المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذهب اهل الحق الايمان بصفات الله على ظاهرها ونفي التجسيم والتشبيه والتكييف عن الله تعالى


يوسف التازي
14-01-15, 02:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


http://as-salaf.com

/
http://www.khayma.com/kshf/K/SHERK.
Htm
أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية, وتوحيد الإلهية, وتوحيد الأسماء والصفات,
توحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وسائر أنواع التصريف والتدبير لملكوت السماوات والأرض, وإفراده تعالى بالحكم والتشريع بإرسال الرسل وإنزال الكتب, قال الله تعالى:(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأٌّمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة فلا يعبد غيره, ولا يدعى سواه, ولا يستغاث ولا يستعان إلا به, ولا ينذر ولا يذبح ولا ينحر إلا له, قال الله تعالى :( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ). وقال: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر )ْ
وتوحيد الأسماء والصفات: هو وصف الله تعالى وتسميته بما وصف وسمى به نفسه،وبما وصفه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة, وإثبات ذلك له من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تأويل ولا تعطيل, ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ...
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم.
أكبر دليل على الحكم بكون مسألة ما من مسائل الكفر هو أن يرد فيها نص شرعي، ففي الحديث الصحيح: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله. رواه الطبراني. وقد روى أحمد وأبو داودوالترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. وفي رواية: من أتى ساحرا أو كاهنا أو عرافا... وفي الحديث: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر. رواه ابن حبان وغيره.
ومن الواضح في الأمر أن الاستغاثة دعاء، والدعاء عبادة، والعبادة صرفها لغير الله شرك كما قال سبحانه وتعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. {يونس: 106-107}.
وأما السحرة فإنهم في الغالب يكذبون فيما يخبرون به، ويأتون بالخرافات التي تتعارض مع العقيدة، فمن أتاهم وصدقهم في قولهم معتقدا علمهم بالغيب فإنه يكفر وذلك لإشراكه بهم مع الله في علم الغيب الذي استأثر به لنفسه. قال سبحانه: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. {النمل:65}.
إجراء نصوص القرآن والسنة على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.
ودليل ذلك: السمع، والعقل أما السمع: فقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193] وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2] وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3] وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] وقال تعالى:مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء:46] الآية وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة
والمراد بالظاهر: الظاهر الشرعي، وذلك بإثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة على حقيقة الإثبات وتنزيه الخالق عن مشابهة الخلق له في تلك الصفات مع قطع الطمع عن إدراك الكيفية – ... – وبهذا يعلم أن معاني نصوص الصفات مفهومة، وأن إدراك كيفية الصفات شيء ممتنع. فما يتبادر إلى الذهن من المعاني الشرعية هو المراد بالظاهر.
وأما ترك التحريف، فالمراد به عدم التسلط على نصوص الصفات بصرف معانيها المتبادرة بأصل الوضع أو السياق إلى معاني أخرى غير متبادرة، وهذا الذي يسميه أهله تأويلاً،. ...
المسألة الأولى دواعي حمل النصوص على ظاهرها
وهذه الدواعي هي أدلة كلية تبين أن حمل نصوص الصفات على ظاهرها متعين، وهو أمر لا خفاء فيه ولا غموض، ويمكن حصرها... في أربعة أدلة:
الدليل الأول: وصف القرآن بالبيان والهدى:
إذا كان السامع متمكناً من الفهم، وكان خطاب المتكلم بيناً واضحاً، فهم المخاطب مراد المتكلم بكلامه. وقد وصف الله تعالى كتابه بأنه تبيان لكل شيء فقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] وقال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: 64]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: 4]، وقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44].
فاتضح من هذه النصوص – وغيرها كثير – أن كتاب الله تعالى فيه بيان الحق للناس، وأنه قد أنزل بلسان عربي مبين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم – مبين للناس هذا الكتاب بلسان قومه، فهذا يفيد أن نصوص الصفات مما بينه الله تعالى للناس، وهي كثيرة جداً وتتناول كل الصفات مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والاستواء واليدين والوجه والغضب والرضا، ولا يوجد مع هذا دليل واحد يفيد أن هذه النصوص مراد بها خلاف ظاهرها. فإخلاء المتكلم كلامه من قرينة تفيد أن ظاهره غير مراد ينافي بيانه وإرشاده، مع ملاحظة الأمور الآتية:
الأمر الأول: إن الله تعالى أعلم بما ينزل .
الأمر الثاني: إنه لو كان الظاهر غير مراد لجاء البيان بذلك – إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، ووقت الحاجة هو وقت الخطاب، وعلى فرض جواز تأخره إلى ما بعد ذلك فلا يجوز تأخيره بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه على كثرة النصوص الواردة بذكر الصفات لم يأت نص واحد يصرفها عن ظاهرها. فعلم بهذه الأمور مجتمعة أن خطاب الشرع في صفات رب العالمين يجب حمله على ظاهره إذ المخاطب أعلم بما ينزل وكلامه هدى وبيان وقد أخلاه عما يصرفه عن ظاهره.
الدليل الثاني: وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم – المبين للكتاب – كما قال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] وهو الهادي إلى صراط مستقيم كما قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] قد اشتملت سنته على ذكر الصفات لله تعالى، إما تصريحاً بالقول وإما إقراراً، وكل من القول والإقرار إما أن يكون قد ورد مثله في القرآن أو لم يرد، وكل من ذلك إما صفات فعلية أو ذاتية.
فمثال قوله صلى الله عليه وسلم في الصفات وهي مذكورة في القرآن: صفة اليدين، وصفة الاستواء، فالأولى صفة ذاتية، والثانية فعلية ...
ومثال قوله صلى الله عليه وسلم في صفات لم يأت ذكرها في القرآن: الضحك والأصابع. ومثال إقراره صلى الله عليه وسلم – لبعض الصفات، وهي مذكورة في القرآن: الاستواء، كما هو في حديث الجارية، لما سألها أين الله؟ قالت في السماء، فقال لسيدها ((أعتقها فإنها مؤمنة))ومثال إقراره صلى الله عليه وسلم لبعض الصفات، ولم يأت ذكرها في القرآن: الأصابع، كحديث الحبر اليهودي،... وقد يفسر الرسول صلى الله عليه وسلم – صفة قد لا يفهم من نص القرآن أنها صفة لله تعالى كصفة الساق.
الدليل الثالث: فهم الصحابة لها أن ظاهرها مراد.....
الدليل الرابع: إجماع الأئمة على أن ظاهرها مراد.
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: أمضها بلا كيف) وفي رواية أنه سألهم (... عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير) . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا نشك فيه...) وقال الإمام أحمد: (ولا تفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت ولا نردها...) وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى أتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على شيء.. إلخ) اهـ .
وأقوال الأئمة كثيرة في هذا الباب يصعب حصرها، وفيما ذكر الكفاية وبالله التوفيق.
فهذا الذي تقدم يدل دلالة قاطعة على أن ما جاء في نصوص الصفات حق على ظاهره المراد شرعاً، فيجب إثباتها بلا تمثيل، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه فيها بلا تعطيل، ذلك أن ذكرها في القرآن بلا قرينة تصرفها عن ظاهرها ثم تأكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في سنته قولاً وإقراراً بذكرها كما وردت في القرآن، بل يذكر صفات أخرى لم ترد فيه وهو الذي قال الله فيه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3-4] يدل دلالة قاطعة أن نصوص الصفات يجب إجراؤها على ظاهرها، إذ المأمور ببيان الدين لم يصرف عن ظاهرها – وهذا أمر بين
الحمد لله
استدلّ أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه علواً ذاتياً بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة :
أولا : فأما الكتاب فقد تنوعت دلالته على علو الله ، فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر الفوقية ، وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده ، وتارة بذكر صعودها إليه ، وتارة بكونه في السموات...
فالعلو مثل قوله : ( وهو العلي العظيم ) البقرة/255 ، ( سبح اسم ربك الأعلى ) الأعلى/1.
والفوقية: ( وهو القاهر فوق عباده ) الأنعام/18 ، ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) النحل/50.
ونزول الأشياء منه، مثل قوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) السجدة/5 ، ( إنا نحن نزلنا الذكر ) الحجر/9 وما أشبه ذلك .
وصعود الأشياء إليه ، مثل قوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) فاطر/10 ومثل قوله : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) المعارج/4.
كونه في السماء ، مثل قوله: ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) الملك /16.
ثانياً: وأما السنة فقد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وإقراره :
فمما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم في ذكر العلو والفوقية قوله ( سبحان ربي الأعلى ) كما كان يقول في سجوده وقوله في الحديث : ( والله فوق العرش ) .
(2) وأما الفعل ، فمثل رفع أصبعه إلى السماء ، وهو يخطب الناس في أكبر جمع ، وذلك في يوم عرفه، عام حجة الوداع فقال علية الصلاة والسلام ( ألا هل بلغت؟ ) . قالوا : نعم ( ألا هل بلغت؟ ) قالوا: نعم ( ألا هل بلغت؟ ) قالوا : نعم . وكان يقول : ( اللهم ! أشهد ) ، يشير إلى السماء بأصبعه ، ثم يُشير إلى الناس . ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء كما ورد في عشرات الأحاديث . وهذا إثبات للعلو بالفعل .
(3) وأما التقرير، كما جاء في حديث الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أين الله؟ قالت : في السماء. فقال : ( من أنا؟ ) قالت : رسول الله . فقال لصاحبها : ( أعتقها، فإنها مؤمنة ) .
فهذه جارية غير متعلمة كما هو الغالب على الجواري ، وهي أمة غير حرة ، لا تملك نفسها، تعلم أن ربها في السماء، وضُلّال بني آدم ينكرون أن الله في السماء ، ويقولون: إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال بل يقولون : إنه في كل مكان !!.
ثالثاً: وأما دلالة الإجماع ، فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء ، كما نقل أقوالهم أهل العلم كالذهبي رحمه الله في كتابه : " العلوّ للعليّ الغفار " .
رابعاً: وأما دلالة العقل فنقول إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء ، وإذا كان صفة كمال، وجب أن يكون ثابتاً لله لأن كل صفة كمال مطلقة ، فهي ثابتة لله .
خامساً: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة ، فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه ، وتتوجه إلى الله تعالى بدفعه، فإن قلبك ينصرف إلى السماء وليس إلى أيّ جهة أخرى ، بل العجيب أنّ الذين ينكرون علو الله على خلقه لا يرفعون أيديهم في الدعاء إلا إلى السماء .
وحتى فرعون وهو عدو الله لما أراد أن يجادل موسى في ربه قال لوزيره هامان : ( يا هامان ابن لي صرحاً لعلي ابلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى .. الآية ) . وهو في حقيقة أمره وفي نفسه يعلم بوجود الله تعالى حقّا كما قال عزّ وجلّ : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) .
فهذه عدّة من الأدلة على أن الله في السماء من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة بل ومن كلام الكفار نسأل الله الهداية إلى الحق .
وقد سئل شيخ الإسلام عن القرآن: هل هو حرف وصوت؟ فأجاب بأن إطلاق هذا الجواب – نفياً وإثباتاً – من البدع المولدة، الحادثة بعد المئة الثالثة، ثم قال: "والصواب الذي عليه سلف الأمة، كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب (خلق أفعال العباد)، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم – أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة, وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره... وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح..." .
وهذا من دقة السلف رحمهم الله في مسائل العقيدة، وخاصة ما يتعلق منها بالله وصفاته. حيث إنهم لا يبتدعون كلاماً جديداً، بل يصفون الله بما وصف به نفسه, ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يرد إطلاق أن القرآن بحرف وصوت لم يطلقوه عليه كما يفعله البعض، وإنما يقولون: القرآن كله حروفه ومعانيه كلام الله، كما يقولون إن الله نادى موسى، والنداء لا يكون إلا بصوت، والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن الله ينادي بصوت. ومن المعلوم أن الكلام إذا أطلق فإنه يشمل الحروف والمعاني, وهذا هو الذي فهمه السلف من صفة الكلام لله تعالى – على ما يليق بجلاله وعظمته -.
ولكن لما وجد – في أهل البدع – من ينكر الحرف والصوت لينكروا كلام الله، بين السلف أن كلام الله شامل للحروف والمعاني، وأنه تعالى يتكلم بصوت، كما يصفونه بما ورد من التكليم, والمناداة, والمناجاة .
وقد وردت نصوص فيها ذكر الحرف في كلام الله، وهو القرآن، ومن ذلك حديث: ((إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف))، وحديث ((أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب, وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته))، وحديث ((أقرأني جبريل على حرف...)). وحديث: ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف))وحديث: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله...)). وغيرها

http://www.salafi.com/
http://www.ahlos-sunnah.com/daleel/
www.sultan.org/a/ (http://www.sultan.org/a/)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فلّما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، رأيت أن تكون هي موضوع المحاضرة، ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[1]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.[2]
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمداً - عليه الصلاة والسلام-، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأدلة هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة كثيرةٌ جداً، فمن ذلك قول الله سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَة ِوَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}[3]. وقوله سبحانه:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}[4] الآية، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا}[5]. وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}[6]. أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرةٌ جداً، منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال له: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره))الحديث، وأخرجه الشيخان مع اختلاف يسير من حديث أبي هريرة، وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب.
فمن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه؛ لكونه خالق العباد والمحسن إليهم والقائم بأرزاقهم والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم بها، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[7]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[8]، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه.
والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[9]، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[10]، وقال عز وجل: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}[11]. وحقيقة هذه العبادة: هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبد العباد به من دعاءٍ، وخوفٍ، ورجاءٍ، وصلاةٍ، وصومٍ، وذبحٍ، ونذرٍ، وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له والرغبة، والرهبة مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته، وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[12]، وقوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ}[13]، وقوله عز وجل: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[14]. وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)).
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وغير ذلك منالفرائض التي جاء بها الشرع المطهر، وأهم هذه الأركان وأعظمها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي: إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود بحق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك، فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده، كما قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}[15]. وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فتأمل ذلك جيداً وتدبره كثيراً ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.
ومن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شئونهم والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعا لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، وقال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}[16]، وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[17].
ومن الإيمان بالله أيضا: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله عز وجل يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[18]، وقال عز وجل: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[19]، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها الإمام: أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه: (المقالات) عن أصحاب الحديث وأهل السنة، ونقله غيره من أهل العلم والإيمان.
قال الأوزاعي رحمه الله: (سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات، فقالا: أمروها كما جاءت)، وقال الوليد بن مسلم رحمه الله: (سئل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري رحمهم الله عن الأخبار الواردة في الصفات، فقالوا جميعا: أمروها كما جاءت بلا كيف)، وقال الأوزاعي رحمه الله: (كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله سبحانه على عرشه، ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات)، ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة الله عليهما عن الاستواء قال: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق). ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك، قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج). وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: (نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه)، وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جداً لا يمكن نقله في هذه المحاضرة. ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب مثل: كتاب (السنة) لعبد الله بن الإمام أحمد، و(التوحيد) للإمام الجليل محمد ابن خزيمة، وكتاب (السنة) لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب (السنة) لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بـ (التدمرية) قد بسط فيها المقام، وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم، بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنّته، إثباتاً بلا تمثيل، ونزهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيهاً بريئاً من التعطيل ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها، وهذه سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه، أن يوفقه للحق ويظهر حجته، كما قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}[20]، وقال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}[21]، وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}[22] الآية، كلاماً حسناً في هذا الباب يحسن نقله ها هنا لعظم فائدته.
قال رحمه الله ما نصه: (للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر"، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى)انتهى كلام ابن كثير رحمه الله .
وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن: الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}[23]، وهم أصناف كثيرة منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل وميكائيل ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكرهم في أحاديث صحيحة، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم))خرّجه مسلم في صحيحه، وهكذا الإيمان بالكتب يجب الإيمان إجمالاً بأن الله سبحانه أنزل كتباً على أنبيائه ورسله، لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالي: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[24] الآية، وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}[25] الآية.
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، والقرآن هو أفضلها وخاتمها، وهو المهيمن والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه، وتحكيمه مع ما صحت به السنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبياناً لكل شيء وهدى ورحمةً للمؤمنين، كما قال تعالي: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[26]، وقال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[27]، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[28].

يوسف التازي
14-01-15, 02:50 PM
التوحيد: أهميته
- هو الغاية من خلق الإنس والجن:
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56]
- هو أصل دعوة الرسل:
وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 25]
- لا يُقبل عمل إلا بالتوحيد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: ”أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ“ [صحيح مسلم]
قال يحيى بن سلَّام (200 هـ) : ({وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} أي: عدلا؛ وهو لا إله إلا الله {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} لا يقبل العمل إلا ممن قال: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه) (1)
- الجنة مُحرمة على من أشرك بالله
قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة : 72]
- من أشرك حَبِط عمله
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام : 88]
- هو أعظم سبب لمغفرة الذنوب
في الحديث القدسي: ”وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ (2) خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً“ [صحيح مسلم]
وغير ذلك.

التوحيد: لا إله إلا الله
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء : 25]
قال النبي صلى الله عليه وسلم ”من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله.“
في رواية : ”من وحد الله...“ ثم ذكر مثله . [صحيح مسلم]

قال عثمان الدارمي (280 هـ) : «وتفسير التوحيد عند الأمة وصوابه قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"». (3)
وقال أبو جعفر النحَّاس (338 هـ) : (قوله جل وعز {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات : 35] أي: عن توحيد الله عز وجل.) (4)
وقال أبو عبد الله القرطبي (671 هـ) : (و{قل هو الله أحد} فيها التوحيد كله. وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لأُبيٍّ. ”أي آية في القرآن أعظم؟“ قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له» أفضل الذكر، لأنها كلمات حَوَت جميع العلوم في التوحيد.) (5)
وقال ابن كثير (774 هـ) : ({مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} [يوسف : 38] هذا التوحيد - وهو الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له) (6)
وقال ابن رجب الحنبلي (795 هـ) : (ولعل من قال: إن المراد بالاستقامة على التوحيد؛ إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى «لا إله إلا الله»فإن الإِله هو المعبود الذي يُطاع فلا يُعصى؛ خشيةً، وإجلالا، ومهابةً، ومحبةً، ورجاءً، وتوكلا، ودعاءً.) (7)

التوحيد: معناه وغايته عبادة الله وحده
- معنى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»كما فسرها أهل العلم: (لا معبود بحق أو لا مستحق للعبادة إلا الله).

- من القرآن:
قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة : 31]
وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة : 5 ، 6]
وغيرها من الآيات

- من السنة:
1. قال البخاري: (باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى) وذكر أحاديث منها:
عن معاذ بن جبل قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ”يَا مُعَاذُ أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟“ قَالَ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: ”أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِى مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ ؟» قَال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم. قَال: «أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ.“

2. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ:
”إِنَّكَ سَتَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ...“ الحديث . [صحيح البخاري ومسلم]
وفي رواية: ”... فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ ...“ الحديث. [صحيح البخاري ومسلم]
وفي رواية: ”... فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ ...“ الحديث. [صحيح البخاري]
قال ابن حجر العسقلاني في هذه الروايات الثلاث:
(ويُجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما.) (8)
وقال في موضع آخر: (ووجه الجمع بينها أن المراد بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين، والإشارة بقوله ذلك إلى التوحيد، وقوله: « فإذا عرفوا الله » أي عرفوا توحيد الله، والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة وبالله التوفيق.) (9)

3. قال البيهقي (458 هـ) : (الباب الأول في توحيد الله في عبادته دون سواه) ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:
”مَنْ وَحَّدَ اللهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.“ (10) [صحيح مسلم]

من أقوال السلف والعلماء:
قال قَتادة (117 هـ/ تابعي) في قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف : 28]: (التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده.) (11)
قال يحيى بن سلَّام (200 هـ) : (فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وحدوا الله {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُون} كل من عبد غير الله سبحانه فقد افترى الكذب على الله تعالى لأن الله عز وجل أمر العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) (12)
قال ابن جرير الطبري (310 هـ) في تفسير قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة : 132]: (قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: {ووصى بها}، ووصى بهذه الكلمة. عنى بـ"الكلمة" قوله: {أسلمت لرب العالمين}، وهي "الإسلام" الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له.) (13)
قال أبو جعفر النحَّاس (338 هـ) : (روى مَعْمر عن قتادة: قال: {الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل : 60] : لا إله إلا الله.
ورَوى سعيد عن قتادة قال: {الْمَثَلُ الْأَعْلَى}: الإخلاص، والتوحيد.
والمعنيان واحد، أي لله عز وجل التوحيد ونفي كل معبود دونه.) (14)
قال ابن كثير (774 هـ) في تفسيره: (ثم قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التغابن : 13] فالأول خَبَرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية (17) له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه) (18)
وغيرهم كثير، اقتصرنا على هذا القدر للاختصار.

التوحيد: أصل دعوة الرسل أجمعين
جميع الرسل:
قال الله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 25]
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]
{إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [فصلت : 14 ، 15]

أفرادهم:
نوح عليه السلام:
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون : 23 ، 24]
إبراهيم عليه السلام
{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت : 16 ، 17]
هود عليه السلام
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف : 65]
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف : 70]
صالح عليه السلام
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف : 73]
شعيب عليه السلام
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف : 85]
يعقوب عليه السلام
{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة : 133]
عيسى عليه السلام
{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة : 72 ، 73]
محمد صلى الله عليه وسلم
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر : 11 - 14]

من السنة:
عن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول: لَمَّا بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ ”إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ“. [صحيح البخاري]

من أقوال السلف والعلماء:
قال قتادة (117 هـ) : (قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل.) (19)
قال ابن جرير الطبري (310 هـ) : (يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السماوات والأرض، تصلح العبادة له سواي فاعبدون يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهية.) (20)
قال ابن كثير (774 هـ) : (ثم فسرها بقوله: {أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} لا وَثَنا، ولا صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا، بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل)
وقال: (جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له.) (21)
وقال: (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد"، يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة :48]) (22)
قال الملا علي القاري (1014 هـ) في شرحه للفقه الأكبر (ص49) : (وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاءً بما هو ظاهر في مقام الشهود؛ ففي التنزيل: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...} [إبراهيم : 10]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...} [العنكبوت : 61]، فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم : 30] ، ويومئ إليه حديث «كل مولود يولد على فطرة الإسلام» وإنما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبيان التوحيد وتبيان التفريد، ولذا أطبقت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة: لا إله إلا الله، ولم يُؤمَروا بأن يَأمُروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس : 18] و{ا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر : 3]، على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد.)

قد بيّنا فيما سبقأن الحكمة التي من أجلها خُلِق الخَلق هي عبادة الله وحده، ونفي كل معبود سواه، وهو التوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل أجمعين.
والدعوة إلى توحيد العبادة تتضمن أمورا أخرى هي أيضا من التوحيد، منها الإيمان بكمال بربوبية [1] الله عز وجل، حيث إن الله عز وجل احتجَّ على استحقاقه وحده للعبادة بانفراده بالخلق والملك والتدبير، والآيات في هذا كثيرة جدا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر : 3]
وقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام : 102]

وبيّن الله فساد القول بوجود إله آخر بإبطال القول بوجود خالق آخر، فقال:
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء : 22] لأنه لو كان هناك إله آخر مستحق للعبادة لكان مشارك لله في الخلق و{لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون} [المؤمنون : 91]
وغير ذلك آيات كثيرة سنفرد لها مقالا إن شاء الله تعالى.

فاعتقاد استحقاق الله وحده للعبادة يتضمن اعتقاد وجود الله عز وجل وأنه وحده الرب الخالق، فلو لم يعتقد ذلك لما عَبَدَ الله لعدم إيمانه بوجوده أصلا.
واعتقاد انفراده بالربوبية يستلزم اعتقاد أن الله واحد لا مثل له، فكما أنه لا خالق غيره فإنه لا إله غيره، وعلى هذا فما سواه مخلوق مربوب، وهو واحد لا شريك له.
فبَيْن كل هذه الأمور تلازم.


ولما كان مشركو العرب مقرين بأصل ربوبية الله عز وجل، بأنه هو الخالق المالك الرازق المدبر، احتجَّ الله تعالى عليهم بإقرارهم بتلك الأمور وأنه يلزمهم أن يفردوه بالعبادة، ومن أدلة كون مشركي العرب مقرين بربوبية الله في الجملة قوله تعالى:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت : 61]
وفي الحديث: ”كان المشركون يقولون في تلبيتهم «لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلاَّ شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ.“ [صحيح مسلم]

قال قتادة (تابعي) : «قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} في إيمانهم هذا. إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه ، وهو مشرك في عبادته» (2)
قال ابن جرير الطبري (310 هـ) : (وذلك أن الله جلّ ثناؤه وبَّخ هؤلاء المشركين، الذين يجعلون له من خلقه آلهة يعبدونها، وأشركوهم في عبادتهم إياه، وهم مع ذلك يقرّون بأنها خَلْقُه وهم عبيده) (3)

ومع إقرار المشركين العرب بأصل الربوبية لله عز وجل، من الخلق والملك والرزق وغيرها، فإنهم كانوا يشركون في بعض أفراد صفات الربوبية كاعتقادهم تأثير بعض الأنواء بكونها منزلةً للمطر أو سبباً لنزوله، واعتقادهم النفع والضر في أصنامهم، وغير ذلك.

ولكن إقرارهم جملةً بربوبية الله عز وجل وأنه خالق كل شيء ومالكه ومن ضمنها الآلهة التي كانوا يعبدونها، كان حُجّة عليهم في عبادة الله وحده من دونها، فربُّ العالمين الذي خلق وملك كل ما يعبدونه من دون الله هو الأحق بالعبادة، فكيف يُعبد من هو مخلوق مملوك مربوب مع الخالق المالك لها؟
ولهذا حجَّ الله المشركين بكونه الخالق والمالك لكل شيء بما في ذلك الأصنام والآلهة الأخرى، على استحقاقه وحده للعبادة من دونها.

قال الله تعالى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد : 16]
معنى الآية هو أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا: "هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها"، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق.

قال ابن جرير الطبري (310 هـ) : (وقوله: {قل الله خالق كل شيء}، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين إذا أقرُّوا لك أن أوثانهم التي أشركوها في عبادة الله لا تخلق شيئًا: فاللهُ خالقكم وخالق أوثانكم، وخالق كل شيء، فما وجهُ إشراكِكم ما لا تَخلُقُ ولا تَضرُّ ؟ ) (4)
قال ابن كثير (774 هـ) : (إنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم يعترفون أنها مخلوقة له عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وكما أخبر تعالى عنهم في قوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] فأنكر تعالى ذلك عليهم، حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحدإلا بإذنه، {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 -95] فإذا كان الجميع عبيدا، فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الرأي والاختراع والابتداع؟ ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة) (5)

وقال سبحانه بعد ذكره لعجائب خلقه وتدبيره: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل : 17-18]
قال ابن جرير الطبري: (يقول تعالى ذكره لعَبَدةِ الأوثان والأصنام: أفمن يخلقُ هذه الخلائق العجيبة، التي عدَّدناها عليكم، ويُنْعِمُ عليكم هذه النَّعم العظيمة، كمن لا يخلق شيئا، ولا يُنعِمُ عليكم نعمة صغيرةً ولا كبيرةً. يقول: أتُشركون هذا في عبادة هذا؟) ثم قال: (قال لهم جلَّ ثناؤه مُوَبَّخَّهم: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أيها الناس. يقول: أفلا تذكرون نِعمَ الله عليكم، وعظيم سُلطانه وقدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفَها ومهانتَها، وأنها لا تجلُبُ إلى نفسها نفعًا، ولا تَدفعُ عنها ضُرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مُقيمون، من عبادِتكُموها، وإقرارِكم لها بالألُوهة.) [6]

وقد حَجَّ موسى عليه السلام فرعون بذلك، فقال الله عز وجل حاكيًا ما حصل بين موسى عليه السلام وفرعون، عندما دعاهم موسى عليه السلام لعبادة رب العالمين: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء : 23 - 29]
كان فرعون طاغية في غاية الاستكبار حتى إنه ادَّعى الربوبية ، واسْتَخَفَّ عقول قومه فدعاهم إلى الضلالة، فأطاعوه وكذَّبوا موسى، واستضعف بني إسرائيل واستعبدهم ، حتى لم يجرؤوا على إنكار دعواه أو إظهار ما يخالفها إذ كان عقاب من يفعل ذلك التعذيب المريع، والقتل الشنيع فنشأة ناشئتهم على هذه الدعوى الباطلة ما بين معتقد لها مصدق بها ومنكر في نفسه غير قادر على الجهر بالحق. فلما دعاهم موسى عليه السلام إلى عبادة الله وحده، إلى عبادة رب العالمين، ربهم ورب آبائهم، قال فرعون لقومه إن موسى الذي يدَّعي الرسالة مجنون، لأنه يقول ما لا يعرفونه ويعقلونه، فقد كان قوم فرعون الأقباط قد نشأوا على أن ملكهم فرعون هو ربهم، وكان آباؤهم الذين مضوا معتقدين ملوكهم أربابا، وكانوا يرون أن الذي لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل (7). فأجاب موسى عليه السلام مبيِّنّا مَن ربُّ العالمين بصفاته التي لا يتصف بها سواه: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} و{رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعلقون} أي خالق ومالك السموات والأرض وما بينهما، وخالق ومالك المشرق والمغرب وما بينهما.(8) وفي آية أخرى لمَّا قال فرعون فيما حكاه الله عنه: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى* قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه : 49 - 50]
قال ابن جرير الطبري: (فلما أخبرَهم عليه السلام بالأمر الذي علِموا أنه الحق الواضح، إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر، لم يُجاوز مُلكُهم عريش مصر، وتبَيَّن لفرعون ولمن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادته، هو الملِكُ الذي يَمْلِكُ الملوك – قال فرعون حينئذ؛ استكبارًا عن الحق وتماديًا في الغيَّ لموسى: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}) (9)

فكل من ادعّى الربوبية واستعبد بها الناس، كان مَحْجُوجًا بِنَقصِ ربوبيته ومطلق ربوبية الله عز وجل، وأنه رب كل شيء وخالقه، بما في ذلك مُدَّعي الربوبية، فاستحق بذلك العبادة من دونهم.

وإضافة إلى ذلك، فإن في نفس تلك الآيات التي حَجَّ الله فيها المشركين، أدلة على وجود الله عز وجل، بذكر انتظام سير الكون وابداع الخلق وغير ذلك، فهي حُجّة على الدَّهرية (10) وكل من يُنكر وجود الله عز وجل وخالقيته. ولعلنا نفرد مقالا لذلك إن يسر الله.
فمن تأمل وتدبر كلام الله وجد أن كل هذه الأمور مرتبطة بعضها ببعض.


وقد اجتمع كل ما ذكرناه مما يتمضنه التوحيد في آية واحدة:
في آية الكرسي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة : 255]
هذه أعظم آية في كتاب الله عز وجل، تشتمل على ربوبية الله ووحدانيته وعلى أسماء الله وصفاته، جمع الله فيها بين النفي والإثبات‏:‏ نفي النقائص والعيوب عنه، وإثبات الكمال له سبحانه وتعالى‏.
سنقتصر على ذكر بعض أجزاءه التي فيها ذكر لكل ما يتضمنه توحيد الله عز وجل:
فتوحيد العبادة في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي: لا معبود بحق إلا هو.
والربوبية في قوله تعالى {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فهو مالك السماوات والأرض وما فيهن.
والأسماء والصفات في قوله {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقوله {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}

واجتمع التوحيد كله أيضا في قوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم : 65]
الربوبية: {رب السماوات والأرض وما بينهما}
العبودية: {فاعبده واصطبر لعبادته}
في أسمائه وصفاته {هل تعلم له سميًّا} سميًّا: أي مثلا أو شبيها.

واجتمعت في سورة الفاتحة:
قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: إثبات ربوبيته لكل الخلق.
وقوله {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: ذكر لأسمائه وصفاته.
وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: توحيده في العبادة.

وفي سورة الناس:
الربوبية في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}
والصفات في قوله {مَلِكِ النَّاسِ}
والألوهية/ العبودية في قوله {إِلَه (11) النَّاسِ}
وغير ذلك من الآيات والسور.


أما في السنة فقد اجتمعت في امتحان النبي صلى الله عليه وسلم لعدد من الجواري، فقد حصلت عدة أحداث احتيج فيها لاعتاق رقبة مؤمنة، فتنوعت أسئلته للجواري، ومن تلك الأسئلة:
1. «تشهدين أن لا إله إلا الله ؟»:
عَنْ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ فَقَال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا.
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ”أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟“ قَالَت: "نَعَمْ."
قَالَ: ”أفَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟“ قَالَتْ: "نَعَمْ"
قَالَ: ”أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْت؟“ قَالَتْ: "نَعَمْ."
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ”أَعْتِقْهَا“ (12)

2. « من ربك؟ »
عن الشَّرِيد (بن سويد الثقفي رضي الله عنه) :
أَنَّ أُمَّهُ أَوْصَتْ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِك،َ فَقَال: "عِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ ْ نُوبِيَّةٌ، فَأَعْتِقُهَا؟ "
فَقَالَ: ”ائْتِ بِهَا“ فَدَعَوْتُهَا، فَجَاءَتْ،
فَقَالَ لَهَا: ”مَنْ رَبُّكِ؟“ قَالَتْ: "اللَّهُ"
قَالَ: (مَنْ أَنَا؟) فَقَالَتْ: "أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ."
قَال:َ ”أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ“ [مسند الإمام أحمد] (13)

3. « أين الله؟ »:
عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال:
وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟»
قَالَ: ”ائْتِنِي بِهَا“ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: ”أَيْنَ اللَّهُ“، قَالَتْ: «فِي السَّمَاءِ.»
قَالَ: ”مَنْ أَنَا“ قَالَتْ: «أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.»
قَالَ: ”أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ“ [صحيح مسلم]


فالأول سؤال عن اعتقاد الجارية في وحدانية الله في العبادة.
والثاني سؤال عن ربها.
والثالث سؤال في صفة من صفات الله عز وجل، وهي علوه فوق خلقه.

فالله:
واحد لا رب سواه
واحد لا إله غيره
واحد لا مثل له


وما ذكرناه قد ذكره بعض السلف والأئمة من بعدهم في كلامهم في التوحيد، منهم:

قال البخاري (256 هـ) في صحيحه:
(بَاب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى)
فذكر فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ”يَا مُعَاذُ أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ “ قَالَ: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» قال: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا».ا.هـ وهذا توحيد الله في العبادة.
وذكر الحديث: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال:َ”سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِك“َ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: «لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا» فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ”أخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ.“ وهذه في الربوبية والأسماء والصفات، كما هو بَيّن في معنى سورة الإخلاص، وكونه صفة الرحمن، الله عز وجل.

قال محمد بن نصر المروزي (294 هـ) :
«الحمد لله الممتن على عباده المؤمنين بما دَلّهم عليه من معرفته، وشرح صدورهم للإيمان به، والإخلاص بالتوحيد لربوبيته، وخلع كل معبود سواه)
وقال في موضع آخر عند حديثه عن الإسلام والإيمان:
(إلا أن له أصلا وفرعًا فأصله الإقرار بالقلب عن المعرفة، وهو الخضوع لله بالعبودية، والخضوع له بالربوبية، وكذلك خضوع اللسان بالإقرار بالإلهية بالإخلاص له من القلب، واللسان، أنه واحد لا شريك له، ثم فروع هذين الخضوع له بأداء الفرائض كلها) (14)

قال ابن جرير الطبري (310 هـ) : (يقول: فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته، وأخلصوا له العبادة ، وأفردوا له الألوهية والربوبية، بالذلة منكم له ، دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة) (15)
وقال: (وأما قوله: {لا إله إلا هو}، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه) (16)

قال أبو جعفر الطحاوي (321 هـ) في عقيدته المشهورة بالعقيدة الطحاوية:
(نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله ‏:‏ إن الله واحد لا شريك له،
ولا شيء مثله ، [في الصفات]
ولا شيء يعجزه ، [الربوبية]
ولا إله غيره ‏.) [الألوهية وهي العبودية]

قال أبو منصور الأزهري (370 هـ) :
("الواحد" في صفة الله تعالى له معنيان:
أحدهما: أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء، والعرب يقول فلان واحد قومه، إذا لم يكن له نظير.
والمعنى الثاني: أنه إله واحد ورب واحد ليس له في ألوهيته وربوبيته شريك.) (17)

قال ابن بطة العكبري (387 هـ) :
(وذلك أن أصل الايمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الايمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد آنيته (18) ليكون بذلك مباينا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعا.
والثاني:أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه؛ إذ قد علمنا أن كثيرا ممن يقربه ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته؛ فيكون إلحاده في صفاته قادحا في توحيده.
ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة في هذه الثلاث والايمان بها.) (19)

قال أبو بكر الباقلاني (403 هـ) :
(والتوحيد له هو: الإقرار بأنه ثابت موجود: وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء.)
وقال في موضع آخر: (وكذلك قولنا أحد، وفرد وجود ذلك إنما نريد به أنه لا شبيه له ولا نظير، ونريد بذلك أن ليس معه من يستحق الإلهية سواه، وقد قال تعالى: {إنما اللّه إله واحد} ومعناه: لا إله إلا الله.) (20)

وغيرهم. اقتصرنا على من ذكرناهم اختصارًا.


http://as-salaf.com/category.php?cid=11&lang=ar

الآية:
قال الله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } الآية [الملك: 16-17]

حديث الجارية:
عن معاوية بن الحكم قال: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟»
قَالَ: ”ائْتِنِي بِهَا“ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: ”أَيْنَ اللَّهُ“، قَالَتْ: «فِي السَّمَاءِ.»
قَالَ: ”مَنْ أَنَا“ قَالَتْ: «أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.»
قَالَ: ”أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ“ [صحيح مسلم]


اتفق أئمة المسلمين على أن كلمة «في السماء» في الآية وحديث الجارية ليست بمعنى داخل السماء، فتعالى سبحانه أن يكون حالَ في شيءٍ من المخلوقات أو أنها تحَويِه، فهذا معنى باطل قد أجمع أئمة السلف على خِلافِه، وفسروها بما يوافق اللغة، والنصوص الشرعية الكثيرة، والعقل، والفطرة.

ففسر أهل العلم "السماء" بالعرش، لأن معنى السماء في اللغة هو سقف الشيء، والعرش سقف المخلوقات، فهو فوق المخلوقات كلها، وكل المخلوقات تحته.
قال الزجاج (311 هـ) : (السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سَمَا يَسمُو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: السَّماءُ، لأنها عالية.) [1]
وقال ابن فارس (395 هـ) : (والسماء: سقف البيت. وكلُّ عالٍ مطلٍّ سماء، حتَّى يقال لظهر الفرس سَماء) [2]


وفُسِّرت «في» بـ«على» :

قال أبو بكر أحمد الصبغي (342 هـ) : (قد تضع العرب «في» بموضع «على» قال الله عز وجل: {فسيحوا في الأرض}، وقال {لأصلبنكم في جذوع النخل} ومعناه: على الأرض وعلى النخل ، فكذلك قوله: {في السماء} أي على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم) [3]
قال الحارث المحاسبي (ت 243 هـ) في معناها: (يعني فوق العرش، والعرش على السماء لأن من كان فوق شيء على السماء فهو في السماء) [4]
قال أبو بكر البيهقي (458هـ) : (وقال {أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وأراد من فوق السماء ، كما قال {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه : 71] يعني على جذوع النخل ، وقال {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} [التوبة : 2] يعني على الأرض ، وكل ما علا فهو سماء ، والعرش أعلى السماوات ، فمعنى الآية والله أعلم: أأمنتم من على العرش ، كما صرح به في سائر الآيات) [5]
فمعنى «في السماء» في الآية وحديث الجارية: فوق السماء على العرش.


المقصود بـ"مَن" في الآية: هو الله -عز وجل-:

- جواب الجارية على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ”أين الله؟“ بـ: «في السماء»، فشهد لها بالإيمان.
- قال محمد بن يزيد المبرد (286 هـ) : (والسؤال عن كل ما يعقل بـ"مَن" كما قال عز وجل: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}. فـ"مَن" لله عز وجل) (6)
- قال ابن جرير الطبري (310 هـ) : {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وهو الله. (7)
- قال ابن أبي زَمَنِين (399هـ) : {من في السماء} يعني نفسه. (8)
- قال أبو المظفر السمعاني (489 هـ) في تفسير الآية: أأمنتم ربكم. (9)
قال الله تعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}

الله في السمااء وعلمه في كل مكان

الصفات نثبتها على ظاهرها الاستغاثة بغير الله شرك
.

[COLOR=window****]
http://as-salaf.com/

sultan.com/a

يوسف التازي
14-01-15, 03:16 PM
التشبيه في صفاتالله


أولا: التشبيه في صفات الله عز وجل يكون بتشبيه صفات لله بصفاتالمخلوق: كأن يعتقد المسلم أو يقول: حياة الله مثل حياة المخلوقين، أو كلامالله مثل كلام البشر، أو وجه الله كوجه المخلوقين .. إلخ. فيكون نفي التشبيهوالتمثيل (أي التنزيه) باعتقاد أن صفات الله عز وجل ليست كصفات المخلوقين، وأنهاعلى صفة تليق بجلال الله وكماله لا نعلمها، وعلينا الإيمان والتسليم.


- قالإسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثلسمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالىيد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كماقال الله تعالى فى كتابه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ } » (7)


- قالخُشَيْش بن أصرم (ت. 253 هـ) في "الاستقامة" : «وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه،ووصف نفسه في كتابه، قال الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌوَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، ثم أخبر عن خلقه، فقال عز وجل {فَجَعَلْنَاهُسَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان : 2]. فهذه صفةمن صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنَّا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولابصره كأبصارهم ...) ثم ذكر أدلة على أن الله يسمع ويرى، إضافة إلى صفات أخرى، ثمقال: (فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وإنما أوجب الله على المؤمنيناتباع كتابه وسنة رسوله.» (8)


- قالعثمانالدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
«وادعى المعارض أيضا أن المقري حدَّث عن حرملة بن عمران عن أبي موسىيونس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: {سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : 58] فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه (9). وقد عرفنا هذا من روايةالمقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصرًابعين كعين وسمعًا كسمع جارحًا مركبًا.
فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهمأنهم ثبتوا له سمعا وبصرا، فقد صدقت. وأما دعواك عليهم أنه كعينٍ وكسمعٍ فإنه كذبادعيت عليهم؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.
وأما دعواك أنهم يقولون: "جارح مركب" فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعينبلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول –صلى الله عليهوسلم-، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة: جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لايقوله أحد من العالمين: وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاببأسانيدها وألفاظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقول كما قال، ونعني بهاكما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.» (10)


- قالأبو إسحاق إبراهيم بن شاقلا الحنبلي (ت. 369هـ) لأبي سليمان الدمشقي – أحد أتباع ابن كُلاب- في مناظرة بينهما عندما قالله أبو سليمان: "أنتم المشبهة"، قال ابن شاقلا: (حاشا لله، المُشبِّه الذي يقول: وجهٌ كوجهِي، ويَدٌ كَيَدِي، فأما نحن فنقول: له وجهه، كما أثبت لنفسه وجهًا، ولهيدٌ، كما أثبتَ لنفسه يَداً، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11] ومنقال هذا فقد سَلِم.) (11)
- قالأبو عثمان الصابوني الشافعي (ت. 449 هـ) : (ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدمبيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله –عز من قائل- {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]. ولا يحرفون الكلام عن مواضعه، بحمل اليدين علىالنعمتين، أو القوتين؛ تحريف المعتزلة والجهمية – أهلكهم الله-، ولا يكيفونهمابكيف، أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة –خذلهم الله-.) (12)


- قالابن البنا الحنبلي (ت. 471 هـ) : (وأما المشبهةوالمجسمة فهم الذين يجعلون صفات الله -عز وجل- مثل صفات المخلوقين، وهم كفار.) (13)
- قال الحافظالذهبي (ت. 748) : (ليس يلزم منإثبات صفاته شيء من إثبات التشبيه والتجسيم، فإن التشبيه إنما يقال: يدٌ كيدنا ... وأما إذا قيل: يد لا تشبه الأيدي، كما أنّ ذاته لا تشبه الذوات، وسمعه لا يشبهالأسماع، وبصره لا يشبه الأبصار ولا فرق بين الجمع، فإن ذلك تنزيه.) (14)
- قالابن الوزير (ت. 840 هـ) : (وكذلك كل صفة يوصف بها الربسبحانه ويوصف بها العبد، وان الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص،والعبد يوصف بها محفوفة بالنقص، وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه، ولم يفسروه بنفيالصفات وتعطيلها كما صنعت الباطنية الملاحدة.) (15)



ثانيا: التشبيه والتمثيل يكون فيكيفيّة وحقيقة الصفة، أي كيف هي على الحقيقة، وليس في معنى الصفة. والخوض فيالكيفية تشبيه، فالإنسان يصف الشيء على ما يشاهده، والله {ليسكمثله شيء وهو السميع البصير}.


- قالعبد الرحمنبن مهدي (ت. 198 هـ) لِفَتى من ولد جعفر بن سليمان: «مكانك»
فقعد حتىتفرق الناس. ثم قال ابن مهدي: «تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكلذلك يجري مني على بالٍ رَضِي إلا أمرُك وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هَيِّنًا مالم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جلَّ وعَظُم.»
فقال (الغلام) : "ياأبا سعيد وما ذاك؟ "
قال: « بلغني أنكتتكلم في الرب تباركوتعالى وتصفه وتشبهه. »
فقال الغلام: "نعم". فأخذ يتكلم فيالصفة.
فقال: «رُويدك يا بُني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عنالمخلوقات فنحن عن الخالق اعجز واعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْآيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم : 18]
قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؟ قال: نعم. فعرف الحديث.
فقال عبدالرحمن: «صِف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح.» فبقي الغلام ينظرإليه.
فقال عبد الرحمن: «يا بُني فإني أُهوِّن عليك المسألة، واضع عنك خمس مائةوسبعة وتسعين (جناحًا)، صِف لي خلقا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًاغير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد، نحنقد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك إني قد رجعت عن ذلكواستغفر الله." (16)


قالابن عبد البر المالكي (ت. 463هـ) : (ومُحالٌ أن يكون مَن قال عن اللهِ ما هو في كتابه منصوصٌ مُشبهًا إذالم يُكيّف شيئا، وأقرّ أنه ليس كمثله شيء.) (40)
قالالحسينالبغوي الشافعي (ت. 510 هـ) في صفات الله عز وجل : (وكذلك كل ما جاء من هذاالقبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع ، والعين والمجيء ، والإتيان، فالإيمانبها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم ،والخائض فيها زائغ ، والمنكر معطل،والمُكيِّف مشبه،تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِشَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}) (17)



ثالثًا: الكلام في الصفات فرعٌ عنالكلام في الذات،فكما لم يلزم التشبيه في إثبات الذات، لم يلزم التشبيه فيإثبات الصفات.


قالأبو القاسم إسماعيل الأصبهانيالشافعي (ت. 535 هـ) بعد ذكر مجموعة من الآيات والأحاديث في صفات الله عزوجل : (فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مذهبنا فيهومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه .... والأصل فيهذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الله تعالى إنما هو إثباتوجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فإذاقلنا يد، وسمع، وبصر، ونحوها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولم يقل: معنى اليد: القوة، ولا معنى السمع والبصر: العلم والإدراك. ولا نشبهها بالأيدي والأسماعوالأبصار، ونقول إنما وجب إثباتها لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقولهتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُالْبَصِيرُ}، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جـاءت.) (18)



رابعا: الاشتراك في مطلق الاسم لا يقتضي التشبيهوالتمثيل:


- قالعثمان الدارمي (ت. 280هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
« إنمانصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم، عليم، حكيم،حليم، رحيم، لطيف، مؤمن، عزيز، جبار، متكبر. وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذهالأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة،كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوقوالمنظر واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أنوحدنا الله إلهًا واحدًا بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه فيكتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه، ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلاتظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم؛ إذ جهلتموه فإن التسمية في التشبيهبعيدة.» (19)


- قالابن خزيمة الشافعي (ت. 311هـ) : (نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارؤنا، ونقول: منله سمع وبصر من بني آدم فهو سميع بصير، ولا نقول أن هذا تشبيه المخلوق بالخالق.) (20)
وقـال: (ولو لزم - يا ذوى الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهميدين كما ثبتهما الله لنفسه، وثبتوا له نفسا -عز ربنا وجل-، وأنه سميع بصير، يسمعويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكًا، أوعظيمًا ورؤوفًا، ورحيمًا، وجبارًا، ومتكبرًا، أنه قد شبه خالقه -عز وجل- بخلقه، حاشلله أن يكون من وصف الله جل وعلا، بما وصف الله به نفسه، في كتابه، أو على لساننبيه المصطفى –صلى الله عليه وسلم- مشبها خالقه بخلقه.) (21)


- قالأبو عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي (ت. 429 هـ) في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى اللهعز وجل بهذه الإسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق منأسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذا سُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الإجتماع فيالتسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول فياللغة أن الإشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيهالأشياء بأنفسها أو بهيئات فيهاكالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويلبالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب إشتباها لاشتبهت الأشياء كلهالشمول إسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإنقالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبها للموجودين. وإن قالوا: موجودولا يوجب وجوده الإشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حيٌ، عالمٌ، قادرٌ،مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ، يعني ولا يلزم إشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات.) (23)


قالأبو نصر السجزي الحنفي (ت. 444 هـ) : (والأصل الذي يجب أن يُعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمّين بها، فنحنإذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حيٌّ عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي صلىالله عليه وسلم كان موجودًا حيًّا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، لم يكن ذلكتشبيها، ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديمقيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات.) (24)



خامسًا: كلمُعطل مُمثل، وكل مُمثل مُعطل: وذلك لأن المُعطِّل تصوّر التشبيه في ذهنهفنفى الصفة، والمُمثل عطَّل الصفة بتمثيله الخالق بالمخلوق، إذ ليست هي حقيقة الصفةكما أنه عطل النصوص.


قالابن بطة العكبري الحنبلي (ت. 387 هـ) في الإبانة: (الجهمية ترد هذه الأحاديث وتجحدها وتكذب الرواة، وفيتكذيبها لهذه الأحاديث رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاندة له، ومن رد علىرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله ؛ قال الله عز وجل : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُفَانْتَهُوا} [الحشر : 7] ، فإذا قامتالحُّجة على الجَهْمِي، وعلم صحة هذه الأحاديث ولم يقدر على جحدها، قال: الحديثصحيح، وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”ينزل ربنافي كل ليلة“ ينزل أمره. قلنا: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ”ينزل الله عز وجل“ ، ”وينزلربنا“ ولو أراد أمره لقال: «ينزل أمر ربنا». فيقول (الجهمي) : إن قلنا: "ينزل"، فقد قلنا: إنه يزول والله لا يزول، ولو كان ينزللزال؛ لأن كل نازل زائل.
فقلنا: أوَ لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن ربالعالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف؛ لأنكم إن جحدتمالآثار، وكذبتم بالحديث، رددتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، وكذبتمخبره، وإن قلتم: لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزلإلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان. لكنا نصدق نبينا صلىالله عليه وسلم ونقبل ما جاء به فإنا بذلك أمرنا وإليه ندبنا، فنقول كما قال: ”ينزل ربنا عز وجل“ ولا نقول : إنه يزول، بل ينزل كيف شاء،لا نصف نزوله، ولا نحدّه، ولا نقول: إن نزوله زواله.)




أقوال السلف الصالح والأئمة من بعدهم في تنزيه الله عنالتشبيه:


- قالعبد الرحمن بن القاسم (ت. 191هـ) صاحب الإمام مالك: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلابما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولا وجهه بشيء، ولكن يقول : لهيدان كما وصف نفسه في القرآن، وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه فيالكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصفنفسه» (25)
- قالنُعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه ويتركالتفكر في الرب تبارك وتعالى ويتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق". قال نعيم : ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيءمن الأشياء» (26)


- قالعثمان الدارمي (ت. 280هـ) : «وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كيده يد.» (27)
وقال: «وكما ليس كمثله شيء ليس كسمعه سمع ولا كبصرهبصر ولا لهما عند الخلق قياس ولا مثال ولا شبيه.» (28)
وقـال: «فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالىفي هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لاينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة (الجهمية) فعارضت آثاررسول الله برد، وتشمروا لدفعها بجد فقالوا: "كيف نزوله هذا؟" قلنا: لم نُكلف معرفةكيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أوصفة بفعالهم وصفتهم.» (29)


- قالابن أبيزَمَنِين المالكي الأندلسي (ت. 399 هـ) : (فهذه صفاتُ ربِّنا التي وصف بهانفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد، ولاتشبيه، ولا تقدير، فسبحان من {ليس كمثله شيء وهو السميعالبصير}. لم تره العيون فتحده كيف هو كَيْنُونِيته، لكن رأته القلوب فيحقائق الإيمان به.) (30)
- قاليحيى بن عمار الحنبلي (ت. 422 هـ) في رسالته إلى السلطان محمود: (ولا نحتاج في هذا الباب إلى قولٍأكثر من هذا أن نؤمن به، وننفي الكيفية عنه، ونتقي الشك فيه، ونوقن بأن ما قالهالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نتفكر في ذلك ولا نسلط عليهالوهم، والخاطر، والوسواس، وتعلم حقًّا يقينا أن كل ما تصور في همك ووهمك من كيفيةأو تشبيه، فإن الله سبحانه بخلافه وغيره.) (31)


وغيرهم كثير، اقتصرنا على ماذكرناه اختصارًا.




حُكمالتشبيه:
تشبيه صفات الله عز وجل كُفرٌ، فهو ردٌّ للنصوص كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُالْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4] وغيرها من نصوص التنزيه.


- قالنعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «من شبه الله بشيء من خلقه فقدكفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسولهتشبيه» (32)
- قالإسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «من وصف الله فشبه صفاته بصفت أحد من خلق الله فهو كافر باللهالعظيم، لأنه وصف بصفاته، إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول.» (33)
- يزيد بن هارون (ت. 206هـ) : قال شاذ بن يحيىالواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد، ما تقول فيالجهمية ؟
قال: «يُستتابون، إن الجهمية غلت ففرغت في غلوهاإلى أن نَفَت، وإنّ المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت. فالجهمية يستتابون،والمشبهة: كذى» رماهم بأمر عظيم. (34)




من علامات أهل البدع: تسميتهم لأهل السنة – أهل الأثر- بالمشبهة


- قالإسحاق بن راهويه (ت. 238هـ) : « علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة -وما أولعوا به من الكذب- أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يُقال لهم: همالمشبهة، لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولن: إن الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان بكماله،في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهمالكفر.» (35)


- قال أبو زرعة الرازي (ت. 264هـ) : «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجلالتي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكذبون بالأخبارالصحاح التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، ويتأولونها بآرائهمالمنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسبالواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه –صلى اللهعليه وسلم-، من غير تمثيل ولا تشبيه، إلى التشبيه فهو مُعطل نافٍ، ويُستدل عليهمبنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبدالله بن المبارك، ووكيع بن الجراح.» (36)
وقـال: «علامة الجمهية: تسميتهم أهل السنة مشبهة» (37)


- وقالأبو حاتم الرازي (ت. 277 هـ) : «وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة» (38)
- قالأبو عثمان الصابوني (ت. 449 هـ) : (وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملةأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشويّة، وجهلة،وظاهرية، ومشبهة. اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزلعن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم، من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوسصدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير، العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضةالباطلة {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْوَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [محمد : 23]، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج : 18].) (39)

يوسف التازي
14-01-15, 03:19 PM
الدارمي (ت. 280هـ) : «وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كيده يد.» (27)وقال: «وكما ليس كمثله شيء ليس كسمعه سمع ولا كبصرهبصر ولا لهما عند الخلق قياس ولا مثال ولا شبيه.» (28)وقـال: «فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالىفي هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لاينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة (الجهمية) فعارضت آثاررسول الله برد، وتشمروا لدفعها بجد فقالوا: "كيف نزوله هذا؟" قلنا: لم نُكلف معرفةكيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أوصفة بفعالهم وصفتهم.» (29)- قالابن أبيزَمَنِين المالكي الأندلسي (ت. 399 هـ) : (فهذه صفاتُ ربِّنا التي وصف بهانفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد، ولاتشبيه، ولا تقدير، فسبحان من {ليس كمثله شيء وهو السميعالبصير}. لم تره العيون فتحده كيف هو كَيْنُونِيته، لكن رأته القلوب فيحقائق الإيمان به.) (30)- قاليحيى بن عمار الحنبلي (ت. 422 هـ) في رسالته إلى السلطان محمود: (ولا نحتاج في هذا الباب إلى قولٍأكثر من هذا أن نؤمن به، وننفي الكيفية عنه، ونتقي الشك فيه، ونوقن بأن ما قالهالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نتفكر في ذلك ولا نسلط عليهالوهم، والخاطر، والوسواس، وتعلم حقًّا يقينا أن كل ما تصور في همك ووهمك من كيفيةأو تشبيه، فإن الله سبحانه بخلافه وغيره.) (31)وغيرهم كثير، اقتصرنا على ماذكرناه اختصارًا.حُكمالتشبيه:تشبيه صفات الله عز وجل كُفرٌ، فهو ردٌّ للنصوص كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُالْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4] وغيرها من نصوص التنزيه.- قالنعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «من شبه الله بشيء من خلقه فقدكفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسولهتشبيه» (32) - قالإسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «من وصف الله فشبه صفاته بصفت أحد من خلق الله فهو كافر باللهالعظيم، لأنه وصف بصفاته، إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول.» (33)- يزيد بن هارون (ت. 206هـ) : قال شاذ بن يحيىالواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد، ما تقول فيالجهمية ؟قال: «يُستتابون، إن الجهمية غلت ففرغت في غلوهاإلى أن نَفَت، وإنّ المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت. فالجهمية يستتابون،والمشبهة: كذى» رماهم بأمر عظيم. (34)من علامات أهل البدع: تسميتهم لأهل السنة – أهل الأثر- بالمشبهة- قالإسحاق بن راهويه (ت. 238هـ) : « علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة -وما أولعوا به من الكذب- أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يُقال لهم: همالمشبهة، لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولن: إن الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان بكماله،في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهمالكفر.» (35)- قال أبو زرعة الرازي (ت. 264هـ) : «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجلالتي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكذبون بالأخبارالصحاح التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، ويتأولونها بآرائهمالمنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسبالواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه –صلى اللهعليه وسلم-، من غير تمثيل ولا تشبيه، إلى التشبيه فهو مُعطل نافٍ، ويُستدل عليهمبنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبدالله بن المبارك، ووكيع بن الجراح.» (36)وقـال: «علامة الجمهية: تسميتهم أهل السنة مشبهة» (37)- وقالأبو حاتم الرازي (ت. 277 هـ) : «وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة» (38)- قالأبو عثمان الصابوني (ت. 449 هـ) : (وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملةأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشويّة، وجهلة،وظاهرية، ومشبهة. اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزلعن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم، من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوسصدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير، العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضةالباطلة {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْوَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [محمد : 23]، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج : 18].) (39)

يوسف التازي
14-01-15, 03:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



- أحمد بن حنبل (241 هـ) : قالأبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية فيالصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله،وقال : « قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت، قال : فقلت له : إنرجلا اعترض في بعض هذه الأخبار كما جاءت، فقال : «يجفى»، وقال: «ما اعتراضه في هذاالموضع، يسلم الأخبار كما جاءت.» (6)
- وقال عبد الله: سألت أبي (الإمامأحمد بن حنبل) رحمه الله عن قوم يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى إن ربك عز وجل تكلم بصوت، هذه الاحاديث نرويها كما جاءت. (13)



- قالأبو عيسى الترمذي (279 هـ) : «وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذاما يُذكر فيهأمرُ الرؤية أن الناس يرون ربهم وذِكرُالقَدَم وما أشبه هذه الأشياء. والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثلسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رَوَواهذه الأشياء، ثمَّ قالوا: " تُرْوى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يُقالُ: كَيفَ ؟،وهذا الذي اخْتَاره أهل الحديث أن يَرْووا هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولاتُفسر ولا تتوهَّمُ ولا يُقالُ: كيفَ، وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبواإليه. ومعنى قوله في الحديث "فيعرفهم نفسه" يعني يتجلى لهم.» (7)


وقالابن أبي عاصم (ت. 287 هـ) : "ومما اتفقأهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: ... وإثبات رؤية الله عز وجل، يراه أولياؤه فيالآخرة، نظر عيان، كما جاءت الأخبار." (14)




معناها:


يتضح معنى قولهم «أمروها كما جاءت» بما ورد في هذه الآثار التي تُبيّنإثباتهم للمعنى الظاهر قولا واحدًا، فقد ورد في عدد منها ذكر أحاديث الرؤية معأحاديث الصفات أو ذكرها منفردة،؛ وأحاديث الرؤية واضحة مفهومة المعنى، كان السلفالصالح يؤمنون بها على ظاهرها وهو رؤية الله عز وجل في الآخرة بأبصارهم عيَانًا منغير تكييف (18)، وقد نقلنا الآثار الصحيحة في ذلك عنهم -رحمهم الله- في مقال"رؤية الله عز وجل".
وقال هذه العبارة الإمامأحمد في حديث الصوت كما تقدم، حيث صرح بأن معنى الحديث على ظاهره، وهو أن الله عزوجل تكلم بصوت.
وكذلك في أثر الإمام أحمد عندما قال له أبو بكر المروذي: "إنرجلا اعترض في بعض هذه الأخباركما جاءت"، فلو كانمعنى "أمروها كما جاءت" تعني فقط الإيمان باللفظ دون أي معنى يُفهم منه لما كانهناك مجال
للاعتراض، ولكن لأن معناها الإيمان بها على ظاهرها اعترض بعض الجهلةعلى ذلك لظنهم أن اعتقاد ظاهرها يعنيالتشبيه، وهو ليسكذلك.


ومعنى قولنا: «المعنى الظاهر» أو «على ظاهرها» أي: على المعنى الظاهر الواضح من السياق (17). وما يلي بعض الأمثلة التي توضح المقصود:
مثال 1 : "وأنا في أفريقيا شاهدت أسدًاوهو ينقض على فريسته."
هنا ظاهر الكلام أن الأسد الذي انقض على فريسته هوالحيوان المعروف.
مثال 2 : " كان خالد في ساحة القتال أسدًا."
ظاهره أنالمقصود هو الشجاعة وليس الحيوان.


فهذا هو منهج السلف مع نصوص الصفات كقولهتعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَاخَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص : 75]
فأمَرّالسلف هذه الآية على ظاهرها وهو أن الله عز وجل خلق آدم بيديه التي هي صفة له،وآمَنوا بأن لله يدين تليق بجلاله لا تشبه أيدي المخلوقات.


ويؤيد صحة ماذهبنا إليه ما قاله الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: « كـلشيء وصفالله به نفسهفي كتابه...» فلم يستثن رحمهالله أي صفة وردت في القرآن الكريم؛ إذًا كلامه يشمل كل صفة مذكورة في القرآنالكريم ولا يحتمل المقام التفريق بين صفة وأخرى لهذا قال بعض المحققين: «القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر» أي لا مجالللتفريق في حكم الإيمان بين صفة العلم واليد، بل كلها تُساق مساقًا واحدا وهو إثباتالمعنى الظاهر المفهوم وتفويض الكيفية إلى الله عز وجل. ومن الصفات المذكورة فيالقرآن الكريم: الحياة، والعلم، والسمع، والإرادة، والبصر، والقوة والكلام،والرحمة، والوجه، والغضب، واليدين، وغير ذلك كثير، ولا شك أن السلف الصالح أثبتواصفة الحياة والعلم والإرادة وغيرها على معناها الظاهر من غير تمثيل ولا تكييف، فعلىهذا فإن كل صفة أخرى ذُكرت في القرآن الكريم تأخذ نفس الحكم, و من فرّق في الإيمانبين صفة وأخرى فهذا محض تحكّم وهوى لا دليل عليه من الكتاب أو السنة أو أقول سلفالأمة.


وبهذا التفصيل يتضح معنى قولهم " تُمر كماجاءت" و" قراءته تفسيره" : أي على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريفولا تمثيلولا تكييف




ومما يؤكد ذلكتفسير العلماء السابقين لها:


قالأبو منصور الأزهري (282 - 370 هـ) - بعد ذكر حديث أن جهنمتمتلئ حتى يضع الله فيها قدمه- : (وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباسالدُّورِي أنه سأل أبا عبيدٍ عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية فقال: "هذه أحاديث رواها لنا الثقاتُ عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي عليه السلام؛ ومارأينا أحدًا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها." أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت. (8)


وقالأبو سليمان الخطابي (ت. 388 هـ) في حديث النزول: (هذا الحديثوما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها،وإجراءها على ظاهرهاونفي الكيفية عنها.) ثم ذكر آثار السلفالتي فيها "أمروها كما جاءت." (9)


وقالأبو القاسمإسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ)، وقد سُئل عن صفات الرب تعالى فقال: (مذهبمالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيىبن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بهانفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هيعلى ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابنعيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره» ثمقال: أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع منالتأويل.) (10)


وقالالذهبي (ت. 748 هـ) : (وكما قال سفيان وغيره "قراءتها تفسيرها"،يعني أنها بينةواضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلفمع إتفاقهم أيضا أنها لا تُشْبِه صفات البشر بوجه إذ الباري لا مثل له لا في ذاتهولا في صفاته.) (11)



إضافة إلى أقوال أخرى للسلف والعلماء المتقدمينوالمتأخرين في بيان عقيدة السلف الصالح، والتي سيُفرد لها مقال إن شاءالله.




معنى قول الإمام أحمد: "بلا كيف ولامعنى"


ورد أثر عنالإمام أحمدرحمه اللهفيه أنه قال: « الأحاديث التي تُروى "إن الله تبارك وتعالىينزل إلى سماء الدنيا"، و«الله يُرى»، وأنه يضع قدمه، وما أشبه بذلك، نؤمن بها،ونصدق ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئا منها ...» إلخ


وعلى القولبصحة هذه الرواية فإن معنى قوله رحمه الله: "ولا معنى" أنه لا معنى إلا ما ورد فيظاهر النص، ومما يدل على ذلك أنه ورد في لفظٍ آخر لهذه الرواية عند ابن بطة فيكتابه "الإبانة الكبرى"، وعند ابن قدامة في كتابه "تحريم النظر في كتب الكلام" أنهقال: "بلا كيف ولا معنى إلا علىما وصف به نفسه تعالى."
ويدل على ذلك أيضا أن الإمام أحمد ذكر من ضمن الأحاديثحديث الرؤية، وهي من الأحاديث التي يثبتها السلف الصالح على ظاهرها من غير تكييف،ولا يؤمنون بمجرد لفظها دون معنًا يُفهم منه. وقد صرح الإمام أحمد في قول آخر لهبالإيمان بحديث الرؤية على ظاهره، فقال:
«والإيمان بالرؤيةيوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من الأحاديث الصحاح، وأن النبيصلى الله عليه و سلم قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه و سلمصحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس،ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندناعلى ظاهره كما جاءعن النبي صلى الله عليه و سلم، والكلام فيهبدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا تناظر فيه أحدا.» (12)


ومما يؤكد ذلك أن الإمام أحمد رحمه الله قال مثل عبارة: "أمروها كماجاءت" في غير أحاديث الصفات، ولا يُعقل أن يقصد تفويض المعنى، من تلكالآثار:


- سُئِل الإمام أحمد عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي اللهعنه: ”من كنت مولاه فعلي مولاه“ ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا،دع الحديث كما جاء. » (15)
- قال أبو بكر المروذي: سألتُ أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن قولالنبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ”أنت منيبمنزلة هارون من موسى“ ايش تفسيره؟ قال: «أسكت عن هذا،لا تسأل عن ذا،الخبر كما جاء. » (16)
بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

منهج السلف الصالح في نصوص صفات الله عز وجل هو الإيمان بها على ظاهرها بلا تشبيهٍ لها بصفات المخلوقين، ولا خوض في كيفيتها(1)، فالواجب في أسماء الله وصفاته هو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه العزيز، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، مع نفي التمثيل، وتفويض كيفيتها إلى الله عز وجل.
ولا تُصرف الآيات والأحاديث عن ظاهرها إلا بدليل صحيح، خلافاً لما يفعله كثير من أهل البدع، حيث صرفوا كثير من نصوص الصفات عن ظاهرها اتباعًا لأهوائهم، ولما توهموه من أدلة عقلية وإنما هي شبهات، فأخطئوا فهم النصوص وأساءوا في تأويلها بدعوى التنزيه؛ وكذا فعل غيرهم مع نصوص الوعد والوعيد وغيرها، فادّعوا المجاز في كثير من الآيات والأحاديث، وأولوا النصوص فألحدوا فيها.
قال أبو منصور الازهري الشافعي (282-370هـ) بعد ذكره لإلحاد المشركين في أسماء الله: «وملحدوا زماننا هذا: هؤلاء الذين تلقبوا بـ"الباطنية" وادعوا أن للقرآن ظاهرًا وباطنا، وأن علم الباطن فيه معهم، فأحالوا شرائع الإسلام بما تأولوا فيها من الباطن الذي يخالف ظاهر العربية التي بها نزل القرآن، وكل باطن يدعيه مدع في كتاب الله عز وجل مُخالف ظاهر كلام العرب الذين خوطبوا به فهو باطل، لأنه إذا جاز لهم أ، يدعوا فيه باطنا خلاف الظاهر، جاز لغيرهم ذلك، وهو إبطال الأصل. وإنما زاغوا عن إنكار القرآن ولاذوا بالباطل الذي تأولوه ليغروا به الغرّ الجاهل، ولئلا يُنسبوا إلى التعطيل والزندقة.» (2)

يوسف التازي
14-01-15, 03:26 PM
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت. 795 هـ) عند حديثه عن نصوص الصفات: «وكان السلف ينسبون تأويل (3) هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهْمّا وأصحابه أولُ من اشتهر عنهم أن الله تعالى مُنزّهٌ عما دلّت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموّها "أدلة قطعية" وهي المحكمات، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردّوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أنّ ظاهر ما يدلّ عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقّوا من ذلك -لمن آمن بما أنزل الله على رسوله- أسماء ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان؛ بل هي افتراءٌ على الله، يُنفّرون بها عن الإيمان بالله ورسوله. وزعموا أنّ ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز، وأنه يُحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدحِ في الشريعة المحكمةِ المُطهّرةِ، وهو من جِنس حَمْل الباطنية نصوصَ الإخبار عن الغُيوبِ؛ كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملِهم نصوص الامر والنهي عن مثل ذلك، وهذا كله مروق عن دين الإسلام.» (4)

وقد وردت أقوال للسلف والأئمة من بعدهم تدل على أن السلف الصالح أثبتوا نصوص الصفات على ظاهرها دون تشبيه أو تكييف؛ ولكن قبل الشروع في ذكر تلك الأقوال، يجب بيان المقصود من "الظاهر" الذي أثبته السلف الصالح، والذي يجب على كل مسلم إثباته من غير تشبيه ولا تكييف.

المقصود بالظاهر: المعنى اللغوي الظاهر الواضح من سياق الكلام(5)؛ وما يلي بعض الأمثلة التي توضح المقصود:
مثال 1 : "وأنا في أفريقيا شاهدت أسدًا وهو ينقض على فريسته."
هنا ظاهر الكلام أن الأسد الذي انقض على فريسته هو الحيوان المعروف.
مثال 2 : " كان خالد في ساحة القتال أسدًا."
ظاهره أن المقصود هو الشجاعة وليس الحيوان.

هذا هو منهج السلف مع نصوص الصفات كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص : 75]
فأثبت السلف هذه الآية على ظاهرها وهو أن الله عز وجل خلق آدم بيديه التي هي صفة له، مع اعتقادهم بأنها لا تشبه أيدي المخلوقين؛ أما أهل البدع فردوا ظاهرها وقالوا بأن اليدين في الآية ليست حقيقية، وأن معناها هو القدرة أو النعمة أو غير ذلك من المعاني المجازية لليد.
فليس المقصود من إثبات الظاهر إثبات كيفية صفات الله، فالاتفاق فقط في أصل معنى الصفة وليس في كيفية الصفة، فلا يعلم كيفية صفات الله إلا هو سبحانه، وهي ليست ككيفية صفات المخلوقين {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}

وما يلي مجموعة من أقوال السلف ومن جاء بعدهم في الإيمان بآيات وأحاديث الصفات على ظاهرها من غير تشبيه ولا تكييف:


أقوال السلف الصالح:

1. ورد عن جمْعٍ من السلف الصالح، منهم الأوزاعي (ت. 157 هـ)، وسفيان الثوري (ت. 161 هـ)، و الليث بن سعد (ت. 175 هـ)، والإمام مالك بن أنس (ت. 179 هـ)، والإمام أحمد بن حنبل (ت. 241 هـ) أنهم قالوا عن أحاديث الصفات والرؤية: «أمروها كما جاءت بلا كيف»؛ وقد بيّن الإمام اللغوي أبو منصور الأزهري (ت. 370 هـ) معنى مقولة السلف هذه بعد ذكر قول أبي عبيدٍ القاسم بن سلام (ت. 224هـ) في حديث القَدم ونزول الله إلى السماء الدنيا ورؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة: "نحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها." قائلا: «أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت.» (6)


2. قول الإمام سفيان بن عيينة (ت. 198هـ) : «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل». (7)
قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) مبينا لمعنى مقولة ابن عيينة "فقراءته تفسيره" : « أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل.» (8)


3. قال أبو بكر ابن أبي عاصم (ت. 287هـ) : «وجميع ما في كتابنا كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها، وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها» فذكر في ذلك النزول إلى سماء الدنيا، والإستواء على العرش، وغير ذلك. (9)


أقوال العلماء من بعدهم:

- ابن جرير الطبري (ت. 310هـ) :
قال بعد نقاشه مع فرقة من أهل البدع في صفتي النزول والمجيء: «فإن قال لنا منهم قائلٌ: فما أنت قائلٌ في معنى ذلك؟ قيل له: معنى ذلك ما دلّ عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا -جل جلاله- يوم القيامة و الملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلةٍ ... وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه.» (10)

يوسف التازي
15-01-15, 12:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده، و نستعينه، و نستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

سأقوم بعرض أقول السلف و الأئمة المعتبرين من غير ترتيب في باديء الأمرـ ثم أقوم بترتيبة لاحقا، فأرجو ممن عنده ما يثري به موضوعي أن يشارك به. و كذلك قد أقوم بنقل ما أجده بين جنبات مواضيعكم القيمة في الإنترنت، فجل الفضل لكم و إنما أحببت أن يكون لي موضوعا أجمع فيه عقائد السلف و الإئمة المعتبرين في مسئلة الصفات، حتى يطمئن كل من يتأثر بالكثرة أن "كل" السلف على عقيدة أهل السنة و أن الأشاعرة و بقية المبتدعة كثرتهم إنما هي بين صفوف الخلف على إختلاف أقدارهم.

و الله تعالى أسئل أن ينفع بهذا الجهد الضئيل و أن يؤجرني و يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم إنه نعم المولى و نعم النصير.


أولا: عقيدة الإمام الترمذي رحمه الله في نزول الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا كما ورد في الحديث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث و ما يشبه هذا من الروايات من الصفات، و نزول الرب تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا و يؤمن بها و لا يتوهم، و لا يقال: كيف؟

هكذا روي عن مالك و سفيان بن عيينة و عبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، و هكذا قول أهل العلم من أهل السنة و الجماعة، و أما الجهمية فأنكرت هذه الروايات و قالوا: هذا تشبيه"
انتهى كلام الإمام الترمذي في "الجامع" (3/50-51) نقلا عن كتاب دفاعا عن السلفية صفحة 98 للشيخ عمرو عبدالمنعم سليم حفظه الله و بارك الله في جهده.

و فيه...

1) أن الترمذي ينقل هذه العقيدة عن تابعي التابعين كابن المبارك و الثوري و مالك و هو من القرون المفضلة الأولى.
2) أن الترمذي يرى بأن النزول صفة لله تعالى.
3) و أن مدار إثبات صفات الرب تبارك و تعالى هو ثبوت النص "قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا و يؤمن بها و لا يتوهم، و لا يقال: كيف؟" و لا ميزان لقواعد الفلاسفة الجهة، الحد، التجسيم التي لا توجد في الكتاب و السنة.
4) أن من أنكرها لعلة التشبيه فهو جهمي؟

و هذا ما يعتقده أهل السنة اليوم أخي الكريم فهم يؤمنون بصفة النزول و لا يتوهمون أنها كصفة المخلوقين و لا يقولون كيف أما الأشاعرة و الخوارج اليوم يرون فيها علة التشبيه فيتولونها لهذه العلة، فهم في ميزان الإمام الترمذي و من نقل عنهم من السلف جهمية في هذه المسألة.


