المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اثبات ان الاستغاثة بغير الله شرك فلا تشرع الاستغاثة او الاستعاذة الا بالله الذي في السماء


يوسف التازي
15-01-15, 05:59 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعيه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71].
أما بعد؛ فإن من الأمور التي وقع فيها الاختلاف حكم الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبغيره من الصالحين الموتى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فمن الناس من ذهب إلى حِلها بل واستحبها وزعم أنها من أعظم القرب إلى الله تعالى، وألَّف في تقريرها كالبكري الذي كفر شيخ الإسلام ابن تيمية ورد عليه، وكالنبهاني الذي ألف شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، وكالسبكي الذي الف كتابه الموسوم (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) وغيرهم. ومن أهل العلم من ذهب إلى ردها وإبطالها، فرأيت الإسهام في توضح هذه المسألة وبيان وجه الحق فيها.
ومن أبرز الكتب التي ألفت في هذه المسألة كتاب شيخ الإسلام الاستغاثة في الرد على البكري، وهو من أميز الكتب التي تناولت هذه المسألة فيما أحسب، ولأهمية هذا الكتاب ومكانته العلمية قام الحافظ ابن كثير بتلخيصه وترتيبه كما اعتنى الباحثون بتحقيقه.
أهمية الموضوع: إن دراسة موضوع الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبيان حكمها من أهم مباحث الدين ومطالبه وذلك لتعلق هذه المسألة بأصل الدين وأساسه الأعظم توحيد الله تعالى في ألوهيته الذي جاءت بدعوة الناس إليه جميع المرسلين كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
خطة البحث: جعلت البحث في مقدمة وثلاثة مطالب.
المقدمة وتشمل على خطبة الحاجة، وأهمية الموضوع وخطة البحث.
المطلب الأول: تعريف الاستغاثة لغة واصطلاحًا والفرق بينها وبين الدعاء.
المطلب الثاني: حكم الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثالث: شبهات المخالفين.
والله المسئول أن ينفع به كما نفع بجهود علمائنا في هذه المسألة وأن يجعل عملي فيه خالصا لوجهه الكريم.
وكتبه: محمد عبد الله مختار.
حكم الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاستغاثة لغة واصطلاحا والفرق بينها وبين الدعاء
الاستغاثة في اللغة طلب الغوث، وهو: إزالة الشدة؛ كالاستنصار طلب النصرة[1] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn1).
وقيل: نداء من يخلص من شدة أو يعين على دفع بلية[2] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn2).
فالاستغاثة إذا طلب مقرون بالنداء، وذلك نوع من الدعاء ولكن دعاء خاص وهو لإزالة الشدة، وذلك لأن الدعاء يكون في أحوال متغايرة إما لإزالة شدة واقعة بالعبد وإما طلب خالي من الشدة كالدعاء في حال الرخاء. فالدعاء إذا أعم من كونه لإزالة الشدائد، وبذلك يتبين الفرق بين الدعاء والاستغاثة وهو في العموم والخصوص، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة.
إذا تقرر هذا فإن طلب الغوث يكون في جلب الخير كما يكون في دفع الضير، لأنه منوط برفع الشدة الواقعة بالعبد، وهي تحصل بفقد المرغوب وبعدم دفع المخوف.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهذا غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات؛ فإن الدعاء فيه تحصيل المطلوب واندفاع المرهوب)[3] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn3).
المطلب الثاني: حكم الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم
الاستغاثة بشخص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا تخلو: إما أن تكون في حياته أو تكون بعد مماته، فإن كانت في حايته فهي جائزة فيما يقدر عليه بطبع بشريته[4] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn4) عليه الصلاة والسلام كالاستنصار به لدفع عدو ونحوه. ومحرمة إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
أو بعد مماته فإنها محرمة مطلقا فيما كان قادرا عليه في حياته أو كان مما لا يقدر عليه في حياته. وذلك لأن الموت عجز عن الفعل مطلقا، ولأن التكليف قد انقطع عنهم[5] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn5).
والأدلة الدالة على تقرير هذا الأصل كثير؛ فمن ذلك قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57]، وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]، وقوله في شأن الموتى والغائبين: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5-6].
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى شارحا لهذه الآيات ومقررا ما تقدم: (وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فلهذا كان طلب الدعاء جائزا كما يطلب من الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها، فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب ذلك لا من الملائكة، ولا من الأنبياء، ولا من غيرهم، ولا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوة الكافرين، أو اهدِ قلوبنا، ونحو ذلك، ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فجاءوا إليه فقال: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله)[6] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn6) وهذا في الاستغاثة من ذلك. فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب وقد قال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9]، وفي دعاء موسى عليه السلام: (اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وإليك المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك) [7] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn7) وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق. وقال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وقال تعالى: {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى: هؤلاء الذي تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي، يرجون رحمتى كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، ويتقربون إليَّ كما تتقربون إليَّ، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم. وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء، وإن وردت له آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من السلف، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى بخلاف الطلب من أحدهم في حياته فإنه لا يفضي إلى الشرك، ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين بخلاف سؤال أحدهم في حياته فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم)[8] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn8).
المطلب الثالث: الشبهات
هناك بعض الشبهات التي يتعلق بها من يجيز الاستغاثة بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وهذه الشبهات على أربعة أنواع:
النوع الأول: شبهات لغوية ومردها إلى الخلط بين معنى التوسل والدعاء.
النوع الثاني: الجهل بأن الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله نوع من العبادة لغير الله. وهذه في الواقع ليست شبهة ولكن دَرْجها في الشبه لملاحظة الاشتباه في معنى العبادة وتحقيق معنى كلمة "الإله".
النوع الثالث: أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو صحيحة يتأولونها على غير وجهها يستندون عليها في تجويز الاستغاثة بغير الله كحديث: (لو حسَّن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)[9] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn9)، وحديث: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) [10] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn10)، وحديث: (إذا أضل أحدكم شيئا، أو أراد أحدكم عونا، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادا لا نراهم) [11] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn11)، وحديث الأعمى وفيه: (يا محمد يا نبي الرحمة إني...) [12] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn12).
النوع الرابع: حكايات ومنامات وقصص بعيدة واهيات أو حصل فيها المقصود فتنة وابتلاء؛ كقول القائل: استغاث فلان بالقبر الفلاني، فتخلص من شدته، ونحو ذلك مما يروج له سُدَّان القبور الداعون لعبادتها.
وأما تفصيل هذه الشبه والرد عليها فهو كما يلي:
الشبهة الأولى: يزعم بعض من يجيز الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الصالحين أن ذلك نوع من التوسل وليس بدعاء حقيقة، لأن الدعاء طلب منه مباشرة ونحن لا نطلب إلا من الله ولكن هو وسيلتنا إلى الله عز وجل، ولكن بعض العامة لا تُحسِن العبارة فتسأله مباشرة وهي تريد معنى التوسل. وهذه الشبهة نقلها عنهم صاحب كتاب معارج الألباب في مناهج الحق والصواب[13] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn13).
ويستدلون عليها بالأحاديث الواردة في التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم كحديث عمر في الصحيح[14] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn14): إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقنا وإنا اليوم نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، وحديث توسل أصحاب الغار لأعمالهم الصالحة [15] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn15)، وحديث توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم [16] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn16)، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم حال حياته [17] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn17).
والجواب: أن المتقرر عند أهل العلم أن الألفاظ قوالب المعاني وأن اللفظ هو الطريق إلى معرفة المعنى المراد، وأما النظر إلى النيات والقصود فهو أمر أجنبي خارج عن ظاهر اللفظ، ولو أهملنا الألفاظ ونظرنا إلى المعاني لتعطلت كثير من الأحكام؛ فإن الله تعالى تعبدنا بالألفاظ كما تعبدنا بالمعاني، وقد عاب على المشركين أنهم أرادوا معاني صحيحة في ظاهرها بألفاظ باطلة وسمى صنيعهم ذلك شركا[18] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn18).
قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3].
كما أن الله تعالى منع من الألفاظ الموهمة لما تفضي إليه من باطل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104].
وأيضا: فإن الأحكام في الدنيا مبناها على الظاهر ولا عبرة بالنيات والمقاصد.
ثانيا: أن من أنواع الشرك التي ذكرها أهل العلم الشرك المتعلق بالألفاظ كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا كليبة الدار لأتانا اللصوص، وكالحلف بغير الله، ويدخل في كل لفظ يوهم معنى الشَّرِكة أو يدل على ذلك.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ: كالحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) وصححه الحاكم وابن حبان[19] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn19). ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله ندًا؟ بل قل: ما شاء الله وحده) [20] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn20)، هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]، فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وماليَ إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات اله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرا لله ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانا، ونحو ذلك ...) [21] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn21).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلام نفيس في رد هذه الشبهة بيَّن من خلاله غَلَطَ تفسير الدعاء بالتوسل كما في تلخيص الاستغاثة للحافظ ابن كثير، حيث يقول رحمه الله في رده على البكري: (وقوله: (من توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة أو استغاث به سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما) فهذا القول لم يقله أحد من الأمم، بل هو مما اختلقه هذا المفتري، وإلا فلينقل ذلك عن أحد من الناس، وما زلت أتعجب من هذا القول وكيف يقوله عاقل، والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاستغاثة به، وأريد أن أعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال، فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات وإن كانت باطلة لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال الاشتباه عليهم: أنهم عرفوا أن يقال سألت الله بكذا كما في الحديث: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت المنان)[22] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn22).
ورأيي أن الاستغاثة تتعدى بنفسها كما يتعدى السؤال كقوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9].
وقوله: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله سألت بفلان والمتوسل إلى الله بغائب، أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان وتارة يقول أسالك بفلان، فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة، فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان وملعون أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.
وأصل الشبهة على هذا التقدير: أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثا مدعوا مسئولا مطلوبا منه، وبالاستغاثة المحضة من "الإغاثة" التي يكون المضاف بها مطلوبا به لا مطلوبا منه. فإذا قيل: توسلت به أو سألت به أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم. وهم يقولون: أستغيثه واستغثت به من "الإغاثة" كما يقولون استغثت الله واستغثت به من "الغوث".
فالله في كلا الموضعين مسئول مطلوب منه. وإذا قالوا لمخلوق استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسئولا مطلوبا منه، وأما إذا قالوا: استغثت به من "الإغاثة" فقد يكون مسئولا وقد لا يكون مسئولا. وكذلك "استنصرته" و"استنصرت به" فإن المستنصر يكون مسئولًا مطلوبًا، وأما المستنصر به فقد يكون مسئولا وقد لا يكون مسئولًا.
فلفظ "الاستغاثة" في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به.
وقول القائل: استغثت فلانا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
قال في الوجه الرابع: إن التضمين المعروف في اللغة إنما هو ضم معنى لفظ معروف إلى آخر مع بقاء معنى اللفظ الأول كما في قوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] فإنه ضُمِّن معنى "الإذاعة" فعدى بحرف الغاية عن من أنه فتنة. وكذلك قوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} [ص: 24] فإنه ضُمِّن معنى "الضم" و"الجمع" فعُدِّي بحرف الغاية مع أن معنى السؤال موجود. كذلك قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] ضمَّنه معنى "نجيناه" مع بقاء معنى النصر. وقوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ضُمِّن معنى "يروي" فعدي بحرف الباء مع بقاء معنى الشرب. وهكذا إذا قيل: استغثت بالله من "الغوث" فإنه ضُمِّن معنى "الاستغاثة" التي هي من العون فعدي بالباء مع بقاء معنى الاستغاثة وهي طلب من المستغاث به.
فأما إذا قيل: استغثت بفلان من "الغوث" بمعنى سألت غيره به وتوسلت به فهذا لا يجوز، لأنه أحال معنى "الاستغاثة"؛ فإن معناها طلب الإغاثة من المستغاث به، ومعلوم أن المسئول به والمقسم به والمتوسَّل به ليس مسئولا ولا ملطوبا منه ففيه تبديل معنى اللفظ فلا يجوز ذلك.
وقال في الوجه الخامس: إنه لو قدر أن معنى ذلك معنى التوسل بالأنبياء، فالتوسل بهم الذي جاءت به الشريعة هو التوسل إلى الله بالإيمان بهم وبطاعته أو بدعائهم وشفاعتهم كما كان الصحابة يتوسلون بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء وغيره كما في حديث الأعمى، وكما يتوسل الخلائق يوم القيامة بشفاعته، وأعظم وسائل الخلائق إلى الله تعالى الإيمان بهم واتباعهم وطاعتهم، فأما التوسل بذواتهم والسؤال بهم بدون دعائهم[23] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn23) وشفاعتهم وطاعتهم التي يثيب الله عليها فهذا باطل لا أصل له في شرع ولا عقل) أ.هـ من تلخيص الاستغاثة للحافظ ابن كثير [24] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn24).
وأما الاستدلال بالأحاديث المتقدمة في جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فهي استدلال بها في غير محلها فإنها في جواز التوسل فال في جواز الاستغاثة وقد تقدم الفرق بين الأمرين في كلام شيخ الإسلام المنقول آنفا.
قلت: ومنهم من يجعل الاستغاثة من باب النداء لا من باب الدعاء فيجوِّز الطلب من الأموات.
ويُقال في دفع هذه الشبهة: أن تغيير الأسماء لا يغير حقائق تلك المسميات ولا يزيل أحكامها، إذ العبرة بالحقائق لا بالأسماء.
يقول الشيخ عبد الله أباطين رحمه الله تعالى: (من جعل شيئا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلها، وإن فر من تسميته معبودا وإلها، وسمى ذلك توسلا وتشفعا أو التجاء ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى، فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه) أ.هـ[25] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn25).
الشبهة الثانية: من الأسباب التي أدت إلى الوقوع في الشرك ـ ولا سيما الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدر عليه إلا الله ـ الاشتباه في معنى العبادة ومعنى كلمة "الإله" حيث فُسرت العبادة بالاعتقاد وفُسِّر معنى الإله بتوحيد الربوبية، ولذلك اعتقدوا أن الشرك هو اعتقاد الفاعلية في غير الله تعالى، ولذا أجازوا الدعاء والطلب من غير الله ما دام أن الداعي والسائل يعتقد أن مقاليد الأمور بيد الله تعالى، وأن الفاعل حقيقة هو الله وإنما المدعو والمستغاث به هو مجرد واسطة بينك وبين الله.
يقول الشيخ عبد الرحمن المعلِّمي[26] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn26) رحمه الله في مطلع كتابه (رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله): (أما بعد: فإني تدبرت الخلاف المستطير بين الأمة في القرون المتأخرة في شأن الاستغاثة بالصالحين الموتى وتعظيم قبورهم ومشاهدهم، وتعظيم بعض المشايخ الأحياء، وَزَعْم بعض الأمة في كثير من ذلك أنه شرك، وبعضها أنه بدعة، وبعضها أنه من الدين الحق. ورأيت كثيرًا من الناس قد وقعوا في تعظيم الكواكب والروحانيين مما يطول شرحه، وهو موجود في كتب التنجيم والتعزيم [27] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn27)، كشمس المعارف [28] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn28) وغيرها.
وعَلِمْتُ أن مسلما من المسلمين لا يَقْدم على ما يعلم أنه شرك ولا تكفير من يعلم أنه غير كافر، ولكنه وقع الاختلاف في حقيقة الشرك، فنظرت في حقيقة الشرك فإذا هو بالاتفاق: اتخاذ غير الله عز وجل إلها من دونه، أو عبادة غير الله عز وجل. فانتقل النظر إلى معنى الإله والعبادة فإذا فيه اشتباه شديد، فإن أصح الأقوال في تفسير "إله" قولهم: معبود أو معبود بحق، ومعنى العبادة مشتبه كذلك ـ كما سنراه إن شاء الله ـ فعلمت أن ذلك الاشتباه هو سبب الخلاف، وإذا الخطر أشد مما يُظن، لأن الجهل بمعنى الإله يلزمه الجهل بمعنى كلمة التوحيد؛ "لا إله إلا الله" وهي أساس الإسلام وأساس جميع الشرائع الحقة، قال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25])[29] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn29).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى سبب التعلق بالصالحين الموتى والاستغاثة بهم في دفع العوائق فقال: (ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعونها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها ثم يقول إن هذا ليس بمشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا.
ومن المعلوم بالاضرار من دين الإسلام أن هذا شرك. فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه)[30] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn30).
الشبهة الثالث: وهي استدلالهم بحديث:
1- (لو حسَّن أحدكم ظنه بحجر لنفعه):
حاصل الرد: أن هذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظنه من وضع الزنادقة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء للنهي عن عبادة الأحجار فكيف يأمر بما يناقض أصل بعثته وزبدة رسالته!
وممن حكم عليه بالوضع ابن الديبع في تمييز الطيب من الخبيث[31] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn31)، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة [32] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn32)، وابن تيمية كما في مجموع الفتاوى [33] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn33)، والحافظ ابن حجر العسقلاني كما نقله عنه تلميذه السخاوي في المقاصد الحسنة [34] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn34)، والألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والمووضعة [35] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn35).
2- (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور):
وهو كسابقه حديث مكذوب موضوع لا تجوز نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو معارض لأصل الدين وأساس الملة؛ فإن التعلق بأصحاب القبور ذريعة إلى الشرك وذلك لما يفضي إليه من دعاء الأموات وطلب الحوائج منهم، بل هو أصل الشرك في الأمم السابقة فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى في سورة نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح: 23-24]. قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتُنُسِّخ العلم عُبدت)[36] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn36).
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (وأصل الشرك في بني آدم كان من الشرك بالبشر: الصالحين المعظَّمين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم.
فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح؛ فإنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا}.
وهذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض ثم صارت إلى العرب كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره)[37] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn37).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى في صدد حديثه عن الأسباب التي أدت إلى الفتنة بأصحاب القبور: (ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض دينه وما جاء به، كحديث: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، وحديث: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه، وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها المشركون، وراجت على أشباههم من الجهال الضلال، والله بعث رسوله يقتل من حسَّن ظنه بالأحجار، وجنَّب أمته الفتنة بالقبور من كل طريق كما تقدم)[38] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn38).
وممن حكم بوضع هذا الحديث: غير ابن القيم رحمه الله ابن تيمية كما في الاستغاثة في الرد على البكري[39] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn39) وقال: (هذا مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث) أهـ. وممن حكم عليه بالوضع أيضا: الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد [40] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn40).
فهذه أقوال أهل العلم في حكم هذا الحديث، وبها يتبين بطلان الاستدلال به على دعاء الأموات والاستغاثة بهم.
3- حديث عتبة بن غزوان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ضل أحدكم شيئا، أو أراد أحدكم عونا، وهو بأرض ليس بها أنيس؛ فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادا لا نراهم)[41] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn41).
والرد على استدلالهم بهذا الحديث من جهتين:
الأولى: من جهة الحكم على الحديث، فإن الحديث كما بيَّن الحفاظ أنه ضعيف لا تقوم به حجة رواه الطبراني في المعجم الكبير[42] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn42) وفي إسناده معروف بن حسان قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد [43] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn43) "ضعيف". وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل [44] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn44): "مجهول". وقال ابن عدي في الكامل [45] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn45): "منكر الحديث".
قلت: وراوي الحديث إذا اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي تقدمت في أقوال أهل العلم فإن حديثه مما لا يحتج به لأنه يدور بين الضعف الشديد الذي لا ينجبر وبين الوضع والبطلان.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في معروف هذا: (وأقول بل هو باطل ـ يعني هذا الحديث ـ إذ كيف يكون عن سعيد بن قتادة ثم يغيب عن أصحاب سعيد الحفاظ الأثبات مثل: يحيى القطان، وإسماعيل بن عليلة، وأبي أسامة، وخالد بن الحارث، وأبي خالد الأحمر، وسفيان، وشعبة، وعبد الوارث، وابن المبارك، والأنصاري، وغندر، وابن أبي عدي ونحوهم، حتى يأتي به هذا الشيخ المجهول المنكر الحديث؛ فهذا من أقوى الأدلة على ضعفه)[46] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn46).
الجهة الثانية: على تقدير ثبوته: فإنه لا دليل فيه لأن هذا من دعاء الحاضر فيما يقدر عليه كما جاء في الرواية الأخرى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا. يا عباد الله احبسوا؛ فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم)[47] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn47).
يقول ابن سحمان رحمه الله تعالى بعد أن ذكر روايات هذا الحديث وحكم على أسانيدها بالضعف: (على تقدير صحتها فليس فيه إلا نداء الأحياء والطلب منهم ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه، وذلك لا يجحده أحد، وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والصالحين...
فإن قيل: إن عباد الله المذكورين غائبون، وأنتم تمنعون من دعاء الأموات والغائبين؟!
فالجواب: إن عباد الله المذكورين ليسوا بغائبين، وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم، فإنا لا نرى الحفظة، ومع ذلك فهم حاضرون، ولا نرى الجن ومع ذلك فهم حاضرون، وكذلك الشياطين والهواء ونحو ذلك، فإن علة الرؤية ليس هو الوجود فقط، فإن هذا من الأسباب الظاهرة العادية، ولا خلاف بين أهل العلم في جوازها، فلا حجة لهم في هذا الحديث ولا متعلَّق لهم فيه بوجه من الوجوه، والله أعلم)[48] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn48).
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله تعالى مفتي الديار النجدية عن استدلالهم بهذا الحديث في جواز دعاء الأموات والغائبين فقال:
(وأما الجواب عن الحديث فيمن انفلتت دابته في السفر أن يقول: (يا عباد الله احبسوا) فأجيب بأنه غير صحيح لأنه من رواية معروف بن حسان وهو منكر الحديث قاله ابن عدي.
ومن المعلوم ـ إن كان صحيحا ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر من انفلتت دابته أن يطلب ردها وينادي من لا يسمعه ولا يقدر على ردها، بل نقطع أنه إنما أمره أن ينادي من يسمعه وله القدرة على ذلك، كما ينادي الإنسان أصحابه الذين معه في سفره ليردوا دابته.
وهذا يدل ـ إن صح ـ على أن لله جنودا يسمعون ويقدرون {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] وروى زيادة لفظة في الحديث (فإن الله حاضرا) فهذا صريح في أنه إنما ينادي حاضرا يسمع، فكيف يُستدل بذلك على جواز الاستغاثة بأهل القبور...
فإذا تحققت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر من انفلتت دابته أن ينادي مَنْ لا يسمعه ولا قدرة له على ذلك، وكما دل عليه قوله (فإن الله حاضرا) تبين لك ضلال من استدل به على دعاء الغائبين والأموات الذين لا يسمعون ولا ينفعون، وهل هذا إلا مضادة لقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106]، {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13]، وقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5]، وقال: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14].
فهذه الآيات وأضعافها نصٌّ في تضليل من دعا مَنْ لا يسمع دعاءه ولا قدرة له على نفعه ولا ضره، ولو قُدِّر سماعه فإنه عاجز.
فكيف تترك نصوص القرآن الواضحة وتُردُّ بقوله: (يا عباد الله احبسوا) مع أنه ليس في ذلك معارضة لما دلَّ عليه القرآن ولا شبهة معارضة، ولله الحمد)[49] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn49)أ.هـ.
ثم مما يبين أن المراد بالحديث ليس الاستغاثة بالموتى والغائبين على ـ فرض صحته ـ الرواية الأخرى التي في مسند البزار ـ من حديث ابن عباس ـ ولفظها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله عز وجل ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة في الأرض لا يقدر فيها على الأعوان فليصيح فليقل: عباد الله أغيثونا أو أعينونا فإنه سيُعان)[50] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn50) وفي رواية: (إن لله ملائكة في الأرض يسمون الحفظة يكتبون ما يقع في الأرض من روق الشجر، فما أصاب أحدًا منكم عرجة أو احتاج إلى عون بفلاة من الأرض فليقل: أعينونا عباد الله رحمكم الله، فإنه يعان إن شاء الله) [51] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn51).
وبهذا يُعلم ضعف استنادهم على هذا الحديث في جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين.
4- استدلالهم بحديث الأعمى على دعاء الأموات: حديث الأعمى هو حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه كما في الترمذي[52] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn52): أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك) قال: فادعه قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة: إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه فيَّ. وفي بعض الروايات: (فشفعه فيَّ وشفعني في نفسي. فرجع، وقد كشف له عن بصره) [53] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn53).
وهذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته، فمنهم من يضعفه والقول بتضعيفه جاء عن صاحب المنار[54] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn54) وصاحب السنن والمبتدعات [55] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn55). ومن أهل العمل من صححه وممن قال بتصحيحه الإمام الترمذي [56] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn56) وشيخ الإسلام ابن تيمية [57] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn57) والألباني [58] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn58) وجمع من المحققين. ومنهم من توقف في صحته كالعز بن عبد السلام [59] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn59) والإمام الصنعاني [60] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn60)، وصاحب تيسير العزيز الحميد [61] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn61).
ومهما يكن من شيء فإن غاية ما فيه هو توسل الأعمى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته وليس فيه متمسَّك بجواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته ولا كذلك التوسل به أو بجاهه بعد مماته.
ومما يبين ذلك أن الأعمى قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبًا منه الدعاء فعلَّمه أن يقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة.. إلى أن قال: اللهم فشفعه فيِّ وشفعني في نفسي، فالحاصل أن الدعاء وقع من الطرفين مِن طرف النبي صلى الله عليه وسلم[62] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn62) ومن طرف الأعمى ولذا جاز أن يُقال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي ـ أي بدعائك ـ، فلو كانت الاستغاثة به جائزة لما كان ثمة حاجة للمجيء للنبي صلى الله عليه وسلم والطلب منه أو الاستغاثة به عنده بل كان يقعد في بيته ويستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول مثلًا: يا رسول الله رد علىِّ بصري، أو أسألك أن تشفيني وتجعلني بصيرًا، أو نحو ذلك من الكلام، ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله وأنها عبادة لا يجوز صرفها لغير الله.
فإذًا ليس في هذا الحديث متمسك لجواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل غاية ما فيه جواز التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم حال الحياة.
يقول العلامة الألباني –رحمه الله تعالى-: (أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له، وذلك قوله: (ادعُ الله أن يعافيني) فهو قد توسل إلى الله تعالى بدعائه صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه وسلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني، وتجعلني بصيرًا)، لكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمةً يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّبه، بل لابد ان يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له)[63] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn63) أ.هـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: (فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء.
فمن الناس من يقول هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقًا حيًا وميتًا، وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفي مغيبه، ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى الإقسام به على الله، أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي حوائجهم، ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم، ولا إلى أن يطيعوه، فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم او لم يدع الجميع عندهم توسل به، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه، ويظنون أن الله تعالى يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه، ودعا له الرسول إذ كلاهما متوسل به عندهم، ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبي فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ما أمر به الأعمى مشروع لهم، وقول هؤلاء باطل شرعًا وقدرًا، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله.
ومن الناس من يقولون: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يجعل أحدهم كالآخر.
وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال في دعائه: (اللهم فشفعه فيِّ) فعُلم أنه شفيع فيه ولفظه: (إن شئت صبرت، وإن شئت دعوت لك) فقال: ادع لي، فهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ويدعو هو أيضًا لنفسه، ويقول في دعائه: (اللهم فشفعه فيِّ) فدل ذلك على أن معنى قوله: (أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد) أي: بدعائه وشفاعته كما قال عمر: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا)[64] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn64) فالحديثان معناهما واحد، فهو عَلَّم رجلًا أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلًا عنه) [65] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn65)أ.هـ.
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد: (فالحديث سواء كان صحيحًا أو لا وسواء ثبت قوله فيه: يا محمد أو لا، لايدل على سؤال الغائب، ولا على سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله بوجه من وجوه الدلالات، ومن ادعى ذلك فهو مفترٍ على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه إن كان سأل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فهو لم يسأل منه إلا ما يقدر عليه، وهو أن يدعو له، وهذا لا إنكار فيه، وإن كان توجه به من غير سؤال منه نفسه فهو لم يسأل منه وإنما سأل من الله به، سواء كان متوجهًا بدعائه كما هو نص أول الحديث وهو الصحيح، أو كان متوجهًا بذاته على قول ضعيف، فإن التوجه بذوات المخلوقين والإقسام بهم على الله بدعة منكرة لم تأت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه والتابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة الدين، قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وقال: أبو يوسف: أكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، وقال القدوري: المسألة بحق المخلوق لا تجوز، فلا يقول أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، واختاره العز بن عبد السلام إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إن ثبت الحديث –يشير إلى حديث الأعمى، وقد تقدم: أنه على تقدير ثبوته ليس فيه إلا أنه توسل بدعائه لا بذاته)[66] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn66) أ.هـ.
إذا ثبت هذا، فلهم شبهة أخرى متعلقة بإحدى زيادات هذا الحديث وهي قوله صلى الله عليه وسلم للأعمى (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) فيستدلون بها على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم لأمره الأعمى أن يفعل مثل ذلك في سائر حاجاته ولا يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيطلب منه الدعاء.
وحاصل الرد أن هذه الزيادة أعلَّها شيخ الإسلام في (التوسل والوسيلة)[67] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn67) بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث.
قال الألباني: (وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في: (المصباح) (ص:30) بأن حمادًا ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا لم يخالف الراوي من هو أوثق منه، قال الحافظ في (نخبة الفكر): (والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ).
قلت: وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو بلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في (الميزان) وهو إنما يورد من تكلم فيه، ووصفه بأنه (ثقة له أوهام) بينما لم يورد فيه شعبة مطلقًا، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقال في (التقريب): (حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره) ثم قال: (شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدًا).
قلت: إذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث بزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه، فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في (النخبة) ولعلّ حمادًا روى هذا الحديث حين تغيّر حفظه، فوقع في الخطأ وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل –وهو ابن إسماعيل- عن حماد عقب رواية شعبة المتقدمة، إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة، فقال: (فذكر الحديث) ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى، وخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلًا على جواز التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم، لاحتمال أن يكون معنى قوله: (فافعل مثل ذلك) يعني من إتيانه صلى الله عليه وسلم في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضوء والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو به، والله أعلم)[68] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn68).
ثم على تقدير ثبوتها لم يكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف رضي الله عنه ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض، فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته، ولفظ الحديث يناقض ذلك؛ فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، وأنه عَلم الأعمى أن يدعو، وأمره في الدعاء أن يقول: (اللهم فشفعه فِّي) وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعيًا شافعًا له بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم[69] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn69).
فظهر مما تقدم أن هذا الحديث لا متمسَّك لهم به في جواز الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله أو الاستغاثة بالميت مطلقًا بل ذلك من الشرك الذي لا يغفر، وقد سد النبي صلى الله عليه وسلم باب الشرك بها مطلقًا فنهى عن الاستغاثة به مطلقًا، فقال: (إني لا يُستغاث بي)[70] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn70) مع أن القائلين أرادوا بها معنى صحيحًا وهو الاستغاثة فيما يقدر عليه؛ فإن تخليصهم من هذا المنافق في مقدوره صلى الله عليه وسلم، ولكن حتى لا يُعمَّم اللفظ في الجائز وغير الجائز منع منه مطلقًا، وهذا من حمايته صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد وسدِّه الطرق المفضية إلى الشرك.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: (قوله: (إني لا يُستغاث بي وإنما يستغاث بالله، والظاهر أن مراده صلى الله عليه وسلم إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ، لأن استغاثتهم به صلى الله عليه وسلم من المنافق من الأمور التي يقدر عليها إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه صلى الله عليه وسلم لجانب التوحيد وتعظيم الله تبارك وتعالى؛ فإذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم في الاستغاثة به فيما يقدر عليه فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور المهمة التي لا يقدر عليها أحد إلا الله كما هو جار على ألسنة كثير من الشعراء وغيرهم، وقلَّ مَن يعرف أن ذلك منكر فضلًا عن معرفة كونه شركًا)[71] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn71) انتهى كلامه –رحمه الله تعالى-.
الشبهة الرابعة: استدلالهم على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بالحكايات والمنامات والقصص البعيدة الواهيات أو تلك التي حصل فيها المقصود وتحقق فيها المرغوب.
الجواب: أن هذا الدين مبناه على التوقيف، والأحكام تبنى على النصوص الشرعية، أما القصص والمنامات والتجارب فليست بحجة في الشرع لاسيما في أعظم الأمور وهو تبرير الشرك وتجويزه، فليس لأحد أن يعارض الشرع بذوقه أو بما يراه في منامه أو يستدل على جواز فعل حرمه الشرع بمن جرّب فحصل مراده ومقصوده، فلو اعتمدنا ذلك لصار الدين لعبة في أيدي العابثين وساغ لكل مبطل أن يعارض الشرع بقوله وذوقه.
وليس كل من دعا عند قبر أو استغاث بصاحب ذلك القبر فاستجيب دعاؤه كان عمله صالحًا لأن الإجابة قد تكون فتنة وابتلاء، وقد تكون لافتقاره واضطراره، لأنه يدعو الله غيره.
يقول ابن القيم –رحمه الله-: (ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك االقبور أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانًا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له، وفلانًا نزل به ضر فاسترجي صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترياق مجرب، والشيطان له تلطف في الدعوة فيدعوهم أولًا إلى الدعاء عنده فيدعو العبد بحرقة وانكسار وذلة فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر، فإنه لو دعاه كذلك في الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة، والله سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافرًا ... فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيًا عنه، ولا محبًا له، ولا راضيًا بفعله، فإنه يجيب البر والفاجر والمؤمن والكافر، وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدي فيه، أو يشترط في دعائه أو يكون مما لا يجوز أن يسأل فيحصل له ذلك أو بعضه فيظن أن عمله صالح مرضي الله ويكون بمنزلة من أملى له وأمد بالمال والبنين وهو يظن أن الله تعالى يسارع له في الخيرات، وقد قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه الداعي، وقد يكون مسألة تقضي حاجته ويكون مضرة عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته فيقضي حاجته ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده.
والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر وأنه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك...
فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه وأنجع في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله، ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثنًا يعكف عليه ويوقد عليه القناديل ويعلق عليه الستور ويبني عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا ومنسكًا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المتبدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرعت أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله المرتبة الثانية أن يسأل الله عز وجل به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة باتفاق المسلمين.
الثالثة: أن يسأله نفسه.
الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب أو انه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه فهذا أيضًا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخيرن يفعل ذلك ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب)[72] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftn72).
الخاتمة
وفي الختام هذا البحث فإني أحمد الله كثيرًا أن وفقني لإتمامه، فله الشكر أولًا وآخرًا، وله الحمد باطنًا وظاهرًا، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
وبعد، فقمت بإعداد هذا البحث والذي اشتمل على مقدمة وثلاثة مطالب ثم خرجت بنتائج أهمها ما يلي:
1- تطابق الأدلة وتوافرها في تحريم الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عيه إلا الله تبارك وتعالى بل هي من الشرك المخرج من الملة.
2- تهافت الشبهات التي استدل بها المخالفون في تسويغ الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث يغلب عليها أنها أحاديث موضوعة أو ضعيفة، وما صح منها حجة عليهم لا لهم.
3- جهود شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذة ابن القيم في توضيح هذه المسألة.
4- كثرة المخالفين في هذه القضية من أهل البدع والحامل لهم على ذلك هو الغلو في شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم.
5- حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجانب التوحيد ونهيه الصريح عن أن يستغاث به صلى الله عليه وسلم كما في قوله: (إني لا يستغاث بي).
المراجع:

[1] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref1) انظر: تاج العروس (5/314)، وتلخيص الاستغاثة (1/162)، ومجموع الفتاوى (1/103-105).

[2] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref2) المعجم الوسيط (2/665).

[3] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref3) مجموع الفتاوى (1/350)، وانظر: تلخيص الاستغاثة ص:286.

[4] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref4) أي بطبع القوة المحدودة والتي يشارك النبي صلى الله عليه وسلم فيها غيره من البشر.

[5] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref5) كما لو سألهم الدعاء.

[6] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref6) أخرجه أحمد في المسند (5/317) لكن بغير هذا اللفظ، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/387)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/159) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث.

[7] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref7) أخرجه الطبراني في الأوسط (3/356) برقم (3394) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/183).

[8] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref8) مجموع الفتاوى (1/329-331).

[9] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref9) سيأتي تخريجه والكلام عليه في موضعه.

[10] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref10) سيأتي تخريجه والكلام عليه في موضعه.

[11] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref11) سيأتي تخريجه والكلام عليه في موضعه.

[12] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref12) سيأتي تخريجه والكلام عليه في موضعه.

[13] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref13) انظر: معارج الالباب (2/602-604) بتحقيقي.

[14] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref14) البخاري في كتاب الاستسقاء، باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا (جـ2/20) برقم (1010).

[15] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref15) حديث توسل أصحاب الغار بأعمالهم الصالحة أخرجه البخاري في كتاب الإجارة من صحيحة (2/793) باب من استأجر أجيرا فترك أجره فعمل فيه المستأجر فزاد، أو من عمل في مال غيره فاستفضل.

[16] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref16) وسيأتي تخريجه في موضعه.

[17] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref17) معارج الألباب في مناهج الحق والصواب (2/602-603) بتحقيقي، وانظر: جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام والتوسل بجاه خير الأنام عليه الصلاة والسلام ص(83-89) بتحقيق: الأخ عبد الرحمن السلطان.

[18] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref18) المعنى الصحيح هنا هو التقرب إلى الله تعالى، فالتقرب إلى الله تعالى مطلوب، ولكن بالألفاظ الصحيحة كالتقرب إلى الله بطلب الدعاء من الرجل الصالح.
والحاصل أن المشركين أرادوا معنى صحيحا وهو التقرب إلى الله ولكن بلفظ منكر شركي وهو دعاء الصالح وعبادته من دون الله تعالى. ومن هنا حصل الإنكار عليهم. والله تعالى أعلم.

[19] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref19) كما قال المؤلف: أخرجه أحمد في المسند (2/34، 86، 125)، وأبو داود في كتاب الإيمان، باب: كراهة الحلف بالآباء (5/253) برقم (3251) والترمذي في جامعه برقم (1574)، وابن حبان (1177) والطيالسي (1896)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/29)، والحاكم في المستدرك (1/18، 4/297). وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

[20] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref20) أخرجه أحمد في المسند (1/214، 224)، والبيهقي في السنن (3/217)، وابن أبي شيبة في المصنف (5/340)، والطبراني في الكبير (12/224)، والبخاري في الأدب المفرد (784)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (667).

[21] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref21) الجواب الكافي لابن القيم، ص(93).

[22] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref22) أخرجه أبو داود في سننه (2/79) برقم (1495)، وأحمد في المسند (3/245)، والضياء في المختارة (5/257) برقم (1885)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/156) وقال: رواه الطبراني، وفيه أبان بن عياش، وهو متروك.

[23] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref23) أي حصول الدعاء منهم في حياتهم عليهم الصلاة والسلام.

[24] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref24) ص: 182-187.

[25] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref25) الانتصار، ص:33، وانظر: تأسيس التقديس ص:50، 64، ومنهاج التأسيس ص:105.

[26] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref26) هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد العُتْمي اليماني ثم المكي، نسبة إلى بلاد عُتمة باليمن، عالم في السنة، كانت ولادته في أواخر سنة (1312)هـ، ووفاته في أوائل سنة (1386)هـ. انظر: الأعلام للزركلي (3/342).

[27] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref27) كتاب "شمس المعارف" لأحمد بن علي البوني، كتاب سحر وشعوذة، وهو مليء بالشرك ـ والعياذ بالله تعالى.

[28] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref28) قال الشيخ ابن جبرين حفظه الله: (هذا الكتاب من كتب الخرافيين، وقد شحنه مؤلفه بالأكاذيب والخرافات الباطلة، وفيه عقائد باطلة يكفر من اعتقدها، وهو أيضا مليء بأمور السحر والكهانة، وأكثر من يقتنيه هم السحرة وأهل الشعوذة، وقد حصل بسببه مفاسد وأضرار أوقعت جماعات كثير في أنواع من الكفريات والضلالة والضرر بالأمة) [نقلا عن كتب حذر منها العلماء (1/124) للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان].

[29] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref29) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، ص(31-32).

[30] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref30) درء تعارض العقل والنقل، (1/227-228).

[31] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref31) ص: 133.

[32] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref32) ص: 288 رقم (376).

[33] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref33) (24/335).

[34] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref34) ص: 344 عند الحديث رقم (844).

[35] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref35) 1/647 برقم (450).

[36] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref36) أخرجه البخاري في صحيحه (4/1873) برقم (4636).

[37] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref37) محموع القتاوى (14/363).

[38] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref38) إغاثة اللهفان (1/512).

[39] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref39) 2/483.

[40] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref40) ص: 199.

[41] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref41) جلاء الأفهام عن مذاهب الأئمة العظام والتوسل بجاه خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ص: 89.

[42] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref42) 7/117 برقم (290).

[43] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref43) 10/132.

[44] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref44) 5/322 ترجمة رقم (1490).

[45] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref45) 6/325 برقم (1805).

[46] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref46) تيسير العزيز الحميد، ص(197).

[47] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref47) أخرجه أبو يعلى في مسنده 9/177 برقم (5269)، والطبراني في المعجم الكبير 10/217 برقم (10518)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص(455-456) برقم (508) من حديث عبد الله بن مسعود، وإسناده ضعيف لضعف معروف بن حسان كما تقدم.
وأعلّه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعلة أخرى وهي الانقطاع بين عبد الله بن بريدة وابن مسعود نقل ذلك ابن علان في شرح الأذكار 5/150. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1/108 برقم (655).

[48] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref48) كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام ص:325 بتحقيق الشيخ عبد الرحمن السلطان، بحث غير منشور، وانظر: تيسير العزيز الحميد ص:197.

[49] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref49) دحض شبهات على التوحيد من سوء الفهم لثلاثة أحاديث (ص36-38).

[50] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref50) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6/91 برقم (29720)، والبيهقي في شعب الإيمان 6/128 برقم (7697)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/132 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وأورده الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ في تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين ص238 ثم قال: وفي الحديث دليل على جواز الاستعانة بمن لا يراهم الإنسان من عباد الله من الملائكة وصالحي الجن، وليس في ذلك لأس كما يجوز للإنسان أن يستعين ببني آدم إذا عثرت دابته أو انفلتت).
والحديث حسَّن إسناده الحافظ ابن حجر كما في شرح الأذكار لابن علان 5/15. ورجح الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ وقفه. وهو كما قال. وله حكم الرفع لأنه إخبار عن علم غيبي لا مجال للرأي فيه. والله تعالى أعلم بالصواب. انظر: تعليق الشيخ عبد السلام بن برجس ـ رحمه الله ـ على هذا الحديث في تحقيق رسالة دحض شبهات على التوحيد من سوء الفهم لثلاثة أحاديث ص: 37.

[51] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref51) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 6/128 برقم (7697).

[52] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref52) سنن الترمذي (5/569) برقم (3578).

[53] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref53) أخرجها النسائي في سننه الكبرى 6/168 حديث رقم (10494)، والحاكم في المستدرك 1/707 برقم (1929).

[54] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref54) هو: الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله تعالى ـ صاحب تفيسير المنار، ومجلة المنار.

[55] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref55) انظر: السنن والمبتدعات للشيخ محمد عبد السلام خضر ص: 125-126.

[56] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref56) كما في سننه 5/569 برقم (3578).

[57] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref57) انظر: التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية ص:98.

[58] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref58) انظر: التوسل أنواعه وأحكامه ص: 75.

[59] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref59) انظر: الرد على البكري 1/364، وإغاثة اللهفان 1/217 مع تيسير العزيز الحميد ص:195.

[60] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref60) انظر: السنن والمبتدعات للشيخ محمد عبد السلام خضر ص: 126.

[61] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref61) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ص:195.

[62] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref62) ومما يدل على وقوع الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم أن في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه أن يقول: (اللهم فشفعه فيِّ) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم، أو جاهه أو الاستغاثة به. إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيِّ، أي: اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره. قال في لسان العرب 8/184: (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره... والشافع الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه) انتهى. فثبت أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم لا بذاته، بتصرف يسير من التوسل أنواعه وأحكامه للألباني –رحمه الله تعالى- ص: 79-80.

[63] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref63) التوسل أنواعه وأحكامه ص: 76-77.

[64] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref64) تقدم تخريجه.

[65] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref65) مجموع الفتاوى 1/324-325.

[66] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref66) تيسير العزيز الحميد ص: 195.

[67] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref67) ص:99 أو مجموع الفتاوى 1/275.

[68] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref68) التوسل أنواعه وأحكامه ص: 90-92.

[69] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref69) مجموع الفتاوى 1/275-276.

[70] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref70) تقدم تخريجه.

[71] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref71) تيسير العزيز الحميد ص: 206-207.

[72] (http://webcache.googleuser*******.com/search?q=cache:iItivPJa188J:http://www.alsoufia.com/main/3879-1-%25D8%25AD%25D9%2583%25D9%2585-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA %25D8%25BA%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25A8%25D8%25A7%#_ftnref72) إغاثة اللهفان 1/215-228.

يوسف التازي
15-01-15, 06:02 PM
رسالتان في حكم دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله ورسالة ثالثة في حكم الاوراد البدعية

http://mahawer.al-islam.com/Loader.aspx?pageid=345&BookID=392&TOCID=2

يوسف التازي
15-01-15, 06:03 PM
الآيات الناهية عن الأستغاثة و التوسل بغير الله عز وجل


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلاهادي له ... وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.


ارجو من الجميع عدم الوقوع بالشرك والكفر بالاستغاثه بغير الله

أما بعدُ:


هذا الموضوع أخواني من المواضيع المهمة و سأختصر لكم معنى الأستغاثة بغير الله و هي منتشرة بمجتمعنا الإسلامي بكثرة و هي الشرك بعينه وهوأعظم المحرمات على الإطلاق لحديث أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثا) قالوا قلنا بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ).. متفق عليه , وكل ذنب يمكن أن يغفره الله إلا الشرك فلا بد له من توبة مخصوصة قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )النساء 48


والشرك منه ما هو أكبر مخرج عن ملة الإسلام ، صاحبه مخلد في النار إن مات على ذلك . و من مظاهر الأستغاثة بغير الله

وفي آية أخرى : (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[غافر65]. وهذه الآيات تأمرنا بالإخلاص لله في الدعاء. وتبين التلازم بين الدعاء والعبادة. وتفيد وجوب الإخلاص في العبادة وفي الدعاء. فمن دعا غير الله فيما يختص به اللله من الدعاء فقد أشرك بالله وإن قال لا اله الا الله. قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)[العنكبوت65]. وفي هذه الآية يصف الله من لم يخلصوا لله في دعائهم بأنهم يشركون.



دعاء غير الله قمة الضلال


قال تعالى :(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) [الأحقاف5].


وقال تعالى : (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد) {الحج13}
دعاء الاستغاثة باطل



قال ابن قتيبة في قوله تعالى : (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) [البقرة23]. « أي ادعوهم ليعاونوكم على سورة مثله، ومعنى الدعاء ههنا الاستغاثة، ومنه دعاء الجاهلية وهو قولهم: يا آل فلان، إنما هو استغاثتهم» (غريب القرآن43).



النهي عن دعاء غير الله نهي قرآني لا عبرة بغيره


قال تعالى : (فلا تدعوا مع الله أحدا) [الجن18]. فهذا نهي يفيد العموم.


وقال تعالى : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [غافر66]. هذه الآية تدل على أن الدعاء عبادة. وهي نص على أن دعاء غير الله مناف للإسلام لرب العالمين.



دعاء غير الله شرك
قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) [الجن20]. وقال تعالى : (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [القصص87].


وقال تعالى : (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) [غافر12]. وقال:


(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت29].


وقال تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ( [الأنعام40].



فهذه الآيات تدل على أن دعاء غير الله شرك.
قال تعالى : ( وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ)[ [النحل 86]. فهؤلاء المشركون كانوا يدعون بشرا مثلهم كما قال تعالى:(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) [الأعراف194]. وهؤلاء البشر يتبرءون منهم. فتأمل كيف وصف الله دعاء غيره بالشرك. وموضوع الآيات كان الدعاء وليس الصلاة أو السجود.



دعاء غير الله كفر


قال تعالى : (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولو كره الكافرون) [غافر14]. فالكافرون يكرهون أن يدعى الله وحده , وقال تعالى :


(حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ)[الانعام130]. قارنها بهذه الآية :(ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ 73 مِن دُونِ اللَّهِ قالوا ضلوا عنا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِين)إلى أن قال: [غافر73]. الآية الأولى: ( أين ما كنتم تدعون من دون الله) والآية الثانية: أين ما كنتم تشركون.


وقال تعالى : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) إلى أن قال سبحانه : (وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ) [الرعد 14].



مرتكب الشرك مشبه لله بخلقه


قال تعالى : (فَلا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون) [البقرة22]. سئل عليه الصلاة و السلام أي الذنب أعظم؟ قال « أن تجعل لله نداً وهو خلقك» قال الشيخ ملا علي قاري « أي تجعل نظيراً لله في دعائك وعبادتك» (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1/218. محققة). فالشرك تشبيه لله بخلقه، قال تعالى:(تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 97 إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[الشعراء97]. يحلف الذين كانوا يدعون الأولياء أنهم كانوا يشبهونهم برب العالمين . وقال تعالى :(وَإِذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) [الزمر8]. قال الطبري « كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك به في عبادته» (تفسير الطبري 1/128).



دعاء غير الله تأليه لغير الله


قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) [المائدة116]. لأنهم يدعون مريم مع الله فهو تأليه لها وإن لم يصرحوا بأنها إلهة مع الله.


وقال تعالى : (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ) [هود101].



الدعاء في لغة القرآن والحديث هو العبادة


قال تعالى : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[الأنعام56]. فدعاء غير الله مناف للإسلام لرب العالمين.


وقال تعالى : (يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)[الحج12]. فوصف الله دعاء غير الله بأنه ضلال بعيد. وقال:


قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ)[يونس18]. وقال : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)[غافر60].قال السدي: أي دعائي (تفسير الطبري 16/51 الجزء 24 ص51). قال الحافظ « وضع عبادتي موضع دعائي» (فتح الباري 11/95) وهذا دليل على أن الدعاء مستلزم للعبادة.



أليس الله بكافيكم حتى تلتجئوا إلى غيره؟


قال تعالى : (أليس الله بكاف عبده)[الزمر36]. قال الزبيدي « وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى (أليس الله بكاف عبده). (إتحاف السادة المتقين 9/498 و5/119).



لا يكشف الضر إلا الله


قال تعالى : (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)[النمل62]. وهؤلاء يقولون لك: هناك مخلوقون: يجيبون المضطر إذا دعاهم ويكشفون السوء. ثم يزينون لك هذا الشرك بعبارة بإذن الله. مع أن الله يجعل ذلك خاصا به وحده فيقول:(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ)[الانعام17]. وأما غيره فلا يكشفون ولا يستجيبون. قال تعالى : (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ)[الرعد14]. نعم، السارق يسرق بإذن الله الكوني لا الشرعي وكذلك المشرك فإنه يشرك بالله، وما أصاب الصحابة يوم التقى الجمعان
فبإذن الله. ولكن أين الإذن الشرعي الدال على جواز الاستغاثة بغير الله؟



لا أقرب ولا أرحم ولا أعلم من الله


قال تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[البقرة186]. وفي هذه الآية لفتة كريمة إلى نفي أي وساطة بين العبد وربه، حتى إن الله لم يقل: فقل لهم إني قريب. وإنما قال: فإني قريب.


وقال تعالى : (قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)[الزمر38]. فهؤلاء لا يتوكلون على الله لأنهم يدعونهم من دون الله.
.
.
.
:

يوسف التازي
15-01-15, 06:04 PM
إذا كانوا عبادا أمثالكم فلا تدعوهم


قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)[الأعراف194].


وقال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) [الكهف110]. والأنبياء والأولياء بشر وعباد أمثالنا فلا يجوز أن نسألهم بعد موتهم.


ـ قال الحافظ « وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك». وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته». (فتح الباري 8: 668 – 669). فعبادة الأصنام منشؤها الغلو في الصالحين وقد بنوها لتذكرهم بالصالحين من أنبياء وأولياء..
وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين « مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً» (شرح المقاصد4/ 41).


وهذا ما نؤكده دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين: هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى .


قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ)[يونس18]. وإنما يقع اليوم في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس.



لا يخلقون ولا ينقذون


قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج 73].

يوسف التازي
15-01-15, 06:05 PM
وقال تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [فاطر40].


وقال تعالى : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) [لقمان11].


تأملوا كل هذه الآيات تتحدث عن دعاء غير الله ومع كثرتها يجتنب المخالفون للتوحيد تذكرها أو تدبرها.



لا يغنون شيئا ولا يملكون كشف الضر ولا جلب النفع


قال تعالى : (فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلا) [الاسراء56].


وقال تعالى : (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا) [الجن21]. وقال تعالى : (قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاء اللّهُ( [الاعراف188]. وقال:


وقال تعالى : (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) [الممتحنة4].

وقال تعالى : (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ) [يوسف67].


وقال تعالى : (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا) [المائدة41]. وقال:


وقال تعالى : (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) [فاطر13].



لا يغنون لا يسمعون


قال تعالى : (إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)[فاطر14]. أي يتبرأ منهم الصالحون الذين بنيتم المقامات والأضرحة على قبورهم. وقد كانوا عن دعائهم إياهم غافلين كما قال تعالى:


وقال تعالى : (وهم عن دعائهم غافلون)[الاحقاف5]. وقال

وقال تعالى : (وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ )[فاطر22]. فالآية واضحة في أنهم كانوا يدعون الصالحين من دون الله وليس الأحجار. وسيتبرءون من شرككم إياهم مع الله قال تعالى:


وقال تعالى : (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر35]. وقال:


وقال تعالى : (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ)[القصص63].



لا ينفعون ولا يضرون


قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)[الاعراف197]. وقال
وقال تعالى : (وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)[يونس106]. أي المشركين.


وقال تعالى : (قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاء اللّهُ)[الاعراف188].


وقال تعالى : (قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)[الزمر38].


وقال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ)[يونس18]
وقال تعالى : (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لانفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا)[الفرقان3].


وقال تعالى : (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لا يَمْلِكُونَ لانفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا)[الرعد16].


وقال تعالى : (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ)[الانعام71]. فهم لا ينصرون، لا ينفعون، لا يضرون، فما الحاجة اليهم؟


لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون


قال تعالى : (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) [آل عمران38].


وقال تعالى : (إنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعَاء) [ابراهيم39]
وقال تعالى : (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون) [الشعراء72]. ثم عقب بعد ذلك بقوله : (أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ) فقال لهم أولا (تَدْعُونَ)ثم قال :(تَعْبُدُونَ).


وقال تعالى : (أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ) [الشعراء72]. وهل يمكن للنبي صلى الله عليه و سلم سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قُدِّر أن هناك ألفاً في مصر يسألونه صلوات ربي و سلامه عليه وألفاً في أندونيسيا وألفاً في الصين، كلهم يستغيثون به: فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ؟


إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يُشغِلُه سمعٌ عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق. وجعلتموه شريكاً مع الله في رقابته على الناس أينما كانوا كما قال تعالى : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) [المجادلة7]. وجعلتم كل مقبور مستحقاً صفات: سميع، بصير، مجيب، كاشف.



ويوم أن يحال بينه صلى الله عليه وسلم وبين أناس عند الحوض يقول « أصيحابي أصيحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (متفق عليه)
فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته.




لا يستجيبون بشيء


(ولو سمعوا ما استجابوا لكم) [فاطر35]. فلو تحقق السمع فلن تتحقق الاستجابة.


و قال سبحانه : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) [الاحقاف5].


وقال تعالى : (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ. فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ. لو أنهم كانوا يهتدون) [القصص64].


وقال تعالى : (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) [المائدة72]. فالشرك خطره الحرمان من الجنة.

........
لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون


قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) [الاعراف 197].

يوسف التازي
15-01-15, 06:05 PM
الحلف بغير الله :


الحلف : هو اليمين – وهي توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص

وهو تعظيم للمحلوف به ، وهذا التعظيم حق لله تعالى فلا يجوز الحلف بغيره ، فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بأسمائه و صفاته ، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره

حكم الحلف بغير الله تعالى : الحلف بغير الله إشراك بالله :

والحلف بغير الله تعالى شرك لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : أن رسول الله e قال { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك }

عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولمن حلف بغير الله فقد أشرك).

عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله e قال: (إن الله ينهاكم |أن تحلفوا بآبائكم ،من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قالمن حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله).

وقد دلت هذه الأحاديث على أن الحلف يضر بالإيمان والعقيدة، فإذا صدر هذا من مسلم، فليقل لا إله إلا الله .
..وهو شرك أصغر ، إلا إذا كان المحلوف به معظماً عند الحالف الى درجة عبادته له فهذا شرك أكبر كما هو الحال اليوم عند عباد القبور فإنهم يخافون ممن يعظمونه من أصحاب القبور أكثر من خوفهم من الله تعالى وتعظيمه بحيث إذا طلب من أحدهم أن يحلف بالولي الذي يعظمه لم يحلف به إلا إذا كان صادقاً ، وإذا طلب منه أن يحلف بالله تعالى حلف به وإن كان كاذباً

والخلاصة : فالحلف تعظيم للمحلوف به ولذلك فهو لا يليق إلا بالله تعالى ، غير أن هذا لا يعني أن الشارع يرغب في الإكثار من الحلف بالله بسبب وبغير سبب بل أمرنا بتوقير الحلف بالله تعالى وعدم الإكثار منه قال تعالى ( ولا تطع كل حلاف مهين ) ، وقال تعالى ( واحفظوا أيمانكم ) ، أي لا تحلفوا إلا عند الحاجة وفي حالة الصدق والبر ، لأن كثرة الحلف والكذب فيها يدلان على الاستخفاف بالله تعالى وعدم التعظيم له وهذا ينافي كمال التوحيد ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :{ ثلاثة لايكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم – وجاء فيه – ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه }

ففيه شدة الوعيد على كثرة الحلف مما يدل على تحريمه حفاظاً على حرمة اسم الله تعالى وتعظيماً له سبحانه وكذلك يحرم الحلف بالله تعالى كاذباً وقد وصف الله تعالى المنافقين بأنهم يحلفون على الكذب وهم يعلمون

فتلخص من ذلك :

تحريم الحلف بغير الله تعالى كالحلف بالأمانة أو الكعبة أو النبي e أوالولي وأن ذلك شرك

تحريم الحلف بالله تعالى كاذباً

تحريم كثرة الحلف بالله تعالى ولو كان صادقاً إذا لم تدع إليه حاجة لأن هذا استخفاف بالله سبحانه .جواز الحلف بالله تعالى إذا كان صادقاً وعند الحاجة..

يوسف التازي
15-01-15, 06:06 PM
التوسل بالمخلوق الى الله تعالى :


التوسل : هو التقرب الى الشيء والتوصل إليه ، والوسيلة القربة ، قال الله تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ) 1 ، أي القربة إليه سبحانه بطاعته واتباع مرضاته

التوسل قسمان :

القسم الأول – توسل مشروع وهو أنواع :

النوع الأول : التوسل الى الله تعالى بأسمائه وصفاته كما أمر الله تعالى بذلك في قوله ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون )

النوع الثاني: التوسل الى الله بتوحيده كما توسل يونس عليه السلام ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ..لنوع الثالث : التوسل الى الله تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار الى الله تعالى كما قال أيوب عليه السلام ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين )

النوع الرابع : التوسل الى الله تعالى بدعاء الصالحين الأحياء ، وكما كان الصحابة يفعلون إذا أجدبوا طلبوا من النبي e أن يدعوا لهم ولما توفي صاروا يطلبون من عمه العباس رضي الله عنه فيدعوا لهم

النوع الخامس : التوسل الى الله تعالى بالاعتراف بالذنب ، قال تعالى ( قال ربِ إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) ، وقال تعالى حكاية عن آدم وزوجته ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )

النوع السادس : التوسل الى الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة التي قام بها المتوسل كما قال تعالى عن أهل الإيمان ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن أمنوا بربكم فأمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار )

وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار فلم يستطيعوا الخروج فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم ففرج الله تعالى عنهم



القسم الثاني – توسل غير مشروع :
. وهو التوسل بما عدا الأنواع المذكورة في التوسل المشروع كالتوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات ، والتوسل بجاه أحدٍ من الخلق حتى لو كان من ذوي الجاه والقدر عند الله كالأنبياء والملائكة ، وكذلك التوسل بذوات المخلوقين أو حقهم ، وتفصيل ذلك كما يلي :

1- طلب الدعاء من الأموات : وهذا لا يجوز لأن الميت لا يقدر على الدعاء كما كان يقدر عليه في الحياة ، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رض الله عنه ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً كالعباس ويزيد بن الأسود رضي الله عنهما ، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا عند قبره ولا عند غيره ، بل عدلوا الى البدل كالعباس ويزيد ، وقد قال عمر رضي الله عنه " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا " فجعلوا هذا بدلاً عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلون

وقد كان من الممكن أن يأتوا الى قبره فيتوسلوا به لو كان جائزاً ، فتركهم لذلك دليل على عدم جواز التوسل بالأموات لا بدعائهم ولا بشفاعتهم ,وإلا فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حياً وميتاً سواء ، لما عدلوا عنه الى غيره ممن هو دونه 2-التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه غيره : وهذا أيضاً لا يجوز لا لأنه لا مكانة ولا جاه للنبي e عند ربه حاشا فجاهه معروف ومكانته معلومة ولكن سؤالاً بهذا الشكل وهذه الصيغة لم يثبت ولم يصح فيه دليل ، وبما أن السؤال والتوسل من الدعاء ، والدعاء مخ العبادة ، والعبادة توقيفية ولا تثبت إلا بدليل صحيح صريح كان هذا النوع من التوسل غير مشروع

وأما الحديث الذي فيه { إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم } فهو حديث مكذوب ليس في شئ من كتب المسلمين التي يعتمد عليها ، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث ، وإذا كان هذا في حق النبي e وهو أشرف الخلق فغيره من باب أولى

3- التوسل بذات المخلوقات : وهذا أيضاً لا يجوز لعدم ورود ما يدل على ذلك ، والتوسل عبادة والعبادة يتوقف فيها عند النص ، تم إن المتوسل بذات المخلوق إن كان يقصد بالباء في قوله : أسألك بذات فلان القسم فهو إقسام به على الله تعالى ، وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز وهو شرك كما في حديث { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك } ، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جل وعلا ، وإن كانت الباء للسببية فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سبباً للإجابة ولم يشرعه لعباده

كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها :عن جبير بن مطعم قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : جهدت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلكت الأموال ، فاستسق الله لنا ، فإنا نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، فقال النبي صلى الله عليهه وسلم { سبحان الله سبحان الله } فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ، ثم قال : { ويحك ، إنه لا يستشفع بالله على أحد ، شأن الله أعظم من ذلك ، ويحك أتدري ما الله ، إن عرشه على سماواته هكذا ، وقال بأصابعه مثل القبة عليه ، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب }

وقد علمنا من هذا الحديث شدة انكار النبي صلى الله عليه وسلم على الإعرابي الذي قال : إنا نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، وكيف فزع لذلك ، واستشعر الخشية من الله ، وجعل يسبح الله ، ويكثر من التسبيح والتنـزيه ، وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة ، و أوضح أن من يستشفع به على أحد يكون في الغالب أحط شأناً من الذي يستشفع عنده ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، فلا يستشفع به عند أحد ، وقد جرت العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر ، ببعض خاصته ، وأهل المنـزلة عنده ، فيحقق الرغبة ويعطي السؤال إرضاءاً لهذا الشفيع ، وتشريفاً لقدره ، والله هو الذي يملك زمام الأمور ، وغيره ضعيف عاجز ، مفتقر الى الله ، فكيف يستشفع به على أحد من خلقه ، فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة الله وجبروته ، كانوا أقل من ذرة ، وإن العرش الذي أحاط بالسموات والأرضين كالقبة ، ليئط به اطيط الرحل بالراكب ، وليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها ، فمن يجرؤ على أن يتدخل في مملكته ، وينفذ فيها أمره ، إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا يحتاج في ذلك الى وزير أو مشير ، يصرف أموراً لا يأتي عليها الإحصاء ، ولا يبلغها الاستقصاء ، في أقل من طرفة عين ، فكيف يشفع عنده غيره ، ومن الذي يستبد بالأمور دونه ؟ يا للعجب إن سيدنامحمداً الذي شرفه الله على جميع خلقه لا يكاد يسمع من اعرابي كلمة تدل على سذاجته وجهله بالله حتى يملأه الخوف و المهابة ، فيفيض في بيان عظمة الله تعالى التي ملأت العالم من العرش الى الفرش ، فما بال أقوام طالت ألسنتهم ، وحملهم الطيش والجرأة ، فتشدقوا بكلام تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هداً ، وبدأوا يتكلمون عن الله جلت عظمته ، كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة

أعاذنا الله عن الشطحات ، والافتراءات ، وقد احسن شاعر فارسي إذ قال

أزْخُدَا خُـاهيمُ و تَوْفيقِ أدبْ بي أدبْ مَحْرومِ كَشْتْ أزْ لُطْفِ رَبْ

و ترجمته :

نسأل الله التوفيق للأدب فإن عديم الأدب بعيد عن لطف الله

وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة ، أو ألمت بهم ملمة ، أن يقرأوا ورد ( يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئاً لله ) في عدد مخصوص ، ومدة مخصوصة ، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته ، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني ، وتوسل بالله تعالى إليه ، والعكس أصح ، فيجوز التوسل بالشيخ الى الله ليدعوا الله ، لا التوسل بالله إليه
وقد ذهب أكثر فقهاء المذاهب ومحققوا الصوفية الى عدم إباحة هذا الورد ولهم في ذلك مقالات وفتاوى ، نقتصر هنا على ما كتبه فخر المتأخرين العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة ، جواباً على استفتاء ورده عن هذا الورد ، يقول رحمه الله : إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم ، أولاً لأن هذا الورد متضمن كلمة ( شيئاً لله ) وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قالها ، وثانياً : لأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة ، ولم يثبت شرعاً أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة ، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم ، ومن اعتقد أن غير الله سبحانه وتعالى حاضر وناظر ، وعالم بالخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن ، فقد أشرك ، والشيخ عبد القادر رحمه الله وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العد والإحصاء ، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادراُ على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة ، ولاعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين ، واعتقاد أنه رحمه الله كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ، ويسمع ندائهم ، من عقائد الشرك ، والله أعلم

وليت شعري ما ألجأ الناس الى ذلك والله أقرب من كل قريب ، وأرحم من كل رحيم وهو القائل : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ، أجيب دعوة الداع إذا دعان ) والقائل : ( أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) وقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني نفسه لابنه الشيخ عبد الوهاب [ وكِّل الحوائج كلها الى الله عز وجل واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، التوحيد ، التوحيد ] وخطبتة في فتوح الغيب وفي الفتح الرباني ، مليئة بهذه الوصايا والزجر والتوبيخ على من إستعان بغير الله كما مر ذكربعض النقول والحاصل : أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك ، أو إساءة الأدب مع الله تعالى ، فإن الله هو المتعالي ، الغني ، القادر ، الملك الجبار ، لا يبالي بأحد ، إذا شاء بطش على شئ مهما دق أوصغر ، وإذا شاء عفى عن كبير ولو كان مثل جبل ، ولا يصح أن يتكلم الإنسان بلفظ ظاهره إساءة الأدب ، وباطنه الإجلال والتعظيم ، ويقول المتكلم تكلمت بالكلمة الفلانية وإنما أقصد غيرها ، فإن الألغاز والمعميات لها مجالات كثيرة ، وهي لا تليق بالله تعالى ، ولا نعرف عاقلاً يهزأ بملكه أو بأبيه ، أو يستعمل معهما الصنائع البديعية ، والكنايات الأدبية ، التي اخترعها الأدباء ، بل يكون كلامه واضحاً صريحاً يصدر عن وعي ويدل على أدب ، أما مجال هذه الأساليب الأدبية فهي مجالس الإخوان والخلان والنوادي الأدبية

4_التوسل بحق المخلوق : لا يجوز لأمرين :

الأول : أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد ، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك كما قال تعالى ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) ، فكون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق فضل وإنعام وليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق

الثاني : أن هذا الحق الذي تفضل الله تعالى به على عبده هو حق خاص به لا علاقة لغيره به فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلاً بأمر أجنبي لا علاقة له به وهذا لا يجديه شيئاً

وأما الحديث الذي فيه { أسألك بحق السائلين } فهو حديث لم يثبت لأن في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف مجمع على ضعفه كما قال بعض المحدثين ، وما كان كذلك لا يحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة ثم إنه ليس فيه توسل بحق شخص معين وإنما بحق السائلين عموماً وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله تعالى بذلك ، وهو حق أوجبه على نفسه لهم تفضلاً منه على عباده ولم يوجبه عليه أحد فهو توسل إليه بوعده الصادق لا بحق المخلوق

.....
كم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق :


الاستعانة : طلب العون والمؤازرة في الأمر.

والاستغاثة : طلب الغوث لإزالة الشدة .

وهما من أنواع الدعاء وإن اختلف محل كل واحد منهما أو دواعيهما

هذا والاستعانة والاستغاثة بالمخلوق على نوعين :

النوع الأول : الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه وهذا جائز كدعائه حياً وكما قال تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ) ، وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام : ( فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه ) ، وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها مما يقدر عليه المخلوق ومما ليس فيه تعلق بغير الله تعالى أو ذريعة الى التعلق بغيره ....لنوع الثاني : الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى كالاستعانة والاستغاثة بالأموات أوالاستغاثة بالأحياء والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر

فهذا النوع غير جائز وهو شرك أكبر وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه العباس رضي الله عنهما في وصيته له أن يتجه بالسؤال والاستعانة وطلب دفع الضر الى الله وحده فقال صلى الله عليه وسلم { إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله} وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رجل يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : {أن تدعو لله نداً وهو خلقك } وقد دل هذا الحديث على أن إشراك العبد أحداً بالله تعالى في علمه المحيط ، وقربه من كل أحد ، وقدرته على كل شئ ، فيستغيث به ويستصرخه هو أكبر الكبائر ، لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعفه بحاجته مثله أو أن يحيط مثله بعلم كل شئ فلا يغيب عنه شئ في أي زمان أو مكان

ثم إذا كان الواقع أن الله تعالى هو الذي خلقنا وهو ربنا ونحن نقر له بذلك – وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه ، ولا نستعين إلا به ، وما لنا ولغيره ؟ فمن كان من جملةخدم ملك وصنائعه ، انقطع إليه كلياً ، وأطبق عينه عن كل ملك ورئيس ، فضلاً عن وضيع أو خسيس ، أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة ، وأضعف وفاءاً من المملوك لمولاه المجازي.وقد شنع الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله على من يشرك بالله غيره ، ويعتقد فيه النفع والضرر والعطاء والمنع ، في بلاغة وقوة ، فقال : يا معرضاً عن الحق عزوجل ، مقبلاً على الخلق ، مشركاً بهم ، إلى متى إقبالك عليهم ؟ إيش ينفعونك ؟ ليس بأيديهم ضرر ولا نفع ، ولا عطاء ولا منع ، لا فرق بينهم وبين سائر الجمادات فيما يرجع الى الضر والنفع ، الملك واحد ، الضار واحد ، النافع واحد ، المحرك والمسكن واحد ، المسلط واحد ، المسخر واحد ، المعطي والمانع واحد ، الخالق والرزاق هو الله عز وجل

وقال أيضاً : سلوا الله ولا تسألوا غيره ، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره ، ويحك بأي وجه تلقاه ، وأنت تنازعه في الدنيا ، معرض عنه ، مقبل على خلقه ، مشرك به ، تُنزل حوائجك بهم ، وتتكل بالمهمات عليهم ، ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإن وقوفكم معها هوس ، لا مُلك ولا سلطان ، ولا غنى ، ولا عِزَّ إلا للحق عزوجل كن مع الحق ، بلا خلق

وأخيراً تعال معي أخي المسلم لنستمع إلى نداء القرآن حيث يقول الله تعالى فيه ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له الى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ) فقد دلت الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة ، حتى عدلوا عن الله القادر العليم ، الى أناس لا يسمعون دعاءهم ، وإن سمعوا ما استجابوا لهم ، وهم لا يقدرون على شئ ، فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون ويظنون أنهم ما أشركوا لأنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة ، وإنما طلبوا منهم الدعاء فهؤلاء وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة على حسب زعمهم فإنهم أشركوا عن طريق النداء ، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد ، كما يسمعونهم عن قرب والله ينفي ذلك عنهم كما بينت الآية السابقة ذلك بوضوح

يوسف التازي
15-01-15, 06:07 PM
قال العلامة الآلوسي الحنفي العراقي رحمه الله :

" هذه المشاهد المشهورة اليوم قد اتخذها الغلاة أعيادا للصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترابها وعبادة أصحابها والإستغاثة بهم وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكروب وإغاثة اللهفات ، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم !!!
ومن لم يصدق ذلك فليشهد مشهدا من مشاهد العراق حتى يرى الغلاة وقد نزلوا عن الأكوار والدواب – إذا رأوها من مكان بعيد – فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج ، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج ، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج !!

فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد ، ونادوا ولكن من مكان بعيد حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين , ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر - ولا أجر – من صلى إلى القبلتين ، فتراهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسرانا !!

فلغير الله – بل للشيطان –
ما يراق هناك من العبرات
ويرتفع من الأصوات ويطلب من الميت من الحاجات
ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات
ومعافاة أولي العاهات والبليات
هل اكتفوا بذلك يا شيخ رحمك الله
ثم اثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيها بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين , ثم أخذوا في التقبيل والإستلام ، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام ، ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود !!
ثم كملوا حج القبر بالتقصير هناك والحلاق واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق !!
وقربوا لذلك الوثن القرابين وكانت صلاتهم ونسكهم وقرباتهم لغير الله رب العالمين " !!

غاية الأماني 2/30-31

وقد نقل الشيخ د. شمس الأفغاني - رحمه الله – نحو كلام العلامة الآلوسي عن جمع من علماء الأحناف منهم :
1- قاسم بن قطلوبجا ( ت: 897 هج )
2- ابن نجيم الملقب بأبي حنيفة الثاني ( ت : 970 هج)
3- خير الدين الرملي ( ت: هج993)
4- سراج الدين عمر بن نجيم ( ت: 1005 هج)
5- علاء الدين الحصكفي ( ت : 1088 هج )
6- ابن عابدين ( ت: 1252 هج)
7- الخجندي ( ت: 1379 هج)
8- البركوي( ت : 981 هج)
9- أحمد السرهندي والملقب عندهم بمجدد الألف الثاني ( ت: 1034 هج)
10- محمد المكي
11- أحمد الرومي ( ت: 1043 هج)
12- سبحان بخش الهندي
13- محمد السورتي
14- صنع الله الحلبي المكي ( 1120 هج)
15- شيخ القرآن الفنجفيري ( ت: 1407)
16- ولي الله الدهلوي ( ت: 1176 هج)
17- ابن عربشاه ( ت: 854 هج)
18- عبدالرزاق البيطار ( ت: 1335 هج)
19- حفيده محمد البيطار
20- اسماعيل الدهلوي( ت: 1246 هج)
21- محمود وابنه نعمان وحفيده شكري الآلوسي
22- السسهواني( ت: 1326 هج)
23- مسعود الندوي( ت: 1373 هج) وغيرهم كثير !!!
المرجع : جهود علماء الحنفية في ابطال عقائد القبورية : 1/448-480)
وقد وجدت كلمة جيدة لعلامة عصره محمد بن سلطان المعصومي – رضي الله عنه – وهو من علماء الحنفية – في كتابه (حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد) ص: (315) ضمن مجموعة رسائل، بعد أن ذكر ما يقع فيه بعض الجهال من الاستغاثة بالأولياء والصالحين: (يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبر وتفكر، هل ثبت أن أحداً من الصحابة – رضي الله عنهم – نادى النبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك! بل قد ورد المنع من ذلك، كما سأذكره – إن شاء الله تعالى – إلى أن قال: وها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي – من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة –
ففي شرح القدوري: "إن من يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور، وقال يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة زاعماً أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى، وكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي، إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك) ... (ثم نقل المعصومي عدة نقولات عن أئمة الحنفية مما يدل على هذا المعنى).
قال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (ص520-521):
(ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئاً لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ رحمه الله لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه ؟! أليس الله بكاف عبده ؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحداً من خلقك كعظمتك.
قال في "البزازية" وغيرها من كتب الفتاوى:"من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر"
وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: "ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في "البحر الرائق"، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في "التوشيح":"منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون)(سورة الأحقاف: الآية5 )
وفي "البحر": لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وهكذا في فتاوى قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب العلماء الحنفية.
وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، - ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية". انتهى كلامه رحمه الله
ويقول العلامة صنع الله بن صنع الله الحلبي المكي الحنفي المتوفى سنة (1120 هـ)، قال في كتابه المسمى (سيف الله على من كذب على أولياء الله) (ص15-16):
" هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات،وبهممهم تنكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات! وقرّرهم على ذلك من ادعى العلم بمسائل، وأمدهم بفتاوى ورسائل، وأثبتوا للأولياء – بزعمهم- الإخبار عن الغيب بطريق الكشف لهم بلا ريب، أو بطريق الإلهام أو منام!
وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد نجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعه، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور .
وهذا كما ترى كلام فيه تفريط وإفراط، وغلو في الدين بترك الاحتياط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّق، ومخالفة لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه هذه الأمة.
فكل بناء على غير أصولهم تلبيس، وفي غير منهاجهم مخايل إبليس.
وفي التنـزيل (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)، فإن كان مثل هذا الوعيد للحذر عن الميل عن الطريق السديد، فلا جرم أن الحق فيما لهم من الأحكام، وفي طريقهم الاعتصام، بل وبه يتميز أهل الإسلام من أهل الانتقام".
ثم قال في (ص28-30): " الفصل الأول,في الرد على ما انتحلوه من الإفك الوخيم والشرك العظيم .
قال جل ذكره ( إن الشرك لظلم عظيم )
والإفك: الكذب، كما قال جل ذكره ( إن الذين جآءو بالإفك) في قصة الصديقة رضي الله عنها. وفي الآية( لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ), ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذّب بالحق لما جاءه)، (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين)....إلى غير ذلك من الآيات.
فمن كذب على أولياء الله، فقد كذب على الله، واتخذ إلهه هواه (وأولئك الأغلال في أعناقهم)، ( أولئك كالأنعام بل هم أضل)
أما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات يرده قوله جلّ ذكره( أإله مع الله ) ( ألا له الخلق والأمر ), ( لله ما في السموات والأرض )، (له ملك السموات والأرض)
وما هو نحوه من الآيات الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتصرف والتقدير، ولا شركة لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفاً وملكاً، وإحياء وإماتة وخلقاً، وعلى هذا اندرج الأولون ومن بعدهم، وأجمع عليه المسلمون ومن تبعهم، وفاهوا به كما فاهوا بقولهم: لا إله إلا الله.
وتمدح الرب تعالى بانفراده في ملكه بآيات من كتابه العزيز، كقوله جلّ ذكره( هل من خالق غير الله)،( وخلق كل شيء)، ( وكل شيء خلقناه بقدر)، ( ذلكم الله ربكم خالق كل شيء)، ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ), ( أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات)، (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير)،( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك)،( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم )، ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل)، ( والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه)، إلى غير ذلك من الآيات التي لا تستقصى.
فقوله( من دون الله) في الآيات كلها: أي من غيره تعالى، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من شيطان وولي تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه، كيف يمد غيره". ثم واصل كلامه بهذا الصدد إلى أن قال في (ص32):" وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة" ثم ساق الآيات لرد هذه الافتراءات.

أقوال الحنابلة
قال الحجاوي في باب حكم المرتد من كتابه الإقناع 4/285 ط. التركي
(قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به اتفاقا. وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا. انتهى. أو سجد لصنم أو شمس أو قمر).
قال منصور البهوتي في كشاف القناع:
((قال الشيخ أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به ) الرسول ( اتفاقا , وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا انتهى ) أي كفر لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )).

وقال ابن مفلح في الفروع 6/165 في باب حكم المرتد:
(قال : أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ( ع ) قال جماعة : أو سجد لشمس أو قمر).

وقال المرداوي في الإنصاف 10/327
(فائدة : قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : وكذا الحكم لو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا . قال جماعة من الأصحاب : أو سجد لشمس أو قمر).
وقال الشيخ مرعي الكرمي في غاية المنتهى 3/355
(أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا قاله الشيخ).
وقال مصطفى الرحيباني في مطالب أولي النهى 6/279
(( أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ) كفر ( إجماعا قاله الشيخ ) تقي الدين , وقال : أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به كفر اتفاقا ; لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
وقال منصور البهوتي في حاشيته على المنتهى الموسومة بإرشاد أولي النهى إلى دقائق المنتهى 2/1348
(قال الشيخ تقي الدين: أو كان مبغضا لله أو لرسوله، أو لما جاء به اتفاقا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويسألهم ويدعوهم إجماعا). مع أن متن المنتهى لم ينص على هذه المسألة.
فانظر إلى متأخري الحنابلة كيف يطبقون على نقل هذا الإجماع دون أن يستنوا منه نبيا أو وليا.

وقال ابن الجوزي : (قال ابن عقيل: لما [صعبت] التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالألواح [بالحوائج] وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا ، وأخذ التراب تبركا وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، ولا تجد في هؤلاء من يحقق مسألة في زكاة فيسأل عن حكم يلزمه، والويل عندهم لمن لم يقبّل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد المأمونية يوم الأربعاء...) انتهى من تلبيس إبليس ص 448، وهو عند ابن القيم في إغاثة اللهفان 1/195 وما بين المعقوفتين منه.
وقال ابن عقيل أيضا فيما نقله ابن مفلح في الفروع 2/273
(وفي الفنون : لا يخلق القبور بالخلوق , والتزويق والتقبيل لها والطواف بها , والتوسل بهم إلى الله , قال : ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا : بالسر الذي بينك وبين الله . وأي شيء من الله يسمى سرا بينه وبين خلقه ؟ قال : ويكره استعمال النيران والتبخير بالعود , والأبنية الشاهقة الباب , سموا ذلك مشهدا . واستشفوا بالتربة من الأسقام , وكتبوا إلى التربة الرقاع , ودسوها في الأثقاب , فهذا يقول : جمالي قد جربت , وهذا يقول : أرضي قد أجدبت , كأنهم يخاطبون حيا ويدعون إلها)).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم 1/481
(واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعيّن...) إلى آخر كلام طويل نافع.
وقال ابن رجب في تحقيق كلمة الإخلاص ص 21
(فتحقيقه بقول لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حبا ورجاء وخوفا وتوكلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا) ثم قال (وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله وإلآله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الآلهيه كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ).
وقال المرداوي في الإنصاف 2/456
(وقال الإمام أحمد وغيره من العلماء : في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " : الاستعاذة لا تكون بمخلوق)
مع أنه نقل عن أحمد في نفس الصفحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء.
وقد أحال الأسمري على هذه الصفحة حين عرض لمسألة التوسل، فهل قرأ ما يتعلق بالاستعاذة ؟ وهل ثمة فرق مؤثر بين الاستغاثة والاستعاذة في هذا الباب؟!
وانظر النقل عن أحمد وغيره في أن الاستعاذة لا تكون بمخلوق في:
الفروع 2/160 ، كشاف القناع 2/68 ، مطالب أولي النهى 1/817
قال الإمام أبو بكر محمد بن وليد الطرطوشي المالكي المتوفى سنة (520هـ) في كتابه القيم (الحوادث والبدع) التي من ضمنها البدع الشركية (ص104ـ 105) معلقاً على حديث أبي واقد الليثي الذي قال فيه:خرجنا مع النبي –صلى الله عليه وسلّم- قبل حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط. فمررنا بالسدرة فقلنا: يا رسول الله ! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: " اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون "، لتركبن سنن من قبلكم ".
فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها ! "
العلامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة الشافعي المتوفى سنة 665 هـ صاحب كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث التي من ضمنها البدع الشركية قال في الكتاب المذكور (ص 100-101): "فصل (البدع المستقبحة)
ثم هذه البدع والمحدثات المستقبحة، تنقسم إلى قسمين:
قسم تعرفه العامة والخاصة أنه بدعة، إما: محرمة وإما مكروهة. وقسم يظنه معظمهم ـ إلا من عصم ـ عبادات وقرباً وطاعات وسنناً.

فأما القسم الأول:
فلا نطول بذكره، إذ كفينا مؤنة الكلام فيه، لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين لكن نبين من هذا القسم ما قد وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء، وهو ما يفعله طوائف من المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن، واعتقادهم في مشايخ لهم ضالّين مضلّين، يأكلون في نهار رمضان من غير عذر،ويتركون الصلاة، ويخامرون النجاسات، غير مكترثين لذلك، فهم داخلون تحت قوله تعالى( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله)وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادىء ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها.
ومن هذا القسم أيضاً:
ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها،ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر.
وفي مدينة دمشق - صانها الله تعالى من ذلك- مواضع متعددة: كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلّق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق سهّل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق وسفيان ابن عيينة عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال:"خرجنا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- إلى حنين" وذكر بقية الحديث.

يوسف التازي
15-01-15, 06:08 PM
وقال الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي الشافعي المتوفى سنة (845هـ) في كتابه تجريد التوحيد المفيد (ص11-12):"وشرك الأمم نوعان. النوع الأول: شرك في الإلهية وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ وعباد الصالحين الأحياء منهم والأموات. الذين قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ويشفعوا لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته، والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله وتنص على أنهم أعداء الله، وجميع الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى أمة من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله.
وأصله الشرك في محبة الله تعالى قال تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) فأخبر سبحانه أن من أحب مع الله شيئاً غيره كما يحبه فقد اتخذه نداً من دونه.
وهذا على أصح القولين في الآية أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور في قوله (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) والمعنى على أصح القولين أنهم يعدلون به غيره في العبادة، فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة وكذلك قول المشركين في النار لأصنامهم (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) ومعلوم قطعاً أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها لله وحده وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه سبحانه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه.
وإنما كانت هذه التسوية بينه وبين الله تعالى في المحبة والعبادة فمن أحب غير الله وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله تعالى ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله، فكيف بمن كان غير الله تعالى آثر عنده وأحب إليه وأخوف عنده، وهو في مرضاته أشد سعياً منه في مرضاة الله.
فإذا كان المسوي بين الله وبين غيره في ذلك مشركاً فما الظن بهذا ؟ فعياذاً بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام كانسلاخ الحية من قشرها.
وهو يظن أنه مسلم موحد، فهذا أحد أنواع الشرك. والأدلة الدالة على أنه تعالى يحب أن يكون وحده هو المألوه يبطل هذا الشرك ويدحض حجج أهله. وهي أكثر من أن يحيط بها إلا الله، بل كل ما خلقه الله تعالى فهو آية شاهدة بتوحيده وكذلك كل ما أمر به فخلقه وأمره.وما فطر عليه عباده وركبه فيهم من القوة، شاهد بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنّ كل معبود سواه باطل وأنه هو الحق المبين تعالى وتقدس ".
وذكر - رحمه الله - النوع الثاني وهو الشرك في الربوبية مثل شرك المجوس وغيرهم الذين يقولون بأن للعالم خالقين: أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر.
ثم قال:
" وكثيراً ما يجتمع الشركان في العبد وينفرد أحدهما عن الآخر. والقرآن الكريم بل الكتب المنـزلة من عند الله تعالى، كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك كقوله تعالى: (إياك نعبد) فإنه ينفي شرك المحبة والإلهية وقوله (وإياك نستعين) فإنه ينفي شرك الخلق والربوبية فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة. وأنه لا يجوز إشراك غيره معه، لا في الأفعال ولا في الألفاظ، ولا في الإرادات، فالشرك به في الأفعال
كالسجود لغيره سبحانه
والطواف بغير بيته المحرم.
وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لغيره
وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه تعالى في الأرض
أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها
وقد لعن النبي –صلى الله عليه وسلّم- من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى فيها. فكيف من اتخذ القبور أوثاناً تعبد من دون الله، فهذا لم يعلم معنى قوله تعالى (إياك نعبد).
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وفيه عنه أيضاً: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد " وفيه أيضاً عنه صلى الله عليه و سلم : " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " وفي مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه و سلم " لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " وقال " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقال " إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى ".
والناس في هذا الباب أعني زيارة القبور ثلاثة أقسام:
قوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزيارة الشرعية.
وقوم يزورونهم يدعون بهم فهؤلاء هم المشركون في الإلهية والمحبة
وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وهؤلاء هم المشركون في الربوبية.

