين الذين هم أكثر الناس مرضاً وشكاً في الله على حد قول الغزالي القائل " إن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً ومشرف على الزوال بكل شبهة " (الإحياء 1: 94) وقال أيضاً في (فيصل التفرقة 153) " فَقِسْ عقيدة العامِيّ بعقيدة المتكلمين والمجادلين تجد اعتقاد العامّيّ في الثبات كالطوْد الشامخ لا تُحركه الدواهي والصواعق " .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله " والأحد هو الواحد في ألوهيته وربوبيته . وفسره أهل الكلام بما لا يتجزأ ولا ينقسم " ( ).

• الجواب الثاني
التوحيد عند الغزالي أربعة أقسام
أفضلها وحدة الوجود

ينقسم التوحيد عند الغزالي (الأشعري) إلى أربعة أقسام :
رابعها : وهو أعظمها : أن لا يرى العبد في الوجود إلا واحداً .. وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد ، وتقسم التوحيد إلى توحيد شهودي وتوحيد وجودي.
قال الغزالي " فإن قلت : كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة : فكيف يكون الكثير واحداً ؟
أجاب : فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات : وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون : " إفشاء سر الربوبية كفر " .
أضاف " إن الشيء يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحداً بنوع واعتبار آخر. وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر واحد إذ نقول : إنه إنسان واحد ".
" وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق ... فهو باعتبار واحد من الاعتبارات : واحد وباعتبار آخر سواه : كثير...


ويستحسن طريقة الحلاج في وحدة الوجود
وإلى هذا أشار : الحسين بن منصور الحلاج حيث قال للخوّاص : قد أفنيت عمرك في عمران باطنك : فأين الفناء في التوحيد ؟ " ثم أكد الغزالي عقيدته في وحدة الوجود قائلاً " وليس مع الله موجود ؟ بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة " .
وقال في كتابه مشكاة الأنوار " العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق… فقال بعضهم " أنا الحق " وقال الآخر " سبحاني ما أعظم شأني " ( ) ثم احتج ثانية بالحلاج وبشعره الذي يقول فيه ( ) :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحـان حلـلنا بدنا
فهذه تقسيمات أربعة للتوحيد ينتهي فيها الغزالي إلى عقيدة وحدة الوجود والاحتجاج بالحلاج الذي ينقل الأحباش تحذير أحمد الرفاعي منه غاية التحذير .
ولقد حكم الأحباش بكفر سيد قطب لقوله بأن " الوجود الحقيقي إنما هو لله فقط " قالوا: أليس هذا قولاً بوحدة الوجود التي اتفق علماء المسلمين على كفر قائلها " غير أنهم لتحيزهم لا يتحدثون عن هذه الكلمات التي كان الزبيدي يقر الغزالي عليها ويشرحها ويصرح بأنه ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله وأفعاله " ( ) !
فانظر إلى المتعصبين المشوشين كيف يتكتمون على ما عند الغزالي من الانحراف ، ويظهرون في موقفهم من المصلحين بمظهر المصلح . أليس هذا دليلا على أن الدافع على إنكارهم على ابن تيمية ليس نصرة الحق . لو كانوا يريدون الحق لأنكروا على الغزالي عقيدته في وحدة الوجود .

النقشبنديون يقسمون التوحيد إلى وحدة الوجود
جاء في البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية " اعـلم أن التوحيد قسمان :
توحيد شهودي كقول الحلاج : أنا الحق . وقول أبي يزيد : سبحاني ما أعظم شأني .
توحيد وجودي . فالتوحيد الشهودي لا يخالف العقل بخلاف التوحيد الوجودي ( ).

• الجواب الثالث
أن المرتضى الزبيدي قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
1. توحيد الذات .
2. توحيد الصفات .
3. توحيد الأفعال .
وأقرّ التفريق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية ناقلاً عن صاحب البصائر أن الصبر لله متعلق بالإلهية ، والصبر به متعلق بربوبيته ، وما تعلق بالإلهية أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته " ( ) . انتهى .
فهل تتهمون الزبيدي بموافقة القائلين بالثالوث كما اتهمتم ابن تيمية، ولا يخفاكم وصف الزبيدي لابن تيمية بأنه شيخ الإسلام رغم أنوفكم ( ).
أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية ذكره البيجوري في شرح جوهرة التوحيد (ص 97) ففي تفسير { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال " يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية " . وهو عين ما قاله العلامة الحنفي ملا علي قاري رحمه الله ( ) وزاد عليه " والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة لنوعي التوحيد بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما " ( ) .
وذكر تلميذ الكوثري الشيخ أبو غدة أن هذا التقسيم مستقى مما جاء به الكتاب والسنة ( ) .
وأشار صاحب الحدائق الوردية النقشبندي إلى هذا الفرق بين توحيد الربوبية التي سماها مرتبة الخالقية والمرتبة الثانية التي أسماها بمرتبة الألوهية ( ).

• الجواب الرابع
أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية ليس بدعة بل حكاه الطبري وغيره عن أهل العلم قبل ابن تيمية بمئات السنين : فقد قال في تفسير قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } أي فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته وأفردوا له الربوبية والألوهية" ( ). وكذلك قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي الذي فعل هذه الأفعال وأنعم عليكم هذه النعم هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره " ( ).
وفي تفسيير قول { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال "كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته " ( ).
وقوله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } " وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكاً في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل " ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع . قال قتادة " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك" وقال ابن زيد " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه خالقه ورازقه وهو يشرك به… ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك : المشركون كانوا يقولون هذا " ( ) .
فالتقسيم دليله من كتاب الله كتقسيم الأحكام إلى فرض وواجب ومسنون ومباح ومكروه ومحرم وليس في ذلك نص وإنما هو مستفاد من نصوص الشرع، بخلاف التقسيمات المخالفة للنصوص الشرعية كتقسيم البدعة إلى بدعة واجبة وبدعة مستحبة وقد قصرها النبي ïپ² على واحدة " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " .
ومن الأدلة على صحة التقسيم ما أخرجه (مسلم 382) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال " كان رسول الله ïپ² يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار . فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر . فقال " على الفطرة " ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . فقال رسول الله ïپ² " خرجت من النار " . فنظروا فإذا هو راعي معزى " .
فقول رسول الله عليه ïپ² لمن قال : الله أكبر " على الفطرة " أفاد أمراً مهماً وهو أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية مستقر في الفطرة البشرية ولذلك لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا عندما أتى بالشهادة بتوحيد الألوهية.

لماذا نُذَكِّر بهذا التقسيم ؟
وقد وجب تذكير الناس بهذا حين اعتقدوا أن ( لا إله إلا الله) تعني أنه لا خالق ولا رازق إلا الله وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه المشركون كلما سئلوا { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } قالوا { اللَّهُ } .
ومن هنا وجب تذكير الناس بتوحيد الألوهية لئلا يظنوا أن لهم الفضل في توحيدهم الفطري للربوبية . وليعلموا أنهم مطالبون بمقتضى توحيد الربوبية الفطري أن يوحدوه توحيد الألوهية وذلك بإفراده بالدعاء والذبح والنذر وسائر الطاعات والعبادات . فإن من يعتقد أن الله هو الخالق الرازق وحده وجب عليه بمقتضى ذلك أن يعبده وحده فيجعل صلاته وذبحه ودعاءه له وحده لا يشركه في ذلك ولي ولا صنم ولا ضريح .
وقد احتيج إلى هذا التقسيم أيضا لقطع الطريق على أهل الكلام الذين قصروا الناس على توحيد الربوبية الذي كان يعتقده أبو جهل وجعلوه غاية توحيدهم، كما زعموا أن أحمد الرفاعي قال " غاية المعرفة بالله : الإيقان بوجوده ( ) وليتنبهوا إلى أن غاية التوحيد الذي أرسل الله من أجله رسله وأنزل كتبه ليس لمجرد اعتقاد أن صانع العالم واحد وإنما غايته إفراد صانع العالم وحده بالعبادة ، والدعاء عبادة والذبح والنذر عبادة .


لماذا قال الملكان : من ربك ولم يقولا من إلهك ؟

شبهة : واحتج الحبشي بسؤال الملكين للميت (من ربك " ولم يقولا له : من إلهك " على أن الربوبية والألوهية شيء واحد .
و الجواب:
أن هذا الدليل شبهة ليست بأوضح ولا أقوى من النص القرآني { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } فالنص القرآني محكم يرد إليه المتشابه الذي احتج به أهل الزيغ ، أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ } وكما يقال { رَبِّ الْعَالَمِينَ } و ( إله المرسلين (، وذلك مثل لفظ (المؤمن والمسلم) (والفقير والمسكين) (والزكاة والصدقة) .
وعند الإفراد يجتمعان كما في قول الملك للميت (من ربك) ومعناه من إلهك . لأن الربوبية التي أقر بها المشركون وشهد لهم القرآن بالإقرار بها ما يمتحن بها أحد . وكقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } { قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا } فالربوبية في هذه الآيات هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة عند الاقتران .
فإذا قيل : فقولوا بأن آية الميثاق { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ } تتعلق بالألوهية وليس الربوبية .
فالجواب :
أولاً : أن هناك قرينة تثبت أن الربوبية هي المراد هنا دون الألوهية ، وهي أن الكافر بعد أن يعرض عليه مقعده من النار يقول " رب لا تقم الساعة " فهذا يدل على أنه مؤمن به مقر بوجوده فكيف يسأل عنه ؟
وقد حرمه الله أن يجيب عن هذه الحقيقة التي فُطِر عليها ولم يثبته عند السؤال عقوبة له ، والجزاء من جنس العمل : فكما أنه نسي الله في الدنيا فقد أنساه الله الإجابة عما فيه نجاته في الآخرة . فقال عند السؤال (هاه هاه لا أدري) . وقال بعد السؤال (رب لا تقم الساعة) .
وقد شهد الله على المشركين أنهم ما غفلوا عن ربوبيته حين اتخذوا معه آلهة أخرى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } فإذا سألتهم إذن لماذا عبدتم غيره قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } . والتجربة تثبت أنه حتى النصارى المثلثة ما زالوا يقولون : نحن نؤمن بالرب الواحد .
ثانياً : أن الرب : المقصود به الإله ، ويقويه رواية البخاري " إذا أقعد المؤمن أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " فهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ " من ربك " ففي آية الميثاق شهدوا بربوبيته ، وفي حديث القبر شهد المؤمنون الموحدون منهم بألوهيته دون سواه .




دلـيـل التمـانع

وطلب الحبشي الدليل على تقسيم التوحيد من الكتاب أو السنة يوحي بأنه ملتزم بهما ولكن : من أين أتى بـ ( دليل التمانع ) ؟ أمن كتاب الله أم من عند أرسطو ومِن بعدِهِ ؟ المعتزلة ؟ هنا تظهر حقيقة الرجل :
فلقد أكد الحافظ ابن حجر ابن حجر أن الرازي ( ) أخذ دليل التمانع عن الفلاسفة وسلك فيه سبيل أرسطو ( ) .
وفي قول الحافظ تكذيب لما زعمه النسفي في تبصرة الأدلة أن " دليل التمانع أخذه المتكلمون من كتاب الله " . وقد قدح التفتازاني الماتريدي في هذا الدليل واعتبره دليلاً ظنياً ( ) ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى تكفيره كما سيأتي .

دليل التمانع سلاح المعتزلة
ودليل التمانع من أقوى الأدلة عند المعتزلة على وجود الله ، وقد ذكروه بنفس التفصيل الذي ذكره الأشاعرة ، واحتجوا له بقوله تعـالى { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } قال القاضي عبد الجبار " لو كانا اثنين يصح التمانع بينهما فيبطل أن يكون له ثان . فإن قيل فما مقصدكم بأنه لو كان معه ثان لصح التمانع بينهـما ؟ قيل : نريد بذلك كونه واحداً في القِدم وأنه لا ثاني له فيها ولذلك نستدل بدليل التمانع " ( ) .

وقال الشهرستاني وقد سلكت المعتزلة طريق التمـانع في استحالة الالهَيْن كما سلكناه " ( ) .
وهو من جملة السم الذي سقاه المعتزلة للأشاعرة (أو قل) وبقي من مخلفاتهم وتفاخر به الحبشي وأسلافه من خَلَف المعتزلة ( ) .
ولعلهم تجاهلوا ما ذكره المرتضى الزبيدي أن من الأشاعرة من أورد على هذا البرهان اعتراضات عديدة كالآمدي الذي وصفه بأنه مسلك ضعيف كالسعد التفتازاني الذي ذكر من مفاسد هذا الدليل : أنه لو تعدد الإله لم تتكون السموات والأرض أصلا . ثم نقل عن النسفي إشكالاً آخر وذلك أن يسأل سائل : لماذ لا يجوز فرض إلهين متوافقين في الإرادة بحيث يمنع وقوع المخالفة بينهما ؟
ثم عاد فنقل عن السعد أن هذا البرهان إقناعي وليس قطعياً ولا يفحم الجاحد ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى التشنيع عليه ، مستنداً في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة حكم بكفر أبي هاشم لقدحه في دلالة الآية ( ) .
على أن هذا الدليل بحد ذاته صادق وبرهان تام على امتناع صدور العالم عن اثنين ، ولكن الآية لا علاقة لها بإثبات صانع واحد ، وإنما معناها أنه لو وُجد من يستحق العبادة مع الله لفسدت السموات والأرض .
وبهذا يبطل الاستدلال بالقرآن على صحة دليل التمانع { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } لأن الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين للعالم أو أكثر بل اتخذوا آلهة لم يعتقدوها أنها خالقة بل جعلوها وسيلة لهم تقربهم إلى الخالق الواحد وتشفع لهم عنده . فإذا ثبت بدليل صريح أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود خالقين آخرين مع الله فقد صح دليل التمانع وان لم يثبت بطل دليل التمانع .
ولفظ (آلهة) جمع إله ، وهو المألوه أي المعبود ، وليس معناه : القادر على الاختراع كما قاله الرازي وحكاه البغدادي عن الأشعري ( ) . بينما مطلوب دليل التمانع إثبات خالق رازق مخترع واحد . وهو دليل تمنع الأنبياء عن الدعوة إليه .
وبما أن غاية دليل التمانع ( ) إثبات صانع مبدع للكون لا خالق سواه ، وبما أنه ينتهي بعد الخوض في الله بالطريقة الرياضية الحسابية إلى إثبات أن خالق العالم واحد لا شريك له في خلق الكائنات وتدبير المصنوعات ، وأنه لم يتطرق إلى توحيد هذا الخالق في العبادة والدعاء والاستغاثة وإفراده في الذبح والنذر ، اضطر أهل السنة إلى تفصيل أنواع التوحيد كما وردت في القـرآن الكريم فقالوا ( ) :

يوسف التازي
13-01-15, 05:09 PM
أقسام التوحيد بين السلف والمتكلمين

وقد اعترض الحبشي على تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات واعتبر ذلك بدعة لا دليل عليها ( ) .
ووصف كاتب حاقد تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات بأنه مشابهة لعقيدة الثالوث عند النصارى .

• الجواب الأول
• إذا كان تقسيم التوحيد عند أمثال هذا كالثالوث : فما الفرق بينه وبين ثالوث أهل الكلام الأشاعرة الذين قسموا التوحيد إلى :
- واحد في ذاته لا قسيم له .
- واحد في صفاته لا شبيه له .
- واحد في أفعاله لا شريك له .
• أن دليلنا على تقسيم التوحيد هو نفس دليلكم في تقسيم الكفر والتوحيد إلي ثلاثة أقسام وعلى تقسيم البدعة ، حيث حسّن الحبشي ما ذمه النبي  بقوله " كل بدعة ضلالة " وجزّاً ما لم يقبل التجزئة .
- أما تقسيمكم للكفر فقد جاء في مجلتكم (منار الهدى 2/16 و 39) ما نصه " وهؤلاء فقهاء الإسلام الذين قسّموا الكفر إلى ثلاثة أقسام أخذوا ذلك مما فهموا من القرآن ". وذلك رداً على من طالب الحبشي بالدليل على تقسيم الكفر إلى ثلاثة أقسام .
- وأما تقسيم شيخكم التوحيد إلى ثلاثة أقسام فهو مبنيٌ على طريقة الفلاسفة كابن سينا والفارابي ( ) ويتفق تماماً مع تقسيم المعتزلة كما نجده عند القاضي عبد الجبار المعتزلي وبنفس اللفظ ( ) .
حيث يقسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
• واحد في ذاته لا قسيم له ، بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة . وفسّره بمعنى (الأحد) الذي لا ينقسم ( ) , وهو من تعبير الفلاسفة كقول الفيلسوف الكندي " ولا ينقسم الله بنوع من أنواع التكثر " ( ). ( ) ولفظ (الأحد) مفهوم عند العامة والخاصة ، ولكن جاء المؤولة أهل الكلام واصطلحوا على معنى خفي لهذا اللفظ وهو: الذات المجردة عن الصفات
• واحد في صفاته لا شبيه له . بمعنى نفي النظير عنه في ذاته ( ) .
• واحد في أفعاله لا شريك له . بمعنى نفي المساهم في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات ( ) . ( ) .
وليس في شيء من هذه الأقسام الثلاثة تطرقٌ إلى التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه : وهو توحيد الله في الدعاء والعبادة والذبح والنذر { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي } (مريم 48) { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (الجن 18) ولهذا نجد عندهم شرك دعاء غير الله على النحو الذي كان عليه أهل الجاهلية من نذر وذبح للأولياء وللأضرحة ، مع زعمهم أنهم قرروا التوحيد بهذه الأقسام الثلاثة .
فهذه التعابير محدثة لم ينطق بها السلف ولا يستسيغها الناس لا لصعوبتها وإنما لعُجْمَة لكنتها ولأنها من عند الفلاسفة والمتكلمين الذين هم أكثر الناس مرضاً وشكاً في الله على حد قول الغزالي القائل " إن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً ومشرف على الزوال بكل شبهة " (الإحياء 1: 94) وقال أيضاً في (فيصل التفرقة 153) " فَقِسْ عقيدة العامِيّ بعقيدة المتكلمين والمجادلين تجد اعتقاد العامّيّ في الثبات كالطوْد الشامخ لا تُحركه الدواهي والصواعق " .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله " والأحد هو الواحد في ألوهيته وربوبيته . وفسره أهل الكلام بما لا يتجزأ ولا ينقسم " ( ).

• الجواب الثاني
التوحيد عند الغزالي أربعة أقسام
أفضلها وحدة الوجود

ينقسم التوحيد عند الغزالي (الأشعري) إلى أربعة أقسام :
رابعها : وهو أعظمها : أن لا يرى العبد في الوجود إلا واحداً .. وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد ، وتقسم التوحيد إلى توحيد شهودي وتوحيد وجودي.
قال الغزالي " فإن قلت : كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة : فكيف يكون الكثير واحداً ؟
أجاب : فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات : وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون : " إفشاء سر الربوبية كفر " .
أضاف " إن الشيء يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحداً بنوع واعتبار آخر. وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر واحد إذ نقول : إنه إنسان واحد ".
" وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق ... فهو باعتبار واحد من الاعتبارات : واحد وباعتبار آخر سواه : كثير...


ويستحسن طريقة الحلاج في وحدة الوجود
وإلى هذا أشار : الحسين بن منصور الحلاج حيث قال للخوّاص : قد أفنيت عمرك في عمران باطنك : فأين الفناء في التوحيد ؟ " ثم أكد الغزالي عقيدته في وحدة الوجود قائلاً " وليس مع الله موجود ؟ بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة " .
وقال في كتابه مشكاة الأنوار " العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق… فقال بعضهم " أنا الحق " وقال الآخر " سبحاني ما أعظم شأني " ( ) ثم احتج ثانية بالحلاج وبشعره الذي يقول فيه ( ) :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحـان حلـلنا بدنا
فهذه تقسيمات أربعة للتوحيد ينتهي فيها الغزالي إلى عقيدة وحدة الوجود والاحتجاج بالحلاج الذي ينقل الأحباش تحذير أحمد الرفاعي منه غاية التحذير .
ولقد حكم الأحباش بكفر سيد قطب لقوله بأن " الوجود الحقيقي إنما هو لله فقط " قالوا: أليس هذا قولاً بوحدة الوجود التي اتفق علماء المسلمين على كفر قائلها " غير أنهم لتحيزهم لا يتحدثون عن هذه الكلمات التي كان الزبيدي يقر الغزالي عليها ويشرحها ويصرح بأنه ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله وأفعاله " ( ) !
فانظر إلى المتعصبين المشوشين كيف يتكتمون على ما عند الغزالي من الانحراف ، ويظهرون في موقفهم من المصلحين بمظهر المصلح . أليس هذا دليلا على أن الدافع على إنكارهم على ابن تيمية ليس نصرة الحق . لو كانوا يريدون الحق لأنكروا على الغزالي عقيدته في وحدة الوجود .

النقشبنديون يقسمون التوحيد إلى وحدة الوجود
جاء في البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية " اعـلم أن التوحيد قسمان :
توحيد شهودي كقول الحلاج : أنا الحق . وقول أبي يزيد : سبحاني ما أعظم شأني .
توحيد وجودي . فالتوحيد الشهودي لا يخالف العقل بخلاف التوحيد الوجودي ( ).

• الجواب الثالث
أن المرتضى الزبيدي قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
1. توحيد الذات .
2. توحيد الصفات .
3. توحيد الأفعال .
وأقرّ التفريق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية ناقلاً عن صاحب البصائر أن الصبر لله متعلق بالإلهية ، والصبر به متعلق بربوبيته ، وما تعلق بالإلهية أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته " ( ) . انتهى .
فهل تتهمون الزبيدي بموافقة القائلين بالثالوث كما اتهمتم ابن تيمية، ولا يخفاكم وصف الزبيدي لابن تيمية بأنه شيخ الإسلام رغم أنوفكم ( ).
أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية ذكره البيجوري في شرح جوهرة التوحيد (ص 97) ففي تفسير { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال " يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية " . وهو عين ما قاله العلامة الحنفي ملا علي قاري رحمه الله ( ) وزاد عليه " والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة لنوعي التوحيد بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما " ( ) .
وذكر تلميذ الكوثري الشيخ أبو غدة أن هذا التقسيم مستقى مما جاء به الكتاب والسنة ( ) .
وأشار صاحب الحدائق الوردية النقشبندي إلى هذا الفرق بين توحيد الربوبية التي سماها مرتبة الخالقية والمرتبة الثانية التي أسماها بمرتبة الألوهية ( ).

• الجواب الرابع
أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية ليس بدعة بل حكاه الطبري وغيره عن أهل العلم قبل ابن تيمية بمئات السنين : فقد قال في تفسير قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } أي فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته وأفردوا له الربوبية والألوهية" ( ). وكذلك قوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي الذي فعل هذه الأفعال وأنعم عليكم هذه النعم هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره " ( ).
وفي تفسيير قول { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } قال "كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته " ( ).
وقوله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } " وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكاً في عبادته ودعائه ، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل " ثم روى مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع . قال قتادة " لا تسأل أحدا من المشركين من ربك ؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك" وقال ابن زيد " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه خالقه ورازقه وهو يشرك به… ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك : المشركون كانوا يقولون هذا " ( ) .
فالتقسيم دليله من كتاب الله كتقسيم الأحكام إلى فرض وواجب ومسنون ومباح ومكروه ومحرم وليس في ذلك نص وإنما هو مستفاد من نصوص الشرع، بخلاف التقسيمات المخالفة للنصوص الشرعية كتقسيم البدعة إلى بدعة واجبة وبدعة مستحبة وقد قصرها النبي  على واحدة " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " .
ومن الأدلة على صحة التقسيم ما أخرجه (مسلم 382) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال " كان رسول الله  يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار . فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر . فقال " على الفطرة " ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . فقال رسول الله  " خرجت من النار " . فنظروا فإذا هو راعي معزى " .
فقول رسول الله عليه  لمن قال : الله أكبر " على الفطرة " أفاد أمراً مهماً وهو أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية مستقر في الفطرة البشرية ولذلك لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا عندما أتى بالشهادة بتوحيد الألوهية.

لماذا نُذَكِّر بهذا التقسيم ؟
وقد وجب تذكير الناس بهذا حين اعتقدوا أن ( لا إله إلا الله) تعني أنه لا خالق ولا رازق إلا الله وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه المشركون كلما سئلوا { مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } قالوا { اللَّهُ } .
ومن هنا وجب تذكير الناس بتوحيد الألوهية لئلا يظنوا أن لهم الفضل في توحيدهم الفطري للربوبية . وليعلموا أنهم مطالبون بمقتضى توحيد الربوبية الفطري أن يوحدوه توحيد الألوهية وذلك بإفراده بالدعاء والذبح والنذر وسائر الطاعات والعبادات . فإن من يعتقد أن الله هو الخالق الرازق وحده وجب عليه بمقتضى ذلك أن يعبده وحده فيجعل صلاته وذبحه ودعاءه له وحده لا يشركه في ذلك ولي ولا صنم ولا ضريح .
وقد احتيج إلى هذا التقسيم أيضا لقطع الطريق على أهل الكلام الذين قصروا الناس على توحيد الربوبية الذي كان يعتقده أبو جهل وجعلوه غاية توحيدهم، كما زعموا أن أحمد الرفاعي قال " غاية المعرفة بالله : الإيقان بوجوده ( ) وليتنبهوا إلى أن غاية التوحيد الذي أرسل الله من أجله رسله وأنزل كتبه ليس لمجرد اعتقاد أن صانع العالم واحد وإنما غايته إفراد صانع العالم وحده بالعبادة ، والدعاء عبادة والذبح والنذر عبادة .


لماذا قال الملكان : من ربك ولم يقولا من إلهك ؟

شبهة : واحتج الحبشي بسؤال الملكين للميت (من ربك " ولم يقولا له : من إلهك " على أن الربوبية والألوهية شيء واحد .
و الجواب:
أن هذا الدليل شبهة ليست بأوضح ولا أقوى من النص القرآني { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } فالنص القرآني محكم يرد إليه المتشابه الذي احتج به أهل الزيغ ، أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ } وكما يقال { رَبِّ الْعَالَمِينَ } و ( إله المرسلين (، وذلك مثل لفظ (المؤمن والمسلم) (والفقير والمسكين) (والزكاة والصدقة) .
وعند الإفراد يجتمعان كما في قول الملك للميت (من ربك) ومعناه من إلهك . لأن الربوبية التي أقر بها المشركون وشهد لهم القرآن بالإقرار بها ما يمتحن بها أحد . وكقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } { قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا } فالربوبية في هذه الآيات هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة عند الاقتران .
فإذا قيل : فقولوا بأن آية الميثاق { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ } تتعلق بالألوهية وليس الربوبية .
فالجواب :
أولاً : أن هناك قرينة تثبت أن الربوبية هي المراد هنا دون الألوهية ، وهي أن الكافر بعد أن يعرض عليه مقعده من النار يقول " رب لا تقم الساعة " فهذا يدل على أنه مؤمن به مقر بوجوده فكيف يسأل عنه ؟
وقد حرمه الله أن يجيب عن هذه الحقيقة التي فُطِر عليها ولم يثبته عند السؤال عقوبة له ، والجزاء من جنس العمل : فكما أنه نسي الله في الدنيا فقد أنساه الله الإجابة عما فيه نجاته في الآخرة . فقال عند السؤال (هاه هاه لا أدري) . وقال بعد السؤال (رب لا تقم الساعة) .
وقد شهد الله على المشركين أنهم ما غفلوا عن ربوبيته حين اتخذوا معه آلهة أخرى { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } فإذا سألتهم إذن لماذا عبدتم غيره قالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } . والتجربة تثبت أنه حتى النصارى المثلثة ما زالوا يقولون : نحن نؤمن بالرب الواحد .
ثانياً : أن الرب : المقصود به الإله ، ويقويه رواية البخاري " إذا أقعد المؤمن أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " فهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ " من ربك " ففي آية الميثاق شهدوا بربوبيته ، وفي حديث القبر شهد المؤمنون الموحدون منهم بألوهيته دون سواه .




دلـيـل التمـانع

وطلب الحبشي الدليل على تقسيم التوحيد من الكتاب أو السنة يوحي بأنه ملتزم بهما ولكن : من أين أتى بـ ( دليل التمانع ) ؟ أمن كتاب الله أم من عند أرسطو ومِن بعدِهِ ؟ المعتزلة ؟ هنا تظهر حقيقة الرجل :
فلقد أكد الحافظ ابن حجر ابن حجر أن الرازي ( ) أخذ دليل التمانع عن الفلاسفة وسلك فيه سبيل أرسطو ( ) .
وفي قول الحافظ تكذيب لما زعمه النسفي في تبصرة الأدلة أن " دليل التمانع أخذه المتكلمون من كتاب الله " . وقد قدح التفتازاني الماتريدي في هذا الدليل واعتبره دليلاً ظنياً ( ) ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى تكفيره كما سيأتي .

دليل التمانع سلاح المعتزلة
ودليل التمانع من أقوى الأدلة عند المعتزلة على وجود الله ، وقد ذكروه بنفس التفصيل الذي ذكره الأشاعرة ، واحتجوا له بقوله تعـالى { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } قال القاضي عبد الجبار " لو كانا اثنين يصح التمانع بينهما فيبطل أن يكون له ثان . فإن قيل فما مقصدكم بأنه لو كان معه ثان لصح التمانع بينهـما ؟ قيل : نريد بذلك كونه واحداً في القِدم وأنه لا ثاني له فيها ولذلك نستدل بدليل التمانع " ( ) .

وقال الشهرستاني وقد سلكت المعتزلة طريق التمـانع في استحالة الالهَيْن كما سلكناه " ( ) .
وهو من جملة السم الذي سقاه المعتزلة للأشاعرة (أو قل) وبقي من مخلفاتهم وتفاخر به الحبشي وأسلافه من خَلَف المعتزلة ( ) .
ولعلهم تجاهلوا ما ذكره المرتضى الزبيدي أن من الأشاعرة من أورد على هذا البرهان اعتراضات عديدة كالآمدي الذي وصفه بأنه مسلك ضعيف كالسعد التفتازاني الذي ذكر من مفاسد هذا الدليل : أنه لو تعدد الإله لم تتكون السموات والأرض أصلا . ثم نقل عن النسفي إشكالاً آخر وذلك أن يسأل سائل : لماذ لا يجوز فرض إلهين متوافقين في الإرادة بحيث يمنع وقوع المخالفة بينهما ؟
ثم عاد فنقل عن السعد أن هذا البرهان إقناعي وليس قطعياً ولا يفحم الجاحد ، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى التشنيع عليه ، مستنداً في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة حكم بكفر أبي هاشم لقدحه في دلالة الآية ( ) .
على أن هذا الدليل بحد ذاته صادق وبرهان تام على امتناع صدور العالم عن اثنين ، ولكن الآية لا علاقة لها بإثبات صانع واحد ، وإنما معناها أنه لو وُجد من يستحق العبادة مع الله لفسدت السموات والأرض .
وبهذا يبطل الاستدلال بالقرآن على صحة دليل التمانع { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } لأن الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين للعالم أو أكثر بل اتخذوا آلهة لم يعتقدوها أنها خالقة بل جعلوها وسيلة لهم تقربهم إلى الخالق الواحد وتشفع لهم عنده . فإذا ثبت بدليل صريح أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود خالقين آخرين مع الله فقد صح دليل التمانع وان لم يثبت بطل دليل التمانع .
ولفظ (آلهة) جمع إله ، وهو المألوه أي المعبود ، وليس معناه : القادر على الاختراع كما قاله الرازي وحكاه البغدادي عن الأشعري ( ) . بينما مطلوب دليل التمانع إثبات خالق رازق مخترع واحد . وهو دليل تمنع الأنبياء عن الدعوة إليه .
وبما أن غاية دليل التمانع ( ) إثبات صانع مبدع للكون لا خالق سواه ، وبما أنه ينتهي بعد الخوض في الله بالطريقة الرياضية الحسابية إلى إثبات أن خالق العالم واحد لا شريك له في خلق الكائنات وتدبير المصنوعات ، وأنه لم يتطرق إلى توحيد هذا الخالق في العبادة والدعاء والاستغاثة وإفراده في الذبح والنذر ، اضطر أهل السنة إلى تفصيل أنواع التوحيد كما وردت في القـرآن الكريم فقالوا ( ) :

يوسف التازي
13-01-15, 05:13 PM
توحيـد الربوبية

هو توحيد فطري ، فطر الله العباد عليه ، سواء منهم المؤمنون والكافرون حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } (الأعراف 172) فمن جحد ربوبية الله فقد جحد ما استيقنه قلبه كما حكى الله عن فرعون وقومه { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } ( النمل 14 ) وقال موسى لفرعون { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ } ( الإسراء 102 ) .
فاعتقاد أن الله هو الخالق الرازق وحده من المسقمات الفطرية ، ولذلك يخطئ من يفني عمره في استخراج الأدلة على إثبات وجود الله لأن الدليل على ذلك مركوز في الفطرة .
وهذه حقيقة اعترف الحبشي بها بعد كثرة الخوض وإيراد الأدلة وهو أن العلم بذلك مستقر في قلوب البشر وفِطَرِهم ، ونقل اعتراف الرازي بذلك ( ) . وهو قول الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص 124) .
غير أن الغزالي قد شك بهذه الفطرة حين قال " وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعاً هو صادق ، بل الصادق ما يشهد به قوة العقل " ( )
فتوحيد الربوبية كان يعتقده المشركون ، ولذلك لم يدعهم إليه الرسل لعِلْمهم أن الله فطرهم عليه والدليل على ذلك من القرآن الكريم : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } ( الزخرف 9 ) .
{ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } .
{ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ }
{ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } ( المؤمنون 84-89 ) .
وقال رسول الله ïپ¥ فيما يرويه عن ربه " خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين " ( ) . فالحنيفية هي الإسلام .
ولذلك لم يدْعُ الأنبياءُ قومَهم إلى اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق ، فالقرآن أفاد بأنهم يؤمنون بذلك . وإنما كانت أول دعوتهم إلى :

توحيـد الألوهية

{ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } ( الأعراف 59 ) فقد كانوا يتخذون بينهم وبينه وسائط يتقربون بهم إلى الله زلفى .
قال تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } (يونس 18) .
فتوحيد الألوهية يدخل فيه توحيد الربوبية ، بمعنى أن من أفرد الله بالدعاء والطاعة والامتثال والخوف والرجاء فلابد أن يكون معتقداً بتوحيد ربوبية الله بالخلق والإيجاد وأنه لا خالق إلا هو ، وأن من أتى بتوحيد الألوهية لا يُطلب منه أن يأتي بتوحيد الربوبية لأن الثاني داخل فيه .
وهذا التوحيد (توحيد الألوهية) لم يعالجه دليل التمانع عند أهل الكلام ولم يتطرق إليه ولذلك تجدهم يبيحون الاستغاثة بغير الله وسؤال أهل القبور وطلب الشفاعة منهم :
والدليل على ذلك ما قاله الحبشي من أن من قال لا إله إلا الله فهو موحد وإن استغاث بالأنبياء والأولياء ، وإن استعاذ بسوى الله ، وأن الأولياء يخرجون من قبورهم ليجيبوا دعوة الداع إذا دعاهم !
• وجملة القول أن من يعتقدون بتوحيد الربوبية فقط ويظنون أنهم موحدون مع لجوئهم إلى الأموات ، يستغيثون بهم ويتضرعون إليهم ويسألونهم قضاء الحوائج ورفع الكربات ، ويظنون أن مشايخهم يتصرفون في الأكوان : متورطون في الشرك وإن اعتقدوا فيهم أنهم لا يخلقون ولا يرزقون وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله .

توحيد الأسماء والصفات

وأما " توحيد الأسماء والصفات " فانه بعدما أكثر أهل الكلام من الخوض والإلحاد في أسماء الله وصفاته بما أدى بهم إلى تعطيلها وتحريفها بضروب التأويلات :
قال أهل السنة حينئذ بأن هذا القسم من أقسام التوحيد : يتعلق بإثبات ما أثبته الله ورسوله ïپ¥ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ، ولا نقول على الله ما لا نعلم ، فإن التأويل في أسمائه وصفاته إلحاد فيها ، وتحريف للكلم عن مواضعه من جنس عمل اليهود ، قال الحافظ في الفتح " قال ابن عباس " { يُحَرِّفُونَ } : يزيلون ، وليس أحد يُزيل لفظ كتاب من كتب الله ، ولكنهم يحرّفونه : يتأولونه عن غير تأويله " ثم نص الحافظ على أن تحريف أهل الكتاب لمعاني النصوص لا يُنكر بل موجود عندهم بكثرة ( ) .
ولقد توعّد الله الخائضين فيها بالعقاب فقال { وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ( الأعراف 180 ) .
فأهل الكلام (والحبشي منهم) يشملهم هذا الوعيد ، فانهم يقولون : لا نقطع أن يكون ما تأولناه مراداً لله ، وإنما يحتمل أن يكون تأويلنا موافقاً لمراد الله ويحتمل أن لا يكون كذلك " ( ) .
فهم يُقحمون الاحتمالات في أشرف مسائل العقائد بينما يمنعون من الاستدلال بخبر الواحد ولو كان في البخاري ومسلم .

الـشـفــاعـة

خلط مفهوم الشفاعة بالتوسل والاستغاثة
الآيات القرآنية في الشفاعة
آلهتهم شفعاؤهم
الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية









الشفــاعـة

ومن مغالطات أهل البدع ومخادعتهم للعامة : الخلط بين التوسل وبين الشفاعة { لِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } ويراد بهذا الخلط طمس الشَبَه والمضاهاة بين الشفاعة البدعية الشركية الحاضرة وبين الشفاعة الشركية الماضية التي تذرع بها المشركون الأوائل والتي مَنَعَها القرآن .
فمفهوم الشفاعة عند المشركين والفلاسفة كابن سينا والصوفية أن شفاعة الرسول لا تحتاج إلى دعاء منه وإنما هي رحمة تفيض على الرسول فينعكس هذا الفيض (بما يسميه الصوفية بالمدد) على طالب الشفاعة من غير شعور أو دعاء من الشفيع ، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم انعكس الشعاع من المرآة على الحائط . فكذلك تفيض الرحمة على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم على نفوس المتعلقين بهم . وهذا الفيض يمكن تحققه عند زيارة قبر ولي أو نبي فتجتمع الأرواح المفارقة والأرواح الزائرة ويبدأ المدد عن طريق الذبذبات الكهرومغناطيسية وأشعات اللايزر ! وارتكبوا جناية على الألفاظ أدت إلى ارتكاب جناية على الدين حين بدلوا معاني الألفاظ .
جاء في تهذيب اللغة { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ( البقرة 255 ) ، الشفاعة هنا أي الدعاء .
والشفاعة : كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ( ) . وشفع إليه : أي طلب إليه وعلى هذا يفسَر موارد اللفظ في القرآن والسنة في لفظ الشفاعة .
ومعنى الشفاعة الدعاء . فعن أنس وعائشة عن النبي ïپ¥ قال "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه " وفي رواية ابن عباس " ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه " ( ) .

شروط الشفاعة
نعم ، الشفاعة أُعطِيَت للأنبياء والصالحين يوم القيامة ، ولكن للشفاعة شرطان نص عليهما القرآن الكريم :
الأول : إذْنُ الله للشافع أن يشفع .
الثاني : رضاه عن المشفوع له .
فشرطا الشفاعة : الإذن والرضا من الله { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ( طه 109 ) . وقال النبي ïپ¥ لفاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً " فلو كان يملك الشفاعة لضمنها لابنته ، فإن مالك الشفاعة لا يجوز أن ينتظر أن يأذن له أحد بها وإلا لا يسمى مالكاً لها .

الآيات القرآنية في الشفاعة

والآيات التي جاءت في الشفاعة على ثلاثة أنواع :
الأول : اختصاص الشفاعة بالله وحده { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } ( الزمر 44 ) { لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } ( الأنعام ) .
الثاني : مقيد بإذنه ورضاه { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ( طه 109 ) فحق الشفاعة لله حق مطلق لا يقيده حق أحد عليه ، وإنما شفاعة غيره مقيدة بأن يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع .
الثالث : الشفاعة الشركية ، وهى اتخاذ المشركين وسطاء بينهم وبين الله زعموا أنهم يشفعون لهم { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء } والتقرب بهم إلى الله { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } .

التفتازاني يعترف أن شرك المشركين توسل وتشفع
قال التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله وتوسلا " ( )

الرازي يشرح قول المشركين : إلا ليقربونا إلى الله
ذكر الرازي أربعة أسباب مفضية إلى الشرك منها " قول من قال : إنّا نعبد هذه الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا ، فقال تعالى في إبطال أقوالهم { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره ، فبِطَلَبِكم الشفاعة تُفوّتون على أنفسكم الشفاعة.
وقال " اعلم أن الكفار قالوا : نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما... لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } ( ) . انتهى .
وقال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } ( مريم 87 ) .


آلهتـهم شفعـاؤهم

فمن زعم أن فلاناً يشفع له مما لا برهان له به فسيضل عنه يوم القيامة كما قال تعالى { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ( الأنعام 94) ونحن لا نشك في أن محمداً ïپ¥ يشفع لكننا لا نعلم فيمن يؤذن له بالشفاعة ؟ لأن الأمر أولاً وأخيراً بيد الله .

موقف سلفنا من الشفاعة

ثم الشفاعة ليست خاصة بالنبي محمد ïپ¥ دون غيره من الأنبياء ، بل باقي الأنبياء يشفعون ، وليس هو الحي الوحيد في قبره وإنما باقي الأنبياء أحياء في قبورهم وكان الصحابة لا يجهلون أن الأنبياء يشفعون ومع هذا فلم يعلم أصحابه أن يسألوه الشفاعة بعد موته ، ولا علمهم طلب الشفاعة من الأنبياء ولم يقل لهم يجوز طلب الشفاعة من النبي المفضول مع وجود النبي الفاضل كما يدعي الحبشي في فعل عمر .
سؤال : لماذا نجد الشفاعة منفية تارة ومثبتة تارة أخرى ؟
والجواب : أن الشفاعة المنفية شفاعة أهل الشرك الذين اتخذوا لأنفسهم عهداً بأن غير الله سيشفع لهم عنده . وهي الشفاعة التي يدافع عنها مشركو اليوم ممن يخاطبون الأموات ويطلبون منهم الشفاعة . يسيئون العمل ويعلقون على الشفيع الأمل ، وقد قال النبي ïپ¥ لابنته فاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً " .
- قال ابن تيمية " وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره ... فالله هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع ، وإذا لم يأذن الله لم تنفع الشفاعة كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي ïپ¥ على المنافقين واستغفاره لهم " ( ) . فإكرام الله نبيه بالشفاعة ليس مطلقاً من غير تقييد ، كما يهوى أهل الهوى والبدع .

الشفاعة لأهل الكبائر لا لأهل الشرك

تحقيق التوحيد أهم أسباب الشفاعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي ïپ¥ " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " ( ) .
فلا نصيب في الشفاعة لمن أشرك مع الله في الدعاء ولم يخجل من مناداة غيره جاهلاً أن شفاعة النبي ïپ¥ لا نصيب فيها لمشرك ، إنما هي لأهل الكبائر الموحدين من أمته لا لأهل الشرك كما قال " فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " ( ) . فحتى الزنا وشهادة الزور وقتل النفس ذنوب يرجى معها المغفرة والشفاعة لا الشرك ، فالله أكبر كم غفل الناس عن قباحة هذا الذنب !!!
ثم إن مفهوم الشفاعة عند هؤلاء يودي إلى التعلق بالأماني وترك العمل والاستعاضة عنه بالتعلق بنبي أو صالح يستغيث به من دون الله ، ويسأله أن يدعو الله له في قبره ، فيزعم أن الله لا ينظر إليه لذنوبه وهنا تأتى أهمية الوسيط الصالح المطهر المحبوب عند الله . وكأن هذا الوسيط أرحم بالعباد من رب العباد !!!
وغفل أن الشفاعة بيد الله هو الإذن بها لمن يشاء ويرتضي لها من يشاء للشفيع أن يشفع وهذا يقطع الطريق على من يتعلقون بالذوات ويربطون نجاتهم بهم فيعتمدون في أمر نجاتهم على الآخرين لا على العمل مضاهأة للنصارى .
قال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } قال ابن جريج " أي عملاً صالحاً " ( ) .

ليست كل دعوات الأنبياء مجابة

وليعلم أن دعوات الأنبياء ليست مستجابة كلها ، فالله لم يستجب دعوة النبي ïپ¥ في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه حتى قال { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } ( التوبة 80 ) وقد رد الحافظ على من زعم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة " قائلاً " وهذا فيه غفلة عن الحديث الصحيح أن النبي ïپ¥ قال : إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة " ، وسأل ربه أن يستغفر لأمه فمنعه ذلك ، ولما أراد نوح أن يستغفر لابنه قال الله له { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } . وهذا إبراهيم عليه السلام لم تنفع شفاعته في أبيه .
فائدة أخرى من كلام الحافظ : قال " وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا ïپ¥ ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط . والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها ، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة " ( ) .
وقال الكِرْماني في شرح البخاري (22/122) عند شرح الحديث " معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة ، وهو على يقين من إجابتها ، وأما باقي دعواتهم فهي على رجاء إجابتها : بعضُها يجاب وبعضها لا يجاب " .
وإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء ، وبعد موته يشفع ، وبعد قيامه يشفع : فأي معنى لقوله ïپ¥ " أنا أول شافع " ؟
وما معنى قوله " إني اختبأت دعوتى شفاعةً لأمتى يوم القيامة فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً " ؟ فالرسول يقول " اختبأت " وهؤلاء يتعجلونها ويكذّبونه حين يزعمون أنه لم يختبئها بل هي نائلة من يستغيث به في الدنيا عند قبره ، وهم بطلبهم الشفاعة بهذه الطريقة قد يُحرَمُون من الشفاعة ، فإن من طلب شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه .
والنبي ïپ¥ هو الذي أخبرنا أنه سيشفع يوم القيامة فيسجد تحت العرش ما شاء الله له أن يسجد ثم يقال له " أي محمد ، ارفع رأسك وقل يُسمع لك ، وسلْ تُعطه ، واشفع تُشفّع " فشفاعاته في الدنيا وهو حي ثابتة ، كقول عكاشة " يا رسول الله أدع الله أن أكون منهم " فقال له " أنت منهم " .
وشفاعته في الآخرة ثابتة لا جدال فيها . ويبقى أن يأتينا من يزعم أنه يشفع في قبره بعد موته بدليل صحيح ، فإن نبينا ïپ¥ لم يخبرنا أنه سيكون شافعاً في قبره أيضاً ، وليس لدى من يزعمون ذلك دليل واحد من كتابٍ أو سنة . بل لم يصح حديث في الشفاعة لمن زار قبره .
صحيح أنه ïپ¥ حي في قبره ولكن الأنبياء جميعهم يحيون حياة برزخية مختلفة عن حياتنا . فلماذا لم يخطر ببالكم أن تنادوا الأنبياء الآخرين : فتقولوا يا سليمان يا داود يا آدم يا يعقوب يا إسحاق : أغيثونا ، وقدّمتم عليهم الرفاعي والجيلاني والبدوي والدسوقي : أهؤلاء أحب إلى الله وإليكم - من أولئك ؟
وهؤلاء شهداء أُحد وبدر وغيرهم : أحياء كذلك ، وقد نهى الله أن يقال أنهم أموات { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } ( البقرة 154 ) فلماذا لم يخطر في بالكم أن تستغيثوا بهم . أم أنكم وجدتم آباءكم ومشايخكم على هذا السبيل وأنتم على آثارهم مقتدون .
ولو كان يجوز طلب الشفاعة ممن ورد أنهم يشفعون لجاز لنا أن نطلب الشفاعة من القرآن والصيام والحجر الأسود ، فقد ثبت أنهم يشفعون يوم القيامة ، وكذلك الملائكة الذين لا يزالون يستغفرون للمؤمنين { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } .
وأنت إذا تأملت نصوص الشفاعة فستجدها كثيرة في حياته ïپ¥ ولكنك لن تجد منها ما يفيد جوازها في حياته البرزخية . ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه طلب الشفاعة منه بعد موته ( ) بل إنك تجد ما يضاد ذلك ، فقد عدل عمر عن دعاء النبي بعد موته وتوسل إلى الله بدعاء عمه العباس وكذلك توسل معاوية بيزيد بن الأسود أمام جمع غفير من الصحابة .

أويس القرني حجة عليكم
وهذا أويس القرني الذي يحتج أهل البدع بأن النبي ïپ¥ علّم أصحابه إذا هم لقوه أن يسألوه أن يستغفر لهم كما قال " إن رحلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس ... فمن لقيه منكم فليستغفر لكم " ( ). فقيّد طلب الاستغفار عند لقائه وليس مطلقاً .
فهل اكتفوا بطلب الاستغفار منه قبل اللقاء به أم طلبوا منه ذلك حين لقوه كما هو ثابت عن عمر ، التزاماً منهم بنص الحديث الذي قيد الطلب باللقاء ؟ !
وكيف ينص النبي للصحابة بكلام صريح أن يطلبوا من أويس الاستغفار إذا هم لقوه ولم يقل إذا أنا مت فأتوا قبري فإذا أتيتم فسلوني الاستغفار بعد موتي وسلوني حوائجَكم فإني حي في قبري !

الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية

وقد علمنا ïپ¥ إذا أردنا الفوز بشفاعته ïپ¥ أن نسأل الله له ، لا أن نسأله من دون الله كما في صحيح مسلم : قال " سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون هو . فمن سأل لي الوسيلة حقت له الشفاعة " ( ) .
يسألونه مقاماً لا ينبغي إلا له !!!
فقال سلوا الله لي الوسيلة . ولم يقل سلوني الوسيلة .
فخالفوا طريقه : فلم يسألون الله له وإنما صاروا يسألونه .
فكيف نسأله الوسيلة التي سألنا أن نسألها الله له ؟ هل تريدون أن تنالوا المقام المحمود الذي لا ينبغي إلا للنبي ïپ¥ فقط ؟
- وعلّمنا ïپ¥ نص الوسيلة ، فقال " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه : حلت له شفاعتى " .
- وقال ïپ¥ " من صلى عليّ عشراً أول النهار وعشراً في آخره : حلّتْ له شفاعتي " ( ) .
تلك هي الطريقة الشرعية لشفاعة النبي ïپ¥ :
- فالشفاعة الشرعية السنّيّة أن ندعو الله من أجل النبي لينال الوسيلة .
- والشفاعة الشركية البدعية أن ندعو النبي ïپ¥ من دون الله ونطلب منه مقامه الخاص به ، فنسأله الوسيلة التي صرح بأنها لا تنبغي إلا لعبد واحد .

يوسف التازي
13-01-15, 05:14 PM
توحيـد الربوبية

هو توحيد فطري ، فطر الله العباد عليه ، سواء منهم المؤمنون والكافرون حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } (الأعراف 172) فمن جحد ربوبية الله فقد جحد ما استيقنه قلبه كما حكى الله عن فرعون وقومه { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } ( النمل 14 ) وقال موسى لفرعون { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ } ( الإسراء 102 ) .
فاعتقاد أن الله هو الخالق الرازق وحده من المسقمات الفطرية ، ولذلك يخطئ من يفني عمره في استخراج الأدلة على إثبات وجود الله لأن الدليل على ذلك مركوز في الفطرة .
وهذه حقيقة اعترف الحبشي بها بعد كثرة الخوض وإيراد الأدلة وهو أن العلم بذلك مستقر في قلوب البشر وفِطَرِهم ، ونقل اعتراف الرازي بذلك ( ) . وهو قول الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص 124) .
غير أن الغزالي قد شك بهذه الفطرة حين قال " وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعاً هو صادق ، بل الصادق ما يشهد به قوة العقل " ( )
فتوحيد الربوبية كان يعتقده المشركون ، ولذلك لم يدعهم إليه الرسل لعِلْمهم أن الله فطرهم عليه والدليل على ذلك من القرآن الكريم : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } ( الزخرف 9 ) .
{ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } .
{ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ }
{ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } ( المؤمنون 84-89 ) .
وقال رسول الله  فيما يرويه عن ربه " خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين " ( ) . فالحنيفية هي الإسلام .
ولذلك لم يدْعُ الأنبياءُ قومَهم إلى اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق ، فالقرآن أفاد بأنهم يؤمنون بذلك . وإنما كانت أول دعوتهم إلى :

توحيـد الألوهية

{ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ } ( الأعراف 59 ) فقد كانوا يتخذون بينهم وبينه وسائط يتقربون بهم إلى الله زلفى .
قال تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } (يونس 18) .
فتوحيد الألوهية يدخل فيه توحيد الربوبية ، بمعنى أن من أفرد الله بالدعاء والطاعة والامتثال والخوف والرجاء فلابد أن يكون معتقداً بتوحيد ربوبية الله بالخلق والإيجاد وأنه لا خالق إلا هو ، وأن من أتى بتوحيد الألوهية لا يُطلب منه أن يأتي بتوحيد الربوبية لأن الثاني داخل فيه .
وهذا التوحيد (توحيد الألوهية) لم يعالجه دليل التمانع عند أهل الكلام ولم يتطرق إليه ولذلك تجدهم يبيحون الاستغاثة بغير الله وسؤال أهل القبور وطلب الشفاعة منهم :
والدليل على ذلك ما قاله الحبشي من أن من قال لا إله إلا الله فهو موحد وإن استغاث بالأنبياء والأولياء ، وإن استعاذ بسوى الله ، وأن الأولياء يخرجون من قبورهم ليجيبوا دعوة الداع إذا دعاهم !
• وجملة القول أن من يعتقدون بتوحيد الربوبية فقط ويظنون أنهم موحدون مع لجوئهم إلى الأموات ، يستغيثون بهم ويتضرعون إليهم ويسألونهم قضاء الحوائج ورفع الكربات ، ويظنون أن مشايخهم يتصرفون في الأكوان : متورطون في الشرك وإن اعتقدوا فيهم أنهم لا يخلقون ولا يرزقون وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله .

توحيد الأسماء والصفات

وأما " توحيد الأسماء والصفات " فانه بعدما أكثر أهل الكلام من الخوض والإلحاد في أسماء الله وصفاته بما أدى بهم إلى تعطيلها وتحريفها بضروب التأويلات :
قال أهل السنة حينئذ بأن هذا القسم من أقسام التوحيد : يتعلق بإثبات ما أثبته الله ورسوله  من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ، ولا نقول على الله ما لا نعلم ، فإن التأويل في أسمائه وصفاته إلحاد فيها ، وتحريف للكلم عن مواضعه من جنس عمل اليهود ، قال الحافظ في الفتح " قال ابن عباس " { يُحَرِّفُونَ } : يزيلون ، وليس أحد يُزيل لفظ كتاب من كتب الله ، ولكنهم يحرّفونه : يتأولونه عن غير تأويله " ثم نص الحافظ على أن تحريف أهل الكتاب لمعاني النصوص لا يُنكر بل موجود عندهم بكثرة ( ) .
ولقد توعّد الله الخائضين فيها بالعقاب فقال { وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ( الأعراف 180 ) .
فأهل الكلام (والحبشي منهم) يشملهم هذا الوعيد ، فانهم يقولون : لا نقطع أن يكون ما تأولناه مراداً لله ، وإنما يحتمل أن يكون تأويلنا موافقاً لمراد الله ويحتمل أن لا يكون كذلك " ( ) .
فهم يُقحمون الاحتمالات في أشرف مسائل العقائد بينما يمنعون من الاستدلال بخبر الواحد ولو كان في البخاري ومسلم .

الـشـفــاعـة

خلط مفهوم الشفاعة بالتوسل والاستغاثة
الآيات القرآنية في الشفاعة
آلهتهم شفعاؤهم
الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية









الشفــاعـة

ومن مغالطات أهل البدع ومخادعتهم للعامة : الخلط بين التوسل وبين الشفاعة { لِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } ويراد بهذا الخلط طمس الشَبَه والمضاهاة بين الشفاعة البدعية الشركية الحاضرة وبين الشفاعة الشركية الماضية التي تذرع بها المشركون الأوائل والتي مَنَعَها القرآن .
فمفهوم الشفاعة عند المشركين والفلاسفة كابن سينا والصوفية أن شفاعة الرسول لا تحتاج إلى دعاء منه وإنما هي رحمة تفيض على الرسول فينعكس هذا الفيض (بما يسميه الصوفية بالمدد) على طالب الشفاعة من غير شعور أو دعاء من الشفيع ، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم انعكس الشعاع من المرآة على الحائط . فكذلك تفيض الرحمة على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم على نفوس المتعلقين بهم . وهذا الفيض يمكن تحققه عند زيارة قبر ولي أو نبي فتجتمع الأرواح المفارقة والأرواح الزائرة ويبدأ المدد عن طريق الذبذبات الكهرومغناطيسية وأشعات اللايزر ! وارتكبوا جناية على الألفاظ أدت إلى ارتكاب جناية على الدين حين بدلوا معاني الألفاظ .
جاء في تهذيب اللغة { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ( البقرة 255 ) ، الشفاعة هنا أي الدعاء .
والشفاعة : كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ( ) . وشفع إليه : أي طلب إليه وعلى هذا يفسَر موارد اللفظ في القرآن والسنة في لفظ الشفاعة .
ومعنى الشفاعة الدعاء . فعن أنس وعائشة عن النبي  قال "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه " وفي رواية ابن عباس " ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه " ( ) .

شروط الشفاعة
نعم ، الشفاعة أُعطِيَت للأنبياء والصالحين يوم القيامة ، ولكن للشفاعة شرطان نص عليهما القرآن الكريم :
الأول : إذْنُ الله للشافع أن يشفع .
الثاني : رضاه عن المشفوع له .
فشرطا الشفاعة : الإذن والرضا من الله { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ( طه 109 ) . وقال النبي  لفاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً " فلو كان يملك الشفاعة لضمنها لابنته ، فإن مالك الشفاعة لا يجوز أن ينتظر أن يأذن له أحد بها وإلا لا يسمى مالكاً لها .

الآيات القرآنية في الشفاعة

والآيات التي جاءت في الشفاعة على ثلاثة أنواع :
الأول : اختصاص الشفاعة بالله وحده { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } ( الزمر 44 ) { لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } ( الأنعام ) .
الثاني : مقيد بإذنه ورضاه { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ( طه 109 ) فحق الشفاعة لله حق مطلق لا يقيده حق أحد عليه ، وإنما شفاعة غيره مقيدة بأن يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع .
الثالث : الشفاعة الشركية ، وهى اتخاذ المشركين وسطاء بينهم وبين الله زعموا أنهم يشفعون لهم { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء } والتقرب بهم إلى الله { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } .

التفتازاني يعترف أن شرك المشركين توسل وتشفع
قال التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله وتوسلا " ( )

الرازي يشرح قول المشركين : إلا ليقربونا إلى الله
ذكر الرازي أربعة أسباب مفضية إلى الشرك منها " قول من قال : إنّا نعبد هذه الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا ، فقال تعالى في إبطال أقوالهم { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره ، فبِطَلَبِكم الشفاعة تُفوّتون على أنفسكم الشفاعة.
وقال " اعلم أن الكفار قالوا : نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما... لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } ( ) . انتهى .
وقال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } ( مريم 87 ) .


آلهتـهم شفعـاؤهم

فمن زعم أن فلاناً يشفع له مما لا برهان له به فسيضل عنه يوم القيامة كما قال تعالى { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ( الأنعام 94) ونحن لا نشك في أن محمداً  يشفع لكننا لا نعلم فيمن يؤذن له بالشفاعة ؟ لأن الأمر أولاً وأخيراً بيد الله .

موقف سلفنا من الشفاعة

ثم الشفاعة ليست خاصة بالنبي محمد  دون غيره من الأنبياء ، بل باقي الأنبياء يشفعون ، وليس هو الحي الوحيد في قبره وإنما باقي الأنبياء أحياء في قبورهم وكان الصحابة لا يجهلون أن الأنبياء يشفعون ومع هذا فلم يعلم أصحابه أن يسألوه الشفاعة بعد موته ، ولا علمهم طلب الشفاعة من الأنبياء ولم يقل لهم يجوز طلب الشفاعة من النبي المفضول مع وجود النبي الفاضل كما يدعي الحبشي في فعل عمر .
سؤال : لماذا نجد الشفاعة منفية تارة ومثبتة تارة أخرى ؟
والجواب : أن الشفاعة المنفية شفاعة أهل الشرك الذين اتخذوا لأنفسهم عهداً بأن غير الله سيشفع لهم عنده . وهي الشفاعة التي يدافع عنها مشركو اليوم ممن يخاطبون الأموات ويطلبون منهم الشفاعة . يسيئون العمل ويعلقون على الشفيع الأمل ، وقد قال النبي  لابنته فاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً " .
- قال ابن تيمية " وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره ... فالله هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع ، وإذا لم يأذن الله لم تنفع الشفاعة كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي  على المنافقين واستغفاره لهم " ( ) . فإكرام الله نبيه بالشفاعة ليس مطلقاً من غير تقييد ، كما يهوى أهل الهوى والبدع .

الشفاعة لأهل الكبائر لا لأهل الشرك

تحقيق التوحيد أهم أسباب الشفاعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي  " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " ( ) .
فلا نصيب في الشفاعة لمن أشرك مع الله في الدعاء ولم يخجل من مناداة غيره جاهلاً أن شفاعة النبي  لا نصيب فيها لمشرك ، إنما هي لأهل الكبائر الموحدين من أمته لا لأهل الشرك كما قال " فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " ( ) . فحتى الزنا وشهادة الزور وقتل النفس ذنوب يرجى معها المغفرة والشفاعة لا الشرك ، فالله أكبر كم غفل الناس عن قباحة هذا الذنب !!!
ثم إن مفهوم الشفاعة عند هؤلاء يودي إلى التعلق بالأماني وترك العمل والاستعاضة عنه بالتعلق بنبي أو صالح يستغيث به من دون الله ، ويسأله أن يدعو الله له في قبره ، فيزعم أن الله لا ينظر إليه لذنوبه وهنا تأتى أهمية الوسيط الصالح المطهر المحبوب عند الله . وكأن هذا الوسيط أرحم بالعباد من رب العباد !!!
وغفل أن الشفاعة بيد الله هو الإذن بها لمن يشاء ويرتضي لها من يشاء للشفيع أن يشفع وهذا يقطع الطريق على من يتعلقون بالذوات ويربطون نجاتهم بهم فيعتمدون في أمر نجاتهم على الآخرين لا على العمل مضاهأة للنصارى .
قال تعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } قال ابن جريج " أي عملاً صالحاً " ( ) .

ليست كل دعوات الأنبياء مجابة

وليعلم أن دعوات الأنبياء ليست مستجابة كلها ، فالله لم يستجب دعوة النبي  في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه حتى قال { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } ( التوبة 80 ) وقد رد الحافظ على من زعم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة " قائلاً " وهذا فيه غفلة عن الحديث الصحيح أن النبي  قال : إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة " ، وسأل ربه أن يستغفر لأمه فمنعه ذلك ، ولما أراد نوح أن يستغفر لابنه قال الله له { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } . وهذا إبراهيم عليه السلام لم تنفع شفاعته في أبيه .
فائدة أخرى من كلام الحافظ : قال " وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا  ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط . والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها ، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة " ( ) .
وقال الكِرْماني في شرح البخاري (22/122) عند شرح الحديث " معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة ، وهو على يقين من إجابتها ، وأما باقي دعواتهم فهي على رجاء إجابتها : بعضُها يجاب وبعضها لا يجاب " .
وإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء ، وبعد موته يشفع ، وبعد قيامه يشفع : فأي معنى لقوله  " أنا أول شافع " ؟
وما معنى قوله " إني اختبأت دعوتى شفاعةً لأمتى يوم القيامة فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً " ؟ فالرسول يقول " اختبأت " وهؤلاء يتعجلونها ويكذّبونه حين يزعمون أنه لم يختبئها بل هي نائلة من يستغيث به في الدنيا عند قبره ، وهم بطلبهم الشفاعة بهذه الطريقة قد يُحرَمُون من الشفاعة ، فإن من طلب شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه .
والنبي  هو الذي أخبرنا أنه سيشفع يوم القيامة فيسجد تحت العرش ما شاء الله له أن يسجد ثم يقال له " أي محمد ، ارفع رأسك وقل يُسمع لك ، وسلْ تُعطه ، واشفع تُشفّع " فشفاعاته في الدنيا وهو حي ثابتة ، كقول عكاشة " يا رسول الله أدع الله أن أكون منهم " فقال له " أنت منهم " .
وشفاعته في الآخرة ثابتة لا جدال فيها . ويبقى أن يأتينا من يزعم أنه يشفع في قبره بعد موته بدليل صحيح ، فإن نبينا  لم يخبرنا أنه سيكون شافعاً في قبره أيضاً ، وليس لدى من يزعمون ذلك دليل واحد من كتابٍ أو سنة . بل لم يصح حديث في الشفاعة لمن زار قبره .
صحيح أنه  حي في قبره ولكن الأنبياء جميعهم يحيون حياة برزخية مختلفة عن حياتنا . فلماذا لم يخطر ببالكم أن تنادوا الأنبياء الآخرين : فتقولوا يا سليمان يا داود يا آدم يا يعقوب يا إسحاق : أغيثونا ، وقدّمتم عليهم الرفاعي والجيلاني والبدوي والدسوقي : أهؤلاء أحب إلى الله وإليكم - من أولئك ؟
وهؤلاء شهداء أُحد وبدر وغيرهم : أحياء كذلك ، وقد نهى الله أن يقال أنهم أموات { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } ( البقرة 154 ) فلماذا لم يخطر في بالكم أن تستغيثوا بهم . أم أنكم وجدتم آباءكم ومشايخكم على هذا السبيل وأنتم على آثارهم مقتدون .
ولو كان يجوز طلب الشفاعة ممن ورد أنهم يشفعون لجاز لنا أن نطلب الشفاعة من القرآن والصيام والحجر الأسود ، فقد ثبت أنهم يشفعون يوم القيامة ، وكذلك الملائكة الذين لا يزالون يستغفرون للمؤمنين { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } .
وأنت إذا تأملت نصوص الشفاعة فستجدها كثيرة في حياته  ولكنك لن تجد منها ما يفيد جوازها في حياته البرزخية . ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه طلب الشفاعة منه بعد موته ( ) بل إنك تجد ما يضاد ذلك ، فقد عدل عمر عن دعاء النبي بعد موته وتوسل إلى الله بدعاء عمه العباس وكذلك توسل معاوية بيزيد بن الأسود أمام جمع غفير من الصحابة .

أويس القرني حجة عليكم
وهذا أويس القرني الذي يحتج أهل البدع بأن النبي  علّم أصحابه إذا هم لقوه أن يسألوه أن يستغفر لهم كما قال " إن رحلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس ... فمن لقيه منكم فليستغفر لكم " ( ). فقيّد طلب الاستغفار عند لقائه وليس مطلقاً .
فهل اكتفوا بطلب الاستغفار منه قبل اللقاء به أم طلبوا منه ذلك حين لقوه كما هو ثابت عن عمر ، التزاماً منهم بنص الحديث الذي قيد الطلب باللقاء ؟ !
وكيف ينص النبي للصحابة بكلام صريح أن يطلبوا من أويس الاستغفار إذا هم لقوه ولم يقل إذا أنا مت فأتوا قبري فإذا أتيتم فسلوني الاستغفار بعد موتي وسلوني حوائجَكم فإني حي في قبري !

الشفاعة الشرعية والشفاعة الشركية

وقد علمنا  إذا أردنا الفوز بشفاعته  أن نسأل الله له ، لا أن نسأله من دون الله كما في صحيح مسلم : قال " سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون هو . فمن سأل لي الوسيلة حقت له الشفاعة " ( ) .
يسألونه مقاماً لا ينبغي إلا له !!!
فقال سلوا الله لي الوسيلة . ولم يقل سلوني الوسيلة .
فخالفوا طريقه : فلم يسألون الله له وإنما صاروا يسألونه .
فكيف نسأله الوسيلة التي سألنا أن نسألها الله له ؟ هل تريدون أن تنالوا المقام المحمود الذي لا ينبغي إلا للنبي  فقط ؟
- وعلّمنا  نص الوسيلة ، فقال " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه : حلت له شفاعتى " .
- وقال  " من صلى عليّ عشراً أول النهار وعشراً في آخره : حلّتْ له شفاعتي " ( ) .
تلك هي الطريقة الشرعية لشفاعة النبي  :
- فالشفاعة الشرعية السنّيّة أن ندعو الله من أجل النبي لينال الوسيلة .
- والشفاعة الشركية البدعية أن ندعو النبي  من دون الله ونطلب منه مقامه الخاص به ، فنسأله الوسيلة التي صرح بأنها لا تنبغي إلا لعبد واحد .

يوسف التازي
13-01-15, 05:15 PM
التوسـل والوسيلـة

تسمية التوسل بغير اسمه
أنواع التوسل المشروع
كيف كان توسل الصحابة
توسل الأعمى بالنبي ïپ¥ وفيه أثر بطعن عثمان
موقف أبي حنيفة من التوسل
نماذج بضاعة الحبشي في التوسل






مسألة التوسل

يستخدم أهل البدع ألفاظاً شرعية يصطلحون لها على معان مخالفة للمعنى الذي أراده الشرع ، فيطلقون لفظ التوسل ويقصدون به الاستغاثة تارة والتوسل بذوات الصالحين أمواتاً تارة أخرى.
وبما أنه قد دخل في لفظ التوسل خلط ولبس ، وصار مفهومه عند المتأخرين مخالفاً لمفهومه في لغة الصحابة : حيث معناه عندهم : التوسل بدعاء المتوسَل به وأما عند المتأخرين : التوسل بذاته لا بدعائه : صار الكلام في التوسل داخلاً في العقائد لأنك لا تكاد تجد مدافعا عن التوسل إلا وهو يعني به الاستغاثة بغير الله ويحتج له بحديث الأعمى يسمونه حديث التوسل وفيه لفظ " يا محمد " .
فالكلام على التوسل وإغراء الناس به صار استدراجاً للعوام نحو الاستغاثة بغير الله فلهذا لم تعد مسألة التوسل داخلة في مسائل الفقه كما زعم من ظن أنه بلغ الاعتدال وهو إلى التساهل في الدين أقرب .

تعقيب على الشيخ فيصل مولوي
وفي ذلك رد على قول الشيخ فيصل مولوي أن كثيراً من المنتسبين للشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بالغوا حتى اعتبروا موضوع التوسل من مسائل الشرك ، مع أنه من مسائل الفقه ( ) . وكيف يكون من مسائل الفقه وهؤلاء تركوا التوسل بأسماء الله الحسنى والتوسل بالعمل الصالح واستبدلوه بالتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ! وقد وقع الاختلاف فيه حين ضاع المفهوم الصحيح للتوسل وبعدما اتفق السلف على نمط واحد من التوسل هو التوسل بدعاء الرجل الحي الصالح . فالخلاف الذي وقع بعدهم لا اعتبار له .
ولقد ذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظمـوه تشفعـاً إلى الله تعالى وتوسلاً " ( ).
فليتنبه الشيخ إلى أن شرك المشركين كان شرك الوسيلة الذي يدعو إليه هؤلاء اليوم .

يسمونها بغير اسمها

وتذلل وخضوع المستغيثين عند أعتاب وأضرحة الأولياء وبين يدي مشايخهم هو الخشوع الذي لا يجوز أن يكون إلا لله . وقد أفلح الخاشع في صلاته بين يدي ربه . وهذا الشرك ( أعني التذلل والخضوع لغير الله ) قد ألبسوه لباس الدين بإعطائه أسماء مختلفة ، فبدل أن يسموه عبادة سموه توسلاً ، وبذلك ارتكبوا جناية على اللغة والدين ، فبدلوا اللغة كما بدلوا الدين .
فالاستغاثة : طلب الغوث ، كما أن الاستعانة طلب العون من المستعان به ، فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالاً منه وهو واضح وصريح أن ذلك ليس توسلاً به إلى غيره ، يسمونها بغير اسمها ، وذلك على غرار تسمية الربا ( فائدة ) والخمرة ( أم الأفراح ) حتى لا يقال لهم ( إنكم لمشركون ) !!!
فكما أن هناك من سمى الخمرة بغير اسمها فهناك من يسمى الشرك بغير اسمه يسميه توسلاً وتبركاً ويسمي التحريف تأويلاً ويسمي التعطيل تنزيها ويسمي الرقص ذكراً ويسمي التقديس محبة ! هكذا يزين الباطل .
• أن النبي ïپ¥ قد ندبنا أن نسأل الله كل شأن من شؤوننا فكيف نلتفت إلى غيره في أشد حوائجنا وشدائدنا ونلجأ إلى سواه .
التوسل بالذات أم بالدعاء ؟
وقد خالف الموحدون المشركين بتفريقهم بين التوسل بذوات الصالحين وبين التوسل بدعائهم ، فتركوا التوسل بذات أفضل الصالحين وسيد المرسلين محمد ïپ¥ بعد موته وتوسلوا بدعاء غيره من الأحياء ، ولهم في ذلك سلف كتوسل عمر بالعباس ، وتوسل معاوية بالأسود بن يزيد ( ) ، وحدث ذلك أمام جمع غفير من الصحابة فكان هذا إجماعاً منهم على صحة الفعل. وهذا الترك سنة ، وعدم الترك بدعة مخالفة لما تركه خير القرون ، وسلوك لغير سبيل المؤمنين . { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا } . فلابد من الرجوع إلى المعنى الشرعي للفظ التوسل من القرآن والسنة وفهم سلف الأمة .
ولا اعتبار للخلاف الذي وقع في التوسل بعدهم وبعد قول عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) الذي قاله أمام جموع الصحابة . وقد جعل مؤلفو الحديث كالبخاري هذه الأحاديث تحت باب ( سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا ) ولم يجعلها تحت باب التبرك بقبور الصالحين . إذ لا يوجد ولله الحمد مثل هذا الباب في كتب الحديث المعتبرة .