ثانيا: منهج الترمذي في إثبات الصفات و عقيدته في صفة اليد!
ــــــــــــــــــــــــــــ

قال الترمذي في الجامع:

"قد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه : اليد ، والسمع ، والبصر (فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا : إن الله لم يخلق آدم بيده ، وقالوا : إن معنى اليد هاهنا القوة . )، وقال إسحاق بن إبراهيم – ( وهو ابن راهويه ) -- : إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد ،أو مثل يد ، أو سمع كسمع ، أو مثل سمع ،فإذا قال : سمع كسمع ، أو مثل سمع فهذا هو التشبيه . وأما إذا قال كما قال الله تعالى : يد وسمع وبصر ، ولا يقول كيف ، ولا يقول مثل سمع ، ولا كسمع ، هذا لا يكون تشبيهاً ، وهو كما قال الله تعالى في كتابه : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }


و هذا الكلام يدل على أن الترمذي يرى أن:

1) القول بأن الله لم يباشر خلق آدم بيده هو قول الجهمية، و نحن نعلم كذلك بأن جل الأشاعرة يقولون ذلك فهم أيضا في نظر الترمذي جهمية.
2) القول بأن معنى اليد هنا القوة هو قول الجهمية كذلك، و نحن نعلم كذلك بأن جل الأشاعرة يقولون ذلك فهم أيضا في نظر الترمذي جهمية.
3) الواجب علينا أن نثبت صفة اليد التي أثبتها الله لنفسه مع عدم تكييفها.
4) أن قوله تعالى "ليس كمثله شيء" لا يدل على أن ليس لله يد بل يدل على أن يد الله ليست كأيدينا.
5) ينسب الترمذي هذه العقيدة السلفية لإسحاق بن راهوية المتوفي سنة 238 و ما أدراك من الإمام إسحاق بن راهوية، شيخ البخاري ومسلم.

يوسف التازي
15-01-15, 12:23 PM
ثالثا: إعتقاد الإمام البخاري فيما يتعلق بصفتي الاستواء و النزول و منهجه رحمه الله في صفات الأفعال المتعلقة بمشيئة الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــ


استشهد الإمام البخاري في كتاب خلق أفعال العباد "باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله عز و جل" بأقوال بعض السلف الثابتة عنده في اثبات صفتي النزول و الإستواء و بيان منهج أهل السنة في إثبات صفات الأفعال المتعلقة بمشيئته سبحانه.

قال رحمه الله في صفحة 14 طبعة مؤسسة الرسالة:

"و قال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
و قال ابن عيينة: رأيت ابن ادريس قائما عند كتاب قلت: ما تفعل يا أبا محمد هنا ؟ قال أسمع كلام ربي من في هذا الغلام.
وحذر يزيد بن هارون عن الجهمية و قال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي، و محمد الشيباني جهمي.
و قال ضمرة بن ربيعة عن صدقة سمعت سليمان التيمي يقول لو سئلت أين الله؟ لقلت في السماء، فإن قال فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت لا أعلم. قال أبو عبدالله – و هو الإمام البخاري معلقا و مقرا لكلام سليمان التيمي- و ذلك لقوله تعالى "و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" يعني إلا بما بين" انتهـــى

و قيه:

1) إثبات صفة النزول لله عز وجل. و كونها صفة متعلقة بمشيئته.
2 اثبات ان الله يفعل ما يشاء
3إثبات استواء الله تعالى و علوه على عرشه حقيقية و عبر عنه الإمام هارون بـ" كما يقر بما في نفوس العامة" ذلك أن هناك من يحاول إثبات الاستواء لفظا ثم ينفيه معنى كما هي طريقة بعض مفوضة الأشاعرة.
4) إثبات جواز السؤال بأين الله و أن جوابه "في السماء". بخلاف الأشاعرة الذين يعدون هذا من أشنع التجسيم و الكفر.
5) أنه لا يلزم المسلم معرفة ما سكت عنه الشارع كما قال البخاري ( و ذلك لقوله تعالى "و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" يعني إلا بما بين).
6) أن هذه هي عقيدة سلف الأمة كالفضيل بن عياض و يزيد بن هارون و سليمان التيمي.
7) أن من الذي لا يقر بصفات الأفعال. أي أن الله يفعل ما يشاء في أي وقت شاء فهو جهمي.

فلو قيل، لم يسند البخاري عن بعض هؤلاء، و البخاري مجرد ناقل لهذه الآثار لا يلزم أنه يعتقد ما بها. قلنا لقد ساق الإمام البخاري هذه الآثار محتجا بها معتقدا بمضامينها. إذ لا يمكن أن يحتج الإمام البخاري بمقولات لا يؤمن بمضامينها‍. فيلزمكم على أقل تقدير الاعتراف بأن هذه هي عقيدة الإمام البخاري رحمة الله عليه.

و يشهد لذلك إقراره رحمه الله لكلام سليمان التيمي فقد دعم كلامه و زاده بيانا بقوله ( و ذلك لقوله تعالى "و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" يعني إلا بما بين)

يوسف التازي
15-01-15, 12:28 PM
جاء في الفتح للحافظ ابن حجر ان "نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال : من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه ، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى"


حديث رقم 598

عن ‏أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏قالُ : ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
‏إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ ‏ ‏فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ ‏ ‏أُحُدٍ ‏ ‏وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‏" ‏أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ " ‏وَ ‏" ‏يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ‏ ‏وَيُرْبِي ‏ ‏الصَّدَقَاتِ ‏"

‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عِيسَى :

‏هَذَا ‏ ‏حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ‏ ‏وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَحْوَ هَذَا ‏ ‏وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الرِّوَايَاتِ مِنْ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالُوا قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ ‏ ‏هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ‏ ‏مَالِكٍ ‏ ‏وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ‏ ‏أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ‏ ‏أَمِرُّوهَا ‏ ‏بِلَا كَيْفٍ ‏ ‏وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ‏ ‏وَأَمَّا ‏ ‏الْجَهْمِيَّةُ ‏ ‏فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيهٌ ‏ ‏وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابهِ الْيَدَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَتَأَوَّلَتْ ‏ ‏الْجَهْمِيَّةُ ‏ ‏هَذِهِ الْآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏بِيَدِهِ وَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى الْيَدِ هَاهُنَا الْقُوَّةُ ‏ ‏و قَالَ ‏ ‏إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ يَدٌ كَيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَإِذَا قَالَ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا التَّشْبِيهُ وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَا يَقُولُ كَيْفَ وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ وَلَا كَسَمْعٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ ‏" ‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏"

وإليك أيضا كلام الإمام البخاري في صفة الصوت !

قال الإمام البخاري رحمه الله : ((وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ، لأن صوت الله -جل ذكره- يُسمع من بعد كما يسمع من قرب ، وأن الملائكة يصعقون من صوته ، فإذا تنادى الملائكة [فيما بينهم] لم يصعقوا . قال الله عز وجل (( فلا تجعلوا لله أنداداً )) ))أهـ خلق أفعال العباد 92

عقيدة الإمام البخاري في أن كلام الله له صوت يسمع من قرب كما يسمع من بعد!
ـــــــــــــــــــــــــــ

"و يذكر عن النبي - صلى الله عليه و سلم - أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت ، و يكره أن يكون رفيع الصوت، و إن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه قرب، فليس هذا لغير الله.

قال أبو عبد الله - البخاري - و في هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، و أن الملائكة يصعقون من صوته. فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، و قال عز و جل: (فلا تجعلوا لله أندادا).

فليس لصفة الله ند، و لا مثل، و لا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين.

حدثنا به داود بن شيبة، ثنا همام، ثنا القاسم بن عبد الواحد، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل أن جابر بن عبد الله حدثهم أنه سمع عبد الله بن أنيس رضي الله عنه يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه و سلم - يقول : يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك، أ،ا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة و أحد من النار يطلبه بمظلمة."

انتهى كلام الإمام البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، "باب ما كان النبي يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره" صفحة 92 طبعة مؤسسة الرسالة.

يوسف التازي
15-01-15, 12:32 PM
سابعا: الإمام أبو حنيفة النعمان يثبت صفتي الرضى و الغضب و صفتي الوجه و اليد لله تعالى..
ـــــــــــــــــ

قال الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الابسط: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه." [الفقه الأبسط ص56]

و فيه أن الإمام أبا حنيفة:
1) يثبت صفتي الغضب و الرضى لله تعالى من غير تكييف، على خلاف الأشاعرة و الماتردية الذين يزعمون أن هذه الصفات صفات أعراض لا تقوم إلا بالأجسام!
2) أنه لا يجوز تأويل هاتين الصفتين كما يفعل متأولة الأشاعرة و الماتردية.
3) أنه يثبت صفتي اليد و الوجه لله تعالى.

فأنظر يا أخي و احكم كيف يدعي الماتردية أنهم ينتسبون إلى هذا العالم الجليل ثم يحكمون على عقيدته بالتجسيم!

ثامنا: الإمام أبو حنيفة يثبت اليد و الوجه و النفس لله تعالى:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال… [الفقه الأكبر ص302]

و فيه

1) أن الإمام أبا حنيفة يثبت صفة الوجه و اليد و النفس لله تعالى! على خلاف الماتردية الذين ينسبون أنفسهم إليه ظلما و عدوانا!
2) أن الإمام أبا حنيفة يرى في تأويل هذه الصفات إبطال لمعنى هذه الصفات و هذا لا يجوز عنده، و كلنا يعلم بأن الماتردية لا يرون بأسا بالتأويل!
3
تاسعا: عقيدة الإمام أحمد بن حنبل في إثبات الصوت لكلام الرب تعالى!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة:

"سئلت أبي - رحمه الله - عن قوم يقولون : لما كلم الله عز و جل موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي : بلى ، إن ربك عز وجل تكلم بصوت ، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت" كتاب السنة صفحة 533.

قال الشيخ عمرو عبدالمنعم سليم في كتابه دفاعا عن السلفية:

"و هذا الخبر رواه النجاد في "الرد على من يقول القرآن مخلوق (ق:87/ب) عن عبدالله به.

قال الإمام عبدالواحد بن عبدالعزيز بن الحارث التميمي -رئيس الحنابلة في عصره - المتوفي سنة 410 هـ في كتابه "اعتقاد الإمام أحمد" مخطوط - و هو مروى عنه بإسناد صحيح- (ق:52/ب): و كان يقول - أي الإمام أحمد-:
إن القرآن كيف يصرف غير مخلوق، و أن الله تعالى تكلم بالصوت و الحرف، و كان يبطل الحكاية و يضلل القائل بذلك"

يوسف التازي
15-01-15, 12:38 PM
الإمام الشافعي يستشهد بحديث الجارية و يرى أن الرسول سن السؤال بـ"أين الله" و "من أنا" لامتحان إيمان العبد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الشافعي:

"فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه.
وهكذا سَنَّ رسولُ الله في كل من امتحنه للإيمان.
أخبرنا "مالك" عن "هلال بن أسامة" عن "عطاء بن يسار" عن "عُمَر بن الحَكَم" قال: " أتَيْتُ رسولَ اللهِ بِجَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللهِ، عَلَيَّ رَقَبَةٌ، أَفَأَعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: أَيْنَ اللهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ: وَمَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: فَأَعْتِقْهَا " ." الرسالة، الإصدار 2.04 - للإمام الشافعي <ص75>.

تجده في هذا الرابط

http://www.muhaddith.org/cgi-bin/dspl_cgi.exe/form (http://www.muhaddith.org/cgi-bin/dspl_cgi.exe/form)

و فيه أن الإمام الشافعي:

1) يستشهد بحديث الجارية بلفظ "أين الله" فهو عنده ثابت على خلاف من ضعف الحديث بهذا الفظ من الأشاعرة الذين ينسبون أنفسهم إلى هذا الإمام الجليل زورا و بهتانا.
2) يرى أن سياق الحديث يدل على أن الرسول صلى الله عليه و سلم سن إمتحان الناس بقوله "أين الله" و "من أنا". و أن دليل صحة إيمان العبد بأن يقول الله في السماء و أنت رسول الله! فأين هؤلاء المبتدعة الذين يرون بأن السؤال بأين الله كفر من الإمام الشافعي!!

فهل نسب هؤلاء المبتدعة الكفر إلا للإمام الشافعي و من اعتقد عقيدته رحمه الله! فهو الذي يرى بأن السؤال بـ"أين الله" و "من أنا" سنة سنها الرسول صلى الله عليه و سلم ليمتحن إيمان العباد! (((وهكذا سَنَّ رسولُ الله في كل من امتحنه للإيمان.)))




الإمام حماد بن أبي حنيفة رحمه الله (ت:176 هـ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال محمد بن الحسن : قال حماد بن أبي حنيفة رحمه الله :

(( قلنا لهؤلاء أرأيتم قول الله -عز وجل-: ((وجاء ربك والملك صفاً صفاً))

قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً ، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك ولا ندري كيف مجيئه.

فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكن نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه ، أرأيتم إن أنكر أن الملائكة تجيء صفاً صفاً ماهو عندكم ؟

قالوا: كافر مكذب.

قلت: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافر مكذب))

راوه أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف ص64 وإسناده في غايه الصحة.

من خلال كلام الإمام يتضح ما يلي:


1- إثبات صفة المجيء لله تبارك وتعالى وأن من جحدها بعد قيام الحجة عليه كافر.

2- فيه رد على من فوض المعنى حيث أنكر قولهم (أما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك )

3-وفيه تفويض الكيفية (إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته)

والله أعلم

يوسف التازي
15-01-15, 12:45 PM
الامام المفسر الحافظ محمد بن جرير الطبري .
ــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام المفسر الحافظ محمد بن جرير الطبري – رحمه الله – في ذكر اعتقاده المسمى بـ "صريح السنة":

"فاول ما نبدأ فيه القول من ذلك كلام الله عز و جل و تنزيله ، إذ كان من معاني توحيده:

فالصواب من القول في ذلك عندنا: أنه كلام الله عز وجل غير مخلوق، كيف كتب، و كيف تلي، و في اي موضع قريء ، في السماء وجد، أو في الارض حيث حفظ في اللوح المحفوظ كان مكتوبا، أو في الواح صبيان الكتاتيب مرسوما في حجر منقوش، أو في ورق خط، في القلب حفظ، أو باللسان لفظ فمن قال غير ذلك، أو ادعى أن القرآن في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا و نكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمره في نفسه، أو قال بلسانه دائنا به فهو كافر، حلال الدم، و بريء من الله ، و الله بريء منه لقول الله جل ثناؤه (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، و قال – و قوله الحق – (و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) فأخبرنا جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب ، و أنه في لسان محمد صلى الله عليه و سلم مسموع، و هو قرآن واحد من محمد مسموع، و في اللوح المحفوظ مكتوب، و كذلك في الصدور محفوظ، و بألسن الشيوخ و الشبان متلو" نقلا من كتاب بل دفاعا عن السلفية للشيخ الفاضل الحبيب عمرو عبدالمنعم سليم ص 79.

و فيه أن الطبري:

1) يثبت أن القرآن، المتلو بألسنتنا، المحفوظ في اللوح المحفوظ هو كلام الله حقا و صدقا. بخلاف الأشاعرة الذين يعتقدون بأن القرآن الذي هو بين أيدينا هو عبارة مخلوقة عن كلام الله تعالى و أن من إعتقد أن الله تكلم بالقرآن العربي فهو مجسم كافر! فيا لله العجب هل كفر هؤلاء المساكين إلا أمثال الإمام الطبري!
2) يكفر من لا يعتقد بأن الكلام الذي نتلوه و نقرأه و نكتبه هو كلام الله. و الأشاعرة لا يعتقدون ذلك، فمن اعتقد إعتقادهم فهو في ميزان الطبري رحمه الله " كافر، حلال الدم، و بريء من الله ، و الله بريء منه" طبعا إذا أقيمت عليه الحجة!
3) لا يجوز التفريق في الحكم بين القرآن الذي نطق به الله و بين القرآن الذي يقرأه االناس لأن منشأهما من عند الله!

و هكذا أخي القاريء الكريم يتبين لك مدى شذوذ الأشاعرة عن منهج السلف أو من اتبع سبيلهم باتفاق الأمة فهذا الطبري المتوفي سنة 304 هـ و هو إمام المفسرين بلا منافس يصرح بكفر من ذهب مذهب الأشاعرة في صفة الكلام، و هم – أي الأشاعرة – لا شك أنهم يرون أن عقيدته هذه تجسيم و كفر!

فهل يحق لهم بعد ذلك أن يتمسحوا بالسلف و ينسبوا أنفسهم إليهم!

يوسف التازي
15-01-15, 12:46 PM
أقوال مجموعة من السلف تقرر مجموعة من الصفات ينكرها الاشاعرة

( 1 ) قال الإمام عبدالعزيز بن الماجشون مفتي المدينة وعالمها [ت : 164هـ ] في " رسالته " في جواب له عما أنكرت الجهمية : ( ... فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكليفا فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران فعمي عن البين بالخفي ولم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) فقال لا يرى يوم القيامة وقد قال المسلمون لنبيهم : ( هل نرى ربنا يا رسول الله فقال : ( هل تضارون في رؤية الشمس الحديث .. ) إلى أن قال : وقال رسول الله : ( لا تمتليء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط ويزوى بعضها إلى بعض ) وقال لثابت بن قيس : ( لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة ) [ انظر التسعينية لشيخ الإسلام ابن تيمية : 1/ ؟ ] و [ مختصر العلو : 144-145 ] .

( 2 ) قال أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني أحمد بن نصر قال سألت سفيان بن عيينة [ ت : 198هـ ] وأنا في منزله بعد العتمة ، فجعلت ألح عليه في المسألة ، فقال : دعني أتنفس ، فقلت :كيف حديث عبد الله عن النبي : ( أن الله يحمل السموات على إصبع والأرضين على إصبع ) ، وحديث : ( أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ) ، وحديث : ( إن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق ) ، فقال سفيان : هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف .

( 3 ) وروى ابن منده في " التوحيد " ابن عبدالبر في " التمهيد " [ 7/149-150 ] عن الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام [ ت : 224هـ ] أنه لما قيل له : هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية والكرسي وموضع القدمين ، وضحك ربنا من قنوط عباده ، وإن جنهم لتمتلئ وأشبها هذه الأحاديث ؟ ، فقال رحمه الله : ( هذه الأحاديث حق لا شك فيها رواها الثقات بعضهم عن بعض ) .

( 4 ) و قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم [ ت : 287هـ ] في كتاب " السنة " له [ ص : 244 ] : باب ذكر من ضحك ربنا عز وجل .. ثم ذكر هذا الحديث الذي معنا وأحاديث أخر .

( 5 ) سئل أبو العباس ابن سريج فقيه العراق [ ت : 306هـ ] رحمه الله عن صفات الله تعالى فقال : ( حرام على العقول أن تمثل الله وعلى الأوهام أن تحده وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد ، وأن السؤال عن معانيها [ أي كيفياتها : ز ] بدعة ، والجواب كفر وزندقة ، مثل قوله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) ، وقوله : ( الرحمن على العرش استوى ) ، ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) ونظائرها مما نطق به القرآن كـ : الفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر وصعود الكلم الطيب إليه والضحك والتعجب والنزول - إلى أن قال - إعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن : أن نقبلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها .. ) أسند ذلك الحافظ الذهبي في [ مختصر العلو : 226 ] .

( 6 ) وقال الإمام الحافظ ابن جرير الطبري [ ت :310هـ ] في كتاب " التبصير في معالم الدين " [ ص : 132-142 ] : ( القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا لا استدلالاً ... وذلك نحو إخباره عزوجل أنه : ( سميع بصير ) وأن له يدين بقوله : ( بل يداه مبسوطتان ) ، أن له يمينا لقوله : ( والسماوات مطويات بيمينه ) ، وأن له وجها بقوله : ( كل شي هالك إلاّ وجهه ) وقوله : ( ويبقى وجه ربك ) ، وأن له قدما بقول النبي : ( حتى يضع الرب فيها قدمه ) ، وأنه يضحك بقوله : ( لقي الله وهو يضحك إليه ) ، وأنه يهبط كل ليلة وينزل إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله بذلك ، وأنه ليس بأعور لقول النبي إذ ذكر الدجال فقال : ( إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ) ، وأن المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون الشمس ليس دونها غياية ، وكما يرون القمر ليلة البدر ، لقول النبي ، وأن له أصابع لقول النبي : ( ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ) ، فإن هذه المعاني الذي وصفته ونظائرها مما وصف الله به نفسه ورسوله ما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والرؤية لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد إنتهائها ... – إلى أن قال – فإن قيل : فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات التي ذكرت ، وجاء ببعضها كتاب الله عز وجل و وحيه وجاء ببعضها رسول الله ، قيل : الصواب من هذا القول عندنا : أن نثبت حقائقها على ما نَعرف من جهة الإثبات ونفي الشبيه كما نفى ذلك عن نفسه جل ثناؤه فقال : ( ليس كمثله شي وهو السميع البصير ) .... ) .

( 7 ) وقال شمس الأئمة ابن خزيمة [ ت : 311هـ ] في " كتاب التوحيد " [ ص : 230 ] : ( باب ذكر إثبات ضحك ربنا عز وجل بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين ، وضحكهم كذلك ، بل نؤمن بأنه يضحك كما أعلم النبي ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا ، إذ الله عز وجل استأثر بصفة ضحكه ، لم يطلعنا على ذلك فنحن قائلون بما قال النبي مصدقون بذلك ، بقلوبنا منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه ) .

قلت : وكلام ابن خزيمة ملئ بالبيان الشافي ، وفيه دفع التهمة الملعونة بأنه يرى التجسيم ، والله يحكم بينه وبين خصومه بالعدل : ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (غافر:52) .

( 8 ) وقال أبو العباس محمد بن إسحاق النيسابوري السراج [ ت : 313هـ ] : ( من لم يقرّ بأن الله تعالى : يعجب ، ويضحك ، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : ( من يسألني فأعطيه ) فهو زنديق كافر ، يستتاب فإن تاب وإلاّ ضربت عنقه ، ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين .. ) رواه الذهبي بإسناده في " العلو " انظر [ مختصر العلو : 232 ] .

( 9 ) وقال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري [ ت : 360هـ ] في كتابه " الأربعين في دلائل التوحيد " [ ص : 76 ] : باب إثبات الضحك لله عز وجل ، وذكرا حديثاً في ذلك .

كما قال في كتاب " الشريعة " [ 2 / 52 ] : باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك – ثم قال – اعلموا وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل أن أهل الحق يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه عز وجل ، وبما وصفه به رسوله ، وبما وصفه به الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا مذهب العلماء ومن اتبع ولم يبتدع ، ولا يقال فيه : كيف ، بل التسليم له ، والإيمان به : أن الله عز وجل يضحك ، كذا روي عن النبي وعن صحابته ، ولا ينكر هذا إلاّ من لا يُحمد حاله عند أهل الحق ... ) ثم ذكر هذا الحديث في جملة أحاديث أخرى ثم قال بعد ذلك : ( هذه السنن كلها نؤمن بها ، ولا نقول فيها : كيف ، والذين نقلوا هذه السنن : هم الذين نقلوا إلينا السنن في الطهارة ، وفي الصلاة ، وفي الزكاة ، وفي الصيام ، والحج ، والجهاد ، وسائر الأحكام من الحلال والحرام ، قبلها العلماء منهم أحسن القبول ، ولا يرد هذه السنن إلاّ من يذهب مذهب المعتزلة فمت عارض فيها أو ردها أو قال : كيف ، فاتهموه واحذروه ! ) .

قلت : رحمه الله تعالى فما أتم كلامه وأكمله ، ويرد بها على من أنكر هذه الصفة ، وعلى من رد أحاديثها بدعوى أنها أخبار آحاد ، فأخبر أن نقلة هذه الأخبار هم نقلة أخبار سائر الأحكام فالطعن فعدم قبول البعض يلزم منه عدم قبول البعض الآخر ، فماذا يبقى من الدين بعد ذلك ؟! .

( 10 ) وذكر الإمام محمد بن إسحاق ابن منده [ت : 395هـ ] في كتابه " التوحيد " [ 3/197 ] : باب ذكر ما يدل على أن الله عز وجل يضحك مما يحب ويرضاه ويعرض عما يكره ويسخطه .. ) ثم قال : ( بيان أن الله يضحك إلى المجاهد في سبيل الله .. ) وساق الحديث ، ثم قال : ( بيان آخر على أن الله عز وجل يضحك ويعجب من إكرام الضيف .. ) وساق أحاديث أخرى .

( 11 ) وقال أبو محمد عبدالله بن يوسف الجويني [ ت : 438هـ ] في رسالته " عن الفوقية " [ 1/174 – المجموعة المنيرية ] : ( فإن قالوا لنا: في الاستواء شبهتم، نَقُول لهم: في السمع شبَّهتم ووصفتُم ربَّكُم بالعَرَضِ، فإن قالوا: لا عَرَضَ بل كما يليقُ به، قُلنا: في الاستواء والفوْقية لا حَصْر بل كما يليقُ به فجميع ما يلزمُونا به في الاستواء، والنِّزُول، واليد، والوجهِ، والقَدَم، والضَّحكِ ، والتَّعجبِ من التَّشبيه نُلزِمُهم به في الحياةِ، والسمعِ، فكما لا يجْعَلونها هم أعراضاً كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا ما يُوَصَفُ به المخلوق، وليس من الإنصاف أن يفهموا الاستواء، والنزول، والوجه، واليد صفـات المخلوقين فيحتاجوا إلى التَّأويل والتَّحْريف.

فإن فَهِموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع صفات المخلوقين من الأعراضِ، فما يلزمونا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية، وما ينزهوا ربهم به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء، ومن أنصف عرف ما قلنا اعتقده وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك،ونفى عن جميعها التشبيه، والتعطيل، والتأويل، والوقوف، وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد، وهو الكتاب والسنة، فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل، وحرفنا هذه وأوّلناها كُنَّا كمنْ آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى. )


( 12 ) وقال قوام السنة الأصبهاني [ ت : 535هـ ] في كتابه " الحجة في بيان المحجة " [ 1/429 ] : فصل في الرد على من أنكر من صفات الله عز وجل الضحك والعجب والفرح ... ثم ذكر أحاديث في هذا الباب ، ومنها حديث الترمذي هذا .

وقال في [ 2/457-458 ] : ( وأنكر قوم في الصفات : الضحك ! ، وقد صح عن النبي أنه قال : ( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ، كلاهما يدخل الجنة ... ) وإذا صح الحديث لم يحل لمسلم ردّه وخيف على من يرده الكفر !! ، وقال بعض العلماء : ( من أنكر الضحك فقد جهل جهلاً شديداً ) ، ومن نسب الحديث إلى الضعف وقال : لو كان قوياً لوجب رده ، وهذا عظيم القول أن يرد قول رسول الله ، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي وجب الإيمان به ، ولا توصف صفته بكيفيته ، ولكن نسلم إثباتاً له وتصديقاً به .

هذا كلام الأئمة في ( بعض ) ما نقل عنهم من عصر الرواية والإسناد ، والقرون المفضّلة في صفة الضحك خاصة ، وما تركته الكثير ، وعامة من صّنف في كتب العقائد يذكر صفة الضحك من صفات الله تعالى كـ ( أبي الحسن الأشعري ) و ( ابن قدامة ) وغيرهم .

( 13 ) قال الحافظ ابن كثير في رسالته في " العقائد " : ( فإذا نطق الكتاب العزيز و وردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك : وجب اعتقاد حقيقته ، من غير تشبيه بشي من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين ، والانتهاء إلى ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله من غير إضافة ولا زيادة عليه ، ولا تكييف له ، ولا تشبيه ، ولا تحريف ، ولا تبديل ، ولا تغيير ، وإزالة لفظه عما تعرفه العرب وتصرفه عليه ، والإمساك عما سوى ذلك ) [ من كتاب " علاقة الإثبات والتفويض " لمعطي رضا نعسان : ص : 51 ] .

يوسف التازي
15-01-15, 12:53 PM
خلق أفعال العباد للبخاري (راجعوا فيه نقولات السلف في اثبات العلو والصفات)

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=56&book=689

كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة محمد بن اسحاق بن خزيمة

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=56&book=299

التوحيد لابن منده

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=56&book=4498

الايمان والرد على الجهمية لابن منده

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=56&book=956

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=60&book=2097

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=10&book=1014

شرح السنة للبهبراري

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=10&book=591

أصول السنة لأحمد بن حنبل

http://almeshkat.net/books/open.php?cat=10&book=569

الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي

http://www.tawhed.ws/r?i=qorg8cj6

يوسف التازي
15-01-15, 12:55 PM
http://www.eld3wah.net/catplay.php?catsmktba=33

http://kalemat.org/sections.php?so=la&sid=1

يوسف التازي
15-01-15, 01:00 PM
أبو عثمان الصابوني الشافعي (ت. 449هـ) :
قال عندحديثه عن عقيدة السلف أصحاب الحديث في صفات الله: «بل ينتهونفيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة عليه،ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولاإزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر،ويكِلُون علمه (11) إلى الله تعالى». (12)


وقال في وصيته أنه "يسلكفي الآيات التي وردت في ذكر صفات البارئ –جل جلاله-، والأخبار التي صحت عن رسولالله صلى الله عليه وسلم، في بابها، كآيات مجيء الرب يوم القيامة، وإتيان الله فيظُلل من الغمام، وخلق آدم بيده، واستوائه على عرشه، وكأخبار نزوله كل ليلة إلى سماءالدنيا، والضحك والنجوى، ووضع الكنيف على من يُناجيه يوم القيامة، وغيرها، مسلكالسلف الصالح، وأئمة الدين، من قوبها وروايتها على وجهها، بعد صحة سندها، وإيرادِهاعلى ظاهرها، والتصديق بها والتسليم لها، واتقاء اعتقاد التكييف، والتشبيه فيها،واجتناب ما يؤدي إلى القول بردّها، وترك قبولها، أو تحريفها بتأويل يُستنكر، ولمينزل الله به سلطانا، ولم يجر به للصحابة والتابعين والسلف الصالح لسان". (13)



- أبو محمد الحسين البغوي الشافعي (ت. 510 هـ) :
قال: «وكذلك كل ما جاء به الكتاب أوالسنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل،والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك،والفرح ...» فذكر أدلة هذه الصفات من القرآن والسنة ثم قال: «فهذه ونظائرها صفات الله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها،وإمرارها على ظاهرها معرضا فيها عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، ومُعتقدًا أنالباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذواتالخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌوَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة.» (14)



- أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) :
قال بعد ذكر الآيات في صفة الاستواءوالغضب والرضا والنزول وغيرها: «فهذا وأمثاله مما صح نقله عنرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف، إثباته وإجراؤه علىظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته اللهتعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه،والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأ/رين، لأن دين الله تعالى بين الاليوالمقصر عنه.» (15)


وقال عندما سُئل عن صفات الرب تعالى: «مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحمادبن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أنصفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين،وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولاتشبيه ولا تأويل...» (16)



- محمد أنورشاه الكشميري الحنفي :
قال في شرحه لسنن الترمذي: «واعلم أن المشابهات مثل نزول الله إلى السماء الدنيا، واستواءه علىالعرش، فراي السلف فيها الإيمان على ظاهره ما ورد إمهاله على ظاهره بلا تأويل ولاتكييف، ويفوض أمر الكيفية إلى الله تعالى » ثم ذكر كلاما طويلا في أقوالالفرق والمذاهب إلى أن قال: «فحاصل الباب أن نؤمن بالمتشابهاتكما وردت بظاهرها ونفوض التفاصيل إلى الله» (17)


صفات الله حقيقيّة أم غيرحقيقية؟


إعداد: أم عبد الله الميساوي
لـ« موقع عقيدة السلف الصالح »



5. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًابِتَوْبَةِعَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِفَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَافَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَاهُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَمِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ“.
وفي رواية سنن الترمذى: ”لَلَّهُ أَفْرَحُبِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْمِنْ رَجُلٍ...“.
وفي رواية سنن الدارمي: ”فما هو بأشد فرحا بها من اللهبتوبة عبده إذا تابإليه“.
الحديث واضح من سياقه، وهو دليل على أن الله متصف بالفرح حقيقةً،ولكن فرحه لا يشبه فرح المخلوقين، فهو فرح يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هوسبحانه، وواجبنا الإيمان والتسليم.
قال الحافظشمسالدين الذهبي (ت. 748 هـ) عند تعقيبه على تأويل أحد العلماء لصفة الفرح للهتعالى : «ليت المؤلف سكت فإن الحديث من أحاديث الصفات التيتمر على ما جاءت كما هو معلوم من مذهب السلف، والتأويل الذي ذكره ليس بشيء ... والنبي صلى الله عليه وسلم قد جعل فرح الخالق عز وجل أشد من فرح الذي ضلت راحلته،فتأمل هذا وكُف، واعلم أن نبيك لا يقول إلا حقا، فهو أعلم بما يجب لله وما يمتنععليه من جميع الخلق، اللهم اكتب لنا الإيمان بك في قلوبنا وأيدنا بروح منك». (10)


6. عن عمر بن الخطاب أنه قال: قدِم علىرسول الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبيافي السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته؛ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِىالنَّارِ؟“ قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ وَهِىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَتَطْرَحَهُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”لَلَّهُأَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا“. [صحيح البخاري ومسلم]
هو واضح من سياقه كالحديث الذيقبله، ففيه إثبات صفة الرحمة لله عز وجل حقيقةً.


7. قال ابن عمر رضي الله عنه: «سمعترسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ”يأخذالجبّار سماواته وأرضيه بيده“ وقبض بيده فجعل يقبضها ويبسطها ”ثم يقول: أنا الجبار، أين الجبارون؟ أين المتكبرون“، قال: ويتميّل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبريتحرك من أسفل شيء منه، حتى إنّي لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليهوسلم؟». [صحيح مسلم، وسنن النسائي، واللفظ لابنماجه](11)
قبَضَ النبي صلى الله عليه وسلم يده ليُبَيّن أن الله يقبضالأرض والسموات بيده حقيقةً، وليس مقصوده تشبيه قبض الله بقبضه.


8. عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال: ”آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكْبُومرة، وتسفَعُه النار مرة“ إلى أن قال: ”ثم ترفع لهشجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأُوليَيْن، فيقول: أي رب، أدنِني من هذه لأستظلبظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لاتسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبرله عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمِع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي ربأدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم، ما يَصْريني منك(12)؟ أيُرضيك أن أعطيك الدنيا،ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟“ فضحك ابن مسعودفقال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: ”من ضحك ربالعالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكنيعلى ما أشاء قادر“. [صحيح مسلموغيره](13)
في هذا دليل واضح على أن الله يضحك حقيقة، فالنبي صلى اللهعليه وسلم ضحك من ضحك الله عز وجل، وضحكه -سبحانه- ليس كضحك المخلوقين، وكيفيته لايعلمها إلا الله عز وجل، وما علينا إلا الإيمان والتسليم.




فهم السلف الصالح لنصوص الصفات:


ثبت عن عدد منأئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم فتابعيهم، أقوال وأفعال تدل علىأنهم فهموا هذه الصفات على الحقيقة كما هو ظاهر النص، فأثبتوها لله عز وجل من غيرتشبيه ولا تكييف ولا تحريف بالمجازات، وما يلي ذكرٌ لمجموعةٍ منها:


- أم المؤمنين عائشة (ت. 58 هـ) رضي الله عنها:
قالت فيصفة السمع لله عز وجل: «الحمد لله الذي وسع سمْعُه الأصوات،لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تُكلمه، وأنا في ناحية البيت ماأسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَالَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة : 1] إلى آخر الآية».(14)


- الصحابيابن مسعود (ت. 33 هـ) رضي الله عنه:
عن عبد الله بنمسعود -رضى الله عنه- قال: جاء حبر من اليهود فقال: "إنه إذا كان يوم القيامة جعلالله السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق علىإصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك." فلقد رأيت النبى صلى الله عليهوسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقوله؛ ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًاقَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : 67]
فابن مسعود رضي الله عنه فهم أن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم كانلتعجبه وتصديقه لقول اليهودي، من أن الخلائق يوم القيامة ستكون على أصابع الله عزوجل حقيقة، ولكن من غير تشبيهها بصفة المخلوقين، وكيفيتها لا يعلمها إلا هو سبحانه،وواجبنا الإيمان والتسليم.


- سليمان الأعمش (ت. 148 هـ) :
روى الأعمش قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يُقلبها“ [حديث صحيح]، ثم أشار بإصبعيه(15).


- حماد بن أبي حنيفة (ت. 176هـ) :
قال في مناظرة له معالمبتدعة: «قلنا لهؤلاء : أرأيتم قول الله عز وجل{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر : 22] وقوله عز وجل: {هَلْيَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِوَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة : 210] فهل يجيءربنا كما قال؟ وهل يجيء الملك صفًا صفًا؟ » قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاصفا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك، ولا ندري كيف جيئته. فقلنا لهم: «إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوابمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ » قالوا: كافرمكذب.
قلنا: «فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهوكافر مكذب». (16)


- حمّاد بن زيد (ت. 179 هـ) :
قال: «مَثَلُ الجهمية مثل رجل قيل له: أفي دارك نخلة؟قال: نعم. قيل: فلها خوص؟ قال: لا. قيل: فلها سعف؟ قال: لا. قيل: فلها كرب؟ قال: لا. قيل: فلها جذع؟ قال: لا. قيل: فلها أصل؟ قال: لا. قيل: فلا نخلة في دارك. هؤلاءمِثل الجهمية قيل لهم:
لكم ربّ؟ قالوا: نعم. قيل: يتكلم؟ قالوا: لا. قيل: فلهيد(17)؟ قالوا: لا. قيل: فله قدم(18)؟ قالوا: لا. قيل: فله إصبع؟ قالوا: لا. قيل: فيرضىويغضب؟ قالوا: لا. قيل: فلا رب لكم! » إسناده صحيح.(19)


- يحيى بن سعيد القطان (ت. 198 هـ) :
قال عبد الله ابنالإمام أحمد بن حنبل: سمعت أبـي رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان ... عنالنبي صلى الله عليه وسلم: ”أن الله يمسك السموات علىأصبع“ قال أبي رحمه الله: جعل يحيى يشير بأصابعه، وأراني أبي كيف جعل يشيربأصبعه، يضع أصبعا أصبعا حتى أتى على آخرها.(20)


- أبو معمر الهذلي (ت. 236 هـ) :
قال: «من زعم أن الله عز وجل لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يغضب،ولا يرضى -وذكر أشياء من هذه الصفات-، فهو كافر بالله عز وجل، إن رأيتموه على بئرواقفًا فألقوه فيها، بهذا أدين الله عز وجل، لأنهم كفار بالله»(21) إسنادهصحيح.


- الإمام أحمد بن حنبل (ت. 241 هـ) :
روى الخلال في كتابه "السنة" أن أبا بكر المروزي حدث بحديث ”إن الله يمسك السموات على أصبع“ عن الإمام أحمد وقال: رأيتأبا عبد الله يشير بإصبع إصبع.(22)


- عمرو بنعثمان المكي الصوفي (297 هـ) :
قال في كتابه "أداب المريدين والتعرفلأحوال العبّاد" في باب: ما يجيء به الشياطين للتائبين : «وأما الوجه الثالث الذي يأتي به الناس إذا هم امتنعوا عليهواعتصموا بالله، فإنه يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم أحوال التوحيد ...» وذكر كلاما طويلا إلى أن قال: «فهذا من أعظم مايوسوس به في التوحيد بالتشكيك، وفي صفات الرب بالتشبيه والتمثيل، أو بالجحد لهاوالتعطيل، وأن يُدخل عليهم مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم؛ فيهلكوا إن قبلوا، أويضعضع(23) أركانهم، إلا أن يلجأوا في ذلك إلى العلم، وتحقيق المعرفة بالله عز وجلمن حيث أخبر عن نفسه، ووصف به رسوله؛ فهو تعالى القائل: {أناالله} لا الشجرة. الجائي هو لا أمره، المستوي على عرشه بعظمة جلاله دون كلمكان، الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيمًا، فسمع موسى كلام الله الوارثلخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان وهما غير نعمتهوقدرته، وخلق آدم بيده»(24).




أقوالأئمة السنة ممن جاء بعدهم:


- ابن جريرالطبري (ت. 310 هـ) :
ذكر مجموعة من الصفات منها: اليد، والسمع، وصفةالنزول، والبصر، والضحك، وغيرها مما ثبت في نصوص القرآن والسنة، ثم قال: «فإن قال لنا قائلٌ: فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات التيذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز وجل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليهوسلم؟
قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نُثبت حقائقها على ما نعرف من جهةالإثبات، ونفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه –جل ثناؤه- فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى : 11]».(25)


- أبو العباس السراج الشافعي (ت. 313 هـ) :
قال: «من لم يقر ويؤمن بأن الله تعالى: يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلىالسماء الدنيا فيقول: ”مَن يسألني فأعطيه؟“؛ فهوزنديق كافر، يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُرب عنقه»(26).


- أبو أحمد الكرجي القصاب (ت. 360 هـ) :
قال في كتاب "السنة" له: «كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصف بها نبيه، فهيصفةٌ حقيقةً لا مجازًا»(27).


- أبو عمرالطلمنكي المالكي (ت. 429 هـ) :
قال في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الإسماء علىالحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذاسُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟
قالوا: الإجتماع في التسمية يوجب التشبيه. قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول في اللغة أن الإشتباه في اللغة لاتحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض،والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب إشتباهالاشتبهت الأشياء كلها لشمول إسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاللموجودين»(28).


- أبو الحسن ابن القزوينيالشافعي (ت. 442 هـ) :
أخرج الخليفة العباسي القائم بأمر الله الاعتقادالقادري في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فقُرئ في الديوان، وحضر الزهاد والعلماء،وممن حضر: الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب بخطه تحته قبل أن يكتبالفقهاء: «هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادي، وعليهاعتمادي».
ومما جاء في الاعتقاد القادري: «وما وصفالله سبحانه به نفسه، أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صفات الله عزوجل على حقيقته لا على سبيل المجاز»(29).


- ابن عبد البر المالكي (ت. 463 هـ) :
قال في "التمهيد": «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردةكلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهملا يُكيّفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع والجهميةوالمعتزلة كلها والخوارج؛ فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمونأن من أقَرّ بها مُشبّه»(30).
وقال في "الاستذكار": «أقول: إن الله ليس بظلام للعبيد، ولو عذبهم لم يكن ظالمًا لهم،ولكنْ جلّ مَن تَسمّى بالغفور الرحيم الرءوف الحكيم، أن تكون صفاته إلا حقيقةً لاإله إلا هو، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [الأنبياء : 23]»(31).


- أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) :
قال: «ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات اللهتعالى». (32)


- ابن القيم الحنبلي (ت. 751هـ) :
قال في "إعلام الموقعين" : «وقد تنازعالصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا ولكن بحمدالله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم علىإثبات ما نطق به الكاتب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم؛ لم يسوموها تأويلا،ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا،ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها علىمجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمرفيها كلها أمرًا واحدًا، وأجروها على سنن واحد.»


- ابن رجب الحنبلي (ت. 795 هـ) :
قال في "ذيل طبقاتالحنابلة"، في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي:
«وأما قوله: "ولا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول"، فإنْ صح هذاعنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه،أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك».
وغيرهم، اقتصرنا على مَن ذكرنااختصارًا.


وبهذا يتبين أن الحق هو إثبات هذه الصفات كما جاءت في نصوص الكتابوالسنة، نثبتها لله عز وجل حقيقةً من غير تشبيه ولا وصفٍ لكيفيتها، ومن لم يبلغ ذلكعقله، فعليه التسليم، فلم يوجب الله علينا إدراكه.


الاستغاثة بغير الله تعالى شرك
الحمد لله الذي منّ على المؤمنين فجعل دعاءهم إياه عبادة، وتفضل عليهم فأكرمهم مع ذلك بتعجيل الإجابة أو تأجيل الرّفادة، والصلاة والسلام على من حصر الله في اتباعه السعادة، وآله وصحبه أهل الفضل والريادة.


اعلم- أخي المسلم- أن المنكر إذا فشا في الناس وتعاظم وإن كان من قبيل الصغائر، فإن الصالحين يشملهم غضب الله إن هم استمرؤوا عدم الإنكار عليهم، فكيف إذا كان من جنس الكبائر، أو جنس أكبر الكبائر؟!
ثم اعلم أن انتشار الفساد لا يزيد أهل الإيمان إلا تشبثا بدينهم وعقيدتهم تحقيقا لسنة الله في المدافعة بين الحق والباطل، وتصديقا لسنة أبي القاسم -صلى الله عليه وسلم- في صفة أهل الغربة، وأنه يأتي على الناس زمانٌ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صى الله عليه وسلم: ”بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء“ وزاد أحمد في مسنده:
قيل: "يا رسول الله من الغرباء؟" قال: ”الذين يصلحون إذا فسد الناس.“
وقال الفضيل بن عياض: «عليك بطريق الحق ولا تستوحش من قلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.»


وإليك أخي التذكرة فخذها بقوة تنفعْك في الآخرة:-


أولا: بيان أن الدعاءَ : عبادة
بيّن الله ذلك في آيات كثيرة جدًا، منها قوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر : 60] وكان يمكن أن يقول (إن الذين يستكبرون عن دعائي) كما هو مقتضى صدر الآية، فلما استبدل بقوله "دعائي" قولَه {عبادتي} دل أنه جعل "الدعاء هو العبادة"، وهذا عين ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلا من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ”الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ“ ثُمَّ قَرَأَ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [رواه الترمذي بإسناد صحيح]
وذلك نظير قول القائل: " تفضّل علي بالزيارة ,إنك إن أبيت صلتي أغضبْ "،فجعل الزيارة هي الصلة.


ثانيا:
إذا تقرر ذلك – وهو جلي جدًا- فإنك إن قصدت أحد المخلوقين مهما عظم شأنه ولو كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وقرأت حاجتك بين يدي قبره، كأن تطلب زيادة رزق، أو تفريج كرب، أو تستشفي، أو تشكو هما، بِنيّة أن يخلصك منه، ولو دون طلب صريح، فقد صرفت شيئا من العبادة لغير الله تعالى، ولذلك قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف : 194] فدلت هذه الآية على أن من يحتج قائلا: "دعوناهم وجاءت الإجابة" على معاندة الرب الجليل، ومعارضة تحديه، ولم يعرف المسكين أن الله يستدرجهم ويفتنهم بتحقيق الإجابة، كما قال سبحانه {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف : 5].
- وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن : 18] والنكرة في سياق النهي تدل على العموم، فإما أن تدعو الله وتطلب أيضا من غيره، فتكون دعوت (مع) الله أحدا؛ وإما أن تدعو الله وحده، فتسلم.
والله يُحب للعبد أن يحِب (فيه) و(له)، ويكره للعبد أن يشرِك به فيُحِب (معه) بالتوجه لغيره، كما قال تعالى في وصف المشركين مع آلهتهم: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة : 165] أي لأنهم دعوا غير الله معه، ولم ينفِ عنهم حبًا لله، فتدبر!


ثالثا:
كلما عظم الكرب كانت الاستغاثة بغير الله، أو دعاؤه، أو سمها ما شئت، بزيارة قبره وتسمية الحاجة عنده أشد شركا، وأعظم اجتراءً على مقام الإلهية، ذلك أن الله تعالى يقول واصفًا المشركين الأوائل: {فإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت : 65] ولها في الكتاب العزيز نظائر كثيرة، فتأمل وصفه المشركين بالإخلاص في الدعاء حال النازلة، ثم إثباته لشركهم حال النجاة، فاحتج عليهم سبحانه بدعائهم إياه حال الشدة والعسر، على بطلان دعائهم غيره حال الرخاء واليسر، والمعنى أنهم يعودون لما نهوا عنه من دعاء الصالحين، وقصدهم بطلب الحوائج مع كون ما يطلبونه منهم مما لا يقدر عليه إلا الله، إما حال حياتهم، وإما لكونه مقدورًا في الأصل في حياتهم ولكنه غير مقدور لأجل موتهم.
فسل نفسك أخي..هل يكون مخلصا في دعائه من يقول:يا فلان اجلب لي الولد أم يكون مشركا إذ سأل المخلوق ما حقه أن يختص بالخالق"وما أضلنا إلا المجرمون* إذ نسويكم برب العالمين"..وإذا علمت أنه مامن مشرك قط قال: أنا أعدل غير الله بالله..علمت معنى التسوية في الآية



رابعا: تفنيد شبهتين مشهورتين عند من يدعون الصالحين:-
اعتاد أهل الزيغ أن يلبسوا الحق بالباطل، فقالوا: إنما نتوجه للصالحين بالطلب لا اعتقادًا باستقلال نفعهم وضرهم، وإنما لمقامهم عند الله، فنتخذهم وسيلة إلى الرب.
والرد على هذا إذا قصدنا استيفاءه مما يطول ولا يسعنا هنا إلا القصر على رد موجز، وهو يأتلف من جزئين:-


1-بيان أن المشركين كأبي جهل وأضرابه كانوا مقرين بأن الله متفرد بكمال الخلق والتدبير والملك، كما بينه الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس : 31]


2-وبيان أنهم كانوا مع ذلك يدعون غير الله فلم يعتدّ الله باعترافهم لأن فعلهم ناقضه، وحاصله أنهم أثبتوا نفعا جزئيا لمن يدعونهم، فقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر : 3]
وقالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس : 18] فرد الله عليهم دعواهم بقوله سبحانه: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس : 18]
وذلك عين ما يقوله زوار المقامات اليوم، فهم يحتجون تارة باتخاذهم وسيلة وقربى، وتارة بالشفاعة، ولو قدّر جدلا أنه يمكن تصور إنسان يدعو غير الله بلفظه مع جزمه بنفي الضرر والنفع مطلقا عن الأولياء، وادعى أنه إنما يقصد دعاء الله وحده، وأن ذكر اسم الولي من باب التيمن- مثلا- فحسب، فإن صيغة دعائه -وإن على هذا الفرض الخيالي- لابد مورثته تعلقَ الأسباب بهم وهو يؤول للشرك إذن.
وكذلك فإن اعتقاد هؤلاء بأن الصالحين يوصلون حاجاتهم للمولى عز وجل، يجعل همتهم تنصرف إلى تعظيمهم، والغلو فيهم، حتى يرضى هؤلاء عنهم فيقبلوا التوسّط إلى الله! وهذا عين الشرك أيضا.
وأيضا فإن قناعة المستغيثين بهم أنهم غوث كل مكروب يعني أنهم أحاطوا علما بالحاجات الملقاة إليهم في وقت واحد، ولا يكون ذلك إلا للعليم الخبير، فاشتمل فعلهم على الشرك في الألوهية والربوبية معا.
ثم إن دعوى التوسل بهم إلى الله لفضلهم تنقضها الصيغة المبدوءة بـ«يا» التي للنداء، ثم تعقيبها بخطاب المدعو مباشرة بطلب الحاجة التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وبعضهم يتحذلق ويقول: إننا نناديهم ولا ندعوهم! فيقال إن الله قال {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء : 76].
وتنقضها كذلك واقع الحال، فإن المشاهد لأحوال هؤلاء يدرك أنهم يعتقدون تأثيرا بالنفع والضر يختص بهؤلاء المعظمين عندهم، فمن أنكر ذلك مع إصراره على هذا النداء للأموات كمن يقول: "أعبد الله وحده" أثناء سجوده للصنم، والله المستعان.



الشبهة الثانية: قولهم إن المشركين إنما دعوا أصناما، فالجواب باختصار من وجهين:
الأول: أن اللات التي نعى الله عليهم دعاءها ليست إلا علما على رجل صالح كان يلتّ السويق للحجاج، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ فكانوا على التحقيق يدعونه، وقس على اللات غيره كيغوث ويعوق ونسر، سواء بسواء، كما يدعو أهل زماننا موتى الصالحين أو من يظنونهم كذلك.
الثاني أن الآيات التي تقدم ذكرها وغيرها عامة وجلية في بيان أن من دعا غير الله، أو ناداه، فقد اتخذه إلهًا، وإن ادعى عدم ذلك، والقول بتخصيصها بالأصنام تحكم مبناه على اتباع الهوى لاغير، فلا يسعفه علة، ولا يدل عليه معنى، وإليك بيانه باختصار:


قال تعالى : {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون : 117] ولما كان الله تعالى لا معبود بحق سواه، ثبت أن ليس ثَمّ إلهٌ عليه برهان، فكان من يدعو غير الله تعالى متخذًا إلها آخر ولابد، وتأمل إن شئت خاتمة الآية {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.
ومما يدل على العموم، وأنه غير مختص بالأصنام الحجرية، قوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر : 14]، هذه الآية نص في كون دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شرك كما تراه جليًا، وكذلك فيها إشارة إلى أن المدعوين من العقلاء وغيرهم أيضا، وإن كان متعلق الخطاب بالعقلاء أظهر لقوله {يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}؛ واشتملت أيضا على الإيماء بأن من يصر فيدعو موتى الصالحين، لم يقبل خَبَر الخبير الغيبي، ولا أمره العيني.



بيان: متى تكون الاستعانة أو الاستغاثة بغير الله جائزة:-


قد يشكل هذا الكلام على أقوام فيقال إذا كانت الاستغاثة بغير الله شركا فما حال الغريق الموشك على الهلكة وحوله أناس قد ينقذونه؟
الجواب أن الله تعالى إنما حرم الاستغاثة بغيره فيما جرت العادة أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولذلك قال عز في علاه: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر : 14]
أما طلب المعونة والنجدة من الحي بشرط أن تكون في دائرة المقدورات عادة فلا يؤاخذ عليها وليست من الشرك في شيء.

يوسف التازي
15-01-15, 01:02 PM
ابو الحسن الاشعري سلفي العقيدة اقرءوا كتابه الابانة

فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.
وأنه نور كما قال تعالى: {الله نور السموات والأرض} النور35.
وأن له وجهاً كما قال الله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27.
وأن له يدين كما قال: {خلقت بيدي} ص75.
وأن له عينين كما قال: {تجري بأعيننا} القمر14.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله r)[1] اهـ.
وقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: (وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله عز وجل، أو جاءت به الرواية عن رسول الله r، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف)[2] اهـ.
وقال أيضاً : (هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة
جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله r، لا يردون من ذلك شيئاً .... – إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} طه5.
وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} ص75، وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.
وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تجري بأعيننا} القمر14.
وأن له وجهاً كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27)[3] اهـ.
وقال في "الإبانة" : (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون .
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد r، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم .
وجملة قولنا: ...) ثم ذكر أموراً إلى أن قال: (وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.
وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: {خلقت بيدي} ص75، وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64
وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14)[4] اهـ.
وقال أيضاً : (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله تبارك وتعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88،، وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك .
وقال تعالى: {تجرى بأعيننا} القمر14، وقال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} هود37، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد .
وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور48، وقال تعالى: {ولتصنع على عيني} طه39، وقال تعالى: {وكان الله سميعا بصيرا} النساء85،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: {إنني معكما أسمع وأرى} طه46. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته... ) إلى أن قال: (مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟
قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.
مسألة:
قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، ، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75.
وروي عن النبي rأنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف)[5] اهـ.
وقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: (وإذا كنا متى أثبتناه غضباناً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حياً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر)[6] اهـ.

كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال :
فقال في "مقالات الإسلاميين": (باب قول المعتزلة في "وجه الله": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو... والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه)[7] اهـ.
وقال في موضع آخر: (قولهم في العين واليد : وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم، وتأول قول الله عز وجل: {ولتصنع على عيني} طه39، أي بعلمي.)[8] اهـ.
وقال: (الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا في العين واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.
وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله r فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف....
وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله: {تجري بأعيننا} القمر14، أي بعلمنا)[9] اهـ.
وقال في سياق أقوال المعتزلة : (وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله عز وجل: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45، أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.)[10] اهـ.
وقال في "الإبانة" : ( الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة ..) ثم ساق كثيراً من أقوالهم إلى أن قال: (ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: {لما خلقت بيدي} ص75،، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14، وقوله: {ولتصنع على عيني} طه39)[11] اهـ.
وقال في موضع آخر: (ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين)[12] اهـ.
وليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إلى الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، إذاً لكفروا إجماعاً، وإنما ينفون أن يكون وجهاً حقيقة، وإلا لم يكن خلاف بين أهل الحديث والمعتزلة إذا كان الجميع يثبتون وجهاً مضافاً إلى الله، وليس وجهاً حقيقة، بل مجاز!!!
وكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.
وهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن تكون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة، إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه الأشعريان.
وقال الأشعري أيضاً في رد تأويل الصفات: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10،، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75،.
وروي عن النبي r أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف .
وجاء في الخبر المأثور عن النبي r: (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، أي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وجاء عن النبي r أنه قال: (كلتا يديه يمين) . وقال تعالى: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45.
وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا .
مسألة:
ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.
وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4،، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103،، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3،، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء82، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه.)[13] اهـ.
وقال الذهبي في السير: (قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول)[14] اهـ.

يوسف التازي
15-01-15, 01:03 PM
عقيدة الأشعري
من كتابه الإبانة عن أصول الديانة "صـ57 -62
يقول:
الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش

إن قال قائل : ما تقولون في الاستواء ؟
قيل له : نقول : إن الله عز و جل يستوي على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار كما قال : ( الرحمن على العرش استوى ) ( 5 / 20 ) وقد قال تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) من الآية ( 10 / 35 ) وقال تعالى : ( بل رفعه الله إليه ) من الآية ( 158 / 4 ) ( 1 / 106 ) وقال تعالى : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) من الآية ( 5 / 32 ) وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله : ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ) من الآيتين ( 36 - 37 / 40 ) كذب موسى عليه السلام في قوله : إن الله سبحانه فوق السماوات
وقال تعالى : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) من الآية ( 16 / 67 )
فالسماوات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السماوات قال : ( أأمنتم من في السماء ) من الآية ( 14 / 67 ) . . . لأنه مستو على العرش ( 1 / 107 ) الذي فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السماوات وليس إذا قال : ( أأمنتم من في السماء ) من الآية ( 16 / 67 ) يعني جميع السماوات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات فقال تعالى : ( وجعل القمر فيهن نورا ) من الآية ( 16 / 7 ) ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله عز و جل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض 1 ( 1 / 108 )
فصل
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية : إن معنى قول الله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) ( 5 / 20 ) أنه استولى وملك وقهر وأن الله تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز و جل مستو على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة
ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض لله سبحانه ( 1 / 109 ) قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو تعالى مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقدار لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها
وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين . تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا
مسألة
ويقال لهم : إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يختص العرش ( 1 / 110 ) دون غيره كما قال ذلك أهل العلم ونقله الأخبار وحملة الآثار وكان الله عز و جل في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت والأشياء فوقه وأنه فوق الفوق والأشياء تحته وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه وفوق ما هو تحته وهذا هو المحال المتناقض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
دليل آخر :
ومما يؤكد أن الله عز و جل مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
روى عفان قال : ثنا حماد بن سلمة قال : حدثنا ( 1 / 111 ) عمرو بن دينار عن نافع عن جبير عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( ينزل ربنا عز و جل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر )
روى عبيد الله بن بكر قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن كثير عن أبي جعفر أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إذا بقى ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى فيقول : من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه ؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه ؟ حتى ينفجر الفجر ) . ( 1 / 112 )
وروى عبد الله بن بكر السهمي قال : ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن كثير عن هلال بن أبي ميمونة قال : ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال : فكنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كفا بالكديد - أو قال بقديد - حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( إذا مضى ثلث الليل - أو قال ثلثا الليل - نزل الله عز و جل إلى السماء فيقول : من ذا الذي يدعوني أستجيب له ؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له ؟ من ذا الذي يسألني أعطيه ؟ حتى ينفجر الفجر ) نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
دليل آخر :
قال الله تعالى ( 1 / 113 ) : ( يخافون ربهم من فوقهم ) من الآية ( 50 / 16 ) وقال تعالى : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) من الآية ( 4 / 70 ) وقال تعالى : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) من الآية ( 11 / 41 ) وقال تعالى : ( ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا ) من الآية ( 59 / 25 ) وقال تعالى : ( ثم استوى على العرش مالكم من ولي ولا شفيع ) ( 4 / 32 ) فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست الأرض فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد . ( 1 / 114 )
دليل آخر :
قال الله تعالى : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) ( 22 / 89 ) وقال تعالى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) من الآية ( 210 / 2 ) وقال : ( ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى ) ( 8 - 13 / 53 ) إلى قوله : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ( 18 / 53 ) وقال تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلام : ( إني متوفيك ورافعك إلي ) وقال تعالى : ( وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه ) من الآية ( 158 / 4 ) ( 1 / 115 ) وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه و سلم إلى السماء ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا : يا ساكن السماء ومن حلفهم جميعا : لا والذي احتجب بسبع سماوات
دليل آخر :
قال الله عز و جل : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) من الآية ( 51 / 42 ) وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول : ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا ( 1 / 116 ) أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول : ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو أرسل رسولا وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم
دليل آخر :
قال الله تعالى : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) من الآية ( 62 / 6 ) وقال : ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ) من الآية ( 30 / 6 ) وقال : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ) ( 12 / 32 ) وقال عز و جل : ( وعرضوا على ربك صفا ) من الآية ( 48 / 18 ) كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو ( 1 / 117 ) على عرشه سبحانه بلا كيف ولا استقرار تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي يريدون بذلك التنزيه ونفي التشبيه على زعمهم فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل
دليل آخر :
قال الله تعالى ( الله نور السماوات والأرض ) من الآية ( 35 / 24 ) فسمى نفسه نورا والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين ( 1 / 118 ) :
إما أن يكون نورا يسمع أو نورا يرى
فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه وتكذيبه بكتابه وقول نبيه صلى الله عليه و سلم
وروت العلماء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله عز و جل فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز و جل فوق ذلك )
دليل آخر :
وروت العلماء رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز و جل حتى يسأله عن عمله )
وروت العلماء أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم بأمة ( 1 / 119 ) سوداء فقال : يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها ؟
فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم : أين الله ؟ قالت : في السماء قال فمن أنا ؟ قالت : أنت رسول الله فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أعتقها فإنها مؤمنة
وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش . ( 1 / 120 ) إنتهى كلام أبي الحسن الأشعري

يوسف التازي
15-01-15, 01:22 PM
قال الإمام الترمذي رحمه الله في سننه : ((قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث ما يشبهه هذا من الروايات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة, وأما الجـهـمـية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجـهـمـية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده وقالوا إن معنى اليد ههنا القوة وقال إسحاق بن إبراهيم إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى في كتابه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير))أ.هـ

يوسف التازي
15-01-15, 03:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



الفصل الرابع

في تقرير أن السلف مجمعون على تحريم تأويل الصفات وإخراجها عن ظاهرها، وعلى وجوب الكف عن ذلك



قد اتفقت كلمة السلف على إمرار الصفات على ظاهرها، والمنع من تأويلها بما يخالفه، والنكير على المؤولة الذين يصرفون آيات الصفات أو بعضها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام، وقد صنف كثير من أهل العلم الكتب في إبطال تأويل المؤولة، والرد على شبههم، وبيان خروجهم عن طريق الحق، وتنكبهم عن درب السلف الماضين، ككتاب "الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد، وكتاب "الرد على تأويلات المريسي" للدارمي، وكتاب "الرد على الجهمية" للدارمي وابن منده، وغيرها من الكتب الكثيرة في هذا الباب. وبوب أبو داود في سننه "باب الرد على الجهمية"، وصنف ابن قدامة كتاب "ذم التأويل"، وغيرها من الكتب والمؤلفات التي تُعظم النكير على من تأول الصفات وأخرجها عن حقائقها، ومَنَع من حملها على ما يعهده العرب في لغتهم ولسانهم على النحو اللائق بالله تعالى.

وإليك بعض نصوص أئمة السنة الدالة على ذلك:



~ الإمام أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق (189 هـ)

قال عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي: سمعت محمد بن الحسن يقول: (اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله r في صفة الرب عز وجل من غير تغيير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي r، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة لا شيء)[1] اهـ.

فدونك هذا الإجماع من هذا الإمام على المنع من التأويل، الذي هو التفسير في اصطلاح السلف كما سبق بيانه.



~ الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (224 هـ)

قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك ؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره)[2] اهـ.

وأورد الذهبي هذا الأثر في السير ثم قال معلقاً: (قد صنف أبو عبيد كتاب "غريب الحديث" وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبداً، ولا فسر منها شيئاً، وقد أخبر بأنه ما لحق أحداً يفسرها، فلو كان والله تفسيرها سائغاً أو حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه)[3] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال في بيان بطلان دعوى أن آيات الصفات تحتمل وجوهاً: (فكيف تخوض فيه –أي التوحيد- بما لا تدري؟ أمصيبٌ أنت أم مخطئ؟ لأن أكثر ما نراك تفسر التوحيد بالظن، والظن يخطئ ويصيب، وهو قولك: يحتمل في تفسيره كذا، ويحتمل كذا تفسيراً، ويحتمل في صفاته كذا، ويحتمل خلاف ذلك، ويحتمل في كلامه كذا وكذا. والاحتمال ظن عند الناس غير يقين، ورأي غير مبين، حتى تدعي لله في صفاته ألواناً كثيرة ووجوهاً كثيرة أنه يحتملها، لا تقف على الصواب من ذلك فتختاره، فكيف تندب الناس إلى صواب التوحيد، وأنت داءب تجهل صفاته، وأنت تقيسها بما ليس عندك بيقين؟)[4] اهـ.

وقال الذهبي: (قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذب بها، ولا نفسرها)[5] اهـ.

والمراد بالتفسير كما سبق بيانه هو إخراجها عن ظاهرها، أو تشبيهها بصفة المخلوق.



~ الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (303 هـ)

قال بعد ذكر جملة من الصفات: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها)[6] اهـ.



~ إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (329هـ)

قال: (واعلم رحمك الله: أن من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم. ومن قال على الله ما لا يعلم، فهو من المتكلفين.

والخق ما جاء من عند الله عز وجل، والسنة: سنة رسول الله r، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله r في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان)[7] اهـ.

وهذا فيه إبطال التأويل من غير حجة من كتاب أو سنة أو إجماع.



~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)

قال: (إن الأخبار في صفات الله عز وجل جاءت متواترة عن النبي r موافقة لكتاب الله عز وجل نقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على سبيل إثبات الصفات لله عز وجل، والمعرفة والإيمان به، والتسليم لما أخبر الله عز وجل به في تنزيله، وبينه الرسول r عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف...) إلى أن قال: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى r، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها....) إلى أن قال: (وإنما صدرنا بهذا الفصل لئلا يتعلق الضالون عن الهداية الزائغون عن كتاب الله عز وجل، وكلام رسوله r بالظاهر، فيتأولوا الصفات والأسماء التي في كتابه ونقلها الخلف الصادق عن السلف الطاهر عن الله عز وجل وعن رسوله r)[8] اهـ.

وقال أيضاً: (وسئل –أي أبو زرعة الرازي- عن حديث ابن عباس (الكرسي موضع القدمين)؟

فقال: صحيح، ولا نفسر، نقول كما جاء وكما هو في الحديث..).

ثم أسند عن الحميدي أنه ذكر حديث: (إن الله خلق آدم يعني بيديه) فقال: لا نقول غير هذا على التسليم والرضا بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث.

قلنا: وكذلك نقول فيما تقدم من هذه الأخبار في الصفات في كتابنا هذا نرويها من غير تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا قياس، ولا تأويل، على ما نقلها السلف الصادق عن الصحابة الطاهرة عن المصطفى r، أو خبر صحابي حضر التنزيل والبيان، ونتبرأ إلى الله عز وجل مما يخالف القرآن وكلام الرسول r والله عز وجل الموفق للصواب برحمته إن شاء الله تعالى)[9] اهـ.

~ الإمام العارف أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (418 هـ)

قال: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة ...) فذكر أشياء إلى أن قال: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سميع بصير عليم خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل، كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال)[10] اهـ.



~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

قال في رسالته إلى أهل زبيد: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال)[11] اهـ.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

قال حاكياً مذهب السلف في الصفات: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله r من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله)[12] اهـ.

وقال أيضاً مبيناً أن التأويل في صفات الله من سمات أهل البدع: (والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة: أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً، ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه)[13] اهـ.



~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

قال "إبطال التأويلات" : (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)[14] اهـ.

وقال: (ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه، يعني :على زعم من قال إن ظاهرها تشبيه)[15] اهـ.



~ الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (516 هـ)

قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله عز وجل، ثم ذكر صفات: النفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح ثم قال: (فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل – ثم ساق آثار السلف)[16] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

قال بعد ما قرر صفة الوجه واليد والاستواء وغيرها لله تعالى: (وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن، وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله r، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته)[17] اهـ.



~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

قال: (فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه) إلى أن قال: (وكل ما قال الله عز وجل في كتابه، وصح عن رسول الله r بنقل العدل عن العدل – أي لا نشبه ولا نكيف ولا نتأول -، مثل : المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضى، وسائر ما صح من الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين)[18] اهـ.

ثم قال في كلام جامع: (واعلم رحمك الله: أن الإسلام وأهله أتوا من طرائق ثلاث:

فطائفة: روت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار.

وأخرى: قالوا بصحتها وقبلوها ثم تأولوها، فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأخرى.

والثالثة: جانبوا القولين، وأخذوا بزعمهم ينزهون، وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين)[19] اهـ.



~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)

قال في "لمعة الاعتقاد": (وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله....) اهـ.

ثم قال بعد أن ساق جملة من صفات الله: (ومن السنة ، قول النبي r: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا» وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة» وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى11، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه....).

إلى أن قال: (فهذا وما أشبههه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله)[20] اهـ.

وقال أيضاً في "ذم التأويل" : (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها...)[21] اهـ.

يوسف التازي
15-01-15, 03:39 PM
إلى أن قال مبيناً الإجماع على ترك التأويل: (وأما الإجماع: فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة. والإجماع حجة قاطعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد عليه السلام على ضلالة، ومن بعدهم من الأئمة قد صرحوا بالنهي عن التفسير والتأويل، أمروا بإمرار هذه الأخبار كما جاءت، وقد نقلنا إجماعهم عليه فيجب اتباعه ويحرم خلافه، ولأن تأويل هذه الصفات لا يخلوا إما أن يكون علمه النبي r وخلفاؤه الراشدون وعلماء أصحابه أو لم يعلموا، فإن لم يعلموه فكيف يجوز أن يعلمه غيرهم، وهل يجوز أن يكون قد خبأ عنهم علماً وخبأ للمتكلمين لفضل عندهم)[22] اهـ.



~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

قال معقباً على الأثر المشهور عن الإمام مالك "الاستواء معلوم، والكيف مجهول": (هذا ثابت عن مالك وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أن الله جل جلاله لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا)[23] اهـ.

وقال في ترجمة إسحاق بن راهويه: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء.

قلت: هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها، مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حوماً على التكييف أو التعطيل)[24] اهـ.



~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

قال: (والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد، ولا خوض في معانيها، ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريباً من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئاً من ذلك اتباعاً لطريقة مقاتل، فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبي عبيد، ونحوهم، وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلاً عن كلام الفلاسفة)[25] اهـ.



~ العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (1207 هـ)

قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه {ليس كمثله شيء}: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر r ..)[26] اهـ.





فرع: في موافقة إبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه واليدين والعينين وإبطال تأويلها



لم يختلف قول أبي الحسن الأشعري في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن، وقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه:

فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.

وأنه نور كما قال تعالى: {الله نور السموات والأرض} النور35.

وأن له وجهاً كما قال الله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27.

وأن له يدين كما قال: {خلقت بيدي} ص75.

وأن له عينين كما قال: {تجري بأعيننا} القمر14.

وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.

وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.

ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله r)[27] اهـ.

وقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: (وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله عز وجل، أو جاءت به الرواية عن رسول الله r، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف)[28] اهـ.

وقال أيضاً : (هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة

جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله r، لا يردون من ذلك شيئاً .... – إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} طه5.

وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} ص75، وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.

وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تجري بأعيننا} القمر14.

وأن له وجهاً كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27)[29] اهـ.

وقال في "الإبانة" : (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون .

قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد r، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم .

وجملة قولنا: ...) ثم ذكر أموراً إلى أن قال: (وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.

وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: {خلقت بيدي} ص75، وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64

وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14)[30] اهـ.

وقال أيضاً : (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:

قال الله تبارك وتعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88،، وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك .

وقال تعالى: {تجرى بأعيننا} القمر14، وقال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} هود37، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد .

وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور48، وقال تعالى: {ولتصنع على عيني} طه39، وقال تعالى: {وكان الله سميعا بصيرا} النساء85،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: {إنني معكما أسمع وأرى} طه46. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته... ) إلى أن قال: (مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟

قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.

مسألة:

قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟

قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، ، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75.

وروي عن النبي r أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف)[31] اهـ.

وقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: (وإذا كنا متى أثبتناه غضباناً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حياً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر)[32] اهـ.



كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال :

فقال في "مقالات الإسلاميين": (باب قول المعتزلة في "وجه الله": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو... والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه)[33] اهـ.

وقال في موضع آخر: (قولهم في العين واليد : وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم، وتأول قول الله عز وجل: {ولتصنع على عيني} طه39، أي بعلمي.)[34] اهـ.

وقال: (الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا في العين واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.

وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله r فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف....

وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله: {تجري بأعيننا} القمر14، أي بعلمنا)[35] اهـ.

وقال في سياق أقوال المعتزلة : (وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله عز وجل: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45، أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.)[36] اهـ.

وقال في "الإبانة" : ( الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة ..) ثم ساق كثيراً من أقوالهم إلى أن قال: (ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: {لما خلقت بيدي} ص75،، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14، وقوله: {ولتصنع على عيني} طه39)[37] اهـ.

وقال في موضع آخر: (ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين)[38] اهـ.

وليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إلى الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، إذاً لكفروا إجماعاً، وإنما ينفون أن يكون وجهاً حقيقة، وإلا لم يكن خلاف بين أهل الحديث والمعتزلة إذا كان الجميع يثبتون وجهاً مضافاً إلى الله، وليس وجهاً حقيقة، بل مجاز!!!

وكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.

وهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن تكون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة، إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه الأشعريان.

وقال الأشعري أيضاً في رد تأويل الصفات: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟

قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10،، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75،.

وروي عن النبي r أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف .

وجاء في الخبر المأثور عن النبي r: (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، أي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وجاء عن النبي r أنه قال: (كلتا يديه يمين) . وقال تعالى: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45.

وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا .

مسألة:

ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟

فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.

وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.

قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4،، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103،، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3،، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء82، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم

يوسف التازي
15-01-15, 03:43 PM
وقال الذهبي في السير: (قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول)[40] اهـ.



فرع في بيان معنى التأويل عند السلف ومعناه عند الأشاعرة

التأويل عند الأشاعرة كما عرفه الأشعريان (ص144): (هو صرف اللفظ عن الظاهر بقرينة تقتضي ذلك) اهـ.

وهذا اصطلاح متأخر للمتكلمين، وهو خلاف التأويل في اللغة، وفي كلام السلف.

قال في مختار الصحاح: (التَأْويلُ تفسير ما يؤول إليه الشيء)[41]اهـ.

وقال في اللسان: (الأَوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَؤُول أَولاً ومآلاً: رَجَعَ .... التهذيب: وأَما التأْويل فهو تفعيل من أَوَّل يُؤَوِّل تَأْويلاً وثُلاثِـيُّه آل يَؤُول أَي رجع وعاد..)[42] اهـ.

فتلخص من هذا أن التأويل في لغة العرب يراد به أمران:

الأول: مآل الشيء، وهو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. وإذا كان الكلام إما خبر وإما طلب:

فتأويل الخبر: حقيقته ووقوعه، كما قال تعالى: {هذا تأويل رؤياي من قبل} يوسف100، أي: هذا هو نفس رؤياي، أي وقوعها وحقيقتها. وقوله: {هل ينظرون إلا تأويله. يوم يأتي تأويله لا يقول الذين نسوه من قبل}الآية الأعراف53. أي هل ينتظرون إلا نفس وقوع ما أخبر الله به من الوعيد والعذاب.

وتأويل الطلب الذي هو أمر ونهي: هو نفس فعل المأمور بامتثاله والعمل به، ونفس ترك المنهي، كما في قول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي r يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن)[43]. تعني: يمتثل ويعمل بقوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} النصر3.

والمعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه، وهو المقصود في قول المفسرين "تأويل قوله تعالى"، وقد سمى ابن جرير تفسيره الكبير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن". ومنه قول الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما تأولته من القرآن على غير تأويله".

فعلى المعنى الأول: يكون تأويل ما أخبر الله تعالى به من صفاته وأفعاله، هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله تعالى كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولا سبيل لأحد إلى العلم به وإحاطته.

وعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.

وعلى المعنى الثاني: يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه بما له من الصفاته العلية، هو تفسير وفهم معنى ما وصف الله به نفسه من الصفات العظيمة الجليلة، وهذا يُعرف من اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها، وتعرَّف إلينا بواسطتها، مع العلم بأنه لا يشبهه شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

وعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: {والراسخون في العلم} آل عمران7، كما هو مذهب كثير من السلف.

قال ابن جرير: (واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.

فقال بعضهم: معنى ذلك وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفرداً بعلمه،
وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله. ذكر من قال ذلك ....- فذكر: عائشة وابن عباس وعروة وأبي نهيك وغيرهم -

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. ذكر من قال ذلك... - فذكر ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير )[44] اهـ.

وأما ما اصطلح عليه المتأخرون من أصناف المعطلة على اختلاف فرقهم من أن التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره بقرينة. فهو اصطلاح حادث.