وقد حمى النبي –صلى الله عليه وسلّم- جانب التوحيد أعظم حماية تحقيقاً لقوله تعالى (إياك نعبد) حتى نهى عن الصلاة في هذين الوقتين ذريعة إلى التشبه بعبّاد الشمس، الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلّم- " لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله".
ولا ينبغي في كلام الله ورسوله، إنما يستعمل للذي هو في غاية الامتناع كقوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً) وقوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) وقوله تعالى: (وما تنـزلت به الشياطين وما ينبغي لهم) وقوله (ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء).
ومن الشرك بالله تعالى، المباين لقوله تعالى (إياك نعبد) الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى اللع عليه و سلم أنه قال " من حلف بغير الله فقد أشرك " صححه الحاكم وابن حبان، قال ابن حبان أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عبد الله بن عمر الجعفي حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن الحسن ابن عبد الله النخعي عن سعد بن عبيدة قال: " كنت عند ابن عمر فحلف رجل بالكعبة، فقال ابن عمر: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- يقول " من حلف بغير الله فقد أشرك " ومن الإشراك قول القائل لأحد من الناس: ما شاء الله وشئت كما ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلّم-" أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً، قل ما شاء الله وحده "
هذا مع أن الله تعالى قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله تعالى (لمن شاء منكم أن يستقيم)، فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت وهذا من الله ومنك.وهذا من بركات الله وبركاتك والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. وازن بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم، وبين ما نهى عنه من " ما شاء الله وشئت " ثم انظر أيها أفحش، يتبين لك أن قائلها أولى بالبعد من (إياك نعبد). وبالجواب من النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وإنه إذا كان قد جعل رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- نداً فهذا قد جعل من لا يدانيه لله نداً. وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله (إياك نعبد) هي السجود والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعاً وتعبداً والدعاء كل ذلك حق لله تعالى. وفي مسند الإمام أحمد " أن رجلاً أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنباً فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال صلى الله عليه وسلم عرف الحق لأهله " أخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود بن سريع وقال: حديث صحيح. تجريد التوحيد المفيد (ص13-15).

وقال أيضاً " فإن قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله تعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجانب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه وقال:
إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه
وتدخل بي عليه فهو الغاية وهذه وسائل
فلِمَ كان هذا القدر موجباً
لسخط الله وغضبه،
ومخلداً في النار
وموجباً لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم.

وهل يجوز في العقل أن يشرع الله تعالى لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد بالشرع فقط. أم ذلك قبيح في الشرع. والعقل يمتنع أن تأتي به شريعة من الشرائع، وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب؟ كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به).

قلنا: الشرك شركان.
الأول: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في أسمائه وصفاته وأفعاله. أما الشرك الثاني فهو الذي فرغنا من الكلام فيه وأشرنا إليه الآن، ونشبع الكلام فيه إن شاء الله تعالى) (ص15-16).
وقال أيضاً: فنقول: اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق وتشبيه المخلوق بالخالق أما الخالق فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. وهي التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوى بين التراب ورب الأرباب فأي فجور وذنب أعظم من هذا.؟!
واعلم أن من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص عليه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلاً وشرعاً وفطرة، فمن جعل ذلك لغيره فقد شبّه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم، أخبر من كتب على نفسه الرحمة أنه لا يغفره أبداً. فمن خصائص الإلهية العبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبهه بالله تعالى في خالص حقه وقبح هذا مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق واجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بالله مالم ينـزل به سلطاناً. كما روى ذلك عن الله أعلم الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنوه حسناً، ومن خصائص الإلهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبهه به ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه فمن حلف بغيره فقد شبهه به. ومنها حلق الرأس. إلى غير ذلك (ص18).

ويقول الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (1182 هـ) في كتابه الشهير المسمى "بتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، قرر في هذا الكتاب ما قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتبه من إنكار الشرك في البلاد الإسلامية وقرر التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء ودعا إليه الإمام محمد ومن سبقه من الأئمة المصلحين الآنف ذكرهم.
قال في خطبة كتابه تطهير الاعتقاد (ص4):" وبعد فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد وجب عليّ تأليفه وتعيّن عليّ ترصيفه لما رأيته وعلمته من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة ، وهو الاعتقاد
في القبور
وفي الأحياء
ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجداً ولا يرى لله راكعاً ولا ساجداً ولا يعرف السنة ولا الكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب.
فوجب عليّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره.فاعلم أن هاهنا أصولاً هي من قواعد الدين ومن أهم ما تجب معرفته على الموحدين ".
وقال - رحمه الله-: فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.
قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها. وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً، فالله تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة ( أن لا تعبدوا إلا الله)، وإخلاصها له ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين).
ومن نادى الله ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وطمعاً، ثم نادى معه غيره، فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى(إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) بعد قوله(ادعوني أستجب لكم (فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم مسلك رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- في المشركين.
قلت: ذهب إلى هذا طائفة من أئمة العلم فقالوا يجب أولا دعاؤهم إلى التوحيد وإبانة أن ما يعتقدونه لا ينفع ولا يضر ولا يغني عنهم من الله شيئاً... وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك لا يتم الإيمان بما جاءت به الرسل إلا بتركه والتوبة منه وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده، وهذا واجب على العلماء أي بيان أن ذلك الاعتقاد الذي فرعت منه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماء ذلك للأئمة والملوك وجب على الأئمة والملوك بعث الدعاة إلى الناس يدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله صلى الله عليه و سلم من المشركين" تطهير الاعتقاد (ص30 – 32).

ويقول الإمام حسين بن مهدي صاحب كتاب " معارج الألباب في مناهج الحق والصواب " المتوفى سنة (1178هـ)، قال - رحمه الله-(ص201- 203) "ولما كان الثاني نتيجة الأول، ومرمى غرض إبليس من الدلالة عليه نقل من خفي عليه الأمر من الرضا بالأول إلى الرضا بالثاني، ومن يتكلم بمثل هذا إلا من لا يدري ما فشا في العامة، ومن امتاز عنهم بالاسم فقط، وما صار هجّيراهم عند الأموات ومصارع الرفات من دعائهم والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال. والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام، واستنـزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد. وبالجملة: فأي مطلب أو مهرب ترى هنالك ربع المشهد مأهولاً، وقد قطعت إليه المهامه وعوراً وسهولا، والنداء لساكنه أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة، ومشاعر الرهبة. وينضاف إلى ذلك – خصوصاً في الزيارات في الأعياد والموالد- نحر الأنعام، وترك الصلاة، وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام، وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم، إلا من شاء الله، إن لم تلد زوجة أحدهم أو طال مرض مريض منهم، أو أصاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو، أو جراد أو غيرهما، أو راموا أمراً عناهم تحصيله فالولي في كل ذلك نصب العين، وإذا جرى المقدور بنفع أو دفع ضر، أو حصول مكروه كان المركوز في عقيدتهم التي لا يتحولون عنها: إن ذلك ثمرة الاستغاثة به، والإنابة إليه في الأوّلين ودليل ضعف الاعتقاد، أو اختلال شرط من المنيب أو نحوهما في الثالث فصار مدار التصرف والحصول له خاصة، أو مع الله في شيء دون شيء. وحاصل معتقدهم:
إن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت كما سيأتي في تحقيق هذا وشرح وقوعه في أفعال من على هذه العقيدة،وذكر ألفاظهم مبينة مفسرة، مصرحة بما حكيناه عنهم، وأنهم قد ذهبوا هذا المذهب المشروح آنفاً في سكان التراب، وأنزلوهم هذه المنـزلة المحكية من مساواة رب الأرباب، وقد سردنا بعضها للبيان، ولئلا يتمكن الخصم من جحود، أو يقدر على مدافعة، وليعرف كل سامع لما نمليه: أن القائل " بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم: التوسل" إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين وإلا فما بعد هذا ؟فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد أبدلوا معالم الشرع بسواها في هذه الجهة فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له، والإلحاح عليه: عوضاً عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف تلك النازلة أو سبيلاً إلى كشفها، مثل الخروج للتضرع إلى الله، ولكن عند بعضهم. وأما جمهورهم فلا يعرف لهذا المقام وظيفة سوى عتبات المشايخ.
هذا مثال ولقد سلكوا هذا المسلك في مريض أعيا داؤه، وذليل قهره أعداؤه، وذي سفينة عصفت عليها الرياح، وتجارة امتدت آمال قاصدها إلى نيل الأرباح ".
ويقول الإمام محمد إسماعيل الهندي الدهلوي المتوفى سنة 1246 هـ في كتابه القيم " تقوية الإيمان " (ص1-4) (الباب الأول في بيان الشرك والتوحيد)


اعلم أن الشرك قد انتشر في الناس وقل فيهم التوحيد الخالص وندر، فأكثر الناس لا يعرفون معنى الشرك والتوحيد بل جهلوه، ومع ذلك يدعون الإيمان، وهم مبتلون بالشرك، فعلينا أولاً أن نعرف معنى الشرك والتوحيد على ضوء القرآن الكريم.
ومن المعلوم أن أكثر الناس يدعون الأولياء والرسل والأئمة والشهداء والملائكة والأغوال والعفاريت عند الشدائد والمصائب ويستمدون بهم في البلايا ويقدمون النذور إليهم لقضاء حوائجهم، ويعبَّدون لهم أولادهم لرفع المصيبة عنهم، فيسمي أحد ابنه بعبد النبي وبعلي بخش " أي هبة علي " وبحسين بخش " أي هبة حسين " وبير بخش " أي هبة المرشد " وبعضهم يسمي ولده بمدار بخش " أي هبة مدار " وبسالار بخش " أي هبة سالار " ويسمي البعض بغلام محي الدين " أي عبد محي الدين " وغلام معين الدين " أي عبد معين الدين "
وبعضهم يرسل ضفائر أولاده لا يحلقها ولا يقصرها على اسم بعض الأولياء لكيلا يموت ولده، وبعضهم يلبس ولده الخيوط في عنقه على اسم بعض الأقطاب وبعضهم يلبسه الثياب
وبعضهم يجعل في رجله حلقة الحديد، وبعضهم يذبح لغير الله،
وبعضهم يستغيث بغيره في الكربات مثلا يقول يا عبد القادر،
وبعضهم إذا حلف فيحلف بغير الله، مثل ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم ومع ذلك يدعون أنهم مسلمون.
سبحان الله هذا من العجب العجاب.

وقد قال الله تعالى فيهم في سورة يوسف " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" فإذا قيل لهم لماذا تأتون بأعمال شركية مع ادعائكم الإيمان فيجيبون بأننا لا نشرك بالله بل نظهر عقيدتنا في جناب الأنبياء والأولياء، وهذا ليس بشرك لأننا لا نبلغهم إلى رتبة الألوهية والعبودية، بل نعتقد أنهم عباد الله وخلقه وقد أعطاهم الله قدرة التصرف في الكون ويتصرفون فيه بمشيئته، فدعاؤهم هو دعاء الله والاستغاثة بهم هو الاستغاثة به، والاستعانة بهم هو الاستعانة به، وهم أحباء الله يفعلون ما يشاءون، وهم شفعاؤنا
عند الله فنحن نتقرب منهم إلى الله تبارك وتعالى.

وسببه الوحيد


أنهم تركوا كتاب الله وسنة رسوله فاتبعوا الشهوات والهوى ومالوا إلى الأساطير الكاذبة، وعملوا بالعادات والتقاليد السيئة، فلو تأملوا الكتاب والسنة لعرفوا أن الكفار كانوا يشبهونهم في عقائدهم الفاسدة، وقال الله تعالى راداً عليهم في سورة يونس " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون " أي الذين يدعون من دون الله لا يستطيعون أن ينفعوا أو يضروا وكذلك لا يقدر أحد لا في السماء ولا في الأرض أن يشفع لأحد إلا بإذن الله فالأولياء والأنبياء لا يستطيعون أن يشفعوا لأحد إلا بإذن الله، فمن يعبد ولياً أو نبياً وهو يعتقد أنه شفيعه عند الله فهو شرك.
وقد قال الله تعالى في سورة الزمر " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار " فالآية تدل على أن من يتخذ أحداً وليه ثم يعبده ظناً منه أنه يقربه من الله فهو شرك جلي كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين " قل من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون " هذه الآيه الكريمة تبين أن الله تبارك وتعالى
لم يمكن أحداً أن يتصرف في العالم
وليس له قدرة أن يشفع لأحد عنده

ومن المعلوم أن كفار مكة ما كانوا يتخذون أصنامهم إلهاً بل كانوا يعلمون أنهم عباد الله ومن خلقه، لكنهم كانوا يدعون الأصنام ويقدمون لهم النذور ويجعلونهم شفعاء في البلاء، فهذا هو الشرك، فمن يعتقد مثل هذه الاعتقادات في غير الله
بأنه يرفع البلاء
ويكشف الضر
ويقضي حوائج الإنسان
ويعطي الأولاد
فهو وأبو جهل كلاهما متساويان في الشرك.
وثبت أن الشرك لا يتوقف على أن يساوي أحداً بالله من المخلوقين بل معنى الشرك أن ما خصه الله لنفسه من الصفات والنعوت والحقوق لا يشرك بها أحد غيره معه نحو
السجدة إلى القبور،
والذبح لغير الله،
ودعاء غيره في البلاء،
واعتقاد التصرف في الكون أو في شيء من ملكه بغير مشيئته
فيثبت من هذه الأمور الشنيعة الشرك، فمن يخص هذه الحقوق المختصة بالله غيره من الأنبياء والأولياء وأهل القبور فقد أشرك".

يوسف التازي
15-01-15, 06:08 PM
وقال الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي الشافعي المتوفى سنة (845هـ) في كتابه تجريد التوحيد المفيد (ص11-12):"وشرك الأمم نوعان. النوع الأول: شرك في الإلهية وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ وعباد الصالحين الأحياء منهم والأموات. الذين قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ويشفعوا لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته، والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله وتنص على أنهم أعداء الله، وجميع الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى أمة من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله.
وأصله الشرك في محبة الله تعالى قال تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) فأخبر سبحانه أن من أحب مع الله شيئاً غيره كما يحبه فقد اتخذه نداً من دونه.
وهذا على أصح القولين في الآية أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور في قوله (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) والمعنى على أصح القولين أنهم يعدلون به غيره في العبادة، فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة وكذلك قول المشركين في النار لأصنامهم (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) ومعلوم قطعاً أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها لله وحده وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه سبحانه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه.
وإنما كانت هذه التسوية بينه وبين الله تعالى في المحبة والعبادة فمن أحب غير الله وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله تعالى ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله، فكيف بمن كان غير الله تعالى آثر عنده وأحب إليه وأخوف عنده، وهو في مرضاته أشد سعياً منه في مرضاة الله.
فإذا كان المسوي بين الله وبين غيره في ذلك مشركاً فما الظن بهذا ؟ فعياذاً بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام كانسلاخ الحية من قشرها.
وهو يظن أنه مسلم موحد، فهذا أحد أنواع الشرك. والأدلة الدالة على أنه تعالى يحب أن يكون وحده هو المألوه يبطل هذا الشرك ويدحض حجج أهله. وهي أكثر من أن يحيط بها إلا الله، بل كل ما خلقه الله تعالى فهو آية شاهدة بتوحيده وكذلك كل ما أمر به فخلقه وأمره.وما فطر عليه عباده وركبه فيهم من القوة، شاهد بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنّ كل معبود سواه باطل وأنه هو الحق المبين تعالى وتقدس ".
وذكر - رحمه الله - النوع الثاني وهو الشرك في الربوبية مثل شرك المجوس وغيرهم الذين يقولون بأن للعالم خالقين: أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر.
ثم قال:
" وكثيراً ما يجتمع الشركان في العبد وينفرد أحدهما عن الآخر. والقرآن الكريم بل الكتب المنـزلة من عند الله تعالى، كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك كقوله تعالى: (إياك نعبد) فإنه ينفي شرك المحبة والإلهية وقوله (وإياك نستعين) فإنه ينفي شرك الخلق والربوبية فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة. وأنه لا يجوز إشراك غيره معه، لا في الأفعال ولا في الألفاظ، ولا في الإرادات، فالشرك به في الأفعال
كالسجود لغيره سبحانه
والطواف بغير بيته المحرم.
وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لغيره
وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه تعالى في الأرض
أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها
وقد لعن النبي –صلى الله عليه وسلّم- من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى فيها. فكيف من اتخذ القبور أوثاناً تعبد من دون الله، فهذا لم يعلم معنى قوله تعالى (إياك نعبد).
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وفيه عنه أيضاً: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد " وفيه أيضاً عنه صلى الله عليه و سلم : " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " وفي مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه و سلم " لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " وقال " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقال " إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى ".
والناس في هذا الباب أعني زيارة القبور ثلاثة أقسام:
قوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزيارة الشرعية.
وقوم يزورونهم يدعون بهم فهؤلاء هم المشركون في الإلهية والمحبة
وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وهؤلاء هم المشركون في الربوبية.

وقد حمى النبي –صلى الله عليه وسلّم- جانب التوحيد أعظم حماية تحقيقاً لقوله تعالى (إياك نعبد) حتى نهى عن الصلاة في هذين الوقتين ذريعة إلى التشبه بعبّاد الشمس، الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلّم- " لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله".
ولا ينبغي في كلام الله ورسوله، إنما يستعمل للذي هو في غاية الامتناع كقوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً) وقوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) وقوله تعالى: (وما تنـزلت به الشياطين وما ينبغي لهم) وقوله (ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء).
ومن الشرك بالله تعالى، المباين لقوله تعالى (إياك نعبد) الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى اللع عليه و سلم أنه قال " من حلف بغير الله فقد أشرك " صححه الحاكم وابن حبان، قال ابن حبان أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عبد الله بن عمر الجعفي حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن الحسن ابن عبد الله النخعي عن سعد بن عبيدة قال: " كنت عند ابن عمر فحلف رجل بالكعبة، فقال ابن عمر: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- يقول " من حلف بغير الله فقد أشرك " ومن الإشراك قول القائل لأحد من الناس: ما شاء الله وشئت كما ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلّم-" أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً، قل ما شاء الله وحده "
هذا مع أن الله تعالى قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله تعالى (لمن شاء منكم أن يستقيم)، فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت وهذا من الله ومنك.وهذا من بركات الله وبركاتك والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. وازن بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم، وبين ما نهى عنه من " ما شاء الله وشئت " ثم انظر أيها أفحش، يتبين لك أن قائلها أولى بالبعد من (إياك نعبد). وبالجواب من النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وإنه إذا كان قد جعل رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- نداً فهذا قد جعل من لا يدانيه لله نداً. وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله (إياك نعبد) هي السجود والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعاً وتعبداً والدعاء كل ذلك حق لله تعالى. وفي مسند الإمام أحمد " أن رجلاً أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنباً فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال صلى الله عليه وسلم عرف الحق لأهله " أخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود بن سريع وقال: حديث صحيح. تجريد التوحيد المفيد (ص13-15).

وقال أيضاً " فإن قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله تعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجانب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه وقال:
إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه
وتدخل بي عليه فهو الغاية وهذه وسائل
فلِمَ كان هذا القدر موجباً
لسخط الله وغضبه،
ومخلداً في النار
وموجباً لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم.

وهل يجوز في العقل أن يشرع الله تعالى لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد بالشرع فقط. أم ذلك قبيح في الشرع. والعقل يمتنع أن تأتي به شريعة من الشرائع، وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب؟ كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به).

قلنا: الشرك شركان.
الأول: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في أسمائه وصفاته وأفعاله. أما الشرك الثاني فهو الذي فرغنا من الكلام فيه وأشرنا إليه الآن، ونشبع الكلام فيه إن شاء الله تعالى) (ص15-16).
وقال أيضاً: فنقول: اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق وتشبيه المخلوق بالخالق أما الخالق فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. وهي التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوى بين التراب ورب الأرباب فأي فجور وذنب أعظم من هذا.؟!
واعلم أن من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص عليه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلاً وشرعاً وفطرة، فمن جعل ذلك لغيره فقد شبّه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم، أخبر من كتب على نفسه الرحمة أنه لا يغفره أبداً. فمن خصائص الإلهية العبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبهه بالله تعالى في خالص حقه وقبح هذا مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق واجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بالله مالم ينـزل به سلطاناً. كما روى ذلك عن الله أعلم الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنوه حسناً، ومن خصائص الإلهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبهه به ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه فمن حلف بغيره فقد شبهه به. ومنها حلق الرأس. إلى غير ذلك (ص18).

ويقول الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (1182 هـ) في كتابه الشهير المسمى "بتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، قرر في هذا الكتاب ما قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتبه من إنكار الشرك في البلاد الإسلامية وقرر التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء ودعا إليه الإمام محمد ومن سبقه من الأئمة المصلحين الآنف ذكرهم.
قال في خطبة كتابه تطهير الاعتقاد (ص4):" وبعد فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد وجب عليّ تأليفه وتعيّن عليّ ترصيفه لما رأيته وعلمته من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة ، وهو الاعتقاد
في القبور
وفي الأحياء
ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجداً ولا يرى لله راكعاً ولا ساجداً ولا يعرف السنة ولا الكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب.
فوجب عليّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره.فاعلم أن هاهنا أصولاً هي من قواعد الدين ومن أهم ما تجب معرفته على الموحدين ".
وقال - رحمه الله-: فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.
قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها. وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً، فالله تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة ( أن لا تعبدوا إلا الله)، وإخلاصها له ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين).
ومن نادى الله ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وطمعاً، ثم نادى معه غيره، فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى(إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) بعد قوله(ادعوني أستجب لكم (فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم مسلك رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- في المشركين.
قلت: ذهب إلى هذا طائفة من أئمة العلم فقالوا يجب أولا دعاؤهم إلى التوحيد وإبانة أن ما يعتقدونه لا ينفع ولا يضر ولا يغني عنهم من الله شيئاً... وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك لا يتم الإيمان بما جاءت به الرسل إلا بتركه والتوبة منه وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده، وهذا واجب على العلماء أي بيان أن ذلك الاعتقاد الذي فرعت منه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماء ذلك للأئمة والملوك وجب على الأئمة والملوك بعث الدعاة إلى الناس يدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله صلى الله عليه و سلم من المشركين" تطهير الاعتقاد (ص30 – 32).

ويقول الإمام حسين بن مهدي صاحب كتاب " معارج الألباب في مناهج الحق والصواب " المتوفى سنة (1178هـ)، قال - رحمه الله-(ص201- 203) "ولما كان الثاني نتيجة الأول، ومرمى غرض إبليس من الدلالة عليه نقل من خفي عليه الأمر من الرضا بالأول إلى الرضا بالثاني، ومن يتكلم بمثل هذا إلا من لا يدري ما فشا في العامة، ومن امتاز عنهم بالاسم فقط، وما صار هجّيراهم عند الأموات ومصارع الرفات من دعائهم والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال. والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام، واستنـزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد. وبالجملة: فأي مطلب أو مهرب ترى هنالك ربع المشهد مأهولاً، وقد قطعت إليه المهامه وعوراً وسهولا، والنداء لساكنه أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة، ومشاعر الرهبة. وينضاف إلى ذلك – خصوصاً في الزيارات في الأعياد والموالد- نحر الأنعام، وترك الصلاة، وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام، وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم، إلا من شاء الله، إن لم تلد زوجة أحدهم أو طال مرض مريض منهم، أو أصاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو، أو جراد أو غيرهما، أو راموا أمراً عناهم تحصيله فالولي في كل ذلك نصب العين، وإذا جرى المقدور بنفع أو دفع ضر، أو حصول مكروه كان المركوز في عقيدتهم التي لا يتحولون عنها: إن ذلك ثمرة الاستغاثة به، والإنابة إليه في الأوّلين ودليل ضعف الاعتقاد، أو اختلال شرط من المنيب أو نحوهما في الثالث فصار مدار التصرف والحصول له خاصة، أو مع الله في شيء دون شيء. وحاصل معتقدهم:
إن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت كما سيأتي في تحقيق هذا وشرح وقوعه في أفعال من على هذه العقيدة،وذكر ألفاظهم مبينة مفسرة، مصرحة بما حكيناه عنهم، وأنهم قد ذهبوا هذا المذهب المشروح آنفاً في سكان التراب، وأنزلوهم هذه المنـزلة المحكية من مساواة رب الأرباب، وقد سردنا بعضها للبيان، ولئلا يتمكن الخصم من جحود، أو يقدر على مدافعة، وليعرف كل سامع لما نمليه: أن القائل " بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم: التوسل" إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين وإلا فما بعد هذا ؟فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد أبدلوا معالم الشرع بسواها في هذه الجهة فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له، والإلحاح عليه: عوضاً عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف تلك النازلة أو سبيلاً إلى كشفها، مثل الخروج للتضرع إلى الله، ولكن عند بعضهم. وأما جمهورهم فلا يعرف لهذا المقام وظيفة سوى عتبات المشايخ.
هذا مثال ولقد سلكوا هذا المسلك في مريض أعيا داؤه، وذليل قهره أعداؤه، وذي سفينة عصفت عليها الرياح، وتجارة امتدت آمال قاصدها إلى نيل الأرباح ".
ويقول الإمام محمد إسماعيل الهندي الدهلوي المتوفى سنة 1246 هـ في كتابه القيم " تقوية الإيمان " (ص1-4) (الباب الأول في بيان الشرك والتوحيد)


اعلم أن الشرك قد انتشر في الناس وقل فيهم التوحيد الخالص وندر، فأكثر الناس لا يعرفون معنى الشرك والتوحيد بل جهلوه، ومع ذلك يدعون الإيمان، وهم مبتلون بالشرك، فعلينا أولاً أن نعرف معنى الشرك والتوحيد على ضوء القرآن الكريم.
ومن المعلوم أن أكثر الناس يدعون الأولياء والرسل والأئمة والشهداء والملائكة والأغوال والعفاريت عند الشدائد والمصائب ويستمدون بهم في البلايا ويقدمون النذور إليهم لقضاء حوائجهم، ويعبَّدون لهم أولادهم لرفع المصيبة عنهم، فيسمي أحد ابنه بعبد النبي وبعلي بخش " أي هبة علي " وبحسين بخش " أي هبة حسين " وبير بخش " أي هبة المرشد " وبعضهم يسمي ولده بمدار بخش " أي هبة مدار " وبسالار بخش " أي هبة سالار " ويسمي البعض بغلام محي الدين " أي عبد محي الدين " وغلام معين الدين " أي عبد معين الدين "
وبعضهم يرسل ضفائر أولاده لا يحلقها ولا يقصرها على اسم بعض الأولياء لكيلا يموت ولده، وبعضهم يلبس ولده الخيوط في عنقه على اسم بعض الأقطاب وبعضهم يلبسه الثياب
وبعضهم يجعل في رجله حلقة الحديد، وبعضهم يذبح لغير الله،
وبعضهم يستغيث بغيره في الكربات مثلا يقول يا عبد القادر،
وبعضهم إذا حلف فيحلف بغير الله، مثل ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم ومع ذلك يدعون أنهم مسلمون.
سبحان الله هذا من العجب العجاب.

وقد قال الله تعالى فيهم في سورة يوسف " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" فإذا قيل لهم لماذا تأتون بأعمال شركية مع ادعائكم الإيمان فيجيبون بأننا لا نشرك بالله بل نظهر عقيدتنا في جناب الأنبياء والأولياء، وهذا ليس بشرك لأننا لا نبلغهم إلى رتبة الألوهية والعبودية، بل نعتقد أنهم عباد الله وخلقه وقد أعطاهم الله قدرة التصرف في الكون ويتصرفون فيه بمشيئته، فدعاؤهم هو دعاء الله والاستغاثة بهم هو الاستغاثة به، والاستعانة بهم هو الاستعانة به، وهم أحباء الله يفعلون ما يشاءون، وهم شفعاؤنا
عند الله فنحن نتقرب منهم إلى الله تبارك وتعالى.

وسببه الوحيد


أنهم تركوا كتاب الله وسنة رسوله فاتبعوا الشهوات والهوى ومالوا إلى الأساطير الكاذبة، وعملوا بالعادات والتقاليد السيئة، فلو تأملوا الكتاب والسنة لعرفوا أن الكفار كانوا يشبهونهم في عقائدهم الفاسدة، وقال الله تعالى راداً عليهم في سورة يونس " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون " أي الذين يدعون من دون الله لا يستطيعون أن ينفعوا أو يضروا وكذلك لا يقدر أحد لا في السماء ولا في الأرض أن يشفع لأحد إلا بإذن الله فالأولياء والأنبياء لا يستطيعون أن يشفعوا لأحد إلا بإذن الله، فمن يعبد ولياً أو نبياً وهو يعتقد أنه شفيعه عند الله فهو شرك.
وقد قال الله تعالى في سورة الزمر " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار " فالآية تدل على أن من يتخذ أحداً وليه ثم يعبده ظناً منه أنه يقربه من الله فهو شرك جلي كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين " قل من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون " هذه الآيه الكريمة تبين أن الله تبارك وتعالى
لم يمكن أحداً أن يتصرف في العالم
وليس له قدرة أن يشفع لأحد عنده

ومن المعلوم أن كفار مكة ما كانوا يتخذون أصنامهم إلهاً بل كانوا يعلمون أنهم عباد الله ومن خلقه، لكنهم كانوا يدعون الأصنام ويقدمون لهم النذور ويجعلونهم شفعاء في البلاء، فهذا هو الشرك، فمن يعتقد مثل هذه الاعتقادات في غير الله
بأنه يرفع البلاء
ويكشف الضر
ويقضي حوائج الإنسان
ويعطي الأولاد
فهو وأبو جهل كلاهما متساويان في الشرك.
وثبت أن الشرك لا يتوقف على أن يساوي أحداً بالله من المخلوقين بل معنى الشرك أن ما خصه الله لنفسه من الصفات والنعوت والحقوق لا يشرك بها أحد غيره معه نحو
السجدة إلى القبور،
والذبح لغير الله،
ودعاء غيره في البلاء،
واعتقاد التصرف في الكون أو في شيء من ملكه بغير مشيئته
فيثبت من هذه الأمور الشنيعة الشرك، فمن يخص هذه الحقوق المختصة بالله غيره من الأنبياء والأولياء وأهل القبور فقد أشرك".

يوسف التازي
15-01-15, 06:09 PM
ويقول الإمام العلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة (1250هـ) بعد إيراده الأدلة على تحريم الشرك كبيره وصغيره وذكر ما يفعله المتعلقون بالأولياء من الدعاء لهم وغيره.

قال في كتابه الدر النضيد (ص19):

وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحدٌ منهم ميتاً أو حياً عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلاً يا فلان افعل لي كذا وكذا وعلى الله وعليك وأنا بالله وبك.

وأما التقرب للأموات فانظر ماذا يجعلونه من النذور لهم وعلى قبورهم في كثير من المحلات، ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله تعالى لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء.

(فإن قلت) إن هؤلاء القبوريين
يعتقدون أن الله تعالى هو الضار النافع والخير والشر بيده
وإن استغاثوا بالأموات قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه

(قلت)
وهكذا كانت الجاهلية فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز، نعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه سابقاً ولكن من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت مالا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرد الاعتقاد فتقرب إلى الأموات بالذبائح والنذور وناداهم مستغيثاً بهم عند الحاجة فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط،
فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيءٌ من ذلك والمتوسل به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح ولا تعظيم ولا اعتقاد لأن المدعو هو الله سبحانه، وهو أيضاً المجيب ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط، بل هو بمنـزلة التوسل والعمل الصالح فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك ؟
وهل هذا إلا من فعل من يعتقد التأثير اشتراكاً أو استقلالاً ؟
ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوى الباطلة العاطلة، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل، وهو يقول بلسانه يا فلان منادياً لمن يعتقده من الأموات فهو كاذب على نفسه ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالاً فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم يا ابن العجيل ! يا زيلعي ! يا ابن علوان ! يا فلان يا فلان وهل ينكر هذا منكر أو يشك فيه شاك ؟
وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهله وينادونه وفي كل مدينة جماعة منهم حتى أنهم في حرم الله ينادون يا ابن عباس ! يا محجوب! فما ظنك بغير ذلك فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أين من يعقل معنى ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم)، ( فلا تدعوا مع الله أحداً)، ( له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء )
وقد أخبرنا الله سبحانه أن الدعاء عبادة في محكم كتابه بقوله تعالى (ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وأخرج أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - "إن الدعاء هو العبادة " وفي رواية " مخ العبادة " ثم قرأ رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - الآية المذكورة وأخرج أيضاً النسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد وابن أبي شيبة باللفظ المذكور.

وكذلك النحر للأموات عبادة لهم والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم والتعظيم عبادة لهم كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله عز وجل بلا خلاف،
ومن زعم أن ثم فرقاً بين الأمر فليهده إلينا،,,,
ومن قال أنه لم يقصد بدعاء الأموات و النحر لهم والنذر عليهم عبادتهم فقل له: فلأي مقتض صنعت هذا الصنع ؟
فإن دعاءك الميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك وهكذا إن كنت تنحر لله وتنذر لله فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته أو أمر قد أردته، وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين.
فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه فراراً عن أن يلزمك ما لزم عباد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا)، وبقوله( ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون )
(فان قلت) إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها
(قلت)
هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم فإن من استغاث بالأموات أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، أو عظمهم أو نذر عليهم بجزء من ماله أو نحر لهم فقد نزلهم منـزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله ولا عمل به بل خالفها اعتقاداً وعملاً فهو في قوله لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل إلهاً غير الله يعتقد أنه يضر وينفع وعبده بدعائه عند الشدائد والاستغاثة به عند الحاجة وبخضوعه له وتعظيمه إياه ونحر له النحائر وقرب إليه نفائس الأموال، وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتاً للإسلام فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلاماً.الرسائل السلفية (ص21-22).

وقال الشوكاني أيضاً في نيل الأوطار (4/.9) في شرح حديث أبي الهياج الأسدي عن علي - رضي الله عنه-: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله –صلى الله عليه وسلّم-:"لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته " الحديث...
"ومن رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- فاعل ذلك كما سيأتي، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام: منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعَظُمَ ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا.

وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالماً ولا متعلماً ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً، وقد توارد إلينا من الأخبار مالا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق.وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين ! أيّ رزء للإسلام أشدّ من الكفر أي بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجباً ؟
لقد أسمعت لو ناديت حيـاًولكن لا حياة لمن تنـادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءتولكن أنت تنفخ في رمـاد
ويقول العلامة الشريف الحسن بن خالد الحازمي المتوفى سنة (1234هـ) قال في كتابه قوت القلوب في توحيد علام الغيوب (ص69-71):


فصل " لقد عمت البلوى بهذا فترى المتبوع يصرح لأتباعه بتفريج الكربات منه وبدعوى اختصاص بعض صفات الرب كعلم الغيب وربما توعد من يراه مقصراً فيما يعتاده منه بإنزال الضر الكوني القدري، وترى التابع يعظم متبوعه بما لم يأذن الله به ويضيف إليه من العلم بالمغيبات والقدرة على ما يختص بالرب حتى يقال فلان متصرف في العالم ويسمع له بغاية الخضوع التي هي حقيقة العبادة ويسأله الرزق والنصر وتفريج الكربات وإجابة المضطر وكشف السوء ويتخذه نداً يحبونهم كحب الله أو أشد ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون مما كان أهل الأوثان والأصنام يسألونه من أوثانهم وأصنامهم حتى أربوا في هذا الزمان على عبادة الأصنام في زمان رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- فإن أهل الجاهلية يخلصون الدعوة لله إذا عصفت بهم الريح في البحر كما قال الله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت:65) وقوله تعالى (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً) (الاسراء:67) وقوله تعالى(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت:65) فأخبر أنهم عند الاضطرار يدعونه لا شريك له وأنه يذهب عنهم كل ما يعبد من دون الله... وهؤلاء الضلال في هذا الزمان
إذا عصفت بهم الريح تنادوا: ليدع كل منكم شيخه، ولا تسمع إلا يا زيلعي يا حضرمي يا بدوي يا عبد القادر يا شاذلي يا صندل يا أبا فراج فرجها يا فلان يا فلان لا تسمع منهم من يقول يا الله فيرتج المركب بالأصوات بذكر الشيوخ وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وأباح دم صاحبه وماله وذريته لأهل الإسلام لأنه سأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد عبده مع الله واتخذه إلها وربا وإن سماه شيخا وسيدا أو لمناقضته كلمة التوحيد بالكفر والشرك هو لحقيقته ومعناه لأنه أعطاه غاية خضوعه وذله وفقره ومسكنته من الدعاء والسجود والتقرب بالذبح ونحوها لغير الله وهو معنى العبادة التي هي معنى الألوهية وجعل العاجز الفقير بالذات الذي لا يملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض شبيها بالقادر الغني مالك السموات والأرض كما قال تعالى ((قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)) (سـبأ:22) "


ويقول العلامة السيد صديق حسن خان القنوجي الهندي المتوفى سنة (1307هـ) بعد كلامه عن توحيد الربوبية وإيمان الناس به، في كتابه "الدين الخالص"(1/185-187).

ثم قال: " وهم – مع ذلك – في توحيد العبودية قاصرون، وعن صراط الهدى ناكبون،فتبين لك بهذا أن التوحيد لا يتم إلا بإخلاص الربوبية والعبودية.
وهي في هذا الزمان الأخير – بل من زمن كثير – غريب جداً في أكثر الخلق وغالب الناس.
وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -(بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ ثم قال:فطوبى للغرباء).
وهذا يرشدك إلى قلة أهل التوحيد الذين خلقت لهم الجنة.
وفيه أيضاً بشارة للموحدين على قلة جمعهم وكسر حالهم، وذلتهم في الناس.
فالله الله يا أيها الناس تمسكوا بأصل دينكم الذي ارتضاه الله تعالى لكم ودعا إليه نبيكم، وقاتل المشركين عليه، وندبنا إليه، وجاهد فيه لله حق جهاده.
وأساس هذا الدين ورأسه ونبراسه، شهادة أن لا إله – أي لا معبود –إلا الله.واعرفوا معناها واستقيموا عليها، وادعوا الناس – تبعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – إليها، واجعلوها كلمة باقية في أبناء زمانكم، إتماماً للحجة وإيضاحاً للمحجة، وكونوا من أهلها وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم في الدين، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم.
ومن لم يكفرهم، أو قال: ما عليّ منهم، أو قال: ما كلفك الله بهم، فقد كذب هذا على الله، وافترى.
فقد كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانهم وأولادهم.
فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم وأنتم لا تشركون به شيئاً.
الشرك الذي تسرب إلى المسلمين في العصور الأخيرة أغلظ من شرك الجاهلية.
وإذا أحطت بما ذكرنا علماً أدركت أن كفر المشركين من المؤمنين من أمة رسولنا - صلى الله عليه وآله وسلم - في العرب والعجم أعظم من كفر الذين قاتلهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم-.
وقد سمعت أن الله تعالى ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا غير الله من السادة والقادة والطواغيت فلم يدعوا أحداً منهم ولم يستغيثوا بهم، بل أخلصوا لله وحده لا شريك له.وأنت ترى المشركين المدعين للإيمان من المسلمين، وفيهم من يدعي أنه من أهل العلم والفضل، وفيه الصلاح والزهد والاجتهاد في العبادة، إذا مسه الضرر وأهمه أمر من أمور الدنيا، قام يستغيث بغير الله من الأولياء كـ " معروف الكرخي " و" الشيخ عبد القادر الجيلاني " و " سالا رومدار " ونحوهم.وأجل من هؤلاء مثل الخلفاء الراشدين والصحابة المكرمين أجمعين.
وأجل منهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.
وأشنع وأفضع وأقبح وأعظم جرماً وأطم ضلالة أنهم يستغيثون بالطواغيت، والأجداث وأهل القبور، والمردة من الجن والشياطين، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويسافرون إلى أنصابهم، ويفزعون إلى أحبارهم ورهبانهم، تقليداً في الفروع والأصول المبنية على شفا جرف هار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ولا تشركنا يوم الدين مع المشركين.
رحم الله من نصح نفسه، وعرف أن وراءه جنة ونارا، وأن الله تعالى جعل لكل منهما أهلاً وأعمالاً

يوسف التازي
15-01-15, 06:09 PM
ويقول الامام العلامة السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي المتوفى سنة 1314 هـ في كتابة جلاء العينين (ص 448) خلال حديثة عن الاستغاثة الشركية.

قال:"قال الشيخ محمد الأمين السويدي الشافعي: ولا يجوّز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة، ولهذه عمت الاستغاثة بالأموات عند نزول الكربات يسألونهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السموات.انتهى.

ثم قال الشيخ نعمان " قال المانعون: وهل سمعتم أن أحداً في زمانه - صلى الله تعالى عليه و سلم - أو ممن بعده في القرون الثلاثة المشهود لأهلها بالنجاة والصدق، وهم أعلم منا بهذه المطالب، وأحرص على نيل مثل تيك الرغائب – استغاث بمن يزيل كربته التي لا يقدر على إزالتها إلا الله سبحانه، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه.
ولقد جرت عليهم أمور مهمة وشدائد مدلهمة في حياته - صلى الله تعالى عليه وسلم- وبعد وفاته فهل سمعت عن أحد منهم أنه
استغاث بسيد المرسلين - صلى الله تعالى عليه وسلم - ؟!
أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله ؟!
أم بلغك أنهم لاذوا بقبره الشريف، وهو سيد القبور،حين ضاقت منهم الصدور !

كلا ! لا يمكن لهم ذلك، وإن الذي كان بعكس ما هنالك

فلقد أثنى الله تعالى عليهم و رضي عنهم، وقال عز من قائل (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) مبيناً لنا سبحانه أن هذه الاستغاثة هي أخص الدعاء، وأجلى أحوال الالتجاء. ففي استغاثة المضطر بغيره تعالى عند كربته: تعطيل لتوحيد معاملته الخاصة به".
ويقول العلامة شهاب الدين السيد محمود الألوسي المتوفى سنة 1270هـ. ق
ال:"وقال الوالد عليه الرحمة أيضاً في باب الإشارة من تفسيره ما نصه: قال تعالى( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) الآية. فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور، وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي قوله تعالى( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا )الآية،إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة، غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى وإنما ننذر لله تعالى عز وجل ونجعل ثوابه للولي ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب،ويرشدك إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم،فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا. وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى( دَعَوا الله مخلصين له الدين) الآية ما نصه: فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك،وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة،ولا ترى فيهم أحداً يخص مولاه، بتضرعه ودعاه . ولا يكاد يمر له ببال،أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال.

فبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا،وأي الداعيين أقوم قيلا ؟


وإلى الله سبحانه المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة،وتلاطمت أمواج الضلالة،وغرقت سفينة الشريعة،واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف،وحال دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف.أهـ

ويقول العلامة محمد بشير السهسواني المتوفى سنة 1326هـ في كتابه " صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان " (ص431).

"... السادس أنك قد عرفت فيما تقدم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفر السواد الأعظم من المسلمين، ومن كفره فلم يكفره بارتكاب ذنب من الكبائر كما هو مذهب الخوارج، إنما كفره بدعوة غير الله بحيث يطلب فيها منه ما لا يقدر عليه إلا الله وهذا لا يستريب أحد من أهل العلم والديانة أنه عبادة لغير الله، وعبادة غير الله لا شك في كونها كفراً، مع أنه لم يكفره أيضاً حتى عرفه الصواب ونبهه.

وأيضاً قد عرفت فيما مر أن الشيخ ليس بمنفرد في هذا التكفير، بل جميع أهل العلم من أهل السنة والجماعة يشاركونه فيه لا أعلم أحدا مخالفاً له، منهم
تقي الدين ابن تيمية
وابن قيم الجوزية
وابن عقيل
وصاحب الفتاوى البزازية
وصنع الله الحلبي
والمقريزي الشافعي
ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي
ومحمد بن إسماعيل الصنعاني
ومحمد بن علي الشوكاني
وصاحب الإقناع
وابن حجر المكي
وصاحب النهر الفائقوالإمام البكري الشافعي
والحافظ عماد الدين ابن كثير
وصاحب الصارم المنكي
والشيخ حمد بن ناصر
والعلامة الإمام الحسن بن خالد
والشيخ العلامة محمد بن أحمد الحفظي وغيرهم.
وقال في النهر الفائق: اعلم أن الشيخ قاسماً وهو من أكابر العلماء الحنفية رحمهم الله تعالى قال في شرح درر البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى القبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي فلك كذا، باطل إجماعاً لوجوه...الخ.
إلى أن قال: ومنها الظن أن الميت يتصرف في الأمور، واعتقاد هذا كفر، والمسلم لا يطلب حاجته من غير الله، فإن من طلب حاجته من ميت أو غائب فقد فارق الإسلام.
وممن صرح بهذه المسألة من علمائنا الحنفية صاحب الفتاوى البزازية، والعلامة صنع الله الحلبي المكي،وصاحب البحر الرائق، وصاحب الدر المختار، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، والعلامة بير علي البركوي صاحب الطريقة المحمدية، وأبو سعيد الخادمي،ومولي عبد الحي اللكهنوي، وغيرهم رحمهم الله أجمعين.أ-هـ

من كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر (ص154-155) للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي.

ويقول الكاتب الشهير مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه " النظرات " (2/45-49) قال:


"كتب إليّ أحد علماء الهند كتاباً يقول فيه: إنه اطلع على مؤلف ظهر حديثاً بلغة"التاميل" وهي لغة الهنود الساكنين " بناقور " وملحقاتها بجنوب "مدراس"، موضوعه: تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني وذكر مناقبه وكراماته فرأى فيه من بين الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقبه بها صفات وألقاباً بمقام الألوهية أليق منها بمقام النبوة فضلاً عن مقام الولاية كقوله "سيد السموات والأرض " و "النفاع الضرار" و "المتصرف في الأكوان " و"المطلع على أسرار الخليقة" و "محيي الموتى " و "مبريء الأعمى والأبرص والأكمه" و " أمره من أمر الله " و "ماحي الذنوب " "دافع البلاء " و "الرافع الواضع " و" صاحب الشريعة " "وصاحب الوجود التام " إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب.

ويقول الكاتب أنه رأى في ذلك الكتاب فصلاً يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن يتكيف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني يقول فيه: " أول ما يجب على الزائر: أن يتوضأ وضوءاً سابغاً ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة ! وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول: " يا صاحب الثقلين أغثني وأمدني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي ! ". "أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا باد شاه عبد القادر، أغثني يا خوجة عبد القادر !" " يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدك ومريدك مظلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة ".

ويقول الكاتب أيضاً:" أن في بلدة (ناقور) في الهند قبر يسمى " شاه الحميد " وهو أحد أولاد السيد عبد القادر – كما يزعمون – وأن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله ! وإن في كل بلدة من بلاد الهند وقراها مزاراً يمثل مزار السيد عبد القادر، فيكون
القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد !
والملجأ الذي يلجأون في حاجاتهم وشدائدهم إليه !
وينفقون من الأموال على خدمته وسدنته وفي موالده وحضراته ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعاً لصاروا أغنياء ! !
هذا ما كتبه إليّ ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أبصر مما حولي شيئاً، حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها.
أي عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤلم المحزن، منظر أولئك المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته !
أي قلب لا يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يطير جزعاً حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكاً بالله وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات!
لِمَ ينقم المسلمون التثليث من المشركين ؟!
لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن
وعلام يحاربونهم وفيم يقاتلونهم وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم ولم يغرقوا فيه إغراقهم ؟!
يدين المشركون بآلهة ثلاثة ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن العقل فيتأولون فيه ويقولون أن الثلاثة في حكم الواحد. أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون!
كثيراً ما يضمر الإنسان في نفسه أمراً وهو لا يشعر به، وكثيراً ما تشتمل نفسه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها ولا أرى مثلاً لذلك أقرب من المسلمين الذين يلتجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب، قالوا: إنا لا نعبدهم وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم لا يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وأن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين يلتمسون إمداده ومعونته فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون!!

جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية وليعتق رقابهم من رق العبودية فلا يذل صغيرهم لكبيرهم ولا يهاب ضعيفهم قويهم ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل وقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيرة يضربون على يد الظالم إذا ظلم ويقولون للسلطان إذا جاوز حده في سلطانه: قف مكانك ولا تغل في تقدير مقدار نفسك فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود، واعلم أن لا إله إلا الله!

هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد أما اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى، فقد ذلت رقابهم وخفت رؤوسهم وضرعت نفوسهم وفترت حميتهم فرضوا بخطة الخسف واستناموا إلى المنـزلة الدنيا فوجد أعداؤهم السبيل إليهم فغلبوهم على أمرهم وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم فأصبحوا من الخاسرين.
والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله ويقولون للأول كما يقولون للثاني: " أنت المتصرف في الكائنات وأنت سيد الأرضين والسموات " !!
إن الله أغير على نفسه من أن يسعد قوماً يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه وراءهم ظهرياً!!
فإذا نزلت بهم جائحة أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه ونادوا الجذع قبل أن ينادوه.

بمن أستغيث ؟ وبمن أستنجد ؟ ومن الذي أدعوه لهذه الملمة الفادحة ؟


أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على " يوم الكنيسة " تهافت الذباب على الشراب
أم علماء الآستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني ليحيوا أبا الهدى الصيادي شيخ طريقة الرفاعية ؟ !
أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام ؟
أم علماء الهند وبينهم أمثال مؤلف هذا الكتاب ؟!

يا قادة الأمة ورؤساءها عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا إن العامي أقصر نظراً وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والتماثيل والأضرحة والقبور فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله وتقرأون صفاته ونعوته وتفهمون معنى قوله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) وقوله مخاطباً نبيه (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً) وقوله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).
إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم:
كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف


فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبراً أو يتوسلون بضريح وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج هم ؟
وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين ؟!
وهل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثاً ولعباً ؟!
أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى ؟! وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور، ما دام كل منها يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد ؟!!
والله ما جهلتم شيئاً من هذا، ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب"!. (تقاليد يجب أن تزول) (ص64-67)

ويقول السيد رشيد أيضاً تحت قوله تعالى(دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن الشاكرين)، (11/338-339)

"وفي هذه الآية وأمثالها بيان صريح لكون المشركين كانوا لا يدعون في أوقات الشدائد وتقطع الأسباب بهم إلا الله ربهم ولكن من لا يحصى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا يحصى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سدنة المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسل وغيره.
وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلونها، ربما تكررت في القطرين لتشابه أهلها وأكثر مسلمي هذا العصر في خرافاتهم، وملخصها: أن جماعة ركبوا البحر فهاج بهم حتى أشرفوا على الغرق، فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يا بدوي ! وبعضهم يصيح: يا رفاعي ! وآخر يهتف: يا عبد القادر يا جيلاني !... الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعاً فقال: يا رب أغرق أغرق، ما بقي أحد يعرفك !"


ويقول الشيخ أبو الأعلى المودودي حين تحدث عن دخول الهنود في دين الله أفواجاً على أيدي بعض الأفراد من العلماء والتجار وبعض أهل الورع ولكن هؤلاء الأفراد كانوا عاجزين عن تعليم الداخلين في الإسلام حقيقة الإسلام وأصوله وتربيتهم على ذلك.
وذكر إهمال الحكام وتقصيرهم في العناية بهؤلاء وتربيتهم على الدين الحق ثم قال في (ص130):" فكان من جراء هذه الغفلة أن ظل عامتنا سادرين في الجهل والجاهلية منذ أول أمرهم. أما المعاهـد التعليميـة فما استفاد منها في معظــم الأحوال إلا الطبقات العليا أو الوسطى. وما زال الدهماء في جهـل تام بتعالـيم الإسلام محرومين من آثاره الإصلاحية إلى حد عظيم. وقد سبب كل ذلك أن كان الناس من غير المسلمين يدخلون في دين الله شعوباً وقبائل.
إلا أن كثيرا من الرسوم الباطلة والعادات الجاهلية مما كانوا عليه قبل إسلامهم، لا تزال متفشية بهم إلى يومنا هذا، بل لم تتغير أفكارهم ومعتقداتهم تغيراً تاماً، ولا يزال يوجد فيهم إلى الآن كثير من عقائد المشركين وأوهامهم التي ورثوها عن أديان آبائهم الكافرين، وأقصى ما حدث فيهم من الفرق بعد إسلامهم أن أخرجوا من تاريخ الإسلام آلهة لهم جديدة مكان الآلهة التي كانوا يعبدونها من قبل واختاروا لأعمالهم الوثنية القديمة أسماء جديدة من المصطلحات الإسلامية وكان العمل على ما كان عليه من قبل وإنما تغير قشره ولونه الظاهري.
فإن أردتم الشاهد على ما أقول فسرحوا النظر فيما عليه حالة الناس الدينية في أي بقعة من بقاع بلادكم ثم ارجعوا إلى التاريخ وابحثوا عن الدين الذي كان الناس يدينونه في هذه البقعة قبل أن يأتيهم الإسلام فستعلمون أنه توجد هناك كثير من العقائد والأعمال التي تشبه عقائد الدين المنقرض وأعماله إلا أنها في شكل آخر ولون غير لونه.
فالبقاع التي كانت فيها الديانة البوذية قبل الإسلام مثلاً كان الناس يعبدون فيها آثار بوذا، فهنا سن من أسنانه وهناك عظم من أعظمه؛وثمة شيء آخر من أشيائه يعبده الناس ويتبركون به وإنكم لتجدون اليوم عارضة أن الناس في هذه البقاع يعاملون مثل هذه المعاملة شعراً من أشعار النبي –صلى الله عليه وسلّم-؛ أو أثراً من آثار قدمه، أو يتبركون بآثار بعض صالحي المسلمين وعابديهم.
وكذلك إذا استعرضتم كثيراً من الرسوم والعادات المتفشية اليوم ببعض القبائل المتوغلة في إسلامها، ثم نظرتم في ما يروج في البطون غير المسلمة لهذه القبائل نفسها من الرسوم والتقاليد فقليلاً ما تجدون فارقاً بين هذه وتلك، أفليس ذلك مما يشهد شهادة ناطقة بأن الذين كان بيدهم زمام أمر المسلمين وشؤونهم الاجتماعية في القرون السالفة قصروا في أداء واجبهم أيما تقصير إذ لم يمدوا يد التعاون والمساعدة إلى الذين بذلوا جهودهم في نشر الإسلام بجهودهم الفردية فقد انجذب مئات الملايين من الناس إلى حظيرة الإسلام متأثرين بدعوته ولكن الذين كانوا سدنة لبيت الإسلام متولين أموره لم يعنوا في قليل ولا كثير بتعليمهم وتربيتهم وتزكية حياتهم وإصلاح فكرهم، فلم يكتب لهم أن يتمتعوا ببركات الإسلام ونعم التوحيد حق التمتع ويقوا أنفسهم المضار التي هي نتيجة لازمة للشرك والجاهلية" .

ثم ذكر سوء حال معظم العلماء وانشغالهم بأمور ألهتهم عن الجد في أمر الدين الحقيقي من التحزب والتفرق والمجادلات والمخاصمات وعنايتهم بالعلوم اليونانية وانصرافهم عن الكتاب والسنة وما ترتب على ذلك من آثار سيئة في حياة المسلمين ثم قال في (ص133):" وإن تعجب فعجب من حال الصوفية فإنكم إذا سرحتم النظر فيهم لا تجدون من بينهم من عملوا بالتصوف الإسلامي الحقيقي وعلموه الناس إلا عدداً يسيراً أما معظمهم فكانوا يدعون الناس ويرشدونهم إلى تصوف كان مزاجاً من الفلسفات الإشراقية والويدانتية والمانوية الزرادشتية وكانت طرق الرهبان والأحبار والإشراقيين والرواقيين اختلطت به اختلاطاً حتى لم تبق له علاقة بعقائد الإسلام وأعماله الخالصة إلا قليلاً ولقد كان عباد الله يرجعون إليهم مستهدين إلى الله وهم يهدونهم إلى طرق معوجة وسبل زائفة ثم لما خلف من بعدهم خلف ورثوا فيما ورثوا عن أسلافهم مريديهم وأتباعهم ولم يبقوا مما كان بينهم من العلائق إلا على علاقة النذور والهدايا دون الإرشاد والوعظ والتربية وأكثر ما سعت له هذه الدوائر ولا تزال تسعى له، هو أن لا يتسرب قبس من العلم الصحيح بالدين إلى حيث لمشيختهم النفوذ والتأثير فإنهم يعرفون كل المعرفة أنه لن يدوم لسحرهم ودجلهم تأثير في الناس إلا ما داموا جاهلين بدينهم".
ثم تحدث عن أحوال المسلمين الأخلاقية فذكر أنها بلغت الحضيض ومنها بيع دينهم وكيف سخرهم أعداء الإسلام لإهلاك بعضهم بعضاً.

يوسف التازي
15-01-15, 06:10 PM
ويقول الشيخ عبد الحميد كشك -رحمه الله- في ظلال الإيمان ص83 -84 طبعة مكتبة التراث الإسلامي:

قال في الاستغاثة ( وهي طلب الغوث والنجدة ولا يصح أن يستغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فإن ذلك شرك…)

ثم قال الشيخ ( ومما تقدم يعلم أن ما يجري على ألسنة العوام
من دعاء لغير الله
أو استغاثة به
أو غلو في مدحه
أو استشفاع وتوصل به
أو حلف باسمه
أو طلب المدد والبركة منه
كل ذلك شرك يجب على العلماء أن ينبهوا الناس إلى عظيم خطره وسوء عاقبته بدلاً من أن يلهوا عقولهم بذكر حكايات الصوفية كرابعة العدوية وغيرها )

ويقول الشيخ الشهيد -بإذن الله تعالى- الدكتور عبد الله عزام في مقدمة كتابه "العقيدة وأثرها في بناء الجيل":

"ونرى أن الإستغاثة بالأموات وطلب الحاجات منهم شرك......."
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد الرابع مبحث (استغاثة) بعد أن ذكر عدة صور من صور الاستغاثة:

الصّورة الرّابعة :

( أن يسأل المستغاث به ما لا يقدر عليه ، ولا يسأل اللّه تبارك وتعالى ، كأن يستغيث به أن يفرّج الكرب عنه ، أو يأتي له بالرّزق . فهذا غير جائزٍ وقد عدّه العلماء من الشّرك ، " لقوله تعالى { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلت فإنّك إذاً من الظّالمين . وإن يمسسك اللّه بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو وإن يردك بخيرٍ فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرّحيم } .
وفي الصّحيح عن أنسٍ رضي الله عنه قال : « شجّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ وكسرت رباعيته ، فقال : كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم ؟ فنزلت { ليس لك من الأمر شيءٌ } »
فإذا نفى اللّه تعالى عن نبيّه ما لا قدرة له عليه من جلب نفع أو دفع ضرٍّ ، فغيره أولى )انتهى.

يوسف التازي
15-01-15, 06:16 PM
قال الزبيدي «وقبيح بذوي الايمان أن ينزلوا حاجتهم بالمخلوق وهم يسمعون قوله تعالى ( أليس الله بكاف عبده) (اتحاف السادة المتقين (9/498)

وذكر السبكي في (فتاوىيه 1/13) تعليقا على هذه الآية ( أدعوني أستجب لكم) بأن هذه الآية تفيد أنه لا يستعان غير الله».

و أخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

يوسف التازي
15-01-15, 06:17 PM
حكم التوسل بالأولياء والصالحين
قرأها وراجعها الأستاذ الدكتور
ناصر بن عبدالكريم العقل






الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

* فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت فيهم الشركيات والبدع والخرافات، ومن ضمن هذه الشركيات التي انتشرت بشكل كبير تعظيم بعض المسلمين لمن يسمونهم بالأولياء والصالحين ودعاؤهم من دون الله واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون، فعظموهم وطافوا حول قبورهم.

* ويزعمون أنهم بذلك يتوسلون بهم إلى الله لقضاء الحاجات وتفريج الكربات، ولو أن هؤلاء الناس الجهلة رجعوا إلى القرآن والسنة وفقهوا ما جاء فيهما بشأن الدعاء والتوسل لعرفوا ما هو التوسل الحقيقي المشروع ؟

* إن التوسل الحقيقي المشروع هو الذي يكون عن طريق طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، وعن طريق التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وسؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فهذا هو الطريق الموصل إلى رحمة الله ومرضاته.

* أما التوسل إلى الله عن طريق : الفزع إلى قبور الموتى والطواف حولها، والترامي على أعتابها وتقديم النذور لأصحابها، لقضاء الحاجات وتفريج الكربات فليس توسلا مشروعا بل هذا هو الشرك والكفر بعينه والعياذ بالله .

* فكل من غلا في حيٍ ، أو رجل صالح، أو نحوه، وجعل له نوعا من أنواع العبادة مثل أن يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الرب والتي لا تصلح إلا الله تعالى، فقد أشرك بالله شركا أكبر، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر.

* والذين كانوا يدعون مع الله آلهةً أخرى مثل اللات والعزى وغيرها لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، وإنما كانوا يعبدونها ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.

* فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ) الإسراء: 56 وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) سبأ :22 فأخبر سبحانه: أن ما يُدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به.

* ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) وكان ذلك سدا لذريعة الوقوع في الشرك فإن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان بسبب تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.

* وأما ما جاء في توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما، الذي قد يحتج به البعض، فإن عمر توسل بدعاء العباس لا بشخصه، والتوسل بدعاء الأشخاص غير التوسل بشخصهم بشرط أن يكونوا أحياء؛ لأن التوسل بدعاء الحي نوع من التوسل المشروع بشرط أن يكون المتوسل بدعائه رجلا صالحا. وهذا من جنس أن يطلب رجل الدعاء من رجل صالح حي ثم يطلب من الله أن يقبل دعاء هذا الرجال الصالح الحي له.

* أما الميت الذي يذهب إليه السائل ليسأل الله ببركته ويطلب منه العون قد أصبح بعد موته لا يملك لنفسه شيئا ولا يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فكيف ينفع غيره؟! ولا يمكن لأي إنسان يتمتع بذرة من العقل السليم يستطيع أن يقرر أن الذي مات وفقد حركته وتعطلت جوارحه يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فضلا عن أن ينفع غيره، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم قدرة الإنسان على فعل أي شيء بعد موته فقال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فتبين من الحديث أن الميت هو الذي بحاجة إلى من يدعو له ويستغفره له، وليس الحي هو الذي بحاجة إلى دعاء الميت، وإذا كان الحديث يقرر انقطاع عمل ابن آدم بعد موته، فكيف نعتقد أن الميت حي في قبره حياة تمكنه من الاتصال بغيره وإمداده بأي نوع من الإمدادات؟ كيف نعتقد ذلك؟! وفاقد الشيء لا يعطيه والميت لا يمكنه سماع من يدعوه مهما أطال في الدعاء قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمٍْ ) فاطر:13،14 فنفى الله عنهم الملك وسماع الدعاء ومعلوم أن الذي لا يملك لا يعطي، وأن الذي لا يسمع لا يستجيب ولا يدري، وبينت الآية أن كل مدعو من دون الله كائنا من كان فإنه لا يستطيع أن يحقق لداعيه شيئا .

* وكل معبود من دون الله فعبادته باطلة، قال تعالى( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) الآية يونس: 106،107 ويتبين من هذه الآية أن كل مدعو من دون الله لا ينفع ولا يضر، فإذا ما الفائدة من عبادته ودعائه، وهذا فيه تكذيب لأهل الخرافة الذين يقولون ذهبنا للقبر الفلاني أو دعونا الولي الفلاني وتحصل لنا ما نريد، فمن قال ذلك فقد كذب على الله، ولو فرض أن حصل شيء مما يقولون فإنه حصل بأحد سببين:
1- إن كان الأمر مما يقدر عليه الخلق عادة فهذا حصل من الشياطين لأنهم دائما يحضرون عند القبور، لأنه ما من قبر أو صنم يعبد من دون الله إلا تحضره الشياطين لتعبث في عقول الناس.
* وهؤلاء المتوسلون بالأولياء لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان قديما فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان وقد يكون بعض ذلك صدقاً، ولكن أكثره كذب، وقد تقضي بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهون مما يقدر عليه البشر عادة، فيظن هؤلاء السذج أن الشيخ، أو الولي هو الذي خرج من قبره وفعل ذلك، وإنما هو في الحقيقة الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم.
2- أما إن كان الأمر مما لا يقدر عليه إلا الله كالحياة والصحة والغنى والفقر، وغير ذلك مما هو من خصائص الله، فهذا انقضى بقدر سابق قد كتبه الله ولم يحصل ذلك ببركة دعاء صاحب القبر كما يزعمون.

* فينبغي على الإنسان العاقل ألا يصدق مثل هذه الخرافات، وأن يعلق قلبه بالله وينزل حاجته به حتى تقضي ولا يلتفت إلى الخلق لأن الخلق ضعفاء مساكين فيهم الجهل والعجز، وكيف يطلب الإنسان حاجته من مخلوق مثله؟ وقد يكون ذلك المخلوق ميتا أيضا لا يسمع ولا يرى ولا يملك شيئا، ولكن الشيطان يزين للناس ما كانوا يعملون.

الكرامات المزعومة

* لقد اختلطت الأمور على كثير من الناس اختلاطا عجيبا جعلهم يجهلون حقيقة المعجزات والكرامات، فلم يفهموها على وجهها الصحيح، ليفرقوا بين المعجزات والكرامات الحقيقية التي تأتي من الله وحده إتماما لرسالته إلى الناس وتأييدا لرسله أو إكراما لبعض أوليائه الصالحين الحقيقيين، لم يفرقوا بينها وبين الخرافات والأباطيل التي يخترعها الدجالون ويسمونها معجزات وكرامات ليضحكوا بها على عقول الناس وليأكلوا أموالهم بالباطل .

* ولقد ظن الجهلة من الناس أن المعجزات والكرامات من الأمور الكسبية والأفعال الاختيارية التي تدخل في استطاعة البشر، بحيث يفعلونها من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم، وبهذا الجهل اعتقدوا أن الأولياء والصالحين يملكون القدرة على فعل المعجزات والكرامات في أي وقت يشاءون، وما ذلك إلا بجهل الناس بربهم وبحقيقة دينهم.

* ونقول لهؤلاء : إن تصوير ما يحدث من هؤلاء الدجالين على أنها معجزة أو كرامة لهذا الولي أو ذلك كذب، وإنما هذه الحوادث كلها من عبث الشياطين أو من اختراع عقلية ماكرة اصطنعت تلك الحوادث الوهمية وسمتها كرامات ومعجزات لتضفي على أصحاب هذه القبور مهابة وإجلالا فتجعل لهم بركات ليعظمهم الناس.

* ولا يمكن لأي عاقل يحتفظ بفطرته السليمة أن يصدق أن الميت يمكنه القيام بأي عمل بعد أن خرجت روحه من بدنه وبطلت حركته وأكل الدود جسمه وأصبح عظاما بالية، من الذي يصدق مثل هذه المزاعم المفضوحة إلا إنسان جاهل ساذج!! لأن هذه المزاعم التي يزعمونها مما يستحيل أن يفعلها الأحياء فضلا عن الأموات! فهل نلغي عقولنا التي منحنا الله لنصدق مثل هذه الخرافات؟

* إن العقول المستنيرة والفطرة السليمة ترفض بشدة تصديق مثل هذه الخرافات لما في ذلك من مخالفة لسنن الله الشرعية والكونية. قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) آل عمران: 79،80

المشركون قديما وحديثا

* إن الكثيرين من الناس من مرتادي القبور والمزارات يقولون: إن المشركين في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، أما نحن فلا أصنام عندنا نعبدها، بل لدينا قبور لبعض المشايخ والصالحين لا نعبدها ولكننا فقط نسأل الله أن يقضي حاجاتنا إكراما لهم، والعبادة غير الدعاء.

* ونقول لهؤلاء : إن طلب المدد والبركة من الميت هو في الحقيقة دعاء، كما كانت الجاهلية تدعو أصنامها تماما ولا فرق بين الصنم الذي يعبده المشركون قديما وبين القبر الذي يعبد الناس ساكنه حديثا، فالصنم والقبر والطاغوت كلها أسماء تحمل معنى واحدا وتطلق على كل من عبد من دون الله سواء كان إنسانا حيا أو ميتا أو جمادا أو حيوانا أو غير ذلك، ولما سئل المشركون قديما عن سبب توسلهم بالأصنام ودعائهم لها كان جوابهم: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر:3 أي وسطاء بيننا وبين الله لقضاء حاجتنا، ومن ذلك يتبين أنه لا فرق بين دعوى الجاهلية الأولى وبين عباد القبور الذين ينتسبون إلى الإسلام اليوم فغاية الجميع واحدة وهي الشرك بالله ودعاء غير الله.

شرك المحبة

* إن مجرد انصراف القلب والمشاعر كلها إلى مخلوق بالحب والتعظيم فيما لا يجوز إلا الله يعتبر عبادة له، فالذين يزعمون أنهم يحبون الموتى من الأولياء والصالحين لكنهم يعظمونهم ويقدسونهم بما يزيد عن الحد الشرعي هم في الحقيقة يعبدونهم لأنهم من فرط حبهم له انصرفوا إليهم فجعلوا لهم الموالد والنذور وطافوا حول قبورهم كما يطوفون حول الكعبة واستغاثوا بهم وطلبوا المدد والعون منهم، ولولا التقديس والغلو فيهم ما فعلوا كل ذلك من أجل الموتى.

* ومن غلوهم يهم أيضا أنهم يحرصون على أن يحلفوا بهم صادقين بينما لا يتحرجون من أن يحلفوا بالله كاذبين هازلين، والبعض منهم قد يسمع من يسب الله تعالى فلا يغضب لذلك ولا يتأثر بينما لو سمع أحدا يسب شيخه لغضب لذلك غضبا شديدا أليس في ذلك غلو في أوليائهم ومشايخهم أكثر من تعظيمهم لله؟ وأن محبتهم لهم غلبت محبة الله، قال تعالى: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ) البقرة:165

الله قريب من عباده

* إن الله تعالى قريب من عباده( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقر: 186 فليس بين الله وبين عباده ما يمنع من مناجاته واللجوء إليه وطلب الحاجة منه مباشرة حتى يلجأ الإنسان إلى قبور الموتى يتوسل بهم ويدعوهم ليشفعوا له عند الله ويسألهم مالا يملكون ويطلب منهم ما لا يقدرون عليه.

* بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ربه مباشرة، ويتوسل إليه التوسل المشروع وذلك بالتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأن يكون معتقدا تمام الاعتقاد أن الله تعالى هو المعز المذل المحيي المميت الرازق النافع المدبر لشؤون الحياة كلها وأن بيده وحده النفع والضر، قال صلى الله عليه وسلم (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فالفرد سواء كان حيا أو ميتا من باب أولى لن ينفع ولن يضر أحد إلا بشيء قد كتبه الله.

* لذا فيجب على كل من ابتلي بمثل هذه الشركيات وهذه البدع والخرافات من طواف حول القبور وتعظيمها وسؤال أصحابها الحاجات وتفريج الكربات أن يتوب إلى الله من هذا العمل الفاسد الذي هو في الحقيقة شرك بالله وصاحبه مخلد في النار والعياذ بالله . قال تعالى: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) المائدة 72 وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له في كل شأن من شؤون حياته وأن يعبد الله بما شرعه إن كان صادقا في إسلامه وألا يلتفت لأحد من الخلق كائنا من كان لا في دعاء ولا غيره مما لا يقدر عليه إلا الله وأن يلتزم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وألا يخالط أهل البدع وأهل الشرك لئلا يتأثر بهم ويقلدهم فيهلك معهم ويخسر الدنيا والآخرة والله أعلم .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

يوسف التازي
15-01-15, 06:17 PM
الذي يتوجه بالدعاء إلى الله عند قبور الصالحين فهذا هو التوسل بالأولياء والصالحين، والتوسل جائز شرعاً، وهو بطلب من الله متوسلاً إليه بهذا الولي، عسى أن يكون هذا الدعاء أو دعاء السائل مقبولاً، وليس في ذلك ما يتنافى مع العقيدة، لا فرق في ذلك بين الحي والميت، والدليل على ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه أعمى فقال له: يا رسول الله أطلب من الله أن يرد علي بصري؟ فقال له: اذهب فتوضأ وصلِّ لله ركعتين، ثم قل: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا سيدي يا رسول الله! توسلنا بك إلى ربي ليرد علي بصري) فرد الله عليه بصره. ويقول أيضاً: بإنه يجوز الاستعانة بالأحياء والأموات؛ لأن السائل يسأل الله ببركة هذا الصالح من نبي أو ولي، وليس طالباً من ذات الشخص أن يفعل شيء، نرجو من سماحتكم الإفادة عن هذا الموضوع.


هذا سؤالٌ جدير بالعناية، وفيه تفصيل: الحي الحاضر لا بأس أن يسأل أن يشفع للسائل، كما كان الصحابة يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يشفع لهم، إذا أجدبوا ويستغيث لهم، وكما سأله الأعمى فأمره أن يسأل ربه أن يقبل شفاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأمره أن يتوضأ ويسأل ربه، هذا لا بأس به، سؤال الأحياء أن يشفعوا لك تقول: يا أخي ادع الله لي، اسأل الله لي أن الله يشفيني، اشفع لي أن الله يرزقني، أن الله يمنحني زوجة صالحة، ذرية طيبة، لا بأس، تقول لأخيك وهو يدعو ربه، يتضرع بين يديه ويقول: اللهم اشف فلان، اللهم يسر أمره، اللهم ارزقه الزوجة الصالحة، اللهم ارزقه الذرية الطيبة، لا بأس، كما كان الصحابة يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما كان الصحابة أيضاً فيما بينهم كل هذا لا بأس به، والنبي - صلى الله عليه وسلم – قال لهم: (إنه يقدم عليكم رجلٌ برٌ بأمه يقال له: أويس القرني، كان براً بأمه فمن لقيه منكم فليطلبه أن يستغفر له)، فهذا حديث لا بأس به. أما سؤال الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم هذا شرك أكبر، هذا عمل الجاهلية هذا عمل قريش في جاهليتها، وعمل غيرهم من الكفرة، سؤال الأموات وأصحاب القبور والاستغاثة بهم والاستعانة بهم؛ هذا هو الشرك الأكبر، عبادة غير الله التي قال فيها جل وعلا، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)سورة الجن، وقال فيها- سبحانه وتعالى -:وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117) سورة المؤمنون، ومن دعا الأنبياء أو دعا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم – بعد الموت، أو استغاث بالصديق أو بعمر أو بعثمان أو بعلي أو بغيرهم فقد اتخذهم آلهة، جعلهم آلهة مع الله، قال الله جل وعلا: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ سماه شرك، وقال - سبحانه وتعالى -: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ(5)سورة الأحقاف، فأخبر - سبحانه وتعالى – أنه لا أضل من هؤلاء، دعاة غير الله، فالمقصود أن الواجب على المؤمن أن يحذر دعاء الأموات، أو الغائبين كالملائكة والجن يدعوهم، يسأل جبرائيل أو إسرافيل، أو جن في البلاد الفلانية، أو جن الجبل الفلاني هذا شرك أكبر، قال جل وعلا:وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ(40) سورة سبأ، وقال جل وعلا في سورة الجن:وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6) سورة الجن، فالواجب الحذر فلا يسأل الأموات ولا الغائبين من الملائكة وغيرهم، ولا يسأل الأصنام ولا الجمادات من أشجار أو أحجار لا، يسأل الله وحده، يسأل الله، يستعين بالله، يستغيث بالله، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ(23) سورة الإسراء، وقال- سبحانه وتعالى -:ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(60)سورة غافر، وقال جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء(5) سورة البينة، وقال - سبحانه وتعالى -: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ(186) سورة البقرة، وقال - سبحانه وتعالى -: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي – يعني ذبحي- وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ 162) سورة الأنعام، قال - سبحانه وتعالى -:إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ سورة الكوثر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله من ذبح لغير الله)، فهذه أمورٌ عظيمة خطيرة، والجلوس عند القبور يدعو ربه عند القبور؛ هذه وسيلة للشرك، كونه يجلس عندها يقرأ أو يدعو هذه وسيلة، ما يجوز، من وسائل الشرك، أما إذا دعا المقبور واستغاث به هذا الشرك الأكبر، هذا الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة. أما الحي الحاضر يقول له: ادع الله لي، أو يسأل منه أن يعينه على كذا لا بأس، إذا كان حي حاضر قادر فلا بأس، مثل ما كان الصحابة يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم – وهو حاضر أن يعينهم وأن يواسيهم مما أعطاه الله من المال، وأن يدعو لهم فلا بأس، مثل ما قال الله عن موسى، في قصة موسى مع القبطي:فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ(15) سورة القصص، فأغاثه موسى وقتل القبطي؛ لأن موسى حاضر يسمع الكلام، وهكذا في الحرب، الإنسان مع إخوانه في الحرب في الجهاد يتعاونون في قتال الأعداء، هذا يعين بالسلاح، وهذا يعين بالسوط، وهذا يعين بالفرس، وهذا يعين بالدرقة إلى غير ذلك، وهكذا في الدنيا يتعاونون في المزرعة، يعينه في مزرعته، يعينه في بيعه وشراءه، حي قادر حاضر، يتعاونون في المزرعة في البيع والشراء في بناء البيت، لا بأس، حي حاضر قادر لا بأس، أما ميت أو غائب لا، لا يستعان به، شرك الأكبر، والمشركون ما كانوا يعتقدن أنهم يخلقون أو يرزقون، لا، المشركون يعبدونهم؛ لأنهم بزعمهم يشفعون لهم، يقربونهم إلى الله زلفى، هذا زعمهم، ما كانوا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون أو يرزقون، قال الله جل وعلا: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ(87) سورة الزخرف، وقال - سبحانه وتعالى -: قل من يرزقكم – يعني قل لهم يا محمد- قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ(31) سورة يونس، يعترفون بهذا، وقال جل وعلا: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ(18) سورة يونس، ما قالوا: هؤلاء خالقونا أو رازقونا، لا، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهم يعلمون أن الخلاق والزراق هو الله، وإنما يعبدون الأصنام لأنها تشفع لهم بزعمهم، وقد أبطلوا في هذا، وقال جل وعلا: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى(3) سورة الزمر، يعني يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. قال الله جل وعلا:إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) سورة الزمر، سماهم كذبة، وسماهم كفرة، كذبة ما يقربونهم زلفى، وهم كفرة بهذا، بدعائهم إياهم، وذبحهم لهم، ونذرهم لهم، هم كفرة بهذا، سواءً كانوا أنبياء المعبودين أو صالحين أو ملائكة، من عبدهم كفر، بالاستغاثة بهم، بذبحه لهم، يقول أنهم يقرون إلى الله زلفى، أنهم يشفعون له، هذا دين المشركين، هذا دين عباد الأصنام يزعمون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم، لا أنها تخلق و.... فالذي يأتي البدوي أو السيد الحسين أو غيره أو الجيلاني أو يأتي غيرهم يسألهم، يستغيث بهم، هذا قد جعلهم آلهة مع الله، وهذا هو الشرك الأكبر، وهكذا إذا أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه، يستغيث به، هذا من الشرك الأكبر، فالواجب الحذر، الواجب على السائل وعلى غير السائل الحذر من هذه الشركيات وعدم الالتفات من دعاة الشرك من علماء السوء وقادة السوء نسأل الله العافية والسلامة.

يوسف التازي
15-01-15, 06:19 PM
التوسل

اتخاذ الوسيلة ، والوسيلة كل ما يوصل إلى المقصود فهي من


الوصل لأن الصاد والسين يتناوبان ، كما يقال ، صراط وسراط وبصطة وبسطة .


والتوسل في دعاء الله تعالى أن يقرن الداعي بدعائه ما يكون سبباً في


قبول دعائه ولا بد من دليل على كون هذا الشيء سببـاً للقبول ، ولا يعلم ذلك إلا


من طريق الشرع ، فمن جعل شيئاً من الأمـور وسيلة له في قبول دعائه بدون


دليل من الشرع فقد قال على الله ما لا يعلم ، إذ كيف يدري أن ما جعله وسيلة


مما يرضاه الله تعالى ويكون سبباً في قبول دعائه ؟


والدعـاء من العبادة ، والعبادة موقوفة على مجئ الشرع بها ، وقد أنكر الله



تعالى على من اتبع شرعاً بدون إذنه وجعله من الشرك فقال تعـالى : ( أم لهم


شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) (سورة الشورى : 21 )


وقال تعـالى : ( اتخـذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن


مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون )


( سورة التوبة : 31 ) .



والتوسل في دعاء الله تعالى قسمان :



القسم الأول : أن يكون بوسيلة جاءت بها الشريعة ، وهو أنواع :


الأول :

التوسل
بأسماء الله تعـالى وصفاته وأفعـاله ،


فيتوسل إلى الله تعالى بالاسم المقتضي لمطلوبه أو بالصفة المقتضية له أو


بالفعل المقتضي ، قال الله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ، فيقول : اللهم


يا رحيم ارحمني ، ويا غفور اغفر لي ، ونحـو ذلك وفي الحديث عن النبي صلى


الله عليه وسلم أنه قال : [ اللهـم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما


علمت الحياة خيراً لي ] وعلم أمته أن يقولوا في الصلاة عليه : ( اللهم صلِّ على


محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) .


والثاني : التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وطاعته



كقوله عن أولي الألباب : ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم


فآمنا ، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ) (سورة آل عمران :193) .


وقوله : ( إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا )


(سورة المؤمنون : 109 ) .


وقوله عن الحواريين : ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع


الشاهدين ) (سورة آل عمران :53 )


الثالث : أن يتوسل إلى الله بذكر حال الداعي المبيّنة لاضطراره وحاجته


كقول موسى عليه السـلام ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير )


( سورة القصص : 24 ) .


الرابع : أن يتوسل إلى الله بدعـاء من ترجى إجابته ،


كطلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم


، مثل قول الرجـل الذي دخل يوم الجمعـة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب


فقال : ادع الله أن يغيثنا وقول عكاشة بن محصن للنبي صلى الله عليه وسلم :


ادع الله أن يجعلـني منهم .


وهذا إنما يكون في حياة الداعي أما بعـد موته فلا يجوز ، لأنه لا عمل له فقد


انتقـل إلى دار الجزاء ، ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب رضي


الله عنه لم يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لهم ، بل


استسقى عمر بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : قم فاستسق ،


فقام العباس فدعا ، وأما ما يروى عن العتـبي أن أعرابيـاً جاء إلى قبر النبي


صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله يقول : ( ولو


أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله


تواباً رحيماً ) ( سورة النساء : 64 ) . وقد جئتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعـاً


بك إلى ربي ... وذكر تمام القصة فهذه كذب لا تصح ، والآية ليس فيها دليل لذلك


، لأن الله يقول : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ) ولم يقل إذا ظلموا أنفسهم و إذ


لما مضى لا للمستقبل ، والآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله


ورسوله كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق .



القسم الثاني : أن يكون التوسل بوسيلة لم يأت بها الشرع وهي نوعان :



أحدهما : أن يكون بوسيلة أبطلها الشرع ،



كتوسل المشركين بآلهتهم ، وبطلان هذا ظاهر .


الثاني : أن يكون بوسيلة سكت عنها الشرع


وهذا محرم ، وهو نوع من الشرك ، مثل أن يتوسل بجاه شخص ذي جـاه عند


الله فيقول : أسألك بجاه نبيـك . فلا يجوز ذلك لأنه إثبات لسبب لم يعتبره الشرع


ولأن جاه ذي الجاه ليس له أثر في قبول الدعـاء لأنه لا يتعلق بالداعي ولا


بالمدعو ، وإنما هو من شأن ذي الجاه وحده ، فليس بنافع لك في حصول


مطلوبك أو دفع مكروبك ، ووسيلة الشيء ما كان موصلاً إليه ، والتوسل


بالشيء إلى ما لا يوصـل إليه نوع من العبث ، فلا يليق أن تتخذه فيما بينك


وبـين ربك . والله الموفق .


المصدر : مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين


( الجزء : 2 / السؤال رقم : 375 ) .

يوسف التازي
15-01-15, 06:20 PM
يقول العلامة الألباني:

اضطرب الناس في مسألة التوسل، وحكمها في الدين اضطراباً كبيراً، واختلفوا فيها اختلافاً عظيماً، بين محلل ومحرم، ومغال ومتساهل، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلاً:

(اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني) و

(اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي) و

(اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان..) أو

(اللهم بكرامة رجال الله عندك، وبجاه من نحن في حضرته، وتحت مدده فرج الهمّ عنا وعن المهمومين) و

(اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين....). إلخ.

ويسمون هذا توسلاً، ويدّعون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجرة القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى يصح أن يكون وسيلة إلى الله، بل قد أجاز بعض المتأخرين الاستغاثة بغير الله، وادعى أنها توسل، مع أنها شرك محض ينافي التوحيد من أساسه!

فما هو التوسل يا ترى؟ وما هي أنواعه؟ وما معنى الآيات والأحاديث الواردة فيه؟ وما حكمه الصحيح في الإسلام؟


التوسل في اللغة والقرآن:

معنى التوسل في لغة العرب

وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفصيل أحب أن ألفت النظر إلى سبب هام من أسباب سوء فهم كثير من الناس لمعنى التوسل وتوسعهم فيه، وإدخالهم فيه ما ليس منه، وذلك هو عدم فهمهم لمعناه اللغوي، وعدم معرفتهم بدلالته الأصلية، ذلك أن لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عني بها التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة.

قال ابن الأثير في النهاية: (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل)

وقال الفيروز أبادي في القاموس: (وسّل إلى الله تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل)

وقال ابن فارس في معجم المقاييس: (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله عز وجل، وهو في قول لبيد:

أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى *** كل ذي دين إلى الله واسل


وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة}، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).

وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضاً وأنشد عليه قول الشاعر:

إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا *** وعاد التصافي بيننا والوسائل


هذا وهناك معنى آخر للوسيلة وهو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم:

((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله إلى الوسيلة، فإنها منزلة لا تبتغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)).

وواضح أن هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقاً الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.

معنى الوسيلة في القرآن:


إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقوله سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}.

فأما الآية الأولى فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير رحمه الله في تفسيرها: (يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. (اتقوا الله) يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. (وابتغوا إليه الوسيلة): يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).

ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسُّدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود).

وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال:

(نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).

قلت: وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: (يبتغون) أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يسفّه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين، الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم؛ لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وينكر الله عليهم عدم توجههم بالعبادة إليه وحده تبارك وتعالى، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء، وهو المهيمن على كل شيء.


الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله:

ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطئ لا يصح حمل الآيتين عليه، لأنه لم يثبت شرعاً أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكر هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله تباك وتعالى يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بكل قربة، والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.

ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يكل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه، لأنه لا يعلم ما يرضي الله عز وجل إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعني ذلك أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الذي وصّانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال:

((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله))
.
متى يكون العمل صالحاً:

وقد تبين من الكتاب والسنة أن العمل حتى يكون صالحاً مقبولاً يقرب إلى الله سبحانه فلا بد من أن يتوفر فيه أمران هامان عظيمان:

أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله عز وجل.

وثانيهما: أن يكون موافقاً شرعه الله تبارك وتعالى في كتابه أو بينه رسوله في سنته فإذا اختل واحد من هذين الشرطين لم يكن العمل صالحاً ولا مقبولاً.

ويدل على هذا قوله تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}

فقد أمر سبحانه أن يكون العمل صالحاً، أي موافقاً للسنة، ثم أمر أن يخلص به صاحبه لله، لا يبتغي به سواه.

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم). وروي مثل هذا عن القاضي عياض رحمه الله وغيره.

انتهى كلامه رحمه الله ..

يوسف التازي
15-01-15, 06:21 PM
يقول الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى-:

((....ولعل سبب الخطأ في هذه النقطة بالذات راجع إلى جهل كثير من الناس لغة الصحابة، وعرفهم، واستعمالهم.
ولنستوضح الأمر، فلنسمع ما قاله عمر بن الخطاب _ في عام الرمادة، وهو العام الذي أصيب فيه المسلمون بالقحط والجفاف في عهد عمر رضي الله عنه، فجمع عمر الناس للاستسقاء، ثم قال: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، فالآن نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا. ثم نطلب من العباس أن يدعو الله، فقام العباس فدعا الله تعالى فسقاهم الله" أخرجه البخاري.

والشاهد من القصة قول عمر: كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، فيا ترى ماذا يعني عمر بقوله: كنا نتوسل إليك؟
هذا هو السؤال الذي يقتضيه المقام، وهو السؤال الذي يدور في رأس كل مستمع تقريباً، ويكاد أن ينطق به كل لسان، وينبغي أن يكون نص السؤال هكذا: كيف كانوا يتوسلون به في حياته؟ ولماذا عدلوا عن التوسل به بعد وفاته إلى التوسل بغيره؟
وبالإجابة على هذين السؤالين يزول كل إشكال، ويتضح وجه الصواب-إن شاء الله- لطلاب الحق.

فنقول -مستعينين بالله- :التوسل الذي عناه عمر رضي الله عنه هو الذي وضحه حديث أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين ولفظه هكذا: ((إن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله قائم يخطب فاستقبل رسول الله ¢ قائماً ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله يديه ثم قال: الله أغثنا، اللهم أغثنا-ثلاثاً- قال أنس: والله ما نرى من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. قال أنس: والله ما رأينا الشمس سبتاً-أي أسبوعا- قال أنس: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله قائم فاستقبل قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا.
قال أنس: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: الله حوالينا لا علينا، الله على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس))

قال شريك راوي الحديث: "فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري".

هذا مثال من أمثلة توسلهم برسول الرحمة في حياته صلى الله عليه وسلم.

وهناك مثال آخر ما تضمنته قصة الأعمى المشهورة، وملخصها: (( جاء رجل أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن يدعو الله له ليرد الله عليه بصره، فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يصبر على عماه، وهو خير له وبين أن يدعو الله له، فقال الأعمى : بل ادع الله، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يدعو بالألفاظ التالية: ((اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه فيَّ)) أخرجه الترمذي (3578) وابن ماجه(1375) من حديث عثمان بن حنيف _، وصححه الإمام الألباني في صحيح الجامع(1279).

هذه قصة الأعمى: فأجاب الله دعوة نبيه، كما أجاب دعوة الصحابي المسكين، وحقق أمنيته فرد عليه بصره العزيز.
ففي كلتا الواقعتين آية من آيات النبوة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى، وإلى هذا النوع من التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أشار عمر في عام الرمادة بقوله: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك)).