التوسل في اللغة
قال في القاموس في مادة (وسل) وسل إلى الله تعالى توسلاً : أي عمل عملاً تقرب به إليه " . وفي المصباح ًالمنير " ووسل إلى الله تعالى توسيلاً : أي عمل عملاً تقرب به إليه " . و " توسل إلى ربه وسيـلة : أي تقرب إلى الله بعمل " .
وفي الصحاح للجوهري " توسل إليه بوسيلة : أي تقرب إليه بعمل ".
والتوسل إلي الله معناه اتخاذ سبب يزيد العبد قربة من الله . وفي ذلك آيتان من كتاب الله :
ïپ¶ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } [ المائدة 35 ] ، عن ابن عباس والسدي وقتادة " أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه " قال ابن كثير " وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف فيه بين المفسرين " وساق الطبري أقوالاً " حاصلها " أن الوسيلة هي التقرب إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه ( ) .
وقال أبو الليث السمرقندي (كبير مشائخ الحنفية) { وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } " أي اطلبوا القربة والفضيلة بالأعمال الصالحة " ( ) .
ولم يقل أحد من المفسرين " المعتبرين " أن معنى { َابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } أي سلوا الأموات من دون الله أو اتخذوا الأولياء وسيلة لكم إلي الله .

هل ابتغى الصحابة الوسيلة ؟

ونسأل : هل طبق الصحابة هذه الآية على الوجه الذي تفهمونه ؟ هل كانوا يتوسلون إلى الله بالنبي ïپ¥ أم أنكم فهمتم فهماً جديداً فات الصحابة فهمه حتى عدلوا عنه وتمسكتم به ؟
وقد ذكر النبي ïپ¥ لعمر ولياً من أولياء الله ، وأمره إذا لقيه أن يسأل الله له الاستغفار ، ولو كان التوسل بالذات هو المفهوم عند الصحابة لتوسل عمر بأويس قبل أن يلقاه كأن يقول : اللهم إني أسألك بأويس . . . . لكنه لم يفعل !
قال تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً 56 أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } [ الإسراء 56 ] . قال ابن عباس ومجاهد " وهم : عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) ".
قال ابن مسعود " نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن ، فأسلم الجنيّون ، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون " .
قال الحافظ " استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن ، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا وصاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، وهو المعتمد في التفسير" ( ) .
وقال بعض السلف : " كان أقوام يدعون المسيح وعزيراً والملائكة ، فبين الله لهم أن هؤلاء عبادي كما أنتم عبادي ، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إليّ " .
ومن هاتين الآيتين يتبين لنا نوعان من التوسل :
أحدهما توسل شرعي : وهو التقرب إلى الله بالوسائل التي شرعها ، كالتوسل بأسماء الله الحسنى والتوسل بالعمل الصالح .
وثانيهما : توسل شركي يعتمد التعلق بالذوات واللجوء إليها ، والتماسات شركية يظنونها وسائل شرعية تحقق المطلوب وتدفع المحذور .

أنواع التوسل المشروع

1) التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وهو أعظم أنواع التوسل ، قـال تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأعراف 180 ] ، ومن أعظم أنواع التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى : ما رواه بريدة أن رجلاً جعل يدعو ، فجعل النبي ïپ¥ يستمع إلى دعائه فكان يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت ، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ( أن تصر لي ذنوبي ) فقال النبي ïپ¥ " والذي نفسي بيده ، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى " ( ) .
2) التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح : ودليله قصة الثلاثة نفر من بني إسرائيل الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار وحالت دون خروجهم فجعلوا يذكرون أخلص أعمالهم الصالحة ويسألون الله بها أن يفرج عنهم الصخرة ففرجها عنهم ( ) .
ومن ذلك التوسل بالإيمان بالنبي ïپ¥ ومحبته ، ولكن لم يعهد عن أحد من سلف الأمة أنه قال ( اللهم أسألك بإيماني بنبيك وبمحبتي له ) وإنما كانوا يقولون { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } . ولا شك أن هؤلاء لم يكونوا يجهلون أسماء الأنبياء ، فلم يتوسلوا إلى الله بإبراهيم أو إسماعيل أو يعقوب ، وإنما اقتصروا في هذا الموقف العصيب على التوسل بأخلص أعمالهم ، ثم يقرهم الله على ذلك ويكافئهم بأن يفرج عنهم .
أو كانوا وهابيين لا يرون التوسل ؟ أين الأنبياء والأولياء الذين زعم الحبشي أنهم يخرجون من قبورهم فيغيثون الملهوف ثم يعودون إليها ؟
ومع مشروعية التوسل بالعمل الصالح فإن النووي رحمه الله كان يخاف أن يكون فيه نوع من ترك الافتقار المطلق إلى الله ، فكيف بمن يتوسل بالذوات غير المشروع ؟ !
ومن التوسل بالإيمان ما نجده في تلك الآية { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ آل عمران 16 ] ، فيجوز للعبد أن يتوسل بإيمانه أن يغفر له ، ففي الصحيحين أن رجلاً سأل رسول الله ïپ¥ " أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله ( )
3) التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح وهذا مشروع . وقد كان الصحابة يتوسلون إلى الله بدعاء نبيهم ïپ¥ وكانوا يتوسلون بعد موته ïپ¥ بدعاء من يتوخون فيه العلم والصلاح ، كقول أم الدرداء لصفوان - وقد كان مسافراً " أدع لنا بخير ، فإن رسول الله ïپ¥ كان يقول " دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه مَلَك موكل ، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل : آمين ، ولك بمثل " ( ) ، وهكذا توسلت أم الدرداء بدعاء صفوان في الحج .
















كيف كان توسل الصحابة ؟

وفي قضية التوسل بالنبي ïپ¥ نسأل الأسئلة التالية :
السؤال الأول : هل طرأ التوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته أم كانوا يتوسلون به في حياته ؟ الجواب : لا شد أنهم كانوا يتوسلون به في حياته .
السؤال الثاني : إذا ثبت أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فكيف كانت طريقة التوسل ؟ هل كان التوسل بذاته أم بدعائه ؟
السؤال الثالث : هل التوسل بالذات مجمع عليه أم مختلف فيه في عهدهم ؟ ومتى ابتدأ الخلاف ؟
إن الذين لا يجعلون فرقاً بين التوسل به ïپ¥ حياً وميتاً محجوجون بفهم الصحابة وفعلهم ، فإننا إذا اختلفنا في فهم سنته رجعنا إلى فهم السلف لها .
فقد ترك عمر التوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته أمام جمع من الصحابة ، فكان المشروع ما فعلوه لا ما تركوه ، والترك الراتب سنة متبعة ، وفاعل ما تركوه سالك غير سبيلهم .
فلقد أصيب الناس في عهده بالقحط فخرج بالناس للاستسقاء ثم قال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك ïپ¥ فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " ( ) . وفي رواية أنس " كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ïپ¥ استسقوا به ، فيستسقي لهم فيسقون ، فلما كان في عهد عمر.. " ( ) .
وفي هذا أكبر تكذيب لقول الأحباش " لم يكن بين المسلمين إنكار للتوسل بالرسول في حياته أو بعد وفاته : المسلمون مجمعون على جواز ذلك " (منار الهدى 32: 27) . فقد كره أبو حنيفة التوسل بالنبي ïپ¥ على ما سترى . فأين هذا الإجماع المزعوم ؟ !
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رواية تؤكد أن التوسل كان بدعاء العباس فقال عمر للعباس " قم واستسق لنا " فقال العباس " اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ، ولم يُكشف إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك ، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " ( ) ". وهذا رد على من زعم أن توسل عمر بالعباس كان بالذات ، ولو كان بالذات لما كان ثمة حاجة ليأخذوا العباس معهم ولتوسلوا بمنزلته من النبي ïپ¥ ( ) . فهو توسل بفعل العباس لا بذاته .
ومالك لم يكن يرى فرقاً بين حياة النبي ïپ¥ وبين موته فيما يتعلق بتوقيره وحرمة رفع الصوت في مسجده ، ولكنه مع ذلك كان يفرق بين حياته ïپ¥ وبين موته فيما يتعلق بمسألة التوسل به ïپ¥ ومسألة زيارة قبره حتى قال " وأكره أن يقال زرت قبر النبي ïپ¥ " .












بطلان قاعدة جواز التوسل بالمفضول

وقد أجابوا عن ترك عمر التوسل بذات النبي ïپ¥ بأن توسل عمر بالعباس إنما كان لتعليم المسلمين جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل . لو ثبت بإسناد صحيح ولو مرة واحدة أن واحداً من الصحابة توسل إلى الله بميت لقلنا صدقتم ، بل الثابت توسلهم بدعاء العباس والأسود بن اليزيد مما يبطل زعمكم .
وهذا تعليل لا نسلم لكم به إلا بدليل يرد فيه هذا التعليل نصاً من كلام الصحابة . بل هذا اللتعليل ادعاء للغيب ، فإن عمر لم يقل شيئاً من ذلك ولا أحد من الصحابة ، فلم يبق إلا أن تدعوا أنكم تعلمون ما كان في قلب عمر ونيته .
ويلزمكم أن تبرهنوا على صحة هذا التعليل بأن تأتوا برواية صحيحة تثبت أن الصحابة استسقوا بالنبي ïپ¥ بعد موته ولو مرة واحدة حتى نوافقكم على هذه القاعدة ( التوسل بالمفضول مع جواز الفاضل ) .
• لأن تعليلكم ظن ، والظن لا يرفع الخلاف ، إذ الروايات تتضمن عبارة (كانوا) و (فلما) الدالان على عدول الصحابة عن الأمر الأول إلى الثاني ، والظنيات عند الأشاعرة لا يجوز دخولها في أمور العقائد التي تتطلب القطعيات ، وكان عليهم أن يحترموا عهودهم وأن لا يحتجوا في أمور العقائد بالمحتملات .
• أن الأمر { وَابْتَغُواْ } دليل على الوجوب ، لا ينصرف عنه إلى السنية إلا بدليل .
• أنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى الأدنى المشكوك فيه مع توافر الأعلى المضمون .
• أن ترك الصحابة التوسل بأنبياء آخرين يبطل قاعدة الخصم (جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ) ، ويؤكد أن قول عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) تفيد الماضي .
• أن أحداً من هؤلاء اليوم لا يرضى أن يقول ما قاله عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) لأن الواقع أنهم ما يزالون اليوم يدعون الناس إلى التوسل الذي عدل عنه الصحابة . وهذه علامة الضلالة ومخالفة السلف : أنهم يقولون اليوم ( لماذا لا نتوسل بالنبي ïپ¥ ) بينما قال عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) .

• شبهة : وزعموا أن قول عمر (كنا) لا يفيد الماضي وإنما هو نظير قوله تعالى { وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما } والجواب :
أولاً : أنه لما قال عمر (كنا) لم يتوسل بالنبي ïپ¥ مما يدل على أنه استعمل (كان) التي تفيد الماضي ، ولا أظن أن هؤلاء يجهلون تلك الحقيقة ولكن علم الكلام يورث المجادلة بالباطل
ثانياً : ما حكاه الحافظ ابن حجر عن الراغب " أن (كان) عبارة عما مضى من الزمان . لكنها في كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزلية كقوله تعالى { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } قال : وما استعمل منه في وصف شيء متعلقاً بوصف له هو موجود فيه فللتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له أو قليل الانفكاك عنه كقوله تعالى { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } " ( ) .
قلت : لاحظ أنه لا يأتي في هذه الآيات بعد (كان) فعل وإنما صفة ، وأما إذا جاء بعدها فعل فلابد أن تكون مفيدة للماضي .
• فالتوسل كان بدعاء النبي ïپ¥ وهذا ثابت بأدلة متوافرة أنهم كانوا يأتون النبي ïپ¥ فيقولون هلك الحرث فادع الله لنا يا رسول الله .
- ولم يثبت أنهم كانوا يتوسلون بذاته في الاستسقاء ، ولم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف أنهم كانوا يستسقون برسول الله ïپ¥ من غير أن يفعل هو الاستسقاء من صلاة ودعاء ، فلما مات استسقوا بالعباس وكان هذا بجمع الصحابة كلهم وإقرارهم ، ولو كان بذات النبي ïپ¥ لما قال عمر (كنا) ولا قال أنس (كانوا) . وهذه الأنواع من التوسل قد أجمعت الأمة على مشروعيتها " .


وهنا تجاهل نقد الذهبي للرواية

• ويتمسك الأحباش بحديث باطل وهو " إذا سألتم الله فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم " ولو كان هذا الحديث معلوماً عند الصحابة لصار عمر مخالفاً لقوله ïپ¥ " سلوا الله بجاهي " ولصار الذين جمعهم عمر وتوسل أمامهم بدعاء العباس موافقين له على خلاف ما أمر به ïپ¥ من التوسل بجاهه أو ذاته ، فهل جهل الصحابة - أو تجاهلوا - جاهه ïپ¥ فتركوا التوسل بجاهه ؟
وهل جهلوا جاه موسى الذي قال الله فيه { وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا } وعيسى الذي قال الله فيه { وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } فلم يسألوا الله بهذا الجاه ؟
• ويتمسكون برواية ضعيفة مفادها أن عمر قال " يا أيها الناس إن رسول الله ïپ¥ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا برسول الله واتخذوه (أي العباس) وسيلة إلى الله " ( ) . وهذه الرواية ضعيفة فيها داود بن عطاء المدني وهو ضعيف كما في التقريب للحافظ (1801) وقد تعقب الذهبي الحاكم (3/334) في هذه الرواية قائلاً " داود متروك " ، فلماذا لا تحتجون هنا بالذهبي كاحتجاجكم به في موقفه من أبي إسحاق السبيعي ؟
ثم على فرض صحة الرواية فإن منزلة العباس من النبي ïپ¥ لا تُنكر ، فاجتمع في كلا الروايتين منزلة العباس ودعاؤه .
فأي محاولة لإثبات أن التوسل كان بمنزلة العباس أو قرابته دون دعائه إنما هو طعن منهم في منزلة النبي ïپ¥ وفي فعل الصحابة .
وأما أن يقال : إن التوسل بالعباس كان لمجرد منزلته فيقال : أفيجوز أن يتوسلوا بمكانة العباس ولا يتوسلوا بمكانة النبي ïپ¥ التي لا تزول بموته ؟ أم أن التوسل كان بشيء ثان مقرون مع المكانة وهو التوسل بالدعاء ؟ وقد انتفى دعاء رسول الله ïپ¥ بموته فتوجه الصحابة إلى دعاء العباس وقالوا " قم يا عباس أدع الله لنا " .
وإذا كان توسل عمر بالعباس لقرابته ومنزلته فبماذا نفسر توسل معاوية بيزيد بن الأسود أمام جمع من الصحابة أيضاً ؟ ( ) . ولئن كان لكم مخرج في الطعن بمعاوية فأي مخرج لكم في إقرار جموع الصحابة لفعله ؟
• شبهة : وزعموا أن عمر لم يبلغه حديث الضرير ولو بلغه لتوسل به ، وهذا باطل فقد كان توسل عمر بدعاء العباس أمام جمع من الصحابة وتكرر هذا الجمع للاستسقاء بموجب قول أنس (كانوا) مما يدل على الاستمرار ( ) ، فهذا اتهام له وللمهاجرين والأنصار بجهل حديث الضرير أو اتهام لهم بالسكوت عليه .
• شبهة ( ) : واحتجوا بقوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } مع مخالفتهم لما فهمه السلف منها حيث معناها المجيء إليه في حياته . فلا يجوز إحداث تأويل في آية أو حديث لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه لأنه يلزم من ذلك الطعن بهم أنهم جهلوا الحق الذي اهتدى إليه الخلوف من بعدهم ، أو أنهم علموه ولكن كتموه عن الأمة .
• وقد ذم الله من تخلف عن هذا المجيء واعتبرهم منافقين مستكبرين غير مغفور لهم فقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ 5 سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
• ولم يثبت أن أحداً من الصحابة أتى قبر النبي ïپ¥ وسأله الاستغفار وهذا يقتضي دخول الصحابة في المنافقين المستكبرين وأن الله لن يغفر لهم لأنهم ما عملوا بهذه الآية ، بل ثبت تركهم للتوسل به بعد موته والتوسل بغيره .
ولا يعقل أن يعطل الصحابة تطبيق الآية ثم يأتي هؤلاء الخلوف ويفهمون منها ما لم يفهمه ولم يطبقه الصحابة .
• ثم إن إيجاب مجيء القبر على كل مذنب من أمة محمد ïپ¥ تكليف بما لا يطاق ، فإن الأمة لا تستطيع مجيء القبر عند ارتكاب كل ذنب .
• أن في هذا الفهم إلغاء لدور الحج والعمرة ، بل يصير القبر حَرَماً يحج إليه الناس . وحينئذ : فلماذا يحج الناس إلى مكة ؟ أليس ليعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ؟ ولماذا يفعلون ذلك والآية تنص بزعمهم على وجوب حج المذنبين إلى قبره ïپ¥ ؟ وكأنهم يقولون : من حج إلى قبر النبي ïپ¥ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه !!!
• ويلزم أن يصير القبر عيداً ، بل أعظم أعياد المذنبين ، وهذا مخالفة للنبي ïپ¥ فإنه نهى عن أن يُتخذ قبره عيداً .
• أن الآية خاصة بحياة النبي ïپ¥ حيث نزلت فيمن ترك الرسول ïپ¥ وتحاكم إلى الطاغوت فهو بذلك أساء إلى الرسول وترك حقا شرعياً لا تتحقق التوبة منه إلا بالمجيء إلى النبي ïپ¥ وإعلان التحاكم إليه . فوضح من ذلك أن هذه الآية نزلت في المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }

شبهة العبرة بعموم اللفظ
أما ما يدعيه القوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فأخبرونا :
ألم يكن الصحابة من هذا العموم ؟
وإذا كان الجواب : نعم .
فمن عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه ؟ لقد تركوا التوسل به كما عند البخاري ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره ïپ¥ وطلب الاستغفار هناك بعد موته .
وهذا يؤكد أن هذا العموم قد انقطع بموته ولو كانت العبرة بالعموم لفعلوه بعد موته ïپ¥ .
وإن كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به أو أنهم جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف !









التوسل بالذوات من خصال المشركين

فأما التوسل بالذوات فإنه من خصال المشركين الذين كانوا يتخذون الصالحين وسيلة لهم ليقرِّبوهم إلى الله { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( الزمر3 ) أمثال ود وسواع ويعوق ويغوث ونسر .
قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) هذه أسماء رجال أولياء صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما ماتوا بنَوْا لهم الصور والتماثيل (البخاري 4920) . هذا باعتراف الأحباش .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد مال حدثنا مهران عن سفيان عن بن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما من بنى آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم : لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم : فلما ماتوا ، وجاء آخرون : دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر ، فعبدوهم ( ).
فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله ïپ¥ كان منهم من يعبد المصورة على صور الصالحين : ود وسواع ويغوث فيستسقون .

قبور الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام
قال الحافظ ابن حجر في الفتح " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك " ( ). وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين . فكلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها . فعبدوها بتدريج الشيطان لهم ( ).
قال القرطبي " فعلوا ذلك ليتأنّسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم ، فمضت لهم بذلك أزمان ، ثم إنه خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها ، فحذر النبي ïپ¥ عن مثل ذلك .. وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) ( ) .

موقف الرازي الأشعري من القبوريين
وذهب الرازي إلى أن المشركين " وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى . (أضاف) : ونظيره في هذا الزمان : اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله " ( ). أهـ.

الاستغناء بالمشروع عن المظنون
إن الله شرع لنا من التوسل المشروع ما يغنينا عن غيره مما لا دليل على مشروعيته اللهم إلا من خلال الروايات والمفاهيم الضعيفة ، فليس من الحكمة أن يُشغلنا الجدالُ حول أنواع التوسل غير المشروع وغير الثابت عن التوسل المشروع الثابت من الكتاب والسنة كالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته ، وبالإيمان والعمل الصالح .

يوسف التازي
13-01-15, 05:17 PM
التوسـل والوسيلـة

تسمية التوسل بغير اسمه
أنواع التوسل المشروع
كيف كان توسل الصحابة
توسل الأعمى بالنبي  وفيه أثر بطعن عثمان
موقف أبي حنيفة من التوسل
نماذج بضاعة الحبشي في التوسل






مسألة التوسل

يستخدم أهل البدع ألفاظاً شرعية يصطلحون لها على معان مخالفة للمعنى الذي أراده الشرع ، فيطلقون لفظ التوسل ويقصدون به الاستغاثة تارة والتوسل بذوات الصالحين أمواتاً تارة أخرى.
وبما أنه قد دخل في لفظ التوسل خلط ولبس ، وصار مفهومه عند المتأخرين مخالفاً لمفهومه في لغة الصحابة : حيث معناه عندهم : التوسل بدعاء المتوسَل به وأما عند المتأخرين : التوسل بذاته لا بدعائه : صار الكلام في التوسل داخلاً في العقائد لأنك لا تكاد تجد مدافعا عن التوسل إلا وهو يعني به الاستغاثة بغير الله ويحتج له بحديث الأعمى يسمونه حديث التوسل وفيه لفظ " يا محمد " .
فالكلام على التوسل وإغراء الناس به صار استدراجاً للعوام نحو الاستغاثة بغير الله فلهذا لم تعد مسألة التوسل داخلة في مسائل الفقه كما زعم من ظن أنه بلغ الاعتدال وهو إلى التساهل في الدين أقرب .

تعقيب على الشيخ فيصل مولوي
وفي ذلك رد على قول الشيخ فيصل مولوي أن كثيراً من المنتسبين للشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بالغوا حتى اعتبروا موضوع التوسل من مسائل الشرك ، مع أنه من مسائل الفقه ( ) . وكيف يكون من مسائل الفقه وهؤلاء تركوا التوسل بأسماء الله الحسنى والتوسل بالعمل الصالح واستبدلوه بالتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ! وقد وقع الاختلاف فيه حين ضاع المفهوم الصحيح للتوسل وبعدما اتفق السلف على نمط واحد من التوسل هو التوسل بدعاء الرجل الحي الصالح . فالخلاف الذي وقع بعدهم لا اعتبار له .
ولقد ذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين " مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظمـوه تشفعـاً إلى الله تعالى وتوسلاً " ( ).
فليتنبه الشيخ إلى أن شرك المشركين كان شرك الوسيلة الذي يدعو إليه هؤلاء اليوم .

يسمونها بغير اسمها

وتذلل وخضوع المستغيثين عند أعتاب وأضرحة الأولياء وبين يدي مشايخهم هو الخشوع الذي لا يجوز أن يكون إلا لله . وقد أفلح الخاشع في صلاته بين يدي ربه . وهذا الشرك ( أعني التذلل والخضوع لغير الله ) قد ألبسوه لباس الدين بإعطائه أسماء مختلفة ، فبدل أن يسموه عبادة سموه توسلاً ، وبذلك ارتكبوا جناية على اللغة والدين ، فبدلوا اللغة كما بدلوا الدين .
فالاستغاثة : طلب الغوث ، كما أن الاستعانة طلب العون من المستعان به ، فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالاً منه وهو واضح وصريح أن ذلك ليس توسلاً به إلى غيره ، يسمونها بغير اسمها ، وذلك على غرار تسمية الربا ( فائدة ) والخمرة ( أم الأفراح ) حتى لا يقال لهم ( إنكم لمشركون ) !!!
فكما أن هناك من سمى الخمرة بغير اسمها فهناك من يسمى الشرك بغير اسمه يسميه توسلاً وتبركاً ويسمي التحريف تأويلاً ويسمي التعطيل تنزيها ويسمي الرقص ذكراً ويسمي التقديس محبة ! هكذا يزين الباطل .
• أن النبي  قد ندبنا أن نسأل الله كل شأن من شؤوننا فكيف نلتفت إلى غيره في أشد حوائجنا وشدائدنا ونلجأ إلى سواه .
التوسل بالذات أم بالدعاء ؟
وقد خالف الموحدون المشركين بتفريقهم بين التوسل بذوات الصالحين وبين التوسل بدعائهم ، فتركوا التوسل بذات أفضل الصالحين وسيد المرسلين محمد  بعد موته وتوسلوا بدعاء غيره من الأحياء ، ولهم في ذلك سلف كتوسل عمر بالعباس ، وتوسل معاوية بالأسود بن يزيد ( ) ، وحدث ذلك أمام جمع غفير من الصحابة فكان هذا إجماعاً منهم على صحة الفعل. وهذا الترك سنة ، وعدم الترك بدعة مخالفة لما تركه خير القرون ، وسلوك لغير سبيل المؤمنين . { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا } . فلابد من الرجوع إلى المعنى الشرعي للفظ التوسل من القرآن والسنة وفهم سلف الأمة .
ولا اعتبار للخلاف الذي وقع في التوسل بعدهم وبعد قول عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) الذي قاله أمام جموع الصحابة . وقد جعل مؤلفو الحديث كالبخاري هذه الأحاديث تحت باب ( سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا ) ولم يجعلها تحت باب التبرك بقبور الصالحين . إذ لا يوجد ولله الحمد مثل هذا الباب في كتب الحديث المعتبرة .

التوسل في اللغة
قال في القاموس في مادة (وسل) وسل إلى الله تعالى توسلاً : أي عمل عملاً تقرب به إليه " . وفي المصباح ًالمنير " ووسل إلى الله تعالى توسيلاً : أي عمل عملاً تقرب به إليه " . و " توسل إلى ربه وسيـلة : أي تقرب إلى الله بعمل " .
وفي الصحاح للجوهري " توسل إليه بوسيلة : أي تقرب إليه بعمل ".
والتوسل إلي الله معناه اتخاذ سبب يزيد العبد قربة من الله . وفي ذلك آيتان من كتاب الله :
 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } [ المائدة 35 ] ، عن ابن عباس والسدي وقتادة " أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه " قال ابن كثير " وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف فيه بين المفسرين " وساق الطبري أقوالاً " حاصلها " أن الوسيلة هي التقرب إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه ( ) .
وقال أبو الليث السمرقندي (كبير مشائخ الحنفية) { وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } " أي اطلبوا القربة والفضيلة بالأعمال الصالحة " ( ) .
ولم يقل أحد من المفسرين " المعتبرين " أن معنى { َابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } أي سلوا الأموات من دون الله أو اتخذوا الأولياء وسيلة لكم إلي الله .

هل ابتغى الصحابة الوسيلة ؟

ونسأل : هل طبق الصحابة هذه الآية على الوجه الذي تفهمونه ؟ هل كانوا يتوسلون إلى الله بالنبي  أم أنكم فهمتم فهماً جديداً فات الصحابة فهمه حتى عدلوا عنه وتمسكتم به ؟
وقد ذكر النبي  لعمر ولياً من أولياء الله ، وأمره إذا لقيه أن يسأل الله له الاستغفار ، ولو كان التوسل بالذات هو المفهوم عند الصحابة لتوسل عمر بأويس قبل أن يلقاه كأن يقول : اللهم إني أسألك بأويس . . . . لكنه لم يفعل !
قال تعالى { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً 56 أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } [ الإسراء 56 ] . قال ابن عباس ومجاهد " وهم : عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم " ( ) ".
قال ابن مسعود " نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن ، فأسلم الجنيّون ، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون " .
قال الحافظ " استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن ، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا وصاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، وهو المعتمد في التفسير" ( ) .
وقال بعض السلف : " كان أقوام يدعون المسيح وعزيراً والملائكة ، فبين الله لهم أن هؤلاء عبادي كما أنتم عبادي ، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إليّ " .
ومن هاتين الآيتين يتبين لنا نوعان من التوسل :
أحدهما توسل شرعي : وهو التقرب إلى الله بالوسائل التي شرعها ، كالتوسل بأسماء الله الحسنى والتوسل بالعمل الصالح .
وثانيهما : توسل شركي يعتمد التعلق بالذوات واللجوء إليها ، والتماسات شركية يظنونها وسائل شرعية تحقق المطلوب وتدفع المحذور .

أنواع التوسل المشروع

1) التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وهو أعظم أنواع التوسل ، قـال تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأعراف 180 ] ، ومن أعظم أنواع التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى : ما رواه بريدة أن رجلاً جعل يدعو ، فجعل النبي  يستمع إلى دعائه فكان يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت ، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ( أن تصر لي ذنوبي ) فقال النبي  " والذي نفسي بيده ، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى " ( ) .
2) التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح : ودليله قصة الثلاثة نفر من بني إسرائيل الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار وحالت دون خروجهم فجعلوا يذكرون أخلص أعمالهم الصالحة ويسألون الله بها أن يفرج عنهم الصخرة ففرجها عنهم ( ) .
ومن ذلك التوسل بالإيمان بالنبي  ومحبته ، ولكن لم يعهد عن أحد من سلف الأمة أنه قال ( اللهم أسألك بإيماني بنبيك وبمحبتي له ) وإنما كانوا يقولون { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } . ولا شك أن هؤلاء لم يكونوا يجهلون أسماء الأنبياء ، فلم يتوسلوا إلى الله بإبراهيم أو إسماعيل أو يعقوب ، وإنما اقتصروا في هذا الموقف العصيب على التوسل بأخلص أعمالهم ، ثم يقرهم الله على ذلك ويكافئهم بأن يفرج عنهم .
أو كانوا وهابيين لا يرون التوسل ؟ أين الأنبياء والأولياء الذين زعم الحبشي أنهم يخرجون من قبورهم فيغيثون الملهوف ثم يعودون إليها ؟
ومع مشروعية التوسل بالعمل الصالح فإن النووي رحمه الله كان يخاف أن يكون فيه نوع من ترك الافتقار المطلق إلى الله ، فكيف بمن يتوسل بالذوات غير المشروع ؟ !
ومن التوسل بالإيمان ما نجده في تلك الآية { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ آل عمران 16 ] ، فيجوز للعبد أن يتوسل بإيمانه أن يغفر له ، ففي الصحيحين أن رجلاً سأل رسول الله  " أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله ( )
3) التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح وهذا مشروع . وقد كان الصحابة يتوسلون إلى الله بدعاء نبيهم  وكانوا يتوسلون بعد موته  بدعاء من يتوخون فيه العلم والصلاح ، كقول أم الدرداء لصفوان - وقد كان مسافراً " أدع لنا بخير ، فإن رسول الله  كان يقول " دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه مَلَك موكل ، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل : آمين ، ولك بمثل " ( ) ، وهكذا توسلت أم الدرداء بدعاء صفوان في الحج .
















كيف كان توسل الصحابة ؟

وفي قضية التوسل بالنبي  نسأل الأسئلة التالية :
السؤال الأول : هل طرأ التوسل بالنبي  بعد موته أم كانوا يتوسلون به في حياته ؟ الجواب : لا شد أنهم كانوا يتوسلون به في حياته .
السؤال الثاني : إذا ثبت أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فكيف كانت طريقة التوسل ؟ هل كان التوسل بذاته أم بدعائه ؟
السؤال الثالث : هل التوسل بالذات مجمع عليه أم مختلف فيه في عهدهم ؟ ومتى ابتدأ الخلاف ؟
إن الذين لا يجعلون فرقاً بين التوسل به  حياً وميتاً محجوجون بفهم الصحابة وفعلهم ، فإننا إذا اختلفنا في فهم سنته رجعنا إلى فهم السلف لها .
فقد ترك عمر التوسل بالنبي  بعد موته أمام جمع من الصحابة ، فكان المشروع ما فعلوه لا ما تركوه ، والترك الراتب سنة متبعة ، وفاعل ما تركوه سالك غير سبيلهم .
فلقد أصيب الناس في عهده بالقحط فخرج بالناس للاستسقاء ثم قال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك  فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " ( ) . وفي رواية أنس " كانوا إذا قحطوا على عهد النبي  استسقوا به ، فيستسقي لهم فيسقون ، فلما كان في عهد عمر.. " ( ) .
وفي هذا أكبر تكذيب لقول الأحباش " لم يكن بين المسلمين إنكار للتوسل بالرسول في حياته أو بعد وفاته : المسلمون مجمعون على جواز ذلك " (منار الهدى 32: 27) . فقد كره أبو حنيفة التوسل بالنبي  على ما سترى . فأين هذا الإجماع المزعوم ؟ !
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رواية تؤكد أن التوسل كان بدعاء العباس فقال عمر للعباس " قم واستسق لنا " فقال العباس " اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ، ولم يُكشف إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك ، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " ( ) ". وهذا رد على من زعم أن توسل عمر بالعباس كان بالذات ، ولو كان بالذات لما كان ثمة حاجة ليأخذوا العباس معهم ولتوسلوا بمنزلته من النبي  ( ) . فهو توسل بفعل العباس لا بذاته .
ومالك لم يكن يرى فرقاً بين حياة النبي  وبين موته فيما يتعلق بتوقيره وحرمة رفع الصوت في مسجده ، ولكنه مع ذلك كان يفرق بين حياته  وبين موته فيما يتعلق بمسألة التوسل به  ومسألة زيارة قبره حتى قال " وأكره أن يقال زرت قبر النبي  " .












بطلان قاعدة جواز التوسل بالمفضول

وقد أجابوا عن ترك عمر التوسل بذات النبي  بأن توسل عمر بالعباس إنما كان لتعليم المسلمين جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل . لو ثبت بإسناد صحيح ولو مرة واحدة أن واحداً من الصحابة توسل إلى الله بميت لقلنا صدقتم ، بل الثابت توسلهم بدعاء العباس والأسود بن اليزيد مما يبطل زعمكم .
وهذا تعليل لا نسلم لكم به إلا بدليل يرد فيه هذا التعليل نصاً من كلام الصحابة . بل هذا اللتعليل ادعاء للغيب ، فإن عمر لم يقل شيئاً من ذلك ولا أحد من الصحابة ، فلم يبق إلا أن تدعوا أنكم تعلمون ما كان في قلب عمر ونيته .
ويلزمكم أن تبرهنوا على صحة هذا التعليل بأن تأتوا برواية صحيحة تثبت أن الصحابة استسقوا بالنبي  بعد موته ولو مرة واحدة حتى نوافقكم على هذه القاعدة ( التوسل بالمفضول مع جواز الفاضل ) .
• لأن تعليلكم ظن ، والظن لا يرفع الخلاف ، إذ الروايات تتضمن عبارة (كانوا) و (فلما) الدالان على عدول الصحابة عن الأمر الأول إلى الثاني ، والظنيات عند الأشاعرة لا يجوز دخولها في أمور العقائد التي تتطلب القطعيات ، وكان عليهم أن يحترموا عهودهم وأن لا يحتجوا في أمور العقائد بالمحتملات .
• أن الأمر { وَابْتَغُواْ } دليل على الوجوب ، لا ينصرف عنه إلى السنية إلا بدليل .
• أنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى الأدنى المشكوك فيه مع توافر الأعلى المضمون .
• أن ترك الصحابة التوسل بأنبياء آخرين يبطل قاعدة الخصم (جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ) ، ويؤكد أن قول عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) تفيد الماضي .
• أن أحداً من هؤلاء اليوم لا يرضى أن يقول ما قاله عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) لأن الواقع أنهم ما يزالون اليوم يدعون الناس إلى التوسل الذي عدل عنه الصحابة . وهذه علامة الضلالة ومخالفة السلف : أنهم يقولون اليوم ( لماذا لا نتوسل بالنبي  ) بينما قال عمر ( كنا نتوسل بنبيك ) .