وهم يجعلون من القرائن على صرف دلالة الصفات عن ظاهرها وحقيقتها ما دلت عليه عقولهم، لا ما دل عليه الأثر وما اجتمع عليه السلف، فيجعلون عقولهم حاكمة على ما يوصف الله تعالى به على الحقيقة، وما لا يوصف به على الحقيقة، دون الأدلة النقلية من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.

وهذا النوع من التأويل هو الذي صنف فيه منهم جماعة كما صنف أبو بكر بن فورك كتابه "تأويل مشكل القرآن"، ورد عليه آخرون كالقاضي أبي يعلى في كتابه "إبطال التأويلات في أخبار الصفات" وكذلك ابن قدامة في كتابه "ذم التأويل".



خلاصة الفصل:

أولاً: أن السلف مجمعون على تحريم تأويل صفات الله تعالى الواردة في الكتاب أو السنة، كما نقله غير واحد ممن ذكرنا كلامهم.

ثانياً: أن تأويل الصفات بدعة وهو شعار المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وكل من وافقهم.

ثالثاً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون إليه فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.

رابعاً: جهل الأشعريين بمذهب السلف حيث قالا (ص74): (وكلا الطريقين التفويض والتأويل بشرطه ثابت عن سلف الأمة) اهـ.

وقالا (ص102): (وينسى هؤلاء أن جل الأمة على مذهب التأويل، وأن جماعات من السلف قالوا به) اهـ.

وقالا (ص143): (قضية التأويل ... منقولة عن الصحابة والسلف الطيب) اهـ.

وقالا عن التأويل (ص157): (ومذهب ثابت عن جماعات من السلف) اهـ.

وقالا في كون التأويل لا يستلزم تبديعاً ولا تفسيقاً (ص141-143): (فإن الخلاف في هذا النوع –أي تأويل الصفات- من القضايا لا يترتب عليه شيء قطعاً، إذ لم يُنقل عن الصحابة والسلف أنهم ضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك ..... وأنها من المسائل التي لا يترتب على الخلاف فيها ضلال ولا بدعة) اهـ.

وقالا مُقَرِّرَيْن جواز التأويل وإن لم يرد عن السلف (ص161): (ونحن نقول: لنفترض أنه لم يُنقل عن أحد من السلف التصريح بتأويل شيء من ذلك، فأي حرج على من سلك سنن العرب في فهم الكلام العربي، وحمل هذه النصوص على ما تجيزه لغتهم ...) اهـ.

ولا ريب أن هذا مخالف لما ذكرناه من إجماع السلف على تبديع التأويل والمنع منه، ومصادم لنصوصهم الصريحة في تبديع المتأولة في صفات الله والإنكار عليهم، والتحذير منهم.

أما قولهما أن الصحابة لم يضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك، فلأنه لم يثبت عن أحد من السلف قط تأويل صفة ثابتة لله تعالى.

وأما ما ذكراه مما استدلا به على ثبوت التأويل عن السلف فسنجيب عليه في الباب الثالث.

ومعلوم أيضاً أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، وبالحديث والآثار، وبعضهم من أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم، ويستحيل أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتاً عن السلف في نفس الأمر. وسيأتي مزيد من التقرير لهذا الأمر في الباب الثالث.

يوسف التازي
15-01-15, 03:55 PM
الفصل السادس

في بيان أن إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم التشبيه بخلقه

وأنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق



إن مما أوقع الأشعريّيْن في تحريفهم للصفات باسم التأويل، وإخراجها عن ظاهرها، وادعاء أن ظاهرها غير مراد، أنهما فهما من إثبات الصفات لله تعالى لوازم صفات المخلوق الضعيف الفقير العاجز الممكن، فقالوا: لو أثبتنا كذا وكذا للزم كذا وكذا، جهلاً منهما بالشرع والعقل واللغة.

قال تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.

فأثبت لنفسه السمع والبصر وهما مما يتصف بهما المخلوق، ونفى عن نفسه مماثلة شيء من خلقه.

وقال تعالى {هل تعلم سميا} مريم65.

وقال {ولم يكن له كفوا أحد} الإخلاص4.

وقال {فلا تضربوا لله الأمثال} النحل74.

وقال {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} البقرة22، أنه لا ند له ولا نظير.

ومن المعلوم أن لله ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، وأنه لا يلزم من إثبات الذات له ما يلزم من ذات المخلوق، فالذي صرف التشبيه عن إثبات الذات لله، هو نفسه الذي يصرف التشبيه عن إثبات جميع صفاته. فلما عُلم قطعاً مباينة الخالق للمخلوق في الذات والوجود، علم مباينته لخلقه في الصفات، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، والله عز وجل ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كانت له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات.

فلا يلزم من صفات الله تعالى ما يلزم من صفات المخلوق، إذ المخلوق تلزمه أمور من النقص لنقص أصله وفقره وذله وضعفه، ولا يلزم هذا في صفة جبار السماوات والأرض، ومبدع كل شيء وخالقه، الذي لا تحيط بكنه ذاته وصفاته العقول، ولا تدركه الأوهام والظنون.

وأنا أنقل هنا بعض كلام الأئمة في أن إثبات الصفات لله تعالى لا يلزم منه ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الذين يلزمون صفات الله ما يلزم من صفة المخلوق إنما هم المعطلة بأصنافهم وأنواعهم.



~ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)

قال: (فأما الذى جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لابد أن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعَمِى عن البين بالخفى، فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها)[1] اهـ.



~ الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الكوفي (182 هـ)

قال: (فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه ولا يوصف إلا بصفاته) إلى أن قال: (فقد أمرنا أن نوحده وليس التوحيد بالقياس، لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين. ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء تبارك وتعالى)[2] اهـ.

~ عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (191 هـ)

قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله والتنزّل والملالة والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده)[3] اهـ.

~ الحافظ نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي (228 هـ)

قال: ( من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه)[4] اهـ.



~ عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (230 هـ)

قال في مناظرته للجهمي: (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب استوى فلان على السرير فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.

باب من البيان لذلك يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله)[5] اهـ.



~ الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238 هـ)

قال: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون} الأنبياء23، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله عز وجل موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء)[6] اهـ.

~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

قال في كتابه "الرد على الجهمية": (فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى. قالوا: لم يتكلم ولا يكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح عن الله منفية. فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماًً لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله)[7] اهـ.

وقال في "باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى": (فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كوّن شيئاً فعبر عن الله، وخلق صوتاً فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. فقلنا: هل يجوز لمكوِّن أو غير الله أن يقول: {يا موسى إني أنا ربك} طه12؟ ...) إلى أن قال: (وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسماوات والأرض {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} فصلت11، أتراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} الأنبياء79، أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شهدت على الكافر {فقالوا لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} فصلت21، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان )[8] اهـ.

وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى)[9] اهـ.

وهذا منه رحمه الله إبطال قياس الخالق على المخلوق فيما وصف الله به نفسه، وأن الواجب هو التسليم من غير قياس لصفاته بصفات خلقه.



~ أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (264 هـ)

قال: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه r، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله r في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه r من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح )[10] اهـ.

وقد سبق أن ذكرنا أن من علامة الجهمية المعطلة، تسميتهم المثبتة مشبهة، ونقلنا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وإبي حاتم، وغيرهم[11].



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال: (أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو موجود في الخلق خطأ، فإنا لا نقول: إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر. ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو موجود في الخلق أشد أنفاً منكم، غير أنا كما لا نشبهها، ولا نكيفها، لا نكفر بها، ولا نكذب، ولا نبطلها بتأويل الضلال، .....) إلى أن قال: (فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله تعالى التي لم تر العيون، وقصرت عنها الظنون)[12] اهـ.

وقال: (أما هؤلاء الذين سميتهم مشبهة: أن وصفوه بما وصف به نفسه بلا تشبيه؟ فلولا أنها كلمة هي محنة الجهمية التي بها ينبزون المؤمنين بها ما سمينا مشبهاً غيرك لسماجة ما شبهت ومثلت. ويلك! إنما نصفه بالأسماء، لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم عليم حكيم حليم رحيم لطيف مؤمن عزيز جبار متكبر.

وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق، والمنظر، واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهاً واحداً بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم، إذ جهلتموه فإن التسمية من التشبيه بعيدة.)[13] اهـ.

وقال: (وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله عز وجل المؤمنين بما قال الله: أنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء، فقد ادعيت عليهم في ذلك زوراً باطلاً، وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها، إنما يثبتون منها ما أنت له معطل وبه مكذب، ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله تعالى ورسوله r، ولا يدّعون جوارح ولا أعضاء كما تقولت عليهم، غير أنك لا تألو في التشنيع عليهم بالكذب، ليكون أروج لضلالتك عند الجهال)[14] اهـ.

وقال: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله r.)[15] اهـ.

وقال: (وادعى المعارض أيضاً أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة t عن النبي r : "أنه قرأ {سميعا بصيرا} النساء85، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه".

وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره، كما روى المعارض غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصراً بعين كعين، وسمعاً كسمع جارحاً مركباً.

فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعاً وبصراً فقد صدقت.

وأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع، فإنه كذب ادعيت عليهم، لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.

وأما دعواك أنهم يقولون: جارح مركب فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول r، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين، وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله r، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.)[16] اهـ.

وقال: (ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله على ما يعقلون من أنفسهم، وهذا كذب تدعيه عليهم لأنا لم نسمع أحدا منهم يشبه شيئاً من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك، يضحك كما يشاء كما يليق به، وتفسيرك هذا منبوذ في حشك)[17] اهـ.



~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)

قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول: يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.

وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.

ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.

ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا.)[18] اهـ.





~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

قال في كلام طويل نفيس: (فاسمعوا الآن أيها العقلاء، ما نذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب، هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار ومتبعي السنن؟ نحن نقول وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: إن لمعبودنا عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقياً، فنفى عنه الهلاك والفناء، ونقول: إن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء التي وصف الله بها وجهه، تدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها، لنفي السبحات عنها، التي بينها نبينا المصطفى r لوجه خالقنا ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة، لم تكن فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعد ما كانت عدماً، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعاً ميتاً، ثم تصير رميماً، ثم ينشئها الله بعد ما قد صارت رميماً، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقها في القيامة، ومن المحاسبة بما قدمت يداه وكسبه في الدنيا ما لا يعلم صفته غير الخالق البارئ، ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها، أو إلى النار معذبة فيها، فهل يخطر يا ذوي الحجا ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه؟ وهل ها هنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم، التي ذكرناها ووصفناها؟ غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم، كما سمى الله وجهه وجهاً، .... نحن نثبت لخالقنا جل وعلا صفاته التي وصف الله عز وجل بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى r مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه، ونقول كلاماً مفهوماً موزوناً يفهمه كل عاقل. نقول: ليس إيقاع اسم الوجه للخالق البارئ بموجب عند ذوي الحجا والنهى أنه يشبه وجه الخالق بوجوه بني آدم، قد أعلمنا الله جل وعلا في الآي التي تلوناها قبل أن الله وجهاً ذواه بالجلال والإكرام، ونفى الهلاك عنه ....) ثم ذكر صفات كثيرة مما تسمى الله بها وسمى خلقه بها ثم قال: (ولو لزم –يا ذوي الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه وثبتوا له نفسا عز ربنا وجل، وإنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكاً أو عظيماً ورءوفاً ورحيماً وجباراً ومتكبراً، أنه قد شبه خالقه عز وجل بخلقه، حاشا لله أن يكون من وصف الله عز وعلا بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى r مشبهاً خالقه بخلقه. ...)[19] اهـ.

وقال مثله في صفة اليد، والأصابع، ونحوها.



~ عمرو بن عثمان أبو عبد الله المكي الزاهد ( توفي بعد 300 هـ)

قال في كتابه "التعرف بأحوال العباد والمتعبدين" في باب ما يجيء الشيطان للتائبين: (فإن اعتصمت بها وامتنعت منه، أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد r فقال لك: إذا كان موصوفاً بكذا، أو وصفته، أوجب له التشبيه. فأكذبه لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى)[20] اهـ.



~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)

قال في الرد على مؤولة صفة النزول لله تعالى: (فيقول –أي المعطل- : إن قلنا ينزل، فقد قلنا إنه يزول، والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال لأن كل نازل زائل.

فقلنا: أو لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف، لأنكم إن جحدتم الآثار وكذبتم بالحديث رددتم على رسول الله r قوله، وكذبتم خبره.

وإن قلتم لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان.

لكن نصدق نبينا كما قال: (ينزل ربنا عز وجل) ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله)[21] اهـ. [الإبانة 3/239]

وقال أيضاً: (وقالوا: لا نقبل ولا يجوز أن نصف الله إلا بما قبله المعقول.

وقالوا: لا نقول إن لله يدين، لأن اليدين لا تكون إلا بالأصابع وكف وساعدين وراحة ومفاصل، ففروا بزعمهم من التشبيه، ففيه وقعوا، وإليه صاروا.

وكل ما زعموا من ذلك، فإنما هو من صفات المخلوقين، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لأن يد الله بلا كيف، وقد أكذبهم الله عز وجل وأكذبهم الرسول.) اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)

قال: (فقال عز وجل {كتب ربكم على نفسه الرحمة} الأنعام12، وقال النبي r: (قال الله تعالى وتقدس: إني حرمت الظلم على نفسي) وقال النبي r بياناً لقوله: (إن الله كتب كتاباً على نفسه فهو عنده: إن رحمتي سبقت غضبي) فبين مراد الله فيما أخبر عن نفسه، وبين أن نفسه قديم غير فان بفناء الخلق، وأن ذاته لا توصف إلا بما وصف، ووصفه النبي r، لأن المجاوز وصفهما يوجب المماثلة، والتمثيل والتشبيه لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يكون باتفاق الأسماء، وإنما وافق الاسم النفس اسم نفس الإنسان الذي سماه الله نفساً منفوسة، وكذلك سائر الأسماء التي سمى بها خلقه، إنما هي مستعارة لخلقه منحها عباده للمعرفة. ... – ثم ذكر جملة من الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصف بها خلقه، فذكر الكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ....

ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله عز وجل بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله r، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11)[22] اهـ.



~ الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (429 هـ)

قال الذهبي: (وقال أهل السنة في قوله {الرحمن على العرش استوى} طه5،: إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز. فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.

قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين، وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات، قلنا: فكذلك هو حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم، يعني ولا يلزم اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات)[23] اهـ.



~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

قال في كتاب "الإبانة": (والأصل الذي يجب أن يُعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي r كان موجوداً حياً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً لم يكن ذلك تشبيهاً ولا خالفنا به أحداً من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم، وحَيِيَ بمعنىً حلّه، ثم يصير ميتاً بزوال ذلك المعنى، وعَلِم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق سبحانه وتعالى، وإن اتفقت مسميات هذه الصفات)[24] اهـ.



~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة في الكلام حول اعتقاد والده: (وذكر رحمه الله عليه كلاماً معناه: أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين:

إما أن يكونوا هم الذين ابتدأوا الصفة لله عز وجل واخترعوها.

أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه في الأحاديث التي هم ناقلوها.

فأما أن يكون صاحب الشريعة r هو المبتدىء بهذه الأحاديث، وقوله r حجة يسقط بها ما يعارضها وهم تبع له، ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات ونفي التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟ .

وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون في أصول الدين على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه r، ونحن نجد في كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات ولا نجد فيهما ذكر التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟)[25] اهـ.



~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)

قال بعد أن روى حديث الجارية التي سألها النبي r: "أين الله؟ فقالت: في السماء. فقال: اعتقها فإنها مؤمنة": (وأما احتجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته مخلوق، فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه عز وجل ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء لا شريك له، وقد قال المسلمون وكل ذي عقل أنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه)[26] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

قال: (فصل: في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله عز وجل، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة أن لله وجهاً ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجباً تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي r: "خلق الله آدم على صورته" بموجبة نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله r فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول ورسوله r أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم وحسبنا الله ونعم الوكيل)[27] اهـ.

وقال ناقلاً عن بعض أهل السنة : (إنما يلزم العباد الاستسلام، ولا يعرف ملك مقرب، ولا نبي مرسل تلك الصفات، إلا بالأسماء التي عرّفهم الرب عز وجل، ولا يدرك بالعقول والمقاييس منتهى صفات الله عز وجل، فسبيل ذلك إثبات معرفة صفاته بالاتباع والاستسلام، فإن طعن أهل الأهواء على أهل السنة ونسبوهم إلى التشبيه إذا وافقوا بين الأسماء. يقال: ليس الأمر كما يتوهمون لأن الشيئين لا يشتبهان لاشتباه أسمائها في اللفظ، وإنما يشتبهان بأنفسهما أو بمعان مشتبهة فهماً، ولو كان الأمر كما قالوا وتوهموا لاشتبهت الأشياء كلها لأنه يقع على كل واحد منهم اسم شيء)[28] اهـ.



~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

قال: (قال عبد الله بن الإمام أحمد في السنة حدثني عباس العنبري حدثنا شاذ بن يحيى سمعت يزيد بن هارون وقيل له: من الجهمية؟ فقال: «من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي».

قال الذهبي: ("يقر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم)[29] اهـ.

وقال : (فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر)[30] اهـ.



~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

قال بعد جواز التسمي ببعض أسماء الله كالسميع والبصير: (فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع، والبصير، والقدير، والعليم، والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة. وكذلك الوصفية.

فقولنا: زيد سميع بصير، لا يفيد إلا صفة المخلوق، وقولنا: الله سميع بصير، يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه، ولهذا قال تعالى: {هل تعلم له سميا} مريم65)[31] اهـ.



فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام إبي الحسن الأشعري وكبار أصحابه في أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق



قال: (ولا يجب إذا أثبتنا هذه الصفات له عز و جل على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، .. فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا)[32] اهـ.

وقال: (مسألة: ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: {بيدي} ص75، يدين ليستا نعمتين؟

فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة .

قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.

قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حياً من الخلق إلا جسماً لحماً ودماً، فاقضوا بذلك على الله – تعالى عن ذلك – وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين.

وإن أثبتم حياً لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي؟

وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبراً حكيماً إلا إنساناً، ثم أثبتم أن للدنيا مدبراً حكيماً ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد)[33] اهـ.



~ القاضى ابو بكر محمد بن الطيب الباقلانى (403 هـ)

قال في كتابه "الإبانة": (فان قال قائل فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، وقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.

فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إن كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟.

قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضى نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم أن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً واعتلوا بالوجود)[34] اهـ.



خلاصة الفصل:

أولاً: أن من أصول معتقد السلف: أن صفات الله تعالى التي جاءت في الكتاب والسنة، سواء الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، أو الفعلية كالنزول والإتيان والضحك، أو الذاتية كالسمع والبصر والعلم، لا يستلزم إثبات شيء منها لله تعالى تشبيهاً له بخلقه ولو اتصف بأصل معناها المخلوق، لأن الله تعالى {ليس كمثله شيء} لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. والصفة تابعة للموصوف، فإذا كانت له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تماثل الصفات.

ثانياً: أن الذين يُلزمون صفات الله تعالى أو بعضها ما يلزم من صفات المخلوق، ويتخذون هذا ذريعة إلى صرفها عن ظاهرها وحقيقتها هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ويدخل فيهم كل من مشى على أصلهم في هذا ولو في بعض الصفات.

ثالثاً: مخالفة الأشعريّيْن لمذهب السلف في هذا، وسلوكهما طريق المعطلة الذين اشتد نكير السلف عليهم.

[ بطلان دعوى استلزام الجسمية في إثبات الصفات ]

فقد قالا عمن يثبت صفات الله على ظاهرها من غير أن يُلزموها لوازم صفات المخلوق (ص192): (وكونهم لا يُقرّون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ.

وهذا كلام ظاهر البطلان والفساد شرعاً وعقلاً ولغةً لأمور كثيرة:

أولها: ما سبق تقريره من كلام السلف في بطلان هذا الأمر، وأنه لا يلزم من صفة الله تعالى ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الإضافة تقطع التشبيه والاشتراك. وهو كاف في بطلان دعواهما.

الأمر الثاني: أن هذا تأباه اللغة، لأن الصفة تابعة للموصوف، فإذا قلنا: وجه زيد، ووجه عمرو، لم يكن الوجهان متماثلين بوضع اللغة، وإنما عُلم التماثل والتقارب بالمعاينة والمشاهدة، لأن الصفة للموصوف ولا اشتراك في ذلك، وإنما يقع الاشتراك في أصل الصفة، وهو أمر موجود في الأذهان لا في الأعيان، ولذلك لا يُفهم من قول القائل: وجه زيد، ووجه الماء، تماثلٌ ولا تشابهٌ، لأن الإضافة قاطعة للاشتراك، مع كون زيدٍ والماء مخلوقين، فالتباين بين وجه الخالق ووجه المخلوق أعظم وأعظم.

قال ابن الزاغوني في "الإيضاح" في تقرير قاعدة مهمة: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يُعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضواً وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم: من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات، فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجساماً، والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضاً كذلك، فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا الكلام واضح جلي)[35] اهـ.

وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره عز وجل، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها)[36] اهـ.



الأمر الثالث: أن الصفات التي يزعم الأشعريان أنه يلزم منها الجسمية والحد كالنزول، والمجيء، والوجه، واليد، ونحوها، يتصف بها ما ليس بجسم. فيقال: وجه الأمر، ووجه الماء –والماء ليس جسماً لغة وسيأتي الكلام على معنى الجسم والجسمية-، ويقال: نزول البائع بالثمن، ومجيء الشتاء، ويد الليل، ونحو ذلك، وهذه الأمور ليست أجساماً لا لغةً ولا في اصطلاح أهل الكلام والأشاعرة، ومع ذلك صح وصفها بالمجيء، والنزول، والوجه، واليد، وهذا يبطل دعوى لزوم الجسمية لمن اتصف بهذه الصفات.

الأمر الرابع: أن دعوى الجسمية، وتنزيه الله عنها يحتاج إلى تحرير معنى الجسم، وهل هذا اللفظ مما يصح إثباته أو نفيه عن الله تعالى؟

[ تحرير معنى الجسم ]

فنقول:

إن مسمى الجسم في اصطلاح المتفلسفة وأهل الكلام أعم من مسماه في لغة العرب. فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن.

قال ابن منظور في اللسان[37]: (الجِسْمُ: جماعة البَدَنِ أَو الأَعضاء من الناس والإِبل والدواب وغيرهم من الأَنواع العظيمة الخَلْق .... أَبو زيد: الجِسْمُ الـجَسَدُ، وكذلك الجُسْمانُ، والجُثْمانُ الشخص . وقد جَسُمَ الشيءُ أَي عَظُمَ، فهو جَسِيمٌ و جُسام، بالضم)

فأهل اللغة لم يستعملوا الجسم إلا فيما كان غليظاً كثيفاً، فلا يسمون الهواء جسماً ولا جسداً، ويسمون بدن الإنسان جسماً. كما قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} المنافقون4، وقال: {وزاده بسطة في العلم والجسم} البقرة247.

وأما المتفلسفة وأهل الكلام فهم مختلفون في مسمى الجسم: فمنهم من يقول الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر الفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، ومن هؤلاء من يقول: إنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه[38].

وقد ذكر الأشعري في مقالاته اختلاف أهل الكلام في مسمى الجسم على اثنتي عشرة مقالة[39].

وما عرّفه به أهل الكلام والمتفلسفة لا يُعرف في لغة العرب البتة، لا في أشعارهم، ولا في كتبهم. فالروح مع كونها يشار إليها وتنزل وتصعد، وهي قائمة بنفسها ومع ذلك لا يسميها أهل اللغة جسماً، ولذلك يفرقون بينهما فيقولون: جسم وروح، وهذا يعني أن الجسم في اللغة أخص من المشار إليه. والهواء والسحاب يعلو الأرض ويصعد وينزل ويجيء ولا يسميه أهل اللغة جسماً.

وبناءاً عليه فإن ادعاءهم أن اتصاف الله تعالى بالنزول والمجيء ونحوها من الصفات الفعلية أو الخبرية يستلزم الجسمية باطل، لأنها أمور يتصف بها الجسم وغير الجسم.

والأشاعرة يثبتون لله تعالى ذاتاً حقيقة متصفة بالصفات قائمة بنفسها، ولا يلزم عندهم أن تكون جسماً، وأما إثبات اليد، والوجه، والقَدَم، والنزول، والضحك، ونحوها من صفات الذات فإنها تستلزم التجسيم عندهم، وهذا تناقض منهم!!.

قال ابن أبي يعلى وهو يحكي اعتقاد والده: (ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات .

يبين صحة هذا: أن البارىء سبحانه موصوف بأنه: حي عالم قادر مريد، والخلق موصوفون بهذه الصفات، ولم يدل الاتفاق في هذه التسمية على الاتفاق في حقائقها ومعانيها، هكذا القول في أخبار الصفات، ولا يلزم عند تسليمها من غير تأويل إثبات ما يقتضيه الحد والشاهد في معانيها.)[40] اهـ.

وقد ذكرنا رد أبي الحسن الأشعري نفسه على هذه الدعوى آنفاً.

وأما أهل السنة والسلف فلا يتكلمون في نفي الجسم عن الله أو إثباته، ولا في غيره من الألفاظ التي لم ترد في كتاب ولا سنة كالجهة والتحيز ونحوها، وإنما يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه رسوله r لا يتجاوزون القرآن والحديث.

كما قال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك)[41] اهـ.

ونقل أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله بشيء من ذاته، بليصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً، تبارك الله رب العالمين)[42] اهـ.

وقال البربهاري: (ولا يُتكلم في الرب، إلا بما وصف به نفسه عز وجل في القرآن، وما بيّن رسول الله r لأصحابه ..)[43] اهـ.

وبين رحمه الله أن هذه الألفاظ المحدثة هي أساس ظهور البدع فقال: (واعلم رحمك الله لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولّدوا كلاماً مما لم يجيء فيه أثر عن رسول الله r، ولا عن أصحابه: لم تكن بدعة)[44] اهـ.

وقال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله في تقرير هذه القاعدة: (فمن السنن اللازمة: السكوت عما لم يرد فيه نص عن رسوله، أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات، وكما لا يُثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا يُنفى إلا بدليل سمعي)[45] اهـ.

بل بَدَّّع السلف أهل الكلام بهذه الألفاظ وذموهم غاية الذم لما فيها من الاشتباه ولبس الحق.

كما قال الإمام أحمد: (يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبِّسون عليهم)[46].

وقال نوح بن الجامع: (قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة)[47].

ولم يذم أحدٌ من السلف أحداً بأنه مجسم، ولا ورد عنهم ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات، وذموا أيضاً المشبهة الذين يقولون: صفاته تعالى كصفات خلقه.

[ الكلام حول العقيدة المنسوبة للإمام أحمد لأبي الفضل التميمي ]

وأما ما نقله الأشعريان (ص194) عن الإمام أحمد من قوله: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم، ولا من جنس الأجسام...الخ)

ففيه أمور مهمة:

الأمر الأول: أن هذا ليس من كلام الإمام أحمد، بل هو مما ذكره أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في مصنفه في اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه من اعتقاده بلفظ نفسه، فجعل يقول: كان أبو عبد الله، ويذكر من اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه ورآه، لا بما نص عليه الإمام أحمد، فصار بمنزلة من يصنف كتاباً في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده، فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة، ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفهمه، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده.

وكان التميميون أبو الحسن التميمي وابنه وابن ابنه ونحوهم مائلين إلي الأشاعرة، وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور، ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما ذكر اعتقاده، اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في اعتقاد الإمام أحمد، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

وكثيرٌ مما ذكره أبو الفضل التميمي مخالف لمعتقد الإمام أحمد الثابت عنه، كما نقل عنه نفي الجسم والجوارح والتركيب ونحو هذه الألفاظ، وقد كانت طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة أنهم لا يطلقون هذه الألفاظ لا نفياً ولا إثباتاً، بل يقولون إثباتها بدعة كما أن نفيها بدعة، وإنما يلتزمون ما جاء في الكتاب والسنة من صفة الله تعالى.

قال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك)[48] اهـ.

[ المصادر التي تمكن من خلالها معرفة عقيدة الإمام أحمد ]

ومن المعلوم أن عقيدة الإمام أحمد إنما تؤخذ مما ذكره بلفظه، لا مما فُهم من كلامه، ومصادرها متنوعة:

المصدر الأول: ما كتبه وسطره بنفسه ككتاب "الرد على الجهمية والزنادقة"، وكرسائله إلى أصحابه كرسالته إلى مسدد، ورسالته إلى عبدوس بن مالك العطار، ورسالته إلى الحسن بن إسماعيل الربعي، ورسالته إلى محمد بن يونس السرخسي، وغيرها من رسائله المنقولة عنه بالإسناد الثابت.

المصدر الثاني: مما صح عنه من كلامه وألفاظه المنقولة عنه، كما عند الخلال في "السنة" وفي "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وفي غيرها من كتبه، وكذلك ما نقله ابنه عبد الله في كتاب "السنة" وفي مسائله عن والده، وما نقل في مرويات "مسائل الإمام أحمد" كرواية أبي داود، ورواية ابن هانئ، ورواية صالح بن الإمام أحمد، وكذلك "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" برواية الكوسج، وككتاب "الورع" للمروذي، وكذلك ما نُقل عنه في الكتب المسندة في السنة ككتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي، وكتب ابن منده، وكتب ابن بطة، و"الشريعة" للآجري، و"إبطال التأويلات" للقاضي أبي يعلى وغيرها من كتبه.

الأمر الثاني: أنه ليس في شيء من الكتب الذي ذكرناها شيء من هذه الألفاظ لا نفياً ولا إثباتاً.

بل الثابت عن الإمام أحمد إنكاره على الجهمية نفي لفظ الجسم، وامتنع من الموافقة على نفيه، كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته، كما جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة القرآن في محنته المشهورة لما ألزمه بأن القول بأن القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسماً، فأجابه الإمام أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل بهذا القول، فلا يوافقه عليه، بل يعلم أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

[ مخالفة الأشاعرة لعقيدة التميمي المنسوبة للإمام أحمد ]

الأمر الثالث: أن في هذه العقيدة المنسوبة للإمام أحمد والتي اعتمد عليها الأشعريان في بيان معتقده، مسائل كثيرة مخالفة لمعتقد الأشاعرة الذي يزعم الأشعريان أنه معتقد أهل السنة، ومعتقد الإمام أحمد، وأذكر منها بعض الأمثلة:

المثال الأول: قال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد لما ذكر الوجه لله تعالى: (وذلك عنده وجه في الحقيقة دون المجاز، ووجه الله باق لا يبلى، وصفة له لا تفنى، ومن ادعى أن وجهه نفسه فقد ألحد، ومن غير معناه كفر)[49] اهـ.

وليس وجه الله عند الأشاعرة على الحقيقة ، فمنهم من يقول وجهه: ذاته، ومنهم من يفوض المعنى.

قال عبد القاهر البغدادي في "أصول الدين" في صفة الوجه لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه رؤيته للأشياء)[50] اهـ.

وقال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد" في فصل "اليدان والعينان والوجه": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود.)[51] اهـ

بل ذكر الأشعريان في كتابهما أن إثبات الوجه لله يستلزم التجسيم، فقالا (ص193): (إن الفرق بين الألفاظ التي تدل على الأجسام وما إليها وبين الألفاظ التي تدل على المعاني كبير وشاسع ....فالأولى ما يتبادر عند سماعها العضو والجسم .....وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز كلفظ ( اليد، والأصبع، ...، والوجه،...)) اهـ.

فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!

المثال الثاني: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة في ذاته، ....ويفسد أن تكون يد القوة والنعمة والتفضل. لأن جمع يد: أيدٍ، وجمع تلك أياد)[52] اهـ.

وعند الأشعريّيْن أن اليد لله تستلزم التجسيم، وليست صفة له في ذاته، بل إما التفويض مع امتناع أن تكون صفة له على الحقيقة، وإما تأويلها بالنعمة أو القدرة.

فقالا (ص153): (مثال على هذا –أي التفويض- قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود ... أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه ... احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ.

فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!

المثال الثالث: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف)[53] اهـ.

وعند الأشعريّيْن والأشاعرة أن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه ليس بحرف ولا صوت، وأن من قال بالحرف والصوت فقد شبه الله بخلقه وضل وابتدع.

قالا (ص76): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة والمكان والحيز والحرف والصوت وظواهر المتشابه .....وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه "إلجام العوام" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة والمكان والحروف والأصوات وظواهر المتشابه...) اهـ.

وسيأتي مزيد بيان لهذه الصفة في الفصل الثالث من الباب الثاني.

فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!

المثال الرابع: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يبطل الحكاية –أي القول بأن القرآن حكاية عن كلام الله وليس هو نفس كلام الله- ويضلل القائل بذلك. وعلى مذهبه: أن من قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله عز وجل، فقد جهل وغلط ....ولم يُنقل عن أحد من أئمة المسلمين من المتقدمين من أصحاب رسول الله r والتابعين عليهم السلام القول بالحكاية والعبارة، فدل على أن ذلك من البدع المحدثة)[54] اهـ.

ومن المعلوم أن الذي يقول: أن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله هما عبد الله بن كلاب والكلابية، وأبو الحسن الأشعري والأشعرية.

قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته: (قال عبد الله بن كلاب: أن الله سبحانه لم يزل متكلماً ... وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معنى واحد بالله عز وجل ... وزعم عبد الله بن كلاب أن ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله عز وجل، وأن موسى عليه السلام سمع الله متكلماً بكلامه، وأن معنى قوله: {فأجره حتى يسمع كلام الله} التوبة6، معناه حتى يفهم كلام الله..)[55] اهـ.

وقال الشهرستاني في "الملل والنحل" : (وكلامه واحد هو: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد؛ وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات.......والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان؛ فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام؛ غير أن العبارة تسمى كلاماً: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ)[56] اهـ.

فها هو الإمام أحمد كما في عقيدته التي يستند إليها الأشعريان يضلل ويبدع من قال بالحكاية أو العبارة.

وقد قال الأشعريان (ص47-58): (الإمام الأشعري بعد تركه للاعتزال كان على طريق عبد الله بن سعيد بن كلاب .... أن طريق ابن كلاب وطريق السلف هما في حقيقة الأمر طريق واحد، لأن ابن كلاب كان من أئمة أهل السنة والجماعة السائرين على طريق السلف الصالح ....أن الإمام ابن كلاب...لم يبتدع أو يخالف منهج السلف والسنة ..)

فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!

المثال الخامس: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يقول في معنى "الاستواء": هو العلو والارتفاع ... فهو فوق كل شيء، والعالي على كل شيء)[57] اهـ.

وعند الأشاعرة: أن الاستواء نثبته ولا نعلم معناه بل نفوضه، أو نأوله بالاستيلاء، وأنه من المستحيل اعتقاد علو الله تعالى وفوقيته على خلقه لأنه يستلزم التحيز والجهة والمكان، وأن فوقية الله إنما هي فوقية قهر وسلطان، لا فوقية علو وارتفاع. والله عندهم ليس في داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث.

قال البيجوري في شرحه لجوهرة التوحيد: (إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح اتفق أهل الحق وغيرهم عدا المجسمة والمشبهة على تأويل ذلك ....)ثم ذكر أمثلة منها: ({الرحمن على العرش استوى} طه5، فالسلف يقولون: استواء لا نعلمه، والخلف يقولون: المراد به الاستيلاء والملك)[58] اهـ.

وقال الأشعريان (ص139): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه –أي علو الله تعالى على خلقه علواً بمعنى الفوقية والارتفاع- .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى فهي – قطعاً وباتفاق علماء السلف والخلف – مصروفة عن ظاهرها وحقائقها ..) اهـ.

فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!

هذه بعض الأمثلة التي تبين مخالفة الأشاعرة لما ذكره التميمي من معتقد الإمام أحمد، والتي يستندون عليها في بيان معتقده، فأما مخالفتهم للثابت من معتقد الإمام أحمد فأكثر وأكثر.



[1] سبق تخريجه حاشية 124.

[2] رواه ابن منده في التوحيد (3/305) وأبو القاسم التيمي في الحجة (1/11).

[3] التمهيد (7/152).

[4] رواه اللالكائي (3/532) وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/263).

[5] سبق تخريجه حاشية 146.

[6] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/325).

[7] الرد على الجهمية والزنادقة (ص106)

[8] المرجع السابق (ص130-131).

[9] سبق تخريجه حاشية 117.

[10] ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة (1/178).

[11] انظر ص؟؟

[12] الرد على المريسي (1/219-220).

[13] المرجع السابق (1/302-303).

[14] المرجع السابق (1/374-375).

[15] المرجع السابق (2/680).

[16] المرجع السابق (2/688-689).

[17] المرجع السابق (2/780).

[18] التبصير (ص141-145).

[19] التوحيد (ص22-25).

[20] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/63).

[21] الإبانة (3/314).

[22] التوحيد (3/7-9).

[23] سبق تخريجه حاشية 67.

[24] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (2/90-92).

[25] طبقات الحنابلة (2/211).

[26] التمهيد (7/135).

[27] الحجة في بيان المحجة (1/285-287).

[28] المرجع السابق (2/452).

[29] العلو (ص157).

[30] المرجع السابق (ص214).

[31] نقلاً من كتاب منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في العقيدة (ص356).

[32] رسالة إلى أهل الثغر (ص218).

[33] الإبانة للأشعري (ص110).

[34] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/98) وفي بيان تلبيس الجهمية (2/64) وأورده الذهبي في العلو (ص237).

[35] الإيضاح في أصول الدين (ص282) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/37-38).

[36] غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).

[37] لسان العرب/مادة "جسم".

[38] انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/32-33).

[39] مقالات الإسلاميين (2/4).

[40] طبقات الحنابلة (2/211).

[41] سبق تخريجه حاشية 32.

[42] كتاب الاعتقاد لأبي العلاء صاعد بن محمد (ص123-124).

[43] شرح السنة (ص69).

[44] المرجع السابق (ص105).

[45] عقائد أئمة السلف (ص132).

[46] الرد على الزنادقة والجهمية (ص85).

[47] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/213).

[48] سبق تخريجه حاشية 32.

[49] طبقات الحنابلة (2/294).

[50] أصول الدين (ص110).

[51] الإرشاد للجويني (ص155).

[52] طبقات الحنابلة (2/294).

[53] المرجع السابق (2/296).

[54] المرجع السابق (2/296).

[55] مقالات الإسلاميين (2/257-258).

[56] الملل والنحل للشهرستاني (1/83).

[57] طبقات الحنابلة (2/296).

[58] شرح جوهرة التوحيد (ص157).

يوسف التازي
15-01-15, 03:58 PM
الباب الثالث

بطلان ورود التأويل في صفات الله عن أحد من السلف



لما كانت دعوى الأشعريين في جواز تأويل الصفات، بل وتحتُّمه، عريضة، لم يكن بد من الاستدلال عليها من كلام السلف، فإن كلام المتأخرين إن لم يكن له أثارة من السلف الماضين، فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع.

وقد حاول الأشعريان جمع ما أمكن من أقوال الصحابة والسلف من التابعين وأتباعهم، ليستدلوا به على أن تأويل الصفات ثابت عن السلف، فوقعا في أخطاء جسيمة، هي كالتالي:

الخطأ الأول: أنهما لم ينقلا عن السلف من الكتب المسندة في الآثار، وإنما نقلا من كتب المتأخرين، بلا إسناد، ولا عزو لمصادرها.

الخطأ الثاني: أنهما لم يتحققا من صحة وثبوت ما نسباه عن السلف، واكتفيا بالدعاوى المجردة.

الخطأ الثالث: أنهما ينقلان ما يوافق هواهما من كلام بعض السلف، من غير أن يجمعا كل كلامه في المسألة ليتبين معنى كلامه ومراده. ومن المعلوم أنه لا بد من جمع كلام الإمام أو الصاحب في الباب حتى يمكن التحقق من رأيه، كما يفعله أتباع الأئمة الفقهاء من جمع كلام أئمتهم كله في كل باب.

الخطأ الرابع: أنهما ربما نقلا كلاماً لبعض السلف في غير موضعه، كأن ينقلا بعض كلامهم في غير آيات الصفات، أو في آية مختلف على كونها من آيات الصفات.

وهذه الأخطاء تفقد الباب قيمته، بل تجعله كلا شيء، وتبين بعد كاتبه عن أصول التحقيق والبحث العلمي.

وأما طريقة أهل العلم في مثل هذه المسائل، فعلى خطوات:

الخطوة الأولى: التحقق من كون الآية المستدل على كلام السلف فيها، أنها مما اتُّفق على كونها من آيات الصفات، وكذا الأحاديث.

الخطوة الثانية: جمع كلام السلف في الآية أو الحديث من الكتب المسندة، حتى يُتحقق من وجود أصل لها.

الخطوة الثالثة: جمع قول كل إمام على حدة.

الخطوة الرابعة: نخل هذه الآثار، وتمييز الصحيح والثابت منها، من الضعيف.

الخطوة الخامسة: محاولة الجمع بين ما صح عن كل إمام إن كان ثمة شيء من التعارض.

الخطوة السادسة: التوصل إلى الصحيح من قول كل إمام، والجمع بينه وبين كلام غيره من الأئمة.

وبهذه الخطوات يمكن الوصول إلى نتيجة علمية صحيحة في كل دعوى، وإلا كان الجدال عبثاً وسفهاً.

وبالنظر إلى ما استدل به الأشعريان من كلام السلف مما زعما أنه يدل على صحة ورود التأويل عن السلف، يتبين أنه لا يخرج عن أحد أمرين:

الأول: عدم ثبوته عمن نقلا عنه، إما لكونه لا أصل له، أو لضعف سنده، أو لمعارضته لما هو أصح وأشهر من كلامه.

الثاني: أنه في غير موضعه، كأن يكون في غير آيات الصفات، أو مختلفاً فيه.

وقد سبق أن عقدنا فصلاً في إجماع السلف وإطباقهم على منع تأويل الصفات، ومعلوم قطعاً أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، ومن أعلمهم بالحديث والآثار، وبعضهم من كبار أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم، ويستحيل في العادة أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتاً عن السلف في نفس الأمر. بل هذا ضرب من المحال. وهذا رد إجمالاً.

أما تفصيلاً فأنا أذكر هنا جميع ما استدلا به من كلام السلف في التأويل المزعوم، ليتبين لنا بطلان ما ادعياه.

ومن الأهمية بمكان أن يلحظ القارئ فيما سيأتي، أن جميع ما استدلا به هو عين استدلالات الجهمية!!



دعاوى التأويل الوارد عن السلف :



أولاً: دعوى تأويل ابن عباس t للكرسي:

استدلا عليه بما رواه الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن عن ابن عباس t أنه قال: ({وسع كرسيه} البقرة255، كرسيه: علمه)[1] اهـ.

وهذا لا يصح عن ابن عباس t لأمور:

أولاً: أن مداره على جعفر بن أبي المغيرة، وفيه لين، فقد لخص الحافظ ابن حجر الحكم فيه فقال: (صدوق يهم)[2]. ومثل هذا لا يُقبل تفرده بمثل هذا عند المحدثين، لا سيما عن المكثرين كسعيد بن جبير، ما لم يكن له به اختصاص، فإذا أضيف إلى ذلك مخالفته للثقات المكثرين من أصحاب سعيد بن جبير، فلا شك أنه يتعين الحكم بخطئه وشذوذه، كما هو الحال هنا، وتفصيله على النحو التالي:

ثانياً: فقد خالف جعفر بن أبي المغيرة فيه من هو أوثق منه في سعيد بن جبير.

فقد رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس t أنه قال: (كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره)[3] اهـ.

ومسلم البطين من أوثق الناس في سعيد بن جبير، وقد أخرج له البخاري ومسلم عنه.

وقال ابن منده عن جعفر بن أبي المغيرة: (ولم يتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير)[4] اهـ.

ثالثاً: أن المحدثين والأئمة قد صححوا رواية القدمين، وضعفوا رواية المغيرة في "العلم":

- فقد صححها أبو زرعة، فقال فيما روى عنه ابن منده في التوحيد قال: (وسئل أبو زرعة عن حديث ابن عباس: موضع القدمين، فقال: صحيح)[5] اهـ.

- وروى الدارقطني في الصفات بإسناده: عن العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (شهدت زكريا بن عدي يسأل وكيعاً؟ فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني: مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟.

فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعراً، يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئاً)[6]. اهـ.

- وقال الدارمي في "الرد على المريسي": (فيقال لهذا المريسي: أما ما رويت عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر الأحمر ممن يعتمد على روايته، إذ قد خالفه الرواة الثقات المتقنون. وقد روى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الكرسي خلاف ما ادعيت على ابن عباس. – ثم أسنده عن مسلم البطين به، ثم قال: فأقر المريسي بهذا الحديث وصححه.)[7] اهـ.

- وروى البيهقي الطريقين في "الأسماء والصفات" وقال: (وقال تبارك وتعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} البقرة255. وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: علمه.

وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش)[8]. اهـ.

- وقال الذهبي في العلو: (وقال ابن عباس: كرسيه: علمه. فهذا جاء من طريق جعفر الأحمر، لين، وقال ابن الأنباري: إنما يروى هذا بإسناد مطعون فيه)[9]. اهـ.

- وقال أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة: (والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين –وذكره- ثم قال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها، والذي يُروى عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار)[10] اهـ.

رابعاً: أن تفسير الكرسي بموضع القدمين، هو الموافق لما صح عن النبي r، ولأقاويل الصحابة y:

فعن أبي ذر t أن النبي r قال: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)[11].

وقال عبد الله بن مسعود t: (ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والكرسي فوق الماء، والله تعالى فوق العرش، ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء)[12].

وعن أبي موسى t قال: (الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل)[13].

والآثار في هذا الباب كثيرة.

وبهذا يتبين عدم صحة هذا الأثر عن ابن عباس t وشذوذه، وخطأ من استدل به.



ثانياً: دعوى تأويل ابن عباس t لمجيء الرب عز وحل:



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول مجيء الرب عز وجل، معتمدين على ما ذكره النسفي في تفسيره عند قوله تعالى: {وجاء ربك والملك} الفجر 22، ما نصه: (وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه) اهـ. ومثله ما نقلاه عن الحسن.

وليس لهذا أصل ولا إسناد، لا عن ابن عباس ولا عن الحسن البصري، ولا ذكره أحد من المصنفين من أهل الرواية.



ثالثاً: دعوى تأويل ابن عباس t للفظ (الأعين)



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول العين لله تعالى، فقالا: (قال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا} الطور 48، قال ابن عباس t: بمرأى منا...).

والجواب أن يقال:

أولاً: أن هذا الأثر ليس بثابت عن ابن عباس t، فإن البغوي ذكره بغير إسناد، والثابت عن ابن عباس t أنه قال في قوله: {واصنع الفلك بأعيننا} هود37: بعين الله[14].

وقال عطاء: عن ابن عباس t في قوله عز وجل {تجري بأعيننا} القمر14، قال: أشار بيده إلى عينيه[15].

وهذا صريح منه في إثبات العينين لله تعالى.

وهذا هو المعروف عن السلف، فقد صح مثله عن أبي عمران الجوني، وقتادة، ومطرف، وخالد بن معدان، وأبو نهيك، وغيرهم.

ثانياً: أن هذا الأثر - على فرض ثبوته - ليس من التأويل في شيء، وإنما هو من التفسير باللازم، إذ أنه من المعلوم أن الله تبارك وتعالى يبصر ويرى ما يصنعه نوح عليه السلام، وما يكيده به قومه، فقال له مسلياً: إنك تحت نظرنا، وبمرأى منا، فلا تخف، وليس هذا من تأويل العينين في شيء، ولا من صرف اللفظ عن ظاهره.

إنما يصح التأويل الذي يزعمانه إذا لم يُثبت لله تعالى عين.

ومعلوم لكل عاقل أن نوحاً عليه السلام لم يكن في نفس عين الله تعالى، فذات الله ليست محلاً للمخلوقات، تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد الحفظ والكلاءة.

بل ثبوت اللازم ثبوت الملزوم. كما لو قال قائل في قوله تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} طه46، أي: أنتما في حفظي ورعايتي، لكان صحيحاً، وليس هذا تأويلٌ للرؤية أو السماع، بل هو إثبات لهما لثبوت لازمهما.

قال الدارمي في رده على المريسي: (وأما تفسيرك عن ابن عباس في قوله: {فإنك بأعيننا} الطور 48، أنه قال: بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح عن ابن عباس في قوله: {فإنك بأعيننا} الطور 48، أنه قال: بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح قولك عن ابن عباس فمعناه الذي ادعيناه، لا ما ادعيت أنت، يقول: بحفظنا وكلاءتنا بأعيننا، لأنه لا يجوز في كلام العرب أن يوصف أحد بكلاية إلا وذالك الكالي من ذوي الأعين، فإن جهلت فسم شيئاً من غير ذوي الأعين يوصف بالكلاية. وإنما أصل الكلاية من أجل النظر، وقد يكون الرجل كالياً من غير النظر، ولكنه لا يخلو أن يكون من ذوي الأعين، وكذلك معنى قولك: عين الله، فافهم)[16] اهـ.

وقد نقل أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، والإبانة، إجماع أهل السنة على إثبات العينين لله تعالى، كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني من الباب الخامس.



رابعاً: دعوى تأويل ابن عباس t للفظ (الأيد):



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول اليد لله تعالى، فقالا: (قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد} الذاريات47، قال t: بقوة وقدرة. (القرطبي)) اهـ.

والجواب: أن لفظ "الأيد" هنا ليس جمع اليد، بل أصله "أيد".

قال ابن منظور في اللسان باب "أيد": (أيد: الأَيْدُو الآدُ جميعاً: القوة، قال العجاج: من أَن تبدّلت بآدِي آدا يعنـي قوّة الشباب. وفـي خطبة علـي كرم الله وجهه: وأَمسكها من أَن تـمور بأَيدِه أَي بقوّته، وقوله عز وجل: {واذكر عبدنا داود ذا الأَيْد} ص17، أَي: ذا القوة.... وقد أَيَّدَه علـى الأَمر. أَبو زيد: آد يَئِيد أَيْداً إِذا اشتد وقوي. والتأْيـيد: مصدر أَيَّدته أَي قوّيته، قال الله تعالـى: {إِذ أَيدتك بروح القدس} المائدة110، وقرىء: {إِذ آيَدْتُك} أَي قوّيتك)[17] اهـ.

وقال صاحب مختار الصحاح في باب "يدي": (وقال الله تعالى: {والسماء بنيناها بأَيْدٍ} الذاريات47، قلت: قوله تعالى {بِأَيْد} أي: بقوة، وهو مصدر آد يئيد إذا قوي، وليس جمعاً ليد ليذكر هنا، بل موضعه باب الدال، وقد نص الأزهري على هذه الآية في الأيد بمعنى المصدر، ولا أعرف أحداً من أئمة اللغة أو التفسير ذهب إلى ما ذهب إليه الجوهري من أنها جمع يد)[18] اهـ.

وقد أجاب عن استدلالهما هذا إمامهم أبو الحسن الأشعري حيث قال في "الإبانة" في رده على الجهمية والمعتزلة الذين تأولوا صفة اليد لله تعالى: (مسألة: وقد اعتل معتل بقول الله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد} الذاريات47، قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه:

أحدها: أن "الأيد" ليس بجمع لليد؛ لأن جمع "يد" أيدي، وجمع "اليد" التي هي نعمة أيادي، وإنما قال تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، فبطل بذلك أن يكون معنى قوله: {بيدي} ص75، معنى قوله: {بنيناها بأيد})[19] اهـ.

وقال ابن خزيمة في التوحيد: (وزعم بعض الجهمية: أن معنى قوله: «خلق الله آدم بيديه» أي بقوته، فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضا، وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد بلغة العرب، لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة. )[20] ا.هـ.







خامساً: دعوى تأويل ابن عباس t لقوله تعالى {الله نور السموات والأرض}:



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول وصف الله تعالى بالنور.

فقالا (ص 234): (جاء في تفسير الطبري ما نصه: عن ابن عباس قوله {الله نور السموات والأرض} النور35، يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض) اهـ.

والجواب: أن يقال:

أولاً: أن هذا الأثر مداره على علي بن أبي طلحة.

فقد رواه ابن أبي حاتم (8/2593) وابن جرير (18/135) وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات (ص102) واللالكائي (2/201) في شرح أصول أهل السنة كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس t به.

وهذا إسناد منقطع، لأن علي ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.

قال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال ابن حبان: روى عن ابن عباس ولم يره.

وقد اختلف أيضاً في حاله، فقواه بعضهم كأبي داود والنسائي وابن حبان، وضعفه آخرون، فقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث، منكر ليس محمود المذهب[21]. ولخص ابن حجر القول فيه فقال في التقريب: صدوق قد يخطئ، وقال الذهبي في الكاشف: قال أحمد: له أشياء منكرات.

ثانياً: إن صح هذا الأثر فإنه ليس من التأويل الذي يزعمانه، لأن تفسيره بالهادي لا يمنع من كون الله تبارك وتعالى نوراً، فإن من معاني كونه تبارك وتعالى نوراً هدايته لخلقه، فهما إذاً متلازمان. وابن عباس وغيره لم ينفوا ما سوى ذلك.

ولذلك قال تعالى بعده: {مثل نوره} أي في قلب العبد المؤمن.

ومن عادة السلف أن يذكروا بعض صفات اللفظ المُفسّر، أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية أنواعه وأوصافه، بل قد يكونان متلازمين.

ومثال ذلك قول بعضهم في: {الصراط المستقيم} الفاتحة6، أنه: الإسلام، وقال آخرون: إنه القرآن، وقال آخرون: إنه السنة والجماعة، وقال بعضهم: إنه طريق العبودية، وهذه كلها صفات متلازمة للصراط المستقيم، ليست متباينة.

ثالثاً: أنه قد ثبت وصف الله تبارك وتعالى بالنور.

قال تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} الزمر69.

وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى t قال: (قام فينا رسول الله r بخمس كلمات، فقال: (إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية أبي بكر النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)[22].

وروى أيضاً عن أبي ذر t في حديث المعراج أنه قال: سألت رسول الله r: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)[23].

وفي دعاء النبي r حين عودته من الطائف بعد دعوته لهم إلى الإسلام: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..)[24] الحديث.

وقوله: (وصلح عليه أمرالدنيا والآخرة) كقول ابن عباس في تفسير نوره تعالى: (هادي أهل السماوات والأرض).

وقد ذكر أبو الحسن الأشعري وصف الله تبارك وتعالى بالنور، فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ... وأنه نور كما قال تعالى: {الله نور السموات والأرض} النور35)[25] ا.هـ.

فالنور صفة من صفات ربنا تبارك وتعالى، ومنه اشتق اسم (النور) الذي هو أحد الأسماء الحسنى لله تعالى.



سادساً: دعوى تأويل ابن عباس t لنصوص (الوجه):



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول صفة الوجه لله.

فقالا (234): (قال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، قال t: الوجه عبارة عنه) ا.هـ.

فالجواب: أن هذا الذي ذكره القرطبي ليس له أصل عن ابن عباس t.

والثابت عن ابن عباس t إثبات الوجه لله تعالى:

فقد قال t في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} يونس26: (الزيادة: النظر إلى وجه الله)[26].

وقال t في قوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} القيامة23: (نظرت إلى خالقها)[27].



سابعاً: دعوى تأويل ابن عباس t للفظ (الساق):



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول صفة الساق لله تعالى.

فقالا (234): (قال تعالى: {يوم يكشف عن ساق} القلم42، قال t: عن كرب شديد) اهـ.

والجواب أن يُقال:

أولاً: أن الصحابة متنازعون في هذه الآية، فابن عباس وطائفة يفسرون الآية بالشدة، وأبو سعيد وابن مسعود وطائفة يعدونها من الصفات، وليس هذا تنازعاً في إثبات الصفة، وإنما تنازع في كونها من آيات الصفات؟

ولا ريب أن ظاهر الآية لا يدل على أنها من الصفات، لأن الساق فيها جاءت نكرة في سياق الإثبات، لم يضفها سبحانه لنفسه، فلم يقل (ساقه)، فلما لم يعرّفها بالإضافة، لم تكن دالة على صفة لله، ولذلك لم يعدها ابن عباس من آيات الصفات.

والذين جعلوها من آيات الصفات، إنما عدوها للحديث الذي في الصحيحين، لا لظاهر الآية. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.

وعلى هذا فلا يصح أن يقال أن ابن عباس تأول الآية!

ثانياً: أن صفة الساق لله تعالى ثابتة في السنة:

فعن أبي سعيد t قال: سمعت النبي r يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)[28].



ثامناً: دعوى تأويل ابن عباس t للفظ (الجنب):



زعم الأشعريان أن ابن عباس t تأول قوله تعالى: {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} الزمر56، فقال: تركت من طاعة الله وأمر الله وثوابه. وكذلك ورد مثله عن مجاهد والسدي والحسن.

والجواب أن يقال: أن هذا الكلام يدل على جهل كبير، إذ لا يمكن دعوى التأويل هنا حتى يثبت عن السلف أنهم جعلوا (الجنب) صفة لله تعالى، فعندها يمكن دعوى تأويل ابن عباس ومن وافقه.

ولم يقل أحد من السلف قط أن الجنب في الآية صفة لله تعالى.

وهذا من الخطأ الذي يقع فيه الناس، فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية.

قال الدارمي في رده على المريسي: (وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} الزمر56، قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه.

فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك. فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فَلِمَ تشّنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك، ومن إمامك؟ إنما تفسيرها عندهم، تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله، فسماهم الساخرين، فهذا تفسير الجنب عندهم. فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟ فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلاً عن علمائهم، وقد قال أبو بكر الصديق t "الكذب مجانب للإيمان" وقال ابن مسعود: "لا يجوز من الكذب جد ولا هزل" وقال الشعبي "من كان كذابا فهو منافق")[29] ا.هـ.

والآية يقول الله تعالى فيها: {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين . بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} الزمر(56-59).

وهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الظالمة لنفسها، ومعلوم أن عامة هذه النفوس لا تعلم أن لله جنباً، ولا تقر بذلك، كما هو الموجود منها في الدنيا، فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك.

وقوله تعالى: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} إخبار عن تحسرهم على التفريط في جنب الله، والتفريط إما فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله، لا في جنب ولا في غيره، بل يكون منفصلاً عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، فظاهر االآية لا يدل على أن قول القائل: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وذاته.

وإنما المراد بجنب الله، طاعة الله، وأمر الله، وحق الله، كما يقال (سبيل الله). ومنه ما ورد من قوله r: (من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون جاره فهو شهيد، ومن قتل في جنب الله فهو شهيد)[30].

وكما في قول إبي الدرداء t: (إنك لن تتفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتجدها أمقت من سائر الناس)[31].

وفي قول خالد بن معدان: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر)[32].

قال ابن منظور في اللسان (مادة جنب): (قال الفراء: الجنب القرب، وقوله عز وجل: {على ما فرطت في جنب الله} أي: في قرب الله وجواره، والجنب معظم الشيء وأكثره، ومنه قولهم: هذا قليل في جنب مودتك. وقال ابن الأعرابي في قوله عز وجل: {في جنب الله} في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، وهو توحيد الله والإقرار بنبوة رسوله، وهو محمد وقولهم: اتق الله في جنب أخيك ولا تقدح في ساقه، معناه: لا تقتله ولا تفتنه)[33] اهـ.









تاسعاً: دعوى تأويل مجاهد والضحاك والشافعي والبخاري للفظ (الوجه):



زعم الأشعريان أن مجاهداً والضحاك والشافعي أولوا صفة الوجه لله تعالى. فقالوا في قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} البقرة115، قال مجاهد: قبلة الله، وقال الشافعي: فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه.

والجواب: أن هذه الآية مما اختلف السلف في كونها من آيات الصفات؟.

وأكثر السلف على أنها ليست من آيات الصفات، ففسروها بما ذُكر.

لأن الوجه قد يراد به الجهة في لغة العرب، وهذا كثير مشهور، وظاهر الآية يدل على أن المراد بالوجه الجهة لا الصفة. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.

وجميع من نُقل عنهم تفسير هذه الآية بغير الصفة، كمجاهد وغيره، فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في هذا الموضع فقط دون غيره من المواضع التي فيها ذكر الوجه لله تعالى كقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، ونحوها من الآيات. ولم ينف أحد منهم أن يكون الله متصفاً بالوجه حقيقة.

وقد روى الدارقطني في الرؤية (رقم 243/ص162) عن الضحاك قال: (الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل)[34].

وقال اللالكائي في شرح أصول أهل السنة (3/454): (سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عزوجل على أن المؤمنين يرون الله عزوجل يوم القيامة بأبصارهم:

قال الله عزوجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة روى عن النبي r فيما صح عنه من تفسيره أنه النظر إلى الله عزوجل.

وروى ذلك من الصحابة: عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عباس.

ومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن المسبب والحسن وعكرمة وعامر بن سعد البجلي وأبي اسحاق السبيعي ومجاهد وعبد الرحمن بن سابط وقتادة والضحاك وأبو سنان ... -ثم ساقها بأسانيدها،

ثم أسند عن مجاهد من طريق ابن أبي حاتم أنه قال: ({للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} يونس26، قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى الرب)[35] اهـ.

وعن مجاهد في قول الله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، قال: (إلا ما أريد به وجهه)[36].

والآثار في إثبات وجه الله تعالى عن النبي r والصحابة والتابعين متواترة. ولا يخلو كتاب من كتب السنة من باب في إثبات الوجه لله تعالى. وصنف الدارقطني كتاب "الرؤية".

وأما ما ذكراه عن الضحاك وأبي عبيدة والبخاري في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، فقالا: قال الضحاك وأبو عبيدة: إي إلا هو. وقال البخاري: إلا ما أريد به وجهه.

فهذا ليس من التأويل في شيء، لأن الشيء قد يعبر عنه ببعض صفاته، فقوله {إلا وجهه} المراد به ذاته تعالى المتصفة بالصفات ومنها الوجه، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، إذ لا يفنى منه شيء تعالى الله عن ذلك، وإنما عبر الله عن ذلك بذكر صفة من صفاته وهي وجهه تعالى.

فتفسير الضحاك وأبو عبيدة ليس نفياً لصفة الوجه بل إثبات لها، لأن الوجه المذكور في الآية لو لم يكن صفة له سبحانه، لما دل على بقاءه، ولَكان داخلاً في قوله {كل شيء هالك} تعالى الله عن ذلك.

ويؤكد هذا أن البخاري رحمه الله قد عقد باباً في صحيحه في إثبات الوجه لله تعالى مستدلاً بهذه الآية، فقال في كتاب التوحيد:

(باب قول الله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88:

حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} الأنعام65، قال النبي r: أعوذ بوجهك، فقال: {أو من تحت أرجلكم} فقال النبي r: أعوذ بوجهك، قال: {أو يلبسكم شيعا} فقال النبي r: هذا أيسر) ا.هـ

فجعل قوله r: (أعوذ بوجهك) تفسيراً لقوله تعالى: {إلا وجهه}، وكلاهما دليل على إثبات صفة الوجه لله تعالى.

وبهذا يتبين بأن ما ذكره البخاري في تفسيرها، لا ينافي إثبات صفة الوجه لله تعالى، بل يثبته، ولذلك استدل بها.

قال ابن كثير في تفسيره: (وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه} القصص88، إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } أي: إلا إياه.

وقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ".

وقال مجاهد والثوري في قوله: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له. قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أسْتَغْفِرُ اللهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبّ العبَاد، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ ...

وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.)[37] ا.هـ

ويحسن هنا ذكر قاعدة مفيدة ذكرها ابن القيم قائلاً: (وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي: أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما شيء في موارد النزاع، لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية، أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات وأحاديث، مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} النجم13، فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل، وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} الدخان10، فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وقال ابن عباس: هو دخان يجيء يوم القيامة، وهذا هو الصحيح، ونظائر ذلك، فالحجة هي التي تفصل بين الناس)[38] اهـ

وقال ابن تيمية: (تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول، لأنهم سمعوه من الرسول، وإن صدر من غيرهم وتابعهم عليه الأئمة قبلناه، وإن تفرد نبذناه وأعرضنا عنه إعراضنا عن تأويل الخلف)[39] اهـ.



عاشراً: دعوى تأويل الثوري للاستواء:

قال الأشعريان (ص236): (وأول سفيان الثوري الاستواء على العرش: بقصد أمره، والاستواء إلى السماء: بالقصد إليها (مرقاة المفاتيح 2/137)) اهـ.

وهذا الأثر ذكره ملا على القاري في "المرقاة" جزافاً بلا إسناد ولا عزو، ولا يُعرف هذا التأويل عن الثوري. بل المعروف المتواتر عنه قوله في جميع الصفات: (أمرّوها كما جاءت بلا كيف). وقد سبق تخريجه والكلام عليه.

ولا يُعرف عن أحد من السلف قط أنه أوّل الاستواء لله تعالى بغير العلو، سواء ما عُدّي بـ على (استوى على) أو ما عُدّي بـ إلى (استوى إلى).







الحادي عشر: دعوى تأويل الإمام مالك لصفة النزول:



زعم الأشعريان أن الإمام مالكاً قد أول صفة النزول لله تعالى فقالا: (سئل الإمام مالك رحمه الله عن نزول الرب عز وجل، فقال: "ينزل أمره كل سحر، فأما هو عز وجل فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو) ا.هـ

فالجواب: أن هذا الأثر لا يصح عن الإمام مالك لأمور:

أولها: أنه من رواية حبيب كاتب مالك، وهو كذاب

قال أبو داود: (كان من أكذب الناس)، وقال: (أحاديثه كلها موضوعة)، وقال ابن حبان: (يروي الموضوعات عن الثقات)[40].

وقال ابن عدي: (وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّن في الكذابين)[41] اهـ.

وللأثر طريق آخر ذكره ابن عبد البر في التمهيد من طريق محمد بن علي الجبلي عن جامع بن سوادة عن مطرف عن مالك أنه سئل عن حديث التنزل فقال: (يتنزل أمره)[42].

وهذا إسناد مظلم، فإن محمد بن علي الجبُّلي قال عنه الخطيب: (قيل إن كان رافضياً شديد الرفض)[43] اهـ.

وأما جامع بن سوادة فمجهول، وقد روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثاً ثم قال: (الحديث باطل، وجامع ضعيف)[44] اهـ.

وقال عنه ابن الجوزي في الموضوعات بعد أن روى له حديث الجمع بين الزوجين: (هذا موضوع وجامع مجهول)[45] اهـ.

الثاني: أن هذا الأثر مخالف للمعروف المستفيض عن الإمام مالك من إمرار الصفات على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل ولا غيره.

كما في رواية الوليد بن مسلم عنه حيث قال: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف)[46] اهـ.

وكما في الأثر المشهور المستفيض عنه لما سئل عن كيفية الاستواء فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ..)[47].

وكذا ما رواه ابن أبي زمنين في "أصول السنة" حيث قال في "باب الإيمان بالنزول": (ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حداً، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق)[48] اهـ. فهذا هو المعروف المشهور المستفيض عن الإمام مالك.

أما قول الأشعريّيْن عن هذا الأثر مدافعين عن ضعفه وعدم ثبوته (حاشية ص130): (إلا أن أصحاب المذهب أعرف بأقوال إمامهم من غيرهم، لا سيما إذا كان القول مشهوراً عندهم شهرة مستفيضة) اهـ.

ولا أدري هل يعرف الأشعريان معنى الشهرة المستفيضة أم لا؟

فإن القول المستفيض المشهور عن الإمام هو الذي يُروى عنه بطرق متعددة، وينقله كبار أصحابه ومعاصريه، أما ما رواه المتأخرون عنه بسند موضوع، ولا يعرف له أصل صحيح عنه، ولا ذكره أحد من ثقات أصحابه الذين لازموه، ولا سطروه في كتبهم مما نقلوه عن إمامهم، فكيف يكون هذا مشهوراً شهرة مستفيضة!!!

وهذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك، فضلاً عن شهرته عنه، وإنما ينقله من يعتقد تأويل الصفات، وأنها ليست على حقيقتها، فيفرح بمثله معرضاً عما في الكتاب والسنة وما تواتر عن سلف الأمة، ومعرضاً عما هو المعروف عن إمامهم.

وحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني. فكيف بمكن بعد هذا أن يكون مشهوراً مستفيضاً عن الإمام مالك!!!

وأظهر منه في البطلان والكذب ما حكياه عن الإمام مالك فقالا (ص129): (ذكر الإمام ناصر الدين بن المنير الإسكندري المالكي في كتابه "المنتقى في شرف المصطفى" لما تكلم عن الجهة وقرر نفيها قال: "ولهذا أشار مالك رحمه الله تعالى في قوله "لا تفضلوني على يونس بن متى" فقال مالك: إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه لأنه رفع إلى العرش، ويونس عليه السلام هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق جل جلاله نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان عليه السلام أقرب من يونس بن متى وأفضل، ولَمَا نهى عن ذلك)ا.هـ) اهـ.

وهذا كذب على الإمام مالك بلا ريب، وافتراء عليه وبهتان، فأين وجدتم هذا القول عن مالك؟، وفي أي كتاب مسند أثرتموه؟!!!

وهذا إنما قاله أبو المعالي الجويني، منكراً علو الله تعالى على خلقه، وارتفاعه بذاته على عرشه.

وهذا الحديث المذكور ليس له أصل

قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار: (غريب جداً)[49].

والزيلعي كثيراً ما يطلق هذا اللفظ على ما كان موضوعاً. ذكر ذلك الشيخ ثناء الله الزاهدي في "توجيه القاري"[50].

وإنما المعروف ما رواه أبو هريرة t أن النبي r قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى)[51].

وفي الصحيحين عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما نحوه.



الثاني عشر: دعوى تأويل الإمام أحمد مجيء الله تعالى:



زعم الأشعريان أن الإمام أحمد قد تأول صفة المجيء لله تعالى فقالا: (جاء في البداية والنهاية للإمام الحافظ ابن كثير ما نصه: "روى البيهقي عن الحاكم عن عمرو بن السماك عن حنبل: أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: {وجاء ربك} الفجر22، أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه) اهـ.

ثم قالا: (ونقل ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210،أنه قال: المراد به قدرته وأمره.)اهـ.

والجواب أن يقال:

أولاً: أن هذه الرواية التي رواها حنبل، إنما قالها الإمام أحمد –على فرض ثبوتها- في مناظرته للجهمية في القرآن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر كلام ابن الجوزي وما نقله عن القاضي أبي يعلى: (قلت: هذا الذي ذكره القاضى وغيره أن حنبلاً نقله عن أحمد فى كتاب المحنة، أنه قال ذلك فى المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" قالوا": والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: {وجاء ربك} الفجر22، أو {يأتى ربك} الأنعام158، وقال: المراد بقوله تجيء البقرة وآل عمران ثوابهما، كما فى قوله {وجاء ربك} أمره و قدرته)[52] اهـ.

وهذا يدل على أن الإمام أحمد إنما قاله على سبيل المعارضة وإبطال حجة الخصم من كلامه وما يعتقده، وهذا من باب التنزل، فإن الجهمية كانت تتأول مجيئه سبحانه وإتيانه بمجيء وإتيان أمره، لا أنه يجيء بنفسه، ولم يكن هذا دالاً عندهم على أن من نُسب إليه المجيء والإتيان مخلوقاً، فعارضهم بهذا الأصل، فقال: فكذلك وصف الله سبحانه كلامه وهو القرآن بالمجيء في حديث "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غيايتان" هو مثل وصف نفسه بذلك، فلا يدل على أن كلامه مخلوق، بل يحمل مجيء القرآن على مجيء ثوابه، كما حملتم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجيء أمره وقدرته.

فالإمام أحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به.

ثانياً: أن هذا مخالف للمتواتر المشهور عن الإمام أحمد في هذا الباب من وجوب إمرار الصفات على ظاهرها، ومنع التعرض لها بتأويل أو غيره. بل إن حنبلاً نفسه نقل عنه ترك التأويل والمنع منه مطلقاً:

فقال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله : ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال : فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف)[53]اهـ.

وقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث.

فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة)[54] اهـ.

وقال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات": (وقال يوسف بن موسى قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم)[55] اهـ.

وقال إسحاق بن منصور: (قلت لأحمد: "ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.)[56] اهـ.

وقال أحمد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: "إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.

وقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله عز وجل ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.

قال القاضي معلقاً: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله {وجاء ربك والملك}الفجر22، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.)[57] اهـ.

وقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.

وهذا يؤكد أن هذه الرواية شاذة، وإنما هي وهم من حنبل.

قال ابن القيم عن حنبل: (وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، وإذا تفرد بما يخالف المشهور عنه فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية)[58] اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هكذا نقل حنبل، ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته فى المحنة، كعبدالله بن أحمد، وصالح بن أحمد، والمروذى وغيره)[59] اهـ.

بل لم يذكره الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" لما تكلم عن احتجاجهم على خلق القرآن بالحديث.

وقد قال الأشعريان تعليقاً على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتقريراً لثبوت الرواية: (أما كون المشهور عن الإمام أحمد عدم التأويل، فإنه لا يناقض هذه الرواية، وقد يكون المشهور المتواتر عن إمام شيء ويثبت عنه شيء آخر على سبيل الندور، لا سيما إذا لم يتعارض الأمران ويتناقضا كما هو في ما نحن فيه، وقد نقل عن السلف تجنبهم للتأويل وبغضهم للخوض في ذلك، كما أيضاً كلمات لهم في تأويل بعض الألفاظ، وكلا الأمرين لا بأس به ..) اهـ.

ولا شك أن هذا الكلام يأباه التحقيق العلمي والعقلي، إذ أن الإمام أحمد والسلف لم ينهوا عن تأويل الصفات نهياً مجرداً، بل كان نهياً مقروناً بالتغليظ، والحكم بالبدعة على من فعله، والأمر بهجره والتحذير منه، وحكاية الإجماع على بطلانه، كما سبق أن نقلنا بعض كلامهم في هذا في الفصل الرابع من الباب الأول.

فكيف يستقيم أن يقع الإمام أحمد والسلف فيه!!!

أم كيف يستقيم أن يُقال: ليس هذا بتعارض ولا تناقض، أو الأمر يسير. بل الخطب عظيم. وإذا لم يكن تناقضاً، فلا ندري ما التناقض؟!!!



الثالث عشر: دعوى تأويل البخاري لصفة الضحك:



زعم الأشعريان أن البخاري قد تأول صفة الضحك لله تعالى فنقلا عن البيهقي في الأسماء والصفات أنه قال: (قال البخاري: معنى الضحك الرحمة.... ) اهـ.

والجواب: أن هذا لا يثبت عن البخاري لعدة أمور:

أولاً: أن البيهقي علقه عن البخاري ولم يسنده فقال: (أما الضحك المذكور في الخبر فقد روى الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله أنه قال: "معنى الضحك فيه الرحمة").

ولعله أخذه عن الخطابي في أعلام السنن حيث قال بعد حديث الأنصاري وامرأته وفيه: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة ..": (قال أبو عبد الله: معنى الضحك: الرحمة، وهذا من رواية الفربري، ليس عن ابن معقل)[60] اهـ.

قال ابن حجر في الفتح معلقاً: (قلت: ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري)[61] اهـ.

ثانياً: أن هذا معارض للمعروف من عقيدة البخاري، من كونه على طريق شيوخه كالإمام أحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة السلف، يثبت الصفات لله تعالى كما جاءت على ظاهرها، لا يتعرض لها بتأويل ولا غيره.

وسيأتي تقرير معتقد البخاري في الباب الرابع.



خلاصة الفصل:

يتبين لنا مما سبق أمور:

الأمر الأول: أنه لم يثبت حرف واحد من التأويل عن السلف رحمهم الله، وهذا يؤكد ما سبق تقريره من أن السلف مجمعون على بطلان التأويل والمنع منه في صفات الله تعالى، وأن الواجب فيها إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه والتكييف عنها.

الأمر الثاني: بطلان دعوى الأشعريين في ثبوت التأويل عن السلف، وبه ينهدم الأصل والركن الثاني من الأركان التي قام عليها كتابهما، حيث زعما أن السلف دائرون في صفات الله تعالى بين التفويض والتأويل، فإذا بطل ما زعموه من التفويض كما سبق تقريره في الفصل الثاني من الباب الأول، ثم بطل ما زعموه من التأويل هنا، صار الكتاب مبنياً على أساس من الباطل.

الأمر الثالث: يتبين أيضاً ضعف ما لدى الأشعريين من الحجة، حيث أنهما أُلجئا إلى مثل هذه الروايات المنكرة أو التي لا أصل عن الصحابة والسلف، فلم يجدا فيما صح عن السلف ما يؤيد دعواهما.

فأي عقيدة هذه التي لا نجد لتقريرها -بعد طول البحث والتنقيب- إلا المنكرات والبواطيل؟!!

وصدق الدارمي إذ يقول في أمثال هؤلاء: (فقلت: إن أفلس الناس من الحديث وأفقرهم فيه الذي لا يجد من الحديث ما يدفع به تلك الأحاديث الصحيحة المشهورة في تلك الأبواب إلا هذا الحديث –لحديث باطل استدل به الجهمية على إنكار نزوله تعالى-، وهو أيضاً من الحديث أفلس، لأن هذا الحديث لو صح كان عليه لا له، فالحمد لله إذ ألجأتهم الضرورة إلى هذا وما أشبهه، لأنهم لو وجدوا حديثا منصوصاً في دعواهم لاحتجوا به لا بهذا، ولكن حين أيسوا من ذلك وأعياهم طلبه تعلقوا بهذا الحديث المشتبه على جهال الناس ليروجوا بسببه عليهم أغلوطة)[62] اهـ.