وقد عرفنا كيف كانوا يتوسلون به صلى الله عليه وسلم يطلبون من الدعاء، يطلبون منه أن يدعو الله لهم ليغيثهم، يطلبون منه فيدعو الله لهم ليرد الله بصر من فقد بصره والله على كل شيء قدير وحده، وربما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من طلب منه الدعاء أن يتضرع إلى الله ليجيب دعوة نبيه له صلى الله عليه وسلم إذا توجه به إلى ربه، وطلب منه الشفاعة كما يظهر ذلك جلياً في قصة الأعمى، وعلى كلٍّ فالمدعو هو الله، والمرجو هو الله، والذي يغيث العباد وينزل الغيث هو الله وحده لا شريك له، ولكن النبي يدعو ويشفع، وكذلك ورثته من العلماء الصالحين.

ومن هاتين الواقعتين، ومن هذا السياق نعلم أن جمهور المسلمين جهلوا لغة الصحابة في معنى التوسل واستعمالهم، فغيروا الحقائق، فغلوا في الصالحين فدعوهم من دون الله واستغاثوا بهم، ثم قالوا: إنما نتوسل بهم، بل هذه من محبته جهلاً منهم أو تجاهلاً، ولعلنا لا نختلف في وجهة خطأ هذا الاتجاه بعد أن عرفنا معنى التوسل في الحديثين السابقين.

ومن المعلوم ضرورة أن الأسماء لا تغير الحقائق؛ فالخمر خمر طالما تسكر ولو سميت ماء عذباً أو لبناً خالصاً سائغاً للشاربين أو عسلاً مصفى، فالدعاء والاستغاثة والذبيحة والنذر عبادة ولو سماها أهلاها توسلاً أو تبركاً أو محبة للصالحين.

وهكذا يتم الجواب على السؤال الأول القائل: كيف كانوا يتوسلون بالني صلى الله عليه وسلم في حياته.

لننتقل إلى الجواب على السؤال الثاني وهو لماذا عدلوا عن التوسل به بعد وفاته، وملخص الجواب على هذا السؤال كالآتي:

أولاً: ورود السؤال بهذه الكيفية وبهذه الصيغة يدل على تصوره معنى التوسل في لغة الصحابة وعرفهم كما قلنا آنفاً.

ولو كان السائل تصور معنى التوسل بالنبي في قول عمر السابق الذكر لأراح نفسه وأراحنا معه، وهو طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم ، وأن ليس في إمكان أي أحد أن يذهب إلى رسول الله بعد وفاته ليشكو إليه حاله من القحط والمرض وذهاب البصر، ليدعو الله كما كان يفعل ذلك في حياته في الدنيا؛ لأن الحياة البرزخية التي انتقل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم حقيقتها إلا الله، ولذا عدلوا عن التوسل به -أي: عن طلب الدعاء منه إلى طلب الدعاء بعضهم من بعض كما فعل عمر رضي الله عنه مع عم النبي العباس بن عبد المطلب.

ولأن التوسل لم يكن بجاهه وكرامته ومنزلته عند الله كما زعم بعض الناس،ولو كان الصحابة يعلمون أو يعتقدون أن التوسل إنما هو بجاهه ومنزلته وكرامته على الله لما عدلوا عنه، ولأن جاهه ومنزلته وكرامته على الله لم ينقص من ذلك شيء بوفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هو أعظم جاهاً من كليم الله موسى عليه السلام الذي قال الله في حقه:{وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} (69) سورة الأحزاب ومن عيسى روح الله وكلمته المذكور في قوله تعالى:{وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (45) سورة آل عمران وغيرهما من أنبياء الله ورسله، ولأنه سيدهم وأفضلهم على الإطلاق وإمامهم وقد صح عنه أنه قال: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع(1467).

ولكن الله لم يجعل جاه أحد من خلقه سبباً لقضاء الحاجات وكشف الكربات وإجابة الدعاء، ولا يكون سبباً لهذه المعاني وغيرها إلا ما جعله الشارع ودل عليه العباد.

هذه هو السر الذي جهله كثير من الناس، وتجاهله الآخرون تحت تأثير الهوى والتقاليد، حتى وجهوا صريح العبادة لله باسم التوسل، وأحيوا بذلك حياة الجاهلية في حين لا يعلمون والله المستعان. إذ لا معنى لقول القائل: ((اللهم أجب دعوتي، لأن فلاناً رجل ذو جاه عندك وذو منزلة وكرامة".

لأنه لا علاقة بين جاهه وإجابة دعاء هذا القائل لأن جاهه ليس من عمله، وإنما يتوسل الإنسان بعمل نفسه أو بدعاء غيره، والصواب في هذه النقطة أن يقول المتوسل: اللهم إني أدعوك وأتوسل إليك بإيماني بنبيك محمد ومحبتي له واتباعي لسنته عليه الصلاة والسلام، لأن إيماني بالنبي ومحبته واتباع سنته من أعظم الأعمال وأحبها وأنفعها عند الله، ومن توسل إلى الله ودعا الله بهذه الأعمال فقد توسل إليه بأحب الأعمال وأعظمها عند الله.

ومن الخطأ- أحسبه متعمداً- أن يظن بأن منكر التوسل بالجاه هو منكر للجاه نفسه- ما أسوأه من ظن- إذ بين الإنكارين فرق كبير وبون شاسع، فإنكار التوسل بالجاه إنكار للبدعة، وإنكار البدع شعبة من شعب الإيمان، لأنه من باب إنكار المنكر، وأما إنكار جاهه صلى الله عليه وسلم فشعبة من شعب الكفر؛ لأن إنكار جاهه صلوات الله وسلامه عليه ومنزلته وكرامته على الله يعني انتقاصه صلى الله عليه وسلم وذلك ردة على الإسلام -عياذا بالله-.

لأنه يتنافى والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ذلك الإيمان الذي يعبر عنه حبه وتوقير واتباع سنته إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))أخرجاه.

وقد سلك هذا المسلك الكثير من المغرضين، وأعلنوا للعامة الأغمار أن الذين ينكرون التوسل بجاه النبي إنما يفعلون ذلك لأنهم يكرهون النبي ما أعظمها من فرية!! وهي مغالطة ساخرة ورخيصة يترفع عنها كل مسلم منصف يخاف الله ويراقبه ويحسب كلامه وأعماله، وإنما يتورط في هذه الفرية ويهبط إلى هذا المستوى بعض المغرضين الذين يضحكون على عقول العوام غاشين غير ناصحين، ويفسرون لهم محبة الرسول بالاستغاثة به ودعائه من دون الله أو مع الله.

والتوسل بجاهه وإقامة المولد له صلوات الله وسلامه عليه تلبيساً منهم على العوام وكتماناً للحق وهذا الصنف من الناس هم حجر عثرة في سبيل الدعوة والدعاة هداهم الله، وألهمهم رشدهم.

ومما يزيد المقام وضوحاً، ويقطع دابر تلك الأوهام التي لا تزال عالقة بأذهان بعض العوام وأشباه العوام من أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو للناس بعد موته ويتوسل به بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، مما يقطع دابر هذه الأوهام حديث رواه البخاري في صحيحه في كتاب المرضى عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت ذات مرة وهي مريضة: ((وارأساه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك)).

ومفهوم الحديث: أما لو مت قبلك فليس في إمكاني أن أفعل كل ذلك، وهذا معنى لا يختلف فيه اثنان من طلاب الحق، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. ثم إن عدول الصحابة عن التوسل به بعد وفاته يدل أيضاً على أن التوسل به لم يكن بالذات؛ إذ لو كان كذلك لما عدلوا عنه لأن جسده الشريف لم يزل ولن يزال محفوظاً في قبره إلى يوم البعث؛ لأن الله حرم على الأرض أن تأكل جسد الأنبياء، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الترمذي وغيره. صححه الألباني في صحيح الجامع.


أسأل الله أن ينفعنا و ينفعكم بذلك وهدانا وإياكم إلى ما يحب ويرضى من الأقوال الحميدة والرفق في الأمر كله.

يوسف التازي
15-01-15, 06:22 PM
سئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى‏:‏

هل يجوز التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم أم لا ‏؟‏


فأجاب ‏:‏

الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته، والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك، مما هو من أفعاله، وأفعال العباد المأمور بها فى حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يتوسلون به فى حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به‏.‏

وأما قول القائل‏:‏ اللهم إنى أتوسل إليك به‏.‏ فللعلماء فيه قولان، كما لهم فى الحلف به قولان‏.‏ وجمهور الأئمة ـ كمالك والشافعى وأبي حنيفة ـ على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة‏.‏ ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره؛ ولذلك قال أحمد فى منسكه الذى كتبه للمروذى ‏[‏أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذى، صاحب الإمام أحمد، حدث عن أحمد بن حنبل ولازمه وعن هارون بن معروف ومحمد بن منهال وروى عنه أبو بكر الخلال وعبد الله الخرقى، ولد فى حدود المائتين، وتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين‏.‏ ‏[‏سير أعلام النبلاء 13 173-175‏]‏ صاحبه‏:‏ إنه يتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم فى دعائه، ولكن غير أحمد قال‏:‏ إن هذا إقسام على الله به، ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد فى إحدى الروايتين قد جوز القسم به، فلذلك جوز التوسل به‏.‏
ولكن الرواية الأخرى عنه ـ هى قول جمهور العلماء ـ أنه لا يقسم به، فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء، فإنا لا نعلم أحداً من السلف والأئمـة قال‏:‏ إنه يقسم به على الله كما لم يقولوا‏:‏ إنه يقسم بهم مطلقا؛ ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام‏:‏ أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لكن ذكر له أنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث فى الإقسام به فقال‏:‏ إن صح الحديث كان خاصاً به، والحديث المذكور لا يدل على الإقسام به، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك ، والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع‏.‏ والله أعلم‏.


سئل الشيخ العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى:

ما حكم التوسل بسيد الأنبياء ، وهل هناك أدلة على تحريمه ؟


الجواب : التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه تفصيل ، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره وترك نواهيه والإخلاص لله في العبادة ، فهذا هو الإسلام ، وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه ، وهو الواجب على كل مكلف .. وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة ، أما التوسل بدعائه والاستغاثة به وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى – فهذا هو الشرك الأكبر ، وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان ، وهكذا فعل ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام .
وهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان : أسألك يا الله بنبيك ، أو جاه نبيك ، أو حق نبيك ، أو جاه الأنبياء ، أو حق الأنبياء ، أو جاه الأولياء والصالحين وأمثال ذلك ، فهذا بدعة ومن وسائل الشرك ، ولا يجوز فعله معه صلى الله عليه وسلم ولا مع غيره ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع ذلك ، والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا مادل عليه الشرع المطهر .

وأما توسل الأعمى به في حياته صلى الله عليه وسلم فهو توسل به صلى الله عليه وسلم ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة بصره إليه ، وليس توسلاً بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث ، وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث . وقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في كتبه الكثيرة المفيدة ، ومنها كتابه المسمى ( القاعدة الجلية في التوسل والوسيلة ) وهو كتاب مفيد جدير بالإطلاع عليه والاستفادة منه . وهذا الحكم جائز مع غيره صلى الله عليه وسلم من الأحياء كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيهم الخير : ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد علي بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم . والله ولي التوفيق

يوسف التازي
15-01-15, 06:22 PM
سئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام ؟

الجواب : التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أقسام :

أولاً : أن يتوسل بالإيمان به ، فهذا التوسل صحيح مثل أن يقول : اللهم إني آمنت بك وبرسولك فاغفر لي . وهذا لا بأس به . وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم في قوله : ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) ، ولأن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة شرعية لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات ، فهو قد توسل بوسيلة ثابتة شرعاً .

ثانياً : أن يتوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم أي أن يدعو للمشفوع له ، وهذا أيضاً جائز وثابت لكنه لا يمكن أن يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ( اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ) . رواه البخاري . وأمر العباس أن يقوم فيدعو الله سبحانه وتعالى بالسقيا . فالتوسل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه جائز ولا بأس به .

ثالثاً : أن يتوسل بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم سواء في حياته أو بعد مماته – فهذا توسل بدعي لا يجوز ، وذلك لأن جاه الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينتفع به إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يقول : اللهم إني أسألك بجاه نبيك أن تغفر لي أو ترزقني الشيء الفلاني . لأن الوسيلة لا بد أن تكون وسيلة ، والوسيلة مأخوذة من الوسل بمعنى الوصول إلى الشيء ، فلا بد أن تكون هذه الوسيلة موصلة إلى الشيء وإذا لم تكن موصلة إليه فإن التوسل بها غير مجد ولا نافع .

وعلى هذا فنقول التوسل بالرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام :


القسم الأول : أن يتوسل بالإيمان به واتباعه ، وهذا جائز في حياته وبعد مماته .

القسم الثاني : أن يتوسل بدعائه أي بأن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ، فهذا جائز في حياته لا بعد مماته لأنه بعد مماته متعذر .

القسم الثالث : أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله ، فهذا لا يجوز لا في حياته ولا بعد مماته ، لأنه ليس وسيلة ، إذ أنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده لأنه ليس من عمله .

فإذا قال قائل : جئت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام عند قبره وسألته أن يستغفر لي أو أن يشفع لي عند الله فهل يجوز ذلك أو لا ؟

قلنا : لا يجوز ، فإذا قال أليس الله يقول : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) . قلنا له : بلى إن الله يقول ذلك ، ولكن يقول : ( ولو أنهم إذ ظلموا ) ( وإذ ) هذه ظرف لما مضى وليست ظرفاً للمستقبل لم يقل الله : ( ولو أنهم إذا ظلموا ) بل قال : ( إذ ظلموا ) فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته أمر متعذر لأنه إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) . رواه مسلم . فلا يمكن لإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد ، بل ولا يستغفر لنفسه أيضاً لأن العمل انقطع .


---------***-----------


السؤال : هل هذا الحديث صحيح ، وهل يدل على جواز التوسل بجاه الأولياء ؟ الحديث هو : عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال : ( اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فيسقون ) ؟

الجواب : هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حديث صحيح رواه البخاري ، لكن من تأمله وجد إنه دليل على عدم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، وذلك أن التوسل هو اتخاذ وسيلة ، والوسيلة هي الشيء الموصل إلى المقصود ، والوسيلة المذكورة في هذا الحديث : ( نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ) المراد بها التوسل إلى الله تعالى بدعاء النبي صلى الله عليه وشسلم ، كما قال الرجل : ( يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا ) . ولأن عمر قال للعباس : قم يا عباس فادع الله ، فدعا ، ولو كان هذا من باب التوسل بالجاه لكان عمر رضي الله عنه يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوسل بالعباس ، لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم عند الله أعظم من جاه العباس وغيره ، فلو كان هذا الحديث من باب التوسل بالجاه لكان الأجدر بأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم دون جاه العباس بن عبد المطلب .
والحاصل أن التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به ، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكذلك عمر رضي الله عنه توسل بدعاء العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه .

فلا بأس إذا رأيت رجلاً صالحاً حرياً بالإجابة لكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالاً ، وكونه معروفاً بالعبادة والتقوى لا بأس أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب ، بشرط أن لا يحصل في ذلك غرور لهذا الشخص الذي طلب منه الدعاء ، فإن حصل منه غرور بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه لأن ذلك يضره .

كما أنني أيضاً أقول : إن هذا جائز ولكنني لا أحبذه ، وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله ، وأن ذلك أقوى في الرجاء وأقرب إلى الخشية ، كما أنني أيضاً أرغب من أن الإنسان إذا طلب من أخيه الذي ترجى إجابة دعائه أن يدعو له أن ينوي بذلك الإحسان إليه أي إلى هذا الداعي دون دفع حاجة هذا المدعو له لأنه إذا طلبه من أجل دفع حاجته صار كسؤال المال وشبهه المذموم ، أما إذا قصد بذلك نفع أخيه بالإحسان إليه ، والإحسان إلى المسلم يثاب عليه المرء كما هو معروف – كان هذا أولى وأحسن

يوسف التازي
15-01-15, 06:24 PM
خمسون دليلا على بطلان دعاء غير الله



ماجد بن سليمان الرسي


مقدمة

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد،
فإن الغاية التي من أجلها خلق الله الجن والإنس هي أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، قال تعالى ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ ، والعبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .
فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين ، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكـين وابن السبيل والمملوك ، والإحسان إلى البهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة .
وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمته ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه ، وأمثال ذلك ؛ هي من العبادة لله .
وضد العبادة الشرك في عبادة الله ، بأن يجعل الإنسان لله شريكا يعبده كما يعبد الله ، ويخافه كما يخاف الله ، ويتقـرب إليه بشيء من العبادات كما يتقرب لله ، من دعاء وصلاة أو ذبح أو نذر أو غير ذلك .
والكلام في هذا البحث المختصر منصب على مسألة صرف عبادة الدعاء لغير الله ، وبيان وجوه بطلان دعاء غير الله العقلية والنقلية ، وقبل البدء في مناقشة هذه المسألة أقول إن الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة ، إلا أنه من أكثر العبادات التي شرّك الناس فيها بين الله وبين خلقه ، فإنك تجد - مع الأسف الشديد - كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام قد وقعوا في دعاء غير الله والاستغاثة بهم ، سواءً كانوا من الأنبـياء أو الصالحين ، كمن يقول يا نبـي الله ، أو يا عبد القادر الجيلاني ، أو يا بدوي ، أشكو إليك ذنوبـي ، أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني ، أو يقول أنا نـزيلك ، أنا ضيفك ، أنا جارك ، أو أنت تجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به ، أو ارزقني الولد ، أو قول القائل إذا عثر : يا جاه محمد ، يا ست نفيسة ، أو يا سيدي الشيخ فلان ، ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تعلق وتوجه ودعاء لغير الله ، وبعضهم يكتب على أوراق ويعلقها عند القبور ، أو يكتب محضرا أنه استجار بفلان ثم يذهب إلى أحد المقبورين بذلك المحضر ليغيثه ، وما يدري المسكين أنه قد خلع بفعله هذا ربقةالإسلام من عنقه ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم .
وفي هذه الوريقات ؛ نقلت ما يسر الله نقله من أدلة نقلية وعقلية على بطلان دعاء غير الله ، لعلها تكون معونة للعاقل وتذكرة للجاهل ، والله أسأل أن يوفق المسلمين جميعا لإخلاص العمل لله وحده ، وأن يجنبهم طرق الشرك والضلال ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .

وكتبه ، ماجد بن سليمان الرسي

Readquran1000@hotmail.com
هاتف : 00966505906761
المملكة العربية السعودية
http://www.saaid.net/kutob/



--------------------------------------------------------------------------------


تأصيل ، الدعاء عبادة


الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة .
وقد جاءت الأدلة في بيان عِظم شأن الدعاء فمنها :
حديث سلمان الفارسي عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حيـي كريم يستحيـي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين .[1]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يرد القضاء إلا الدعاء .[2]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء .[3]
وقد جاء تصريح النبـي صلى الله عليه وسلم في أن الدعاء عبادة في قوله : الدعاء هو العبادة ، وقرأ }وقال ربكم ادعوني استجب لكم( إلى قوله )داخرين{ .[4]
وحصْر العبادة في الدعاء - وإن كان حصْراً ادعائيا - فإنه يدل على عظـم الدعاء وشرف مكانته ، وأنه لب العبادة وخالصها ، وركنها الأعظم ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة .[5]
كما سمى الله الدعاء عبادة في قوله }قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البـينات من ربـي{ ، وقال تعالى }وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{ ، فعبر الله عن الدعاء بالعبـادة في الآيتين ، فدل ذلك على عِظم شأنه .
وقد سمى الله الدعاء ديناً كما في قوله تعالى }وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون{.
فجعل الله سبحانه الدين بدلا من الدعاء ، وعرفه بالألف واللام التي تفيد العهد ، فدل ذلك على أن الدعاء دينا ، وما كان دينا فهو عبادة .
وقد أمر الله بدعائه ، وكل ما أمر الله بفعله فهو عبادة واجبة أو مستحبة ، قال تعالى }وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{ ، وقال تعالى ]ادعوا ربكم تضرعا وخفية[ .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالدعاء كما في قوله : فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى ، وأما السجود فأكثروا من الدعاء ، فقمـِِنٌ[6] أن يستجاب لكم .[7]
قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة عند جميع العلماء ، فمن قال إن دعاء العبد ربه ليس بعبادة له فهو ضال ، بل كافر .[8]


فصل في الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره

القرآن والسنة يأمران بإفراد الله بالدعاء ، وينهيان عن دعاء غيره ، ومن ذلك قوله تعالى }ادعوا ربكم تضرعا وخفية{[9] ، وقوله تعالى }أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض{[10] ، وقوله تعالى }وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{[11] ، وقوله تعالى }واسألوا الله من فضله{[12].
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
وأما إفراد الله بالدعاء فجاء ذكره في نحو ثلاثمائة موضع منوعاً ، تارة على صيغة الأمر به ، كقوله }أدعوني استجب لكم{[13] ، }وادعوه مخلصين له الدين{ [14].
وتارة يذكره الله بصيغة النهي كقوله }فلا تدعوا مع الله أحداً{ [15].
وتارة يقرنه بالوعيد كقوله }فلا تدع مع الله إلـظ°هاً آخر فتكون من المعذبين{[16].
وتارة بتقرير أنه هو المستحق للألوهية والتعبد كقوله }ولا تدع مع الله إلـظ°هاً آخر لا إلـظ°ه إلا هو{[17].
وتارة في الخطاب بمعنى الإنكار على الداعي كقوله }ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك{[18].
وتارة بمعنى الإخبار والاستخبار }قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات{[19].
وتارة بالأمر الذي هو بصيغة النهي والإنكار }قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض{[20].
وتارة أن الدعاء هو العبادة ، وأن صرفَه لغير الله شرك }ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة{ إلى قوله }وكانوا بعبادتهم كافرين{[21] ، }وأعتزلكم وما تدعون من دون الله{ إلى قوله }فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله{[22].
وفي الحديث : (الدعاء هو العبادة)[23] ، صححه الترمذي وغيره ، وقد أتى فيه بضمير الفصل ، والخبر المعرَّف باللام ليدل على الحصر ، وأن العبادة ليست غير الدعاء ، وأنه مُعظم كل عبادة[24] ، ونهى ألا يشرك معه أحد فيه ، حتى قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم }قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً{ [25] ، وأخبر أنه لا يَغفر أن يشرك به .[26] انتهى .
ومن أدلة وجوب إفراد الله بالدعاء ؛ حديث ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله .[27]
فلو جاز سؤال غير الله لقال : واسألني واستعن بـي ، بل أتى صلى الله عليه وسلم بمقام الإرشاد والإبلاغ والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال والاستعانة على الله تعالى .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ .[28]
وقال رسول الله : إذا تمنى أحدكم فليستكثر ، فإنما يسأل ربه عز وجل .[29]
وقال تعالى {يسأله من في السماوات والأرض}سورة الرحمن ، الآية 29 . ، قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية الكريمة:
أي هو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته ، وهو واسع الجود والكرم ، فكل الخلق مفتقرون إليه ، يسألونه جميع حوائجهم بحالهم ومقالهم ، ولا يستغنون عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك ، وهو تعالى )كل يوم هو في شأن( ، يغني فقيرا ويجبر كسيرا ، ويعطي قوما ويمنع آخرين ، ويميت ويحيي ، ويخفض ويرفع ، لا يشغله شأن عن شأن ، ولا تغلُطه المسائل ، ولا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا طول مسألة السائلين ، فسبحان الكريم الوهاب الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات ، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات ، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه . انتهى .




--------------------------------------------------------------------------------


فصل في بيان أن دعاء غير الله باطل من خمسين وجها


وبالرغم من عِظم مكانة الدعاء بـين سائر العبادات ؛ إلا أنه من أكثر العبادات التي شرّك الناس فيها بين الله وبين خلقه ، فإنك تجد - مع الأسف الشديد - كثيراً ممن ينتسب إلى الإسلام قد وقعوا في دعاء غير الله والاستغاثة بهم ، سواءً كانوا من الأنبـياء أو الصالحين ، كمن يقول يا نبـي الله ، أو يا عبد القادر الجيلاني ، أو يا بدوي ، أشكو إليك ذنوبـي ، أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني ، أو يقول أنا نـزيلك ، أنا ضيفك ، أنا جارك ، أو أنت تجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به ، أو ارزقني الولد ، أو قول القائل إذا عثر : يا جاه محمد ، يا ست نفيسة ، أو يا سيدي الشيخ فلان ، ونحو ذلك من الأقوال الشركية التي فيها دعاء وتعلق بغير الله ، وبعضهم يكتب على أوراق ويعلقها عند القبور ، أو يكتب محضراً أنه استجار بفلان ثم يذهب إلى أحد المقبورين بذلك المحضر ليغيثه !
وقد وصف الله دعاء غيرِه بأنه باطل في موضعين من القرآن ؛ الموضع الأول قوله تعالى في سورة الحج ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل[ .[1]
والموضع الثاني قوله تعالى في سورة لقمان ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل[.[2]
وكذلك مدح النبي صلى الله عليه وسلم من قال بأن غير الله من المعبوادت باطلة ، قال عليه الصلاة والسلام : أصدق كلمة قالها الشاعر ؛ كلمة لبيد[3] :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل[4]
وصدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فدعاء غير الله باطل من خمسين وجهاً ، هذا أوان الشروع في ذكرها ، فاللهم يسر وأعن .


------------------
[1] آية : 62 .
[2] آية : 30 .
[3] هو لبيد بن ربيعة العامري ، ذكره البخاري وابن أبي خيثمة في الصحابة ، سكن الكوفة ، وتوفي في خلافة عثمان ، عاش مائة وخمسين سنة ، وقيل أكثر ، وهو القائل:
ولقد سئمت من الحياة وطولها *** وسؤال هذا الناس : كيف لبيد
انتهى مختصرا من «فتح الباري».
[4] رواه البخاري (3841) ومسلم (2256) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وتمام البيت : وكل نعيم لا محالة زائل .


الوجه الأول : أن الله سبحانه أمر بأن تصرف العبادات كلها له وحده ، الدعاء وغيره ، فمن صرف شيئاً منها لغير الله على سبيل المشاركة أو الاستقلال فقد أشرك بالله العظيم ، ودليل ذلك قوله تعالى ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ ، وقال تعالى ]وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـظ°ه إلا أنا فاعبدون[ ، ونهى عباده عن أن يشركوا معه في عبادته أحدا غيره فقال ]ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين[ ، وبـين لنا أن الشرك أعظم الذنوب وأن الله لا يغفره إذا مات العبد عليه ، قال تعالى ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ .

الوجه الثاني : أن القرآن والسنة قد خصا الدعاء بتأكيد الإخلاص فيه ، والنهي عن صرفه لغير الله ، ومن ذلك قوله تعالى }ادعوا ربكم تضرعا وخفية{ ، وقال }أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض{ ، وقال }وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{ وقال تعالى }واسألوا الله من فضله{ ، وقد تقدم في «فصل في الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره» تقرير أن مسألة إفراد الله بالدعاء ذكرت في نحو ثلاثمائة موضع منوعاً في القرآن بصيغ متعددة .

الوجه الثالث : أن الله والملائكة وأولوا العلم شهدوا أنه لا يستحق العبادة غير الله ، قال تعالى }شهد الله أنه لا إلـظ°ه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إلـظ°ه إلا هو العزيز الحكيم{[30] ، ,شهادة أن لا إلـظ°ه إلا الله هي أعظم شهادة في الوجود من أعظم شاهد جل وعز ، وشهادة رب العالمين لا ينقصها شيء البتة ، فلم يبق بعد هذه الآية معبود يعبده الأولون والآخرون من دون الله إلا بطلت عبادته بهذه الشهادات الثلاثة .

الوجه الرابع : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين إجماع المسلمين قاطبة - بما فيهم علماء المذاهب الأربعة وغيرهم - على أن دعاء غير الله شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام ، وإجماع المسلمين حجة شرعية كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله على الجماعة .[1]

------------------
[1] رواه الترمذي (2167) ، عن ابن عمر ، وصححه الألباني ، وكذا الحاكم في « مستدركه » (392 ، 397) ، وحكى بعد ذكره للحديث إجماع أهل السنة على هذه القاعدة ، وأنها من قواعد الإسلام .

أما كلام الحنفية ؛ فقال الشيخ قاسم في « شرح درر البحار » : النذر الذي يقع من أكثر العوام ، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً : يا سيدي ؛ إن رُدّ غائبي ، أو عُوفي مريضي ، أو قُضيت حاجتي ؛ فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا ؛ باطلٌ إجماعاً ، لوجوه منها :
أن النذر للمخلوق لا يجوز .
ومنها ، أنه ظنَّ الميت يتصرف في الأمر ، واعتقاد هذا كفر ، ... ، وقد ابتُـلي الناس بذلك ولاسيما في مولد الشيخ أحمد البدوي .
وقال الشيخ محمد عابد السندي الحنفي في كتابه « طوالع الأنوار شرح تـنوير الأبصار مع الدر المختار »:
ولا يقول : يا صاحب القبر ، يا فلان ، إقض حاجتي ، أو سلها من الله ، أو كن لي شفيعا عند الله ، بل يقول : يا من لا يشرك في حكمه أحدا ؛ اقض لي حاجتي هذه .
وقال الشيخ صنع الله بن صنع الله الحلبـي الحنفي رحمه الله ما نصه :
هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بـين المسلمين جماعات يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات ، وبهم تنكشف الـمُهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات !
وهذا كلام فيه تفريط وإفراط ، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي ، لما فيه من روائح الشرك المحقق ، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّّق ، ومخالفة لعقائد الأئمة ، وما أجمعت عليه هذه الأمة ، وفي التـنـزيل ]وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً[[31].[32]
وبهذا قال من أئمة الحنفية المتأخرين الإمام أحمد السرهندي ، والإمام أحمد الرومي ، والشيخ سجان بخش الهندي ، ومحمد بن علي التهانوي ، ومحمد إسماعيل الدهلوي ، والشيخ أبو الحسن الندوي ، وشدد في ذلك .[33]
وللشيخ الدكتور شمس الدين الأفغاني رسالة عظيمة جمع فيها أقوال علماء الأحناف في إبطال عقائد القبورية ، وأسماها «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية» ، تقع في ثلاث مجلدات ، نال فيها رسالة الدكتوراة العالمية .
وأما كلام المالكية ؛ فقال أبو بكر الطرطوشي في كـتاب « الحوادث والبدع » لما ذكر حديث الشجرة المسماة بذات أنواط : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ، ويُعظمون من شأنها ، ويرجون البُـرء والشفاء لمرضاهم من قِـبَلِها ؛ وينوطون بها المسامير والخرق ؛ فهي ذات أنواط ، فاقطعوها .[34]
وأما كلام الشافعية ؛ فقال ابن حجر الشافعي في « شرح الأربعين النووية » : من دعا غير الله فهو كافر .[35]
وقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب « الباعث على إنكار البدع والحوادث » :
لكن نُبين من هذا القسم ما وقع فيه جماعة من جهال العوام ، المنابذين لشريعة الإسلام ، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء ، وهو ما يفعله طوائف من المنتمين إلى الفقر ، الذي حقيقته الإفتقار من الإيمان ، من مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن ، واعتقادهم في مشايخ لهم ، ... ، وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها ، ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به ؛ من تزيـين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعُمُد ، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكِـي لهم حاكٍ أنه رأى في مـنامه بها أحداً ممن شُهِـر بالصلاح والولاية ، إلى أن يَعظُم وقعَ تلك الأماكن في قلوبهم ، ويعظمونها ، ويرجون الشفاء لمرضاهم ، وقضاء حوائجهم بالنذر لها ، وهي ما بين عيون وشجر وحائط ، وفي مدينة دمشق ، صانها الله تعالى من ذلك ، مواضع متعددة .
ثم ذكر – رحمه الله – الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض من معه : (اجعل لنا ذات أنواط) ؛ قال : الله أكبر ، قلتـم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى ]اجْعَل لناَ إلـظ°هاً كَمَا لهَمُ آلهة[ [36]. [37]انتهى كلامه رحمه الله .[38]
وقال الإمام العلامة أحمد بن علي المقريزي المصري الشافعي رحمه الله :
وشرك الأمم كله نوعان : شرك في الإلـظ°هية وشرك في الربوبية ، فالشرك في الإلـظ°هية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك ، وهو شرك عُباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعُباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات ، الذين قالوا )إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى( ، ويشفعوا لنا عنده ، وينالونا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة ، كما هو المعهوم في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه خاصته .
والكتب الإلـظ°هية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله ، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى .
وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم ، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله .[39]
وسيأتي كلام الإمام ابن النحاس الشافعي قريبا إن شاء الله .
وأما كلام الحنابلة ؛ فقال الشيـخ تقي الدين رحمه الله لما ذكر حديث الخوارج :
فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام ؛ من مَرق[40] منه مع عبادته العظيمة ، فيُعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضاً ، وذلك بأمور ، منها الغلو الذي ذمه الله تعالى ، كالغلو في بعض المشائخ ، كالشيخ عدي ، بل الغلو في علي بن أبي طالب ، بل الغلو في المسيح ، ونحوه .
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح ، وجعل فيه نوعاً من الإلـظ°هية ، مثل أن يدعوه من دون الله ، بأن يـقول : (يا سيدي فلان أغثني ، أو أجرني ، أو أنت حسبي ، أو أنا في حسْبك) ؛ فكل هذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل ، فإن الله أرسل الرسل ليُعبد وحده ، لا يُـجعل معه إلـظ°ه آخر ، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى ، مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصـالحين أو غيرهم ؛ لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق ، وإنما كانوا يدعونهم ، يقولون ]هؤلاء شفعاؤنا عند الله[ ، فبعث الله الرسل تنهى أن يُدعى أحد من دون الله ، لا دعاء عبادة ، ولا دعاء استغاثة .[41] انتهى .
وقال أيضا : لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى ، لا بنبـي ولا بملَـك ولا بصالح ولا غير ذلك ، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه .[42]
وقال أيضاً : ومن قال إن ميتا من الموتى ، نفيسة أو غيرها ؛ تُجير الخائف وتُخلص المحبوس وهى من باب الحوائج ؛ فهو ضال مشرك فإن الله سبحانه هو الذى يجير ولا يجار عليه ، وباب الحوائج إلى الله هو دعاؤه بصدق وإخلاص كما قال تعالى }وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{ ، والله أعلم .[43]
وقال أيضا : سؤال الميت والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين .[44]
وقال أيضا في كتابه « اقتضاء الصراط المستقيم »[45]: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط ؛ فقال بعض الناس : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط !
فقال : الله أكبر ! قلتم كما قال قوم موسى ]اجعل لنا إلـظ°ها كما لهم آلهة[ ، إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم .
فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها ، معلقين عليها سلاحهم ، فكيف بما هو أعظم من ذلك ، من مشابهتهم المشركين ، أو هو الشرك بعينه ؟
وقال أيضا رحمه الله :
والمرتد من أشرك بالله تعالى ، أو كان مبغضا للرسول صلى الله عليه وسلم ولما جاء به ، أو ترك إنكار منكر بقلبه ، أو توهم أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك ، أو أنكر مجمعا عليه إجماعا قطعيا ، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ، ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد ، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد ، ولهذا لم يُكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله وإعادته لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة .[46]
وقال أيضا : فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط ، يدعوهم ، ويتوكل عليهم ، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار ، مثل أن يسألهم غفران الذنب ، وهداية القلوب ، وتفريج الكروب ، وسد الفاقات ؛ فهو كافر بإجماع المسلمين .[47]
ونقله عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب[48] من علماء الحنابلة في كتابه «تيسير العزيز الحميد» ثم قال :
نقله عنه غير واحد مقررين له ، منهم ابن مفلح في « الفروع »[49] ، وصاحب «الإنصاف»[50] ، وصاحب «الغاية»[51] ، وصاحب «الإقناع »[52] ، وشارحه[53] ، وغيرهم ، ونقله صاحب « القواطع »[54] في كتابه عن صاحب «الفروع» .
قلت[55]: وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين ، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر ، أي عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات ، وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن دعاء الله عبادة له ، فيكون صرفه لغير الله شركا .
وقال الإمام ابن النحاس الشافعي[56] رحمه الله : (ومنها[57] ؛ إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار والعيون والآبار ، ويقولون إنها تقبل النذر ، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها ، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر ، وتجلب وتدفع ، وتشفي المريض وترد الغائب إذا نُـذِر لها ، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم).[58]
قلت : فصرح رحمه الله أن الاعتقاد في هذه الأمور أنها تضر وتنفع وتجلب وتدفع وتشفي المريض وترد الغائب إذا نَـذر لها ؛ أن ذلك شرك ، وإذا ثبت أنه شرك فلا فرق في ذلك بين اعتقاده في الملائكة والنبيين ، ولا بين اعتقاده في الأصنام والأوثان ، إذ لا يجوز الإشراك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق سبحانه ، كما قال تعالى ]ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون[.
وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين ، ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وشفاء ذوي الأمراض والعاهات ، فثبت أن ذلك شرك} . انتهى كلامه رحمه الله .[59]
وقال ابن القيم رحمه الله في « مدارج السالكين » في معرض كلام له عن أنواع الشرك :
ومن أنواعه ؛ طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم ، وهذا أصل شرك العالم ، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، فضلاً عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته ، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها ، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم ، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه ، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه ، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد ، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن ، وهو بمنزل من استعان في حاجة بما يمنع حصولها ، وهذه حالة كل مشرك .
والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له ، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ، ونسأل لهم العافية والمغفرة ، فعكَس المشركون هذا ، وزاروهم زيارة العبادة واستقضاء الحوائج والاستغاثة بهم ، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد ، وسموا قصدها حجا ، واتخذوا عنده الوقفة وحلق الرأس ، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ، ومعاداة أهل التوحيد ، ونِسبة أهله إلى التنقص للأموات ، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك ، وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئاً ، بذمهم وعيبهم ومعاداتهم ، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص ، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا ، وأنهم أَمروهم به ، وأنهم يوالونهم عليه ، وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان ، وما أكثر المستجيبين لهم ، ولله خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول )واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس( .
وما نجا من شَركِ هذا الشرك الأكبر إلا من جرَّد توحيد الله ، وعادى المشركين في الله ، وتقرب بمقتهم إلى الله ، واتخذ الله وحده وليه وإلـظ°هه ومعبوده ، فجرّد حبه لله ، وخوفه لله ، ورجاءه لله ، وذُله لله ، وتوكله على الله ، واستعانته بالله ، والتجاءه إلى الله ، واستغاثته بالله ، وأخلص قصده لله ، متبعا لأمره ، متطلبا لمرضاته ، إذا سأل سأل الله ، وإذا استعان استعان بالله ، وإذا عمِل عمِل لله ، فهو لله وبالله ومع الله .[60]
وله رحمه الله في باب تعظيم أصحاب القبور كلام طويل في كتابه النفيس « إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان » ، ذكر فيها الجذور التاريخية لتعظيم أصحاب القبور والغلو فيهم ، كما عرض لذكر المظاهر والعلاج ، رحمه الله رحمة واسعة .[61]
وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي رحمه الله : إن من يعظم القبور ويخاطب الموتى بقضاء الحوائج ، ويقول : يا مولاي ويا سيدي عبد القادر : (إفعل لي كذا) ؛ هو كافر بهذه الأوضاع ، ومن دعا ميتا وطلب قضاء الحوائج فهو كافر .
وقال أيضا في « الفنون » : لما صعُبت التكاليف على الجهال والطَغَام[62] ؛ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها ، فسهُلت عليهم إذ لم يَدخلوا بها تحت أمر غيرهم ، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع ، مثل تعظيم القبور ، وخطاب الموتى بالحوائج ، وكَـتب الرقاع فيها : (يا مولاي ، افعل لي كذا وكذا) ، أو إلقاء الخرق على الشجرة اقتداء بمن عبد اللات والعزى .
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله : إن قول العبد (لا إلـظ°ه إلا الله) يقتضي أنه لا إلـظ°ه له غير الله ، والإلـظ°ه هو الذي يطاع فلا يُعصى ، هيبة له وإجلالا ، ومحبة وخوفا ورجاء ، وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلـظ°هية ؛ كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول : (لا إلـظ°ه إلا الله) ، ونقصا في توحيده ، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ، وهذا كله من فروع الشرك .[63]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين[64] رحمه الله : ورأيت من جملة فتاوي للقاضي أبي يعلي منها : أنه سئل عمن يقول : (يا محمد ، يا علي) ، فقال : هذا لا يجوز لأنهما ميتان .[65]
وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن المسلمين قد أجمعوا على تكفير من ارتكب الشرك الأكبر وكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغِها المعتبر ، كمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلـظ°هية ، وذكر أن هذا مجمع عليه بين أهل العلم والإيمان ، وأن كل طائفة من أهل المذاهب المقلَّدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها ، وينصون على الشرك ، وأن ابن حجر قد أفرد هذه المسألة بكتاب سماه : « الإعلام بقواطع الإسلام » .[66]
وقال الشوكاني في كتابه « الدر النضيد » : إعلم أن الرزية كل الرزية ، والبلية كل البلية ؛ أمر غير ما ذكرنا - من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة - ، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور ومن المعروفين بالصلاح من الأحياء ، من أنهم يقدِرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم ، فصاروا يدعونهم تارة مع الله ، وتارة استقلالا ، ويصرخون بأسمائهم ، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ، ويخضعون لهم خضوعا زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بـين يدي ربهم في الصلاة والدعاء ، وهذا إذا لم يكن شركا فلا ندري[67] ما هو الشرك ، وإذا لم يكن كفرا فليس في الدنيا كفر . انتهى .[68]

الوجه الخامس : أن عبادة غير الله انحراف عن الفطرة التي خلق الله الناس عليها وهي عبادة الله وحده ، والدعاء نوع من أنواع العبادة ، بل هو لبها وخاصها وروحها ، فإن الله خلق الناس حنفاء كلهم ، والحنيف هو المائل ، أي المائل عن الشرك إلى التوحيد ، ثم أتــتهم شياطين الإنس والجن فاجتالتهم[69] عن التوحيد إلى الشرك ، كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم : ألا إن ربـي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ، كل مال نحلته[70] عبداً حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم[71] ، وإنهم أتــتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم ، وأمرَتهم أن يشركوا بـي ما لم أنـزل به سلطانا .[72]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تـنتج البهيمة بهيمة جمعاء[73] هل تحسون فيها من جدعاء[74] ؟ ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه }فطرة الله التي فطر الناس عليها{ الآية .[75]
فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المولود الذي يولد على فطرة التوحيد ثم يحرفه أهله إلى الشرك بالبهيمة التي جدع أهلها أذنها – أي قطعوها – بعد أن ولدت لا جدَع فيها ، وإذا كان اليهود والنصارى والمجوس يدعون غير الله ، فالفطرة عكس ذلك ، وهي دعاء الله وحده ، وهو المطلوب .
ومما يدل على أن دعاء الله وحده هو مقتضى الفطرة ؛ أن الداعين لغير الله ينسون من يدعونهم وقت الشدائد تماما ، ويتجهون لدعاء الله وحده ، فالفطرة تدعوهم لدعاء الله وحده اضطرارا ، فدل هذا على بطلان ضده وهو دعاء غير الله ، قال تعالى عن المشركين الأولين }هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم قد أحيط بهم دعوا لله مخلصين له الدين لئن أنجيتـنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق{ .
وقال أيضاً سبحانه في سورة الأنعام )قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون( .
ولما أقبل أبرهة على مكة وهرب أهلها منها خوفاً منه ؛ قام عبد المطلب – جد النبي صلى الله عليه وسلم - ونفرٌ من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة ، فأخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة وهو يقول :


يا رب لا أرجو لهم سواك *** يا رب فامنع منهم حماك
إن عدو البيت من عاداك *** فامنعهم أن يخربوا قُـراك[76]

تنبيه :
كان المشركون الأولون إذا أصابتهم شدة دعوا الله وحده ، وإذا كانوا في رخاء دعوا غير الله ، أما مشركو زماننا فإنهم أسوء حالا من المشركين الأولين ، فإنهم يدعون غير الله في الرخاء والشدة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وقد ذكر الشيخ صديق حسن خان رحمـه الله ، وهو من علماء القرن الثالث عشر ، في كتابه « رحلة الصديق إلى البـيت العتيق » قصة تتعلق بهذا الموضوع حصلت له لما ذهب للحج عن طريق البحر وفيها :
ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح ، أو هبوبها مخالفة[77] أو شيئا من الخوف على السفينة وأهلها ، كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين مستغيثين ومستعينين به ، ولم يكونوا يذكرون الله عز وجل أبدا ، أو يدعونه بأسمائه الحسنى ، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله ويستعينون بالأولياء خفت على المركب خوفا عظيما من الهلاك … وصدق الله }وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون{ .[78]

الوجه السادس: ومن وجوه بطلان دعاء غير الله أن هذا الفعل هو فِعْلَ المشركين الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء ، فقد كان المشركون يدعون الأنبياء ويدعون الملائكة ويدعون الصالحين وغيرهم ، ويقولون : هؤلاء يقربوننا ويشفعون لنا عند الله ، قال الله تعالى عنهم }ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون{ .
وقال تعالى عنهم في سورة الزمر )والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم يوم القيامة إن الله لا يهدي من هو ظالم كفار( ، فانظر كيف حكم عليهم بالشرك في الآية الأولى ، وبالكفر في الآية الثانية .
بل إن دعاء غير الله تعالى هو فعل جميع أصناف المشركين قاطبة في الماضي والحاضر ، من لدن نوح إلى يومنا هذا ، مرورا بقوم إبراهيم الذين كانوا يدعون الأصنام ، والنصارى الذين يدعون عيسى وأمه ، وكذلك البوذيين والهنادكة وغيرهم من الوثنيين .
وقد وقع في هذا اللون من الانحراف فئام ممن ينتسبون لدين الإسلام ، وأشهرهم ثلاث طوائف ، الأولى هي الرافضة ، الذين غلو في تعظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى آل بهم الأمر إلى دعائهم وطلب الحاجات منهم ، وهم الآن يحجون إلى قبر علي في كربلاء ، ويسألونه الحاجات من رزق وولد كما يسألون الله تعالى ، قبحهم الله .
والطائفة الثانية هم غلاة الصوفية ، الذين غلوا في تعظيم من وصفوهم بالأولياء والأقطاب ، ويدعونهم لكشف الكربات وإغاثة اللهفات .
والطائفة الثالثة هم القبورية ، الذين يأتون إلى قبور بعض الصالحين ، وربما إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعونهم كما يدعون الله ، ويأتون أيضا إلى بعض القبور المنسوبة لبعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا شرك في العبادة ، وخروج من دين الإسلام ، عياذا بالله .

الوجه السابع: أن دعاء غير الله من الأنبـياء والصالحين لو كان صواباً لأمر به الله ولفعله النبـي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ، لأنهم أحرص الناس على الخير وأعلمهم بالحق ، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وفيهم الخلفاء الأربعة ، وفيهم أهل بيته ، وفيهم المشهود لهم بالجنة ، وفيهم الذين غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر ، ومع هذا فلم يحصل منهم بتاتا أن دعوه وطلبوا الحاجات منه ، بل لم يرد عن الصحابة أو أحد من القرون الثلاثة المفضلة أثر صحيح حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة قصدوا القبور .
قال ابن تيمية رحمـه الله : والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصاً له الدين ، وحق شيخه عليه أن يدعو له ويترحم عليه ، فإن أعظم الخلق قدراً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره وأطوع الناس له ، ولم يكن يأمر أحداً منهم عند الفزع والخوف أن يقول : يا سيدي يا رسول الله ، ولم يكونوا يفعلون ذلك لا في حياته ولا بعد مماته ، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى ]الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم[ .[79]
وقال أيضا : سؤال الميت والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين ، فإن أحداً منهم ما كان يقول إذا نـزلت به تـِرة[80] أو عرضت له حاجة لميت : يا سيدي فلان أنا في حسبك ، أو اقض حاجتي ، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين ، ولا أحداً من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها ، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ، ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بني ولا غيره من المخلوقين ، بل ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلاً ، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ، ولا الصلاة عندها . [81]
وقال ابن القيم رحمه الله :
فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى ، وهذه سنة خلفائه الراشدين ، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها ، فضلا أن يصلوا عندها ، أو يسألوا الله بأصحابها ، أو يسألوهم حوائجهم ؟
فليوقفونا على أثر واحد ، أو حرف واحد في ذلك .[82]

الوجه الثامن : أن الذي يتوجه إلى غير الله بالعبادة والدعاء قد ساوى هذا المعبود بالله عز وجل في الحب والتعظيم ، وشبهه به ، لكونه توجه له كما توجه لله ، وهذه المساواة والتشبيه هي حقيقة الشرك ومعناه ، وقلبه وقالبه ، قال تعالى مبـينا حقيقة الكفار }ثم الذين كفروا بربهم يعدِلون{ ، أي يجعلون له معادلاً ومساوياً .
ومساواة الله بخلقه باطلة ، لأن الله ليس له كفؤ ولا ند ، ولا مثيل ولا نظير ، قال تعالى }ولم يكن له كفوا أحد{ ، وقال }فلا تجعلوا لله أندادا{ أي أمثالا ونظراء .
ولما كانت مساواة الله بخلقه هي الكفر بعينه ؛ لام الكفار أنفسهم على ذلك وهم في النار ]تالله إن كنا لفي ضلال مبـين * إذ نسويكم برب العالمين[ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
وأما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر .
فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ، وهو أن يتخذ من دون الله نداً ، يحبه كما يحب الله ، وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار ]تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين[ ، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء ، وربه ومليكه ، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت ، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم ، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله ، وكثير منهم – بل أكثرهم – يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذُكر الله وحده ، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحدهم رب العالمين ، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرَد[83] ، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها ، بل إذا قام المنتهِك لها بإطعامهم شيئاً رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم ، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة .
وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلـظ°هه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد ، وإن عثر وإن مرض ، وان استوحش ، فذِكر إلـظ°هه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه ، وهو لا ينكر ذلك ، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله ، وشفيعه عنده ، ووسيلته إليه ، وهكذا كان عُباد الأصنام سواء .
وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم ، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم ، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر ، وغيرهم اتخذوها من البشر ، قال الله تعالى حاكياً عن أسلاف هؤلاء المشركين ]والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون[ .
ثم شهد عليهم بالكفر والكذب ، وأخبر أنه لا يهديهم فقال ] إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار[ .
فهذه حال من اتخذ من دون الله ولياً يزعم أنه يقربه إلى الله ، وما أعز[84] من يخلُص من هذا ، بل ما أعزُ من لا يعادي من أنكره .[85]
وقال الشيخ الشريف محمد بن ناصر الحازمي رحمه الله :
وقد علم كلُّ عالِم أن عبادة الكفار للأصنام لم يكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع ، والاستغاثة بها عند الحاجة ، والتقرب إليها في بعض الحالات بجزء من أموالهم ، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ، إنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ، بل ربما يترك العاصي منه فعل المعصية إذا كان في مشهدِ من يعتقده أو قريباً منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت ، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله تعالى ، أو في مسجد من المساجد أو قريباً من ذلك .[86]
قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
فمن سوَّى بين الحي والميت بقوله : يُطلب من الميت ما يطلب من الحي ، فقد سوَّى بين ما فرَّق الله والناس بينهما ، حتى المجانين يفرقون بين الحي والميت ، فلو قصد مجنون بيت إنسان ليطعمه فوجده ميتا وأهله عنده ، لعدل إلى الطلب من أهله الأحياء الحاضرين عنده ولم يلتفت إلى الميت .[87]
وقال أيضا : ويقال لهذا المُساوي بين الأحياء والأموات : من المعلوم أن أهل الدنيا يستقضون حوائجهم بعضهم من بعض ؛ برهم وفاجرهم ، مسلمهم وكافرهم ، وقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم أدراعاً من صفوان بن أمية وهو مشرك ، واستعان في بعض غزواته بأناس من المشركين ، وما زال المسلمون يستقضون حوائجهم من المسلم والذمي والبر والفاجر ، فيلزم المساوي بين الأحياء والأموات أن يساوي بين أموات المذكورين كما كانوا في الدنيا كذلك .[88]

يوسف التازي
15-01-15, 06:25 PM
خمسون دليلا على بطلان دعاء غير الله



ماجد بن سليمان الرسي


مقدمة

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد،
فإن الغاية التي من أجلها خلق الله الجن والإنس هي أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، قال تعالى ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ ، والعبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .
فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين ، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكـين وابن السبيل والمملوك ، والإحسان إلى البهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة .
وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمته ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه ، وأمثال ذلك ؛ هي من العبادة لله .
وضد العبادة الشرك في عبادة الله ، بأن يجعل الإنسان لله شريكا يعبده كما يعبد الله ، ويخافه كما يخاف الله ، ويتقـرب إليه بشيء من العبادات كما يتقرب لله ، من دعاء وصلاة أو ذبح أو نذر أو غير ذلك .
والكلام في هذا البحث المختصر منصب على مسألة صرف عبادة الدعاء لغير الله ، وبيان وجوه بطلان دعاء غير الله العقلية والنقلية ، وقبل البدء في مناقشة هذه المسألة أقول إن الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة ، إلا أنه من أكثر العبادات التي شرّك الناس فيها بين الله وبين خلقه ، فإنك تجد - مع الأسف الشديد - كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام قد وقعوا في دعاء غير الله والاستغاثة بهم ، سواءً كانوا من الأنبـياء أو الصالحين ، كمن يقول يا نبـي الله ، أو يا عبد القادر الجيلاني ، أو يا بدوي ، أشكو إليك ذنوبـي ، أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني ، أو يقول أنا نـزيلك ، أنا ضيفك ، أنا جارك ، أو أنت تجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به ، أو ارزقني الولد ، أو قول القائل إذا عثر : يا جاه محمد ، يا ست نفيسة ، أو يا سيدي الشيخ فلان ، ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تعلق وتوجه ودعاء لغير الله ، وبعضهم يكتب على أوراق ويعلقها عند القبور ، أو يكتب محضرا أنه استجار بفلان ثم يذهب إلى أحد المقبورين بذلك المحضر ليغيثه ، وما يدري المسكين أنه قد خلع بفعله هذا ربقةالإسلام من عنقه ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم .
وفي هذه الوريقات ؛ نقلت ما يسر الله نقله من أدلة نقلية وعقلية على بطلان دعاء غير الله ، لعلها تكون معونة للعاقل وتذكرة للجاهل ، والله أسأل أن يوفق المسلمين جميعا لإخلاص العمل لله وحده ، وأن يجنبهم طرق الشرك والضلال ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .

وكتبه ، ماجد بن سليمان الرسي

Readquran1000@hotmail.com
هاتف : 00966505906761
المملكة العربية السعودية
http://www.saaid.net/kutob/



--------------------------------------------------------------------------------


تأصيل ، الدعاء عبادة


الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة .
وقد جاءت الأدلة في بيان عِظم شأن الدعاء فمنها :
حديث سلمان الفارسي عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حيـي كريم يستحيـي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين .[1]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يرد القضاء إلا الدعاء .[2]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء .[3]
وقد جاء تصريح النبـي صلى الله عليه وسلم في أن الدعاء عبادة في قوله : الدعاء هو العبادة ، وقرأ }وقال ربكم ادعوني استجب لكم( إلى قوله )داخرين{ .[4]
وحصْر العبادة في الدعاء - وإن كان حصْراً ادعائيا - فإنه يدل على عظـم الدعاء وشرف مكانته ، وأنه لب العبادة وخالصها ، وركنها الأعظم ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة .[5]
كما سمى الله الدعاء عبادة في قوله }قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البـينات من ربـي{ ، وقال تعالى }وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{ ، فعبر الله عن الدعاء بالعبـادة في الآيتين ، فدل ذلك على عِظم شأنه .
وقد سمى الله الدعاء ديناً كما في قوله تعالى }وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون{.
فجعل الله سبحانه الدين بدلا من الدعاء ، وعرفه بالألف واللام التي تفيد العهد ، فدل ذلك على أن الدعاء دينا ، وما كان دينا فهو عبادة .
وقد أمر الله بدعائه ، وكل ما أمر الله بفعله فهو عبادة واجبة أو مستحبة ، قال تعالى }وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{ ، وقال تعالى ]ادعوا ربكم تضرعا وخفية[ .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالدعاء كما في قوله : فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى ، وأما السجود فأكثروا من الدعاء ، فقمـِِنٌ[6] أن يستجاب لكم .[7]
قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة عند جميع العلماء ، فمن قال إن دعاء العبد ربه ليس بعبادة له فهو ضال ، بل كافر .[8]


فصل في الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره

القرآن والسنة يأمران بإفراد الله بالدعاء ، وينهيان عن دعاء غيره ، ومن ذلك قوله تعالى }ادعوا ربكم تضرعا وخفية{[9] ، وقوله تعالى }أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض{[10] ، وقوله تعالى }وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{[11] ، وقوله تعالى }واسألوا الله من فضله{[12].
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
وأما إفراد الله بالدعاء فجاء ذكره في نحو ثلاثمائة موضع منوعاً ، تارة على صيغة الأمر به ، كقوله }أدعوني استجب لكم{[13] ، }وادعوه مخلصين له الدين{ [14].
وتارة يذكره الله بصيغة النهي كقوله }فلا تدعوا مع الله أحداً{ [15].
وتارة يقرنه بالوعيد كقوله }فلا تدع مع الله إلـٰهاً آخر فتكون من المعذبين{[16].
وتارة بتقرير أنه هو المستحق للألوهية والتعبد كقوله }ولا تدع مع الله إلـٰهاً آخر لا إلـٰه إلا هو{[17].
وتارة في الخطاب بمعنى الإنكار على الداعي كقوله }ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك{[18].
وتارة بمعنى الإخبار والاستخبار }قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات{[19].
وتارة بالأمر الذي هو بصيغة النهي والإنكار }قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض{[20].
وتارة أن الدعاء هو العبادة ، وأن صرفَه لغير الله شرك }ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة{ إلى قوله }وكانوا بعبادتهم كافرين{[21] ، }وأعتزلكم وما تدعون من دون الله{ إلى قوله }فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله{[22].
وفي الحديث : (الدعاء هو العبادة)[23] ، صححه الترمذي وغيره ، وقد أتى فيه بضمير الفصل ، والخبر المعرَّف باللام ليدل على الحصر ، وأن العبادة ليست غير الدعاء ، وأنه مُعظم كل عبادة[24] ، ونهى ألا يشرك معه أحد فيه ، حتى قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم }قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً{ [25] ، وأخبر أنه لا يَغفر أن يشرك به .[26] انتهى .
ومن أدلة وجوب إفراد الله بالدعاء ؛ حديث ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله .[27]
فلو جاز سؤال غير الله لقال : واسألني واستعن بـي ، بل أتى صلى الله عليه وسلم بمقام الإرشاد والإبلاغ والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال والاستعانة على الله تعالى .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ .[28]
وقال رسول الله : إذا تمنى أحدكم فليستكثر ، فإنما يسأل ربه عز وجل .[29]
وقال تعالى {يسأله من في السماوات والأرض}سورة الرحمن ، الآية 29 . ، قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية الكريمة:
أي هو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته ، وهو واسع الجود والكرم ، فكل الخلق مفتقرون إليه ، يسألونه جميع حوائجهم بحالهم ومقالهم ، ولا يستغنون عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك ، وهو تعالى )كل يوم هو في شأن( ، يغني فقيرا ويجبر كسيرا ، ويعطي قوما ويمنع آخرين ، ويميت ويحيي ، ويخفض ويرفع ، لا يشغله شأن عن شأن ، ولا تغلُطه المسائل ، ولا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا طول مسألة السائلين ، فسبحان الكريم الوهاب الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات ، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات ، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه . انتهى .




--------------------------------------------------------------------------------


فصل في بيان أن دعاء غير الله باطل من خمسين وجها


وبالرغم من عِظم مكانة الدعاء بـين سائر العبادات ؛ إلا أنه من أكثر العبادات التي شرّك الناس فيها بين الله وبين خلقه ، فإنك تجد - مع الأسف الشديد - كثيراً ممن ينتسب إلى الإسلام قد وقعوا في دعاء غير الله والاستغاثة بهم ، سواءً كانوا من الأنبـياء أو الصالحين ، كمن يقول يا نبـي الله ، أو يا عبد القادر الجيلاني ، أو يا بدوي ، أشكو إليك ذنوبـي ، أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني ، أو يقول أنا نـزيلك ، أنا ضيفك ، أنا جارك ، أو أنت تجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به ، أو ارزقني الولد ، أو قول القائل إذا عثر : يا جاه محمد ، يا ست نفيسة ، أو يا سيدي الشيخ فلان ، ونحو ذلك من الأقوال الشركية التي فيها دعاء وتعلق بغير الله ، وبعضهم يكتب على أوراق ويعلقها عند القبور ، أو يكتب محضراً أنه استجار بفلان ثم يذهب إلى أحد المقبورين بذلك المحضر ليغيثه !
وقد وصف الله دعاء غيرِه بأنه باطل في موضعين من القرآن ؛ الموضع الأول قوله تعالى في سورة الحج ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل[ .[1]
والموضع الثاني قوله تعالى في سورة لقمان ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل[.[2]
وكذلك مدح النبي صلى الله عليه وسلم من قال بأن غير الله من المعبوادت باطلة ، قال عليه الصلاة والسلام : أصدق كلمة قالها الشاعر ؛ كلمة لبيد[3] :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل[4]
وصدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فدعاء غير الله باطل من خمسين وجهاً ، هذا أوان الشروع في ذكرها ، فاللهم يسر وأعن .


------------------
[1] آية : 62 .
[2] آية : 30 .
[3] هو لبيد بن ربيعة العامري ، ذكره البخاري وابن أبي خيثمة في الصحابة ، سكن الكوفة ، وتوفي في خلافة عثمان ، عاش مائة وخمسين سنة ، وقيل أكثر ، وهو القائل:
ولقد سئمت من الحياة وطولها *** وسؤال هذا الناس : كيف لبيد
انتهى مختصرا من «فتح الباري».
[4] رواه البخاري (3841) ومسلم (2256) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وتمام البيت : وكل نعيم لا محالة زائل .


الوجه الأول : أن الله سبحانه أمر بأن تصرف العبادات كلها له وحده ، الدعاء وغيره ، فمن صرف شيئاً منها لغير الله على سبيل المشاركة أو الاستقلال فقد أشرك بالله العظيم ، ودليل ذلك قوله تعالى ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ ، وقال تعالى ]وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـٰه إلا أنا فاعبدون[ ، ونهى عباده عن أن يشركوا معه في عبادته أحدا غيره فقال ]ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين[ ، وبـين لنا أن الشرك أعظم الذنوب وأن الله لا يغفره إذا مات العبد عليه ، قال تعالى ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ .

الوجه الثاني : أن القرآن والسنة قد خصا الدعاء بتأكيد الإخلاص فيه ، والنهي عن صرفه لغير الله ، ومن ذلك قوله تعالى }ادعوا ربكم تضرعا وخفية{ ، وقال }أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض{ ، وقال }وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{ وقال تعالى }واسألوا الله من فضله{ ، وقد تقدم في «فصل في الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره» تقرير أن مسألة إفراد الله بالدعاء ذكرت في نحو ثلاثمائة موضع منوعاً في القرآن بصيغ متعددة .

الوجه الثالث : أن الله والملائكة وأولوا العلم شهدوا أنه لا يستحق العبادة غير الله ، قال تعالى }شهد الله أنه لا إلـٰه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إلـٰه إلا هو العزيز الحكيم{[30] ، ,شهادة أن لا إلـٰه إلا الله هي أعظم شهادة في الوجود من أعظم شاهد جل وعز ، وشهادة رب العالمين لا ينقصها شيء البتة ، فلم يبق بعد هذه الآية معبود يعبده الأولون والآخرون من دون الله إلا بطلت عبادته بهذه الشهادات الثلاثة .

الوجه الرابع : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين إجماع المسلمين قاطبة - بما فيهم علماء المذاهب الأربعة وغيرهم - على أن دعاء غير الله شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام ، وإجماع المسلمين حجة شرعية كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله على الجماعة .[1]

------------------
[1] رواه الترمذي (2167) ، عن ابن عمر ، وصححه الألباني ، وكذا الحاكم في « مستدركه » (392 ، 397) ، وحكى بعد ذكره للحديث إجماع أهل السنة على هذه القاعدة ، وأنها من قواعد الإسلام .

أما كلام الحنفية ؛ فقال الشيخ قاسم في « شرح درر البحار » : النذر الذي يقع من أكثر العوام ، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً : يا سيدي ؛ إن رُدّ غائبي ، أو عُوفي مريضي ، أو قُضيت حاجتي ؛ فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا ؛ باطلٌ إجماعاً ، لوجوه منها :
أن النذر للمخلوق لا يجوز .
ومنها ، أنه ظنَّ الميت يتصرف في الأمر ، واعتقاد هذا كفر ، ... ، وقد ابتُـلي الناس بذلك ولاسيما في مولد الشيخ أحمد البدوي .
وقال الشيخ محمد عابد السندي الحنفي في كتابه « طوالع الأنوار شرح تـنوير الأبصار مع الدر المختار »:
ولا يقول : يا صاحب القبر ، يا فلان ، إقض حاجتي ، أو سلها من الله ، أو كن لي شفيعا عند الله ، بل يقول : يا من لا يشرك في حكمه أحدا ؛ اقض لي حاجتي هذه .
وقال الشيخ صنع الله بن صنع الله الحلبـي الحنفي رحمه الله ما نصه :
هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بـين المسلمين جماعات يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات ، وبهم تنكشف الـمُهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات !
وهذا كلام فيه تفريط وإفراط ، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي ، لما فيه من روائح الشرك المحقق ، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّّق ، ومخالفة لعقائد الأئمة ، وما أجمعت عليه هذه الأمة ، وفي التـنـزيل ]وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً[[31].[32]
وبهذا قال من أئمة الحنفية المتأخرين الإمام أحمد السرهندي ، والإمام أحمد الرومي ، والشيخ سجان بخش الهندي ، ومحمد بن علي التهانوي ، ومحمد إسماعيل الدهلوي ، والشيخ أبو الحسن الندوي ، وشدد في ذلك .[33]
وللشيخ الدكتور شمس الدين الأفغاني رسالة عظيمة جمع فيها أقوال علماء الأحناف في إبطال عقائد القبورية ، وأسماها «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية» ، تقع في ثلاث مجلدات ، نال فيها رسالة الدكتوراة العالمية .
وأما كلام المالكية ؛ فقال أبو بكر الطرطوشي في كـتاب « الحوادث والبدع » لما ذكر حديث الشجرة المسماة بذات أنواط : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ، ويُعظمون من شأنها ، ويرجون البُـرء والشفاء لمرضاهم من قِـبَلِها ؛ وينوطون بها المسامير والخرق ؛ فهي ذات أنواط ، فاقطعوها .[34]
وأما كلام الشافعية ؛ فقال ابن حجر الشافعي في « شرح الأربعين النووية » : من دعا غير الله فهو كافر .[35]
وقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب « الباعث على إنكار البدع والحوادث » :
لكن نُبين من هذا القسم ما وقع فيه جماعة من جهال العوام ، المنابذين لشريعة الإسلام ، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء ، وهو ما يفعله طوائف من المنتمين إلى الفقر ، الذي حقيقته الإفتقار من الإيمان ، من مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن ، واعتقادهم في مشايخ لهم ، ... ، وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها ، ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به ؛ من تزيـين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعُمُد ، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكِـي لهم حاكٍ أنه رأى في مـنامه بها أحداً ممن شُهِـر بالصلاح والولاية ، إلى أن يَعظُم وقعَ تلك الأماكن في قلوبهم ، ويعظمونها ، ويرجون الشفاء لمرضاهم ، وقضاء حوائجهم بالنذر لها ، وهي ما بين عيون وشجر وحائط ، وفي مدينة دمشق ، صانها الله تعالى من ذلك ، مواضع متعددة .
ثم ذكر – رحمه الله – الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض من معه : (اجعل لنا ذات أنواط) ؛ قال : الله أكبر ، قلتـم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى ]اجْعَل لناَ إلـٰهاً كَمَا لهَمُ آلهة[ [36]. [37]انتهى كلامه رحمه الله .[38]
وقال الإمام العلامة أحمد بن علي المقريزي المصري الشافعي رحمه الله :
وشرك الأمم كله نوعان : شرك في الإلـٰهية وشرك في الربوبية ، فالشرك في الإلـٰهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك ، وهو شرك عُباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعُباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات ، الذين قالوا )إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى( ، ويشفعوا لنا عنده ، وينالونا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة ، كما هو المعهوم في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه خاصته .
والكتب الإلـٰهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله ، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى .
وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم ، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله .[39]
وسيأتي كلام الإمام ابن النحاس الشافعي قريبا إن شاء الله .
وأما كلام الحنابلة ؛ فقال الشيـخ تقي الدين رحمه الله لما ذكر حديث الخوارج :
فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام ؛ من مَرق[40] منه مع عبادته العظيمة ، فيُعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضاً ، وذلك بأمور ، منها الغلو الذي ذمه الله تعالى ، كالغلو في بعض المشائخ ، كالشيخ عدي ، بل الغلو في علي بن أبي طالب ، بل الغلو في المسيح ، ونحوه .
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح ، وجعل فيه نوعاً من الإلـٰهية ، مثل أن يدعوه من دون الله ، بأن يـقول : (يا سيدي فلان أغثني ، أو أجرني ، أو أنت حسبي ، أو أنا في حسْبك) ؛ فكل هذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل ، فإن الله أرسل الرسل ليُعبد وحده ، لا يُـجعل معه إلـٰه آخر ، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى ، مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصـالحين أو غيرهم ؛ لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق ، وإنما كانوا يدعونهم ، يقولون ]هؤلاء شفعاؤنا عند الله[ ، فبعث الله الرسل تنهى أن يُدعى أحد من دون الله ، لا دعاء عبادة ، ولا دعاء استغاثة .[41] انتهى .
وقال أيضا : لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى ، لا بنبـي ولا بملَـك ولا بصالح ولا غير ذلك ، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه .[42]
وقال أيضاً : ومن قال إن ميتا من الموتى ، نفيسة أو غيرها ؛ تُجير الخائف وتُخلص المحبوس وهى من باب الحوائج ؛ فهو ضال مشرك فإن الله سبحانه هو الذى يجير ولا يجار عليه ، وباب الحوائج إلى الله هو دعاؤه بصدق وإخلاص كما قال تعالى }وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{ ، والله أعلم .[43]
وقال أيضا : سؤال الميت والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين .[44]
وقال أيضا في كتابه « اقتضاء الصراط المستقيم »[45]: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط ؛ فقال بعض الناس : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط !
فقال : الله أكبر ! قلتم كما قال قوم موسى ]اجعل لنا إلـٰها كما لهم آلهة[ ، إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم .
فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها ، معلقين عليها سلاحهم ، فكيف بما هو أعظم من ذلك ، من مشابهتهم المشركين ، أو هو الشرك بعينه ؟
وقال أيضا رحمه الله :
والمرتد من أشرك بالله تعالى ، أو كان مبغضا للرسول صلى الله عليه وسلم ولما جاء به ، أو ترك إنكار منكر بقلبه ، أو توهم أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك ، أو أنكر مجمعا عليه إجماعا قطعيا ، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ، ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد ، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد ، ولهذا لم يُكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله وإعادته لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة .[46]
وقال أيضا : فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط ، يدعوهم ، ويتوكل عليهم ، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار ، مثل أن يسألهم غفران الذنب ، وهداية القلوب ، وتفريج الكروب ، وسد الفاقات ؛ فهو كافر بإجماع المسلمين .[47]
ونقله عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب[48] من علماء الحنابلة في كتابه «تيسير العزيز الحميد» ثم قال :
نقله عنه غير واحد مقررين له ، منهم ابن مفلح في « الفروع »[49] ، وصاحب «الإنصاف»[50] ، وصاحب «الغاية»[51] ، وصاحب «الإقناع »[52] ، وشارحه[53] ، وغيرهم ، ونقله صاحب « القواطع »[54] في كتابه عن صاحب «الفروع» .
قلت[55]: وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين ، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر ، أي عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات ، وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن دعاء الله عبادة له ، فيكون صرفه لغير الله شركا .
وقال الإمام ابن النحاس الشافعي[56] رحمه الله : (ومنها[57] ؛ إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار والعيون والآبار ، ويقولون إنها تقبل النذر ، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها ، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر ، وتجلب وتدفع ، وتشفي المريض وترد الغائب إذا نُـذِر لها ، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم).[58]
قلت : فصرح رحمه الله أن الاعتقاد في هذه الأمور أنها تضر وتنفع وتجلب وتدفع وتشفي المريض وترد الغائب إذا نَـذر لها ؛ أن ذلك شرك ، وإذا ثبت أنه شرك فلا فرق في ذلك بين اعتقاده في الملائكة والنبيين ، ولا بين اعتقاده في الأصنام والأوثان ، إذ لا يجوز الإشراك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق سبحانه ، كما قال تعالى ]ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون[.
وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين ، ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وشفاء ذوي الأمراض والعاهات ، فثبت أن ذلك شرك} . انتهى كلامه رحمه الله .[59]
وقال ابن القيم رحمه الله في « مدارج السالكين » في معرض كلام له عن أنواع الشرك :
ومن أنواعه ؛ طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم ، وهذا أصل شرك العالم ، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، فضلاً عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته ، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها ، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم ، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه ، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه ، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد ، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن ، وهو بمنزل من استعان في حاجة بما يمنع حصولها ، وهذه حالة كل مشرك .
والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له ، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ، ونسأل لهم العافية والمغفرة ، فعكَس المشركون هذا ، وزاروهم زيارة العبادة واستقضاء الحوائج والاستغاثة بهم ، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد ، وسموا قصدها حجا ، واتخذوا عنده الوقفة وحلق الرأس ، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ، ومعاداة أهل التوحيد ، ونِسبة أهله إلى التنقص للأموات ، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك ، وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئاً ، بذمهم وعيبهم ومعاداتهم ، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص ، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا ، وأنهم أَمروهم به ، وأنهم يوالونهم عليه ، وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان ، وما أكثر المستجيبين لهم ، ولله خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول )واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس( .
وما نجا من شَركِ هذا الشرك الأكبر إلا من جرَّد توحيد الله ، وعادى المشركين في الله ، وتقرب بمقتهم إلى الله ، واتخذ الله وحده وليه وإلـٰهه ومعبوده ، فجرّد حبه لله ، وخوفه لله ، ورجاءه لله ، وذُله لله ، وتوكله على الله ، واستعانته بالله ، والتجاءه إلى الله ، واستغاثته بالله ، وأخلص قصده لله ، متبعا لأمره ، متطلبا لمرضاته ، إذا سأل سأل الله ، وإذا استعان استعان بالله ، وإذا عمِل عمِل لله ، فهو لله وبالله ومع الله .[60]
وله رحمه الله في باب تعظيم أصحاب القبور كلام طويل في كتابه النفيس « إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان » ، ذكر فيها الجذور التاريخية لتعظيم أصحاب القبور والغلو فيهم ، كما عرض لذكر المظاهر والعلاج ، رحمه الله رحمة واسعة .[61]
وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي رحمه الله : إن من يعظم القبور ويخاطب الموتى بقضاء الحوائج ، ويقول : يا مولاي ويا سيدي عبد القادر : (إفعل لي كذا) ؛ هو كافر بهذه الأوضاع ، ومن دعا ميتا وطلب قضاء الحوائج فهو كافر .
وقال أيضا في « الفنون » : لما صعُبت التكاليف على الجهال والطَغَام[62] ؛ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها ، فسهُلت عليهم إذ لم يَدخلوا بها تحت أمر غيرهم ، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع ، مثل تعظيم القبور ، وخطاب الموتى بالحوائج ، وكَـتب الرقاع فيها : (يا مولاي ، افعل لي كذا وكذا) ، أو إلقاء الخرق على الشجرة اقتداء بمن عبد اللات والعزى .
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله : إن قول العبد (لا إلـٰه إلا الله) يقتضي أنه لا إلـٰه له غير الله ، والإلـٰه هو الذي يطاع فلا يُعصى ، هيبة له وإجلالا ، ومحبة وخوفا ورجاء ، وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلـٰهية ؛ كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول : (لا إلـٰه إلا الله) ، ونقصا في توحيده ، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ، وهذا كله من فروع الشرك .[63]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين[64] رحمه الله : ورأيت من جملة فتاوي للقاضي أبي يعلي منها : أنه سئل عمن يقول : (يا محمد ، يا علي) ، فقال : هذا لا يجوز لأنهما ميتان .[65]
وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن المسلمين قد أجمعوا على تكفير من ارتكب الشرك الأكبر وكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغِها المعتبر ، كمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلـٰهية ، وذكر أن هذا مجمع عليه بين أهل العلم والإيمان ، وأن كل طائفة من أهل المذاهب المقلَّدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها ، وينصون على الشرك ، وأن ابن حجر قد أفرد هذه المسألة بكتاب سماه : « الإعلام بقواطع الإسلام » .[66]
وقال الشوكاني في كتابه « الدر النضيد » : إعلم أن الرزية كل الرزية ، والبلية كل البلية ؛ أمر غير ما ذكرنا - من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة - ، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور ومن المعروفين بالصلاح من الأحياء ، من أنهم يقدِرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم ، فصاروا يدعونهم تارة مع الله ، وتارة استقلالا ، ويصرخون بأسمائهم ، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ، ويخضعون لهم خضوعا زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بـين يدي ربهم في الصلاة والدعاء ، وهذا إذا لم يكن شركا فلا ندري[67] ما هو الشرك ، وإذا لم يكن كفرا فليس في الدنيا كفر . انتهى .[68]

الوجه الخامس : أن عبادة غير الله انحراف عن الفطرة التي خلق الله الناس عليها وهي عبادة الله وحده ، والدعاء نوع من أنواع العبادة ، بل هو لبها وخاصها وروحها ، فإن الله خلق الناس حنفاء كلهم ، والحنيف هو المائل ، أي المائل عن الشرك إلى التوحيد ، ثم أتــتهم شياطين الإنس والجن فاجتالتهم[69] عن التوحيد إلى الشرك ، كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم : ألا إن ربـي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ، كل مال نحلته[70] عبداً حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم[71] ، وإنهم أتــتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم ، وأمرَتهم أن يشركوا بـي ما لم أنـزل به سلطانا .[72]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تـنتج البهيمة بهيمة جمعاء[73] هل تحسون فيها من جدعاء[74] ؟ ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه }فطرة الله التي فطر الناس عليها{ الآية .[75]
فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المولود الذي يولد على فطرة التوحيد ثم يحرفه أهله إلى الشرك بالبهيمة التي جدع أهلها أذنها – أي قطعوها – بعد أن ولدت لا جدَع فيها ، وإذا كان اليهود والنصارى والمجوس يدعون غير الله ، فالفطرة عكس ذلك ، وهي دعاء الله وحده ، وهو المطلوب .
ومما يدل على أن دعاء الله وحده هو مقتضى الفطرة ؛ أن الداعين لغير الله ينسون من يدعونهم وقت الشدائد تماما ، ويتجهون لدعاء الله وحده ، فالفطرة تدعوهم لدعاء الله وحده اضطرارا ، فدل هذا على بطلان ضده وهو دعاء غير الله ، قال تعالى عن المشركين الأولين }هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم قد أحيط بهم دعوا لله مخلصين له الدين لئن أنجيتـنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق{ .
وقال أيضاً سبحانه في سورة الأنعام )قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون( .
ولما أقبل أبرهة على مكة وهرب أهلها منها خوفاً منه ؛ قام عبد المطلب – جد النبي صلى الله عليه وسلم - ونفرٌ من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة ، فأخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة وهو يقول :


يا رب لا أرجو لهم سواك *** يا رب فامنع منهم حماك
إن عدو البيت من عاداك *** فامنعهم أن يخربوا قُـراك[76]

تنبيه :
كان المشركون الأولون إذا أصابتهم شدة دعوا الله وحده ، وإذا كانوا في رخاء دعوا غير الله ، أما مشركو زماننا فإنهم أسوء حالا من المشركين الأولين ، فإنهم يدعون غير الله في الرخاء والشدة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وقد ذكر الشيخ صديق حسن خان رحمـه الله ، وهو من علماء القرن الثالث عشر ، في كتابه « رحلة الصديق إلى البـيت العتيق » قصة تتعلق بهذا الموضوع حصلت له لما ذهب للحج عن طريق البحر وفيها :
ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح ، أو هبوبها مخالفة[77] أو شيئا من الخوف على السفينة وأهلها ، كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين مستغيثين ومستعينين به ، ولم يكونوا يذكرون الله عز وجل أبدا ، أو يدعونه بأسمائه الحسنى ، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله ويستعينون بالأولياء خفت على المركب خوفا عظيما من الهلاك … وصدق الله }وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون{ .[78]

الوجه السادس: ومن وجوه بطلان دعاء غير الله أن هذا الفعل هو فِعْلَ المشركين الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء ، فقد كان المشركون يدعون الأنبياء ويدعون الملائكة ويدعون الصالحين وغيرهم ، ويقولون : هؤلاء يقربوننا ويشفعون لنا عند الله ، قال الله تعالى عنهم }ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون{ .
وقال تعالى عنهم في سورة الزمر )والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم يوم القيامة إن الله لا يهدي من هو ظالم كفار( ، فانظر كيف حكم عليهم بالشرك في الآية الأولى ، وبالكفر في الآية الثانية .
بل إن دعاء غير الله تعالى هو فعل جميع أصناف المشركين قاطبة في الماضي والحاضر ، من لدن نوح إلى يومنا هذا ، مرورا بقوم إبراهيم الذين كانوا يدعون الأصنام ، والنصارى الذين يدعون عيسى وأمه ، وكذلك البوذيين والهنادكة وغيرهم من الوثنيين .
وقد وقع في هذا اللون من الانحراف فئام ممن ينتسبون لدين الإسلام ، وأشهرهم ثلاث طوائف ، الأولى هي الرافضة ، الذين غلو في تعظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى آل بهم الأمر إلى دعائهم وطلب الحاجات منهم ، وهم الآن يحجون إلى قبر علي في كربلاء ، ويسألونه الحاجات من رزق وولد كما يسألون الله تعالى ، قبحهم الله .
والطائفة الثانية هم غلاة الصوفية ، الذين غلوا في تعظيم من وصفوهم بالأولياء والأقطاب ، ويدعونهم لكشف الكربات وإغاثة اللهفات .
والطائفة الثالثة هم القبورية ، الذين يأتون إلى قبور بعض الصالحين ، وربما إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعونهم كما يدعون الله ، ويأتون أيضا إلى بعض القبور المنسوبة لبعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا شرك في العبادة ، وخروج من دين الإسلام ، عياذا بالله .

الوجه السابع: أن دعاء غير الله من الأنبـياء والصالحين لو كان صواباً لأمر به الله ولفعله النبـي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ، لأنهم أحرص الناس على الخير وأعلمهم بالحق ، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وفيهم الخلفاء الأربعة ، وفيهم أهل بيته ، وفيهم المشهود لهم بالجنة ، وفيهم الذين غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر ، ومع هذا فلم يحصل منهم بتاتا أن دعوه وطلبوا الحاجات منه ، بل لم يرد عن الصحابة أو أحد من القرون الثلاثة المفضلة أثر صحيح حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة قصدوا القبور .
قال ابن تيمية رحمـه الله : والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصاً له الدين ، وحق شيخه عليه أن يدعو له ويترحم عليه ، فإن أعظم الخلق قدراً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره وأطوع الناس له ، ولم يكن يأمر أحداً منهم عند الفزع والخوف أن يقول : يا سيدي يا رسول الله ، ولم يكونوا يفعلون ذلك لا في حياته ولا بعد مماته ، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى ]الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم[ .[79]
وقال أيضا : سؤال الميت والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين ، فإن أحداً منهم ما كان يقول إذا نـزلت به تـِرة[80] أو عرضت له حاجة لميت : يا سيدي فلان أنا في حسبك ، أو اقض حاجتي ، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين ، ولا أحداً من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها ، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ، ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بني ولا غيره من المخلوقين ، بل ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلاً ، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ، ولا الصلاة عندها . [81]
وقال ابن القيم رحمه الله :
فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى ، وهذه سنة خلفائه الراشدين ، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها ، فضلا أن يصلوا عندها ، أو يسألوا الله بأصحابها ، أو يسألوهم حوائجهم ؟
فليوقفونا على أثر واحد ، أو حرف واحد في ذلك .[82]

الوجه الثامن : أن الذي يتوجه إلى غير الله بالعبادة والدعاء قد ساوى هذا المعبود بالله عز وجل في الحب والتعظيم ، وشبهه به ، لكونه توجه له كما توجه لله ، وهذه المساواة والتشبيه هي حقيقة الشرك ومعناه ، وقلبه وقالبه ، قال تعالى مبـينا حقيقة الكفار }ثم الذين كفروا بربهم يعدِلون{ ، أي يجعلون له معادلاً ومساوياً .
ومساواة الله بخلقه باطلة ، لأن الله ليس له كفؤ ولا ند ، ولا مثيل ولا نظير ، قال تعالى }ولم يكن له كفوا أحد{ ، وقال }فلا تجعلوا لله أندادا{ أي أمثالا ونظراء .
ولما كانت مساواة الله بخلقه هي الكفر بعينه ؛ لام الكفار أنفسهم على ذلك وهم في النار ]تالله إن كنا لفي ضلال مبـين * إذ نسويكم برب العالمين[ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
وأما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر .
فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ، وهو أن يتخذ من دون الله نداً ، يحبه كما يحب الله ، وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار ]تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين[ ، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء ، وربه ومليكه ، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت ، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم ، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله ، وكثير منهم – بل أكثرهم – يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذُكر الله وحده ، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحدهم رب العالمين ، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرَد[83] ، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها ، بل إذا قام المنتهِك لها بإطعامهم شيئاً رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم ، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة .
وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلـٰهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد ، وإن عثر وإن مرض ، وان استوحش ، فذِكر إلـٰهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه ، وهو لا ينكر ذلك ، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله ، وشفيعه عنده ، ووسيلته إليه ، وهكذا كان عُباد الأصنام سواء .
وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم ، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم ، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر ، وغيرهم اتخذوها من البشر ، قال الله تعالى حاكياً عن أسلاف هؤلاء المشركين ]والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون[ .
ثم شهد عليهم بالكفر والكذب ، وأخبر أنه لا يهديهم فقال ] إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار[ .
فهذه حال من اتخذ من دون الله ولياً يزعم أنه يقربه إلى الله ، وما أعز[84] من يخلُص من هذا ، بل ما أعزُ من لا يعادي من أنكره .[85]
وقال الشيخ الشريف محمد بن ناصر الحازمي رحمه الله :
وقد علم كلُّ عالِم أن عبادة الكفار للأصنام لم يكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع ، والاستغاثة بها عند الحاجة ، والتقرب إليها في بعض الحالات بجزء من أموالهم ، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ، إنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ، بل ربما يترك العاصي منه فعل المعصية إذا كان في مشهدِ من يعتقده أو قريباً منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت ، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله تعالى ، أو في مسجد من المساجد أو قريباً من ذلك .[86]
قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
فمن سوَّى بين الحي والميت بقوله : يُطلب من الميت ما يطلب من الحي ، فقد سوَّى بين ما فرَّق الله والناس بينهما ، حتى المجانين يفرقون بين الحي والميت ، فلو قصد مجنون بيت إنسان ليطعمه فوجده ميتا وأهله عنده ، لعدل إلى الطلب من أهله الأحياء الحاضرين عنده ولم يلتفت إلى الميت .[87]
وقال أيضا : ويقال لهذا المُساوي بين الأحياء والأموات : من المعلوم أن أهل الدنيا يستقضون حوائجهم بعضهم من بعض ؛ برهم وفاجرهم ، مسلمهم وكافرهم ، وقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم أدراعاً من صفوان بن أمية وهو مشرك ، واستعان في بعض غزواته بأناس من المشركين ، وما زال المسلمون يستقضون حوائجهم من المسلم والذمي والبر والفاجر ، فيلزم المساوي بين الأحياء والأموات أن يساوي بين أموات المذكورين كما كانوا في الدنيا كذلك .[88]

يوسف التازي
15-01-15, 06:25 PM
وقال أيضا : ويقال أيضاً لهذا المـُساوي بين الحي والميت : لو أَعطى إنسان آخر مالاً وقال : أودِعه عند ثقة ، فذهب به الوكيل وأودعه عند قبر رجل صالح كالشيخ عبد القادر وقال : هذا وديعة عندك لفلان ، واستحفَظه إياه فضاع ؛ لعده الناس مجنوناً جنوناً لا يرفع التكليف ، وألزموه بالضمان ، ويلزم هذا الذي ساوى بين الحي والميت أن يقول : هو مصيب فيما فعله ولا ضمان عليه ، وربما أنه لا يلتزم هذا خوفاً من الفضيحة عند الناس ، وحينئذ يقول له الوكيل في الإيداع : أنا ما فرطت على مذهبك في التسوية بين الحي والميت ، لأنك تقول : ما جاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت ، وأنا طلبت من الشيخ عبد القادر حفظ هذه الوديعة وهي حاجتي عنده ، وأنت تُجوز طلب الحاجات من الأموات فكيف تخطئني ؟![89]

فصل في بيان أن دعاء غير الله يستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق

قال ابن القيم رحمه الله :
فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلـظ°هية ، فإن من خصائص الإلـظ°هية التفرد بملك الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، وذلك يوجب تعليـق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده ، فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق ، وجعل ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فضلاً عن غيره ، شبيهاً لمن له الأمر كله له ، فأزِمَّـة الأمور كلها بيديه ، ومرجعها إليه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، بل إذا فَتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد ، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد ، فمِن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات .
ومن خصائص الإلـظ°هية الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده ، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة ، وغاية الذل مع غاية الحب ، كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون له وحده ، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون لغيره ، فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبّه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له ، وذلك أقبح التشبيه وأبطله ، ولشدة قبحه وتضمُّنه غاية الظلم ؛ أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة .
ومن خصائص الإلـظ°هية ؛ العبودية التي قامت على ساقين لا قِوام لها بدونهما ؛ غاية الحب مع غاية الذل ، هذا تمام العبودية ، وتفاوُت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين ، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغيره فقد شبهه به في خالص حقه ، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع ، وقبحُه مستقِـرٌ في كل فطرة وعقل ، ولكن غَيّرت الشياطين فِطَر أكثر الخلق وعقولهم ، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها ، ومضى على الفطرة الأولى من سَبقت له من الله الحسنى ، فأرسل إليهم رسله ، وأنـزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم ، فازدادوا بذلك نوراً على نور ، )يهدي الله لنوره من يشاء( .
إذا عُـرف هذا ؛ فمن خصائص الإلـظ°هية السجود ، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به .
ومنها التوكل ، فمن توكل على غيره فقد شبهه به .
ومنها التوبة ، فمن تاب لغيره فقد شبهه به .
ومنها الحلِف باسمه تعظيماً وإجلالاً له ، فمن حلف بغيره فقد شبهه به ، هذا في جانب التشبيه .[90]

الوجه التاسع : أن الله عز وجل لا يقبل عملاً دخله الرياء ، لأنه سبحانه وتعالى غني عن أن يكون له شريك ، فيكون الشرك في الدعاء مردود أيضا ، لأن بابهما واحد ، وهو التقرب للمخلوقين ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ .1
وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرياء شرك أصغر ، يحبط العمل الذي خالطه ، فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ .
قَالُوا : وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
قَالَ : الرِّيَاءُ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ :
اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا ، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً .[91]
فإذا كان الرياء شركاً يحبط العمل ؛ فكيف بالدعاء الخالص لغير الله ؟
لا شك أنه أشد خطراً وضرراً .
وإذا كان المرائي يقال له يوم القيامة : (اطلب ثواب عملك ممن عملت لهم) ، فالذي يدعو غير الله يقال له ذلك يوم القيامة ، بل يتبرؤون منه .
نسأل الله العافية من الشرك ، دقيقه وجليله .