• شبهة : وزعموا أن قول عمر (كنا) لا يفيد الماضي وإنما هو نظير قوله تعالى { وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما } والجواب :
أولاً : أنه لما قال عمر (كنا) لم يتوسل بالنبي  مما يدل على أنه استعمل (كان) التي تفيد الماضي ، ولا أظن أن هؤلاء يجهلون تلك الحقيقة ولكن علم الكلام يورث المجادلة بالباطل
ثانياً : ما حكاه الحافظ ابن حجر عن الراغب " أن (كان) عبارة عما مضى من الزمان . لكنها في كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزلية كقوله تعالى { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } قال : وما استعمل منه في وصف شيء متعلقاً بوصف له هو موجود فيه فللتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له أو قليل الانفكاك عنه كقوله تعالى { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } " ( ) .
قلت : لاحظ أنه لا يأتي في هذه الآيات بعد (كان) فعل وإنما صفة ، وأما إذا جاء بعدها فعل فلابد أن تكون مفيدة للماضي .
• فالتوسل كان بدعاء النبي  وهذا ثابت بأدلة متوافرة أنهم كانوا يأتون النبي  فيقولون هلك الحرث فادع الله لنا يا رسول الله .
- ولم يثبت أنهم كانوا يتوسلون بذاته في الاستسقاء ، ولم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف أنهم كانوا يستسقون برسول الله  من غير أن يفعل هو الاستسقاء من صلاة ودعاء ، فلما مات استسقوا بالعباس وكان هذا بجمع الصحابة كلهم وإقرارهم ، ولو كان بذات النبي  لما قال عمر (كنا) ولا قال أنس (كانوا) . وهذه الأنواع من التوسل قد أجمعت الأمة على مشروعيتها " .


وهنا تجاهل نقد الذهبي للرواية

• ويتمسك الأحباش بحديث باطل وهو " إذا سألتم الله فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم " ولو كان هذا الحديث معلوماً عند الصحابة لصار عمر مخالفاً لقوله  " سلوا الله بجاهي " ولصار الذين جمعهم عمر وتوسل أمامهم بدعاء العباس موافقين له على خلاف ما أمر به  من التوسل بجاهه أو ذاته ، فهل جهل الصحابة - أو تجاهلوا - جاهه  فتركوا التوسل بجاهه ؟
وهل جهلوا جاه موسى الذي قال الله فيه { وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا } وعيسى الذي قال الله فيه { وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } فلم يسألوا الله بهذا الجاه ؟
• ويتمسكون برواية ضعيفة مفادها أن عمر قال " يا أيها الناس إن رسول الله  كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا برسول الله واتخذوه (أي العباس) وسيلة إلى الله " ( ) . وهذه الرواية ضعيفة فيها داود بن عطاء المدني وهو ضعيف كما في التقريب للحافظ (1801) وقد تعقب الذهبي الحاكم (3/334) في هذه الرواية قائلاً " داود متروك " ، فلماذا لا تحتجون هنا بالذهبي كاحتجاجكم به في موقفه من أبي إسحاق السبيعي ؟
ثم على فرض صحة الرواية فإن منزلة العباس من النبي  لا تُنكر ، فاجتمع في كلا الروايتين منزلة العباس ودعاؤه .
فأي محاولة لإثبات أن التوسل كان بمنزلة العباس أو قرابته دون دعائه إنما هو طعن منهم في منزلة النبي  وفي فعل الصحابة .
وأما أن يقال : إن التوسل بالعباس كان لمجرد منزلته فيقال : أفيجوز أن يتوسلوا بمكانة العباس ولا يتوسلوا بمكانة النبي  التي لا تزول بموته ؟ أم أن التوسل كان بشيء ثان مقرون مع المكانة وهو التوسل بالدعاء ؟ وقد انتفى دعاء رسول الله  بموته فتوجه الصحابة إلى دعاء العباس وقالوا " قم يا عباس أدع الله لنا " .
وإذا كان توسل عمر بالعباس لقرابته ومنزلته فبماذا نفسر توسل معاوية بيزيد بن الأسود أمام جمع من الصحابة أيضاً ؟ ( ) . ولئن كان لكم مخرج في الطعن بمعاوية فأي مخرج لكم في إقرار جموع الصحابة لفعله ؟
• شبهة : وزعموا أن عمر لم يبلغه حديث الضرير ولو بلغه لتوسل به ، وهذا باطل فقد كان توسل عمر بدعاء العباس أمام جمع من الصحابة وتكرر هذا الجمع للاستسقاء بموجب قول أنس (كانوا) مما يدل على الاستمرار ( ) ، فهذا اتهام له وللمهاجرين والأنصار بجهل حديث الضرير أو اتهام لهم بالسكوت عليه .
• شبهة ( ) : واحتجوا بقوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } مع مخالفتهم لما فهمه السلف منها حيث معناها المجيء إليه في حياته . فلا يجوز إحداث تأويل في آية أو حديث لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه لأنه يلزم من ذلك الطعن بهم أنهم جهلوا الحق الذي اهتدى إليه الخلوف من بعدهم ، أو أنهم علموه ولكن كتموه عن الأمة .
• وقد ذم الله من تخلف عن هذا المجيء واعتبرهم منافقين مستكبرين غير مغفور لهم فقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ 5 سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
• ولم يثبت أن أحداً من الصحابة أتى قبر النبي  وسأله الاستغفار وهذا يقتضي دخول الصحابة في المنافقين المستكبرين وأن الله لن يغفر لهم لأنهم ما عملوا بهذه الآية ، بل ثبت تركهم للتوسل به بعد موته والتوسل بغيره .
ولا يعقل أن يعطل الصحابة تطبيق الآية ثم يأتي هؤلاء الخلوف ويفهمون منها ما لم يفهمه ولم يطبقه الصحابة .
• ثم إن إيجاب مجيء القبر على كل مذنب من أمة محمد  تكليف بما لا يطاق ، فإن الأمة لا تستطيع مجيء القبر عند ارتكاب كل ذنب .
• أن في هذا الفهم إلغاء لدور الحج والعمرة ، بل يصير القبر حَرَماً يحج إليه الناس . وحينئذ : فلماذا يحج الناس إلى مكة ؟ أليس ليعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ؟ ولماذا يفعلون ذلك والآية تنص بزعمهم على وجوب حج المذنبين إلى قبره  ؟ وكأنهم يقولون : من حج إلى قبر النبي  رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه !!!
• ويلزم أن يصير القبر عيداً ، بل أعظم أعياد المذنبين ، وهذا مخالفة للنبي  فإنه نهى عن أن يُتخذ قبره عيداً .
• أن الآية خاصة بحياة النبي  حيث نزلت فيمن ترك الرسول  وتحاكم إلى الطاغوت فهو بذلك أساء إلى الرسول وترك حقا شرعياً لا تتحقق التوبة منه إلا بالمجيء إلى النبي  وإعلان التحاكم إليه . فوضح من ذلك أن هذه الآية نزلت في المنافقين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }

شبهة العبرة بعموم اللفظ
أما ما يدعيه القوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فأخبرونا :
ألم يكن الصحابة من هذا العموم ؟
وإذا كان الجواب : نعم .
فمن عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه ؟ لقد تركوا التوسل به كما عند البخاري ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره  وطلب الاستغفار هناك بعد موته .
وهذا يؤكد أن هذا العموم قد انقطع بموته ولو كانت العبرة بالعموم لفعلوه بعد موته  .
وإن كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به أو أنهم جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف !









التوسل بالذوات من خصال المشركين

فأما التوسل بالذوات فإنه من خصال المشركين الذين كانوا يتخذون الصالحين وسيلة لهم ليقرِّبوهم إلى الله { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ( الزمر3 ) أمثال ود وسواع ويعوق ويغوث ونسر .
قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) هذه أسماء رجال أولياء صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما ماتوا بنَوْا لهم الصور والتماثيل (البخاري 4920) . هذا باعتراف الأحباش .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد مال حدثنا مهران عن سفيان عن بن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما من بنى آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم : لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم : فلما ماتوا ، وجاء آخرون : دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر ، فعبدوهم ( ).
فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله  كان منهم من يعبد المصورة على صور الصالحين : ود وسواع ويغوث فيستسقون .

قبور الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام
قال الحافظ ابن حجر في الفتح " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك " ( ). وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين . فكلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها . فعبدوها بتدريج الشيطان لهم ( ).
قال القرطبي " فعلوا ذلك ليتأنّسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم ، فمضت لهم بذلك أزمان ، ثم إنه خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها ، فحذر النبي  عن مثل ذلك .. وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ) ( ) .

موقف الرازي الأشعري من القبوريين
وذهب الرازي إلى أن المشركين " وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى . (أضاف) : ونظيره في هذا الزمان : اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله " ( ). أهـ.

الاستغناء بالمشروع عن المظنون
إن الله شرع لنا من التوسل المشروع ما يغنينا عن غيره مما لا دليل على مشروعيته اللهم إلا من خلال الروايات والمفاهيم الضعيفة ، فليس من الحكمة أن يُشغلنا الجدالُ حول أنواع التوسل غير المشروع وغير الثابت عن التوسل المشروع الثابت من الكتاب والسنة كالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته ، وبالإيمان والعمل الصالح .

يوسف التازي
13-01-15, 05:18 PM
قالوا : قد توسل الأعمى بالنبي ïپ¥ فقال " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد " ثم نشأت الشبهة عندهم فقالوا : لو كان التوسل بالدعاء لما قال الأعمى " أسألك اللهم بنبيك " ولقال " أسألك اللهم بدعاء نبيك " فلماذا تضيفون ما لم ترد إضافته ؟
والجواب : أنه إذا كان الثابت توسلهم بدعاء النبي ïپ¥ حين كان حياً وتوقفهم عن التوسل به إلى التوسل بدعاء غيره من بعده : فلا يعود ثم حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء لا بالذات والجاه ، ومن كان عنده ما يثبت توسلهم بالذات فليأت به .
• أن النبي ïپ¥ هو الذي تعلمنا منه هذه الإضافة حين قال " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها : بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم " ( ) وعلّمنا أن الدعاء هو المقصود حين قال له " إن شئت دعوتُ لك " فقال الرجل " بل أدعه " ولكن المصرين على التوسل بالذوات لا يتعلمون وإنما يتجاهلون .
وتوسل الأعمى بدعاء النبي ïپ¥ هو أمرٌ مشروع لتوافر الأدلة عليه . ولابد من الوقوف في قصة الأعمى على فوائد مهمة :
• أن الأعمى ذهب إلى النبي ïپ¥ ليطلب منه الدعاء ولو كان التوسل بالذات مشروعاً لم يكن ثمة حاجة للذهاب إليه إذ كان يكفيه أن يتوسل به من غير أن يذهب إليه . فيقول ( اللهم أسألك بنبيك " لكنه ذهب وطلب منه أن يدعو له .
• أن النبي ïپ¥ وعده بالدعاء له فقال " إن شئتَ دعوتُ لك " فألحّ عليه الأعمى بالدعاء قائلاً " بل أدعُه ". وهذا وعد من الرسول ïپ¥ بالدعاء للأعمى ، علّقه على مشيئته ، وقد شاءه الأعمى بقوله (بل أدعه) ويقتضي أنه دعا ïپ¥ له , وهو خير من وفّى بما وعد ، يؤكد ذلك أيضاً قول الأعمى في دعائه الذي علمه الرسول ïپ¥ أن يدعو به " اللهم فشفعه فِيّ " أي اقبل دعاءه فيّ . والشفاعة معناها الدعاء كما قال في لسان العرب " الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشافع : الطالب لغيره ، يتشفع به إلى المطلوب ، يقال : تشفعتُ بفلان إلى فلان " . وبهذا يثبت أن الأمر كان يدور على دعائه ïپ¥ أو جاهه .
أن النبي ïپ¥ أمره أن يتقرب إلى الله بعدة وسائل منها التوسل إليه بالعمل الصالح وهو " إحسان الوضوء" " وإتيان ركعتين " يدعو الله عقبهما أن يستجيب دعاءه في أن يقبل دعاء النبي ïپ¥ له . وهذا هو معنى قوله " وشفعني فيه " أي أدعوك أن تتقبل دعاء النبي ïپ¥ لي .
• وهذه العبارة لا يفقهها الحبشي وأمثاله ، بل لا يريدون أن يفقهوها لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتكشف أن التوسل كان بدعاء النبي ïپ¥ وبالعمل الصالح لا بذات النبي ïپ¥ . فإن شفاعة النبي ïپ¥ للأعمى مفهومة عندهم ولكن ما معنى شفاعة الأعمى للنبي ïپ¥ كما قال " وشفعني فيه " ؟ علما بأن معنى الشفاعة في اللغة : الدعاء . إن معناها " اللهم اقبل دعائي في استجابة دعاء نبيك ïپ¥ لي . ولا يمكن لأحد بعد موت النبي ïپ¥ أن يقول " اللهم اقبل شفاعته في " فهذا مذهب باطل لا يزعم أحد أن دعاء النبي ïپ¥ حصل له وهو في قبره .
• فاللغة والشرع يشهدان بصحة ذلك . ولكن ماذا نفعل في أناس تجنوا على اللغة والشرع ؟
ولنتأمل هذين الحديثين : فعن أنس وعائشة عن النبي ïپ¥ قال " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه " وفي رواية ابن عباس "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) فمعنى شفعهم الله فيه أي قبل دعاءهم له . فيصير معنى " شفعني فيه " أي اقبل دعائي بأن تستجيب دعاءه .
• أن علماء الحديث كالبيهقي ذكروا هذه الحادثة ضمن معجزات النبي ïپ¥ وهو السر في حصول هذه المعجزة التي لم نسمع بعد موته ïپ¥ مثلها بين الصحابة ولا بعدهم إلى يومنا هذا . السر هو دعاءه ïپ¥ .
• أن من الصحابة من أصيبوا بالعمى بعد مماته ïپ¥ كابن عباس وابن عمر، ولم يُعهد أنهم استعملوا هذا الدعاء ، بل تركوا التوسل به ïپ¥ بعد موته وتوسلوا بدعاء العباس وغيره . وليس ثمة تفسير لذلك إلا افتقاد شرط دعائه ïپ¥ وإلا فجاهه عند الله عظيم حيا وميتا .
هكذا فهم الصحابة التوسل : تركوا التوسل به إجماعا كما في قصة عمر يوم أجدبوا وسألوا الله بدعاء عمه العباس . فالثابت المروي عن جماعتهم في ترك التوسل به ïپ¥ بعد موته أصح سندا مما نقل عن فعل أحد أفرادهم مما يعارض ذلك .
وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك ، وهو دعاؤه ïپ¥ له أن يكشف عاهته ، وليس ذلك بمحظور ، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء ، والدعاء أخص من النداء ، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقا بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم ، وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله عز وجل بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقريب إليهم ، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون " ( ).
• أن قوله " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي " أي أتوجه بدعائك الذي وعدتني به حين قلت " إن شئت دعوت لك ". وهذا ما فعله الرجل فإنه توجه إلى النبي ïپ¥ وطلب منه أن يدعو له .
• فهو يُشهِد الله أنه توجه إلى نبيه ïپ¥ ليسأل الله له وكأنه يقدم هذه الشهادةَ بين يدي سؤاله ربه ومثل هذا كثير في الدعاء كقوله تعالى { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا } وتقديم أصحاب الغار عملهم الصالح بين يدي دعائهم لله
وهذا التوجه هو حكاية حال ، يحكي فيه أنه توجه وذهب إلى النبي ïپ¥ فطلب منه أن يدعو ربه . ولم يسأله في غيابه كما يفعل أهل البدع .
• وهؤلاء يفهمون من قوله ïپ¥ " ائت الميضأة " وكأن معناه عندهم ، اذهب إلى بيتك . ولم لا تكون الميضأة قريبة منه ïپ¥ كما يفهم من سياق الرواية ، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر وصلى ثم دعا بهذا الدعاء ؟!
• وبتقدير أن يكون كلامه من بعيد . فيكون التوجه خطاباً لحاضر في قلبه وليس استغاثة كما نقول في صلواتنا (السلام عليك أيها النبي) وكما يقول أحدنا اليوم (بأبي أنت وأمي يا رسول الله). وكما قالت فاطمة حـين مـات ( واأبتاه : أجاب رباً دعاه " . ودليل ذلك قوله في نهاية الدعاء (اللهم فشفّعه فِيّ ) أي اقبل دعاءه في .
• فأما التوجه الذي يفهمه الأحباش أي التوجه إلى النبي ïپ¥ إلى جهة قبره بعد موته كما علمهم محمد بن حسن الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته ( ). فهذا من سنن النصارى.
• أما سنة نبينا فقد كان ïپ¥ يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي (والدعاء صلاة) ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " . فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس إلى التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء هو ملة الشرك.
فإنه توجه بدعاء النبي ïپ¥ وهذا ما حدث حقاً فقد توجه إلى النبي ïپ¥ ليدعو له فوعده بذلك . ولذلك قال في آخر دعائه " اللهم فشفعه في " أي اللهم اقبل دعاءه فِيّ .
• والرجل يحكي ما فعله وليس في صيغة كلامه ما يستدل به على جواز قول المشركين ( شيء لله يا رسول الله ) وقول المالكي : فبالذي خصك بين الـورى برتبة عنها العــلا تنزل
عجل بإذهاب الذي أشتـكي فإن توقفت فمن ذا أسـأل
والدليل على ذلك أن ننظر : ماذا قال الأعمى بعد قوله ( يا محمد ) ؟ هل قال : أغثني أعد إلي بصري ؟
نعم , لقد قال (يا محمد) لكنه لم يسأله ، وأنتم إذا قلتم (يا محمد) تقولون : أغثنا أمدنا بإمدادك ، تعطف تكرم تحنن علينا بنظرة …
فإن كان سأله بعد قوله (يا محمد) فقد قامت حجتكم ، وإن كان لم يسأله فقد قامت الحجة عليكم . فالحديث حجة عليكم لا لكم .
وليس كل خطاب لغير الحاضر استغاثة به ، وإلا فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود قائلاً "والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله ïپ¥ يقبلك ما قبلتك " ( ) .

صوفي ضرير يحتج بحديث الضرير
ومن الطريف أن شيخاً صوفياً ضريراً (نقشبندياً) كان يحتج علي بحديث الأعمى ، فقلت له : وأنت ألست أعمى ؟ قال : بلى ، قلت له فهل دعوت بهذا الدعاء ؟ قال : دعوت ولم يستجب لي ، لأن إيماني ضعيف . فقلت له : ليس هذا هو السبب ، بل لأن الشرط الذي تتجاهلونه (وهو الدعاء من النبي ïپ¥ ) غير متحقق بعد موته . وقد خير الأعمى- حين كان حياً - بين أن يدعو له أو أن يصبر وله الجنة ولكن : كيف يمكن تخييرك ؟

قصة لا تليق بعثمان بن عفان

واحتجوا بما أخرجه الطبراني في معجميه عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ( ) فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك فقال : ائت الميضأة ، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتُقض لي ، ثم رح حتى أروح معك . ففعل ما قال ثم أتى باب عثمان فجاء البوَّابُ فأخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفان ، فأجلسه فقال : ما حاجتك ؟ .. فقضاها له ثم قال له : إذا كانت لك حاجة فأْتنا . فخرج الرجل وأتى إلى عثمان بن حنيف وقال له جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلَّمتَه في . فقال له عثمان بن حنيف : والله ما كلمتُه ، ولكن شهدت رسول الله ïپ¥ وأتاه ضرير ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي ïپ¥ ائت الميضأة ، فتوضأ ثم ïپ¥ ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات " قال الطبراني والحديث صحيح . انتهى كلام الحبشي ( ). قلت : خصص الحديث بالصحة وليس الأثر أم أنكم لا تفرقون بين الحديث والأثر ؟

الجواب عن القصة المزعومة
ا) والحديث صحيح ولا ريب كما قال الطبراني . غير أن الأحباش يحتالون على الناس فيجعلون كلام الطبراني " الحديث صحيح " شاملاً للحديث وللقصة التي بعده ، مع أن الطبراني خص الحديث بالصحة فقط دون غيره لأن هذه القصة ضعيفة السند وألصقت ببعض طرق الحديث لا كلها ، وهذا احتيال لا يتفطن له عامة الناس .
* فإن قصة الرجل مع عثمان رضي الله عنه عند الطبراني ضعيفة السند ولم يتعرض لها الطبراني بتصحيح وإنما قال في الصغير (1/184) " لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد المكي- وهو ثقة - وهو الذي يحدث عنه ابنه أحمد بن شبيب عن يونس بن يزيد الأيلي . وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد - وهو ثقة - تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة : والحديث صحيح " .
وقوله " لم يروه ... " مشعر بضعف القصة عنده ووقع التفرد فيها وهو الحق . فان آفة إسنادها رواية عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد وهي منكرة عند جميع أهل الحديث كما أشار إليه ابن عدي ، وقال : حدث عنه ابن وهب بمناكير "حدّث عنه ابن وهب بأحاديث منكرة " وأقره الحافظ في (التقريب 2739) فقال في ترجمة شبيب " لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب ". وقال في مقدمة الفتح (ص 409) " ولذلك أخرج البخاري من رواية ابنه عن يونس أحاديث ولم يخرج عن يونس ولا من رواية ابن وهب عنه شيئاً " .
قال ابن عدي " ولعل شبيباً لما قدِم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب " ( ).
ويؤكد نكارة تفرد ابن وهب عن شبيب أن أحمد بن شبيب وهو المختص بالرواية عن أبيه روى الحديث من غير زيادة هذه القصة كما عند الحاكم في (المستدرك 1/526) وابن السني في (عمل اليوم والليلة 170) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد قال : ثنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال : سمعت رسول الله ïپ¥ الخ ) .
وهذه الرواية أصح سنداً لأنها من روايات أحمد بن شبيب عن أبيه . وتقدم قول الحافظ في (التقريب 2739) في ترجمة شبيب " لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب ".
ثم في سند هذه الرواية طاهر بن عيسى شيخ الطبراني وهو غير معروف العدالة ذكره الذهبي ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال .
*شبهة : واحتجوا بزيادة وردت عند ابن أبي خيثمة ، في تاريخه في آخر الحديث وهي " وان كانت حاجة فافعل مثل ذلك " وهي زيادة لم ترد في رواية من رووا عن حماد فقد رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (رقم 658) وأحمد في (المسند 4/138) وليس فيها " وإن كانت حاجة ... ) .
- أن رواية الأعمى جاءت من طريق شعبة وحبان بن هلال من غير هذه الزيادة .
- أنه على القول بأنها من طريق حماد بن سلمة ، فإنه وإن كان ثقة إلا أنه خالف بهذه الزيادة رواية من هو أوثق منه ممن لم تتضمن رواياتهم هذه الزيادة .
ولقد قال الحافظ عن حماد في (التقريب 1499) " ثقة عابد ، تغير حفظه بآخر حياته " وقال البيهقي في (السنن الكبرى 4/94) "حماد بن سلمة وإن كان من الثقات إلا أنه ساء حفظه في آخر عمره : فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ويتجنبون ما يتفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله " قال " فالاحتياط أن لا يحتج بما يخالف فيه الثقات " ( ).
والمسألة في أهم أصول العقيدة فإن القوم يريدون بها تجويز سؤال غير الله عز وجل . لكنهم هنا يخالفون أصولهم في الاقتصار في أمور العقائد على الصحيح المتواتر ، فلا يريدون التحقق من هذه الرواية لأنها تؤيد المذهب !
فالرواية إما مكذوبة أو منكرة . فكيف يجوز تقديمها على ما صح في البخاري من أن الصحابة تركوا التوسل به ïپ¥ بعد موته وتحولوا إلى التوسل بدعاء عمه العباس .
أنه على فرض صحة القصة , فإن فعل الصحابي الواحد إذا كان مخالفاً لما أجمع عليه الصحابة لا يكون حجة . وقد جاء توسل عمر بدعاء العباس أمام جمع من الصحابة مخالفاً لقصة عثمان بن حنيف مع عثمان بن عفان على افتراض ثبوت سندها .

تأدبوا مع من كانت تستحيي منه الملائكة
إن في هذا الأثر إساءة الأدب في حق الصحابي الجليل عثمان رضي الله عنه . يلاحظ ذلك كل من تأمل التركيبة الملفقة التي رُكّبتْ منها هذه الرواية التي ترضي أذواق الروافض وتروي حقدهم ضد الصحابة ، فلا تسارعوا إليها ، فإن مفادها أن عثمان كان يحتجب عن الناس ولا يلتفت إلى حوائجهم .
وكفى بذلك ذماً له ، فقد دعا رسول الله على من يحتجب عن حوائج الناس فقال " من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم : احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة " وفي رواية " ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته " ( ).
فلا يجوز التمسك بقصة ضعيفة تطعن في صهر رسول الله ïپ¥ لمجرد مناسبتها هوى دعاة الاستغاثة بالأموات .

وخُذُه حيث حافظٌ عليه نص أو من مصنف بجمعه يخص
بل تحقق منه حيث حافظ عليه نص
• وهذا تعصب وعمى ، ناهيك عن أنه يمنح الحافظ رتبه الأئمة المعصومين عند الشيعة ، فإن مشايخ الشيعة يقولون لأتباعهم من العوام " وخذه حيث سيدٌ ( أو إمام ) عليه نص " !
• ومخالف لما أجمع عليه جمهور الأمة وعلماؤها " كل منا يؤخذ منه ويردّ عليه إلا صاحب هذا القبر". فكم من حافظ أخطأ في تحسين حديث وتضعيفه حسب ما أدى إليه اجتهاده . فهذا الحافظ الدارقطني يتعقب الحافظ البخاري في العديد من أحاديث صحيحه كما بينه الحافظ ابن حجر في مقدمة صحيح البخاري . وهذا ابن حجر وهو حافظ يتعقب البيهقي فيصحح حديث الصوت الذي ضعفه .
وليس ذلك بقادح فيهم ، وإنما يقدح في أهل الكلام والجدل الذين ينهون عن التقليد ، وهم أول المقلدين كما قاله الحافظ ابن حجر .
فهذه القاعدة منقرضة بما هو معلوم بالاستقراء من حصول الخطأ والاختلاف بين الحفاظ في تحسين الأحاديث الضعيفة أو تضعيف الصحيحة خطأ وسهواً ، وإذا كان الحبشي يجوز عنده وقوع صغائر الخطأ عند الأنبياء فكيف لا يجوز لغير الأنبياء ! وإذا كنا نعتقد أن الأئمة يخطئون وكانوا يقولون " إذا وجدتم قولنا يخالف الحديث الصحيح فاضربوا بقولنا عرض الحائط " فكيف نعتقد احتمال الخطأ عند الشافعي وأحمد ولا نعتقده في الحافظ ؟ !
• فماذا نفعل إذا ضعف حافظ حديثاً صححه حافظ آخر ؟
• ونحتج عليهم بالقاعدة التي يحتجون بها فنقول : البخاري حافظ وقد صحح حديث الصوت فلماذا لم يزل الحبشي يرفضه ويحكم بضعفه ؟ لماذا لم يأخذه حيث البخاري عليه نص ؟
وابن حجر العسقلاني حافظ وقد نص على أن رواية ( وهو الآن على ما عليه كان ) مكذوبة لا وجود لها في شيء من كتب الحديث (فتح الباري 6 / 289 ) فلماذا لا يزال شيخكم متمسكاً بها وقد نص حافظ على وضعها وكذبها؟
والسبكي " عندكم " حافظ وقد حشا كتابه (شفاء السقام) بالأحاديث الموضوعه التي صرح جمع من الحفاظ بوضعها : فلو أننا أخذناها على عماها كما تريدون لوقعنا في الكذب على رسول الله ïپ¥ ووقع المسلمون في فساد عظيم ( ) .
بل أنتم لا تأخذونه ولو نص حافظ عليه فقد نص الحافظ الذهبي على صحة وتواتر حديث الجارية كما في كتاب العلو ( ص 16) ونص عليه الحافظ ابن حجر في الفتح ( 13 / 359) قال " هو حديث صحيح أخرجه مسلم " . فهل تأخذونه حيث حفاظ عليه نصوا ؟
• وإذا كانت شهادة الحافظ ابن حجر عندكم معتبرة فقد صرح . باستحقاق ابن تيمية رتبة (حافظ) كما في (التلخيص الحبير3 / 109) وكذلك شهد له السيوطي برتبة (حافظ ، مجتهد ، شيخ الإسلام ) ( ) : فهل تأخذون بنص شهادة الحافظ في ابن تيمية إن كنتم صادقين ؟ أم أنكم تأخذونا من قول الحافظ ما يناسب أهواءكم؟
قال تلميذه نبيل الشريف " وهذا الحديث شوكة في أعين الذين يحرمون التوسل برسول الله ïپ¥ وبغيره من الأنبياء والصالحين " ( ) .
• قلت : قد صح الحديث وليس بشوكة ، فإذا صح الحديث أخذنا به بلا حرج وأما القصة المتعلقة به فنحن لا نرضى مضغها أصلا لأنها لم تصح ، بخلاف ما أنتم عليه من مضغ الموضوع والضعيف والاحتجاج به في العقائد.
وليس بوسع من يزعم أنه مسلم أن يرد حديثاً صحيحاً لرسول الله ïپ¥ أو أن يقبله وهو له كاره { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [ الأحزاب 36 ] بل هذا هو موقفكم من نصوص الصفات كالاستواء والنزول ، فأنتم تُثبتونها إثباتاً شكلياً وتبطلونها على الحقيقة بالتأويلات المستبعدة .
فأنتم تعرضون عن الصحيح وتتشبثون بالضعيف وتدفعون أسباب ضعفه بشتى الذرائع الواهية كقولكم : يكفي لقول الحافظ في الحديث ( صحيح ) أن نأخذ به .
عثمان بن حنيف قائد معركة الجمل عندكم من البغاة
وقد تمسكتم برواية عثمان بن حنيف وهو قائد معركة الجمل ضد علي رضي الله عنه ، وحكمه عندكم بأنه من الفسقة البغاة بل من أهل النار ، هذا تناقض .
وتجاهلتم ترك عمر التوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته . والتوسل بالعباس بدلا من ذلك ، وتجاهلتم قوله " كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك " ولم يقل" ما زلنا " وقول أنس " كانوا يستسقون " فهذه شوكة أثبتها البخاري في أعينكم لا فرار لكم منها . وبالأمس كنتم تتمسكون بقول عمر " نعمت البدعة هذه " واليوم تتجاهلون تركه للتوسل بعد موت النبي ïپ¥ !!!
وتجاهلتم قول النبي ïپ¥ للضرير " إن شئت دعوت لك ، وإن شئت صبرت " وقول الضرير " بل أدعه " أليس لهذا الكلام عندكم من معنى .
ثم هناك فرق بين من دعا له النبي ïپ¥ وبين من لم يدع له ، وقد دل عمل الصحابة على هذا الفرق ، إذ لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول ïپ¥ لكان عميان الصحابة يفعلون مثل ما فعله الأعمى لكنهم لم يفعلوا .
ولو كان التوسل بشخصه وليس بدعائه ولا فرق بين التوسل به حياً وبين التوسل به ميتاً فما الذي حدا بالضرير إلى أن يذهب إليه ïپ¥ ويسأله الدعاء له ؟ ولماذا توقف عمر عن التوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته ؟ إما أن يكون عمر عندكم وهابياً يفضل العباس على النبي ïپ¥ ثم إذا وافقه جميع الصحابة صاروا وهابيين مثله وإما أنكم مخالفون لما كانوا عليه .

جمعية الصداقة الصوفية الرافضية
ومن هنا نؤكد أنه لم يثبت في أثر أو حديث أن أحداً من الصحابة توسل بالنبي ïپ¥ بعد موته . وإنما حدث ذلك بعد عصر الصحابة والتابعين حين بذر الفاطميون الروافض بذرة أضرحة الأولياء والاستغاثة بالأموات ، فإنهم لما استولوا على بلاد المسلمين نشروا الأضرحة في مساجدهم ، وأشاعوا هذه البدعة .
ومن أدعيتهم التي توافقونهم عليها قولهم فيما يسمونه بالزيارة الجامعة عند قبر الحسين " إني مستجير بكم زائر لكم ، لائذ عائذ بقبوركم ، مستشفع إليه بكم ، ومتقرب إليه بكم ، بكم فتح الله وبكم يختم ، بكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبكم ينفّس الهمّ ويكشف الضر " ( )
وهاهم اليوم يصفون مخالفيهم بأنهم " وهابيون ". ويوافقونكم على الاستغاثة بالأضرحة وتأويل الصفات والابتداع في الدين .
كيف حصل هذا الاتفاق بينكم وبينهم على سب وتضليل من تسمونهم بالوهابية ؟
كيف جمع الشيطان بينكم وبين الشيعة في الدفاع عن الاستغاثة بغير الله وتقديس القبور والمزارات .
- ألم تتساءلوا كيف تقرر عندكم أن الاستغاثة بالمقبورين : عقيدة أهل السنة بينما هي عقيدة الرافضة الباطنيين ؟ بل وأبرز ضلالات اليهود والنصارى بالنص من كلام النبي ïپ¥ الذي لعنهم لأنهم " اتخذوا قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد " . أتجعلون ضلالات اليهود والنصارى والشيعة هي عقيدة أهل السنة ؟!
شبهة : واحتجوا بقوله تعالى { وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } فزعموا أن هذا توسل بالرحم .
والجواب : هذا سؤال بسبب صلته للرحم وهو عمل صالح . كما يدعو أحدنا ربه بصدقته وبره أن يبارك له في عمره . فهذا ليس توسلاً إلى الله بالصدقة وإنما بفعله للصدقة ، والصدقة عمل صالح ، ويجوز التوسل إلى الله بالعمل الصالح ، فكذلك صلة الرحم عمل صالح .
وقد عرض ابن جرير الأقوال ثم رجح ما يلي " اتقوا الله واتقوا الأرحام أن تقطعوها أو اتقوا الله في الأرحام" ( )

موقف أبى حنيفة من التوسل

• جاء في الدر المختار ( ) وهو من أشهر كتب الحنفية ما نصه " عن أبى حنيفة قال : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به ، والدعاء المأذون فيه المأمور به : هو ما استفيد من قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [ الأعراف 180 ] .
قال أبو حنيفة " وأكره أن يقول : بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك " ( ) . وقال أبو يوسف " لا يدعى الله بغيره " .
واعترف الحبشي بقول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة " لا يدعى الله بغيره " ( ).
قال المرتضى الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين " وقد كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، إذ ليس لأحد على الله حق " ( ) .
وهذا ما قاله البلدجي في شرح المختار. والقدوري في شرح الكرخي . ونقله العلائي في شرح التنوير عن التتارخانية عن أبي حنيفة . قال ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار" قوله: وكره بحق رسلك ... ) هذا لم يخالف فيه أبو يوسف ، بخلاف مسألة المتن السابقة كما أفاده الاتقاني . أ . هـ .
وقال تحت قوله ( لأنه لا حق للخلق على الخالق ) : ومجرد إيهام اللفظ ما لا يجوز كاف في المنع فلا يعارض خبر الآحاد ، فلذا والله أعلم أطلق أئمتنا المنع " أ. هـ.
" والمراد بالكراهة كراهة التحريم التي هي في مقابلة ترك الواجب ، وقد ذكروا من قواعدهم أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم ، وممن نبه على ذلك : ابن نجيم في البحر الرائق وغيره ، حيث قال : وأفاد صحة إطلاق الحرمة على المكروه تحريماً " ( ) .
وقد اعترف الأحباش بأن الكراهة عند المذهب الحنفي تطلق على المحرم كما في مجلتهم ( ) .
ففي هذه النصوص عن أبي حنيفة أبلغ رد على ادعاء السبكي أنه لم ينكر التوسل أحد من السلف ولا من الخلف غير ابن تيمية ( ).
فأما السلف : فأبو حنيفة منهم ، وقد أنكر التوسل .
وأما الخلف فحدِّث ولا حرج فيما خالفوا فيه سلفهم .
هل حدثكم أبو حنيفة بمقصده ؟
وقد حرف الحبشي وأصحابه معنى كلام أبي حنيفة كما فعلوا في كلام ربه ، فزعموا أنه قصد كراهة من يظن أن لعباده حقوقاً عليه .
وكيف يستخرج هؤلاء مقاصد لألفاظ الناس : فارووا لنا هذا المقصد بسند صحيح ثابت عن أبي حنيفة.
إن هذا المقصد المزعوم شبيه بتحريف آيات الصفات ، ومن اعتاد التحريف ابتلى بالإدمان عليه كما يبتلى بالإدمان شارب الخمر .
- ولكن الله أثبت لعباده حقا عليه تكرماً كما في حديث معاذ " أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله " ولم ينص لنا على جواز التوسل بهذا الحق .