[1] رواه ابن جرير (3/9) وابن منده في الرد على الجهمية (ص45) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص151).

[2] تقريب التهذيب (ص201).

[3] رواه عبد الرزاق في تفسيره (3/251) والدارمي في الرد على المريسي (1/412) وابن أبي حاتم في التفسير (2/491) وعبد الله في السنة (2/586) وابن خزيمة في التوحيد (ص107) وابن أبي شيبة في العرش (ص79) وأبو الشيخ في العظمة (2/582) وابن منده في الرد على الجهمية (ص44) وابن بطة في الإبانة (3/337) والدارقطني في الصفات (ص111) والحاكم (2/310) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص474) وأبو ذر الهروي في الأربعين في التوحيد (ص57) والخطيب في تاريخ بغداد (9/251). وأورده الذهبي في العلو (ص76) وقال الألباني في مختصر العلو(ص75): صحيح.

[4] الرد على الجهمية (ص45).

[5] التوحيد (3/309).

[6] رواه الدارقطني في الصفات (ص163) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص474) وهو في تاريخ ابن معين برواية الدوري (3/520).

[7] الرد على المريسي (1/411).

[8] الأسماء والصفات (ص497).

[9] العلو (ص117).

[10] تهذيب اللغة للأزهري (10/54).

[11] رواه ابن جرير (3/10) وابن أبي شيبة في العرش (ص77) وابن بطة في الإبانة (3/181) وأبو الشيخ في العظمة (2/570،649) وابن حبان في صحيحه (1/287) وأبو نعيم في الحلية (1/166) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص510). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/174، رقم 109).

[12] رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص55) وابن خزيمة في التوحيد (ص105-106) والطبراني في الكبير (9/202) وأبو الشيخ في العظمة (2/565، 689) وابن بطة في الإبانة (3/171) واللالكائي (3/395) وابن عبد البر في التمهيد (7/139) البيهقي في الأسماء والصفات (ص507). وأورده الذهبي في العلو (ص79) وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد في السنة وأبي بكر بن المنذر وأبي أحمد العسال وأبي عمر الطلمنكي، وقال: إسناده صحيح. وصححه الألباني في مختصر العلو (ص75).

[13] رواه ابن أبي شيبة في العرش (ص78) وعبد الله في السنة (1/302) وابن جرير (3/9) وأبي الشيخ في العظمة (2/627) وابن منده في الرد على الجهمية (ص46) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص509) وأورده الذهبي في العلو (ص107) وصححه الألباني في مختصر العلو.

[14] رواه ابن أبي حاتم (6/2026) وابن جرير (12/34) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص396).

[15] سبق تخريجه حاشية 15.

[16] الرد على المريسي (2/831).

[17] لسان العرب / مادة "أيد"

[18] مختار الصحاح / باب "يدي".

[19] الإبانة للأشعري (ص108).

[20] التوحيد (ص87).

[21] انظر تهذيب التهذيب (7/393-341)

[22] مسلم (179).

[23] مسلم (178)

[24] رواه اابن عدي في الكامل (6/2124) والطبراني في الدعاء (ص315) والخطيب في الجامع (2/275).

[25] مقالات الإسلاميين (1/285).

[26] اللالكائي (3/459) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص133).

[27] وروى الآجري في الشريعة (ص270) وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر.

[28] رواه البخاري (4/1871) واللفظ له، ومسلم (183).

[29] الرد على المريسي (2/807).

[30] رواه الحارث في مسنده كما في المطالب العالية لابن حجر (9/200).

[31] رواه أحمد في الزهد (ص134) وابن أبي شيبة في المصنف (7/110) والخطابي في العزلة (ص61).

[32] رواه ابن المبارك في الزهد (ص99)

[33] لسان العرب / مادة "جنب".

[34] الرؤية للدارقطني (ص162)

[35] اللالكائي (3/454-463).

[36] رواه ابن أبي حاتم (9/3028).

[37] تفسير ابن كثير (3/404).

[38] مختصر الصواعق المرسلة (2/262).

[39] نقض التأسيس (مخطوط 2/220) نقلاً عن الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد (1/296).

[40] ميزان الاعتدال (1/452).

[41] الكامل في ضعفاء الرجال (2/414).

[42] التمهيد (7/143).

[43] تاريخ بغداد (3/101) وميزان الاعتدال (3/675) ولسان الميزان (5/303).

[44] ميزان الاعتدال (1/387) ولسان الميزان (2/93).

[45] الكشف الحثيث لابن سبط ابن العجمي (ص83).

[46] سبق تخريجه حاشية 117.

[47] سبق تخريجه حاشية 127.

[48] سبق تخريجه حاشية 64.

[49] تخريج الأحاديث والآثار (1/264) وقال المحقق في الحاشية: (قال ابن حجر: لم أجده).

[50] ؟؟؟

[51] رواه البخاري (4/1694) ومسلم (2376).

[52] مجموع الفتاوى (16/405).

[53] سبق تخريجه حاشية 31.

[54] سبق تخريجه حاشية 32.

[55] إبطال التأويلات (1/260).

[56] سبق تخريجه حاشية 493.

[57] إبطال التأويلات (1/261).

[58] مختصر الصواعق المرسلة (2/260).

[59] مجموع الفتاوى (5/399).

[60] أعلام السنن (2/1367).

[61] فتح الباري (8/501).

[62] الرد على الجهمية (ص99).

يوسف التازي
15-01-15, 04:00 PM
الباب الثاني

ذكر الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل



لقد خاض الأشعريان في كثير من صفات الله تعالى بالباطل، وسلطا عليها معاول التحريف والتعطيل زاعمين تنزيه الله تعالى واتباع طريقة السلف، وإن أدنى اطلاع على كتاب الله تعالى وسنة نبيه r وكلام السلف وأئمة السنة المسطر في كتبهم والمنقول عنهم بالإسناد الثابت لكفيل في إبطال جميع ما ادعوه من التحريف والتعطيل الذي سموه تنزيهاً وتأويلاً، لكن التقليد وقلة العلم بالسنة والآثار يُعمي عن الحق، ويزين الباطل.

وما سبق تقريره في الباب الأول من قواعد السلف في أسماء الله وصفاته كافٍ في إبطال جميع مزاعمهما فيما حرفاه وتأولاه من صفات الله تعالى، ولكن رغبة في الإيضاح لمعتقد السلف، وتأكيداً لجهل الأشعريّيْن به، فسأبين الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاضا فيها بغير الحق. ولن أستوعب ذكر الأدلة في كل صفة إيثاراً في الاختصار وبعداً عن التطويل.

وسأذكر من كل نوع من الصفات مثالاً يقاس عليه غيره:

فاليدان مثالٌ عن الصفات الخبرية كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، ونحوها.

والنزول مثالٌ عن الصفات الفعلية الاختيارية كالمجيء، والاستواء، والضحك، ونحوها.

وأفردت لصفة العلو لله تعالى فصلاً مستقلاً، ولمسألة الحرف والصوت فصلاً مستقلاً.





الفصل الأول

في ذكر الإجماع على علو الله تعالى على خلقه بنفسه

وأنه تعالى فوق العرش بذاته



إن من أظهر صفات الله تعالى في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثرةً في الأدلة وتنويعاً لها، مما يُقطع معها بحقيقة اتصاف الله تعالى بها، مع ما ركزه الله في الفطر السوية، وأقر به العقل الصحيح، هي صفة الفوقية لله تعالى، وأنه جل وعلا عالٍ على خلقه بذاته محيط بهم، لا يخفى عليه شيء من شئونهم وأحوالهم، وأنه يُشار إليه في السماء، وترفع إليه الأيدي في الدعاء.

وقد تنوعت الدلالات في كتاب الله تعالى على علو الله جل وعلا إلى أكثر من عشرين نوعاً أذكر بعضها:

أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعيّنة لفوقية الذات، نحو: {يخافون ربهم من فوقهم} النحل50.

الثاني: ذكر الفوقية مجردة عن الأداة كقوله: {وهو القاهر فوق عباده} الأنعام18.

الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4.

الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10.

الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: {بل رفعه الله إليه} النساء158.

السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً كقوله: {وهو العلي العظيم} البقرة255، {وهو العلي الكبير} سبأ23، {إنه علي حكيم} الشورى51.

السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} الزمر1، ولم يقيد الله تبارك نزول شيء بأنه منه إلا القرآن. والنزول لا يكون إلا من علو.

الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: {إن الذين عند ربك} الأعراف206.

التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء كقوله: {أأمنتم من في السماء} الملك16، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون في بمعنى "على"، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك.

العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة "على"، مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحباً في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المُخاطبون منه غير العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتة. كقوله: {ثم استوى على العرش} الأعراف54.

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله r: "إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا".

الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو.

الثالث عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من جميع المعطلة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: "اللهم اشهد" ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.

الرابع عشر: التصريح بلفظ الأين، كما في سؤاله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)[1].

إلى غير ذلك من أنواع الأدلة الصريحة على علو الله تعالى على خلقه بذاته، وقهره، وسلطانه، وقَدْره، بحيث يمتنع تأويلها البتة، وليست هناك من صفات الله تعالى أظهر في كتابه من صفة العلو، حتى قال بعض العلماء: في القرآن أكثر من ثلاثمائة آية دالة على علوه تعالى بنفسه على خلقه، وقال بعضهم بل ألف دليل.

وقد أفردت في إثباتها لله تعالى المصنفات، وأفردت لها الرسائل والأبواب، فمن ذلك كتاب "العلو للعلي الغفار" للذهبي، وكتاب "إثبات صفة العلو" لابن قدامة، وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم، وكتاب "الكلمات الحسان في علو الرحمن" لعبد الهادي وهبي وغيرها من المصنفات.

ولما كانت نصوص السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كثيرة جداً قد ذكرها من صنف في هذا الباب ممن سبق ذكرهم، أحببت أن أنقل فقط نصوص من حكى الإجماع المتيقن على إثبات صفة العلو لله تعالى علواً حقيقياً، بمعنى أن الله تعالى فوق خلقه بذاته، وأنه مع علوه لا يخفى عليه شيء من أمر بني آدم، وأنها فطرة فطر الله الخلق عليها.



~ إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)

قال: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته)[2] اهـ.



~ سعيد بن عامر الضبعى أبو محمد البصرى (208 هـ)

ذُكر عنده الجهمية فقال: (هم شر قولاً من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش، وقالوا: هو ليس عليه شيء)[3] اهـ.



~ الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238 هـ)

قال الذهبي: (قال أبو بكر الخلال أنبأنا المروذي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: "قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة"

قال الذهبي: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور)[4] اهـ.



~ قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى (240 هـ)

قال الذهبي: (قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش المفسر واللفظ له حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول: "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: {الرحمن على العرش استوى} طه5".

قال الذهبي: وكذا نقل موسى بن هارون عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه.

فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكاً، والليث، وحماد بن زيد، والكبار، وعمّر دهراً، وازدحم الحفاظ على بابه، قال لرجل أقم عندنا هذه الشتوة حتى أخرج لك عن خمسة أناسى مائة ألف حديث)[5] اهـ.



~ أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (264 هـ)

~ الحافظ أبو حاتم الرازى محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلى (277 هـ)

قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً، وعراقاً، وشاماً، ويمناً، فكان من مذهبهم: ...فذكرا أموراً إلى أن قالا: وأن الله عز وجل على عرشه بائنٌ من خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله r بلا كيف، أحاط بكل شيء علما {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11)[6] اهـ.



~ عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (276 هـ)

قال: (والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تُركت على فطرها ولم تُنقل عن ذلك بالتعليم.

وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله r بأمة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله r: "أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله r، فقال عليه الصلاة والسلام: هي مؤمنة، وأمره بعتقها -هذا أو نحوه)[7] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال: (وقد اتفقت كلمة المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته)[8] اهـ.

وقال: (وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه)[9] اهـ.



~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

قال: (باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه عليه السلام، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا: فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله)[10] اهـ.



~ الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (360 هـ)

قال: (والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله عز وجل سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء ..... ) إلى أن قال: (فإن قال قائل: فإيش معنى قوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم الآية التي بها يحتجون ؟ قيل له: علمه عز وجل، والله على عرشه وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم...) إلى أن قال: (باب ذكر السنن التي دلت العقلاء على أن الله عز وجل على عرشه فوق سبع سماواته وعلمه محيط بكل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء)[11] اهـ.



~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)

قال: (وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك، ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية.)[12] اهـ.



~ الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (429 هـ)

قال: (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: {وهو معكم أينما كنتم}الحديد4، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء) اهـ.

وقال أيضا: ( قال أهل السنة في قوله {الرحمن على العرش استوى} طه5،: أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز)[13] اهـ.



~ الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (430 هـ)

قال الحافظ أبو نعيم فى كتابه "محجة الواثقين ومدرجة الوامقين": (وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية)[14] اهـ.

وقال الذهبي: (قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف حلية الأولياء في كتاب الاعتقاد له: "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة .... إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائة من دون أرضه.

قال الذهبي: فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع جمع بين علو الرواية وتحقيق الدراية)[15] اهـ.



~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

قال في كتاب "الإبانة" : (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان)[16] اهـ.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

قال: (ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله عز وجل فوق سبع سماواته، على عرشه، كما نطق به كتابه ..) إلى أن قال: (وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته)[17] اهـ.



~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)

قال: (وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش ... –ثم سرد الأدلة)[18] اهـ.

وقال: (ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم)[19] اهـ.

وقال: (معاني هذا الحديث –أي حديث الجارية- واضحة يستغنى عن الكلام فيها، وأما قوله: أين الله؟ فقالت: في السماء، فعلى هذا أهل الحق لقول الله عز وجل لتأويل قول الله عز وجل { الرحمن على العرش استوى } طه5، ولم يزل المسلمون في كل زمان إذا دهمهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله عز وجل في الكف عنهم)[20] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن الهمذاني (531 هـ)

قال الذهبي: (قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني في مجلس وعظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها: ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها، فقال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة، ولطم على رأسه ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني)[21] اهـ.





~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

قال: (وزعم هؤلاء –أي منكروا العلو الحسي- : أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد.

وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن في قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} الأعلى1.

وزعموا: أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح، فثبت لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر، والغلبة.)[22] اهـ.



~ أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن رشد الحفيد القرطبي (605 هـ)

قال في كتاب "مناهج الأدلة في الرد على الأصوليين": (القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة ..... إلى أن قال: وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك)[23] اهـ.



~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)

قال: (إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزاً في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته)[24] اهـ.



~ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (671هـ)

قال في شرح أسماء الله الحسنى: (وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات)[25] اهـ.

وقال: (والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين.

وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.

قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم – يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء.)[26] اهـ.



~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

قال: (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب سمعت حماد بن زيد يقول: "إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله" يعني الجهمية.

قلت : مقالة السلف وأئمة السنة بل والصحابة والله ورسوله والمؤمنون أن الله عز وجل في السماء، وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا،

وحجتهم على ذلك النصوص والآثار.

ومقالة الجهمية أن الله تبارك وتعالى في جميع الأمكنة تعالى الله عن قولهم بل هو معنا أينما كنا بعلمه.

ومقال متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش، ولا على السموات ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه ولا متصل بهم، وقالوا: جميع هذه الأشياء صفات الأجسام والله تعالى منزه عن الجسم.

قال لهم أهل السنة والأثر: نحن لا نخوض في ذلك ونقول ما ذكرناه اتباعاً للنصوص وإن زعمتم، ولا نقول بقولكم، فإن هذه السلوب نعوت المعدوم تعالى الله جل جلاله عن العدم، بل هو موجود متميز عن خلقه، موصوف بما وصف به نفسه من أنه فوق العرش بلا كيف)[27] اهـ.

وقال بعد نقله لكلام القرطبي : (وقال القرطبي أيضا في الأسنى "الأكثر من المتقدمين والمتأخرين يعني المتكلمين يقولون إذا وجب تنزيه الباري جل جلاله عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين تنزيه الباري عن الجهة فليس لجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز والحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث. "هذا قول المتكلمين"

قال الذهبي: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب عز وجل، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق، ويلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول لا نسلم كون الباري على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول، ونقله عنهم الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: {وهو معكم} الحديد4، فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم وهما قولان معقولان في الجملة.

فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)[28] اهـ.



فرع: في تقرير أبي الحسن الأشعري لعلو الله تعالى على خلقه بذاته، وإبطال كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له

قال في كتابه الإبانة في فصل "ذكر الاستواء على العرش" بعد ذكر الآيات الدالة على علو الله تعالى على جميع خلقه: (وقال تعالى حاكياً عن فرعون: {يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} غافر36، فكذب فرعون نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام في قوله إن الله عز وجل فوق السماوات. وقال عز وجل: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} الملك16، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: {أأمنتم من في السماء} لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات ..) إلى أن قال: (ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض.

فصل: وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستوياً على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة .

ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة) .. ثم ساق الأدلة وأجاب عن شبهات المعتزلة وغيرهم ثم قال: (دليل آخر: قال الله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} النحل50، وقال تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، وقال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} فصلت11، وقال تعالى: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} الفرقان59، وقال تعالى: {ثم استوى على العرش ما لكم من ولي ولا شفيع} السجدة4، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزهاً عن الحلول والاتحاد.

دليل آخر:

قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، وقال تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} البقرة210، وقال: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى} إلى قوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} النجم(8-18)، وقال تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلام: {إني متوفيك ورافعك إليّ} آل عمران55، وقال تعالى: {وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه} النساء158، وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى r إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعاً: لا والذي احتجب بسبع سماوات.)[29] اهـ.

وقال في "مقالات الإسلاميين" في ذكر من ضل في علو الله تعالى فذكر منهم من قال أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك: (وقال قائلون : .. ثم قال: وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له، وأنه فوق الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها...) إلى أن قال: (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} طه5، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف ...) إلى أن قال: (وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.)[30] اهـ.

وقال في "رسالة إلى أهل الثغر" في الإجماع التاسع عشر في إثبات علو الله تعالى وأنه لا ينافي معيته لخلقه بالعلم: (وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} الملك16، وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فاطر10. وقال: {الرحمن على العرش استوى} طه5، وليس استواءه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه عز وجل لم يزل مستولياً على كل شيء. وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله عز وجل على ذلك بقوله: {وهو معكم أينما كنتم} الحديد4، وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا. وأنه له عز وجل كرسياً دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} البقرة255، وقد جاءت الأحاديث عن النبي r أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده)[31] اهـ.





فرع: في تقرير عبد الله بن سعيد بن كلاب لعلو الله تعالى على عرشه، وإبطال من زعم أنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له

قال: (ويقال لهم أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس عن هذا سألناكم، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل: فليس هو فوق، فإن قالوا: نعم ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت، فإن قالوا: ولا تحت أعدموه، لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو فوق وهو تحت، قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق ....وقال أيضاً: (يقال لهم إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال، فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم، فإذا قالوا: نعم، قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة، وقيل لهم: أليس لا يقال لما ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما، قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم، وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجوداً له فإذا كان العدم وجوداً كان الجهل علماً والعجز قوة)[32] اهـ.

وقال الذهبي في ترجمته: (وصنف في التوحيد وإثبات الصفات، وأن علو الباري على خلقه معلوم بالفطرة والعقل على وفق النص)[33] اهـ.



فرع في تقرير علو الله بذاته على خلقه من كلام الحاث المحاسبي

قال في كتابه "فهم القرآن": (وأن قوله: {على العرش استوى} طه5، {وهو القاهر فوق عباده}الآية الأنعام18، {أأمنتم من فى السماء} الملك16، {إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا} الإسراء42، فهذا وغيره مثل قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10، هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول فى خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية، لأنه أبان فى هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده، لأنه قال: {أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض} الملك16، يعنى فوق العرش، والعرش على السماء، لأن من قد كان فوق كل شىء على السماء فى السماء، ..) إلى أن قال: ({وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى} غافر36، ثم استأنف الكلام فقال {وإنى لأظنه كاذبا} فيما قال لى أن إلهه فوق ..)[34] اهـ.



خلاصة الفصل:

أولاً: أن الله تبارك وتعالى متصف بالعلو المطلق، علو الذات، وعلو القهر، وعلو القَدْر، وأن الأدلة متضافرة على تقرير هذا الأمر، فقد دل على علوه تعالى على خلقه بذاته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل.

ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي يثبتون علو الله تبارك وتعالى على خلقه، وأنه علو الذات والقهر والغلبة والقدر، ويبطلون ما خالف ذلك.

[ بيان نفي الأشاعرة لعلو الله تعالى وقولهم في هذا الباب بما يمتنع بداهة ]

ثالثاً: بطلان قول الأشاعرة في إنكار علو الله تعالى بذاته على عرشه، وتأويلهم له بعلو القهر والغلبة والقدر، وأنهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة والإجماع، موافقون للجهمية والمعتزلة.

قال البيجوري في شرح الجوهرة في شرح قول الناظم "ويستحيل ضد ذي الصفات ... في حقه كالكون في الجهات": (فليس –أي الله تبارك وتعالى- فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله ... فليس له فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال ..)[35] اهـ.

وقال الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد": (ندعي – أي الأشاعرة - أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست .... فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي إلى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست، ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه وذلك محال ....) ثم أجاب عن هذا مؤكداً عدم امتناع اتصاف الله بما ذُكر[36].

وقال الشهرستاني في "نهاية الإقدام في علم الكلام": (فإنا نقول: ليس بداخل العالم ولا خارج)[37] اهـ.

وقال التفتازاني: (وإذا لم يكن –أي الله تعالى- في مكان: لم يكن في جهة، لا علو، ولا سفل، ولا غيرهما ..)[38] اهـ.

وقال الأشعريان (ص139): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه – أي علو الله تعالى على خلقه علواً بمعنى الفوقية والارتفاع - .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى فهي – قطعاً وباتفاق علماء السلف والخلف – مصروفة عن ظاهرها وحقائقها ..) اهـ.

هذا معتقد القوم في الله تبارك وتعالى عما زعموه علواً كبيراً، وصدق الذهبي إذا يقول عن هذه المقالة: (فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين)[39] اهـ.

وهكذا يتبين لكل ذي لب مخالفة الأشاعرة والأشعريّيْن للكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، بل ومخالفتهم لأبي الحسن الأشعري نفسه الذي يزعمون الانتساب إليه.

ولعله من المناسب أن نلحق هذا الفصل لما يؤكده وهو:

























الفصل الثاني

في جواز السؤال عن الله تعالى بـ أين؟ والرد على من أنكر ذلك



من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه، التصريح في السؤال عن الله تعالى بلفظ (الأين).

فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي t قال: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله r فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)[40].

وهذا صريح في جواز السؤال عن الله تعالى بـ "أين" والجواب عنه بـالقول بأنه في السماء، وأنه علامة على صحة الإيمان بالله، لما فيه من معرفة الله تعالى بإثبات علوه على خلقه، وأنه في السماء.

وقد أجمع السلف على صحة السؤال عن الله تعالى به، وعلى وجوب الجواب الجواب بكونه تبارك وتعالى في السماء، وأنكروا على من منع ذلك، بل اعتبروا المنع منه رداً على رسول الله r، وإنكاراً لعلو الله تبارك وتعالى.

وفي حديث النبي r كفاية وغنية بحمد الله، وفيه حجة دامغة على من أبطل ذلك ومنعه، ولكن أكثرهم لا يفقهون.



ومع ذلك فأنا أذكر هنا بعض نصوص السلف الدالة على ذلك، والمؤكدة لما جاء في الحديث:



~ سليمان بن طرخان التيمى أبو المعتمر البصرى (143 هـ)

قال صدقة: (سمعت التيمي يقول: لو سُئلت أين الله تبارك وتعالى؟

قلت: في السماء.

فإن قال: فأين عرشه قبل أن يخلق السماء؟

قلت: على الماء.

فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟

قلت: لا أدري)[41] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال في الرد على قول المعارض بالمنع من السؤال عن الله بـ"أين": (وصرحت أيضاً بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية. فقلت: إذا قالوا لنا: أين الله؟ فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان. إذا قيل: أين هو؟ قيل: هو على العرش وفي السماء.

فيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول: إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سماواته، فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن، لأن الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: {عند ذي العرش مكين.مطاع ثم أمين} التكوير20، ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله {ثم} لا ها هنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم.

وإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه، دون ما سواه، فلا ضير على من أينه، إذ رسوله ونبيه r قد أينه فقال للأمة السوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وكذلك أينه رسول الله r وخليله إبراهيم أنه في السماء) .... إلى أن قال: (وأما قولك: لا يوصف بأين. فهذا أصل كلام جهم)[42] اهـ.

فتأمل قوله في أن المنع عن السؤال بأين، هو أصل الجهمية!!

~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

قال بعد روايته لحديث الجارية: (اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين:

أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟ وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء.

والثاني: قوله "اعتقها فإنها مؤمنة".

أما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء، لأن النبي r قال لها "أين الله؟"، فلولا أن السؤال عنه جائز لم يسأل، وأجابته بأنه في السماء وأقرها على ذلك، فلولا أنه يجوز الإخبار عنه سبحانه بذلك لم يقرها عليه...) إلى أن قال: (وقد أطلق أحمد القول بذلك فيما خرجه في "الرد على الجهمية" ..)[43] اهـ.



~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

قال في بيان موافقة الأشاعرة للجهمية: (فاسمعوا يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء –أي الأشاعرة- على أولئك –أي الجهمية-، أولئك قالوا: -قبح الله مقالتهم- إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان ولا يوصف بأين.

وقد قال المبلغ عن الله عز وجل لجارية معاوية بن الحكم t: "أين الله".)[44] اهـ.



~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

قال بعد روايته لحديث الجارية: ( ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يُقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله؟)[45] اهـ.

~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

قال بعد ذكر حديث الجارية: (وهكذا رأينا كل من يُسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:

إحداهما: شرعية، قول المسلم أين الله.

وثانيهما: قول المسؤول: في السماء.

فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى r)[46] اهـ.



فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري

قال في "الإبانة" في باب ذكر الاستواء على العرش: (دليل آخر:

وروت العلماء رحمهم الله عن النبي r أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن عمله) .

وروت العلماء أن رجلا أتى النبي r بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟

فقال لها النبي r: أين الله ؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي r: أعتقها فإنها مؤمنة.

وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء ..)[47] اهـ.



فرع: تقرير هذا الأصل من قول عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان

قال فى كتاب "الصفات" فى باب القول فى الاستواء فيما نقله عن ابن فورك: (فرسول الله وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعاً به يجيز السؤال بأين، ويقوله يستصوب قول القائل إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمين أن الله عز وجل محدود وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل مكان دون مكان، لأنه الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له.

قال: ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحداً من الناس عنه عربياً ولا عجمياً ولا مؤمناً ولا كافراً فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أوما بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحداً داعياً له إلا رافعاً يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحداً غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلاً معه نعوذ بالله من مضلات الفتن) اهـ.

ثم قال ابن فورك: فقد حقق رحمه الله في هذا الفصل شيئاً من مذاهبه، أحدها: إجازة القول بأين الله؟ في السؤال عنه، والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال: في السماء، والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة)[48] اهـ.



خلاصة الفصل:

أولاً: جواز السؤال عن الله تعالى بـ: أين الله؟، والجواب عنه: بأنه في السماء، ولا يستلزم هذا تحديداً، ولا تكييفاً، ولا شيئاً من لوازم صفات المخلوقين، وأنه مذهب السلف بلا خلاف بينهم اتباعاً للنبي r.

ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب موافقان للسلف في هذه المسألة، ومنكران على من منع السؤال بأين، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة.

ثالثاً: أن الذي ينكر السؤال عن الله تعالى بأين، إنما هم المعطلة كالجهمية والمعتزلة وكل من وافقهم على هذا.

رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية والمعتزلة في إنكار السؤال عن الله تعالى بأين، وبه يتبين بطلان ما ادعاه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف.





































الفصل الثالث

إثبات أن الله تبارك تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع

وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين



اتفق أهل السنة والجماعة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تبارك وتعالى موصوف بالكلام، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت مسموع، لا يشبه كلام المخلوقين، بل كلامه لائق به سبحانه، وكلامه صفة له كذاته نؤمن به ونثبته ولا نعلم كيفيته، ولا نمثله بشيء من صفات خلقه، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو السميع البصير المتكلم.

والله تبارك وتعالى يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين، وقد دل على إثبات كون الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت: الكتاب والسنة والإجماع واللغة.

فمن الكتاب قوله تبارك وتعالى: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164.

وقال: {فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} الأعراف143. وغير ذلك من الآيات.

والكلام لغةً لا يكون إلا بحرف وصوت. فلما أثبت الله لنفسه الكلام دل على أنه حرف وصوت. لأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: {بلسان عربي مبين} الشعراء195.

قال أبو نصر السجزي: (الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت بهم اللغات. وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات متقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجئ لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً)[49] اهـ.

وقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وقد أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف والأصوات ليس بكلام حقيقة)[50] اهـ.

وقال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} التوبة6. ومعلوم أن السامع إنما يسمع حرفاً وصوتاً.

والقرآن كلام الله تبارك وتعالى، وقد بين النبي r أنه سور وآي وحروف فقال: (من قرأ سورة الإخلاص ..) الحديث، (ومن قرأ آية الكرسي) الحديث، و(من قرأ حرفاً من القرآن) الحديث.

وقد وصف الله تبارك وتعالى نفسه بالنداء فقال: {وإذ نادى ربك موسى} الشعراء10.

وقال تعالى: {هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه} النازعات16.

قال السجزي: (والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله r أنه من الله غير صوت)[51] اهـ.

وقال ابن منظور في اللسان: (النداء: الصوت)[52] اهـ.



أما الأدلة من السنة:

(1) فعن أبي سعيد الخدري t قال: قال النبي r: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين...) الحديث[53].

(2) عن عبد الله بن أنيس t قال: (قال سمعت رسول الله r يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلاً بُهماً، قال: قلنا: وما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بُهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات)[54].

(3) وعن عبد الله t قال: (إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قال r: الحق، قال كذا وكذا)[55].



وغيرها أحاديث كثيرة رواها أهل العلم وتلقوها بالقبول غير منكرين لمعناها، ولا طاعنين في دلالتها.





وأما أقوال الأئمة فكثيرة منها:



~ محمد بن كعب القرظى (120 هـ)

قال: (قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: بما شبهت صوت ربك عز وجل حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع)[56] اهـ.



~ أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)

قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليماً؟ قال : مشافهة)[57] اهـ.



~ وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)

قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، قال: «مشافهة مراراً»[58].

قلت: وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه).









~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

قال عبد الله: (سألت أبي رحمه الله عن قوم، يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى إن ربك عز وجل تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت.

وقال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود t "إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان"، قال أبي: وهذا الجهمية تنكره.

وقال أبي: هؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله عز وجل لم يتكلم فهو كافر، ألا إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت)[59] اهـ

وقال أبو بكر الخلال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا يعقوب بن بختان قال: (سئل أبو عبد الله عمن زعم أن الله عز وجل لم يتكلم بصوت؟

قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت)[60] اهـ.

وأخرج أبو بكر الخلال عن المروذي قال: (سمعت أبا عبد الله وقيل له: أن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام، فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله)[61] اهـ. وقال أبو يعلى: (وقد نص أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصوت)[62] اهـ.

وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.

قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله)[63] اهـ.

وقال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد –وهو الذي يعتمد عليه الأشعريان في نقل معتقده- : (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف)[64] اهـ.



~ الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (256 هـ)

قال: (وإن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله عز وجل ذكره.

قال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا.

وقال عز وجل: {فلا تجعلوا لله أندادا} البقرة22، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين)[65] اهـ.



~ إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (329هـ)

قال: (والإيمان بأن الله تبارك وتعالى هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا، فقد كفر بالله العظيم)[66] اهـ.



~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

قال منكراً على الأشاعرة نفيهم للحرف والصوت: (ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف ..)[67] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

قال في كتابه الحجة: (فصل: الدليل على أن القرآن منزل، وهو ما يقرأه القارئ خلافاً لمن يقول: كلام الله ليس بمنزل ولا حرف ولا صوت:

فإن قيل: المتكلم بحرف وصوت يحتاج إلى أدوات الكلام، فقل: عدم أداة الكلام لا يمنع من ثبوت الكلام، كما أن عدم آلة العلم لا يمنع من ثبوت العلم.

دليل أهل السنة: قوله تعالى: {حتى يسمع كلام الله} التوبة6، والمسموع إنما هو الحرف والصوت، لأن المعنى لا يُسمع ولا يُفهم. يقال في اللغة: سمعت الكلام وفهمت المعنى، فلما قال: حتى يسمع: دل على أنه حرف وصوت. ....)[68] اهـ.



~ الشيخ أبو البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي اللغوي (551 هـ)

قال أبو المعالي أسعد بن المنجا: (كنت يوما عند الشيخ أبي البيان رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت، قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وسرد الشيخ الآيات والأخبار، وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد، إيش هذا الأخطل نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة)[69] اهـ.

~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)

قال في كتابه "الغنية" في القرآن: (هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان، حيثما رؤي ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يؤاكل، ولا يُناكح، ولا يُجاور، بل يُهجر ويُهان ...

– ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ثم قال:

فصل: ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس ةالساكت متكلماً ناطقاً، وكلام الله عز وجل لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته – ثم ساق الأدلة ثم قال: وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله عز وجل صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل ...)[70] اهـ.



~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

(ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة: عين كلام الله عز وجل لاحكاية ولا عبارة ..... ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان. وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود t عن رسول الله r أنه قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله عز وجل فله عشر حسنات) ... ثم ساق الأدلة إلى أن قال: (وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج: باطل ومحال. قال الله عز وجل: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} ق30. وكذلك قوله تعالى إخباراً عن السماء والأرض أنهما قالتا: {أتينا طائعين} فصلت11. فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات)[71] اهـ.



~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

قال في رده على من أنكر على الحافظ عبد الغني المقدسي إثباته الصوت لله تعالى، وأن هذا مخالف لمعتقد الإمام أحمد: (وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذي ينتمي إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه -أي الإمام أحمد- في إثبات الصوت كثير جداً... -ثم ذكر الآثار عن الإمام أحمد-)[72] اهـ.

ومع هذه النصوص الصريحة من هؤلاء الأئمة، فإنه لم يُنقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم: أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به وبين أصوات العباد.

~ الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (792 هـ)

ذكر افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال فقال: (وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يُسمع، وإن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديماً، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.)[73] اهـ.

وقد نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر[74] بحرفه، ولم يتعقبه بشيء.



فرع: في تقرير أن الله تعالى يتكلم متى شاء وأن كلامه يسمع من ذاته تعالى، من كلام أبي الحسن الأشعري

قال في الإبانة في الباب الرابع "الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق": (دليل آخر: وقد قال الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، والتكليم هو المشافهة بالكلام)[75] اهـ.

قال الجوهري: (المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه).

وهذا ظاهر في أن أبا الحسن الأشعري يثبت أن الله تعالى شافه موسى عليه السلام، فخاطبه تعالى من ذاته، وأن موسى سمع كلام الله تعالى حينئذ، ولا يكون هذا إلا إذا حرفاً وصوتاً مسموعاً.



فرع في تقرير أن الله يتكلم بحرف وصوت من كلام الحارث المحاسبي

أبو عبدالله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي (243 هـ)

قال الكلاباذي في الباب العاشر "اختلافهم في الكلام ما هو؟": (وقالت طائفة منهم: كلام الله حرف وصوت، وزعموا أنه لا يُعرف كلامه إلا ذلك، مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق، وهذا قول حارث المحاسبي، ومن المتأخرين ابن سالم)[76] اهـ.

وهذا القول هو الذي رجع إليه في آخر حياته، بعد أن هجره الإمام أحمد وحذر منه بسبب دخوله في الكلام، ومشيه على طريقة ابن كلاب.



خلاصة الفصل:

أولاً: اتفاق السلف على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى موصوف بالكلام حقيقة، وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع لا يشبه أصوات المخلوقين، وهو الذي.

ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا فيما استقر عليه مذهبه.

ثالثاً: أن أئمة السنة كانوا يعدون من أنكر تكلم الله تعالى بصوت من الجهمية، كما نص عليه أحمد وغيره.

[ موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت ]

رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت لله، وهذا يبطل دعوى الأشعريّيْن في كون الأشاعرة من أهل السنة، وأنهم موافقون للسلف.

قال الأشعريان (ص76): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة، والمكان، والحيز، والحرف، والصوت، وظواهر المتشابه، .....وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه "إلجام العوام" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة، والمكان، والحروف، والأصوات، وظواهر المتشابه،...) اهـ.

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت)[77] اهـ.

وقال الغزالي في صفة الكلام لله: (فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه متكلماً بهذا الاعتبار .... وأما الحروف فهي حادثة .... وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت)[78] اهـ.

وقال البيجوري في شرح الجوهرة عن صفة الكلام لله: (صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت)[79] اهـ.

فرع في أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب

أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب هو ابتداعهم القول في الكلام النفسي: وهو أن حقيقة الكلام عندهم هو ما قام بالنفس، واللفظ غير داخل في حقيقته، وهذا قول لم يُسبقوا إليه البتة.

إذ الكلام لغة: هو اللفظ والمعنى، أو لفظ جاء لمعنى، ولا يُعرف الكلام في لغة العرب إلا هذا.

وكان ابن كلاب أول من ابتدع الكلام النفسي، وأن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه بلا بحرف ولا صوت، وتبعه عليه الأشعري.

قال أبو نصر السجزي: (اعلموا أرشدنا الله وإياكم أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري، .... في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق وإن اختلفت اللغات ..... فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه حاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان عليه السلف .....فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاماً في المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم ... فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم .... وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه. ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله، لم يُناظر بل يجانب ويقمع ..)[80] اهـ.

وقال ابن الجوزي: (وهذا أمر مستقر –أي القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق- لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول r والصحابة y، ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتاً لم يثبته غيره على دفع هذا القول لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله عز وجل.

ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم يقل.

ثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري. فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس. فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق.

وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم)[81] اهـ.

وقال الذهبي في ترجمة ابن كلاب: (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سبق إليه أبداً)[82] اهـ.



موافقة الأشاعرة للمعتزلة في أن القرآن الذين بين أيدينا مخلوق:

وتفرع عما سبق من ابتداع الكلام النفسي عند الأشاعرة القول بأن القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، فوافقوا بذلك الجهمية والمعتزلة.

فالمعتزلة لا يثبتون كلاماً لله تعالى إلا ما قام بغيره، ويقولون عن القرآن أنه كلام الله، باعتبار أنه خلقه في غيره، ولا يقوم بذاته لا كلام ولا غيره.

وأما الأشاعرة فالكلام عندهم هو ما قام بذات الله تعالى، وهو كلام له حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وأما ما بين دفتي المصحف فهو عبارة عن كلام الله تعالى، وليس هو حقيقة كلام الله.

قال البيجوري في جوهرة التوحيد: (واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه .... ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم .... وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعاً بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزاماً على أن له تعالى كلاماً نفسياً، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث ومدلوله قديم .... ومذهب أهل السنة –يقصد الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرأه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق يراد به اللفظ الذي نقرأه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن .... فالقرآن يطلق على كل من النفسي واللفظي، والأكثر إطلاقه على اللفظي .... والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل: المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبر عنه النبي r بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول، لأن الله خلقه أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا ..)[83] اهـ.

وهذا يعني اتفاق الأشاعرة والمعتزلة في أن القرآن العربي المقروء، والموجود بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف الوحيد بين الأشاعرة والمعتزلة هو في إثبات الكلام النفسي أو نفيه، فلو اعترف المعتزلة به لانتهى الخلاف !!

وقد نص على هذه الحقيقة أئمة الأشعرية:

قال الجويني في خلاف الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الكلام: (واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة، وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن أثبتوه وقدروه كلاماً، فهو في نفسه ثابت، وقولهم –أي المعتزلة-: إنه –أي القرآن المقروء- كلام الله، إذا رُد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والمسميات، فإن معنى قولهم –أي المعتزلة- "هذه العبارات كلام الله" أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته.)[84] اهـ.

وقال الشهرستاني: (وخصومنا –أي المعتزلة- لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف، لوافقونا على اتحاد المعنى، لكن لما كان الكلام لفظاً مشتركاً في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يثبته الخصم كلاماً –أي القرآن- فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلاماً -أي النفسي- فالخصم ينكره أصلاً ..)[85] اهـ.

وقال التفتازاني[86] في شرح العقائد النسفية: (وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم – أي المعتزلة – يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي. ... وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق وسمات الحدوث، من: التأليف، والتنظيم، والإنزال، وكونه عربياًَ، مسموعاً، فصيحاً، معجِزاً، إلى غير ذلك: فإنما يقوم حجة على الحنابلة – أي الذين يرون أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف كلام الله على الحقيقة – لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم)[87] اهـ.

وقال محمد زاهد الكوثري: (لأن القرآن يطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية وهو غير مخلوق وغير حال في مخلوق، وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده –أي الباقلاني-، والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع، وما سوى الأول مخلوق، وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة.)[88] اهـ.

وقال البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" في باب "جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة" : (ثم المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع السلمون على إثباته لله تعالى –أي صفة الكلام- بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء هذه الأصوات والحروف، تحت اسم: الكلام.

أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة –أي أن القرآن المقروء والموجود بين دفتي المصحف مخلوق حادث-، بل نقول به، ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكننا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ .... وهذا المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يفسر ما أجمع عليه المسلمون)[89] اهـ.

وقال وهبي سليمان غاوجي: (قال علماء أصول الدين: أن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي.

فأما اللفظي: فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.

وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي ..)[90] اهـ.

وقد صرح بذلك الآمدي في "غاية المرام"، والإيجي في "المواقف".

فتأمل يا رعاك الله هذه التصريحات بأن القرآن الذي نقرأه ونتلوه ونكتبه في المصاحف مخلوق، ليس هو عين كلام الله.

وهل هذا في حقيقته إلا قول الجهمية والمعتزلة!!!

وقال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد الضدية في بيان لوازم هذا القول الشنيع: (والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ –أي: الأشعري- والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه .... فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده به مدلول اللفظ وهو القديم عنده، وأم العبارات فإنما سميت كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه، ولكنها ليست كلاماً له تعالى حقيقة.

وهذا الذي فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية ..)[91] اهـ.

ولذلك لما كانوا في حقيقة الأمر موافقين للجهمية والمعتزلة في القول بخلق القرآن الموجود بين دفتي المصحف، وخشية من الافتضاح، تراهم يدلسون فيطلقون القول المستفيض عن السلف: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، ومرادهم بالقرآن: ما قام بذات الله تعالى من غير أن يكون مسموعاً مقروءاً، وأما القرآن المكتوب والمسطر فهو عبارة عن كلام الله لا أنه عين كلام الله، وهو مخلوق محدث.

وانظر إلى تلبيس الأشعريّيْن في هذا الأمر وتمويههما أنهما موافقان للسلف في كون القرآن كلام الله غير مخلوق.

فقالا (ص54): (فإن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو صفة من صفات ذاته العلية) اهـ.

وبالطبع أن مرادهما بالقرآن هنا: الكلام النفسي، لا القرآن المعهود الذي بين دفتي المصحف والذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار. فإذا سمع السني هذا الكلام ظن أنهما موافقان للسلف في هذا الباب، وإذا استفصل منهما علم موافقتهما للمعتزلة والجهمية.

وقد كشف عن حقيقة هذا التلبيس شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري فقال في سياق حقيقة موافقة الأشاعرة للجهمية في كثير من الأصول ومنها القول بخلق القرآن:

(وقال أولئك –يعني: الجهمية- ليس له كلام، إنما خلق كلاماً.

وهؤلاء –يعني الأشاعرة- يقولون: تكلم مرة، فهو متكلم به منذ تكلم، لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به.

ثم يقولون: ليس هو في مكان، ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف. وقالوا: هذا زاج وورق، وذها صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش وأريد به التفسير.

وهذا صوت القاري، أما ترى أنه منه حسن وغير حسن؟! وهذا لفظه، أوما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أويكون قرآن من لبد؟! وقال آخر: من خشب؟! فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة، ولا يتكلم بعد ذلك. ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق كافر.

وهذا من فخوخهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم في القرآت غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات)[92] اهـ.

























الفصل الرابع

إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز



لقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، بما يمتنع معها حمل اليدين على المجاز، وقد أطبقت كلمة السلف رحمهم الله على إثبات اليدين لله تعالى صفة له في ذاته، ليستا بنعمتين ولا قدرتين، بل يدان ثابتتان لله تعالى على الحقيقة، بلا كيف ولا تشبيه.

وأنا أذكر نماذج من تنوع الأدلة على إثبات صفة اليد لله تعالى:



التثنية:

قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.

تثنية اليد المضافة إليه سبحانه تمنع من حملها على النعمة أو القدرة.



نسبة الفعل إليه سبحانه وتعديته إلى اليد بحرف الباء:

قال: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75.

نسب الفعل -وهو الخلق- إلى نفسه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قول القائل" كتبت بالقلم" و"ضربت بيدي"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه من الوجوه، إذا لا يكون هذا التركيب إلا ما باشرته اليد.

قال أبو الحسن الزاغوني في "الإيضاح": (أنه أضاف "الخلق" وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل وليس إلا اليد كما ذكرنا، وهذا جلي واضح)[93] اهـ.

وقال أبو الحسن الأشعري: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا)[94] اهـ.



استعمال لفظ اليمين ووصفها بالطي

قال تعالى: {والسموات مطويات بيمينه} الزمر67.

وعن عبد الله بن عمرو t قال: قال r: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)[95].



وصفها بالقبض والهز

قال تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67.

وعن أبي هريرة t سمعت رسول الله r يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض)[96].

فها هنا: هز، وقبض، وطي، وذكر يدين.



وصفها بالبسط

قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.

وعن أبي موسى t عن النبي r قال: (إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)[97].

وصفها بالكف والأخذ

عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيله). وفي لفظ (من كسب طيب)[98].

فها هنا: أخذ، وذكر كف ويمين.



وصفها بالنضح

عن لقيط بن عامر t في الحديث الطويل عن النبي r وفيه: (فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطي وجه واحد منكم قطرة، فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود)[99].



وصفها بالشمال

عن عبد الله بن عمر t قال: قال رسول الله r: ( يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)[100].



وصفها بالأصابع

عن عبد الله t قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله r فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي r حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله r {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} الزمر67)[101].



وصفها بأنها ملئى، وبأنها أخرى

عن أبي هريرة t: أن رسول الله r قال: (يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وقال: وكان عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع)[102].

فها هنا: وصف بأنها ملئى، وسحاء، وأنها أخرى.



ومن المعلوم أن لفظ: الطي، والقبض، والهز، والبسط، والإمساك، والنضح، وكونها ملئى، وسحاء، إذا اقترنت باليد صار المجموع حقيقة، وامتنع من أن يكون مجازاً، إذ أن اليد المجازية لا يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة كهذه الألفاظ. فإذا انضاف إلى ذلك أن ذُكر لها: أصابع، وكف، ويمين، وشمال، وأخرى، فهذا مما يُقطع معه أن اليد حقيقة، لأن اليد المجازية لا يُتجاوز فيها لفظ اليد، ولا يُتصرف فيها بما يُتصرف في اليد الحقيقية. فلا يقال: كف، لا للنعمة ولا للقدرة، ولا أصبع وأصبعان، ولا يمين، ولا شمال، وهذا كله ينفي أن يكون اليد يد النعمة، أو يد القدرة، أو يد التصرف.

فمن ادعى بعد هذا أن اليد المضافة إلى الله تعالى مجاز، فلا حقيقة في الوجود!!!

وبهذا يتبين أن صفة اليد لله تعالى حقيقة لا مجاز، ولا يأبى ذلك إلا مكابر.

ومما يؤكد هذا أن يُقال: أن اليد لغة لا تضاف إلا لذي يد، فيد القدرة والنعمة لا يُعرف استعمالها البتة إلا في حق من له يد حقيقة، وموارد استعمالها مطردة في ذلك، ولا يعرف العرب خلاف ذلك. فحيث ذكرت اليد وأضيفت إلى حي متصف بصفات الأحياء وأريد بها النعمة أو القدرة، فإن هذا مستلزم ثبوت أصل اليد له حقيقة حتى يصح استعمالها في مجازاتها، فإذا امتنعت حقيقة اليد امتنع استعمالها فيها، فثبوت المعنى المجازي دليل على ثبوت حقيقة اليد.

قال عثمان بن سعيد الدارمي: (فإن لم يكن المضاف إلى يده من ذوي الأيدي، يستحيل أن يُقال: بيده شيء من الأشياء .... فيجوز أن يُقال: بين يدي كذا وكذا كذا كذا، لما هو من ذوي الأيدي، وممن ليس من ذوي الأيدي. ولا يجوز أن يُقال: بيده، إلا لمن هو من ذوي الأيدي..)[103] اهـ.

ولا يَرِد على هذا قول العرب: "يد الليل" و"يدي الرحمة"، لأنا قلنا: متى أضيفت اليد المجازية إلى الحي دون غيره، استلزمت اليد الحقيقية.

على أنه يُقال: أن المضاف من جنس المضاف إليه، فإذا أضيفت اليد إلى الحيوان كانت من جنسه، وإذا أضيفت إلى الحائط أو الليل كانت من جنسهما. فإذا كان المضاف إليه لا يماثل غيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة، فإذا قيل يد الله كان ذلك حقيقة غير مستلزم للتشبيه.







وأما نصوص السلف فقد سبق ذكر بعضها:



~ الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (82 هـ)

قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى)[104] اهـ.

وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.



~ زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (93 هـ)

قال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين ،قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه)[105] اهـ.



~ التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (103 هـ)

قال: «إن الله عز وجل لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده»[106] اهـ.



~ عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (104 هـ)

قال: «إن الله عز وجل لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثاً: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده ، وكتب التوراة بيده»[107] اهـ.

وقال أيضاً: (قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64: يعني اليدين)[108] اهـ.



~ الإمام التابعي ربيعة الخرشي

قال في قول الله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء)[109] اهـ.

وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.

~ الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (117 هـ)

قال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان.)[110] اهـ.



وهذا أيضاً بيّن في إثبات حقيقة اليد لله عز وجل، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.



فرع: تقرير إثبات صفة اليد لله على الحقيقة من كلام أبي الحسن الأشعري

قد سبق نقل كلام أبي الحسن الأشعري في إثبات صفة اليدين لله تعالى، والمنع من تأويلها بالقدرة أو النعمة، وإبطال ذلك. فقد عقد فصلاً كاملاً في إثباتها والرد على من تأولها في كتابه "الإبانة".









خلاصة الفصل:

أولاً: إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة، وأنها موصوفة بالقبض، والبسط، والهز، والطي، والنضح، والأخذ، وهي ملئى سحاء الليل والنهار، ولها كف وأصابع، ويمين وشمال. وأنهما يدان اثنتان. وعلى هذا إجماع السلف وصالح الخلف.

ثانياً: أن طريقة السلف في إثبات صفة اليد لله تعالى هي طريقتهم في باقي الصفات الخبرية: كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، والكف، ونحوها، يثبتونها على ظاهرها من غير تشبيه ولا تكييف، ويمنعون من تأويلها وإخراجها عن حقيقتها.

ثالثاً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة، والمنع من تأويلها، بل وكل الصفات الخبرية لله تعالى، كما سبق نقل كلامه.

رابعاً: أن الذين عُرف عنهم تأويل صفة اليدين وإخراجهما عن حقيقتهما هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، وهذه طريقتهم في كل الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه وغيره.

خامساً: موافقة الأشاعرة للجهمية في نفي حقيقة اليد عن الله تعالى، وتأويلها وإخراجها عن ظاهرها، وأنهم جهمية في هذا الباب من الصفات:

قال أبو منصور عبد القاهر البغدادي الأشعري في "أصول الدين": (وقد تأول بعض أصحابنا هذا التأويل –أي: تأويل اليد بالقدرة- وذلك صحيح على المذهب)[111] اهـ.

وقال في صفة الوجه والعينين لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه: رؤيته للأشياء)[112] اهـ.

وقال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد" في فصل "اليدان والعينان والوجه": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود)[113] اهـ.

وقال الأشعريان (ص196): (فترى جمهور السلف لاحتمال اللفظ أكثر من معنى لديهم –أي: المعاني المجازية لا حقيقة الصفة- يتوقفون عن تعيين أحدها مكتفين بالفهم الإجمالي ......{بل يداه مبسوطتان} المائدة64، أن الله تعالى جواد كريم .... ويفهمون من قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، النصرة والثواب، وهكذا، ..... بيد أن هذا لا يمنع البعض منهم رضي الله عنهم من التصريح ببعض هذه المعاني –أي المجازية-...) اهـ.

ونقول: إذا كان السلف يتوقفون كما زعمتم فما بالكم تجاسرتم!!

وقد سبق الرد على هذه الأغلوطات في خلاصة الفصل الأول من الباب الأول، وبينا أن حقيقة هذا القول الذي نسبوه إلى السلف هو الجهل بالمعنى.

ونقل الأشعريان عن ابن خلدون قوله (ص199-201): (وأما لفظ الاستواء، والمجيء، والنزول، والوجه، واليدين، والعينين، وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها على طريقة العرب حين تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز ..) ثم قالا: (وهذا الذي قرره وحرره العلامة ابن خلدون هو ما أطبقت عليه الأمة) اهـ.

فيا لله العجب، أي أمة هذه التي أطبقت على مثل هذا!!!

وفي أي كتاب وجدتم قول واحد من السلف فضلاً عن جميعهم!!

وبعد كل هذا: يتبين بطلان ما زعمه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف، وفساد هذه الدعاوى العريضة التي لا مستند لها إلا الأوهام والخيالات.

ويكفي في إبطال قولهم ورده ما قاله إمامهم الذين ينتسبون إليه وهو أبو الحسن الأشعري في كتاب "الإبانة"، حيث أبطل جميع هذه المجازات في صفة اليد لله، وأنكر على أهلها، وجعلهم من المعطلة المخالفين للكتاب والسنة والإجماع واللغة.

فوازن بين أقوال الجهمية، وبين أقوال الأشاعرة في هذا الباب من الصفات، فإنك لا تجد بينهما فرقاً، فالفريقان قد اتفقا على نفي حقائقها عن الله تعالى، وتعيّن حملها على المجاز!. فلا أدري أيهما أحق بانتساب الأشاعرة إليهم: السلف أم الجهمية !!

الفصل الخامس

إثبات صفة النزول لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف



اتفق أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول لله تعالى، وأنه ينزل متى شاء، كيف شاء، نزولاً يليق بجلاله، لا يشبه نزول المخلوق، وأن نزوله صفة فعل له سبحانه.

وقد تواترت الأخبار عن رسول الله r في ذكر نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا، ورواه نحو ثمانية وعشرين نفساً من الصحابة، وأفرد فيها العلماء مؤلفات مستقلة وجمعوا طرق أحاديثها، منهم الحافظ الدارقطني، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي وغيرهم.

ولم يخل مصنف في السنة من تبويب إثبات صفة النزول لله تعالى، كالسنة لابن أبي عاصم، ولعبد الله بن الإمام أحمد، والتوحيد لابن خزيمة، وكتب الرد على الجهمية، للدارمي، وابن مندة، وابن أبي حاتم، وغيرها كثير.

وقد تنوعت الدلالات في إثبات صفة النزول لله تعالى مما يمنع حملها على المجاز، وتتعين بها حقيقة النزول المعروف لغة: وهو ما كان من أعلى. وإليك بعض دلالاتها:



لفظ النزول

عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)[114].

ها هنا خمسة ألفاظ تنفي المجاز وتؤكد الحقيقة:

الأول: نسبة النزول إليه سبحانه (ينزل الله).

الثاني: نسبة القول إليه (فيقول).

الثالث: وصفه لنفسه بقوله: (أنا الملك، أنا الملك).

الرابع: أمره العباد بما لا يجوز إلا له: (من ذا يدعوني، يسألني، يستغفرني؟).

الخامس: ذكر أفعاله التي ليست لأحد غيره: (فأستجيب له، فأعطيه، فأغفر له).



لفظ الهبوط

عن عبد الله بن مسعود t عن النبي r قال: (إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله عز وجل إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر)[115].

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا، فلا يزال بها حتى يطلع الفجر، يقول: قائل ألا من داع فيستجاب له، ألا من مريض يستشفي فيشفى، ألا من مذنب يستغفر فيغفر له)[116].



التصريح بأنه تعالى هو السائل لا غيره

عن رفاعة بن عرابة الجهني t قال: قال رسول الله r: (إذا مضى من اليل نصفه، أو ثلثاه، هبط الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني استجب له، من ذا الذي يسألني أعطيه، حتى يطلع الفجر)[117].



التصريح بالصعود بعد الهبوط

عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: يشهدان لي على رسول الله r أنه قال: (إذا ذهب ثلث الليل الأوسط، هبط الرب تعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ حتى يطلع الفجر، ثم يصعد إلى السماء)[118].



وقد وصف الله تعالى نفسه بما يؤكد حقيقة النزول وينفي المجاز:



وصف نفسه بالإتيان

قال تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} الأنعام158.

ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان أمره، وإتيان نفسه.

وقال: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} البقرة210.

ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان نفسه.

وصف نفسه بالمجيء

قال تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.

ففرّق بين مجيئه وبين مجيء الملائكة.



وصفه تعالى بالدنو

عن أنس بن مالك t عن النبي r في حديثه الطويل في ذكر الإسراء والمعراج وفيه: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة)[119].



ومعلوم أن تنوع الدلالات لمعنى النزول يمنع حمله على المجاز، ويؤكد إرادة الحقيقة. فنزول، وهبوط، وصعود، وإتيان، ومجيء، وتدلٍّ، ونداء العباد بـ: أنا الملك، ولا أسأل عن عبادي غيري. وترغيب بـ: من يدعوني، من يستغفرني، من يسألني، ومجازاة بـ: فأستجيب له، فأغفر له، فأعطيه.

أفمع كل هذا التنوع والتصرف في الألفاظ والدلالات، يمكن أن يكون النزول مجازاً، سبحانك هذا بهتان عظيم!!

وقد أطبقت كلمة السلف والأئمة على إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز:



~ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)

قال في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف)[120] اهـ.





~ الإمام الحافظ الحجة حماد بن سلمة بن دينار البصرى أبو سلمة (167 هـ)

روى عبد العزيز بن المغيرة عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب عز وجل فقال: (من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه)[121] اهـ.



~ الإمام الحافظ حماد بن زيد (179 هـ)

سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء «ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا»، قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله)[122] اهـ.



~ الفضيل بن عياض (187هـ)

قال الفضيل بن عياض: (وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء)[123] اهـ.

وهذا ظاهر في إثبات النزول الحقيقي لله، الذي يلزم من إثباته عند الجهمية زوال الله عن مكانه، ولذلك أجاب بهذا الجواب، فإن الله ليس كمثله شيء، ولا كنزوله نزول شيء.



~ الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)

قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: (قال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف صعد)[124] اهـ.

وقال ابن وضاح: (سألت يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه.)[125] اهـ.

وجعله الصعود مقابلاً للنزول صريح في إثبات حقيقة النزول لله تعالى.



~ الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238 هـ)

روى الحاكم بإسناده عن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبدالله الرباطي قال: (حضرت مجلس الأمير عبدالله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق ابن إبراهيم، يعني ابن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟. قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟.

فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول.

فقال الرجل: أُثبته فوق.

فقال إسحاق: قال الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22.

فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة.

فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟)[126] اهـ.

وهذا صريح في إثبات النزول لله تعالى على الحقيقة، ولذلك قال لمن أنكر النزول: "أثبته فوق". لأن من لا يؤمن بعلو الله تعالى، لا يقر بنزوله. وهذا يدل على أن النزول الذي وصف الله نفسه به هو على حقيقته، وهو ما كان من أعلى.

وقال الذهبي: (وقال أبو العباس السراج سمعت إسحاق الحنظلي يقول: (دخلت على طاهر بن عبد الله بن طاهر، وعنده منصور بن طلحة، فقال لي منصور يا أبا يعقوب تقول أن الله ينزل كل ليله؟.

قلت: نؤمن به، إذا أنت لا تؤمن أن لك في السماء رباً لا تحتاج أن تسألني عن هذا. فقال له طاهر الأمير: ألم أنهك عن هذا الشيخ.)[127] اهـ.

وقال الذهبي: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء اهـ.

ثم قال الذهبي معلقاً: قلت هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حوماً على التكييف أو التعطيل.)[128] اهـ.

وقال أحمد بن علي الآبار: (إن عبد الله بن طاهر قال لإسحاق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي يحدث بها أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا والله يصعد وينزل؟!

قال فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟

قال: نعم.

قال: فلم تنكر؟!)[129] اهـ.

وجَعْلُ إسحاق الصعود مقابلاً للنزول ظاهرٌ في أن نزول الله تعالى حقيقة لا مجاز.

وقال إسحاق مؤصلاً: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون} الأنبياء23، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله عز وجل موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء)[130] اهـ.



~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: (ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.

وقال إسحاق: قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي)[131] اهـ.

وقال أحمد بن الحسين بن حسان: (قيل لأبي عبد الله: "إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.

وقال يوسف بن موسى: قيل أبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.)[132] اهـ.

وقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله عز وجل ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.

قال القاضي معلقاً: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله {وجاء ربك والملك} الفجر22، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.)[133] اهـ.

وقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.

قال حنبل بن إسحاق: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي r: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا»، فقال أبو عبد الله: (نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئا منها إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق.

حتى قلت لأبي عبد الله: «ينزل الله إلى سماء الدنيا» قال: قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟

فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب قال الله عز وجل: {فلا تضربوا لله الأمثال} النحل74، ينزل كيف يشاء، بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علماً، لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب)[134] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال في "الرد على المريسي" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان)[135] اهـ.

ومعلوم أن السلف لو لم يكونوا يعتقدون نزوله تعالى بنفسه، لكانوا هم والجهمية سواء.

وقال في "الرد على الجهمية": (فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله r برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟ قلنا : لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلاً أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله r في نزوله واجب، ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون، لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه: كيف يصنع؟ وكيف قدر؟ .

ولو قد آمنتم باستواء الرب على عرشه، وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءاً إذ خلقها، كإيمان المصلين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه، ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءاً، فكما قدر على الأولى منهما كيف يشاء، فكذلك يقدر على الأخرى كيف يشاء.

وليس قول رسول الله r في نزوله بأعجب من قول الله تبارك وتعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} البقرة210. ومن قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22. فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.

فهذا الناطق من قول الله عز وجل، وذاك المحفوظ من قول رسول الله r بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين، لزمكم الإيمان بها، كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين)[136] اهـ.

وقال بعد ذلك كلاماً مهماً يمثل قاعدة من قواعد أهل السنة وهو قوله: (قد علمتم ذلك ورويتموها –أي أحاديث النزول وآثار الصحابة والتابعين- كما رويناها إن شاء الله، فائتوا ببعضها أنه لا ينزل منصوصاً كما روينا عنهم النزول منصوصاً حتى يكون بعض ما تأتون به ضداً لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدفع إجماع الأمة ةما ثبت عنهم في النزول منصوصاً بلا ضدٍ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نظرائهم، ولم يُدفع شيء بلا شيء، لأن أقاويلهم ورواياتهم شيء لازمٌ وأصل منيع، وأقاويلكم ريح ليست بشيء. ولا يلزم أحداً منها شيء إلا أن تأتوا فيها بأثر ثابت مستفيض في الأمة كاستفاضة ما روينا عنهم، ولن تأتوا به أبداً ..)[137] اهـ.

فدونك هذا الأصل العظيم، عض عليه بالنواجذ، واعمل به في كل ما يدعيه أهل التأويل والتحريف في صفات الله تعالى.



~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن وضاح المرواني (287 هـ)

قال: (كل من لقيت من أهل السنة يصدق بها، لحديث التنزل.)[138] اهـ.

ومعلوم قطعاً أن النزاع لم يكن في إثبات أحاديث النزول، وإنما في إثبات حقيقتها لله تعالى، وهو الأمر الذي تنكره الجهمية وتتأوله.

~ أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي (295 هـ)

قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن حديث النزول، فقال: (النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)[139] اهـ.



~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)

قال: (قيل له –أي للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي r: "أنه يهبط إلى السماء الدني فينزل إليها"؟

فإن قال: أنكرت ذلك، أَنَّ الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة.

قيل له: فقد قال جل ثناؤه {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك.

قيل: قد أخبرنا تبارك وتعالى أنه يجيء هو والملَك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملَك لا الملَك، كما كان معنى مجيء الرب تبارك وتعالى مجيء أمره.

فإن قال: لا أقول ذلك في الملَك، ولكني أقول في الرب.

قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب تبارك وتعالى والملَك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!

فإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزاً.

قيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على من يزعم منكم ان الله تقدست أسماؤه لا يخلو منه مكان. وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع، وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه، بأنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له؟ .... إلى أن قال: فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟

قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.)[140] اهـ.



~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

قال في تحقيق صفة النزول لله: (باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي r في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، أعلمنا أنه ينزل والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه، من أمر دينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي r لم يصف لنا كيفية النزول وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح : أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا r أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل)[141] اهـ.





~ الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (360 هـ)

قال: (باب الإيمان والتصديق بأن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة قال محمد بن الحسين رحمه الله: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة، وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله r: «أن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، فكما قبل العلماء عنهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يحذرونه ويحذرون منه)[142] اهـ.



~ أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (386 هـ)

قال في كتاب "السنة" : (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، قال النبي r، من غير أن يقال: كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي r)[143] اهـ.



~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)

قال: (فنقول كما قال: "ينزل ربنا عز وجل" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله)[144] اهـ.



~ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (399 هـ)

قال فى باب "الإيمان بالنزول" قال: (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل الى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك، من غير أن يحدوا فيه حداً،) -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره الى أن قال: (وأخبرنى وهب عن ابن وضاح عن الزهرى عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ: مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق. قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدى عن النزول؟ قال: نعم أومن به، ولا أحدّ فيه حداً. وسألت عنه ابن معين؟ فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حداً.

قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش فى السماء دون الأرض، وهو أيضاً بيّن فى كتاب الله، وفى غير حديث عن رسول الله)[145] اهـ.

واستدلاله بحديث النزول على على الله تعالى وأنه فوق عرشه، صريح في إثبات النزول حقيقة، وهو ما كان من أعلى.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

قال رحمه الله في إثبات حقيقة النزول والرد على من تأولها أو كيفها: (وقال بعضهم- أي السلف-: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتجلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول r أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله r، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعناً كثيراً.

وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب)[146] اهـ.

وما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله عز وجل المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.



~ الإمام الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد الأصبهاني كوتاه (553 هـ)

قال الذهبي: (قال السمعاني: لما وردت أصبهان، كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا وأمره بالرجوع عنه فما فعل.)

قال -الذهبي معلقاً-: ومسألة النزول، فالإيمان به واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته إلا إرغاماً لمن تأوله وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط، نعوذ بالله من المراء في الدين)[147] اهـ.



~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)

قال في كتابه "الغنية": (وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف)[148] اهـ.







~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول)[149] اهـ.

~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

قال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول r أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.)[150] اهـ.

وهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من أنه يلزم منه أن يكون الله نازلاً على الدوام، لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.



فمن ادعى بعد هذه النصوص المستفيضة: أن السلف متفقون على تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، وأن منهم من يسكت، ومنهم من يصرح بالمعنى المجازي، فلا ريب أنه قال بالكذب والبهتان، وحاله كحال من ينكر الشمس في رابعة النهار

وهل يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل



فرع: إثبات صفة النزول الحقيقي لله من كلام أبي الحسن الأشعري



قال في سياق معتقده الموافق لأهل الحديث: (ونصدق جميع الروايات التي التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل)[151] اهـ.

ومعلوم أن أهل الزيغ في هذه الصفة هم من يتأولون النزول ولا يجعلون الله متصفاً به على الحقيقة، ولذلك أكد اتصاف الله به بكونه سبحانه هو الذي ينزل فينادي عباده، لا ملك ولا غيره فقال "وأن الرب عز وجل يقول".

ثم قال رحمه الله مستدلاً بنزوله تعالى على إثبات علوه: (ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله r ..) ثم ذكر أحاديث النزول[152].

وقال في سياق معتقد أهل الحديث: (وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: "وجاء ربك والملك صفاً صفاً" وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث)[153] اهـ.



خلاصة الفصل:

أولاً: أن السلف مجمعون على إثبات النزول لله تعالى، كما ثبت في السنة المتواترة، بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، بل يثبتون نزولاً لائقاً به سبحانه، لا يماثل نزول المخلوقين. وأن السلف يقولون بمثل ذلك في كل الصفات الاختيارية الفعلية لله تعالى كالمجيء، والإتيان، والدنو، ونحو ذلك من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة.

ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في إثبات حقيقة النزول لله تعالى، من غير تأويل، ولا تحريف.

ثالثاً: أن الجهمية كانت تنكر أن ينزل الله بنفسه، وتتأول ذلك بنزول أمره، أو نزول ملك ونحوه، وأن هذا هو الذي أنكره السلف عليهم.

رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية في تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، بل هو من مجازات الكلام.

قال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد": (والوجه: حمل النزول، وإن كان مضافاً إلى الله تعالى، على نزول ملائكته المقربين.... إلى أن قال: ومما يتجه في تأويل الحديث أن يُحمل النزول على إسباغ الله نعماءه على عباده ..)[154] اهـ.

وقال أيضاً في صفة المجيء: (بل المعني بقوله: {وجاء ربك} الفجر22: أي جاء أمر ربك وقضاؤه الفصل وحكمه العدل)[155] اهـ.

خامساً: بطلان دعوى الأشعريين في أن الأشاعرة متبعون للسلف، سائرون على نهجهم، وأنهم من أهل السنة.



[1] رواه مسلم (537)

[2] رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص515).

[3] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/52) وفي درء التعارض(2/261) وعزاه لابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، وأورده الذهبي في العلو (ص158).

[4] أورده الذهبي في العلو (ص179) وعزاه للخلال.

[5] العلو (ص174).

[6] رواه اللالكائي (1/176-177).

[7] تأويل مختلف الحديث (ص252-253).

[8] الرد على المريسي (1/340).

[9] المرجع السابق (1/228).

[10] التوحيد (ص110).

[11] الشريعة (ص300).

[12] الإبانة (3/136).

[13] سبق تخريجه حاشية 67.

[14] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/60).

[15] العلو (ص243).

[16] سبق تخريجه حاشية 102.

[17] عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص44).

[18] التمهيد (7/129-131).

[19] المرجع السابق (7/134).

[20] المرجع السابق (8/80).

[21] نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس وساق أسانيدها (ص30) وأوردها الذهبي في العلو (ص259) وفي السير (18/474).

[22] الحجة في بيان المحجة (2/114).

[23] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/213) وفي نقض التأسيس (ص97)

[24] إثبات صفة العلو (ص43).

[25] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عنه في درء التعارض (6/258) وفي بيان تلبيس الجهمية (2/33) وفي مجموع الفتاوى (3/224) وفي نقض التأسيس (ص106) ونقله ابن القيم عنه أيضاً في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص263).

[26] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/140).

[27] العلو (ص143).

[28] المرجع السابق (ص268)

[29] الإبانة للأشعري (ص97-103).

[30] مقالات الإسلاميين (1/284).

[31] رسالة إلى أهل الثغر (ص232-236).

[32] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/120) وفي مجموع الفتاوى (5/318)

[33] سير أعلام النبلاء (11/175)

[34] نقله عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (5/65-70).

[35] شرح جوهرة التوحيد (ص163).

[36] الاقتصاد في الاعتقاد (ص74-81).

[37] نهاية الإقدام على علم الكلام (ص67).

[38] شرح العقائد النسفية (ص32-33).

[39] العلو (ص268).

[40] رواه مسلم (537).

[41] رواه اللالكائي (3/401) وأورده الذهبي في العلو (ص130).

[42] الرد على المريسي (1/489).

[43] إبطال التأويلات (1/232).

[44] ذم الكلام وأهله (5/135).

[45] عقائد أئمة السلف (ص75).

[46] العلو (ص28).

[47] الإبانة للأشعري (ص103).

[48] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/193) وفي نقض التأسيس (ص51-53) وفي مجموع الفتاوى (5/319) ونقله ابن القيم في الصواعق المرسلة (4/1238) وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (ص282).

[49] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص81).

[50] الحجة في بيان المحجة (1/399).

[51] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص166).

[52] لسان العرب/ مادة "ندى".

[53] رواه البخاري (4/1767).

[54] رواه أحمد في المسند (3/495) والبخاري في خلق أفعال العباد (ص137) وفي الأدب المفرد (رقم 970/فضل الله الصمد 2/423) واستشهد به في صحيحه معلقاً (6/2719) ورواه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي 1/188) وابن أبي عاصم في السنة (1/225) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/97) والروياني في مسنده (2/315) وأبو الحسين في معجم الصحابة (2/135) والحاكم (2/475) وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (ص346) والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص110) وأبو ذر الهروي في فوائده (ص42) وابن عبد البر في التمهيد (23/232) والضياء في المختارة (9/26) وقال الحافظ في تغليق التعليق (5/356): (قال الطبراني في مسند الشاميين..) ثم ساقه بإسناده، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: (رواه أحمد بإسناد حسن). وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم 1/225).

[55] علقه البخاري في صحيحه (6/2719) ووصله في خلق أفعال العباد (ص138) ورواه أبو داود (3/240) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/237) والدارمي في الرد على الجهمية (ص172) وعبد الله في السنة (1/281) واللفظ له، وابن خزيمة في التوحيد (ص145) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص32) وابن بطة في الإبانة (1/238) واللالكائي (2/334) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص262). وصحح الألباني في السلسلة الصحيحة (3/282 ، رقم 1293).

[56] رواه عبد الله في السنة (1/284) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص35) والآجري في الشريعة (ص317).

[57] رواه ابن أبي حاتم في التفسير (4/1120) وابن جرير (6/29) وعبد الله في السنة (1/286) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37) وابن بطة في الإبانة (2/317-318).

[58] رواه ابن أبي حاتم في التفسير (4/1120) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37) وعبد الله في السنة (1/285).

[59] رواه عبد الله في السنة (1/280-281).

[60] طبقات الحنابلة (1/415).

[61] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية (64) وفي درء التعارض (2/39) وفي الفتاوى الكبرى (5/165) وعزاه إلى حرب الكرماني في مسائل أحمد وإسحاق.

[62] المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (1/303).

[63] الرد على الجهمية والزنادقة (ص132).

[64] طبقات الحنابلة (2/296).

[65] خلق أفعال العباد (ص137).

[66] شرح السنة (ص90).

[67] ذم الكلام وأهله (5/136).

[68] الحجة في بيان المحجة (2/479).

[69] أورده الذهبي في العلو (ص260).

[70] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص352-356).

[71] عقائد أئمة السلف (98-104).

[72] الذيل على طبقات الحنابلة (2/24).

[73] شرح العقيدة الطحاوية (1/؟؟؟).

[74] شرح الفقه الأكبر (ص83-84).

[75] الإبانة للأشعري (ص77).

[76] التعرف لمذهب أهل التصوف (ص53).

[77] الإنصاف (ص111).

[78] الاقتصاد في الاعتقاد (ص142-174).

[79] شرح جوهرة التوحيد (ص129).

[80] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (80-84).

[81] صيد الخاطر (ص265).

[82] سير أعلام النبلاء (11/175).

[83] شرح جوهرة التوحيد (130-162).

[84] الإرشاد (ص116-117).

[85] نهاية الإقدام (ص164-165).

[86] وقد اختلف الباحثون في عقيدة التفتازاني بين الأشعرية والماتريدية، ولا فرق بينهما عند الأشعريّيْن، والتحقيق أنه أشعري العقيدة كما حققه الدكتور محمد محمدي النورستاني في كتابه "مواقف التفتازاني الاعتقادية في كتابه شرح العقائد النسفية" (ص176-191).

[87] ص46-47.

[88] حاشية الإنصاف للباقلاني (ص26).

[89] كبرى اليقينيات الكونية (ص125).

[90] أركان الإيمان (ص201).

[91] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص304-305).

[92] ذم الكلام وأهله (5/136-137).

[93] الإيضاح في أصول الدين (ص286).

[94] الإبانة للأشعري (ص106).

[95] رواه مسلم (ذ827).

[96] رواه البخاري (4/1812) ومسلم (2787).

[97] رواه مسلم (2759).

[98] رواه مسلم (1014).