الوجه العاشر : أن الله قد صرح في كتابه بأنه لا يستجيب الدعاء إلا الله وحده ، فوجب الإيمان بذلك ، وترك دعاء من لا يستجيب الدعاء ، وإلا كان الراد لهذه الآيات كافرا بها ، قال تعالى ]أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء[ ، وقال )قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون( ، وقوله تعالى )له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبسط فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال( .
فمن قال إن أهل القبور يجيبون دعاء من دعاهم فهو على خطر عظيم ، وهو الكفر بآيات الله ، لأنه لم يصدق بخبر القرآن الناص على أنه لا يجيب الدعاء إلا الله وحده .

الوجه الحادي عشر : ومن أعظم وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو تصريح الله بأن دعاء غيره باطل ، وفي هذا كفاية وشفاء لمن أراد الحق ، وذلك في قولـه تعالى في سورة الحج ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل[[92]، وقوله تعالى في سورة لقمان ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل[[93].
أما دعاء الله فقد وصفه الله بأنه حق كما في قوله تعالى )له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال(.

الوجه الثاني عشر : أن الله قد حكم على من دعا غيره أنه لا أضل منه فقال }ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون{ .
قال البيضاوي رحمه الله : هذا إَنكار أن يكون أحدٌ أضل من المشركين ، حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم ، فضلاً أن يعلم سرائرهم ، ويراعي مصالحهم .
)وهم عن دعائهم غافلون( : لأنهم إما جمادات ، وإما عِبادٌ مسخرون مشتغلون بأحوالهم .[94]

الوجه الثالث عشر : أن ترك دعاء الله من أسباب غضب الله ، هذا إذا كان الداعي لا يدعو غير الله إذا دعا ، فكيف بمن يدعو غير الله إذا دعا؟
فعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يسأل الله يغضب عليه .[95]

الوجه الرابع عشر : أن الله توعد من دعا غيره بالنار ، فعن عبد الله بن مسعود قال : قال النبـي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى ، قال النبـي صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار ، وقلت أنا : من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة .[96]
وعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تخرج عنق من النار يوم القيامة ، لها عينان تبصران ، وأذنان تسمعان ، ولسان ينطق ، يقول : إني وُكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلـظ°ها آخر ، وبالمصورين .[97]
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله ، من النهي والتحذير عن فعله ، وكُفر فاعله ، والوعيد عليه بالخلود في النار ، وقد أُفردت هذه المسألة بالتصنيف ، وحكى الإجماع عليها غير واحد من أهل العلم ، وذكروا أنها من ضروريات الإسلام ؟[98]

الوجه الخامس عشر : أن هؤلاء الذين يدعون الأنبـياء والصالحين يقرون بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق الذي بـيده ملكوت كل شئ ، وهذا يستلزم أن يوحِّدوه بالعبادة كما وحَّدوه بالربوبـية ، والدعاء من أعظم أفراد العبادة .
قال تعالى ]يا أيها الناسُ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تــتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنـزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون[ ، فكما أن الله لا شريك له في ربوبـيته فكذلك لا شريك له في أحقيته وحده بالعبادة ، لأن توحيد الربوبـية يقتضي توحيد الألوهية ويدل عليه .
قال ابن سعدي رحمـه الله : وكثيرا ما يقرن تعالى توحيد الإلـظ°هية بتوحيد الربوبـية لأنه دال عليه ، وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة .[99]

الوجه السادس عشر : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة العلم ، وبيان ذلك أن الموتى لا يعلمون شيئا من حاجات الناس ولا أحوالهم ، وقد قرر الله ذلك في مواطن كثيرة من القرآن كقوله تعالى }وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور {.
قال ابن القيم رحمه الله :
العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يُـعَرِّفه الله تعالى إياها ، ولا يَقدر على تحصيلها لك حتى يُقـَدِّره الله تعالى عليها ، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة ، فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه ، وهو الذي بيده الخير كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، فتعلُّـق القلب بغيره رجاءً وخوفاً وتوكلاً وعبوديةً ضررٌ محض لا منفعة فيه ، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذي قدّرها ويسّرها وأوصلها إليك .[100]
وقد أتى التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم شيئا مما سيحصل بعد مماته في حديث الحوض ، فكيف بمن دونه صلى الله عليه وسلم من الموتى ، قال صلى الله عليه وسلم : إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة }كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين{ ، ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ثم يجاء برجال فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح ]وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد[ .[101]
قال الشيخ أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله :
ففي هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم بعد موته شيئاً من أعمالهم ولا أحوالهم ، بل قد كان في حياته شهيداً عليهم بأعمالهم الظاهرة ، والتزامهم العلني بمتابعته أو عدمها ، فلما توفاه الله كان هو وحده الرقيب عليهم والعليم بأحوالهم وأعمالهم .
وبالتأمل يظهر الفرق بين الكلمتين ، أي : كلمة ( الرقيب ) وكلمة ( شهيد ) ، فالمعبّـر بها في حق النبي صلى الله عليه وسلم كلمة (شهيد) وهي مأخوذة من المشاهدة ، وهي الرؤية البصرية ، فقوله : )وكنت عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم( أي : حال حياتي في حال مشاهدتي لهم ، علِمتُ من أحوالهم ما يجعلني أشهد عليهم بما رأيت وسمعت وعلِمت من أحوالهم وسلوكهم ، من إيمان ومتابعة ، أو كفر ومنابذة .
أمّا بعد وفاتي فقد فات ذلك بغيابي عنهم ، ولم يبق إلا علمك بهم ورقابتك عليهم ومشاهدتك لأحوالهم وضمائرهم ونياتهم ، ذلك لأنك على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط ، فهم خلق من خلقك ، ينفذ فيهم أمرك وتحيط بهم قدرتك ورقابتك ، وتحصي أعمالهم بعلمك الذي لا يفوته شيء ، فكلمة ( رقيب ) تفيد السيطرة التامة والهيمنة الكاملة والعلم الشامل الذي يحصي دقائق الأمور فضلاً عن جلائلها ، وصغار الأعمال فضلاً عن كبارها .[102]
فإذا كان هذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يعلم من أحوال الناس شيئا ؛ فكيف بغيره من الأموات ؟
أفيجوز أن يقال أنهم يعلمون أحوال الناس؟! حاشا وكلا .
ومما يدل أيضا على أن الأصل في الأموات عدم السماع والإدراك لما يدور خارج الحياة البرزخية ؛ قوله تعالى عن عزير عليه السلام - وكان نبـياً من أنبـياء بني إسرائيل - }أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيـي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام{ .
فهذا نبـي كريم ، لبث مائة عام ميتاً ، فلم يدر بما يدور حوله البتة ، ولا كم لبث في قبـره ، فكيف يصح أن يقال أن الأموات يسمعون نداء من ناداهم ؟
وقال الشيخ محمد سلطان المعصومي الحنفي رحمه الله في كتابه «المشاهد المعصومية عند قبر خير البرية» :
ومن عرف ما وقع له صلى الله عليه وسلم من أن جرو الكلب الميت كان تحت سريره وهو لا يدري ، فلما تأخر جبريل عليه السلام وبين أن سبب تأخره أن تحت سريره جثة كلب ميت ؛ علم بذلك فأخرجه[103] ، وكذا واقعة خلع نعله في الصلاة[104] ، وكذا واقعة فقد عائشة في السفر عن هودجها[105] ، فهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما غاب عن بصره في حياته إلا إذا أعلمه الله تعالى بالوحي ، فكيف يعلم ما غاب عنه بعد موته وهو في عالم البرزخ ؟
أما يعلم هؤلاء الغلاة أنه حينما ترد طائفة من أمته عن حوضه الكوثر وتطرد فيقول صلى الله عليه وسلم : يا رب ، إن هؤلاء من أمتي ! فيقول الله تعالى : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
فقد صرح الله تعالى بأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما يقع في عالم الدنيا .
فمن يزعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب بعد موته ، أو يُعين من استعان به ، أو يغيث من استغاث به ؛ فقد خالف الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم ، فلا شك أن هذا وأمثاله صار محروما من هداية الله وتوفيقه ورحمته وجنته ، ولكن من كمال جهله ونهاية غلوه لا يشعر بذلك ، فقد أعماه التقليد ، فلعنة الله على من احدث هذه البدع الشركيات ، والخرافات والضلالات ، أعاذنا الله منها بفضله ومنِّه وإحسانه . انتهى باختصار .
وقال أيضا : فالميت أيّا كان قد انقطع عمله في هذه الحياة الدنيا ، وهو لا يعلم ما يقع ويجري في الدنيا من الأعمال والأقوال ولو عند قبره ، لأن روح الميت إما في عليين إن كان من السعداء ، كالأنبياء والمؤمنين المفلحين ، أو في سجين وأسفل السافلين إن كان من المشركين والكفرة والملحدين ، وقد تحولوا عن هذه الدار الدنيا ، ودخلوا في عالم البرزخ ، وحال وحُـكم عالم البرزخ غير حال عالم الدنيا البتة .
ولو فرضنا أنه يعلم بالواقع ، فإنه لا يقدر على الجواب والرد كما تفيده الآيات الصريحة ، فتنبه .
ولا شك أن الميت - أيّاً كان - محتاج إلى رحمة الله تعالى ، ودعاء الأحياء لهم بالرحمة والمغفرة ينفعهم ، وكذا صدقة الأحياء لهم ، فالنتيجة من زيارة القبر حصول العبرة والاعتبار ، وتذكر الموت والآخرة للزائر ، وحصول ثواب الدعاء والصدقة للميت ، وهذا سر الترغيب في زيارة القبور لا غير ، فمن فعل غير ذلك أو اعتقد غير ما قلنا فقد خالف الله ورسوله ، وعكس الأمر كما لا يخفى . انتهى كلامه بتصرف يسير .
وقال الشيخ حافظ الدين محمد بن محمد شهاب المعروف بابن البزاز الكردري الحنفي في « الفتاوى البزّازية» : من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم ؛ يكفر .[106]
والحاصل ، أن من تتبع الكتاب والسنة سيجد من الأدلة ما لا يحصى على أنه لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأموات يعلمون شيئا ، بل إن كل ما آتى الله البشر من قدرات وحواس تعينهم على المعرفة والادراك كالأذن والعين فإنها تتلاشى وتضمحل ، ولا يبقى إلا عجب الذنب - وهو الفقرة الأخيرة في ظهر الإنسان - ، فهل يقال بعد هذا أن الأموات يعلمون أحوال الأحياء ؟ الجواب لا بالطبع ، ومن قال خلاف هذا فقد قال على الله بغير علم .

الوجه السابع عشر : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة القدرة ، فإن المعبودات التي تعبد من دون الله ليست قادرة على نفع عابديها ، لأن تلك المعبودات إن كانت من الأحياء فإنها لا تقدر إلا على فعل ما كان في طاقة البشر ، وهذا يتحصل بدون دعاء ، وإن كانت من الأموات فإنها لا تقدر على شيء البتة ، قال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم }قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله{ ، فإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن دونه لا يملك شيئا من النفع والضر من باب أولى .
وقال تعالى }قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد أن هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران{ .
وقال تعالى }يدعوا من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره ذلك هو الضلال البعيد * يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير{ .
وقال تعالى }قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون{ .
وقال تعالى }والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تـنظرون{ ، أي اجتمعوا أنتم ومن تدعونهم من دون الله على إيقاع السوء بـي من غير إمهال ولا إنظار ، فإنكم لن تستطيعوا شيئا ، لأن ذلك ليس بأيديكم ، بل بـيد الله وحده لا شريك له ، القادر على كل شيء .
فتأمل ما في الآية الأخيرة من التحدي لمن تعلق بغير الله.
وقال ابن جرير رحمـه الله في تفسير قوله تعالى }والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء{ :
والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء ، لأنها لا تعلم شيئا ، ولا تقدر على شيء ، يقول جل ثناؤه لهم : فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، فيجزي محسنكم بالإحسان ، والمسيء بالإساءة ، لا ما لا يقدر على شيء ، ولا يعلم شيئا .[107]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله في تفسير قوله تعالى }والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم{ :
والذم إنما توجه إلى من دعا مَن هذه صفته ، سواء كان بشراً أو ملَكاً أو صنماً ، وهو من لا ينفع من دعاه ، ولا يضر من لم يدعه .[108]
وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى }ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون{ :
أي لا تنفعني شفاعتهم ، )ولا ينقذون( بالنصر والمظاهرة ، }إني إذا لفي ضلال مبين{ ، فإن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل . انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله في معناها : إن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه ، وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضرٍّ لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ، ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر ، فبأي وجه يستحق العبادة ؟ وإني إذاً لفي ضلال مبين إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه .[109]
ومن الأدلة أيضا على عجز المخلوقين ؛ أن النبـي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يدفع الضر عن نفسه في حياته ، فكيف بمن ليس بنبي من الأموات ؟!
ففي غزوة أحد جُرِح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكُسرت رَبَاعيته[110] ، فكانت فاطمة تغسل الدم وعلي يسكب عليها ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها ، ثم ألصقتها بالجرح فاستمسك الدم.[111]
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشُج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: )كيف يفلح قوم شجوا بنبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله( ، فأنـزل الله )ليس لك من الأمر شيء( .[112]
وفي تلك الغزوة جُحِشت ركبته ، أي تقشر جلدها ، وكُسرت البـيضة - أي خوذة الرأس - على رأسه .[113]
فإذا حصل هذا البلاء للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يستطع دفعه وهو حي ، فمن باب أولى لا يصح أن يُقال أنه يستطيع دفع الضر عن غيره وهو في قبره ، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الأموات .
بل هناك ما هو أعظم من ذلك ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر ، سحره لبيد بن الأعصم ، حتى أنه يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله[114] ، ولم يستطع دفع البلاء عن نفسه .
وقد وردت أخبار كثيرة في ربط النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه من الجوع ، فهل يصح بعد هذا أن يطلب الحاجات منه أو ممن هو دونه بعد الموت ؟
بل أعظم من ذلك بكثير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة فكانت سبب وفاته ، فأي ضر دفع عن نفسه قبل أن يأكل ، وأي ضر رفع عن نفسه بعد أن أكل ؟!
فعن جابر بن عبد الله أن يهودية من أهل خيبر سمَّـت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفعوا أيديكم ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها فقال لها : أسممت هذه الشاة ؟
قالت اليهودية : من أخبرك ؟
قال أخبرتني هذه في يدي ، للذراع .
قالت : نعم .
قال : فما أردت إلى ذلك ؟
قالت : قلت إن كان نبيا فلن يضره ، وإن لم يكن استرحنا منه .
فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة .[115]
وقد بـين لنا النبـي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة - حقيقة فقر المخلوقين – بيانا عمليا ، ليزيل من قلوب الناس عقيدة التعلق بالمخلوقات ويخلصوا التعلق بالله عز وجل ، فقد قام صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا حين أنـزل الله عليه ]وأنذر عشيرتك الأقربـين[ فقال : يا معشر قريش – أو كلمة نحوها – ، اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم من الله شيئا .
يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئا .
يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أغني عنك من الله شيئا .
ويا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي ما شئت ، لا أغني عنك من الله شيئا .[116]
فإذا كان سيد المرسلين لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين ، والتي هي أقرب الخلق إليه ، فكيف بمن هو أبعد منها ؟ بل كيف يظن ذلك بمن هو دون النبـي صلى الله عليه وسلم في المنـزلة ؟!
ولما حضرت عمه أبا طالب الوفاة ؛ جاء إليه النبـي صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبـي أمية وأبو جهل فقال صلى الله عليه وسلم لعمه : يا عم : قل لا إلـظ°ه إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبـي صلى الله عليه وسلم فأعادا ، فكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إلـظ°ه إلا الله .[117]
ففي هذين الحديثين رد قوي على من يعتقد أن النبـي صلى الله عليه وسلم يقدر على شيئ من المنافع الأخروية ، حيث أن النبـي صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل الخلق على الإطلاق وأعظمهم عند الله منـزلة وأقربهم إليه وسيلة – لم يقدر على نفع أقرب الناس إليه من قرابة وعشيرة ، فكيف يظن ذلك بمن هو دون النبـي صلى الله عليه وسلم كالصالحين ونحوهم ؟
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمـه الله : من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عُبد مع الله ، فإن جميع ما يُعبد من مَلَك وبشر ، ومن شجر وحجر وغيرها ، كلهم فقراء إلى الله ، عاجزون ، ليس بـيدهم من النفع مثقال ذرة ، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق ، وهو الرازق لكل مرزوق ، المدبر للأمور كلها ، الضار النافع ، المعطي المانع ، الذي بـيده ملكوت كل شيء ، وإليه يَرجع كل شيء ، وله يَقصِد ويَصمِد[118] ويخضع كل شيء ، فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله ؟ فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق ، وعلى بطلان الشرك .
وإذا كان أشرف الخلق على الإطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحمة فكيف بغيره ؟ فتبا لمن أشرك بالله وساوى به أحداً من المخلوقين ، لقد سلب عقله بعدما سلب دينه .[119]
ومما يستدل به أيضا في هذا المقام – مقام إثبات عجز المخلوقين - قوله تعالى }قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا{ .[120]
قال ابن جرير رحمه الله : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خَـلقِه : ادعو أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضر يـنـزل بكم ، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم ، أو تحويله عنكم إلى غيركم ، فتدعوهم آلهة ؟ فإنهم لا يقدرون على ذلك ، ولا يملكونه ، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم . انتهى .
قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية :
يقول تعالى : قل للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله ، ويدعونهم كما يدعونه ، ملزِما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين : ادعوا الذين زعمتم آلهة من دون الله ، فانظروا هل ينفعونكم أو يدفعون عنكم الضر ، فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم من مرض أو فقر أو شدة ونحو ذلك ، فلا يدفعونه بالكلية ، ولا يملكون أيضا تحويله من شخص إلى آخر ، ومن شدة إلى ما دونها ، فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله ؟ فإنهم لا كمال لهم ، ولا فعال نافعة ، فاتخاذهم نقص في الدين والعقل ، وسفه في الرأي .
ومن العجب أن السفه عند الاعتياد والممارسة وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول يراه صاحبه هو الرأي السديد والعقل المفيد ، ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد الكامل المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة هو السفه والأمر المتعجب منه ، كما قال المشركون )أجعل الآلهة إلـظ°ها واحدا إن هذا لشيء عجاب( .[121]
وقال الشوكاني في « فتح القدير » :
)فلا يملكون كشف الضر عنكم( ، أي لا يستطيعون ذلك ، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضر ، وعلى تحويله من حال إلى حال ، ومن مكان إلى مكان ، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة ، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار فقال )أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة( .
وقد أوضح الله لنا أتم إيضاح وبين أحسن بيان هذه الحقيقة – أي حقيقة عجز المخلوقين - في قوله تعالى }قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تـنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له{ ، فكل ما يعبد من دون لا يستقل بملك شيء ، ولا يشاركه فيه ، ولا يعين الله في تدبـير شيء من شئون الكون ، ولا يشفع لأحد يوم القيامة إلا بإذن الله ، ومن كانت هذه حاله فإن دعاؤه وطلب الحاجات منه من أسفه السفه وأبطل الباطل .
قال ابن القيم رحمه الله :
المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ، ولا عطاء ولا منع ، ولا هدى ولا ضلال ، ولا نـصر ولا خذلان ، ولا خفض ولا رفع ، ولا عز ولا ذل ، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله ، قال تعالى ]الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا[[122] ، وقال تعالى ]وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم[[123] ، وقال تعالى ]إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده[[124] الآية ، وقال تعالى عن صاحب يــس ]ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون[[125] ، وقال تعالى ]يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إلـظ°ه إلا هو فأنى تؤفكون[126][ ، وقال تعالى ]أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور . أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجو في عتو ونفور[[127] ، فجمع سبحانه بين النصر والرزق ، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه وينصره ، ويجلب له منافعه ويرزقه ، فلا بد له من ناصر ورازق ، والله وحده هو الذي ينصر ويرزق ، فهو الرزاق ذو القوة المتين ، ومن كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يدفعه عنه غيره ، وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه .
ويُـذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : (أدرك لي لطيف الفطنة وخفِي اللطف ، فإني أحب ذلك .
قال : يا رب ، وما لطيف الفطنة ؟
قال : إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أنا أوقعتها ، فسلني أرفعها .
قال : وما خفي اللطف ؟
قال : إذا أتتك حبة فاعلم أني ذكرتك بها) .
وقد قال تـعالى عن السحرة ]وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله[[128] ، فهـو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلَـؤه[129] .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبـرنا معمر قال : سمعت وهباً يقول : قال الله تعالى في بعض كتبه : بعزتي ، إنه من اعتصم بي ، فإن كادته السماوات بمن فيهن ، والأرضون بمن فيهن ؛ فإني أجعل له من ذلك مخرجا ، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء ، وأخسف به من تحت قدميه الأرض ، فأجعله في الهواء ، ثم أكِـله إلى نفسه ، كفي لعبدي ملآى ، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني ، وأستجيب له قبل أن يدعوني ، فأنا أعلم بحاجته التي تَـرفق به منه .
قال أحمد : وحدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو سعيد المؤدِّب ، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال : لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت له : حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجِـز .
قال : نعم ، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام : يا داود ، أما وعزتي وعظمتي ، لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ؛ إلا جعلت له من بينهن مخرجا ، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته ؛ إلا قطعت أسباب السماء من يده ، وأسخت[130] الأرض من تحت قدميه ، ثم لا أبالي بأي واد هلك .[131]



فصل
ومن طريف ما يُمثل به في باب عجز المخلوقين ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله حيث قال:
لو أن ملِكاً أتاه مظلوم فسأله وسأل عبده أيضا - المملوك له العاجز - ليردَّا له مظلمته ، هل يُـجوِّزه العقل ؟
أو لو أن غنياً كريماً ينفق من أصناف المال ، وله مملوك لا يقدر على شيء ، فجاء محتاج فطلب المملوك العاجز وترك الغني ، هل يجوِّزه العقل ؟
وهل يرضى أحد أن يساوي مملوكه معه في حقه ؟
أو لو أن ملكاً قاهراً له عبيد لا يقدرون على شيء ، ثم يلوذ أحد العبيد بعبد مثله عاجز ، ويدع الملك القادر ، هل يجوزه العقل ؟
ولو أن شخصاً مر على مقبرة ومعه دابة فوقعت في حفرة ، فنادى أهل القبور : يا فلان ، يا فلان ، أعينوني على دابتي ، وعنده رجل حي قوي تركه ولم يدْعُه ، هل يجوزه العقل ؟ ونحو ذلك من الأمثلة المعروفة في حق العاجز المملوك مع القادر ، بل كل عاقل يضحك منه ويقبحه ويوبخه ، وإذا كان هذا يُستقبح من مخلوق يترك مخلوقاً أقدر ، فكيف بمن ترك الحي القيوم القادر الذي بيده ملكوت كل شيء ، ودعا في كشف الكربات وإغاثة اللهفات من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ؟[132]
وقال أيضا رحمه الله مناصحا أحد من قرروا دعاء غير الله :
فإن قلت : هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب إذا دعوته أنا ؛ فهذا إن كان حياً حاضراً وسألته أن يدعو الله لك ، وأما الميت - نبياً كان أو غيره - فسَفهٌ وتيهٌ أن تدعوهم وقد ذهبت حواسهم وخرجوا من الدنيا ، وارتفعت أرواحهم إلى الجنان ، أو ما شاء الله ، وفارقت أبدانهم ، وتدَع الحي القيوم .[133]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
ومن العجيب أنه لو جاء إنسان إلى ميت على وجه الأرض شهيداً أو غيره يطلب منه أن يدعو له فضلاً أن يطلب منه أن ينصره على عدوه أو يكسوه لقال الناس : هذا مجنون ، فإذا صار رميماً في بطن الأرض زين لهم الشيطان ودعاة الضلال من الإنس الإستغاثة به وطلب الحاجات منه .
والعامي السليم الفطرة يعلم بطلان هذا بفطرته ، كما حُكي لنا أن رجلاً من أهل مكة يُنسب إلى علم قال لرجل عامي من أهل نجد : أنتم ما للأولياء عندكم قدْر ، والله يقول في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
قال له العامي : هل قال يَرزقُون - يعني بفتح الياء - أو قال : يُرزَقون - يعني بالضم - ؟ فإن كان يعني بالفتح فأنا أطلب منهم ، فإن كان يعني بالضم فأنا أطلب من الذي يرزقهم .
فقال المكي : حِجاجكم كثيرة ، وسكت .[134]

الوجه الثامن عشر : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة الملك ، وبيان ذلك أن المعبودات التي تُعبد من دون الله لا تستقل بملك شيء ولو كان حقيراً ، فكيف يصح طلب الأشياء منها ؟ قال تعالى }والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير{ ، والقطمير هو الغشاء الرقيق الذي يحيط بنواة التمر ، أما الله تعالى فيملك الكون ملكا مطلقا ، كما قال تعالى ]ولله ملك السماوات والأرض[ ، وقال تعالى ]تبارك الذي بيده الملك[ .
ومن الأدلة على نفي الملك عما سوى الله قوله تعالى في سورة سبأ )قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما له فيهما من شرك( ، أي لا يملك أحد مع الله شيء استقلالا ولا مشاركة ، بل كل شيء لله تعالى ، أما المخلوقين فملكهم قاصر ومؤقت ومحدود ، أي محدود على تملكوه فقط من بيت وسيارة ونحوه ، ومؤقت لكون ما يملكه الإنسان ينتقل بعد وفاته للورثة ، ثم لا ينسب له شيء بعد ذلك البتة ، وقاصر لأنه لا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بحدود ما ورد في الشرع ، فلو أراد الإنسان أن يحرق بيته مثلا لكان هذا حراما عليه ، ولو أراد أن يضرب عبده بدون سبب لكان هذا حراما عليه ، أما الله فيتصرف في ملكه كما يشاء ، ولا يكون هذا نقصا في حقه ، من إحداث زلازل وفيضانات ، وإغناء فقير وإفقار غني ، ]لا يسأل عما يفعل وهم يسألون[ ، وكل هذا لحكمة يعلمها الله عز وجل .
فالله له الأولى والآخرة ، وله ميراث السماوات والأرض ، سبحانه وتعالى .
ومما يُستدل به على فقر المخلوقين ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغنِ أحدا ممن جاءه يطلبه مع شديد حاجتهم ، وهو النبي المؤيد من ربه ، الشفيق على أمته ، فطلب الأشياء ممن هم دون النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة باطل من باب أولى .
فقد أتاه بعض الصحابة في غزوة تبوك ليحملهم ، فلم يجد ما يحملهم عليه من الدواب ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع ألا يجدوا ما ينفقون من مالٍ لشراء دابة تحملهم للغزو ، قال تعالى في حقهم ï´؟ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقونï´¾ .[135]
وعن أبي موسى الأشعري قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله[136] ، فقال : والله لا أحملكم ، وما عندي ما أحملكم عليه ، قال : فلبثنا ما شاء الله ، ثم أُتي بإبـل ، فأمر لنا بثلاث ذودٍ غرِّ الذَرى[137] ، فلما انطلقنا قلنا – أو قال بعضنا لبعض - : لا يبارك الله لنا ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا ، فأتوه فأخبروه فقال : ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم .[138]
وقال تعالى )إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق([139] ، فنكَّر الرزق أولا ، ثم عرَّفه ثانيا ، فدلت الأولى على نفي أن يكون شيء من تلك المعبودات يملك شيئا من الرزق ولو حقيرا ، لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وعرف الرزق في الثانية ، أي ابتغوا عند الله الرزق كله ، فالله هو الرازق وحده دون ما سواه .
وقال ابن القيم رحمه الله :
الله سبحانه غني كريم ، عزيز رحيم ، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه ، يريد به الخير ، ويكشف عنه الضر ، لا لجلب منفعة إليه من العبد ، ولا لدفع مضرة ، بل رحمة مـنه وإحسانا ، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا يتعزز بهم من ذلة ، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه ، كما قال تعالى )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين([140] ، وقال تعالى )وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبـره تكبيرا([141] .
فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل كما يوالي المخلوق المخلوق ، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم ، وأما العباد فإنهم كما قال الله تعالى )والله الغني وأنتم الفقراء([142] ، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلا أو آجلا ، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه ، فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه ، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه ، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل ، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء ومُعاوض بإحسانه ، أو لتوقع حمده وشكره ، فهو أيضا إنما أحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح ، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير ، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة ، فهو أيضا محسن إلى نفسـه بذلك ، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته ، فهو غير ملوم في هذا القصد ، فإنه فقير محتاج ، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته ، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه[143] ، وقال تعالى )إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم([144] ، وقال تعالى )وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون([145] .
وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم :
يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .[146]
فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول ، بل إنما يقصد انتفاعه بك ، والرب تعالى إنما يريد نفعك لا لانتفاعه به ، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة ، بخلاف إرادة المخلوق نفعك ؛ فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته .
فتدبـر هذا ، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل ، أو تطلب منه نفعا أو دفعا أو تُعلق قلبك به ، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك ، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض ، وهو حال الولد مع والده ، والزوج مع زوجه ، والمملوك مع سيده ، والشريك مع شريكه ، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم ، وأحسن إليهم لله تعالى ، وخاف الله تعالى فيهم ولم يخفهم مع الله تعالى ، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم ولم يرجهم مع الله ، وأحبهم لحب الله ولم يحبهم مع الله تعالى ، كما قال أولياء الله عز وجل )إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا([147].[148]
فإذا تقرر لدينا فقر المخلوقين ، فكيف يصح أن تطلب منهم الحاجات ، ويترك دعاء الغني الذي بيده ملكوت السماوات والأرض ؟
وقد وصف الله نفسه بأنه الغني الرزاق الوهاب المنعم الباسط الجواد المحسن الكريم المعطي النافع المقيت[149] الصمد[150] المنان المرجو المرغوب القادر المدبر القيوم – أي الذي يقوم به أمر السماوات والأرض – فمن توجه لمخلوق مثله ، لم يتصف بواحدة من هذه الصفات ، وطلب منه حاجاته ، وترك من له الأسماء الحسنى والصفات العلى ؛ فهذا قد باع نفسه وعبد هواه .

الوجه التاسع عشر : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة الخلق ؛ فإن الله تعالى خالق كل شيء ، وهو الذي أوجد خلقه وأبرزهم من العدم ، أما المعبودات التي تعبد من دون الله فلا تستطيع أن تخلق شيئا ولو حقيراً ، فدعاؤهم والتعلق بهم باطل إذن ، قال تعالى }أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ما تسرون وما تعلنون * والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون{[151].
وضرب الله تعالى مثلا في آخر سورة الحج فقال ]يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب[ .
وقد احتج إلياس عليه السلام على قومه بهذا الدليل العقلي ، أي دليل عدم القدرة على الخلق ، على بطلان دعاء غير الله ، قال تعالى حكاية عنه ]أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائـكم الأولين[ ، و « بعل » هو اسم صنم كانوا يعبدونه .
وهذا الدليل ظاهر بحمد الله .

الوجه العشرون : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة التدبير ، فإن جميع ما يعبد من دون الله لا يدبر شيئا في السماوات أو الأرض ، بل المدبر والمؤثر هو الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى ]لله الأمر من قبل ومن بعد[ ، وقد نفى الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون له من تدبير الأمر شيء ، فقال ]ليس لك من الأمر شيء[ ، فكيف بمن دون النبي صلى الله عليه وسلم ؟!
وقد ثبت في سبب نـزول قوله تعالى ]قل إن الأمر كله لله[ أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت على بعض الأحياء من العرب ودعا عليهم باللعنة ، فأرشده الله إلى أن الأمر كله بيد الله سبحانه ، فقد يستجيب الله دعاءه فيلعنهم ، وقد يتوب عليهم ، ففي صحيح البخاري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول : اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا ، فأنـزل الله ]ليس لك من الأمر شيء[ إلى قوله ]فإنهم ظالمون[ .[152]
وفي رواية لأحمد أنه كان يلعن الحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، فتاب الله عليهم كلهم .[153]
ولفظ ابن جرير : وهداهم الله للإسلام .[154]
قال ابن كثير : اعترضَ بجملةٍ دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له ، فقال تعالى ]ليس لك من الأمر شيء[ ، أي : بل الأمر كله إلـي . انتهى .
ثم قال الله بعدها ]ولله ما في السماوات وما في الأرض[ ، قال ابن كثير رحمه الله :
أي : الجميع ملك له ، وأهلها عبيد بين يديه ، ]يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء[ ، أي : هو المتصرف فلا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . انتهى .
وقال الشيخ صنع الله بن صنع الله الحنفي في رده على من يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات ، وبهم تكشف المهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ، قال رحمه الله :
فأما قولهم : إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم فيرده قوله تعالى ]أءله مع الله[ ، ]ألا له الخلق والأمر[ ، ]له ملك السماوات والأرض[ ، ونحوه من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق والتدبـير والتصرف والتقدير ، ولا شيء لغيره في شيء بوجه من الوجوه ، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا وإحياء وإماتة وخلقا .
وقد تمدح الرب بانفراده بملكه في آيات كثيرة من كتابه ، كقوله تعالى ]والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير[ .
وأما قول من قال بأن للأولياء التصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة ، قال جل ذكره ]إنك ميت وإنهم ميتون[ وقوله ]الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون[ وقال في الحديث : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث . . . الحديث " .
وجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت ، وأن أرواحهم ممسكة ، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان ، فدل على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره بحركة ، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره ؟ فإنه سبحانه يخبر أن الأرواح عنده ، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة ! ]قل أءنتم أعلم أم الله[ .
وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو أعظم من المغالطة ، لأن الكرامات شيء من الله تعالى يكرم به أولياءه وأهل طاعته ، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم ، كما في قصة مريم ابنة عمران وأسيد بن حضير وأبـي مسلم الخولاني .
وأما قولهم (فيستغاث بهم في الشدائد) ؛ فهذا أقبح مما قبله وأبدع ، لمصادرة قوله ]أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله[ ، ]قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر[ ، فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره ، وأنه المنفرد بإجابة المضطر ، وأنه المستغاث به لذلك كله ، وأنه القادر على دفع الضر ، القادر على إيصال الخير ، فهو المتفرد بذلك ، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبـي وولي .
والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه ، كقولهم : يا آل زيد ، يا للمسلمين ، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل .
وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير ، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه ؛ فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره .
وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات ، فمن اعتقد أن لغير الله من نبـي وولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرا ؛ فقد وقع في وادي جهل خطر ، فهو على شفا جرف من السعير .
وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات ؛ فحاشا لله أن تكون أولياء الله تعالى بهذه المثابة ، فهذا ظن أهل الأوثان كما أخبر الرحمن ]ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله[ ، ]ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى[ ، ]أءتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر[ ، فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبـي أو ولي وغيره على وجه الإمداد منهم ؛ شرك مع الله تعالى ، إذ لا قادر على الدفع غيره ، ولا خير إلا خيره .[155] انتهى .

الوجه الحادي والعشرين : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين أنها عاجزة من جهة الرزق ، وقد صرح الله في كتابه بأن جميع النعم والأرزاق منه وحده لا شريك له ، وهو المتفرد بإنعامها على عباده ، فلا يصح إذن أن تُطلب من غيره ، قال تعالى ]وما بكم من نعمة فمن الله[ وقال ]وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه[ وقال ]وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها[ ، فالله سبحانه هو الخالق وهو المالك وهو المعطي حقيقة ، وهو الذي ساق الأرزاق إلى من شاء ومنعها عمن شاء ، فالواجب طلبها منه وحده وعدم طلبها من غيره ، ولهذا قال ]يسأله من السماوات والأرض[ .

خلاصة
وبناء على ما تقدم من وجوه عجز المخلوقين الخمسة ، العجز في العلم والقدرة والتدبير والخلق والملك والرزق ، فإن توجه الداعي لغير الله مستلزم لسوء الظن بالله العظيم ، قال ابن القيم رحمه الله :
الشرك مبني على سوء الظن بالله تعالى ، ولهذا قال إبـراهيم - إمام الحنفاء – عليه السلام لخصمائه من المشركين ]أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم بـرب العالمين[[156] ، وإن كان المعنى : (ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندا ؟) ، فأنت تجد تحت هذا التهديد : (ما ظننتم بـربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره ؟) ، فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبـر أمر العالم معه من وزيرٍ أو ظهيرٍ أو عونٍ ، وهذا من أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته .
وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك .
وإما أن يظن بأنه لا يَعلم حتى يُعلِمه الواسطة .
أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم .
أو لا يكفي عبده وحده .
أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق ، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثُّره به من القلة وتعزُّزه به من الذلة .
أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن تَرفع تلك الحاجات إليه ، كما هو حال ملوك الدنيا ، وهذا أصل شرك الخلق .
أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يَرفع الوسائط ذلك .
أو يظـن أن للمخلوق عليه حقا ، فهو يُقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ، ويتوسل إليه بذلك المخـلوق كما يَتوسل الناس إلى الأكابـر والملوك بمن يَعِـز عليهم ولا يمكنهم مخالفته .
وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به ، فينقُص ويضعُف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه ؛ لكفى في شناعته .
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه ، والتنقص لازم له ضرورةً ، شاء المشرك أم أبى ، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره ، وأن يخلِّـد صاحبه في العذاب الأليم ، ويجعلُه أشقى البـرية ، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه معظم له بذلك .[157]

الوجه الثاني والعشرون : ومن وجوه بطلان دعاء الموتى أن الكتاب والسنة ينصان على أن الميت ليس له اتصال بالدنيا البتة ، بل هو غافل عنها ، سواء كانت روحه في عليين أو كانت في سجين ، فكيف من هذه حاله يجيب الطلبات ويقضي الحاجات ؟!
وعلى هذا فالداعي للميت في الحقيقة لا يدعو شيئا ، وإنما يكلم نفسه!
وحياة المؤمن في قبره لا تقتضي ما تقتضيه الحياة الدنيوية من إدراك بالحواس الخمس ، بل هو في حياة برزخية غيبية ليست من جنس حياة الإنسان في الدنيا ، وهو بكل حال غافل عما يدور في الدنيا قال تعالى }وهم عن دعائهم غافلون{ .

يوسف التازي
15-01-15, 06:27 PM
وقال أيضا : ويقال أيضاً لهذا المـُساوي بين الحي والميت : لو أَعطى إنسان آخر مالاً وقال : أودِعه عند ثقة ، فذهب به الوكيل وأودعه عند قبر رجل صالح كالشيخ عبد القادر وقال : هذا وديعة عندك لفلان ، واستحفَظه إياه فضاع ؛ لعده الناس مجنوناً جنوناً لا يرفع التكليف ، وألزموه بالضمان ، ويلزم هذا الذي ساوى بين الحي والميت أن يقول : هو مصيب فيما فعله ولا ضمان عليه ، وربما أنه لا يلتزم هذا خوفاً من الفضيحة عند الناس ، وحينئذ يقول له الوكيل في الإيداع : أنا ما فرطت على مذهبك في التسوية بين الحي والميت ، لأنك تقول : ما جاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت ، وأنا طلبت من الشيخ عبد القادر حفظ هذه الوديعة وهي حاجتي عنده ، وأنت تُجوز طلب الحاجات من الأموات فكيف تخطئني ؟![89]

فصل في بيان أن دعاء غير الله يستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق

قال ابن القيم رحمه الله :
فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلـٰهية ، فإن من خصائص الإلـٰهية التفرد بملك الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، وذلك يوجب تعليـق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده ، فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق ، وجعل ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فضلاً عن غيره ، شبيهاً لمن له الأمر كله له ، فأزِمَّـة الأمور كلها بيديه ، ومرجعها إليه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، بل إذا فَتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد ، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد ، فمِن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات .
ومن خصائص الإلـٰهية الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده ، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة ، وغاية الذل مع غاية الحب ، كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون له وحده ، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون لغيره ، فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبّه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له ، وذلك أقبح التشبيه وأبطله ، ولشدة قبحه وتضمُّنه غاية الظلم ؛ أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة .
ومن خصائص الإلـٰهية ؛ العبودية التي قامت على ساقين لا قِوام لها بدونهما ؛ غاية الحب مع غاية الذل ، هذا تمام العبودية ، وتفاوُت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين ، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغيره فقد شبهه به في خالص حقه ، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع ، وقبحُه مستقِـرٌ في كل فطرة وعقل ، ولكن غَيّرت الشياطين فِطَر أكثر الخلق وعقولهم ، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها ، ومضى على الفطرة الأولى من سَبقت له من الله الحسنى ، فأرسل إليهم رسله ، وأنـزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم ، فازدادوا بذلك نوراً على نور ، )يهدي الله لنوره من يشاء( .
إذا عُـرف هذا ؛ فمن خصائص الإلـٰهية السجود ، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به .
ومنها التوكل ، فمن توكل على غيره فقد شبهه به .
ومنها التوبة ، فمن تاب لغيره فقد شبهه به .
ومنها الحلِف باسمه تعظيماً وإجلالاً له ، فمن حلف بغيره فقد شبهه به ، هذا في جانب التشبيه .[90]

الوجه التاسع : أن الله عز وجل لا يقبل عملاً دخله الرياء ، لأنه سبحانه وتعالى غني عن أن يكون له شريك ، فيكون الشرك في الدعاء مردود أيضا ، لأن بابهما واحد ، وهو التقرب للمخلوقين ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ .1
وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرياء شرك أصغر ، يحبط العمل الذي خالطه ، فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ .
قَالُوا : وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
قَالَ : الرِّيَاءُ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ :
اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا ، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً .[91]
فإذا كان الرياء شركاً يحبط العمل ؛ فكيف بالدعاء الخالص لغير الله ؟
لا شك أنه أشد خطراً وضرراً .
وإذا كان المرائي يقال له يوم القيامة : (اطلب ثواب عملك ممن عملت لهم) ، فالذي يدعو غير الله يقال له ذلك يوم القيامة ، بل يتبرؤون منه .
نسأل الله العافية من الشرك ، دقيقه وجليله .

الوجه العاشر : أن الله قد صرح في كتابه بأنه لا يستجيب الدعاء إلا الله وحده ، فوجب الإيمان بذلك ، وترك دعاء من لا يستجيب الدعاء ، وإلا كان الراد لهذه الآيات كافرا بها ، قال تعالى ]أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء[ ، وقال )قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون( ، وقوله تعالى )له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبسط فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال( .
فمن قال إن أهل القبور يجيبون دعاء من دعاهم فهو على خطر عظيم ، وهو الكفر بآيات الله ، لأنه لم يصدق بخبر القرآن الناص على أنه لا يجيب الدعاء إلا الله وحده .

الوجه الحادي عشر : ومن أعظم وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو تصريح الله بأن دعاء غيره باطل ، وفي هذا كفاية وشفاء لمن أراد الحق ، وذلك في قولـه تعالى في سورة الحج ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل[[92]، وقوله تعالى في سورة لقمان ]ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل[[93].
أما دعاء الله فقد وصفه الله بأنه حق كما في قوله تعالى )له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال(.

الوجه الثاني عشر : أن الله قد حكم على من دعا غيره أنه لا أضل منه فقال }ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون{ .
قال البيضاوي رحمه الله : هذا إَنكار أن يكون أحدٌ أضل من المشركين ، حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم ، فضلاً أن يعلم سرائرهم ، ويراعي مصالحهم .
)وهم عن دعائهم غافلون( : لأنهم إما جمادات ، وإما عِبادٌ مسخرون مشتغلون بأحوالهم .[94]

الوجه الثالث عشر : أن ترك دعاء الله من أسباب غضب الله ، هذا إذا كان الداعي لا يدعو غير الله إذا دعا ، فكيف بمن يدعو غير الله إذا دعا؟
فعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يسأل الله يغضب عليه .[95]

الوجه الرابع عشر : أن الله توعد من دعا غيره بالنار ، فعن عبد الله بن مسعود قال : قال النبـي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى ، قال النبـي صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار ، وقلت أنا : من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة .[96]
وعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تخرج عنق من النار يوم القيامة ، لها عينان تبصران ، وأذنان تسمعان ، ولسان ينطق ، يقول : إني وُكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلـٰها آخر ، وبالمصورين .[97]
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله ، من النهي والتحذير عن فعله ، وكُفر فاعله ، والوعيد عليه بالخلود في النار ، وقد أُفردت هذه المسألة بالتصنيف ، وحكى الإجماع عليها غير واحد من أهل العلم ، وذكروا أنها من ضروريات الإسلام ؟[98]

الوجه الخامس عشر : أن هؤلاء الذين يدعون الأنبـياء والصالحين يقرون بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق الذي بـيده ملكوت كل شئ ، وهذا يستلزم أن يوحِّدوه بالعبادة كما وحَّدوه بالربوبـية ، والدعاء من أعظم أفراد العبادة .
قال تعالى ]يا أيها الناسُ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تــتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنـزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون[ ، فكما أن الله لا شريك له في ربوبـيته فكذلك لا شريك له في أحقيته وحده بالعبادة ، لأن توحيد الربوبـية يقتضي توحيد الألوهية ويدل عليه .
قال ابن سعدي رحمـه الله : وكثيرا ما يقرن تعالى توحيد الإلـٰهية بتوحيد الربوبـية لأنه دال عليه ، وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة .[99]

الوجه السادس عشر : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة العلم ، وبيان ذلك أن الموتى لا يعلمون شيئا من حاجات الناس ولا أحوالهم ، وقد قرر الله ذلك في مواطن كثيرة من القرآن كقوله تعالى }وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور {.
قال ابن القيم رحمه الله :
العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يُـعَرِّفه الله تعالى إياها ، ولا يَقدر على تحصيلها لك حتى يُقـَدِّره الله تعالى عليها ، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة ، فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه ، وهو الذي بيده الخير كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، فتعلُّـق القلب بغيره رجاءً وخوفاً وتوكلاً وعبوديةً ضررٌ محض لا منفعة فيه ، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذي قدّرها ويسّرها وأوصلها إليك .[100]
وقد أتى التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم شيئا مما سيحصل بعد مماته في حديث الحوض ، فكيف بمن دونه صلى الله عليه وسلم من الموتى ، قال صلى الله عليه وسلم : إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة }كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين{ ، ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ثم يجاء برجال فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح ]وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد[ .[101]
قال الشيخ أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله :
ففي هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم بعد موته شيئاً من أعمالهم ولا أحوالهم ، بل قد كان في حياته شهيداً عليهم بأعمالهم الظاهرة ، والتزامهم العلني بمتابعته أو عدمها ، فلما توفاه الله كان هو وحده الرقيب عليهم والعليم بأحوالهم وأعمالهم .
وبالتأمل يظهر الفرق بين الكلمتين ، أي : كلمة ( الرقيب ) وكلمة ( شهيد ) ، فالمعبّـر بها في حق النبي صلى الله عليه وسلم كلمة (شهيد) وهي مأخوذة من المشاهدة ، وهي الرؤية البصرية ، فقوله : )وكنت عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم( أي : حال حياتي في حال مشاهدتي لهم ، علِمتُ من أحوالهم ما يجعلني أشهد عليهم بما رأيت وسمعت وعلِمت من أحوالهم وسلوكهم ، من إيمان ومتابعة ، أو كفر ومنابذة .
أمّا بعد وفاتي فقد فات ذلك بغيابي عنهم ، ولم يبق إلا علمك بهم ورقابتك عليهم ومشاهدتك لأحوالهم وضمائرهم ونياتهم ، ذلك لأنك على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط ، فهم خلق من خلقك ، ينفذ فيهم أمرك وتحيط بهم قدرتك ورقابتك ، وتحصي أعمالهم بعلمك الذي لا يفوته شيء ، فكلمة ( رقيب ) تفيد السيطرة التامة والهيمنة الكاملة والعلم الشامل الذي يحصي دقائق الأمور فضلاً عن جلائلها ، وصغار الأعمال فضلاً عن كبارها .[102]
فإذا كان هذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يعلم من أحوال الناس شيئا ؛ فكيف بغيره من الأموات ؟
أفيجوز أن يقال أنهم يعلمون أحوال الناس؟! حاشا وكلا .
ومما يدل أيضا على أن الأصل في الأموات عدم السماع والإدراك لما يدور خارج الحياة البرزخية ؛ قوله تعالى عن عزير عليه السلام - وكان نبـياً من أنبـياء بني إسرائيل - }أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيـي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام{ .
فهذا نبـي كريم ، لبث مائة عام ميتاً ، فلم يدر بما يدور حوله البتة ، ولا كم لبث في قبـره ، فكيف يصح أن يقال أن الأموات يسمعون نداء من ناداهم ؟
وقال الشيخ محمد سلطان المعصومي الحنفي رحمه الله في كتابه «المشاهد المعصومية عند قبر خير البرية» :
ومن عرف ما وقع له صلى الله عليه وسلم من أن جرو الكلب الميت كان تحت سريره وهو لا يدري ، فلما تأخر جبريل عليه السلام وبين أن سبب تأخره أن تحت سريره جثة كلب ميت ؛ علم بذلك فأخرجه[103] ، وكذا واقعة خلع نعله في الصلاة[104] ، وكذا واقعة فقد عائشة في السفر عن هودجها[105] ، فهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما غاب عن بصره في حياته إلا إذا أعلمه الله تعالى بالوحي ، فكيف يعلم ما غاب عنه بعد موته وهو في عالم البرزخ ؟
أما يعلم هؤلاء الغلاة أنه حينما ترد طائفة من أمته عن حوضه الكوثر وتطرد فيقول صلى الله عليه وسلم : يا رب ، إن هؤلاء من أمتي ! فيقول الله تعالى : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
فقد صرح الله تعالى بأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما يقع في عالم الدنيا .
فمن يزعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب بعد موته ، أو يُعين من استعان به ، أو يغيث من استغاث به ؛ فقد خالف الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم ، فلا شك أن هذا وأمثاله صار محروما من هداية الله وتوفيقه ورحمته وجنته ، ولكن من كمال جهله ونهاية غلوه لا يشعر بذلك ، فقد أعماه التقليد ، فلعنة الله على من احدث هذه البدع الشركيات ، والخرافات والضلالات ، أعاذنا الله منها بفضله ومنِّه وإحسانه . انتهى باختصار .
وقال أيضا : فالميت أيّا كان قد انقطع عمله في هذه الحياة الدنيا ، وهو لا يعلم ما يقع ويجري في الدنيا من الأعمال والأقوال ولو عند قبره ، لأن روح الميت إما في عليين إن كان من السعداء ، كالأنبياء والمؤمنين المفلحين ، أو في سجين وأسفل السافلين إن كان من المشركين والكفرة والملحدين ، وقد تحولوا عن هذه الدار الدنيا ، ودخلوا في عالم البرزخ ، وحال وحُـكم عالم البرزخ غير حال عالم الدنيا البتة .
ولو فرضنا أنه يعلم بالواقع ، فإنه لا يقدر على الجواب والرد كما تفيده الآيات الصريحة ، فتنبه .
ولا شك أن الميت - أيّاً كان - محتاج إلى رحمة الله تعالى ، ودعاء الأحياء لهم بالرحمة والمغفرة ينفعهم ، وكذا صدقة الأحياء لهم ، فالنتيجة من زيارة القبر حصول العبرة والاعتبار ، وتذكر الموت والآخرة للزائر ، وحصول ثواب الدعاء والصدقة للميت ، وهذا سر الترغيب في زيارة القبور لا غير ، فمن فعل غير ذلك أو اعتقد غير ما قلنا فقد خالف الله ورسوله ، وعكس الأمر كما لا يخفى . انتهى كلامه بتصرف يسير .
وقال الشيخ حافظ الدين محمد بن محمد شهاب المعروف بابن البزاز الكردري الحنفي في « الفتاوى البزّازية» : من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم ؛ يكفر .[106]
والحاصل ، أن من تتبع الكتاب والسنة سيجد من الأدلة ما لا يحصى على أنه لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأموات يعلمون شيئا ، بل إن كل ما آتى الله البشر من قدرات وحواس تعينهم على المعرفة والادراك كالأذن والعين فإنها تتلاشى وتضمحل ، ولا يبقى إلا عجب الذنب - وهو الفقرة الأخيرة في ظهر الإنسان - ، فهل يقال بعد هذا أن الأموات يعلمون أحوال الأحياء ؟ الجواب لا بالطبع ، ومن قال خلاف هذا فقد قال على الله بغير علم .

الوجه السابع عشر : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة القدرة ، فإن المعبودات التي تعبد من دون الله ليست قادرة على نفع عابديها ، لأن تلك المعبودات إن كانت من الأحياء فإنها لا تقدر إلا على فعل ما كان في طاقة البشر ، وهذا يتحصل بدون دعاء ، وإن كانت من الأموات فإنها لا تقدر على شيء البتة ، قال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم }قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله{ ، فإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن دونه لا يملك شيئا من النفع والضر من باب أولى .
وقال تعالى }قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد أن هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران{ .
وقال تعالى }يدعوا من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره ذلك هو الضلال البعيد * يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير{ .
وقال تعالى }قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون{ .
وقال تعالى }والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تـنظرون{ ، أي اجتمعوا أنتم ومن تدعونهم من دون الله على إيقاع السوء بـي من غير إمهال ولا إنظار ، فإنكم لن تستطيعوا شيئا ، لأن ذلك ليس بأيديكم ، بل بـيد الله وحده لا شريك له ، القادر على كل شيء .
فتأمل ما في الآية الأخيرة من التحدي لمن تعلق بغير الله.
وقال ابن جرير رحمـه الله في تفسير قوله تعالى }والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء{ :
والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء ، لأنها لا تعلم شيئا ، ولا تقدر على شيء ، يقول جل ثناؤه لهم : فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، فيجزي محسنكم بالإحسان ، والمسيء بالإساءة ، لا ما لا يقدر على شيء ، ولا يعلم شيئا .[107]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله في تفسير قوله تعالى }والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم{ :
والذم إنما توجه إلى من دعا مَن هذه صفته ، سواء كان بشراً أو ملَكاً أو صنماً ، وهو من لا ينفع من دعاه ، ولا يضر من لم يدعه .[108]
وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى }ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون{ :
أي لا تنفعني شفاعتهم ، )ولا ينقذون( بالنصر والمظاهرة ، }إني إذا لفي ضلال مبين{ ، فإن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل . انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله في معناها : إن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه ، وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضرٍّ لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ، ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر ، فبأي وجه يستحق العبادة ؟ وإني إذاً لفي ضلال مبين إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه .[109]
ومن الأدلة أيضا على عجز المخلوقين ؛ أن النبـي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يدفع الضر عن نفسه في حياته ، فكيف بمن ليس بنبي من الأموات ؟!
ففي غزوة أحد جُرِح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكُسرت رَبَاعيته[110] ، فكانت فاطمة تغسل الدم وعلي يسكب عليها ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها ، ثم ألصقتها بالجرح فاستمسك الدم.[111]
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشُج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: )كيف يفلح قوم شجوا بنبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله( ، فأنـزل الله )ليس لك من الأمر شيء( .[112]
وفي تلك الغزوة جُحِشت ركبته ، أي تقشر جلدها ، وكُسرت البـيضة - أي خوذة الرأس - على رأسه .[113]
فإذا حصل هذا البلاء للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يستطع دفعه وهو حي ، فمن باب أولى لا يصح أن يُقال أنه يستطيع دفع الضر عن غيره وهو في قبره ، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الأموات .
بل هناك ما هو أعظم من ذلك ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر ، سحره لبيد بن الأعصم ، حتى أنه يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله[114] ، ولم يستطع دفع البلاء عن نفسه .
وقد وردت أخبار كثيرة في ربط النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه من الجوع ، فهل يصح بعد هذا أن يطلب الحاجات منه أو ممن هو دونه بعد الموت ؟
بل أعظم من ذلك بكثير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة فكانت سبب وفاته ، فأي ضر دفع عن نفسه قبل أن يأكل ، وأي ضر رفع عن نفسه بعد أن أكل ؟!
فعن جابر بن عبد الله أن يهودية من أهل خيبر سمَّـت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفعوا أيديكم ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها فقال لها : أسممت هذه الشاة ؟
قالت اليهودية : من أخبرك ؟
قال أخبرتني هذه في يدي ، للذراع .
قالت : نعم .
قال : فما أردت إلى ذلك ؟
قالت : قلت إن كان نبيا فلن يضره ، وإن لم يكن استرحنا منه .
فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة .[115]
وقد بـين لنا النبـي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة - حقيقة فقر المخلوقين – بيانا عمليا ، ليزيل من قلوب الناس عقيدة التعلق بالمخلوقات ويخلصوا التعلق بالله عز وجل ، فقد قام صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا حين أنـزل الله عليه ]وأنذر عشيرتك الأقربـين[ فقال : يا معشر قريش – أو كلمة نحوها – ، اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم من الله شيئا .
يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئا .
يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أغني عنك من الله شيئا .
ويا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي ما شئت ، لا أغني عنك من الله شيئا .[116]
فإذا كان سيد المرسلين لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين ، والتي هي أقرب الخلق إليه ، فكيف بمن هو أبعد منها ؟ بل كيف يظن ذلك بمن هو دون النبـي صلى الله عليه وسلم في المنـزلة ؟!
ولما حضرت عمه أبا طالب الوفاة ؛ جاء إليه النبـي صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبـي أمية وأبو جهل فقال صلى الله عليه وسلم لعمه : يا عم : قل لا إلـٰه إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبـي صلى الله عليه وسلم فأعادا ، فكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إلـٰه إلا الله .[117]
ففي هذين الحديثين رد قوي على من يعتقد أن النبـي صلى الله عليه وسلم يقدر على شيئ من المنافع الأخروية ، حيث أن النبـي صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل الخلق على الإطلاق وأعظمهم عند الله منـزلة وأقربهم إليه وسيلة – لم يقدر على نفع أقرب الناس إليه من قرابة وعشيرة ، فكيف يظن ذلك بمن هو دون النبـي صلى الله عليه وسلم كالصالحين ونحوهم ؟
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمـه الله : من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عُبد مع الله ، فإن جميع ما يُعبد من مَلَك وبشر ، ومن شجر وحجر وغيرها ، كلهم فقراء إلى الله ، عاجزون ، ليس بـيدهم من النفع مثقال ذرة ، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق ، وهو الرازق لكل مرزوق ، المدبر للأمور كلها ، الضار النافع ، المعطي المانع ، الذي بـيده ملكوت كل شيء ، وإليه يَرجع كل شيء ، وله يَقصِد ويَصمِد[118] ويخضع كل شيء ، فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله ؟ فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق ، وعلى بطلان الشرك .
وإذا كان أشرف الخلق على الإطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحمة فكيف بغيره ؟ فتبا لمن أشرك بالله وساوى به أحداً من المخلوقين ، لقد سلب عقله بعدما سلب دينه .[119]
ومما يستدل به أيضا في هذا المقام – مقام إثبات عجز المخلوقين - قوله تعالى }قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا{ .[120]
قال ابن جرير رحمه الله : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خَـلقِه : ادعو أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضر يـنـزل بكم ، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم ، أو تحويله عنكم إلى غيركم ، فتدعوهم آلهة ؟ فإنهم لا يقدرون على ذلك ، ولا يملكونه ، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم . انتهى .
قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية :
يقول تعالى : قل للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله ، ويدعونهم كما يدعونه ، ملزِما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين : ادعوا الذين زعمتم آلهة من دون الله ، فانظروا هل ينفعونكم أو يدفعون عنكم الضر ، فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم من مرض أو فقر أو شدة ونحو ذلك ، فلا يدفعونه بالكلية ، ولا يملكون أيضا تحويله من شخص إلى آخر ، ومن شدة إلى ما دونها ، فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله ؟ فإنهم لا كمال لهم ، ولا فعال نافعة ، فاتخاذهم نقص في الدين والعقل ، وسفه في الرأي .
ومن العجب أن السفه عند الاعتياد والممارسة وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول يراه صاحبه هو الرأي السديد والعقل المفيد ، ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد الكامل المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة هو السفه والأمر المتعجب منه ، كما قال المشركون )أجعل الآلهة إلـٰها واحدا إن هذا لشيء عجاب( .[121]
وقال الشوكاني في « فتح القدير » :
)فلا يملكون كشف الضر عنكم( ، أي لا يستطيعون ذلك ، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضر ، وعلى تحويله من حال إلى حال ، ومن مكان إلى مكان ، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة ، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار فقال )أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة( .
وقد أوضح الله لنا أتم إيضاح وبين أحسن بيان هذه الحقيقة – أي حقيقة عجز المخلوقين - في قوله تعالى }قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تـنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له{ ، فكل ما يعبد من دون لا يستقل بملك شيء ، ولا يشاركه فيه ، ولا يعين الله في تدبـير شيء من شئون الكون ، ولا يشفع لأحد يوم القيامة إلا بإذن الله ، ومن كانت هذه حاله فإن دعاؤه وطلب الحاجات منه من أسفه السفه وأبطل الباطل .
قال ابن القيم رحمه الله :
المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ، ولا عطاء ولا منع ، ولا هدى ولا ضلال ، ولا نـصر ولا خذلان ، ولا خفض ولا رفع ، ولا عز ولا ذل ، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله ، قال تعالى ]الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا[[122] ، وقال تعالى ]وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم[[123] ، وقال تعالى ]إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده[[124] الآية ، وقال تعالى عن صاحب يــس ]ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون[[125] ، وقال تعالى ]يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إلـٰه إلا هو فأنى تؤفكون[126][ ، وقال تعالى ]أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور . أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجو في عتو ونفور[[127] ، فجمع سبحانه بين النصر والرزق ، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه وينصره ، ويجلب له منافعه ويرزقه ، فلا بد له من ناصر ورازق ، والله وحده هو الذي ينصر ويرزق ، فهو الرزاق ذو القوة المتين ، ومن كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يدفعه عنه غيره ، وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه .
ويُـذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : (أدرك لي لطيف الفطنة وخفِي اللطف ، فإني أحب ذلك .
قال : يا رب ، وما لطيف الفطنة ؟
قال : إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أنا أوقعتها ، فسلني أرفعها .
قال : وما خفي اللطف ؟
قال : إذا أتتك حبة فاعلم أني ذكرتك بها) .
وقد قال تـعالى عن السحرة ]وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله[[128] ، فهـو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلَـؤه[129] .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبـرنا معمر قال : سمعت وهباً يقول : قال الله تعالى في بعض كتبه : بعزتي ، إنه من اعتصم بي ، فإن كادته السماوات بمن فيهن ، والأرضون بمن فيهن ؛ فإني أجعل له من ذلك مخرجا ، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء ، وأخسف به من تحت قدميه الأرض ، فأجعله في الهواء ، ثم أكِـله إلى نفسه ، كفي لعبدي ملآى ، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني ، وأستجيب له قبل أن يدعوني ، فأنا أعلم بحاجته التي تَـرفق به منه .
قال أحمد : وحدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو سعيد المؤدِّب ، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال : لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت له : حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجِـز .
قال : نعم ، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام : يا داود ، أما وعزتي وعظمتي ، لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ؛ إلا جعلت له من بينهن مخرجا ، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته ؛ إلا قطعت أسباب السماء من يده ، وأسخت[130] الأرض من تحت قدميه ، ثم لا أبالي بأي واد هلك .[131]



فصل
ومن طريف ما يُمثل به في باب عجز المخلوقين ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله حيث قال:
لو أن ملِكاً أتاه مظلوم فسأله وسأل عبده أيضا - المملوك له العاجز - ليردَّا له مظلمته ، هل يُـجوِّزه العقل ؟
أو لو أن غنياً كريماً ينفق من أصناف المال ، وله مملوك لا يقدر على شيء ، فجاء محتاج فطلب المملوك العاجز وترك الغني ، هل يجوِّزه العقل ؟
وهل يرضى أحد أن يساوي مملوكه معه في حقه ؟
أو لو أن ملكاً قاهراً له عبيد لا يقدرون على شيء ، ثم يلوذ أحد العبيد بعبد مثله عاجز ، ويدع الملك القادر ، هل يجوزه العقل ؟
ولو أن شخصاً مر على مقبرة ومعه دابة فوقعت في حفرة ، فنادى أهل القبور : يا فلان ، يا فلان ، أعينوني على دابتي ، وعنده رجل حي قوي تركه ولم يدْعُه ، هل يجوزه العقل ؟ ونحو ذلك من الأمثلة المعروفة في حق العاجز المملوك مع القادر ، بل كل عاقل يضحك منه ويقبحه ويوبخه ، وإذا كان هذا يُستقبح من مخلوق يترك مخلوقاً أقدر ، فكيف بمن ترك الحي القيوم القادر الذي بيده ملكوت كل شيء ، ودعا في كشف الكربات وإغاثة اللهفات من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ؟[132]
وقال أيضا رحمه الله مناصحا أحد من قرروا دعاء غير الله :
فإن قلت : هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب إذا دعوته أنا ؛ فهذا إن كان حياً حاضراً وسألته أن يدعو الله لك ، وأما الميت - نبياً كان أو غيره - فسَفهٌ وتيهٌ أن تدعوهم وقد ذهبت حواسهم وخرجوا من الدنيا ، وارتفعت أرواحهم إلى الجنان ، أو ما شاء الله ، وفارقت أبدانهم ، وتدَع الحي القيوم .[133]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
ومن العجيب أنه لو جاء إنسان إلى ميت على وجه الأرض شهيداً أو غيره يطلب منه أن يدعو له فضلاً أن يطلب منه أن ينصره على عدوه أو يكسوه لقال الناس : هذا مجنون ، فإذا صار رميماً في بطن الأرض زين لهم الشيطان ودعاة الضلال من الإنس الإستغاثة به وطلب الحاجات منه .
والعامي السليم الفطرة يعلم بطلان هذا بفطرته ، كما حُكي لنا أن رجلاً من أهل مكة يُنسب إلى علم قال لرجل عامي من أهل نجد : أنتم ما للأولياء عندكم قدْر ، والله يقول في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
قال له العامي : هل قال يَرزقُون - يعني بفتح الياء - أو قال : يُرزَقون - يعني بالضم - ؟ فإن كان يعني بالفتح فأنا أطلب منهم ، فإن كان يعني بالضم فأنا أطلب من الذي يرزقهم .
فقال المكي : حِجاجكم كثيرة ، وسكت .[134]

الوجه الثامن عشر : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة الملك ، وبيان ذلك أن المعبودات التي تُعبد من دون الله لا تستقل بملك شيء ولو كان حقيراً ، فكيف يصح طلب الأشياء منها ؟ قال تعالى }والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير{ ، والقطمير هو الغشاء الرقيق الذي يحيط بنواة التمر ، أما الله تعالى فيملك الكون ملكا مطلقا ، كما قال تعالى ]ولله ملك السماوات والأرض[ ، وقال تعالى ]تبارك الذي بيده الملك[ .
ومن الأدلة على نفي الملك عما سوى الله قوله تعالى في سورة سبأ )قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما له فيهما من شرك( ، أي لا يملك أحد مع الله شيء استقلالا ولا مشاركة ، بل كل شيء لله تعالى ، أما المخلوقين فملكهم قاصر ومؤقت ومحدود ، أي محدود على تملكوه فقط من بيت وسيارة ونحوه ، ومؤقت لكون ما يملكه الإنسان ينتقل بعد وفاته للورثة ، ثم لا ينسب له شيء بعد ذلك البتة ، وقاصر لأنه لا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بحدود ما ورد في الشرع ، فلو أراد الإنسان أن يحرق بيته مثلا لكان هذا حراما عليه ، ولو أراد أن يضرب عبده بدون سبب لكان هذا حراما عليه ، أما الله فيتصرف في ملكه كما يشاء ، ولا يكون هذا نقصا في حقه ، من إحداث زلازل وفيضانات ، وإغناء فقير وإفقار غني ، ]لا يسأل عما يفعل وهم يسألون[ ، وكل هذا لحكمة يعلمها الله عز وجل .
فالله له الأولى والآخرة ، وله ميراث السماوات والأرض ، سبحانه وتعالى .
ومما يُستدل به على فقر المخلوقين ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغنِ أحدا ممن جاءه يطلبه مع شديد حاجتهم ، وهو النبي المؤيد من ربه ، الشفيق على أمته ، فطلب الأشياء ممن هم دون النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة باطل من باب أولى .
فقد أتاه بعض الصحابة في غزوة تبوك ليحملهم ، فلم يجد ما يحملهم عليه من الدواب ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع ألا يجدوا ما ينفقون من مالٍ لشراء دابة تحملهم للغزو ، قال تعالى في حقهم ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون﴾ .[135]
وعن أبي موسى الأشعري قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله[136] ، فقال : والله لا أحملكم ، وما عندي ما أحملكم عليه ، قال : فلبثنا ما شاء الله ، ثم أُتي بإبـل ، فأمر لنا بثلاث ذودٍ غرِّ الذَرى[137] ، فلما انطلقنا قلنا – أو قال بعضنا لبعض - : لا يبارك الله لنا ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا ، فأتوه فأخبروه فقال : ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم .[138]
وقال تعالى )إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق([139] ، فنكَّر الرزق أولا ، ثم عرَّفه ثانيا ، فدلت الأولى على نفي أن يكون شيء من تلك المعبودات يملك شيئا من الرزق ولو حقيرا ، لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وعرف الرزق في الثانية ، أي ابتغوا عند الله الرزق كله ، فالله هو الرازق وحده دون ما سواه .
وقال ابن القيم رحمه الله :
الله سبحانه غني كريم ، عزيز رحيم ، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه ، يريد به الخير ، ويكشف عنه الضر ، لا لجلب منفعة إليه من العبد ، ولا لدفع مضرة ، بل رحمة مـنه وإحسانا ، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا يتعزز بهم من ذلة ، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه ، كما قال تعالى )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين([140] ، وقال تعالى )وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبـره تكبيرا([141] .
فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل كما يوالي المخلوق المخلوق ، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم ، وأما العباد فإنهم كما قال الله تعالى )والله الغني وأنتم الفقراء([142] ، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلا أو آجلا ، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه ، فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه ، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه ، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل ، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء ومُعاوض بإحسانه ، أو لتوقع حمده وشكره ، فهو أيضا إنما أحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح ، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير ، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة ، فهو أيضا محسن إلى نفسـه بذلك ، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته ، فهو غير ملوم في هذا القصد ، فإنه فقير محتاج ، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته ، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه[143] ، وقال تعالى )إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم([144] ، وقال تعالى )وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون([145] .
وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم :
يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .[146]
فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول ، بل إنما يقصد انتفاعه بك ، والرب تعالى إنما يريد نفعك لا لانتفاعه به ، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة ، بخلاف إرادة المخلوق نفعك ؛ فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته .
فتدبـر هذا ، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل ، أو تطلب منه نفعا أو دفعا أو تُعلق قلبك به ، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك ، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض ، وهو حال الولد مع والده ، والزوج مع زوجه ، والمملوك مع سيده ، والشريك مع شريكه ، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم ، وأحسن إليهم لله تعالى ، وخاف الله تعالى فيهم ولم يخفهم مع الله تعالى ، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم ولم يرجهم مع الله ، وأحبهم لحب الله ولم يحبهم مع الله تعالى ، كما قال أولياء الله عز وجل )إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا([147].[148]
فإذا تقرر لدينا فقر المخلوقين ، فكيف يصح أن تطلب منهم الحاجات ، ويترك دعاء الغني الذي بيده ملكوت السماوات والأرض ؟
وقد وصف الله نفسه بأنه الغني الرزاق الوهاب المنعم الباسط الجواد المحسن الكريم المعطي النافع المقيت[149] الصمد[150] المنان المرجو المرغوب القادر المدبر القيوم – أي الذي يقوم به أمر السماوات والأرض – فمن توجه لمخلوق مثله ، لم يتصف بواحدة من هذه الصفات ، وطلب منه حاجاته ، وترك من له الأسماء الحسنى والصفات العلى ؛ فهذا قد باع نفسه وعبد هواه .

الوجه التاسع عشر : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة الخلق ؛ فإن الله تعالى خالق كل شيء ، وهو الذي أوجد خلقه وأبرزهم من العدم ، أما المعبودات التي تعبد من دون الله فلا تستطيع أن تخلق شيئا ولو حقيراً ، فدعاؤهم والتعلق بهم باطل إذن ، قال تعالى }أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ما تسرون وما تعلنون * والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون{[151].
وضرب الله تعالى مثلا في آخر سورة الحج فقال ]يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب[ .
وقد احتج إلياس عليه السلام على قومه بهذا الدليل العقلي ، أي دليل عدم القدرة على الخلق ، على بطلان دعاء غير الله ، قال تعالى حكاية عنه ]أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائـكم الأولين[ ، و « بعل » هو اسم صنم كانوا يعبدونه .
وهذا الدليل ظاهر بحمد الله .

الوجه العشرون : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة التدبير ، فإن جميع ما يعبد من دون الله لا يدبر شيئا في السماوات أو الأرض ، بل المدبر والمؤثر هو الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى ]لله الأمر من قبل ومن بعد[ ، وقد نفى الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون له من تدبير الأمر شيء ، فقال ]ليس لك من الأمر شيء[ ، فكيف بمن دون النبي صلى الله عليه وسلم ؟!
وقد ثبت في سبب نـزول قوله تعالى ]قل إن الأمر كله لله[ أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت على بعض الأحياء من العرب ودعا عليهم باللعنة ، فأرشده الله إلى أن الأمر كله بيد الله سبحانه ، فقد يستجيب الله دعاءه فيلعنهم ، وقد يتوب عليهم ، ففي صحيح البخاري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول : اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا ، فأنـزل الله ]ليس لك من الأمر شيء[ إلى قوله ]فإنهم ظالمون[ .[152]
وفي رواية لأحمد أنه كان يلعن الحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، فتاب الله عليهم كلهم .[153]
ولفظ ابن جرير : وهداهم الله للإسلام .[154]
قال ابن كثير : اعترضَ بجملةٍ دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له ، فقال تعالى ]ليس لك من الأمر شيء[ ، أي : بل الأمر كله إلـي . انتهى .
ثم قال الله بعدها ]ولله ما في السماوات وما في الأرض[ ، قال ابن كثير رحمه الله :
أي : الجميع ملك له ، وأهلها عبيد بين يديه ، ]يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء[ ، أي : هو المتصرف فلا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . انتهى .
وقال الشيخ صنع الله بن صنع الله الحنفي في رده على من يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات ، وبهم تكشف المهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ، قال رحمه الله :
فأما قولهم : إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم فيرده قوله تعالى ]أءله مع الله[ ، ]ألا له الخلق والأمر[ ، ]له ملك السماوات والأرض[ ، ونحوه من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق والتدبـير والتصرف والتقدير ، ولا شيء لغيره في شيء بوجه من الوجوه ، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا وإحياء وإماتة وخلقا .
وقد تمدح الرب بانفراده بملكه في آيات كثيرة من كتابه ، كقوله تعالى ]والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير[ .
وأما قول من قال بأن للأولياء التصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة ، قال جل ذكره ]إنك ميت وإنهم ميتون[ وقوله ]الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون[ وقال في الحديث : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث . . . الحديث " .
وجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت ، وأن أرواحهم ممسكة ، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان ، فدل على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره بحركة ، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره ؟ فإنه سبحانه يخبر أن الأرواح عنده ، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة ! ]قل أءنتم أعلم أم الله[ .
وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو أعظم من المغالطة ، لأن الكرامات شيء من الله تعالى يكرم به أولياءه وأهل طاعته ، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم ، كما في قصة مريم ابنة عمران وأسيد بن حضير وأبـي مسلم الخولاني .
وأما قولهم (فيستغاث بهم في الشدائد) ؛ فهذا أقبح مما قبله وأبدع ، لمصادرة قوله ]أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله[ ، ]قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر[ ، فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره ، وأنه المنفرد بإجابة المضطر ، وأنه المستغاث به لذلك كله ، وأنه القادر على دفع الضر ، القادر على إيصال الخير ، فهو المتفرد بذلك ، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبـي وولي .
والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه ، كقولهم : يا آل زيد ، يا للمسلمين ، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل .
وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير ، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه ؛ فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره .
وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات ، فمن اعتقد أن لغير الله من نبـي وولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرا ؛ فقد وقع في وادي جهل خطر ، فهو على شفا جرف من السعير .
وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات ؛ فحاشا لله أن تكون أولياء الله تعالى بهذه المثابة ، فهذا ظن أهل الأوثان كما أخبر الرحمن ]ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله[ ، ]ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى[ ، ]أءتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر[ ، فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبـي أو ولي وغيره على وجه الإمداد منهم ؛ شرك مع الله تعالى ، إذ لا قادر على الدفع غيره ، ولا خير إلا خيره .[155] انتهى .

الوجه الحادي والعشرين : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين أنها عاجزة من جهة الرزق ، وقد صرح الله في كتابه بأن جميع النعم والأرزاق منه وحده لا شريك له ، وهو المتفرد بإنعامها على عباده ، فلا يصح إذن أن تُطلب من غيره ، قال تعالى ]وما بكم من نعمة فمن الله[ وقال ]وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه[ وقال ]وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها[ ، فالله سبحانه هو الخالق وهو المالك وهو المعطي حقيقة ، وهو الذي ساق الأرزاق إلى من شاء ومنعها عمن شاء ، فالواجب طلبها منه وحده وعدم طلبها من غيره ، ولهذا قال ]يسأله من السماوات والأرض[ .

خلاصة
وبناء على ما تقدم من وجوه عجز المخلوقين الخمسة ، العجز في العلم والقدرة والتدبير والخلق والملك والرزق ، فإن توجه الداعي لغير الله مستلزم لسوء الظن بالله العظيم ، قال ابن القيم رحمه الله :
الشرك مبني على سوء الظن بالله تعالى ، ولهذا قال إبـراهيم - إمام الحنفاء – عليه السلام لخصمائه من المشركين ]أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم بـرب العالمين[[156] ، وإن كان المعنى : (ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندا ؟) ، فأنت تجد تحت هذا التهديد : (ما ظننتم بـربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره ؟) ، فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبـر أمر العالم معه من وزيرٍ أو ظهيرٍ أو عونٍ ، وهذا من أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته .
وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك .
وإما أن يظن بأنه لا يَعلم حتى يُعلِمه الواسطة .
أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم .
أو لا يكفي عبده وحده .
أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق ، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثُّره به من القلة وتعزُّزه به من الذلة .
أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن تَرفع تلك الحاجات إليه ، كما هو حال ملوك الدنيا ، وهذا أصل شرك الخلق .
أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يَرفع الوسائط ذلك .
أو يظـن أن للمخلوق عليه حقا ، فهو يُقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ، ويتوسل إليه بذلك المخـلوق كما يَتوسل الناس إلى الأكابـر والملوك بمن يَعِـز عليهم ولا يمكنهم مخالفته .
وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به ، فينقُص ويضعُف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه ؛ لكفى في شناعته .
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه ، والتنقص لازم له ضرورةً ، شاء المشرك أم أبى ، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره ، وأن يخلِّـد صاحبه في العذاب الأليم ، ويجعلُه أشقى البـرية ، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه معظم له بذلك .[157]

الوجه الثاني والعشرون : ومن وجوه بطلان دعاء الموتى أن الكتاب والسنة ينصان على أن الميت ليس له اتصال بالدنيا البتة ، بل هو غافل عنها ، سواء كانت روحه في عليين أو كانت في سجين ، فكيف من هذه حاله يجيب الطلبات ويقضي الحاجات ؟!
وعلى هذا فالداعي للميت في الحقيقة لا يدعو شيئا ، وإنما يكلم نفسه!
وحياة المؤمن في قبره لا تقتضي ما تقتضيه الحياة الدنيوية من إدراك بالحواس الخمس ، بل هو في حياة برزخية غيبية ليست من جنس حياة الإنسان في الدنيا ، وهو بكل حال غافل عما يدور في الدنيا قال تعالى }وهم عن دعائهم غافلون{ .

يوسف التازي
15-01-15, 06:27 PM
الوجه الثالث والعشرون : ومن وجوه بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تعبد من دون الله أو مع الله لا تدوم لعابديها ، بل ستفنى وتـندثر في الأرض ، وهذا من وجوه عجزها ، فدل هذا على بطلان عبادتها ، إذ لو كانت عبادتها حقا لدامت ! فأين قبور الصالحين التي كانت تعبد في الجاهلية ؟ وأين الأشجار والأحجار التي كان الناس يسألونها البركة قبل قرن واحد من الزمان ؟ هي إما زالت وإما ستزول كما زال غيرها بأمر الله الكوني القدري ، قال تعالى }كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام{ .
وقد أشار إبراهيم عليه السلام إلى هذا الدليل العقلي في معرض دعوته لقومه عباد الكواكب ليبـين لهم أن عبادة غير الله باطلة ، قال تعالى عنه }فلما جن عليه الليل رآى كوكبا قال هذا ربـي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رآى القمر بازغاً قال هذا ربـي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربـي لأكونن من القوم الضالين * فلما رآى الشمس بازغةً قال هذا ربـي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين{ .
ففي هذه الآيات نبه إبراهيم عليه السلام قومه إلى فناء معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله وعدم ديمومتها ليبرهن بذلك على بطلان عبادتها .
أما الله تعالى فإنه حي قيوم ، دائم باق ، لا يزول ولا يفنى ، كما قال تعالى }ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام{ ، فهو المستحق وحده للدعاء والعبادة دون ما سواه .

الوجه الرابع والعشرون : أن مقتضى فِـعل الذين يدعون غير الله من الموتى أو الجمادات أنهم يعتقدون أن الموتى في مرتبة أعلى من مرتبة الأحياء ، لكونهم – في الغالب جدا - لم يُدعونهم إذ كانوا أحياء ، ولما ماتوا شرعوا في دعائهم !
وهذا مخالف لما دل عليه الشرع والعقل من أن الأحياء في مرتبة أعلى من مرتبة الأموات ، قال تعالى في سورة فاطر }وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات * إن الله يسمع من يشاء وما أنت بسمع من في القبور{ ، فواعجبا من أحياء يستغيثون بأموات !

الوجه الخامس والعشرون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله ؛ أن الذين يُعبدون من دون الله سيخذلون من كانوا يعبدونهم يوم القيامة ويتبرؤون منهم ، سواء الراضون منهم بعبادتهم أم الغير راضين ، فهذا عيسى عليه السلام سيتبرأ من النصارى الذين كانوا يعبدونه كما قال تعالى }وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلـظ°هين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق{ . . . إلى قوله } ما قلت لهم إلا ما أمرتـني به أن اعبدوا الله ربـي وربكم{ .
بل جميع المعبودات التي تعبد من دون الله ستــتبرأ من عابديها ويلعنونهم ويكونون عليهم ضدا ، قال تعالى }واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا([158] .
وقال تعالى }ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين{ .
وقال تعالى ]إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار ومالكم من ناصرين[ .
ومما ينبغي أن يعلم أن غالب الذين يدعون أصحاب القبور أو غيرها أن حجتهم أنها تقربهم وتشفع لهم عند الله ، والحق أن تلك المعبودات لن تقربها وتشفع لها عند الله ، بل ستتبرأ منها يوم القيامة ، قال تعالى )ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون * ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بعبادتهم كافرين(سورة الروم ، الآية 13 . ، قال ابن كثير رحمه الله: أي ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى ، وكفروا بهم ، وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم .
وقال تعالى )ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون(سورة الأنعام ، الآية 94 ..
وقال تعالى )ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضلتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا( سورة الفرقان : 17 – 19 .، قال الإمام الشنقيطي رحمه الله في تفسير هذه الآية:
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يحشر الكفار يوم القيامة وما كانوا يعبدون من دونه ، أي يجمعهم جميعاً فيقول للمعبودين : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ، فزينتم لهم أن يعبدوكم من دوني ، أم هم ضلوا السبيل ؟
أي كفروا وأشركوا بعبادتهم إياكم من دوني من تلقاء أنفسهم من غير أن تأمروهم بذلك ولا أن تزينوه لهم .
وأن المعبودين يقولون : سبحانك ، أي تنـزيهاً لك عن الشركاء وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك .
]ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء[ ، أي ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحداً سواك ، لا نحن ولا هم ، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك ، بل فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ، ونحن براء منهم ومن عبادتهم .
ثم قال ]ولكن متعتهم وآباءهم[ ، أي طال عليهم العمر حتى نسوا الذكرى ، أي نسوا ما أنـزلته عليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك .
]وكانوا قوماً بوراً[ ، قال ابن عباس : أي هلكى .
وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري : أي لا خير فيهم . انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله :
اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولابد ، عكس ما أمَّـله منه ، فلابد أن يُخذل من الجهة التي قَـدّر أن يُـنصر منها ، ويُـذم من حيث قَـدّر أن يُحمد ، وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب ، قال تعالى )واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا( ، وقال تعالى )واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون([159] ، أي يغضَبون لهم ويُحارِبون كما يغضب الجند ويحارِب عن أصحابه[160] ، وهم لا يستطيعون نصرهم ، بل هم كلٌّ[161] عليهم ، وقال تعالى )وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب([162] ، أي : غير تخسير ، وقال تعالى )فلا تدع مع الله إلـظ°ها آخر فتكون من المعذبين([163] ، وقال تعالى )لا تجعل مع الله إلـظ°ها آخر فتقعد مذموما مخذولا([164] ، فإن المشرك يرجو بشركِه النصر تارة ، والحمد والثناء تارة ، فأخبـر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه ، ويحصل له الخذلان والذم ، فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله سبحانه والاستعانة به ، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به .[165]
قلت: وصدق الله القائل )ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق(.

الوجه السادس والعشرون :
ومن أدلة بطلان دعاء غير الله ما قصه الله علينا في القرآن من اعتراف الكفار وهم في النار بأن دعاءهم لغير الله ليس بشيء ، قال تعالى عنهم }أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندع من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين{ .

الوجه السابع والعشرين : أنه يلزم من دعاء أصحاب القبور مضاهاتها[166] بالله عز وجل في صفة السمع والعلم ، وذلك أن الموتى يجتمع لدعائهم جماعات كثيرة ، يدعون بلغات مختلفة ، ويطلبون أغراضاً متعددة ، من أماكن متفرقة ومتباعدة ، وفي أزمان شتى ، ولولا أن الداعين لهم يعتقدون فيهم أنهم يسمعون القريب والبعيد وأنهم يعلمون حاجات جميع الناس لما دعوهم أصلاً ، وفي هذا تشبـيه لهم بالله عز وجل في صفة السمع والعلم ، وهذا كفر ، قال نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمـهما الله : من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر ، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها .[167]
ورواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه بسنده - كما قال اللالكائي في « شرح أصول اعتقاد أهل السنة » - عن نعيم قال :
من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيها[168] .[169]
وأخرج اللالكائي في « شرح أصول اعتقاد أهل السنة » عن إسحاق بن راهويه قال : من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم ، لأن وصف صفاته[170] إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول صلى الله عليه وسلم .[171]
والوجب إفراد الله بكمال صفات السمع والبصر في حقه ، لأن الله ليس كمثله شيء كما أخبر في كتابه .