لو كان شرعياً ما تركه السلف

وبهذا يبطل زعم الحبشي أن الله جعلهم لنا أسباباً فنحن نتوسل . بهم إلى الله . فلو كان سببهم مشروعاً لما كرهه أبو حنيفة إلا أن يكون وهابياً قبل أن يولد محمد بن عبد الوهاب ؟
لو كان هذا سبباً مشروعاً لما عدل عنه الصحابة واتخذوا دعاء العباس سبباً مشروعاً لاستسقائهم كما كانوا يطلبون من الرسول ïپ¥ الدعاء لهم في حياته ، هكذا كانوا يفهمون التوسل .

موقف الحبشي من ذلك
وقد أجاب الحبشي عن هذه النصوص (الشوكية) ( ) بإجابات واهية جداً ثم انتهى إلى ردها لأنها تتعارض مع حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حيث سألوا الله بصالح أعمالهم ( ). غير أن حديث الثلاثة يفيد جواز التوسل بالعمل الصالح ، وهذا متفق عليه . فماذا يفهم هو من الحديث ؟
هاهو الآن يتقمص شخصية المجتهد الذي يقدم النصوص على أقوال الرجال ، مع أنه لم ينف صحة نسبة هذه الأقوال إلى أبي حنيفة لكنه طعن فيمن ينكر التوسل بالأولياء والصالحين ونعتهم بالوهابية وبُكره النبي ïپ¥ والأولياء فماذا يقول في أبي حنيفة وصاحبيه وقد قالا ذلك قبل الوهابية . ألعلّه يعني أن هذه آثار ابن عبد الوهاب في أبي حنيفة ؟‍‍‍‍

نرد اختلافهم إلى الكتاب والسنة

وإنما الخلاف في التوسل بالذوات وقد منعه أبو حنيفة وأصحابه . وأجازه ابن عبد السلام بشخص رسول الله ïپ¥ دون غيره ( ) فقال " ينبغي كون هذا مقصوراً على النبي لأنه سيد ولد آدم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته وأن يكون مما خص به تنبيهاً على علو رتبته وسمو مرتبته " . وهو جائز في إحدى الروايات عن أحمد. مع أن ابن تيمية يرويه عنه بصيغة التمريض ( رُوِيَ ) وتغافل الأحباش عن ذلك وألزموه بالتناقض ( ) .
فما موقفنا نحن من اختلافهم . هل نترك المسألة هكذا من غير تصويب وترجيح أحد أقوالهم ؟
قال ابن تيميه " إن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه ، فتكون مسألة نزاع ، فيُردّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله " ( ) ، كما قال تعالى { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } .
إننا نقول : قد توسل عمر بالعباس وترك التوسل برسول الله ïپ¥ بعد موته أمام جمهور الصحابة وأقروه بلا إنكار واحد منهم ، فنحن مع تقديرنا للعز بن عبد السلام رحمه الله نرغب عن فتواه تمسكاً بما أجمع عليه أصحاب محمد ïپ¥ . فإن عدولهم عن التوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته إلى العباس (وكان آنذاك حياً) دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره .
لذا فمن لا يفرق بين التوسل بالحي وبين التوسل بالميت نحتج عليه بتوسل الصحابة بالنبي ïپ¥ وهو حي ، فلما مات تركوا التوسل به وعدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس .
ومن لا يفرق بين التوسل والاستغاثة نحتج عليه بما روى البخاري عن نعيم " لا يستعاذ بمخلوق" ( ) . وهذه حجة تبطل تلبيس أهل الباطل .
فقد وردت روايتان متعارضتان عن أحمد إحداها تجيز التوسل والأخرى تمنعه ولكن تحريمه للاستغاثة بغير الله ثابت ولم يرد عنه جواز الاستغاثة بغير الله لا من طريق صحيح ولا ضعيف. ولذا فإن من يحتج بأحمد في جواز التوسل بالنبي ïپ¥ لا يستطيع الاحتجاج به في مسألة الاستغاثة .
وأهل العلم إذا تنازعوا لا يكون قول واحد منهم حجة على الآخر ممن يرى قول معارضه. وإنما الرد إلى الله والرسول ، فكل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله ïپ¥ فإنهم إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجمعون على ضلالة ، وإذا تنازعوا فعليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول .
لكن هؤلاء يتخذون من التوسل برسول الله ïپ¥ ذريعة يستحلون بها الاستغاثة بالأموات. وهم لا يتفقون مع ابن عبد السلام ولا مع أبي حنيفة في ذلك. وقد خالفوا أبا حنيفة في كراهية التوسل بذات النبي أو غيره ، وخالفوا ابن عبد السلام فعمّموا التوسل بعد أن قيده هو برسول الله ïپ¥ فقط دون غيره .
فلا العز بن عبد السلام ولا أبو حنيفة يوافقان على استغاثتكم بالرفاعي ووصفه بـ " غوث الأغواث " وقولكم مدد يا مشايخ يا أموات مدد ياجيلاني ؟


دعواه مخالفة ابن كثير لابن تيميه في التوسل .
ïپ± وأما دعوى الحبشي أن ابن كثير خالف ابن تيميه في مسألة التوسل ( ) فأين نص ابن كثير على تلك المخالفة ؟ لماذا الكذب ؟ جل ما في الأمر أن ابن كثير روى روايات غير صحيحة وهذا لا يفيد المخالفة المزعومة فإن في تفسير ابن كثير وتاريخه الضعيف والمنكر من الروايات مما يصلح أن يكون حجة للرافضة ضد أهل السنة .
مثال ذلك روايته لقصة الملكين { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } اللذين فتنتهما الزهرة حتى مسخها الله إلى كوكب... فالحبشي وأتباعه يحذرون من هذه القصة ومع ذلك فقد ذكرها ابن كثير ( ) .
ïپ¶ شبهة : وقد بتر لصوص النصوص كلاماً لابن تيميه فزعموا أنه تناقض حين روى قصة عن عبد الملك مفادها أن رجلا جاءه فجس بطنه فقال : بك داء لا يبرأ قال : ما هو ؟ قال : الدبَيْلة فتحول الرجل فقال: اللهم إني أتوجه إليك بمحمد ïپ¥ … " قال ابن تيميه " فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه قد دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي في الدعاء " .
إلى هنا توقف اللصوص مرتكبين عدة جنايات :
• أنهم تجاهلوا قول ابن تيميه " وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة وأنه قد ذكر هذه الحكايات من جَمَعها في كتب الأدعية أمثال ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء " .
• أنهم نقلوا قوله " فهذا الدعاء روي أنه قد دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي في الدعاء " . غير أنهم كتموا الكلمة التي تليها " ونهى عنه آخرون ، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين ، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل نزاع ، وما تنازعوا فيه يُرَدّ إلى الله والرسول . وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود يدل على أنه سائغ في الشريعة ، فإن كثيراً من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضه... " إلى أن قال " فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته " ( ) .
• أن ابن تيميه ذكر هذه الرواية بصيغة التمريض فقال (ويُروىَ) ومعلوم أن هذه الصيغة تعتبر إشارة إلى أنه مشكوك فيها . وهذا ما فعله الحبشي حين ذكر قول البخاري " ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ïپ¥ " الفخذ عورة " ثم قال " وقوله (ويروى) للتضعيف لأنه صيغة تمريض " ( ) .

رواية اللهم أسألك بحق السائلين

ïپ¶ شبهة : واحتجوا بحديث ( اللهم أسألك بحق السائلين عليك " وهو ضعيف فيه عطية العوفي في روايته وهن وقد ضعَّفوه وهو مشهور بضعفه وتشيعه وتدليسه عند المحدثين ( ) . قال الزبيدي " إنما ضعفوه من قبل التشيع ومن قبل التدليس " ( ) .
قال الذهبي " قال أحمد والنسائي وجماعة: ضعيف، وقال سالم المرادي كان عطية يتشيع " ( ) . وذكره النووي في (الأذكار ص 58 باب ما يقول إذا توجه إلى المسجد) من روايتين في سند الأولى وازع بن نافع العقيلي : قال النووي (متفق على ضعفه) وفي سند الثانية (عطية العوفي) قال النووي وعلية ضعيف " .
نعم هذا ما يليق بالعوفي وهو مدلس لا يؤمن تدليسه ، وإن حسّن له الترمذي بعض أحاديثه فالترمذي كما هو معروف متساهل في التحسين والتصحيح ولا يعتمد على تصحيحه كما صرح به الذهبي . ونبه عليه المنذري في الترغيب .
ومن بلايا العوفي حديث " يوم السبت يوم مكـر وخديعـة " وحديث " اليدان جناح والرجلان بريد " .
• وفيه أيضاً الفضيل بن مرزوق كان شديد التشيع ضعفه النسائي وابن حبان وكان يروي الموضوعات عن عطية العوفي ( ). وثّقه بعضهم وضعفه آخرون وهو ممن عيب على مسلم إخراج حديثهم في الصحيح كما قال الحاكم ؟ وقال ابن حبان " يروي عن بمطية الموضوعات " وكان شديد التشيع كما قال ابن معين والعجلي (تهذيب التهذيب 4 / 301 – 302 ) وانتهى الحافظ في التقريب ( 5437 ) إلى قوله "صدوق يهم ، ورمي بالتشيع " .
على أن الشيخ الألباني أعلّ هذه الرواية بعلة أخرى وهي اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته ، فرواه تارة مرفوعاً وتارة موقوفاً على أبي سعيد كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مرزوق به موقوفا (السلسلة الضعيفة 1 / 37 )
• وفيه وازع بن نافع العقيلي قال البخاري " منكر الحديث " وقال النسائي " متروك " وقال أحمد " ليس بثقة " ( ) وقد حسّنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار حيث قال "حديث حسن... عن فضيل عن عطية قال حدثني أبو سعيد فذكره لكنه لم يرفعه: فقد أمِن بذلك تدليس عطية " . فأفاد الحافظ أن تحسينه للحديث لأجل انتفاء تدليس عطية وفي هذا نظر لما يلي :
• أن تدليس عطية ليس تدليس الإسناد المعروف حتى يؤمَن بقوله "حدثني " بل هو تدليس آخر فإن عطية يقول حدثني أبو سعيد ويعني به أبا سعيد الكلبي كما أفاد أحمد فيظن السامع أنه أبو سعيد الخدري .
• أن الحافظ ذكر أن الرواية التي فيها حدثنا أبو سعيد موقوفة فلم يعلها بالاضطراب ، وحقها ذلك .
• أن من الحفاظ من صرح بضعفها كالحافظ المنذري في الترغيب ( 3 / 459 ) والحافظ النووي في الأذكار (25) وهما من الحُفّاظ : فلماذا لا يأخذه الحبشي حيث نصّا عليه ؟ !
وأما رواية بلال " كان رسول الله إذا خرج قال : اللهم أسألك بحق السائلين .. " فقد زعم دحلان أن إسناده صحيح . وكيف يصح وقد قال النووي في (الأذكار 58) والحافظ في الأبكار "حديث ضعيف ، أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي : متفق على ضعفه ، منكر الحديث ".
وجاء الحديث برواية أخرى " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك" رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في الزوائد "فيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه ". وهكذا فلم يصح هذا الحديث من طريق .
• شبهة : رواية " كانت يهود خيبر تقاتل غطفان ... فتقول اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي ... " فيه استدلال بفعل اليهود وركوب لسننهم . هذا إذا صح



نقد سند الرواية :
فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة : كذاب . رواه الحاكم في المستدرك (2/ 263) وقال " أدت الضرورة إلى إخراجه " قال الذهبي " لا ضرورة في ذلك فعبد الملك متروك هالك " . مع أن الحاكم قد جرح عبد الملك في المدخل ( 1/170) فقال " روى عن أبيه أحاديث موضوعة " . وروي هذا الخبر من طرق أخرى لا تزيده إلا ضعفاً وآفتها : الضحاك بن مزاحم والكلبي وعطاء الخراساني ( ) .
• أن هذا الخبر معارض لما هو أصح منه وهو ما رواه محمد بن إسحاق صاحب السيرة قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : حدثني أشياخ منا قالوا : لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ïپ¥ منا " كان معنا يهود ، وكانوا من أهل كتاب ، وكنا أصحاب وثن ، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا : إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به ، ففينا والله وفيهم أنزل الله عز وجل { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } . قال قتادة (يستفتحون على محمد) أي يقولون : إنه يخرج " ( ) .
وهذه الرواية مؤيدة بثلاث روايات أخرى بمراسيل عن التابعين .
نقد متن الرواية
• أن الصحابة لم يفهموا ما فهمه الحبشي وإلا لسارعوا إلى التوسل بالنبي ïپ¥ أثناء حروبهم ، غير أنهم لم يكونوا يسألون الله بحق نبيهم ïپ¥ وهم في الحروب ، فهل اليهود أحرص على الحق وأشد تمسكا به من الصحابة الذين تركوه ! فسحقا للمتعصبين المنحرفين الذين يتجاهلون سنة الخلفاء الراشدين ويتمسكون بفعل اليهود .
• أن هذا الخبر يخالف سنة الله وهي أن النصر مشروط بالطاعة { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ } واليهود منذ كتب الله عليهم الذلة لم ينتصروا إلا مؤخراً بحبل من الناس .
• أن هذا الخبر يحكي لنا أن الآية كأنها نزلت في يهود خيبر ، وهذا يخالف ما اتفق عليه أهل التفسير والسِيَر أن الآية نزلت في يهود المدينة وهم بنو قينقاع وبنو النضير ، وهم الذين كانوا يخبرون الأوس والخزرج بقرب بعثة نبي جديد ، وهذه المخالفة دليل صريح على كذب هذه الرواية وهي من كذب جاهل لم يحسن تركيب هذه الكذبة .

قياس الحبشي الفاسد

وبهذا يتبين لنا فساد القياس الذي أتى به الحبشي إذ قال " فإذا كان التوسل بالعمل الصالح جائزاً فكيف لا يصح بالذوات الفاضلة كذوات الأنبياء " ( ) . وهذا باطل لما يلي :
• هذا قياس ، والقياس في أمور العبادات غير صحيح . فقد قال السلف منهم ابن سيرين فيما رواه عنه الطبري " ما عُبِدَت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، وأول من قاس إبليس " أي حين قال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( (.
• أن هذا القياس يُعدّ اعترافاً منهم بأن توسلهم غير منصوص عليه ، لأن وجود النص يسقط القياس ويغني عنه . ولأن القياس هو إلحاق شيء غير منصوص عليه بشيء منصوص عليه .
• أن علة التوسل بالعمل كونها من سبب الإنسان وكسبه أما التوسل المبتدع فهو تعلق بصلاح الآخرين واعتماد على أعمال الصالحين ينتج عنه تكاسل عن العمل الصالح وتشجيع على العمل الفاسد ، والاستعاضة عن العمل بالأماني والأمل ، وبمثل هذا ساد الفساد السلوكي بين الملل الأخرى ، وتجرءوا على ارتكاب الذنوب بدءاً من صغائرها إلى كبائرها وسادت الفواحش والجرائم ، وكلما تذكروا ذنوبهم ذكرهم الشيطان بمن مات بزعمهم كفارة عن خطاياهم .
• أنه قياس لغير المشروع على المشروع ، فإن التوسل بالعمل الصالح ثابت في الشرع فأين ثبوت التوسل بالذوات ؟ والقياس كما تقدم لا يجوز استعماله في أمور التوحيد ، فقد قال الحافظ ابن عبد البر " لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام " ( ) .
• أن ترك الصحابة التوسل به بعد موته إلى التوسل بدعاء عمه العباس دليل على فساد هذا القياس .
ïپ¶ شبهة : وأتوا بقياس آخر فقالوا : النبي ïپ¥ من أشرف الوسائل إلى الله ، وهو ذو المقام المنيع الرفيع عند الله ، قال الألوسي " وهي كلمة حق أريد بها باطل ، إذ نحن أولى بهذا منكم لاتباعنا أقواله وأفعاله وقد أوجب سبحانه علينا أن نتبع سبيل المؤمنين ونهانا عن الغلو في الدين " ( ) .
- قلت : قد أمرنا أن نتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وليس أعظم ولا أشرف من التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا .
وكيف يخفى على الصحابة شرف مقام نبينا : فلم يتوسلوا بمقامه ïپ¥ وإنما خرج بهم عمر إلى ضواحي المدينة وأعلن على مسمع منهم أنهم كانوا في عهد النبي ïپ¥ يسألون النبي ïپ¥ أن يدعو لهم فيسقيهم الله ، فلما مات تركوا التوسل به . فكيف يصرح عمر بترك التوسل بمقام النبي ïپ¥ ؟!

شبهات أخرى حول التوسل

ïپ¶ شبهة : أن الله أمرنا بالتوسل بالأولياء وأن عدم التوسل بهم مخالفة للأمر القرآني { وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } وطعن بالأولياء .
- أما الاستدلال بالآية فهو استدلال باطل . فلا يوجد في شيء من التفاسير المعتبرة كالطبري والبغوي وابن كثير أن معنى الآية هو التوسل بالأنبياء والأولياء ، وإنما ثبت تفسير التوسل بالعمل :
فعن ابن عباس والسدي وقتادة { ابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } " أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه " .
قال ابن كثير " وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف فيه بين المفسرين " وساق الطبري أقوالاً مثل ذلك ( ) . وقال أبو الليـث السمرقنـدي (كبير مشائخ الحنفـية) { ابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } " أي اطلبوا القربة والفضيلة بالأعمال الصالحة " ( ) .
ولم يقل أحد من المفسرين " المعتبرين " أن معنى { ابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } أي سلوا الأموات من دون الله أو اتخذوا الأولياء وسيلة لكم إلى الله .
ولئن كان هذا هو معنى الآية لصار ابتغاء الوسيلة حينئذ واجبا فكيف ساغ لعمر أن يتخلى عنه فيتركه ويعلن لربه على الملأ أن التوسل بالنبي ïپ¥ كان شيئا في الماضي لا يفعلونه الآن فقال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك فتسقينا وإنا نسألك بعمه العباس " .
وهذا الوجوب يبطل قاعدة " التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ".
- أما أنهم أولياء : فإن للولاية شرطين هما الإيمان والتقوى وهما في القلب لا يستطيع أحد أن يطلع على ما في القلوب من تقوى وإيمان إلا الله . فالشهادة بأنهم أولياء تقتضي الشهادة لهم بأنهم في الجنة وتزكيتهم ، وقد نهى الله الواحد منا أن يزكي نفسه فقال { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } فإذا كان لا يجوز أن تزكي نفسك فكيف تزكى من لا تعلم حقيقة ما في قلبه وما انتهى إليه ، فإن الرجل يكون من أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار .
شبهة : واحتجوا بقوله تعالى { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى } . قالوا : دلت الآية على مشروعية التوسل بآثار الأنبياء .
الجواب : أن الآية دلت على أنهم أنكروا ملك طالوت لأنه ليس من سلالة الملوك ، فقال لهم نبيهم إن صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية ، وفيه بقية مما ترك آل موسى وأل هارون تستدلون بهذه البقية على الصحة أيضاً . فكان التابوت علامة على صحة ملك طالوت وليس تشريعا من الله بجواز التوسل بآثار الأنبياء . وقد عرض ابن جرير الأقوال في الآية ثم قال " وأولى الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها .
• أن هذا فهم فيه افتراء على الصحابة وطعن في فهمهم لكتاب الله ، فلماذا لم يفهم الصحابة من الآية ما فهمتم ؟ فإنهم أخذوا تفسير القرآن عن نبيهم ïپ¥ ، ومع ذلك لم يكونوا يبعثون شيئاً من آثاره ïپ¥ مع الجيش ليحصل لهم النصر به، وكانت آثاره من ثيابه وسيفه ما زالت بينهم . فإنه لا يوجد أثر صحيح صريح يحكي حمل الصحابة شيئا من آثار أنبيائهم في حروبهم يتوسلون به إلى ربهم . وهُم أعرف بدين الله وأحرص على تطبيق آياته .
وأين هذا من قول عمر بن الخطاب " إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار نبيهم فيتخذونها كنائس وبيعاً ". ورأى قوماً يتناوبون مكاناً يصلون فيه فقال : ما هذا ؟ قالوا مكان صلى فيه رسول الله ، قال : أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا. من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمضِ " ( ) ، وبلغه أن أناساً يأتون الشجرة التي بويع عندها النبي ïپ¥ فأمر بها فقطعت " ( ) .
ونحن إذا اختلفنا في نص عُدنا إلى فهم الصحابة له وعملهم به .
وعلى افتراض أن القصة تعنى ما زعم هؤلاء فأين يجزمون أن شرع من قبلنا شرع لنا ؟ وكيف يكون شرعاً لنا وقد جاء في شرعنا ما يخالفه ، فلم يكن الاستنصار بالآثار من هدي نبينا ïپ¥ ولا سلفنا الصالح . بل صرح عمر رضي الله عنه أن بني إسرائيل إنما هلكوا بسبب تتبعهم لآثار أنبيائهم .
ïپ¶ شبهة : عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ïپ¥ بثلاثة أيام فرمى نفسه فوق قبر النبي وحثا على رأسه من ترابه وقال " يا رسول الله : قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله عز وجل ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي . فنودي من القبر : أنه غُفِر له " . ( وفي رواية أن العتبي كان جالساً فرأى أعرابياً ) قال الخطيب في ( تاريخ بغداد 2 / 326 ) وابن خلكان ( وفيات الأعيان 1 / 523 ) " مات العتبي سنة 228 هـ " . فكم كان عمره لما دخل الأعرابي قبر النبي ïپ¥ ؟ على أن رواية العتبي جاءت من طريق آخر فيه الحسن الزعفراني عن الأعرابي (أي العتبي) وهذا الزعفراني مات سنة (249) فكيف يمكن لكليهما أن يكونا معاصرين لعائشة رضى الله عنها ؟. فسند الرواية منقطع ضعيف وإن حكاه مصنفو كتب المناسك كما عول عليه السبكي في (شفاء السقام 82) .
ثم كيف تشتهر هذه الحادثة (المفترضة) لمجرد فعل أعرابي لها ولا يشتهر شيء مثلها عن أحد من الصحابة . وكيف تعيش عائشة طيلة حياتها مجاورة للقبر ولا يثبت تكليمه لها. وإنما يسارع إلى تكليم الأعرابي ؟ وكيف يفهم أعرابي هذه الآية ويطبقها على وجه لم يفهمه الصحابة ولم يطبقوه ؟ .
وهل اشتهار الرواية دليل على صحتها ؟ أليس حديث " اطلبوا العلم ولو في الصين " مشهوراً وهو مع ذلك لا أصل له. وحديث " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وهو ضعيف بالرغم من شهرته ؟ فالعبرة في صحة سند الرواية لا مجرد اشتهارها على ألسنة الناس وبطون كتب الفقه التي تفتقر افتقاراً شديداً إلى مراجعة أسانيد مروياتها ، وهذا أمر يعرفه من يطالع كتب الفقه .

رواية : حياتي خير لكم

واحتجوا بحديث " حياتي خير لكم تحدثون ويُحدَث لكم، ومماتي خير لكم تُعرَض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم " .
الحكم على الحديث
ا) الطعن في هذه الزيادة التي تفرد بها الراوي وهو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد المرجئي على حديث "إن لله ملائكة سياحين ". فقد نقل الزبيدي حكم الحافظ العراقي على الحديث بأنه "ضعيف لأن فيه عبد المجيد بن عبد العزيز ، فهو وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه كثيرون . وفي رواية الحرث ابن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسناد ضعيف " وقال فيه ابن حبان في المجروحين ( 2 / 205 ) " منكر الحديث جداً يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير: فاستحق الترك ". وقال الحافظ في التقريب (4160) " صدوق يخطئ وكان مرجئاً ".
وذكر الزبيدي طريقا أخرى عند ابن سعد في الطبقات عن بكر بن عبد الله المزني مرسلاً ( ) .
ولما قاله الحافظ البزار "لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه " وإنما رواه النسائي (رقم 1282) من دون هذه الزيادة .
والحديث ذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد 9/ 24) وقال " رواه البزار ورجاله رجال الصحيح " وهذه العبارة لا تفيد صحة الإسناد أو الحديث كما هو معروف عند أهل الحديث، فلا يجوز أن يقال " صححه الهيثمي " فهذه تمويه وتلبيس على العامة ، فان صحة الإسناد ليست لازمة لصحة الحديث ، بل بينهما مراتب ، فكم من سند صحيح رواته ثقات وهو شاذ أو معلل ، وشرط الحديث الصحيح أن يبرأ من الشذوذ والعلة .
2) الرواية غير متواترة أيها الأشاعرة المطالبون باشتراط المتواتر في العقائد . بل ضعيفة لا آحاداً فقط ، فانظر كيف تجاهلوا ترك عمر للتوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته، وآثروا الضعيف على المتواتر .
3) أنها تحث على الإرجاء وراويها عبد المجيد بن عبد العزيز مبتدع متهم بالدعاية للإرجاء حتى أدخل أباه فيه . وهو الذي روى الرواية الموضوعة عن ابن عباس" وما نعلم الحق إلا في المرجئة " ( )
وقد شهد عليه أحمد والبخاري بأنه من غلاة المرجئة . قال " كان فيه غلو في الإرجاء " وقال أبو داود " كان داعية في الإرجاء " ( ) .
ومن المقرر عند العديد من علماء الحديث أن المبتدع إذا تفرد برواية تؤيد بدعته فإن روايته مردودة . وهذا جرح مفسر مقدم على التوثيق .
وهذا الحديث يؤيد مذهبه في الإرجاء . فإنه ما دام العمل معروضا على النبي ïپ¥ فيستغفر فلا تضر المعاصي حينئذ كبيرة كانت أو صغيرة إذ جاء الاستغفار في الحديث مطلقا من سائر الأعمال السيئة .

الآثار السلوكية والأخلاقية لهذه الرواية
وكيف يقول النبي ïپ¥ لابنته فاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغنى عنك [ لا أملك لك ] من الله شيئا " ثم يطمئن الزناة ومرتكبي الكبائر من أمته ويعدهم بأنه سيستغفر لهم ؟
فهذا الحديث خطير من الناحية السلوكية على المسلمين إذ يثبط المحسن ويشجع المسيء وينتهي الفريقان إلى نهاية واحدة وهي تطمين الفريقين بالمغفرة واستوائهما من حيث النتيجة ، أليس هذا التطمين بالمغفرة على ما يعملون شبيه بتطمين النصارى بالمغفرة على خطاياهم لمجرد إيمانهم بالمسيح ؟ !
ولماذا كان يأمر بإقامة الحد على المذنبين من أمته في حياته ولم يكتف بالاستغفار لهم وهم جزء من أمته ؟
وإذا كان يستغفر لأمته فلماذا يدخل أفواج من أمته النار ؟
4) أن الحديث إذا كان يفيد استغفار النبي ïپ¥ لنا فلا يفيد جواز سؤاله لعدم فعل الصحابة ذلك ولأن القران أثبت لنا أن الملائكة حملة العرش دائمة الاستغفار للمؤمنين { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } ولم يقل أحد بجواز سؤالهم مع الله . والنبي ïپ¥ مات وسؤال الأنبياء بعد موتهم غير جائز . ولو جاز ، سؤال النبي بعد موته لاشتهر سؤال الصحابة للأنبياء السابقين ، مما يؤكد أنه شرك . وكفى بالشرك مانعاً من الشفاعة .
5) أن هذه الرواية تثبت آخر مع الله في عرض الأعمال عليه. فتصير الأعمال معروضة "عليهما" لا على الله وحده . وهذا شرك يعتقده الروافض ، فقد قالوا أن " قوله تعالى { فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } أنهم الأئمة " ( ) . وقد وضع الكذابون من هذه الأمة الأحاديث المكذوبة في ذلك مثل حديث " تعرض علي أعمالكم يوم الخميس ". أولهم: حسين بن علي العدوي ، اتهمه ابن عدي والدارقطني وابن حبان بالكذب ( ). والثاني : أبو سلمة محمد بن عبد الملك الأنصاري وهو منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج بحديثه كما قال ابن حبان ( ) .
في حين ثبت في الصحيح أن الأعمال تعرض على الله . قال ïپ¥ " تعرض الأعمال في كل خميس واثنين فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء " ( ) . فكيف (يغفر الله إلا ) بينما يكون استغفار النبي ïپ¥ مطلقا ؟
6) أنها تعارض أحاديث أصح منها تنفي معرفة النبي ïپ¥ بما يحدث لأمته من بعده . قال ïپ¥ " ليردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول يا رب أصيحابي أصيحابى ، فيقال لي : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك . فأقول كما يقول العبد الصالح { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
وحين كان ïپ¥ حيا لم يكن يعلم بأحوال من غاب من أمته ، من ذلك قصة ضياع عقد عائشة في الصحراء ، وقول أصحاب بئر معونة لما وقعوا في الغدر قالوا : اللهم بلغ نبينا " ولم يعتقدوا أنه يسمع كل واحد من أمته قريباً كان أو بعيداً .
شبهة : ودعموا الشبهة السابقة بشبهة أخرى فاستدلوا بقوله تعالى { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وقوله { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا } وهذه إنما هي الشهادة بما جاء وأنه بلغهم .
• أنه لو سلّمنا أنهم يسمعون فأين الدليل على أنهم إذا سمعوا استجابوا ؟ القرآن نص على أنهم لو سمعوا ما استجابوا. { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } وقوله { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . يؤكد أن المدعو هم الصالحون وليس الأصنام .
• أن من أفسد أنواع القياس قياس الحياة الدنيوية على أمور الآخرة . ألا ترى أن النبي ïپ¥ سمع قرع نعال بلال في الجنة وبلال كان يومئذ حياً .
• أننا إذا قلنا إنهم أحياء لا يعني ذلك جواز الاستغاثة بهم من دون الله . فإنه ما من آية ولا حديث صحيح ينصان على جواز دعاء غير الله . أو جواز دعاء من كان حياً الحياة البرزخية ، وإذا كانت حياة النبي ïپ¥ دليلا على جواز سؤاله من دون الحي الذي لا يموت فقد قال تعالى { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } فهو الحي الوحيد الذي ندعوه .
• أن الحافظ أكد على اختلاف الحياة الأخروية عن الدنيوية اختلافاً كلياً فقال في قوله تعالى { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } " فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثاً وهو خلاف النص " . قال " والجواب بأن المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء ، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة . فهي إعادة عارضة كما حي خلق لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى" ( ) .
لكن الصوفية يجهلون هذا الفارق ويزعمون أشياء يلزمهم منها الاعتقاد بأنهم صاروا صحابة . فقد قال الشيخ الشعراني " ومما من الله علي : شدة قربى من رسول الله وهي المسافة بيني وبين قبره الشريف في أكثر الأوقات ، حتى ربما أضع يدي على مقصورته وأنا جالس بمصر، وأكلمه كما يكلم الإنسان جليسه " ( ) .
• أن طريقة السجع التي ركب بها هذا الحديث تتعارض وطريقة كلام النبي ïپ¥ ، ولقد كان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ïپ¥ قال : كذبوا لم يكن رسول الله ïپ¥ ولا أصحابه سجاعين " ( ) .
ïپ¶ شبهة : واحتجوا بقول أبي جعفر المنصور لـمالك عند قبـر النبي ïپ¥ " ءأستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ؟ قال مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم بل استقبله واستشفع به . . . " .
ثم قلد الحبشي من قالوا بتصحيح الرواية ( ) .
وإسناد هذه الرواية مظلم ، فإن فيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف كثير المناكير ، قال البخاري : في حديثه نظر وقال الجوزجاني هو غير ثقة وقال النسائي ليس بثقة وقال الأسدي " ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالذنب منه " ( ) .
أن السند في هذه الرواية منقطع ، فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً إذ توفي سنة 248 هـ ، بينما توفي مالك سنة 179. واعتماد الحبشي في العقائد على مثل هذه الرواية طعن في كونه من علماء الحديث ونكوص وارتداد عما اشترطه من قبل وهو أن لا يستدل في العقائد بالحديث الضعيف ، وطعنٌ في مدى نزاهته وتجرده للحديث وخدمته له ، فإن خادم الحديث لا يصحح الضعيف من الروايات لمجرد موافقتها مذهبه .
أضف إلى ذلك مخالفة الرواية لما هو معروف في مذهب مالك من كراهية استقبال القبر عند الدعاء ولكن يستقبله عند السلام فقط . وإنما يستقبل القبلة عند الدعاء .
وعجباً لأهل البدع : لقد حيّرونا : أنستقبل السماء عند الدعاء أم القبلة أم القبر ؟
ولم يكن مالك يرى فرقاً بين حياة النبي ïپ¥ وبين موته فيما يتعلق بتوقيره وحرمة رفع الصوت في مسجده حيا وميتا . ولكنه كان مع ذلك يفرق بين حياته ïپ¥ وبين موته فيما يتعلق بمسألة التوسل به ïپ¥ ومسألة زيارة قبره حتى قال "وأكره أن يقال زرت قبر النبي ïپ¥ " .
ïپ¶ شبهة : واحتجوا بحديث ( لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي . فقال الله : يا آدم كيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال لأنك يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك . قال الله : صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ، أدعني بحقه فقد غفرت لك ، ولولا محمد ما خلقتك " .
رواه الحاكم وقال "صحيح " 2 : 615 قال الذهبي " بل موضوع " وقال السبكي إن هذا لا ينزل عن درجة الحسن . وأخرجه الطبراني في الأوسط (عزاه له الهيثمي في المجمع 253:8) و (الصغير 355) ( ) .
ولنا على ذلك مآخذ منها :
أن هذا الحديث الموضوع المكذوب يضاهيء اعتقاد النصارى . قال الشهرستانى عن عقائد النصارى " والمسيح هو الابن الوحيد وهو الذي به غفرت زلة آدم عليه السلام " ( ) .
أن قوله "وصححه " غلط ، فإن الحاكم كتب " صحيح الإسناد " وأهل الحديث يفرّقون بين صحة الإسناد وصحة الحديث .
أن الحبشي احتج بكلام السبكي ، بيد أن السبكي اعترف بأنه قلد الحاكم في التصحيح فقال " وقد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم " ( ) .
مما يبين درجته في هذا الفن. فكيف يستدل مقلد بمقلد ؟
أنه قد تواتر عند أهل الحديث تساهل الحاكم في التصحيح وهذا مما يتجاهله الحبشي تارة ويقر به تارة أخرى حسب الحاجة . قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في أسنى المطالب (ص 573) بأن الحاكم متساهل في التصحيح ونقل عن المناوي تعقب الذهبي لكثير من تصحيحات الحاكم .
• أن الحبشي سكت عن تعقب الذهبي على الحاكم قائلاً " بل موضوع " ففيه عبد الرحمن الفهري وهو واه ، وقد قال الحاكم نفسه في أول حديث عن عبد الرحمن " رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا " .
ولقد سئل الحبشي " هل يُقبل تصحيح الحاكم وتضعيفه ؟ أجاب " لا يقبل منه ذلك من غير موافقة الذهبي عليه ". غير أنه تعمد هنا السكوت عن استدراك الذهبي واكتفى بتصحيح الحاكم .
• وحكى الحافظ ابن حجر أن بعضهم ذكر أن الحاكم حصل له تغير وغفلة في آخر عمره ، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة من الضعفاء وقطع بترك الرواية عنهم ومنع الاحتجاج بهم ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها ، من ذلك أنه أخرج حديثاً لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان قد ذكره في الضعفاء فقال انه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها . . . " ( ) .
• بل قد وصف الحافظ ابن حجر هذا الحديث بأنه " خبر باطل " كما في اللسان ( 3 /442) ترجمة رقم (4815) وضعّفه البيهقي في دلائل النبوة ( 5 / 489 ) وصرح السيوطي بضعف الحديث في مناهل الصفا في تخريج أحاديث ( الشفا ) ( ) والزرقاني في شرح المواهب (1/ 76) وابن كثير في (البداية والنهاية ) ( 2 / 323 ) وملا علي القاري في شرح الشفا ( 1/215 ) والشهاب الخفاجي في شرح الشفا ( 2 / 242 ) وذكر الحافظ عن الحاكم وأبى نعيم أن عبد الرحمن بن زيد هذا كان يروي الأحاديث الموضوعة عن أبيه. وقال ابن الجوزي " أجمعوا على ضعفه " وقال ابن حبان ( كان يقلب الأخبار ) وقال ابن سعد "ضعيف جدا " ( ) . فخذه أيها الحبشي حيث حفاظ عليه نصوا .