[99] أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (4/13) وابن أبي عاصم في السنة (1/286) وعبد الله في السنة (2/485) وابن خزيمة في التوحيد (ص186) والطبراني في الكبير (19/211) والحاكم (4/606) وقال: صحيح الإسناد.

[100] رواه مسلم (2788).

[101] رواه البخاري (4/1812) ومسلم (2786).

[102] رواه البخاري (6/2697) ومسلم (993).

[103] الرد على المريسي (2236).

[104] رواه ابن أبي شيبة (7/28) وهناد بن السري في الزهد (1/66) وعبد الله في السنة (1/295) والآجري في الشريعة (ص340).

[105] رواه ابن سعد في الطبقات (5/166).

[106] رواه عبد الله في السنة (1/297).

[107] رواه عبد الله في السنة (1/296).

[108] رواه الدارمي في الرد على المريسي (1/286).

[109] رواه عبد الله في السنة (2/501) وابن جرير (24/25).

[110] رواه الدارمي في الرد على المريسي (2/286).

[111] أصول الدين (ص111).

[112] المرجع السابق (ص110).

[113] الإرشاد (ص155).

[114] رواه البخاري (1/384) ومسلم واللفظ له (758).

[115] رواه أحمد (1/388) وأبو يعلى (9/219) والدارمي في الرد على الجهمية (ص77) وابن خزيمة في التوحيد (ص134) والآجري في الشريعة (ص325) وابن بطة في الإبانة (3/208) والدارقطني في النزول (ص69) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/153): (رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح). وصححه الألباني في إرواء الغليل (2/199)

[116] رواه أحمد (1/120) وأبو محمد الدارمي في سننه (1/414) وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية (ص74،78) والنسائي في الكبرى (6/125) وأبو يعلى (11/447) والآجري في الشريعة (ص323) والدارقطني في النزول (ص133-138) وابن المظفر في غرائب مالك (ص133) والبيهقي في السنن الكبرى (6/125).

[117] رواه أحمد (4/16) والطيالسي (ص182) والنسائي في الكبرى (6/122) والدارمي في سننه (1/413) وابن ماجه (1/435) وابن خزيمة في التوحيد (ص132) وأبو عوانة في مسنده (2/289) والطبراني في الكبير (5/49) وابن بطة في الإبانة (3/214-215) والآجري في الشريعة (ص325) والدارقطني في النزول (168-175) وابن حبان في صحيحه (1/217) واللالكائي (3/441) والصابوني في عقيدة السلف (ص58) وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين في دلائل التوحيد (ص80).

[118] رواه بهذا اللفظ: أبو عوانة في مسنده (2/288) والدارقطني في الرؤية (ص149) وقال بعده: (زاد فيه يونس بن أبي إسحاق زيادة حسنة) أي: ثم يصعد إلى السماء. والحديث رواه مسلم (758).

[119] رواه البخاري (6/2730).

[120] سبق تخريجه حاشية 24.

[121] ذكره الذهبي في السير (7/451).

[122] سبق تخريجه حاشية 26.

[123] سبق تخريجه حاشية 28.

[124] رواه ابن بطة في الإبانة (3/203-206).

[125] سبق تخريجه حاشية 138.

[126] رواه الصابوني في عقيدة السلف وأهل الحديث (ص51) وأورده الذهبي في العلو (ص179).

[127] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/326).

[128] ذكره الذهبي في السير (11/367).

[129] رواه اللالكائي (3/452).

[130] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/325).

[131] رواه ابن بطة في الإبانة (3/205) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/260).

[132] إبطال التأويلات (1/260).

[133] المرجع السابق (1/261).

[134] سبق تخريجه حاشية 31.

[135] الرد على المريسي (1/214).

[136] الرد على الجهمية (ص93).

[137] المرجع السابق (ص97).

[138] سبق تخريجه حاشية 147.

[139] ذكره الذهبي في السير (13/547).

[140] التبصير (ص148-149).

[141] التوحيد (ص125-126).

[142] الشريعة (ص319).

[143] نقله عنه أبو القاسم التيمي في المحجة (1/248).

[144] الإبانة (3/240).

[145] سبق تخريجه حاشية 64.

[146] عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص60-63).

[147] سير أعلام النبلاء (20/330).

[148] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص461).

[149] عقائد أئمة السلف (ص80).

[150] فضل علم السلف على الخلف (ص48).

[151] الإبانة للأشعري (ص51).

[152] المرجع السابق (ص99).

[153] مقالات الإسلاميين (1/285).

[154] الإرشاد (ص161).

[155] المرجع السابق (ص159).

يوسف التازي
15-01-15, 04:03 PM
الفصل الثاني
في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه
وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)

لقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}ص 29، ولم يقل بعض آياته.
ورغّب في ذلك فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} محمد 24.
وعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة من غير فهم ولا فقه، فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} البقرة 78.
وقد بين النبي ïپ² لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ïپ²: أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ïپ² عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) .
ومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.
قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل 44
وقال: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} آل عمران 138
وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الدخان 58
وقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فصلت 3، أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.
وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النور 54، وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.
وقال علي ïپ´: (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) .
وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس ïپ´ من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) .
فمن زعم أن النبي ïپ² لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً، لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ، وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.
ولا ريب أن الصحابة ïپ¹ كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له، وأعظمهم إيماناً وأكملهم صلاحاً، وأشدهم حباً لله تعالى بعد الأنبياء والرسل. ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم الذي ألهته قلوبهم، حباً له وتعظيماً وخوفاً ورجاءاً، وهذا يستلزم حتماً أن يكونوا أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصاً وأعظم طلباً، ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله ïپ² خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.
وهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته. وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم تبارك وتعالى من تدبر كتابه، والتفكر فيه، متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.
قال تعالى:{فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء 78 .
وقال تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام 98
وقال: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} الأنعام 25
فمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة ïپ¹ ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده في كتابه، وعلى لسان رسوله ïپ²، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جداً، سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.

الآثار الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية

ïپ¾ عبد الله بن مسعود ïپ´
قال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود ïپ´: (أبلغك أن الله عز وجل يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) اهـ.
وهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.

ïپ¾ أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (90 هـ)
قال أبو العالية: {استوى إلى السماء} البقرة29: ارتفع.


ïپ¾ أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (101 هـ)
قال: {استوى}: علا على العرش .
وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.

ïپ¾ الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (125 هـ)
ïپ¾ مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (112 هـ)
قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) اهـ.
[ معنى إمرار الصفات بلا تكييف ]
والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً.
وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم ، فإن أصحاب رسول الله ïپ² أمرّوها) .
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. ....- إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) اهـ.
فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.
وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ïپ² من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله ïپ² صحيح، ... والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ïپ²، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً..) اهـ.
وهذه أحاديث مفهومة المعنى ، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.
وقال أيضاً في الرسالة ذاتها : ("ثلاث من كن فيه فهو منافق" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها ..) اهـ.
ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي ïپ² لعلي: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء ».
وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي ïپ² لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» اهـ.
وقال البخاري في جزء "رفع اليدين": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.
قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي ïپ² حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) اهـ.

ïپ¾ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) اهـ.
فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة !!.
وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) اهـ.
وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.

ïپ¾ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)
سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟
فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغراً، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، ... وذكر فصلاً طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) اهـ.
وقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) اهـ.
فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى.
وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره. فأما الرب تبارك وتعالى فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.

ïپ¾ إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)
ïپ¾ إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161 هـ)
ïپ¾ إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (175 هـ)
ïپ¾ إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (179 هـ)
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) اهـ.
وقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} طه5، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج) اهـ.
[ معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم" ]
وهذا الأثر مشهور مستفيض عن الإمام مالك، لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب أهل السنة في المعتقد. وهو صريح في أن معنى الاستواء معلوم، وأن الكيفية مجهولة. وأما من ظن أن معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم": أي ثابت في القرآن، فلا شك أنه خطأ، إذ السائل لا يجهل ذلك، كيف وقد تلا الآية سائلاً عن الكيفية.
قال أبو عبد الله القرطبي مفسراً قول الإمام مالك: (قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها.) اهـ.
وقال الذهبي: (أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته) اهـ.
ونقل الملا علي القاري كلاماً لابن القيم في شرح منازل السائرين يقول فيه: (يشير بذلك –أي شيخ الإسلام الأنصاري صاحب منازل السائرين- إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى إفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة، كما قال مالك رحمه الله وقد سئل عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فرّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شاف عام في جميع مسائل الصفات، من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيف فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات اهـ.
ثم قال الملا علي القاري معلقاً: انتهى كلامه –أي ابن القيم- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن والتشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ...) اهـ.
وقال العلامة الألوسي: (هو مراد مالك وغيره من قولهم "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول ...) اهـ.



ïپ¾ وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى (169 هـ)
قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعاً يقول: «نسلم هذه الأحاديث، ولا نقول فيها: مثل كذا، ولا كيف كذا؟ » يعني حديث ابن مسعود: «ويجعل السماوات على إصبع، والجبال على إصبع»، و«قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث) اهـ.
وأمْرُه رحمه الله بوجوب التسليم لأحاديث الصفات دال على إيمان السلف بحقيقة الصفات ومعرفتهم لمعانيها، إذ كان من المعلوم أن التسليم إنما يكون إلى ما دلت عليه الأحاديث، وهذا هو الإيمان بحقيقتها.
يوضحه: منعه من إيراد السؤال عن الكيفية، وعن تمثيلها بصفات المخلوقين، وإلا لو كان المعنى مجهولاً، لقال: ولا يقال ما كذا؟ أو ما معنى كذا؟.

ïپ¾ أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)
قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليما؟ قال : «مشافهة» .

ïپ¾ وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)
قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، قال: «مشافهة مراراً» .
وهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلوماً.
وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) .

ïپ¾ الفضيل بن عياض (187هـ)
قال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال {قل هو الله أحد.الله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولم يكن له كفوا أحد} الإخلاص، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) اهـ.
وقوله وقول السلف: "كيف شاء" ، "كما شاء"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون معناه "كيف شاء" أو "كما شاء": معنى.

ïپ¾ عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (191 هـ)
قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من عباده) اهـ.
ففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى.

ïپ¾ الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» اهـ.
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) اهـ.
وهذا يبين مراد السلف بقولهم عن الصفات "لا تُفسّر" أي: بغير ظاهرها، وهو حملها على المجازات ونحو ذلك، أما تفسيرها بما يدل عليه ظاهرها، فهو الحق، وهو الإمرار الذي أطبق عليه السلف في الصفات.

ïپ¾ الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (204 هـ)
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول –وقد ذكر كثيراً من صفات الله كالوجه واليدين والضحك ونحو ذلك-: (فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ïپ² مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ïپ²، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11) اهـ.
ومراده بقوله "فإن هذه المعاني" أي معاني صفات الله تعالى، فدل على أنها ألفاظ ذات معنى، ليست كالحروف المعجمة. وقوله بوجوب الدينونة على سماعها بحقيقتها، تأكيد لعلمهم بمعانيها، وما دلت عليه، ولأجل ذلك حذر من أمرين: التشبيه في الإثبات، والتعطيل في التنزيه.

ïپ¾ يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي (206 هـ)
وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن {الرحمن على العرش استوى} طه5،: على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي) اهـ.
قال الذهبي: ("يَقِر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) اهـ.
وهذا دليل على كون العامي من المسلمين يفهم معاني الصفات، بما علمه من اللغة العربية التي تعرف إلينا بها.

ïپ¾ بشر بن عمر بن الحكم الزهراني أبو محمد البصري (207 هـ)
قال: (سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: {الرحمن على العرش استوى} طه5، قال: على العرش استوى: ارتفع) اهـ.


ïپ¾ الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (224 هـ)
قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك ؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره) اهـ.
وهذا ظاهر في أن الذي جهله السلف من صفات الله تعالى هو الكيفية لا المعنى، إذ كان مفهوماً لديهم بما يعرفون من لغة العرب التي خوطبوا بها.
وقول أبي عبيد: "ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" يوضح معنى قول السلف رحمهم الله عن آيات الصفات "لا تُفسّر"، وأن المراد بالتفسير المنهي عنه هو السؤال والبحث عن الكيفية، لا السؤال عن المعنى، إذ المعنى معلوم بمقتضى اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه تبياناً لكل شيء، وجعله هدىً ورحمة، وهذا أحد نوعي التفسير المنهي عنه في صفات الله.
وأما الثاني فهو تفسير المعطلة والمؤولة الذين يصرفون الكلام عن ظاهره إلى مجازات الكلام.
قال الذهبي معلقاً على كلام إبي عبيد: (قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا –أي صرفها عن ظاهرها-، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءاً بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها –أي حقيقة ما هي عليه-، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها والرسول ïپ² بلّغ وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال {لتبين للناس ما نزل إليهم} النحل44، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) اهـ.

ïپ¾ عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (230 هـ)
قال في مناظرته الشهير المعروفة بـ"الحيدة": (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب "استوى فلان على السرير" فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.
باب من البيان لذلك: يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) اهـ.
فانظر يا رعاك الله كيف بيّن الكناني رحمه الله أن الاستواء معلوم من كتاب الله، يجب الإيمان باتصاف الله به، وأن المجهول هو الكيف، إذ لا يُعلم كيفية الشي حتى يُرى أو يُرى مثيله. فلم ينكر الكناني دعوى الجهمي في إثبات الاستواء المعلوم معناه لله تعالى، والذي هو في حق المخلوق كما وصف الجهمي، وإنما أنكر ما ظن الجهمي أنه لازم لذلك وهو أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق.




ïپ¾ الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)
روى ابن عبد البر بسنده عن ابن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل. فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. كل من لقيت من أهل السنة يصدق بحديث التنزل. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه) اهـ.
وقال: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) اهـ.

ïپ¾ مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله الزبيرى المدنى (236 هـ)
قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله عز وجل أخبرنا أن له وجهاً، ويدين، ونفساً، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر) اهـ.
أي: أن كل اسم دل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، وفي هذا إثبات لمعاني الصفات.

ïپ¾ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات" :
(قال أحمد في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه) اهـ.
وقال أيضاً: (وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.
وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب وقال: مالك ولهذا! امض الحديث على ما روي) اهـ.
وقوله عن النزول: "كيف شاء من غير وصف"، دليل على أنهم علموا المعنى بمقتضى اللغة، وجهلوا الكيفية ومنعوا من الخوض فيها.
وإنكاره على تأويل النزول بالعلم وغضبه من ذلك دليل على بطلان التأويل، وأن المعنى ظاهر بوضع اللغة، وهو يفسر معنى إمرار الصفات على ما جاءت، وأنه حملها على ما دل عليه ظاهر لفظها، فإن ظاهر قوله "ينزل ربنا" نزوله بنفسه، لا بعلمه أو نزول أمره، ولذلك غضب منه، وأمر أن يُمر الحديث كما جاء.
وقال الإمام أحمد: (يضحك الله تعالى، ولا يُعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول، وتثبيت القرآن.
وقال المروزي : سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، قال: هو صدوق، وقد كتبت عنه شيئا من الرقائق، ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك، فقال: مثل الزرع إذا ضحك، وهذا كلام الجهمية) اهـ.
وإثبات الإمام أحمد صفة الضحك لله، مع نفي الكيفية يدل على أن الضحك معلوم لديه، وأن الكيفية مجهولة، ولذلك أنكر على من فسر الضحك بخلاف ظاهره وقال: كضحك الزرع، وجعل هذا كلام الجهمية، وهذا هو التفسير الذي كان ينهى عنه السلف، وهو تفسير اللفظ بخلاف ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، فوازن بين تفسير الجهمية هذا، وبين تفسير الأشاعرة لضحك الله ستجدهما سواء.
وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: حرب محدِّث، وأنا عنده بحديث: «يضع الرحمن فيها قدمه»، وعنده غلام، فأقبل عليَّ الغلام فقال: إن لهذا تفسيراً؟ فقال أبو عبد الله: انظر كما تقول الجهمية سواء) اهـ.
وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله: يضع قدمه؟ فقال: نمرها كما جاءت) اهـ.
وهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن المراد بقول السلف في الصفات "لا تُفسر"، التفسير المخالف لظاهر اللفظ وهو تفسير الجهمية والمعطلة. وأن قولهم "تمر كما جاءت" أي على ظاهرها المعروف في اللغة من غير تحريف لمعنى آخر.
لأن الإمام أحمد بين أن قول الغلام: إن لصفة القدم لله تفسيراً، أنه قول الجهمية، ومعلوم أن الجهمية إنما كانت تتأول هذه الصفة وتصرفها عن ظاهرها، ولا يثبتونها صفة لله تعالى في ذاته، مما يدل على أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية، وهو إخراج اللفظ عن ظاهره إلى التأويلات المتكلفة.
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى، ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق والمصدوق، وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال بعد حديث رؤية النبي ïپ² ربه: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً) اهـ.
وقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الأحاديث التي يردها الجهمية في الصفات، والإسراء، والرؤية، وقمة العرش؟ فصححها وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت».
قال أبو بكر المروزي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد الله: "حدثوا بها، قد تلقتها العلماء بالقبول".
وقال أبو عبد الله: "تسلم الأخبار كما جاءت") اهـ.

ïپ¾ عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (276 هـ)
قال في "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية" فيما يتعلق بأحاديث الصفات: (وعدْل القول في هذه الأخبار: أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية وبالتجلي، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت. فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غداً إن شاء الله) اهـ
وقال أيضاً في "تأويل مختلف الحديث" في الرد على من أنكر على السلف إثبات الأصابع لله على الحقيقة اللائقة به: (قالوا: حديثٌ في التشبيه يكذبه القرآن وحجة العقل، قالوا: رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن كنت أردتم بالأصابع ههنا النعم، وكان الحديث صحيحاً فهو مذهب، وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء ولا يشبه بالمخلوقين وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم ..) إلى أن قال: قال أبو محمد: (ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، ..-ثم بين امتناع أن يكون مجازاً ثم قال: فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر "يحمل الأرض على أصبع وكذا على أصبعين"، ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} الزمر67، ولم يجز ذلك. ولا نقول أصبع كأصابعنا ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه عز وجل لا يشبه شيئاً منا) اهـ.
وهذا كما ترى صريحٌ في إثبات السلف حقائق صفات الله، وفهمهم لمعناها، وهو الأمر الذي خالفهم فيه الجهمية والمعطلة فأنكروا بجهلهم على السلف إثبات الأصابع بعينها، كما نقل عنهم قولهم "وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها فإن ذلك يستحيل".
وقال في بيان معنى الاستواء: ({الرحمن على العرش استوى}: أي استقر، كما قال تعالى {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}: أي استقررت) اهـ.
وهذا نص في معنى صفة الاستواء لله تعالى.

ïپ¾ الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (279 هـ)
قال في سننه في الصفات: (وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة) اهـ.
وفيه أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية وهو تحريفهم للصفات عن ظاهرها، وهو خلاف تفسير السلف على مقتضى اللغة العربية.


ïپ¾ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
قال الدارمي أيضاً في بيان فهم السلف لمعنى المجيء والإتيان لله: ( وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوق، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله ïپ². وقد روى ابن عباس ïپ´ في تفسيرها: أن السماء تشقق لمجيئه يوم القيامة، تتنزل ملائكة السماوات، فيقول الناس: أفيكم ربنا؟ فبقولون: لا، وهو آت حتى يأتي الله في أهل السماء السابعة وهم أكثر ممن دونهم، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في صدر الكتاب، وهو مكذب لدعواك انه إتيان الملائكة بأمره دون مجيئه، لكنه فيهم مدبِّر، ويلك! لو كانت الملائكة هي التي تجيء وتأتي دونه ما قالت الملائكة: "لم يأت ربنا وهو آت" والملائكة آتية نازلة، حين يقولون ذلك) اهـ.
وهذا بيان واضح لفهم معنى مجيء الله تعالى، وأنه مجيئه بنفسه.
وقال في رده على المريسي بعد سياقه الأدلة على إثبات صفة العينين لله تعالى من الكتاب والسنة: (فكما نحن لا نكيف هذه الصفات ونكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) اهـ.
وهذا صريح في أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية والمعطلة الذين يمنعون اتصاف الله بهذه الصفات في ذاته.

ïپ¾ الامام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (280 هـ)
قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:
هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم...) وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك، إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلماً عالماً فتبارك الله أحسن الخالقين) اهـ.

ïپ¾ سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ)
قال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة ثمانين ومئتين يقول: (العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث نصبه الحق دلالةً وعَلَماً لنا لتهتدي القلوب به إليه ولا تتجاوزه، ولم يُكلِّف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يُقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء، وإنما على المؤمن الرضى والتسليم لقول النبي ïپ²: إنه على عرشه) اهـ.
وهذا منه صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم معناه وهو: الفوقية والعلو، ولذا فسره بقوله "إنه على عرشه"، وأن الذي يُجهل من ذلك إنما هو الكيفية والماهية.



ïپ¾ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
قال بعد أن ذكر جملة من الصفات كالوجه واليد والقدم والضحك ونحوها: ( فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله عز وجل بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ïپ² مما لا تُدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفِّر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه. فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع...) اهـ.
فانظر كيف ذكر الصفات ثم قال: "هذه المعاني"، ثم بأوجب الدينونة لله بحقيقتها، أي المعاني.
وتأمل حكمه بالكفر على من بلغته أخبار الصفات ولم يدن بحقيقتها ويشهد بها، وإعذاره من لم تبلغه، ومعلوم أن الجهمية وأصناف المعطلة ما كانوا ينكرون ثبوت ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن والأحاديث المتواترة، وإنما يتأولونها ولا يقرون بحقيقتها، وهذا هو محل النزاع بينهم وبين السلف، وهو معاني هذه الصفات وإثبات حقيقة اتصاف الله بها على الوجه اللائق به، وإلا لو كانت المسألة مجرد إقرارٍ بثبوت ألفاظ ونصوص لا تدل على معانٍ، لم ينكره أحد، ولَما طال النزاع بين السلف والمعطلة من الجهمية وغيرهم.
فالنزاع إذاً كان على حقائق هذه النصوص وإثبات معانيها لله تعالى، وليس نزاعاً على إثبات النصوص وصحتها. وهذا وجه مهم جداً فتأمله!
قال ابن جرير مؤكداً هذا الأمر: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ïپ²؟
قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعاً بصيراً في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه النشبيه) اهـ.
فرحمه الله تعالى ما أحسنه وأضحه من مقال. فوازن بين هذا الكلام الفائق الرائق في تقرير معتقد السلف، وبين كلام الأشعريّيْن الذين عدا الطبري رحمه الله من جملة الأشاعرة!!!

ïپ¾ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)
قال في بيان فهم السلف لصفة النزول لله بعد ذكره للأحاديث: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا ïپ² أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) اهـ.
وهذا كلام واضح بين في بيان فهم السلف لمعنى صفة النزول لله، وأن معناه ما دل عليهم ظاهر اللغة من كونه من أعلى إلى أسفل، ولذا استدل به أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه، كما استدل به أبو الحسن الأشعري على الشيء نفسه، وأن السلف إنما كانو ينفون العلم بالكيفية.
وقال في صفة الضحك لله: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا عز وجل بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك كما أعلم النبي ïپ² ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله عز وجل استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ïپ² مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه) اهـ.
قوله "ونسكت عن صفة ضحكه" صريح في أن الذي جهلوه من صفات الله هو الكيفية وصفتها، وليس المعنى.

ïپ¾ أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي (من طبقة ابن خزيمة)
قال أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي من أفاضل من بخراسان من العلماء والفقهاء وقد أملى اعتقاداً له فقال: (وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن الله عز وجل احد لا شريك له..) إلى أن قال: (ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله ïپ² من صفاته جل وعلا بنقل العدول، والأسانيد المتصلة التي اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله ïپ²، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها، وتعتقد عليها ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال ïپ²، ولا نكيف صفات الله عز وجل، ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه، ولا نضرب لها الأمثال، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقاً، ونطلق ألفاظها تصريحاً كما قال الله عز وجل في كتابه، وكما قال رسول الله ïپ²، ونقول: إن صفات الله عز وجل كلها غير مخلوقة، ليس من كلامه وعلمه وصفاته شيء مخلوق، جل الله تعالى عن صفات المخلوقين، والكيف عن صفات الله مرفوع.
ونقول كما قال السلف من أهل العلم الزهري وغيره: على الله البيان وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم، ونؤدي أحاديث رسول الله ïپ² كما سمعنا، ولا نقول في صفات الله كما قالت الجهمية والمعطلة، بل نثبت صفات الله تعالى بإيمان وتصديق.
قال الأوزاعي: أقروا بأحاديث رسول الله ïپ²، وأمروها كما جاءت) اهـ.
وهذا يبين لنا معنى التفسير الذي نهى عنه السلف في صفات الله، وهو تفسير أهل التكييف، وتفسير أهل التعطيل. وأما تفسير الكلام على ما تعرفه العرب من لغتها فهذا مذهب السلف.

ïپ¾ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
قال في عقيدته التي ألفها فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها وأمر وذلك في صدر المائة الخامسة وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الاسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي فمما قال فيها: (وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) اهـ.

ïپ¾ إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول –أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها، لأن الرسول ïپ² لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله ïپ² سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.) اهـ.
وهذا صريح أيضاً في كون الصحابة فهموا معنى الصفات، وهو ما دل عليه ظاهرها، وأن سكوت العلماء عن السؤال عن معانيها دال على فهمهم لمعانيها.

ïپ¾ الامام الحافظ شيخ الاسلام أبو بكر احمد بن إبراهيم الاسماعيلي الشافعي (371 هـ)
قال في "اعتقاد السنة" : (اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله، لا معدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف، استوى على العرش بلا كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه) اهـ.

ïپ¾ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)
قال: (فمن علامات المؤمنين أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ïپ² مما نقلته العلماء، ورواه الثقات من أهل النقل، الذين هم الحجة فيما رووه من الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله ïپ²: كيف؟ ولا لم؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلمون ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكون ولا يرتابون، فكان مما صح عن النبي ïپ² رواه أهل العدالة ومن يلزم المؤمنين قبول روايته وترك مخالفته: أن الله تعالى يضحك، فلا ينكر ذلك ولا يجحده إلا مبتدع مذموم الحال عند العلماء، داخل في الفرق المذمومة وأهل المذاهب المهجورة، عصمنا الله وإياكم من كل بدعة وضلالة برحمته) اهـ.

ïپ¾ أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (386 هـ)
قال في كتاب "السنة" : (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما قال النبي ïپ²، من غير أن يقال : كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي ïپ².
قال: ومما نعتقد أن لله عز وجل عرشاً، وهو على العرش، والعرش مخلوق من ياقوتة حمراء، وعلمه تعالى محيط بكل مكان، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ومن قال: العرش ملك، أو الكرسي ليس بالكرسي الذي يعرف الناس فهو مبتدع، قال الله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} البقرة255، والعرش فوق السماء السابعة، والله تعالى على العرش، قال الله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10، وقال: {إني متوفيك ورافعك إلي} آل عمران55، وقال: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، وقال: {أأمنتم من في السماء} الملك16، وللعرش حملة يحملونه على ما شاء الله من غير تكييف والاستواء معلوم والكيف مجهول) اهـ.

ïپ¾ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
قال في "التوحيد": (أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ïپ²، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها ....
فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله عز وجل تكلم كلاماً أزلياً غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه ... – ثم ذكر صفة الوجه، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ...
ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله عز وجل بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله ïپ²، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.) اهـ.
ولا أظن كلامه يحتاج إلى توضيح، فهو أوضح من أن يُوضح.

ïپ¾ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
وقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها ويثبتون لله سبحانه الكف والأصابع والضحك والنزول وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم "ما بين شيوخ الحنابلة ، وبين اليهود إلا خصلة واحدة".
ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة لكنها بخلاف ما تصوره الساقط وتلك الخصلة أن الحنابلة على الإسلام والسنة واليهود على الكفر والضلالة) اهـ.
وفيه أن السلف يثبتون الصفات لله تعالى على الحقيقة ويعلمون معانيها، مع نفي التشبيه والتكييف، وأن هذا هو الذي نقمه عليهم المعطلة، فألزمهم في إثباتهم لذات الله مثل ما يلزمون أهل السنة في إثبات الصفات. فإذا كان إثبات الذات لله تعالى لا يستلزم تشبيهاً بذات المخلوق، فكذلك إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم تشبيهاً بصفات المخلوق.
[نعت الجهمية لأهل السنة بالمشبهة: دليل على إثبات معاني الصفات]
ومن الوجوه المهمة الدالة على علم السلف لمعاني الصفات، وإثباتهم حقيقة ذلك لله تعالى: هو تسمية الجهمية لهم بالمشبهة، فلو لم يُثبت السلف معاني الصفات لله تعالى لم يكن لتسمية الجهمية لهم بذلك معنى. إذ كان السلف لا يثبتون حقائق الصفات ومعانيها لله تعالى، لم يكن بينهم وبين الجهمية فرق، فالجهمية تزعم أن نزول الله: نزول أمره، وأن وجهه: ذاته، وأن يده: نعمته، ونحو ذلك.
قال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة يسمون بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم والوقيعة فيهم والإزراء بهم عند السفهاء والجهال: ... – إلى أن قال: وأما الجهمية فإنهم يسمون أهل السنة المشبهة) اهـ.
وقال إسحاق بن راهويه: (علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة) اهـ.
وقال أبو حاتم الرازي: (وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة) اهـ.
وقال أبو زرعة: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ïپ²، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله ïپ² في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ïپ² من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح) اهـ.
وقال البربهاري: (وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشبه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي ..) اهـ.



ïپ¾ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
قال في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث": (قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ïپ² بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ïپ² على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ïپ²، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ïپ² من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب} آل عمران7) اهـ.
وقوله (ويكلون علمه إلى الله) المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل إنكاره تأويل اليدين، وقوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر). فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
وقوله (ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية) يفسر معنى نهي السلف عن تفسير الصفات، ألا وهو تفسير أهل البدع والمعطلة الذي يخرج اللفظ عن ظاهره.
وقال في تأكيده لحقيقة معنى النزول لله تعالى، وأنه النزول المعروف في اللغة من غير تشبيه له بنزول خلقه، فقال بعد أن روى أحاديث النزول الإلهي: (سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول سئل أبو حنيفة عنه فقال: "ينزل بلا كيف " وقال بعضهم: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتخلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول ïپ² أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ïپ²، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علواً كبيراً، ولعنهم لعناً كثيراً ...) ثم أكد هذا المعنى للنزول بما نقله عن حماد بن أبي حنيفة فقال: (وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.) اهـ.
فما أروعه من كلام، وأعظمه من تقعيد وتأصيل. وهذا صريح في فهم السلف لمعنى النزول وأنه نزول حقيقي لائق بالله تعالى لا يشبه نزول المخلوقين، وإنما جهلوا كيفيته.
ومما يطول التعجب منه: عد الأشعريّيْن الصابوني رحمه الله من جملة الأشاعرة!!!

ïپ¾ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)
قال: (وقول رسول الله ïپ² "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" عندهم مثل قول الله عز وجل: {فلما تجلى ربه للجبل} الأعراف143، ومثل قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر 22، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه وتعالى عن الأشياء ولا شريك له) اهـ.
وقال في إثبات حقيقة الاستواء وأنه معلوم المعنى مجهول الكيف: (فإن قال إنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً بالتكييف، قيل قد يكون الاستواء واجباً والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقروناً بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) اهـ.
وهذا يؤكد أن السلف علموا معنى الصفات، وإنما جهلوا الكيفية، وأن إثبات حقيقة الصفة لله تعالى كاليد، والوجه، والاستواء، والضحك، لا يستلزم العلم بالكيفية. إذ الكيفية أخص من العلم بالمعنى والحقيقة، ومثّل رحمه الله بالروح التي بين جنبي الإنسان، فإننا نقر جميعاً بحقيقتها، ونعلم بعض صفاتها، مع كوننا لا ندرك حقيقة ما هي عليه ولا كيفيتها، وهي مخلوقة، فكيف بالخالق سبحانه !

ïپ¾ شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (493 هـ)
قال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة) اهـ.

ïپ¾ شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (494 هـ)
قال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص –أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك) اهـ.
وهذا لا يحتاج إلى توضيح.

ïپ¾ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)
قال وقد سئل عن صفات الرب فقال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) اهـ.
وقال: (قال علماء السلف: ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ïپ²، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويله) اهـ.
وقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة.... ) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} المؤمنون28، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة –أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه –أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: {وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.
وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وقوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27. وقول النبي ïپ² : (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة والنصرة والملك والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، للوجه في كلام العرب معان..) ثم ذكر منها الجاه والقدر وأول الشيء والجهة وبين امتناع إرادتها فيما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.
وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث مجهول بالكيفية.
وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله ïپ²، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) اهـ.
وقال أيضاً: (قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلاً شديداً، ومن نسب الحديث إلى الضعف وقال: لو كان قوياً لوجب رده. وهذا عظيم من القول أن يرد قول رسول الله ïپ²، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي ïپ² وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية، ولكن نسلم إثباتاً له، وتصديقاً به) اهـ.
ïپ¾ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
قال في "العلو" : (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت، ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة كما يتشكل في الذهن من وصف البشر فهذا غير مراد) اهـ.
وقال بعد نقل كلاماً للخطيب البغدادي: (وقال نحو هذا القول قبل الخطيب الخطابي أحد الأعلام، وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) اهـ.

ïپ¾ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)
قال: (وأما وصف النبي ïپ² لربه عز وجل بما وصفه به فكل ما وصف النبي ïپ² به ربه عز وجل فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله عز وجل به نفسه مع نهي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم وأخبر عنهم أنه يقولون عند المتشابه: {آمنّا به كُلٌّ من عند ربِّنا}آل عمران7، وكما قال النبي ïپ² في القرآن: (وما جهلتهم منه فكلوه إلى عالمه). خرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له فإنه يُخشى عليه من ذلك الهلكة) اهـ.
وقال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ïپ² أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) اهـ.
قلت: واعتراض من ذكرهم، إنما هو اعتراض على إثبات حقيقة النزول، فلذلك أوردوا عليه ما ذكره، وهذا من جهلهم، لأنهم قاسوا الخالق بالمخلوق عياذاً بالله.

ïپ¾ تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي العبيدي المقريزي (845 هـ)
قال: (اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه ïپ² رسولاً إلى الناس جميعاً، وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز، الذي نزل به على قلبه ïپ² الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى.
فلم يسأله ïپ² أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه ïپ² عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر وتهي، وكما سألوه ïپ² عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل، كما نُقلت الأحاديث الواردة عنه ïپ² في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم والفتن، ونحو ذلك،مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ïپ¹ على اختلاف طبقاتهم، كثرة عددهم أنه سأل رسول الله ïپ² عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه ïپ²، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.
نعم، ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً، وهكذا أثبتوا ïپ¹ ما أطلقه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين.
فأثبتوا ïپ¹ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل على وحدانية الله تعالى ، وعلى إثبات نبوة محمد ïپ² سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصر الصحابة ïپ¹ على هذا ) اهـ.
وقال أيضاً: (فلذلك وصف الله تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول الله أيضاً بما صح عنه وثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجاً في حلوق المعطلة، وقد قال الشافعيّ رحمه الله "الإثبات أمكن" نقله الخطابيّ، ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى، كقوله سبحانه:"الله فوق أيديهم " فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى:"بل يداه مبسوطتان"، عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"، فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود) اهـ.


ïپ¾ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ... فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدراً مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) اهـ.


فرع في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري
قال: (مسألة : ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعاً أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.
وإن قالوا : قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم : ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا، مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء 82،ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه لأنه بلسانهم نزل وليس في لسانهم ما ادعوه) اهـ.
وقال: (مسألة : قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟
قيل : نقول ذلك بلا كيف وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، وروي عن النبي ïپ² أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف ..) إلى قوله : (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا) اهـ.
وقال: (الإجماع العاشر: وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم) اهـ.



خلاصة الفصل
أولاً: بعد تقرير هذا الأصل المهم من كتاب الله وسنة نبيه ïپ² وكلام سلف الأمة وأئمتها، تبين لنا أن السلف رحمهم الله لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى، بل كانوا يعلمون معانيها ويثبتونها لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير أن يمثلوها بصفات المخلوقين، ولا يحرفوها تحريف المعطلين.
ثانياً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.

[ بطلان دعوى التفويض عن السلف وأنه يعود إلى التأويل ]
ثالثاً: وتبين لنا كذلك بطلان دعوى الأشعريّيْن في أن التفويض هو مذهب السلف في الصفات، ويعنيان به تفويض المعنى لا الكيفية.
قال الأشعريان بعد تعريفهما للتفويض والتأويل (ص144-145): (وهذان المذهبان كما أسلفنا هما المذهبان المعتبران المأثوران عن أهل السنة والجماعة في أبواب المتشابه، ولا اعتبار لمن جنح إلى التعطيل أو التشبيه من المذاهب الأخرى التي رفضتها الأمة ولفظتها... ) إلى أن قالا: (حمل الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعاً إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة ...) إلى أن قالا: (بقي القسم الأخير وهو صرف الكلام عن الحقيقة والظاهر، ثم بعد صرفه عن الظاهر إما أن يُتوقف عن التماس معنى له ويوكل العلم به إلى الله، وهذا هو التفويض الذي عليه جماهير السلف الصالح، أو يلتمس له معنى لائق بالله تعالى حسب مناحي الكلام عند العرب وما تسيغه لغتهم، وهذا هو التأويل الذي عليه خلف الأمة وجماعات من سلفها الصالح) اهـ.
وبناءاً عليه فإن مذهب التفويض الذي ينسبه الأشعريان إلى السلف يعود إلى التأويل، بمعنى أن الفريقين –أهل التفويض وأهل التأويل- قد اتفقا على أن هذا الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله تعالى، وأنه ليست على ظاهرها، ولا يراد به الحقيقة، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها ولم يحددوا المعنى المجازي المراد منها، والخلف رأوا المصلحة في تأويلها والتصريح بالمعنى المجازي لمسيس الحاجة إلى ذلك، وأن الفرق بين الطريقين أن أهل التأويل قد يعينون المراد بالتأويل، وأهل التفويض لا يعينون لجواز أن يُراد به غيره.
ولا ريب أن هذا الكلام افتراء عظيم على السلف، وجهل كبير بمذهبهم:
أمّا في كثير من الصفات فقطعاً: مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم، والذي سنأتي على بعضه في الفصل الأول من الباب الثاني، علم بالاضطرار أن السلف كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف ذلك قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك كما نقلنا شيئاً منه فيما سبق. ولا يُعرف لأحد من السلف كلام يدل على نفي الصفات الخبرية لله تعالى أو غيرها، لا نصاً، ولا ظاهرا،ً ولا بالقرائن، بل كثير من كلامهم يدل إما نصاً، أو ظاهراً، على تقرير جنس الصفات لله تعالى، وأنها على الحقيقة، وأنها معلومة المعنى بما تعرفه العرب من ظاهر لغتها.
[ بيان معنى قول بعض السلف عن الصفات: "بلا معنى" ]
وإنما ينكر السلف التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، ولذلك تراهم يعقبون إثباتهم للصفات بقولهم "بلا كيف"، مع إنكارهم أيضاً على من ينفي الصفات، أو يحرفها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام فيخرجها عن حقيقتها، فربما قالوا "ويكلون علمها إلى قائلها" أو "بلا معنى" أي: المعاني الباطلة التي يصرف بها المعطلة صفات الله عن ظواهرها، فيعطلون المعنى الصحيح ويستبدلونه بالمعاني المجازية.
والسلف أثبتوا الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه فكانوا فيها وسط بين فريقين: المشبهة من جهة، فلذلك قالوا "بلا كيف"، والمعطلة من جهة فلذلك قال بعضهم "بلا معنى" أو "من غير تفسير".
قال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم قال: (سألت أبا عبد الله –أي الإمام أحمد- عن الأحاديث التي تُروى "إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا" و "أن الله يرى" و"إن الله يضع قدمه" وما أشبهه؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله ïپ² قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث) اهـ.
فقول الإمام أحمد: "ولا كيف"، رد على المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، أو يكيفونها في أذهانهم.
وقوله: "ولا معنى"، رد على المعطلة الذين ينفون عن الله تعالى حقائق الصفات، ويحرفونها عن معانيها إلى معان مجازية باطلة.
فصار كلامه موافقاً للسلف جامعاً بين الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل.
ويؤكد ذلك تتمة كلامه الذي قرر فيه إثبات الصفات لله تعالى ونفي التشبيه والتعطيل.
وقوله: "ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث" ظاهر في إثبات معنى الصفات لله تعالى، وأنها ثابتة لله لا تُزال عنه لأجل شناعة المعطلة الذين يلزمونها لوازم صفات المخلوق، ويزعمون أن إثباتها يستلزم التشبيه.
بل كل كلام الإمام أحمد المنقول عنه في هذا الباب مما نقلنا بعضه صريح في إثبات معاني الصفات، وإبطال التفويض المزعوم، وقد كان يرد وينكر تأويلات المعطلة الذين يتأولون صفات الله تعالى ويصرفونها عن ظاهرها إلى معان باطلة، وصنف كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله" فأنكر عليهم تأويل القرآن على غير مراد الله ورسوله، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا.
وأهل التكييف يثبتون لصفاته تعالى كيفية معينة. فنفى الإمام أحمد قول هؤلاء، وقول هؤلاء. قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية، وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون: معناه كذا وكذا.
وقول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" وفي لفظ "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافق لقول الباقين من الأئمة والمعروف عن السلف من قولهم عن آيات الصفات (أمروها كما جاءت بلا كيف). فإنهم إنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كانوا قد آمنوا باللفظ المجرد فقط من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.
ومن المعلوم أيضاً أنه لا يُحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يُفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، فإن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم، فلو قال قائل: ما فهمت كلام زيد، لفُهم منه أن القائل قد سمع كلاماً لزيد، لكنه لم يفهمه، فإن الفهم أخص من السمع، فلما نُفي الأخص، دل على ثبوت الأعم. والكيفية أخص من المعنى، فلما نفى السلف الكيفية، دل ذلك على علمهم بالمعنى. وإلا فإن من ينفى الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف"، فمن يقول: إن الله لا ينزل، أو أن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.
[ معنى قول السلف عن أخبار الصفات "أمروها كما جاءت بلا كيف" ]
وقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد" أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة" وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ "بلا كيف" إذ نفى الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول.
وقد سبق أن بينا أن الأمر بإمرار الأحاديث كما جاءت، قد قاله السلف في كثير من الأحاديث المعلومة المعنى في غير الصفات.
[ بطلان دعوى أن نفي الكيفية هو نفي للمعنى ]
وبهذا يتبين خطأ الأشعريين حين ذكرا أن مراد السلف بقولهم في الصفات "بلا كيف"، نفي المعنى، وأن الكيفية يعبر بها عن المعنى.
فقالا (ص148): (وقوله –أي الترمذي- "ولا يقال كيف" أي: بلا استفسار عن معانيها، أو تعيين المراد منها، وبه يفارقون أهل التشبيه) اهـ.
وقالا أيضاً (ص151): ("بلا كيف" عبارة المقصود منها زجر السائل عن البحث والتقصي، لا إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيف!!) اهـ.
وقالا (ص152): (من هنا يتبين مراد السلف بقولهم "بلا كيف"، ومنه تعلم أن من ينسب إلى السلف إثبات المعاني الحقيقية لهذه الألفاظ والتفويض في كيفياتها ينسب إليهم التشبيه من حيث لا يدري) اهـ.
فالذي استنكراه هنا واستبعداه هو عين مذهب السلف كما قررناه في هذا الفصل، وهو إثباتهم لمعاني الصفات وتفويضهم لكيفياتها، وأما على ما ذكراه فيكون جميع السلف مشبهة في حكم الأشعريّيْن ابتداءاً من الصحابة وإلى يومنا هذا!!
وليت الأشعريّيْن وقفا عند هذا الحد، ولكنهما تجاوزاه إلى أمر لا ينقضي منه العجب، فزعما أن السؤال عن الكيف لغةً: هو السؤال عن المعنى.
قالا (ص152): (فيقول أنهم –أي السلف- يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضون الكيف، وقائل هذا لا يدري ما يقول، فإن حقائق هذه الألفاظ كيفيات، فكيف يزعم إثبات معانيها وتفويض كيفياتها؟!.... ) إلى أن قالا: (فعندما يقال في جواب السائل "بلا كيف" يفهم منه أنه "بلا معنى" لأن لفظ الـ"كيف" هنا مستفهم به عن المعنى) اهـ.
ولا ريب أن هذا كذب على اللغة والشرع والعقل:
أما كونه كذباً على اللغة: فلأن الاستفهام بـ "كيف" استفهام عن الحال والكيفية والماهية.
قال في مختار الصحاح في معنى "كيف": (وهو للاستفهام عن الأَحوال، وقد يقع بمعنى التعجب) .
وأما الاستفهام عن المعنى فيكون بـ "ما" فيقال: ما معنى كذا؟ أو ما المراد بكذا؟ ونحو ذلك.
فليت شعري بأي لغة وجدوا أن الاستفهام بـ "كيف" استفهام عن المعنى.

أما كونه كذباً على الشرع فلأمور:
أولها: أن نصوص الكتاب والسنة وعبارات السلف صريحة في إثبات معاني الصفات، وأنها مفهومة معلومة كما سبق نقل بعض كلامهم في هذا. ومن أشهرها تفسيرهم لمعنى الاستواء لله تعالى، وتصريحهم بفوقية الله تعالى على خلقه.
الأمر الثاني: أن هذا القول يستلزم استجهال النبي ïپ² واستجهال سلف الأمة، وكونهم لا يعلمون معاني ما أنزل الله عز وجل عليهم، وأمرهم بتدبره وتعقله، وتعرّف إليهم به، وحينئذ يكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم النبي ïپ² معناه، ولا الصحابة، ولا من بعدهم.
ولا ريب أن هذا قدح في القرآن أولاً حيث لم يكن تبياناً لكل شيء، ولم يكن هدىً للناس، ولا بلاغاً مبيناً. وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} إبراهيم4.
وقدح في الرسول ïپ² ثانياً حيث لم يكن عالماً بأشرف ما في كتاب الله تعالى من الإخبار عن الرب وعن صفاته وأفعاله.
وبناءاً عليه فيكون الهدى في هذا الباب لا يؤخذ لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من الصحابة وسلف الأمة، ولكنه يؤخذ من أفواه المتأخرين الحيارى المتناقضين في أسماء الله وصفاته. سبحانك هذا بهتان عظيم.
ولما رأى الأشعريان أن هذا لازم لقولهما لا محالة، راما الخروج منه بطرق ملتوية عادت بهم إلى نفس الطريق الذين ابتدأوا منه.
فقالا في الجمع بين النقيضين (ص153): (يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارضاً بين إدراك معاني هذه النصوص، وبين إمرارها الذي هو عدم العلم بالمراد منها، وفي الحقيقة ليس ثمة أي تعارض بين الأمرين، فالمقصود بعدم العلم بالمراد الذي فُسّر به الإمرار هو عدم العلم بالمراد تفصيلاً وعلى سبيل القطع والتحديد، وهذا لا يقتضي عدم علمهم بالمراد إجمالاً) ثم ذكرا مثالاً فقالا: (مثال على هذا قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، المائدة64،يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود ... أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه ... احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ.
وهذا الجمع المزعوم لا يرفع الإشكال والتناقض، إذ كان من المعلوم أن هذه المعاني المجازية، كما لليد مثلاً، متباينة في نفسها، ومختلفة في معانيها وحقائقها، فقد يراد باليد النعمة، وقد يراد بها القدرة، وقد يراد بها النصرة، وقد يراد بها الملك، وقد يراد بها التصرف، فإذا توقف السلف عن تحديد مراد الله منها مع تباينها، رجع الأمر إلى الجهل بالمعنى على الحقيقة، وعدم الفهم لكلام الله تعالى، وهو عين ما أرادا التنصل منه، والتبرء من لزومه. فتأمل!!
[ الجهل بكيفية الصفة لا يستلزم الجهل بمعناها ]
وأما كونه كذباً على العقل: فلأن إثبات معنى الصفة لا يستلزم العلم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه في الخارج. كما أن الجهل بكيفيتها لا يستلزم الجهل بالمعنى. إذ لا تلازم بين الأمرين.
والعقل يميز بين المعاني المجردة وبين الصور والهيئات الحسية.
فنحن نثبت لله تعالى ذاتاً حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فكذلك كلامه، واستواؤه، ونزوله، وضحكه، ومقته، ثابت في نفس الأمر على الحقيقة، ولا تعلم كيفيته، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف.
ومعلوم أن المخلوق قد تُدرك معاني صفاته، ويوصف بها حقيقة، مع الجهل بكيفيته.
فالروح التي فينا قد وُصفت بصفات ثبوتية وسلبية، فأخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد إلى السماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجين، ويتبعها بصر الميت، وهذه أوصاف مفهومة معلومة المعنى، ومع ذلك فنحن لا ندرك كيفية الروح وحقيقة ماهيتها. وجهلنا بالكيفية والماهية لا يستلزم أن لا يكون لها حقيقة، وأن لا تفهم معاني صفاتها، كما لا يستلزم علمنا بحقيقتها ومعاني ما اتصفت به، أن نعلم كيفيتها. إذ المعنى المجرد شيء، والهيئات المحسوسة المرئية شيء آخر.
ومثال ذلك أيضاً ما أخبرنا الله عز وجل به عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمساكن، وما فيها من أنهار اللبن، والخمر، والماء، والعسل، وغير ذلك من نعيمها وحورها وقصورها. ونحن ندرك هذه المعاني ونفهمها، ومع ذلك فقد قال ابن عباس ïپ´:
(ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء) .
وفي لفظ: (لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء).
فجهلنا بكيفيات ما في الجنة لا يستلزم جهلنا بمعاني ما وصفت به وإثبات حقيقتها. فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق.
قال ابن عبد البر مؤكداً هذا المعنى: (فإن قال: إنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً بالتكييف، قيل: قد يكون الاستواء واجباً والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقروناً بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) اهـ.
[ بطلان استدلالهم بحديث "عبدي مرضت فلم تعدني" ]
ومن غرائب الأشعريّيْن أنهما استدلا بما هو رد عليهما فقالا (ص152): (وفي حديث فضل عيادة المريض الذي أخرجه مسلم ما يدل على هذا، وذلك حين يقول الله تعالى لعبده: "مرضت فلم تعدني ... استطعمتك فلم تطعمني ... استسقيتك فلم تسقني ..." كل ذلك والعبد يقول: "رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! .. رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! .. رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟!" فهو لم يفهم المعنى المراد من اللفظ بعد أن استحالت حقيقته في عقله، فسأل بـ "كيف؟" عن المعنى المراد، لا أنه أثبت حقيقة المرض والاستطعام والاستسقاء لله تعالى لكنه لم يعلم كيفيتها) اهـ.
وهذا المثال عليهما لا لهما لأمور:
أولها: أن العبد فهم معاني ما خاطبه الله به، ولو لم يفهم الكلام على حقيقته لما استشكله، وهذا يدل على أن الأصل فيما أضافه الله لنفسه أنه على حقيقته، ولكن لما كان نقصاً في حق الرب تبارك وتعالى كالمرض، والجوع، والعطش، كان مشكلاً.
فلما كانت هذه الأمور نقصاً وعيباً في ذاتها، لكونها من أمور الضعف والحاجة، وهي نقص في المخلوق، وجب أن يكون الخالق أولى أن يُنزه عنها.
وأما اليد، والوجه، والعين، والحب، والإتيان، والمجيء، والضحك، والفعل، ونحو ذلك، فهي من صفات الكمال مطلقاً، ويكمل بها المخلوق، وهذا يوجب أن يكون الخالق أولى بالاتصاف بها، فهو سبحانه واهب الكمال.
[ قاعدة السلف فيما يُنفى عن الله ]
من قواعد السلف: أن كل كمال ثبت للمخلوق ليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق أولى به.
ويقال أيضاً: أن القاعدة أننا في الإثبات نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه لا نتجاوز ذلك، وأما النفي فإننا ننفي عنه سبحانه ثلاثة أمور:
أولاً: ما نفاه عن نفسه.
ثانياً: ننفي عنه التشبيه ومماثلة شيء من خلقه.
ثالثاً: ننفي عنه كل صفة نقص وعيب، كالمرض والعور والعرج والضعف، ونحو ذلك مما يُعلم كونه عيباً على كل حال وجهة.
والقاعدة في هذا: أن النقائص يجب نفيها عن الله مطلقاً، وهي منتفية مع قطع النظر عن التمثيل والتشبيه، وأما صفات الكمال فيجب نفي التمثيل والتشبيه عنها.
[ معنى المكر والاستهزاء والنسيان في حق الله تعالى ]
وليس من ذلك ما ذكره الله عن نفسه من نسيانه لمن نسي أمره، ومن استهزائه بمن يستهزء بأوليائه، ومن مكره بمن مكر بهم.
قال تعالى {نسوا الله فنسيهم} التوبة67.
وقال تعالى: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} البقرة15.
وقال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال30.
فليس المراد بالنسيان في الآية الجهل بالشيء الذي هو ضد الذكر والحفظ، بل هو الترك.
قال في مختار الصحاح: (و النِسْيانُ بكسر النون وسكون السين ضد الذُّكر والحفظ، ورجل نَسْيَانُ بفتح النون كثير النِسيان للشيء، وقد نَسِيَ الشيء بالكسر نِسْيَانا و أَنْسَاهُ الله الشيء و تَنَاسَاهُ أرى من نفسه أنه نسِيه، والنِّسْيَانُ أيضا الترك قال الله تعالى {نسُوا الله فنسِيهم} التوبة67، وقال {ولا تنسَوُا الفضل بينكم} البقرة237) اهـ.
والآية ظاهرة في هذا المعنى، إذ أن النسيان الذي توعدهم الله عليه في قوله {نسوا الله} التوبة67، ليس المراد به ضد الذكر، وإلا لم يؤاخذوا عليه، وإنما هو تركهم لما أمرهم الله عمداً، فصار جزاؤهم أن يترك الله تعالى رحمتهم وحفظهم.
وأما الاستهزاء والمكر فليس مذموماً إلا في حال الأمن، وأما إذا كان في مقابل من يمكر ويستهزئ فإنه يكون ممدوحاً، فالله تعالى إنما يستهزئ ويمكر ويكيد بمن يكيد بدينه وأوليائه.
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنما نحن مستهزئين. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} البقرة15 - وهو من يزعم الأشعريان أنه أشعري- : (اختلف في صفة استهزاء الله جل جلاله الذي ذكر أنه فاعله بالمنافقين الذين وصف صفتهم.
فقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى}الآية الحديد13، وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} آل عمران178، فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل.
وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال إن فلاناً ليهزأ منه اليوم ويسخر منه، يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم .... فكذلك استهزاء الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والكفر به، إما إهلاكه إياهم وتدميره بهم، وإما إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسخرية.
وقال آخرون: قوله {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} البقرة9، على الجواب، كقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} آل عمران54، {والله يستهزئ بهم} البقرة15، على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله {إنما نحن مستهزؤون. الله يستهزئ بهم} البقرة15، وقوله {يخادعون الله وهو خادعهم} البقرة9، وقوله {فيسخرون منهم سخر الله منهم} التوبة79، و {نسوا الله فنسيهم} التوبة67، وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جل ثناؤه {وجزاء سيئة سيئة مثلها} الشورى40، ومعلوم أن الأولى من صاحبها سيئة إذ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدل لأنها من الله جزاء للعاصي على المعصية، فهما وإن اتفق لفظاهما مختلفاً المعنى، وكذلك قوله {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} البقرة194، فالعدوان الأول ظلم والثاني جزاء لا ظلم بل هو عدل لأنه عقوبة للظالم على ظلمه وإن وافق لفظه لفظ الأول، وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك مما هو خبر عن مكر الله جل وعز بقوم وما أشبه ذلك.
وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد ïپ² وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدقنا بمحمد عليه الصلاة والسلام وما جاء به مستهزءون،
يعنون إنا نظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حق ولا هدى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر الله أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الذي لهم عنده في الآخرة كما أظهروا للنبي ïپ² والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزيء به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهراً وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطناً، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر،
وإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله عز وجل بكذبهم واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتى ظنوا في الآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله جل جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل
كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئاً وساخراً ولهم خادعاً، وبهم ماكراً، إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس ïپ´ حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس ïپ´ في قوله {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره {الله يستهزئ بهم} إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه وأوجبه لها، وسواء قال قائل لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه، فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به.
ثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئاً إلا ألزم في الآخر مثله،
فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله عز وجل منفي.
قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، ومكر الله بهم، وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية، فإن قال: لا، كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، يلعب الله بهم، ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث، فإن قال: نعم، وصف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه، وإن قال: لا أقول يلعب الله به، ولا يعبث، وقد أقول: يستهزئ بهم، ويسخر منهم، قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث والهزء والسخرية والمكر والخديعة،
ومن الوجه الذي جاز قيل هذا، ولم يجز قيل هذا، افترق معنياهما، فعلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه ..) اهـ.
فتأمل كيف أثبت ابن جرير رحمه الله صفة المكر والاستهزاء لله تعالى على الوجه اللائق به، وأبطل قول جميع من تأولها وأخرجها عن ظاهرها.
وبهذا يتبين جهل الأشعريين حيث جمعا بين نفي المرض ونفي المكر والنسيان والاستهزاء.
فقالا (ص242): (أتراهم يثبتون ظواهرها .... فيقولون: نثبت لله نسياناً حقيقياً ومكراً حقيقياً وخداعاً حقيقياً واستهزاءاً حقيقياً ومرضاً حقيقة ...كل ذلك على الحقيقة وكما يعهده البشر من لغاتهم. معاذ الله؟!!) اهـ.
فالجواب: إي لعمري، نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت أنه يستهزئ بالمستهزئين، ويمكر بالماكرين، ويخادع الخادعين، وينسى التاركين لدينه، وأما المرض فالله تبارك وتعالى منزه عنه، فأين ما أثبته الله لنفسه مما لم يثبته، وأين صفة الكمال من صفة النقص.!!
الأمر الثاني: أن قول العبد "كيف أعودك؟" ونحوها، إنما هو استفسار عن كيفية أمر من فعل العبد نفسه، وهو عيادته لربه وإطعامه ونحوه، ولم يكن سؤاله عن صفة ربه تعالى.
فأين هذا المثال؟ من صفة الرب تبارك وتعالى التي تعرّف بها إلى عباده كحبه، وضحكه، واستوائه، ونزوله، ويديه، ووجهه، ونحو ذلك من كمالاته، وعظيم فعاله، وجميل نعوته وصفاته تبارك وتعالى.



فرع في منشأ ضلال الأشاعرة في هذا الباب
ومنشأ فتنة الأشاعرة في هذا الباب وضلالهم بما ادعوه من التفويض، ظنهم أن آيات الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، وأنه لا يُفهم معناه.
مستندين إلى قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}.
وقد ترتب على إدخال آيات الصفات في المتشابه عند الأشاعرة، أن يكون بيان معانيها هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، للآية. وهذا منهم مبني على تعيّن الوقف التام عند قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}.
وبهاتين المقدمتين الباطلتين تبلور مذهب التفويض، وهو الذي يسمونه طريقة السلف: فصار عبارةً عن مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى}، أي لا يفقهون من الكتاب إلا التلاوة المجردة.
[ لا يُعلم عن أحد من السلف أنه جعل آيات الصفات من المتشابهات ]
ولا يُعلم عن أحد من السلف، ولا من الأئمة أنه جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يقرون النصوص على ما دلت عليه، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة، ويبطلونها. هذا هو المعروف عن السلف.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره اختلاف السلف في تحديد الآيات المتشابهات على خمسة أقوال، ليس منها آيات الصفات:
فقال: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} آل عمران7، وما المحكم من آي الكتاب وما المتشابه منه؟
فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن المنسوخات ...
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه ...
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها : ما احتمل من التأويل أوجهاً ...
وقال آخرون : معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بقصه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ...
وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك فإن ذلك لا يعلمه أحد ...
فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا فكل ما عداه فمحكم ..
- ثم قال مرجحاً القول الأخير: وهذا القول ... أشبه بتأويل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله فإنما أنزله عليه بياناً له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل .. ..) اهـ.
وساق أيضاً في تفسيره كثيراً من الآثار عن السلف، ولم يذكر أن أحداً منهم قال: أن من المتشابه أسماء الله وصفاته.
وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية: (وفي المتشابه سبعة أقوال:
أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي في آخرين.
والثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله.
والثالث: أنه الحروف المقطعة، كقوله {ألم} ونحو ذلك، قاله ابن عباس.
والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد.
والخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد.
والسادس: أنه ما احتمل من التأويل وجوهاً، وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميز، والمتشابه الذي تعتوره تأويلات.
والسابع: أنه القصص والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى) اهـ.
بل وعقد أبو الحسن الأشعري فصلاً في حكاية أقاويل الناس في المحكم والمتشابه، ولم يذكر في أي منها أنها آيات الصفات .
وجميع كتب السنة التي نقلت آثار السلف في المعتقد، كالسنة للخلال ولابن أبي عاصم ولعبد الله، والرد على الجهمية للإمام أحمد وللدارمي ولابن منده، وغيرها كثير، لم يُنقل في أي منها أن أحداً من السلف جعل آيات الصفات من المتشابه.
وعلى هذا فإطلاق القول بأن معاني صفات الله تعالى من المتشابه، باطلٌ، لم يقل به أحد من السلف.
قال ابن قتيبة: (ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة، وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله ïپ² لم يكن يعرف المتشابه؟...
وبعد، فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور..) اهـ.
وقال الألوسي: (ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعرى رحمه الله تعالى من أعيانهم، كما أبانت عن حاله الإبانة – أي أبان عن قوله في كتاب الإبانة -، أنها صفات ثابتة وراء العقل، ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه) اهـ.

وبعد هذا التقرير والتقعيد كان من المناسب أن نلحق هذا الفصل بما يؤكده ويزيده قوة ووضوحاً، ونبين ما يدل على أن السلف كانوا يجرون نصوص الصفات على ظاهرها المفهوم في لغة العرب، وأنها ثابتة على الوجه اللائق بالله تعالى من غير أن تستلزم التشبيه والتمثيل.

يوسف التازي
15-01-15, 04:04 PM
الفصل الثاني
في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه
وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)

لقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}ص 29، ولم يقل بعض آياته.
ورغّب في ذلك فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} محمد 24.
وعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة من غير فهم ولا فقه، فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} البقرة 78.
وقد بين النبي  لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله : أنهم كانوا يأخذون من رسول الله  عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) .
ومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.
قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل 44
وقال: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} آل عمران 138
وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الدخان 58
وقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فصلت 3، أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.
وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النور 54، وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.
وقال علي : (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) .
وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس  من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) .
فمن زعم أن النبي  لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً، لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ، وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.
ولا ريب أن الصحابة  كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له، وأعظمهم إيماناً وأكملهم صلاحاً، وأشدهم حباً لله تعالى بعد الأنبياء والرسل. ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم الذي ألهته قلوبهم، حباً له وتعظيماً وخوفاً ورجاءاً، وهذا يستلزم حتماً أن يكونوا أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصاً وأعظم طلباً، ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله  خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.
وهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته. وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم تبارك وتعالى من تدبر كتابه، والتفكر فيه، متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.
قال تعالى:{فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء 78 .
وقال تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام 98
وقال: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} الأنعام 25
فمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة  ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده في كتابه، وعلى لسان رسوله ، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جداً، سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.

الآثار الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية

 عبد الله بن مسعود 
قال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود : (أبلغك أن الله عز وجل يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) اهـ.
وهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.

 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (90 هـ)
قال أبو العالية: {استوى إلى السماء} البقرة29: ارتفع.


 أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (101 هـ)
قال: {استوى}: علا على العرش .
وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.

 الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (125 هـ)
 مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (112 هـ)
قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) اهـ.
[ معنى إمرار الصفات بلا تكييف ]
والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً.
وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم ، فإن أصحاب رسول الله  أمرّوها) .
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. ....- إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) اهـ.
فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.
وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي  من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله  صحيح، ... والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً..) اهـ.
وهذه أحاديث مفهومة المعنى ، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.
وقال أيضاً في الرسالة ذاتها : ("ثلاث من كن فيه فهو منافق" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها ..) اهـ.
ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي  لعلي: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء ».
وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي  لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» اهـ.
وقال البخاري في جزء "رفع اليدين": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.
قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي  حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) اهـ.

 الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) اهـ.
فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة !!.
وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) اهـ.
وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.

 عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)
سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟
فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغراً، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، ... وذكر فصلاً طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) اهـ.
وقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) اهـ.
فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى.
وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره. فأما الرب تبارك وتعالى فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.

 إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)
 إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161 هـ)
 إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (175 هـ)
 إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (179 هـ)
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) اهـ.
وقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} طه5، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج) اهـ.
[ معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم" ]
وهذا الأثر مشهور مستفيض عن الإمام مالك، لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب أهل السنة في المعتقد. وهو صريح في أن معنى الاستواء معلوم، وأن الكيفية مجهولة. وأما من ظن أن معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم": أي ثابت في القرآن، فلا شك أنه خطأ، إذ السائل لا يجهل ذلك، كيف وقد تلا الآية سائلاً عن الكيفية.
قال أبو عبد الله القرطبي مفسراً قول الإمام مالك: (قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها.) اهـ.
وقال الذهبي: (أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته) اهـ.
ونقل الملا علي القاري كلاماً لابن القيم في شرح منازل السائرين يقول فيه: (يشير بذلك –أي شيخ الإسلام الأنصاري صاحب منازل السائرين- إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى إفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة، كما قال مالك رحمه الله وقد سئل عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فرّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شاف عام في جميع مسائل الصفات، من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيف فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات اهـ.
ثم قال الملا علي القاري معلقاً: انتهى كلامه –أي ابن القيم- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن والتشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ...) اهـ.
وقال العلامة الألوسي: (هو مراد مالك وغيره من قولهم "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول ...) اهـ.



 وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى (169 هـ)
قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعاً يقول: «نسلم هذه الأحاديث، ولا نقول فيها: مثل كذا، ولا كيف كذا؟ » يعني حديث ابن مسعود: «ويجعل السماوات على إصبع، والجبال على إصبع»، و«قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث) اهـ.
وأمْرُه رحمه الله بوجوب التسليم لأحاديث الصفات دال على إيمان السلف بحقيقة الصفات ومعرفتهم لمعانيها، إذ كان من المعلوم أن التسليم إنما يكون إلى ما دلت عليه الأحاديث، وهذا هو الإيمان بحقيقتها.
يوضحه: منعه من إيراد السؤال عن الكيفية، وعن تمثيلها بصفات المخلوقين، وإلا لو كان المعنى مجهولاً، لقال: ولا يقال ما كذا؟ أو ما معنى كذا؟.

 أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)
قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليما؟ قال : «مشافهة» .

 وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)
قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، قال: «مشافهة مراراً» .
وهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلوماً.
وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) .

 الفضيل بن عياض (187هـ)
قال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال {قل هو الله أحد.الله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولم يكن له كفوا أحد} الإخلاص، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) اهـ.
وقوله وقول السلف: "كيف شاء" ، "كما شاء"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون معناه "كيف شاء" أو "كما شاء": معنى.

 عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (191 هـ)
قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من عباده) اهـ.
ففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى.

 الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» اهـ.
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) اهـ.
وهذا يبين مراد السلف بقولهم عن الصفات "لا تُفسّر" أي: بغير ظاهرها، وهو حملها على المجازات ونحو ذلك، أما تفسيرها بما يدل عليه ظاهرها، فهو الحق، وهو الإمرار الذي أطبق عليه السلف في الصفات.

 الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (204 هـ)
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول –وقد ذكر كثيراً من صفات الله كالوجه واليدين والضحك ونحو ذلك-: (فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله  مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11) اهـ.
ومراده بقوله "فإن هذه المعاني" أي معاني صفات الله تعالى، فدل على أنها ألفاظ ذات معنى، ليست كالحروف المعجمة. وقوله بوجوب الدينونة على سماعها بحقيقتها، تأكيد لعلمهم بمعانيها، وما دلت عليه، ولأجل ذلك حذر من أمرين: التشبيه في الإثبات، والتعطيل في التنزيه.

 يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي (206 هـ)
وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن {الرحمن على العرش استوى} طه5،: على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي) اهـ.
قال الذهبي: ("يَقِر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) اهـ.
وهذا دليل على كون العامي من المسلمين يفهم معاني الصفات، بما علمه من اللغة العربية التي تعرف إلينا بها.

 بشر بن عمر بن الحكم الزهراني أبو محمد البصري (207 هـ)
قال: (سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: {الرحمن على العرش استوى} طه5، قال: على العرش استوى: ارتفع) اهـ.


 الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (224 هـ)
قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك ؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره) اهـ.
وهذا ظاهر في أن الذي جهله السلف من صفات الله تعالى هو الكيفية لا المعنى، إذ كان مفهوماً لديهم بما يعرفون من لغة العرب التي خوطبوا بها.
وقول أبي عبيد: "ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" يوضح معنى قول السلف رحمهم الله عن آيات الصفات "لا تُفسّر"، وأن المراد بالتفسير المنهي عنه هو السؤال والبحث عن الكيفية، لا السؤال عن المعنى، إذ المعنى معلوم بمقتضى اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه تبياناً لكل شيء، وجعله هدىً ورحمة، وهذا أحد نوعي التفسير المنهي عنه في صفات الله.
وأما الثاني فهو تفسير المعطلة والمؤولة الذين يصرفون الكلام عن ظاهره إلى مجازات الكلام.
قال الذهبي معلقاً على كلام إبي عبيد: (قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا –أي صرفها عن ظاهرها-، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءاً بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها –أي حقيقة ما هي عليه-، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها والرسول  بلّغ وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال {لتبين للناس ما نزل إليهم} النحل44، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) اهـ.

 عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (230 هـ)
قال في مناظرته الشهير المعروفة بـ"الحيدة": (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب "استوى فلان على السرير" فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.
باب من البيان لذلك: يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) اهـ.
فانظر يا رعاك الله كيف بيّن الكناني رحمه الله أن الاستواء معلوم من كتاب الله، يجب الإيمان باتصاف الله به، وأن المجهول هو الكيف، إذ لا يُعلم كيفية الشي حتى يُرى أو يُرى مثيله. فلم ينكر الكناني دعوى الجهمي في إثبات الاستواء المعلوم معناه لله تعالى، والذي هو في حق المخلوق كما وصف الجهمي، وإنما أنكر ما ظن الجهمي أنه لازم لذلك وهو أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق.




 الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)
روى ابن عبد البر بسنده عن ابن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل. فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. كل من لقيت من أهل السنة يصدق بحديث التنزل. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه) اهـ.
وقال: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) اهـ.

 مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله الزبيرى المدنى (236 هـ)
قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله عز وجل أخبرنا أن له وجهاً، ويدين، ونفساً، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر) اهـ.
أي: أن كل اسم دل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، وفي هذا إثبات لمعاني الصفات.

 إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات" :
(قال أحمد في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه) اهـ.
وقال أيضاً: (وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.
وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب وقال: مالك ولهذا! امض الحديث على ما روي) اهـ.
وقوله عن النزول: "كيف شاء من غير وصف"، دليل على أنهم علموا المعنى بمقتضى اللغة، وجهلوا الكيفية ومنعوا من الخوض فيها.
وإنكاره على تأويل النزول بالعلم وغضبه من ذلك دليل على بطلان التأويل، وأن المعنى ظاهر بوضع اللغة، وهو يفسر معنى إمرار الصفات على ما جاءت، وأنه حملها على ما دل عليه ظاهر لفظها، فإن ظاهر قوله "ينزل ربنا" نزوله بنفسه، لا بعلمه أو نزول أمره، ولذلك غضب منه، وأمر أن يُمر الحديث كما جاء.
وقال الإمام أحمد: (يضحك الله تعالى، ولا يُعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول، وتثبيت القرآن.
وقال المروزي : سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، قال: هو صدوق، وقد كتبت عنه شيئا من الرقائق، ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك، فقال: مثل الزرع إذا ضحك، وهذا كلام الجهمية) اهـ.
وإثبات الإمام أحمد صفة الضحك لله، مع نفي الكيفية يدل على أن الضحك معلوم لديه، وأن الكيفية مجهولة، ولذلك أنكر على من فسر الضحك بخلاف ظاهره وقال: كضحك الزرع، وجعل هذا كلام الجهمية، وهذا هو التفسير الذي كان ينهى عنه السلف، وهو تفسير اللفظ بخلاف ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، فوازن بين تفسير الجهمية هذا، وبين تفسير الأشاعرة لضحك الله ستجدهما سواء.
وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: حرب محدِّث، وأنا عنده بحديث: «يضع الرحمن فيها قدمه»، وعنده غلام، فأقبل عليَّ الغلام فقال: إن لهذا تفسيراً؟ فقال أبو عبد الله: انظر كما تقول الجهمية سواء) اهـ.
وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله: يضع قدمه؟ فقال: نمرها كما جاءت) اهـ.
وهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن المراد بقول السلف في الصفات "لا تُفسر"، التفسير المخالف لظاهر اللفظ وهو تفسير الجهمية والمعطلة. وأن قولهم "تمر كما جاءت" أي على ظاهرها المعروف في اللغة من غير تحريف لمعنى آخر.
لأن الإمام أحمد بين أن قول الغلام: إن لصفة القدم لله تفسيراً، أنه قول الجهمية، ومعلوم أن الجهمية إنما كانت تتأول هذه الصفة وتصرفها عن ظاهرها، ولا يثبتونها صفة لله تعالى في ذاته، مما يدل على أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية، وهو إخراج اللفظ عن ظاهره إلى التأويلات المتكلفة.
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى، ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق والمصدوق، وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال بعد حديث رؤية النبي  ربه: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً) اهـ.
وقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الأحاديث التي يردها الجهمية في الصفات، والإسراء، والرؤية، وقمة العرش؟ فصححها وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت».
قال أبو بكر المروزي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد الله: "حدثوا بها، قد تلقتها العلماء بالقبول".
وقال أبو عبد الله: "تسلم الأخبار كما جاءت") اهـ.

 عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (276 هـ)
قال في "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية" فيما يتعلق بأحاديث الصفات: (وعدْل القول في هذه الأخبار: أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية وبالتجلي، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت. فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غداً إن شاء الله) اهـ
وقال أيضاً في "تأويل مختلف الحديث" في الرد على من أنكر على السلف إثبات الأصابع لله على الحقيقة اللائقة به: (قالوا: حديثٌ في التشبيه يكذبه القرآن وحجة العقل، قالوا: رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن كنت أردتم بالأصابع ههنا النعم، وكان الحديث صحيحاً فهو مذهب، وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء ولا يشبه بالمخلوقين وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم ..) إلى أن قال: قال أبو محمد: (ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، ..-ثم بين امتناع أن يكون مجازاً ثم قال: فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر "يحمل الأرض على أصبع وكذا على أصبعين"، ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} الزمر67، ولم يجز ذلك. ولا نقول أصبع كأصابعنا ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه عز وجل لا يشبه شيئاً منا) اهـ.
وهذا كما ترى صريحٌ في إثبات السلف حقائق صفات الله، وفهمهم لمعناها، وهو الأمر الذي خالفهم فيه الجهمية والمعطلة فأنكروا بجهلهم على السلف إثبات الأصابع بعينها، كما نقل عنهم قولهم "وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها فإن ذلك يستحيل".
وقال في بيان معنى الاستواء: ({الرحمن على العرش استوى}: أي استقر، كما قال تعالى {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}: أي استقررت) اهـ.
وهذا نص في معنى صفة الاستواء لله تعالى.

 الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (279 هـ)
قال في سننه في الصفات: (وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة) اهـ.
وفيه أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية وهو تحريفهم للصفات عن ظاهرها، وهو خلاف تفسير السلف على مقتضى اللغة العربية.


 الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
قال الدارمي أيضاً في بيان فهم السلف لمعنى المجيء والإتيان لله: ( وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوق، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله . وقد روى ابن عباس  في تفسيرها: أن السماء تشقق لمجيئه يوم القيامة، تتنزل ملائكة السماوات، فيقول الناس: أفيكم ربنا؟ فبقولون: لا، وهو آت حتى يأتي الله في أهل السماء السابعة وهم أكثر ممن دونهم، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في صدر الكتاب، وهو مكذب لدعواك انه إتيان الملائكة بأمره دون مجيئه، لكنه فيهم مدبِّر، ويلك! لو كانت الملائكة هي التي تجيء وتأتي دونه ما قالت الملائكة: "لم يأت ربنا وهو آت" والملائكة آتية نازلة، حين يقولون ذلك) اهـ.
وهذا بيان واضح لفهم معنى مجيء الله تعالى، وأنه مجيئه بنفسه.
وقال في رده على المريسي بعد سياقه الأدلة على إثبات صفة العينين لله تعالى من الكتاب والسنة: (فكما نحن لا نكيف هذه الصفات ونكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) اهـ.
وهذا صريح في أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية والمعطلة الذين يمنعون اتصاف الله بهذه الصفات في ذاته.