الوجه الثامن والعشرون : أن المخلوقات لا تستوي مع بعضها البعض ، فكيف يصح مساواتها بخالقها وهو الله عز وجل ، فيطلب منها كما يطلب من الله ، ويلجأ لها كما يلجأ إلى الله ؟
وقد ضرب الله هذا البرهان العقلي في سورة النحل فقال تعالى }ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم{ .
ففي هاتين الآيتين ضرب الله مثلين ، المثل الأول هو مثل العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ، والسيد الحر الغني الذي ينفق ماله سرا وجهرا ، هل يستوون ؟ الجواب لا قطعا ، مع أن كليهما عبد لله سبحانه .
والمثال الثاني هو رجل أبكم لا يسمع ولا ينطق ، ولا يقدر على شيء ، أي ليس عنده مال قليل ولا كثير ، بل هو كلٌّ على مولاه ، أي عاجز عن خدمة نفسه لدرجة أن مولاه هو الذي يخدمه ، هل يستوي هذا ومن هو سليم الحواس يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، فأقواله عادلة وتصرفاته مستقيمة ؟ الجواب لا قطعا .
فإذا كانت المخلوقات لا تستوي مع بعضها البعض ، فكيف يصح تسويتها مع خالقها جل وعز ، بأن يُطلب منها كما يطلب من الله ، ويُلجأ لها كما يلجأ إلى الله ، كما لو أن صفاتها متطابقة مع صفات الله ، وقدرتها كقدرة الله؟
وقال بعض المفسرين أن المثل الثاني هو مثلُ الله ومثلُ ما يُـعبد من دونه ، فمثَّل الله المعبودات التي تعبد من دون الله - من الأصنام والموتى - بالعبد الأبكم الذي لا يقدر على شيء ، وضرب مثلا لنفسه بالسيد الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، وكلا القولين صحيح ويدل على المقصود ، وهو بـيان الفرق بـين الله وبين خلقه ، وإظهار عدم استحقاق المخلوق - أيا كان – لأي لون من ألوان العبادة .
ولما فرغ الله من ذكر المثلين قال }ولله غيب السماوات والأرض{ ، ففي هذا توبـيخ للمشركين لما عبدوا المخلوق الناقص العلم بحاجات الناس ، وتركوا عالم غيب السماوات والأرض .
فالحاصل هو الاستدلال بعدم تساوي الأحياء مع بعضهم البعض على عدم تساويهم مع الله في مسألة اللجوء والتعلق ، وكذا الاستدلال بعدم تساوي الأحياء مع الأموات على عدم تساويهم مع الله في مسألة اللجوء والتعلق ، فعلى هذا فطلب الحاجات من الموتى من أبطل الباطل وأسفه السفه .

الوجه التاسع والعشرون : أن دعاء غير الله يستلزم صرف عبادات أخرى يستلزمها الدعاء لغير الله ، كعبادة الخوف والرغبة والرهبة والرجاء والخشوع والخضوع ، وهذه عبادات قد طالب الله العبد بإخلاصها له تعالى ، قال تعالى}ويدعوننا رغبا ورهبا{ ، وقال تعالى }وإلى ربك فارغب{ .
كذلك فإن الدعاء يتضمن الخوف من الله والرجاء لما عند الله ، وهي عبادات أيضا ، قال تعالى }وخافون إن كنتم مؤمنين{ ، وقوله تعالى }وارجو اليوم الآخر{ .
فثبوت كون هذه الأعمال متلازمة ومصاحبة للدعاء يدل على وجوب صرفه نفسه لله تعالى ، وبطلان صرفه لغيره تعالى .

الوجه الثلاثون : أن دعاء غير الله محرم بالنظر إلى ما أدى إليه ، وهو اعتقاد الربوبية فيمن يدعونهم من دون الله استقلالا أو مع الله مشاركة ، قال الشوكاني في كتابه « الدر النضيد » :
اعلم أن الرزية كل الرزية ، والبلية كل البلية ؛ ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور ومن المعروفين بالصلاح من الأحياء ؛ من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم ، فصاروا يدعونهم تارة مع الله ، وتارة استقلالا ، ويصرخون بأسمائهم ، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ، ويخضعون لهم خضوعا زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بـين يدي ربهم في الصلاة والدعاء ، وهذا إذا لم يكن شركا فلا ندري[172] ما هو الشرك ، وإذا لم يكن كفرا فليس في الدنيا كفر . انتهى باختصار يسير .
وقال الشيخ أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله :
إن شرك مشركي هذه الأمة تجاوز الشفاعة والوساطة التي كان يعتقدها مشركوا العرب إلى الملك وتدبير الكون والإحياء والإماتة ، فقد وُجد في هذه الأمة من يعتقد أن تدبير الكون بأسره يعود إلى أقطابٍ أربعة ، كما ذكر ذلك العلامة الألباني في مقدمته لكتاب « الآيات البينات في عدم سماع الأموات » للسيد نعمان الألوسي ، حيث قال بعد أن ذكر شيئاً من العقائد الشركية الضالة :
(ولا يستغربَن أحد هذا ممن عافاهم الله تعالى من الشرك على اختلاف أنواعه ، فإن في المسلمين اليوم من يصرِّح بأن في الكون متصرفين من الأولياء دون الله تعالى ممن يسمونهم هنا في الشام بـ (المدرِكين) وبـ (الأقطاب) وغيرهم .
وفيهم من يقول : نظرة من الشيخ تقلب الشقي سعيداً ، ونحو ذلك من الشركيات .
قال العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره (11/391) تحت قوله تعالى ]قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله[ :
(أي : لكن ما شاء الله من ذلك كان ، متى شاء ، لا شأن لي فيه[173] ، لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة ، التي وظيفتها التبليغ دون التكوين).
وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصُد الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين - حتى الميتين منهم - على كل شيء من التصرف في نفعهم وضرهم ، مما يجعله الله من الكسب المقدور بمقتضى سننه في الأسباب ، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله ، كالذين يسمونهم بالأقطاب الأربعة ، وإن من بعض كبار علماء الأزهر في هذا العصر من يكتب هذا في مجلة الأزهر الرسمية (نور الإسلام) ، فيفتي بجواز دعاء غير الله من الموتى والاستغاثة بهم في كل ما يعجزون عنه من جلب نفع ودفع ضر ، وألف بعضهم كتاباً في إثبات ذلك وكَون الميتين من الصالحين ينفعون ويضرون بأنفسهم ويخرجون من قبورهم فيقضون حوائج من يدعونهم ويستغيثون بهم .)"[174]
وادعاء الربوبية للمعبودين قد وقع فيه بعض قدماء المشركين ، كما قال قوم عاد لهود عليه السلام ]إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء[[175] ، أي أصابتك آلهتنا بسوء ، فهم ينسبون التأثير الكوني وتدبير الأمور لتلك الآلهة ، وفي زماننا هذا يظن بعض القبوريون أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركتهم يرزقون وينصرون ويندفع عنهم الأعداء والبلاء ، وأن السيدة نفسية خفيرة مصر والقاهرة ، والدسوقي ، والبدوي ، وهكذا ، والشيخ عبد القادر قطب بغداد وخفيرها ، وفلان خفير الشام والحجاز ، ووضعوا لكل بلد خفراء .[176]
وذكر الكوثري أن أرض الشام يحرسها من الآفات والبلايا أربعة من الأولياء الذين يتصرفون في قبورهم ! .[177]
وهي عندهم وسائل دفاع جوي ، فضريح (علي الروبي) بالفيوم بمصر أنقذ المدينة من الدمار خلال الحرب العالمية الثانية ، ببركته التي حولت مسار القنابل إلى بحر يوسف ![178]
وعندما يستدعي الموقف الإمداد بـ (قوات خاصة) لمنازلة عدو شديد البأس يطلب القبوريون المدد من أصحاب الأضرحة أيضاً ، فعندما أغار التتر على بلاد الشام كان القبوريون يخرجون يستغيثون بالموتى عند القبور ، ولذا قال بعض شعراء القبورية :

يا خائفين من التـتـر *** لوذوا بقبر أبي عمر

أو قال :

عوذوا بقبر أبي عمر *** ينجيكُـمُ من الضرر[179]

وذكر الشيخ رشيد رضا أنه انتشر بين أهل مراكش عند حلول النوائب بهم وتعدي الأجانب عليهم ؛ الاجتماع حول قبر الشيخ إدريس في فاس ، طالبين أن يكشف ما نـزل بهم من الشدة تاركين ما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم والإعداد العسكري للأعداء .[180]
وترتفع الخرافة إلى ذروتها حينما يعمد القبوريون إلى تعيين تخصصات للأضرحة ، فطلب الشفاعة هو مطلب الجميع ، غير أن بعض (الأولياء) مشتهر بتحقيق رغبات النساء ، كالزواج للعوانس ، والإنجاب للعاقرات[181] ، وآخر لشفاء أمراض الأطفال ، وآخر لشفاء أمراض الروماتيزم[182].
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ، رحمه الله تعالى[183] :
وأما بلاد مصر وصعيدها وفيومها وأعمالها فقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية والدعاوى الفرعونية مالا يتسع له كتاب ولا يدنو له خطاب ، لا سيما عند مشهد أحمد البدوي وأمثاله من المعتقَـدين المعبودين ، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم ، وجمهورهم يرى مِن تدبير الربوبية والتصريف في الكون بالمشيئة والقدرة العامة ما لم ينقل مثله عن أحد من الفراعنة والنماردة .
وبعضهم يقول يتصرف في الكون سبعة ، وبعضهم يقول أربعة ، وبعضهم يقول قطب يرجعون إليه ، وكثيراً منهم يرى الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه ، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ]كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا[ .[184]
ثم قال :
وفى حضرموت والشحر وعدن ويافع ما تستك[185] عن ذكره المسامع ، يقول قائلهم : شيء لله يا عيدروس ، شيء لله يا محيي النفوس ! [186]
قلت : وهذا الاعتقاد الأخير ناشىء عن قصور كبير في فهم اسم الله تعالى (الشافي) .

الوجه الحادي والثلاثون : ومن أدلة بطلان دعاء المخلوقين هو أن الأنبـياء ومن تبعهم على الحق من الصالحين[187] لا يرضون بأن يصرف لهم الناس شيئا من العبادات ، لا في حياتهم ولا بعد مماتهم ، لا دعاء ولا استغاثة ولا ذبح ولا نذر ولا سجود ولا غير ذلك ، ومن أمثلة ذلك أنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبـي صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا يا معاذ ؟
فقال : أتيت الشام ، فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .[188]
وقد تكرر هذا الفعل عدة مرات أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكره في كل مرة أشد الإنكار .[189]
ومن إنكار الأنبياء على من عبدهم ما قصه الله عن عيسى عليه السلام ]وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلـظ°هين من دون الله قال سبحانك ما كان لي أن أقول ما ليس بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتـني به أن اعبدوا الله ربـي وربكم[ .
وهذا علي رضي الله عنه لما أُتِي بالزنادقة الذين غلوا في حبه وتعظيمه حتى عبدوه ؛ أمر بتحريقهم بالنار .[190]
قال ابن تيمية رحمـه الله معلقا على فعل علي رضي الله عنه بالزنادقة الذين عبدوه وعلى بعض الأحاديث الواردة في إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من غلا فيه :
فهذا شأن أنبـياء الله وأوليائه ، وإنما يُقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علواً في الأرض وفساداً كفرعون ونحوه ، ومشائخ الضلالة الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد ، والفتـنة بالأنبـياء والصالحين واتخاذهم أرباباً والإشراك بهم .[191]
وروى البيهقي في « دلائل النبوة » عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظي حين اجتمع عنده النصارى والأحبار فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام :
أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟
فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الربيس : (وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو) ، أو كما قال .
فقال رسول الله : معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ولا أمرني ، فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهما )ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون(.[192]
بل إن عبادة المخلوقين فيها استخفاف بهم ، لأنهم أنزلوا في غير منزلتهم ، أرأيت رجلا قال لصاحبه : أنت ملِك !
حتما ذلك الصاحب سيشعر أنه يسخر منه ويقلل من شأنه ، فالذي يفعل بالصالحين كذلك فإنه في الحقيقة يتنقصهم ويحتقرهم ، وإنما يوقرهم الذي يقتدي بهم في فعل الخير ويدعو لهم ، لا الذي يدعوهم وينزلهم منزلة الرب ، تعالى الله عن ذلك .

الوجه الثاني والثلاثون : ومن أدلة بطلان دعاء المخلوقين أن أولئك المدعوين من الأنبـياء والصالحين والملائكة هم أنفسهم عبـيد لله يتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة ، ومن كان عبدا فإنه لا يستحق أن يعبد أو يتقرب الناس إليه ، قال تعالى ]قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا[[193]، أي تلك المعبودات التي تدعونها من دون الله من الملائكة والمسيح ونحوهم ؛ هم أنفسهم يرغبون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم ، ويتقربون إليه بالعمل الصالح ويتـنافسون ليعلموا أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة ، ]ويرجون رحمته[ كما يرجوها غيرهم ، ]ويخافون عذابه[ كما يخافه غيرهم ، ]إن عذاب ربك كان محذورا[ فهو إذن حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبـياء وغيرهم .[194]
وقد كان النبـي صلى الله عليه وسلم يؤكد دائما على هذه العقيدة – عقيدة أنه عبد لله - حتى لا تقع أمته في عبادته ، فقد كان يستفتح خطبه بقوله : وأشهد أن لا إلـظ°ه إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
ووصفه الله بأن عبد لله في غير ما آية من كتاب الله ، كما في قوله تعالى }سبحان الذي أسرى بعبده ليلا{ ، وقوله }فأوحى إلى عبده ما أوحى{ ، وقوله }وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا{ ، وغير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، فالعبد لا يُعبد ، كما أن الرسول لا يكذب ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ؛ فمن باب أولى لا يجوز أن يعبد من هو دون الرسول صلى الله عليه وسلم كالأولياء والصالحين من المقبورين وغيرهم ، والله أعلم .

الوجه الثالث والثلاثون : أن أولئك المدعوين من الأنبـياء والصالحين هم أنفسهم محتاجون للأحياء ، بدعائهم والاستغفار لهم ، لأن الميت قد انقطع عمله ، كما قال عليه الصلاة والسلام : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له .[195]
فهذا محمد صلى الله عليه وسلم - أفضل البشر وأقربهم عند الله منـزلة - طلب منا أن نصلي عليه ، حيا وميتا ، والصلاة عليه هي الدعاء له بالرحمة ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منـزلة في الجنة لا تـنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة .[196]
وكذلك علمنا النبـي صلى الله عليه وسلم بأن ندعو له ولكل عبد صالح في السماء والأرض ، كما في دعاء التشهد في التحيات : السلام عليك أيها النبـي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين … الحديث.
ثم قوله في التشهد الأخير : " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد … الحديث .
ومن ذلك أيضا أن النبـي صلى الله عليه وسلم علم أمته أن يدعوا للميت بالرحمة والمغفرة في عموم الأحوال ، وفي صلاة الجنازة ، وبعد الدفن خصوصا ، فعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة يقول : اللهم اغفر لحينا وميتـنا ، وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبـيرنا ، وذكرنا وأنثانا ، اللهم من أحيـيته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تضلنا بعده .[197]
وعن عثمان رضي الله عنه : كان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم ، وسلوا له التثبـيت ، فإنه الآن يسأل .[198]
فإذا تقرر أن الميت بحاجة للحي ؛ فلا يصح إذن أن نطلب من الموتى شيئا من المصالح الدينية أو الدنيوية .

الوجه الرابع والثلاثون : أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينهى الناس عن مجرد المبالغة في مدحه وتعظيمه ، فكيف بمن أشركه مع الله في عبادة الدعاء ، أو أشرك غير النبي صلى الله عليه وسلم ؟
فعن ابن عباس رضي الله عنه أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر : سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله . [199]
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عما هو أقل من ذلك مما فيه نوع غلو فيه ، فإنه لما صلى جالسا ، صلى خلفه الصحابة قياما ، فنهاهم عن ذلك وقال : إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا .[200]
ففي هذا الحديث نرى أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمأمومين بالجلوس إذا جلس الإمام ، مع أن في هذا إخلال بالركن ، ولكن لأجل المشابهة لما يفعله الكفار لكبرائهم في تعظيمهم لهم نهى عن ذلك ، فكيف بمن توجه لميت بالعبادة نفسها ؟![201]
وقال أنس رضي الله عنه : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك .[202]
فإذا كان النبـي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الوقوف خلفه تعظيماً له ، فكيف لو رأى من يدعوه كما يدعو رب العالمين ؟
وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : أنت سيدنا .
فقال : السيد الله تبارك وتعالى .
قلنا : وأفضلنا فضلا ، وأعظمنا طَولا[203].
فقال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان .[204]
ففي هذه الأحاديث وغيرها نرى حماية النبـي صلى الله عليه وسلم لحمى التوحيد وسده لطرق الشرك بأن نهى صحابته عن مدحهم إياه بما فيه من الخصال التي هي حق في شخصه صلى الله عليه وسلم ، فهو سيد ولد آدم ، وخير الناس وأفضلهم ، ولكن لما كان ذلك المدح مفضيا إلى الغلو فيه وعبادته من دون الله ؛ نهاهم عن ذلك ، وعدَّ هذا من استجراء الشيطان لابن آدم .
والشاهد هو أنه لما كانت المبالغة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة شرعية ؛ فمن باب أولى دعاءه أو دعاء غيره ، لأن دعاء المخلوق أعظم غلوا من الافراط في مدحه ، بل هو أعظم مظاهر الغلو .

الوجه الخامس والثلاثون : ومن وجوه بطلان دعاء الموتى أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح من لم يسأله شيئا من الأمور الدنيوية ، وفضَّله على من سأله ، بل ذم كثيراً ممن سأله السؤال الجائز مما يقدر عليه ، وعلمهم ترك سؤال الناس ليربيهم على تمام التعلق بالله وحده ، فماذا يقال لمن توجه له أو لغيره بطلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين ؟
فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب « القناعة والتعفف » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يستعفف يعفه الله ، ومن يستغنِ يغنه الله ، ومن سألنا شيئا فوجدناه ؛ أعطيناه وواسيناه ، ومن استعف عنا واستغنى ؛ فهو أحب إلينا ممن سألَنا .
قال العلامة محمد بن طاهر الهندي في كتابه « تذكرة الموضوعات » : إسناده جيد .[205]
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نـزلت به فاقة فأنـزلها بالناس لم تُسد فاقته ، ومن نـزلت به فاقة فأنـزلها بالله ، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل .[206]
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله ؟ وكنا حديث عهد ببـيعة .
فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله .
ثم قال : ألا تبايعون رسول الله ؟
فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله .
ثم قال : ألا تبايعون رسول الله ؟
قال : فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فعلام نبايعك ؟
قال : على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، والصلوات الخمس ، وتطيعوا ، - وأسرّ كلمة خفية - ، ولا تسألوا الناس شيئا .
فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه .[207]
ولما سقط خطام ناقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؛ أناخ ناقته وأخذه ، فقالوا له : أفلا أمرتنا نناولَكه؟
فقال : إن حببي[208] رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أسأل الناس شيئا .[209]

الوجه السادس والثلاثون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله اعتزال الأنبياء لمن وقعوا في دعاء غير الله ولو كان الفاعل ذلك أقرب قريب للدلالة على بغض هذ الفعل ونكارته ، فهذا إبراهيم قال لقومه ]وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً[ ، في هذا تنبيه إلى أنه بادئهم بذكر اعتزالهم أولاً ، ثم عطف عليه باعتزال معبوداتهم .
قال عماد الدين بن كثير ، رحمه الله ، في معنى قوله ]ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه[ :
يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله ، المخالف لملة إبراهيم الخليل ، إمام الحنفاء ، فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى ، فلم يدع معه غيره ، ولا أشرك به طرفة عين ، وتبرأ من كل معبود سواه ، وخالف في ذلك قومه ، حتى تبرأ من أبيه ، فقال ]يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين[ ، وقال تعالى ]وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون . إلا الذي فطرني فإنه سيهدين[ ، وقال تعالى ]وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم[ ، وقال تعالى ]إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا وما كان من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين[ ، ولهذا وأمثاله قال تعالى ]ومن يرغب عن ملة إبراهيم[ ، عن طريقته ومنهجه ، فيخالفها ويرغب عنها ، ]إلا من سفه نفسه[ ، أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره ، بتركه الحق إلى الضلال ، حيث خالف طريق من اصطُفي في الدنيا للهداية والرشاد ، من حداثة سنة إلى أن اتخذه الله خليلا ، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء ، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته ، واتبع طريقة الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا ؟ أم أي ظلم أكبر من هذا ؟ كما قال تعالى ]إن الشرك لظلم عظيم[ . انتهى .[210]
وقد قرن الله بين اعتزال المشركين ومعبوداتهم في موضع آخر من القرآن في سورة الكهف فقال عن أصحاب الكهف ]وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا[ ، وهذا هو حقيقة التوحيد وعلامة الإيمان الصادق.
وهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة حطم جميع الأصنام التي كانت تعبد وتدعا من دون الله ، من التي كانت في جوف الكعبة والمحيطة بها وغيرها ، وتبعه على هذا أئمة الهدى .

الوجه السابع والثلاثون ؛ أن من حق المنعم شكره على نعمه ، وشكر الله لا يكون إلا بعيادته عبادة خالصة ، ليس له فيها شريك ، كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً .[211]
فمن عبد غير الله فقد شكر غير الله ، وجحد نعمة الله ، وقد ضرب نبـي الله يحيى بن زكريا صلى الله عليه وسلم مثلا للمشرك الذي يصرف العبادة إلى غير الله بالعبد الذي يعمل ويؤدي الغلة إلى غير سيده ، فعن الحارث الأشعري ؛ أن النبـي صلى الله عليه وسلم ذكر عن يحيى بن زكريا أنه مثّل من عبد غير الله بمثالٍ فقال : إن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورِق[212] أو ذهب ، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده ، فأيكم يسُـره أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً .[213]

الوجه الثامن والثلاثون : ومما يدل على بطلان دعاء غير الله وأن فعلها كفر ؛ أنه لما جحدت بعض أحياء العرب فريضة الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه قتال ردة ، فكيف لو رأى من يقول بجواز صرف لب العبادة وخالصها – وهو الدعاء – لغير الله ؟
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو بكر رضي الله عنه[214] ، وكفر من كفر من العرب ، فقال عمر : فكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا « لا إلـظ°ه إلا الله » ، فمن قالها فقـد عَصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ؟
فقال : والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها .
قال عمر رضي الله عنه : فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه ، فعرفت أنه الحق .[215]
ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :
فإذا كان منع الزكاة مِن منعِ حق « لا إلـظ°ه إلا الله » ؛ فكيف بعبادة القبور ، والذبح للجن ، ودعاء الأولياء وغيرهم مما هو دين المشركين ؟![216]

الوجه التاسع والثلاثون : أن دعاء الميت والتوجه إليه أشد من مجرد اتخاذ قبور الأنبياء مساجداً ، وقد ثبت بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد ، أي يصلون عندها ويدعون الله تعالى ، فإذا كان من اتخذها مسجدا يصلى فيها لله تعالى ويدعو الله ملعونا ؛ فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ، ويتضرع فيها لغير الله ، ويخضع ويخشع فيها لغير الله ؛ أحق باللعنة .[217]

الوجه الأربعون : أن العبد لا يستقيم له أن يكون له أكثر من سيد يملكه ، لأن ستختلف أوامر ونواهي السادة عليه ، فعلى هذا فإنه لا يستقيم له أن يكون له أكثر من إلـظ°ه يعبده ، قال تعالى ]ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا[ ، أي هل يستوي العبد الذي له سيد واحد بالعبد الذي له أكثر من سيد ؟
فكذلك لا يستوي المشرك الذي آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ، فأين هذا من هذا ؟
ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال ]الحمد لله[ أي الحمد لله على إقامة الحجة على كل من أشرك ، )بل أكثرهم لا يعلمون( ، أي فلهذا وقعوا في الشرك .[1]
-------
[1] بتصرف من تفسير ابن كثير لسورة الزمر ، الآية 29 .

الوجه الحادي والأربعون : أن الإنسان لا يرضى على نفسه أن يشاركه أحد من عبيده فيما يملكه ، فكيف يرضى على الله أن يشاركه أحد من عبـيده فيما يستحقه من خالص حقه ، وهو عبادته وحده لا شريك له؟ قال تعالى )ألا لله الدين الخالص( ، وقال تعالى }والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون{ ، وقال تعالى ]هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء[ .
قال ابن القيم رحمه الله :
فمن أقبح الظلم أن يعطي العبد حق الرب لغيره ، أو يُشرِِّك بينه وبينه فيه ، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه ، كما قال تعالى }ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون{ ، أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به ، وهو الإلـظ°هية التي لا تنبغي لغيري ، ولا تصلح لسواي ؟
فمن زعم ذلك ؛ فما قدَرني حق قدري ، ولا عظّمني حق تعظيمي ، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي .
فما قَـدر الله حق قدره مَن عبَد معه غيره ، كما قال تعالى }يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز{ .[218]
ثم قال :
فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله ، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه ، وأنه يوجب الخلود في العذاب ، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه ، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده عبادة إلـظ°ه غيره ، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله ، وكيف يُظن بالمنفرد بالربوبية والإلـظ°هية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك ، أو يرضى به ، تعالى الله عن ذلك علوا كيرا .[219]

الوجه الثاني والأربعون : أن القلوب لا تصلح إلا بإفراد الله بجميع العبادات ، لاسيما الدعاء ، وإذا تعلق بغير الله وأحبه فوق الحد الشرعي ضره ذلك ، قال ابن رجب رحمه الله في « جامع العلوم والحكم »[220] حيث قال :
لا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ، وتمتلئ من ذلك ، وهذا هو حقيقة التوحيد ، وهو معنى قول « لا إلـظ°ه إلا الله » ، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلـظ°هها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له ، ولو كان في السماوات والأرض إلـظ°ه يؤلَّـه سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرض ، كما قال تعالى ]لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا[ ، فعُـلِم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معاً حتى تكون حركات أهلها كلها لله ، وحركات الجسد تابعة لحركات القلب وإرادته ، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده ؛ فقد صلح وصلَحت حركات الجسد كلها ، وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير الله تعالى ؛ فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب .
وقال ابن القيم رحمه الله : تعلُّـق العبد بما سوى الله تعالى مضرةٌ عليه إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته ، غير مستعين به على طاعة الله ، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك ، ولو أحب ما سوى الله ما أحب فلا بد أن يُسلَـبَـه ويفارقه ، فإن أحبه لغير الله فلابد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه إما في الدنيا وإما في الآخرة ، والغالب أنه يعذب به في الدارين ، قال الله تعالى ]يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنـزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنـزون[[221] ، وقال تعالى ]فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون[ [222].[223]

الوجه الثالث والأربعون : ومن الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن العبد كلما كان أكثر توحيدا وذلاً لله وافتقاراً إليه كان أعز له وأعظم لقدره ، قال ابن تيمية رحمـه الله تعالى : العبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له ؛ كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره ، فأعظم الخلق أعظمهم عبودية لله ، وأما المخلوق فكما قيل : احتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره .

يوسف التازي
15-01-15, 06:28 PM
فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يـَحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم – ولو في شربة ماء – نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ، ولا يُـشرك به .[224]
وقال أيضا : وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه ؛ خضع قلبه لهم ، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك ، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم ، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر ، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له ؛ يبقى قلبه أسيراً لها ، تتحكَّم فيه وتــتصرف بما تريد ، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها ، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها ، لاسيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها ، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ، فإنها حينئذ تَحكَّم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه ، بل أعظم ، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن ، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن ، فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً ، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص ، وأما إذا كان القلب - الذي هو الملِك – رقيقاً مستعبداً مُـتيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض ، والعبودية لما استعبد القلب .[225]
وقال ابن تيمية رحمـه الله أيضا: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه ، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ، ولا يوالي إلا من والاه الله ، ولا يعادي إلا من عاداه الله ، ولا يحب إلا الله ، ولا يبغض شيئا إلا لله ، ولا يعطي إلا لله ، ولا يمنع إلا لله ، فكلما قوي إخلاص دينه لله كمُلت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات ، وبكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر والشرك .[226]
فالحاصل أن العبد إذا أخلص العبادة لله استغنى عن المعبودات الأخرى ، وكفاه الله ووقاه من الشرور والآفات ، كما قال تعالى }أليس الله بكاف عبده{ ، فكلما زادت العبودية زادت الكفاية والوقاية ، أما الذي ينـزل حاجته بمخلوق مثله فإنه لا يزال محتاجاً فقيراً معذباً لا يحصل له مطلوبه ، والعرب كانوا إذا نـزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً استعاذوا بعظيم ذلك الوادي من الجن من أن تصيبهم الشرور ، فلما رأت الجن ذلك زادوهم خوفاً ورعباً كما قال تعالى }وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا{ ، وهذا من براهين التوحيد ليكون الدين كله لله ، ولا يشرك معه أحد .

الوجه الرابع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو أن فاعلي ذلك ليسوا واثقين بما يفعلونه ولا ثابتين عليه ، فتراهم يتنقلون بين معبوداتهم ، فتارةً يدعون ميتاً ، وتارةً يدعون ميتاً آخر ، وآخرون يدعون غير الله في الرخاء وإذا أتــت الشدة أخلصوا الدعاء لله وحده ونسوا ساداتهم ومن كانوا يعبدونهم ، كحال المشركين الأولين الذين قال الله فيهم }فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون{.
ومع شعور هؤلاء بهذه المخادعة النفسية إلا أنهم ماضون في دعاء غير الله ، بسبب التقليد وشدة الحاجة وضعف التعلق بالله العظيم ، ثم إن المضطر إذا كان ضعيف الإيمان أو عديمه ؛ فإنه لا يفكر إلا في قضاء حاجته بأي وسيلة ، شرعية كانت أو شركية!
وهذا التنقل بين المعبودات ، والاضطراب في العبادة من براهين التوحيد ، فإن الذي يفرد الله بالعبادة والدعاء دائما لا يقع في شيء من ذلك ، بل هو مطمئن لما يفعل ، إن أجاب الله دعاءه فالحمد لله أن حصل له ما أراده ، وإن لم يحصل عوّضه الله في الآخرة ، أو دفع عنه من السوء في الدنيا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تُعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها . قالوا : إذا نكثر ، قال : الله أكثر .[227]
فالحمد لله على نعمة الهداية .

الوجه الخامس والأربعون : أن محبة العابد لمعبوده الذي يعبده من دون الله ليست إلا محبة مؤقتة ، سرعان ما تـنقطع إذا انتقل إلى معبودات أخرى ، أو تعرضت تلك الآلهة إلى الفناء والإندثار ، أما العابد لله وحده فيحب الله دائما ، بل ربما تقوى محبته وتعلقه بالله عند الكروب وبعدها ، وهذا من براهين التوحيد ، لتكون العبادة خالصة لله دوما .

الوجه السادس والأربعون: أن الأمور العظيمة كإنـزال الغيث وكشف العذاب لا تحصل إلا بدعاء الله وحده ، قال الله تعالى ]قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتــتكم الساعة بغتة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتـنسون ما تشركون[ ، وقال تعالى ]وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا[ ، وقال تعالى ]أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض[ .
بخلاف دعاء غير الله من أصحاب القبور وغيرهم ؛ فإنه لا تحصل به إلا الأمور الحقيرة التي تقوم بها الجن والشياطين ، التي تستمع لدعاء ذلك الداعي عند القبر فتجيبه وتخاطبه لتغويه ، ليظن ذلك الداعي أن صاحب القبر نفسه هو الذي أجاب دعاءه ، أو أنه توسط له عند الله ليجيب دعاءه .
بل ربما خرق الله العادات بسبب دعاء لله وحده قام به مضطر ، كما حصل لزكريا عليه السلام لما دعا الله أن يرزقه الولد ، وكان زكريا كبـيراً وامرأته عاقراً لا تلد ، فاستجاب الله دعاءه .
وروى البيهقي في « دلائل النبوة »[228] عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب جهز جيشا واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ، فلما كانوا ببعض الطريق أصابهم حر شديد ، فجهدوا وجهدت دوابهم ، فدعا الله بالسقيا ، فثارت سحابة وسقوا حتى امتلأت الغدر والشعاب ، فلما أتوا عدوهم - وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة - وقف على الخليج وقال : (يا علي ، يا عظيم ، يا حليم ، يا كريم) ، ثم قال : (أجيزوا باسم الله) ، قال أنس : فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ، فأصبنا العدو غِيلة[229] ، فقتلنا وأسرنا وسبينا ، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا .
والحاصل أن من البراهين الدالة على استحقاق الله وحده للدعاء ؛ كون الأمور العظيمة والخوارق والكرامات لا تحصل إلا بدعاء الله وحده .

الوجه السابع والأربعون : أن الذين يدعون أصحاب القبور إنما يُستجاب لهم في النادر ، والغالب تخلف الإجابة ، مع الوضع في الإعتبار أن الذي أجاب دعاءهم هو الله وحده ، وإنما استجاب لهم نادرا مكرا بهم ليتمادوا في الضلال ، جزاء لهم على إعراضهم عن دعاءه أول مرة ، والله خير الماكرين .
وأما الموحدون الذين يدعون الله وحده فإنه يستجاب للواحد بعد الواحد ، ولا تكاد تسقط دعوة لواحد منهم إلا لمانع ، وهذا من براهين التوحيد أيضا ، لتكون عبادة الدعاء خالصة لله .

الوجه الثامن والأربعون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله ؛ إنكار واستغراب بعض الكفار لما يفعله عباد القبور عندها من دعاءها والتقرب لها ، قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
وقد كان كثير من اليهود والنصارى يعيبون على من يدّعي الإسلام ما يُفعل عند تلك المشاهد ، ويقولون : إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي ، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه ، والعامة والخاصة - بل اليهود والنصارى والمشركون - يعلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم إنما بُعث بالأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة ما سواه ، وتكفيره[230] .[231]
وقال الكاتب الأمريكي لو ثروب ستودارد وهو من المؤرخين المستشرقين الذين وصفوا انتشار قصد القبور والسفر إليها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الإسلامي ، قال وهو يصف العالم الإسلامي من الناحية السياسية والاجتماعية :
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء ، فأُلبست الوحدانية التي علَّمها صاحب الرسالة سِجنا من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من روادها ، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين ، يخرجون من مكان إلى مكان ، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور ، وغابت عن الناس فضائل القرآن ، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان ، وعلى الجملة فقد بُدل المسلمون غير المسلمين ، وهبطوا مهبطا بعيد القرار ، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام ؛ لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين ، كما يُلعن المرتدون وعبدة الأوثان .[232]

الوجه التاسع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء غير الله ما نراه من الأثر السيء الذي خلفه تعظيم القبور والأضرحة على الأمة في الناحية الدنيوية في أمور مهمة تتعلق بقوامة الأمة وعمارة الأرض التي أمر الله بها في قوله ]هو الذي خلقكم في الأرض واستعمركم فيها لينظر كيف تعملون[ ، وقوله ]هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور[ .
وبيان ذلك أنه قلت رغبة الناس في بعض المجتمعات التي ينتشر فيها التعلق بغير الله في تعلم العلوم الطبية ، ورغِبوا عن التحصيل العلمي والدراسات الجامعية العليا ، لأنهم صاروا يرَون الطب الحقيقي هو الاستشفاء على يد الموتى بالتقرب لهم بما هو من خصائص الله تعالى ، ليس هذا فحسب ، بل أُهملت الخدمات الاجتماعية للأَحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات ، وليس هذا هو المنهج الذي ابتغاه الله للناس.
وفي هذا يقول الباحث علي الزهراني حفظه الله:
وهكذا انصرف الناس إلى خدمة الأموات بإعمار أضرحتهم وبناء القباب عليها ، وصرفوا جهودهم وأموالهم ، وكان ذلك على حساب الاهتمام بخدمة الأحياء بالتربية والتعليم ، وتوفير وسائل العيش الكريم لهم ، وتقوية الأمة التي كان أعداؤها في الخارج يتربصون بها الدوائر .[233]
بل قد هيأ هذا الانحراف العقدي الخطير الناس في القرن الهجري الماضي لقبول الغزو الفكري متمثلا في نشر العلمانية والشيوعية وغيرها ، كما سهل للأعداء التسلط عليهم واحتلالهم ، لأن أهل البلد اعتمدوا على موتى ، فوكَلهم الله إليهم .

الوجه الخمسون : أن عمدة من يدعون غير الله إما شبهات حديثية ، كأحاديث ضعيفة أو مكذوبة ، أو شبهات عقلية ، أو تجارب وضعية ، أو قصص أو حكايات أو منامات ، وكل هذا لا يُعتمد عليه في فروع الدين فضلا عن أصوله ، قال ابن تيمية رحمه الله :
وأما أولئك الضلال ، أشباه المشركين النصارى ، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، أو منقولات عمن لا يـُحتج بقوله ، إما أن يكون كذباً عليه ، وإما أن يكون غلطاً منه ، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم ، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ؛ حرفوا الكلم عن مواضعه ، وتمسكوا بمتشابهه ، وتركوا محكمه ، كما يفعل النصارى .[234]
وربما احتجوا بأمثلة جزئية خاصة لإثبات قضايا كلية عامة ، فيحتجون مثلا لإثبات جواز مطلق الاستغاثة - فيما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر عليه – بسؤال بعض الناس النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ، ومعلوم أن الذي ثبتت به السنة حق لا ريب فيه ، لكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع الدعاوى العامة ، وإبطال نقيضها ، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال جزئي ، لا سيما مع الاختلاف والتباين ، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع الملاهي لكل أحد والتقرب بها إلى الله ؛ بكون الجاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد ، مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليها .
أو يحتج على استماع كل قول بقوله ï´؟فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنهï´¾ ، ولا يدري أن القول هنا هو القرآن ، كما في قوله ï´؟أفلم يدبروا القول[235] أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولينï´¾ ، وإلا فمسَـلّم أنه لا يسوغ استماع كل قول .[236]

قال مقيده عفا الله عنه : ومن الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حديث : (إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور) ، وحديث : (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) ، وأشباهها .

الوجه الحادي والخمسون: ومن وجوه بطلان اتخاذ الواسطة أن فاعل ذلك قد حرم نفسه من فرح الله بإقباله إليه ، وانطراحه بـين يديه ، واستعاض عن هذا بالانطراح بين يدي ميت ، ليس له من الأمر شيء ، ولا يقربه من ربه بشيء ، ومن المعلوم أن الله أشد فرحا من عبده بإقباله إليه ولو بلغت ذنوب عبده عنان السماء ، قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبـي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بـي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .[237]


والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .

تمت الرسالة بحمد الله .


ثبت لبعض المراجع
« دلائل النبوة » ، أحمد بن الحسين البيهقي ، الناشر دار الكتب العلمية ، ط 2
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين ، مقبل بن هادي الوادعي ، الناشر دار الآثار - صنعاء ، ط 1426 هجري
الرد على الإخنائي ، ابن تيمية ، تحقيق أحمد بن مونس العنزي ، دار الخراز
الاستغاثة في الرد على البكري ، ابن تيمية ، تحقيق عبد الله السهلي ، ط 1 ، مدار الوطن
الداء والدواء ، ابن القيم ، الناشر دار ابن الجوزي ، ط 1425 هجري
المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد ، جمع د. محمد الخميس ، دار أطلس
تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ، عبد الله أبا بطين ، مؤسسة الرسالة
السيف المسلول على عابد الرسول ، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
دمعة على التوحيد ، الناشر المنتدى الإسلامي
جهود علماء الحنفية لإبطال عقائد القبورية ، شمس الدين الأفغاني ، الناشر دار الصميعي
زيارة القبور عند المسلمين » لسالم بن قطوان العبدان ، الناشر دار غراس



-------------------------------------------
[1] رواه الترمذي (3556) ، وصححه الألباني .
[2] رواه الترمذي (2139) ، عن سلمان الفارسي ، وحسنه الألباني ، انظر «الصحيحة» (154) .
[3] رواه الترمذي (3370) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وحسنه الألباني .
[4] رواه أبو داود (1479) ، والترمذي (2969) ، وغيرهما عن النعمان بن بشير ، وصححه الشيخ الألباني .
[5] رواه النسائي (3016) ، عن عبد الرحمن بن يعمر ، وصححه الألباني .
[6] أي حريٌّ .
[7] رواه مسلم (479) .
[8] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 127 .
[9] سورة الأعراف : 55 .
[10] سورة النمل : 62 .
[11] سورة البقرة : 186 .
[12] سورة النساء : 32 .
[13] سورة غافر : 60 .
[14] سورة الأعراف : 29 .
[15] سورة الجن : 18 .
[16] سورة الشعراء : 213 .
[17] سورة القصص : 88 .
[18] سورة يونس : 106 .
[19] سورة الأحقاف : 4 .
[20] سورة سبأ : 22 .
[21] سورة الأحقاف : 5- 6 .
[22] سورة مريم 48 ـ 49 .
[23] تقدم تخريجه .
[24] صدق رحمه الله ، فلا تكاد تخلو عبادة من دعاء ، فالصلاة والحج والأذكار الخاصة والعامة والجهاد كله يشرع فيه دعاء الله عز وجل ، فضلا عن كون الدعاء عبادة مستقلة .
[25] سورة الجن : 20 .
[26] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 131 – 132 ، باختصار وتصرف يسير .
[27] رواه الترمذي (2516) ، وأحمد (1/303) ، وهو في « صحيح الترمذي » للألباني (2516) .
[28] رواه البخاري (1145) ، ومسلم (1772) ، وغيرهما .
[29] رواه عبد بن حميد في « المنتخب » (1494) ، وابن أبي شيبة (29360) ، وصححه الألباني في « السلسلة الصحيحة» (1266) .
[30] آل عمران : 18 .
[31] سورة النساء : 115 .
[32] « سيف الله على من كذب على أولياء الله » ، باختصار ، (ص 15-16) ، الناشر مدار الوطن للنشر .
[33] انظر المراجع المذكور فيها إنكارهم على من دعا غير الله في «المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد» ، جمع د. محمد الخميس ، ص 412 – 418 .
[34] ص 39 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[35] نقله الشوكاني عنه في « الدر النضيد » .
[36] سورة الأعراف : 138 .
[37] رواه الترمذي (2180) عن أبي وافد لليثي ، واللفظ له ، وأحمد (5/218) ، وصححه الألباني في « صحيح الترمذي » .
[38] باختصار من « الباعث على إنكار البدع والحوادث » ، ص 34 -35 ، الناشر دار المؤيد .
[39] « تجريد التوحيد المفيد » ، ص 52 – 53 ، تحقيق علي بن محمد العمران ، الناشر دار عالم الفوائد .
[40] المروق الخروج من شيء من غير مدخله ، والمارقة الذين مرقوا من الدين لغلوهم فيه ، والمروق سرعة الخروج من الشيء . «لسان العرب » .
[41] مختصرا من « الرسالة السنية » ، وتقع كاملة في « مجموع الفتاوى » (3/363-430) ، والمنقول مختصر من الصفحات 383- 400 .
[42] « مجموع الفتاوى » (1/103) .
[43] « مجموع الفتاوى » (27/490) .
[44] « الاستغاثة في الرد على البكري » ص 331 ، تحقيق عبد الله السهلي ، ط 1 ، الناشر مدار الوطن .
[45] (2/649) .
[46] « الفتاوى الكبرى » (4/506) ، (اختيارات شيخ الإسلام) ، باب حكم المرتد .
[47] « مجموع الفتاوى » (1/124) .
[48] الشيخ سليمان من فحول علماء نجد ، ولد سنة 1200 هـ ، درس على عدة مشائخ ، وعنده إجازة في رواية الكتب الستة ، درّس وولي القضاء ، وتوفي شابا شهيدا بإذن الله سنة 1234 هـ ، له عدة مؤلفات من أشهرها كتابه «تيسير العزيز الحميد» ، والكتاب على مدى ثلاث قرون ينهل منه العلماء وطلبة العلم إلى وقتنا هذا ، وهو عمدة في علم توحيد العبادة ، ومن بعده عيال عليه ، رحمة الله رحمة واسعة .
[49] (6/165) .
[50] (10/327) .
[51] أي « غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنهى » لمرعي الالكرمي (3/355) .
[52] (4/297) .
[53] يعني الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه « كشاف القناع في شرح الإقناع » (6/168) .
[54] أي ابن حجر رحمه الله ، واسم كتابه « الإعلام بقواطع الإسلام » .
[55] لا زال الكلام للشيخ سليمان .
[56] أحمد بن إبراهيم بن محمد ، أبو زكريا ، محي الدين ، الدمشقي ، الشافعي ، فقيه مجاهد ، توفي في معركة ضد الفرنجة سنة 814 هـ ، انظر ترجمته في « الضوء اللامع » للسخاوي (1/203) ، و « شذرات الذهب » (7/105) .
[57] أي ومن الكبائر .
[58] « تنبيه الغافلين » ، ص 323 .
[59] « تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد » ، باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره . ص 427 – 428 ، تحقيق أسامة بن عطايا العتيبي ، الناشر دار الصميعي .
وقد نقلت من حاشيته حفظه الله الإحالات على كتب الحنابلة المتقدم ذكرها في أول كلام المؤلف ، وكذا الترجمة المختصرة لابن النحاس رحمه الله .
[60] « مدارج السالكين » ، منزلة التوبة ، ص 605 ، الناشر دار طيبة .
[61] ولكاتبه عفا الله عنه بحث بعنوان « تلاعب الشيطان بعقول القبوريين » ، جمع فيها كلام ابن القيم في هذه المسألة من كتابه المذكور ، ورتبها وفهرسها ، وهو منشور على الشبكة ، نفع الله به .
[62] الطغام هم أراذل الناس وأوغادهم . « النهاية »
[63] « تحقيق كلمة الإخلاص » .
[64] الشيخ عبد الله من فحول علماء نجد ، ولد سنة 1194 هـ وتوفي سنة 1282 هـ ، ولي القضاء والإفتاء ، وله عدة كتب ، رحمه الله رحمة واسعة .
[65] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 147 .
[66] « الدرر السنية » (1/467-468) .
[67] في المطبوع : تدري ، وأظنه تصحيف .
[68] ص 22 – 23 ، ت محمد علي الحلبي ، دار الفتح – الشارقة .
[69] أي حوّلتهم « القاموس المحيط » .
[70] أي وهبته .
[71] أي على الحنيفية وهي عبادة الله وحده .
[72] رواه مسلم (2865) عن عياض المجاشعي رضي الله عنه .
[73] جمعاء أي سليمة من العيوب ، مجتمعة الأعضاء كاملتها ، لا جدَع فيها ولا كيْ .
[74] الجدع هو القطع ، يقال عبد مجدع الأطراف أي مقطع الأطراف ، والمقصود أن البهيمة تكون سليمة حتى يتعرض لها بقطع ، والجدع أكثر ما يستعمل في الأنف . انظر « النهاية في غريب الحديث » لابن الأثير رحمه الله .
[75] رواه البخاري (1358) ، ومسلم (2658) ، وأحمد (2/275) ، ورواه الترمذي بنحوه (2138) ، وأبو داود (4714) ، ومالك في « الجنائز » .
[76] قُرى بالضم جمع قرية وهي البلد ، وإن كانت بالكسر فالمقصود مكان الضيافة لكون مكة تستضيف الناس من مشارق الأرض ومغاربها ، والله أعلم .
[77] أي لاتجاه السفينة .
[78] ص 171 ، الناشر دار ابن القيم .
[79] « مجموع الفتاوى » (27/87-88) .
[80] تِـرة أي نقص .
[81] « الاستغاثة في الرد على البكري » ص 331 – 332 .
[82] « إغاثة اللهفان » ، ص 202 ، تحقيق حامد الفقي .
[83] حرَد أي غضِـب . « لسان العرب » .
[84] أي ما أقل .
[85] « مدارج السالكين » (1/594 – 595) ، ط دار طيبة .
[86] « إيقاظ الوسنان على بيان الخلل في صلح الأخوان » 37 ، الناشر دار الشريف للنشر والتوزيع .
[87] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 82 .
[88] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 88 .
[89] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 84 – 85 .
[90] « الداء والدواء » لابن القيم ، ص 208 – 211 . الناشر دار ابن الجوزي .
[91] أخرجه أحمد في «المسند» (5/428 ، 429) ، وقال محققوه : إسناده حسن .
[92] الآية 62 .
[93] الآية 30 .
[94] « أنوار التنـزيل وأسرار التأويل » ، سورة الأحقاف : 5 ، باختصار وتصرف يسير .
[95] رواه الترمذي (3373) ، والطبراني في « الأوسط » (2452) ، وصححه الألباني رحمه الله في « صحيح الترمذي » (3373) .
[96] رواه البخاري (4497) ، وأحمد (1/374) .
[97] رواه الترمذي (2574) ، وصححه الألباني في « صحيح الترمذي » (2574) .
[98] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 24 ، باختصار .
[99] « تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان » ، أول سورة الصافات .
[100] « إغاثة اللهفان » ، ص 95-96 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[101] رواه البخاري (3197) ، ومسلم (5235) ، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما .
[102] « أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة » ، ص 360 – 361 ، باختصار يسير .
[103] روى مسلم (2104) عن عائشة أنها قالت : واعد رسول الله e جبريل عليه السلام في ساعة يأتيه فيها ، فجاءت تلك الساعة ولم يأته ، وفي يده عصا فألقاها من يده ، وقال : ما يخلف الله وعده ولا رسله ، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره ، فقال : يا عائشة ، متى دخل هذا الكلب ها هنا ؟ فقالت : والله ما دريت) ، فأمر به فأخرج ، فجاء جبريل ، فقال رسول الله e : (واعدتني فجلست لك فلم تأت) .
فقال : منعني الكلب الذي كان في بيتك ، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة .
[104] روى أبو داود في «سننه» (650) عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم يصلي بأصحابه ، فبينما هو في الصلاة إذ خلع نعاله ، فخلع القوم نعالهم ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال لصحبه : ما حملكم على إلقاء نعالكم؟
فقالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا – أو قال : أذى - .
والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما غاب عنه ، وهو في هذا الحديث القذر الذي كان في نعاله ، حتى أخبره جبريل .
والحديث صححه الألباني ، وكذا الشيخ مقبل الوادعي في «الصحيح المسند» (313) ، رحمهما الله .
[105] قصة الهودج رواها البخاري (4750) ومسلم (2770) عن عائشة رضي الله عنها ، والشاهد منها أن عائشة رضي الله عنها خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فلما كانوا ببعض الطريق ذهبت تلتمس عقدا لها ، فلما رجعت فإذا هم قد رحلوا وتركوها ، ظنا منهم أنها كانت في هودجها ، وكانت إذ ذات صغيرة ليست ذات لحم ، فلم يشعروا أنها ليست فيه لخفة وزنها ، فلحقتهم مشيا على أقدامها حتى أدركتهم في الظهيرة ، والشاهد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يعلم ما غاب عنه لعلم بأن زوجته وأقرب الناس له قد ذهب الجيش وتركها .
[106] انظر « البحر الرائق » ، (5/143) ، و «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» (20/505) .
[107] « تفسير ابن جرير » ، سورة غافر : 20 .
[108] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 86 .
[109] « الصواعق المرسلة » ، الفصل العشرون ، ص 497 ، الناشر دار العاصمة .
[110] الرباعية هي السن بين الثنية والناب ، وهي أربعة أسنان ، ثنتان في الفك الأعلى ، وثنتان في الفك الأسفل . انظر «المعجم الوسيط» .
[111] انظر البخاري (4075) ومسلم (1790) .
[112] رواه مسلم (1791) .
[113] قاله ابن حجر في « الفتح » ، كتاب المغازي ، باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد .
[114] أنظر تفصيل ذلك في « صحيح البخاري » (3268) ، ومسلم (2189) ، وابن ماجه (3545) ، وأحمد (6/57) .
[115] رواه أحمد (1/305) وأبو داود (4509) ، والبيهقي (8/46) ، وهو في « المعجم الأوسط » (3/103) .
قال مقيده عفا الله عنه : وفي هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ، وليس كما يدعي بعض الصوفية ، فاحذر وتنبه .
[116] رواه البخاري (4493) ، ومسلم (206) عن أبـي هريرة رضي الله عنه .
[117] رواه البخاري (4494) ، ومسلم (24) عن المسيب بن حزن رضي الله عنه .
[118] أي يلجأ .
[119] « القول السديد في مقاصد التوحيد » ، حاشيته على باب قول الله تعالى )أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون(.
[120] الإسراء : 57 .
[121] « تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان » .
[122] الفرقان : 2
[123] يونس : 107
[124] آل عمران : 160
[125] يس : 23
[126] فاطر : 3
[127] الملك : 20 – 21 ، ومن الجدير الاستشهاد به في هذا السياق قوله تعالى ]إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير[.
[128] البقرة : 102
[129] أي يحفظه .
[130] في « المعجم الوسيط » السَّـخاخ – بفتح السين وتشديدها وفتح الخاء - هي الأرض اللينة الحرة التي لا رمل فيها ، والمقصود أي خسفت به الأرض ، فيكون المعنى موافق للأثر الذي قبله .
[131] « إغاثة اللهفان » ، ص 82 – 83 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[132] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 67 – 68 ، بتصرف يسير .
[133] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 31 – 32 .
[134] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 118 – 119 .
[135] انظر تفسير ابن جرير لسورة التوبة ، الآية 92 .
[136] أي نطلب منه أن يوفر لنا ما يحملنا من الإبل ويحمل أثقالنا ، « شرح النووي » .
[137] أي بيض الأسنمة ، « شرح النووي » .
[138] رواه مسلم (4263) وابن ماجه (2107) والنسائي (3789) .
[139] العنكبوت : 17 .
[140] الذاريات : 56 - 58
[141] الإسراء : 111
[142] محمد : 38
[143] وذلك امتثالا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز . رواه مسلم (2664)
[144] الإسراء : 7
[145] البقرة : 272
[146] رواه مسلم (2577) ، واللفظ الذي ساقه ابن القيم لفظ مختصر .
[147] الإنسان : 9
[148] « إغاثة اللهفان » ، ص 93-95 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[149] من قات يقوت قوتا ، والمعنى أنه الذي يعطي الناس أقواتهم .
[150] أي هو الذي تلجأ إليه الخلائق في حاجاتها .
[151] النحل : 17 - 21
[152] رواه البخاري (4559) ، أو باختصار .
[153] رواه أحمد (2/93) ، وصححه محققو «المسند».
تنبيه : في هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم الغيب ، إذ لو كان يعلم الغيب لما دعا عليهم أصلا .
[154] « جامع البيان في تأويل القرآن » ، تفسير سورة آل عمران : 128 ، و « المعجم الأوسط » (3/101) .
[155] « سيف الله على من كذب على أولياء الله » ، باختصار وتصرف يسير ، تحقيق علي رضا بن عبد الله بن علي رضا ، تقديم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، الناشر دار الوطن للنشر .
[156] الصافات : 86 - 87
[157] « إغاثة اللهفان » ، ص 129-130 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[158] مريم : 81 - 82
[159] يس : 74 - 75
[160] أي في الدنيا كانوا يدافعون عن آلهتهم ويغضبون لها سواء كانت أصناما أو قبورا أو غيرها ، وفي الآخرة تتبرأ منهم .
[161] الكلٌّ هو من كان عبأً على غيره . « المعجم الوسيط » ، والمعنى أنهم في الآخرة سيكونون نقمة عليهم وبلاء إذ لم ينصرونهم كما كانوا يظنون ويحسبون .
[162] هود : 101
[163] الشعراء : 213
[164] الإسراء : 22
[165] « إغاثة اللهفان » ، ص 93 ، باختصار يسير . الناشر دار ابن الجوزي .
[166] أي شابهه وفعل مثل فعله . « المعجم الوسيط » .
[167] أخرجه الذهبي في « العلو » ، برقم (464) ، ص 172 ، الناشر مكتبة أضواء السلف .
[168] في المطبوع : تشبيه ، والصواب أنها منصوبة لأنها خبر ليس .
[169] رقم (936) ، ط دار طيبة .
[170] في المطبوع : لأنه وصف لصفاته ، ولعله تصحيف .
[171] رقم (937) ، الناشر دار طيبة .
[172] في المطبوع : تدري ، وأظنه تصحيف .
[173] والكلام مقدر من النبي صلى الله عليه وسلم .
[174] « أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة » ، ص 342 – 345 ، بتصرف .
[175] هود : 54 .
[176] انظر « حوار مع الصوفية » ، ص 56 ، لأبي بكر العراقي ، نقلا من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، وهو منشور في كتاب « دمعة على التوحيد » ، ص 78 ، الناشر : المنتدى الإسلامي .
[177] انظر « جهود علماء الحنفية لإبطال عقائد القبورية » ، ص 461 .
[178] « موالد مصر المحروسة » ، ص 53 ، نقلا من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، وهو منشور في كتاب « دمعة على التوحيد » ، ص 79 .
[179] ذكره ابن تيمية في « الرد على البكري » ، ص 631 .
[180] قاله محمد أحمد درنيقة ، عن « الانحرافات العقدية » ، ص 218 ، نقلا من مقال «أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار» ، عن « دمعة على التوحيد » ، ص 80 .
[181] « الانحرافات العقدية » ، ص 336 ، نقلا من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، عن ص 84 من «دمعة على التوحيد» .
[182] من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، خالد أبو الفتوح ، نقلا من ص 82 من « دمعة على التوحيد » .
[183] الشيخ عبد اللطيف من علماء نجد الكبار ، عاش في الفترة ما بين 1225 إلى 1293 هجرية ، رحمه الله رحمة واسعة .
[184] « الدرر السنية » ، (1/383) .
[185] أي صمت وضاقت . «لسان العرب» .
[186] « الدرر السنية » ، (1/384) .
[187] الصالح هو القائم بما أمره الله به ، المنتهي عما نهاه الله عنه .
[188] رواه ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى (1853) ، والحاكم (4/190) ، والطبراني في « الكبير » (5/208) ، وقال الألباني : حسن صحيح ، وانظر « الصحيحة » (1203) .
[189] أنظر ما رواه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب النهي أن يسجد لأحد عن قيس بن سعد ، والحديث الآخر حديث ابن بريدة عن أبـيه .
وانظر أيضا ما رواه ابن ماجه (1852) وابن أبي شيبة كلاهما في كتاب النكاح عن عائشة رضي الله عنها .
وانظر أيضا ما رواه الترمذي (1159) وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
[190] انظر « فتح الباري » شرح حديث (6922) .
والأثر رواه ابن عساكر في « تاريخ دمشق » (الناشر دار الفكر) (42/475-476) في (ترجمة علي بن أبي طالب ) ، والأصبهاني في «طبقات المحدثين بأصبهان» (2/342-343) (الناشر مؤسسة الرسالة) ، وانظر ما قاله السمعاني في كتاب « الأنساب » (5/396) (الناشر دار الكتب العلمية) في النسبة إلى (النصيري) .
[191] « مجموع الفتاوى » (27/81) .
[192] (5/384) ، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير الآية الكريمة .
[193] سورة الإسراء ، الآيتان 56 – 57 .
[194] « زبدة التفسير من كلام العلي القدير » ، بتصرف يسير .
[195] رواه مسلم (1631) ، والنسائي (3653) ، وأبو داود (2880) ، وأحمد (2/372) عن أبـي هريرة رضي الله عنه .
[196] رواه مسلم (384) ، والترمذي (3614) ، والنسائي (677) ، وأبو داود (523) ، وأحمد (2/168) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه .
[197] رواه ابن ماجه (1498) ، وأبو داود (3201) ، وصححه الألباني .
ورواه أحمد (2/368) ، والترمذي (1024) بدون زيادة : اللهم لا تحرمنا أجره . . . الحديث .
[198] رواه أبو داود (3221) عن عثمان رضي الله عنه ، وصححه الشيخ ناصر في « صحيح أبـي داود » (3221) .
[199] رواه البخاري (3445) واللفظ له ، وأحمد (1/23) ، والدارمي (2787) .
[200] رواه مسلم (928) .
[201] انظر (2/74) من « الدرر السنية » .
[202] رواه الترمذي (2754) ، وصححه الشيخ الألباني في « صحيح الترمذي » (2754) .
[203] أي أعظمُنا عطاءً وعلُواً على الأعداء ، « عون المعبود » .
[204] رواه أبو داود (4806) ، والنسائي في « الكبرى » (10076) ، والبخاري في « الأدب المفرد » (211) ، وأحمد (4/24 – 25) ، وصححه الألباني في « صحيح أبي داود » .
[205] ص 61 ، ط دار إحياء التراث العربي .
وأخرجه الطيالسي في «المسند» (2325) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (10689) ، والجوهري في مسند ابن الجعد ( ص 195 رقم 1281) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/16) من طريقين عن شعبة قال : سمعت أبا حمزة يحدث عن هلال بن حصين قال : نـزلت دار أبي سعيد ، فضمني وإياه المجلس ، فحدثني أنه أصبح ذات يوم وقد عصب على بطنه من الجوع ، قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأدركت من قوله وهو يقول : من يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن سألنا إما أن نبذل له ، وإما أن نواسيه ، ومن يستغن عنا خير له من أن يسألنا .
قال : فرجعت فما سألته شيئاً .
[206] رواه الترمذي (2326) ، وأبو داود (1452) ، وصححه الألباني رحمه الله كما في « صحيح الترمذي » .
[207] رواه مسلم واللفظ له (1043) ، والنسائي (459) ، وابو داود (1642) ، وابن ماجه (2867) ، وأحمد (6/27) .
[208] الحب هو المحبوب . «النهاية» .
[209] رواه أحمد (1/11) ، وقال محققو «المسند»: حسن لغيره .
[210] « تفسير القرآن العظيم » ، سورة البقرة : آية 130 .
[211] رواه البخاري (2856) ، ومسلم (30) .
[212] الورِق هو الفضة .
[213] رواه الطيالسي في المسند (1161) وأحمد في المسند (4/130) ، والترمذي (2863) وقال : حسن صحيح ، وأبو يعلى في المسند (1571) ، وابن حبان (6233) ، وغيرهم ، وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في إجابة شفهية : حديث جيد رجاله ثقات ، وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني كما في « صحيح الترمذي » (2863) .
[214] أي : كان خليفة المسلمين .
[215] « صحيح البخاري » ، (1399 ، 1400) .
[216] انظر « الدرر السنية » (2/47) .
[217] نقلا من « الرد على الإخنائي » ، لابن تيمية رحمه الله ، ص 466 ، بتصرف يسير .
[218] «الداء والدواء» ، ص 212 – 213 ، بتصرف يسير .
[219] «الداء والدواء» ، ص 217 – 219 ، وبنحوه قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في «السيف المسلول على عابد الرسول» ، ص 33 – 34 .
[220] شرح الحديث السادس .
[221] التوبة : 34 - 35
[222] التوبة : 55
[223] « إغاثة اللهفان » ، ص 84-85 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[224] « مجموع الفتاوى » (1/39) .
[225] « مجموع الفتاوى » (10/185 - 186) .
[226] « مجموع الفتاوى » (10/198) .
[227] رواه أحمد (3/18) ، والبخاري في « الأدب المفرد » (710) ، عن أبـي سعيد الخدري رضي الله عنه . وقال محققو «المسند» : إسناده جيد .
[228] باب « قدوم ضمام بن ثعلبة » (6/52) .
[229] أي خفية . «النهاية» .
[230] أي تكفير العابد لما سوى الله .
[231] «السيف المسلول على عابد الرسول» ، ص 11 .
[232] « حاضر العالم الإسلامي » ، (12 / 259 – 260) ، نقلا من « زيارة القبور عند المسلمين » لسالم بن قطوان العبدان ، ص 21 – 22 .
[233] « الانحرافات العقدية » ، ص 310 ، نقلا من مـقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، ص 85 ، من «دمعة على التوحيد» .
[234] « الاستغاثة في الرد على البكري » (2 / 582 – 587) باختصار يسير .
[235] المقصود بالقول هنا القرآن .
[236] « الاستغاثة في الرد على البكري » (2 / 588 – 589) .
[237] رواه البخاري (7405) ، ومسلم (2675) .

يوسف التازي
15-01-15, 06:31 PM
فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يـَحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم – ولو في شربة ماء – نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ، ولا يُـشرك به .[224]
وقال أيضا : وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه ؛ خضع قلبه لهم ، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك ، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم ، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر ، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له ؛ يبقى قلبه أسيراً لها ، تتحكَّم فيه وتــتصرف بما تريد ، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها ، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها ، لاسيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها ، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ، فإنها حينئذ تَحكَّم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه ، بل أعظم ، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن ، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن ، فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً ، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص ، وأما إذا كان القلب - الذي هو الملِك – رقيقاً مستعبداً مُـتيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض ، والعبودية لما استعبد القلب .[225]
وقال ابن تيمية رحمـه الله أيضا: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه ، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ، ولا يوالي إلا من والاه الله ، ولا يعادي إلا من عاداه الله ، ولا يحب إلا الله ، ولا يبغض شيئا إلا لله ، ولا يعطي إلا لله ، ولا يمنع إلا لله ، فكلما قوي إخلاص دينه لله كمُلت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات ، وبكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر والشرك .[226]
فالحاصل أن العبد إذا أخلص العبادة لله استغنى عن المعبودات الأخرى ، وكفاه الله ووقاه من الشرور والآفات ، كما قال تعالى }أليس الله بكاف عبده{ ، فكلما زادت العبودية زادت الكفاية والوقاية ، أما الذي ينـزل حاجته بمخلوق مثله فإنه لا يزال محتاجاً فقيراً معذباً لا يحصل له مطلوبه ، والعرب كانوا إذا نـزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً استعاذوا بعظيم ذلك الوادي من الجن من أن تصيبهم الشرور ، فلما رأت الجن ذلك زادوهم خوفاً ورعباً كما قال تعالى }وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا{ ، وهذا من براهين التوحيد ليكون الدين كله لله ، ولا يشرك معه أحد .

الوجه الرابع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو أن فاعلي ذلك ليسوا واثقين بما يفعلونه ولا ثابتين عليه ، فتراهم يتنقلون بين معبوداتهم ، فتارةً يدعون ميتاً ، وتارةً يدعون ميتاً آخر ، وآخرون يدعون غير الله في الرخاء وإذا أتــت الشدة أخلصوا الدعاء لله وحده ونسوا ساداتهم ومن كانوا يعبدونهم ، كحال المشركين الأولين الذين قال الله فيهم }فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون{.
ومع شعور هؤلاء بهذه المخادعة النفسية إلا أنهم ماضون في دعاء غير الله ، بسبب التقليد وشدة الحاجة وضعف التعلق بالله العظيم ، ثم إن المضطر إذا كان ضعيف الإيمان أو عديمه ؛ فإنه لا يفكر إلا في قضاء حاجته بأي وسيلة ، شرعية كانت أو شركية!
وهذا التنقل بين المعبودات ، والاضطراب في العبادة من براهين التوحيد ، فإن الذي يفرد الله بالعبادة والدعاء دائما لا يقع في شيء من ذلك ، بل هو مطمئن لما يفعل ، إن أجاب الله دعاءه فالحمد لله أن حصل له ما أراده ، وإن لم يحصل عوّضه الله في الآخرة ، أو دفع عنه من السوء في الدنيا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تُعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها . قالوا : إذا نكثر ، قال : الله أكثر .[227]
فالحمد لله على نعمة الهداية .

الوجه الخامس والأربعون : أن محبة العابد لمعبوده الذي يعبده من دون الله ليست إلا محبة مؤقتة ، سرعان ما تـنقطع إذا انتقل إلى معبودات أخرى ، أو تعرضت تلك الآلهة إلى الفناء والإندثار ، أما العابد لله وحده فيحب الله دائما ، بل ربما تقوى محبته وتعلقه بالله عند الكروب وبعدها ، وهذا من براهين التوحيد ، لتكون العبادة خالصة لله دوما .

الوجه السادس والأربعون: أن الأمور العظيمة كإنـزال الغيث وكشف العذاب لا تحصل إلا بدعاء الله وحده ، قال الله تعالى ]قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتــتكم الساعة بغتة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتـنسون ما تشركون[ ، وقال تعالى ]وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا[ ، وقال تعالى ]أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض[ .
بخلاف دعاء غير الله من أصحاب القبور وغيرهم ؛ فإنه لا تحصل به إلا الأمور الحقيرة التي تقوم بها الجن والشياطين ، التي تستمع لدعاء ذلك الداعي عند القبر فتجيبه وتخاطبه لتغويه ، ليظن ذلك الداعي أن صاحب القبر نفسه هو الذي أجاب دعاءه ، أو أنه توسط له عند الله ليجيب دعاءه .
بل ربما خرق الله العادات بسبب دعاء لله وحده قام به مضطر ، كما حصل لزكريا عليه السلام لما دعا الله أن يرزقه الولد ، وكان زكريا كبـيراً وامرأته عاقراً لا تلد ، فاستجاب الله دعاءه .
وروى البيهقي في « دلائل النبوة »[228] عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب جهز جيشا واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ، فلما كانوا ببعض الطريق أصابهم حر شديد ، فجهدوا وجهدت دوابهم ، فدعا الله بالسقيا ، فثارت سحابة وسقوا حتى امتلأت الغدر والشعاب ، فلما أتوا عدوهم - وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة - وقف على الخليج وقال : (يا علي ، يا عظيم ، يا حليم ، يا كريم) ، ثم قال : (أجيزوا باسم الله) ، قال أنس : فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ، فأصبنا العدو غِيلة[229] ، فقتلنا وأسرنا وسبينا ، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا .
والحاصل أن من البراهين الدالة على استحقاق الله وحده للدعاء ؛ كون الأمور العظيمة والخوارق والكرامات لا تحصل إلا بدعاء الله وحده .

الوجه السابع والأربعون : أن الذين يدعون أصحاب القبور إنما يُستجاب لهم في النادر ، والغالب تخلف الإجابة ، مع الوضع في الإعتبار أن الذي أجاب دعاءهم هو الله وحده ، وإنما استجاب لهم نادرا مكرا بهم ليتمادوا في الضلال ، جزاء لهم على إعراضهم عن دعاءه أول مرة ، والله خير الماكرين .
وأما الموحدون الذين يدعون الله وحده فإنه يستجاب للواحد بعد الواحد ، ولا تكاد تسقط دعوة لواحد منهم إلا لمانع ، وهذا من براهين التوحيد أيضا ، لتكون عبادة الدعاء خالصة لله .

الوجه الثامن والأربعون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله ؛ إنكار واستغراب بعض الكفار لما يفعله عباد القبور عندها من دعاءها والتقرب لها ، قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
وقد كان كثير من اليهود والنصارى يعيبون على من يدّعي الإسلام ما يُفعل عند تلك المشاهد ، ويقولون : إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي ، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه ، والعامة والخاصة - بل اليهود والنصارى والمشركون - يعلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم إنما بُعث بالأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة ما سواه ، وتكفيره[230] .[231]
وقال الكاتب الأمريكي لو ثروب ستودارد وهو من المؤرخين المستشرقين الذين وصفوا انتشار قصد القبور والسفر إليها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الإسلامي ، قال وهو يصف العالم الإسلامي من الناحية السياسية والاجتماعية :
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء ، فأُلبست الوحدانية التي علَّمها صاحب الرسالة سِجنا من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من روادها ، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين ، يخرجون من مكان إلى مكان ، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور ، وغابت عن الناس فضائل القرآن ، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان ، وعلى الجملة فقد بُدل المسلمون غير المسلمين ، وهبطوا مهبطا بعيد القرار ، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام ؛ لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين ، كما يُلعن المرتدون وعبدة الأوثان .[232]

الوجه التاسع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء غير الله ما نراه من الأثر السيء الذي خلفه تعظيم القبور والأضرحة على الأمة في الناحية الدنيوية في أمور مهمة تتعلق بقوامة الأمة وعمارة الأرض التي أمر الله بها في قوله ]هو الذي خلقكم في الأرض واستعمركم فيها لينظر كيف تعملون[ ، وقوله ]هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور[ .
وبيان ذلك أنه قلت رغبة الناس في بعض المجتمعات التي ينتشر فيها التعلق بغير الله في تعلم العلوم الطبية ، ورغِبوا عن التحصيل العلمي والدراسات الجامعية العليا ، لأنهم صاروا يرَون الطب الحقيقي هو الاستشفاء على يد الموتى بالتقرب لهم بما هو من خصائص الله تعالى ، ليس هذا فحسب ، بل أُهملت الخدمات الاجتماعية للأَحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات ، وليس هذا هو المنهج الذي ابتغاه الله للناس.
وفي هذا يقول الباحث علي الزهراني حفظه الله:
وهكذا انصرف الناس إلى خدمة الأموات بإعمار أضرحتهم وبناء القباب عليها ، وصرفوا جهودهم وأموالهم ، وكان ذلك على حساب الاهتمام بخدمة الأحياء بالتربية والتعليم ، وتوفير وسائل العيش الكريم لهم ، وتقوية الأمة التي كان أعداؤها في الخارج يتربصون بها الدوائر .[233]
بل قد هيأ هذا الانحراف العقدي الخطير الناس في القرن الهجري الماضي لقبول الغزو الفكري متمثلا في نشر العلمانية والشيوعية وغيرها ، كما سهل للأعداء التسلط عليهم واحتلالهم ، لأن أهل البلد اعتمدوا على موتى ، فوكَلهم الله إليهم .

الوجه الخمسون : أن عمدة من يدعون غير الله إما شبهات حديثية ، كأحاديث ضعيفة أو مكذوبة ، أو شبهات عقلية ، أو تجارب وضعية ، أو قصص أو حكايات أو منامات ، وكل هذا لا يُعتمد عليه في فروع الدين فضلا عن أصوله ، قال ابن تيمية رحمه الله :
وأما أولئك الضلال ، أشباه المشركين النصارى ، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، أو منقولات عمن لا يـُحتج بقوله ، إما أن يكون كذباً عليه ، وإما أن يكون غلطاً منه ، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم ، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ؛ حرفوا الكلم عن مواضعه ، وتمسكوا بمتشابهه ، وتركوا محكمه ، كما يفعل النصارى .[234]
وربما احتجوا بأمثلة جزئية خاصة لإثبات قضايا كلية عامة ، فيحتجون مثلا لإثبات جواز مطلق الاستغاثة - فيما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر عليه – بسؤال بعض الناس النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ، ومعلوم أن الذي ثبتت به السنة حق لا ريب فيه ، لكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع الدعاوى العامة ، وإبطال نقيضها ، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال جزئي ، لا سيما مع الاختلاف والتباين ، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع الملاهي لكل أحد والتقرب بها إلى الله ؛ بكون الجاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد ، مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليها .
أو يحتج على استماع كل قول بقوله ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ ، ولا يدري أن القول هنا هو القرآن ، كما في قوله ﴿أفلم يدبروا القول[235] أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ ، وإلا فمسَـلّم أنه لا يسوغ استماع كل قول .[236]

قال مقيده عفا الله عنه : ومن الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حديث : (إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور) ، وحديث : (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) ، وأشباهها .

الوجه الحادي والخمسون: ومن وجوه بطلان اتخاذ الواسطة أن فاعل ذلك قد حرم نفسه من فرح الله بإقباله إليه ، وانطراحه بـين يديه ، واستعاض عن هذا بالانطراح بين يدي ميت ، ليس له من الأمر شيء ، ولا يقربه من ربه بشيء ، ومن المعلوم أن الله أشد فرحا من عبده بإقباله إليه ولو بلغت ذنوب عبده عنان السماء ، قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبـي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بـي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .[237]


والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .

تمت الرسالة بحمد الله .


ثبت لبعض المراجع
« دلائل النبوة » ، أحمد بن الحسين البيهقي ، الناشر دار الكتب العلمية ، ط 2
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين ، مقبل بن هادي الوادعي ، الناشر دار الآثار - صنعاء ، ط 1426 هجري
الرد على الإخنائي ، ابن تيمية ، تحقيق أحمد بن مونس العنزي ، دار الخراز
الاستغاثة في الرد على البكري ، ابن تيمية ، تحقيق عبد الله السهلي ، ط 1 ، مدار الوطن
الداء والدواء ، ابن القيم ، الناشر دار ابن الجوزي ، ط 1425 هجري
المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد ، جمع د. محمد الخميس ، دار أطلس
تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ، عبد الله أبا بطين ، مؤسسة الرسالة
السيف المسلول على عابد الرسول ، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
دمعة على التوحيد ، الناشر المنتدى الإسلامي
جهود علماء الحنفية لإبطال عقائد القبورية ، شمس الدين الأفغاني ، الناشر دار الصميعي
زيارة القبور عند المسلمين » لسالم بن قطوان العبدان ، الناشر دار غراس



-------------------------------------------
[1] رواه الترمذي (3556) ، وصححه الألباني .
[2] رواه الترمذي (2139) ، عن سلمان الفارسي ، وحسنه الألباني ، انظر «الصحيحة» (154) .
[3] رواه الترمذي (3370) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وحسنه الألباني .
[4] رواه أبو داود (1479) ، والترمذي (2969) ، وغيرهما عن النعمان بن بشير ، وصححه الشيخ الألباني .
[5] رواه النسائي (3016) ، عن عبد الرحمن بن يعمر ، وصححه الألباني .
[6] أي حريٌّ .
[7] رواه مسلم (479) .
[8] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 127 .
[9] سورة الأعراف : 55 .
[10] سورة النمل : 62 .
[11] سورة البقرة : 186 .
[12] سورة النساء : 32 .
[13] سورة غافر : 60 .
[14] سورة الأعراف : 29 .
[15] سورة الجن : 18 .
[16] سورة الشعراء : 213 .
[17] سورة القصص : 88 .
[18] سورة يونس : 106 .
[19] سورة الأحقاف : 4 .
[20] سورة سبأ : 22 .
[21] سورة الأحقاف : 5- 6 .
[22] سورة مريم 48 ـ 49 .
[23] تقدم تخريجه .
[24] صدق رحمه الله ، فلا تكاد تخلو عبادة من دعاء ، فالصلاة والحج والأذكار الخاصة والعامة والجهاد كله يشرع فيه دعاء الله عز وجل ، فضلا عن كون الدعاء عبادة مستقلة .
[25] سورة الجن : 20 .
[26] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 131 – 132 ، باختصار وتصرف يسير .
[27] رواه الترمذي (2516) ، وأحمد (1/303) ، وهو في « صحيح الترمذي » للألباني (2516) .
[28] رواه البخاري (1145) ، ومسلم (1772) ، وغيرهما .
[29] رواه عبد بن حميد في « المنتخب » (1494) ، وابن أبي شيبة (29360) ، وصححه الألباني في « السلسلة الصحيحة» (1266) .
[30] آل عمران : 18 .
[31] سورة النساء : 115 .
[32] « سيف الله على من كذب على أولياء الله » ، باختصار ، (ص 15-16) ، الناشر مدار الوطن للنشر .
[33] انظر المراجع المذكور فيها إنكارهم على من دعا غير الله في «المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد» ، جمع د. محمد الخميس ، ص 412 – 418 .
[34] ص 39 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[35] نقله الشوكاني عنه في « الدر النضيد » .
[36] سورة الأعراف : 138 .
[37] رواه الترمذي (2180) عن أبي وافد لليثي ، واللفظ له ، وأحمد (5/218) ، وصححه الألباني في « صحيح الترمذي » .
[38] باختصار من « الباعث على إنكار البدع والحوادث » ، ص 34 -35 ، الناشر دار المؤيد .
[39] « تجريد التوحيد المفيد » ، ص 52 – 53 ، تحقيق علي بن محمد العمران ، الناشر دار عالم الفوائد .
[40] المروق الخروج من شيء من غير مدخله ، والمارقة الذين مرقوا من الدين لغلوهم فيه ، والمروق سرعة الخروج من الشيء . «لسان العرب » .
[41] مختصرا من « الرسالة السنية » ، وتقع كاملة في « مجموع الفتاوى » (3/363-430) ، والمنقول مختصر من الصفحات 383- 400 .
[42] « مجموع الفتاوى » (1/103) .
[43] « مجموع الفتاوى » (27/490) .
[44] « الاستغاثة في الرد على البكري » ص 331 ، تحقيق عبد الله السهلي ، ط 1 ، الناشر مدار الوطن .
[45] (2/649) .
[46] « الفتاوى الكبرى » (4/506) ، (اختيارات شيخ الإسلام) ، باب حكم المرتد .
[47] « مجموع الفتاوى » (1/124) .
[48] الشيخ سليمان من فحول علماء نجد ، ولد سنة 1200 هـ ، درس على عدة مشائخ ، وعنده إجازة في رواية الكتب الستة ، درّس وولي القضاء ، وتوفي شابا شهيدا بإذن الله سنة 1234 هـ ، له عدة مؤلفات من أشهرها كتابه «تيسير العزيز الحميد» ، والكتاب على مدى ثلاث قرون ينهل منه العلماء وطلبة العلم إلى وقتنا هذا ، وهو عمدة في علم توحيد العبادة ، ومن بعده عيال عليه ، رحمة الله رحمة واسعة .
[49] (6/165) .
[50] (10/327) .
[51] أي « غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنهى » لمرعي الالكرمي (3/355) .
[52] (4/297) .
[53] يعني الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه « كشاف القناع في شرح الإقناع » (6/168) .
[54] أي ابن حجر رحمه الله ، واسم كتابه « الإعلام بقواطع الإسلام » .
[55] لا زال الكلام للشيخ سليمان .
[56] أحمد بن إبراهيم بن محمد ، أبو زكريا ، محي الدين ، الدمشقي ، الشافعي ، فقيه مجاهد ، توفي في معركة ضد الفرنجة سنة 814 هـ ، انظر ترجمته في « الضوء اللامع » للسخاوي (1/203) ، و « شذرات الذهب » (7/105) .
[57] أي ومن الكبائر .
[58] « تنبيه الغافلين » ، ص 323 .
[59] « تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد » ، باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره . ص 427 – 428 ، تحقيق أسامة بن عطايا العتيبي ، الناشر دار الصميعي .
وقد نقلت من حاشيته حفظه الله الإحالات على كتب الحنابلة المتقدم ذكرها في أول كلام المؤلف ، وكذا الترجمة المختصرة لابن النحاس رحمه الله .
[60] « مدارج السالكين » ، منزلة التوبة ، ص 605 ، الناشر دار طيبة .
[61] ولكاتبه عفا الله عنه بحث بعنوان « تلاعب الشيطان بعقول القبوريين » ، جمع فيها كلام ابن القيم في هذه المسألة من كتابه المذكور ، ورتبها وفهرسها ، وهو منشور على الشبكة ، نفع الله به .
[62] الطغام هم أراذل الناس وأوغادهم . « النهاية »
[63] « تحقيق كلمة الإخلاص » .
[64] الشيخ عبد الله من فحول علماء نجد ، ولد سنة 1194 هـ وتوفي سنة 1282 هـ ، ولي القضاء والإفتاء ، وله عدة كتب ، رحمه الله رحمة واسعة .
[65] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 147 .
[66] « الدرر السنية » (1/467-468) .
[67] في المطبوع : تدري ، وأظنه تصحيف .
[68] ص 22 – 23 ، ت محمد علي الحلبي ، دار الفتح – الشارقة .
[69] أي حوّلتهم « القاموس المحيط » .
[70] أي وهبته .
[71] أي على الحنيفية وهي عبادة الله وحده .
[72] رواه مسلم (2865) عن عياض المجاشعي رضي الله عنه .
[73] جمعاء أي سليمة من العيوب ، مجتمعة الأعضاء كاملتها ، لا جدَع فيها ولا كيْ .
[74] الجدع هو القطع ، يقال عبد مجدع الأطراف أي مقطع الأطراف ، والمقصود أن البهيمة تكون سليمة حتى يتعرض لها بقطع ، والجدع أكثر ما يستعمل في الأنف . انظر « النهاية في غريب الحديث » لابن الأثير رحمه الله .
[75] رواه البخاري (1358) ، ومسلم (2658) ، وأحمد (2/275) ، ورواه الترمذي بنحوه (2138) ، وأبو داود (4714) ، ومالك في « الجنائز » .
[76] قُرى بالضم جمع قرية وهي البلد ، وإن كانت بالكسر فالمقصود مكان الضيافة لكون مكة تستضيف الناس من مشارق الأرض ومغاربها ، والله أعلم .
[77] أي لاتجاه السفينة .
[78] ص 171 ، الناشر دار ابن القيم .
[79] « مجموع الفتاوى » (27/87-88) .
[80] تِـرة أي نقص .
[81] « الاستغاثة في الرد على البكري » ص 331 – 332 .
[82] « إغاثة اللهفان » ، ص 202 ، تحقيق حامد الفقي .
[83] حرَد أي غضِـب . « لسان العرب » .
[84] أي ما أقل .
[85] « مدارج السالكين » (1/594 – 595) ، ط دار طيبة .
[86] « إيقاظ الوسنان على بيان الخلل في صلح الأخوان » 37 ، الناشر دار الشريف للنشر والتوزيع .
[87] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 82 .
[88] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 88 .
[89] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 84 – 85 .
[90] « الداء والدواء » لابن القيم ، ص 208 – 211 . الناشر دار ابن الجوزي .
[91] أخرجه أحمد في «المسند» (5/428 ، 429) ، وقال محققوه : إسناده حسن .
[92] الآية 62 .
[93] الآية 30 .
[94] « أنوار التنـزيل وأسرار التأويل » ، سورة الأحقاف : 5 ، باختصار وتصرف يسير .
[95] رواه الترمذي (3373) ، والطبراني في « الأوسط » (2452) ، وصححه الألباني رحمه الله في « صحيح الترمذي » (3373) .
[96] رواه البخاري (4497) ، وأحمد (1/374) .
[97] رواه الترمذي (2574) ، وصححه الألباني في « صحيح الترمذي » (2574) .
[98] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 24 ، باختصار .
[99] « تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان » ، أول سورة الصافات .
[100] « إغاثة اللهفان » ، ص 95-96 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[101] رواه البخاري (3197) ، ومسلم (5235) ، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما .
[102] « أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة » ، ص 360 – 361 ، باختصار يسير .
[103] روى مسلم (2104) عن عائشة أنها قالت : واعد رسول الله e جبريل عليه السلام في ساعة يأتيه فيها ، فجاءت تلك الساعة ولم يأته ، وفي يده عصا فألقاها من يده ، وقال : ما يخلف الله وعده ولا رسله ، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره ، فقال : يا عائشة ، متى دخل هذا الكلب ها هنا ؟ فقالت : والله ما دريت) ، فأمر به فأخرج ، فجاء جبريل ، فقال رسول الله e : (واعدتني فجلست لك فلم تأت) .
فقال : منعني الكلب الذي كان في بيتك ، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة .
[104] روى أبو داود في «سننه» (650) عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم يصلي بأصحابه ، فبينما هو في الصلاة إذ خلع نعاله ، فخلع القوم نعالهم ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال لصحبه : ما حملكم على إلقاء نعالكم؟
فقالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا – أو قال : أذى - .
والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما غاب عنه ، وهو في هذا الحديث القذر الذي كان في نعاله ، حتى أخبره جبريل .
والحديث صححه الألباني ، وكذا الشيخ مقبل الوادعي في «الصحيح المسند» (313) ، رحمهما الله .
[105] قصة الهودج رواها البخاري (4750) ومسلم (2770) عن عائشة رضي الله عنها ، والشاهد منها أن عائشة رضي الله عنها خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فلما كانوا ببعض الطريق ذهبت تلتمس عقدا لها ، فلما رجعت فإذا هم قد رحلوا وتركوها ، ظنا منهم أنها كانت في هودجها ، وكانت إذ ذات صغيرة ليست ذات لحم ، فلم يشعروا أنها ليست فيه لخفة وزنها ، فلحقتهم مشيا على أقدامها حتى أدركتهم في الظهيرة ، والشاهد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يعلم ما غاب عنه لعلم بأن زوجته وأقرب الناس له قد ذهب الجيش وتركها .
[106] انظر « البحر الرائق » ، (5/143) ، و «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» (20/505) .
[107] « تفسير ابن جرير » ، سورة غافر : 20 .
[108] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 86 .
[109] « الصواعق المرسلة » ، الفصل العشرون ، ص 497 ، الناشر دار العاصمة .
[110] الرباعية هي السن بين الثنية والناب ، وهي أربعة أسنان ، ثنتان في الفك الأعلى ، وثنتان في الفك الأسفل . انظر «المعجم الوسيط» .
[111] انظر البخاري (4075) ومسلم (1790) .
[112] رواه مسلم (1791) .
[113] قاله ابن حجر في « الفتح » ، كتاب المغازي ، باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد .
[114] أنظر تفصيل ذلك في « صحيح البخاري » (3268) ، ومسلم (2189) ، وابن ماجه (3545) ، وأحمد (6/57) .
[115] رواه أحمد (1/305) وأبو داود (4509) ، والبيهقي (8/46) ، وهو في « المعجم الأوسط » (3/103) .
قال مقيده عفا الله عنه : وفي هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ، وليس كما يدعي بعض الصوفية ، فاحذر وتنبه .
[116] رواه البخاري (4493) ، ومسلم (206) عن أبـي هريرة رضي الله عنه .
[117] رواه البخاري (4494) ، ومسلم (24) عن المسيب بن حزن رضي الله عنه .
[118] أي يلجأ .
[119] « القول السديد في مقاصد التوحيد » ، حاشيته على باب قول الله تعالى )أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون(.
[120] الإسراء : 57 .
[121] « تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان » .
[122] الفرقان : 2
[123] يونس : 107
[124] آل عمران : 160
[125] يس : 23
[126] فاطر : 3
[127] الملك : 20 – 21 ، ومن الجدير الاستشهاد به في هذا السياق قوله تعالى ]إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير[.
[128] البقرة : 102
[129] أي يحفظه .
[130] في « المعجم الوسيط » السَّـخاخ – بفتح السين وتشديدها وفتح الخاء - هي الأرض اللينة الحرة التي لا رمل فيها ، والمقصود أي خسفت به الأرض ، فيكون المعنى موافق للأثر الذي قبله .
[131] « إغاثة اللهفان » ، ص 82 – 83 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[132] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 67 – 68 ، بتصرف يسير .
[133] « السيف المسلول على عابد الرسول » ، ص 31 – 32 .
[134] « تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس » ، ص 118 – 119 .
[135] انظر تفسير ابن جرير لسورة التوبة ، الآية 92 .
[136] أي نطلب منه أن يوفر لنا ما يحملنا من الإبل ويحمل أثقالنا ، « شرح النووي » .
[137] أي بيض الأسنمة ، « شرح النووي » .
[138] رواه مسلم (4263) وابن ماجه (2107) والنسائي (3789) .
[139] العنكبوت : 17 .
[140] الذاريات : 56 - 58
[141] الإسراء : 111
[142] محمد : 38
[143] وذلك امتثالا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز . رواه مسلم (2664)
[144] الإسراء : 7
[145] البقرة : 272
[146] رواه مسلم (2577) ، واللفظ الذي ساقه ابن القيم لفظ مختصر .
[147] الإنسان : 9
[148] « إغاثة اللهفان » ، ص 93-95 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[149] من قات يقوت قوتا ، والمعنى أنه الذي يعطي الناس أقواتهم .
[150] أي هو الذي تلجأ إليه الخلائق في حاجاتها .
[151] النحل : 17 - 21
[152] رواه البخاري (4559) ، أو باختصار .
[153] رواه أحمد (2/93) ، وصححه محققو «المسند».
تنبيه : في هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم الغيب ، إذ لو كان يعلم الغيب لما دعا عليهم أصلا .
[154] « جامع البيان في تأويل القرآن » ، تفسير سورة آل عمران : 128 ، و « المعجم الأوسط » (3/101) .
[155] « سيف الله على من كذب على أولياء الله » ، باختصار وتصرف يسير ، تحقيق علي رضا بن عبد الله بن علي رضا ، تقديم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، الناشر دار الوطن للنشر .
[156] الصافات : 86 - 87
[157] « إغاثة اللهفان » ، ص 129-130 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[158] مريم : 81 - 82
[159] يس : 74 - 75
[160] أي في الدنيا كانوا يدافعون عن آلهتهم ويغضبون لها سواء كانت أصناما أو قبورا أو غيرها ، وفي الآخرة تتبرأ منهم .
[161] الكلٌّ هو من كان عبأً على غيره . « المعجم الوسيط » ، والمعنى أنهم في الآخرة سيكونون نقمة عليهم وبلاء إذ لم ينصرونهم كما كانوا يظنون ويحسبون .
[162] هود : 101
[163] الشعراء : 213
[164] الإسراء : 22
[165] « إغاثة اللهفان » ، ص 93 ، باختصار يسير . الناشر دار ابن الجوزي .
[166] أي شابهه وفعل مثل فعله . « المعجم الوسيط » .
[167] أخرجه الذهبي في « العلو » ، برقم (464) ، ص 172 ، الناشر مكتبة أضواء السلف .
[168] في المطبوع : تشبيه ، والصواب أنها منصوبة لأنها خبر ليس .
[169] رقم (936) ، ط دار طيبة .
[170] في المطبوع : لأنه وصف لصفاته ، ولعله تصحيف .
[171] رقم (937) ، الناشر دار طيبة .
[172] في المطبوع : تدري ، وأظنه تصحيف .
[173] والكلام مقدر من النبي صلى الله عليه وسلم .
[174] « أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة » ، ص 342 – 345 ، بتصرف .
[175] هود : 54 .
[176] انظر « حوار مع الصوفية » ، ص 56 ، لأبي بكر العراقي ، نقلا من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، وهو منشور في كتاب « دمعة على التوحيد » ، ص 78 ، الناشر : المنتدى الإسلامي .
[177] انظر « جهود علماء الحنفية لإبطال عقائد القبورية » ، ص 461 .
[178] « موالد مصر المحروسة » ، ص 53 ، نقلا من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، وهو منشور في كتاب « دمعة على التوحيد » ، ص 79 .
[179] ذكره ابن تيمية في « الرد على البكري » ، ص 631 .
[180] قاله محمد أحمد درنيقة ، عن « الانحرافات العقدية » ، ص 218 ، نقلا من مقال «أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار» ، عن « دمعة على التوحيد » ، ص 80 .
[181] « الانحرافات العقدية » ، ص 336 ، نقلا من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، عن ص 84 من «دمعة على التوحيد» .
[182] من مقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، خالد أبو الفتوح ، نقلا من ص 82 من « دمعة على التوحيد » .
[183] الشيخ عبد اللطيف من علماء نجد الكبار ، عاش في الفترة ما بين 1225 إلى 1293 هجرية ، رحمه الله رحمة واسعة .
[184] « الدرر السنية » ، (1/383) .
[185] أي صمت وضاقت . «لسان العرب» .
[186] « الدرر السنية » ، (1/384) .
[187] الصالح هو القائم بما أمره الله به ، المنتهي عما نهاه الله عنه .
[188] رواه ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى (1853) ، والحاكم (4/190) ، والطبراني في « الكبير » (5/208) ، وقال الألباني : حسن صحيح ، وانظر « الصحيحة » (1203) .
[189] أنظر ما رواه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب النهي أن يسجد لأحد عن قيس بن سعد ، والحديث الآخر حديث ابن بريدة عن أبـيه .
وانظر أيضا ما رواه ابن ماجه (1852) وابن أبي شيبة كلاهما في كتاب النكاح عن عائشة رضي الله عنها .
وانظر أيضا ما رواه الترمذي (1159) وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
[190] انظر « فتح الباري » شرح حديث (6922) .
والأثر رواه ابن عساكر في « تاريخ دمشق » (الناشر دار الفكر) (42/475-476) في (ترجمة علي بن أبي طالب ) ، والأصبهاني في «طبقات المحدثين بأصبهان» (2/342-343) (الناشر مؤسسة الرسالة) ، وانظر ما قاله السمعاني في كتاب « الأنساب » (5/396) (الناشر دار الكتب العلمية) في النسبة إلى (النصيري) .
[191] « مجموع الفتاوى » (27/81) .
[192] (5/384) ، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير الآية الكريمة .
[193] سورة الإسراء ، الآيتان 56 – 57 .
[194] « زبدة التفسير من كلام العلي القدير » ، بتصرف يسير .
[195] رواه مسلم (1631) ، والنسائي (3653) ، وأبو داود (2880) ، وأحمد (2/372) عن أبـي هريرة رضي الله عنه .
[196] رواه مسلم (384) ، والترمذي (3614) ، والنسائي (677) ، وأبو داود (523) ، وأحمد (2/168) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه .
[197] رواه ابن ماجه (1498) ، وأبو داود (3201) ، وصححه الألباني .
ورواه أحمد (2/368) ، والترمذي (1024) بدون زيادة : اللهم لا تحرمنا أجره . . . الحديث .
[198] رواه أبو داود (3221) عن عثمان رضي الله عنه ، وصححه الشيخ ناصر في « صحيح أبـي داود » (3221) .
[199] رواه البخاري (3445) واللفظ له ، وأحمد (1/23) ، والدارمي (2787) .
[200] رواه مسلم (928) .
[201] انظر (2/74) من « الدرر السنية » .
[202] رواه الترمذي (2754) ، وصححه الشيخ الألباني في « صحيح الترمذي » (2754) .
[203] أي أعظمُنا عطاءً وعلُواً على الأعداء ، « عون المعبود » .
[204] رواه أبو داود (4806) ، والنسائي في « الكبرى » (10076) ، والبخاري في « الأدب المفرد » (211) ، وأحمد (4/24 – 25) ، وصححه الألباني في « صحيح أبي داود » .
[205] ص 61 ، ط دار إحياء التراث العربي .
وأخرجه الطيالسي في «المسند» (2325) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (10689) ، والجوهري في مسند ابن الجعد ( ص 195 رقم 1281) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/16) من طريقين عن شعبة قال : سمعت أبا حمزة يحدث عن هلال بن حصين قال : نـزلت دار أبي سعيد ، فضمني وإياه المجلس ، فحدثني أنه أصبح ذات يوم وقد عصب على بطنه من الجوع ، قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأدركت من قوله وهو يقول : من يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن سألنا إما أن نبذل له ، وإما أن نواسيه ، ومن يستغن عنا خير له من أن يسألنا .
قال : فرجعت فما سألته شيئاً .
[206] رواه الترمذي (2326) ، وأبو داود (1452) ، وصححه الألباني رحمه الله كما في « صحيح الترمذي » .
[207] رواه مسلم واللفظ له (1043) ، والنسائي (459) ، وابو داود (1642) ، وابن ماجه (2867) ، وأحمد (6/27) .
[208] الحب هو المحبوب . «النهاية» .
[209] رواه أحمد (1/11) ، وقال محققو «المسند»: حسن لغيره .
[210] « تفسير القرآن العظيم » ، سورة البقرة : آية 130 .
[211] رواه البخاري (2856) ، ومسلم (30) .
[212] الورِق هو الفضة .
[213] رواه الطيالسي في المسند (1161) وأحمد في المسند (4/130) ، والترمذي (2863) وقال : حسن صحيح ، وأبو يعلى في المسند (1571) ، وابن حبان (6233) ، وغيرهم ، وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في إجابة شفهية : حديث جيد رجاله ثقات ، وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني كما في « صحيح الترمذي » (2863) .
[214] أي : كان خليفة المسلمين .
[215] « صحيح البخاري » ، (1399 ، 1400) .
[216] انظر « الدرر السنية » (2/47) .
[217] نقلا من « الرد على الإخنائي » ، لابن تيمية رحمه الله ، ص 466 ، بتصرف يسير .
[218] «الداء والدواء» ، ص 212 – 213 ، بتصرف يسير .
[219] «الداء والدواء» ، ص 217 – 219 ، وبنحوه قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في «السيف المسلول على عابد الرسول» ، ص 33 – 34 .
[220] شرح الحديث السادس .
[221] التوبة : 34 - 35
[222] التوبة : 55
[223] « إغاثة اللهفان » ، ص 84-85 ، الناشر دار ابن الجوزي .
[224] « مجموع الفتاوى » (1/39) .
[225] « مجموع الفتاوى » (10/185 - 186) .
[226] « مجموع الفتاوى » (10/198) .
[227] رواه أحمد (3/18) ، والبخاري في « الأدب المفرد » (710) ، عن أبـي سعيد الخدري رضي الله عنه . وقال محققو «المسند» : إسناده جيد .
[228] باب « قدوم ضمام بن ثعلبة » (6/52) .
[229] أي خفية . «النهاية» .
[230] أي تكفير العابد لما سوى الله .
[231] «السيف المسلول على عابد الرسول» ، ص 11 .
[232] « حاضر العالم الإسلامي » ، (12 / 259 – 260) ، نقلا من « زيارة القبور عند المسلمين » لسالم بن قطوان العبدان ، ص 21 – 22 .
[233] « الانحرافات العقدية » ، ص 310 ، نقلا من مـقال « أفيون الشعوب الإسلامية ، النتائج والآثار » ، ص 85 ، من «دمعة على التوحيد» .
[234] « الاستغاثة في الرد على البكري » (2 / 582 – 587) باختصار يسير .
[235] المقصود بالقول هنا القرآن .
[236] « الاستغاثة في الرد على البكري » (2 / 588 – 589) .
[237] رواه البخاري (7405) ، ومسلم (2675) .