يوسف التازي
13-01-15, 05:20 PM
قالوا : قد توسل الأعمى بالنبي  فقال " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد " ثم نشأت الشبهة عندهم فقالوا : لو كان التوسل بالدعاء لما قال الأعمى " أسألك اللهم بنبيك " ولقال " أسألك اللهم بدعاء نبيك " فلماذا تضيفون ما لم ترد إضافته ؟
والجواب : أنه إذا كان الثابت توسلهم بدعاء النبي  حين كان حياً وتوقفهم عن التوسل به إلى التوسل بدعاء غيره من بعده : فلا يعود ثم حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء لا بالذات والجاه ، ومن كان عنده ما يثبت توسلهم بالذات فليأت به .
• أن النبي  هو الذي تعلمنا منه هذه الإضافة حين قال " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها : بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم " ( ) وعلّمنا أن الدعاء هو المقصود حين قال له " إن شئت دعوتُ لك " فقال الرجل " بل أدعه " ولكن المصرين على التوسل بالذوات لا يتعلمون وإنما يتجاهلون .
وتوسل الأعمى بدعاء النبي  هو أمرٌ مشروع لتوافر الأدلة عليه . ولابد من الوقوف في قصة الأعمى على فوائد مهمة :
• أن الأعمى ذهب إلى النبي  ليطلب منه الدعاء ولو كان التوسل بالذات مشروعاً لم يكن ثمة حاجة للذهاب إليه إذ كان يكفيه أن يتوسل به من غير أن يذهب إليه . فيقول ( اللهم أسألك بنبيك " لكنه ذهب وطلب منه أن يدعو له .
• أن النبي  وعده بالدعاء له فقال " إن شئتَ دعوتُ لك " فألحّ عليه الأعمى بالدعاء قائلاً " بل أدعُه ". وهذا وعد من الرسول  بالدعاء للأعمى ، علّقه على مشيئته ، وقد شاءه الأعمى بقوله (بل أدعه) ويقتضي أنه دعا  له , وهو خير من وفّى بما وعد ، يؤكد ذلك أيضاً قول الأعمى في دعائه الذي علمه الرسول  أن يدعو به " اللهم فشفعه فِيّ " أي اقبل دعاءه فيّ . والشفاعة معناها الدعاء كما قال في لسان العرب " الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، والشافع : الطالب لغيره ، يتشفع به إلى المطلوب ، يقال : تشفعتُ بفلان إلى فلان " . وبهذا يثبت أن الأمر كان يدور على دعائه  أو جاهه .
أن النبي  أمره أن يتقرب إلى الله بعدة وسائل منها التوسل إليه بالعمل الصالح وهو " إحسان الوضوء" " وإتيان ركعتين " يدعو الله عقبهما أن يستجيب دعاءه في أن يقبل دعاء النبي  له . وهذا هو معنى قوله " وشفعني فيه " أي أدعوك أن تتقبل دعاء النبي  لي .
• وهذه العبارة لا يفقهها الحبشي وأمثاله ، بل لا يريدون أن يفقهوها لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتكشف أن التوسل كان بدعاء النبي  وبالعمل الصالح لا بذات النبي  . فإن شفاعة النبي  للأعمى مفهومة عندهم ولكن ما معنى شفاعة الأعمى للنبي  كما قال " وشفعني فيه " ؟ علما بأن معنى الشفاعة في اللغة : الدعاء . إن معناها " اللهم اقبل دعائي في استجابة دعاء نبيك  لي . ولا يمكن لأحد بعد موت النبي  أن يقول " اللهم اقبل شفاعته في " فهذا مذهب باطل لا يزعم أحد أن دعاء النبي  حصل له وهو في قبره .
• فاللغة والشرع يشهدان بصحة ذلك . ولكن ماذا نفعل في أناس تجنوا على اللغة والشرع ؟
ولنتأمل هذين الحديثين : فعن أنس وعائشة عن النبي  قال " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه " وفي رواية ابن عباس "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) فمعنى شفعهم الله فيه أي قبل دعاءهم له . فيصير معنى " شفعني فيه " أي اقبل دعائي بأن تستجيب دعاءه .
• أن علماء الحديث كالبيهقي ذكروا هذه الحادثة ضمن معجزات النبي  وهو السر في حصول هذه المعجزة التي لم نسمع بعد موته  مثلها بين الصحابة ولا بعدهم إلى يومنا هذا . السر هو دعاءه  .
• أن من الصحابة من أصيبوا بالعمى بعد مماته  كابن عباس وابن عمر، ولم يُعهد أنهم استعملوا هذا الدعاء ، بل تركوا التوسل به  بعد موته وتوسلوا بدعاء العباس وغيره . وليس ثمة تفسير لذلك إلا افتقاد شرط دعائه  وإلا فجاهه عند الله عظيم حيا وميتا .
هكذا فهم الصحابة التوسل : تركوا التوسل به إجماعا كما في قصة عمر يوم أجدبوا وسألوا الله بدعاء عمه العباس . فالثابت المروي عن جماعتهم في ترك التوسل به  بعد موته أصح سندا مما نقل عن فعل أحد أفرادهم مما يعارض ذلك .
وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك ، وهو دعاؤه  له أن يكشف عاهته ، وليس ذلك بمحظور ، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء ، والدعاء أخص من النداء ، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقا بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم ، وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله عز وجل بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقريب إليهم ، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون " ( ).
• أن قوله " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي " أي أتوجه بدعائك الذي وعدتني به حين قلت " إن شئت دعوت لك ". وهذا ما فعله الرجل فإنه توجه إلى النبي  وطلب منه أن يدعو له .
• فهو يُشهِد الله أنه توجه إلى نبيه  ليسأل الله له وكأنه يقدم هذه الشهادةَ بين يدي سؤاله ربه ومثل هذا كثير في الدعاء كقوله تعالى { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا } وتقديم أصحاب الغار عملهم الصالح بين يدي دعائهم لله
وهذا التوجه هو حكاية حال ، يحكي فيه أنه توجه وذهب إلى النبي  فطلب منه أن يدعو ربه . ولم يسأله في غيابه كما يفعل أهل البدع .
• وهؤلاء يفهمون من قوله  " ائت الميضأة " وكأن معناه عندهم ، اذهب إلى بيتك . ولم لا تكون الميضأة قريبة منه  كما يفهم من سياق الرواية ، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر وصلى ثم دعا بهذا الدعاء ؟!
• وبتقدير أن يكون كلامه من بعيد . فيكون التوجه خطاباً لحاضر في قلبه وليس استغاثة كما نقول في صلواتنا (السلام عليك أيها النبي) وكما يقول أحدنا اليوم (بأبي أنت وأمي يا رسول الله). وكما قالت فاطمة حـين مـات ( واأبتاه : أجاب رباً دعاه " . ودليل ذلك قوله في نهاية الدعاء (اللهم فشفّعه فِيّ ) أي اقبل دعاءه في .
• فأما التوجه الذي يفهمه الأحباش أي التوجه إلى النبي  إلى جهة قبره بعد موته كما علمهم محمد بن حسن الصيادي الرفاعي أن من أصابته ضراء فليتوجه نحو قبر الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويسأله حاجته ( ). فهذا من سنن النصارى.
• أما سنة نبينا فقد كان  يستقبل القبلة في دعائه ويسأل الله وحده ، وكان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي (والدعاء صلاة) ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " . فالتوجه إلى الله بالدعاء هو الملة الحنيفية ، ودعوتكم الناس إلى التوجه إلى مقابر الأنبياء والأولياء هو ملة الشرك.
فإنه توجه بدعاء النبي  وهذا ما حدث حقاً فقد توجه إلى النبي  ليدعو له فوعده بذلك . ولذلك قال في آخر دعائه " اللهم فشفعه في " أي اللهم اقبل دعاءه فِيّ .
• والرجل يحكي ما فعله وليس في صيغة كلامه ما يستدل به على جواز قول المشركين ( شيء لله يا رسول الله ) وقول المالكي : فبالذي خصك بين الـورى برتبة عنها العــلا تنزل
عجل بإذهاب الذي أشتـكي فإن توقفت فمن ذا أسـأل
والدليل على ذلك أن ننظر : ماذا قال الأعمى بعد قوله ( يا محمد ) ؟ هل قال : أغثني أعد إلي بصري ؟
نعم , لقد قال (يا محمد) لكنه لم يسأله ، وأنتم إذا قلتم (يا محمد) تقولون : أغثنا أمدنا بإمدادك ، تعطف تكرم تحنن علينا بنظرة …
فإن كان سأله بعد قوله (يا محمد) فقد قامت حجتكم ، وإن كان لم يسأله فقد قامت الحجة عليكم . فالحديث حجة عليكم لا لكم .
وليس كل خطاب لغير الحاضر استغاثة به ، وإلا فقد خاطب عمر بن الخطاب الحجر الأسود قائلاً "والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله  يقبلك ما قبلتك " ( ) .

صوفي ضرير يحتج بحديث الضرير
ومن الطريف أن شيخاً صوفياً ضريراً (نقشبندياً) كان يحتج علي بحديث الأعمى ، فقلت له : وأنت ألست أعمى ؟ قال : بلى ، قلت له فهل دعوت بهذا الدعاء ؟ قال : دعوت ولم يستجب لي ، لأن إيماني ضعيف . فقلت له : ليس هذا هو السبب ، بل لأن الشرط الذي تتجاهلونه (وهو الدعاء من النبي  ) غير متحقق بعد موته . وقد خير الأعمى- حين كان حياً - بين أن يدعو له أو أن يصبر وله الجنة ولكن : كيف يمكن تخييرك ؟

قصة لا تليق بعثمان بن عفان

واحتجوا بما أخرجه الطبراني في معجميه عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ( ) فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك فقال : ائت الميضأة ، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتُقض لي ، ثم رح حتى أروح معك . ففعل ما قال ثم أتى باب عثمان فجاء البوَّابُ فأخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفان ، فأجلسه فقال : ما حاجتك ؟ .. فقضاها له ثم قال له : إذا كانت لك حاجة فأْتنا . فخرج الرجل وأتى إلى عثمان بن حنيف وقال له جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلَّمتَه في . فقال له عثمان بن حنيف : والله ما كلمتُه ، ولكن شهدت رسول الله  وأتاه ضرير ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي  ائت الميضأة ، فتوضأ ثم  ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات " قال الطبراني والحديث صحيح . انتهى كلام الحبشي ( ). قلت : خصص الحديث بالصحة وليس الأثر أم أنكم لا تفرقون بين الحديث والأثر ؟

الجواب عن القصة المزعومة
ا) والحديث صحيح ولا ريب كما قال الطبراني . غير أن الأحباش يحتالون على الناس فيجعلون كلام الطبراني " الحديث صحيح " شاملاً للحديث وللقصة التي بعده ، مع أن الطبراني خص الحديث بالصحة فقط دون غيره لأن هذه القصة ضعيفة السند وألصقت ببعض طرق الحديث لا كلها ، وهذا احتيال لا يتفطن له عامة الناس .
* فإن قصة الرجل مع عثمان رضي الله عنه عند الطبراني ضعيفة السند ولم يتعرض لها الطبراني بتصحيح وإنما قال في الصغير (1/184) " لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد المكي- وهو ثقة - وهو الذي يحدث عنه ابنه أحمد بن شبيب عن يونس بن يزيد الأيلي . وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد - وهو ثقة - تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة : والحديث صحيح " .
وقوله " لم يروه ... " مشعر بضعف القصة عنده ووقع التفرد فيها وهو الحق . فان آفة إسنادها رواية عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد وهي منكرة عند جميع أهل الحديث كما أشار إليه ابن عدي ، وقال : حدث عنه ابن وهب بمناكير "حدّث عنه ابن وهب بأحاديث منكرة " وأقره الحافظ في (التقريب 2739) فقال في ترجمة شبيب " لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب ". وقال في مقدمة الفتح (ص 409) " ولذلك أخرج البخاري من رواية ابنه عن يونس أحاديث ولم يخرج عن يونس ولا من رواية ابن وهب عنه شيئاً " .
قال ابن عدي " ولعل شبيباً لما قدِم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب " ( ).
ويؤكد نكارة تفرد ابن وهب عن شبيب أن أحمد بن شبيب وهو المختص بالرواية عن أبيه روى الحديث من غير زيادة هذه القصة كما عند الحاكم في (المستدرك 1/526) وابن السني في (عمل اليوم والليلة 170) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد قال : ثنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال : سمعت رسول الله  الخ ) .
وهذه الرواية أصح سنداً لأنها من روايات أحمد بن شبيب عن أبيه . وتقدم قول الحافظ في (التقريب 2739) في ترجمة شبيب " لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب ".
ثم في سند هذه الرواية طاهر بن عيسى شيخ الطبراني وهو غير معروف العدالة ذكره الذهبي ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال .
*شبهة : واحتجوا بزيادة وردت عند ابن أبي خيثمة ، في تاريخه في آخر الحديث وهي " وان كانت حاجة فافعل مثل ذلك " وهي زيادة لم ترد في رواية من رووا عن حماد فقد رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (رقم 658) وأحمد في (المسند 4/138) وليس فيها " وإن كانت حاجة ... ) .
- أن رواية الأعمى جاءت من طريق شعبة وحبان بن هلال من غير هذه الزيادة .
- أنه على القول بأنها من طريق حماد بن سلمة ، فإنه وإن كان ثقة إلا أنه خالف بهذه الزيادة رواية من هو أوثق منه ممن لم تتضمن رواياتهم هذه الزيادة .
ولقد قال الحافظ عن حماد في (التقريب 1499) " ثقة عابد ، تغير حفظه بآخر حياته " وقال البيهقي في (السنن الكبرى 4/94) "حماد بن سلمة وإن كان من الثقات إلا أنه ساء حفظه في آخر عمره : فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ويتجنبون ما يتفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله " قال " فالاحتياط أن لا يحتج بما يخالف فيه الثقات " ( ).
والمسألة في أهم أصول العقيدة فإن القوم يريدون بها تجويز سؤال غير الله عز وجل . لكنهم هنا يخالفون أصولهم في الاقتصار في أمور العقائد على الصحيح المتواتر ، فلا يريدون التحقق من هذه الرواية لأنها تؤيد المذهب !
فالرواية إما مكذوبة أو منكرة . فكيف يجوز تقديمها على ما صح في البخاري من أن الصحابة تركوا التوسل به  بعد موته وتحولوا إلى التوسل بدعاء عمه العباس .
أنه على فرض صحة القصة , فإن فعل الصحابي الواحد إذا كان مخالفاً لما أجمع عليه الصحابة لا يكون حجة . وقد جاء توسل عمر بدعاء العباس أمام جمع من الصحابة مخالفاً لقصة عثمان بن حنيف مع عثمان بن عفان على افتراض ثبوت سندها .

تأدبوا مع من كانت تستحيي منه الملائكة
إن في هذا الأثر إساءة الأدب في حق الصحابي الجليل عثمان رضي الله عنه . يلاحظ ذلك كل من تأمل التركيبة الملفقة التي رُكّبتْ منها هذه الرواية التي ترضي أذواق الروافض وتروي حقدهم ضد الصحابة ، فلا تسارعوا إليها ، فإن مفادها أن عثمان كان يحتجب عن الناس ولا يلتفت إلى حوائجهم .
وكفى بذلك ذماً له ، فقد دعا رسول الله على من يحتجب عن حوائج الناس فقال " من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم : احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة " وفي رواية " ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته " ( ).
فلا يجوز التمسك بقصة ضعيفة تطعن في صهر رسول الله  لمجرد مناسبتها هوى دعاة الاستغاثة بالأموات .

وخُذُه حيث حافظٌ عليه نص أو من مصنف بجمعه يخص
بل تحقق منه حيث حافظ عليه نص
• وهذا تعصب وعمى ، ناهيك عن أنه يمنح الحافظ رتبه الأئمة المعصومين عند الشيعة ، فإن مشايخ الشيعة يقولون لأتباعهم من العوام " وخذه حيث سيدٌ ( أو إمام ) عليه نص " !
• ومخالف لما أجمع عليه جمهور الأمة وعلماؤها " كل منا يؤخذ منه ويردّ عليه إلا صاحب هذا القبر". فكم من حافظ أخطأ في تحسين حديث وتضعيفه حسب ما أدى إليه اجتهاده . فهذا الحافظ الدارقطني يتعقب الحافظ البخاري في العديد من أحاديث صحيحه كما بينه الحافظ ابن حجر في مقدمة صحيح البخاري . وهذا ابن حجر وهو حافظ يتعقب البيهقي فيصحح حديث الصوت الذي ضعفه .
وليس ذلك بقادح فيهم ، وإنما يقدح في أهل الكلام والجدل الذين ينهون عن التقليد ، وهم أول المقلدين كما قاله الحافظ ابن حجر .
فهذه القاعدة منقرضة بما هو معلوم بالاستقراء من حصول الخطأ والاختلاف بين الحفاظ في تحسين الأحاديث الضعيفة أو تضعيف الصحيحة خطأ وسهواً ، وإذا كان الحبشي يجوز عنده وقوع صغائر الخطأ عند الأنبياء فكيف لا يجوز لغير الأنبياء ! وإذا كنا نعتقد أن الأئمة يخطئون وكانوا يقولون " إذا وجدتم قولنا يخالف الحديث الصحيح فاضربوا بقولنا عرض الحائط " فكيف نعتقد احتمال الخطأ عند الشافعي وأحمد ولا نعتقده في الحافظ ؟ !
• فماذا نفعل إذا ضعف حافظ حديثاً صححه حافظ آخر ؟
• ونحتج عليهم بالقاعدة التي يحتجون بها فنقول : البخاري حافظ وقد صحح حديث الصوت فلماذا لم يزل الحبشي يرفضه ويحكم بضعفه ؟ لماذا لم يأخذه حيث البخاري عليه نص ؟
وابن حجر العسقلاني حافظ وقد نص على أن رواية ( وهو الآن على ما عليه كان ) مكذوبة لا وجود لها في شيء من كتب الحديث (فتح الباري 6 / 289 ) فلماذا لا يزال شيخكم متمسكاً بها وقد نص حافظ على وضعها وكذبها؟
والسبكي " عندكم " حافظ وقد حشا كتابه (شفاء السقام) بالأحاديث الموضوعه التي صرح جمع من الحفاظ بوضعها : فلو أننا أخذناها على عماها كما تريدون لوقعنا في الكذب على رسول الله  ووقع المسلمون في فساد عظيم ( ) .
بل أنتم لا تأخذونه ولو نص حافظ عليه فقد نص الحافظ الذهبي على صحة وتواتر حديث الجارية كما في كتاب العلو ( ص 16) ونص عليه الحافظ ابن حجر في الفتح ( 13 / 359) قال " هو حديث صحيح أخرجه مسلم " . فهل تأخذونه حيث حفاظ عليه نصوا ؟
• وإذا كانت شهادة الحافظ ابن حجر عندكم معتبرة فقد صرح . باستحقاق ابن تيمية رتبة (حافظ) كما في (التلخيص الحبير3 / 109) وكذلك شهد له السيوطي برتبة (حافظ ، مجتهد ، شيخ الإسلام ) ( ) : فهل تأخذون بنص شهادة الحافظ في ابن تيمية إن كنتم صادقين ؟ أم أنكم تأخذونا من قول الحافظ ما يناسب أهواءكم؟
قال تلميذه نبيل الشريف " وهذا الحديث شوكة في أعين الذين يحرمون التوسل برسول الله  وبغيره من الأنبياء والصالحين " ( ) .
• قلت : قد صح الحديث وليس بشوكة ، فإذا صح الحديث أخذنا به بلا حرج وأما القصة المتعلقة به فنحن لا نرضى مضغها أصلا لأنها لم تصح ، بخلاف ما أنتم عليه من مضغ الموضوع والضعيف والاحتجاج به في العقائد.
وليس بوسع من يزعم أنه مسلم أن يرد حديثاً صحيحاً لرسول الله  أو أن يقبله وهو له كاره { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [ الأحزاب 36 ] بل هذا هو موقفكم من نصوص الصفات كالاستواء والنزول ، فأنتم تُثبتونها إثباتاً شكلياً وتبطلونها على الحقيقة بالتأويلات المستبعدة .
فأنتم تعرضون عن الصحيح وتتشبثون بالضعيف وتدفعون أسباب ضعفه بشتى الذرائع الواهية كقولكم : يكفي لقول الحافظ في الحديث ( صحيح ) أن نأخذ به .
عثمان بن حنيف قائد معركة الجمل عندكم من البغاة
وقد تمسكتم برواية عثمان بن حنيف وهو قائد معركة الجمل ضد علي رضي الله عنه ، وحكمه عندكم بأنه من الفسقة البغاة بل من أهل النار ، هذا تناقض .
وتجاهلتم ترك عمر التوسل بالنبي  بعد موته . والتوسل بالعباس بدلا من ذلك ، وتجاهلتم قوله " كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك " ولم يقل" ما زلنا " وقول أنس " كانوا يستسقون " فهذه شوكة أثبتها البخاري في أعينكم لا فرار لكم منها . وبالأمس كنتم تتمسكون بقول عمر " نعمت البدعة هذه " واليوم تتجاهلون تركه للتوسل بعد موت النبي  !!!
وتجاهلتم قول النبي  للضرير " إن شئت دعوت لك ، وإن شئت صبرت " وقول الضرير " بل أدعه " أليس لهذا الكلام عندكم من معنى .
ثم هناك فرق بين من دعا له النبي  وبين من لم يدع له ، وقد دل عمل الصحابة على هذا الفرق ، إذ لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول  لكان عميان الصحابة يفعلون مثل ما فعله الأعمى لكنهم لم يفعلوا .
ولو كان التوسل بشخصه وليس بدعائه ولا فرق بين التوسل به حياً وبين التوسل به ميتاً فما الذي حدا بالضرير إلى أن يذهب إليه  ويسأله الدعاء له ؟ ولماذا توقف عمر عن التوسل بالنبي  بعد موته ؟ إما أن يكون عمر عندكم وهابياً يفضل العباس على النبي  ثم إذا وافقه جميع الصحابة صاروا وهابيين مثله وإما أنكم مخالفون لما كانوا عليه .

جمعية الصداقة الصوفية الرافضية
ومن هنا نؤكد أنه لم يثبت في أثر أو حديث أن أحداً من الصحابة توسل بالنبي  بعد موته . وإنما حدث ذلك بعد عصر الصحابة والتابعين حين بذر الفاطميون الروافض بذرة أضرحة الأولياء والاستغاثة بالأموات ، فإنهم لما استولوا على بلاد المسلمين نشروا الأضرحة في مساجدهم ، وأشاعوا هذه البدعة .
ومن أدعيتهم التي توافقونهم عليها قولهم فيما يسمونه بالزيارة الجامعة عند قبر الحسين " إني مستجير بكم زائر لكم ، لائذ عائذ بقبوركم ، مستشفع إليه بكم ، ومتقرب إليه بكم ، بكم فتح الله وبكم يختم ، بكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، وبكم ينفّس الهمّ ويكشف الضر " ( )
وهاهم اليوم يصفون مخالفيهم بأنهم " وهابيون ". ويوافقونكم على الاستغاثة بالأضرحة وتأويل الصفات والابتداع في الدين .
كيف حصل هذا الاتفاق بينكم وبينهم على سب وتضليل من تسمونهم بالوهابية ؟
كيف جمع الشيطان بينكم وبين الشيعة في الدفاع عن الاستغاثة بغير الله وتقديس القبور والمزارات .
- ألم تتساءلوا كيف تقرر عندكم أن الاستغاثة بالمقبورين : عقيدة أهل السنة بينما هي عقيدة الرافضة الباطنيين ؟ بل وأبرز ضلالات اليهود والنصارى بالنص من كلام النبي  الذي لعنهم لأنهم " اتخذوا قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد " . أتجعلون ضلالات اليهود والنصارى والشيعة هي عقيدة أهل السنة ؟!
شبهة : واحتجوا بقوله تعالى { وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } فزعموا أن هذا توسل بالرحم .
والجواب : هذا سؤال بسبب صلته للرحم وهو عمل صالح . كما يدعو أحدنا ربه بصدقته وبره أن يبارك له في عمره . فهذا ليس توسلاً إلى الله بالصدقة وإنما بفعله للصدقة ، والصدقة عمل صالح ، ويجوز التوسل إلى الله بالعمل الصالح ، فكذلك صلة الرحم عمل صالح .
وقد عرض ابن جرير الأقوال ثم رجح ما يلي " اتقوا الله واتقوا الأرحام أن تقطعوها أو اتقوا الله في الأرحام" ( )

موقف أبى حنيفة من التوسل

• جاء في الدر المختار ( ) وهو من أشهر كتب الحنفية ما نصه " عن أبى حنيفة قال : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به ، والدعاء المأذون فيه المأمور به : هو ما استفيد من قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [ الأعراف 180 ] .
قال أبو حنيفة " وأكره أن يقول : بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك " ( ) . وقال أبو يوسف " لا يدعى الله بغيره " .
واعترف الحبشي بقول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة " لا يدعى الله بغيره " ( ).
قال المرتضى الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين " وقد كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، إذ ليس لأحد على الله حق " ( ) .
وهذا ما قاله البلدجي في شرح المختار. والقدوري في شرح الكرخي . ونقله العلائي في شرح التنوير عن التتارخانية عن أبي حنيفة . قال ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار" قوله: وكره بحق رسلك ... ) هذا لم يخالف فيه أبو يوسف ، بخلاف مسألة المتن السابقة كما أفاده الاتقاني . أ . هـ .
وقال تحت قوله ( لأنه لا حق للخلق على الخالق ) : ومجرد إيهام اللفظ ما لا يجوز كاف في المنع فلا يعارض خبر الآحاد ، فلذا والله أعلم أطلق أئمتنا المنع " أ. هـ.
" والمراد بالكراهة كراهة التحريم التي هي في مقابلة ترك الواجب ، وقد ذكروا من قواعدهم أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم ، وممن نبه على ذلك : ابن نجيم في البحر الرائق وغيره ، حيث قال : وأفاد صحة إطلاق الحرمة على المكروه تحريماً " ( ) .
وقد اعترف الأحباش بأن الكراهة عند المذهب الحنفي تطلق على المحرم كما في مجلتهم ( ) .
ففي هذه النصوص عن أبي حنيفة أبلغ رد على ادعاء السبكي أنه لم ينكر التوسل أحد من السلف ولا من الخلف غير ابن تيمية ( ).
فأما السلف : فأبو حنيفة منهم ، وقد أنكر التوسل .
وأما الخلف فحدِّث ولا حرج فيما خالفوا فيه سلفهم .
هل حدثكم أبو حنيفة بمقصده ؟
وقد حرف الحبشي وأصحابه معنى كلام أبي حنيفة كما فعلوا في كلام ربه ، فزعموا أنه قصد كراهة من يظن أن لعباده حقوقاً عليه .
وكيف يستخرج هؤلاء مقاصد لألفاظ الناس : فارووا لنا هذا المقصد بسند صحيح ثابت عن أبي حنيفة.
إن هذا المقصد المزعوم شبيه بتحريف آيات الصفات ، ومن اعتاد التحريف ابتلى بالإدمان عليه كما يبتلى بالإدمان شارب الخمر .
- ولكن الله أثبت لعباده حقا عليه تكرماً كما في حديث معاذ " أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله " ولم ينص لنا على جواز التوسل بهذا الحق .

لو كان شرعياً ما تركه السلف

وبهذا يبطل زعم الحبشي أن الله جعلهم لنا أسباباً فنحن نتوسل . بهم إلى الله . فلو كان سببهم مشروعاً لما كرهه أبو حنيفة إلا أن يكون وهابياً قبل أن يولد محمد بن عبد الوهاب ؟
لو كان هذا سبباً مشروعاً لما عدل عنه الصحابة واتخذوا دعاء العباس سبباً مشروعاً لاستسقائهم كما كانوا يطلبون من الرسول  الدعاء لهم في حياته ، هكذا كانوا يفهمون التوسل .

موقف الحبشي من ذلك
وقد أجاب الحبشي عن هذه النصوص (الشوكية) ( ) بإجابات واهية جداً ثم انتهى إلى ردها لأنها تتعارض مع حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حيث سألوا الله بصالح أعمالهم ( ). غير أن حديث الثلاثة يفيد جواز التوسل بالعمل الصالح ، وهذا متفق عليه . فماذا يفهم هو من الحديث ؟
هاهو الآن يتقمص شخصية المجتهد الذي يقدم النصوص على أقوال الرجال ، مع أنه لم ينف صحة نسبة هذه الأقوال إلى أبي حنيفة لكنه طعن فيمن ينكر التوسل بالأولياء والصالحين ونعتهم بالوهابية وبُكره النبي  والأولياء فماذا يقول في أبي حنيفة وصاحبيه وقد قالا ذلك قبل الوهابية . ألعلّه يعني أن هذه آثار ابن عبد الوهاب في أبي حنيفة ؟‍‍‍‍

نرد اختلافهم إلى الكتاب والسنة

وإنما الخلاف في التوسل بالذوات وقد منعه أبو حنيفة وأصحابه . وأجازه ابن عبد السلام بشخص رسول الله  دون غيره ( ) فقال " ينبغي كون هذا مقصوراً على النبي لأنه سيد ولد آدم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته وأن يكون مما خص به تنبيهاً على علو رتبته وسمو مرتبته " . وهو جائز في إحدى الروايات عن أحمد. مع أن ابن تيمية يرويه عنه بصيغة التمريض ( رُوِيَ ) وتغافل الأحباش عن ذلك وألزموه بالتناقض ( ) .
فما موقفنا نحن من اختلافهم . هل نترك المسألة هكذا من غير تصويب وترجيح أحد أقوالهم ؟
قال ابن تيميه " إن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه ، فتكون مسألة نزاع ، فيُردّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله " ( ) ، كما قال تعالى { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } .
إننا نقول : قد توسل عمر بالعباس وترك التوسل برسول الله  بعد موته أمام جمهور الصحابة وأقروه بلا إنكار واحد منهم ، فنحن مع تقديرنا للعز بن عبد السلام رحمه الله نرغب عن فتواه تمسكاً بما أجمع عليه أصحاب محمد  . فإن عدولهم عن التوسل بالنبي  بعد موته إلى العباس (وكان آنذاك حياً) دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره .
لذا فمن لا يفرق بين التوسل بالحي وبين التوسل بالميت نحتج عليه بتوسل الصحابة بالنبي  وهو حي ، فلما مات تركوا التوسل به وعدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس .
ومن لا يفرق بين التوسل والاستغاثة نحتج عليه بما روى البخاري عن نعيم " لا يستعاذ بمخلوق" ( ) . وهذه حجة تبطل تلبيس أهل الباطل .
فقد وردت روايتان متعارضتان عن أحمد إحداها تجيز التوسل والأخرى تمنعه ولكن تحريمه للاستغاثة بغير الله ثابت ولم يرد عنه جواز الاستغاثة بغير الله لا من طريق صحيح ولا ضعيف. ولذا فإن من يحتج بأحمد في جواز التوسل بالنبي  لا يستطيع الاحتجاج به في مسألة الاستغاثة .
وأهل العلم إذا تنازعوا لا يكون قول واحد منهم حجة على الآخر ممن يرى قول معارضه. وإنما الرد إلى الله والرسول ، فكل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله  فإنهم إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجمعون على ضلالة ، وإذا تنازعوا فعليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول .
لكن هؤلاء يتخذون من التوسل برسول الله  ذريعة يستحلون بها الاستغاثة بالأموات. وهم لا يتفقون مع ابن عبد السلام ولا مع أبي حنيفة في ذلك. وقد خالفوا أبا حنيفة في كراهية التوسل بذات النبي أو غيره ، وخالفوا ابن عبد السلام فعمّموا التوسل بعد أن قيده هو برسول الله  فقط دون غيره .
فلا العز بن عبد السلام ولا أبو حنيفة يوافقان على استغاثتكم بالرفاعي ووصفه بـ " غوث الأغواث " وقولكم مدد يا مشايخ يا أموات مدد ياجيلاني ؟


دعواه مخالفة ابن كثير لابن تيميه في التوسل .
 وأما دعوى الحبشي أن ابن كثير خالف ابن تيميه في مسألة التوسل ( ) فأين نص ابن كثير على تلك المخالفة ؟ لماذا الكذب ؟ جل ما في الأمر أن ابن كثير روى روايات غير صحيحة وهذا لا يفيد المخالفة المزعومة فإن في تفسير ابن كثير وتاريخه الضعيف والمنكر من الروايات مما يصلح أن يكون حجة للرافضة ضد أهل السنة .
مثال ذلك روايته لقصة الملكين { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } اللذين فتنتهما الزهرة حتى مسخها الله إلى كوكب... فالحبشي وأتباعه يحذرون من هذه القصة ومع ذلك فقد ذكرها ابن كثير ( ) .
 شبهة : وقد بتر لصوص النصوص كلاماً لابن تيميه فزعموا أنه تناقض حين روى قصة عن عبد الملك مفادها أن رجلا جاءه فجس بطنه فقال : بك داء لا يبرأ قال : ما هو ؟ قال : الدبَيْلة فتحول الرجل فقال: اللهم إني أتوجه إليك بمحمد  … " قال ابن تيميه " فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه قد دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي في الدعاء " .
إلى هنا توقف اللصوص مرتكبين عدة جنايات :
• أنهم تجاهلوا قول ابن تيميه " وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة وأنه قد ذكر هذه الحكايات من جَمَعها في كتب الأدعية أمثال ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء " .
• أنهم نقلوا قوله " فهذا الدعاء روي أنه قد دعا به السلف ، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي في الدعاء " . غير أنهم كتموا الكلمة التي تليها " ونهى عنه آخرون ، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين ، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل نزاع ، وما تنازعوا فيه يُرَدّ إلى الله والرسول . وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود يدل على أنه سائغ في الشريعة ، فإن كثيراً من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضه... " إلى أن قال " فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته " ( ) .
• أن ابن تيميه ذكر هذه الرواية بصيغة التمريض فقال (ويُروىَ) ومعلوم أن هذه الصيغة تعتبر إشارة إلى أنه مشكوك فيها . وهذا ما فعله الحبشي حين ذكر قول البخاري " ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي  " الفخذ عورة " ثم قال " وقوله (ويروى) للتضعيف لأنه صيغة تمريض " ( ) .