 الامام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (280 هـ)
قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:
هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم...) وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك، إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلماً عالماً فتبارك الله أحسن الخالقين) اهـ.

 سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ)
قال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة ثمانين ومئتين يقول: (العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث نصبه الحق دلالةً وعَلَماً لنا لتهتدي القلوب به إليه ولا تتجاوزه، ولم يُكلِّف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يُقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء، وإنما على المؤمن الرضى والتسليم لقول النبي : إنه على عرشه) اهـ.
وهذا منه صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم معناه وهو: الفوقية والعلو، ولذا فسره بقوله "إنه على عرشه"، وأن الذي يُجهل من ذلك إنما هو الكيفية والماهية.



 الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
قال بعد أن ذكر جملة من الصفات كالوجه واليد والقدم والضحك ونحوها: ( فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله عز وجل بها نفسه، أو وصفه بها رسوله  مما لا تُدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفِّر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه. فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع...) اهـ.
فانظر كيف ذكر الصفات ثم قال: "هذه المعاني"، ثم بأوجب الدينونة لله بحقيقتها، أي المعاني.
وتأمل حكمه بالكفر على من بلغته أخبار الصفات ولم يدن بحقيقتها ويشهد بها، وإعذاره من لم تبلغه، ومعلوم أن الجهمية وأصناف المعطلة ما كانوا ينكرون ثبوت ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن والأحاديث المتواترة، وإنما يتأولونها ولا يقرون بحقيقتها، وهذا هو محل النزاع بينهم وبين السلف، وهو معاني هذه الصفات وإثبات حقيقة اتصاف الله بها على الوجه اللائق به، وإلا لو كانت المسألة مجرد إقرارٍ بثبوت ألفاظ ونصوص لا تدل على معانٍ، لم ينكره أحد، ولَما طال النزاع بين السلف والمعطلة من الجهمية وغيرهم.
فالنزاع إذاً كان على حقائق هذه النصوص وإثبات معانيها لله تعالى، وليس نزاعاً على إثبات النصوص وصحتها. وهذا وجه مهم جداً فتأمله!
قال ابن جرير مؤكداً هذا الأمر: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ؟
قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعاً بصيراً في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه النشبيه) اهـ.
فرحمه الله تعالى ما أحسنه وأضحه من مقال. فوازن بين هذا الكلام الفائق الرائق في تقرير معتقد السلف، وبين كلام الأشعريّيْن الذين عدا الطبري رحمه الله من جملة الأشاعرة!!!

 إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)
قال في بيان فهم السلف لصفة النزول لله بعد ذكره للأحاديث: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا  أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) اهـ.
وهذا كلام واضح بين في بيان فهم السلف لمعنى صفة النزول لله، وأن معناه ما دل عليهم ظاهر اللغة من كونه من أعلى إلى أسفل، ولذا استدل به أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه، كما استدل به أبو الحسن الأشعري على الشيء نفسه، وأن السلف إنما كانو ينفون العلم بالكيفية.
وقال في صفة الضحك لله: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا عز وجل بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك كما أعلم النبي  ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله عز وجل استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي  مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه) اهـ.
قوله "ونسكت عن صفة ضحكه" صريح في أن الذي جهلوه من صفات الله هو الكيفية وصفتها، وليس المعنى.

 أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي (من طبقة ابن خزيمة)
قال أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي من أفاضل من بخراسان من العلماء والفقهاء وقد أملى اعتقاداً له فقال: (وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن الله عز وجل احد لا شريك له..) إلى أن قال: (ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله  من صفاته جل وعلا بنقل العدول، والأسانيد المتصلة التي اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله ، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها، وتعتقد عليها ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال ، ولا نكيف صفات الله عز وجل، ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه، ولا نضرب لها الأمثال، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقاً، ونطلق ألفاظها تصريحاً كما قال الله عز وجل في كتابه، وكما قال رسول الله ، ونقول: إن صفات الله عز وجل كلها غير مخلوقة، ليس من كلامه وعلمه وصفاته شيء مخلوق، جل الله تعالى عن صفات المخلوقين، والكيف عن صفات الله مرفوع.
ونقول كما قال السلف من أهل العلم الزهري وغيره: على الله البيان وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم، ونؤدي أحاديث رسول الله  كما سمعنا، ولا نقول في صفات الله كما قالت الجهمية والمعطلة، بل نثبت صفات الله تعالى بإيمان وتصديق.
قال الأوزاعي: أقروا بأحاديث رسول الله ، وأمروها كما جاءت) اهـ.
وهذا يبين لنا معنى التفسير الذي نهى عنه السلف في صفات الله، وهو تفسير أهل التكييف، وتفسير أهل التعطيل. وأما تفسير الكلام على ما تعرفه العرب من لغتها فهذا مذهب السلف.

 أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
قال في عقيدته التي ألفها فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها وأمر وذلك في صدر المائة الخامسة وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الاسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي فمما قال فيها: (وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) اهـ.

 إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول –أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها، لأن الرسول  لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله  سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.) اهـ.
وهذا صريح أيضاً في كون الصحابة فهموا معنى الصفات، وهو ما دل عليه ظاهرها، وأن سكوت العلماء عن السؤال عن معانيها دال على فهمهم لمعانيها.

 الامام الحافظ شيخ الاسلام أبو بكر احمد بن إبراهيم الاسماعيلي الشافعي (371 هـ)
قال في "اعتقاد السنة" : (اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله، لا معدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف، استوى على العرش بلا كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه) اهـ.

 أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)
قال: (فمن علامات المؤمنين أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله  مما نقلته العلماء، ورواه الثقات من أهل النقل، الذين هم الحجة فيما رووه من الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله : كيف؟ ولا لم؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلمون ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكون ولا يرتابون، فكان مما صح عن النبي  رواه أهل العدالة ومن يلزم المؤمنين قبول روايته وترك مخالفته: أن الله تعالى يضحك، فلا ينكر ذلك ولا يجحده إلا مبتدع مذموم الحال عند العلماء، داخل في الفرق المذمومة وأهل المذاهب المهجورة، عصمنا الله وإياكم من كل بدعة وضلالة برحمته) اهـ.

 أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (386 هـ)
قال في كتاب "السنة" : (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما قال النبي ، من غير أن يقال : كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي .
قال: ومما نعتقد أن لله عز وجل عرشاً، وهو على العرش، والعرش مخلوق من ياقوتة حمراء، وعلمه تعالى محيط بكل مكان، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ومن قال: العرش ملك، أو الكرسي ليس بالكرسي الذي يعرف الناس فهو مبتدع، قال الله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} البقرة255، والعرش فوق السماء السابعة، والله تعالى على العرش، قال الله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10، وقال: {إني متوفيك ورافعك إلي} آل عمران55، وقال: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، وقال: {أأمنتم من في السماء} الملك16، وللعرش حملة يحملونه على ما شاء الله من غير تكييف والاستواء معلوم والكيف مجهول) اهـ.

 الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
قال في "التوحيد": (أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها ....
فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله عز وجل تكلم كلاماً أزلياً غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه ... – ثم ذكر صفة الوجه، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ...
ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله عز وجل بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله ، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.) اهـ.
ولا أظن كلامه يحتاج إلى توضيح، فهو أوضح من أن يُوضح.

 الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
وقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها ويثبتون لله سبحانه الكف والأصابع والضحك والنزول وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم "ما بين شيوخ الحنابلة ، وبين اليهود إلا خصلة واحدة".
ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة لكنها بخلاف ما تصوره الساقط وتلك الخصلة أن الحنابلة على الإسلام والسنة واليهود على الكفر والضلالة) اهـ.
وفيه أن السلف يثبتون الصفات لله تعالى على الحقيقة ويعلمون معانيها، مع نفي التشبيه والتكييف، وأن هذا هو الذي نقمه عليهم المعطلة، فألزمهم في إثباتهم لذات الله مثل ما يلزمون أهل السنة في إثبات الصفات. فإذا كان إثبات الذات لله تعالى لا يستلزم تشبيهاً بذات المخلوق، فكذلك إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم تشبيهاً بصفات المخلوق.
[نعت الجهمية لأهل السنة بالمشبهة: دليل على إثبات معاني الصفات]
ومن الوجوه المهمة الدالة على علم السلف لمعاني الصفات، وإثباتهم حقيقة ذلك لله تعالى: هو تسمية الجهمية لهم بالمشبهة، فلو لم يُثبت السلف معاني الصفات لله تعالى لم يكن لتسمية الجهمية لهم بذلك معنى. إذ كان السلف لا يثبتون حقائق الصفات ومعانيها لله تعالى، لم يكن بينهم وبين الجهمية فرق، فالجهمية تزعم أن نزول الله: نزول أمره، وأن وجهه: ذاته، وأن يده: نعمته، ونحو ذلك.
قال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة يسمون بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم والوقيعة فيهم والإزراء بهم عند السفهاء والجهال: ... – إلى أن قال: وأما الجهمية فإنهم يسمون أهل السنة المشبهة) اهـ.
وقال إسحاق بن راهويه: (علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة) اهـ.
وقال أبو حاتم الرازي: (وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة) اهـ.
وقال أبو زرعة: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله  في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه  من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح) اهـ.
وقال البربهاري: (وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشبه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي ..) اهـ.



 شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
قال في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث": (قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول  بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله  على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله  من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب} آل عمران7) اهـ.
وقوله (ويكلون علمه إلى الله) المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل إنكاره تأويل اليدين، وقوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر). فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
وقوله (ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية) يفسر معنى نهي السلف عن تفسير الصفات، ألا وهو تفسير أهل البدع والمعطلة الذي يخرج اللفظ عن ظاهره.
وقال في تأكيده لحقيقة معنى النزول لله تعالى، وأنه النزول المعروف في اللغة من غير تشبيه له بنزول خلقه، فقال بعد أن روى أحاديث النزول الإلهي: (سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول سئل أبو حنيفة عنه فقال: "ينزل بلا كيف " وقال بعضهم: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتخلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول  أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علواً كبيراً، ولعنهم لعناً كثيراً ...) ثم أكد هذا المعنى للنزول بما نقله عن حماد بن أبي حنيفة فقال: (وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.) اهـ.
فما أروعه من كلام، وأعظمه من تقعيد وتأصيل. وهذا صريح في فهم السلف لمعنى النزول وأنه نزول حقيقي لائق بالله تعالى لا يشبه نزول المخلوقين، وإنما جهلوا كيفيته.
ومما يطول التعجب منه: عد الأشعريّيْن الصابوني رحمه الله من جملة الأشاعرة!!!

 الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)
قال: (وقول رسول الله  "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" عندهم مثل قول الله عز وجل: {فلما تجلى ربه للجبل} الأعراف143، ومثل قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر 22، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه وتعالى عن الأشياء ولا شريك له) اهـ.
وقال في إثبات حقيقة الاستواء وأنه معلوم المعنى مجهول الكيف: (فإن قال إنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً بالتكييف، قيل قد يكون الاستواء واجباً والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقروناً بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) اهـ.
وهذا يؤكد أن السلف علموا معنى الصفات، وإنما جهلوا الكيفية، وأن إثبات حقيقة الصفة لله تعالى كاليد، والوجه، والاستواء، والضحك، لا يستلزم العلم بالكيفية. إذ الكيفية أخص من العلم بالمعنى والحقيقة، ومثّل رحمه الله بالروح التي بين جنبي الإنسان، فإننا نقر جميعاً بحقيقتها، ونعلم بعض صفاتها، مع كوننا لا ندرك حقيقة ما هي عليه ولا كيفيتها، وهي مخلوقة، فكيف بالخالق سبحانه !

 شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (493 هـ)
قال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة) اهـ.

 شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (494 هـ)
قال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص –أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك) اهـ.
وهذا لا يحتاج إلى توضيح.

 الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)
قال وقد سئل عن صفات الرب فقال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) اهـ.
وقال: (قال علماء السلف: ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويله) اهـ.
وقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة.... ) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} المؤمنون28، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة –أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه –أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: {وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.
وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وقوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27. وقول النبي  : (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة والنصرة والملك والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، للوجه في كلام العرب معان..) ثم ذكر منها الجاه والقدر وأول الشيء والجهة وبين امتناع إرادتها فيما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.
وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث مجهول بالكيفية.
وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله ، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) اهـ.
وقال أيضاً: (قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلاً شديداً، ومن نسب الحديث إلى الضعف وقال: لو كان قوياً لوجب رده. وهذا عظيم من القول أن يرد قول رسول الله ، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي  وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية، ولكن نسلم إثباتاً له، وتصديقاً به) اهـ.
 الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
قال في "العلو" : (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت، ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة كما يتشكل في الذهن من وصف البشر فهذا غير مراد) اهـ.
وقال بعد نقل كلاماً للخطيب البغدادي: (وقال نحو هذا القول قبل الخطيب الخطابي أحد الأعلام، وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) اهـ.

 الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)
قال: (وأما وصف النبي  لربه عز وجل بما وصفه به فكل ما وصف النبي  به ربه عز وجل فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله عز وجل به نفسه مع نهي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم وأخبر عنهم أنه يقولون عند المتشابه: {آمنّا به كُلٌّ من عند ربِّنا}آل عمران7، وكما قال النبي  في القرآن: (وما جهلتهم منه فكلوه إلى عالمه). خرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له فإنه يُخشى عليه من ذلك الهلكة) اهـ.
وقال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول  أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) اهـ.
قلت: واعتراض من ذكرهم، إنما هو اعتراض على إثبات حقيقة النزول، فلذلك أوردوا عليه ما ذكره، وهذا من جهلهم، لأنهم قاسوا الخالق بالمخلوق عياذاً بالله.

 تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي العبيدي المقريزي (845 هـ)
قال: (اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه  رسولاً إلى الناس جميعاً، وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز، الذي نزل به على قلبه  الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى.
فلم يسأله  أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه  عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر وتهي، وكما سألوه  عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل، كما نُقلت الأحاديث الواردة عنه  في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم والفتن، ونحو ذلك،مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة  على اختلاف طبقاتهم، كثرة عددهم أنه سأل رسول الله  عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.
نعم، ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً، وهكذا أثبتوا  ما أطلقه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين.
فأثبتوا  بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل على وحدانية الله تعالى ، وعلى إثبات نبوة محمد  سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصر الصحابة  على هذا ) اهـ.
وقال أيضاً: (فلذلك وصف الله تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول الله أيضاً بما صح عنه وثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجاً في حلوق المعطلة، وقد قال الشافعيّ رحمه الله "الإثبات أمكن" نقله الخطابيّ، ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى، كقوله سبحانه:"الله فوق أيديهم " فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى:"بل يداه مبسوطتان"، عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"، فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود) اهـ.


 الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ... فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدراً مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) اهـ.


فرع في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري
قال: (مسألة : ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعاً أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.
وإن قالوا : قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم : ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا، مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء 82،ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه لأنه بلسانهم نزل وليس في لسانهم ما ادعوه) اهـ.
وقال: (مسألة : قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟
قيل : نقول ذلك بلا كيف وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، وروي عن النبي  أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف ..) إلى قوله : (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا) اهـ.
وقال: (الإجماع العاشر: وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم) اهـ.



خلاصة الفصل
أولاً: بعد تقرير هذا الأصل المهم من كتاب الله وسنة نبيه  وكلام سلف الأمة وأئمتها، تبين لنا أن السلف رحمهم الله لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى، بل كانوا يعلمون معانيها ويثبتونها لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير أن يمثلوها بصفات المخلوقين، ولا يحرفوها تحريف المعطلين.
ثانياً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.

[ بطلان دعوى التفويض عن السلف وأنه يعود إلى التأويل ]
ثالثاً: وتبين لنا كذلك بطلان دعوى الأشعريّيْن في أن التفويض هو مذهب السلف في الصفات، ويعنيان به تفويض المعنى لا الكيفية.
قال الأشعريان بعد تعريفهما للتفويض والتأويل (ص144-145): (وهذان المذهبان كما أسلفنا هما المذهبان المعتبران المأثوران عن أهل السنة والجماعة في أبواب المتشابه، ولا اعتبار لمن جنح إلى التعطيل أو التشبيه من المذاهب الأخرى التي رفضتها الأمة ولفظتها... ) إلى أن قالا: (حمل الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعاً إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة ...) إلى أن قالا: (بقي القسم الأخير وهو صرف الكلام عن الحقيقة والظاهر، ثم بعد صرفه عن الظاهر إما أن يُتوقف عن التماس معنى له ويوكل العلم به إلى الله، وهذا هو التفويض الذي عليه جماهير السلف الصالح، أو يلتمس له معنى لائق بالله تعالى حسب مناحي الكلام عند العرب وما تسيغه لغتهم، وهذا هو التأويل الذي عليه خلف الأمة وجماعات من سلفها الصالح) اهـ.
وبناءاً عليه فإن مذهب التفويض الذي ينسبه الأشعريان إلى السلف يعود إلى التأويل، بمعنى أن الفريقين –أهل التفويض وأهل التأويل- قد اتفقا على أن هذا الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله تعالى، وأنه ليست على ظاهرها، ولا يراد به الحقيقة، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها ولم يحددوا المعنى المجازي المراد منها، والخلف رأوا المصلحة في تأويلها والتصريح بالمعنى المجازي لمسيس الحاجة إلى ذلك، وأن الفرق بين الطريقين أن أهل التأويل قد يعينون المراد بالتأويل، وأهل التفويض لا يعينون لجواز أن يُراد به غيره.
ولا ريب أن هذا الكلام افتراء عظيم على السلف، وجهل كبير بمذهبهم:
أمّا في كثير من الصفات فقطعاً: مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم، والذي سنأتي على بعضه في الفصل الأول من الباب الثاني، علم بالاضطرار أن السلف كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف ذلك قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك كما نقلنا شيئاً منه فيما سبق. ولا يُعرف لأحد من السلف كلام يدل على نفي الصفات الخبرية لله تعالى أو غيرها، لا نصاً، ولا ظاهرا،ً ولا بالقرائن، بل كثير من كلامهم يدل إما نصاً، أو ظاهراً، على تقرير جنس الصفات لله تعالى، وأنها على الحقيقة، وأنها معلومة المعنى بما تعرفه العرب من ظاهر لغتها.
[ بيان معنى قول بعض السلف عن الصفات: "بلا معنى" ]
وإنما ينكر السلف التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، ولذلك تراهم يعقبون إثباتهم للصفات بقولهم "بلا كيف"، مع إنكارهم أيضاً على من ينفي الصفات، أو يحرفها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام فيخرجها عن حقيقتها، فربما قالوا "ويكلون علمها إلى قائلها" أو "بلا معنى" أي: المعاني الباطلة التي يصرف بها المعطلة صفات الله عن ظواهرها، فيعطلون المعنى الصحيح ويستبدلونه بالمعاني المجازية.
والسلف أثبتوا الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه فكانوا فيها وسط بين فريقين: المشبهة من جهة، فلذلك قالوا "بلا كيف"، والمعطلة من جهة فلذلك قال بعضهم "بلا معنى" أو "من غير تفسير".
قال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم قال: (سألت أبا عبد الله –أي الإمام أحمد- عن الأحاديث التي تُروى "إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا" و "أن الله يرى" و"إن الله يضع قدمه" وما أشبهه؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله  قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث) اهـ.
فقول الإمام أحمد: "ولا كيف"، رد على المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، أو يكيفونها في أذهانهم.
وقوله: "ولا معنى"، رد على المعطلة الذين ينفون عن الله تعالى حقائق الصفات، ويحرفونها عن معانيها إلى معان مجازية باطلة.
فصار كلامه موافقاً للسلف جامعاً بين الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل.
ويؤكد ذلك تتمة كلامه الذي قرر فيه إثبات الصفات لله تعالى ونفي التشبيه والتعطيل.
وقوله: "ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث" ظاهر في إثبات معنى الصفات لله تعالى، وأنها ثابتة لله لا تُزال عنه لأجل شناعة المعطلة الذين يلزمونها لوازم صفات المخلوق، ويزعمون أن إثباتها يستلزم التشبيه.
بل كل كلام الإمام أحمد المنقول عنه في هذا الباب مما نقلنا بعضه صريح في إثبات معاني الصفات، وإبطال التفويض المزعوم، وقد كان يرد وينكر تأويلات المعطلة الذين يتأولون صفات الله تعالى ويصرفونها عن ظاهرها إلى معان باطلة، وصنف كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله" فأنكر عليهم تأويل القرآن على غير مراد الله ورسوله، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا.
وأهل التكييف يثبتون لصفاته تعالى كيفية معينة. فنفى الإمام أحمد قول هؤلاء، وقول هؤلاء. قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية، وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون: معناه كذا وكذا.
وقول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" وفي لفظ "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافق لقول الباقين من الأئمة والمعروف عن السلف من قولهم عن آيات الصفات (أمروها كما جاءت بلا كيف). فإنهم إنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كانوا قد آمنوا باللفظ المجرد فقط من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.
ومن المعلوم أيضاً أنه لا يُحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يُفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، فإن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم، فلو قال قائل: ما فهمت كلام زيد، لفُهم منه أن القائل قد سمع كلاماً لزيد، لكنه لم يفهمه، فإن الفهم أخص من السمع، فلما نُفي الأخص، دل على ثبوت الأعم. والكيفية أخص من المعنى، فلما نفى السلف الكيفية، دل ذلك على علمهم بالمعنى. وإلا فإن من ينفى الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف"، فمن يقول: إن الله لا ينزل، أو أن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.
[ معنى قول السلف عن أخبار الصفات "أمروها كما جاءت بلا كيف" ]
وقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد" أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة" وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ "بلا كيف" إذ نفى الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول.
وقد سبق أن بينا أن الأمر بإمرار الأحاديث كما جاءت، قد قاله السلف في كثير من الأحاديث المعلومة المعنى في غير الصفات.
[ بطلان دعوى أن نفي الكيفية هو نفي للمعنى ]
وبهذا يتبين خطأ الأشعريين حين ذكرا أن مراد السلف بقولهم في الصفات "بلا كيف"، نفي المعنى، وأن الكيفية يعبر بها عن المعنى.
فقالا (ص148): (وقوله –أي الترمذي- "ولا يقال كيف" أي: بلا استفسار عن معانيها، أو تعيين المراد منها، وبه يفارقون أهل التشبيه) اهـ.
وقالا أيضاً (ص151): ("بلا كيف" عبارة المقصود منها زجر السائل عن البحث والتقصي، لا إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيف!!) اهـ.
وقالا (ص152): (من هنا يتبين مراد السلف بقولهم "بلا كيف"، ومنه تعلم أن من ينسب إلى السلف إثبات المعاني الحقيقية لهذه الألفاظ والتفويض في كيفياتها ينسب إليهم التشبيه من حيث لا يدري) اهـ.
فالذي استنكراه هنا واستبعداه هو عين مذهب السلف كما قررناه في هذا الفصل، وهو إثباتهم لمعاني الصفات وتفويضهم لكيفياتها، وأما على ما ذكراه فيكون جميع السلف مشبهة في حكم الأشعريّيْن ابتداءاً من الصحابة وإلى يومنا هذا!!
وليت الأشعريّيْن وقفا عند هذا الحد، ولكنهما تجاوزاه إلى أمر لا ينقضي منه العجب، فزعما أن السؤال عن الكيف لغةً: هو السؤال عن المعنى.
قالا (ص152): (فيقول أنهم –أي السلف- يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضون الكيف، وقائل هذا لا يدري ما يقول، فإن حقائق هذه الألفاظ كيفيات، فكيف يزعم إثبات معانيها وتفويض كيفياتها؟!.... ) إلى أن قالا: (فعندما يقال في جواب السائل "بلا كيف" يفهم منه أنه "بلا معنى" لأن لفظ الـ"كيف" هنا مستفهم به عن المعنى) اهـ.
ولا ريب أن هذا كذب على اللغة والشرع والعقل:
أما كونه كذباً على اللغة: فلأن الاستفهام بـ "كيف" استفهام عن الحال والكيفية والماهية.
قال في مختار الصحاح في معنى "كيف": (وهو للاستفهام عن الأَحوال، وقد يقع بمعنى التعجب) .
وأما الاستفهام عن المعنى فيكون بـ "ما" فيقال: ما معنى كذا؟ أو ما المراد بكذا؟ ونحو ذلك.
فليت شعري بأي لغة وجدوا أن الاستفهام بـ "كيف" استفهام عن المعنى.

أما كونه كذباً على الشرع فلأمور:
أولها: أن نصوص الكتاب والسنة وعبارات السلف صريحة في إثبات معاني الصفات، وأنها مفهومة معلومة كما سبق نقل بعض كلامهم في هذا. ومن أشهرها تفسيرهم لمعنى الاستواء لله تعالى، وتصريحهم بفوقية الله تعالى على خلقه.
الأمر الثاني: أن هذا القول يستلزم استجهال النبي  واستجهال سلف الأمة، وكونهم لا يعلمون معاني ما أنزل الله عز وجل عليهم، وأمرهم بتدبره وتعقله، وتعرّف إليهم به، وحينئذ يكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم النبي  معناه، ولا الصحابة، ولا من بعدهم.
ولا ريب أن هذا قدح في القرآن أولاً حيث لم يكن تبياناً لكل شيء، ولم يكن هدىً للناس، ولا بلاغاً مبيناً. وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} إبراهيم4.
وقدح في الرسول  ثانياً حيث لم يكن عالماً بأشرف ما في كتاب الله تعالى من الإخبار عن الرب وعن صفاته وأفعاله.
وبناءاً عليه فيكون الهدى في هذا الباب لا يؤخذ لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من الصحابة وسلف الأمة، ولكنه يؤخذ من أفواه المتأخرين الحيارى المتناقضين في أسماء الله وصفاته. سبحانك هذا بهتان عظيم.
ولما رأى الأشعريان أن هذا لازم لقولهما لا محالة، راما الخروج منه بطرق ملتوية عادت بهم إلى نفس الطريق الذين ابتدأوا منه.
فقالا في الجمع بين النقيضين (ص153): (يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارضاً بين إدراك معاني هذه النصوص، وبين إمرارها الذي هو عدم العلم بالمراد منها، وفي الحقيقة ليس ثمة أي تعارض بين الأمرين، فالمقصود بعدم العلم بالمراد الذي فُسّر به الإمرار هو عدم العلم بالمراد تفصيلاً وعلى سبيل القطع والتحديد، وهذا لا يقتضي عدم علمهم بالمراد إجمالاً) ثم ذكرا مثالاً فقالا: (مثال على هذا قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، المائدة64،يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود ... أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه ... احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ.
وهذا الجمع المزعوم لا يرفع الإشكال والتناقض، إذ كان من المعلوم أن هذه المعاني المجازية، كما لليد مثلاً، متباينة في نفسها، ومختلفة في معانيها وحقائقها، فقد يراد باليد النعمة، وقد يراد بها القدرة، وقد يراد بها النصرة، وقد يراد بها الملك، وقد يراد بها التصرف، فإذا توقف السلف عن تحديد مراد الله منها مع تباينها، رجع الأمر إلى الجهل بالمعنى على الحقيقة، وعدم الفهم لكلام الله تعالى، وهو عين ما أرادا التنصل منه، والتبرء من لزومه. فتأمل!!
[ الجهل بكيفية الصفة لا يستلزم الجهل بمعناها ]
وأما كونه كذباً على العقل: فلأن إثبات معنى الصفة لا يستلزم العلم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه في الخارج. كما أن الجهل بكيفيتها لا يستلزم الجهل بالمعنى. إذ لا تلازم بين الأمرين.
والعقل يميز بين المعاني المجردة وبين الصور والهيئات الحسية.
فنحن نثبت لله تعالى ذاتاً حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فكذلك كلامه، واستواؤه، ونزوله، وضحكه، ومقته، ثابت في نفس الأمر على الحقيقة، ولا تعلم كيفيته، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف.
ومعلوم أن المخلوق قد تُدرك معاني صفاته، ويوصف بها حقيقة، مع الجهل بكيفيته.
فالروح التي فينا قد وُصفت بصفات ثبوتية وسلبية، فأخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد إلى السماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجين، ويتبعها بصر الميت، وهذه أوصاف مفهومة معلومة المعنى، ومع ذلك فنحن لا ندرك كيفية الروح وحقيقة ماهيتها. وجهلنا بالكيفية والماهية لا يستلزم أن لا يكون لها حقيقة، وأن لا تفهم معاني صفاتها، كما لا يستلزم علمنا بحقيقتها ومعاني ما اتصفت به، أن نعلم كيفيتها. إذ المعنى المجرد شيء، والهيئات المحسوسة المرئية شيء آخر.
ومثال ذلك أيضاً ما أخبرنا الله عز وجل به عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمساكن، وما فيها من أنهار اللبن، والخمر، والماء، والعسل، وغير ذلك من نعيمها وحورها وقصورها. ونحن ندرك هذه المعاني ونفهمها، ومع ذلك فقد قال ابن عباس :
(ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء) .
وفي لفظ: (لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء).
فجهلنا بكيفيات ما في الجنة لا يستلزم جهلنا بمعاني ما وصفت به وإثبات حقيقتها. فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق.
قال ابن عبد البر مؤكداً هذا المعنى: (فإن قال: إنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً بالتكييف، قيل: قد يكون الاستواء واجباً والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقروناً بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) اهـ.
[ بطلان استدلالهم بحديث "عبدي مرضت فلم تعدني" ]
ومن غرائب الأشعريّيْن أنهما استدلا بما هو رد عليهما فقالا (ص152): (وفي حديث فضل عيادة المريض الذي أخرجه مسلم ما يدل على هذا، وذلك حين يقول الله تعالى لعبده: "مرضت فلم تعدني ... استطعمتك فلم تطعمني ... استسقيتك فلم تسقني ..." كل ذلك والعبد يقول: "رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! .. رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! .. رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟!" فهو لم يفهم المعنى المراد من اللفظ بعد أن استحالت حقيقته في عقله، فسأل بـ "كيف؟" عن المعنى المراد، لا أنه أثبت حقيقة المرض والاستطعام والاستسقاء لله تعالى لكنه لم يعلم كيفيتها) اهـ.
وهذا المثال عليهما لا لهما لأمور:
أولها: أن العبد فهم معاني ما خاطبه الله به، ولو لم يفهم الكلام على حقيقته لما استشكله، وهذا يدل على أن الأصل فيما أضافه الله لنفسه أنه على حقيقته، ولكن لما كان نقصاً في حق الرب تبارك وتعالى كالمرض، والجوع، والعطش، كان مشكلاً.
فلما كانت هذه الأمور نقصاً وعيباً في ذاتها، لكونها من أمور الضعف والحاجة، وهي نقص في المخلوق، وجب أن يكون الخالق أولى أن يُنزه عنها.
وأما اليد، والوجه، والعين، والحب، والإتيان، والمجيء، والضحك، والفعل، ونحو ذلك، فهي من صفات الكمال مطلقاً، ويكمل بها المخلوق، وهذا يوجب أن يكون الخالق أولى بالاتصاف بها، فهو سبحانه واهب الكمال.
[ قاعدة السلف فيما يُنفى عن الله ]
من قواعد السلف: أن كل كمال ثبت للمخلوق ليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق أولى به.
ويقال أيضاً: أن القاعدة أننا في الإثبات نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه لا نتجاوز ذلك، وأما النفي فإننا ننفي عنه سبحانه ثلاثة أمور:
أولاً: ما نفاه عن نفسه.
ثانياً: ننفي عنه التشبيه ومماثلة شيء من خلقه.
ثالثاً: ننفي عنه كل صفة نقص وعيب، كالمرض والعور والعرج والضعف، ونحو ذلك مما يُعلم كونه عيباً على كل حال وجهة.
والقاعدة في هذا: أن النقائص يجب نفيها عن الله مطلقاً، وهي منتفية مع قطع النظر عن التمثيل والتشبيه، وأما صفات الكمال فيجب نفي التمثيل والتشبيه عنها.
[ معنى المكر والاستهزاء والنسيان في حق الله تعالى ]
وليس من ذلك ما ذكره الله عن نفسه من نسيانه لمن نسي أمره، ومن استهزائه بمن يستهزء بأوليائه، ومن مكره بمن مكر بهم.
قال تعالى {نسوا الله فنسيهم} التوبة67.
وقال تعالى: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} البقرة15.
وقال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال30.
فليس المراد بالنسيان في الآية الجهل بالشيء الذي هو ضد الذكر والحفظ، بل هو الترك.
قال في مختار الصحاح: (و النِسْيانُ بكسر النون وسكون السين ضد الذُّكر والحفظ، ورجل نَسْيَانُ بفتح النون كثير النِسيان للشيء، وقد نَسِيَ الشيء بالكسر نِسْيَانا و أَنْسَاهُ الله الشيء و تَنَاسَاهُ أرى من نفسه أنه نسِيه، والنِّسْيَانُ أيضا الترك قال الله تعالى {نسُوا الله فنسِيهم} التوبة67، وقال {ولا تنسَوُا الفضل بينكم} البقرة237) اهـ.
والآية ظاهرة في هذا المعنى، إذ أن النسيان الذي توعدهم الله عليه في قوله {نسوا الله} التوبة67، ليس المراد به ضد الذكر، وإلا لم يؤاخذوا عليه، وإنما هو تركهم لما أمرهم الله عمداً، فصار جزاؤهم أن يترك الله تعالى رحمتهم وحفظهم.
وأما الاستهزاء والمكر فليس مذموماً إلا في حال الأمن، وأما إذا كان في مقابل من يمكر ويستهزئ فإنه يكون ممدوحاً، فالله تعالى إنما يستهزئ ويمكر ويكيد بمن يكيد بدينه وأوليائه.
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنما نحن مستهزئين. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} البقرة15 - وهو من يزعم الأشعريان أنه أشعري- : (اختلف في صفة استهزاء الله جل جلاله الذي ذكر أنه فاعله بالمنافقين الذين وصف صفتهم.
فقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى}الآية الحديد13، وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} آل عمران178، فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل.
وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال إن فلاناً ليهزأ منه اليوم ويسخر منه، يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم .... فكذلك استهزاء الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والكفر به، إما إهلاكه إياهم وتدميره بهم، وإما إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسخرية.
وقال آخرون: قوله {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} البقرة9، على الجواب، كقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} آل عمران54، {والله يستهزئ بهم} البقرة15، على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله {إنما نحن مستهزؤون. الله يستهزئ بهم} البقرة15، وقوله {يخادعون الله وهو خادعهم} البقرة9، وقوله {فيسخرون منهم سخر الله منهم} التوبة79، و {نسوا الله فنسيهم} التوبة67، وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جل ثناؤه {وجزاء سيئة سيئة مثلها} الشورى40، ومعلوم أن الأولى من صاحبها سيئة إذ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدل لأنها من الله جزاء للعاصي على المعصية، فهما وإن اتفق لفظاهما مختلفاً المعنى، وكذلك قوله {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} البقرة194، فالعدوان الأول ظلم والثاني جزاء لا ظلم بل هو عدل لأنه عقوبة للظالم على ظلمه وإن وافق لفظه لفظ الأول، وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك مما هو خبر عن مكر الله جل وعز بقوم وما أشبه ذلك.
وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد  وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدقنا بمحمد عليه الصلاة والسلام وما جاء به مستهزءون،
يعنون إنا نظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حق ولا هدى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر الله أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الذي لهم عنده في الآخرة كما أظهروا للنبي  والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزيء به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهراً وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطناً، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر،
وإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله عز وجل بكذبهم واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتى ظنوا في الآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله جل جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل
كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئاً وساخراً ولهم خادعاً، وبهم ماكراً، إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس  حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس  في قوله {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره {الله يستهزئ بهم} إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه وأوجبه لها، وسواء قال قائل لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه، فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به.
ثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئاً إلا ألزم في الآخر مثله،
فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله عز وجل منفي.
قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، ومكر الله بهم، وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية، فإن قال: لا، كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، يلعب الله بهم، ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث، فإن قال: نعم، وصف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه، وإن قال: لا أقول يلعب الله به، ولا يعبث، وقد أقول: يستهزئ بهم، ويسخر منهم، قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث والهزء والسخرية والمكر والخديعة،
ومن الوجه الذي جاز قيل هذا، ولم يجز قيل هذا، افترق معنياهما، فعلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه ..) اهـ.
فتأمل كيف أثبت ابن جرير رحمه الله صفة المكر والاستهزاء لله تعالى على الوجه اللائق به، وأبطل قول جميع من تأولها وأخرجها عن ظاهرها.
وبهذا يتبين جهل الأشعريين حيث جمعا بين نفي المرض ونفي المكر والنسيان والاستهزاء.
فقالا (ص242): (أتراهم يثبتون ظواهرها .... فيقولون: نثبت لله نسياناً حقيقياً ومكراً حقيقياً وخداعاً حقيقياً واستهزاءاً حقيقياً ومرضاً حقيقة ...كل ذلك على الحقيقة وكما يعهده البشر من لغاتهم. معاذ الله؟!!) اهـ.
فالجواب: إي لعمري، نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت أنه يستهزئ بالمستهزئين، ويمكر بالماكرين، ويخادع الخادعين، وينسى التاركين لدينه، وأما المرض فالله تبارك وتعالى منزه عنه، فأين ما أثبته الله لنفسه مما لم يثبته، وأين صفة الكمال من صفة النقص.!!
الأمر الثاني: أن قول العبد "كيف أعودك؟" ونحوها، إنما هو استفسار عن كيفية أمر من فعل العبد نفسه، وهو عيادته لربه وإطعامه ونحوه، ولم يكن سؤاله عن صفة ربه تعالى.
فأين هذا المثال؟ من صفة الرب تبارك وتعالى التي تعرّف بها إلى عباده كحبه، وضحكه، واستوائه، ونزوله، ويديه، ووجهه، ونحو ذلك من كمالاته، وعظيم فعاله، وجميل نعوته وصفاته تبارك وتعالى.



فرع في منشأ ضلال الأشاعرة في هذا الباب
ومنشأ فتنة الأشاعرة في هذا الباب وضلالهم بما ادعوه من التفويض، ظنهم أن آيات الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، وأنه لا يُفهم معناه.
مستندين إلى قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}.
وقد ترتب على إدخال آيات الصفات في المتشابه عند الأشاعرة، أن يكون بيان معانيها هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، للآية. وهذا منهم مبني على تعيّن الوقف التام عند قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}.
وبهاتين المقدمتين الباطلتين تبلور مذهب التفويض، وهو الذي يسمونه طريقة السلف: فصار عبارةً عن مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى}، أي لا يفقهون من الكتاب إلا التلاوة المجردة.
[ لا يُعلم عن أحد من السلف أنه جعل آيات الصفات من المتشابهات ]
ولا يُعلم عن أحد من السلف، ولا من الأئمة أنه جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يقرون النصوص على ما دلت عليه، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة، ويبطلونها. هذا هو المعروف عن السلف.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره اختلاف السلف في تحديد الآيات المتشابهات على خمسة أقوال، ليس منها آيات الصفات:
فقال: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} آل عمران7، وما المحكم من آي الكتاب وما المتشابه منه؟
فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن المنسوخات ...
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه ...
وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها : ما احتمل من التأويل أوجهاً ...
وقال آخرون : معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بقصه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ...
وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك فإن ذلك لا يعلمه أحد ...
فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا فكل ما عداه فمحكم ..
- ثم قال مرجحاً القول الأخير: وهذا القول ... أشبه بتأويل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله فإنما أنزله عليه بياناً له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل .. ..) اهـ.
وساق أيضاً في تفسيره كثيراً من الآثار عن السلف، ولم يذكر أن أحداً منهم قال: أن من المتشابه أسماء الله وصفاته.
وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية: (وفي المتشابه سبعة أقوال:
أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي في آخرين.
والثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله.
والثالث: أنه الحروف المقطعة، كقوله {ألم} ونحو ذلك، قاله ابن عباس.
والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد.
والخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد.
والسادس: أنه ما احتمل من التأويل وجوهاً، وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميز، والمتشابه الذي تعتوره تأويلات.
والسابع: أنه القصص والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى) اهـ.
بل وعقد أبو الحسن الأشعري فصلاً في حكاية أقاويل الناس في المحكم والمتشابه، ولم يذكر في أي منها أنها آيات الصفات .
وجميع كتب السنة التي نقلت آثار السلف في المعتقد، كالسنة للخلال ولابن أبي عاصم ولعبد الله، والرد على الجهمية للإمام أحمد وللدارمي ولابن منده، وغيرها كثير، لم يُنقل في أي منها أن أحداً من السلف جعل آيات الصفات من المتشابه.
وعلى هذا فإطلاق القول بأن معاني صفات الله تعالى من المتشابه، باطلٌ، لم يقل به أحد من السلف.
قال ابن قتيبة: (ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة، وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله  لم يكن يعرف المتشابه؟...
وبعد، فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور..) اهـ.
وقال الألوسي: (ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعرى رحمه الله تعالى من أعيانهم، كما أبانت عن حاله الإبانة – أي أبان عن قوله في كتاب الإبانة -، أنها صفات ثابتة وراء العقل، ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه) اهـ.

وبعد هذا التقرير والتقعيد كان من المناسب أن نلحق هذا الفصل بما يؤكده ويزيده قوة ووضوحاً، ونبين ما يدل على أن السلف كانوا يجرون نصوص الصفات على ظاهرها المفهوم في لغة العرب، وأنها ثابتة على الوجه اللائق بالله تعالى من غير أن تستلزم التشبيه والتمثيل.

يوسف التازي
15-01-15, 04:07 PM
الفصل الثالث

في تقرير أن السلف كانوا يجرون نصوص صفات الله على ظاهرها



كل ما سبق تقريره ونقله عن السلف من أن الصفات الواردة لله تعالى في الكتاب والسنة إنما هي على الحقيقة، من غير تكييف ولا تشبيه له بصفة خلقه، لدليل بيّنٌ على كون السلف أجروا آيات الصفات على ظاهرها، ولم يتعرضوا لها بتأويل ولا غيره.

وهم يعلمون شرعاً وعقلاً أن إثباتها لله تعالى لا يستلزم التشبيه ولا التكييف، لما هو معلوم من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولما هو معلوم من مقتضى اللغة التي خوطبوا بها: أن الإضافة تقطع التشبيه.

ومع وضوح هذا الأمر فإني أذكر هنا ما يزيده وضوحاً وتأكيداً في أن السلف كانوا يجرون الصفات على ظاهرها اللائق بالله تعالى.

ومن أشهر النصوص الواردة عن السلف ما سبق نقله من قولهم عن نصوص الصفات: (أمروها كما جاءت)، وقولهم (قراءتها تفسيرها) ونحو ذلك.

وقولهم (أمروها كما جاءت) يقتضى إبقاء دلالتها على ما دل عليه ظاهرها، فإنها جاءت ألفاظاً دالةً على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال (أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة) وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت.

قال القاضي أبو يعلى: (لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)[1] اهـ.





وإليك آثار السلف الدالة على ذلك:

~ الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)

قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل»[2]

قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف)[3] اهـ.



~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

قال في رسالة "السنة" التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى ... –إلى أن قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً)[4] اهـ.

ونقل القاضي أبو يعلى ما يؤكد هذا من كلام الإمام أحمد فقال في إثبات صفة القدم والرجل لله تعالى: (وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعاً. اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به "قدم" هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".

وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروزي وقد سأله عن الأحاديث "يضع قدمه" وغيرها قال: نمرها كما جاءت.

وقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله : "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.

وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث "يضع الرب عز وجل قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيراً، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.

وقال في رواية حنبل: قال النبي r: "يضع قدمه" نؤمن به ولا نرد على رسول الله r.

فقد نص على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه)[5] اهـ.

ونقل عن الإمام أحمد أيضاً مثل ذلك في صفة الضحك لله فقال: (قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول r ... القرآن.[هكذا في المطبوع]

وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية. قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت"؟ قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا داود بن محمد يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى....

إلى أن قال القاضي معلقاً: فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه)[6] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال في إثباته لنزول الله ومجيئه ورده على من تأوله: (والقرآن عربي مبين، تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها، وأعمها عندهم. فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصاً، أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر، فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبداً كما قال الله تعالى.)[7] اهـ.

وقال في رده على تأويلات المريسي لصفات الله وإخراجها عن ظاهرها: (فيقال لك أيها المريسي ... فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا، وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟)[8] اهـ.

وقال : (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بين أنه أريد بها الخصوص، لأن الله تعالى قال {بلسان عربي مبين} الشعراء195،فأثبته عند العلماء أعمه وأشده استفاضة عند العرب فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين)[9] اهـ.



~ سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ)

قال: (احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة)[10]اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (287هـ)

قال الذهبي: (قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان وصاحب التصانيف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني: "جميع ما في كتابنا -كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها".. فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش.

سمعت عاتكة بنت أبي بكر هذا الكلام من أبيها، وكانت فقيهة عالمة ..)[11] اهـ.



~ الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (303 هـ)

قال: (حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، وقوله: {الرحمن على العرش استوى} طه5، و{جاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22، ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول ..) إلى أن قال: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها)[12] اهـ.

وحكمه بالبدعة على السؤال عن معاني الصفات، المراد به السؤال عن كيفيتها وحقيقة ما هي عليه، أو حملها على خلاف ظاهرها من مجازات الكلام، ولذلك جعل الجواب عليها كفراً وزندقةً، ومعلوم أن السلف قد تكلموا في معاني الصفات كالاستواء، والنزول، والوجه، ونحوها، كما سبق بيانه في الفصل السابق، وكلام السلف يفسر بعضه بعضاً، ويؤيد بعضه بعضاً، ولا يقتطع منه من شاء ما شاء، ليستدل به على باطل.



~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

قال: (باب ذكر صورة ربنا جل وعلا: وصفة سبحات وجهه عز وجل، تعالى ربنا عن أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعن أن لا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجهاً ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه)[13] اهـ.

وهذا ظاهر في إثبات الآية التي فيها ذكر وجهه سبحانه على ظاهرها. ولذلك أكد هذا المعنى بقوله: (نحن نقول : وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار : إن لمعبودنا عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقياً، فنفى عنه الهلاك والفناء)[14] اهـ.

وتأمل وصفه لوجه الله تعالى بما يخالف وجه المخلوق، مما يعني أن وجه الله تعالى هو الوجه المعروف لغة، مع التباين في الصفة {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.

وقال مثل ذلك في باقي الصفات.



~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)

قال: ( فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟

قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.

وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه)[15] اهـ.



~ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)

قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفُسّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين)[16] اهـ.



~ عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال حافظ علم الإمام أحمد (363 هـ)

قال القاضي أبو يعلى: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، على ظاهره وان ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير" في الكلام على قوله {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67 ..)[17].



~ إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)

قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول –أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها لأن الرسول r لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله r سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.)[18] اهـ.



~ أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (388 هـ)

قال فى رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": (فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فان مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفى الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه)[19] اهـ.

وقوله "وحققها قوم" أي أثبتوا لها حقائق صفات المخلوقين، وهم المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه.





~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)

قال في التوحيد: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى r، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها)[20] اهـ.



~ القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)

قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا" : (وهذا لقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر22، فأثبت نفسه جائياً، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، لأن ذلك إضمار في الخطاب يزيله عن مفهومه، ويحيله عن ظاهره، لا حاجة بنا إليه ..)[21] اهـ.



~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي r لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه)[22] اهـ.

وقال أيضاً: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال ... )[23] اهـ.







~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله r من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله)[24] اهـ.

وقال في إثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه بعد أن ساق الأدلة: (وعلماء الأمة وأعيان السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره، ويطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله)[25] اهـ.

وقال في إثبات صفة النزول لله تعالى: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله)[26] اهـ.

وقد سبق بيان معنى قوله "ويكلون علمه إلى الله" أن المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل قوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر) فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.

~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

قال في "إبطال التأويلات": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)[27] اهـ.

وقال في موضع آخر في سياق أدلة بطلان تأويل الصفات: (دليل آخر على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها)[28] اهـ.



~ الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي (463 هـ)

قال: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها)[29] اهـ.



~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)

قال: (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه)[30] اهـ.



~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

قال في "منازل السائرين" في منزلة "تعظيم حرمات الله": (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفاً، ولا يتكلف لها تأويلاً، ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلاً، ولا يدّعي عليها إدراكاً أو توهماً)[31] اهـ.



~ الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (516 هـ)

قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله عز وجل: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح –ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل – ثم ساق آثار السلف)[32] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

قال: (مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل)[33] اهـ.

وقال أيضاً: (الكلام في صفات الله عز وجل ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله r، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها)[34] اهـ.

وقال نقلاً عن بعض السلف: (قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله عز وجل {الرحمن على العرش استوى} طه5، وقوله {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله {تجري بأعيينا} القمر14، وقوله {أن غضب الله عليه} النور9، وقوله {رضي الله عنهم} المائدة119.

وقول النبي r :"ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلاً وست نساء.

فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله r ، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر فيه)[35] اهـ.



~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)

ذكر في "لمعة الاعتقاد" جملة من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة مثل الوجه، والنفس، والإتيان، والرضى، والمحبة، والغضب، والنزول، والضحك، ثم قال: (فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته ، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى11، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه )[36] اهـ.

وقال في "ذم التأويل" : (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها)[37] اهـ.

وقوله برد علمها إلى قائلها، المراد به حقيقة ما هي عليه وكيفيتها، يبينه كلامه في مواضع كثيرة من إثبات الصفات، وتأليفه كتاب العلو الذي بين فيه أن استواء الله على عرشه هو علوه عليه وارتفاعه، كما أن منعه من تأويلها بخلاف ظاهرها يدل على التأويل المقبول فيها هو ما وافق ظاهرها.



~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

قال: (السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر)[38] اهـ.

وقال: (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:

أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته.

الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير)[39] اهـ.

وقال في السير في ترجمة ابن عقيل : (قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل:

فالحق: أن يقول إنه سميع بصير مريد متكلم حي، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم عليم خليلاً، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول له تأويل يخالف ذلك.

والظاهر الآخر: وهو الباطل والضلال أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي والله أعلم)[40] اهـ.

وقوله عن أحاديث الصفات "فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى"، يفسر لنا مراد السلف بقولهم عن أحاديث الصفات: "أمروها كما جاءت"، كما سبق أن قررناه، وهو إثبات معناه على ما دل عليه ظاهر لفظه، من غير تعرض له بتأويل ولا تمثيل.

~ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)

قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ...)[41] اهـ.



~ العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (1207 هـ)

قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه {ليس كمثله شيء}: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر r...- إلى أن قال: أن في المتشابهات ثلاثة مذاهب: ... فذكر الأول والثاني ثم قال:

الثالث: الإبقاء على الظاهر مع نفي اللوازم، وهو معنى قول بعضهم: القول بالظاهر مع اعتقاد التنزيه، وأن ليس كمثله عز وجل شيء، فيقال في ذاك المراد ظاهره مع نفي لوازمه الدالة على الجسمية، ويرجع ذلك إلى دعوى أنها لوازم لاستواء الخلق لا لاستواء الخالق أيضاً، وهو نظير قول الأشاعرة والماتريدية في رؤية الله تعالى في الآخرة، فإنها تكون مع نفي لوازمها من المقالة والجسمية ونحوهما مما هو من لوازم الرؤية في الشاهد ..)[42] اهـ.



فرع: في تقرير كون صفات الله على ظاهرها من كلام أبي الحسن الأشعري

قال: (مسألة :

فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: {مما عملت أيدينا} يس71؟

قيل لهم : قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك وجب أن يكون الله تعالى ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحاً وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين لأن القرآن على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة) ... إلى قوله : (حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة )[43] اهـ.



خلاصة الفصل:

أولاً: بهذا يتبين أن مذهب السلف هو إجراء النصوص على ظواهرها، وإمرارها كما جاءت، وأنها ألفاظ دالة على معان.

ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون له فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.

ثالثاً: ويتبين أيضاً جهل الأشعريّيْن بمذهب السلف، حيث حكما على السلف بأنهم مشبهة.

فقالا (ص118): (وبهذا يُعلم أن من قال بظواهر هذه النصوص قد خالف السلف والخلف، وأتى بقول مبتدع ليس له نصيب من الحق، إذ ليس في هذه المسألة إلا التفويض والتأويل) اهـ.

وقالا (ص197): (فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم "بلا كيف" وألزموهم تنزيه الله عن ظاهرها ثم السكوت) اهـ.

وقالا (ص203): (ونحن نتساءل بعجب .... ونقول: وهل بين التكييف والقول بظواهر هذه النصوص فرق؟!!) اهـ.

ولعل من الأسباب التي جعلتهما يقولان مثل هذا الكلام أمران:

الأول: جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه.

الثاني: ظنهما أن المراد بظاهر النصوص، هو ما يفهم من صفة المخلوق، وهذا جهل عظيم، وخطأ محض. ويكفينا ما قاله الذهبي في حق من يفهم من ظاهر النصوص مثل هذا.

قال: (فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم)[44] اهـ.

وانظر ما سبق نقله في هذا الفصل من كلامه أيضاً في معنى الظاهر، فإنه كاف شاف.

ومما يؤكد هذا الأمر ويزيده وضوحاً إجماعهم على تحريم التأويل، وصرف الكلام عن حقيقته وظاهره وهو الفصل الرابع.





[1] إبطال التأويلات (1/43).

[2] سبق تخريجه حاشية 138.

[3] العلو (ص251).

[4] سبق تخريجه حاشية 117.

[5] إبطال التأويلات (1/260).

[6] المرجع السابق (1/218).

[7] الرد على المريسي (1/345).

[8] المرجع السابق (1/428).

[9] المرجع السابق (2/855).

[10] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/378).

[11] العلو (ص197).

[12] نقله الذهبي عنه في العلو (ص207).

[13] التوحيد (ص19).

[14] المرجع السابق (ص22).

[15] التبصير في معالم الدين (ص148-149).

[16] سبق تخريجه حاشية 55.

[17] إبطال التأويلات (2/330).

[18] طبقات الحنابلة (2/135).

[19] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/58) والذهبي في العلو (ص236).

[20] التوحيد (3/7).

[21] شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه "الرسالة" (ص319-320).

[22] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص152).

[23] المرجع السابق (ص121).

[24] عقيدة السلف وأهل الحديث (ص39-40).

[25] المرجع السابق (ص44).

[26] المرجع السابق (ص50).

[27] إبطال التأويلات (1/43).

[28] المرجع السابق (1/71).

[29] ذكره الذهبي في العلو (ص253) وفي السير (13/283-284).

[30] التمهيد (7/131).

[31] مدارج السالكين شرح منازل السائرين (2/84).

[32] شرح السنة (1/163-171).

[33] سبق تخريجه حاشية 87.

[34] الحجة في بيان المحجة (1/174).

[35] المرجع السابق (1/287).

[36] لمعة الاعتقاد (ص176).

[37] ذم التأويل (ص11).

[38] العلو (ص214).

[39] العلو (ص250-252).

[40] سير أعلام النبلاء (19/448).

[41] شرح الفقه الأكبر (ص96).

[42] غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).

[43] الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص111-112).

[44] العلو (ص157).

يوسف التازي
15-01-15, 04:11 PM
الباب الأول

ذكر أصول أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته وبيان مخالفة الأشاعرة لها



[تعريف أهل السنة والجماعة وبيان أوصافهم]

أهل السنة والجماعة هم أخص الناس بالسنة والجماعة، وأكثرهم تمسكاً بها، واتباعاً لها: قولاً وعملاً واعتقاداً.

وقد قال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (قولهم: فلان على السنة، ومن أهل السنة، أي: هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، لأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله)[1] اهـ.

وعرف الحافظ ابن رجب السنة بقوله: (والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم "السنة" إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم "السنة" بما يتعلق بالاعتقاد إلا أنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم )[2] اهـ.

وقال إمام السنة في عصره أبو محمد البربهاري: (ولا يحل لرجل مسلم أن يقول: فلان صاحب سنة، حتى يعلم أنه اجتمعت فيه خصال السنة، لا يُقال له: صاحب سنة، حتى تجتمع فيه السنة كلها)[3] اهـ.

وأصول أهل السنة والجماعة التي يبنون عليها معتقداتهم وأعمالهم، ترتكز على الاتباع لا الابتداع، فكما أنهم لا يتعبدون الله تعالى بما يهوونه، بل بما صح به الأثر، فكذلك لا يعتقدون في الله تعالى ودينه إلا بما صح به الأثر، بل هم لهذا الأمر أشد اتباعاً، وأعظم حرصاً، وأغلظ نكيراً لمن خالف.

فاعتقادهم في ربهم تبارك وتعالى مستند إلى ما في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه r، لا يتجاوزنهما. مقتفين بذلك هدي سلف الأمة ونقلة الدين والشريعة أصحاب النبي r، الذبن هم أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، فهم القوم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه.

قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} التوبة 100.

وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} النساء 115.

فتراهم يستدلون على ما يجب من الاعتقاد بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم التابعين لهم بإحسان، ثم أتباعهم، ثم بأقوال الأئمة بعدهم.

وهذه هي طريقتهم في جميع كتب المعتقد، لا يذكرون شيئاً مما يُعرف بأصول الكلام، ولا يخوضون في باب أسماء الله وصفاته بعقولهم القاصرة. وسيأتي مزيد بيان لذلك.

وإليك أهم أصولهم في ذلك:















الفصل الأول

في إثبات أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز



[أساس دعوة الرسل: التعريف بالمعبود]

إن أساس دعوة الرسل هو التعريف بالمعبود سبحانه، ومعرفته تبارك وتعالى إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، التي تنبني عليها جميع المطالب الشرعية والمقامات السنية من حب المعبود ورجائه وتعظيمه وتمجيده، ولذلك فقد تنوعت الأدلة في بيان ما اتصف به المعبود سبحانه من جميل النعوت والصفات، وعظيم الفعال.

ولما كان هذا الأمر هو محور دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، صار أظهر شيء في كتاب الله، وأعظمه بياناً، وأحسنه كلاماً هو ما يتعلق بهذا الباب العظيم.

والله عز وجل قد امتن على عباده بما أنزله عليهم من القرآن العظيم الذي جعله حجة على عباده، وآية على صدق دعوة نبيه، وهدى للناس في كل زمان ومكان، فأوضحه الله عز وجل أعظم توضيح ويسره للتدبر والتذكر، وتعرف به إلى عباده.

قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17

وقال جل وعلا واصفاً كتابه: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الزخرف3.

وبين الله عز وجل أنه أنزل كتابه باللسان العربي الواضح، ليُفهم عنه فقال {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . َنزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }الشعراء195.

وبين ربنا تبارك وتعالى أنه أرسل الرسل ليبينوا للناس، لا ليُلغزوا ويوهموا.

فقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }النساء26

وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }إبراهيم4

وقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }النحل44

ومن المحال أن يكون القرآن موصوفاً بكونه مُبيناً، ثم يكون أعظم ما فيه وهو صفة الله عز وجل ونعته سبحانه خافياً لا يُهتدى إليه إلا بالتكلفات والتأويلات المخرجة له عن حقيقته. بل لا بد أن يكون واضحاً بيناً يسهل الاهتداء إليه، وفهم معناه.

[الأصل في الكلام: الحقيقة]

ولا ريب أن الأصل في كلام الناس أن يُحمل على الحقيقة لا على المجاز، وهذا مع اختلاف نواياهم ومقاصدهم، فكيف بكلام الرب تبارك وتعالى الذي أراد به التعريف بنفسه، وبيان عظيم وصفه لتألهه القلوب وتتعلق به رباً وإلهاً.

[الخطاب نوعان]

والخطاب لا يخرج عن نوعين:

خطاب يُقصد به التعمية على السامع والإلغاز. وهذا ينزه عنه كلام الله تعالى.

وخطاب يُقصد به البيان والهدى والإرشاد. وهذا الذي وصف الله به كتابه وكلامه كما مر معنا في الآيات السابقة. فإذا أطلق الله لفظاً أو أطلق رسوله r لفظاً له معنى ظاهر بوضع اللغة، ولم يقرن به ما يدل على خلاف ظاهره وعدم إرادة ذلك المعنى، كان ذلك دالاً على أن المراد به حقيقته، وإلا لم يكن كلام الله مبيّناً، ولا مُبيناً.

[الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم]

وهذا هو أحد الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم. والطريق الآخر أن يُصرّح بإرادة ذلك المعنى.

[عدم تنازع الصحابة في الصفات]

ولذلك لم تختلف كلمة الصحابة قط في صفة من صفات الله عز وجل ولا في فعل من أفعاله، ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، فكانت كلمتهم وكلمة من بعدهم من التابعين متفقة على إقرارها كما جاءت وإثبات حقائقها لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، مع كونهم قد اختلفوا في بعض آيات الأحكام.

ولم يرد عن النبي r ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولا أتباعهم حرف واحد في أن صفات الله عز وجل لا يراد بها الحقيقة. بل كلامهم إما نص، وإما ظاهر: في أن صفات الله على الحقيقة، مع نفي التمثيل والتكييف.

ولهذا، عجز الأشعريان أن ينقلا حرفاً واحداً عن السلف في أن المراد بالصفات أو بعضها المجاز لا الحقيقة.

وإليك بعض الأدلة من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة الدالة على كون صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة هي على الحقيقة لا على المجاز:



أما الكتاب فمع ما سبق ذكره في أول الفصل.

قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الزخرف3



وأما من السنة:

(1) فعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة t يقرأ هذه الآية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} إلى قوله تعالى{سميعا بصيرا} النساء85، قال: (رأيت رسول الله r يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال أبو هريرة t: رأيت رسول الله r يقرؤها ويضع إصبعيه)[4]. قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً. قال أبو داود : وهذا رد على الجهمية.

وفي هذا الحديث تحقيق لصفتي السمع والبصر لله عز وجل، وأن الصفة الواردة في الآية إنما هي على الحقيقة، التي هي في الإنسان في العين والأذن، وليس المراد بهذا تشبيه صفة الله بصفة المخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. فقد قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير} الشورى11. فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى مماثلته للمخلوقات.

(2) وعن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر t كيف يحكي رسول الله r قال: (يأخذ الله عز وجل سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله r )[5].

وفيه تحقيق القبض والبسط من صفة الله تعالى، وأنها على حقيقتها من غير مماثلة لصفة المخلوق.

(3) وفي الحديث الطويل في ذكر آخر أهل الجنة دخولاً عن عبد الله بن مسعود t عن النبي r أنه قال في آخره: (فيقول –أي العبد-: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول عز وجل ما يصريني[6] منك أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة، قال –الراوي-: فضحك عبد الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا له: لم ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله r، ثم قال لنا رسول الله r: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا: لم ضحكت يا رسول الله؟ قال: لضحك الرب حين قال أتهزأ بي وأنت رب العزة)[7].

وفيه تحقيق الضحك لله تعالى.

(4) وعن جابر t قال: كان رسول الله r يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فقال له بعض الصحابة: أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟ فقال: «إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقول بهما هكذا» وحرك أبو أحمد إصبعه[8].

قلت: وأبو أحمد: هو الإمام الثقة الثبت محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري الكوفي (ت 203هـ). وهو راو الحديث عن سفيان الثوري.

وفيه تحقيق الأصابع لله تعالى.

(5) وعن حماد بن سلمة قال: ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك t عن النبي r في قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل}الأعراف 143، قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أبي: أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد –أي ثابت البناني-؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي r فتقول: أنت ما تريد إليه[9].

(6) وعن ابن عباس t قال: مر يهودي بالنبي r فقال له النبي r: يا يهودي حدثنا. فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله:{وما قدروا الله حق قدره}الزمر 67[10]. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.

وقال عبد الله في "السنة": سمعت أبي رحمه الله يقول: ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان عن الأعمش عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي r: «أن الله يمسك السماوات على أصبع» قال أبي رحمه الله : جعل يحيى يشير بأصابعه وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه يضع أصبعاً أصبعاً حتى أتى على آخرها[11].

وفيهما تحقيق الأصابع لله تعالى، وأنها على الحقيقة، مع مباينتها لأصابع المخلوق.

(7) وعن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثاً عن نفسه، وحديثاً عن رسول الله r قال: سمعت رسول الله r يقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته)[12].

وفيه تحقيق صفة الفرح لله تعالى، وأنه على الحقيقة.

(8) وعن أبي رزين r قال: قال رسول الله r: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه[13]. قال: قلت: يا رسول الله أويضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نُعدم من رب يضحك خيراً)[14].

وفيه أن الصحابي فهم صفة الضحك لله تعالى على الحقيقة، وأنها تستلزم الخير والرحمة.

(9) وعن جابر t في حديث حجة النبي r الطويل وفيه أن النبي r قال في خطبة عرفة: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات)[15].

وفي الحديث تحقيق علو الله تعالى بالإشارة إليه في السماء.



الآثار الواردة عن السلف في كون صفات الله محمولة على الحقيقة:

هذه بعض أقوال أئمة السنة على أن صفات الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، وكلامهم هنا ما بين نصٍّ وظاهر:



~ الفاروق عمر بن الخطاب t

قال قيس بن أبي حازم: (لما قدم عمر t الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً تلقاك عظماء الناس ووجوههم، فقال عمر: لا أراكم ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيل جملي)[16].

وفيه تحقيق علو الله تعالى وأنه في السماء، وفيه جواز الإشارة إليه في السماء.



~ ترجمان القرآن عبد الله بن عباس t

عن عطاء: عن ابن عباس t في قوله عز وجل {تجري بأعيننا} القمر14، قال: أشار بيده إلى عينيه[17].

وهذا تحقيق لصفة العين لله تعالى.



~ الإمام التابعي ربيعة بن عمرو الخرشي (64هـ)

قال في قول الله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء)[18].

وهذا ظاهر في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.





~ الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (82 هـ)

قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى)[19].

وفيه تحقيق صفة اليد التي من شأنها المسيس.



~ زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (93 هـ)

قال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين ،قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه)[20].

وفيه تحقيق صفة اليد لله تعالى.



~ التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (103 هـ)

قال: (إن الله عز وجل لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده)[21].



~ عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (104 هـ)

قال: (إن الله عز وجل لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثا : خلق آدم بيده ، وغرس الجنة بيده ، وكتب التوراة بيده)[22].



~ الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (117 هـ)

قال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان)[23].

وفيه إثبات حقيقة اليد لله عز وجل، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.



~ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)

قال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه)[24] اهـ.

وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)[25] اهـ.

وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف)[26] اهـ.

وفيه إثبات أن الرضى والوجه واليد ونحوها صفات لله تعالى غير مؤولة.



~ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)

قال بعدما ذكر جملة من صفات الله تعالى: (إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى {وهو السميع البصير} الشورى11، و{اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور 48، وقال تعالى {ولتصنع على عيني} طه 39، وقال تعالى {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، وقال تعالى {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} الزمر67، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم)[27] اهـ.

فقوله "فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم" صريح في أن ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات حق على حقيقته، وأن أصل ما وُصف به ربنا من الصفات هو نظير ما وصف به المخلوق في أصل معنى الصفة لا في الحقيقة.



~ الإمام حماد بن زيد (179 هـ)

سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء: "ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا" قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله)[28] اهـ.

وقوله "حق" ظاهر في إثبات حقيقته، لأنه سؤال عن إمرار ما دل عليه ظاهره وإثباته صفة لله، لا عن ثبوته في نفس الأمر، وإلا لكان الجواب: هو صحيح، ونحو ذلك. كما أن قوله "كيف شاء الله" دال أيضاً على أن نزول الرب على حقيقته لغة، إلا أننا لا نعلم كيفيته. ولو لم يكن على حقيقته لما قال "كيف شاء الله". بل يقول: هو نزول أمره، أو رحمته.

وقال أيضاً: (مثل الجهمية مثل رجل قيل له: في دارك نخلة؟ قال : نعم. قيل: فلها خوص؟ قال: لا. قيل: فلها سعف؟ قال: لا. قيل: فلها كرب؟ قال: لا. قيل: فلها جذع؟ قال: لا. قيل: فلها أصل؟ قل: لا. قيل: فلا نخلة في دارك.

هؤلاء الجهمية قيل لهم: لكم رب يتكلم؟ قالوا: لا. قيل: فله يد؟ قالوا: لا. قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا. قيل: فلا رب لكم)[29] اهـ.



~ الفضيل بن عياض (187هـ)

قال الفضيل بن عياض: (وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء )[30] اهـ.

وفيه أن النزول على حقيقته في اللغة، إذ لو كان مجازاً ولم يكن صفة لله تعالى على الحقيقة، لما اعترض الجهمي على إثباته بكونه يستلزم الزوال الذي هو من لوازم حقيقة المخلوق، وهذا بظنهم الفاسد، وإلا فإنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق. وسيأتي تقرير هذا الأصل في الفصل السادس.



~ الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (204 هـ)

قال يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به فقال: (لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه r .... - إلى أن قال: ونحو ذلك أخبار الله سبحانه وتعالى إيانا أنه سميع، وأن له يدين بقوله {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وأن له يميناً بقوله {والسموات مطويات بيمينه}الزمر67، وأن له وجهاً ... – ثم ذكر صفة القدم، والضحك، والنزول، والعينين، والرؤية، والأصابع، ثم قال:

فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله r مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله r، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11)[31]اهـ.

فتأمل قوله: "وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته" أي حقيقة اتصاف الله به.



~ الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)

قال يحيى بن معين: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد)[32] اهـ.

فبين أن النزول فعل الرب، لا فعل ملك، ولا غيره.



~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

قال حنبل بن إسحاق : (قلت لأبي عبد الله : ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف)[33] اهـ.

وقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث.

فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة)[34] اهـ.

ومراد الإمام أحمد بشناعة من شنع: الجهمية ومن شاكلهم من أصناف المعطلة الذي ينكرون حقائق الصفات لله تعالى، ويفهمون منها ما يُعلم من حقيقة صفة المخلوق، ويُلزمون صفة الله تعالى ما يَلزم من صفة المخلوق، وينسبون من أثبتها إلى التشبيه، فبين رحمه الله أن تشنيعهم هذا لا يمنع من إثباتها على حقيقتها اللائقة بالله تعالى، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق.

واستدلاله أيضاً رحمه الله بهذه الصفات على إثبات رؤية الله تعالى دال على أن الصفات حقيقة على ظاهرها، وإلا لو كانت مجازات لم يكن فيها دلالة على رؤية الله.

وقال أيضاً في إنكاره على من تأول الضحك لله بضحك الزرع: (قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع، وهذا كلام الجهمية)[35] اهـ.

وهذا صريح منه كما ترى في أن تأويل الصفات على هذا النحو هو قول الجهمية، وأن الصفة على حقيقتها، لا تطلب لها المعاني المجازية.

وقال يوسف بن موسى: (قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم)[36] اهـ.

وهذا صريح أيضاً في إثبات النزول الحقيقي لله لا المجازي، كالقول بأنه نزول ملك أو نزول أمره. ولذلك قال عن نزوله (كيف شاء).

وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في "باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى": (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.

قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله[37])[38] اهـ.

وليس أبْيَنَ من هذا في أن الله يتكلم حقيقة بصوت عظيم لائق به لا يشبه أصوات الخلق.



~ الإمام إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي (264 هـ)

قال في "شرح السنة" له: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته، وهو دانٍ بعلمه من خلقه .... إلى أن قال حاكياً الإجماع على هذا: هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى ....)[39].

فتأمل حكايته الإجماع على أن الله عز وجل قد علا عرشه بذاته ونفسه، وهذا تحقيق لصفة الاستواء على العرش، وهو علوه عليه وارتفاعه.



~ الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (279 هـ)

قال في سننه في الصفات: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال كيف؟ هكذا رُوي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه)[40] اهـ.

ومعلوم أنه لو لم يُثبت السلف الصفات كالنزول وغيرها على الحقيقة، وأنها صفات الله، لم يكن لاتهام الجهمية لهم بالتشبيه معنى.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

قال في "الرد على المريسي" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان)[41] اهـ.

وقال في تحقيق صفة اليد لله عز وجل: (وإلا فمن ادعى أن الله لم يَلِ خلق شيء صغير أو كبير فقد كفر. غير أنه ولي خلق الأشياء بأمره، وقوله، وإرادته. وولي خلق آدم بيده مسيساً)[42] اهـ.

وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.

وقال في تحقيق إتيان الله بنفسه يوم القيامة: (وادعيت أيها المريسي في قول الله تعالى {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} الأنعام158، وفي قوله {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان لما أنه غير متحرك عندك، ولكن يأتي يوم القيامة بزعمك، وقوله {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، ولا يأتي هو بنفسه)[43] اهـ.

وقال في الرد على تأويلات المريسي : (فيقال لك أيها المريسي المدعي في الظاهر لما أنت منتف في الباطن: قد قرأنا القرآن كما قرأت، وعقلنا عن الله أنه ليس كمثله شيء، وقد نفينا عن الله ما نفى عن نفسه، ووصفناه بما وصف به نفسه فلم نعده، وأبيت أن تصفه بما وصف به نفسه، ووصفته بخلاف ما وصف به نفسه.

أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف. ونفيتها أنت عنه كلها أجمع بعمايات من الحجج، وتكييف، فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟)[44] اهـ.

ما أروعه من كلام وأبينه من حجة في إثبات السلف للصفات حقيقة لا مجازاً.

وقال في تحقيق صفة الإتيان لله تعالى: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله r)[45] اهـ.

وقال في تحقيق صفتي السمع والبصر: (وادعى المعارض أيضا أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة tعن النبي r أنه قرأ {سميعا بصيرا} النساء85، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصراً بعين كعين وسمعاً كسمع ، جارحاً مركباً. فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعاً وبصراً فقد صدقت، وأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع، فإنه كذب ادعيت عليهم لأنه ليس كمثله شيء ولا كصفاته صفة، وأما دعواك أنهم يقولون جارح مركب، فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح، وعضو، وما أشبهه، حشو وخرافات وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين، وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله r فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى، والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع)[46] اهـ.

وما أروع هذا البيان من هذا الإمام، وفيه أن ما يذكره المتكلمون من الألفاظ (كالجارح، والعضو، وغيرها) كلها حشو وخرافات أتت من ظنونهم الفاسدة ومنهجهم الباطل.

وقال في تحقيق صفة الضحك لله: (باب إثبات الضحك: ثم أنشأ المعارض أيضاً منكراً أن الله يضحك إلى شيء ضحكاً هو الضحك، طاعناً على الروايات التي نقلت عن رسول الله r يفسرها أقبح التفسير ويتأولها أقبح التأويل .. إلى أن قال: فالدليل من فعل الله أنه يضحك إلى قوم ويصرفه عن قوم أن ضحك الزرع مثل على المجاز، وضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء، والزرع أبداً نضارته وخضرته التي سميته ضحكاً قائم أبداً حتى يستحصد، ....... إلى أن قال: ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله، على ما يعقلون من أنفسهم، وهذا كذب تدعيه عليهم، لأنا لم نسمع أحداً منهم يشبه شيئاً من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك، يضحك كما يشاء وكما يليق به وتفسيرك هذا منبوذ في حشك)[47] اهـ.

وقال ناصاً على أن الصفات محمولة على الحقيقة لا المجاز: (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فنصرف معانيها بعلة المجازات..)[48] اهـ.

وبين أن الصفات على ظاهرها، وأنه لا يُحتاج معها إلى تفسير يخالفه، فقال بعد أن روى آيات وصف الله بالمحبة والرضا والسخط والكراهية: (فهذا الناطق من كتاب الله يُستغنى فيه بظاهر التنزيل عن التفسير وتعرفه العامة والخاصة غير هؤلاء الملحدين..)[49] اهـ.

وقال في الرد على الجهمية: (والآثار التي جاءت عن رسول الله r في نزول الرب تبارك وتعالى تدل على أن الله عز وجل فوق السماوات على عرشه بائن من خلقه)[50] اهـ.

وهذا تحقيق لصفة النزول والعلو، إذ استدل بصفة النزول على علوه تعالى، ولا يصح هذا الاستدلال إلا إذا كان النزول حقيقة وهو ما كان من علو. فتأمل.



~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)

قال بعد ذكره لجملة من صفات الله تعالى: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله r. قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، . ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول:

يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.

وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.

ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.

ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا.)[51] اهـ.

وقال بعد أن أبطل تفسير المعطلة لمجيء الله: بمجيء أمره: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟

قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.

وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه)[52] اهـ.



~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

قال في "كتاب التوحيد" في إثبات حقيقة الوجه لله: (ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعة، التي كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: {ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، فتفهموا يا ذوي الحجا هذا البيان، الذي هو مفهومٌ في خطاب العرب، ولا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل، وفي هاتين الآيتين دلالة أن وجه الله صفة من صفات الله، صفات الذات، لا أن وجه الله: هو الله، ولا أن وجهه غيره، كما زعمت المعطلة الجهمية، ...)[53] اهـ.