يوسف التازي
16-01-15, 05:08 PM
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد،
فإن الغاية التي من أجلها خلق الله الجن والإنس هي أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، قال تعالى : ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) ، والعبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .
فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين ، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكـين وابن السبيل والمملوك ، والإحسان إلى البهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة .
وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمته ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه ، وأمثال ذلك ؛ هي من العبادة لله .
وضد العبادة الشرك في عبادة الله ، بأن يجعل الإنسان لله شريكا يعبده كما يعبد الله ، ويخافه كما يخاف الله ، ويتقـرب إليه بشيء من العبادات كما يتقرب لله ، من دعاء وصلاة أو ذبح أو نذر أو غير ذلك .
والكلام في هذا البحث المختصر منصب على مسألة صرف عبادة الدعاء لغير الله ، وقبل البدء في مناقشة هذاه المسألة أقول إن الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة ، إلا أنه من أكثر العبادات التي شرّك الناس فيها بين الله وبين خلقه ، فإنك تجد - مع الأسف الشديد - كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام قد وقعوا في دعاء غير الله والاستغاثة بهم ، سواءً كانوا من الأنبـياء أو الصالحين ، كمن يقول يا نبـي الله ، أو يا عبد القادر الجيلاني ، أو يا بدوي ، أشكو إليك ذنوبـي ، أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني ، أو يقول أنا نـزيلك ، أنا ضيفك ، أنا جارك ، أو أنت تجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به ، أو ارزقني الولد ، أو قول القائل إذا عثر : يا جاه محمد ، يا ست نفيسة ، أو يا سيدي الشيخ فلان ، ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تعلق وتوجه ودعاء لغير الله ، وبعضهم يكتب على أوراق ويعلقها عند القبور ، أو يكتب محضرا أنه استجار بفلان ثم يذهب إلى أحد المقبورين بذلك المحضر ليغيثه !
وفي هذه الوريقات ؛ نقلت ما يسر الله نقله من أدلة شرعية على عظم شأن الدعاء من بين سائر العبادات ، ثم ذكر الأدلة الدالة على وجوب دعاء الله وحده وترك دعاء من سواه ، ثم عطفت بذكر نقول علمية عن علماء المذاهب الفقهية المشهورة في تحريم دعاء غير الله ، وبيان أن فاعل ذلك مشرك خارج من ملة الإسلام ، ثم ختمت بنقل كلام نفيس للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في وجوب دعاء الله ، وتحريم دعاء غيره .
والله أسأل أن يوفق المسلمين جميعا لإخلاص العمل لله وحده ، وأن يجنبهم طرق الشرك والضلال ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .

وكتبه ، ماجد بن سليمان الرسي
Readquran1000@hotmail.com
هاتف : 00966505906761
المملكة العربية السعودية
http://www.saaid.net/kutob/


--------------------------------------------------------------------------------


تأصيل ، الدعاء عبادة

الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة .
وقد جاءت الأدلة في بيان عِظم شأن الدعاء فمنها :
حديث سلمان الفارسي عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حيـي كريم يستحيـي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين .[1]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يرد القضاء إلا الدعاء .[2]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء .[3]
وقد جاء تصريح النبـي صلى الله عليه وسلم في أن الدعاء عبادة في قوله : الدعاء هو العبادة ، وقرأ}وقال ربكم ادعوني استجب لكم( إلى قوله )داخرين{ .[4]
وحصْر العبادة في الدعاء - وإن كان حصْراً ادعائيا - فإنه يدل على عظـم الدعاء وشرف مكانته ، وأنه لب العبادة وخالصها ، وركنها الأعظم ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة .[5]
كما سمى الله الدعاء عبادة في قوله : (( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البـينات من ربـي))، وقال تعالى : ((وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)) ، فعبر الله عن الدعاء بالعبـادة في الآيتين ، فدل ذلك على عِظم شأنه .
وقد سمى الله الدعاء ديناً كما في قوله تعالى: (( وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)).
فجعل الله سبحانه الدين بدلا من الدعاء ، وعرفه بالألف واللام التي تفيد العهد ، فدل ذلك على أن الدعاء دينا ، وما كان دينا فهو عبادة .
وقد أمر الله بدعائه ، وكل ما أمر الله بفعله فهو عبادة واجبة أو مستحبة ، قال تعالى}وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{ ، وقال تعالى ]ادعوا ربكم تضرعا وخفية[ .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالدعاء كما في قوله : فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى ، وأما السجود فأكثروا من الدعاء ، فقمـِِنٌ[6] أن يستجاب لكم .[7]
قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة عند جميع العلماء ، فمن قال إن دعاء العبد ربه ليس بعبادة له فهو ضال ، بل كافر .[8]

فصل في الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره
القرآن والسنة يأمران بإفراد الله بالدعاء ، وينهيان عن دعاء غيره ، ومن ذلك قوله تعالى}ادعوا ربكم تضرعا وخفية{[9] ، وقوله تعالى}أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض{[10] ، وقوله تعالى}وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{[11] ، وقوله تعالى}واسألوا الله من فضله{[12].
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله :
وأما إفراد الله بالدعاء فجاء ذكره في نحو ثلاثمائة موضع منوعاً ، تارة على صيغة الأمر به ، كقوله}أدعوني استجب لكم{[13] ،}وادعوه مخلصين له الدين{ [14].
وتارة يذكره الله بصيغة النهي كقوله}فلا تدعوا مع الله أحداً{ [15].
وتارة يقرنه بالوعيد كقوله}فلا تدع مع الله إلـ?هاً آخر فتكون من المعذبين{[16].
وتارة بتقرير أنه هو المستحق للألوهية والتعبد كقوله}ولا تدع مع الله إلـ?هاً آخر لا إلـ?ه إلا هو{[17].
وتارة في الخطاب بمعنى الإنكار على الداعي كقوله}ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك{[18].
وتارة بمعنى الإخبار والاستخبار}قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات{[19].
وتارة بالأمر الذي هو بصيغة النهي والإنكار}قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض{[20].
وتارة أن الدعاء هو العبادة ، وأن صرفَه لغير الله شرك}ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة{ إلى قوله}وكانوا بعبادتهم كافرين{[21] ،}وأعتزلكم وما تدعون من دون الله{ إلى قوله}فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله{[22].
وفي الحديث : (الدعاء هو العبادة)[23] ، صححه الترمذي وغيره ، وقد أتى فيه بضمير الفصل ، والخبر المعرَّف باللام ليدل على الحصر ، وأن العبادة ليست غير الدعاء ، وأنه مُعظم كل عبادة[24] ، ونهى ألا يشرك معه أحد فيه ، حتى قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم}قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً{ [25] ، وأخبر أنه لا يَغفر أن يشرك به .[26] انتهى .
ومن أدلة وجوب إفراد الله بالدعاء ؛ حديث ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله .[27]
فلو جاز سؤال غير الله لقال : واسألني واستعن بـي ، بل أتى صلى الله عليه وسلم بمقام الإرشاد والإبلاغ والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال والاستعانة على الله تعالى .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ .[28]
وقال رسول الله : إذا تمنى أحدكم فليستكثر ، فإنما يسأل ربه عز وجل .[29]
وقال تعالى ]يسأله من في السماوات والأرض[ ، قال ابن سعدي رحمه الله: أي هو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته وهو واسع الجود والكرم فكل الخلق مفتقرون إليه يسألونه جميع حوائجهم ومجالهم ومقالهم ولا يستغنون عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك وهو تعالى (كل يوم هو في شأن) يغني فقيرا ويجبر كسيرا ويعطي قوما ويمنع آخرين ويميت ويحيي ويخفض ويرفع لا يشغله شأن عن شأن ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه إلحاح الملحين ولا طول مسألة السائلين فسبحان الكريم الوهاب الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه .

فصل في ذكر تقريرات أعل العلم من علماء المذاهب الأربعة وغيرهم
لبطلان دعاء غير الله

وقد وصف الله دعاء غيرِه بأنه باطل في موضعين من القرآن ، الموضع الأول قوله تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِل} [30]، والموضع الثاني قوله تعالى { ذَ?لِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ?لْبَـ?طِل} [31].
قلت : وقد أجمع علماء المذاهب الأربعة وغيرهم على أن دعاء غير الله شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام ، وقد نصوا على ذلك في كتاب حكم المرتد في جميع كتب المذاهب ، وعلى أن إفراد الله بالعبادة عموماً ، والدعاء خصوصاً من ضروريات الاسلام ، ولم يخالف في ذلك واحد منهم ، وإجماع المسلمين حجة شرعية كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله على الجماعة . [32]
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله : لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة وَرَدَ فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله ، من النهي والتحذير عن فعله ، وكُفر فاعله ، والوعيد عليه بالخلود في النار ، فما المانع من تحكيم الكتاب والسنة واتباع إجماع الأمة ، وقد أُفردت هذه المسألة بالتصنيف ، وحكى الإجماع عليها غير واحد من أهل العلم ، وذكروا أنها من ضروريات الإسلام ؟.[33]
وهذا طرف من كلام بعض علماء المذاهب ، ومن أراد الاستزادة فعليه بالكتب المشار إليها في الحاشية .[34]
أما كلام الحنفية ؛ فقال الشيخ قاسم في « شرح درر البحار » : النذر الذي يقع من أكثر العوام ، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً : يا سيدي ؛ إن رُدّ غائبي ، أو عُوفي مريضي ، أو قُضيت حاجتي ؛ فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا ؛ باطلٌ إجماعاً ، لوجوه منها :
أن النذر للمخلوق لا يجوز .
ومنها ، أنه ظنَّ الميت يتصرف في الأمر ، واعتقاد هذا كفر ، ... ، وقد ابتُـلي الناس بذلك ولاسيما في مولد الشيخ أحمد البدوي . انتهى .
وقال الشيخ محمد عابد السندي الحنفي في كتابه « طوالع الأنوار شرح تـنوير الأبصار مع الدر المختار » ما نصه :
ولا يقول : يا صاحب القبر ، يا فلان ، إقض حاجتي ، أو سلها من الله ، أو كن لي شفيعا عند الله ، بل يقول : يا من لا يشرك في حكمه أحدا ؛ اقض لي حاجتي هذه .
وقال الشيخ صنع الله بن صنع الله الحلبـي الحنفي رحمه الله ما نصه :
هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بـين المسلمين جماعات يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات ، وبهم تنكشف الـمُهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات !
وهذا كلام فيه تفريط وإفراط ، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي ، لما فيه من روائح الشرك المحقق ، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّّق ، ومخالفة لعقائد الأئمة ، وما أجمعت عليه هذه الأمة ، وفي التـنـزيل ]وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً[[35].[36]
وبهذا قال من أئمة الحنفية المتأخرين الإمام أحمد السرهندي ، والإمام أحمد الرومي ، والشيخ سجان بخش الهندي ، ومحمد بن علي التهانوي ، ومحمد إسماعيل الدهلوي ، والشيخ أبو الحسن الندوي ، وشدد في ذلك .[37]
وللشيخ الدكتور شمس الدين الأفغاني رسالة عظيمة جمع فيها أقوال علماء الأحناف في إبطال عقائد القبورية ، وأسماها «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية» ، تقع في ثلاث مجلدات ، نال فيها رسالة الدكتوراة العالمية .
وأما كلام المالكية ؛ فقال أبو بكر الطرطوشي في كـتاب « الحوادث والبدع » لما ذكر حديث الشجرة المسماة بذات أنواط : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ، ويُعظمون من شأنها ، ويرجون البُـرء والشفاء لمرضاهم من قِـبَلِها ؛ وينوطون بها المسامير والخرق ؛ فهي ذات أنواط ، فاقطعوها .[38]
وأما كلام الشافعية ؛ فقال ابن حجر الشافعي في « شرح الأربعين النووية » : من دعا غير الله فهو كافر .[39]
وقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب « الباعث على إنكار البدع والحوادث » :
لكن نُبين من هذا القسم ما وقع فيه جماعة من جهال العوام ، المنابذين لشريعة الإسلام ، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء ، وهو ما يفعله طوائف من المنتمين إلى الفقر ، الذي حقيقته الإفتقار من الإيمان ، من مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن ، واعتقادهم في مشايخ لهم ، ... ، وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها ، ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به ؛ من تزيـين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعُمُد ، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكِـي لهم حاكٍ أنه رأى في مـنامه بها أحداً ممن شُهِـر بالصلاح والولاية ، إلى أن يَعظُم وقعَ تلك الأماكن في قلوبهم ، ويعظمونها ، ويرجون الشفاء لمرضاهم ، وقضاء حوائجهم بالنذر لها ، وهي ما بين عيون وشجر وحائط . وفي مدينة دمشق ، صانها الله تعالى من ذلك ، مواضع متعددة .
ثم ذكر – رحمه الله – الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض من معه : (اجعل لنا ذات أنواط) ؛ قال : الله أكبر ، قلتـم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى ]اجْعَل لناَ إلـ?هاً كَمَا لهَمُ آلهة[ [40]. [41]انتهى كلامه رحمه الله .[42]

وقال الإمام العلامة أحمد بن علي المقريزي المصري الشافعي رحمه الله :
وشرك الأمم كله نوعان : شرك في الإلـ?هية وشرك في الربوبية ، فالشرك في الإلـ?هية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك ، وهو شرك عُباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعُباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات ، الذين قالوا )إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى( ، ويشفعوا لنا عنده ، وينالونا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة ، كما هو المعهوم في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه خاصته .
والكتب الإلـ?هية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله ، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى .
وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم ، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله .[43]
وسيأتي كلام الإمام ابن النحاس الشافعي قريبا إن شاء الله .

وأما كلام الحنابلة ؛ فقال الشيـخ تقي الدين رحمه الله لما ذكر حديث الخوارج :
فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام ؛ من مَرق[44] منه مع عبادته العظيمة ، فيُعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضاً ، وذلك بأمور ، منها الغلو الذي ذمه الله تعالى ، كالغلو في بعض المشائخ ، كالشيخ عدي ، بل الغلو في علي بن أبي طالب ، بل الغلو في المسيح ، ونحوه .
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح ، وجعل فيه نوعاً من الإلـ?هية ، مثل أن يدعوه من دون الله ، بأن يـقول : (يا سيدي فلان أغثني ، أو أجرني ، أو أنت حسبي ، أو أنا في حسْبك) ؛ فكل هذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل ، فإن الله أرسل الرسل ليُعبد وحده ، لا يُـجعل معه إلـ?ه آخر ، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى ، مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصـالحين أو غيرهم ؛ لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق ، وإنما كانوا يدعونهم ، يقولون ]هؤلاء شفعاؤنا عند الله[ ، فبعث الله الرسل تنهى أن يُدعى أحد من دون الله ، لا دعاء عبادة ، ولا دعاء استغاثة .[45] انتهى .
وقال أيضا : لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى ، لا بنبـي ولا بملَـك ولا بصالح ولا غير ذلك ، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه .[46]
وقال أيضاً : ومن قال إن ميتا من الموتى ، نفيسة أو غيرها ؛ تُجير الخائف وتُخلص المحبوس وهى من باب الحوائج ؛ فهو ضال مشرك فإن الله سبحانه هو الذى يجير ولا يجار عليه ، وباب الحوائج إلى الله هو دعاؤه بصدق وإخلاص كما قال تعالى}وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{ ، والله أعلم .[47]
وقال أيضا : سؤال الميت والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين .[48]
قال ابن تيمية رحمه الله في « اقتضاء الصراط المستقيم »[49]: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط ؛ فقال بعض الناس : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط !
فقال : الله أكبر ! قلتم كما قال قوم موسى ]اجعل لنا إلـ?ها كما لهم آلهة[ ، إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم .
فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها ، معلقين عليها سلاحهم ، فكيف بما هو أعظم من ذلك ، من مشابهتهم المشركين ، أو هو الشرك بعينه ؟

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
والمرتد من أشرك بالله تعالى ، أو كان مبغضا للرسول صلى الله عليه وسلم ولما جاء به ، أو ترك إنكار منكر بقلبه ، أو توهم أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك ، أو أنكر مجمعا عليه إجماعا قطعيا ، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ، ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد ، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد ، ولهذا لم يُكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله وإعادته لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة .[50]
وقال أيضا : فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط ، يدعوهم ، ويتوكل عليهم ، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار ، مثل أن يسألهم غفران الذنب ، وهداية القلوب ، وتفريج الكروب ، وسد الفاقات ؛ فهو كافر بإجماع المسلمين .[51]
ونقله عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب[52] من علماء الحنابلة في كتابه « تيسير العزيز الحميد » ثم قال :
نقله عنه غير واحد مقررين له ، منهم ابن مفلح في « الفروع »[53] ، وصاحب «الإنصاف»[54] ، وصاحب « الغاية »[55] ، وصاحب « الإقناع »[56] ، وشارحه[57] ، وغيرهم ، ونقله صاحب « القواطع »[58] في كتابه عن صاحب « الفروع » .
قلت[59]: وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين ، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر ، أي عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات ، وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع أن دعاء الله عبادة له ، فيكون صرفه لغير الله شركا .

يوسف التازي
16-01-15, 05:09 PM
وقال الإمام ابن النحاس الشافعي[60] رحمه الله : (ومنها[61] ؛ إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار والعيون والآبار ، ويقولون إنها تقبل النذر ، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها ، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر ، وتجلب وتدفع ، وتشفي المريض وترد الغائب إذا نُـذِر لها ، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم).[62]
قلت : فصرح رحمه الله أن الاعتقاد في هذه الأمور أنها تضر وتنفع وتجلب وتدفع وتشفي المريض وترد الغائب إذا نَـذر لها ؛ أن ذلك شرك ، وإذا ثبت أنه شرك فلا فرق في ذلك بين اعتقاده في الملائكة والنبيين ، ولا بين اعتقاده في الأصنام والأوثان ، إذ لا يجوز الاشراك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق سبحانه ، كما قال تعالى ]ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون[.
وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين ، ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وشفاء ذوي الأمراض والعاهات ، فثبت أن ذلك شرك} . انتهى كلامه رحمه الله .[63]
وقال ابن القيم رحمه الله في « مدارج السالكين » في معرض كلام له عن أنواع الشرك :
ومن أنواعه ؛ طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم ، وهذا أصل شرك العالم ، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، فضلاً عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته ، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها ، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم ، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه ، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه ، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد ، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن ، وهو بمنزل من استعان في حاجة بما يمنع حصولها ، وهذه حالة كل مشرك .
والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له ، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ، ونسأل لهم العافية والمغفرة ، فعكَس المشركون هذا ، وزاروهم زيارة العبادة واستقضاء الحوائج والاستغاثة بهم ، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد ، وسموا قصدها حجا ، واتخذوا عنده الوقفة وحلق الرأس ، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ، ومعاداة أهل التوحيد ، ونِسبة أهله إلى التنقص للأموات ، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك ، وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئاً ، بذمهم وعيبهم ومعاداتهم ، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص ، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا ، وأنهم أَمروهم به ، وأنهم يوالونهم عليه ، وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان ، وما أكثر المستجيبين لهم ، ولله خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول )واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ( .
وما نجا من شَركِ هذا الشرك الأكبر إلا من جرَّد توحيد الله ، وعادى المشركين في الله ، وتقرب بمقتهم إلى الله ، واتخذ الله وحده وليه وإلـ?هه ومعبوده ، فجرّد حبه لله ، وخوفه لله ، ورجاءه لله ، وذُله لله ، وتوكله على الله ، واستعانته بالله ، والتجاءه إلى الله ، واستغاثته بالله ، وأخلص قصده لله ، متبعا لأمره ، متطلبا لمرضاته ، إذا سأل سأل الله ، وإذا استعان استعان بالله ، وإذا عمِل عمِل لله ، فهو لله وبالله ومع الله .[64]
وله رحمه الله في باب تعظيم أصحاب القبور كلام طويل في كتابه النفيس « إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان » ، ذكر فيها الجذور التاريخية لتعظيم أصحاب القبور والغلو فيهم ، كما عرض لذكر المظاهر والعلاج ، رحمه الله رحمة واسعة .[65]
وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي رحمه الله : إن من يعظم القبور ويخاطب الموتى بقضاء الحوائج ، ويقول : يا مولاي ويا سيدي عبد القادر : (إفعل لي كذا) ؛ هو كافر بهذه الأوضاع ، ومن دعا ميتا وطلب قضاء الحوائج فهو كافر .
وقال أيضا في « الفنون » : لما صعُبت التكاليف على الجهال والطَغَام[66] ؛ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها ، فسهُلت عليهم إذ لم يَدخلوا بها تحت أمر غيرهم ، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع ، مثل تعظيم القبور ، وخطاب الموتى بالحوائج ، وكَـتب الرقاع فيها : (يا مولاي ، افعل لي كذا وكذا) ، أو إلقاء الخرق على الشجرة اقتداء بمن عبد اللات والعزى .
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله : إن قول العبد (لا إلـ?ه إلا الله) يقتضي أنه لا إلـ?ه له غير الله ، والإلـ?ه هو الذي يطاع فلا يُعصى ، هيبة له وإجلالا ، ومحبة وخوفا ورجاء ، وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلـ?هية ؛ كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول : (لا إلـ?ه إلا الله) ، ونقصا في توحيده ، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ، وهذا كله من فروع الشرك .[67]
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين[68] رحمه الله : ورأيت من جملة فتاوي للقاضي أبي يعلي منها : أنه سئل عمن يقول : (يا محمد ، يا علي) ، فقال : هذا لا يجوز لأنهما ميتان .[69]
وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن المسلمين قد أجمعوا على تكفير من ارتكب الشرك الأكبر وكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغِها المعتبر ، كمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلـ?هية ، وذكر أن هذا مجمع عليه بين أهل العلم والإيمان ، وأن كل طائفة من أهل المذاهب المقلَّدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها ، وينصون على الشرك ، وأن ابن حجر قد أفرد هذه المسألة بكتاب سماه : « الإعلام بقواطع الإسلام » .[70]
وقال الشوكاني في كتابه « الدر النضيد » : إعلم أن الرزية كل الرزية ، والبلية كل البلية ؛ أمر غير ما ذكرنا - من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة - ، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور ومن المعروفين بالصلاح من الأحياء ، من أنهم يقدِرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم ، فصاروا يدعونهم تارة مع الله ، وتارة استقلالا ، ويصرخون بأسمائهم ، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ، ويخضعون لهم خضوعا زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بـين يدي ربهم في الصلاة والدعاء ، وهذا إذا لم يكن شركا فلا ندري[71] ما هو الشرك ! وإذا لم يكن كفرا فليس في الدنيا كفر . انتهى .[72]

مسك الختام
وأختم بكلام نفيس لسماحة الإمام الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في هذه المسألة ، قال :
ولا ريب أن الدعاء من أهم أنواع العبادة وأجمعها ، فوجب إخلاصه لله وحده كما قال عز وجل : ((فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون))[73] ، وقال عز وجل : ((وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)) [74] ، وهذا يعم جميع المخلوقات من الأنبياء وغيرهم ، لأن "أحد" نَكِرَة في سياق النهي ، فتَعُم كل من سوى الله سبحانه ، وقال تعالى : ((وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّك)) [75] ، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الله سبحانه قد عصمه من الشرك ، وإنما المراد من ذلك تحذير غيره ، ثم قال عز وجل : (( فإن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِين))[76] ، فإن كان سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام لو دعا غير الله يكون من الظالمين فكيف بغيره ؟ والظلم إذا أُطلق يراد به الشرك الأكبر كما قال الله سبحانه: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))[77] ، وقال تعالى : ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ))[78] ، فعُلم بهذه الآيات وغيرها أن دعاء غير الله من الأموات والأشجار والأحجار والأصنام وغيرها شرك بالله عز وجل ينافي العبادة التي خَلَقَ الله الثقلين من أجلها ، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها ، وهذا هو معنى لا إلـ?ه إلا الله ، فإن معناها : لا معبود بحق إلا الله ، فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها لله وحده ، كما قال سبحانه: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ)) [79] ، وهذا هو أصل الدين وأساس المِلَة ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى : ((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ)) [80] ، وقال سبحانه: ((وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ))[81].
ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين أحدهما : أن لا يُعبدَ إلا الله وحده ، والثاني : ألا يُعبَد إلا بشريعة نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو معنى شهادة أن لا إلـ?ه إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فمن دعا الأموات من الأنبياء و غيرهم أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم أو تقرب إليهم بالذبائح و النذور أو صلى لهم أو سجد لهم ؛ فقد اتخذهم أرباباً من دون الله وجعلهم أنداداً له سبحانه .
وهذا يناقض هذا الأصل و ينافي معنى لا إلـ?ه إلا الله ، كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمداً رسول الله ، وقد قال الله عز وجل : ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً))[82] ، وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك بالله عز و جل ، و هكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله فإنها تكون يوم القيامة هباءً منثوراً لكونها لم توافق شرعه المطهر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رِد . متفق على صحته .[83]
إلى أن قال رحمه الله : وقد أمر الله عز وجل بدعائه سبحانه ، ووعد من يدعوه بالاستجابة ، وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم ، كما قال عز وجل : ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)) [84] ، أي صاغرين ذليلين ، وقد دلت الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة ، وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم ، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن دعاء الله فكيف تكون حال من دعا غيره وأعرض عنه ؟
وهو سبحانه القريب المجيب المالك لكل شيء والقادر على كل شيء ، كما قال سبحانه : ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ)) [85].
وقد أخبر الرسول في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة ، وقال لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : {إِحْفَظِ الله يَحْفَظْكَ ، إِحْفَظِ الله تجِدْهُ تجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله } أخرجه الترمذي وغيره .[86]
وقال صلى الله عليه وسلم : منْ مات َوهو يدعُو من دون الله نداً دخلَ النار .[87]
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئِل :{ أيُّ الذَّنبِ أعظمُ عندَ الله ؟
قال : « أن تجعلَ للَّهِ ندّاً وهوَ خَلَقَكَ} .[88]
والند هو النظير و المثيل .
فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة سوى ما تقدم فقد اتخذه ندا لله ، سواء كان نبياً أو ولياً أو ملكاً أو جنياً أو صنماً أو غير ذلك من المخلوقات .
أما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه والاستعانة به في الأمور الحسية التي يقدر عليها فليس ذلك من الشرك ، بل ذلك من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين ، كما قال تعالى في قصة موسى: (( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ))[89] ، وكما قال تعالى في قصة موسى أيضا : ((فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّب))[90] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأمور التي تَعرِض للناس ويحتاجون فيها إلى أن يستعين بعضهم ببعض .
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعاً أو ضراً ، فقال تعالى في سورة الجن : ((قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراًّ وَلاَ رَشَداً))[91] ، وقال تعالى في سورة الأعراف : ((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَراًّ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [92].
والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وهو صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا ربه ، ولا يستغيث إلا به ، و كان في يوم بدر يستغيث بالله ويستنصره على عدوه ويُلِح في ذلك ويقول : "يا رب أنجز لي ما وعدتني" ، حتى قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه : "حَسبُك يا رسول الله ، فإن الله مُنجِز لك ما وعدك" ، وأنزل الله سبحانه في ذلك قوله تعالى : ((إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [93] ، فذكّرهم سبحانه في هذه الآيات استغاثتهم به ، وأخبر أنه استجاب لهم بإمدادهم بالملائكة ، ثم بين سبحانه أن النصر ليس من الملائكة ، وإنما أمدهم به للتبشير بالنصر والطمأنينة ، وبين أن النصر من عنده فقال : ((وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ))[94] ، وقال عز وجل في سورة آل عمران : ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [95] ، فبين في هذه الآية أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر ، فعُلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة ، وما أمدهم به من الملائكة ؛ كل ذلك من أسباب النصر والتبشير و الطمأنينة ، وليس النصر منها ، بل هو من عند الله وحده .[96] انتهى كلام الشيخ رحمه الله .
قال مقيده عفا الله عنه : فجزى الله أهل العلم المخلصين لله خير الجزاء بما حفظوا للناس دينهم ، فإنهم كما قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في « الدرر السنية » :
وقد صنف العلماء في كل عصر ومصر ، في الأصول والفروع وغيرها مما لا يحصى ، حفظا للدين والشريعة وأقول أهل العلم ، وليكون آخر الأمة كأولها في العلم والعمل والتزام أحكام الشريعة وإلزام الناس بها ، لأن ضرورتهم إلى ذلك فوق كل ضرورة ، ولولا ذلك لجرى على ديننا ما جرى على الأديان قبله ، فإن كل عصر لا يخلو من قائل بلا علم ، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم .[97]
تمت الرسالة بحمد الله .


ثبت لبعض المراجع
1. الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار ، عبد الله بن أبي شيبة ، الناشر مكتبة دار الباز ، مكة
2. المنتخب ، عبد بن حميد ، تحقيق مصطفى العدوي ، الناشر دار بلنسية
3. الاستغاثة في الرد على البكري ، ابن تيمية ، تحقيق عبد الله السهلي ، مدار الوطن

يوسف التازي
17-01-15, 07:07 PM
بَابُ مِنَ الشِّرْكِ الاِسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقًا} [الْجِن:6].
وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْجِنِّ.
الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِنَ الشِّرْكِ.
الثَّالِثَةُ: الاِسْتِدْلاَلُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ؛ لأَِنَّ الْعُلَمَاءَ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، قَالُوا: لأَِنَّ الاِسْتِعَاذَةَ بِالْمَخْلُوقِ شِرْكٌ.
الرَّابِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لاَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشِّرْكِ

4) الاسْتِعَاذَةُ: الالْتِجَاءُ والاعْتِصَامُ والتَّحَرُّزُ.
وحقيقَتُهَا: الهَرَبُ مِنْ شيءٍ تَخَافُهُ إلى مَنْ يَعْصِمُكَ مِنه، ولهذا يُسَمَّى المُسْتَعَاذُ بِهِ مُعَاذًا، ومَلْجَأً وَوَزَرًا؛ فالعائِذُ باللهِ قدْ هَرَبَ ممَّا يُؤْذِيهِ أوْ يَهْلِكُهُ إلى رَبِّهِ ومالِكِهِ، وَفَرَّ إليهِ، وأَلْقَى نَفْسَهُ بينَ يَدَيْهِ، واعْتَصَمَ بهِ، واسْتَجَارَ بهِ، والتَجَأَ إليهِ، وهذا تَمْثِيلٌ وتَفْهِيمٌ، وإلاَّ فَمَا يَقُومُ بالقَلْبِ من الالْتِجَاءِ إلى اللهِ، والاعْتِصَامِ بهِ، والاطِّرَاحِ بينَ يدي الرَّبِّ، والافْتِقَارِ إليهِ، والتَّذَلُّلِ بينَ يدَيهِ، أمرٌ لا تُحِيطُ بهِ العِبَارَةُ. هذا معنَى كلامِ ابنِ القَيِّمِ.
-وقالَ ابنُ كثيرٍ: (الاسْتِعَاذَةُ هيَ الالْتِجَاءُ إلى اللهِ والالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ منْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، والعِيَاذُ يكونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، واللِّياذُ لطَلَبِ الخَيْرِ) وهذا معنَى كلامِ غيرِهِمَا من العُلماءِ.
فتبيَّنَ بهِذا أنَّ الاستعاذةَ باللهِ عِبَادةٌ للهِ، ولهذا أَمَرَ اللهُ بالاسْتِعَاذَةِ بهِ في غيرِ آيَةٍ، وتواترتِ السُّنَنُ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلكَ، قالَ اللهُ تعالَى: { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فُصِّلَتْ:36].
وقَالَ: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (98) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [المؤمنونَ:98 ،99].
وقالَ: { فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [غَافِر:55].
وقَالَ: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } [الفَلَق:1].
وقالَ تعالَى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ } [النَّاس:1-3]،
فإِذا كانَ تعالَى هوَ رَبُّنَا ومَلِكُنَا وإِلَهُنَا، فلا مَفْزَعَ لنا في الشَّدَائِدِ سِوَاهُ، ولا مَلْجَأَ لنا منهُ إلاَّ إليهِ، ولا مَعْبُودَ لنا غيرُهُ، فلا يَنْبَغِي أن يُدْعَى ولا يُخَافَ ولا يُرْجَى ولا يُحَبَّ غيرُهُ، ولا يُذَلَّ ولا يُخْضَعَ لغيرِهِ، ولا يُتَوَكَّلَ إلاَّ عليهِ؛ لأنَّ مَنْ تَخَافُهُ وتَرْجُوهُ وتَدْعُوهُ وتَتَوَكَّلُ عليهِ:
- إمَّا أن يكونَ مُرَبِّيكَ والقَيِّمَ بأُمُورِكَ، ومُتَوَلِّي شَأْنِكَ، فهو ربُّكَ، ولا رَبَّ لكَ سِوَاهُ، وتكونَ مَمْلُوكَهُ وعَبْدَهُ الحَقَّ، فهو مَلِكُ النَّاسِ حَقًّا، وكلُّهم عَبِيدُهُ ومَمَالِيكُهُ.
- أوْ يكونَ معبودَكَ وإِلَهَكَ الَّذي لا تَسْتَغْنِي عنه طَرْفَةَ عَيْنٍ، بلْ حاجَتُكَ إليهِ أعْظَمُ مِنْ حاجَتِكَ إلى حياتِكَ ورُوحِكَ، فهو الإلهُ الحَقُّ إلهُ النَّاسِ.
فمَنْ كانَ ربَّهُم ومَلِكَهُم وإِلَهَهُم فهم جَدِيرونَ أن لا يَسْتَعِيذُوا بغيرِهِ، ولا يَسْتَنْصِروا بسوَاهُ، ولا يَلْجَؤُوا إلى غَيْرِ حِمَاهُ، فهو كافِيهِمْ وحَسْبُهُم وناصِرُهُم ووَلِيُّهُم، ومُتَوَلِّي أُمُورِهِم جميعًا، برُبُوبِيَّتِهِ ومُلْكِهِ وإِلَهِيَّتِهِ لهم.
فكيفَ لا يَلْتَجِئُ العبدُ عندَ النَّوَازِلِ ونُزُولِ عَدُوِّهِ بهِ إلى رَبِّهِ ومَلِكِهِ وإِلَهِهِ؟!
وهذه طَريقَةُ القُرْآنِ يُحْتَجُّ عليهِم بإِقْرَارِهِم بهِذا التَّوحيدِ عَلَى توحيدِ الإلَهِيَّةِ، هذا معنَى كلامِ ابنِ القَيِّمِ.
فإِذا تحقَّقَ العَبْدُ بهِذه الصِّفَاتِ: الرَّبِّ، والمَلِكِ، والإلَهِ، وامْتَثَلَ أَمْرَ اللهِ واسْتَعَاذَ بهِ، فلا رَيْبَ أنَّ هذه عِبَادةٌ مِنْ أَجَلِّ العِبَادَاتِ، بلْ هوَ مِنْ حَقَائِقِ تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، فإن اسْتَعَاذَ بغيرِهِ فهو عابِدٌ لذلكَ الغَيْرِ، كمَا أنَّ مَنْ صلَّى للهِ وصلَّى لغيرِهِ يكونُ عابِدًا لغيرِ اللهِ، كذلِكَ في الاسْتِعَاذَةِ، ولا فَرْقَ إلاَّ أنَّ المخلوقَ يَطْلُبُ منهُ ما يَقْدِرُ عليهِ ويُسْتَعَاذُ بهِ فيهِ، بخلافِ ما لا يَقْدِرُ عليهِ إلاَّ اللهُ، فلا يُسْتَعَاذُ فيهِ إلاَّ باللهِ، كالدُّعاءِ؛ فإنَّ الاسْتِعَاذةَ مِنْ أنواعِهِ.
(5) المعنَى -واللهُ أعلمُ- عَلَى قولِ أنَّ الإنسَ زادوا الجِنَّ باسْتِعاذَتِهِم بِهِم رَهَقًا؛ أيْ: إِثْمًا وطُغْيَانًا وشَرًّا، فَضَمِيرُ الفاعِلِ عَلَى هذا للعائِذِينَ من الإِنْسِ، وضميرُ المفعولِ للمُسْتَعَاذِ بِهِم من الجِنِّ، وعلى القولِ الثَّاني بالعَكْسِ، وزيادتُهُم للإنسِ رَهَقًا بإغوائِهِم وإِضْلاَلِهِم؛ وذلكَ أنَّ الرَّجُلَ من العَرَبِ كانَ إذا أَمْسَى في وادٍ قَفْرٍ في بعضِ سيرِهِ وخَافَ عَلَى نفسِهِ قالَ: (أعوذُ بسيِّدِ هذا الوادِي منْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ) يُرِيدُ الجِنَّ وكبيرَهُم.
- قالَ مُجَاهِدٌ: (كانُوا يقولونَ إذا هبَطُوا وادِيًا: نَعوذُ بعظيمِ هذا الوادِي، { فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } قالَ: زادُوا الكُفَّارَ طُغْيَانًا) رواهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والآثارُ بذلكَ عن السَّلَفِ مَشْهُورةٌ.
ووجهُ الاسْتِدْلالِ بالآيَةِ عَلَى التَّرْجَمَةِ: أنَّ اللهَ حَكَى عنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ أنَّهَم لَمَّا تَبَيَّنَ لهم دِينُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ، ذكروا أشياءَ مِن الشِّرْكِ كانُوا يَعْتَقِدُونَهَا في الجاهِلِيَّةِ، منْ جُمْلَتِهَا الاسْتِعاذةُ بغيرِ اللهِ.
وقدْ أجْمَعَ العلماءُ عَلَى أنَّهُ لا تَجُوزُ الاسْتِعَاذةُ بغيرِ اللهِ، ولهذا نَهَوْا عن الرُّقَى التي لا يُعْرَفُ معنَاهَا؛ خَشْيَةَ أنْ يكونَ فيها شيءٌ منْ ذلكَ.
- قالَ مُلاَّ عَلِيٌّ القَارِيُّ الحَنَفِيُّ:(ولا تَجُوزُ الاسْتِعَاذَةُ بالجِنِّ، فقدْ ذَمَّ اللهُ الكافِرينَ عَلَى ذلكَ فقالَ:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [الجِنّ:6])
إلى أن قالَ: (وقالَ تعالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام:128] ).
- فاسْتِمْتَاعُ الإِنْسِيِّ بالجِنِيِّ في قضَاءِ حوائِجِهِ وامْتِثَالِ أوامِرِهِ، أوْ إخبارِهِ بشيءٍ من المُغَيَّبَاتِ.
- واسْتِمْتَاعُ الجِنِيِّ بالإنسيِّ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ، واسْتِعَاذَتُهُ بهِ، واسْتِغَاثَتُهُ وخُضُوعُهُ لهُ.
وفيهِ: (أنَّ كَوْنَ الشَّيءِ يَحْصُلُ بهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، منْ كَفِّ شَرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، لا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ ليسَ من الشِّركِ) ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.
(6) قولُهُ: (عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ) أي: ابنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّةِ، يُقالُ لَهَا: أُمُّ شَرِيكٍ، ويُقالُ لها: خُوَيْلَةُ بالتَّصْغِيرِ، ويُقالُ: إنَّهَا هيَ الواهِبَةُ، وكانَتْ قبلُ تَحْتَ عُثمانَ بنِ مُظْعُونٍ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وكانَت صالِحةً فاضِلَةً.
قولُهُ: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ)) هذا ما شَرَعَهُ اللهُ لأهلِ الإسلامِ أن يَسْتَعيذُوا بهِ بَدلاً عمَّا يَفْعَلُهُ أهلُ الجاهِلِيَّةِ من الاسْتِعاذةِ بالجِنِّ، فشَرَعَ اللهُ للمُسْلِمِينَ أن يَسْتَعِيذُوا بِهِ أوْ بِصِفَاتِهِ.
- قالَ القُرْطُبِيُّ في (المُفْهِمِ): (قيلَ: معناهُ الكامِلاتُ التي لا يَلْحَقُهَا نَقْصٌ ولا عَيْبٌ، كمَا يَلْحَقُ كلامَ البَشَرِ.
وقِيلَ: معناهُ الشَّافِيَةُ الكافِيَةُ.
وقيلَ: الكلماتُ هنا هيَ القُرآنُ؛ فإنَّ اللهَ أخْبَرَ عنه بأنَّهُ {هُدًى وَشِفَاءٌ} [فُصِّلَتْ:44].
وهذا الأمْرُ عَلَى جِهَةِ الإرْشَادِ إلى ما يُدْفَعُ بهِ الأَذَى، ولَمَّا كانَ ذلكَ اسْتِعَاذةً بصفاتِ اللهِ تعالَى والالْتِجَاءَ إليهِ، كانَ ذلكَ منْ بابِ المَنْدُوبِ إليهِ، المَرْغُوبِ فيهِ، وعلى هذا فحَقُّ المُتَعَوِّذِ باللهِ تعالَى وبأسمائِهِ وصفاتِهِ أن يَصْدُقَ اللهَ في الْتِجَائِهِ إليهِ، ويَتَوَكَّلَ في ذلكَ عليهِ، ويُحْضِرَ ذلكَ في قَلْبِهِ، فمتَى فَعَلَ ذلكَ وَصَلَ إلى مُنْتَهَى طَلَبِهِ، ومَغْفِرَةِ ذَنْبِهِ).
وقالَ غيرُهُ: (وقد اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أنَّ الاسْتِعَاذَةَ بالمَخْلُوقِ لا تَجُوزُ) واسْتَدَلُّوا بحديثِ خَوْلَةَ، وقالُوا: فيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ كَلِمَاتِ اللهِ غيرُ مَخْلُوقَةٍ، ورَدُّوا بهِ عَلَى الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ في قولِهِم بِخَلْقِ القُرْآنِ، قالُوا: (فلوْ كانَتْ كَلِمَاتُ اللهِ مَخْلُوقَةً لم يَأْمُر النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاسْتِعَاذَةِ بِهَا؛ لأنَّ الاسْتِعَاذَةَ بالمَخْلُوقِ شِرْكٌ).
- وقالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: (وقدْ نَصَّ الأئِمَّةُ - كأحمدَ وغيرهِ - عَلَى أنَّهُ لا تَجُوزُ الاسْتِعَاذَةُ بِمَخْلُوقٍ، وهذا مِمَّا اسْتَدَلُّوا بهِ عَلَى أنَّ كلامَ اللهِ غيرُ مَخلُوقٍ، قالُوا: لأنَّهُ ثَبَتَ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ اسْتَعَاذَ بكلماتِ اللهِ وأَمَرَ بذلكَ، ولهذا نَهَى العُلَمَاءُ عن التَّعازيمِ والتَّعَاوِيذِ التي لا يُعْرَفُ معناها؛ خَشْيَةَ أن يَكونَ فيها شِرْكٌ).
- وقالَ ابنُ القَيِّمِ: (ومَنْ ذَبَحَ للشَّيطانِ ودعاهُ واسْتَغَاثَ بهِ، وتَقَرَّبَ إليهِ بما يُحِبُّ، فقدْ عَبَدَهُ وإن لم يُسَمِّ ذلكَ عِبَادَةً، ويُسَمِّيهِ اسْتِخْدَامًا، وصَدَقَ، هوَ اسْتِخْدَامُ الشَّيطانِ لَهُ، فيَصِيرُ مِنْ خَدَمِ الشَّيطانِ وعابِديهِ، وبذلكَ يَخْدُمُهُ الشَّيطانُ، لكنَّ خِدْمَةَ الشَّيطانِ لَهُ ليسَتْ خِدْمَةَ عِبَادَةٍ؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَخْضَعُ لهُ ويَعْبُدُهُ كمَا يَفْعَلُ هوَ بِهِ).
قولُهُ: ((مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)) أيْ: مِنْ كُلِّ شَرٍّ في أيِّ مَخْلُوقٍ قَامَ بهِ الشَّرُّ منْ حيوانٍ أوْ غيرِهِ، إنْسِيًّا كانَ أوْ جِنِّيًّا، أوْ هامَّةً أوْ دَابَّةً، أوْ رِيحًا أوْ صاعِقَةً، أوْ أيَّ نوعٍ كانَ منْ أنواعِ البلاءِ في الدُّنيا والآخِرَةِ، و(ما) هَا هُنا مَوْصُولَةٌ ليسَ إلاَّ، وليسَ المُرَادُ بِهَا العُمُومُ الإطلاقِيُّ، بل المُرادُ التَّقْييدِيُّ الوَصْفِيُّ، والمعنَى: مِنْ شَرِّ كُلِّ مَخْلُوقٍ فيهِ شَرٌّ، لا مِنْ شَرِّ كُلِّ ما خَلَقَهُ اللهُ تعالَى؛ فإنَّ الجِنَّةَ والملائِكَةَ والأنبياءَ ليسَ فيهم شرٌّ، هذا معنَى كلامِ ابنِ القَيِّمِ.
قالَ: والشَّرُّ يُقالُ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى الألَمِ، وعلى ما يُفْضِي إليهِ.
قولُهُ: ((لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)) قالَ القُرْطُبِيُّ: (هذا خَبَرٌ صَحِيحٌ وقَوْلٌ صادِقٌ، عَلِمْنَا صِدْقَهُ دَلِيلاً وتَجْرِبَةً؛ فإنِّي مُنْذُ سَمِعْتُ هذا الخَبَرَ عَمِلْتُ عليهِ فلَم يَضُرَّنِي شيءٌ إلى أن تَرَكْتُهُ فلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ بالمَهْدِيَّةِ لَيْلاً، فَتَفَكَّرْتُ في نَفِسي فإِذا بِي قَد نَسِيتُ أنْ أَتَعَوَّذَ بتلكَ الكلِمَاتِ).
قالَ المُصَنِّفُ: (فيهِ فَضِيلَةُ هذا الدُّعاءِ معَ اخْتِصَارِهِ).
5) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بابُ مِنَ الشِّرْكِ الاسْتِعاذَةُ بِغَيرِ اللهِ).
الاسْتِعَاذةُ: الالْتِجَاءُ والاعْتِصَامُ، ولِهَذا يُسَمَّى المُسْتَعَاذُ بِهِ: مَعاذًا ومَلْجَأً، فَالعَائِذُ بِاللهِ قدْ هَرَبَ مِمَّا يُؤْذِيهِ أوْ يُهْلِكُهُ، إلَى رَبِّه ومَالِكِهِ؛ واعْتَصَمَ بِهِ واسْتَجَارَ والْتَجَأَ إليْه؛ وهَذا تَمْثِيلٌ، وإلاَّ فيما يَقُومُ بِالقَلْبِ مِنَ الالْتِجَاءِ إلَى اللهِ؛ والاعتِصامِ بِهِ، والاطِّرَاحِ بَيْنَ يَدَي الرَّبِّ، والافتِقَارِ إليْهِ؛ والتَّذَلُّلِ لهُ، أَمْرٌ لا تُحِيطُ بِهِ العِبارةُ، قالَه ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ.
وقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (الاسْتِعَاذةُ هِيَ الالتِجَاءُ إلَى اللهِ والالْتِصاقُ بِجَنابِهِ مِن شَرِّ كُلِّ ذِي شرٍّ. والعِياذُ يَكونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، واللِّياذُ لِطَلَبِ الخَيْرِ) انْتَهَى.
قُلْتُ: وهِيَ مِنَ العِباداتِ التِي أَمَرَ اللهُ تعالى عبادَه بها؛ كما قال تعالى: {وَإِماَّ يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ} [فُصِّلَتْ:36] وأمثالُ ذلك في القرآنِ كثيرٌ كقولِه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فَما كانَ عِبادةً للهِ فَصَرْفُهُ لِغيرِ اللهِ شِرْكٌ، فَمَن صَرَفَ شَيْئًا مِن هَذه العِباداتِ لِغيرِ اللهِ فقَدْ جَعَلَه للهِ شَرِيكًا فِي عِبادَتِه ونَازَعَ الربَّ فِي إِلَهِيَتِه كَما أنَّ مَن صَلَّى للهِ صلَّى لِغيرِه يَكُونُ عَابِدًا لِغَيرِ اللهِ، ولا فَرْقَ، كَما سَيَأْتِي تَقْرِيرُه قَرِيبًا إنْ شاءَ اللهُ.
(6) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وقولِ اللهِ تَعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] ).
- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (أيْ: كنا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلاً عَلَى الإِنْسِ؛ لأَنَّهُمْ كانُوا يَعُوذونَ بِنا، أيْ: إذا نَزَلُوا وادِيًا أوْ مَكانًا مُوحِشًا، كَما كَانَتْ عادةُ العَرَبِ فِي جاهِلِيَّتِها يَعُوذونَ بِعَظِيمِ ذَلكَ المَكَانِ مِنَ الجَانِّ أنْ يُصِيبَهمْ شَيْءٌ بسُوءٍ، وذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِن العَرَبِ كَانَ إِذَا أَمْسَى بِوَادٍ قَفْرٍ وخَافَ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: أَعُوذُ مِن سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، يُرِيدُ كَبِيرَ الجِنِّ).
- قَالَ مُجَاهِدٌ: (كَانُوا إِذَا هَبَطُوا وَادِيًا يَقُولُونَ: نَعُوذُ بعَظِيمِ هَذَا الوَادِي {فَزَادوهُمْ رَهَقًا}. قَالَ: زَادُوا الكُفَّارَ طُغْيَانًا) رَوَاهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ).
- وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (لَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أنَّ الإنْسَ يَعوذونَ بِهمْ مِن خَوْفِهِم مِنهمْ زَادُوهمْ رَهَقًا، أيْ: خَوْفًا وإرْهابًا وذُعْرًا، حتَّى يَبْقَوْا أَشَدَّ مِنهمْ مَخَافَةً وأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهمْ ،كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ بأَهْلِهِ فيَأْتِي الأَرْضَ فيَنْزِلُهَا، فيَقُولُ: أَعُوذُ بسَيِّدِ هَذَا الوَادِي مِن الجِنِّ أَنْ أُضَرَّ أَو مَالِي أو وَلَدِي أو مَاشِيَتِي.
قَالَ: فَإِذَا عَاذَ بِهِم مِن دُونِ اللهِ رَهَقَتْهُم الجِنُّ الأَذَى عِنْدَ ذَلِكَ.
وذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسَنَدٍ إِلَى عِكْرِمَةَ نَحْوَ ذَلِكَ) انْتَهَى.
وقدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ علَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ الاسْتِعَاذةُ بِغيرِ اللهِ.
وقالَ مُلاّ عَلِيّ قَارِيّ الحَنَفِيُّ: (لا يَجوزُ الاسْتِعَاذةُ بِالجِنّ، فقدْ ذَمَّ اللهُ الكافِرِينَ علَى ذَلِكَ وذَكَرَ الآيةَ وقالَ تَعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} [الأنْعَام:128] فاسْتِمْتَاعُ الإِنْسِيِّ بِالجِنِّيِّ فِي قَضَاءِ حَوائِجِهِ وامْتِثَالِ أَوامِرِه وإِخْبَارِهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُغَيَّبَاتِ، واسْتِمْتَاعُ الجِنِّيِّ بالإِنْسِيِّ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ، واسْتِعَاذَتُهُ بِهِ وخُضُوعُهُ لَهُ) انْتَهَى مُلَخَّصًا.
- قَالَ المُصَنِّفُ: (وفِيهِ أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِه مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا يَدُلُّ علَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشرْكِ).
(7) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بَكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّةُ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ شَرِيكٍ، ويُقالُ: إنَّها هِيَ الوَاهِبَةُ.
وكَانتْ قَبْلُ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
- قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: (وكَانتْ صالِحةً فاضِلةً).
قولُه: ((أَعُوذُ بَكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ)) شَرَعَ اللهُ لأَهْلِ الإِسْلامِ أنْ يَسْتَعِيذُوا بِهِ بَدَلاً عَمَّا يَفْعَلُه أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الاسْتِعَاذةِ بِالجِنِّ فَشَرَعَ اللهُ لِلمُسْلِمينَ أنْ يَتَعَوَّذُوا بأَسْمَائِه وصِفَاتِهِ.
- قالَ القُرْطُبِيُّ: (قِيلَ: مَعْنَاهُ الكامِلاتُ التِي لا يَلْحَقُها نَقْصٌ ولا عَيْبٌ، كَما يَلْحَقُ كَلامَ البَشَرِ.
وقِيلَ: مَعْنَاهُ الشافِيةُ الكافِيةُ.
وقِيلَ: الكَلِمَاتُ هُنَا هِيَ القُرْآنُ.
فَإنَّ اللهَ أَخْبَرَ عنْهُ بِأَنَّهُ {هُدًى وَشِفَاءٌ} [فُصِّلَتْ:44] وهَذَا الأَمْرُ علَى جِهَةِ الإِرْشَادِ إلَى ما يُدْفَعُ بِهِ الأَذَى).
ولَمَّا كَانَ ذَلكَ اسْتِعَاذةً بِصِفَاتِ اللهِ تَعالَى كَانَ مِن بَابِ المَنْدُوبِ إِلَيهِ المُرَغَّبِ فِيهِ، وعَلَى هَذَا فَحَقُّ المُسْتَعِيذِ بِاللهِ تعالى أوْ بِأسْمَائِهِ وصِفَاتِه أنْ يَصْدُقَ اللهَ فِي الْتِجَائِهِ إِلَيهِ، ويَتَوَكَّلَ فِي ذلكَ عليهِ؛ ويُحْضِرَ ذلكَ فِي قَلْبِهِ؛ فمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ إِلَى مُنْتَهَى طَلَبِه ومَغْفَرَةِ ذَنْبِهِ.
- قالَ شيخُ الإسْلامِ: (وقدْ نَصَّ الأَئِمَّةُ كَأحمدَ وغَيرِه علَى أَنَّهُ لا تَجُوزُ الاسْتِعَاذةُ بِمَخْلوقٍ، وهَذا مِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ علَى أنَّ كَلامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلوقٍ، قَالُوا: لأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِكَلِمَاتِ اللهِ وأَمَرَ بِذَلكَ، ولِهَذا نَهَى العُلَمَاءُ عَنِ التَّعَازِيمِ والتَّعاوِيذِ التِي لا يُعْرَفُ مَعْناها خَشْيَةَ أنْ يَكونَ فِيها شِرْكٌ).
- وقالَ ابْنُ القَيِّمِ: (ومَنْ ذَبَحَ لِلشَّيْطَانِ ودَعَاهُ، واسْتَعَاذَ بِهِ وتَقَرَّبَ إليهِ بِما يُحِبُّ فَقَدْ عبَدَهُ، وإِنْ لمْ يُسَمِّ ذلكَ عِبادةً، ويُسَمِّيه اسْتِخْدَامًا، وصَدَقَ، هو اسْتِخْدامٌ مِنَ الشيْطَانِ لَهُ، فَيَصِيرُ مِن خَدَمِ الشَّيْطَانِ وعابِدِيهِ، وبِذلكَ يَخْدُمُهُ الشيطانُ؛ لَكِنَّ خِدْمَةَ الشَّيطانِ لَهُ لَيْسَتْ خَدْمَةَ عِبادةٍ، فَإنَّ الشيْطانَ لا يَخْضَعُ لَهُ ولا يَعْبُدُهُ كَمَا يَفْعَلُ هُوَ بِهِ).
قولُه: ((مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)) قالَ ابْنُ القَيِّمِ: (أيْ: مِن كُلِّ شرٍّ فِي أيِّ مَخْلوقٍ قَامَ بِهِ الشرُّ مِن حَيَوانٍ أوْ غَيرِه، إِنْسِيًّا كَانَ أوْ جِنِّيًّا، أوْ هَامَةً أوْ دَابَّةً، أو رِيحًا أوْ صَاعِقَةً، أوْ أيَّ نَوْعٍ كانَ مِن أَنْواعِ البَلاءِ فِي الدُّنْيَا والآَخِرَةِ).
و (مَا) هَهُنَا مَوْصُولَةٌ لَيْسَ إِلاَّ، ولَيْسَ المُرَادُ بِها العَمُومَ الإِطْلاقِيَّ، بَلِ المُرَادُ التَّقْيِيدِيَّ الوَصْفِيَّ، والمَعْنَى: مِن شرِّ كُلِّ مَخْلوقٍ فِيهِ شَرٌّ، لا مِن شرِّ كُلِّ مَا خَلَقَهُ اللهُ، فإنَّ الجَنَّةَ والمَلائِكَةَ والأَنْبِيَاءَ لَيْسَ فِيهِم شرٌّ، والشرُّ يُقالُ علَى شَيْئَيْنِ: عَلَى الأَلَمِ، وعلَى ما يُفْضِي إِلَيْه.
قولُه: ((لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)) قَالَ القُرْطُبِيُّ: (هَذا خَبَرٌ صحِيحٌ وقَولٌ صَادِقٌ عَلِمْنا صِدْقَهُ دَلِيلاً وتَجْرِبَةً، فَإنِّي مُنْذُ سَمِعْتُ هَذا الخَبَرَ عَمِلْتُ عَلَيه فَلمْ يَضُرَّنِي شَيْءٌ إِلَى أنْ تَرَكْتُهُ، فَلَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ بِالْمَهْدِيَّةِ لَيْلاً، فَتَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَإِذَا بِي قَدْ نَسِيتُ أنْ أَتَعَوَّذَ بِتَلْكَ الْكَلِمَاتِ).

يوسف التازي
17-01-15, 07:08 PM
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
(8) قولُهُ: (مِن الشِّركِ) (مِن): للتَّبْعِيضِ.
وهذِهِ الترجمةُ لَيْسَتْ عَلَى إِطْلاَقِها؛ لأنَّهُ إذا استعاذَ بشَخْصٍ مِمَّا يَقْدِرُ عليهِ؛ فإنَّهُ جائزٌ كالاسْتعانَةِ.
(9) قولُهُ تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ} الواوُ: حرْفُ عطفٍ، و(أنَّ) فُتِحَتْ هَمْزتُها بسَبَبِ عَطْفِها على قولِهِ: {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} فَيُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ؛ أيْ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ اسْتماعُ نفرٍ وكونُ رِجالٍ مِن الإنسِ يَعُوذونَ برجالٍ مِن الجنِّ.
قولُهُ: {مِنَ الإِنْسِ} صفةٌ لِـ{رجالٌ} لأنَّ {رجالٌ} نَكِرَةٌ، وما بعدَ النَّكِرةِ صفةٌ لَهَا.
قولُهُ: {يَعُوذُونَ} الجملةُ خبرُ كانَ، ويُقَالُ: عاذَ بهِ ولاذَ بهِ، فالعياذُ مِمَّا يُخَافُ، واللِّياذُ فيما يُؤَمَّلُ.
قولُهُ: {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} أيْ: يَلْتَجِئونَ إليهم مِمَّا يُحاذِرُونَهُ يَظُنُّونَ أنَّهم يُعِيذُونَهم، ولكنْ زَادُوهم رَهَقًا؛ أيْ: خوفًا وذُعْرًا.
وكانت العربُ في الجاهليَّةِ إذا نَزَلُوا في وادٍ نَادَوْا بأعْلَى أصْواتِهم: أَعُوذُ بسيِّدِ هذا الوادِي مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ.
قولُهُ: {رَهَقًا} أشدُّ مِنْ مُجَرَّدِ الذُّعْرِ والخَوْفِ، فكأنَّهم معَ ذُعْرِهم وخَوْفِهم أرْهَقَهم وأضْعَفَهم شَيْءٌ؛ فالذعرُ والخوفُ في القلوبِ، والرَّهَقُ في الأبْدَانِ.
وهذهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أنَّ الاسْتعاذةَ بالجنِّ حرامٌ؛ لأنَّها لا تُفِيدُ المُسْتعِيذَ بلْ تَزِيدُهُ رَهَقًا، فَعُوقِبَ بنَقِيضِ قَصْدِهِ، وهذا ظاهرٌ. فتكونُ الواوُ ضميرَ الجنِّ والهاءُ ضَمِيرَ الإنْسِ.
وقيلَ: إنَّ الإنسَ زادُوا الجنَّ رَهَقًا؛ أي: اسْتِكْبارًا وعُتُوًّا.
ولكنَّ الصحيحَ أنَّ الفاعلَ الجنُّ كما سبقَ.

ووجهُ الاستشهادِ بالآيَةِ: ذمُّ المُسْتَعِيذِينَ بغيرِ اللهِ.
والمُسْتَعِيذُ بالشَّيْءِ لاَ شَكَّ أنَّهُ قَدْ علَّقَ رجاءَهُ بهِ، واعْتَمدَ عليهِ. وهذا نوعٌ مِن الشرْكِ.
(10) وقولُهُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً)) يَشْمَلُ مَنْ نَزَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الإقامَةِ الدَّائمةِ أو الطارِئةِ؛ بدَلِيلِ أنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشرْطِ، والنَّكِرَةُ في سياقِ الشرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ.
وقولُهُ: ((أَعُوذُ)) بِمعْنَى: أَلْتَجِئُ وأَعْتَصِمُ.
قولُهُ: ((كَلِمَاتِ)) المرادُ بالكلماتِ هنا: الكلماتُ الكونيَّةُ والشرعيَّةُ.
قولُهُ: ((التَّامَّاتِ)) تمامُ الكلامِ بأمرَيْنِ:
أحدهما: الصدقُ في الأخبارِ.
والآخر: العدلُ في الأحكامِ، قالَ اللهُ تعالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً}.
قولُهُ: ((مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)) أيْ: مِنْ شرِّ الذي خَلَقَ؛ لأنَّ اللهَ خَلَقَ كلَّ شَيْءٍ؛ الخيرَ والشرَّ، ولكنَّ الشرَّ لا يُنْسَبُ إليهِ؛ لأنَّهُ خَلَقَ الشرَّ لحِكْمَةٍ، فعَادَ بهذِهِ الحِكْمَةِ خَيْرًا، فكانَ خيرًا.
وعلى هذا نَقُولُ: الشرُّ ليسَ في فِعْلِ اللهِ، بلْ في مَفْعُولاَتِهِ؛ أيْ: مَخْلُوقاتِهِ.
وعَلَى هذا تكونُ ((مَا)) مَوْصولَةً لاَ غيرُ، أيْ مِنْ شرِّ الذي خلَقَ، لأنَّكَ لوْ أوَّلْتَها إلى المَصْدَريَّةِ وقُلْتَ: مِنْ شرِّ خَلْقِكَ، لكانَ الخلْقُ هنا مصدرًا يَجوزُ أنْ يُرادَ بهِ الفعلُ، ويجوزُ أيضًا المفعولُ، لكنْ لوْ جَعَلْتَها اسْمًا مَوْصولاً تعيَّنَ أنْ يكونَ المرادُ بها المفعولُ وهوَ المخلوقُ.
وليسَ كُلُّ ما خلَقَ اللهُ فيهِ شرٌّ، لكنْ تَسْتَعِيذُ مِنْ شرِّهِ إنْ كانَ فيهِ شرٌّ؛ لأنَّ مخلوقاتِ اللهِ تَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
الأول: شرٌّ محضٌ، كالنَّارِ وإبليسَ باعتبارِ ذَاتَيْهِما.
أمَّا باعتبارِ الحكمةِ التي خَلَقَهُما اللهُ مِنْ أجْلِها فهِي خيرٌ.
الثاني: خيرٌ محضٌ، كالجنَّةِ، والرُّسلِ، والملائكةِ.
الثالث: فيهِ شرٌّ وخيرٌ، كالإنْسِ والجنِّ والحيوانِ.
وأنْتَ إنَّما تَسْتَعِيذُ مِنْ شرِّ ما فيهِ شرٌّ.
قولُهُ: ((لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ)) نكِرةٌ في سياقِ النفْيِ فَتُفِيدُ العمومَ؛ مِنْ شرِّ كلِّ ذِي شَرٍّ مِن الجنِّ وإنسٍ وغيرِهم، والظَّاهرِ والخَفِيِّ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ؛ لأنَّ هذا خبرٌ لا يُمكِنُ أنْ يَتَخَلَّفَ مَخْبَرُهُ؛ لأنَّهُ حقٌّ وصِدْقٌ، لكنْ إنْ تَخلَّفَ هذا المَخْبَرُ فهوَ لوُجُودِ مانعٍ يَمْنَعُ مِنْ حُصولِ أَثَرِ ذلكَ الخَيْرِ.
- قالَ القُرْطُبِيُّ: (وقدْ جَرَّبْتُ ذلكَ حتَّى إنِّي نَسِيتُ ذاتَ يومٍ، فَدَخَلْتُ مَنْزِلي ولم أقُلْ ذلكَ، فلدَغَتْنِي عَقْرَبٌ).

والشاهدُ مِن الحدِيثِ: قولُهُ: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ)).
والمُؤَلِّفُ يقولُ في التَّرْجَمَةِ: (الاسْتعاذَةُ بغيرِ اللهِ) وهنا اسْتعاذَةٌ بالكلماتِ، ولمْ يَسْتَعِذْ باللهِ، فلماذا؟
أُجِيبُ: إنَّ كلماتِ اللهِ صِفَةٌ مِنْ صِفاتِهِ؛ ولهذا استدلَّ العلماءُ بهذا الحديثِ على أنَّ كلامَ اللهِ مِنْ صِفَاتِهِ غَيرُ مَخْلوقٍ؛ لأنَّ الاستعاذةَ بالمَخْلوقِ لا تَجُوزُ في مثلِ هذا الأمرِ، ولوْ كانَت الكلماتُ مخلوقةً ما أرشدَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إلى الاسْتِعاذةِ بها.
ولهذا كانَ المرادُ منْ كلامِ المُؤَلِّفِ: الاستعاذةُ بغيرِ اللهِ؛ أيْ: أوْ صِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ.
وفي الحَدِيثِ: ((أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحاذِرُ)) وهنا اسْتَعاذَ بعزَّةِ اللهِ ولمْ يَسْتَعِذْ باللهِ.
والعزَّةُ والقُدْرَةُ مِنْ صفاتِ اللهِ، وهيَ لَيْسَتْ مَخْلوقةً، ولهذا يَجُوزُ القَسَمُ باللهِ وبصفاتِهِ؛ لأنَّها غَيْرُ مَخْلوقةٍ.
أمَّا القَسَمُ بالآياتِ:
- فإنْ أرادَ الآياتِ الشرْعِيَّةَ فجائزٌ.
- وإنْ أرادَ الآياتِ الكونيَّةَ فغيرُ جائزٍ.
بقيَ بيانُ حُكمِ الاستعاذةِ بالمخلوقِ؛ ففيها تفصيلٌ:
- فإنْ كانَ المَخْلوقُ لاَ يَقْدِرُ عليهِ فهيَ مِن الشرْكِ، كما نَقَلَ ذلكَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ: (لاَ يجوزُ الاستعاذةُ بالمَخْلوقِ عندَ أحدٍ مِن الأئِمَّةِ، وهذا ليسَ عَلَى إِطْلاقهِ، بلْ مُرَادُهم مِمَّا لاَ يَقْدِرُ عليهِ إلاَّ اللهُ؛ لأنَّهُ لاَ يَعْصِمُكَ مِن الشرِّ الذي لاَ يَقْدِرُ على دفعهِ إلا الله).
- ومِنْ ذلكَ أيضًا الاسْتِعاذَةُ بأصْحابِ القُبُورِ؛ فإنَّهم لاَ يَنْفَعونَ ولا يضرُّونَ.
- أمَّا الاسْتِعاذَةُ بمَخْلوقٍ فيما يَقْدِرُ عليهِ فهيَ جائزةٌ، وقدْ أشارَ إلى ذلكَ الشارحُ الشيخُ سُلَيْمانُ في (تَيْسِيرِ العَزِيزِ الحَميدِ).
وهوَ مُقْتَضَى الأحَادِيثِ الوارِدَةِ في (صَحِيحِ مُسْلِمٍ)، لَمَّا ذَكَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الفِتَنَ قالَ: ((فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ)).
وكذلكَ قِصَّةُ المرأةِ التي عَاذَتْ بِـأُمِّ سَلَمَةَ، والغلامِ الذي عاذَ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وكذلكَ في قِصَّةِ الذينَ يَسْتَعِيذُونَ بالحَرَمِ والكَعْبَةِ، ومَا أَشْبَهَ ذلكَ.
وهذا هُو مُقْتَضَى النظرِ، فإذا اعْتَرَضَنِي قُطَّاعُ طريقٍ، فعُذْتُ بإنْسانٍ يَسْتَطِيعُ أنْ يُخَلِّصَنِي مِنهم، فلاَ شَيْءَ فيهِ.
لكنَّ تعليقَ القلبِ بالمخلوقِ لاَ شَكَّ أنَّهُ مِن الشِّرْكِ، فإذا عَلَّقْتَ قَلْبكَ ورَجَاءكَ وخَوْفَكَ وجَمِيعَ أُمُورِكَ بشَخْصٍ مُعَيَّنٍ وجَعَلْتَهُ مَلْجَأً فهذا شركٌ؛ لأنَّ هذا لاَ يَكُونُ إلاَّ للهِ.
وعَلَى هذَا؛ فكَلاَمُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الأئمَّةَ لا يُجَوِّزونَ الاسْتعاذةَ بمخلوقٍ، مُقَيَّدٌ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلاَّ اللهُ، ولَوْلاَ أنَّ النصوصَ وردَتْ بهِ لأخَذْنا الكَلاَمَ على إطْلاَقِهِ وقُلْنا: لاَ يَجُوزُ الاستعاذةُ بغيرِ اللهِ مُطْلَقًا.

(11) فيهِ مسائلُ:
الأُولَى: (تَفْسيرُ آيَةِ الجنِّ) وقدْ سَبَقَ ذلكَ في أوَّلِ البابِ.
(12) الثانيَةُ: (كونُهُ من الشِّرْكِ) أي: الاسْتعاذَةُ بَغْيْرِ اللهِ. وقَدْ سَبَقَ التَّفْصِيلُ في ذلكَ.
(13) الثالثةُ: (الاسْتِدلاَلُ على ذلكَ بالحَدِيثِ؛ لأنَّ العلماءَ يَسْتَدِلُّونَ بهِ عَلَى أنَّ كَلِماتِ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقةٍ؛ لأنَّ الاسْتِعَاذَةَ بالمَخْلُوقِ شِرْكٌ) ووجْهُ الاسْتِشْهادِ: أنَّ الاسْتِعاذَةَ بكلماتِ اللهِ لا تَخْرُجُ عنْ كَوْنِها اسْتِعاذةً باللهِ؛ لأنَّها صِفَةٌ مِنْ صِفاتِهِ.
(14) الرابعةُ: (فَضِيلةُ هذا الدُّعاءِ معَ اختصارِهِ) أيْ: فَائِدَتُهُ، وهيَ أنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْءٌ ما دُمْتَ في هذا المنزلِ.
(15) الخامسةُ: (أنَّ كوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مِنْ كَفِّ شرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، لا يدلُّ على أنَّهُ لَيْسَ مِن الشِّركِ) ومَعْنَى كَلاَمِهِ: أنَّهُ قدْ يكونُ الشيءُ مِن الشرْكِ ولوْ حَصَلَ لكَ فيهِ مَنْفعةٌ، فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ حُصولِ النفعِ أنْ يَنْتَفِيَ الشرْكُ، فالإنسانُ قدْ يَنْتَفِعُ بِمَا هوَ شرْكٌ.
مثالُ ذلكَ: الجِنُّ، فقدْ يُعِيذُونَكَ، وهذا شرْكٌ معَ أنَّ فيهِ مَنْفَعةً.
مثالٌ آخَرُ: قدْ يَسْجُدُ إنْسانٌ لِمَلِكٍ، فيَهَبُهُ أموالاً وقُصُورًا، وهذا شركٌ معَ أنَّ فيهِ مَنْفعةً.
ومِنْ ذلكَ ما يَحْصُلُ لِغُلاَةِ المدَّاحِينَ لِمُلُوكِهِم لأَجْلِ العَطَاءِ، فلاَ يُخْرِجُهم ذلكَ عنْ كَوْنِهم مُشْرِكِينَ.

يوسف التازي
17-01-15, 07:16 PM
بالقول الذي معه اعتقاد، فهي مناسبة لأن تكون بعد (باب من الشرك النذر لغير الله).

وقوله - رحمه الله -: (من الشرك) (من) ههنا تبعيضية؛كما ذكرنا فيما سبق من الأبواب.

وهذا الشرك هو الشرك الأكبر،




(من الشرك الأكبر الاستعاذة بغير الله) لأن الألف واللام، أو اللام وحدها الداخلة على الشرك، هذه تعود إلى المعهود، وهو: أن الاستعاذة بغير الله شرك أكبر بالله جل جلاله.

(الاستعاذة):


طلب العياذ،
يقال: استعاذ، إذا طلب العياذ، والعياذ: طلب ما يؤمِّن من الشر، الفرار من شيء مخوف إلى ما يؤمن منه، أو إلى من يؤمن منه.

ويقابلها اللياذ،


وهو: الفرار إلى طلب الخير، أو التوجه والاعتصام والإقبال لطلب الخير.

ومادة


استفعل، مثل ما ههنا (استعاذ) وكما سيأتي (استغاث) (استعان) ونحو هذه المادة، هي موضوعة في الغالب للطلب، فغالب مجيء السين والتاء للطلب، استسقى إذا طلب السقيا، واستغاث: إذا طلب الغوث، واستعاذ: إذا طلب العياذ.

قلنا: في الغالب؛ لأنها تأتي أحياناً للدلالة على كثرة الوصف في الفعل، كما في قوله جل وعلا: {واستغنى الله} استغنى: ليس معناها طلب الغنى، وإنما جاء بالسين والتاء هنا للدلالة على عظم الاتصاف بالوصف الذي اشتمل عليه الفعل، وهو الغنى.

فهذه المادة، استعاذ، استغاث، استعان، وأشباه ذلك: فيها طلب.
والطلب من أنواع التوجه والدعاء، إذا طلب فإن هناك مطلوباً منه، والمطلوب منه لمّا كان أرفع درجة من الطالب، كان الفعل المتوجه إليه يسمَّى دعاءً، ولهذا في حقيقة اللغة وفي دلالة الشرع: الاستعاذة: طلب العوذ، أو طلب العياذ، وهو الدعاء المشتمل على ذلك.
الاستغاثة:





طلب الغوث، دعاء مشتمل على ذلك، وهكذا في كل ما فيه طلب، نقول: إنه دعاء، وإذا كان دعاءً فإنه عبادة، والعبادة لله -جل وعلا- بالإجماع وبما دلت عليه النصوص {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}، {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}، {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً}.

إذاً:


فكل فعلٍ من الأفعال، أو قولٍ من الأقوال، فيه طلب عبادة، لِمَ؟ لأنه دعاء؛ لأن كل طلبٍ دعاء.

فالذي يطلب شيئاً: إذا طلبه من مقارنٍ،


فيقال: هذا التماس؛ وإذا طلبه ممن هو دونه، يقال: هذا أمر؛ وإذا طلبه ممن هو أعلى منه، فهذا دعاء، والمستعيذ والمستغيث لا شك أنه طالبٌ ممن هو أعلى منه لحاجته إليه، فلهذا كل دليل فيه ذكر إفراد الله -جل وعلا- بالدعاء أو بالعبادة دليل على خصوص هذه المسألة، وهي: أن الاستعاذة عبادة من العبادات العظيمة، وإذ كانت كذلك فإن إفراد الله بها واجب.

قال هنا: (من الشرك الاستعاذة بغير الله) وقوله: (الاستعاذة بغير الله) هذا الغير يشمل كل ما يتوجه الناس إليه بالشرك، ويدخل في ذلك بالأوَّلية ما كان المشركون الجاهليون يتوجهون إليه بذلك؛ من الجن، ومن الملائكة، ومن الصالحين، ومن الأشجار، والأحجار، ومن الأنبياء والرسل، إلى غير ذلك.

هل قوله هنا: (باب من الشرك الاستعاذة بغير الله)، (الاستعاذة بغير الله) هل هذا المقصود منه: أن الاستعاذة جميعاً لا تصلح إلا لله؟ وأنه لو استعاذ بمخلوق فيما يقدر عليه أنه يدخل في الشرك؟
الجواب:





هذا فيه تفصيل:

- ومن أهل العلم من قال: الاستعاذة لا تصلح إلا لله، وليس ثمَّ استعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن الاستعاذة: توجه القلب، واعتصامه، والتجاؤه، ورغبه، ورهبه، فيها هذه المعاني جميعاً، فهي توجه للقلب، وهذه المعاني جميعاً لا تصلح إلا لله جل وعلا.

وقال آخرون:




قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يَقْدِر عليه؛
لأن حقيقة الاستعاذة طلب انكفاف الشر، طلب العياذ، وهو أن يعيذ من شرٍّ أحدقَ به، وإذا كان كذلك، فإنه قد يكون المخلوق يملك شيئاً من ذلك، قالوا: فإذاً: تكون الاستعاذة بغير الله شركاً أكبر، إذا كان ذلك المخلوق لا يَقْدِر على أن يعيذ، أو لا يقدر على الإعاذة مما طلب إلا الله جل وعلا.

والذي يظهر من ذاك: أن المقام -كما ذكرت لك- فيه تفصيل، وذاك أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن.

فالعمل الظاهر:




أن يطلب العوذ، أن يطلب العياذ، وهو أن يعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر.

وفيها عمل باطن:


وهو توجه القلب، وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه، إذا كان هذان في الاستعاذة، فإذا قيل: الاستعاذة لا تصلح إلا لله، يعني: لا تصلح إلا بالله، لا يستعاذ بمخلوق مطلقاً، يُعنى به: أنه لا يستعاذ به من جهة النوعين جميعاً؛ لأن منه القلب، يعني: النوعين معاً؛ لأن منه عمل القلب، وعمل القلب الذي وصفت: بالإجماع لا يصلح إلا لله جل وعلا.

وإذا قيل:


الاستعاذة تصلح بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ فهذا لما جاء في بعض الأدلة من الدلالة على ذلك، وهذا إنما يُراد منه الاستعاذة بالقول ورغب القلب في أن يخلص مما هو فيه من البلاء، وهذا يجوز أن يتوجه به إلى المخلوق.

فإذاً:حقيقة الاستعاذة تجمع الطلب الظاهر وتجمع المعنى الباطن، ولهذا اختلف أهل العلم فيها، فالذي ينبغي أن يكون منك دائماً على ذكر: أن توجه أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء، أو الجن، أو الصالحين، أو الطالحين، أو غير ذلك، أنهم جمعوا بين القول باللسان، وبين أعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله جل وعلا، وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون: (من أن الاستعاذة بهم، إنما هي فيما يقدرون عليه، وأن الله أقدرهم على ذلك) فيكون إبطال مقالهم راجعاً إلى جهتين:

فالجهة الأولى:




أن يبطل قولهم في الاستعاذة، وفي أشباهها: أن هذا الميت أو هذا الجني يقدر على هذا الأمر، وإذا لم يقتنع بذلك أو حصل هناك إيراد اشتباه فيه، فالأعظم أن يتوجه المورد للأدلة السنية، أن يتوجه إلى أعمال القلب، وأن هذا الذي توجه إلى ذلك الميت أو الولي، قد قام بقلبه من العبوديات ما لا يصلح إلا لله جل جلاله.