رواية اللهم أسألك بحق السائلين

 شبهة : واحتجوا بحديث ( اللهم أسألك بحق السائلين عليك " وهو ضعيف فيه عطية العوفي في روايته وهن وقد ضعَّفوه وهو مشهور بضعفه وتشيعه وتدليسه عند المحدثين ( ) . قال الزبيدي " إنما ضعفوه من قبل التشيع ومن قبل التدليس " ( ) .
قال الذهبي " قال أحمد والنسائي وجماعة: ضعيف، وقال سالم المرادي كان عطية يتشيع " ( ) . وذكره النووي في (الأذكار ص 58 باب ما يقول إذا توجه إلى المسجد) من روايتين في سند الأولى وازع بن نافع العقيلي : قال النووي (متفق على ضعفه) وفي سند الثانية (عطية العوفي) قال النووي وعلية ضعيف " .
نعم هذا ما يليق بالعوفي وهو مدلس لا يؤمن تدليسه ، وإن حسّن له الترمذي بعض أحاديثه فالترمذي كما هو معروف متساهل في التحسين والتصحيح ولا يعتمد على تصحيحه كما صرح به الذهبي . ونبه عليه المنذري في الترغيب .
ومن بلايا العوفي حديث " يوم السبت يوم مكـر وخديعـة " وحديث " اليدان جناح والرجلان بريد " .
• وفيه أيضاً الفضيل بن مرزوق كان شديد التشيع ضعفه النسائي وابن حبان وكان يروي الموضوعات عن عطية العوفي ( ). وثّقه بعضهم وضعفه آخرون وهو ممن عيب على مسلم إخراج حديثهم في الصحيح كما قال الحاكم ؟ وقال ابن حبان " يروي عن بمطية الموضوعات " وكان شديد التشيع كما قال ابن معين والعجلي (تهذيب التهذيب 4 / 301 – 302 ) وانتهى الحافظ في التقريب ( 5437 ) إلى قوله "صدوق يهم ، ورمي بالتشيع " .
على أن الشيخ الألباني أعلّ هذه الرواية بعلة أخرى وهي اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته ، فرواه تارة مرفوعاً وتارة موقوفاً على أبي سعيد كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مرزوق به موقوفا (السلسلة الضعيفة 1 / 37 )
• وفيه وازع بن نافع العقيلي قال البخاري " منكر الحديث " وقال النسائي " متروك " وقال أحمد " ليس بثقة " ( ) وقد حسّنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار حيث قال "حديث حسن... عن فضيل عن عطية قال حدثني أبو سعيد فذكره لكنه لم يرفعه: فقد أمِن بذلك تدليس عطية " . فأفاد الحافظ أن تحسينه للحديث لأجل انتفاء تدليس عطية وفي هذا نظر لما يلي :
• أن تدليس عطية ليس تدليس الإسناد المعروف حتى يؤمَن بقوله "حدثني " بل هو تدليس آخر فإن عطية يقول حدثني أبو سعيد ويعني به أبا سعيد الكلبي كما أفاد أحمد فيظن السامع أنه أبو سعيد الخدري .
• أن الحافظ ذكر أن الرواية التي فيها حدثنا أبو سعيد موقوفة فلم يعلها بالاضطراب ، وحقها ذلك .
• أن من الحفاظ من صرح بضعفها كالحافظ المنذري في الترغيب ( 3 / 459 ) والحافظ النووي في الأذكار (25) وهما من الحُفّاظ : فلماذا لا يأخذه الحبشي حيث نصّا عليه ؟ !
وأما رواية بلال " كان رسول الله إذا خرج قال : اللهم أسألك بحق السائلين .. " فقد زعم دحلان أن إسناده صحيح . وكيف يصح وقد قال النووي في (الأذكار 58) والحافظ في الأبكار "حديث ضعيف ، أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي : متفق على ضعفه ، منكر الحديث ".
وجاء الحديث برواية أخرى " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك" رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي في الزوائد "فيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه ". وهكذا فلم يصح هذا الحديث من طريق .
• شبهة : رواية " كانت يهود خيبر تقاتل غطفان ... فتقول اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي ... " فيه استدلال بفعل اليهود وركوب لسننهم . هذا إذا صح



نقد سند الرواية :
فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة : كذاب . رواه الحاكم في المستدرك (2/ 263) وقال " أدت الضرورة إلى إخراجه " قال الذهبي " لا ضرورة في ذلك فعبد الملك متروك هالك " . مع أن الحاكم قد جرح عبد الملك في المدخل ( 1/170) فقال " روى عن أبيه أحاديث موضوعة " . وروي هذا الخبر من طرق أخرى لا تزيده إلا ضعفاً وآفتها : الضحاك بن مزاحم والكلبي وعطاء الخراساني ( ) .
• أن هذا الخبر معارض لما هو أصح منه وهو ما رواه محمد بن إسحاق صاحب السيرة قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : حدثني أشياخ منا قالوا : لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله  منا " كان معنا يهود ، وكانوا من أهل كتاب ، وكنا أصحاب وثن ، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا : إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به ، ففينا والله وفيهم أنزل الله عز وجل { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } . قال قتادة (يستفتحون على محمد) أي يقولون : إنه يخرج " ( ) .
وهذه الرواية مؤيدة بثلاث روايات أخرى بمراسيل عن التابعين .
نقد متن الرواية
• أن الصحابة لم يفهموا ما فهمه الحبشي وإلا لسارعوا إلى التوسل بالنبي  أثناء حروبهم ، غير أنهم لم يكونوا يسألون الله بحق نبيهم  وهم في الحروب ، فهل اليهود أحرص على الحق وأشد تمسكا به من الصحابة الذين تركوه ! فسحقا للمتعصبين المنحرفين الذين يتجاهلون سنة الخلفاء الراشدين ويتمسكون بفعل اليهود .
• أن هذا الخبر يخالف سنة الله وهي أن النصر مشروط بالطاعة { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ } واليهود منذ كتب الله عليهم الذلة لم ينتصروا إلا مؤخراً بحبل من الناس .
• أن هذا الخبر يحكي لنا أن الآية كأنها نزلت في يهود خيبر ، وهذا يخالف ما اتفق عليه أهل التفسير والسِيَر أن الآية نزلت في يهود المدينة وهم بنو قينقاع وبنو النضير ، وهم الذين كانوا يخبرون الأوس والخزرج بقرب بعثة نبي جديد ، وهذه المخالفة دليل صريح على كذب هذه الرواية وهي من كذب جاهل لم يحسن تركيب هذه الكذبة .

قياس الحبشي الفاسد

وبهذا يتبين لنا فساد القياس الذي أتى به الحبشي إذ قال " فإذا كان التوسل بالعمل الصالح جائزاً فكيف لا يصح بالذوات الفاضلة كذوات الأنبياء " ( ) . وهذا باطل لما يلي :
• هذا قياس ، والقياس في أمور العبادات غير صحيح . فقد قال السلف منهم ابن سيرين فيما رواه عنه الطبري " ما عُبِدَت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، وأول من قاس إبليس " أي حين قال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( (.
• أن هذا القياس يُعدّ اعترافاً منهم بأن توسلهم غير منصوص عليه ، لأن وجود النص يسقط القياس ويغني عنه . ولأن القياس هو إلحاق شيء غير منصوص عليه بشيء منصوص عليه .
• أن علة التوسل بالعمل كونها من سبب الإنسان وكسبه أما التوسل المبتدع فهو تعلق بصلاح الآخرين واعتماد على أعمال الصالحين ينتج عنه تكاسل عن العمل الصالح وتشجيع على العمل الفاسد ، والاستعاضة عن العمل بالأماني والأمل ، وبمثل هذا ساد الفساد السلوكي بين الملل الأخرى ، وتجرءوا على ارتكاب الذنوب بدءاً من صغائرها إلى كبائرها وسادت الفواحش والجرائم ، وكلما تذكروا ذنوبهم ذكرهم الشيطان بمن مات بزعمهم كفارة عن خطاياهم .
• أنه قياس لغير المشروع على المشروع ، فإن التوسل بالعمل الصالح ثابت في الشرع فأين ثبوت التوسل بالذوات ؟ والقياس كما تقدم لا يجوز استعماله في أمور التوحيد ، فقد قال الحافظ ابن عبد البر " لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام " ( ) .
• أن ترك الصحابة التوسل به بعد موته إلى التوسل بدعاء عمه العباس دليل على فساد هذا القياس .
 شبهة : وأتوا بقياس آخر فقالوا : النبي  من أشرف الوسائل إلى الله ، وهو ذو المقام المنيع الرفيع عند الله ، قال الألوسي " وهي كلمة حق أريد بها باطل ، إذ نحن أولى بهذا منكم لاتباعنا أقواله وأفعاله وقد أوجب سبحانه علينا أن نتبع سبيل المؤمنين ونهانا عن الغلو في الدين " ( ) .
- قلت : قد أمرنا أن نتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وليس أعظم ولا أشرف من التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا .
وكيف يخفى على الصحابة شرف مقام نبينا : فلم يتوسلوا بمقامه  وإنما خرج بهم عمر إلى ضواحي المدينة وأعلن على مسمع منهم أنهم كانوا في عهد النبي  يسألون النبي  أن يدعو لهم فيسقيهم الله ، فلما مات تركوا التوسل به . فكيف يصرح عمر بترك التوسل بمقام النبي  ؟!

شبهات أخرى حول التوسل

 شبهة : أن الله أمرنا بالتوسل بالأولياء وأن عدم التوسل بهم مخالفة للأمر القرآني { وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } وطعن بالأولياء .
- أما الاستدلال بالآية فهو استدلال باطل . فلا يوجد في شيء من التفاسير المعتبرة كالطبري والبغوي وابن كثير أن معنى الآية هو التوسل بالأنبياء والأولياء ، وإنما ثبت تفسير التوسل بالعمل :
فعن ابن عباس والسدي وقتادة { ابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } " أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه " .
قال ابن كثير " وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف فيه بين المفسرين " وساق الطبري أقوالاً مثل ذلك ( ) . وقال أبو الليـث السمرقنـدي (كبير مشائخ الحنفـية) { ابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } " أي اطلبوا القربة والفضيلة بالأعمال الصالحة " ( ) .
ولم يقل أحد من المفسرين " المعتبرين " أن معنى { ابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } أي سلوا الأموات من دون الله أو اتخذوا الأولياء وسيلة لكم إلى الله .
ولئن كان هذا هو معنى الآية لصار ابتغاء الوسيلة حينئذ واجبا فكيف ساغ لعمر أن يتخلى عنه فيتركه ويعلن لربه على الملأ أن التوسل بالنبي  كان شيئا في الماضي لا يفعلونه الآن فقال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك فتسقينا وإنا نسألك بعمه العباس " .
وهذا الوجوب يبطل قاعدة " التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ".
- أما أنهم أولياء : فإن للولاية شرطين هما الإيمان والتقوى وهما في القلب لا يستطيع أحد أن يطلع على ما في القلوب من تقوى وإيمان إلا الله . فالشهادة بأنهم أولياء تقتضي الشهادة لهم بأنهم في الجنة وتزكيتهم ، وقد نهى الله الواحد منا أن يزكي نفسه فقال { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } فإذا كان لا يجوز أن تزكي نفسك فكيف تزكى من لا تعلم حقيقة ما في قلبه وما انتهى إليه ، فإن الرجل يكون من أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار .
شبهة : واحتجوا بقوله تعالى { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى } . قالوا : دلت الآية على مشروعية التوسل بآثار الأنبياء .
الجواب : أن الآية دلت على أنهم أنكروا ملك طالوت لأنه ليس من سلالة الملوك ، فقال لهم نبيهم إن صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية ، وفيه بقية مما ترك آل موسى وأل هارون تستدلون بهذه البقية على الصحة أيضاً . فكان التابوت علامة على صحة ملك طالوت وليس تشريعا من الله بجواز التوسل بآثار الأنبياء . وقد عرض ابن جرير الأقوال في الآية ثم قال " وأولى الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها .
• أن هذا فهم فيه افتراء على الصحابة وطعن في فهمهم لكتاب الله ، فلماذا لم يفهم الصحابة من الآية ما فهمتم ؟ فإنهم أخذوا تفسير القرآن عن نبيهم  ، ومع ذلك لم يكونوا يبعثون شيئاً من آثاره  مع الجيش ليحصل لهم النصر به، وكانت آثاره من ثيابه وسيفه ما زالت بينهم . فإنه لا يوجد أثر صحيح صريح يحكي حمل الصحابة شيئا من آثار أنبيائهم في حروبهم يتوسلون به إلى ربهم . وهُم أعرف بدين الله وأحرص على تطبيق آياته .
وأين هذا من قول عمر بن الخطاب " إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار نبيهم فيتخذونها كنائس وبيعاً ". ورأى قوماً يتناوبون مكاناً يصلون فيه فقال : ما هذا ؟ قالوا مكان صلى فيه رسول الله ، قال : أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا. من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمضِ " ( ) ، وبلغه أن أناساً يأتون الشجرة التي بويع عندها النبي  فأمر بها فقطعت " ( ) .
ونحن إذا اختلفنا في نص عُدنا إلى فهم الصحابة له وعملهم به .
وعلى افتراض أن القصة تعنى ما زعم هؤلاء فأين يجزمون أن شرع من قبلنا شرع لنا ؟ وكيف يكون شرعاً لنا وقد جاء في شرعنا ما يخالفه ، فلم يكن الاستنصار بالآثار من هدي نبينا  ولا سلفنا الصالح . بل صرح عمر رضي الله عنه أن بني إسرائيل إنما هلكوا بسبب تتبعهم لآثار أنبيائهم .
 شبهة : عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله  بثلاثة أيام فرمى نفسه فوق قبر النبي وحثا على رأسه من ترابه وقال " يا رسول الله : قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله عز وجل ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي . فنودي من القبر : أنه غُفِر له " . ( وفي رواية أن العتبي كان جالساً فرأى أعرابياً ) قال الخطيب في ( تاريخ بغداد 2 / 326 ) وابن خلكان ( وفيات الأعيان 1 / 523 ) " مات العتبي سنة 228 هـ " . فكم كان عمره لما دخل الأعرابي قبر النبي  ؟ على أن رواية العتبي جاءت من طريق آخر فيه الحسن الزعفراني عن الأعرابي (أي العتبي) وهذا الزعفراني مات سنة (249) فكيف يمكن لكليهما أن يكونا معاصرين لعائشة رضى الله عنها ؟. فسند الرواية منقطع ضعيف وإن حكاه مصنفو كتب المناسك كما عول عليه السبكي في (شفاء السقام 82) .
ثم كيف تشتهر هذه الحادثة (المفترضة) لمجرد فعل أعرابي لها ولا يشتهر شيء مثلها عن أحد من الصحابة . وكيف تعيش عائشة طيلة حياتها مجاورة للقبر ولا يثبت تكليمه لها. وإنما يسارع إلى تكليم الأعرابي ؟ وكيف يفهم أعرابي هذه الآية ويطبقها على وجه لم يفهمه الصحابة ولم يطبقوه ؟ .
وهل اشتهار الرواية دليل على صحتها ؟ أليس حديث " اطلبوا العلم ولو في الصين " مشهوراً وهو مع ذلك لا أصل له. وحديث " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وهو ضعيف بالرغم من شهرته ؟ فالعبرة في صحة سند الرواية لا مجرد اشتهارها على ألسنة الناس وبطون كتب الفقه التي تفتقر افتقاراً شديداً إلى مراجعة أسانيد مروياتها ، وهذا أمر يعرفه من يطالع كتب الفقه .

رواية : حياتي خير لكم

واحتجوا بحديث " حياتي خير لكم تحدثون ويُحدَث لكم، ومماتي خير لكم تُعرَض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم " .
الحكم على الحديث
ا) الطعن في هذه الزيادة التي تفرد بها الراوي وهو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد المرجئي على حديث "إن لله ملائكة سياحين ". فقد نقل الزبيدي حكم الحافظ العراقي على الحديث بأنه "ضعيف لأن فيه عبد المجيد بن عبد العزيز ، فهو وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه كثيرون . وفي رواية الحرث ابن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسناد ضعيف " وقال فيه ابن حبان في المجروحين ( 2 / 205 ) " منكر الحديث جداً يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير: فاستحق الترك ". وقال الحافظ في التقريب (4160) " صدوق يخطئ وكان مرجئاً ".
وذكر الزبيدي طريقا أخرى عند ابن سعد في الطبقات عن بكر بن عبد الله المزني مرسلاً ( ) .
ولما قاله الحافظ البزار "لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه " وإنما رواه النسائي (رقم 1282) من دون هذه الزيادة .
والحديث ذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد 9/ 24) وقال " رواه البزار ورجاله رجال الصحيح " وهذه العبارة لا تفيد صحة الإسناد أو الحديث كما هو معروف عند أهل الحديث، فلا يجوز أن يقال " صححه الهيثمي " فهذه تمويه وتلبيس على العامة ، فان صحة الإسناد ليست لازمة لصحة الحديث ، بل بينهما مراتب ، فكم من سند صحيح رواته ثقات وهو شاذ أو معلل ، وشرط الحديث الصحيح أن يبرأ من الشذوذ والعلة .
2) الرواية غير متواترة أيها الأشاعرة المطالبون باشتراط المتواتر في العقائد . بل ضعيفة لا آحاداً فقط ، فانظر كيف تجاهلوا ترك عمر للتوسل بالنبي  بعد موته، وآثروا الضعيف على المتواتر .
3) أنها تحث على الإرجاء وراويها عبد المجيد بن عبد العزيز مبتدع متهم بالدعاية للإرجاء حتى أدخل أباه فيه . وهو الذي روى الرواية الموضوعة عن ابن عباس" وما نعلم الحق إلا في المرجئة " ( )
وقد شهد عليه أحمد والبخاري بأنه من غلاة المرجئة . قال " كان فيه غلو في الإرجاء " وقال أبو داود " كان داعية في الإرجاء " ( ) .
ومن المقرر عند العديد من علماء الحديث أن المبتدع إذا تفرد برواية تؤيد بدعته فإن روايته مردودة . وهذا جرح مفسر مقدم على التوثيق .
وهذا الحديث يؤيد مذهبه في الإرجاء . فإنه ما دام العمل معروضا على النبي  فيستغفر فلا تضر المعاصي حينئذ كبيرة كانت أو صغيرة إذ جاء الاستغفار في الحديث مطلقا من سائر الأعمال السيئة .

الآثار السلوكية والأخلاقية لهذه الرواية
وكيف يقول النبي  لابنته فاطمة " أنقذي نفسك من النار لا أغنى عنك [ لا أملك لك ] من الله شيئا " ثم يطمئن الزناة ومرتكبي الكبائر من أمته ويعدهم بأنه سيستغفر لهم ؟
فهذا الحديث خطير من الناحية السلوكية على المسلمين إذ يثبط المحسن ويشجع المسيء وينتهي الفريقان إلى نهاية واحدة وهي تطمين الفريقين بالمغفرة واستوائهما من حيث النتيجة ، أليس هذا التطمين بالمغفرة على ما يعملون شبيه بتطمين النصارى بالمغفرة على خطاياهم لمجرد إيمانهم بالمسيح ؟ !
ولماذا كان يأمر بإقامة الحد على المذنبين من أمته في حياته ولم يكتف بالاستغفار لهم وهم جزء من أمته ؟
وإذا كان يستغفر لأمته فلماذا يدخل أفواج من أمته النار ؟
4) أن الحديث إذا كان يفيد استغفار النبي  لنا فلا يفيد جواز سؤاله لعدم فعل الصحابة ذلك ولأن القران أثبت لنا أن الملائكة حملة العرش دائمة الاستغفار للمؤمنين { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } ولم يقل أحد بجواز سؤالهم مع الله . والنبي  مات وسؤال الأنبياء بعد موتهم غير جائز . ولو جاز ، سؤال النبي بعد موته لاشتهر سؤال الصحابة للأنبياء السابقين ، مما يؤكد أنه شرك . وكفى بالشرك مانعاً من الشفاعة .
5) أن هذه الرواية تثبت آخر مع الله في عرض الأعمال عليه. فتصير الأعمال معروضة "عليهما" لا على الله وحده . وهذا شرك يعتقده الروافض ، فقد قالوا أن " قوله تعالى { فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } أنهم الأئمة " ( ) . وقد وضع الكذابون من هذه الأمة الأحاديث المكذوبة في ذلك مثل حديث " تعرض علي أعمالكم يوم الخميس ". أولهم: حسين بن علي العدوي ، اتهمه ابن عدي والدارقطني وابن حبان بالكذب ( ). والثاني : أبو سلمة محمد بن عبد الملك الأنصاري وهو منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج بحديثه كما قال ابن حبان ( ) .
في حين ثبت في الصحيح أن الأعمال تعرض على الله . قال  " تعرض الأعمال في كل خميس واثنين فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء " ( ) . فكيف (يغفر الله إلا ) بينما يكون استغفار النبي  مطلقا ؟
6) أنها تعارض أحاديث أصح منها تنفي معرفة النبي  بما يحدث لأمته من بعده . قال  " ليردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول يا رب أصيحابي أصيحابى ، فيقال لي : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك . فأقول كما يقول العبد الصالح { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } .
وحين كان  حيا لم يكن يعلم بأحوال من غاب من أمته ، من ذلك قصة ضياع عقد عائشة في الصحراء ، وقول أصحاب بئر معونة لما وقعوا في الغدر قالوا : اللهم بلغ نبينا " ولم يعتقدوا أنه يسمع كل واحد من أمته قريباً كان أو بعيداً .
شبهة : ودعموا الشبهة السابقة بشبهة أخرى فاستدلوا بقوله تعالى { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وقوله { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا } وهذه إنما هي الشهادة بما جاء وأنه بلغهم .
• أنه لو سلّمنا أنهم يسمعون فأين الدليل على أنهم إذا سمعوا استجابوا ؟ القرآن نص على أنهم لو سمعوا ما استجابوا. { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } وقوله { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . يؤكد أن المدعو هم الصالحون وليس الأصنام .
• أن من أفسد أنواع القياس قياس الحياة الدنيوية على أمور الآخرة . ألا ترى أن النبي  سمع قرع نعال بلال في الجنة وبلال كان يومئذ حياً .
• أننا إذا قلنا إنهم أحياء لا يعني ذلك جواز الاستغاثة بهم من دون الله . فإنه ما من آية ولا حديث صحيح ينصان على جواز دعاء غير الله . أو جواز دعاء من كان حياً الحياة البرزخية ، وإذا كانت حياة النبي  دليلا على جواز سؤاله من دون الحي الذي لا يموت فقد قال تعالى { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } فهو الحي الوحيد الذي ندعوه .
• أن الحافظ أكد على اختلاف الحياة الأخروية عن الدنيوية اختلافاً كلياً فقال في قوله تعالى { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } " فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثاً وهو خلاف النص " . قال " والجواب بأن المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء ، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة . فهي إعادة عارضة كما حي خلق لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى" ( ) .
لكن الصوفية يجهلون هذا الفارق ويزعمون أشياء يلزمهم منها الاعتقاد بأنهم صاروا صحابة . فقد قال الشيخ الشعراني " ومما من الله علي : شدة قربى من رسول الله وهي المسافة بيني وبين قبره الشريف في أكثر الأوقات ، حتى ربما أضع يدي على مقصورته وأنا جالس بمصر، وأكلمه كما يكلم الإنسان جليسه " ( ) .
• أن طريقة السجع التي ركب بها هذا الحديث تتعارض وطريقة كلام النبي  ، ولقد كان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي  قال : كذبوا لم يكن رسول الله  ولا أصحابه سجاعين " ( ) .
 شبهة : واحتجوا بقول أبي جعفر المنصور لـمالك عند قبـر النبي  " ءأستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ؟ قال مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم بل استقبله واستشفع به . . . " .
ثم قلد الحبشي من قالوا بتصحيح الرواية ( ) .
وإسناد هذه الرواية مظلم ، فإن فيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف كثير المناكير ، قال البخاري : في حديثه نظر وقال الجوزجاني هو غير ثقة وقال النسائي ليس بثقة وقال الأسدي " ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالذنب منه " ( ) .
أن السند في هذه الرواية منقطع ، فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً إذ توفي سنة 248 هـ ، بينما توفي مالك سنة 179. واعتماد الحبشي في العقائد على مثل هذه الرواية طعن في كونه من علماء الحديث ونكوص وارتداد عما اشترطه من قبل وهو أن لا يستدل في العقائد بالحديث الضعيف ، وطعنٌ في مدى نزاهته وتجرده للحديث وخدمته له ، فإن خادم الحديث لا يصحح الضعيف من الروايات لمجرد موافقتها مذهبه .
أضف إلى ذلك مخالفة الرواية لما هو معروف في مذهب مالك من كراهية استقبال القبر عند الدعاء ولكن يستقبله عند السلام فقط . وإنما يستقبل القبلة عند الدعاء .
وعجباً لأهل البدع : لقد حيّرونا : أنستقبل السماء عند الدعاء أم القبلة أم القبر ؟
ولم يكن مالك يرى فرقاً بين حياة النبي  وبين موته فيما يتعلق بتوقيره وحرمة رفع الصوت في مسجده حيا وميتا . ولكنه كان مع ذلك يفرق بين حياته  وبين موته فيما يتعلق بمسألة التوسل به  ومسألة زيارة قبره حتى قال "وأكره أن يقال زرت قبر النبي  " .
 شبهة : واحتجوا بحديث ( لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي . فقال الله : يا آدم كيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال لأنك يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك . قال الله : صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ، أدعني بحقه فقد غفرت لك ، ولولا محمد ما خلقتك " .
رواه الحاكم وقال "صحيح " 2 : 615 قال الذهبي " بل موضوع " وقال السبكي إن هذا لا ينزل عن درجة الحسن . وأخرجه الطبراني في الأوسط (عزاه له الهيثمي في المجمع 253:8) و (الصغير 355) ( ) .
ولنا على ذلك مآخذ منها :
أن هذا الحديث الموضوع المكذوب يضاهيء اعتقاد النصارى . قال الشهرستانى عن عقائد النصارى " والمسيح هو الابن الوحيد وهو الذي به غفرت زلة آدم عليه السلام " ( ) .
أن قوله "وصححه " غلط ، فإن الحاكم كتب " صحيح الإسناد " وأهل الحديث يفرّقون بين صحة الإسناد وصحة الحديث .
أن الحبشي احتج بكلام السبكي ، بيد أن السبكي اعترف بأنه قلد الحاكم في التصحيح فقال " وقد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم " ( ) .
مما يبين درجته في هذا الفن. فكيف يستدل مقلد بمقلد ؟
أنه قد تواتر عند أهل الحديث تساهل الحاكم في التصحيح وهذا مما يتجاهله الحبشي تارة ويقر به تارة أخرى حسب الحاجة . قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في أسنى المطالب (ص 573) بأن الحاكم متساهل في التصحيح ونقل عن المناوي تعقب الذهبي لكثير من تصحيحات الحاكم .
• أن الحبشي سكت عن تعقب الذهبي على الحاكم قائلاً " بل موضوع " ففيه عبد الرحمن الفهري وهو واه ، وقد قال الحاكم نفسه في أول حديث عن عبد الرحمن " رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا " .
ولقد سئل الحبشي " هل يُقبل تصحيح الحاكم وتضعيفه ؟ أجاب " لا يقبل منه ذلك من غير موافقة الذهبي عليه ". غير أنه تعمد هنا السكوت عن استدراك الذهبي واكتفى بتصحيح الحاكم .
• وحكى الحافظ ابن حجر أن بعضهم ذكر أن الحاكم حصل له تغير وغفلة في آخر عمره ، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة من الضعفاء وقطع بترك الرواية عنهم ومنع الاحتجاج بهم ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها ، من ذلك أنه أخرج حديثاً لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان قد ذكره في الضعفاء فقال انه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها . . . " ( ) .
• بل قد وصف الحافظ ابن حجر هذا الحديث بأنه " خبر باطل " كما في اللسان ( 3 /442) ترجمة رقم (4815) وضعّفه البيهقي في دلائل النبوة ( 5 / 489 ) وصرح السيوطي بضعف الحديث في مناهل الصفا في تخريج أحاديث ( الشفا ) ( ) والزرقاني في شرح المواهب (1/ 76) وابن كثير في (البداية والنهاية ) ( 2 / 323 ) وملا علي القاري في شرح الشفا ( 1/215 ) والشهاب الخفاجي في شرح الشفا ( 2 / 242 ) وذكر الحافظ عن الحاكم وأبى نعيم أن عبد الرحمن بن زيد هذا كان يروي الأحاديث الموضوعة عن أبيه. وقال ابن الجوزي " أجمعوا على ضعفه " وقال ابن حبان ( كان يقلب الأخبار ) وقال ابن سعد "ضعيف جدا " ( ) . فخذه أيها الحبشي حيث حفاظ عليه نصوا .

يوسف التازي
13-01-15, 05:21 PM
• رواية : استسق لأمتك
• عن مالك الدار " أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ïپ¥ فقال يا رسول الله ستسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنكم مسقون وقل له عليك الكيس الكيس " .
1) فيه اضطراب : مالك الدار مجهول الحال ، إذا شهدنا له بالثقة لم نشهد له بالضبط .
2) وأما ما جاء في رواية سيف بن عمر الضبي أن الرجل هو بلال بن الحارث فهذا مردود : فإن سيفاً هذا زنديق بشهادة نقاد الحديث وكان يضع الأحاديث . قال ابن أبي حاتم "ضعيف " (الجرح والتعديل 4/278) " ورماه ابن حبان والحاكم بالزندقة " (تهذيب التهذيب 4/295) .
3) أن الرواية ليست متواترة ، وقد عاهد الأشاعرة ألا يأخذوا بالآحاد في العقائد .
4) أن البخاري اقتصر على قول عمر (ما آلو إلا ما عجزت عنه) (التاريخ الكبير 7/304 رقم 1295) ، ولم يذكر مجيء الرجل إلى القبر ، وهذه الزيادة دخلت في القصة وهي زيادة منكرة ومعارضة لما هو أوثق منها مما رواه البخاري في صحيحه في ترك جمهور الصحابة التوسل بالنبي إلى التوسل بالعباس .
5) أوَ يرضى مسلم أن يقول : إن هذا الرجل المجهول كان أشد تعظيما ومحبة لرسول الله ïپ¥ ومعرفة بسنته من عمر الذي أخرج جمهور الصحابة إلى الصحراء ليشهدهم على ترك التوسل بالنبي ïپ¥ فيتوسل بدعاء العباس ويقرونه على ذلك .
6) أن الرواية لم تذكر أن الرجل رأى الرسول ïپ¥ في منامه ، فالرجل مجهول والذي أتاه في المنام مجهول ، وربما كان هاتفاً من الجن .
7) أن المنامات لا تقوم بها حجة في العقائد ، فما لهؤلاء القوم يرفضون الاستدلال بالآحاد في العقائد ولو كان في صحيح البخاري بينما يحتجون بالمنامات لإثبات عقائدهم ؟ !

• رواية الكوة إلى السماء
• أن أهل المدينة قحطوا قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت : انظروا قبر النبي ïپ¥ فاجعلوا منه كواً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، ففعلوا ، فمطروا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق .
هذه الرواية منكرة ، فيها :
ا) أبو النعمان محمد بن الفضل . اختلط ( ) .
2) عمرو بن مالك النكري قال فيه ابن عدي "حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة " والنكري ضعيف عند البخاري ( )
3) أوس بن عبد الله (أبو الجوزاء) قال البخاري " في إسناده نظر " ( ) .
4) سعيد بن زيد ، فيه ضعف ،ضعفه الدارقطني وأبوحاتم والنسائي والجوزجاني والبزار وقال أحمد لا بأس به ، وقال ابن حبان : " كان صدوقاً حافظاً يخطئ في الإخبار ويهم حتى لا يحتج به إذا انفرد " ( ) .
وعلى فرض صحة سندها فإنها معارضة للروايات الأصح منها سنداً والتي أفادت ترك الصحابة التوسل بالنبي ïپ¥ بعد موته وخروج عمر إلى الصحراء وتوسله بدعاء العباس .
• حديث " إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم " ( ) موضوع قاله ابن الجوزي في (الموضوعات 2/27) وفيه أيوب بن مدرك . قال ابن معين (كذاب) وقال الحافظ في (التلخيص 2/ 70) ضعيف .
• حديث " انتظار الفرج عبادة " ( ) موضوع . فيه عمرو بن حميد ، قال الحافظ ابن حجر في ( لسان الميزان 1917) والذهبي في (ميزان الاعتدال 6356) " ذكره السليماني في عداد من يضع الحديث " وذكر أنموذجاً لموضوعاته وهو نفس الحديث " انتظار الفرج عبادة " .
• حديث " أوحى الله إلى عيسى : آمن بمحمد ، فلولاه ما خلقت آدم ولولاه ما خلقت الجنة والنار " ( ) صححه الحاكم (2/614) وتعقبه الذهبي فقال " أظنه موضوعاً " وفيه عمرو بن أوس الأنصاري قال الذهبي في الميزان 6330) " يُجهل حاله وأتى بخبر منكر" ثم ساق هذا الحديث . وأقر الحافظ الذهبي على ذلك في (اللسان4/408 ترجمة رقم 6248) .
• حديث " من زار قبري وجبت له شفاعتي " ( ) ، فإنه يحيلك إلى موضع الحديث لكنه لا يحكم عليه لأنه يعلم أنه لم يصح ، فهذا الحديث مروي من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر . وهو ضعيف وتجتمع فيه علل عديدة منها جهالة موسى بن هلال هذا . قال النووي "رواه الدارقطني والبيهقي باسنادين ضعيفين المجموع 8/272. قال أبو حاتم : " مجهول " وقال العقيلي " لا يُتَابع على حديثه " وقال ابن عدي " أرجو أنه لا بأس به " . قال الذهبي : هو صويلح الحديث ، وأنكر ما عنده حديثه عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله ïپ¥ " من زار قبري وجبت له شفاعتي " كذا قاله الحافظ ( ) وأشارا كلاهما وابن خزيمة وغيرهم إلى الاضطراب في الرواية عن عبد الله بن عمر أو عن عبيد الله بن عمر . ونقل عنه الحافظ قوله " أن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر . ونقل عن العقيلي أنه لم يصح في هذا الباب شيء " ثم أكد الحافظ بنفسه أن طرق هذا الحديث كلها ضعيفة وأن أصح شيء في هذا الباب هو حديث " ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله روحي حتى أرد عليه السـلام " (التلخيص الحبير 2/267 ) ( ).
ومع ذلك يأبى الأحباش إلا تصحيح الحديث ولم يأخذوا بكلام الحافظ ابن حجر بل قدموا عليه هذه المرة السبكي الذي يدل كتابه (شفاء السقام) على مرتبته في الحديث ( ) .
• ومجرد تصحيح هذه الأحاديث الضعيفة إنما هو طعن في أئمة هذه الأمة ومنهم الإمام مالك ، فقد قال الحافظ في الفتح " أما مالك فقد كان رحمه الله يكره أن يقول الرجل : زرت قبر النبي ïپ¥ " . ونص عليه القرافي في الذخيرة والزبيدي في شرح الإحياء أن دليل مالك قوله ïپ¥ " اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ( ) .
وهذا أعظم دليل على أن مالكاً لم تصح عنده أحاديث الحث على زيارة قبر النبي ïپ¥ إذ لو صحت لما تجرأ أن يقول " أكره أن يقال زرت قبر النبي " .
• حديث " من حج ولم يزرني فقد جفاني " ( ) . قال الذهبي : موضوع (ميزان الاعتدال رقم9095) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/217) واعترف الحبشي بوضعه ومع ذلك احتج به .
• حديث " هي المانعة هي المنجية " أي سورة تبارك ( ) فيه يحيى بن عمرو النكري رماه حماد بن زيد بالكذب وضعّفه أبو داود وقال الحافظ في التقريب " ضعيف " (رقم 7614) وذكر الذهبي من مناكيره هذا الحديث (الميزان رقم 9595 ) .
• حديث " اقرأوا يس على موتاكم " ( ) واحتج بتصحيح ابن حبان تاركاً وراءه تضعيف الحفاظ الآخرين . وأنت تعلم تساهل ابن حبان في التصحيح .
وهذا الحديث قد اجتمعت فيه علل عديدة كما بيّنه الحافظ ابن حجر في التلخيص ، منها :
ا- جهالة أبي عثمان 2- جهالة أبيه 3- الاضطراب : فقد أعله ابن القطان بذلك . وقال الدارقطنى هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح حديث في الباب ( ).
فليس من خدمة الحديث تجاهل حقيقة ضعف الحديث لمجرد موافقته للهوى والمذهب . إذ من يفعل ذلك لا يجوز أن يشاع عنه بأنه خادم الحديث وسلطان العلماء ومحدث العصر !
• حديث " يس قلب القرآن ... " ( ) . وطرفه " البقرة سنام القرآن " (المسند 5/26) وهذا إسناد ظاهر الضعف ، وفي الإسناد ما يلي : " عن رجل عن أبيه " !! فمن هو هذا الرجل ومن هو أبوه ؟ لعله أبو عثمان غير النهدي وأبوه كما في الحديث السالف وكلاهما مجهول الحال .
• حديث " ليهبطن عيسى بن مريم حكماً ... " احتج به الحبشي ( ) وهو عند مسلم ، ولكن الجزء الأخير منه (وليأتينّ قبري) عند الحاكم (2 / 595 ) صححها ووافقه الذهبي . وفيها ثلاث علل :
الأولى : جهالة عطاء قال عنه الذهبي (لا يُعرَف تفرّد عنه المقبري) .
الثانية : عنعنة ابن إسحاق ، فإنه مدلس مشهور بذلك .
الثالثة : الاختلاف عليه في إسناده كما بين ابن أبي حاتم في العلل (2 / 413 ) حين سأل أبا زرعة عن سند الحديث فأشار عليه بالرواية الصحيحة التي ليس فيها الزيادة التي عند الحاكم (وليأتينّ قبري) ( ) ، وقد صدق ابن تيمية حين ضعّف رواية الحاكم .
• حديث " لا ينبغي للمطي أن تُعمَل" ( ) فيه شهر بن حوشب صدوق كثير الأوهام كما في التقريب (2830) خالف الروايات الأخرى الصحيحة.
• حديث " من صلى عليّ عند قبري سمعته " ( ). موضوع كما قال ابن الجوزي في (الموضوعات 1 / 303 ) . فيه محمد بن مروان : متهم بالكذب كما عند الحافظ في (التقريب 6284) وعند ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل رقم 364) كذاب متروك الحديث لا يُكتَب حديثه ألبتة "
وأعجب من المتعصبين الضالين الذين يتجاهلون قوله تعالى { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ } ثم يميلون عن كلام الله إلى روايات مكذوبة لم يجهلوا قول أهل الجرح والتعديل في وصف راويها بأنه كذاب وضّاع ! يزعمون أنه لا يجوز في العقائد إلا خبر ما كان متواتراً ، بينما يتمسكون بروايات الكذابين ويطعنون في خبر الـواحد الذي رواه البخاري ومسلم !
• أن النبي أتي ببرد قطري فوضعه على يده . رواه أبو داود في مراسيله . والمراسيل لا تقوم بها حجة فضلاً عن أن يعارض بها ما هو أصح وأصرح منها كحديث عـائشة عند البخاري ( إني لا أصافح الناس ) .
• وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... وهو قول محكي عن أبي طالب يحتج به من لم يجدوا في الكتاب والسنة ما يدعمون به حجتهم ، ولذا يسلم عليكم أبو طالب ويقول : خذوا عني عقيدتكم .
وهل كان الصحابة يستسقون بوجهه ؟ أم أن ذلك قول لأبي طالب تذكره صحابي ولم يثبت عن أحد من الصحابة فعله . بل تركوا التوسل بالنبي ïپ¥ وتوسلوا بالعباس بعد موته ؟ لماذا لا تقولون الصحابة وهابيون ؟
وأختم بالإشارة إلى رواية طويلة حول مولد النبي ïپ¥ مليئة بالخرافات لا أستطيع سردها هاهنا خشية الإطالة ، فابحث عنها في فصل بدعة المولد ( ) وانظر إلى آثار القصاصين القدامى وناشري الخرافة وزخرف القول .