وقال في بيان حقيقة صفة اليدين: (الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى r، ونقول: كلتا يدي ربنا عز وجل يمين، على ما أخبر النبي r، ونقول: إن الله عز وجل يقبض الأرض جميعاً بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، لا شمال فيهما، ونقول: من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان، مستوي التركيب، لا نقص في يديه، أقوى بني آدم، وأشدهم بطشاً له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة، من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين .... – إلى أن قال: فكيف يكون - يا ذوي الحجا - من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبهاً يد الخالق بيد المخلوقين؟ ...- إلى أن قال: نقول: لله يدان مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، بهما خلق الله آدم عليه السلام، وبيده كتب التوراة لموسى عليه السلام، ويداه قديمتان لم تزالا باقيتين، وأيدي المخلوقين محدثة غير قديمة، فانية غير باقية، بالية تصير ميتة ، ثم رميماً ،ثم ينشئه الله خلقاً آخر تبارك الله أحسن الخالقين، فأي تشبيه يلزم أصحابنا - أيها العقلاء - إذا أثبتوا للخالق ما أثبته الخالق لنفسه، وأثبته له نبيه المصطفى r، ..)[54] اهـ.

فتأمل ذكره لما اتصفت به يد الله تعالى من الكمال والعظمة، مما تعجز عنه يد المخلوق، الأمر الذي ينبؤك أن صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، كما هي في المخلوق حقيقة لا مجاز.

وقال في تحقيق صفة النزول لله بعد أن ذكر الأدلة من السنة: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح : أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا r أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول : نزل من أسفل إلى أعلى ، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل)[55] اهـ.

وقال في تحقيق صفة الضحك: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا عز وجل بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي r ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله عز وجل استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي r مصدقون بذلك، بقلوبنا منصتون عما لم يبين لنا، مما استأثر الله بعلمه)[56] اهـ.



~ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)

قال في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة 433 هـ ووقع على التصديق عليه علماء ذلك الوقت كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن القزويني وغيرهما من العلماء، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان.

قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن)[57] اهـ.

وقال ابن أبي يعلى في سياق معتقد والده في طبقات الحنابلة: (وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تفسير، ولا تأويل، هو قول السلف بدءاً وعوداً، وهو الذي ذكره أمير المؤمنين القادر رضوان الله عليه في الرسالة القادرية قال فيها: "وما وصف الله سبحانه به نفسه أو وصفه به رسول الله r: فهو صفات الله عز وجل على حقيقته لا على سبيل المجاز".

وعلى هذا الاعتقاد: جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله رضوان الله عليه من حضره مع الوالد السعيد –أي القاضي أبي يعلى- من علماء الوقت وزاهدهم: أبو الحسن القزويني سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وأخذ خطوطهم باعتقاده)[58] اهـ.

فانظر إلى هذه العقيدة التي انتشرت في الآفاق، ووقع عليها العلماء، وقُرئت في المساجد والمدارس. وفيها التصريح بأن صفات الله تعالى على الحقيقة لا المجاز.



~ إمام أهل اللغة أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي (370 هـ)

قال عند قوله تعالى {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210: (فالغمام معروف في كلام العرب، إلا أنا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله عز وجل يوم القيامة في ظلل منه، فنحن نؤمن به ولا نكيّف صفته، وكذلك سائر صفات الله عز وجل)[59] اهـ.

وهذا ظاهر في إثبات الإتيان لله تعالى على الحقيقة، ولأجل ذلك عرّف الغمام، ونفى كيفية الإتيان.



~ الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف (371 هـ)

قال في كتابه "اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات": (والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف قد انتفى عنهما التشبيه، فالايمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط)[60] اهـ.



~ أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (ت 380هـ)

قال: (الباب السادس : شرح قولهم في الصفات: أجمعوا على لله صفات على الحقيقة هو موصوف بها : ... - ثم ذكر جملة من الصفات، ثم قال: وأن له سمعاً وبصراً، ووجهاً، ويداً على الحقيقة، ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه. وأجمعوا أنها صفات لله وليست بجوارح، ولا أعضاء ولا أجزاء)[61] اهـ.

وهذا ظاهر في إن إثبات حقيقة وجه لله تعالى ليس كالوجوه، ويد ليست كالأيدي، لا يستلزم التجسيم الذي يدعونه، ولا التمثيل.



~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)

قال: (فنقول كما قال: "ينزل ربنا عز وجل" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول : إن نزوله زواله) [62]اهـ.



~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (386 هـ)

قال في أول كتابه المشهور "الرسالة" في باب "ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجبات أمور الديانات": (وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه)[63] اهـ.

وهو تصريح بفوقية الله تعالى على الحقيقة، وهي فوقية الذات، كما أنها فوقية القهر والقَدْر والسلطان.



~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)

قال في إثبات صفة اليدين لله تعالى: (باب ذكر قول الله عز وجل {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ذكر ما يُستدل به من كلام النبي r على أن الله جل وعز خلق آدم عليه السلام بيدين حقيقة)[64] اهـ.

وقال أيضاً في إثبات حقيقة الوجه لله تعالى: (باب قول الله جل وعز {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، وقال الله عز وجل {ويبقى وجه ربك ذو الجلال} الرحمن27، وذكر ما ثبت عن النبي r مما يدل على حقيقة ذلك)[65] اهـ.

وقال في بيان إثبات حقيقة الوجه لله وأن الوجه قد يَرِد ويراد به الثواب، وكلاهما حق: (ومعنى وجه الله عز وجل ها هنا على وجهين: أحدهما وجه حقيقة. والآخر: بمعنى الثواب. فأما الذي هو بمعنى الوجه في الحقيقة، ما جاء عن النبي r في حديث أبي موسى، وصهيب، وغيرهم، مما ذكروا فيه الوجه، ... – ثم ساق جملة من الأدلة، ثم قال:

وأما الذي هو بمعنى الثواب فكقول الله عز وجل: {إنما نطعمكم لوجه الله} الإنسان9. ... وما أشبه ذلك مما جاء عن النبي r فهو على معنى الثواب)[66] اهـ.



~ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (399 هـ)

قال في "باب الإيمان بالنزول": (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حداً، ... -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره، وذكر آثار السلف، ثم قال:

وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضا بيّن في كتاب الله وفى غير حديث عن رسول الله r)[67] اهـ.

قلت: إثباتهم للنزول، وامتناعهم عن أن يحدوه، صريح في أن النزول على حقيقته بما دل عليه ظاهر الحديث، إلا أنهم لا يكيفونه، ولا يمثلونه بشيء من صفات المخلوقين. كما أن استدلاله على العلو بحديث النزول صريح في إثبات النزول على حقيقته، وهو ما كان من علو.



~ الإمام أبو بكر محمد بن موهب التجيبي الحصار المعروف بالقبري القرطبي المالكي (ت406هـ)

قال في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني في بيان أن صفات الله على الحقيقة لا على المجاز: (وقوله "على العرش استوى" فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر، والغلبة، والملك، الذي ظنته المعتزلة ومن قال بقولهم إنه بمعنى الاستيلاء، وبعضهم يقول إنه على المجاز دون الحقيقة، ... إلى أن قال: وكذلك بيّن أيضاً أنه على الحقيقة بقوله عز وجل: {ومن أصدق من الله قيلا} النساء122، فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بصفة الاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز، لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله إذ ليس كمثله شيء من الأشياء)[68] اهـ.



~ الإمام أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني (422 هـ)

قال في رسالته في "السنة": (لا نقول كما قالت الجهمية: إنه تعالى مداخل للأمكنة وممازج بكل شيء، ولا نعلم أين هو؟ بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وعلمه وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء. وذلك معنى قوله {وهو معكم أينما كنتم} الحديد4، فهذا الذي قلناه هو كما قال الله وقاله رسوله)[69] اهـ.



~ القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)

قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا" : (وهذا لقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر22، فأثبت نفسه جائياً، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، ... إلى أن قال: ولكن ليس إذا استحال عليه ذلك وجب صرف الكلام عن حقيقته، لأجل أن القضاء على الغائب بمجرد الشاهد لا يجب عندنا، ولا عند مسلم، فبطل ما قالوه)[70] اهـ.

وفيه إثبات صفة المجيء لله، وأنها صفة له على الحقيقة لظاهر الآية، ولا يستلزم أن تكون كصفات المخلوقات.



~ الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (429 هـ)

قال في كتابه "الوصول إلى معرفة الأصول": (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى {وهو معكم أينما كنتم} الحديد4، ونحو ذلك من القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء).

وقال أيضاً: (قال أهل السنة في قول الله {الرحمن على العرش استوى} طه5، أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز. فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه)[71] اهـ.



~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

قال في بيان أن صفات الله على حقيقة ما عهد من كلام العرب: (الواجب أن يُعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبيّن سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي r لمّا أداها بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه.)[72] اهـ.

وقال أيضاً: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال. ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله r، وذاك إذا ثبت الحديث ولم يبق شبهة في صحته. فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها باتفاق العلماء للأثر)[73] اهـ.

وقال أيضاً: (ومن ذلك الغضب والرضى وغير ذلك وقد نطق القرآن بأكثرها. وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسر منها إلا ما فسره النبي r، أو الصحابي، بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها، والاعتقاد بما فيها بلا كيفية)[74] اهـ.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

قال في بيان معتقد السلف وأصحاب الحديث: (ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله r، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.

وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله r من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله)[75] اهـ.

فقد أوضح أن آيات الصفات تُجرى على الظاهر مما تعرفه العرب بلا تأويل ولا تحريف، ولذلك فقوله (ويكلون علمه إلى الله تعالى) المراد به علم الكيفية وحقيقة ما عليه الصفة، بدليل إنكاره على من أول اليد بالنعمة أو القوة، وقرر وجوب إجراءها على ظاهرها اللائق بالله المتبادر للذهن بوضع اللغة، وأنه يُعرف معناه بوضع اللغة. وإلا لو لم يكن له معنى معروف لم يكن لقوله "ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر" معنى.

وقال رحمه الله في إثبات حقيقة النزول، والرد على من تأولها أو كيفها: (فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول r أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله r، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعناً كثيراً.

وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب)[76] اهـ.

وما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله عز وجل المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.



~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

ذكر صفات كثيرة لله تعالى من الكتاب والسنة كالكلام والوجه واليدين والضحك ونحوها ثم قال: (فإن اعتقد معتقد في هذه الصفات ونظائرها مما وردت به الآثار الصحيحة التشبيه في الجسم والنوع والشكل والطول فهو كافر. وإن تأولها على مقتضى اللغة وعلى المجاز فهو جهمي. وإن أمرّها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون فهو الواجب عليه)[77] اهـ.

وقال في : (أن من حمل اللفظ على ظاهره حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفاته)[78] اهـ.

وقال في إثبات حقيقة المجيء والنزول: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.

فقد صرح أحمد بالقول بأن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله {وجاء ربك والملك} الفجر22، ..)[79] اهـ.

وقال نقلاً عن أبي بكر بن عبد العزيز جامع علم الإمام أحمد: ( وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، على ظاهره وأن ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير" في الكلام على قوله {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67، فقال: قد قال بعض أهل العربية في قوله {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، يقول: في قدرته، واستشهد على ذلك بقوله {أو ما ملكت أيمانكم} النساء3. وليس المراد بالملك اليمين دون سائر الجسد، ولأنك تقول: هذا الشيء في قبضتك، أي في قدرتك. ثم أجاب عن ذلك بأن قال: ما روي عن رسول الله r وعن الصحابة والتابعين يشهد على بطلان هذا القول، وهو يؤول إلى قول جهم. وذلك قوله تعالى {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، وقول النبي r (فوضع يده بين كتفي) وقال r : "فأقوم عن يمين ربي مقاماً لا يقومه غيري")[80] اهـ

فتأمل حكمه بالجهمية على من تأول الصفة وقال: لا يُراد بها الحقيقة، ثم تأمل قول الأشاعرة!



~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)

قال في بيان كون الصفات على الحقيقة لا على المجاز: (ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه)[81] اهـ.

وقال ناقلاً إجماع السلف على ذلك: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله)[82] اهـ.

وحسبك حكاية هذا الإجماع من هذا الإمام على أن مذهب السلف: وجوب حمل صفات الله على الحقيقة، وأن تأويلها من شأن أهل البدع.



~ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني (489 هـ)

قال في رسالته التي سماها "رسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء" لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء: (قول الطبري –يعني أبا جعفر صاحب التفسير الكبير-، ومحمد بن أبي زيد، والقاضي عبد الوهاب، وجماعة من شيوخ الحديث والفقه، وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر، وأبي الحسن –يعني الأشعري- وحكاه عنه أعني القاضي عبد الوهاب نصاً، وهو أنه سبحانه مستو على العرش بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق العرش)[83] اهـ



~ شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (493 هـ)

قال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة)[84] اهـ.





~ شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (494 هـ)

قال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص –أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال في طلب ذلك)[85] اهـ.



~ الإمام العلامة شيخ الحنابلة أبو الحسن علي بن عبيدالله بن سهل بن الزاغوني البغدادي (527هـ)

قال في كتابه "الإيضاح في أصول الدين" في بيان قاعدة مهمة: (فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تُلقّي في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له على ما يستحقه، ولا يُعدل به عن حقيقة الوصف، إذ ذاته تعالى قابلة للصفات، وهذا واضح بيّن لمن تأمله)[86].

وقال أيضاً: (فصل: وقد وصف الباري نفسه في القرآن باليدين بقوله تعالى {لما خلقت بيدي} ص75، وقال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} المائدة64، قال: وهذه الآية تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين، قال: وذهب المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا القدرة.

والدلالة على كونهما ذاتيتين تزيدان على النعمة وعلى القدرة أنا نقول: القرآن نزل بلغة العرب واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا ..)[87] اهـ.

وقال أيضاً: (أنا قد بينا أن إضافة الفعل إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة)[88] اهـ.

وقال أيضاً في قصيدة له:

(إني سأذكر عقد ديني صادقاً نهج ابن حنبل الإمام الأوحد)

ومنها:

(عالٍ على العرش الرفيع بذاته سبحانه عن قول غالٍ ملحد)[89] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

قال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه: إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي: هو هو على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل)[90] اهـ.

وقال: (قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي r متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه عز وجل أزلي بصفاته وأسمائه التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول r بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحداً، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق، زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى r، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويله)[91] اهـ.

وقال في إبطال المجاز في صفات الله: (ودليل آخر: أن من حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى)[92] اهـ.

وقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. .. ) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} المؤمنون28، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة –أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه –أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: {وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.

وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وقوله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، وقول النبي r: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة، والنصرة، والملك، والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، للوجه في كلام العرب معان..) ثم ذكر منها الجاه، والقدر، وأول الشيء، والجهة، وبين امتناعها في حق ما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.

وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث، مجهول بالكيفية.

وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله r، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته)[93] اهـ.

وهذا كلام بيّن واضح جلي في إثبات أن الصفات على حقيقتها المعروفة من لغة العرب، مع النفي التشبيه، والجهل بالكيفية.



~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)

قال في كتاب "الغنية" : (والماء فوق الأرض السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، وما هو أعلم به.... وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال: {الرحمن على العرش استوى} طه5، - وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، إلى أن قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات ...

وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف)[94] اهـ.

وقال في كتابه "تحفة المتقين وسبيل العارفين" في باب اختلاف المذاهب في صفات الله عز وجل، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} آل عمران7، قال: (والله تعالى بذاته على العرش وعلمه محيط بكل مكان، ... لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته)[95] اهـ.





~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بان الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول)[96] اهـ.

وفيه: أن طريقة السلف في الصفات: إثبات حقيقة بلا تمثيل، وتنزيه مماثلة بلا تعطيل.

~ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (671هـ)

قال في إثبات حقيقة الاستواء لله في تفسير قوله: {ثم استوى على العرش} الأعراف 54: (وقد كان السلف الأُوَل y لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.

قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف)[97] اهـ.



~ الإمام أبو العباس عماد الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي الحزّامي المعروف بـ (ابن شيخ الحزّاميين) (711 هـ)

قال في وصف عقيدة أهل السنة والجماعة المتبعين للصحابة والتابعين: (وأمرّوا الصفات كما جاءت بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، وأثبتوا حقائقها لله كما يليق به من الاستواء أو النزول وجميع الصفات ..)[98].



~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

نقل في "العلو" عن أبي الطيب قوله: "حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث نزول الرب: فالنزول كيف هو؟ يبقى فوقه علو؟ فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

فقال معلقاً: ( ... فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر)[99] اهـ.

ونقل أيضاً قول أبي أحمد القصاب في عقيدته: "لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز" ثم قال: ( ... ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها)[100] اهـ.

وقال أيضاً في تعليقه على قول ابن عبد البر "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك ...": (صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم، كم نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة)[101] اهـ.

وقال ابن رجب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي: (قرأت بخط الإمام الحافظ الذهبي رداً على من نقل الإجماع على تكفيره: أما قوله "أجمعوا" فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها لا يعبر عنها بعبارات أخرى كما فعلته المعتزلة أو المتأخرون من الأشعرية، هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ)[102] اهـ.



~ الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (774 هـ)

له رحمه الله رسالة باسم (الاعتقاد) أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: (فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله سبحانه وتعالى ورسوله r من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك)[103] اهـ.



~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

قال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول r أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.)[104] اهـ.

وهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من كونه يلزم منه أن يكون الله نازلاً على الدوام لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى 11.

وقال تعليقاً على من شنّع من الأشاعرة على الحافظ عبد الغني المقدسي قوله "ولا أنزهه تنزيهاً ينفي عنه حقيقة النزول" وأغروا على ذلك السلطان: (وأما قوله "ولا أنزهه تنزيهاً ينفي عنه حقيقة النزول" فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك)[105] اهـ.







~ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)

قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ..)[106] اهـ.



فرع : في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري

قال في رسالته إلى أهل الثغر: (الإجماع الخامس: وأجمعوا على أن صفته عز وجل لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له عز و جل هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة، من قِبَل أن من ليس له حياة لا يكون حياً، ومن لم يكن له علم لا يكون عالماً في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل لم يكن فاعلاً في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسناً، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلماً في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريداً، وأن من وُصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقاً لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازاً أو كذباً، ..... إلى أن قال: وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك تلقيباً أو كذباً، فإذا كان الله عز و جل موصوفاً بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة وإلا كان وصفه بذلك مجازا)[107] اهـ.

وقال في "الإبانة": (مسألة : فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: {مما عملت أيدينا} يس71، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، على المجاز؟

قيل له : حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة، ... كذلك قوله تعالى : {لما خلقت بيدي} ص75، على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يُعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة، ... بل واجب أن يكون قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين)[108] اهـ.

وقال في "مقالات الإسلاميين" في إثبات حقيقة اليدين لله تعالى، وبيان انحراف معتقد المعتزلة: (وكان – أي عباد بن سليمان المعتزلي - يُنكر قول من قال أن لله عز وجل وجهاً، وينكر القول: وجه الله، ونفس الله، وينكر القول: ذات الله، وينكر أن يكون الله ذا عين، وأن يكون له يدان هما يداه.)[109] اهـ.



خلاصة الفصل:

أولاً: بهذه الأدلة من الكتاب والسنة والنقولات عن أئمة السنة، يتبين لكل ذي عقل أن أهل السنة والجماعة يثبتون جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز، إثباتاً منزهاً عن التمثيل والتكييف، وتنزيهاً بلا تأويل وتحريف وتعطيل.

وبهذا يفارقون طائفتين: المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات ويدعون فيها المجاز بحجة التنزيه، والمشبهة الذين الذين يجعلون حقيقة صفات الله كحقيقة صفات خلقه، بحجة الإثبات.

ثانياً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.

[بطلان إنكار حقائق الصفات لله]

ثالثاً: بطلان ما ادعاه الأشعريان من إنكار نسبة حقائق الصفات لله تعالى حيث قالا (ص ؟؟): (أما الذي يأباه العقل والنقل فهو نسبة حقائق هذه الألفاظ اللغوية لله تعالى) اهـ.

فليت شعري أي عقل هذا الذي يزعمونه وأي نقل هذا الذي يأثرونه !!!

وقالا (ص242): (إن أريد بإثبات الصفات إثباتها على ما جاءت دون تفسير، ولا تعيين معنى، وإنما يُكتفى بتلاوتها والسكوت عليها، وذلك –قطعاً- بعد صرفها عن ظاهرها المحال في حق الله تعالى، ولا يقال بالذات أو حقيقة، فذلك حق لا ريب فيه) اهـ.

والأعجب منه ادعاؤهما: أن هذا هو مذهب السلف قاطبة، ولم ينقلا حرفاً واحداً عن أحد من السلف قط.

كيف؟ ونصوص السلف صريحة في إبطال هذه الدعوى، وبيان وجوب حمل كلام الله على حقيقته التي تقتضيها اللغة التي أنزل الله بها كتابه، وتعرّف بها إلى عباده.

وبه يتبين جهل هذين الأشعريّيْن بمذهب السلف، وبعدهما عن طريقتهم.

[صحة إطلاق لفظ "بذاته" و"حقيقة" والجواب على من استنكرها]

رابعاً: صحة تأكيد الإثبات في صفات الله تعالى بقول: "حقيقة"، أو "بذاته"، وأنه وارد عن السلف الأئمة، وهو الأمر الذي أعظما فيه النكير، جهلاً منهما بكلام السلف وأصولهم.

فقالا (ص123): (أن لفظة "بذاته" لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين .... فإن لفظة "بذاته" إذا ذُكرت مع هذه الألفاظ أو ما شاكلها حصرت معانيها في المعنى الحسي الجسماني، فلا يقال مثلاً "استوى بذاته"، و"ينزل بذاته"، و"يجيء بذاته"، ثم يقال: لا كاستوائنا، ولا كنزولنا، ولا كمجيئنا، لأن هذا تناقض صريح) اهـ.

وقالا (ص138): (نخلص من هذا إلى أن القول بأن الله ساكن السماء، أو أنه على العرش بذاته، أو ينزل بذاته، أو استوى بذاته، أو على الحقيقة .... كل ذلك وصف لله بما يستحيل في حقه تعالى عقلاً ونقلاً ..) اهـ.

فيقال لهما:

أولاً: قد سبق نقل كلام كثير من أئمة السلف بزيادة "حقيقة"، وزيادة "بذاته"، بل قد نقل أبو نصر السجزي الإجماع على ذلك.

فقال في كتاب "الإبانة": (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان)[110] اهـ.

وسبقه المزني حيث قال في شرح أصول السنة: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته)[111]. ثم حكى الإجماع عليه كما سبق نقله.

ونقل الطلمنكي وابن عبد البر الإجماع على ذلك أيضاً كما سبق.

وقال الذهبي في "العلو": (قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه".

قال الذهبي: وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب الإبانة له، فإنه قال: "وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحماد، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان"، وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سيأتي، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: "وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه"، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة:

عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب

وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.

وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة.

والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال، ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول {الرحمن على العرش استوى} طه5، وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه ..)[112] اهـ.

ثانياً: أن قولهما عن لفظة "بذاته": (لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين): عجب منهما، وتناقض صريح، فلا أدري هل يأثران هما شيئاً من كلامهما في الصفات، وتأويلها، عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة؟!!

وصدق القائل: "رمتني بدائها وانسلت".

ثالثاً: أن قول من قال من السلف "بذاته" هو من باب التأكيد والتنصيص، والرد على المعطلة الذين يفسرون صفات الله تعالى بما قام بغيره، وينكرون أن يقوم بذات الله تعالى صفة متعلقة بمشيئته، فيقولون: نزوله: نزول أمره، ومجيئه: مجيء ثوابه، وهكذا.

وكذا قولهم "حقيقة" تأكيد لحقيقة الصفة، ورد على من جعلها مجازاً.

ومعلوم أن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره، كما في قوله: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، وقول النبي r: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا"، وهذا خبر عن مسمى هذا الاسم العظيم.

ومثاله ما لو قلت: عمرو عندك، وزيد قائم، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم، فقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} الزمر62، هو خبر عن ذات الرب تعالى، فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه فإنما هو خبر عن ذاته.

لكن لما ظهر من أهل البدع والمعطلة من يحعل صفات الله تعالى مجازات، نص السلف على كونها حقيقة، ولما ظهر منهم من يجعل ما وصف الله تعالى به نفسه هو ما قام بغيره، كمن يقول: نزول أمره، ومجيء ملائكته، نص السلف على كونها صفة ذاته.

وكيف يعيبان ذلك وقد قالا مدافعين عمن قال "لفظي بالقرآن مخلوق" - مع كونه قول متأخري الجهمية- كالكرابيسي وابن كلاب وغيرهما (ص57): (وإننا متيقنون بأنهم رحمهم الله لم يقولوا هذا القول دون أن تدعو له حاجة، كلا، وحاشاهم أن يتكلموا بشيء سكت عنه الصحابة والتابعون، لكنهم لمّا رأوا الناس تقحموا هذا الباب، وخاضوا في هذا المر، وحملوه على غير وجهه، اضطروا إلى الكلام فيه تبياناً للحق، وكفّاً للناس عن ذلك) اهـ.

فهذا اعتذاركم عن مقولة باطلة، فهلا عذرتم من قال بالحق وأكده!!!

قال الذهبي معلقاً على كلام القصاب: (وكان أيضاً يسعه السكوت عن "صفة حقيقة" فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري وقلنا تُمر كما جاءت، فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك: صفة حقيقة وليست بمجاز، كان هذا كلاماً ركيكاً نبطياً مغلثاً للنفوس فليهدر، مع أن هذه العبارة وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تمر ولا يُتعرض لها بتحريف ولا تأويل، كما يُتعرض لمجاز الكلام والله أعلم. وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة، فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها)[113] اهـ.

وهذا من الذهبي صريح بأن معنى: كون الصفات حقيقة، أو أنه متصف بها بذاته، حق، ولكن لا يُحتاج إلى زيادة "حقيقة" أو "بذاته"، لا لكون المعنى باطلاً، بل لكونه ظاهراً بلا حاجة للزيادة.

إذ من المعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل: سمع زيد، وكلام زيد، ونزول زيد، فهو حقيقة لا مجاز، إلا أن يقترن باللفظ ما يدل على كونه مجازاً. إذ أن قاعدة اللغة: أن الأصل في الكلام الحقيقة والإفراد، لا المجاز والاشتراك.

ويقال لهؤلاء: كيف سوغتم لأنفسكم هذه الزيادات في النفي كنفي الجهة والحيز ونحو ذلك، والتقصير في الإثبات على ما أوجبه الكتاب والسنة، وأنكرتم على أئمة الدين ردهم لبدعة ابتدعها أهل التعطيل والتجهيم مضمونها إنكار حقائق صفات الله تعالى، وعبروا عن ذلك بعبارة كقولهم "حقيقة" و "بذاته"، فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذين نفاه أولئك؟! وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له، فإن هذه الألفاظ لم تثبت صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينت ما عطله المبطلون من حقيقة اتصافه بصفات الكمال.

رابعاً: أن ما أنكراه من قول: "أن الله ساكن السماء"، قد قاله إمامهم أبو الحسن الأشعري نفسه، مستدلاً به على علو الله تعالى، وذكر أنه قول جميع المسلمين!!

فقال: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن السماء)[114] اهـ.

وهذا أمر مثير للاستغراب والحيرة، ألا وهو كثرة إنكارهما لأمور قد نص عليها أبو الحسن الأشعري نفسه في كتبه، حتى ليظن الناظر أنهما ألفا كتابهما رداً على أبي الحسن الأشعري، لا انتصاراً له؟!!



فرع في إبطال شبهتهما في هذا الباب:

يقال للأشعريّيْن: سبحان الله!! وهل كان صراع السلف مع الجهمية والمعتزلة إلا على إثبات حقائق صفات الله تعالى، فإن السلف كانوا يثبتون صفاته تعالى على الحقيقة، ويأبى ذلك الجهمية والمعتزلة بدعوى التشبيه، وإلا فلو كان الجميع متفقين على كونها من مجازات الكلام لما صار بين السلف والمعطلة خصومة، ولدامت بينهما المودة والألفة.

ولأجل هذا أكد السلف هذا الأمر فأثبتوا صفات الله تعالى على الحقيقة، ولم يعبأوا بتشنيع الجهمية والمعتزلة، بل حذروا من أن يُخدع المسلم بذلك، وألفوا الكتب والرسائل رداً عليهم وإبطالاً لدعواهم.

ومن ظن أن حقيقة الصفة الثابتة لله هي حقيقة صفة المخلوق فقد زل وضل، فإن هذا لا يقره عقل ولا نقل ولا تقتضيه لغة، إذ الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان لله تعالى ذات حقيقة، وللمخلوق ذات حقيقة، لم يلزم أن تكون حقيقة ذات الله تعالى هي حقيقة ذات المخلوق، كما لا يلزم من حقيقة وجود الله أن تكون هي حقيقة وجود المخلوق. فالله ليس كمثله شيء، وليس له سمي، ولا كفؤ، ولا نظير. والصفات فرع عن الذات، فإذا تباينت الذوات تباينت الصفات، فلا يلزم من إثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أن تكون هي حقيقة صفة المخلوق.

قال ابن الزاغوني في كتابه "الإيضاح": (فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع، فليس بصحيح، من جهة أن الباري تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات، فإن الباري تعالى في نفسه ذات ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، وإذا كان الكل مرتفعاً، والمثل بذلك ممتنعاً: فالنفار من قولنا يد مع هذه الحال كالنفار من قولنا ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات مما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع للإقرار بالذات على ما هي عليه مما ذكرنا فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه)[115] اهـ.

وقال الذهبي: (وما أحسن قول نعيم بن حماد الذي سمعناه بأصح إسناد عن محمد ابن إسماعيل الترمذي أنه سمعه يقول: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً".

قلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى {ليس كمثله شيء} في ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ لا فرق بين القول في الذات والقول في الصفات، وهذا هو مذهب السلف)[116] اهـ.

وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره عز وجل، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها)[117] اهـ.

ومن المعلوم أن حقائق صفات المخلوقات متباينة مع اشتراكهم في الخلق، فكيف بالتباين بين الخالق والمخلوق.

فإذا قيل: يد الإنسان، ويد النملة، لم يلزم لغة أن تكون حقيقة يد الإنسان هي حقيقة يد النملة، بل لو قيل يد الباب، ويد الليل، لم يلزم تماثلهما في الحقائق. ومثل ذلك رأس الإنسان، ورأس الجبل، ورأس الأمر، ووجه الإنسان، ووجه الماء، ووجه الأمر، وهكذا، فكيف لا يلزم من إثبات حقائق الصفات للمخلوقات تماثلها، ويلزم في حق الله تعالى، سبحانك هذا بهتان عظيم.

ومن قال أن صفة اليد والوجه مثلاً عند الإطلاق لا يُفهم منها إلا وجه المخلوق، أو الجارحة، فإن هذا يأباه العقل والشرع واللغة، وهو مبني على دعوى باطلة وهي تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد، وهذا هو الذي أوقع القوم فيما وقعوا فيه، فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يُنعق بها، لا تفيد فائدة، وهذه الصفات لا توجد مطلقة مجردة، بل لا توجد إلى مضافة لموصوف، فليست هناك يد مطلقة، ولا وجه مطلق، وإنما يُتصور هذا في الأذهان، وليس له حقيقة في الأعيان، فليس في الوجود إلا يد مضافة إلى ذي يد، ووجه مضاف إلى ذي وجه، فإذا أضيفت اليد أو الوجه علم معناها وحقيقتها.

فإذا قال القائل: ضربت الخادم بيدي، فُهم منه يد الإنسان الجارحة، وإذا قيل: خطت الثوب بيدي، فُهم من اليد آلة الخياطة، وإذا قيل: لفلان يد عندي لم أجزه بها، فُهم منها النعمة والإحسان. فهذه "يدٌ" اختلفت معانيها بحسب تركيبها وإضافتها، وفُهم من كل تركيب ما لم يُفهم في التركيب الآخر.

ومما يبطل هذه الدعوى أن يُقال: لو كانت صفات الله مجازاً لا حقيقة لها، لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن الرجل الشجاع أظهر وأصدق من إطلاق ذلك الاسم، لكون المجاز يصح نفيه. وبناءاً عليه يكون قول القائل: ليس لله يد، ولا وجه، ولا ينزل، ولا يضحك، ولا يرضى، ولا يجيء، أصح من قوله: لله يد، ووجه، وأنه ينزل، ويضحك، ويرضى، ويجيء. ولا ريب أن هذا عين المحادة لله تعالى، بل هو تكذيب صريح لله ولرسوله. تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

وأما من فرق بين صفة وصفة، فادعى في بعض الصفات أنها حقيقة، وفي الأخرى أنها مجاز، فتحكم محض، فإن هناك ألفاظاً تطلق على الخالق والمخلوق: أفعالها، ومصادرها، وأسماء الفاعلين، والصفات المشتقة منها:

فإن كانت حقائقها ما يُفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم، - ولا ريب في انتفاء هذا في حق الله قطعاً - لزم أن تكون جمعيها مجازات في حقه لا حقيقة، فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة، وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات. وكفى بأصحاب هذه المقالة كفراً.

وإن فرق بين صفة وصفة، طولب بالطريق الذي اهتدى إليه، واستند عليه في التفريق بين النفي والإثبات؟ بالشرع أم بالعقل أم باللغة؟ فأي شرع أو عقل أو لغة يدل على أن المجيء، والاستواء، والضحك، والرضى، والوجه، واليدين، والعينين، والنزول، ونحوها من الصفات، حقيقة فيما يُفهم من خصائص المخلوقين، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، حقيقة فيما لا يختص به المخلوق!!!

وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الخامس.

[إثبات لوازم الصفة مع نفي حقيقتها تناقض]

ومن غرائب الأشعريّيْن أنهما ينفيان حقيقة الصفة، ويثبتان لوازمها، وهذا لعمر الله من الممتنعات، إذ يمتنع ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها، فإن الإحسان والثواب من لوازم الرحمة، فثبوت إرادة الثواب والإحسان لله مع انتفاء حقيقة الرحمة ممتنع، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها ولذلك قال تعالى

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} التوبة 21 .

ففرق سبحانه بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل، فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول الأشعريّيْن، بانتفاء صفة الرحمة لله، وإثبات لازمها من إرادة الثواب.

قال عثمان الدارمي في رده على المريسي: (وأما قولك: إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض، لأنه لا يضحك إلى أحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا. ولا يصرفه إلا عن عدو، وأنت تنفي الضحك عن الله تعالى، وتثبت له الرضا وحده.)[118] اهـ.

ومثل ذلك لفظ اللعنة، والغضب، والمقت، هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقيقتها انتفى لازمها. فتدبر !!

ولعل في الفصول القادمة تقرير لهذه المسائل، وتأصيل لها من الكتاب والسنة والإجماع، والعقل.







[1] الحجة في بيان المحجة (2/384-385).

[2] جامع العلوم والحكم (1/263).

[3] شرح السنة (ص128).

[4] رواه أبو داود (3/287) وابن خزيمة في التوحيد (ص42) وابن حبان (1/241) والطبراني في الأوسط (9/132) وابن منده في التوحيد (3/44) والحاكم (2/257) واللالكائي (3/410) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص233).

[5] رواه مسلم (2788)

[6] قال أبو عبيد في" غريب الحديث" (3/83): (قوله: يَصريك: يقطع مسألتك مني، وكل شيء قطعته ومنعته فقد صريته. وقال الشاعر هو ذو الرمة الطويل:

فودعهن مشتاقاً أصبن فؤاده هواهن إن لم يصره الله قاتله

يقول إن لم يقطع الله هواه لهن ويمنعه الله من ذلك قتله).

[7] رواه أحمد (1/391) وأبو عوانة في مسنده (1/142) وأبو يعلى (9/193) والشاشي في مسنده (1/307) والطبراني في الكبير (9/357) (10/9) والحاكم (2/408) (4/634).

[8] رواه أبو يعلى (4/207) والطبري في تفسيره (3/188) والدارقطني في الصفات (ص124) وابن منده في "الرد على الجهمية" (ص87) وقال: (وهذا حديث ثابت باتفاق) وفي التوحيد (3/112)، وقال: (اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث، فرواه أبو معاوية وغيره عن الأعمش عن أبي سفيان ويزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، ورواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس، وكذلك رواه عتبة بن أبي حكيم وغيره عن يزيد عن أنس، ورواه منصور بن أبي نويرة وغيره عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن غنيم بن قيس عن أنس بن مالك، وقال إسماعيل بن عمرو بن قيس بن الربيع عن الأعمش عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، وكلها معلولة إلا رواية الثوري وفضيل. - أي من مسند جابر - . وروي هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة وأسماء بنت يزيد وعن أبي ذر وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من طرق فيها مقال) اهـ.

[9] رواه أحمد (3/125،209) والترمذي (5/265) وقال : (حديث حسن غريب صحيح) وابن أبي عاصم في السنة (1/210) وعبد الله في السنة (1/269) وابن خزيمة (ص113) وابن جرير في تفسيره (9/53) وابن أبي حاتم في تفسيره (5/1559-1560) والطبراني في الأوسط (2/232) وابن عدي في الكامل (2/260) وابن منده في الرد على الجهمية (ص88) وقال: (وهذا حديث مشهور). والحاكم (1/77) (2/351) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وابن الأعرابي في معجمه (1/226) والضياء في المختارة (5/54) وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم 1/210).

[10] رواه أحمد (1/251،324) والترمذي (5/371) وقال: (حديث حسن غريب صحيح) وابن أبي عاصم في السنة (1/241) وابن خزيمة في التوحيد (ص78) والطبري في تفسيره (24/26) والطبراني في الأوسط (5/67) وابن منده في الرد على الجهمية (ص85).

[11] (1/264) والحديث رواه البخاري (4/1812) ومسلم (2786).

[12] رواه البخاري (5/2324) ومسلم (2744)

[13] قال أمام اللغة أبو عمر الزاهد غلام ثعلب كما في الإبانة لابن بطة (3/112): (فأما قوله "وقرب غِيَره" فسرعة رحمته بكم، وتغيير ما بكم من ضر).

وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/490) في بيان معنى قوله "وقرب غِيَرِه": (وقد اقترب وقت فرجه ورحمته بعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون) اهـ.

[14] رواه أحمد (4/11) والطيالسي (ص147) وابن ماجه (1/64) وابن أبي عاصم في السنة (1/244) وعبد الله في السنة (1/246) والطبراني في الكبير (19/207،212) والآجري في الشريعة (ص294) والدارقطني في الصفات (ص93) والحاكم (4/605) واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (3/426) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص596) وصححه الألباني في الصحيحة (6/732) رقم (2810).

[15] رواه مسلم (1218)

[16] رواه ابن أبي شيبة (7/9)، وأبو نعيم في الحلية (1/47) وابن قدامة في العلو (ص111) كلاهما من طريق ابن أبي شيبة، وأورده الذهبي في العلو بإسناده إلى ابن أبي شيبة (ص77) وقال: إسناده كالشمس.

[17] رواه اللالكائي (3/411).

[18] رواه ابن جرير (24/25) وعبد الله في السنة (2/501).

[19] رواه ابن أبي شيبة (13/96) وهناد بن السري في الزهد (46) وعبد الله في السنة (1/275) والآجري في الشريعة (ص340) وأورده الذهبي في العلو (ص125).

[20] رواه ابن سعد في الطبقات (5/166).

[21] رواه عبد الله في السنة (1/297).

[22] رواه عبد الله في السنة (1/296).

[23] رواه الدارمي في رده على المريسي (1/286).

[24] الفقه الأبسط ص56. نقلاً من أصول الدين عند أبي حنيفة (ص298).

[25] الفقه الأكبر مع شرحه للدكتور محمد الخميس ص37.

[26] رواه الصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص60) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص572).

[27] رواه ابن بطة في الإبانة (3/63) واللالكائي (3/502) والذهبي في السير بإسناده من طريق الأثرم (7/312) وأورده في العلو (ص141) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاوى ابن تيمية (5/44) وفي تلبيس الجهمية (2/186) وعزاه للأثرم في السنة ولأبي عمرو الطلمنكي.

[28] رواه ابن بطة في الإبانة (3/302). وعزاه ابن تيمية للخلال في السنة وساقه بإسناده كما في مجموع الفتاوى (5/376).

[29] رواه ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة (ص91) وأبو يعلى في إبطال التأويلات (1/55) وأبو القاسم التيمي في الحجة (1/441) وأورده الذهبي في العلو (ص250).

[30] رواه البخاري في خلق أفعال العباد (ص17) وابن بطة في الإبانة (3/203) واللالكائي (3/452) وعزاه شيخ الإسلام اين تيمية للخلال في السنة كما في مجموع الفتاوى (5/61) وفي درء التعارض (2/23).

[31] طبقات الحنابلة في ترجمة الشافعي (1/283)، وذكر طرفاً منه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (13/407) وعزاه إلى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي.

[32] رواه ابن بطة في الإبانة (3/206) واللالكائي (3/453).

[33] رواه ابن بطة في الإبانة (3/242) واللالكائي (3/453) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/260).

[34] عزاه ابن قدامة للخلال في السنة (ذم التأويل ص21) وابن تيمية في درء التعارض (1/254) وفي بيان تلبيس الجهمية (1/431) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص211).

[35] رواه ابن بطة في الإبانة (3/111) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/75).

[36] رواه أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/260) وذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (6/146).

[37] وهذا لفظ حديث جابر t: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (4/1119) والبزار كما في مجمع الزوائد (8/204) وابن بطة في الإبانة (2/310) وأبو نعيم في الحلية (6/210) والآجري في الشريعة (ص316) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص348) وعزاه ابن كثير في تفسيره (1/589) إلى ابن مردويه، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، قال عنه ابن كثير في تفسيره (1/589): (ضعيف بمرة).

وأما حديث الزهري: فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره (2/238) وابن أبي حاتم في تفسيره من طريقه (4/1119) وعبد الله في السنة (1/283) وابن جرير (6/29) وابن بطة في الإبانة (311) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص35)، كلهم من طريق الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال أخبرني جرير بن جابر الخثعمي أنه سمع كعب الأحبار يقول: (لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا، حتى كلمه آخر ذلك بلسانه بمثل صوته، فقال موسى: هذا يارب كلامك؟ قال الله تعالى: لو كلمتك كلامي لم تكن شيئاً، أو قال: لم تستقم له، قال: أي رب هل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأقرب خلقي شبه كلامي أشد ما يسمع الناس من الصواعق). قال ابن كثير في تفسيره (1/589): (هذا موقوف على كعب الأحبار وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين).

قلت: وليست الحجة في هذا الحديث الضعيف، وإنما في استشهاد الإمام أحمد به، وقبوله لما دل عليه من صفة كلام الله تعالى وأنه بصوت مسموع حقيقة.

[38] الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد (ص132). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه منها: مجموع الفتاوى (6/154) ودر التعارض (1/377).

[39] شرح السنة للمزني (ص75،89).

[40] سنن الترمذي (3/50).

[41] الرد على المريسي (1/214).

[42] المرجع السابق (1/230).

[43] المرجع السابق (1/339).

[44] المرجع السابق (1/428).

[45] المرجع السابق (2/680).

[46] المرجع السابق (2/688).

[47] المرجع السابق (2/769-780).

[48] المرجع السابق (2/755).

[49] المرجع السابق (2/866)

[50] الرد على الجهمية (ص73).

[51] التبصير في معالم الدين (141-145).

[52] المرجع السابق (148-149).

[53] التوحيد (22-23).

[54] المرجع السابق (83-85).

[55] المرجع السابق (125-126).

[56] المرجع السابق (230-231).

[57] نقله ابن الجوزي في المنتظم في حوادث سنة 433هـ بتمامه، وشيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/254) وفي نقض التأسيس (ص113)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (4/1288)، والذهبي في السير (16/213).

[58] طبقات الحنابلة (2/210).

[59] تهذيب اللغة (3/246).

[60] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/80).

[61] التعرف لمذهب أهل التصوف (ص47-48).

[62] الإبانة (3/240).

[63] الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/73).

[64] الرد على الجهمية (ص68).

[65] المرجع السابق (ص94).

[66] المرجع السابق (ص102).

[67] أصول السنة (ص110-113) ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/56) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص164).

[68] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس (ص111)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص156).

[69] نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (2/529) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص131) والذهبي في العلو (ص279).

[70] شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه "الرسالة" (ص319-320).

[71] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (5/251) وفي بيان تأسيس الجهمية (2/38) وفي نقض التأسيس (ص115) وفي مجموع الفتاوى (5/519)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (4/1284)، والذهبي في العلو (ص246).

[72] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص152-153).

[73] المرجع السابق (ص121).

[74] المرجع السابق (ص175).

[75] عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص39-40).

[76] المرجع السابق (ص60-63).

[77] الاعتقاد (ص16).

[78] إبطال التأويلات لأخبار الصفات (1/74).

[79] المرجع السابق (1/261).

[80] المرجع السابق (2/230).

[81] التمهيد (7/131).

[82] المرجع السابق (7/145).

[83] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس (ص105)، والذهبي في العلو (ص261)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص190).

[84] شرح الفقه الأكبر ملا علي القاري (ص93)، ونقله محمد الخميس في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة (ص291).

[85] شرح الفقه الأكبر لملا علي لقاري (ص93).

[86] الإيضاح في أصول الدين (ص283).

[87] المرجع السابق (ص284-285) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/39-40).

[88] المرجع السابق (ص287).

[89] نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (19/606).

[90] أورده الذهبي في العلو (ص263).

[91] الحجة في بيان المحجة (1/170).

[92] المرجع السابق (1/446).

[93] المرجع السابق (2/257-262).

[94] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/86) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص276) وابن الألوسي في جلاء العينين (ص458-461).

[95] نقله ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص276-277).

[96] عقائد أئمة السلف (ص80).

[97] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/140).

[98] رحلة الإمام ابن شيخ الحزّاميين (ص45).

[99] العلو (ص214).

[100] المرجع السابق (ص239).

[101] المرجع السابق (ص250).

[102] الذيل على طبقات الحنابلة (2/24).

[103] مخطوط (ق 4/2) نقلاً من كتاب "علاقة الإثبات والتفويض" لرضا بن نعسان بن معطي (ص82).

[104] فضل علم السلف على الخلف (ص48).

[105] الذيل على طبقات الحنابلة (2/23).

[106] شرح الفقه الأكبر (ص96).

[107] رسالة إلى أهل الثغر (ص216).

[108] الإبانة للأشعري (ص112).

[109] مقالات الإسلاميين (2/186).

[110] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/250) وفي بيان تلبيس الجهمية (2/38) وفي مجموع الفتاوى (3/222)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (4/1284)، وأورده الذهبي في العلو (ص235).

[111] شرح أصول السنة (ص75).

[112] العلو (ص235).

[113] المرجع السابق (ص239).

[114] الإبانة للأشعري (ص79-103).

[115] الإيضاح في أصول الدين (ص286-287) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/42).

[116] سير أعلام النبلاء (13/299-300).

[117] غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).

[118] الرد على المريسي (2/773).

يوسف التازي
15-01-15, 04:18 PM
فرع : في تقرير هذا الأصل (في إثبات أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز ) من كلام أبي الحسن الأشعري
قال في رسالته إلى أهل الثغر: (الإجماع الخامس: وأجمعوا على أن صفاته عز وجل لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له عز و جل هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة، من قِبَل أن من ليس له حياة لا يكون حياً، ومن لم يكن له علم لا يكون عالماً في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل لم يكن فاعلاً في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسناً، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلماً في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريداً، وأن من وُصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقاً لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازاً أو كذباً، ..... إلى أن قال: وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك تلقيباً أو كذباً، فإذا كان الله عز و جل موصوفاً بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة وإلا كان وصفه بذلك مجازا)[1] اهـ.

وقال في "الإبانة": (مسألة : فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: {مما عملت أيدينا} يس71، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، على المجاز؟

قيل له : حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة، ... كذلك قوله تعالى : {لما خلقت بيدي} ص75، على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يُعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة، ... بل واجب أن يكون قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين)[2] اهـ.

وقال في "مقالات الإسلاميين" في إثبات حقيقة اليدين لله تعالى، وبيان انحراف معتقد المعتزلة: (وكان – أي عباد بن سليمان المعتزلي - يُنكر قول من قال أن لله عز وجل وجهاً، وينكر القول: وجه الله، ونفس الله، وينكر القول: ذات الله، وينكر أن يكون الله ذا عين، وأن يكون له يدان هما يداه.)[3] اهـ.

فرع في تقرير هذا الأصل ( أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية ) من كلام أبي الحسن الأشعري
قال: (مسألة : ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعاً أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.

وإن قالوا : قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم : ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا، مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء 82،ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه لأنه بلسانهم نزل وليس في لسانهم ما ادعوه)[4] اهـ.

وقال: (مسألة : قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟
قيل : نقول ذلك بلا كيف وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف ..) إلى قوله : (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا)[5] اهـ.

وقال: (الإجماع العاشر: وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم)[6] اهـ.

فرع: في تقرير كون صفات الله على ظاهرها من كلام أبي الحسن الأشعري
قال: (مسألة :
فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: {مما عملت أيدينا} يس71؟
قيل لهم : قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك وجب أن يكون الله تعالى ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحاً وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين لأن القرآن على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة) ... إلى قوله : (حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة )[7] اهـ.

فرع: في موافقة إبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه واليدين والعينين وإبطال تأويلها
لم يختلف قول أبي الحسن الأشعري في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن، وقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه:

فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.

وأنه نور كما قال تعالى: {الله نور السموات والأرض} النور35.
وأن له وجهاً كما قال الله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27.
وأن له يدين كما قال: {خلقت بيدي} ص75.
وأن له عينين كما قال: {تجري بأعيننا} القمر14.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)[8] اهـ.

وقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: (وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله عز وجل، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف)[9] اهـ.

وقال أيضاً : (هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون من ذلك شيئاً .... – إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} طه5.
وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} ص75، وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.
وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تجري بأعيننا} القمر14.
وأن له وجهاً كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27)[10] اهـ.

وقال في "الإبانة" : (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون .
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم .

وجملة قولنا: ...) ثم ذكر أموراً إلى أن قال: (وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.
وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: {خلقت بيدي} ص75، وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64
وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14)[11] اهـ.

وقال أيضاً : (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله تبارك وتعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88،، وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك .
وقال تعالى: {تجرى بأعيننا} القمر14، وقال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} هود37، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد .
وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور48، وقال تعالى: {ولتصنع على عيني} طه39، وقال تعالى: {وكان الله سميعا بصيرا} النساء85،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: {إنني معكما أسمع وأرى} طه46. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته... )
إلى أن قال: (مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟
قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.

مسألة:
قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، ، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف)[12] اهـ.

وقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: (وإذا كنا متى أثبتناه غضباناً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حياً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر)[13] اهـ.

كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال :

فقال في "مقالات الإسلاميين": (باب قول المعتزلة في "وجه الله": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو... والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه)[14] اهـ.

وقال في موضع آخر: (قولهم في العين واليد : وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم، وتأول قول الله عز وجل: {ولتصنع على عيني} طه39، أي بعلمي.)[15] اهـ.

وقال: (الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا في العين واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.

وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف....

وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله: {تجري بأعيننا} القمر14، أي بعلمنا)[16] اهـ.
وقال في سياق أقوال المعتزلة : (وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله عز وجل: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45، أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.)[17] اهـ.

وقال في "الإبانة" : ( الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة ..) ثم ساق كثيراً من أقوالهم إلى أن قال: (ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: {لما خلقت بيدي} ص75،، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14، وقوله: {ولتصنع على عيني} طه39)[18] اهـ.

وقال في موضع آخر: (ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين)[19] اهـ.
وليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إلى الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، إذاً لكفروا إجماعاً، وإنما ينفون أن يكون وجهاً حقيقة، وإلا لم يكن خلاف بين أهل الحديث والمعتزلة إذا كان الجميع يثبتون وجهاً مضافاً إلى الله، وليس وجهاً حقيقة، بل مجاز!!!

وكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.
وهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن تكون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة، إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه الأشعريان.

وقال الأشعري أيضاً في رد تأويل الصفات: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟
قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10،، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75،.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف .
وجاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، أي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة 64، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلتا يديه يمين) . وقال تعالى: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45.

وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا .

مسألة:
ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.

وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4،، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103،، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3،، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء82، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه.)[20] اهـ.

وقال الذهبي في السير: (قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول)[21] اهـ.

فرع: في تقرير ذلك ( في بيان اطراد قاعدة السلف في الصفات في وجوب إمرار الجميع على الظاهر بلا تأويل، لا يفرقون بين صفة وأخرى ) من كلام أبي الحسن الأشعري
قد سبق نقل كثير من كلام أبي الحسن الأشعري في الصفات، وأنه كان يثبتها لله تعالى على ظاهرها، من غير تأويل، ولا تفريق بين صفة وأخرى. وأنا أذكر بعضها:

فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.

وأنه نور كما قال تعالى: {الله نور السموات والأرض} النور35.
وأن له وجهاً كما قال الله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27.
وأن له يدين كما قال: {خلقت بيدي} ص75.
وأن له عينين كما قال: {تجري بأعيينا} القمر14.
وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)[22] اهـ.

وقال في "الإبانة" : (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:
قال الله تبارك وتعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك .
وقال تعالى: {تجرى بأعيننا} الطور48، وقال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} هود37، فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد .
وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور48، وقال تعالى: {ولتصنع على عيني} طه39، وقال تعالى: {وكان الله سميعا بصيرا} النساء85،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام : { إنني معكما أسمع وأرى} طه39. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته...)[23] اهـ.

فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام إبي الحسن الأشعري وكبار أصحابه في أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق
قال: (ولا يجب إذا أثبتنا هذه الصفات له عز و جل على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، .. فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا)[24] اهـ.

وقال: (مسألة: ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: {بيدي} ص75، يدين ليستا نعمتين؟
فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة .
قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حياً من الخلق إلا جسماً لحماً ودماً، فاقضوا بذلك على الله – تعالى عن ذلك – وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين.
وإن أثبتم حياً لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي؟

وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبراً حكيماً إلا إنساناً، ثم أثبتم أن للدنيا مدبراً حكيماً ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد)[25] اهـ.

~ القاضى ابو بكر محمد بن الطيب الباقلانى (403 هـ)
قال في كتابه "الإبانة": (فان قال قائل فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، وقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.

فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إن كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟.
قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضى نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم أن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً واعتلوا بالوجود)[26] اهـ.

يوسف التازي
15-01-15, 04:24 PM
إثبات صفة النزول الحقيقي لله من كلام أبي الحسن الأشعري
قال في سياق معتقده الموافق لأهل الحديث: (ونصدق جميع الروايات التي التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل)[37] اهـ.
ومعلوم أن أهل الزيغ في هذه الصفة هم من يتأولون النزول ولا يجعلون الله متصفاً به على الحقيقة، ولذلك أكد اتصاف الله به بكونه سبحانه هو الذي ينزل فينادي عباده، لا ملك ولا غيره فقال "وأن الرب عز وجل يقول".

ثم قال رحمه الله مستدلاً بنزوله تعالى على إثبات علوه: (ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..) ثم ذكر أحاديث النزول[38].

وقال في سياق معتقد أهل الحديث: (وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: "وجاء ربك والملك صفاً صفاً" وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث

يوسف التازي
15-01-15, 07:33 PM
إنكار صفة من صفات الله ما حكم من ينكر صفة من صفات الله جهلًا وظنًا أن ما ذهب إليه هو الصحيح؟

العلماء يفرقون بين من أنكر جهلًا أو تأويلًا، فإذا كان جاهلا حقيقة، لا يعلم فهو معذور في ذلك، لكن يُعلَّم ويبين له، فإذا أنكر بعد التعليم كفر، أما إذا كان متأولًا والشبهة باقية، فلا يكفر مثل الذين تأولوا الصفات، قالوا: استوى: استولى.

يقولون: ما ننكر نثبت أن الله استوى لكن معنى استوى: استولى. نقول: من أنكر الاستواء وقال: إن الله لم يستو على العرش كفر؛ لأنه كذب القرآن، لكن هؤلاء يقولون: ما ننكر نثبت أن الله استوى، لكن معنى استوى استولى. هؤلاء متأولون فكذلك الذي أنكر على جهل، وهو لا يعلم ومثله يخفى عليه معذور في هذه الحالة حتى يعلم.

يوسف التازي
15-01-15, 07:34 PM
النوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحداً أنكر اسماً من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين، لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة.

النوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها وهذا نوعان:

الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر.
الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيباً، مثل أن يقول: ليس لله يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر، لأنه نفاها نفياً مطلقاً فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان}: المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب.

لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندك من يد
تحدث أن المانوية تكذب
* من يد أي: من نعمة، لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تحدث الخير وإنما تحدث الشر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الأول - باب الأسماء والصفات.
التصنيف: العقيدة الإسلامية

يوسف التازي
16-01-15, 05:58 PM
السؤال
هل يعذر من ينكر صفة من صفات الله كاليد مثلا في وقتنا هذا؟ أم أنه أصبح من المعلوم من الدين بالضرورة؟ وما حكم من يقول إن من ينكر عمل الجوارح ـ أي لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ـ لا يكفر؟ وهل يعذر بالجهل؟ لأن هناك الكثير من الأشاعرة والماتريدية خاصة في الأزهر، فهل لهم أعذار معينة؟.
الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فبادئ ذي بدء نكرر لك النصيحة، ونجدد لك التذكير فنقول: هون على نفسك، ودع عنك الاشتغال بما لا نفع فيه، ولا طائل من ورائه، وإياك إياك أن توقعك هذه الوساوس في ضرر أعظم في الدين أو الدنيا، ثم إن منكر الصفة جهلاً أو تأولاً معذور لا يحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة بالأدلة الشرعية، ويزال ما عنده من شبهة، أو تأويل باطل، وقد سبق أن بسطنا هذا المعنى في فتاوى كثيرة راجع منها الفتوى رقم: 184489.

وراجع الفتوى رقم: 53784، فقد بسطت القول فيما يتعلق بجهل الصفات وإنكارها.

أما الشق الثاني من السؤال: فنقول في جوابه: لا يكفر المسلم ولا يحكم بردته لأجل أنه لم يكفر تارك الصيام أو مانع الزكاة من غير جحود، كما لا يجوز الحكم عليه بأنه من المرجئة لأجل ذلك، وقد تكلمنا في هذا المعنى وفصلناه في الفتوى رقم: 183001، فراجعها.
والله أعلم.

يوسف التازي
16-01-15, 05:59 PM
السؤال:
أريد أن أسأل عن من ينكر صفات الله ، هل هو مسلم أم لا ؟ مثل من يقول أن المقصود بـ "يد الله" أي قوة الله ، ويؤولون صفات الله ، هل هؤلاء الذين ينكرون صفات ليسوا من أهل السنة ، أم إنهم خارجون من ملة الإسلام كلها ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات : أنهم يؤمنون بما جاء في كتاب الله عز وجل ، وبما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من غير تأويل ولا تمثيل ، ومن غير تحريف ولا تعطيل ، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى :
" أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة محصورة ، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة " انتهى ، من "التمهيد" (7/145) .

ثانيا :
من أنكر أسماء الله أو صفاته بالكلية ونفاها عن الله تعالى ، كما هو حال الباطنية ، وغلاة الجهمية ، فهو كافر خارج عن الملة مكذب للقرآن والسنة خارق لإجماع الأمة .

وكذا من جحد اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته مما ثبت لله تعالى في كتابه فهو كافر ؛ لأن مقتضى جحده أنه مكذب بالقرآن .

وأما من تأول شيئا من صفات الله ، وحرفها عن معناها ، كمن يؤول صفة اليد على أنها القدرة ، ويقول استوى يعني استولى ، ونحو ذلك ، فهو مخطئ فيما تأوله على غير ظاهره ، مبتدع بقدر ما عنده من المخالفة للسنة ، والخروج عن طريق أهل السنة والجماعة ؛ وفيه من البدعة بقدر ما فيه من المخالفة ، ولكنه ليس بكافر لمجرد هذا التأويل ، وقد يكون معذورا باجتهاده وتأويله ، بحسب حاله من العلم والإيمان ، وإنما المدار في ذلك على طلب ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، والحرص على متابعته .
قال ابن باز رحمه الله :
" لا يجوز تأويل الصفات , ولا صرفها عن ظاهرها اللائق بالله , ولا تفويضها , بل هذا كله من اعتقاد أهل البدع , أما أهل السنة والجماعة فلا يؤولون آيات الصفات وأحاديثها ولا يصرفونها عن ظاهرها ولا يفوضونها , بل يعتقدون أن جميع ما دلت عليه من المعنى كله حق ثابت لله لائق به سبحانه لا يشابه فيه خلقه " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (2 /106-107) .
وسئل رحمه الله :
هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة أم لا ؟ وهل نحكم عليهم من المذهب أم كفار ؟
فأجاب : " الأشاعرة من أهل السنة في غالب الأمور ، ولكنهم ليسوا منهم في تأويل الصفات ، وليسوا بكفار ، بل فيهم الأئمة والعلماء والأخيار ، ولكنهم غلطوا في تأويل بعض الصفات ، فهم خالفوا أهل السنة في مسائل ؛ منها تأويل غالب الصفات ، وقد أخطأوا في تأويلها ، والذي عليه أهل السنة والجماعة إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تشبيه " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز "(28 /256) .
وسئل الشيخ عبد العزيز الراجحي :
هل إذا ثبت على الأشاعرة صفة تأولوها هل يكفرون ؟
فأجاب : " لا ، المتأول لا يكفر ، الجاحد من جحد اسماً من أسماء الله كفر ، قال الله تعالى: ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) إذا جحد اسماً من الأسماء أو صفة من الصفات بدون تأويل كفر ، قال الله تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) لو أنكر الآية كفر ، لكن إذا أوَّلها بالاستيلاء يكون له شبهة ، يدرأ بها عنه التكفير " انتهى .
ar.islamway.net
وينظر شروط تكفير المعين في جواب السؤال رقم : (107105) .

ثالثا :
الخوارج إحدى الفرق الضالة المارقة وقد سبق الكلام عنها مفصلاً في جواب السؤال رقم (182237) .
وراجع للفائدة جواب السؤال رقم : (145804) ، (151794) .
والله تعالى أعلم .

يوسف التازي
16-01-15, 05:59 PM
إثبات صفات الله على الحقيقة ، لا على المجاز

--------------------------------------------------------------------------------
السؤال: أنا مدرس للغة العربية ، فمن خلال ذائقتي الأدبية ودراستي للمجاز والكناية فإني أرى أن بعض آيات الصفات هي أقرب للتأويل من الإثبات . فمن ذلك قوله تعالى : ( يد الله فوق أيديهم ) فهي تعني القهر والغلبة ، ولا أرى أنها اليد الحقيقة . وكذلك قوله تعالى : ( فإنك بأعيننا ) أي : بحفظنا ورعايتنا ، وتأبى ذائقتي اللغوية أن يكون معناها العين الحقيقية ، فممكن توضح لي وتفيدني ؟!

الجواب :
الحمد لله
الاعتقاد الصحيح يبنى على ما ثبت في الكتاب والسنة ، بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة ، وقد أجمعوا على إثبات الصفات الواردة لله تعالى في الكتاب والسنة ، دون تكييف أو تمثيل ، ودون تعطيل أو تأويل ، لا فرق في ذلك بين صفات الذات أو صفات المعاني ، أو الصفات الخبرية ، أو العقلية ، فكل ما صح به الخبر وجب إثباته لله تعالى .
والقرآن والسنة جاءا لتعريف العباد ما لمعبودهم من الصفات ، وهذا لا يتم إلا بحمل الكلام على حقيقته ، كما هو الأصل في الكلام ، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم ، بلّغهُ بلفظه ومعناه ، ولم ينقل عنه حرف واحد في أن صفة من الصفات ينبغي أو يلزم تأويلها ، أو أن ظاهرها غير مراد ، أو أنها تفيد التشبيه ، أو نحو ذلك من الألفاظ التي يطلقها أهل التعطيل والتأويل ، وهي قدح في القرآن ، وقدح في الرسول المأمور بالبلاغ والبيان ، إذ لو كان شيء مما ذكروه موجودا للزمه أن يبينه ، ولا يكتمه . فكيف وقد ثبت في جملة من الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها إثبات هذه الصفات ، وزيادة غيرها عليها كالنزول والقدم والضحك والفرح ، دون أن يصحبها كلمة واحدة في صرفها عن ظاهرها ، ودون استشكال من صحابي واحد عن ظاهرها ومعناها المعقول منها ، فلو كان فيها ما ظاهره نقص أو تشبيه - وحاشا الكتاب والسنة أن يكون فيهما ذلك - لبينه المعصوم ، ولنبه عليه ، ولاستشكله أهل الحجى ، ولهُم كانوا على الخير أقوى ، وأحرص ، وألزم .
ولما ظهرت البدع ، ووجد من يقول : إن هذه الصفات ليست على الحقيقة ، بل على المجاز ، كما هو قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تكلم السلف والأئمة بما يبين أنها على الحقيقة لا على المجاز ، وكلامهم في ذلك مستفيض مشهور ، ونحن ننقل جملة من كلامهم ، فمن ذلك :
1- قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله (280 هـ): " ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دُلسة وأُغلوطة على الجهال ، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات ، غير أنا نقول : لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب ، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب ، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب ، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فنصرف معانيها بعلة المجازات " انتهى من "نقض الرادرمي على بشر المريسي" (2/755).
2- وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله (310 هـ) : " فإن قال لنا قائل : فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت ، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه ، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) إلى أن قال : " فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات ، وننفي عنه التشبيه فنقول : يسمع جل ثناؤه الأصوات ، لا بخرق في أذن ، ولا جارحة كجوارح بني آدم . وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم. وله يدان ويمين وأصابع ، وليست جارحة ، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق ، لا مقبوضتان عن الخير ، ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم. ونقول : يضحك إلى من شاء من خلقه ، لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب ، ويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا " انتهى من "التبصير في معالم الدين" ص (141-145) .
3- وقال الإمام أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب رحمه الله (360هـ) في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة 433 هـ ووقَّع على التصديق على ما فيه علماء ذلك الوقت ، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان. قال: " لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز ، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها ، ولقيل : معنى البصر كذا ، ومعنى السمع كذا ، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام ، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل ، علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن " انتهى نقلا عن " المنتظم" لابن الجوزي في المنتظم في حوادث سنة 433هـ ، "سير أعلام النبلاء" (16/213).

4- وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ) في إثبات صفة اليدين لله تعالى: " باب ذكر قول الله عز وجل : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) و ذكر ما يُستدل به من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أن الله جل وعز خلق آدم عليه السلام بيدين حقيقة ".
وقال في إثبات الوجه لله تعالى: " باب قول الله جل وعز : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) ، وقال الله عز وجل : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال ) ، وذكر ما ثبت عن النبي مما يدل على حقيقة ذلك " انتهى من "الرد على الجهمية" ص 68، 94

5- وقال الإمام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ) : " ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته ، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك ، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم . ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات ، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين ، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم ، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه ".
وقال ناقلاً إجماع أهل السنة على ذلك : " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة محصورة ، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه ، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود . والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله " انتهى من "التمهيد" (7/ 131، 145).

6- وقال الإمام الحافظ الذهبي ، بعد نقل كلام القصاب السابق : " ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز ، لبطل أن تكون صفات لله ، وإنما الصفة تابعة للموصوف ، فهو موجود حقيقة لا مجازاً ، وصفاته ليست مجازاً ، فإذا كان لا مثل له ولا نظير : لزم أن تكون لا مثل لها ".

وقال في تعليقه على كلام ابن عبد البر السابق : " صدق والله ، فإن من تأول سائر الصفات ، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام ، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب ، وأن يشابه المعدوم ، كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال : مثل الجهمية كقوم قالوا : في دارنا نخلة . قيل: لها سعف؟ قالوا : لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا : لا. قيل : لها رطب وقنو؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة " انتهى من "العلو" ص 239، 250.
والنقول في ذلك كثيرة ، وينظر : الأشاعرة في ميزان أهل السنة ، للشيخ فيصل بن قزاز الجاسم ، ففيه أضعاف هذه النقول عن السلف والأئمة .

هذا هو الأصل العام في نصوص الصفات ، ومنها الآيتان المذكورتان ، وقد استدل بهما أئمة السلف والخلف على إثبات صفة اليد والعين في جملة الأدلة المثبة لذلك ، وإن كانوا قد يفسرون الآيتين بلازمهما أو مضمونهما ، كما سيأتي .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله موضحا هذا المعنى : " قوله تعالى : ( يد الله فوق أيديهم ) [ الفتح : 10] وهذه أيضاً على ظاهرها وحقيقتها ؛ فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين ؛ لأن يده من صفاته ، وهو سبحانه فوقهم على عرشه ؛ فكانت يده فوق أيديهم ، وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته ، وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه سلم مبايعة لله عز وجل ، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم ، ألا ترى أنه يقال : السماء فوقنا مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا ، فيد الله عز وجل فوق أيدي المبايعين لرسوله صلى الله عليه وسلم مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم " انتهى من "القواعد المثلى" ضمن مجموع فتاوى الشيخ (3/ 331).
وقوله تعالى : ( فإنك بأعيينا) : فسره بعض السلف بمرأى منا ، وهو تفسير باللازم ، فتكون الآية مثبة للرؤية وللعين .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "شرح الواسطية" : " فإن قيل : بماذا تفسرون الباء في قوله: ( بِأَعْيُنِنَا ) ؟
قلنا : نفسرها بالمصاحبة ، إذا قلت: أنت بعيني، يعني: أن عيني تصحبك وتنظر إليك ، لا تنفك عنك ، فالمعنى : أن الله عز وجل بقول لنبيه : أصبر لحكم الله، فإنك محوط بعنايتنا وبرؤيتنا لك بالعين حتى لا ينالك أحد بسوء.
ولا يمكن أن تكون الباء هنا للظرفية ؛ لأنه يقتضي أن يكون رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في عين الله، وهذا محال.
وأيضًا فإن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -خوطب بذلك وهو في الأرض، فإذا قلتم: إنه كان في عين الله كانت دلالة القرآن كذبًا .
وقال قبل ذلك : " فإن قيل : إن من السلف من فسر قوله تعالى: ( بِأَعْيُنِنَا ) ، بقوله : بمرأى منا. فسره بذلك أئمة سلفيون معروفون، وأنتم تقولون: إن التحريف محرم وممتنع، فما الجواب؟
فالجواب : أنهم فسروها باللازم، مع إثبات الأصل، وهي العين، وأهل التحريف يقولون : بمرأى منا، بدون إثبات العين، وأهل السنة والجماعة يقولون: ( بِأَعْيُنِنَا ) : بمرأى منا، ومع إثبات العين " انتهى . ضمن مجموع فتاوى الشيخ (8/ 264).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله : " ( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) يعني فإنك بمرأى منا وبصر ، وعناية ورعاية ، وكلاءة وحفظ .
وهذا التفسير هو تفسير السلف لذلك ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بعين الله التي هي صفته ، وإنما هو عليه الصلاة والسلام بأعين الله ، الذي هو أثر اتصافه بـ (العينين) .
ولهذا أهل السنة حين يفسرون بهذا يعدون هذا من باب (التضمن) ، والتضمن أحد دلالات اللفظ ، لأن اللفظ : له دلالة بالمطابقة ، وله دلالة بالتضمن ، وله دلالة باللزوم .
فقالوا : معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم بمرأى وبصر ، وكلاءة ورعاية وحفظ من الله جل وعلا . وذلك لأنه مضمون قوله ( بِأَعْيُنِنَا ) .
فإذن ليس هذا من باب التأويل كما زعمه من لم يفقه ، بل هذا من باب التضمن . والتضمن دلالة عربية واضحة من اللفظ .
قال السلف هذا مع إثبات صفة العينين ، فإن السلف قد يفسرون بالتضمن ، وقد يفسرون باللازم ، ويظن الظان أن هذا من التأويل وهذا غلط .
فإن التضمن شيء ، واللزوم شيء ، هذا من دلالة اللفظ .
وأما التأويل فهو محوٌ لدلالة اللفظ .
" انتهى باختصار من "شرح الواسطية".


فتبين مما سبق أن هاتين الآيتين على حقيقتهما ، وفيهما إثبات صفة اليد ، والعين ، وأنه لا حرج في تفسير الآية بلازمها أو ما تتضمنه ، دون نفي للصفة الواردة فيها ، ولعل هذا هو ما استشعرته بذائقتك اللغوية ، أي المعنى العام الذي هو متضمَّن أو لازم من اللفظ ، لكن من الخطأ أن يظن أن هذا من باب المجاز الذي مؤداه نفي الصفة عن الله ، أو نفي دلالة النص عليها .
والله أعلم .

يوسف التازي
17-01-15, 08:14 PM
عقيدة الرسول والصحابة والأئمة والعامة والأطفال والعجائز



كتبه: أبوالقاسم المقدسي



من أخص خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة أنها –كالقرآن- ميسرة للفهم سلسة للذكر؛ لا تكلفَ فيها ولا إغماض، مسلّمةٌ من التناقض، لا شوبَ فيها يعكر على صفاء رونقها، ولا شيةَ تعتريها تكدر على نقاء مشربها..وها هنا عرض مقتضب في بيان ذلك:

1- هي باختصار مستفادة من نصوص القرآن والسنة وظواهرهما رأساً، وملخص هذه العقيدة في قاعدة عريضة:
تصديق ما أخبر به الله ورسله، وتطبيق ما أمروا به {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام : 115]، وإذن أخبار الله كلها صدق وأحكامه كلها عدل، فيستوي ما ينسبه الله تعالى لنفسه من العلم والقدرة ونحوهما، مع ما ينسبه لنفسه من العين واليد ونحوهما من جهة وجوب الإيمان بأن هذه صفات، وصف الله بها نفسه بنفسه أو عن طريق رسوله، وهي ذات معان وكيفيات؛ بمثل ما يستوي أمر الله إيانا بالصلاة مع أمره بالزكاة من حيث إن العمل بالجميع واجب {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة : 85]

2- ومن طريقة الله تعالى في التعريف بنفسه المقدسة: التفصيل في مقام الإثبات والإجمال في مقام النفي، ومهما قلبت في صفحات الكتاب العزيز فلن تخلو من ذكر صفةٍ لله إما بكونها متضمَّنة في اسم له -تقدس وتبارك-، وإما بورودها صفة مجردة على هيئة المصدر، أو في فعل من أفعاله. بخلاف معرض النفي فقد جاء مجملاً كما في قوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص : 4]، وقوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وهذه هي الطريقة المتناسبة عقلاً وفطرةً وعُرفاً عند الناس كافة، فإنك لو قصدت إلى معظّم في قومه وأردت مدحه فقلت: "لست بحقير ولا شرير ولا أبله ولا معتوه ولا فاسق ولا فاجر ..." إلخ.. فلا ترتقب أن يشكرك على ثنائك، بل تربص داهية تحل بك. وهذا النفي المفصل المذموم هو من قبيل ما يصنعه المتكلمون مع ملك الملوك سبحانه وتعالى! والله المستعان. ولهذا حين أراد الحافظ الذهبي وغيره مدح الإمام ابن تيمية بكلمة موجزة بأسلوب النفي، عمد إلى الإجمال فقال: "ما رأت عيناي مثله".

3- وليس للعقل في استمداد المعارف الشرعية من سلطانٌ على النقل، لاسيما في باب الغيبيات، وأخصّها ما كان متعلقا بالرب العظيم سبحانه وتعالى {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}؟ [البقرة : 80] .. لا لأن العقول تتفاوت في مدركاتها وتقديراتها فحسب؛ بل لأن وظيفة العقل التي أرادها الله منه كونه أداة ًللفهم، ووسيلةً للتدبر؛ ولأن العقل يمتنع أن يكون قاضياً على ما غُيّب عنه تغييبا خرج به عن دائرة فلكه، بحيث لم يكن للبحث التجريبي فيه مدخل {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36] .. كما العين سواء بسواء لا ترى ما دق، ولا ما بعد، فضلاً عما توارى بالحجاب، فإن أبت: عمِيت.

4- وإنما ادعينا أنها عقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله اختاره جامعاً بين أوصاف الأمانة، والصدق، والفصاحة، والبيان، والحرص على هداية الناس، والرأفة بالمؤمنين، وغير ذلك مما يمتنع معه أن يستعمل عبارات موهمة غير مرادة الظاهر على ما يزعمه المتكلمون من أشعرية وغيرهم. (ما تركت من خير يقربكم من الله ويباعدكم عن النار إلا دللتكم عليه) أخرجه الشافعي وعبد الرزاق والطبراني وغيرهم بألفاظ متقاربة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأصح منه ما أخرجه الإمام مسلم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم...“ الحديث.
ثم مع تقرير هذا الأصل العظيم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرر عامة ما نسميه: اعتقاد السلف، من ذلك مثلا: إقراره الجارية على إشارتها للرب العلي سبحانه، وأنه في السماء حين سألها "أين الله؟"، كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي أخرجه الإمام مسلم. وهو ما يستقبحه المتكلمون جداً لحد الحكم بتكفير هذا القول ..!!

5- وأما كونها عقيدة الصحابة فلِما استفاض عنهم من سؤالهم الرسول عما أشكل عليهم؛ من ذلك مثلا: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام : 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: "أينا لا يظلم نفسه؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان : 13]“. ولو كانت هذه الألفاظ توهم التشبيه لألفيت البِدار منهم لسؤال نبيهم كما هو ديدنهم في كل شؤون دينهم، بل لكانت هذه فرصة ثمينة للمشركين للتشكيك في رسالة محمد –صلى الله عليه وسلم-كما هي عادتهم. فلما لم يستشكل أحد ورود هذه الصفات في حق الله جل ثناؤه، علمنا أن ما ننسبه لهم من عقيدة السلف صحيح بلا إشكال. فإن قيل: "إنما لم يستشكلوه لعلمهم أن اليد تعني القدرة وأن الحب يعني إرادة الثواب... إلخ على ما يقتضيه اللسان العربي..؟

فالجواب من وجوه :
أ- منها أنه تقرر في العربية أن اليد ليست هي القدرة، وهذا من الوضوح بمكان عتيد بحيث لا يتطلب فيه نقل إجماع.
ب- فإذا استعملت اليد في سياق الدلالة على النعمة أو القدرة، فهذا الذي فهم من السياق الدلالي لا يعود بالنقض على صحة إثبات اليد ونحوها، وإنما عبرت عنها العرب في هذه الدلالات؛ لأن اليد بها تؤدى النعمة، وبها يبطش ويقتَدر، فهو من باب التعبير عن المسبب بالسبب، كتسميتهم المطر: سماء، ومنه قول الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قوم*** رعيناه وإن كانوا غضابا

جـ- ثم في نفي حقيقة اليد جراءة على الله تعالى شنيعة بغير مسوغ سوى التحكم العقلي المبني على الذائقة الخاصة بمن نفاها، وليعتبر الأشعرية الموقف بين يدي الله تعالى، فإنه سبحانه إذا سأل السلفي: لم نسبت اليد إلي؟ فجوابه حاضر: وجدت ذلك في كتابك يارب فأثبتها..فإن سئل الأشعري: لماذا نفيت عني اليد؟ فما عساه أن يقول؟! أنزهك يارب؟ أم عقلي قضى به؟ إن قال شيئا من ذلك فقد اعتذر بما هو أقبح من الذنب؛ لأن مقتضاه أنه أَغْيَر على الله -تبارك اسمه- من الله نفسه صاحب الشأن.
على أن هذا قول يناقض ما قعدوه في مسألة التحسين والتقبيح.
د- فإن سلمنا تنزلاً بصحة ما ادعاه المتكلمون في بعض المواضع، فما هم قائلون في مثل قول الله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص : 75]؟ حيث قطعت تثنية اليد ها هنا مضافةً للرب -سبحانه- الطريق عليهم؛ لأنه على تحريفهم يكون لله قدرتان أو قوتان! ولا يقول به عاقل.

ووجه آخر لدعوانا نسبة ذلك للصحابة أنه إجماع منقول عن القرون الفاضلة الممدوحة، وهم حدثاء عهد بالرعيل الأول، نقله غير واحد كالإمام الترمذي، والحافظ ابن عبد البر، و ابن خزيمة وغيرهم .. قال الإمام الحافظ الترمذي في جامعه: «وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده. وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة.» فتأمل كيف مايز بين أهل العلم والجهمية، وقابلوا بينهما مقابلة الحق للباطل. ولم ينقل عن كبار مفسري الصحابة كابن عباس وابن مسعود وغيرهما حرفٌ واحد في تحريف صفة من صفات الله تعالى.

6- على أن فريقا من المتكلمين يتكايس فيقول: "قد فهمنا أن الاستواء على العرش معناه العلو والارتفاع، وأن الكلام بصوت وحرف، فما المعنى المفهوم من اليد لله عز وجل وأمثالها؟
وبعض إخواننا من أهل السنة ممن لم يحقق المسألة جيداً قد يضطرب عند هذه الشبهة والجواب عنها ميسور ولله الحمد فلو قيل للسائل : صف لنا زيداً من الناس (وهو لم يره قط) فما الجواب؟
سيقول لا أعلم صفته؛ فهذا لا يعني إنكار وجوده ..هذا حال المخلوق القابل أن يُقاس عليه بأن يُقال: "فلان يشبه فلاناً"، فما ظنك بخالق السماوات والأرض الغائب عن أعيننا، الممتنع أن يقاس عليه؟! فالمعنى المفهوم من صفة اليد: أنها صفة ذات تليق بكمال الله -جل ثناؤه-، يخلق بها، ويكتب، ويبسط، ويقبض. وقد جهلنا صفتها لأننا لم نرها ولم نر ما يصح أن تقاس عليه فنشبهها به {ليس كمثله شيء}..هكذا.. وبهذا اليسر!

7- وأما نسبة الاعتقاد السني للأطفال والعجائز، فلأنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو مشهور مشاهد كما في الداعي الفطري للتوجه نحو العلو حال الدعاء، وأقر به بعض كبار المتكلمين لدى أوبته لعقيدة السلف كقول أبي المعالي الجويني: "وإنى أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور"، وليس معنى هذا التسوية بين إيمان الأئمة وإيمان العجائز والسذج، فقد جمع العلماء إلى نور الفطرة نور العلم {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور : 35].

يوسف التازي
17-01-15, 08:15 PM
هل إثبات الصفات على الحقيقة تشبيه ؟




إعداد: أم عبد الله الميساوي
لـ« موقع عقيدة السلف الصالح »




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد

سيكون جواب هذا السؤال في عدة نقاط:


1. إثبات الصفات على الحقيقة – لا المجاز – لا يلزم منه التشبيه، فكما لم يلزم من إثبات ذاتٍ حقيقية، وحياة حقيقية، وعلم حقيقي، تشبيه؛ فإنه لا يلزم التشبيه من إثبات باقي الصفات الثابتة في القرآن والسنة على الحقيقة؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحذو حذوه.

قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ) :
«قال أهل السنة: نَصِف الله بما وَصَف به نفسه، ونؤمن بذلك إذ كان طريق الشرع الاتباع لا الابتداع، مع تحقيقنا أن صفاته لا يشبهها صفات، وذاته لا يشبهها ذات، وقد نفى الله تعالى عن نفسه التشبيه بقوله : {ليس كمثله شيء} فمن شبه الله بخلقه فقد كفر؛ وأثبت لنفسه صفات فقال {وهو السميع البصير}. وليس في إثبات الصفات ما يُفضي إلى التشبيه، كما أنه ليس في إثبات الذات ما يفضي إلى التشبيه، وفي قوله : {ليس كمثله شيْءٌ} دليل على أنه ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات.) (1)



2. لو كان إثباتها حقيقةً تشبيهًا، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أول المشبّهين بفعله، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكْبُو مرة، وتسفَعُه النار مرة» إلى أن قال -صلى الله عليه وسلم-: ”ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأُوليَيْن، فيقول: أي رب، أدنِني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمِع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم، ما يَصْريني منك؟ أيُرضيك أن أعطيك الدنيا، ومثلها معها؟ قال: "يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟" “ فضحك ابن مسعود فقال: «ألا تسألوني ممّ أضحك؟» فقالوا: "مم تضحك؟" قال: «هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقالوا: "ممّ تضحك يا رسول الله؟" قال: ”من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر“. [صحيح مسلم وغيره]
ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم من فعله هو تأكيد أن ضحك الله عز وجل حقيقي وليس أن ضحك الله عز وجل كضحكه صلى الله عليه وسلم، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يشبه صفات الله عز وجل والله يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى : 11]؛ فهذا دليل على أن إثبات الصفات على الحقيقة ليس بتشبيه.
وانظر هذا المقال [رابط] لمزيدٍ من الأمثلةِ المشابهةِ لهذا الحديث.



3. ما يلزم في المخلوق لا يلزم في الخالق، فالقول بأن إثبات صفة اليد أو العين يلزم منه أنها عضو أو جارحة، باطل؛ لأن صفة الله هي الأصل، فالله متصف بصفة اليد(2) منذ الأزل قبل وجود أيدي المخلوقات، وأيدي المخلوقات محدثة، خلقها الله وسمّاها باسم صفته، وجعلها بكيفية تُناسب ذواتنا التي هي أجسام مركبة، أما صفات الله فهي على صفة تليق بذاته عز وجل، لا علم لنا بكيفيتها. وقد جعل الله لنا بعض الصفات التي توافق صفاته في الاسم لأجل الفهم فقط، وذلك حتى نعرف الله عز وجل -من غير إحاطة به-، ولنعظمه ونعبده حق عبادته.

قال الإمام عبد العزيز الماجِشُون (ت. 164 هـ / من تابعي التابعين) في رسالته: «فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمُّقا وتكلفًا، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمَّى من نفسه، بأن قال: لا بُد إن كان له كذا مِن أن يكون له كذا، فعمِيَ عن البّيِّن بالخفي، فجحد ما سمَّى الرب من نفسه...» ثم تكلم عن آيات وأحاديث رؤية الله يوم القيامة، وذكر مجموعة من نصوص الصفات كقوله تعالى { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]، وحديث ”لَا تَمْتَلِئُ النَّارُ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ“ وقوله سبحانه: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : 67]، ثم قال: « فوالله ما دلَّهم على عظم ما وصف به نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم – إنّ ذلك الذي أُلقِيَ في رُوعهم (3)، وخلق على معرفته قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسمّاه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه علم ما سواه، لا هذا، ولا هذا، ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف.» (4)

وعن شقيق بن سلمة أن شريحًا قرأ: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات : 12]؛ قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم (النخعي / ت. 196 هـ) فقال: «إن شريحا كان يعجبه رأيه، إن عبد الله (بن مسعود) كان أعلم من شريح ، وكان عبد الله يقرؤها {بل عجبتُ} (بضم التاء) » ا.هـ(5). أي أن الذي يعجب هو الله عز وجل.
قال أبو جعفر النحَّاس (ت. 338 هـ) : «وهذا الذي قاله - أي شريح- لا يلزم، وبضم التاء قرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ... فالله جل وعز العالم بالأشياء، وبما يكون، ولكن لا يقع التعجب إلا بعد الكون. فهو منه جل وعلا خلافُه من الآدميين؛ لأنه قد علمه قبلُ وبعدُ»(6).
والصحيح أنه قد يقع التعجب من المخلوقين حتى حال علمهم بالشيء، فمثلا: نحن نعلم أن عظمة الله عز وجل ليس لها حدود، ولكن مع ذلك نحن نتعجب كلما نظرنا إلى السماء والنجوم وعجائب خلق الله عز وجل.



4. الاعتراض على بعض الصفات الواردة في الكتاب والسنة على أنها جارحة وأعضاء، كصفة اليد والقَدم، لم يكن معروفا في عهد السلف رحمهم الله إلا عند أهل البدع كالجهمية وغيرهم، أما السلف الصالح فكانوا يؤمنون بها كما جاءت، ويقولون عن كل الصفات: «أمروها كما جاءت بلا كيف»، أي أمروها على ظاهرها دون السؤال عن تلك الصفة: كيف هي؟ بل يفوضون كيفيتها لله عز وجل. وكون اليد عضو وجارحة هو من كيفية صفات المخلوقين، والله ليس كمثله شيء، ويد الله عز وجل على كيفية لا تشبه كيفية صفات المخلوقين، وهي من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه، وواجبنا الإيمان والتسليم

صح عن الصحابي عبد الله بن عباس (ت. 68 هـ) –رضي الله عنهما- أنه أنكر على من استنكر شيئا من نصوص الصفات بزعم أن الله منزه عما تدل عليه تلك الآيات أو الأحاديث؛ فروى عبد الرزاق في "مصنفه" ... أن طاووس بن كيسان قال: سمعت رجلاً يُحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : ”تحاجت الجنة والنار“، وفيه: ”فلا تمتلي حتى يضع رجله“ -أو قال: ” قدمه - فيها“؛ فقام رجل فانتفض، فقال ابن عباس –رضي الله عنه- : « ما فَرَقُ هؤلاء؟! يجدون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه ». (7)

قال الحافظ عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
«فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم (أي أصحاب الحديث) أنهم ثبتوا له سمعا وبصرًا، فقد صدقت. وأما دعواك عليهم أنه كعينٍ وكسمعٍ فإنه كذب ادعيت عليهم؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة. وأما دعواك أنهم يقولون: "جارح مركب" فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة: جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين: وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع»(8).



5. لا دليل من القرآن، أو السنة، أو أثر عن أحد من السلف على أن نصوص الصفات ليست على ظاهرها، ولا أن الصفات على المجاز وليس الحقيقة، ولا أن إثبات الصفات على الحقيقة تشبيه، بل إن الجهمية كانوا ينفون ويؤولون الصفات لاعتقادهم أن إثباتها على الحقيقة تشبيه فسمَّاههم السلف: معطلة. أما قوله تعالى {ليس كمثله شيء}، فقد قال الحافظ عثمان الدارمي رحمه الله: «ونحن نقول كما قال ابن عباس: ليس لله مثل ولا شبه، ولا كمثله شيء، ولا كصفاته صفة، فقولنا: {ليس كمثله شيء} أنه شيء أعظم الأشياء، وخالق الأشياء، وأحسن الأشياء، نور السموات والأرض. وقول الجهمية: {ليس كمثله شيء} يعنون أنه لا شيء ... واتخذوا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} دِلْسَةً على الجهال ليروجوا عليهم بها الضلال، كلمةُ حق يبتغى بها باطل. ولئن كان السفهاء في غلط من مذاهبهم، إن الفقهاء منهم على يقين»(9).



6. لو كان اعتقاد ظاهر النصوص تشبيهًا لحذر منه السلف الصالح، لأن الأصل في الكلام أن يكون على ظاهره، والناس يأخذون بظاهر الكلام ما لم يرد دليل على أن الظاهر غير مُراد.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت. 795 هـ) رحمه الله: «وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه، وتجسيم، وضلال، واشتقّوا من ذلك -لمن آمن بما أنزل الله على رسوله- أسماء ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان؛ بل هي افتراءٌ على الله، يُنفّرون بها عن الإيمان بالله ورسوله. وزعموا أنّ ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز، وأنه يُحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدحِ في الشريعة المحكمةِ المُطهّرةِ، وهو من جِنس حَمْل الباطنية نصوصَ الإخبار عن الغُيوبِ؛ كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملِهم نصوص الامر والنهي عن مثل ذلك، وهذا كله مروق عن دين الإسلام.
ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام، وحذّروا عنه، إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيينُ ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمامِ نصيحةِ المسلمين ، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالاحكام العملية ويَدَعون نصيحتَهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل)(10).



7. التشبيه يكون في الكيفية، وليس في إثبات الصفة التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله -صلى الله عليه وسلم- دون الخوض في كيفيتها؛ قال ابن عبد البر المالكي (ت. 463 هـ) : (ومحال أن يكون من قال عن الله ما هو في كتابه منصوص مشبها إذا لم يكيف شيئا وأقر أنه ليس كمثله شيء). (11)
وقال ابن خزيمة (ت. 311هـ) رحمه الله، مُبيِّنًا أن إثبات الصفة على الحقيقة ليس بتشبيه:
«وزعمت الجهمية -عليهم لعائن الله- أن أهل السنة ومتبعي الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم، المثبتين لله عز وجل من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله المثبت بين الدفتين، وعلى لسان نبيه المصطفى بنقل العدل عن العدل موصولا إليه، مشبهة جهلا منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا، وقلة معرفتهم بلغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا.
وقد ذكرنا من الكتاب والسنة في ذكر وجه ربنا بما فيه الغنية والكفاية. ونزيده شرحًا فاسمعوا الآن أيها العقلاء: ما نذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب، هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار ومتبعي السنن؟
نحن نقول وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: أن لمعبودنا عز وجل وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذوّاه (12) بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك.
ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية.
ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقيا، فنفى عنه الهلاك والفناء.
ونقول: إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء التي وصف الله بها وجهه. تدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها لنفي السبحات عنها التي بيّنها نبينا المصطفى لوجه خالقنا.
ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة، لم تكن فكوّنها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعد ما كانت عَدَمًا، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعا ميتًا، ثم تصير رميمًا، ثم ينشئها الله بعد ما قد صارت رميما، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقها في القيامة ومن المحاسبة بما قدمت يداه، وكسبه في الدنيا، ما لا يعلم صفته غير الخالق البارئ. ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها، أو إلى النار معذبة فيها، فهل يخطر -يا ذوى الحجا- ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه ؟
وهل ها هنا -أيها العقلاء- تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذى هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم كما سمّى الله وجهه وجها ؟
ولو كان تشبيها من علمائنا لكان كل قائل: أن لبني آدم وجها، وللخنازير، والقردة، والكلاب، والسباع، والحمير، والبغال، والحيات، والعقارب، وجوهًا قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت. ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه، لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير، والقرد، والدب، والكلب، والحمار، والبغل، ونحو هذا، إلا غضب، لأنه خرج من سوء الأدب في الفحش في المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله بعد يقذفه ويقذف أبويه.
ولست أحسب أن عاقلا يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب، والزور، والبهت، أو بِالعَتَهِ، والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل، ورفع القلم، لتشبيه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا. فتفكروا يا ذوى الألباب: أوجوه ما ذكرنا أقرب شبها بوجوه بني آدم أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم ؟
فإذا لم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع، واسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم، فكيف يلزم أن يقال لنا: أنتم مشبهة؟
ووجوه بني آدم ووجوه ما ذكرنا من السباع والبهائم محدثة، كلها مخلوقة، قد قضى الله فناءها وهلاكها، وقد كانت عَدَمًا فكوّنها الله وخلقها وأحدثها. وجميع ما ذكرناه من السباع والبهائم لوجوهها أبصار، وخدود، وجباه، وأنوف، وألسنة، وأفواه، وأسنان، وشفاه؛ ولا يقول مركب فيه العقل لأحد من بني آدم: وجهك شبيه بوجه الخنزير، ولا عينك شبيهة بعين قرد، ولا فمك فم دب، ولا شفتاك كشفتي كلب، ولا خدك خد ذئب، إلا على المشاتمة كما يرمي الرامي الإنسان بما ليس فيه.
فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا، ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار، القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم، بالتشبيه، فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج من لسان العرب»(13

يوسف التازي
17-01-15, 08:17 PM
قال الله تعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
ما هو التشبيه وما حكمه



إعداد: أم عبد الله الميساوي
أُعِدّ لموقع: عقيدة السلف الصالح




مقدمة:
مر معنا في مقدمة عقيدة السلف في صفات الله عز وجل أن الأسس التي تقوم عليها عقيـدة الإسلام في الصفات هي:
- إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات والإيمان بها
- تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات
- عدم الخوض في كيفية صفات الله
وهذا المقال سيتحدث عن الأساس الثاني وهو تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات، وعدم تشبيه ذاته وصفاته بذوات المخلوقين وصفاتهم.



تعريف التشبيه:
في اللغة: الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ، والجمع أَشْباهٌ، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ: مَاثَله.(1) فالتشبيه: التمثيل.(2)
وشَبَّه: إذا ساوَى بين شيءٍ وشيء. (3)
قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ) : «وأما التشبيه: فهو مصدر شبّه يشبّه تشبيها، يُقال: شبهت الشيء بالشيء أ مثلته به، وقسته عليه، إما بذاته أو بصفاته، أو بأفعاله.» (4)


الأدلة على تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]
قال أبو جعفر النَّحّاس (ت. 338 هـ) عن الكاف في "كمثله" : «الكاف زائدة للتوكيد.» (5)
قال أبو منصور معمر بن أحمد الأصبهاني (ت. 418 هـ) : «فـ{ليس كمثله شيء} ينفي كل تشبيه وتمثيل، {وهو السميع البصير} ينفي كل تعطيل وتأول. فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر» (6)
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم : 65]
سميًّا: أي مثلا أو شبيها
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4]
أي ليس له كفء ولا مثل.



التشبيه في صفات الله

أولا: التشبيه في صفات الله عز وجل يكون بتشبيه صفات لله بصفات المخلوق: كأن يعتقد المسلم أو يقول: حياة الله مثل حياة المخلوقين، أو كلام الله مثل كلام البشر، أو وجه الله كوجه المخلوقين .. إلخ. فيكون نفي التشبيه والتمثيل (أي التنزيه) باعتقاد أن صفات الله عز وجل ليست كصفات المخلوقين، وأنها على صفة تليق بجلال الله وكماله لا نعلمها، وعلينا الإيمان والتسليم.

- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى فى كتابه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } » (7)

- قال خُشَيْش بن أصرم (ت. 253 هـ) في "الاستقامة" : «وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه، ووصف نفسه في كتابه، قال الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، ثم أخبر عن خلقه، فقال عز وجل {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان : 2]. فهذه صفة من صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنَّا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولا بصره كأبصارهم ...) ثم ذكر أدلة على أن الله يسمع ويرى، إضافة إلى صفات أخرى، ثم قال: (فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وإنما أوجب الله على المؤمنين اتباع كتابه وسنة رسوله.» (8)

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
«وادعى المعارض أيضا أن المقري حدَّث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: {سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : 58] فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه (9). وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصرًا بعين كعين وسمعًا كسمع جارحًا مركبًا.
فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعا وبصرا، فقد صدقت. وأما دعواك عليهم أنه كعينٍ وكسمعٍ فإنه كذب ادعيت عليهم؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.
وأما دعواك أنهم يقولون: "جارح مركب" فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة: جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين: وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.» (10)

- قال أبو إسحاق إبراهيم بن شاقلا الحنبلي (ت. 369 هـ) لأبي سليمان الدمشقي – أحد أتباع ابن كُلاب- في مناظرة بينهما عندما قال له أبو سليمان: "أنتم المشبهة"، قال ابن شاقلا: (حاشا لله، المُشبِّه الذي يقول: وجهٌ كوجهِي، ويَدٌ كَيَدِي، فأما نحن فنقول: له وجهه، كما أثبت لنفسه وجهًا، وله يدٌ، كما أثبتَ لنفسه يَداً، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11] ومن قال هذا فقد سَلِم.) (11)
- قال أبو عثمان الصابوني الشافعي (ت. 449 هـ) : (ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله –عز من قائل- {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]. ولا يحرفون الكلام عن مواضعه، بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين؛ تحريف المعتزلة والجهمية – أهلكهم الله-، ولا يكيفونهما بكيف، أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة –خذلهم الله-.) (12)

- قال ابن البنا الحنبلي (ت. 471 هـ) : (وأما المشبهة والمجسمة فهم الذين يجعلون صفات الله -عز وجل- مثل صفات المخلوقين، وهم كفار.) (13)
- قال الحافظ الذهبي (ت. 748) : (ليس يلزم من إثبات صفاته شيء من إثبات التشبيه والتجسيم، فإن التشبيه إنما يقال: يدٌ كيدنا ... وأما إذا قيل: يد لا تشبه الأيدي، كما أنّ ذاته لا تشبه الذوات، وسمعه لا يشبه الأسماع، وبصره لا يشبه الأبصار ولا فرق بين الجمع، فإن ذلك تنزيه.) (14)
- قال ابن الوزير (ت. 840 هـ) : (وكذلك كل صفة يوصف بها الرب سبحانه ويوصف بها العبد، وان الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص، والعبد يوصف بها محفوفة بالنقص، وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه، ولم يفسروه بنفي الصفات وتعطيلها كما صنعت الباطنية الملاحدة.) (15)


ثانيا: التشبيه والتمثيل يكون في كيفيّة وحقيقة الصفة، أي كيف هي على الحقيقة، وليس في معنى الصفة. والخوض في الكيفية تشبيه، فالإنسان يصف الشيء على ما يشاهده، والله {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

- قال عبد الرحمن بن مهدي (ت. 198 هـ) لِفَتى من ولد جعفر بن سليمان: «مكانك»
فقعد حتى تفرق الناس. ثم قال ابن مهدي: «تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجري مني على بالٍ رَضِي إلا أمرُك وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هَيِّنًا ما لم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جلَّ وعَظُم.»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد وما ذاك؟ "
قال: « بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه. »
فقال الغلام: "نعم". فأخذ يتكلم في الصفة.
فقال: «رُويدك يا بُني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق اعجز واعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم : 18]
قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؟ قال: نعم. فعرف الحديث.
فقال عبد الرحمن: «صِف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح.» فبقي الغلام ينظر إليه.
فقال عبد الرحمن: «يا بُني فإني أُهوِّن عليك المسألة، واضع عنك خمس مائة وسبعة وتسعين (جناحًا)، صِف لي خلقا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد، نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك إني قد رجعت عن ذلك واستغفر الله." (16)

قال ابن عبد البر المالكي (ت. 463 هـ) : (ومُحالٌ أن يكون مَن قال عن اللهِ ما هو في كتابه منصوصٌ مُشبهًا إذا لم يُكيّف شيئا، وأقرّ أنه ليس كمثله شيء.) (40)
قال الحسين البغوي الشافعي (ت. 510 هـ) في صفات الله عز وجل : (وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع ، والعين والمجيء ، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم ، والخائض فيها زائغ ، والمنكر معطل، والمُكيِّف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}) (17)


ثالثًا: الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، فكما لم يلزم التشبيه في إثبات الذات، لم يلزم التشبيه في إثبات الصفات.

قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) بعد ذكر مجموعة من الآيات والأحاديث في صفات الله عز وجل : (فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه .... والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الله تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فإذا قلنا يد، وسمع، وبصر، ونحوها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولم يقل: معنى اليد: القوة، ولا معنى السمع والبصر: العلم والإدراك. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، ونقول إنما وجب إثباتها لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جـاءت.) (18)


رابعا: الاشتراك في مطلق الاسم لا يقتضي التشبيه والتمثيل:

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
« إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم، عليم، حكيم، حليم، رحيم، لطيف، مؤمن، عزيز، جبار، متكبر. وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق والمنظر واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهًا واحدًا بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه، ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم؛ إذ جهلتموه فإن التسمية في التشبيه بعيدة.» (19)

- قال ابن خزيمة الشافعي (ت. 311 هـ) : (نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارؤنا، ونقول: من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع بصير، ولا نقول أن هذا تشبيه المخلوق بالخالق.) (20)
وقـال: (ولو لزم - يا ذوى الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه، وثبتوا له نفسا -عز ربنا وجل-، وأنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكًا، أو عظيمًا ورؤوفًا، ورحيمًا، وجبارًا، ومتكبرًا، أنه قد شبه خالقه -عز وجل- بخلقه، حاش لله أن يكون من وصف الله جل وعلا، بما وصف الله به نفسه، في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى –صلى الله عليه وسلم- مشبها خالقه بخلقه.) (21)

- قال أبو عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي (ت. 429 هـ) في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الإسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذا سُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الإجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول في اللغة أن الإشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب إشتباها لاشتبهت الأشياء كلها لشمول إسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبها للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الإشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حيٌ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ، يعني ولا يلزم إشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات.) (23)

قال أبو نصر السجزي الحنفي (ت. 444 هـ) : (والأصل الذي يجب أن يُعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حيٌّ عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودًا حيًّا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، لم يكن ذلك تشبيها، ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات.) (24)


خامسًا: كل مُعطل مُمثل، وكل مُمثل مُعطل: وذلك لأن المُعطِّل تصوّر التشبيه في ذهنه فنفى الصفة، والمُمثل عطَّل الصفة بتمثيله الخالق بالمخلوق، إذ ليست هي حقيقة الصفة كما أنه عطل النصوص.

قال ابن بطة العكبري الحنبلي (ت. 387 هـ) في الإبانة: (الجهمية ترد هذه الأحاديث وتجحدها وتكذب الرواة، وفي تكذيبها لهذه الأحاديث رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاندة له، ومن رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله ؛ قال الله عز وجل : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر : 7] ، فإذا قامت الحُّجة على الجَهْمِي، وعلم صحة هذه الأحاديث ولم يقدر على جحدها، قال: الحديث صحيح، وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”ينزل ربنا في كل ليلة“ ينزل أمره. قلنا: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ”ينزل الله عز وجل“ ، ”وينزل ربنا“ ولو أراد أمره لقال: «ينزل أمر ربنا». فيقول (الجهمي) : إن قلنا: "ينزل"، فقد قلنا: إنه يزول والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال؛ لأن كل نازل زائل.
فقلنا: أوَ لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف؛ لأنكم إن جحدتم الآثار، وكذبتم بالحديث، رددتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، وكذبتم خبره، وإن قلتم: لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان. لكنا نصدق نبينا صلى الله عليه وسلم ونقبل ما جاء به فإنا بذلك أمرنا وإليه ندبنا، فنقول كما قال: ”ينزل ربنا عز وجل“ ولا نقول : إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحدّه، ولا نقول: إن نزوله زواله.)

يوسف التازي
17-01-15, 08:24 PM
أقوال السلف الصالح والأئمة من بعدهم في تنزيه الله عن التشبيه:

- قال عبد الرحمن بن القاسم (ت. 191 هـ) صاحب الإمام مالك: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولا وجهه بشيء، ولكن يقول : له يدان كما وصف نفسه في القرآن، وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصف نفسه» (25)
- قال نُعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى ويتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق". قال نعيم : ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء من الأشياء» (26)

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) : «وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كيده يد.» (27)
وقال: «وكما ليس كمثله شيء ليس كسمعه سمع ولا كبصره بصر ولا لهما عند الخلق قياس ولا مثال ولا شبيه.» (28)
وقـال: «فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة (الجهمية) فعارضت آثار رسول الله برد، وتشمروا لدفعها بجد فقالوا: "كيف نزوله هذا؟" قلنا: لم نُكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم.» (29)

- قال ابن أبي زَمَنِين المالكي الأندلسي (ت. 399 هـ) : (فهذه صفاتُ ربِّنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد، ولا تشبيه، ولا تقدير، فسبحان من {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. لم تره العيون فتحده كيف هو كَيْنُونِيته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به.) (30)
- قال يحيى بن عمار الحنبلي (ت. 422 هـ) في رسالته إلى السلطان محمود: (ولا نحتاج في هذا الباب إلى قولٍ أكثر من هذا أن نؤمن به، وننفي الكيفية عنه، ونتقي الشك فيه، ونوقن بأن ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نتفكر في ذلك ولا نسلط عليه الوهم، والخاطر، والوسواس، وتعلم حقًّا يقينا أن كل ما تصور في همك ووهمك من كيفية أو تشبيه، فإن الله سبحانه بخلافه وغيره.) (31)

وغيرهم كثير، اقتصرنا على ما ذكرناه اختصارًا.



حُكم التشبيه:
تشبيه صفات الله عز وجل كُفرٌ، فهو ردٌّ للنصوص كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4] وغيرها من نصوص التنزيه.

- قال نعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه» (32)
- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «من وصف الله فشبه صفاته بصفت أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم، لأنه وصف بصفاته، إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول.» (33)
- يزيد بن هارون (ت. 206هـ) : قال شاذ بن يحيى الواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد، ما تقول في الجهمية ؟
قال: «يُستتابون، إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نَفَت، وإنّ المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت. فالجهمية يستتابون، والمشبهة: كذى» رماهم بأمر عظيم. (34)



من علامات أهل البدع: تسميتهم لأهل السنة – أهل الأثر- بالمشبهة

- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : « علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة -وما أولعوا به من الكذب- أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يُقال لهم: هم المشبهة، لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولن: إن الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر.» (35)

- قال أبو زرعة الرازي (ت. 264 هـ) : «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه –صلى الله عليه وسلم-، من غير تمثيل ولا تشبيه، إلى التشبيه فهو مُعطل نافٍ، ويُستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح.» (36)
وقـال: «علامة الجمهية: تسميتهم أهل السنة مشبهة» (37)

- وقال أبو حاتم الرازي (ت. 277 هـ) : «وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة» (38)
- قال أبو عثمان الصابوني (ت. 449 هـ) : (وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشويّة، وجهلة، وظاهرية، ومشبهة. اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم، من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير، العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [محمد : 23]، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج : 18].) (39)

يوسف التازي
19-01-15, 07:13 PM
الأثر المروي عن الشافعي رحمه الله:

"آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله. وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله."



مقصود الشافعي رحمه الله هو الإيمان بنصوص الشريعة وتفسيرها على مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا مُراد النفس والهوى، والتسليم للنصوص تسليمًا مطلقًا على كل الحالات؛ فإن فهِم وعلِم مُراد الله عز وجل، ومُراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يُسلّم لذلك المعنى المراد تسليما كاملا دون ردّ أو إنكار أو اعتراض، ودون زيادة أو نقص أو تحريف.
وإن جَهِل المعنى المُراد من النص، لقصورٍ في الفهم عنده، أو لإشكال لديه لم يعرف جوابه، فإن عليه أن يعتقد بأن مُراد الله ومُراد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يجهله هو الحق، ويُؤمن به، حتى إذا عَلِم المُراد فيما بعد، لم يجد في نفسه حَرَجًا من قبوله والتسليم له.
فسواءٌ تبيّن له مُراد الله ومُراد رسوله صلى الله عليه وسلم، أم لم يتبيّن له، فعليه التسليم له تسليما كاملا؛ فلا ينكره، ولا يزيد عليه ولا ينقص منه، ولا يحرّفه، ولا يفسره بما يمليه عليه عقله المجرد ونفسه المتبعة للهوى؛ فيكون ممن اتبع الظن وما تهوى الأنفس واعترض بظنونه وأوهامه على ما لم يبلغه علمه.
بل الواجب عليه أن يؤمن بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مراد الله ورسوله.

ومعرفة مُراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم تكون بطريقين:

1. أن يكون النص واضحا بينًا مُحكمًا غير مُحتاج لنص آخر ليتبين معناه، فيُعرف مُراد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- منه من ظاهره؛ لأن الله عز وجل يُخاطب الناس بالمعنى الذي يفهمونه ويعقلونه عند أول قراءتهم له دون تكلّف، وذلك هو المعنى الظاهر؛ فالقرآن أُنزل هداية للناس، وأُرسل النبي صلى الله عليه وسلم مُبينا لهذا الهدى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] فلا يصح أن يكون صعب الفهم فضلا عن أن يكون مُمتنع الفهم !
ومن أمثلة النص البيّن المُحكم قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [آل عمران: 2]
وقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]
وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]

2. أن يكون النص مُتشابها، أي محتاجا إلى ما يبيّن معناه، فيكون هناك نصٌ آخر يُبين مُراد الله منه، فيُردّ النص المتشابه إلى النص المُحكَم المُبيّن، ويُفسر به، حتى يُعرف مراد الله عز وجل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
مثال النص المتشابه: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14]
هذه الآية مطلقة قُيدت بالآية المُحكَمة: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]
فبرَدّنا الآية الأولى للآية الثانية يتضح مُراد الله تعالى، وهو أن صاحب المعاصي التي هي دون الشرك تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر الله. ولو أن القارئ للآية الأولى اقتصر في فهمها على ظاهرها وأن مطلق المعصية وتعدي الحدود موجب للخلود في النار، لضلّ وانحرف عن مُراد الله عز وجل. وهذا ما حصل لبعض الفرق التي غَلَت في هذه المسألة؛ فكفّرت مُرتكب الكبيرة دون الشرك بالله عز وجل، وجعلته من أصحاب النار المخلدين فيها.


منقول

يوسف التازي
19-01-15, 07:15 PM
الإيمان بنصوص الصفات على ظاهرها



إعداد: أم عبد الله الميساوي
لـ« موقع عقيدة السلف الصالح »




بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

منهج السلف الصالح في نصوص صفات الله عز وجل هو الإيمان بها على ظاهرها بلا تشبيهٍ لها بصفات المخلوقين، ولا خوض في كيفيتها(1)، فالواجب في أسماء الله وصفاته هو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه العزيز، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، مع نفي التمثيل، وتفويض كيفيتها إلى الله عز وجل.
ولا تُصرف الآيات والأحاديث عن ظاهرها إلا بدليل صحيح، خلافاً لما يفعله كثير من أهل البدع، حيث صرفوا كثير من نصوص الصفات عن ظاهرها اتباعًا لأهوائهم، ولما توهموه من أدلة عقلية وإنما هي شبهات، فأخطئوا فهم النصوص وأساءوا في تأويلها بدعوى التنزيه؛ وكذا فعل غيرهم مع نصوص الوعد والوعيد وغيرها، فادّعوا المجاز في كثير من الآيات والأحاديث، وأولوا النصوص فألحدوا فيها.
قال أبو منصور الازهري الشافعي (282-370هـ) بعد ذكره لإلحاد المشركين في أسماء الله: «وملحدوا زماننا هذا: هؤلاء الذين تلقبوا بـ"الباطنية" وادعوا أن للقرآن ظاهرًا وباطنا، وأن علم الباطن فيه معهم، فأحالوا شرائع الإسلام بما تأولوا فيها من الباطن الذي يخالف ظاهر العربية التي بها نزل القرآن، وكل باطن يدعيه مدع في كتاب الله عز وجل مُخالف ظاهر كلام العرب الذين خوطبوا به فهو باطل، لأنه إذا جاز لهم أ، يدعوا فيه باطنا خلاف الظاهر، جاز لغيرهم ذلك، وهو إبطال الأصل. وإنما زاغوا عن إنكار القرآن ولاذوا بالباطل الذي تأولوه ليغروا به الغرّ الجاهل، ولئلا يُنسبوا إلى التعطيل والزندقة.» (2)
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت. 795 هـ) عند حديثه عن نصوص الصفات: «وكان السلف ينسبون تأويل (3) هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهْمّا وأصحابه أولُ من اشتهر عنهم أن الله تعالى مُنزّهٌ عما دلّت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموّها "أدلة قطعية" وهي المحكمات، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردّوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أنّ ظاهر ما يدلّ عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقّوا من ذلك -لمن آمن بما أنزل الله على رسوله- أسماء ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان؛ بل هي افتراءٌ على الله، يُنفّرون بها عن الإيمان بالله ورسوله. وزعموا أنّ ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز، وأنه يُحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدحِ في الشريعة المحكمةِ المُطهّرةِ، وهو من جِنس حَمْل الباطنية نصوصَ الإخبار عن الغُيوبِ؛ كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملِهم نصوص الامر والنهي عن مثل ذلك، وهذا كله مروق عن دين الإسلام.» (4)

وقد وردت أقوال للسلف والأئمة من بعدهم تدل على أن السلف الصالح أثبتوا نصوص الصفات على ظاهرها دون تشبيه أو تكييف؛ ولكن قبل الشروع في ذكر تلك الأقوال، يجب بيان المقصود من "الظاهر" الذي أثبته السلف الصالح، والذي يجب على كل مسلم إثباته من غير تشبيه ولا تكييف.

المقصود بالظاهر: المعنى اللغوي الظاهر الواضح من سياق الكلام(5)؛ وما يلي بعض الأمثلة التي توضح المقصود:
مثال 1 : "وأنا في أفريقيا شاهدت أسدًا وهو ينقض على فريسته."
هنا ظاهر الكلام أن الأسد الذي انقض على فريسته هو الحيوان المعروف.
مثال 2 : " كان خالد في ساحة القتال أسدًا."
ظاهره أن المقصود هو الشجاعة وليس الحيوان.

هذا هو منهج السلف مع نصوص الصفات كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص : 75]
فأثبت السلف هذه الآية على ظاهرها وهو أن الله عز وجل خلق آدم بيديه التي هي صفة له، مع اعتقادهم بأنها لا تشبه أيدي المخلوقين؛ أما أهل البدع فردوا ظاهرها وقالوا بأن اليدين في الآية ليست حقيقية، وأن معناها هو القدرة أو النعمة أو غير ذلك من المعاني المجازية لليد.
فليس المقصود من إثبات الظاهر إثبات كيفية صفات الله، فالاتفاق فقط في أصل معنى الصفة وليس في كيفية الصفة، فلا يعلم كيفية صفات الله إلا هو سبحانه، وهي ليست ككيفية صفات المخلوقين {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}

وما يلي مجموعة من أقوال السلف ومن جاء بعدهم في الإيمان بآيات وأحاديث الصفات على ظاهرها من غير تشبيه ولا تكييف:


أقوال السلف الصالح:

1. ورد عن جمْعٍ من السلف الصالح، منهم الأوزاعي (ت. 157 هـ)، وسفيان الثوري (ت. 161 هـ)، و الليث بن سعد (ت. 175 هـ)، والإمام مالك بن أنس (ت. 179 هـ)، والإمام أحمد بن حنبل (ت. 241 هـ) أنهم قالوا عن أحاديث الصفات والرؤية: «أمروها كما جاءت بلا كيف»؛ وقد بيّن الإمام اللغوي أبو منصور الأزهري (ت. 370 هـ) معنى مقولة السلف هذه بعد ذكر قول أبي عبيدٍ القاسم بن سلام (ت. 224هـ) في حديث القَدم ونزول الله إلى السماء الدنيا ورؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة: "نحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها." قائلا: «أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت.» (6)


2. قول الإمام سفيان بن عيينة (ت. 198هـ) : «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل». (7)
قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) مبينا لمعنى مقولة ابن عيينة "فقراءته تفسيره" : « أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل.» (8)


3. قال أبو بكر ابن أبي عاصم (ت. 287هـ) : «وجميع ما في كتابنا كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها، وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها» فذكر في ذلك النزول إلى سماء الدنيا، والإستواء على العرش، وغير ذلك. (9)


أقوال العلماء من بعدهم:

- ابن جرير الطبري (ت. 310هـ) :
قال بعد نقاشه مع فرقة من أهل البدع في صفتي النزول والمجيء: «فإن قال لنا منهم قائلٌ: فما أنت قائلٌ في معنى ذلك؟ قيل له: معنى ذلك ما دلّ عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا -جل جلاله- يوم القيامة و الملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلةٍ ... وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه.» (10)


- أبو عثمان الصابوني الشافعي (ت. 449هـ) :
قال عند حديثه عن عقيدة السلف أصحاب الحديث في صفات الله: «بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكِلُون علمه (11) إلى الله تعالى». (12)

وقال في وصيته أنه "يسلك في الآيات التي وردت في ذكر صفات البارئ –جل جلاله-، والأخبار التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بابها، كآيات مجيء الرب يوم القيامة، وإتيان الله في ظُلل من الغمام، وخلق آدم بيده، واستوائه على عرشه، وكأخبار نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والضحك والنجوى، ووضع الكنيف على من يُناجيه يوم القيامة، وغيرها، مسلك السلف الصالح، وأئمة الدين، من قوبها وروايتها على وجهها، بعد صحة سندها، وإيرادِها على ظاهرها، والتصديق بها والتسليم لها، واتقاء اعتقاد التكييف، والتشبيه فيها، واجتناب ما يؤدي إلى القول بردّها، وترك قبولها، أو تحريفها بتأويل يُستنكر، ولم ينزل الله به سلطانا، ولم يجر به للصحابة والتابعين والسلف الصالح لسان". (13)


- أبو محمد الحسين البغوي الشافعي (ت. 510 هـ) :
قال: «وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح ...» فذكر أدلة هذه الصفات من القرآن والسنة ثم قال: «فهذه ونظائرها صفات الله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضا فيها عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، ومُعتقدًا أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة.» (14)


- أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) :
قال بعد ذكر الآيات في صفة الاستواء والغضب والرضا والنزول وغيرها: «فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف، إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأ/رين، لأن دين الله تعالى بين الالي والمقصر عنه.» (15)

وقال عندما سُئل عن صفات الرب تعالى: «مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل...» (16)


- محمد أنور شاه الكشميري الحنفي :
قال في شرحه لسنن الترمذي: «واعلم أن المشابهات مثل نزول الله إلى السماء الدنيا، واستواءه على العرش، فراي السلف فيها الإيمان على ظاهره ما ورد إمهاله على ظاهره بلا تأويل ولا تكييف، ويفوض أمر الكيفية إلى الله تعالى » ثم ذكر كلاما طويلا في أقوال الفرق والمذاهب إلى أن قال: «فحاصل الباب أن نؤمن بالمتشابهات كما وردت بظاهرها ونفوض التفاصيل إلى الله» (17)

يوسف التازي
19-01-15, 07:17 PM
صفات الله حقيقيّة أم غير حقيقية؟



إعداد: أم عبد الله الميساوي
لـ« موقع عقيدة السلف الصالح »


مقدمة:

إن معرفة الله عز وجل هي أهم وأجلّ العلوم، ومعرفته سبحانه تكون بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهي تُستمد من نصوص الوحي: القرآن والسنة، فلا يُوصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه في كتابه العزيز أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن تدبر هذه النصوص العظيمة وجدها واضحة وجليّة في دلالتها على صفاته العليا. ورغم وضوحها فقد وقع من بعض المنتسبين للإسلام تحريفٌ لمعاني هذه النصوص، فنَفوا عنها حقيقتها تذرعًا بالمجاز، ظنّا منهم أنه الحق. والسبب في ذلك هو أنهم جعلوا عقولهم حَكَمًا فيها دون نصوص الوحي، فاعتقدوا أن إثبات تلك الصفات حقيقةً لله يقتضي التشبيه، وهو ليس كذلك، فكما قال الحافظ نُعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «ليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه»(1)، فالتشبيه يكون باعتقاد أن صفات الله كصفات المخلوقين، قال الإمام إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا التشبيه؛ أما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول: كيفَ؟ ولا يقول: مثلَ سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]»(2). فلو أن هؤلاء القوم تأملوا وتدبروا آيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم حق التدبر ودرسوا آثار السلف الصالح في هذه النصوص، لما صرفوها عن حقائقها بأنواع المجازات؛ لأنها بينة في دلالتها، لا تقتضي تشبيها ولا معاني باطلة.

ودلالة النصوص على حقيقة صفات الله عز وجل تكون أحيانًا مُستفادةً من سياق الآية أو الحديث، وأحيانًا من فِعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وأحيانًا أخرى من غير ذلك مما سنُبَيّنُه في هذا المقال إن شاء الله تعالى.



دلالة نصوص الكتاب والسنة على أن صفات الله حقيقية:


- القرآن الكريم:

1. قال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت : 15]
ففي الآية أن قوم عاد سألوا: «من أشد منا قوة؟»
فأجابهم الله عز وجل بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قوة}
ولا يصح أن يكون الجواب إلا موافقًا للسؤال، قال أبو أحمد الكرجي القصاب (ت. 360هـ) في هذه الآية: «وقوله (تعالى) ... حجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون: أن كل ما وُصف به المخلوق لم يجز أن يوصف به الخالق، من أجل التشبيه، وهذا نص القرآن ينكر على عاد ادعاء القوة، ويخبر أن الله أشد قوة منهم، والرد لا يكون إلا بمثله»(3). ولا شك أن قوة عاد حقيقية، فقوة الله أيضا حقيقية ولكنها أعظم، فقوة المخلوق لا شيء عند قوة الله عز وجل، بل هو سبحانه الذي أعطانا هذه القوة.


2. قال الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا} [النساء : 125]
تفسير هذه الآية في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والسنة مبينة للقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
”إِنِّى أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِى مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِى خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِى خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً“ [صحيح مسلم].
وقال صلى الله عليه وسلم: ”أَلاَ إِنِّى أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً إِنَّ صَاحِبَكُمْ(4) خَلِيلُ اللَّهِ“ [صحيح مسلم]
وفي لفظ: ”ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خُلّته“(5).
والخليل من "الخُلّة" – بضم الخاء كما في الرواية الثالثة-، وهي غاية المحبة وخالصها وأتمها. قال الزجّاج (311هـ): «الخليل: المُحب الذي ليس في محبته خلل»(6).
وقال ابن كثير (ت. 774هـ): «والخُلّة: هي غاية المحبة ... وهكذا نال هذه المنزلة خاتم الأنبياء وسيُد الرسل محمد، صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما»(7).
والدليل على أن خُلّة الله لإبراهيم عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم حقيقية، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن اتخاذ أبي بكر رضي الله عنه خليلا لأجل أنه خليل الله، ولو لم تكن خُلة الله لنبيه حقيقية لما كان هناك مانع في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر خليلا.


3. قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء : 164]
الفعل "كَلّم" في هذه الآية مؤكد بالمصدر "تكليمًا"، وهو دليل على أن الله كلّم موسى حقيقةً، قال أبو جعفر النحّاس (ت. 338هـ) : «{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} مصدر مؤكد، وأجمع النحويّون على أنك إذا أكدّت الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا ... فكذا لما قال: {تكليمًا}، وَجَبَ أن يكون كلامًا على الحقيقة من الكلام الذي يُعقل»(8).


4. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : 58]
وهذه تفسيرها بفعل نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو يونس مولى أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة يقرأ هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}، ويضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، ويقول: هكذا سمعت رسول الله يقرأها ويضع إصبعيه. (9)
قَصَدَ النبي صلى الله عليه وسلم بفعله هذا إثبات أن الله مُتّصِف بسمع وبصر حقيقيّين فالحديث عن صفتي السمع والبصر، وليس مقصوده تشبيه صفات الله بصفات المخلوق، فحاشا أن يُشبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بالمخلوقين، والله عز وجل يقول: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، فأثبت الله عز وجل لنفسه السمع والبصر، ونَفَى عنها المِثل.



- السنة النبوية:

5. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ“.
وفي رواية سنن الترمذى: ”لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلٍ...“.
وفي رواية سنن الدارمي: ”فما هو بأشد فرحا بها من الله بتوبة عبده إذا تاب إليه“.
الحديث واضح من سياقه، وهو دليل على أن الله متصف بالفرح حقيقةً، ولكن فرحه لا يشبه فرح المخلوقين، فهو فرح يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وواجبنا الإيمان والتسليم.
قال الحافظ شمس الدين الذهبي (ت. 748 هـ) عند تعقيبه على تأويل أحد العلماء لصفة الفرح لله تعالى : «ليت المؤلف سكت فإن الحديث من أحاديث الصفات التي تمر على ما جاءت كما هو معلوم من مذهب السلف، والتأويل الذي ذكره ليس بشيء ... والنبي صلى الله عليه وسلم قد جعل فرح الخالق عز وجل أشد من فرح الذي ضلت راحلته، فتأمل هذا وكُف، واعلم أن نبيك لا يقول إلا حقا، فهو أعلم بما يجب لله وما يمتنع عليه من جميع الخلق، اللهم اكتب لنا الإيمان بك في قلوبنا وأيدنا بروح منك». (10)

6. عن عمر بن الخطاب أنه قال: قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته؛ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ؟“ قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ وَهِىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا“. [صحيح البخاري ومسلم]
هو واضح من سياقه كالحديث الذي قبله، ففيه إثبات صفة الرحمة لله عز وجل حقيقةً.

7. قال ابن عمر رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: ”يأخذ الجبّار سماواته وأرضيه بيده“ وقبض بيده فجعل يقبضها ويبسطها ”ثم يقول: أنا الجبار، أين الجبارون؟ أين المتكبرون“، قال: ويتميّل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إنّي لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟». [صحيح مسلم، وسنن النسائي، واللفظ لابن ماجه](11)
قبَضَ النبي صلى الله عليه وسلم يده ليُبَيّن أن الله يقبض الأرض والسموات بيده حقيقةً، وليس مقصوده تشبيه قبض الله بقبضه.

8. عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكْبُو مرة، وتسفَعُه النار مرة“ إلى أن قال: ”ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأُوليَيْن، فيقول: أي رب، أدنِني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمِع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم، ما يَصْريني منك(12)؟ أيُرضيك أن أعطيك الدنيا، ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟“ فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: ”من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر“. [صحيح مسلم وغيره](13)
في هذا دليل واضح على أن الله يضحك حقيقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحك من ضحك الله عز وجل، وضحكه -سبحانه- ليس كضحك المخلوقين، وكيفيته لا يعلمها إلا الله عز وجل، وما علينا إلا الإيمان والتسليم.



فهم السلف الصالح لنصوص الصفات:

ثبت عن عدد من أئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم فتابعيهم، أقوال وأفعال تدل على أنهم فهموا هذه الصفات على الحقيقة كما هو ظاهر النص، فأثبتوها لله عز وجل من غير تشبيه ولا تكييف ولا تحريف بالمجازات، وما يلي ذكرٌ لمجموعةٍ منها:

- أم المؤمنين عائشة (ت. 58 هـ) رضي الله عنها:
قالت في صفة السمع لله عز وجل: «الحمد لله الذي وسع سمْعُه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تُكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة : 1] إلى آخر الآية».(14)

- الصحابي ابن مسعود (ت. 33 هـ) رضي الله عنه:
عن عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه- قال: جاء حبر من اليهود فقال: "إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك." فلقد رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقوله؛ ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : 67]
فابن مسعود رضي الله عنه فهم أن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم كان لتعجبه وتصديقه لقول اليهودي، من أن الخلائق يوم القيامة ستكون على أصابع الله عز وجل حقيقة، ولكن من غير تشبيهها بصفة المخلوقين، وكيفيتها لا يعلمها إلا هو سبحانه، وواجبنا الإيمان والتسليم.

- سليمان الأعمش (ت. 148 هـ) :
روى الأعمش قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يُقلبها“ [حديث صحيح]، ثم أشار بإصبعيه(15).

- حماد بن أبي حنيفة (ت. 176هـ) :
قال في مناظرة له مع المبتدعة: «قلنا لهؤلاء : أرأيتم قول الله عز وجل{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر : 22] وقوله عز وجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة : 210] فهل يجيء ربنا كما قال؟ وهل يجيء الملك صفًا صفًا؟ » قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك، ولا ندري كيف جيئته. فقلنا لهم: «إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ » قالوا: كافر مكذب.
قلنا: «فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب». (16)

- حمّاد بن زيد (ت. 179 هـ) :
قال: «مَثَلُ الجهمية مثل رجل قيل له: أفي دارك نخلة؟ قال: نعم. قيل: فلها خوص؟ قال: لا. قيل: فلها سعف؟ قال: لا. قيل: فلها كرب؟ قال: لا. قيل: فلها جذع؟ قال: لا. قيل: فلها أصل؟ قال: لا. قيل: فلا نخلة في دارك. هؤلاء مِثل الجهمية قيل لهم:
لكم ربّ؟ قالوا: نعم. قيل: يتكلم؟ قالوا: لا. قيل: فله يد(17)؟ قالوا: لا. قيل: فله قدم(18)؟ قالوا: لا. قيل: فله إصبع؟ قالوا: لا. قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا. قيل: فلا رب لكم! » إسناده صحيح.(19)

- يحيى بن سعيد القطان (ت. 198 هـ) :
قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل: سمعت أبـي رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان ... عن النبي صلى الله عليه وسلم: ”أن الله يمسك السموات على أصبع“ قال أبي رحمه الله: جعل يحيى يشير بأصابعه، وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه، يضع أصبعا أصبعا حتى أتى على آخرها.(20)

- أبو معمر الهذلي (ت. 236 هـ) :
قال: «من زعم أن الله عز وجل لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يغضب، ولا يرضى -وذكر أشياء من هذه الصفات-، فهو كافر بالله عز وجل، إن رأيتموه على بئر واقفًا فألقوه فيها، بهذا أدين الله عز وجل، لأنهم كفار بالله»(21) إسناده صحيح.

- الإمام أحمد بن حنبل (ت. 241 هـ) :
روى الخلال في كتابه "السنة" أن أبا بكر المروزي حدث بحديث ”إن الله يمسك السموات على أصبع“ عن الإمام أحمد وقال: رأيت أبا عبد الله يشير بإصبع إصبع.(22)

- عمرو بن عثمان المكي الصوفي (297 هـ) :
قال في كتابه "أداب المريدين والتعرف لأحوال العبّاد" في باب: ما يجيء به الشياطين للتائبين : «وأما الوجه الثالث الذي يأتي به الناس إذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله، فإنه يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم أحوال التوحيد ...» وذكر كلاما طويلا إلى أن قال: «فهذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك، وفي صفات الرب بالتشبيه والتمثيل، أو بالجحد لها والتعطيل، وأن يُدخل عليهم مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم؛ فيهلكوا إن قبلوا، أو يضعضع(23) أركانهم، إلا أن يلجأوا في ذلك إلى العلم، وتحقيق المعرفة بالله عز وجل من حيث أخبر عن نفسه، ووصف به رسوله؛ فهو تعالى القائل: {أنا الله} لا الشجرة. الجائي هو لا أمره، المستوي على عرشه بعظمة جلاله دون كل مكان، الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيمًا، فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان وهما غير نعمته وقدرته، وخلق آدم بيده»(24).



أقوال أئمة السنة ممن جاء بعدهم:

- ابن جرير الطبري (ت. 310 هـ) :
ذكر مجموعة من الصفات منها: اليد، والسمع، وصفة النزول، والبصر، والضحك، وغيرها مما ثبت في نصوص القرآن والسنة، ثم قال: «فإن قال لنا قائلٌ: فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز وجل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نُثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات، ونفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه –جل ثناؤه- فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى : 11]».(25)

- أبو العباس السراج الشافعي (ت. 313 هـ) :
قال: «من لم يقر ويؤمن بأن الله تعالى: يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: ”مَن يسألني فأعطيه؟“؛ فهو زنديق كافر، يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُرب عنقه»(26).

- أبو أحمد الكرجي القصاب (ت. 360 هـ) :
قال في كتاب "السنة" له: «كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصف بها نبيه، فهي صفةٌ حقيقةً لا مجازًا»(27).

- أبو عمر الطلمنكي المالكي (ت. 429 هـ) :
قال في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الإسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذا سُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟
قالوا: الإجتماع في التسمية يوجب التشبيه. قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول في اللغة أن الإشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب إشتباها لاشتبهت الأشياء كلها لشمول إسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبها للموجودين»(28).

- أبو الحسن ابن القزويني الشافعي (ت. 442 هـ) :
أخرج الخليفة العباسي القائم بأمر الله الاعتقاد القادري في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فقُرئ في الديوان، وحضر الزهاد والعلماء، وممن حضر: الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب بخطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء: «هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادي، وعليه اعتمادي».
ومما جاء في الاعتقاد القادري: «وما وصف الله سبحانه به نفسه، أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صفات الله عز وجل على حقيقته لا على سبيل المجاز»(29).

- ابن عبد البر المالكي (ت. 463 هـ) :
قال في "التمهيد": «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكيّفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج؛ فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقَرّ بها مُشبّه»(30).
وقال في "الاستذكار": «أقول: إن الله ليس بظلام للعبيد، ولو عذبهم لم يكن ظالمًا لهم، ولكنْ جلّ مَن تَسمّى بالغفور الرحيم الرءوف الحكيم، أن تكون صفاته إلا حقيقةً لا إله إلا هو، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [الأنبياء : 23]»(31).

- أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) :
قال: «ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى». (32)

- ابن القيم الحنبلي (ت. 751 هـ) :
قال في "إعلام الموقعين" : «وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكاتب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم؛ لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأجروها على سنن واحد.»

- ابن رجب الحنبلي (ت. 795 هـ) :
قال في "ذيل طبقات الحنابلة"، في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي:
«وأما قوله: "ولا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول"، فإنْ صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك».
وغيرهم، اقتصرنا على مَن ذكرنا اختصارًا.

وبهذا يتبين أن الحق هو إثبات هذه الصفات كما جاءت في نصوص الكتاب والسنة، نثبتها لله عز وجل حقيقةً من غير تشبيه ولا وصفٍ لكيفيتها، ومن لم يبلغ ذلك عقله، فعليه التسليم، فلم يوجب الله علينا إدراكه.

يوسف التازي
20-01-15, 06:10 PM
قال نعيم بن حماد الخزاعى شيخ البخارى : " من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر،وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها"

المطلب الأول
التعريف بالمشبهة

التشبيه: قسمان: تشبيه المخلوق بالخالق، وتشبيه الخالق بالمخلوق.
القسم الأول: من شبه المخلوق بالخالق، ومن ذلك تشبيه النصارى حيث جعلوا عيسى ابن مريم ابن الله، ومن هذا الصنف السبئية الذين يزعمون أن علياً هو الله .
القسم الآخر: من شبه الخالق بالمخلوق: وهم صنفان:
الصنف الأول: شبهوا ذات البارئ بذات غيره.
الصنف الآخر: شبهوا صفات البارئ بصفات غيره.
يقول البغدادي رحمه الله عن هذين الصنفين: (وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصنافٍ شتى) .
وسأذكر باختصار أبرز الفرق التي عرفت بالتشبيه، ويأتي في مقدمتها طوائف متعددة من الشيعة، وهم أول من أظهر التشبيه عند المسلمين كما يقول الرازي رحمه الله عنهم .

وأبرز الفرق التي قالت بالتشبيه ما يلي:
الفرقة الأولى: الهشامية: وهم طائفتان:
الطائفة الأولى: أتباع هشام بن الحكم ، ومما زعمه ابن الحكم في معبوده أنه عريض طويل عميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، وأنه ذو لون وطعم ورائحة وأنه سبعة أشبار بشبر نفسه...) .
الطائفة الأخرى: أتباع هشام بن سالم الجواليقي ، ومما زعمه أن معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء، وقلباً ينبع منه الحكمة .
ويطلق على الطائفة الأولى: الهشامية الحكمية، ويطلق على الطائفة الثانية: الهشامية الجواليقية .
الفرقة الثانية: الجواربية:
أتباع داود الجواربي ، ومما زعمه في معبوده أنه جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء، ووصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية .
الفرقة الثالثة: الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني ، وأثبتوا لله الجسمية، وأنه جوهر، وهم طوائف متعددة تختلف ببعض جزئيات التشبيه .

المطلب الثاني
اعتقاد السلف نفي التمثيل والتشبيه

تواترت عبارات سلف الأمة في نفي تمثيل وتشبيه الخالق بالمخلوق، فهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلّى الله عليه وسلّم إثباتاً يليق بجلال الله وعظمته. وينفون ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
فقد سئل أبو حنيفة النعمان عن نزول الباري - جل وعلا - فقال:
(ينزل بلا كيف) .
وقال ابن أبي زمنين (ت - 399هـ) رحمه الله: (فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه صلّى الله عليه وسلّم وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتحده كيف هو كينونيته) .
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله:
(ويداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف، وأنه عزّ وجل استوى على العرش بلا كيف،... ولا يوصف بما فيه نقص، أو عيب، أو آفة، فإنه عزّ وجل تعالى عن ذلك) .

وقال الإمام الآجري (ت - 360هـ) رحمه الله عن نزول الباري جل وعلا إلى السماء الدنيا:
(وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف؛ لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ) .

وقال الإمام الصابوني (ت - 449هـ) رحمه الله:
(قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث - حفظ الله تعالى أحياءهم ورحم أمواتهم - يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلّى الله عليه وسلّم بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عزّ وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلّى الله عليه وسلّم على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلت العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه كما نص سبحانه عليه في قوله - عز من قائل -: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية - أهلكهم الله - ولا يكيفونهما بكيف أو شبهها بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة - خذلهم الله -. وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف) .

وقال قوام السنة الأصبهاني رحمه الله:
(الكلام في صفات الله عزّ وجل ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمذهب السلف - رحمة الله عليهم أجمعين - إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها...) .
وقال - أيضاً - بعد ذكره بعض الصفات الثابتة لله عزّ وجل: (فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره ونفي الكيفية والتشبيه عنه... ونقول: إنما وجب إثباتها - أي الصفات -؛ لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

وقال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله ناقلاً اتفاق السلف على ترك التشبيه والتمثيل:
(اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل: أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادات الأئمة، وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله عزّ وجل وأنه واحد أحد، فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، ولا عدل ولا مثيل) .
وقال - أيضاً -: (وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله عزّ وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول) .
وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله:
(وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل) .
وقال العلامة الواسطي رحمه الله:
(وهو في ذاته وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا تمثل بشيء من جوارح مبتدعاته، بل هي صفات لائقة بجلاله وعظمته، لا تتخيل كيفيتها الظنون، ولا تراها في الدنيا العيون، بل نؤمن بحقائقها وثبوتها، ونصف الرب سبحانه وتعالى بها، وننفي عنها تأويل المتأولين، وتعطيل الجاحدين، وتمثيل المشبهين تبارك الله أحسن الخالقين) .
وضرب أمثلة لبيان اعتقاد السلف في الصفات وأنه الإثبات من غير طمع في إدراك الكيفية ببعض الصفات وهي: الحياة والفوقية والاستواء والنزول ثم قال:
(وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصراً من وجه، أعمى من وجه ، مبصراً من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقف، وذلك هو مراد الله تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها، ونؤمن بحقائقها، وننفي عنها التشبيه) .
وذكر الحافظ المقدسي (ت - 600هـ) رحمه الله موقف السلف من الألفاظ المجملة التي تطلق على الله عزّ وجل فقال:
(من السنن اللازمة السكوت عما لم يرد فيه نص عن رسوله صلّى الله عليه وسلّم أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات، وكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل شرعي) .
ويرى سلف الأمة أن تشبيه الله بخلقه كفر، وهذا واضح من خلال نصوصهم الصريحة مثل قول نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله:
(من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه) .
وقال إسحاق بن راهويه رحمه الله:
(من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم) .
وحين ذكر بشر المريسي في مناظرة الإمام الدارمي (ت - 280هـ) رحمه الله له أن تشبيه الله بخلقه خطأ، تعقبه الإمام الدارمي (ت - 280هـ) بقوله:
(أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو موجود في الخلق خطأ، فإنا لا نقول إنه خطأ، بل هو عندنا كفر، ونحن لتكييفها وتشبيهها بما هو موجود في الخلق أشد أنفاً منكم غير أنا كما لا نشبهها ولا نكيفها لا نكفر بها...) .

المطلب الثالث
رد السلف دعوى أن الإثبات يستلزم التشبيه

أكثرَ نفاة الصفات من إطلاق لفظ (التشبيه) على مخالفيهم من مثبتة الصفات، حتى صار من علامة الجهمية تسمية أهل السنة مشبهة كما قال ذلك الإمام إسحاق بن راهويه (ت - 238هـ) رحمه الله:
(علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم هم المشبهة لاحتمل ذلك) .
وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله:
(المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عزّ وجل التي وصف الله بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلّى الله عليه وسلّم، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم - تبارك وتعالى - بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلّى الله عليه وسلّم من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية) .
وقال أبو حاتم الرازي رحمه الله:
(علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة) .
وقال ابن خزيمة (ت - 311هـ) رحمه الله:
(وزعمت الجهمية - عليهم لعائن الله - أن أهل السنة ومتبعي الآثار، القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلّى الله عليه وسلّم، المثبتين لله عزّ وجل من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، المثبت بين الدفتين، وعلى لسان نبيه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه مشبهةٌ، جهلاً منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا صلّى الله عليه وسلّم، وقلة معرفتهم بلغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا) .
وقد نبه الإمام إسحاق بن راهويه (ت - 238هـ) رحمه الله في النص السابق على أن المعطلة هم الذين يستحقون وصف التشبيه؛ لأنهم شبهوا أولاً، ثم عطلوا ثانياً ، وقد نبه إلى هذا - أيضاً - الإمام الدارمي (ت - 280هـ) رحمه الله، فبعد نص طويل في رده على المريسي (ت - 218هـ) وأنه نفى ما وصف الله به نفسه، ووصفه بخلاف ما وصف به نفسه، ثم ضرب أمثلة لتعطيل الصفات عن طريق التأويل الفاسد قال: (تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا، إذ نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟) .
وقد ناقش الإمام الواسطي (ت711هـ) رحمه الله الأشاعرة الذين يثبتون بعض الصفات، وينفون بعض الصفات، وحجتهم في نفي ما نفوه من الصفات أنه يستلزم التشبيه فقال:
(لا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر؛ لأن الكل ورد في النص فإن قالوا لنا: في الاستواء شَبَّهتم، نقول لهم: في السمع شبهتم، ووصفتم ربكم بالعرض ، وإن قالوا: لا عرض، بل كما يليق به، قلنا: في الاستواء والفوقية لا حصر، بل كما يليق به، فجميع ما يلزموننا في الاستواء، والنزول، واليد، والوجه، والقدم، والضحك، والتعجب من التشبيه: نلزمهم به في الحياة، والسمع، والبصر، والعلم، فكما لا يجعلونها أعراضاً، كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا مما يوصف به المخلوق) .
ثم قال: (فما يلزموننا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم في هذه الصفات من العرضية.
وما ينزهون ربهم به في الصفات السبع، وينفون عنه من عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبوننا فيها إلى التشبيه سواء بسواء) .
وينبه الإمام ابن قدامة المقدسي (ت - 620هـ) رحمه الله إلى أمر مهم ألا وهو سبب نفي المتكلمين صفات الباري - جل وعلا - فظاهر الأمر عندهم هو التنزيه ونفي التشبيه، ولكن حقيقة الأمر هو: إبطال السنن والآثار الواردة فيقول:
(وأما ما يموه به من نفي التشبيه والتجسيم فإنما هو شيء وضعه المتكلمون وأهل البدع توسلاً به إلى إبطال السنن ورد الآثار والأخبار، والتمويه على الجهال والأغمار ليوهموهم: إنما قصدنا التنزيه ونفي التشبيه) .
وأما دعوى أن إثبات الصفات يستلزم الجوارح والأعضاء لله عزّ وجل فقد أجاب عن هذه الشبهة الإمام الدارمي (ت - 280هـ) رحمه الله في رده على المريسي (ت - 218هـ) فقال: (وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله، المؤمنين بما قال الله: أنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء، فقد ادعيت عليهم في ذلك زوراً وباطلاً، وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها، إنما يثبتون منها ما أنت معطل، وبه مكذب، ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا يدعون جوارح وأعضاء كما تقولت عليهم...) .
ومما أجاب به سلف الأمة على من ألصق بهم تهمة التشبيه والتجسيم، بيانهم لأمر غفل عنه النفاة ألا وهو أن اتفاق الأسماء لا يلزم منه اتفاق المسميات، وكذلك اتفاق الصفات لا يلزم منه اتفاق الموصوفين بها فقد سمى الله عزّ وجل نفسه سميعاً بصيراً بقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء: 58] .
وسمى بعض خلقه سميعاً بصيراً بقوله عزّ وجل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } [الإنسان: 2] .
وقد ذكر ذلك الإمام الدارمي (ت - 280هـ) رحمه الله بقوله:
(إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم، عليم حكيم، حليم رحيم، لطيف مؤمن، عزيز جبار متكبر، وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء) .
وقد أطال الإمام ابن خزيمة (ت - 311هـ) رحمه الله في بيان هذه القاعدة، وضرب لها أمثلة عدة منها تسمية الله نفسه عزيزاً ، وسمى بعض الملوك عزيزاً فقال: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ } [يوسف: 30] .
ومنها تسمية الله عزّ وجل نفسه الجبار المتكبر بقوله: { السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ } [الحشر: 23] ، وسمى بعض الكفار متكبراً جباراً فقال: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } [غافر: 35] ، وغيرها من الأمثلة .
وأختم بما قاله الفخر الرازي (ت - 606هـ) رحمه الله حين قال كلمة حق في معتقد السلف، وأنه بعيد عن التشبيه وهي قوله:
(اعلم أن جماعة من المعتزلة ينسبون التشبيه إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين وهذا خطأ، فإنهم منزهون في اعتقادهم عن التشبيه، والتعطيل، لكنهم كانوا لا يتكلمون في المتشابهات بل كانوا يقولون: آمنا وصدقنا، مع أنهم كانوا يجزمون بأن الله تعالى لا شبيه له، وليس كمثله شيء، ومعلوم أن هذا الاعتقاد بعيد جداً عن التشبيه) .
منقول

يوسف التازي
21-01-15, 02:44 PM
أسماء الله وصفاته الحسنى
بين التعطيل والتمثيل والتحريف
عندما أظهرت الفرق المخالفة لعقيدة السلف ، واعتمدت على الفلسفة ومنطق أرسطو وقالت بتعطيل صفات الله تعالى وانحرفت في مجموعها عن طريق السلف والعقيدة الصحيحة التي بينا في مامضى وهي إثبات أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تكييف ولاتعطيل 0
(وهنا سأورد بعض المباحث الصغيرة التي جمعتها من قبل في دروس العقيدة واسأل الله أن يعينني على ذلك وأسأله النصح والنفع لكاتبها ومن قرأها )
من المسلمين 0
وأقول هناك محاذير ينبغي اجتنابها في الأسماء والصفات منها :
1- التعطيل :
والتعطيل في اللغة من تخليه وتفريق كما في قوله تعالى : "وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ " (45) الحج
وفي الاصطلاح نفي دلالة الأسماء والصفات مثل"الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى "(5)طه فالمعطل ينفي ذلك 0
والتعطيل في المدلول منه:
أ- تعطيل كامل : كتعطيل الفلاسفة والصوفية الغلاة والقرامطة الباطنية والمكارمة فهم نفوا الذات والصفات تعالى الله عما يقولون 0
ب- تعطيل جزئي ناقص : وهذا عليه الفرق الخمس وهم الجهمية والأشعرية والماتريدية و المعتزلة والكلابية ( ويسمون أهل الكلام ) أي أنهم أثبتوا ونفوا ويسمون أهل التعطيل الجزئي 0
2- التمثيل :
والتمثيل ينقسم إلى قسمين :
أ- كلي :
وهو تمثيل الصوفية الحلولية فمثلوا ذوات الله في المخلوقين ( مثل تمثيل الصوفي الحلولي أبن عربي ) - غير ابن العربي المالكي -
وهم اصحاب كفر والعياذ بالله قطعي عند أهل العلم وهم زنادقة ذهبوا للقول بأن الله حل في العبد والأشياء وغيره 000
ب- جزئي :
وهم على قسمين { الكرامية فأثبتوا لله ذاتا تليق بجلاله ولكنهم أثبتوا صفات تشابه صفات المخلوقين ثم الروافض : يثبتون لله ذاتا تليق بجلاله ولكنهم في الصفات قالوا بصفات لله كصفات المخلوقين وصاحبهم الحكم بن هشام الرافضي و أما الرافضه العصريون أنقسموا إلى طوائف من ذلك الأثناء عشرية والزيدية أخذوا بمعتقد المعتزلة وخالفوا قدمائهم من الرافضة0

أمور تلحق بالتعطيل
1- التحريف
التحريف قال تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف )
من حرف ومعناه اصطلاحا تغيير نصوص الصفات وهو على قسمان :
أ- تحريف في الدليل :
أما بزيادة أو نقصان ، وأما الزيادة :
أما بزيادة حرف أو بكلمة 0
مثل تحريف المعتزلة قالوا بزيادة حرف في الاية ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه قالوا ( الرحمن على العرش استولى )
و التحريف بزيادة كلمة كما عند الاشاعرة والماتريدية والكلابية فقالوا في قوله تعالى (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) الفجر قالوا ( وجاء أمر ربك )0 من اجل ينفون عن الله صفة المجيء وغيروا وجعلوا موسى هو الذي يجيءوأما التحريف بالنقصان :
كقوله تعالى ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) النساء قالوا في هذه الآية ( وكلم الله َ) { لاحظ بالفتح على لفظ الجلالة }
من أجل ينفوا عن الله صفة الكلام وغيروا وجعلوا موسى هو الذي كلم الله 0
2- وأما التحريف اللفظي والمعنوي :
فاللفظي:
تحريف في الشكل بزيادة أو نقص 0
والمعنوي وهو أثبات اللفظ وتحريف المعنى 0مثل تحريف الأشاعرة والماتريدية قالوا : النزول الالهي في الثلث الأخيرمن الليل كما جاء في الحديث الصحيح قالوا هو مَلك يخرج وحرفوا في المعنى واثبتوا اللفظ 0 أو كمثل قوله تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) المائدة 64
قالوا نثبت اليد واليد هنا هي القوة عندهم 0
ماهو الفرق بين التحريف والتعطيل ؟
كل محرف معطل لا العكس 0
والتحريف أعم والتعطيل أخص 0 فإذا ذكر التحريف دخل التعطيل وأما التعطيل فلا يذكر التحريف 0

وإذا ذكر التمثيل ذكر التكييف0
فكل ممثل مكيف وزيادة ، والتمثيل أعم والتكييف أخص 0

يوسف التازي
21-01-15, 02:46 PM
فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ؛ بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم . فهم وسط في ( باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية ؛ وأهل التمثيل المشبهة . وهم وسط في ( باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية وفي باب ( وعيد الله بين المرجئة والوعيدية : من القدرية وغيرهم وفي ( باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية ( وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج .
ونقل أبن عبد البر رحمه الله إجماع السلف على هذه العقيدة كما ذكر شيخ الإسلام أبن تيمية ذلك منقول

يوسف التازي
21-01-15, 07:56 PM
قال الإمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" (مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1984)


باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله

- قال وهب بن جرير : "الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش إستوى" ص8

- قال حماد بن زيد : "القرآن كلام الله نزل به جبرائيل، ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله" ص8

- قال ابن المبارك : "لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا، بل على العرش استوى" وقيل له : كيف تعرف ربنا ؟ قال : " فوق سماواته على عرشه " ص8

- قال سعيد بن عامر : " الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم : ليس على شيء " ص9

- قال علي : " إحذر من المريسي وأصحابه فإن كلامهم يستجلي الزندقة وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت لي أن في السماء إلها " ص9

- قال الفضيل بن عياض : " إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل : انا أؤمن برب يفعل ما يشاء " ص14

- حذر يزيد بن هارون عن الجهمية وقال : " من زعم ان الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي " ص15

- قال ضمرة بن ربيعة عن صدقة، سمعت سليمان التيمي يقول : " لو سئلت اين الله ؟ لقلت في السماء، فإن قال فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت على الماء، فإن قال : فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت : لا أعلم " ص15

- قال محمد بن يوسف : " من قال إن الله ليس على عرشه فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر " ص15

- قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لما كلم الله موسى، كان النداء في السماء وكان الله في السماء " ص19
منقول