إذاً: فنقول: الاستعاذة بغير الله شرك أكبر؛ لأنها صرف للعبادة لغير الله، صرف العبادة لغير الله جل جلاله، فإن كان ذلك في الظاهر مع طمأنينة القلب بالله، وتوجه القلب إلى الله، وحسن ظنه بالله، وأن هذا العبد إنما هو سبب، وأن القلب مطمئن فيما عند الله؛ فإن هذه تكون استعاذة بالظاهر، وأما القلب فإنه لم تقم به حقيقة الاستعاذة، وإذا كان كذلك كان هذا جائزاً.

قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً})
{وأنه}





: هذه معطوفة على أول السورة، وهو ما أوحى الله -جل وعلا- إلى نبيه: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} ثم بعد آيات {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً}.

ومعنى {رهقاً} هنا: يعني: خوفاً واضطراباً في القلب، أوجب لهم الإرهاق، والرهق في الأبدان وفي الأرواح، فلما كان كذلك تعاظمت الجنَّ وزاد شرها، قال: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن}.

وقد كان المشركون يعتقدون أن لكل مكان مخوف جنِّيّاً، أو سيداً من الجن يخدم ذلك المكان، هوله ويسيطر عليه؛ فكانوا إذا نزلوا وادياً، أو مكاناً قالوا: (نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه) يعنون الجنَّ؛ فعاذوا بالجن، لأجل أن يُكفَّ عنهم الشر مدة مقامهم، لهذا قال جل وعلا: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً}{فزادوهم} يعني: زادوا الجنُّ الإنس خوفاً واضطراباً وتعباً في الأنفس، وفي الأرواح، وإذا كان كذلك كان هذا مما هو من العقوبة عليهم، والعقوبة إنما تكون على ذنب.
فدلت الآية على ذم أولئك،





وإنما ذُمُّوا لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله جل وعلا، والله -سبحانه- أمر أن يستعاذ به دون ما سواه، فقال سبحانه: {قل أعوذ برب الفلق}.

وقال: {قل أعوذ برب الناس}.

وقال: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون}.
والآيات في ذلك كثيرة؛ كقوله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} فعُلم من التنصيص على المستعاذ به -وهو الله جل وعلا- أن الاستعاذة حصلت بالله وبغيره، وأن الله أمر نبيه أن تكون استعاذته به وحده دون ما سواه، وذكرت لكم أصل الدليل في ذلك، وأن الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فتدخل فيما دلت عليه الآيات من إفراد العبادة بالله وحده.
في قوله: {فزادوهم رهقاً} ثمّ قول آخر، وهو قول قتادة وبعض السلف: أن {رهقاً} معناها: (إثماً) فزادوهم إثماً، وهذا أيضاً ظاهر من جهة الاستدلال إذا كانت الاستعاذة موجبة للإثم، فهي إذاً: عبادة إذا صُرفت لغير الله.
وعبادة مطلوبة إذا صرفت لله جل جلاله،





وهذا يستقيم مع الترجمة من أن الاستعاذة بغير الله شرك.

قال: (وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك)) رواه مسلم)

وجه الدلالة من هذا الحديث:




أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيّن فضل الاستعاذة بكلمات الله، فقال: ((من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) وجعل المستعاذ منه: المخلوقات الشريرة، والمستعاذ به: هو كلمات الله.

وقد استدل أهل العلم حين ناظروا المعتزلة وردوا عليهم، استدلوا بهذا الحديث على أن كلمات الله ليست بمخلوقة، قالوا: لأن المخلوق لا يستعاذ به، والاستعاذة به شرك؛ كما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.

فوجه الدلالة من الحديث:




إجماع أهل السنة على الاستدلال به على أن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأنه لما أمر بالاستعاذة بكلمات الله، فإن كلمات الله -جل وعلا- ليست بمخلوقة.

قال: ((من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) المقصود بـ(كلمات الله التامات) هنا: الكلمات الكونية التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، وهي المقصودة بقوله جل وعلا: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} وبقوله: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله}{وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً}.

وفي القراءة الأخرى:




{وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً} هذه الآية في الكلمات الشرعية، وكذلك في الكلمات الكونية.

إذاً: فقوله: ((أعوذ بكلمات الله التامات)) يعني: الكلمات الكونية.

((




من شر ما خلق))
يعني: من شر الذي خلقه الله جل وعلا، وهذا العموم المقصود منه: من شر المخلوقات التي فيها شر، وليست كل المخلوقات فيها شر؛ بل ثمَّ مخلوقات طيبة ليس فيها شر، كالجنة، والملائكة، والرسل، والأنبياء، والأولياء.
وهناك مخلوقات خُلقت وفيها شر، فاستعيذ بكلمات الله -جل وعلا- من شر الأنفس الشريرة، والمخلوقات التي فيها شر.

يوسف التازي
17-01-15, 07:23 PM
13 - باب


من الشرك الاستعاذة بغير الله

وقول الله تعالى: سورة الجن الآية 6 وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [ الجن: 6 ] - -ص 82- وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صحيح مسلم الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ (2708) ، سنن الترمذي الدَّعَوَاتِ (3437) ، سنن ابن ماجه الطِّبِّ (3547) ، مسند أحمد (6/377 ، 6/378) ، سنن الدارمي الِاسْتِئْذَانِ (2680). من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك رواه مسلم . - -ص 83-

- -ص 81- قوله: " باب من الشرك الاستعاذة بغير الله " الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام، فالعائذ قد هرب إلى ربه والتجأ إليه مما يخافه عموما وخصوصا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل له - أمر لا تحيط به العبارة، انتهى. وقد أمر الله عباده في كتابه بالاستعاذة به في مواضع كقوله: سورة الأعراف الآية 200 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأعراف: 200 ] وقال: سورة النحل الآية 98 فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [ النحل: 98 ] وفي المعوذتين وغير ذلك، فهي عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله كغيرها من أنواع العبادة.

قوله: وقول الله تعالى: سورة الجن الآية 6 وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره هذه الآية: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك إثما، وقال بعضهم: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بعزيزهم جرأة عليهم وازدادوا هم بذلك إثما، وقال مجاهد : فازداد الكفار طغيانا، وقال ابن زيد : وزادهم الجن خوفا، وقد أجمع العلماء على أنه لا تجوز الاستعاذة بغير الله. وقال ملا علي قاري الحنفي رحمه الله: لا تجوز الاستعاذة بالجن؛ فقد ذم الله الكافرين على ذلك، وذكر الآية، وقال تعالى: سورة الأنعام الآية 128 وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا الآية. فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من المغيبات واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه - -ص 82- إياه واستعاذته به وخضوعه له، انتهى ملخصا.

قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية لا يدل على أنه ليس من الشرك.

وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صحيح مسلم الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ (2708) ، سنن الترمذي الدَّعَوَاتِ (3437) ، سنن ابن ماجه الطِّبِّ (3547) ، مسند أحمد (6/377 ، 6/378) ، سنن الدارمي الِاسْتِئْذَانِ (2680). من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك رواه مسلم . خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، يقال لها أم شريك، ويقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون، قال ابن عبد البر : وكانت صالحة فاضلة.

قوله: " أعوذ بكلمات الله التامات " شرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به بدلا عما يفعل أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، فشرع الله تعالى للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته. قال القرطبي رحمه الله تعالى: قيل: معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، وقيل: معناه الكافية الشافية، وقيل: الكلمات هنا هي القرآن؛ فإن الله أخبر عنه أنه هدى وشفاء، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى، وعلى هذا فحق المستعيذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه ومغفرة ذنبه، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله ليس بمخلوق، قالوا:؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا - -ص 83- يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداما، وصدق هو استخدام من الشيطان له فيصير من خدم الشيطان وعابديه، ولذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده كما هو يفعل به.

قوله: " من شر ما خلق " قال ابن القيم : من كل شر، في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره إنسيا كان أو جنيا أو هامة أو دابة أو ريحا أو صاعقة، أو أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة.

و " ما " هاهنا موصولة ليس إلا، وليس المراد بها العموم الإطلاقي بل المراد التقييدي الوصفي، والمعنى من شر كل مخلوق فيه شر لا من شر كل ما خلقه الله؛ فإن الجنة والأنبياء والملائكة ليس فيهم شر، والشر يقال على شيئين: على الألم وعلى ما يفضي إليه.

يوسف التازي
17-01-15, 07:53 PM
القول بأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أجاز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم صــحــيـــح.

وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في (التوسل والوسيلة)، وأفاض في توجيهه أيما إفاضة.

وحاصل ما ذكره الشيخ: أن التوسل بالنبي يستعمل في ثلاثة معان:

ـ الإقسام على الله تعالى بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ـ سؤال الله تعالى بطاعته.
ـ التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته.


وحمل، رحمه الله تعالى، التوسل الذي يجيزه الإمام أحمد على المعنى الأول ، الذي هو الإقسام على الله تعالى بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى المعنى الثاني ، الذي هو سؤاله تعالى بتصديق النبي ومحبته واتباعه.

والحمل على المعنى الثاني، بمعنى التصديق والمحبة والاتباع والطاعة ظاهر.

وأما الحمل على المعنى الأول، الذي هو الإقسام على الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنما هو باعتبار أن الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، ورد عنه في الإقسام على الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم روايتان:
رواية بالمنع ، وهي الموافقة لمذهب الجمهور.
ورواية بالجواز ، وهي المخالفة لمذهب الجمهور.
وعلى رواية الجواز حمل شيخ الإسلام قوله بجواز التوسل إلى الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد استفاض شيخ الإسلام في مناقشة تلك الرواية القائلة بجواز الإقسام، وبين أنها على خلاف الحق، وأن الأدلة الشرعية قاضية بالمنع، وأن الحق في ذلك مع الجمهور، وأن الإمام أحمد، إن صحت الرواية عنه، مخطئ في ذلك.
فلله دره من رجل لا يتعصب إلا للحق، وإن خالف ذلك قول إمامه.

**********
قال الشيخ:
(لفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:
أحدهما: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.
والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته ، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا هو الذي قال أبوحنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك.
قال أبوالحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة.
- قال بشر بن الوليد حدثنا أبويوسف قال: قال أبوحنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك" أو "بحق خلقك". وهو قول أبي يوسف. قال أبويوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام.
- قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقاً...
والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك.
وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه.
والأول أصح...
وإنما يعرف النزاع في الحلف بالأنبياء،
فعن أحمد في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتان:
إحداهما: لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي.
والثانية: ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء.
وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وعدَّى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء).

وقال أيضا:
(وقد نقل في (منسك المروذي) عن أحــــمــــــد دعاء فيه سؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به، وأكثر العلماء على النهي في الأمرين).

وقال أيضا:
(فإن قيل: إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين
- تارة يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته (وهذا أعظم الوسائل)،
ـ وتارة يتوسل بذلك في الدعاء كما ذكرتم نظائره
فيحمل قول القائل: أسألك بنبيك محمد، على أنه أراد: إني أسألك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، ونحو ذلك، وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع.
قيل: من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعـــن الإمــــام أحـــــمـــــــد وغيره، كان هذا حسناً وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع.
ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر، وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع، ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ).

وقال أيضا:
(قلت: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحـــمــــــد بـــن حــنــبــــــل في منسك المروذي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، ونهى به آخرون. فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته، فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول).



هذا ما وقفت عليه، فأسأل الله تعالى أن يكون وافيا ببيان المقام.

والله أعلم.

والسلام عليكم.

********************************************

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله [مجموع الفتاوي 2/346]: وأما القسم الثاني فهو التوسل بذواتهم فهذا ليس بشرعي ؛ بل هو من البدع من وجه
ونوع من الشرك من وجه آخر
فهو من البدع ؛ لأنه لم يكن معروفا في عهد النبي مثل أن يقول أسألك بنبيك محمد ومحبته فإن ذلك من دين الله الذي ينتفع به العبد
وأما ذات النبي صلى الله عليه وسلم فليست وسيلة ينتفع بها العبد
وكذلك على القول الراجح لا يجوز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم إنما ينتفع به النبيصلى الله عليه وسلم نفسه ولا ينتفع به غيره
وإذا كان الإنسان يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم باعتقاد أن للنبي صلى الله عليه وسلم جاها عند الله فليقل اللهم إني إسألك أن تشفع في نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم وما أشبه ذلك من الكلمات التي يدعو بها الله عز وجل .
وينظر ما قبله وبعده .


t7

المصدر: منتديات مزامير آل داوُد - الركن: الركن الشرعي ( تجريبي )

يوسف التازي
17-01-15, 07:54 PM
براءة الحنابلة @@@ من القول بجواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته

قال الحجاوي في باب حكم المرتد من كتابه الإقناع 4/285 ط. التركي
(قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به اتفاقا. وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا. انتهى. أو سجد لصنم أو شمس أو قمر).


10- قال منصور البهوتي في كشاف القناع:
((قال الشيخ أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به ) الرسول ( اتفاقا , وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا انتهى ) أي كفر لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )).


11- وقال ابن مفلح في الفروع 6/165 في باب حكم المرتد:
(قال : أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ( ع ) قال جماعة : أو سجد لشمس أو قمر).


12- وقال المرداوي في الإنصاف 10/327
(فائدة : قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : وكذا الحكم لو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا . قال جماعة من الأصحاب : أو سجد لشمس أو قمر).


13- وقال الشيخ مرعي الكرمي في غاية المنتهى 3/355
(أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا قاله الشيخ).


14- وقال مصطفى الرحيباني في مطالب أولي النهى 6/279
(( أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ) كفر ( إجماعا قاله الشيخ ) تقي الدين , وقال : أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به كفر اتفاقا ; لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).


15- وقال منصور البهوتي في حاشيته على المنتهى الموسومة بإرشاد أولي النهى إلى دقائق المنتهى 2/1348
(قال الشيخ تقي الدين: أو كان مبغضا لله أو لرسوله، أو لما جاء به اتفاقا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويسألهم ويدعوهم إجماعا). مع أن متن المنتهى لم ينص على هذه المسألة.
فانظر إلى متأخري الحنابلة كيف يطبقون على نقل هذا الإجماع دون أن يستنوا منه نبيا أو وليا.


16- وقال الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله في الصارم المنكي في الرد على السبكي ص 436
(والصلاة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم، وهذا مشروع بل هو فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين، ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركا محرما بإجماع المسلمين. ولو ندبه وناح لكان أيضا محرما وهو دون الأول. فمن احتج بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع وأهل أحد على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة، فهو أعظم ضلالا ممن يحتج بصلاته على الجنازة على أنه يجوز أن يشرك بالميت ويدعى من دون الله ويندب ويناح عليه كما يفعل ذلك من يستدل بهذا الذي فعله الرسول وهو عبادة لله وطاعة له يثاب عليه الفاعل وينتفع به المدعو له ويرضى به الرب ، على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله وإيذاء للميت وظلم من العبد لنفسه كزيارة المشركين وأهل الجزع الذين لا يخلصون لله الدين، ولا يسلمون لما حكم به سبحانه وتعالى.
فكل زيارة تتضمن فعل ما نهي عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجر وترك الصبر، أو تتضمن الشرك ودعاء غير الله وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها، وهذه الثانية أعظم إثما من الأولى).


17- وقال أيضا ص 464:
(وقوله- أي السبكي- إن المبالغة في الإجلال واجبة. أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع ، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات النكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين)
إلى أن قال: (وأما جعل قبره الكريم عيدا تشد المطايا إليه كما تشد إلى البيت العتيق، ويصنع عنده ما يكرهه الله ورسوله ويمقت فاعله، ويتخذ موقفا للدعاء وطلب الحاجات وكشف الكربات، فمن جعل ذلك من دينه فقد كذب عليه، وبدل دينه).


18- وقال ابن الجوزي : (قال ابن عقيل: لما [صعبت] التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالألواح [بالحوائج] وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا ، وأخذ التراب تبركا وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، ولا تجد في هؤلاء من يحقق مسألة في زكاة فيسأل عن حكم يلزمه، والويل عندهم لمن لم يقبّل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد المأمونية يوم الأربعاء...) انتهى من تلبيس إبليس ص 448، وهو عند ابن القيم في إغاثة اللهفان 1/195 وما بين المعقوفتين منه.


19- وقال ابن عقيل أيضا فيما نقله ابن مفلح في الفروع 2/273
(وفي الفنون : لا يخلق القبور بالخلوق , والتزويق والتقبيل لها والطواف بها , والتوسل بهم إلى الله , قال : ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا : بالسر الذي بينك وبين الله . وأي شيء من الله يسمى سرا بينه وبين خلقه ؟ قال : ويكره استعمال النيران والتبخير بالعود , والأبنية الشاهقة الباب , سموا ذلك مشهدا . واستشفوا بالتربة من الأسقام , وكتبوا إلى التربة الرقاع , ودسوها في الأثقاب , فهذا يقول : جمالي قد جربت , وهذا يقول : أرضي قد أجدبت , كأنهم يخاطبون حيا ويدعون إلها)).


20- وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم 1/481
(واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعيّن...) إلى آخر كلام طويل نافع.


21- وقال ابن رجب في تحقيق كلمة الإخلاص ص 21
(فتحقيقه بقول لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حبا ورجاء وخوفا وتوكلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا)
ثم قال (وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله وإلآله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الآلهيه كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ).


22- وقال المرداوي في الإنصاف 2/456
(وقال الإمام أحمد وغيره من العلماء : في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " : الاستعاذة لا تكون بمخلوق)
مع أنه نقل عن أحمد في نفس الصفحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء.
وقد أحال الأسمري على هذه الصفحة حين عرض لمسألة التوسل، فهل قرأ ما يتعلق بالاستعاذة ؟ وهل ثمة فرق مؤثر بين الاستغاثة والاستعاذة في هذا الباب؟!


23- وانظر النقل عن أحمد وغيره في أن الاستعاذة لا تكون بمخلوق في:
الفروع 2/160 ، كشاف القناع 2/68 ، مطالب أولي النهى 1/817


تعليق:


هذا كلام فقهاء الحنابلة رحمهم الله ، في منع اتخاذ الوسائط ودعائهم وحكاية الإجماع على ردة من يفعل ذلك ، ومنع الاستعاذة بالمخلوق، ولم يستثنوا من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، لا بحجة أنه حي، ولا بحجة أنه يسمع، ولا بحجة أنه تعرض عليه الأعمال ويستغفر لأمته...

يوسف التازي
18-01-15, 11:01 AM
التوسل أنواعه وأحكامه: ‏

‎‎ التوسل: هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته، واتباع أنبيائه ورسله وبكل ما يحبه الله ويرضاه. ‏

‎‎ قال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } [المائدة: 35]. ‏

‎‎ قال ابن عباس: الوسيلة : القربة . فالذي يجعل الوسيلة والواسطة بينه وبين الله وسيلةً مشروعةً فعمله مشروع وجائز، ومن جعل الوسيلة بينه وبين الله وسيلةً محرمةً أو غير مشروعة فعمله محرم. ‏

‎‎ أنواع التوسل: ‏

‎ أ- التوسل المشروع ب- التوسل الممنوع (المحرم ) . ‏

‎ أ- التوسل المشروع: ‏

‎‎ وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة وهو أربعة أنواع: ‏

1. التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. ‏

‎‎ كأن تقول يا رحمان ارحمني ويا رزاق ارزقني. قال عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [الأعراف: 180]. ‏

2. التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة. ‏

‎‎ وأفضل شيء يتقرب به العبد إلى الله تعالى إيمانه وعمله الصالح حتى يستجيب الله توسله ودعاءه. ‏

‎‎ ودليله ما جاء في الصحيحين من قصة أصحاب الغار، الذين دعوا الله بصالح أعمالهم فأنجاهم الله. ‏

‎‎ عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ. فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي. فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ) رواه البخاري.

3. التوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته من الصالحين. فيجوز للإنسان أن يطلب من الصالحين الأحياء الحاضرين أن يدعوا الله له أن يغفر له، أو أن يشفي مريضاً، ولكن الأولى ترك ذلك. والدليل على جواز هذا الأمر ‎: ‏ أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا وانقطع المطر استسقى بالعباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ فَيُسْقَوْن ) قال: فيسقون. رواه البخاري. ‏

‎‎ ومراده بقوله (نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا ) أي: بدعائه. ‏

4. التوسل إلى الله بحال الداعي. ‏

‎‎ كأن يقول الإنسان: اللهم إني فقير ومذنب فاغفر لي واقض ديني، فيظهر فاقته وحاجته لله سبحانه حتى يستجيب الله له، كما قال الله عز وجل عن موسى عليه السلام: {رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقير } [القصص: 24]. ‏

ب- التوسل الممنوع (المحرم ): ‏

‎‎ وهو كل توسل لم يدل عليه دليل شرعي، أو كان مخالفاً لنصوص الكتاب والسنة، وهو أربعة أنواع : ‏

1. التوسل إلى المخلوق الميت الغائب والطلب منه أن يدعو الله أن يقضي حاجته، كما يفعله عباد القبور عندما يسألون صاحب القبر أن يفرج الله عنهم، فإن هذا هو نفس فعل المشركين، كما قال عز وجل عنهم: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر: 3]. ‏

‎‎ ومثاله كأن يقول الداعي لصاحب القبر: يا ولي الله ادع الله لي أن يشفي مريضي. وهذا شرك أكبر مخرج من الإسلام. ‏

2. التوسل إلى الله ودعاؤه وحده، لكن يجعل الداعي بينه وبين الله شخصاً في دعائه مثاله: كأن يقول: "اللهم إني أتوسل إليك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين ". لكن لا يتوجه إلى إيِّ منهم بدعاء، وإنما يدعو الله وحده مخلصاً له الدين. وهذا النوع بدعة ومحرم على الصحيح، لأنه لم يرد فيه نص ولم يفعله أحد من الصحابة، ولكنه ليس شركاً أكبر، لأن الداعي دعا الله سبحانه ولم يدع أحداً غيره. ‏

3. التوسل إلى الله بجاه فلان وحرمته وبركته. ‏

‎‎ ولاشك أن هذا بدعة، لأنه لم يرد فيه نص شرعي، كأن يقول الإنسان: "اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان أو حرمته أو بركته ". ‏

‎‎ حتى ولو كان الذي يتوسل بجاهه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الحديث الذي يرويه بعض الناس: ‏

‎‎ ‏ (توسلوا إلى الله بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم ). ‏

‎‎ فإن هذا حديث كذب وموضوع لم يقله، فلا يكون حجةً ولا دليلاً. ‏

4. الإقسام على الله بالمتوسل به: ‏

‎‎ كأن تقول اللهم إني أقسمت عليك بفلان أن تشفي مريضي فهذا بدعة ولا يجوز، لأنه اشتمل على أمرين محرمين: ‏

الأول: أن الله حرم أن يقسم الإنسان بغير الله، وهذا إقسام بغير الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَك ) رواه الترمذي والحاكم وصححه وأقره الذهبي. ‏

الثاني: إذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، فالإقسام بالمخلوق على الخالق من باب أولى وأحرى أن يكون حراماً. ‏

يوسف التازي
19-01-15, 07:15 PM
الإغاثة في بيان ملخص حكم الاستغاثة



كتبه: أبو القاسم المقدسي



الحمد لله الذي منّ على المؤمنين فجعل دعاءهم إياه عبادة، وتفضل عليهم فأكرمهم مع ذلك بتعجيل الإجابة أو تأجيل الرّفادة، والصلاة والسلام على من حصر الله في اتباعه السعادة، وآله وصحبه أهل الفضل والريادة.

اعلم- أخي المسلم- أن المنكر إذا فشا في الناس وتعاظم وإن كان من قبيل الصغائر، فإن الصالحين يشملهم غضب الله إن هم استمرؤوا عدم الإنكار عليهم، فكيف إذا كان من جنس الكبائر، أو جنس أكبر الكبائر؟!
ثم اعلم أن انتشار الفساد لا يزيد أهل الإيمان إلا تشبثا بدينهم وعقيدتهم تحقيقا لسنة الله في المدافعة بين الحق والباطل، وتصديقا لسنة أبي القاسم -صلى الله عليه وسلم- في صفة أهل الغربة، وأنه يأتي على الناس زمانٌ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صى الله عليه وسلم: ”بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء“ وزاد أحمد في مسنده:
قيل: "يا رسول الله من الغرباء؟" قال: ”الذين يصلحون إذا فسد الناس.“
وقال الفضيل بن عياض: «عليك بطريق الحق ولا تستوحش من قلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.»

وإليك أخي التذكرة فخذها بقوة تنفعْك في الآخرة:-

أولا: بيان أن الدعاءَ : عبادة
بيّن الله ذلك في آيات كثيرة جدًا، منها قوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر : 60] وكان يمكن أن يقول (إن الذين يستكبرون عن دعائي) كما هو مقتضى صدر الآية، فلما استبدل بقوله "دعائي" قولَه {عبادتي} دل أنه جعل "الدعاء هو العبادة"، وهذا عين ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلا من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ”الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ“ ثُمَّ قَرَأَ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [رواه الترمذي بإسناد صحيح]
وذلك نظير قول القائل: " تفضّل علي بالزيارة ,إنك إن أبيت صلتي أغضبْ "،فجعل الزيارة هي الصلة.

ثانيا:
إذا تقرر ذلك – وهو جلي جدًا- فإنك إن قصدت أحد المخلوقين مهما عظم شأنه ولو كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وقرأت حاجتك بين يدي قبره، كأن تطلب زيادة رزق، أو تفريج كرب، أو تستشفي، أو تشكو هما، بِنيّة أن يخلصك منه، ولو دون طلب صريح، فقد صرفت شيئا من العبادة لغير الله تعالى، ولذلك قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف : 194] فدلت هذه الآية على أن من يحتج قائلا: "دعوناهم وجاءت الإجابة" على معاندة الرب الجليل، ومعارضة تحديه، ولم يعرف المسكين أن الله يستدرجهم ويفتنهم بتحقيق الإجابة، كما قال سبحانه {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف : 5].
- وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن : 18] والنكرة في سياق النهي تدل على العموم، فإما أن تدعو الله وتطلب أيضا من غيره، فتكون دعوت (مع) الله أحدا؛ وإما أن تدعو الله وحده، فتسلم.
والله يُحب للعبد أن يحِب (فيه) و(له)، ويكره للعبد أن يشرِك به فيُحِب (معه) بالتوجه لغيره، كما قال تعالى في وصف المشركين مع آلهتهم: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة : 165] أي لأنهم دعوا غير الله معه، ولم ينفِ عنهم حبًا لله، فتدبر!

ثالثا:
كلما عظم الكرب كانت الاستغاثة بغير الله، أو دعاؤه، أو سمها ما شئت، بزيارة قبره وتسمية الحاجة عنده أشد شركا، وأعظم اجتراءً على مقام الإلهية، ذلك أن الله تعالى يقول واصفًا المشركين الأوائل: {فإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت : 65] ولها في الكتاب العزيز نظائر كثيرة، فتأمل وصفه المشركين بالإخلاص في الدعاء حال النازلة، ثم إثباته لشركهم حال النجاة، فاحتج عليهم سبحانه بدعائهم إياه حال الشدة والعسر، على بطلان دعائهم غيره حال الرخاء واليسر، والمعنى أنهم يعودون لما نهوا عنه من دعاء الصالحين، وقصدهم بطلب الحوائج مع كون ما يطلبونه منهم مما لا يقدر عليه إلا الله، إما حال حياتهم، وإما لكونه مقدورًا في الأصل في حياتهم ولكنه غير مقدور لأجل موتهم.
فسل نفسك أخي..هل يكون مخلصا في دعائه من يقول:يا فلان اجلب لي الولد أم يكون مشركا إذ سأل المخلوق ما حقه أن يختص بالخالق"وما أضلنا إلا المجرمون* إذ نسويكم برب العالمين"..وإذا علمت أنه مامن مشرك قط قال: أنا أعدل غير الله بالله..علمت معنى التسوية في الآية


رابعا: تفنيد شبهتين مشهورتين عند من يدعون الصالحين:-
اعتاد أهل الزيغ أن يلبسوا الحق بالباطل، فقالوا: إنما نتوجه للصالحين بالطلب لا اعتقادًا باستقلال نفعهم وضرهم، وإنما لمقامهم عند الله، فنتخذهم وسيلة إلى الرب.
والرد على هذا إذا قصدنا استيفاءه مما يطول ولا يسعنا هنا إلا القصر على رد موجز، وهو يأتلف من جزئين:-

1-بيان أن المشركين كأبي جهل وأضرابه كانوا مقرين بأن الله متفرد بكمال الخلق والتدبير والملك، كما بينه الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس : 31]

2-وبيان أنهم كانوا مع ذلك يدعون غير الله فلم يعتدّ الله باعترافهم لأن فعلهم ناقضه، وحاصله أنهم أثبتوا نفعا جزئيا لمن يدعونهم، فقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر : 3]
وقالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس : 18] فرد الله عليهم دعواهم بقوله سبحانه: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس : 18]
وذلك عين ما يقوله زوار المقامات اليوم، فهم يحتجون تارة باتخاذهم وسيلة وقربى، وتارة بالشفاعة، ولو قدّر جدلا أنه يمكن تصور إنسان يدعو غير الله بلفظه مع جزمه بنفي الضرر والنفع مطلقا عن الأولياء، وادعى أنه إنما يقصد دعاء الله وحده، وأن ذكر اسم الولي من باب التيمن- مثلا- فحسب، فإن صيغة دعائه -وإن على هذا الفرض الخيالي- لابد مورثته تعلقَ الأسباب بهم وهو يؤول للشرك إذن.
وكذلك فإن اعتقاد هؤلاء بأن الصالحين يوصلون حاجاتهم للمولى عز وجل، يجعل همتهم تنصرف إلى تعظيمهم، والغلو فيهم، حتى يرضى هؤلاء عنهم فيقبلوا التوسّط إلى الله! وهذا عين الشرك أيضا.
وأيضا فإن قناعة المستغيثين بهم أنهم غوث كل مكروب يعني أنهم أحاطوا علما بالحاجات الملقاة إليهم في وقت واحد، ولا يكون ذلك إلا للعليم الخبير، فاشتمل فعلهم على الشرك في الألوهية والربوبية معا.
ثم إن دعوى التوسل بهم إلى الله لفضلهم تنقضها الصيغة المبدوءة بـ«يا» التي للنداء، ثم تعقيبها بخطاب المدعو مباشرة بطلب الحاجة التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وبعضهم يتحذلق ويقول: إننا نناديهم ولا ندعوهم! فيقال إن الله قال {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء : 76].
وتنقضها كذلك واقع الحال، فإن المشاهد لأحوال هؤلاء يدرك أنهم يعتقدون تأثيرا بالنفع والضر يختص بهؤلاء المعظمين عندهم، فمن أنكر ذلك مع إصراره على هذا النداء للأموات كمن يقول: "أعبد الله وحده" أثناء سجوده للصنم، والله المستعان.


الشبهة الثانية: قولهم إن المشركين إنما دعوا أصناما، فالجواب باختصار من وجهين:
الأول: أن اللات التي نعى الله عليهم دعاءها ليست إلا علما على رجل صالح كان يلتّ السويق للحجاج، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ فكانوا على التحقيق يدعونه، وقس على اللات غيره كيغوث ويعوق ونسر، سواء بسواء، كما يدعو أهل زماننا موتى الصالحين أو من يظنونهم كذلك.
الثاني أن الآيات التي تقدم ذكرها وغيرها عامة وجلية في بيان أن من دعا غير الله، أو ناداه، فقد اتخذه إلهًا، وإن ادعى عدم ذلك، والقول بتخصيصها بالأصنام تحكم مبناه على اتباع الهوى لاغير، فلا يسعفه علة، ولا يدل عليه معنى، وإليك بيانه باختصار:

قال تعالى : {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون : 117] ولما كان الله تعالى لا معبود بحق سواه، ثبت أن ليس ثَمّ إلهٌ عليه برهان، فكان من يدعو غير الله تعالى متخذًا إلها آخر ولابد، وتأمل إن شئت خاتمة الآية {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.
ومما يدل على العموم، وأنه غير مختص بالأصنام الحجرية، قوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر : 14]، هذه الآية نص في كون دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شرك كما تراه جليًا، وكذلك فيها إشارة إلى أن المدعوين من العقلاء وغيرهم أيضا، وإن كان متعلق الخطاب بالعقلاء أظهر لقوله {يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}؛ واشتملت أيضا على الإيماء بأن من يصر فيدعو موتى الصالحين، لم يقبل خَبَر الخبير الغيبي، ولا أمره العيني.


بيان: متى تكون الاستعانة أو الاستغاثة بغير الله جائزة:-

قد يشكل هذا الكلام على أقوام فيقال إذا كانت الاستغاثة بغير الله شركا فما حال الغريق الموشك على الهلكة وحوله أناس قد ينقذونه؟
الجواب أن الله تعالى إنما حرم الاستغاثة بغيره فيما جرت العادة أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولذلك قال عز في علاه: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر : 14]
أما طلب المعونة والنجدة من الحي بشرط أن تكون في دائرة المقدورات عادة فلا يؤاخذ عليها وليست من الشرك في شيء.


وختاما..
فإن الله أرشدنا لدعائه هو فقال:
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة : 186]، فكل من دعا غيره لم يقنع بقربه تعالى، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم وقال لحبر الأمة ”إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله“ [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
ثم تفضل علينا سبحانه ببيان المسلك الذي يحبه في دعائه هو، فقال: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف : 180] فأرشد لطريقة دعائه.
ثم حذر من الوقوع في الشرك به بدعاء غيره فقال سبحانه:{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس : 106 ، 107].
ثم تحدى من يدعون غيره وتهكم بهم فقال: ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء : 56]
ثم أثبت أن من تلبس بهذا المنكر فقد أشرك لأن دعاء غيره ليس إلا اتخاذه إلها، فقال {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [النمل : 62]، فإياك أخي ثم إياك أن تقطع حبل الله الممدود إليك بنصب الوسائط بينك وبين الله، وقد وقع في عبادتهم من فعل ذلك، وإن كان يزعم التوصلّ بهم إلى الرب ويسمي فعله التوسلّ، كذلك فعل الذين من قبل فقالوا مثل هذا.

عبدالعزيز السلطان
19-01-15, 11:44 PM
هل ممكن جمع المادة في ملف بي دي اف

يوسف التازي
20-01-15, 03:57 PM
يحتج الصوفية بالأدلة التي نأتي بها لتبيان حكم الداعي والمستغيث بغير الله بأنها خاصة بكفار قريش الذين ينكرون وجود الله وهذا مردود :
لأنه معلوم أن كفار قريش يؤمنون بوجود الله وما هذه الأصنام إلا شفعاء ووسطاء لله سبحانه.

فقال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون خلقهن العزيز العليم } " الزخرف 78"
وقال: { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله } يونس 31"
{ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون } ثم قال: { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون }" المؤمنون 23"
وقال قوم عاد لأنبيائهم : { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون } فصلت 14" فأثبتوا لله الربوبية مع أنهم مشركون .
وقال قوم يس : { ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء } فلم يجهلوا أن الرحمن من أسماء الله الحسنى .
وهذا إبليس يقول: { رب أنظرني إلى يوم يبعثون } وقال: { رب بما أغويتني } " الحجر 15" بل شهد لله بالعزة قائلا { فبعزتك لأغوينهم أجمعين }.
وهاهو صاحب الجنة يشهد بربوبية الله قائلاً : {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً } فلما أحيط بثمره قال : { ياليتني لم أشرك بربي أحد } فشهد على نفسه بأنه مشرك بالرغم من شهادته لله بالربوبية .
وقال تعالى : { ذلكم الله ربكم فاعبدوه } وهذا خطاب عام للمؤمنين والكافرين يثبت لنفسه بالربوبية عليهم جميعاً.

وإذا علمنا أن دعاء الله عند بني صوفان هو من الأمور المكروهة , نسأل الله السلامة بعكس دعاء ما دونه فهو أمر مندوب مستحب . بل هي من علامات الصوفي الحقيقي . ( أن لا يكون له إلى الله حاجة ) ( وأن لا يسأل الله الجنة و لا يستعيذ به من النار ) الرسالة القشيرية 88_89و125 .
وجعلوا دعاء الله أقل المنازل وترك سؤاله أعظمها , فزعم القشيري إن ( السنة المبتدئين منطلقة بالدعاء , والسنة المتحققين خرست عن ذلك ) وزعم أن عبد الله بن المبارك قال: ( ما دعوت الله منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد ) . الرسالة القشيرية 121 .

واعتبروا ترك دعاء الله من تمام الرضا بالله _ ولم يعتبروا الصلاة كذلك مع أنها دعاء _ فقال قائلهم: ( الرضا انه لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضياً ) وقال رويم: ( الرضا انه لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأله أن يحولها إلى يساره ) .
وزعم شيخهم الرافاعي : أنه لما وضع المنشار على رأس زكريا عليه السلام أراد أن يستغيث الله فعاتبه لله وقال : ( ألا ترضى بحكمي ؟ فسكت حتى قطع نصفين ) حالة أهل الحقيقة 115 .
وزعم آخر أن إبراهيم قال حين ألقي في النار: ( علمه بحالي يغنيه عن سؤالي ) . بمثل هذه الأكاذيب صرفوا الناس عن دعاء الله : وإذا دعي الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة , وإذا دعي الذين من دونه إذا هم يستبشرون .
ومعلوم إن الدعاء هو نداء وذكر فيصح فيهم قول الحق : { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون }.


و يقول الغزالي: ( ضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام لم يعرف له خبر فقيل له لو سألت الله أن يرده عليك فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشد علي من ذهاب ولدي ).
ويقول الطوسي الصوفي : ( أصلنا السكوت والاكتفاء بعلم الله ).

وقال القشيري : سئل الواسطي أن يدعو فقال : (أخشى إن دعوت أن يقال إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا وإن سألتنا ماليس لك عندنا فقد أسأت الينا وان رضيت أجرينا لك الأمور ماقضينا لك في الدهئ).

وهذا مناقض لأمر الله سبحانه وتعالى .


في قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }.

تأمل رعاك الله عندما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوجه إليه السؤال و يكون الجواب من الله تعالى كان يجعل الرسول صلى الله عليه و سلم وسيطا لنقل الجواب فيقول له عز وجل ( قل ) أي يا محمد أخبرهم و من ذلك :

1- قوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج }.

2- قوله تعالى : {يسألونك عن لشهر لحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل لله وكفر به }.

3- قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما }.

4- قوله تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم }.

5- قوله تعالى : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة }.

6- قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم لطيبات }.

7- قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها ثم ربي }.

8- قوله تعالى : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ولرسول }.

و غير ذلك كما في شأن اليتامى و الحيض

فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وسيطا ينقل الجواب بتوجه من الله ( قل ) إلا في مسألة الدعاء فإن الله لم يجعل الرسول صلى الله عليه و سلم وسيطا بل تولى الجواب مباشرة دون قوله تعالى ( قل )

فعندما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فانزل الله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه السنة 1 / 277 و ابن حبان في كتابه الثقات 8 / 436 و ذكره سببا لنزول الآية الطبري في تفسيره 2 / 158 و ابن كثير في تفسيره 1 / 219 و القرطبي في تفسيره 2 / 308 ذكره سبب النزول عن الحسن البصري رحمه الله .

و هذه إشارة ربانية إلى أن الله تعالى لا يحب و لا يحتاج العبد إلى وسطاء أو شفعاء عند دعاءه لربه عز وجل بل يدعوه مباشرة و قوله تعالى: { فليستجيبوا لي } أي فليدعوني .
ويلاحظ المطلع اللبيب أن الزميلة في بداية موضوعها عرجت على تعريف الاستغاثة . وهذا أمر جميل أن تعرج لتبيانها حتى لا يختلط بين التوسل والاستغاثة , مع أن تعريفها خالي ضعيف فيه أغلاط شرعية نسأل الله السلامة. .
ولذلك عرجت لتعريف الاستغاثة حسب مفهومها الشرعي.
تعريف الاستغاثة حسب مفهومها اللغوي والشرعي :
فالاستغاثة مصدر استغاث والاسم الغوث, والغوثاء, والغواث .
يقال : أجاب الله دعاءه وغُواثه , وغَواثه , ولا يوجد في اللغة فعال بالفتح في الأصوات إلا غواث والباقي بالضم أو الكسر ويقول الواقع في بلية : أغثني أي فرج عني . فالاغاثة هي الاستجابة إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال .
وبهذا نعرف أن الاستغاثة بشيء لا يقدر عليه إلا الله هو إشراك بالله وبقدرته في ذلك كأن يقول القائل: ( يا محمد أهدي الوهابية ) فهذا لا يجوز لأن الهداية لا يملكها إلا الله وقائلها مشرك لأنه أشرك بالله في دعاء لا يجوز .
ثانياً:
اعتقاده القدرة في شيء من خصائص الله ولهذا حكم على المستغيث بشيء لا يقدر عليه إلا الله شرك لأنه أشراك في قدرة الله وحده .
أضيف :
من ظن أن كل استغاثة حرام فهو مخطئ , فإن الاستغاثة المنفية على نوعين :
1- الاستغاثة بالميت منفية مطلقاً وفي كل شيء .
2- الاستغاثة بالمخلوق الحي الغائب مطلقاً أو الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله.
فهذه الاستغاثة المحرمة .
يعتري الاستغاثة أربعة أحكام :
ا - الإباحة : وذلك في طلب الحوائج من الأحياء فيما يقدرون عليه كقوله تعالى : { فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه }.
2 - الاستغاثة المندوبة " المطلوبة " الاستغاثة بالله : قا ل تعالى : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم -أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} . { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء }.
3 _ الاستغاثة الواجبة : وذلك إذا ترتب على ترك الاستغاثة هلاك الإنسان . كاستغاثة الغريق برجل يعرف السباحة
4_ الاستغاثة الممنوعة .وذلك إذا استغاث الإنسان في الأمور المعنوية بمن لا يملك القوة أو التأثير سواء كان المستغاث به جنا أو إنسانا أو ملكا أو نبيا كأن يستغاث بهم ولا يستغيث بالله تعالى في تفريج الكروب عنهم أو طلب الرزق ، فهذا غير جائز بإجماع العلماء وهو من الشرك ، قال الحق : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك }.
********************
وقد عرجت لأبين أن هناك فرق بين الاستغاثة والتوسل حتى لا تخلط الأمور بين النوعين , وهذا ما حدث لزميلة فهي خلطت بين الاستغاثة والتوسل لتهرب مما حصرناها فيه .
فقلت :
فلقد رأيت الزميلة هداها الله إلى الحق خلطت ذلك بإيراد أدلة الاستغاثة بأدلة التوسل .
أقول أنا فهّاد : لا يجوز أن يكون لفظ الاستغاثة بغير الله بمعنى التوسل .
فإن قلت يا زميلة :
إن معنى قول المستغيث أستغيث برسول الله، وبفلان الولي أي أتوسل برسول الله أو بالولي الصالح، ويصح حينئذ أن يقال تجوز الاستغاثة في كل ما يطلب من الله بالأنبياء والصالحين بمعنى أنه يجوز التوسل بهم في ذلك ويصح لفظاً ومعنى.
فسوف أجاوبك : أن هذا باطل من وجوه:

ا- إن لفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به لا بمعنى التوسل، وقد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن الاستغاثة لا تجوز بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقول القائل أستغيث به بمعنى توسلت بجاهه، هذا كلام لم ينطق به أحد من الأمم لا حقيقةً ولا مجازاً ولم يقل أحد مثل هذا، ولا معناه لا مسلم ولا كافر.
2- أنه لا يقال أستغيث إليك يا فلان بفلان أن تفعل بي كذا، وإنما يقال أستغيث بفلان أن يفعل بي كذا، فأهل اللغة يجعلون فاعل المطلوب هو المستغاث به، ولا يجعلون المستغاث به واحداً والمطلوب آخر، فالاستغاثة طلب منه لا به.

3- أن من سأل الشيء، أو توسل به، لا يكون مخاطباً له ولا مستغيثاً به، لأن قول السائل، أتوسل إليك يا إلهي بفلان: إنما هو خطاب لله، لا لذلك المتوسل به بخلاف المستغاث به، فإنه مخاطب مسئول منه الغوث فيما سأل من الله فحصلت المشاركة في سؤال ما لا يقدر عليه إلا الله، وكل دعاء شرعي لابد أن يكون الله هو المدعو فيه.
4- أن لفظ التوسل والتوجه ومعناهما يراد به أن يتوسل إلى الله ويتوجه إليه بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم عند خالقهم في حال دعائهم إياه، فهذا هو الذي جاء في بعض ألفاظ السلف من الصحابة رضوان الله عليهم .. وهذا هو الذي عناه الفقهاء في كتاب الاستسقاء في قولهم ويستحب أن يستسقى بالصالحين.

وقد رأينا أيها الإخوة أن الزميلة تجنت على اللغة والعرف بقولها أن قولي :
[ فمثلا عندما أقول: يـــا محمد أغثنا وأغث الأمة بصلاح المبتدعين النواصب والروافض].

فالزميلة تحيل استغاثتها بأنها تطلب من الرسول أن يدعو لها . فبالله عليكم هل يسمى هذا استغاثة أم توسل . ألم تجعل الرسول واسطة لها يدعوا الله لها في قبره, فهذا يسمى توسل .

ولاكن أقول : طريق الهرب من سيوف فهَّاد قصيرة . وبهذا يتضح أنها تتحدث عن الاستغاثة وتلبسينها لباس التوسل .

أقول مثال ذلك قول : [يا محمد أصلح الوهابيين ].
معلوم أن يا : حرف نداء , ومحمد : منادى منصوب . أصلح : فعل أمر والفاعل ضمير يعود إلى محمد .
أما قول الزميلة فكله تحريف ويحتاج إلى مترجم ليترجم لي ذلك .
تقول الزميلة: في تحرف معنى الاستغاثة :[ يا محمد أصلح الوهابية] .

يا : حرف نداء
محمد : منادى :
أصلح : فعل أمر يعود إلى الله بعد ما يدعوا محمد ربه في هدايتهم .

وبهذا نفهم أنه لا يقال أستغيث إليك يا فلان بفلان أن تفعل بي كذا، وإنما يقال أستغيث بفلان أن يفعل بي كذا، فأهل اللغة يجعلون فاعل المطلوب هو المستغاث به، ولا يجعلون المستغاث به واحداً والمطلوب آخر، فالاستغاثة طلب منه لا به. فهل فهمتي ذلك
وأضيف :
أن المستغاث به، مخاطب مسئول منه الغوث , لا أن يكون واسطة للمغيث . فهذا أسمه توسل . وبهذا يتضح تخبط الزميلة نسأل الله السلامة والعافية في الدين والعقل .

وأقول : حتى في اللغة والإعراب تحريف , فهنيئاً لكم تحريف اللغة بعد ماحرفتم كتاب الله .
ثانياً : لو فرضنا حلية الاستغاثة بالرسول , وهذا أمر مستبعد بالكلية .
فإنه لا يجوز الاستغاثة به في إصلاح أحد . لأنه لا يستطيع ولا يملكه , بأن يهدي الوهابية فهذا الأمر نفاه الله عن رسوله في حيال حياته فكيف به وقد مات أو ماهم من دونه من أشياخ الطرق والأولياء ؟!
فقد قال الحق في حق نبيه : {إنك لا تهدي من أحببت ولاكن الله يهدي من يشاء }.

والرسول ليس مأمور بذلك لأنه لا يقدر عليه فقال له الحق : {ليس عليك هداهم }.
فكيف تقررين أمر هل هكذا من رأسك ؟! نسأل الله السلامة في العقل والدين .

استطراد مهم :
أنتم تدعون أو تستغيثون بالرسول محمد أو بالولي بأمر لا يقدر عليه إلا الله , كالمغفرة وما شابهها من أمور .
فتذكري هداك الله قول إبراهيم الخليل : {وما أملك لك من الله من شيء }.
فهو لا يملك شيء فما بالك بالأولياء الأقل درجة منه .
ألم تسمعي قول الحق : { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً}.
وأقول تفكري في قول الحق سبحانه : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ان كنتم صادقين }. والرسول عبد مثلنا فقد قال الحق : { قل إنما أنا بشر مثلكم }.
ولقد أمرنا الله أن نعتقد أن النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فقد قال الحق : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا } . { قل إني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله }. هذا وهو حي كيف به وهو ميت ؟!
أنظري يا من تستغيثين بالرسول ماذا يقول لابنته فاطمة ( يا فاطمة بنت محمد , أنقذي نفسك من النار : فإني لا أملك لك من الله ضراً ولا نفعاً ) وفي رواية ( لا أغني عنك من الله من شيئا ) أنظري إلى قول نبي الله يعقوب لأولاده : { وما أغني عنكم من الله من شيء }
ومعلوم أن الاستغاثة مسبوقة بالاعتقاد .
أقول : لا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك عاقل يقول : أغثني يامن لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شركه أكبر أو أصغر .
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاد فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من اعتقاد فاسد قد عبر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله : أغثني يا رفاعي , المدد يا جيلاني , شيء لله يا سيد دسوقي , ثم عبر عنه العمل فصار يقبل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النذور عندها . نسأل الله السلامة .

وبهذا يفهم أنه لا يجوز الاستغاثة بغير الله فيما يقدر عليه الله وأيضاً لا يجوز التلبيس بن الاستغاثة والتوسل ليوهم بها الجهال .

وبعد إيضاح معنى الاستغاثة وما يترتب عليها :
نعرج إلى أمر مهم وهو يتضمن الاستغاثة ألا وهو الدعاء .
فعندما حصرنا الزميلة في باب الاستغاثة وشركه أتت تدندن بأن ما تقوم به هو نداء لا دعاء .
اما قولك أن ما تقومون به عبارة عن نداء , نسأل الله السلامة .
فسوف أبين لك من هو الغياث قبل تبيان ما أشكل
أعلمي هداك الله للحق أن لا إله إلا هو = لا غياث إلا هو . عند شيخك البيهقي .
فقد قال البيهقي : [ ومن أسمائه الغياث ومعناها : المدرك عباده في الشدائد . قال الرسول : ( اللهم أغثنا اللهم أغثنا ) ]الأسماء والصفات 88 "
أقول : ليس هناك دليل يعتمد عليه في كون الغياث اسما من أسماء الله , وهناك فرق بين إطلاقه على الله خبرا وبين أن يكون اسما , لأن أسماء الله توقيفية .
وأقول : انتم تتوجهون بالاستغاثة إلى من كان يستغيث الله وحدة فكيف يكون من بين المستغيثين من يكون غياثأً للمستغيثين في آن واحد .
والله وحده غياث المستغيثين مطلقاً لا يستثنى من ذلك نبي ولا ولي . وقال القرطبي عند شرح اسم الله ( غياث المستغيثين ) [ يجب على كل مكلف أن يعلم انه لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله ] الاسنى شرح الأسماء الحسنى 1/287
وبهذا نبين نوع آخر من الشرك بأنكم جعلتم غياث للمستغيثين آخر غير الله .

وسوف أعرج على أن ما تقولون به هو الدعاء . لا النداء فالنداء لا يستلزم الافتقار والتذلل بعكس ما تقومون به من الدعاء . فقد قال شيخكم الزبيدي : ( أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافترار ) إتحاف السادة المتقين 5/29 .
أقول: بل زدتم على ذلك يازميلة وجعلتم ملجأكم عند المصائب لأهل القبور , الذي أنقطع عملهم وهم مفتقرون لدعائكم .

وأضيف :
معلوم أن النصارى لا يقولون أن مريم إله ولاكن عدها الله إله لأنها تدعى من دونه , ولفظ من دونه عام لا يجوز تخصيصه إلا بدليل .

فقد قال الحق : { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت لناس اتخذوني وأمي ألهين من دون الله}.
فها نحن نجد أن الله عدهم أنهم يعبدونها .

انظري لقول الله في هذه الآية وتفكري , قال الحق : {قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً }.
والآية واضحة أن المراد بذلك العباد لا القبور فقد استعاض عن ذلك بأنهم لا يملكون لأنفسهم , وإطلاق النفس , لكل ذي روح .


- وفي الفروق اللغوية لأبي هلال / 534 :
الفرق بين النداء والدعاء : أن النداء هو رفع الصوت بماله معنى ، والعربي يقول لصاحبه ناد معي ليكون ذلك أندى لصوتنا ، أي أبعد له .
والدعاء يكون برفع الصوت وخفضه ، يقال دعوته من بعيد ودعوت الله في نفسي ، ولا يقال ناديته في نفسي. انتهى.
وبذلك : تفند كل أقوالك : بأن النداء يستلزم رفع الصوت أما الدعاء فما كان في القلب أو ما كان كتابة .
ثانياً : لقد أوضحت أقوال أشياخك في مشاركتي السابقة بتبيان الدعاء وهو التذلل في الطلب في أمر لا يقدر عليه إلا الله . وهذا ما رأيناه نسأل الله السلامة .
ثالثاً : لا يصح الدعاء لمن لا يسمع . ولا يضر ولا ينفع . إلا أن يكون الداعي مجنوناً فعند ذلك لا يحاسب على شركه .

تقول الزميلة أنها تستغيث بالله مع اعتقادها النفع والضر من الله وأن نا نستغيث بالرسول :
فأجيب :

أقول : هذا معلوم مسبقاً يا زميلة , وهذا أيضاً ما يعتقدة , المشركون عباد القبور .
ألم تسمعي قول الحق : {فإذا ركبوا في الفلك دعوا اللّه مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون }.
فهاهم يعلمون أن القادر هو الله وحدة وإلا لاستغاثوا بأصنامهم في الشدائد , وحتى أنهم يؤمنون أن الله هو الخالق الرازق المتصرف .

ألم تسمعي قول الحق في ذلك : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون }.
وقول الحق : { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولن لله قل أفلا تسحرون }.



فأي مشروعية في ذلك هداك الله لكل خير .

فالرسول محمد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا , ونحن مأمورون بالأيمان بذلك فقد قال الحق : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا } . { قل إني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله }. هذا وهو حي كيف به وهو ميت ؟!
فكيف تطلبين منه ما لا يملك لنفسه .
بل هذا شرك نسأل الله السلامة ألم تسمعي قول الحق سبحانه : {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين }.
والنبي الذي هو أفضل من الأئمة بشر مثلنا { قل إنما أنا بشر مثلكم } فالنهي عام عن دعاء جميع العباد وتخصيص الدعاء بالمعبود وحده .

وقد احتجت علينا الزميلة بأنه لا يصح الاحتجاج بالآيات التي نزلت في المشركين علينا .
فأجبيها بهذا الحديث الشريف :

عن أبى واقد الليثى قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ، و نحن حدثاء عهد بكفر و للمشركين سدرة يعكفون عندها و ينوطون بها أسلحتهم ، يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات انواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الله أكبر إنها السنن قلتم و الذى نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ((اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال أنكم تجهلون )) 0 رواه الترمذى و صححه باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم و أحمد 5/218


و في هذا دليل على أن كل ما ذم الله به اليهود و النصارى في القرآن أنه لنا . و جواز الاستدلال بالآيات التي نزلت في الكفار و إلزام المسلمين بها إن هم فعلوا فعلهم و تابعوهم في سننهم .

وبهذا يتضح جواز وصحة الاحتجاج بالآيات الذامة للمشركين بمن عمل عملهم من أصحاب القبلة , الجهال , فما بالنا بالمشركين المصرين على شركهم بعد ما أتتهم الحجة .



وبهذا يتضح أن دعاء واستغاثة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الحق شرك نسأل الله السلامة , ولو كان المدعو المستغيث بالرسول محمد .
فقد قال الحق : { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين }.
و قول الحق : {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون }. وهذه مطلقة لكل من هو دون الله ومعلوم أن الرسول دون الله .

أدعوك لتفكر في قول الحق : {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا }.
نسأل الله السلامة.
أنظر إلى قول الحق : {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار }.
فقد بين الله أنهم لا يملكون لأنفسهم نفع ولا ضر , كما بين ذلك في حال حبيبه محمد .
اسمعي لهذه الآية الصريحة في حرمة دعاء والاستغاثة بما لا يملك النفع والضر , كحال المصطفى محمد بن عبد الله , قال الحق : {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين }. هل تريدين أ تكوني من الظالمين , ومعلوم أن معنى الظالمين هو الشرك , فقد بينه الحق في قوله : { إن الشرك لظلم عظيم }.


وتعرج الزميلة إلى قولها بأنها تعجب ممن يحرمون الاستغاثة في مماته ويبيحونها في حياته . فهل زالت مرتبة الرسول عندكم بعد موته .

أجيب :
إن الاستغاثة بالرسول في ما يقدر عليه في حال حياته و سماعه هذا أمر مشروع وقد بيناه سالفاً كاستغاثة الغريق برجل يعرف السباحة في حال وجوده وسماعه .

لا كما عند الصوفية نسأل الله السلامة .

بأن الشيخ محمد صديق وقع في البحر ولم يعرف السباحة فكاد إن يغرق فناداه _ أي عبد القادر _ مستغيثاً به فحضر وأخذ بيده وأنقذه .
وحكى في نفس الصفحة أنه كان جالساً يوماً مع أصحابه في رباطه إذ ابتلت يده الشريفة وكمه إلى إبطه فعجبوا من ذلك وسألوه عنه فقال رضي الله عنه : استغاث بي رجل من المريدين تاجرا كان راكبا في سفينة وقد كادت إن تغرق فخلصتها من الغرق فابتل لذلك كمي ويدي فوصل هذا التاجر بعد مدة وحدث بهذا كما اخبر الشيخ " المواهب السرمدية في مناقب النقشبندية . محمد الكردي ص210 .


أما بعد موته فقد أنقطع عن الدنيا وألتحق بالرفيق الأعلى فكيف لنا أن ندعوه .

أما مرتبة الرسول فهو ذوحرمة حي كان أم ميت بعكس أشياخكم الأشاعرة نسأل الله السلامة .
اسمعي ماذا يقولون في الحبيب المصطفى .

وطعن الأشاعرة في نبوة خاتم النبيين حكاه أهل العلم كابن حزم وأبي الوليد الباجي بل ونقاد الجرح والتعديل كالحافظ الذهبي وهو قول كبيرهم أبي بكر بن فورك ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً في حياته فقط , وأن روحه قد بطل وتلاشى وليس هو في الجنة عند الله تعالى ) مما دفع محمود ابن سبكتكين إلى قتله بالسم . " النجوم الزاهرة 4/240 وفيات الأعيان 1/482 سير أعلام النبلاء 6/83 الفصل في الملل والنحل لابن حزم 1/88 طبقات السبكي 4/ 132محققة . وقد دعا ابن حزم للسلطان بخير لقتله ابن فورك ( سير أعلام النبلاء وأقره 17/216) "

ونقل ابن حزم عن الأشعرية أنهم قالوا : (إن رسول الله ليس هو اليوم رسول الله ولكنه كان رسول الله ) وأوضح إن هذا القول منهم كفر صريح وتقليد لقول أبي الهذيل العلاف ..... ثم اتبعه على ذلك الطائفة المنتمية الى الأشعري ." الفصل في الملل والنحل لابن حزم 1/88 و76 والدرة فيما يجب اعتقاده 204_205 "

ولا أقول في ذلك إلا رمتني بدائها ونسلت .



وتعرج الزميلة في أن الأموات يسمعون وتستدل بأدلة سوف أوضح بطلانها بإذن الله .

أقول أنا أبو عبيدة فهَّاد :
قال الحق تعالى : { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء }. وقد استدل ابن همام بهذه الآية على عدم سماع الأموات وأن عدم سماع الكفار فرع عدم سماع الموتى "فتح القدير 104/2"

وهذه الآية مفسره بقوله تعالى : {وهم عن دعائهم غافلون } . وأفضل التفسير تفسير القرآن بالقرآن .
وقد احتج مشايخ الحنفية رحمهم الله على عدم سماع الموتى بقصة أصحاب الكهف { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا } .إلى قوله : {كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قالوا كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } فإنهم من أولياء الله , وقد أنامهم نوماً ثقيلاً لا توقظهم الأصوات . فلو كانوا يعلمون لكان كلامهم كذبا .
وتحتج بذلك الزميلة أن في ذلك قياس وهو لا يجوز في ذلك :
فأجبتها :
أقول : ومن الغباء ما قتل بل الأولى أن لا يسمعوا في موتهم فمعلوم أن النوم يسمى الموت الأصغر , وقد مثله الله بالموت فما بالك بالموت الأعظم مرتبة منه , والحمد لله الذي جعلك تعترف بأن النائم لا يسمع . فأين القياس بل هو ضرب المثل من الأقل فكيف بالأكبر
قال الحق سبحانه : { الله يتوفى الأنفس موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى }.
وهذه الآية تثبت ذهاب الروح في أثناء النوم إلى البرزخ .
ولذلك في لا تسمع :


أما تبيان قول الحق : {إِن تدعوهم لا يسمعون دهاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير}.

فلا هم يملكون ولاهم يسمعون كما قال الحق : { وهو عن دعائهم غافلون }. ولا إذا سمعوا يستجيبون

أما احتجاج الزميلة بسماع موتى المشركين في قليب بدر .
لما سأل عمر: ( كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها ؟ فقال ( ماأنتم بأسمع لما أقول منهم ))
أقول :
1- هذا قياس باطل , والقياس أصلا باطل لا يجوز استعماله في أمور التوحيد . قال إمام المالكية , حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر : ( لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام ). جامع بيان العلم وفضله 55/2
وقال ابن سيرين: (ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس , وأول من قاس إبليس ). حين قال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } . تفسير الطبري 131/8
2- أن هناك رواية تضمنت زيادة ( الآن ) أي أنهم الآن يعلمون حين تبوءا مقاعدهم " البخاري 3979" وفيه تحديد السماع بمدة وجيزة . كما في الحديث الذي تحتجين به ( إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه ). وكأنكي غفلتي عن الأحاديث الصحيحة التي تثبت عودة الروح للجسد في هذا الموقف . وهو مذهب ابن تيمية وجمهور من العلماء .
نص الحديث :
(حدثنا أبو كريب قال ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء أن رسول الله قال وذكر قبض روح المؤمن فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان من ربك ....ألخ ) تفسير الطبري ج13/ص214
ولقد ضعف ابن حزم هذه الرواية , ولاكن تتبع ابن القيم الحديث وأثبت صحته من وجوه لم اذكرها خوفاً من الإطالة ولمن أراد رد ابن القيم يجده في (حاشية ابن القيم ج13 ص63).
3- أنك تجاهلتي تفسير قتادة الذي أورده البخاري ومسلم ( أحياهم الله حتى أسمعهم قوله صلى الله عليه وسلم توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندامة ) البخاري 3976 مسلم 2875
وقد صدر مثل هذا التوبيخ من الأنبياء السابقين منهم صالح عليه السلام : { فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم وكن لا تحبون الناصحين}.

وهذا ماريرآه أقرب شخص من الحبيب المصطفى . زوجته أم المؤمنين عائشة .
روى البخاري ومسلم ( أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيرا ونقمة وحسرة وندامة ) البخاري 3976 مسلم 2875 .
مسند الإمام أحمد بن حنبل ج2/ص31
4864 حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا محمد يعني بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أنه حدثهم عن بن عمر أنه قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب يوم بدر فقال يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي قال يحيى فقالت عائشة غفر الله لأبي عبد الرحمن إنه وهل إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم حقا وإن الله تعالى يقول إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور
فهاهي تفهم وتستدل بالآية بأن الموتى لا يسمعون .

وقد قالت الزميلة : أن المراد بهم هو الكافرون فأجيب : ليس المقصود بـ (الموتى) وبـ (من في القبور) الموتى حقيقة في قبورهم وإنما المراد بهم الكفار الأحياء شبهوا بالموتى (والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر) كما قال الحافظ ابن فأقول: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى هو ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى .
وعلى ذلك جرى علماء التفسير لا خلاف بينهم في ذلك فيما علمت ولكن ذلك
لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفا
عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم ـــ وهم الموتى في قبورهم ـــ لا يسمعون كما يدل مثلا تشبيه زيد في القوة بالأسد فإنه يدل على أن الأسد قوي بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به وإن كان الكلام
لم يسق للتحدث عن قوة الأسد نفسه وإنما عن زيد وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون
بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم .
وهذا أيضاً ما فهمه عمر بن الخطاب في إيراد الآية لرسول , ونلاحظ أن الرسول لم يرده ويقول بل أن الموتى يسمعون بل اقره على فهمه . وهذا دليل على عدم سماعهم
4- من أضل ممن يسمع هذه الآية : { وهم عن دعائهم غافلون } ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً .
فأهل البدع أمام حواجز إذا اخترقوا أولها صعب علليهم وأعجزهم آخرها
فإذا تخطوا حاجز { لا يسمعوا} , اعترضهم حاجز { ولو سمعوا مستجابوا } .
أضيف :
وهل كل مخاطب يسمع ؟
أقول : ليس كل من خوطب يكون سامعاً بالضرورة . فقد خاطب عمر الحجر الأسود كما في صحيح البخاري ومسلم فهل كان الحجر يسمعه ؟
وليس كل من سمع يكون مجيباً . فقد فسر الحافظ سلام زائر المقابر ( السلام عليكم )أي اللهم اجعل السلام عليكم "الأجوبة المهمة 24 "
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك فقال: (فخطاب الموتى بالسلام في قول الذي يدخل المقبرة : السلام عليكم أهل القبور من المؤمنين لا يستلزم أنهم يسمعون ذلك : بل هو بمعنى الدعاء , فالتقدير : اللهم اجعل السلام عليكم , كما نقدر في قولنا الصلاة والسلام عليك يا رسول الله , فإن المعنى : اللهم اجعل الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ) الأجوبة المهمة 24
زيادة تبيان على عدم سماع الموتى :
أقول : إن في سياق آيتي النمل والروم ما يدل على أن الموتى لا يسمعون ، وبيان ذلك أن الله تعالى قال في تمام الآيتين: {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين } حيث شبه سبحانه موتى الأحياء من الكفار بالصم ، والصم لا يسمعون مطلقاً ، بلا خلاف ، وهذا يدل على أن المشبه بهم ، وهم الصم ، والموتى ، لهم حكم واحد ، وهو عدم السماع ، وفي التفسير المأثور ما يدل على هذا ، فعن قتادة قال – في تفسير الآية -: ( هذا مثل ضربه الله للكافر ، فكما لا يسمع الميت الدعاء ، كذلك لا يسمع الكافر ، { ولا يسمع الصم الدعاء } يقول: لو أن أصم ولى مدبراً ثم ناديته ، لم يسمع ، كذلك الكافر لا يسمع ، ولا ينتفع بما سمع ).أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (10/197).


تفسير ابن أبي حاتم ج9/ص2921

16581 حدثنا أبي ثنا هشام بن خالد ثنا شعيب بن إسحاق ثنا سعيد عن قتادة قوله : {انك لا تسمع الموتى} قال: هذا مثل ضربه الله للكافر كما لا يسمع الموتى
الدر المنثور ج6/ص376
قوله تعالى : {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : {إنك لا تسمع الموتى} قال هذا مثل ضربه الله للكافر كما لا يسمع الميت كذلك لا يسمع الكافر.
أنظري فهم أم المؤمنين وأقرب إنسان لرسول ماذا تقول عن ذلك .
الدر المنثور ج6/ص500
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال انهم الآن يسمعون ما أقول
فذكر لعائشة رضي الله عنها فقالت إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم انهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى حتى قرأت الآية

الدر المنثور ج6/ص501
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآية في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين

تفسير ابن كثير ج3/ص439
وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الآية إنك لا تسمع الموتى على توهيهم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم .
فهل هناك اصح من هذين الكتابين علاوة على اعتقاد ام المؤمنين عائشة , أتريديننا أن نترك كل هؤلاء والروايات الصحيحة ونأخذ فهمك السقيم .
وسوف أعرج مع الزميلة لنرى ذلك حسب منظور قول الحق : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } .

أما عن الأنبياء فأقول : هم أحياء ولاكن !
نعم أحياء وسوف افصل هذا الأمر تفصيلا مع بعض الإيرادات بإذن الله .
قلت :

أن الأنبياء أحياء في قبورهم , ولاكن العجب من بني صوفان نسأل الله السلامة أنهم غالوا في ذلك ووضعوا في ذلك الأساطير .
فقد قال الحداد الصوفي : ( يأكلون ويشربون ويصلون ويحجون بل ينكحون وكذلك الشهداء : شوهدوا نهاراً وجهارا يقاتلون الكفار في العالم المحسوس في الحياة وبعد الممات ) أنظري مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبهة البدعي النجدي التي أضل بها العوام ص26.

أقول : إن موت الأنبياء الدنيوي لا يجوز إنكاره فقد قال الحق : { إنك ميت وإنهم ميتون }. ولكن ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الأنبياء السابقين ( إبراهيم وموسى وداود ) أحياء في قبورهم ؟ فلماذا لم يسألهم ولم يخاطبهم ولم يفعل صحابته شيئاً من ذلك ؟ فإن رسولنا لم يستغيث قبل موته بأحد من الأنبياء مع علمه بحياتهم البرزخية ولم يعلم أحد من أصحابه أن يستغيثوا بنبي من الأنبياء .

ألم تسمعي قول الحق في ذلك : فقد قال تعالى على لسان عيسى : { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } .
دليل على أن الأنبياء وإن كانوا أحياء فإنهم لا يعودون شهداء على قومهم . وأنت تجعلين النبي شهيداً عليهم سواء في حياته أو بعد موته , كقول علوي المالكي ( روحانية المصطفى حاضرة في كل مكان , فهي تشهد أماكن الخير ومجالس الفضل ) الذخائر المحمدية 259 فكأنه يقول : وهو معكم أينما كنتم !
ويبطل ذلك قول النبي لجبريل عليه السلام: ( ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت { وما نتنزل إلا بأمر ربك }. فإذا كان نزول جبريل لزيارة محمد لا تكون الا بأمر الله رب العالمين فكيف بنزول أرواح المشايخ واجتماعاتهم بالأحياء وادعاء الجهال مجيء الرسول مجالس الذكر . نسأل الله السلامة .
أقول : سبحان الله لا تفرقين يا زميلة بين الحي والميت , بل ساويت بين ذلك مخالفة كتاب الله سبحانه .
أما القرآن فيقول الحق : { وما يستوي الأحياء ولا الأموات }.
وعندكم يستوون . وقال المسيح عليه السلام { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم }.
وأما السنة فقد قال نبينا عند موته : ( اللهم الرفيق الأعلى ) ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن الدنيا . غير أنك رحمك الله تجعلين النبي شهيداً عليهم في الدنيا والآخرة وفي القبر .
أقول : فتوحيدكم لا يصححه قرآن ولا سنة بل يشهدان بضد ذلك .
وأذكر كي بما قال القشيري: ( كل توحيد لا يصححه الكتاب والسنة فهو تلحيد لا توحيد ) رسالة السماع ضمن رسالة القشيري 62 .
سوف أطرح موضوعك هذا تحت مرآة هذه الآية الكريمة قال الحق : { إن تدعوهم لا يسمعون دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم }. فلا هم يملكون ولا يسمعون كما قال لحق : { وهم عن دعائهم غافلون } ولا اذا سمعوا يستجيبون , ولكن الزميلة الفاضلة تخالف هذه الآية فيقول لسان حالها : بلى يسمعون ويجيبون ويخرجون من قبورهم فيقضون الحوائج ويكشفون الضر ثم إلى قبورهم يعودون ويملكون النفع والضر.
فهذه الآية قطعت طريق الشرك وسدت أبوابه أمام المشركين
فالداعي غير الله إنما يتعلق قلبه بالقبور :
1- لما يرجوا فيها من حصول منفعة أو دفع مضرة وحينئذ : فلا بد أن يكون معتقداً أن هذا الولي يملك أسباب المنفعة . فنفى الله ذلك قائلاً { ولا يملكون مثقال ذرة }.
2- أو أن يكون هذا الولي المدعو شريكاً مع الله . فنفى الله ذلك قائلا { وما لهم فيهما من شرك }.
3- أو أن يكون وزيراً معاوناً لله ذا حرمة وقدر يمكن الانتفاع به عند المالك . فنفى الله ذلك وقال : { وما له منهم من ظهير }
4- فلم يبق للمشرك إلا حجة واحدة يتعلق بها وهي الشفاعة فيقول: { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } فنفى الله ذلك وقال: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أن له }. فنفى الله عن غيره النفع والضر والشراكة في الملك وامتلاك الشفاعة وإنما الشفاعة حق يملكه الله فلا يسألها من لا يملكها . وحتى إذا أعطي نبينا الشفاعة فإنه لا يشفع فيمن يشاء ولكن فيمن يأذن الله .

أقول : وأشبه من يدعو الأموات بالنصارى الذين يدعون مريم ابنة عمران .
فقد قال الحق : { وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } فالذين يدعون المقبورين وإن كانوا يعتقدون أن من يدعونه لا يخلق نفعاً إلا انه ما زالت هناك مشابهة بينهم وبين النصارى الذين يعتقدون أن مريم لا تخلق نفعاً ولكنهم يطلبون منها إن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم , فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في تفسير قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا }.

آيتين قاطعتين :
فالله في قرآنه يضرب الأمثال -- لتوصيل الفكرة.

و سأعطيك بعض الأمثلة :


قول الحق : { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } لكنه سبحانه لم يتخذ.

قول الحق : { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا } ليس معه آلهة سبحانه.

قول الحق : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } لكنه سبحانه لم يشأ.

قول الحق : { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } محمد عليه الصلاة و السلام لم يطلع .






و من سياق الآيتين -- يفهم استحالة حصول هذا الشيء



أسمعي هذه الآية :
{ لوأننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم جاهلون}

أنظري إلى الافتراضات التي وضعها لهم الله سبحانه و تعالى:

1- {نزلنا عليهم الملائكة }.

2- { وكلمهم الموتى }.

3- { وحشرنا عليهم كل شيء قبلا }.


فكل هذه الأشياء لن تحصل .


الآية الثانية :


قال الحق : { ولو أن قرأنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد}



هي أيضا نفس الآية الأولى من حيث المعنى العام.

فالجبال لم تسير بالقرآن
و لم تقطع به الأرض
و لم يتكلم به الموتى

يوسف التازي
20-01-15, 04:33 PM
â—ڈ التوحيد العلمي الاعتقادي:



ـ الأصل في أسماء الله وصفاته:
إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه
أو أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم
من غير تمثيل ؛ ولا تكييف ؛


ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه
أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم
من غير تحريف ولا تعطيل ،


كما قال تعالى:
(ليس كمِثْلِه شيءٌ
وهو السميع البصير)


مع الإيمان بمعاني ألفاظ النصوص،
وما دلّت عليه.





ـ الإيمان بالملائكة الكرام إجمالاً،



وأما تفصيلاً،
فبما صحَّ به الدليل من أسمائهم وصفاتهم،
وأعمالهم بحسب علم المكلف.



ـ الإيمان بالكتب المنزلة جميعها،
وأن القرآن الكريم أفضلها،
وناسخها،


وأن ما قبله طرأ عليه التحريف،
وأنه لذلك يجب إتباعه دون ما سبقه.



ـ الإيمان بأنبياء الله، ورسله ـ
صلوات الله وسلامه عليهم ـ
وأنهم أفضل ممن سواهم من البشر،
ومن زعم غير ذلك فقد كفر .




ـ الإيمان بانقطاع الوحي
بعد محمد صلى الله عليه وسلم
وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين،
ومن اعتقد خلاف ذلك كَفَر.




ـ الإيمان باليوم الآخر،
وكل ما صح فيه من الأخبار،
وبما يتقدمه من العلامات والأشراط.




ـ الإيمان بالقدر، خيره وشره من الله تعالى،


وذلك:
بالإيمان بأن الله تعالى علم ما يكون قبل أن يكون
وكتب ذلك في اللوح المحفوظ،


وأن ما شاء الله كان
وما لم يشأ لم يكن،
فلا يكون إلا ما يشاء،
والله تعالى على كل شيء قدير
وهو خالق كل شيء،
فعال لما يريد.

يوسف التازي
20-01-15, 04:41 PM
ـ والتوسل ثلاثة أنواع:



1 ـ مشروع:
وهو التوسل إلى الله تعالى، بأسمائه وصفاته،
أو بعمل صالح من المتوسل،
أو بدعاء الحي الصالح.



2 ـ بدعي:
وهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يرد في الشرع،
كالتوسل بذوات الأنبياء، والصالحين،
أو جاههم، أو حقهم،
أو حرمتهم، ونحو ذلك.



3 ـ شركي:
وهو اتخاذ الأموات وسائط في العبادة،
ودعاؤهم وطلب الحوائج منهم
والاستعانة بهم ونحو ذلك.




ـ البركة من الله تعالى،

يَخْتَصُّ بعض خلقه بما يشاء منها،
فلا تثبت في شيء إلا بدليل.


وهي تعني كثرة الخير وزيادته،
أو ثبوته ولزومه.



والتبرك من الأمور التوقيفية،
فلا يجوز التبرك إلا بما ورد به الدليل.




ـ أفعال الناس عند القبور وزيارتها
ثلاثة أنواع:

1 ـ مشروع:

وهو زيارة القبور؛ لتذكّر الآخرة،
وللسلام على أهلها،
والدعاء لهم.


2 ـ بدعي يُنافي كمال التوحيد،
وهو وسيلة من وسائل الشرك،

وهو قصد عبادة الله تعالى والتقرب إليه عند القبور،
أو قصد التبرك بها،
أو إهداء الثواب عندها،
والبناء عليها،
وتجصيصها وإسراجها،
واتخاذها مساجد،
وشدّ الرّحال إليها،
ونحو ذلك مما ثبت النهي عنه،
أو مما لا أصل له في الشرع.


3 ـ شركيّ ينافي التوحيد،

وهو صرف شيء من أنواع العبادة لصاحب القبر،
كدعائه من دون الله،
والاستعانة والاستغاثة به،
والطواف، والذبح، والنذر له،
ونحو ذلك.



ـ الوسائل لها حكم المقاصد،



وكل ذريعة إلى الشرك في عبادة الله
أو الابتداع في الدين يجب سدّها،



فإن كل محدثة في الدين بدعة.
وكل بدعة ضلالة.

يوسف التازي
20-01-15, 04:44 PM
â—ڈ الإيمان:

ـ الإيمان قول، وعمل، يزيد، وينقص،

فهو: قول القلب واللسان،
وعمل القلب واللسان والجوارح.

فقول القلب: اعتقاده وتصديقه،

وقول اللسان: إقراره.

وعمل القلب: تسليمه وإخلاصه، وإذعانه،
وحبه وإرادته للأعمال الصالحة.

وعمل الجوارح: فعل المأمورات، وترك المنهيات.





ـ مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان،
فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان،
وفي الآخرة تحت مشيئة الله
إن شاء غفر له وإن شاء عذبه،

والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة
وإن عذِّب منهم بالنار من عذب،
ولا يخلد أحد منهم فيها قط.


ـ لا يجوز القطع لمعيَّن من أهل القبلة بالجنة أو النار
إلا من ثبت النص في حقه.



ـ الكفر من الألفاظ الشرعية
وهو قسمان:
أكبر مخرج من الملة،

وأصغر غير مخرج من الملة
ويسمى أحيانًا بالكفر العملي.


ـ التكفير من الأحكام الشرعية
التي مردها إلى الكتاب والسنة،

فلا يجوز تكفير مسلم بقول أو فعل
ما لم يدل دليل شرعي على ذلك،

ولا يلزم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل
ثبوت موجبه في حق المعيَّن
إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع.

والتكفير من أخطر الأحكام
فيجب التثبت والحذر من تكفير المسلم ،
ومراجعة العلماء الثقات في ذلك .

يوسف التازي
20-01-15, 04:45 PM
â—ڈ القرآن والكلام:

القرآن كلام الله
(حروفه ومعانيه)

مُنزَّل غير مخلوق؛
منه بدأ؛ وإليه يعود،

وهو معجز دال على صدق من جاء به
صلى الله عليه وسلم.
ومحفوظ إلى يوم القيامة.


â—ڈ القَدَر:


من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره،
من الله تعالى،


ويشمل:

ـ الإيمان بكل نصوص القدر ومراتبه؛
(العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق)،
وأنه تعالى لا رادّ لقضائه،
ولا مُعقّب لحكمه.



ـ هداية العباد وإضلالهم بيد الله،
فمنهم من هداه الله فضلاً.
ومنهم من حقت عليه الضلالة عدلاً.


ـ العباد وأفعالهم من مخلوقات الله تعالى،
الذي لا خالق سواه،
فالله خالقٌ لأفعال العباد،
وهم فاعلون لها على الحقيقة.


ـ إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى،
وإثبات الأسباب بمشيئة الله تعالى.


لا أزلي الا الله ولا خالق الا الله وكل ما سوى الله مخلوق محدث الله خلقه لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير يحيى ويميت وهو على شيء قدير سحانه جل شأنه

يوسف التازي
20-01-15, 04:48 PM
â—ڈ الجماعة والإمامة:




ـ الجماعة هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
والتابعون لهم بإحسان،
المتمسكون بآثارهم إلى يوم القيامة،
وهم الفرقة الناجية.



ـ وكل من التزم بمنهجهم فهو من الجماعة،
وإن أخطأ في بعض الجزئيات.



ـ لا يجوز التفرّق في الدين ،
ولا الفتنة بين المسلمين،



ويجب ردّ ما اختلف فيه المسلمون إلى كتاب الله،
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
وما كان عليه السلف الصالح.



ـ من خرج عن الجماعة وجب نصحه، ودعوته،
ومجادلته بالتي هي أحسن،
وإقامة الحجة عليه،
فإن تاب وإلا عوقب بما يستحق شرعًا.

يوسف التازي
20-01-15, 04:48 PM
ـ إنما يجب حمل الناس على الجُمَل الثابتة بالكتاب،
والسنة، والإجماع ،

ولا يجوز امتحان عامة المسلمين بالأمور الدقيقة،
والمعاني العميقة.


ـ الأصل في جميع المسلمين سلامة القصد المعتقد،
حتى يظهر خلاف ذلك،
والأصل حمل كلامهم على المحمل الحسن،

ومن ظهر عناده وسوء قصده
فلا يجوز تكلّف التأويلات له.





ـ الإمامة الكبرى تثبت بإجماع الأمة،
أو بيعة ذوي الحل والعقد منهم،

ومن تغلّب حتى اجتمعت عليه الكلمة
وجبت طاعته بالمعروف، ومناصحته،
وحرم الخروج عليه
إلا إذا ظهر منه كفر بواح فيه من الله برهان.
وكانت عند الخارجين القدرة على ذلك .


ـ الصلاة والحج والجهاد واجبة
مع أئمة المسلمين وإن جاروا.




ـ يحرم القتال بين المسلمين على الدنيا،
أو الحمية الجاهلية ؛
وهو من أكبر الكبائر،



وإنما يجوز قتال أهل البدعة والبغي، وأشباههم،
إذا لم يمكن دفعهم بأقل من ذلك،
وقد يجب بحسب المصلحة والحال.




ـ الصحابة الكرام كلهم عدول،
وهم أفضل هذه الأمة،
والشهادة لهم بالإيمان والفضل
أصل قطعي معلوم من الدين بالضرورة،



ومحبّتهم دين وإيمان،
وبغضهم كفر ونفاق،
مع الكفّ عما شجر بينهم،
وترك الخوض فيما يقدح في قدرهم.



وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي،
وهم الخلفاء الراشدون.
وتثبت خلافة كل منهم حسب ترتبيهم.




ـ من الدين محبة آل بيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم وتولّيهم،
وتعظيم قدر أزواجه ـ أمهات المؤمنين،
ومعرفة فضلهن،



ومحبة أئمة السلف،
وعلماء السنة والتابعين لهم بإحسان
ومجانبة أهل البدع والأهواء.




ـ الجهاد في سبيل الله ذورة سنامِ الإسلام،
وهو ماضٍ إلى قيام الساعة.




ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم شعائر الإسلام.
وأسباب حفظ جماعته،
وهما يجبان بحسب الطاقة، والمصلحة معتبرة في ذلك.

يوسف التازي
20-01-15, 04:57 PM
إثبات أن الشهداء والأنبياء لا يسمعون .

1- الأنبياء
فقد بين الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه عيسى : { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد }. فهذا دليل على أن عيسى لا يكون شهيد ولو كان حي , وهذا هو الرسول محمد يقول : (اللهم في الرفيق الأعلى) ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن هذه الدنيا , فهل تجعلين الرسول شهيداً عليك ويسمع دعائك وقد بين الله أنهم لم يعودوا شهداء
2-الشهداء لا يسمعون :
قال الحق :{ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون}


أنظري تجدين فيها { لا تشعرون} - أي لا يوجد إمكانية الإحساس بذلك ومعلوم أن الإحساس لا يعرف إلا عن طريق الحواس ومنها السمع .


قال الحق : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون}.

فيها : { عند ربهِم يرزقون}


أي ليس عندنا - و هي تؤكد الآية التي قبلها { لا تشعرون} لأنهم عند ربهم.

و هم ليسوا عندنا أو معنا أو لنا صلة بهم.

و فيها أيضا { يرزقون } و الرزق لا يكون إلا في الجنة فأرواحهم في حواصل طيور في الجنة .

وما يؤكد أن الشهداء في الجنة قول الحق :{ قيل ادخل الجنة قال باليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين }.

فهو في الجنة لا يقدر أن يوصل علمه إلى قومه لأنه غائب عنهم في نعيم الله وهذا ينفي سماعه أو سماعهم إياه .

أما قولك عن القياس فعلمي أن القياس لا يجوز في أمور العقيدة أي الاعتقاد والغيبيات .

مثال ذلك أن تقيسي جناح الملائكة بجناح الطائرة أو الطائر , وتسبيح الشجر كتسبيحك , فهذه أمور قريبه منا نجهلها فما بالنا بالغيبيات .
فقد قال إمام المالكية , حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر : (لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام ) جامع بيان العلم وفضله 55/2
وقال ابن سيرين: ( ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس , وأول من قاس إبليس ) حين قال { خلقتني من نار وخلقته من طين } . تفسير الطبري 131/8.

أما التكفير فيا زميلة و لماذا نطلق على الصوفية الوثنيون أو عباد القبور لتوضيح هذه النقطة نحتاج إلى توضيح أربعة نقاط مترابطة و متسلسلة

1- دعاء الميت أو الحي يجعله إله .
2- دعاء الميت عبادة له .
3- هل كان المشركون الأوائل يعبدون حجارة أم رجال صالحين في صورة حجارة .
3- الإيمان ببعض الدين و ترك بعضه لا ينفع صاحبة .

النقطة الأولى : -
الدليل :
قال تعالى : { و إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني و امى إلاهين }.

و من المعلوم إن النصارى يقولون إن عيسى إله و لا يقولون إن مريم إله بل هي بشر و لا نعتقد إنها تخلق نفعا و لا ضرا غير إننا نتخذها شفيعة لنا عند الرب . و لكن الله ألزمهم بعبادتها و إن رفضوا لأنهم يدعونها من دون الله و يطلبون منها ما يطلبه الصوفية اليوم من الجيلانى و الدسوقى و البرعى .
و في حديث ذات أنواط نرى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف طلب الصحابة التبرك بالسادرة مثل طلب أصحاب موسى إن يجعل لهم إلها كما لهم آله فدل ذلك على إن التبرك بالقبور و اعتقاد نفعها و ضرها يصيرها وثنا و إلها .


النقطة الثانية :
قال تعالى على لسان إبراهيم : {هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا كذلك وجدنا آباءنا يفعلون قال أفرا يتم ما كنتم تعبدون} و في الآية الثانية : { أفتعبدون مالا ينفعكم شيئا و لا يضركم }.

انظري كيف قال الله تعالى أولا : (تدعون) ثم قال: (تعبدون ) فجعل دعاء هؤلاء الأولياء الذين على صورة أصنام عبادة لهم.

و في الآية الأخرى قوله تعالى : { وأعتزلكم و ما تدعون من دون الله } و بعدها قال: { فلما اعتزلهم و ما يعبدون من دون الله }

و قال صلى الله عليه وسلم : (الدعاء هو العبادة ) و قوله: ( الدعاء مخ العبادة )
هل رايتي يا بنت صوفان فدعاء غير الله سواء كان بشرا حيا أو ميتا عبادة له هذا إلزام من رب العالمين سواء رضيتي أم أبيتي فهو لازمكم بذلكم أصبحتم عبادا للقبور و وثنين .

النقطة الثالثة :
من المعلوم إن المشركين الأوائل لم يكونوا يعبدون الحجارة لكونها حجارة و إنما لأنها صورت على شكل صورة رجال صالحين يتقربون بها إلى الله .

الدليل:
قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين}.
فالله قال : ( عباد أمثالكم ) يعنى بشر مثلنا و هذا لا يصح في وصف الأصنام و إنما يصح في وصف الأولياء الذين صور المشركين الهتم على صورهم .

و قال تعالى : {و الذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا و هم يخلقون . أموات غير أحياء . و ما يشعرون أيان يبعثون }

هل تتحدث الآية عن بعث الأصنام إلى الحياة بعد الموت لا يمكن ذلك : لان الأصنام لا يحل بها موت و لا بعث ، و لان الشعور يستعمل فيمن يعقل و ليس في الحجارة .

و الأهم من ذلك إن أموات غير أحياء لا يصح إضافتها إلى الأحجار التي صنع منها الصنم إذ هي جماد لا يصح وصفة بالحياة و لا بالموت فلم يبق إلا أن الكلام متعلق بالصالحين الذين نحتت الأصنام على صورهم .

قال تعالى : { و يوم نحشرهم و ما يعبدون من دون الله فيقول ءانتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء } .
أهذا الكلام ينفع للأصنام هل الأصنام تتكلم أم هل الأصنام تتخذ الله وليا ؟!

و قال تعالى : { و إذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركائنا الذين كنا ندعو من دونك . فالقو إليهم القول إنكم لكاذبون } هل الأصنام تقول إنكم لكاذبون سبحان الله . و هنا فائدة أخرى إن دعاء غير الله شرك و موئله إلى نار جهنم و بئس المصير فمن لقي الله و هو يدعو من دونه ندا دخل النار .

و بما إن غالبية الوثنين الجدد أشاعرة فهاكي هذه الحجة الملزمة من شيخك الرازي في تفسيره الكبير: ( أعلم إن الكفار أوردوا سؤلا فقالوا نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها تضر و تنفع و إنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل أن يصير هولاء الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى : { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولوا كانوا لا يملكون شيئا و لا يعقلون }).

و قال أيضا : ( إن المشركين وضعوا هذه الأصنام و الأوثان على صور أنبيائهم و أكابرهم و زعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل - دعائها - تكون شفعاء لهم عند الله تعالى .

قال و نظيره في الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عكفوا على قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله )

يبدوا إن الرازي عنده الوثنية وهابي حتى يقول هذا الكلام ؟!
و قال التفتازنى الأشعرى : ( إن شرك المشركين وقع حين مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله و اتخذوا تمثلا على صورته و عظموه تشفعا إلى الله تعالى و توسلا ) .

و التفتزانى أيضا تأثر بكلام محمد بن عبد الوهاب حتى يوافقه ! .
و أقولها لكي خلاصة : إنما يقع في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس .

النقطة الرابعة :
الدليل :
قال تعالى: { افاتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض }.
الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه لا ينفع عند الله لا بد للتسليم لله بكامل الدين .

فلو إن رجلا يعبد الله و يسبح في اليوم مائة ألف مرة و يؤلف الكتب و يدعوا إلى الله و يزوج الايامى و يطعم الفقراء و عمل ما عمل ثم قال: إن الخمر حلال و ليس حرام لحبط عملة و لم ينفعه مثقال ذره , إذا كان قرأ حرمتها من كتاب الله .
فكذلك من دعي غير الله فقد عبده و ألهه و أشركه مع الله في العبادة و من دعاء مع الله ندا لا يقبل منه صرفا و لا عدلا .

و كذلك نقطة أخرى القرآن يشهد للكفار أنهم كانوا يؤمنون إن الله هو الرازق المدبر الخالق المميت النافع الضار و كانوا يصلون و يزكون و يحجون و كانوا يقولون نحن على دين إبراهيم نحن على الحنيفية السمحة فلم ينفعهم قولهم و لم تنفعهم عبادتهم لأنهم أشركوا مع الله ندا و دعوا مع الله وليا فكان جزائهم نار جهنم خالدين فيها .

فدعوى الصوفية أنهم أهل السلوك و التزكية و الأخلاق و الزهد و الإحسان لا ينفع عند الله جناح بعوضه إذا لم يؤسس على توحيد صافى لله رب العالمين .

الخلاصة : -
دعاء غير الله يؤلهه فعندما يدعو الصوفية الدسوقي و الجيلانى و الشاذلي و النقشبندي فقد جعلوهم اله وأوثان .

الدعاء عباد يعنى أنهم عبدوه و يعنى جعلوا قبره وثنا و إلها يعبد .

فإذا عبد الصوفيةالدسوقي و الشاذلي و ا البدوي و الجيلانى و فعلوا معها السبعة و زمتها حفظوا القران و ذكروا الله بآلاف و قاموا الليل و صاموا النهار و تركوا الدنيا و حسنوا أخلاقهم فهذا لا ينفعهم عند الله و لا يسوى عند الله جناح بعوضة .
فتنبهوا يا أصحاب ديانة بني صوفان
فقد قال الحق : { لئن أشركت ليحبطن عملك }.
وقال الحق : { وقدمنا إلى ما عملوا فجعلناه هباء منثورا}.
وهناك أمر مهم وهو أنه قد يستدل أهل البدع بأن الشهداء والأنبياء أحياء ليسوا أموات .

وقد احتجت الزميلة بالمعراج بجواز الاستغاثة بالأنبياء فأجبتها .

أقول أنا أبو عبيدة فهَّاد :
لقد بنيتي على حديث المعراج هذا جواز سؤال الأنبياء وأنهم يتصرفون في أمور الحياة . بينما حديث المعراج صريح في أن موسى هو الذي طلب من النبي محمد أن يسأل الله التخفيف فقال ارجع إلى ربك ( واسأله )

أقول : لكن في هذا الحديث فوائد أخرى تجاهلتيها ومنها أفاد علو الله فوق سماواته . ففي السماء السابعة فرضت الصلاة خمسين صلاة . ولما رجع النبي إلى السماء الخامسة لقي موسى فأمره أن يرجع إلى الله فيسأله التخفيف. حتى قال النبي ( فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ) أقول : فليس من الإنصاف أن تحتجي ببعض الحديث وتعرضي عن بعض الآخر .
أضيف :
أننا لا نعلق حكم سؤال المقبور على حياته أو موته ولكن مدار الحكم على المشروع الوارد , فلا يوجد في دين الإسلام الحث على محادثة المدفون .
فالحديث حجة عليك . فلم يقل أغثنا يا موسى أو مدد على النحو الذي تفعلونه . وكقول علي بن عثمان الرفاعي [خليفة الشيخ الرفاعي] ( يا سادة من كان منكم له حاجة فليلزمني بها , ومن شكا إلى سلطانه أو شيطانه ا زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت أو نخله إن كان لا يثمر أو دابة لا تحمل : فليلزمني بها فاني مجيب ) قلادة الجواهر 323
وقول الشيخ جاكير الكردي للناس : ( إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي ) جامع الكرامات 1/379
أقول : الحمد لله الذي عافاني من هذا الكفر .
وأقول : وإذا اختلفنا في فهم النص : فإننا نرجع إلى فهم الصحابة :
والصحابة لم يفهموا الحديث على النحو الذي تفهمونه من جواز سؤال الأنبياء مع الله أو التوسل بهم :
أقول : أأتينا برواية صحيحة السند إلى صحابي سأل نبياً من الأنبياء السابقين بعد موته . فإن لم تجدي فأنت مخالفة لسلف , فخبر موسى لم يخف عليهم وقد تركوا التوسل بعد موت نبيهم بعد موته .

أقول : إن النبي محمد رأى موسى وغيره من الأنبياء في السموات على قدر منازلهم , ولم يكن عاكفاً على قبر موسى والفرق كبير جداً بين الأمرين . ولاكن أهل الزيغ يتجاهلون ذلك . نسأل الله السلامة . ولو لم يكن فرق لكلم الرسول الأنبياء دائماً من غير معراج .
ولهذا نرى المصطفى يصرح في أكثر من مرة بأن موسى غائب عن هذا العالم المحسوس فقد قال :
الدر المنثور ج2/ص253
وأخرج أبو يعلى عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا
إنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق وإنه - والله - لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني
أقول : وهذا تبيان من المصطفى أن موسى غائب عن هذا العالم المحسوس .

أقول : وإذا كانت أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة فأرواح الأنبياء في أعلى عليين . ولم يعرف السلف مخاطبة شهداء ولا أنبياء .

أقول : وبهذا نرى انحراف الصوفية بسبب هذه العقيدة المنحرفة نسأل الله السلامة .


فقد ذكر السيوطي : ( أن الله أذن للأنبياء بالخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي) " الحاوي للفتاوي "
وذكر محمد بن علوي مالكي أن النبي : ( حي الدارين دائم العناية بأمته : متصرف بإذن الله في شونها : خبير بأحوالها ) مفاهيم يجب أن تصحح ص91 ( وأنه لا ملاذ ولا ملجأ إلا إلى النبي ونشد يقول ) الذخائر المحمدية ص101
هذا نزيلك أضحى لاملاذ له ==== إلا جناحك يا سؤالي ويا أملي
وليس لنا إليك فرارنا ===== وأين فرار الناس إلا إلى الرسل .
وأنه لا له فرار ولا ملاذ ولا عصمة إلا بمحمد وكأنه نسي قول الحق : { ففروا إلى الله }. فقا الذخائر المحمدية 133

أستغفر الله العظيم من هذا .

أقول أنا فهَّاد : لا يجوز على الرسول المعصوم في أمور التبليغ أن يغفل على أن يبلغنا هذا الفضل [ في زعمك دعاء الأموات ]فإنه بذلك قام بإخفاء أمر اختلفت عليها الأمة و بلغ فيه التناحر ما بلغ.
.ولذلك فقد أكثر القرآن من إثبات حرمة هذا الأمر والاستغاثة بما هم دون الله في مالا يقدر عليه إلا الله , وأرجو من الزميلة أن تركز ولا تخلط بين الاستغاثة والتوسل فشتان بين ذلك .
اسمعي لقول الحق : { أليس الله بكاف عبده }.
قال شيخكم الزبيري : ( وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى { أليس الله بكاف عبده }). أضاف : ( ليعلم العارف أن المستحق لأن يُلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها .... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره ) إتحاف السادة المتقين 9/498.
وذكر أن إبراهيم الخواص قرأ قوله تعالى : { وتوكل على الحي الذي لا يموت }. ثم قال : ( ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غيره ) إحياء علوم الدين 4/244.
أقول : فهاهم أكابر أشياخك يحرمون ذلك ويستدلون بقول الحق . ألا تخافين من الله ؟ّ\

أقول : فالاستغاثة بغير الله استغناء عن الله بغيره سوء ظن به , وإدعاء بأنه غير كاف لدعاء عباده , ولو كان عندك كافياً لما لجأت إلى غيره { فما ظنكم برب العالمين }.
بالله عليك اسمعي لقول شيخك الجيلاني : (يا من يشكو الخلق مصائبه ايش ينفعك شكواك إلى الخلق .... ويلك أما تستحي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره )
وقال : ( لا تدعو مع الله أحد كما قال: { فلا تدعوا مع الله أحد }.
وقال لولده عند مرض موته : ( لا تخف أحداً ولا ترجه , وأوكل الحوائج كلها إلى الله , واطلبها منه , ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل , ولا تعتمد إلا عليه سبحانه التوحيد وجماع الكل التوحيد ) الفتح الرباني والفيض الرحماني 117_118_159
أسمعي الرفاعي الذي تدعونه من غير الله ماذا يقول : ( أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال : استغثت بغيري وأنا الغياث ) حالة أهل الحقيقة مع الله 92. غير أنكم سويتم الرفاعي برب العالمين ووصفتموه بأنه غوث الثقلين
أسمعي قول الحق : { إذ تستغيثون بربكم }. فجعلتم الرسول والأولياء شركاء معه نسأل الله السلامة .
استفسار : إذا كانت الاستغاثة بمحمد جائزة فلماذا نوبخ النصارى الذين يستغيثون بالمسيح ؟ أليس هذا إقرار منكم بجواز قول النصارى يا مسيح وجواز قول الرافضة يا حسين .
ونحن نحتج عليكم بما تحتجون به على النصارى إذ تقولون : أين قال المسح أعبدوني مع الله ؟ ونحن نقول لكم أين قال محمد أدعوني مع الله ؟ لا فرق بين يا محمد يا بدوي يا رفاعي وبين يا عيسى يا مسيح
قال الحق : { ومن أضل ممن يدعو من دون لله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة }. وقال الحق: { يدعون من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال المبين }.

يوسف التازي
20-01-15, 04:59 PM
وهل يمكن للنبي أن يسمع أدعية الآلاف في وقت واحد ؟ ولو قدرنا أن هناك ألفاً في مصر يسألونه وألف في أندنوسيا وألفا في الصين كلهم يستغيثون به : فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ولغاتهم ؟
إن قلت نعم فقد زعمت أن النبي لا يشغله سمع عن سامع وأضفت إليه العلم المطلق وعجلتيه شريكاً مع الله في قوله : { وما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم }. وجعلت كل مقبور مستحقاً صفات : سميع بصير مجيب كاشف .
وإذا كان معلوم أن الذي تدعونه من دون الله لا يسمع من دعاه أو تحدث عنه منبعد حين كان حياً فكيف يقبل من عنده عقل أن النبي والصالحين أصبحت حواس الرسول والصالحين ترصد وتسمع من يدعوة ولو كان في أمريكا .
فلا أقول إلا قول الحق : { وزين لهم الشيطان أعمالهم }.

البرهان الأكيد بأن الرسول لا يسمع .

يوم أن يحال بينه صلى الله عليه وسلم وبين أناس عند الحوض يقول : ( أصيحابي أصيحابي , فيقال له . إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) متفق عليه .
فيدل على أن الرسول لم يكن على علم بتفاصيل ما جرى لأمته .

وهذا عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة { ما قلت لهم إلا ما أمرني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم }.

أقول : فما بال أناس يعتقدون أنه صلى الله عليه وسلم يسمع من مناديه في الشرق والمغرب ؟ هل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكن للكفار إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على أشياء مما عندهم قال الحق : { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل }.

وقد ردت الزميلة حديث الحوض وفسرته تفسير ضعيف وقالت : إن ذلك يمثل المنافقين في وقت الرسول , والمرتدين عن الدين .
فأجبتها :
أما قولك عن أهل الحوض فكم أضحكني ردك يا زميلة , وأعتقد أنك مقتبسة هذا الرد من موقع رافضي , نسأل الله السلامة .

أولاً : الحديث يشير إلى عدد معين وهو رهط , والرهط عدد من 3 إلى 10 , والذين قتلو ا في معارك الردة يفوقونهم بكثير جداً . وبهذا يسقط استدلالك بأنهم مرتدون
ثانياً : في الرواية يقول الرسول ارتدوا على أعقابهم القهقرى , وهذا ينفي المنافقين الموجودين في وقت الرسول لأن الكافر أو كفر النفاق لا يحتاج إلى الرجوع فآخر المهلكة الكفر والنفاق .
ثالثاً : لفظ ارتدوا على أعقابهم القهقرى , لا يساوي الكفر [ ارتدوا القهقرى ] لها معنى في اللغة يخالف معنى الارتداد بالكفر ، فالارتداد القهقرى – أو الرجوع إلى الخف - وهو يأتي بمعنى التعاون أو التنازل عن بعض الحق ، ويأتي أحيانا بمعنى التنازل عن الفضل والنزول من مرتبة عالية إلى مرتبة أقل منها ، والصحابة لموضعهم من دين الله وسابقتهم لا ينبغي من أمثالهم ذلك ، ولذلك كان التنازل عن شيء يسير يعتبر في حقهم ارتدادا على الأدبار إلى الخلف .

ولعلكي ترين في الحديث تشديد النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من باب أفضليتهم وسابقتهم ، وهذا كمثل تشديد الله تعالى على أمهات المؤمنين من باب فضلهن ومنزلتهن وموضعهن من دين الله تعالى ، فقال عز وجل : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف بها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا } ، وهذا كما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وهي عند التحقيق حسنات ولكنها في حق المقربين كانت أقل مما ينبغي أن تكون عليها حالتهم .
من أقوال أئمة السلف في حرمة الاستغاثة بغير الله :


أقول أنا فهَّاد : أما قولك منهم علماء السلف القائلين بقولي .
أسمعي قول العلامة محمد بن سلطان المعصومي , وهو من علماء الحنفية – في كتابه (حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد، " ص: (315)" ضمن مجموعة رسائل، بعد أن ذكر ما يقع فيه بعض الجهال من الاستغاثة بالأولياء والصالحين: (يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبر وتفكر، هل ثبت أن أحداً من الصحابة – رضي الله عنهم – نادي النبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك! بل قد ورد المنع من ذلك، كما سأذكره – إن شاء الله تعالى – إلى أن قال: وها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي – من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة – ففي شرح القدوري: "إن من يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور، وقال يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة زاعماً أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى، وكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي، إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك) . أهـ
وأما الإمام مالك، فقد نقل عنه كلمات في هذا الموضع تؤكد ما ذكرت أو زعمت حسب ما قلتي ،
قال رضي الله عنه : ( لا أرى أن يقف عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو، ولكن يسلم ويمضي) كما في صيانة الإنسان (ص: 264).
والكراهة في كلام الإمام مالك هنا كراهة تحريم كما بين ذلك أصحابه، العالمون بكلامه.
وقال القرطبي المالكي في تفسيره (10/380): وقال علماؤنا [يعني المالكية]: (ويحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد) انتهى.

وأما الحنابلة، فكلامهم في هذا الموضع أشهر من أن يذكر لكثرته، ومن ذلك:
قول الحجاوي في كتابه "الإقناع" 6/186: (من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم كفر إجماعاً؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام) انتهى .
فأنتي ترين – يا زميلة أقوال علماء السلف وأتباعهم على نبذ مثل هذه الأمور والتبرؤ منها . هداك الله للحق . آمين .

أما قولك يا زميلة : الاستغاثة بغير الله تعالى جائزة وليست بشرك ما دام المستغيث لا يعتقد النفع والضر من غير الله تعالى وقد وضحت ذلك مرارا في سابق ردي.

أقول : قد بينت سابقاً ولا ما نع من أعادته فقد تعودت منك هداك الله إعادة ما تم تفنيدة .
قلت :
معلوم أن الرسول لا ملك لنفسه ضر ولا نفع بل نحن مأمورون أن نعتقد أن النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فقد قال الحق : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا } . { قل إني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله }. هذا وهو حي كيف به وهو ميت ؟! ومعلوم أنه الآن لا يعتبر شاهداً علينا , لأنه غاب عن العالم الحسي فقد قال الحق لى لسان نبيه عيسى : {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم }.
أقول :
لا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك عاقل يقول : أغثني يامن لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شركه أكبر أو أصغر .
أقول أي النوعين أنت ؟ ..... نسأل الله السلامة .
وبهذا ينتفي قولك ولله الحمد والمنة

لفته :
الكفر الصريح في استغاثة الصوفية بغير الله :

وقد أوردت ذلك في موضوع مستقل للغوث الأعظم . تعالى الله عما يصفون وسوف أقتبسه هنا :

ذكر صاحب كتاب ( مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني ) راوياً عن الرفاعي (1 ) أنه قال : { توفي أحد خدام الغوث [الأعظم ] ( 2 ) وجاءت زوجته إلى الغوث فتضرعت والتجأت إليه وطلبت حياة زوجها فتوجه الغوث إلى المراقبة فرأى في عالم الباطن أن ملك الموت عليه السلام يصعد إلى السماء ومعه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم فقال : يا ملك الموت قف وأعطني روح خادمي فلان وسمَّاه باسمه فقال ملك الموت : إني أقبض الأرواح بأمر ربي ؟؟ فكرر الغوث عليه إعطاءه روح خادمه إليه فأمتنع من إعطائه وفي يده ظرف معنوي كهيئة الزنبيل فيه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم فبقوة المحبوبية جر الزنبيل وأخذه من يده فتفرقت الأرواح ورجعت إلى أبدانها فناجى ملك الموت عليه السلام ربه فقال : يا ربي أنت أعلم بما جرى بيني وبين محبوبك ووليك عبد القادر فبقوة السلطنة والصولة أخذ مني ما قبضته من الأرواح في هذا اليوم فخاطبه الحق جل جلاله : يا ملك الموت إن الغوث الأعظم ( 3 ) محبوبي ومطلوبي لم لا أعطيته روح خادمه وقد راحت الأرواح الكثيرة من قبضتك بسبب روح واحدة فتندم هذا الوقت ( 4 ) } .
********************************
********************************
( 1 ) هو أحمد بن أبي الحسين الرفاعي نسبة إلى بني رفاعة قبيلة من العرب وسكن أم عبيدة بأرض البطحاء إلى أن مات بها عام ( 570 هـ) وكانت انتهت إليه الرياسة في علوم الطريق وشرح أحوال القوم وكشف مشكلات منازلهم وبه عرف الأمر بتربية المريدين بالبطحاء وإليه تنتسب الطريقة الرفاعية . أنظر ترجمته في " الطبقات الكبرى للشعراني 1/140".
( 2 ) الأعظم صيغة مبالغة على وزن " أفعل " فإذا عرفنا أن شيخ الأشاعرة البيهقي قال : إن من أسماء الله الغياث فقد قال : " ومن أسمائه الغياث ومعناه : المُدرِك عباده في الشدائد " أنظر كتاب الأسماء والصفات 88.
أقول أنا أبو عبيدة : وبهذا يتضح أن الجيلاني أعظم من الله سبحانه عند الصوفية .
( 3 ) نلاحظ هنا أن الله سبحانه يعترف بأن الجيلاني أعظم منه .
( 4) كتاب " تفريج الخاطر في مناقب تاج الأولياء وبراهين الأصفياء الشيخ عبد القادر الجيلاني" .
رابط الموضوع : أضعط هنا
اقول : نلاخظ أن مسألة التوسل بالموتى أو الأولياء أثناء غيابهم يستلزم معرفة النبي أو الوي بالغيب وهذا مستبعد في حياة النبي فكيف بعد وفاته :
الله سبحانه يبين أن رسوله لا يعلم الغيب ويُعاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في المنافقين: { عفا الله عنك لم أَذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين }.
وعن المنافقين أيضاً يقول المولى عز وجل: { ومن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} .
دلالة واضحة لتحريم الاستغاثة : ( قال مسلم عن سلمان قال قيل له قد علمك نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراء قال فقال أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة .... ألخ)
أقول : هاهم الصحابة يعترفون بأن الرسول علمهم كل شيء فلماذا لم نراهم يستغيثون بقبر أحد الأنبياء أو الصالحين ؟! أو نرى رواية أحدهم عن الرسول بأنه علمهم الاستغاثة بالقبور ؟!

لقد احتجت الزميلة بأن الناس يستغيثون بالأنباء يوم القيامة :
فأجبتها :

أقول إن طلب الخلق للأنبياء يا زميلة و من الرسول هو أن يدعو الله لهم وهذا واضح في تكملة الحديث [ان الرسول يسجد ويدعوا الله وهذا يسمى شفاعة وتوسل لا كما تظنين أنهم يستغيثون به فقد نفى الرسول عنه ذلك ففي حديث أبي هريرة قال
تفسير الطبري ج4/ص158
عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قام خطيبا فوعظ وذكر ثم قال ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك
ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك
ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك فهاهو الرسول ينفي عن نفسه أنه يملك شيء يوم القيامة .

أما عن الوسيلة : فهي تختلف عن الإغاثة وما يقول أن الشفاعة وهي التوسل إغاثة إلا أحمق أختلطت عليه الأمور .
فها نحن نرى الرسل لا يستطيعون أن يشفعوا إلا الرسول وذلك لأن الله وعده بذلك لا لشيء آخر .
ونرى الرسول يذهب ويسجد عند العرش ويدعوا الله حتى يقول له يا محمد سل تعطى وأشفع تشفع , أي هي التوسل لا الاستغاثة فهل عرفتي جهلك وخلطك للأمور . نسأل الله المعافات في العقل .

أقول : وأي شرك في طلب من الرسول الحي في ذلك الوقت القريب الذي يسمع طلب القوم منه في أن يدعو ربه ويكون شفيع وذلك بسبب أن الله أختصه بذلك بدليل .
لا أنتم من ذهبتم تستغيثون لا تتوسلون برجل ميت لا يسمع ولو سمع مستطاع أن يجيب تريدون منه الإعانة في أمور قد خصها الله به .

ولا يقول ذلك إلا كافر مكابر أو أحمق مجنون .


ولذلك كثر الضلال عند بني صوفان حتى دعاهم ذلك للاستغاثة بالكلاب والبقر نسأل الله السلامة .

ولذلك نرى أن التصوف أخو الجهل ونقيض العلم والفقه .
يقول الشعراني في كتابه درر الغواص وهو يسأل شيخه علي الخواص:

(وسألته رضي الله عنه : عن السبب الذي أجاب به الأشياخ المريدين في قبورهم وحرم ذلك الفقهاء مع أئمتهم ؟

فقال : هو كثرة الاعتقاد الصحيح ، فالفقير يعتقد في شيخه أنه حي في قبره والحي يجيب من ناداه ، والفقيه يعتقد إمامه مات والميت لا يجيب من ناداه.

ثم قال: والله لو صدق الفقيه في اعتقاده الإمام الشافعي أو الإمام الليث أو الإمام أشهب أو الطحاوي لأجابوه من قبورهم كما أجابوا من ناداهم من الفقراء الذين يعتقدون حياة هؤلاء الأئمة في قبورهم ، فالأمر تابع لاعتقاد المريد لا للمشايخ ، والله أعلم).

" درر الغواص على فتاوى سيد ي علي الخواص للشعراني ص 43 "
الأحاديث التي تحج بها الزميلة في بدعتها ومفهم علم الحديث عند بني صوفان .

إن من أجهل الناس في علم الحديث هم المبتدعة الصوفية نسأل الله السلامة , فطريقتهم في تصحيح الحديث غريبة لا تستند إلى علم أو معرفة :
بزعمه أقطاب الصوفية زورا وبهتانا انهم يصححون الأحاديث مناما مع النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا الأمر صحيحا كما يزعمه مخرفوا الصوفية ودجاليهم لما احتاج أئمتنا لوضع علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل ولما اتعب البخاري وغيره أنفسهم في تأليف الكتب في الرجال وأحوالهم

ينقل الصوفي احد مشايخ المولد النبهاني في كتابه سعادة الدارين (ص 422) عن ابن حجر الهيتمي في شرحه على همزية البوصيري عند قوله :

( ليته خصني برؤية وجهه زال عن كل من رآه الشقاء

وقال في أخر كلامه هناك : ولقد كان شيخي وشيخ والدي الشمس محمد بن أبي الحمائل يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة كثيرا حتى يقع له انه يسال في الشيء فيقول حتى اعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدخل رأسه في جيب قميصه ثم يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه كذا فيكون كما اخبره لا يختلف ذلك أبدا فاحذر من إنكار ذلك فانه السم )
أقول أنا فهَّاد : انظر كيف يخوف الأقطاب الإتباع من الإنكار ودفعهم إلى التصديق الأعمى وكأنه قران

ومما ذكره النبهاني الصوفي صاحب المولد المشهور في كتابه سعادة الدارين (ص 432) عن اليافعي واسمه (عبدالله بت اسعد بن علي اليافعي 698 - 768 هـ) :

(اخبرني بعضهم انه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة وليلة الاثنين وليلة الخميس وعد لي جماعة كثيرة من الأنبياء وذكر انه يرى كل واحد منهم في موضع معين يجلس فيه حول الكعبة ويجلس معه أتباعه من أهله وقرابته وأصحابه وذكر إن نبينا صلى الله عليه وسلم يجتمع عليه من أولياء الله تعالى خلق لا يحصى عددهم إلا الله ولم تجتمع على سائر الأنبياء وذكر إن إبراهيم وأولاده يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف وموسى وجماعة من الأنبياء بين الركنين اليمانيين وعيسى وجماعة منه في جهة الحجر ورأي نبينا صلى الله عليه وسلم جالسا عند الركن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء أمته وحكى عن بعض الأولياء انه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثا فقال له الولي هذا باطل فقال الفقيه من أين لك هذا فقال هذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف على راسك يقول إني لم اقل هذا الحديث).
وأنظره في كتاب الفتوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص297)

أقول : فياعجبي الذي لا ينقضي من الصوفي والرافضي .


والآن مع رأي السيوطي حول تصحيح الأحاديث مناما
البعض يذهب الى الطعن فيما ننقل انه دس عليهم والعجيب إن الذي يدحض هذا الدفاع إن الصوفية ينقلون عن بعضهم البعض وما سأذكره هنا من ذلك:

قال النبهانب الصوفي صاحب المولد في كتابه سعادة الدارين (ص 3) نقلا عن الشعراني صاحب الطبقات قوله:
(ورأيت ورقة بخط الجلال السيوطي عند احد أصحابه وهو الشيخ عبد القادر الشاذلي مراسلة لشخص سأله في شفاعة عند السلطان قايتباي رحمه الله تعالى:
اعلم يا أخي إنني قد اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتي هذا خمسا وسبعين مرة يقظة ومشافهة ولولا خوفي من احتجابه صلى الله عليه وسلم عني بسبب دخولي للولاة لطلعت القلعة وشفعت فيك عند السلطان واني رجل من خدام حديثه صلى الله عليه وسلم واحتاج إليه في تصحيح الأحاديث التي ضعفها المحدثون من طريقهم ولا شك إن نفع ذلك أرجح من نفعك أنت ياخي).

يقول فهَّاد للمنتسبين لتصوف :
ليست القضية للمراء ولا للجدل والإفحام إذ لا فائدة من ذلك ولا يجعل الالتقاء مع المخالف ميسورا
القضية مسالة للنقاش والدراسة وإعمال الدليل (الكتاب والسنة) إضافة إلى منهج العلماء الربانيين من لدن صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إنكار للكرامة لكن لا قبول للخرافة
نسأله الإخلاص آمين

الشعراني يذكر عن الزنديق ابن عربي تصحيح بعض الأحاديث مع النبي صلى الله عليه وسلم :


وحتى لا نتهم بالدس في كتبهم كما يزعمون فانا انقل من كتب القوم وكبرائهم:

قال النبهاني الصوفي في كتابه سعادة الدارين (ص 440 نقلا عن كتاب العهود المحمدية للشعراني ) ما نصه: ( ومما قاله الشعراني نصيحة لمن رغب في المجاورة في احد الحرمين بقوله فان كان من اهل الصفاء فليشاوره صلى الله عليه وسلم في كل مسألة فيها رأي أو قياس ويفعل ما أشار به صلى الله عليه وسلم
بشرط إن يسمع لفظه صلى الله عليه وسلم صريحا يقظة

كما كان عليه الشيخ محي الدين بن العربي رحمه الله قال وقد صححت منه صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث قال بعض الحفاظ بضعفها فأخذت بقوله صلى الله عليه وسلم فيها ولم يبق عندي شك فيما قاله وصار ذلك عندي من شرعه الصحيح اعمل به وان لم يطعني عليه العلماء بناء على قواعدهم)".

يقول فهَّاد : ترى هل يقول هذا عاقل او يصدقه او يدعو له اللهم لا ولا تجد هذا إلا في عقول أصحاب الخرافات
واني أتسال ماهي هذه الأحاديث؟؟؟؟؟



ولذلك سوف نعرج على الأحاديث التي يحتج بها بني صوفان ونفندها بإذن الله .
الرواية الأولى :

1-ورد في صحيح البخاري حديث الشفاعة وهو حديث صحيح مشهور وجاء في الحديث(إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق)

فبالله عليكم في ذلك الموقف الذي يقول الله فيه (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)

لماذا لا يلجأ الناس إلى الله وهو وحده القادر على التخفيف عنهم لماذا يذهبون ويستغيثون بالأنبياء والرسل لماذا يتركون الله ويلجئون لغيره والحديث جاء بلفظ(استغاثوا) وهي في أمر لا يملكه إلا الله

الرد عليه :
أقول أنا أبو عبيدة فهَّاد :
نص الحديث : صحيح البخاري ج2/ص536
1405 حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر قال سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر قال سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم وقال إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم وزاد عبد الله حدثني الليث حدثني بن أبي جعفر فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم وقال معلى حدثنا وهيب عن النعمان بن راشد عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة سمع بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة.
أقول :
من ظن أن كل استغاثة حرام فهو مخطىء , فإن الاستغاثة المنفية على نوعين :
1- الاستغاثة بالميت منفية مطلقاً وفي كل شيء .
2- الاستغاثة بالمخلوق الحي الغائب مطلقاً أو الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله.
فهذه الاستغاثة المحرمة , وقد عرجت لتبيانها لتفنيد ما أتت به الزميلة هداها الله إلى الحق .
ولأحتوي الموضوع من جميع جوانبه , سوف أورد الفرق بين الاستغاثة والدعاء , الذي يستخدمه أهل البدع .
أقول : وبالله التوفيق , الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب . أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة , فكل استغاثة دعاء كما أن الدعاء في اللغة نداء وطلب . وهو نوعان : دعاء عبادة ودعاء مسألة وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة , ودعاء المسألة متضمن دعاء العبادة , على تعريف المتضمن أنه دلالة الدليل على بعض معناه .
وإذا كانت الاستغاثة من نوع الدعاء والدعاء هو العبادة تبين أن الاستغاثة عبادة لا يتوجه بها إلا لله .

أما شبهتك هداك الله للحق .
أقول : وهذه استغاثة بالحاضر الحي القادر , فإن الله وعده بهذه الشفاعة فأصبح قاداً عليها , إلا إذا كنت تظنين أن الله سيخلفه الميعاد ؟! وأمثلها , كالغارق في النهر وأمامه شخص يعرف السباحة فستغاث به لينقذه . فهذا لا خلاف في أنه مشروع مباح لأنه لا يندرج تحت مسمَّى الاستغاثة المنفية .
وأضيف : أن الصحابة كانوا يأتون رسول الله ويطلبون منه في حياته إن يدعوا الله لهم .
فائدة : نلاحظ نفي آدم والأنبياء قدرتهم على الإغاثة وقولهم ( لست لها ) , حجة عليك يا زميلة فإنه يدل على أن الأنبياء لا يقدرون دائماً على الإجابة وما يطلبه الناس منهم . فلما قال لهم آدم ( لست لها ) تركوه وتوجهوا إلى غيره من الأنبياء لافتقاد شرط القدرة على الإغاثة .
استطراد مهم :
أنتم تدعون أو تستغيثون بالرسول محمد أو بالولي بأمر لا يقدر عليه إلا الله , كالمغفرة وما شابهها من أمور .
فتذكري هداك الله قول إبراهيم الخليل : {وما أملك لك من الله من شيء }.
فهو لا يملك شيء فما بالك بالأولياء الأقل درجة منه .
ألم تسمعي قول الحق : { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً}.
وأقول تفكري في قول الحق سبحانه : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين }. والرسول عبد مثلنا فقد قال الحق : { قل إنما أنا بشر مثلكم }.
ولقد أمرنا الله أن نعتقد أن النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فقد قال الحق : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا } . { قل إني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله }. هذا وهو حي كيف به وهو ميت ؟!
أنظري يا من تستغيثين بالرسول ماذا يقول لأبنته فاطمة : ( يا فاطمة بنت محمد , أنقذي نفسك من النار : فإني لا أملك لك من الله ضراً ولا نفعاً ) وفي رواية ( لا أغني عنك من الله من شيئا) أنظري إلى قول نبي الله يعقوب لأولاده { وما أغني عنكم من الله من شيء }.
ومعلوم أن الاستغاثة مسبوقة بالاعتقاد .
أقول : لا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً . فهل هناك
عاقل يقول : أغثني يا من لا تملك نفعاً ولا ضراً ؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شركه أكبر أو أصغر .
الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاد فيهم النفع والضر . فإن ما في القلب من اعتقاد فاسد قد عبر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله : أغثني يا رفاعي , المدد يا جيلاني , شيء لله يا سيد دسوقي , ثم عبر عنه العمل فصار يقبل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النذور عندها . نسأل الله السلامة .


الرواية الثانية :
2-جاء في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قص على أصحابه قصة السيدة هاجر هي وابنها في مكة قبل أن تبنى الكعبة بعد أن تركهما سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وفي ما قصه أنها لما سمعت صوتا عند الطفل قالت : " إن كان ذا غوث فأغثني " فاستغاثت فإذا بجبريل عليه السلام فغمز الأرض بعقبه فخرجت زمزم. وهى تعلم أن صاحب الصوت لن يكون رب العالمين المنزه عن الزمان والمكان ، ووجه الدلالة في هذا الحديث قول السيدة هاجر (إن كان ذا غوث فأغثني) فهو قول صريح بالاستغاثة والدليل الأقوى هو أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يروي الخبر ولم يقف عند موضوع الاستغاثة ولم يقل أنها لا تجوز أو أنها شرك وهو الذي لا ينطق عن الهوى ولا تفوته فائتة أبداً في الدين .
الرد :


أقول أنا فهَّاد : هداك الله يا زميلة وحرم وجهك من النار . الحديث ليس في البخاري بارك الله فيك .
بل الرواية ضعيفة ومنقطعة لا يحتج بها .
وقد أوردها أبن حجر في فتح الباري بصيغة لا تخدمك بل ضدك هدا الله لكل خير .

نص الرواية في فتح الباري : ج6/ص402
(صه بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة كأنها خاطبت نفسها فقالت لها اسكتي وفي رواية إبراهيم بن نافع وبن جريج فقالت أغثني إن كان عندك خير قوله إن كان عندك غواث بفتح أوله للأكثر وتخفيف الواو وآخره مثلثة..... ألخ )
فقد اشترطت في إغاثتها دلالة الاستطاعة والقدرة .
فنراها قالت : إن كان عندك خير , وهذا قد أوضحناه سالفاً بالاستغاثة المباحة لوجود القدرة .
وهناك رواية في البخاري شبيهة بتلك التي تحتجين بها ولا كنها لا تخدم بدعتك هداني الله وإياك .
بل على العكس ترد عليها .
الرواية الثالثة :

3-عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا علي ، يا عباد الله احبسوا علي ، فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم ) هذا الحديث يطعن فيه بعض المنكرين الذين لا يريدون أن تظهر الحقيقة لكن الكثير من علماء الأمة يذكرون الحديث في كتبهم وأسانيدهم فقد رواه الطبراني وأبو يعلى في مسنده وابن السني في عمل اليوم والليلة ورواه الإمام النووي في الأذكار والسيوطي في الجامع الصغير والهيثمي في مجمع الزوائد ورواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ورواه ابن القيم في كتابه الوابل الصيب وهو من أئمة السلفية ، كل هؤلاء الأئمة ذكروه واستدلوا به فهل يجمع كل هؤلاء العلماء على حديث باطل . بل وزاد الإمام النووي قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه أفلتت له

دابّة أظنُّها بغلة، وكان يَعرفُ هذا الحديث، فقاله؛ فحبسَها اللّه.وكنت أنا مرة مع جماعة فانفلتت منها بهيمة وعجزوا عنها فقلته فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام.فمن يستطيع أن يشكك في عقيدة الإمام النووي أم يتجرأ أحد ليقول إن هذا شرك والإمام النووي الحجة الحافظ المحدث الثقة عند كل الأمة الإسلامية
الرد :

أقول أنا أبو عبيدة فهَّاد :
أنار الله قلبك يا زميلة بالإيمان وأبعد الله عن قبك الشرك بالرحمن
أقول :
1-إن الصحابة تركوا التوسل بالرسول وهو أحب إليهم من رجال الغيب فكيف يتركون التوسل به ثم يتعلقوا برجال في الهواء ؟!
2-وقد وجه بعض أهل العلم هذه الرواية بمناداة حاضر قادر وهم الملائكة , فليس في الأثر دعاء غائب .
3-أن الأشاعرة التي تنتمين إليهم زعموا أنه لا يجوز الاستدلال بالآحاد الضعيف السند في مسألة عقدية .
ورداً على طعنك في تضعيف الرواية أقول :
اعلمي هداك الله إلى الحق أن الله رحمنا بحفظ السنة النبيوية وقد قيض الله لذلك رجال أفنوا أعمارهم في معرفة , أحوال الرجال . وقد أجمعت الأمة على حجية أخبارهم ومعلوم أن الأمة لا تجتمع على باطل فأصبحت أقوالهم حجة .
ومعلوم أن فن الحديث يجب الإلمام بأقوال هؤلاء العظام نحسبهم والله حسيبهم على الحق .
ولو لا هذا العلم لضاعت حجية السنة النبيوية فالطاعن في أقولهم هو الطاعن بالسنة المطهرة .
فها نحن نرى مستدرك الحاكم , كثير ما يمر بنا أحاديث يقول هم على شرط البخاري أو على شرط مسلم . أو على شرط الصحيحين , ونفاجأ بأنه حديث ضعيف أو موضوع .
فلذلك لزم علينا تتبع الصحيح ونبذ ما عداه .

فالرواية التي استدللت بها رواية ضعيفة رواها أبو يعلي والطبراني .
أقول : فيع معروف بن حسان: وهو ضعيف . قال أبو حاتم في الجرح والتعديل 8/323) " ضعيف " وقال ابن عدي في الكامل (6/325) منكر الحديث . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10 /132) " فيه معروف بن حسان وهو ضعيف " وقال الشيخ محمد بن درويش الحوت في ( أسنى المطالب ص62) " معروف بن حسان منكر الحديث "

وفيه سعيد بن أبي عروبة : أختلط , قال النسائي : من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء . ومعروف بن حسان من الصغار ولم يسمع نه إلا بعد الاختلاط إلا الكبار وكان بدأ اختلاطه سنة 132 واستحكم سنة 148 أفاده البزار . ثم إن سعيد مدلس كثير التدليس وقد روى الحديث مع عناً عن أبي بريدة فلا يقبل .
الرواية الرابعة :
4-عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا ضل أحدكم شيئا ، أو أراد أحدكم غوثا ، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أغيثوني ، يا عباد الله أغيثوني ، فان لله عبادا لا نراهم ) وقد روى هذا الحديث جماعة من العلماء الكبار وهم : رواه الطبراني في الكبير وقال بعده
وقد جرب ذلك ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد والهندي في كنز العمال وذكره السيوطي في الجامع الصغير
وإليك مراجع الحديث:
1- في زيادة الجامع الصغير، والدرر المنتثرة، الإصدار 2.05 - للإمام السيوطي
كتاب "زيادة الجامع الصغير"، للسيوطي - حرف الهمزة قال:

269- إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد غوثا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني يا عباد الله أغيثوني فإن لله تعالى عبادا لا يراهم..

2- كنز العمال الإصدار 2.01 - للمتقي الهندي
المجلد السادس - {آداب متفرقة} قال:

17498- إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد غوثا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني يا عباد الله أغيثوني فإن لله عبادا لا يراهم.

3- معجم الطبراني الكبير، الإصدار 1.05 - للإمام الطبراني
باب الظاء - عتبة بن غزوان السلمي بدري- ما أسند عتبة بن غزوان:

حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا أحمد بن يحيى الصوفي ثنا عبد الرحمن بن سهل حدثني أبي عن عبد الله بن عيسى عن زيد بن علي عن عتبة بن غزوان عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد أحدكم عونا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أغيثوني يا عباد الله أغيثوني فإن لله عبادا لا نراهم وقد جرب ذلك (17/ 118).

4- مجمع الزوائد. الإصدار 2.05 - للحافظ الهيثمي
المجلد العاشر. - 38. كتاب الأذكار. - 39. باب ما يقول إذا انفلتت دابته أو أراد غوثاً أو أضل شيئا ًقال:
17103- ص.188 عن عتبة بن غزوان عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني فإن لله عباداً لا نراهم". وقد جرب ذلك.
رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن زيد بن علي لم يدرك عتبة.
ـــــــــــــ
فهذه خمس مراجع نقلت نص الرواية التي استدللت بها.
أما محاولة تضعيفك للحديث فكالعادة فقد باءت بالفشل. ويضحكني أنك إن لم تعرف رجلا في الأسانيد فقلت: انه مجهول , فهل كل ما لم يطلع عليه الفهاد ويعرفه صار مجهولا؟؟
سبحان الله الفهاد يعرف رجال الأسانيد كلهم ولا يخفى عليه أحد!!
حتى انه صار يستدرك على محدثي وحفاظ القرون الأولى!!
أما استدلالك بقول الهيثمي فليس فيما يقوله إثبات تضعيف الحديث لأن الصيغة التي قالها ليست من صيغ التضعيف أيها العلامة!!
وإني أنبهك إلا تضعف حديثا أو تقدح في رجال الأسانيد ولم يسبقك أحد إلى هذا التضعيف أو القدح فدعك من الألباني المتناقض الذي أراك تتشبه به في زيغه وضلاله, ولا داعي لسرد تناقضاته التي فاقت الألف تناقض هنا لكون هذا ليس محل بحثنا.
ونواصل الرد على الفهاد فقد رأى كلامي الآتي :
الرد:

أقول أنا فهَّاد : رحم الله أصحاب العقول أنظري يا زميلة إلى نقلك وأنت لا تعلمين
1- نقلت الزميلة [ ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن زيد بن علي لم يدرك عتبة.]

أنظري فالرواية ضعيفة ومرسلة فيها مجاهيل فزيد لم يدرك عتبة فأخبره مجهول وأيضاً بعض الرواة فيهم ضعف .
أما قولك أنني أتشبه بعلامة الحديث وشيخ عصره فهذه مفخرة أما الزيغ والضلال ففي أشياخك أبن عربي و وأشباهه الكفرة نسال الله السلامة كيف لم يسبقني أحد وأنا أنقل كلام الحفاظ في الرواة .

أولا نرى أقوال من روى الحديث .
قال : صاحب مجمع الزائد مجمع الزوائد ج10/ص132
وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف

ننظر إلى قول علماء الجرح والتعديل فيه :

الجرح والتعديل ج8/ص322

1490 معروف بن حسان السمرقندي روى عن روى عنه سمعت أبى يقول هو مجهول


تذكرة الحفاظ ج3/ص1064
باطل متنا ومعروف واه .
الكامل في ضعفاء الرجال ج6/ص325

1805 معروف بن حسان السمرقندي يكنى أبا معاذ منكر الحديث .

المغني في الضعفاء ج2/ص668

6340 - معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر قال ابن عدي منكر الحديث

لسان الميزان ج6/ص61
231 معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر قال بن عدى منكر الحديث

ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج6/ص467
0 8535 معروف بن حسان وأبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر
قال ابن عدي منكر الحديث وقد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة

تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ج1/ص70
وفي إسناده معروف بن حسان
قال أبو حاتم الرازي مجهول .

أقول هذا رأي علماء الجرح والتعديل في راوي هذه الرواية , فبالله عليكم كيف تصح بعد كل هذا الجرح ي الراوي , الحمد لله على نعمة العقل والدين .


الرواية الخامسة :
5-عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ : ( إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله أعينوني )رواه البزار وصححه الحافظ بن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رجاله ثقات وروي في مصنف بن أبي شيبة بزيادة(فإنه سيعان) وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن لله ملائكة في الأرض يسمون الحفظة يكتبون ما يقع في الأرض من ينوي الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة أو احتاج إلى عون بفلاة من الأرض فليقل أعينوا عباد الله رحمكم الله فإنه إن شاء الله يعان
الرد :

أقول :
الحديث ضعيف ففيه أسامة بن زيد الليثي قال الحافظ في التقريب "317" ( صدوق يهم ) وقال أحمد : ليس بشيء , وقال عبد الله لأبيه أحمد : أرآه حسن الحديث فقال أحمد : إن تدبرت حديثه فستعلم أن فيه النكرة .
وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به , وقال النسائي ليس بالقوي . وتركه ابن قطان ويحيى بن سعيد وقال " اشهدوا أني قد تركت حديثه " تهذيب التهذيب 1/209 وقال أبن حبان أنه يخطا . وقد وثقه آخرون .أقول : من تبر هذه الأقوال علم أن ما تفرد به حقه الرد , فإن توبع قبل . غير أن هذه الرواية التي رواها هنا مما تفرد به فحقها الرد .

والحديث على ضعفه من أبواب الأذكار لا يدل على ما تدعينه من سؤال الموتى ونحوهم، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضال الطريق هم الملائكة، وهم يسمعون مخاطبته لهم، ويقدرون على الإجابة بإذن ربهم؛ لأنهم أحياء ممكنون من دلالة الضال، فهم عباد لله، أحياء يسمعون، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم، وهو إرشاد ضالي الطريق في الفلاة، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه فقد كذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذاك سيما أهل الأهواء‏.‏
الرواية السادسة :

6-روى الحافظ بن كثير في البداية والنهاية المجلد السابع ص340

قال الإمام أحمد بن حنبل حججت خمس حجج منها ثلاث راجلا أنفقت في إحدى هذه الحجات ثلاثين درهما قال وقد ضللت في بعضها الطريق وأنا ماش فجعلت أقول يا عباد الله دلوني على الطريق فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق قال وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة ولو كان عندي تسعون درهما كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج لأنه لم يمكن عندي شيء

ورواه البيهقي في شعب الإيمان الجزء السادس ص128

أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أن أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد أن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول حججت خمس حجج اثنتين راكب وثلاث ماشي أو ثلاث راكب واثنتين ماشي فضللت الطريق في حجة وكنت ماشيا فجعلت أقول يا عباد الله دلوني على الطريق قال فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق أو كما قال أبي ، ووجه الدلالة في هذا الحديث قول الإمام أحمد يا عباد الله دلوني على الطريق وهذه استغاثة ظاهرة الدلالة فمن يملك أن يصحح للإمام أحمد عقيدته
الرد :

أقول : بالله عليك واضح من الرواية قصد الإمام أحمد رحمه الله .
وهو انه في ندائه قد يسمعه أحد الحجيج فيدله , على الطريق مباح ويندرج من طلب المساعدة على القادر عليها . ولو تمعني في الرواية في ضدك هداك الله , فلم نرى في الرواية أن ملك من الملائكة أو جني أو وحش دل الإمام أحمد على الطريق . مع علمه وضله ومكانته . فكيف بنا نحن .
تفكري هداك الله إلى كل خير في ما كتبته وأكتبه . أسأل الله أن ينير قلبك .
ثانياً : هذه الرواية تحتمل أكثر من وجه , فلا يجوز الاستدلال بها , ومعلوم أنه ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .

الرواية السابعة :
7-وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس تفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله روى الهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الكبير و القضاعي في مسند الشهاب والمنذري في الترغيب والترهيب وابن حبان في كتاب الثواب وابن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف ووجه الدلالة أن الحوائج كلها بيد الله فكيف يخلق خلقاً لحوائج الناس يفزع الناس إليهم لقضاء حوائجهم . ويقوي هذا الحديث ما رويالرد :

أقول : هذا حديث ضعيف وقد بحث عن سند له فلم أجده إلا في حلية الأولياء ج3/ص225
وهذا حديث ضعيف ففيه عبد الرحمن بن أسلم وهو ضعيف
ففي الجرح والتعديل ج5/ص380
ليس بقوي منكر الحديث وهو في الضعف مثل عبد الرحمن بن زيد بن اسلم
المقتنى في سرد الكنى ج1/ص255
2429 عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف
الضعفاء الصغير ج1/ص71
208 عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مولى عمر بن الحطاب عن أبيه عن أبي حازم ضعفه علي جدا قال إبراهيم بن حمزة مات سنة ثنتين وثمانين ومائة
الرواية الثامنة :
عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره اللَّه يوم القيامة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.‏
الرد :

أقول أنا فهاد : بالله عليك , هل هذا الحديث يخدم بدعتك , فهذا حديث يحظ على مساعدة الغير والتكافل .
نسأل الله السلامة .

ختاماً لو فرضنا أن الروايات بلغت مرتبة الحسن فإنها شاذة بالنسبة لما خالفها من روايات الأصح سنداً , ابتداء من كتاب الله فقال : { فلا تدعوا مع الله أحدا } . { وإذا مس الإنسان الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه }. الإسراء 67 . أقول : ولا فرق بين الأرض الفلاة وبين البحر , وتتعارض بقوله: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر وتدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين : قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون } الأنعام 63 . أقول : فالآية تؤكد ان الله وحده هو المنجي لعباده في البر والبحر , وتأبى الزميلة إلا الشرك ورد كتاب الله وما صح عن سنة المصطفى .
بهذه الروايات الضعيفة المعاني وكأنها تريد أن يأتي جواب رسول الله على الآية : نعم هناك غير الله من ينجي في البر والبحر اذا قال لهم " أغيثوني "!!!
كيف يكون هذا جوابه وقد قال " إذا سألت فسأل الله , وإذا استعنت فستعن بالله " وأرشدنا الى أن الدعاء عبادة بل مخها .

أقول : إن هذه الروايات أصح إسنادا وأكثر توافقاً مع القرآن من رواية " فليقل يا عباد الله أغيثوني " الضعيفة التي أوردتها .
إنه لمن علامات الزيغ : الإعراض عن الآيات الصريحة والروايات الصحيحة , وإيثار المعلول وغريب الروايات عليها .
وهذا إبراهيم عليه السلام يتعرض لأعظم نار أوقدت فيكتفي بالله .
ويقول : حسبي الله ونعم الوكيل . فلم ينادي رجال الغيب .

وهكذا نرى الزميلة هداها الله تريد أن تثنينا عن ( يا الله ) وتحضنا على ( يا عباد الله ) وهذا فساد في الفطرة والدين والعقل ومخالفة الملة الحنيفية التي كان عليها إبراهيم عليه السلام , بل ترى مثل هذا الشرك في الملل التي انحرفت عن ملته , كاليهود والنصارى .
فائدة :
فقد بايع الرسول جماعة من الصحاب على أن لا يسألوا الناس شيئاً قط منهم أبو بكر وأبو ذر وثوبان , فكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فنزل عن دابته ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه .
وهذا لا يستطيعه كل واحد , لذا أسر النبي به بعضهم بخلاف قوله : (إذا سألت فسأل الله ) فإنه لم يسره فهو بذلك عام ملزم للجميع .
•وإذا كان : (من لم يسأل الله يغضب عليه )رواه الترمذي (3607)
فكيف بمن يسأل غيره ويبتهل إلى الأموات ويلح عليهم بالدعاء ؟ وهل يعرف مثل هذا طعم التوحيد ؟ّ
فهذه مبادئ التوحيد عند القبورية . نسأل الله السلامة .

أخوكم أبو عبيدة .[/align]

يوسف التازي
20-01-15, 05:01 PM
وكما قال ابن القيم رحمه الله :
" لا تدخل الجنة نفس مشركة وإنما يدخلها أهل التوحيد فإن التوحيد مفتاح بابها , فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها ...."
فما أعظم ذلك الخسران وما أشد تلك الحسرة يوم وقوفهم بين يدي الله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم
نعوذ بالله من حال أهل الشرك
بارك الله فيك أخي الفاضل أبو عبيدة ونفع بما كتبت يمينك فقد أجدت وأفدت
ضاعف الله لك الأجر والمثوبة ..


منقول بتصرف

يوسف التازي
21-01-15, 05:55 PM
الشرك بالله:




أ -معناه ب - أنواعه


أ -معناه:
الشرك في لغة العرب: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلاناً في الشيء: إذا صرت شريكه.
في الاصطلاح الشرعي:
أن يفعل الإنسان لغير الله شيئاً يختص به الله سبحانه.
ب -أنواع الشرك بالله:
1. الشرك الأكبر 2. الشرك الأصغر
1. الشرك الأكبر:
· معناه: هو أن يتخذ مع الله أومن دونه إلهاً يعبده بأي نوع من أنواع العبادة .
حكمه: هو أعظم ذنب عصي الله به، وهو أعظم الظلم، قال - عز وجل -: {إن الشرك لظلم عظيم} لقمان (13).
وهو الذنب الذي لا يغفره الله لصاحبه إن مات عليه من غير توبة، قال - عز وجل -: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء} النساء (116).
وصاحبه كافر خارج من دين الإسلام، تحبط جميع أعماله، ويخلد في نار جهنم.
قال - عز وجل -: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} الأنعام (88).
وقال - عز وجل -: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} المائدة (72).
· أنواع الشرك الأكبر :
أ - شرك الدعاء:
الدعاء: هو من أعظم العـبادات التي تصرف لله سبحانه وتعالى ولهذا قال النـبي "صلى الله عليه وسلم": (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ).
فمن صرف هذه العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من دين الإسلام، وصاحبه من الكافرين.
ومثاله: كأن يأتي الشخص إلى قبر أحد الأولياء ويقول: "يا ولي الله اشف مريضي أو اقض حاجتي ونحو هذا"، أو يأتي إلى قبر الرسول "صلى الله عليه وسلم" ويقول: "يا رسول الله اغثني أو اقض حاجتي ونحو هذا ".
وهذا كله شرك لا يجوز فعله.
قال - عز وجل -: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضـرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين} يونس (106).
وقال - عز وجل -: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين} الأحقاف (5-6).
ومن أخلص في دعائه لله سبحانه فقد توعده الله بإجابة دعائه كما قال - عز وجل -: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} غافر (60) .
ب -شرك العبادة والتقرب:
وهو أن يتقرب لغير الله بأي لون من ألوان التقرب والعبادة حتى يرفع حاجته إلى الله سبحانه، فهو يعبد غير الله كي يرفع حاجته لله سبحانه، وأعظم صوره ما كان عليه المشركون في القديم وما عليه المشركون في الحديث من عبادة الأصنام والذبح لها والنذر، وكذلك ما يحصل الآن من الطواف حول القبور والتبرك بها ودعاء أصحابها كي يرفعوا حاجاتهم إلى الله سبحانه، قال - عز وجل -: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} الزمر (3).
ج -شرك الطاعة والإتباع:
الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر، وله سبحانه وحده حق التشريع والتحليل والتحريم.
فمن أطاع مخلوقاً في تحليل حرام حرمه الله أو تحريم حلال أحله الله معتقداً أن هذا المخلوق له التحليل والتحريم فهو واقع في الشرك الأكبر المخرج من الإسلام.
وقد حكم الله تعالى على اليهود والنصارى بالشرك لإتباعهم الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم المخالف لما شرعه الله، قال - عز وجل -: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} التوبة (31).
وعن عدي بن حاتم قال أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَآءَةٌ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ)، رواه الترمذي.
والصورة الواضحة الجليلة لهذا النوع من الشرك في الوقت الحاضر : هو التحاكم إلى القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر بمعزل عن دين الله وشريعته، فإن هذه القوانين أباحت ما حرم الله كالزنا مثلاً إذا كان بالتراضي بين الطرفين، فمن رضي بهذا الحكم واعتقد صلاحيته فقد وقع في الشرك الأكبر وأحل ماحرم الله سبحانه وتعالى.
وهذه القوانين حرمت ما أحل الله كالتعدد في الزواج وغير ذلك.
قال - عز وجل -: {ومن لن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة (44).
وقال - عز وجل -: {ولا يشرك في حكمه أحداً} الكهف (26).
2. الشرك الأصغر:
* تعريفه : هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة ووسيلة إلى الشرك الأكبر، وجاء في النصوص تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.
*حكمه : هو شرك يتنافى مع كمال التوحيد ، ولا يخرج صاحبه من الإيمان ولكنه معصية من أكبر المعاصي ، لما فيه من تسوية غير الله بالله في هيئة العمل.


*الأمثلة عليه:
أ . الرياء اليسير: وهو أن يفعل الشيء يقصد به رؤية الخلق ومدحهم، فلا يكون عمله خالصاً لوجه الله تعالى.
قال - عز وجل - في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)، رواه مسلم.
ب - الحلف بغير الله: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)، رواه أبوداود وأحمد.
ج - الشرك في الألفاظ: كقول الرجل "ما شاء الله وشئت "، و"هذه من الله ومنك"، و"أنا بالله وبك".
وقد قال النبي "صلى الله عليه وسلم" لمن قال له: "ماشاء الله وشئت": (أجعلتني لله نداً، بل ماشاء الله وحده)، رواه النسائي في عمل اليوم والليلة.


منقول

يوسف التازي
21-01-15, 07:31 PM
الشـرك
تعريفه :
الشرك هو جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته ، والغالب الإشراك في الألوهية بأن يدعو مع الله غيره أو يصرف له شيئا من أنواع العبادة كالذبح والنذر والخوف والرجاء والمحبة. والشرك أعظم الذنوب وذلك لأمور:

1- لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية فمن أشرك مع الله أحداً فقد شبهه به. وهذا أعظم الظلم قال تعالى: ( إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)2. والظلم هو وضع الشيء في غيرموضعه، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها وصرفها لغير مستحقها وذلك أعظم الظلم.

2- أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه قال تعالى: (إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ)3 .

3- أن الله أخبر أنه حرم الجنة على المشرك وأنه خالد مخلد في نار جهنم قال تعالى: (إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)4.

4- أن الشرك يحبط جميع الأعمال قال تعالى : (ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)5،وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)6.

5- أن المشرك حلال الدم والمال- قال تعالى: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ)7 وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 8.

6- أن الشرك أكبر الكبائر قال صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين " الحديث 9 .
فالشرك أظلم الظلم. والتوحيد أعدل العدل. فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر إلى أن قال: فلما كان الشرك منافياً بالذات لهذا المقصود كان أ كبر الكبائر على الإطلاق وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيداً لهم لما تركوا القيام بعبوديته . وأبى الله سبحانه أن يقبل لمشرك عملاً. أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة. أو يقبل له فيها رجاء ، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه نداً وذلك غاية الجهل به - كما أنه غاية الظلم منه- وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه - انتهى.

7- أن الشرك تنقص وعيب نزه الرب سبحانه نفسه عنهما - فمن أشرك بالله قد أثبت لله ما نزه نفسه عنه وهذا غاية المحادة لله تعالى وغاية المعاندة والمشاقة لله.

أنواعه

الشرك نوعان:
النوع الأول : شرك أكبر يخرج من الملة ويخلد صاحبه في النار إذا مات ولم يتب منه وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله- كدعاء غير الله والتقرب بالذبائح والنذور لغير الله من القبور والجن والشياطين ، والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه أو يمرضوه ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات وتفريج الكربات مما يمارس الآن حول الأضرحة المبنية على قبور الأولياء والصالحين، قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ)10

النوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة لكنه ينقص التوحيد وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر- وهو قسمان..

القسم الأول: شرك ظاهر وهو: ألفاظ وأفعال.

فالألفاظ كالحلف بغير الله قال صلى الله عليه وسلم " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "11 وقول : ما شاء الله وشئت - قال صلى الله عليه وسلم : لما قال له رجل ما شاء الله وشئت فقال: " أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده "12 وقول: لولا الله وفلان- والصواب أن تقال: ما شاء الله ثم فلان، ولولا الله ثم فلان- لأن ثم تفيد الترتيب مع التراخي- تجعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى: (وَمَا تَشَآءُونَ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ)13 . وأما الواو فهي لمطلق الجمع والاشتراك لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، ومثله قول، مالي إلا الله وأنت، وهذا من بركات الله وبركاتك.
وأما الأفعال : فمثل لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه ومثل تعليق التمائم خوفاً من العين وغيرها إذا اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاء أو دفعه فهذا شرك أصغر، لأن الله لم يجعل هذه أسباباً. أما إن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر لأنه تعلق بغير الله.
القسم الثاني : شرك خفي وهو الشرك في الإرادات والنيات- كالرياء والسمعة- كأن يعمل عملاً مما يتقرب به إلى الله يريد به ثناء الناس عليه كأن يحسن صلاته أو يتصدق لأجل أن يمدح ويثنى عليه. أو يتلفظ بالذكر ويحسن صوته بالتلاوة لأجل أن يسمعه الناس فيثنوا عليه ويمدحوه، والرياء إذا خالط العمل أبطله- قال الله تعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا)14 .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر- قالوا يا رسول الله: وما الشرك الأصغر قال: الرياء)15 ومنه العمل لأجل الطمع الدنيوي- كمن يحج أو يؤذن أو يؤم الناس لأجل المال- أو يتعلم العلم الشرعي أو يجاهد لأجل المال. قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط)16 قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالىوَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)17.وهي ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء (18)انتهى.

يتلخص مما مر أن هناك فروقا بين الشرك الأكبر والأصغر وهي:
1- الشرك الأكبر يخرج من الملة والشرك الأصغر لا يخرج من الملة.
2- الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار- والشرك الأصغر لا يخلد صاحبه فيها إن دخلها.
3- الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال- والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال وإنما يحبط الرياء والعمل لأجل الدنيا العمل الذي خالطاه فقط.
4 - الشرك الأكبر يبيح الدم والمال- والشرك الأصغر لا يبيحهما.منقول

يوسف التازي
21-01-15, 08:00 PM
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد والصلاة والسلام على النبي الأمي القائل لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم بل قولوا عبد الله ورسوله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

لا زلنا بعباد القبور سائرين على نهج سيد المرسلين ندعوهم لترك عبادة العباد إلى عبادة رب العباد

نبلغهم ولو آية كما أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم

وليس لنا بهم حاجة إلا شفقة ورأفة ورغبة منا في نجاتهم من عذاب الجحيم والفوز بالنعيم المقيم في جنات النعيم

نلاحظ جلياً زهد أسياد هؤلاء بدراسة علوم القرآن وتدبره وحث أتباعهم على قراءته وعدم وقوفهم بصدق وتدبر عند آيات التوحيد والتحذير من الشرك

وكم قرأنا في مواقعهم ومنتدياتهم من الترغيب والحث على التعلق بالأولياء والصالحين وادعاء نفع زيارة قبورهم والتشافي بهم وطلب الرزق والغوث وكم قرأنا هنا وفي هذا المنتدى بعض هؤلاء يطلب الغوث والمعونة من الأئمة ويظنون أنهم على شيء وهم على شفا جرف هار يوشك أن يسقط بهم في نار جهنم إن لم يتوبوا ويعودوا إلى فطرة التوحيد ودعوة الحق .

يتمسك هؤلاء بآيات متشابهات وبأحاديث باطلة وبالأقوال الشاذة وتغفل أعينهم وتغيب عقولهم عن المحكم من القرآن والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

فنسأل هؤلاء الأدعياء .. أين تذهبون بهذه الآيات بين يدي الله يوم القيامة ؟!

{ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ 14 } الرعد

الله يقول لكم بأن دعوة الحق ( له ) وليست لأحد غيره يا عباد القبور والأموات !

{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ 41 } الأنعام

أجيبوا الله يا عباد القبار { أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } ؟!

{ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 194 } الأعراف

أليس هؤلاء الأولياء والصاحين عباد أمثالكم ؟! فكيف تخرجونهم من هذه الآية ؟!

{ وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا 67 } الإسراء

من تدعون إلا إياه هداكم الله ؟!

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ 73 } الحج

هل فهمتم المثل يا عباد القبور ؟ هل من تدعون يخلقون الذباب هذه الحشرة الضعيفة ؟!

{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ 13 إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ 14 } فاطر

يخبركم ربكم يا قوم بأن العزة والقوة والقدرة له سبحانه ومن تدعونهم من دونه لا يملكون قطمير من قدرته سبحانه وأنهم لا يسمعوا دعائكم وحتى لو سمعوا لن يستجيبوا وأن هؤلاء الصالحين يكفرون بشرككم ويتبرؤون منكم يوم القيامة

{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا 40 } فاطر

الآية واضحة لا تحتاج إلى تعليق !

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ 38 } الزمر

ألا يكفيكم الله لتتوكلوا عليه هداكم الله ؟!

والآيات في أمر التوحيد كثيرة يصعب حصرها في عجالة كهذه

ولكن بلا شك أن آية واحدة مما ورد أعلاه كافية أن ترتعش لها قلوب قوم يؤمنون بالله يرجون رحمته ويخشون عذابه

فمن يا قوم يعلنها صريحة ويستجيب لنداء الفطرة في قلبه ويفر من الله إليه ويقولها بأعلى صوته :

{ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ 66 } غافر

{ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا 48 } مريم

اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونستغفرك لما لا نعلم
منقول

يوسف التازي
21-01-15, 09:18 PM
الحلقة الثانية : حقيقة شرك عبدة الأصنام

يزعم دعاة الوثنية المعاصرة ومنهم على شاكلتهم بأن المشركين الأوائل كانوا غير معترفين بالله ولا يقرون له بالربوبية ، وان القرآن الكريم سجل عليهم حكم الكفر لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم النفع والضر ، وأنها مساوية لله في الألوهية ، بل والربوبية .

وقد تقرر في الحلقة الأولى أن المشركين أفردوا الله بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من أمور الربوبية ، وبهذا انهار جزء كبير مهم من الدعوى التي يرددها جميع من يدعو إلى عبادة الأولياء والصالحين .

وهنا ينهار ما تبقى من الدعوى ، بحول الله وقوته . وذلك من خلال عرض الحقائق التالية :
1 - المشركون لم يعتقدوا النفع والضر في أصنامهم .
2 - الأصنام لا تمثل في حس المشركين إلا صورا للأنبياء والصالحين أو الملائكة .
3 - المشركون لم يعبدوا الأصنام إلا لينالوا شفاعة أصحابها ، من العلماء والزهاد . ولتقربهم إلى الله زلفى .
4 - في حال الشدة يتخلى المشركون عن وسائطهم ويفردون الله بالدعاء .

ولا تعجب أخي القارئ إذا وجدتني اتكئ كثيرا على ما كتبه الرازي والشهرستاني ، معرضا عما كتبه ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب .
والغرض أن يعلم الجميع أن هذه الحقائق يقررها " العلماء " مهما اختلفت مشاربهم ، وتنوعت مدارسهم ، وتباعدت أعصارهم . وأنه ليس في كلام ابن تيمية وتلاميذه في هذه المسألة ما هو جديد أو محدث ، إلا عند من لا يقرأ ، وإذا قرأ لم يفهم . " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا " .

يوسف التازي
21-01-15, 09:19 PM
قال الفخر الرازي في تفسيره ( 26/283) عند قوله تعالى :
" الله يتوفى الأنفس … " الزمر : " ويحتمل أن يكون المراد بهذا : إن الدليل يدل على أن الواجب على العاقل أن يعبد إلها موصوفا بهذه القدرة وبهذه الحكمة ، ولا يعبد الأوثان التي هي جمادات لا شعور لها ولا إدراك .
واعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع ، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله مقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله .

فأجاب الله تعالى بأن قال : ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ).
وتقرير الجواب أن هؤلاء إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام ، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها ( والأول ) باطل ؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئا ولا تعقل شيئا فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها (والثاني) باطل ؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئا ، ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله ، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة ، فكان الانشغال بعبادته أولى من الانشغال بعبادة غيره ، وهذا هو المراد من قوله تعالى ( قل لله الشفاعة جميعا ) " انتهى.

يوسف التازي
21-01-15, 09:19 PM
ثانيا :
قال الرازي في ( 17/86) في تفسير قوله تعالى ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ...) يونس .
" وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به ، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربهم إلى الله زلفى ، وانهم شفعاؤنا عند الله
وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر فعند ذلك قال الرسول عليه السلام ( فقل أفلا تتقون ) يعني : أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية ، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه ، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر البتة " انتهى
ثالثا :
وقال في ( 8/224 ) في تفسير قوله تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) يوسف :
بعد أن أثبت إقرارهم بالله وشركهم في العبادة ونقل عن ابن عباس : "إن أهل مكة قالوا : ربنا الله وحده لا شريك له والملائكة بناته ، فلم يوحدوا بل أشركوا ، وقال عبدة الأصنام : ربنا الله وحده ، والأصنام شفعاؤنا عنده … " انتهى
رابعا:
وقال الرازي أيضا في ( 1/111) في تفسير قوله تعالى ( فلا تجعلوا لله أندادا ) البقرة :
”فإن قيل : إنهم لم يقولوا أن الأصنام تنازع الله .
قلنا : لما عبدوها وسموها آلهة ، أشبهت حالهم حال من يعتقد إنها آلهة قادرة على منازعته ، , فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم ، وكما تهكم بلفظ " الند " شنع عليهم بأنهم جعلوا " أندادا " كثيرة ، لم لا يصلح أن يكون له ند قط " انتهى .
قلت : تأمل قوله أشبهت ، والمشبه غير المشبه به كما لا يخفى .

وقال ( 1/ 112 ) في تفسير الآية السابقة :
" المسألة الأولى : اعلم انه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكا يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة ، وهذا مما لم يوجد إلى الآن . لكن الثنوية يثبتون إلهين أحدهما حليم يفعل الخير ، والثاني سفيه يفعل الشر . وأما اتخاذ معبود سوى الله تعالى ، ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة :
الفريق الأول : عبدة الكواكب ، وهم الصابئة ، فإنهم يقولون : أن الله تعالى خلق هذه الكواكب ، وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم . قالوا : فيجب علينا أن نعبد الكواكب ، والكواكب تعبد الله تعالى ."
قلت : ما الفرق بين هؤلاء ، وبين من قال : الأقطاب مدبرون لهذا العالم ، فنحن ندعوهم ونستغيث بهم في الشدائد ، وننذر ونذبح ، وهم يعبدون الله؟؟
قال الرازي :
" والفريق الثاني : النصارى الذين يعبدون المسيح عليه السلام .
والفريق الثالث : عبدة الأوثان.
واعلم انه لا دين أقدم من دين عبادة الأوثان … فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح عليه السلام ، وهي باقية إلى الآن ، بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة . والدين والمذهب الذي هذا شأنه ، يستحيل أن يكون بحيث يعرف فساده بالضرورة ، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السموات والأرض علم ضروري ، فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه . فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك ، والعلماء ذكروا فيه وجوها : ( وذكر الرازي ستة أوجه ، تدور حول التقرب إلى الله بتماثيل على صور الملائكة أو الكواكب ، أو كانت محاريب لهم ومع تقدم الزمن عبدوها أو كانوا من المجسمة فاعتقدوا حلول الرب فيها فعبدوها …).
قال ( ورابعها : أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله ، اتخذوا صنما على صورته يعبدونه ، على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند الله تعالى ، على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله) " انتهى .

يوسف التازي
21-01-15, 09:20 PM
خامسا:
وقال الرازي (17/ 59 ) في تفسير قوله تعالى ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله .. ) يونس
" وأما النوع الثاني : ماحكاه الله تعالى عنهم في هذه الاية ، وهو قولهم ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) فاعلم أن من الناس من قال :
إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى . فقالوا : ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى ، بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام ، وإنها تكون لنا شفعاء عند الله تعالى .
ثم اختلفوا في انهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله ؟ وذكروا فيه أقوالا كثيرة: فأحدها : أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل إقليم من أقاليم العالم روح معين من أرواح عالم الأفلاك ، فعينوا لذلك الروح صنما معينا واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم ، ومقصودهم عبادة ذلك الروح ، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبدا للإله الأعظم ومشتغلا بعبوديته.
- ( قارن هذا بحال عباد الأقطاب والأوتاد !!! ) – وثانيها : أنهم كانوا يعبدون الكواكب ، وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى …
ورابعها : انهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا انهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى . ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر ، على اعتقاد انهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله " انتهى .
قلت : الله اكبر . فمن الذي شبهكم بعبدة الأصنام ؟؟!!

يوسف التازي
21-01-15, 09:21 PM
سادسا:
وقال الرازي في ( 26/ 277 ) في تفسير قوله تعالى ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل … ) الزمر
" وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد .
فإن قيل : هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات ، فليس بينها منازعة ولا مشاكسة .
قلنا : إن عبدة الأصنام مختلفون . منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة …. ومنهم من يقول :
هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا ، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله ،
والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه وان من سواه مبطل ، وعلى هذا التقدير أيضا ينطبق المثال . " .

يوسف التازي
21-01-15, 09:21 PM
سابعا:
وقال في ( 25 / 254 ) في تفسير قوله تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ) سبأ : 23
" واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة :
ورابعها : قول من قال : إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا . فقال تعالى في إبطال قولهم ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) . فلا فائدة لعبادتكم غير الله ، فإن الله لا يأذن في الشفاعة لم يعبد غيره ، فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة " انتهى.
وقارنه بكلام ابن القيم في المدارج.
وسيأتي الجواب عن قولهم ملبسين: نحن لا نعبدهم ، لكنهم يملكون الشفاعة ، ويقدرون عليها الآن (وهم أموات) فنحن نطلب منهم ما يقدرون عليه ويملكونه !!
ثامنا:
وقال الرازي في ( 20 / 102 ) في تفسير قوله تعالى ( أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم اقرب .. ) الإسراء
" اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين .
وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى ، فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله وهم الملائكة ،
ثم انهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا وصورة واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل …." انتهى .
وانظر كلامه في ( 25 / 171 ) السجدة . و ( 23/102 ) الشعراء
وانتظر كلام غيره من أهل العلم إن شاء الله

يوسف التازي
21-01-15, 09:22 PM
تاسعا
وقال الإمام الرازي أيضا في تفسير قوله تعالى " قالوا يا هود ما جئتنا ببينة " الآية ، هود : 53
" وثانيها: قولهم ( وما نحن بتاركي آلتنا عن قولك ) وهذا أيضا ركيك ؛
لأنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى ، وان الأصنام لا تنفع ولا تضر .
ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل انه لا تجوز عبادتها ، وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله ، بل عن حكم نظر العقل ، وبديهة النفس " انتهى.

عاشرا :

وقال الشهرستاني ( ت:548 ) في " الملل والنحل " ص 653
" وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة ، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام ، وزعموا انهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة ، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين ، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر وحللوا وحرموا ، وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم ."
وقال ص 655
" ومن كان لا يعترف بهم - الملائكة- كان يقول : الشفيع والوسيلة منا إلى الله تعالى هم الأصنام المنصوبة ، أما الأمر والشريعة من الله إلينا فهو المنكر ، فيعبدون الأصنام التي هي الوسائل : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ..."
وقال ص 696 - 702
" قال : ويطوفون بالبيت أسبوعا ويمسحون الحجر ويسعون بين الصفا والمروة ... وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله : إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، ويقفون المواقف كلها ....
وكانوا يهدون الهدايا ويرمون الجمار ... وكانوا يكفنون موتاهم ويصلون عليهم ، وكانت صلاتهم إذا مات الرجل وحمل على سريره ، يقوم وليه فيذكر محاسنه كلها ويثني عليه ثم يدفن ثم يقول : عليـــــــــــك رحمــــــة الله...
وكانوا يداومون على طهارات الفطرة التي ابتلي بها إبراهيم ، وهي الكلمات العشر فأتمهن ، خمس في الرأس وخمس في الجسد .." انتهى

يوسف التازي
21-01-15, 09:22 PM
الحادي عشر :
وقال ابن كثير في تفسير (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ) المؤمنون :84
" ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية وأنه لا شريك له فيها ، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه ، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا ولا يملكون شيئا ولا يستبدون بشيء ، بل اعتقدوا انهم يقربونهم إليه زلفى ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) .
فقال ( قل لمن الأرض ومن فيها ) ...سيقولون الله ) أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له ، فإذا كان ذلك ( قل أفلا تذكرون ) انه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره ……. ( قل فأنى تسحرون ) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك . ) انتهى .

الثاني عشر :

وسبق كلام القرطبي في تفسير آية الزخرف " ولئن سألتهم ..." الثانية
" قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد ان لم يكونوا شيئا ( فأنى يؤفكون ) أي كيف ينقلبون عن عبادته ، وينصرفون عنها ، حتى أشركوا به غيره ، رجاء شفاعتهم له " انتهى..

يوسف التازي
21-01-15, 09:27 PM
الحمد لله رب العالمين

بحث مُستفاد
من كلام الشيخ أبي عمر السمرقندي
وبعض طلبة العلم
- حفظهم الله-

وهذه خلاصته وتلخيصه
فأقول:

اعلم علمني الله وإيّاك وجميع المسلمين
- آمين-

أن من قال عند صاحب قبرٍ مثلاً:
( يـــــــا حُسين أُدْعُ الله لي أن يشفي مريضي )
أنه شرك أكبر
وهذا كتابُ الله ناطق بشركية هذا الفعل
قال تعالى:
" إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم "
وقال تعالى:
" ولا تدعُ من دون الله مالا ينفعك ولا يضرُّك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين"
وقوله تعالى:
" ومن أضلُّ ممن يدعوا من دون الله
من لا يستجيب له إلى يوم القيامة
وهم عن دعائهم غافلون
وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً
وكانوا بعبادتم كافرين"

وقال -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- :
" الدعاء هو العبادة "

فإن دعاء الأموات وطلب الحوائج منهم
- دنيوية أو أخروية -
شركٌ أكبر لا يغفره الله تعالى

وهذا الطلب لا يقدر عليه إلا الله

ودعاء الأموات لطلب الدعاء منهم دعاء!
والدعاء عبادة
بل هو العبادة
وصرفها لغير الله شرك أكبر
فدعاء الأموات بكل صورةٍ
عبادة مصروفة لغير الله ابتداءاً
وإلاَّ فما هو الشرك إلم يكن هذا شركاً !
ولافرق بين دعاء الأموات مباشرة وبين دعائهم لطلب دعائهم
فكليهما دعاء للأموات
وأنَّ كليهما شرك أكبر
والأدلة الشرعية لاتفرّق بينهما
ومن فرَّق بينهما فعليه الدليل
فالأدلة عامة في كلا الحالتين
ولاشك أن غرض الداعي لطلب الدعوة من هؤلاء
هو تعظيمهم وظن أنَّ حاجته تقضى من طريق دعوتهم وشفاعتهم
وهذا هو الشرك الأكبر الذي وقع فيه مشركوا قريشٍ وأمثالهم

قال شيخ الإسلام
أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية النميري الحراني الدمشقي رحمه الله في كتابه :
قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/18)
[ وهو في مجموع الفتاوى (1/158-160) ] :
" والمشركون من هؤلاء
قد يقولون إنا نستشفع بهم
أى نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا
فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا
فإذا صوّرنا تمثاله
- والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة -
كما يصورها النصارى فى كنائسهم
قالوا فمقصودنا بهذه التماثيل تذكُّر أصحابها وسِيَرهم
ونحن نخاطب هذه التماثيل
ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله
فيقول أحدهم :
يا سيدى فلان أو يا سيدى جرجس أو بطرس أو ياستى الحنونة مريم
أو يا سيدى الخليل أو موسى بن عمران أو غير ذلك
(اشفع لى إلى ربك)
وقد يخاطبون الميت عند قبره
( سل لى ربك)
أو
(يخاطبون الحى وهو غائب)
كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياً
وينشدون قصائد يقول أحدهم فيها :
يا سيدى فلان أنا فى حسبك
أنا فى جوارك اشفع لى إلى الله
سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا
سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة
أشكوا إليك كذا وكذا
فسل الله أن يكشف هذه الكربة
أو يقول أحدهم :
(سل الله أن يغفر لى)
ومنهم من يتأول قوله تعالى :
( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماً )
ويقولون :
إذا طلبنا منه الإستغفار بعد موته
كنا بمنزلة الذين طلبوا الإستغفار من الصحابة
ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين
فإن أحداً منهم لم يطلب من النبى بعد موته
أن يشفع له ولا سأله شيئاً
ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين فى كتبهم
وإنما ذكر ذلك من ذكره
من متأخرى الفقهاء
وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضى الله عنه
سيأتى ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى .
فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين
بعد موتهم
عند قبورهم
وفى مغيبهم
وخطاب تماثيلهم
هو من أعظم أنواع الشرك
الموجود فى المشركين
من غير أهل الكتاب
وفى مبتدعة أهل الكتاب
والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات مالم يأذن به الله تعالى
قال الله تعالى :
( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله )
فإن دعاء الملائكة والأنبياء
- بعد موتهم -
وفى مغيبهم
وسؤالهم
والإستغاثة بهم
(( والإستشفاع بهم ))
فى هذه الحال ونصب تماثيلهم
بمعنى طلب الشفاعة منهم هو
من الدين الذى لم يشرعه الله
ولا ابتعث به رسولاً
ولا أنزل به كتاباً
وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين
ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان
ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين
وإن كان ذلك مما يفعله كثير
من الناس ممن له عبادة وزهد
ويذكرون فيه حكايات ومنامات فهذا كله من الشيطان
وفيهم من ينظم القصائد
فى دعاء الميت
والإستشفاع به
والإستغاثة
أو يذكر ذلك فى ضمن مديح الأنبياء والصالحين
فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين
ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة
وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة
فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين
فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب
وكثير من الناس يذكرون فى هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح
ويحتجون عليها بحجج
من جهة
الرأى
أو الذوق
أو من جهة
التقليد
والمنامات
ونحو ذلك ... " .

وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً في (27/72 ) : "
وأما من يأتي إلى قبر نبي أو صالح
أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك
ويسأله حاجته
مثل
أن يسأله أن يزيل مرضه
أو مرض دوابه
أو يقضي دينه
أو ينتقم له من عدوه
أو يعافي نفسه وأهله ودوابه
ونحو ذلك
مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل
فهذا شرك صريح
يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل
وإن قال أنا أسأله
لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور
لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه
فهذا من أفعال المشركين والنصارى
فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء
يستشفعون بهم في مطالبهم
وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا :
( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )
الزمر آية 3 ".

وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً في الفتاوى (27/87) :
" فإذا قال قائل :
أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لى
فهو من جنس دعاء النصارى
لمريم والأحبار والرهبان .
والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصا له الدين
وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه " .
إلى أن قال رحمه الله (27/90) : "
فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله
إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان
تضاهى دين المشركين والنصارى " .

إلى أن قال رحمه الله (27/98) :
" وبالجملة .. فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل
فى الرغبة والرهبة مثل دعائهم عند الإستسقاء لنزول الرزق ودعائهم عند الكسوف
والإعتداد لرفع البلاء وأمثال ذلك
إنما يدعون فى ذلك الله (( وحده لا شريك له )) لا يشركون به شيئاً
لم يكن للمسلمين قط أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله عز وجل
بل كان المشركون فى جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله
أفتراهم بعد التوحيد والإسلام
لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة
التى ما أنزل الله بها من سلطان ؟! " .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (1/126) :
" وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه
- كالحجاب الذين بين الملك ورعيته -
بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه
فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم
فالخلق يسألونهم
وهم يسألون الله
كما أن الوسائط عند الملوك
يسألون الملوك الحوائج للناس
لقربهم منهم
والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك
أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك
لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج .
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه
فهو كافر مشرك
يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل
وهؤلاء مشبهون لله
شبهوا المخلوق بالخالق
وجعلوا لله أنداداً " .

ويقول ابن تيمية رحمه الله أيضاً في مجموع الفتاوى أيضاً (1/134، 135) :
" من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه
كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية
فهو مشرك
بل هذا دين المشركين عباد الأوثان
كانوا يقولون :
إنها تماثيل الأنبياء والصالحين
وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله
وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى " .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الدرر السنية (2/19) :
" فمن دعا غير الله طالباً منه ما لا يقدر عليه إلا الله
من جلب نفعٍ
أو دفع ضرٍ
فقد أشرك في عبادة الله
كما قال تعالى:
( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ
وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ )
الأحقاف آية 6 ، 7
وقال تعالى :
( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ
إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ )
فاطر آيتي 14 و 15
فأخبر تبارك وتعالى أن دعاء غير الله شرك
فمن قال :
يا رسول الله
أو يا عبد الله بن عباس
أو يا عبد القادر
أو يا محجوب
زاعماً أنه يقضي حاجته إلى الله تعالى
أو أنه شفيعه عنده أو وسيلته إليه
فهو الشرك الذي يهدر الدم
ويبيح المال إلا أن يتوب من ذلك " .

ولاشك أن هؤلاء الأموات ما يستطيعون الدعاء لأحد
أو أن يشفعوا لأحد لأنهم مرتهنون بأعمالهم
ولو كانوا يستطيعون هذا لدعوا لأنفسهم بمغفرة الذنوب أو رفع الدرجات
وهيهات
وهل الصلاة على الجنائز إلا دليل على أن الأموات بحاجة إلى دعاء الأحياء
وهل المشركون الاوائل
حينما عبدوا أصنامهم عبدوا مجرد الحجارة ؟
القران أجاب على هذه الشبهة
(أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)
الزمرآية 3
ومايفعله هؤلاء اليوم من طلب الدعاء من صاحب القبر
إلا اتخاذ الوسائط الذي جاء التوحيد بنفيه
وهل صاحب القبر يملك ذلك
ثم الذي يقدم على صاحب القبر لايقدم عليه
إلا وهو معتقد تعظيمه وجعله واسطة بينه وبين الله
وهذا مانص عليه شيخ الاسلام محمد بن عبدالوهاب في نواقض الاسلام
وهل بلية العالم الاسلامي الا من هذا

وممن قال بأنه شرك أكبر
غير شيخ الإسلام ابن تيمية
ومحمد بن عبد الوهاب
الشيخ ابن باز في شرح كشف الشبهات
رحمهم الله تعالى
ومن الأحياء
الشيخ سليمان العلوان حفظه الله في سؤال وجهه أحد طلبة العلم في قراءته لنواقض الإسلام
والشيخ عبدالعزيز الراجحي حفظه الله في (شرح أصول السنة لابن أبي زمنين، الشريط 12 د 73).

ثم اعلم علمني الله وإيّاك وسائر المسلمين
- آمين-
أن هناك من تمسّك بهذا الكلام المتشابه
لشيخ الإسلام بن تيميّة رحمه الله ولم يرده إلى مُحكمه
كما سبيل الراسخين في العلم
وهو قوله في الفتاوى
ج1/ص351
(الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين
ادع الله لى أو ادع لنا ربك أو إسأل الله لنا كما تقول النصارى
لمريم وغيرها فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من
البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة وان كان السلام على أهل القبور
جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه
اذا زاروا القبور أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين
والمسلمين وانا ان شاء الله بكم لاحقون يغفر الله لنا ولكم نسأل
الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا
ولهم وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال
ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا رد الله
عليه روحه حتى يرد عليه السلام)

والجواب بما يلي:
أن شيخ الإسلام رحمه الله لم يقل ليس شركاً ولاتُفهم من كلامه أصلاً
فالشيخ يطلق البدعية على ما كان شركاً وما لم يكن كذلك
فالبدعة - من حيث إحداثها - هي بدعة
بصرف النظر
عن كونها
شركاً أكبر
أو شركاً أصغر
أو ذريعة لأحدهما
أوكبيرة من الكبائر
فقول الشيخ :
(( لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة ))
ليس فيه نفي الشركية أو الكلام عليها ألبتة .
بل المعروف عموماً
أنَّ البدعة بدعتان:
بدعة شركية
وبدعة غير شركية
ومن نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نفيه الشركية الكبرى
عن دعاء الأموات فقد أعظم عليه الفرية
أما لو كان فهماً خاطئاً له فالخطب سهل
والخطأ واقعٌ منا جميعاً