أما بعد يا خادم علم الحديث

فانظروا إلى خادم علم الحديث وهو يروي أنكر الأحاديث وأكذبها ، ويخالف بها ما ثبت في القرآن بأن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ( الأعراف 23 ).
ولو كان توسل آدم بنبينا ïپ¥ هو الكلمات التي تلقاها من الله فما معنى ترك الصحابة للتوسل كقول عمر " كنا إذا أجدبنا توسلنا بنبيك " ألم يكونوا يفقهون القرآن ؟
وقد ذكر علماء علوم الحديث أن من علامات وضع الحديث مخالفته للقطعي من النصوص . وهذا ما أشار إليه ابن كثير فذكر مخالفة هذه الرواية المكذوبة المنكرة للآية الكريمة ( ) . فأين قال آدم هذا الكلام المكذب لكلام الله ؟
ثم إن الحبشي يستدل بموافقة الذهبي لتصحيح الحاكم للحديث وإن كان ضعيفاً إن كان ذلك موافقاً لهواه ، ويسكت عن اعتراضه على تصحيح الحاكم للحديث إذا وافق ذلك هواه وإن كان الحديث ضعيفاً . ولذلك استدل بتصحيح الحاكم لحديث " ليهبطن ابن مريم .. " ثم قال : ووافقه الذهبي ، مع أن الحديث قد اجتمعت فيه ثلاث علل تكفي الواحدة منها لتوهينه وتضعيفه ( ).
أنه قال " وعزاه له الهيثمي " وسكت عن قول الهيثمي فى الحديث " وفيه من لا أعرفه ". وهذه ليست طريقة أهل الحديث ولا خدامه وإنما هي طريقة أهل الأهواء الذين تميل نفوسهم مع الروايات الضعيفة لمجرد موافقتها أهواءهم وعقائدهم الفاسدة . وإلا فكيف يشترط تعقب الذهبي على الحاكم ثم هو يسكت ههنا عن حديث موضوع مكذوب لمجرد أنه يوافق هواه في التوسل وهذا دليل على أنه ليس طالب حق . فإن من سمات أهل الحديث التجرد في تخريج الحديث بصدق ولو كان يخالف المذهب ، وهذا ما تحلى به الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهما .


بضاعته في الحديث فاسدة

• كان يجدر بالحبشي أن يكون خادمة للحديث أميناً فلا يروي إلا الصحيح ، لقد انتقد الحبشي الحافظ الذهبي ( ) واتهمه بالتساهل في رواية الحديث وأنه يأتي بأحاديث غير ثابتة وآثار من كلام التابعين من غير تبيين من حيث الإسناد والمتن ( ) .
ولكن الذي أطلعتك عليه يكشف أنه هو الذي يجتهد في تصحيح الضعيف بالحيلة تارة وبالسكوت عن العلل والقوادح تارة أخرى ، ويتكتم على ضعف ما لم يستطع تصحيحه .
ويحتج بمن حسّنه مع علمه بضعفه ، ويكثر الرواية عن روايات الشيعة التي تطعن في الصحابة أمثال المسعودي صاحب كتاب مروج الذهب وسيف بن عمر وهشام الكلبي ولوط بن يحيى الكوفي وغيرهم ممن حذر أئمة الجرح والتعديل من الرواية عنهم لما فيهم من الكذب والغلو والتشيع كقول ابن عدي في لوط بن يحيى " شيعي محترق له من الأخبار ما لا أستحب ذكره " وقول الحافظ ابن حجر " إخباري تالف لا يوثق به " وقول الرازي " ليس بثقة ، متروك الحديث " ( ) .
لكن الحبشي تعلق بهؤلاء الرواة ووجد فى رواياتهم الكاذبة ما يشفي غليله من صهر رسول الله ïپ¥ معاوية ( ). وهذه ليست طريقة أهل السنة وإنما هي طريقة أهل الضلالة والزيغ .

يوسف التازي
13-01-15, 05:24 PM
الاختلاف بين التوسل والتبرك

التوسل يختلف اختلافاً بيناً عن التبرك . ومن سوى بينهما فقد ارتكب خطاً شنيعاً .
- فالتبرك : هو التماس ما يرجى به الخير الدنيوي فحسب .
- أما التوسل فإنه ما يرجى به الخير الدنيوي والأخروي معاً ويكون بدعاء المتوسل به لا بذاته .
- التوسل لا يكون إلا بدعاء .
- التوسل يجوز فيه دعاء الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا .
- أما التبرك فليس من العقل ولا من الدين أن يتوسل إلى الله بأثر أحد من الناس ، كأن يقول القائل : اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بشعرة نبيك أو ببصاقه أو بحذائه أو ببوله ... أن تغفر لي وترحمني. ومن يفعل ذلك فإنه يعرض نفسه ليشك الناس في عقله .
- أن الصحابة ما فهموا من التبرك التوسل . ولو كان التوسل والتبرك بمعنى واحد فنقول هذا فيه حجة عليكم إذ يصير معنى قول عمر في حادثة القحط " كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك " فهذا يفيد إذن أنهم تركوا التبرك به بعد موته وتبركوا بعمه العباس .







التوسل إلى الله ببركة الولي

إن لفظ البركة يطلقه أهل البدع ويريدون به شيئاً مخالفاً لما كان عليه السلف الصالح . فيعتقدون أن التبرك هو مس جسد الولي أو جدار قبره . وقد روى البخاري (5444) عن ابن عمر قال : قال رسول ïپ¥ " إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ". وجاء بنحوه عند مسلم .
فمع أن المسلم بركة ما أمرنا أن نتبرك بكل مسلم بحجة أن رسول الله ïپ¥ وصفه بأنه بركة وإنما البركة هنا بركة عمله والخير الذي يثمر من عمله أينما كان .
وقد قال أسيد بن حضير لأبي بكر رضي الله عنه " ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر" وقالت عائشة رضي الله عنها لما تزوج النبي ïپ¥ جويرية بنت الحارث " فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها " ( ) فلم يفعل أسيد بأبي بكر ما كانوا يفعلونه برسول الله من الاحتفاظ بشعره .
وبركة الصالحين تكون بمجالستهم والاستفادة من علمهم كما في حديث الملائكة الذين يطوفون يلتمسون مجالس الذكر. وفيه قوله تعالى لهم : " أشهدكم أني قد غفرت لهم " فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة . فيقول الله " وله قد غفرت ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم " فهذا العبد الخطاء شملته المغفرة ببركة مجالسة الصالحين .
وأما طلب بركة غير الذوات فيختلف باختلاف أنواعها : فطلب بركة السحور تكون بالتسحر ، وطلب بركة ماء زمزم تكون بشربه ، وطلب بركة المسجد الحرام تكون بالصلاة فيه .
وأما قول القائل : اللهم إني أسألك ببركة فلان فقد صرح أهل العلم أن هذا القول لا معنى له وهو من الألفاظ الموهمة ، ويحتمل أن يكون شركاً أو بدعة على أقل تقدير . وقد نهانا الله عن الألفاظ الموهمة بقوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا } وهو غير منقول عن السلف في ألفاظ الدعاء ، والدعاء عبادة ، ومبنى العبادات على النقل الشرعي .

ما الحكمة من إجازته ïپ¥ للتبرك ؟

ولقد رأى النبي ïپ¥ أصحابه وهم يقتتلون على وضوئه ويتبركون بآثاره وكان ذلك كما أشار الألبانى لغرض مهم حيث هال قريشاً ما رأته من شدة حب الصحابة لنبيهم ïپ¥ مما لم تكن تراه من قبل أبداً ، ومما يقطع بأنه نبي .
غير أنه ïپ¥ عمد بعد ذلك إلى صرف أصحابه بحكمة ولين عن هذا التبرك وأرشدهم إلى أعمال صالحة هي خير لهم من ذلك .
فعن عبد الرحمن بن أبي قراد أن النبي ïپ¥ توضأ يوماً ، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه ، فقال لهم " ما يحملكم على هذا ؟ " قالوا : حب الله ورسوله.
فقال " من سره أن يحب الله ورسوله – أو يحبه الله ورسوله – فليصدُق حديثه إذا حدث ، ولْيؤدّ أمانته إذا اؤتمن ، ولْيُحسن جوار من جاوره " ( ).

التبرك بذات الأنواط تأليه لها

وكان الصحابة في حداثة عهدهم بالإسلام رأوا المشركين يعلقون سيوفهم عند شجرة يظنون البركة تحل بها، فقالوا للنبي ïپ¥ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال " قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } الأعراف 138، إنها السنن لتركبُنّ سنن من كان قبلكم " ( ).
والصحابة ما أرادوا من اتخاذ الشجرة عبادتها : وإنما أرادوا حصول البركة لسيوفهم ، ومع ذلك اعتبر النبي صلى ïپ¥ هذا النوع من التبرك تأليهاً لغير الله ومشابهة لبني اسرائيل { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } وإن كانوا يقولون لا إله إلا الله . وأقسم النبي على أن مقالتهم كمقالتهم سواء بسواء . فالصحابة لم يسموا ذلك عبادة ولكن الرسول سماه عبادة وتأليهاً ، ولم يقل لهم لا بأس لا يضركم ذلك ما دمتم تقولون لا إله إلا الله !!
فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة تبركاً : اعتبره رسول الله ïپ¥ تأليهاً لغير الله مشابهاً لقول بني إسرائيل ، مع أن الصحابة ما طلبوا ذات الأنواط ليعبدوها ولا ليسألوها مع الله ، أليس تحريم شرك القبور من باب أولى حين يعتقد الأحياء أن الأموات متصرفون في قبورهم وأن قبورهم هي الترياق المجرب ؟ وإذا كانت الفتنة تحصل في شجرة فما بالك في قبر يعتقد الجهال أن صاحبه يأكل ويشرب فيه بل يخرج منه ليغيث البشر ويقضي حوائجهم ؟
وكان النبي ïپ¥ ينهى عن اتخاذ القبور مساجد ويصف الذين اتخذوا قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد بأنهم شرار الخلق عند الله ، قاله إنذاراً لأمته لا لمجرد الحكاية عن قوم هلكوا وكفروا ، وجاء الإنذار الثاني مباشرة لهذه الأمة أنه سيكون فيها من يلتحق بشرار أولئك فقال " لا تقوم الساعة حتى يلحق أقوام من أمتي بالمشركين ويعبدون الأوثان " لا سيما وأن أصل الأوثان القبور.
قال الحافظ " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم مَن بعدهم على ذلك " وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين . فلما مات منهم أحد مثَّلوا صورته وتمسحوا بها . فعبدوها بتدريج الشيطان لهم ( ) .
فهل يُعقل أن ينهى نبينا ïپ¥ عن التبرك بالشجرة ويشبّه قول من قال (اجعل لنا ذات أنواط) بقول اليهود ( اجعل لنا إلهاً ) ثم يجيز التبرك بالقبور ؟
وبناء على هذا الحديث فنحن نسمي استغاثتكم بأصحاب القبور عبادة وتأليهاً لها من دون الله . قلتم والذي نفسي بيده ما كان يقوله قوم نوح لأصنامهم : مدد يا ودّ ، مدد يا سواع ، مدد يا يغوث ، مدد يا يعوق ، مدد يا نسر .


الإسلام يهتم بسد ذرائع الشرك

وبهذا تعلم أن أصل الشرك سببه التبرك بالقبور، ولهذا كان ïپ¥ ينهى عن أن يُجصّص القبر وأن يقعد عليه ( وفي رواية) " وأن يكتب عليه " ( ) .
وكان قد نهى أول الأمر عن زيارة القبر ، ثم أذن بعدما بيّن أصل سبب الزيارة " ألا فزوروها فإنها تذكّر الآخرة " ولم يقل فإن بها قضاء الحوائج ، ولا قال بأن منها ما هو الترياق المجرّب ؟ وإنما منعت أولاً ليبرأ الناس من مرض اعتقاد الترياق في القبور .
وإنما صحت الأحاديث على مشروعية زيارة القبور عامة لفائدة تذكر الآخرة والدعاء للميت . وإذا كنا في جنازة دعونا للميت - وليس دعونا الميت - وشفعنا له - ولم نستشفع به - وهذا نفعله بعد دفنه من باب أولى .
فبدل أهل البدع قولاً غير الذي قيل لهم فبدلوا الدعاء له بطلب الدعاء منه لأنفسهم والترحم عليه بطلب الترحم منه ، وصاروا يطلبون أمور الدنيا ممن خرجوا من الدنيا وحال الموت بينهم وبين ما يشتهون .
وكان ينهى عن الصلاة في المقبرة ، وينهى عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر سداً لذريعة الشرك ، وحتى لا يحصل التشبه بعبّاد الشمس ولو من دون قصد :
فالنهي عن اتخاذ القبور مساجد أولى بالنهي لأن النبي ïپ¥ أخبر أن هذا حال اليهود والنصارى استحقوا به اللعنة . ولهذا قال الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي الحنفي " وأما اتخاذ المساجد فلما فيه من التشبه باليهود واتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم ، ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام " ( ).
وقال ابن قدامة المقدسي " لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها ، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام : تعظيم الأموات باتخاذ صُوَرهم ومسحها والصلاة عندها " ( ) .
ولذلك كانوا من بعده ïپ¥ يقطعون ذرائع الشرك ووسائله . ويتمثل ذلك حين رأى عمر قوماً يتناوبون مكاناً يصلون فيه فقال : ما هذا ؟ قالوا مكاناً صلى فيه رسول الله قال : أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ، إنما هلك من كان قبلكم بهذا . من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض ( ) وبلغه أن أناساً يأتون الشجرة التي بويع عندها النبي ïپ¥ فأمر بها فقُطِعتْ " ( ) .
* وعن ابن عمر قال " رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها ، كانت رحمة من الله " ( ) وقد بحث عنها أناس في زمن سعيد بن المسيب أثناء ذهابهم للحج فقال لهم سعيد " حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ïپ¥ تحت الشجرة قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها " وفي رواية " فعميت علينا "وفي رواية " ثم أنسيتُها بعد فلم أعرفها ". قال سعيد للحجيج الباحثين عنها : " إن أصحاب محمد ïپ¥ لم يعلموها وعلمتموها أنتم ؟ " ( ) .
قال الحافظ في الفتح " وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان ، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهداً فيما دونها ، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله " كانت رحمة من الله " ( )
وكيف لا يفعل عمر ذلك وقد غضب النبي ïپ¥ ممن طلبوا منه أن يتخذ لهم ذات أنواط وهي شجرة كان يعلق المشركون سيوفهم عليها للتبرك فقال " قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ }.
وهكذا لا زال الصحابة يسدون ذرائع الشرك ويقطعون على الخلق وسائله.
فهذا فعل الخليفة الراشد ممن أوصى الرسول ïپ¥ باتباع سنتهم ، وهو الذي قال فيه الرسول ïپ¥ " إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر" ( ).
قال يحيى بن معين : حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي ïپ¥ . رواه أبو الحسن علي بن عمر القزوينى في أماليه والحافظ الذهبي أن ابن عمر كان يكره مس قبر النبي ïپ¥ ( ) .
استحباب زيارة قبر النبي ïپ¥

ومع اعتقادنا بأن زيارة قبر النبي ïپ¥ مشروعة ومستحبة خلافاً لما يشيعه الآخرون فإننا نؤكد بأنه لم يصح عنه ïپ¥ حديث في الحث على زيارة قبره ، ومن شاء فليرجع إلى (التلخيص الحبير2/266) للحافظ ابن حجر وتخريج الحافظ العراقي على (الإحياء 1/258) وغيرهم ممن لم يصححوا هذه الأحاديث المحرضة على زيارة قبر النبي ïپ¥ مثل حديث " من زار قبري وجبت له شفاعتي " الذي يكثر الأحباش من الاحتجاج به ( ) . وذكر الشيخ محمد بن درويش الحوت ضعف الحديث في (أسنى المطالب ص 434) .
وهذا الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الكذب عليه ïپ¥ فإنه لم يصح منها شيء . ولا يجوز العمل بها مع الإعراض عن الحديث الصحيح عن رسول الله ïپ¥ أنه قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا " ولم يقل : وقبري هذا " . والحديث نص في تحريم شد الرحال إلى القبور ( ) .
هل حرم ابن تيمية زيارة القبور؟
• وقد اتهم السبكي ابن تيمية بأنه يحرم زيارة قبر النبي ïپ¥ مع علمه أنه يحرم شد الرحال إليه ولا يحرم مجرد الزيارة ، فقد أكد أن زيارة المسجد النبوي الشريف ( ثم ) زيارة القبر النبوي عمـل صالح ومستحب ( ) .
جل ما في الأمر أنه يفرّق بين الزيارة الشرعية وبين الزيارة البدعية التي تتضمن إما السفر من أجل القبر وإما المخالفات التي يرتكبها الناس عند القبر من تقبيل الجدران والاستغاثة به ïپ¥ أو طلب أن يكشف لهم ضراً أو يقضي لهم حاجة . وحصول الخشوع والإقبال على الدعاء لمجرد الوقوف عند القبر بما لا يحصل لهم عادة في المسجد أو أثناء الصلاة ، واعتقاد حياة وسمع وبصر المقبور فيأتون القبر لنيل ما عند صاحبه من بر وإحسان ، وهو أعظم فتح لباب الشرك . وهو أصل عبادة الأصنام .
قال ابن تيمية ( ) " فالزيارة الشرعية مقصودها السلام على الميت والدعاء له ، سواء أكان نبياً أو غير نبي ، ولهذا كان الصحابة إذا زاروا قبر النبي ïپ¥ يسلمون عليه ، ويدعون له ثم ينصرفون ، ولم يكن أحد منهم يقف عند قبره ليدعو لنفسه " .
وقال " وقد اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ïپ¥ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين من الصحابة وأهل البيت أنه لا يتمسح به ولا يقبله ، بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود ، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله ïپ¥ يقبلك ما قبلتك " ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركني البيت ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين " فهذه هي الزيارة البدعية وهي من جنس دين النصارى وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر أو أن يدعو الميت أو يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته ، فهذه من البدع التي لم يشرعها النبي ïپ¥ ولا فعلها أصحابه " .
قال " وأما زيارة القبور المشروعة فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما كان النبي ïپ¥ يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين ... " ( ) .
لم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر النبي ïپ¥ لقصد الدعاء ، وإنما كانوا يسلمون على النبي ïپ¥ وصاحبيه ويمضون . وهذا المحفوظ عن مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في " المبسوط " قال " لا أرى أن يقف عند قبر النبي ïپ¥ ولكن يسلم ويمضى " ( ) .
وهذا لا يعني تحريم زيارة قبر النبي ïپ¥ وإنما تحريم السفر من أجله تمسكاً بالحديث . ويجب التفريق بين مجرد زيارة القبر وبين شد الرحال خصيصاً إليه كما يفعله الشيعة .
وأما أن يُقصد بالزيارة سؤال الميت أو الاستمداد الروحاني من سلسلة المشايخ كما يزعم الصوفيون من نقشبنديين وغيرهم كأن يتلقوا البيعة من مشايخهم الأموات عند قبورهم ويحدث الاتصال الروحاني بين قلب الزائر وبين قلب الميت فهذا لم يكن فعل السلف . وإنما الثابت عنهم ترك ذلك والزجر عنه. فقد توسل عمر بدعاء العباس لما مات رسول الله صلىïپ¥ . ثم ما يدريهم صلاح الميت وولايته فقد قال إمام الصوفية في زمانه عبد الوهاب الشعراني " كم من قبر يزار وصاحبه في النار " .




منهجية السبكي في رد ابن تيمية

غير أن السبكي لم يلتفت إلى تفريق ابن تيمية وكتب كتاب " شفاء السقام في زيارة خير الأنام " مع أنه نقل فيه عنه التفريق بين الزيارة البدعية والزيارة الشرعية ( ) .
ويا ليت السبكي يكتب هذا الكتاب ، فقد ملأه بالموضوع والمكذوب من الروايات ، فكشف بكتابه هذا عن مدى علاقته بفن الحديث . ودافع الحبشي بدوره عن هذه الروايات بتعصب وانحراف بالغين ( ) .
وقد اقترح السبكي أن يسمي كتابه " شن الغارة على من أنكر الزيارة " لكن سلاحه لا يصلح لشن الغارة لأنه ضعيف لم يزد خصمه إلا رسوخاً وثباتاً فضلاً عن أن زعمه أن خصمه أنكر الزيارة هو ظلم كبير لا سيما إذا علم أن لابن تيمية كتاباً اسمه " الرد على البكري واستحباب زيارة قبر خير البرية ".
وقد رد الحافظ ابن عبد الهادي على كتاب السبكي المذكور قائلا " أما بعد فإني وقفت على هذا الكتاب فوجدته كتاباً مشتملاً على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة ، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة " ( ) .
ويكفي اليوم في الرد على السبكي : مجرد تخريج الأحاديث التي حشاها في كتابه ليتعرّف المنصف على صدق كلام ابن عبد الهادي وعلى ضعف السبكى في علم الحديث ، وعلى تعصبه وعدم إنصافه لابن تيمية ، ولنذكر بعضاً من هذه الأحاديث من غير توسع في تخريجها :
- " من زار قبري وجبت له شفاعتي " ( ) .
- " من جاءني زائراً لا يعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً على الله أن أكون له شفيعاً " ( ) .
- " ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر" ( ).
- " من لم يزر قبري فقد جفاني " ( ).
- " من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي " ( )
قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في (أسنى المطالب ص 429) " رواه البيهقي وفيه حفص القارئ رمي بالكذب "
- " من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني " ( ). قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في (أسنى المطالب ص 467) " لا يصح " .
وتعجب كيف يمكن أن يقول الرسول ïپ¥ هذا وهو الذي صح عنه أنه قـال " لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " . وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً ثم يأمر بشد الرحال إليه بل يوبخ من لا يفعل ذلك ويصفه بالمجافاة ؟!
" من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً " ( ).
" من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة " ( ).
" من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي " ( ). قال الشيخ محمد بن درويش الحوت في (أسنى المطالب ص 435) (رواه الدارقطني وفي سنده مجهول " . فهذا اعتراف من واحد من المشايخ المعتبرين عند الأحباش فاعتبروا يا أولي الأبصار .
فهذه الروايات الضعيفة التي تحث على اتخاذ القبور مساجد تتعارض مع الروايات الصحيحة الناهية عن اتخاذ القبور مساجد كحديث " لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " .
وليس شيء من هذه الأحاديث صحيحاً حتى تكون شفاء للسقام وإنما هي بين موضوع وضعيف جداً فكيف تكون شفاء للسقام ، بل هذا السقم نفسه كان رأس مال السبكي في رده على صحاح البراهين التي احتج بها ابن تيمية ، ولم يستطع مناقضته ولا بحديث واحد صريح صحيح ، لأنه لا يوجد .
فالسبكي يعلم أن أسانيد هذه الروايات على كثرتها لا تنهض بحجة فلذلك يعمد إلى تدعيمها بالحكايات والمنامات التي هي من مصادر التشريع الصوفي فيزعم مثلاً أن رجلاً رأى رسول الله ïپ¥ في منامه فقال له : يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتعلم سلامهم ؟ قال : نعم وأردّ عليهم " . هكذا يجد السبكي في المنامات فقط ما يتلاءم ومذهبه .
فائدة مهمة : استعرض الحافظ ابن حجر أحاديث الحث على زيارة قبر النبي ïپ¥ وضعفّها كلها وقال " طرق هذا الحديث كلها ضعيفة " ونقل عن ابن خزيمة أنه لم يصح شيء في هذا الباب . فخذه أيها الحبشي حيث حافظ عليه نص .
هكذا يشاء الله أن يفضح أهل الباطل الذين اتهموا ابن تيمية بأنه حرّم زيارة قبر النبي ïپ¥ وأنه حرّف أحاديث رسول الله ïپ¥ فزعم أن أحاديث الزيارة كلها كذب " (منار الهدى 20/28) . فماذا يقولون في تضعيف الحافظ ابن حجر لكل روايات الزيارة ؟
رواية (( لا ينبغي للمطي))

قد عارض الحبشي تحريم شد الرحال المستفاد من هذا الحديث برواية أخرى ونصها " لا ينبغي للمطي أن تُعمل...) ليحمل به النهي عن شد الرحال على الكراهة لا التحريم . وهذا باطل لما يلي :
* أن لفظ (لا ينبغي) اصطلح عليه المتأخرون من أهل الأصول بأنه يُطلق ويراد به الكراهة دون التحريم ولكنه في كلام الله ورسوله ïپ¥ يراد به التحريم أيضاً، ومعناه : لا يكون هذا أبداً .
قال تعالى { وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا } { قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } فلفظ (ينبغي) يدل أيضاً على التحريم ولو حملناه على الكراهية : لصار اتخاذ ولد مع الله جائزا مع الكراهة . فما جوابكم ؟
وقال صلى ïپ¥ " لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " . " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس " " لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعاناً ".
* أن هذه الرواية التي احتج بها الحبشي منكرة تفرد بها شهر بن حوشب وهي من أوهامه خالف بها الروايات الصحيحة. قال الحافظ عنه ( صدوق كثير الأوهام ) (التقريب رقم 2830) وقد تساهل الحافظ في تحسين الحديث ، نقول ذلك بناء على ما قرره هو في النخبة من أن من كان كثير الأوهام فحديثه ضعيف لا يحتج به . وقد تقرر في الأصول أن حديث كثير الأوهام لا يحتج به. فليس عجباً بعد هذا أن يحكم صاحب (مجمع الزوائد 4/ 3) على هذه الرواية بالغرابة .
* أنها لو صحت لكانت شاذة لمخالفتها الروايات العديدة الأوثق منها والتي لم يرد في شيء منها هذا اللفظ . وهو حجة على وقوع الوهم في هذه الرواية.
* أنها مخالفة لعمل الصحابة حيث ردوا من أراد شد الرحال لغير المساجد الثلاثة وزجروه عن ذلك .

فقد نهى ابن عمر الذاهب إلى الطور وقال له : [ دع الطور لا تأته ] ، أما علمت أن النبي ïپ¥ قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة . . . " ( ).

ولقي أبو هريرة بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال له " من أين أقبلت؟ قال: من الطور حيث كلم الله موسى. فقال أبو هريرة: أما لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجتَ إليه ، سمعت رسول الله ïپ¥ يقول " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد… " ( ) .

- وهذا يبطل الفهم المبتدع عند الأحباش للحديث زعموا أن معناه " لا فضيلة زائدة في السفر لأجل الصلاة في مسجد إلا السفر إلى هذه المساجد الثلاثة " ( ) .

الجويني سبق ابن تيمية بهذه الفتوى
وممن ذهب إلى تحريمه من أئمة الكلام الأشاعرة الإمام الجويني كما حكاه عنه النووي وابن حجر العسقلاني والزبيدي ( ) . وذكر السبكي أن الجويني كان ينقل عن شيخه الفتوى بمنع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة وأنه حرام ، وهو الذي أشار إليه القاضي حسين والقاضي عياض في اختياره ( ) .
ونقل السبكي قول القاضي بأن وفاء النذر يلزم لمن نذر شد الرحال إلى المساجد الثلاثة " بخلاف غيرها مما لا يلزم، ولا يلزم شد الرحال إليها لا لناذر ولا لمتطوع بهذا النهي إلا ما ألحقه محمد بن مسلمة من مسجد قباء " ( ) .


الرافضة يمتازون ببدعة الاستغاثة بالأضرحة

وقد بيّن ابن تيمية أمراً مهماً وهو أن أول من وضع الأحاديث المكذوبة في السفر لزيارة المشاهد (أضرحة الأئمة والأولياء) هم أهل البدع الرافضة الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد : يتركون بيوت الله التي أمر أن يذكر فيها اسمه ، ويعظمون المشاهد التي يشرك عندها به ، والكتاب والسنة جاءا بتعظيم المساجد لا المشاهد . قال تعالى { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف 29] وليس عند كل ضريح أو مقام .
وقال في اقتضاء الصراط المستقيم " وأهل التوحيد يعبدون الله في بيوته التي أذن أن ترفع ويُذكر فيها اسمه : إياه يعبدون ، وبه يستغيثون ويستعينون ، وله يدعون ويسألون . . . وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم واستذلهم عن إخلاص الدين لله إلى نوع من الشرك ، فيقصدون إلى قبر نبي أو صالح ، داعين له راغبين إليه ، يسألون المقبور الميت كما يسأل الحي الذي لا يموت " .
إجماع شيعي صوفي ومخلفات رافضية
وصدق رحمه الله فإليكم مقالات الروافض الموافقة لعقيدة الأحباش :
قال أحد الروافض " وأما الإجماع عند أصحابنا الإمامية من صدر الإسلام إلى هذا العصر فانهم لم يزالوا مطبقين على استحسان مشاهد الأئمة وتعظيمها.. وأن تقبيل القبر بعد الموت كتقبيل اليد في الحياة " ( ).
وانتقد الطباطبائي الوهابيين لقولهم : لا يجوز بناء القبور وتشييدها فقال " وقالت الإمامية : يجوز بناء القبور للأنبياء والأولياء وتشييدها لأنه من باب تعظيم شعائر الله " ( ) .
وقال محسن الأمين العاملي الشيعي " ومنع الوهابية تعظيم القبور وأصحابها والتبرك بها من لمس وتقبيل لها ولأعتاب مشاهدها وتمسح بها وطواف حولها " ( ) .
وهكذا ترى ابن تيمية مصلحاً بحق ، يرى آثار التشيع بين أوساط أهل السنة في عصره من البكاء عند القبور والتضرع إلى الموتى والاستغاثة بهم وإلقاء الأموال والنذور عند أضرحة الأولياء جعله يقف موقفاًً غيوراً للحد من هذه الوراثة الشيعية ، ومستنده قوي وصحيح وهو حديث ( لا تشد الرحال...) فما هو مستند المخالفين له سوى الأحاديث الضعيفة والموضوعة .
إن قصد القبور للدعاء عندها رجاء الإجابة وكشف الضر أمر لم يشرعه الله ورسوله ، وهو أول شرك وقع فيه البشر .
وما يؤكد ذلك ما تقرأه فى كتب متصوفة الأشاعرة أن فلاناً يُتمرغ ويكتحل بتراب قبره ، وفلان يبتلع شيئاً من تراب قبر الولي على الريق ليحصل له الشفاء ( ) . وفلان يقدس تراب القبور كما قال الحبشي " وأما أخذ شيء من تراب ، لقبر ثم يقرأ عليه سورة القدر سبع مرات ثم يوضع في الكفن أو في القبر خارج الكفن فلا بأس بذلك " ( ) . إنه لا يستطيع أن يقول " مشروع " لأنه لا دليل عليه فالمخرج الأنسب أن يقول " لا بأس به ".

الرفاعية يفضلون قبر النبي على عرشي الرحمن
وذكر الصيادي أن قبر النبي صلى ïپ¥ أفضل من الجنة بل ومن العرش والكرسي ( ) .
• بل ونقل السبكي عن العبدي المالكي أن المسير لزيارة قبرالنبي ïپ¥ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ( ) . قال الألوسي " وممن نقل ذلك الشهاب الخفاجي في : كتابه طراز المجالس " ( ) أن المتصوفة قد اشتهر عنهم دعاء مخاطبة الموتى والتلقي عنهم وكتبهم مشحونة بذلك . مثاله :
* أن أبا المظفر المنصور أنشد قصيدة عند قبر الشيخ الرفاعي فظهر صوت الرفاعي من القبر يقول له : وعليك السلام ( ) . وأن السيدة نفيسة - صاحبة الضريح - كانت كثيراً ما تكلم أحد المشايخ المتصوفة وهي في قبرها ( ) .
* وأن السيد أحمد البدوي أخرج يده من القبر ووضعها بيد الشعراني ليبايعه ، وكان من شروط المبايعة أن يكون تحت رقابة البدوي أينما ذهب فأقره البدوي وقال وهو في قبره " نعم " ( ) وينقل عن محمد نور أفندي قوله ( ) :
يا ابن الرفاعي الرفيع مقامه يا سيد الأقطـاب والسادات
شرفت قيعان العراق جميعها فغدت بقبرك مهبط البركات

وقد جاء فيه وصف قبر الشيخ أحمد الصياد بأنه " زيتونة لا شرقية ولا غربية " بتولية فاطمية سبطية محمدية عابدية باقرية جعفرية كاظمية مرتضوية أحمدية " ( ) .
وأنا أقول: كان أحرى أن يقول : " شيعية باطنية قرمطية " .
• ودفع الغلو بالصيادي إلى اعتبار قبر النبي ïپ¥ أفضل من الجنة بل من عرش الرحمن ومن كرسيه ( ) وهذا يعارض ما جاء في الخبر أن " أحب البقاع إلى الله عز وجل المساجد " (رواه مسلم) .
- وزعم الصيادي أن السلف الصالح (سلفه من الشيعة) اتخذو مقابر أهل البيت والتوجه " إليهم والتوسل بجاههم إلى الله ذريعة لقضاء حوائجهم . وأن الناس قد جربوا في المشرق والمغرب مقابر أهل البيت فوجدوها بابا لدفع الأكدار وسلما لبلوغ الأوطار ( ) . فالمشروع عندهم مشروع بالتجربة !

- وأمر الصيادي من كانت له حاجة أن يولي وجهه شطر قبر الرفاعي من أي مكان في العالم ويخطو ثلاث خطوات ويقسم على الرفاعي أن يقضي له حاجته ( ) .
- وزعم أن الرفاعي مجيب الدواعي وأن إليه الملجأ والملاذ وهو ولي النعمة وأن الله به يدفع البلاء وبه يمطر السماء وبه تخضر الأرض وبه يدر الضرع ( ) .
- وأن قبر النبي أفضل من عرش الرحمن ومن جنته ( ) .
النتيجة : فهذا يدلك على أن القوم لا يكتفون بالاستغاثة بأصحاب القبور وسؤال الله بأصحابها وإنما يخاطبونها كما تخاطب الحجر والصنم ويزعمون التلقي عنها والاستفادة منها، وهي طريقة الشيعة والباطنيين عموماً ولهذا كان السلف يعلمون هذه الخديعة الشيطانية ويحذرون منها .

فإن الشياطين تلازم هذه القبور وتضل بها من تضل عن سبيل الله ، ومنهم من يرى في المنام شخصاً يظن أنه هو المقبور ويكون شيطاناً تصور بصورته، ويقول له إذا عرضت لك حاجة فاستغث بي. وهذا النوع من المكر الشيطاني موجود :
ففي صحيح مسلم أن ابن مسعود قال ( إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم : سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث "