المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشرك وأنواعه(ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين)


يوسف التازي
17-01-15, 12:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين

الشرك




الشرك هو أعظم مصيبة تقع على الإنسان من فعل يديه، وهي التي تحدد هوية الإنسان،
وتحدد هوية حياته ومستقبله ومستقبل أبنائه،
وتحدد هوية الدولة التي تحكم والمجتمعات، وتحدد مصير
هؤلاء كلهم، كما حصل لحياة أقوام مشهورة في التاريخ،
هذا الشرك يتعرض مفهومه في أيامنا إلى أعظم أنواع التحريف
والمغالطة، من خلال علماء السوء ومدرسين الدين في المدارس
والجامعات، حتى أوقعوا الناس جميعهم في الشرك، وجعلوا
أكثرهم مشركين وهم لا يعلمون، فقد أبرزوا صورة الشرك
أنها تتمثل فقط في عبادة الأصنام (التي لم يعد لها وجود في
ديار المسلمين منذ مجيء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم)،
أو تتمثل كما يدعون في التمسح بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم،
أو بقبور الصالحين، أو بالتشفع بالرسول صلى الله
عليه وسلم حين الدعاء، أو بالصالحين من الصحابة أو التابعين أو غيرهم .
وتم التركيز كثيراً على هذا المفهوم لحاجة في نفس يعقوب،
وتم إهمال المفهوم الأصلي للشرك، ولكن الأهم من ذلك أن
التحريف الذي حصل لمفهوم الشرك غرضه أكثر من ذلك
بكثير كما ذكرنا، فالشرك لم تكن هناك مسألة من المسائل
في القرآن قد تعرضت للتوضيح والتبيان
والتحذير كمثله، حتى يرحم الله الناس فلا يقعون فيه فيخسروا الدنيا والآخرة.
الغرضمنتحريفمفهومالشركهو<wbr>جعلالإتباعلغيرأوامرالله
منالحكاموالسلاطينالقائمينا<wbr>ليومأمراًطبيعياً،
ولايُخرجمنالملةولايمسال<wbr>عقيدة، مما مهّد للقبول بإتباع غير أوامر الله والعمل في خدمتها، وبالتالي نجد شعوب المسلمين اليوم مخدرة، وتأتمر بأمر الحاكم الكفري وهي تعلم، وتجتنب نواهيه من دون الله، ولا ترى في ذلك بأساً، وتنصاع لأحكامه وأنظمته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، بل وتقوم على تنفيذها وخدمتها، ولا ترى في ذلك بأساً.وانغمس الأفراد والشعوب بالتالي في الشرك انغماساً لعيناً مُهيناً مُذلاً، وأصبحت لدينا اليوم مجتمعات شركية، وأفراد مشركون، وأكثرهم لا يعلمون، وبات كثير منهم يظن أن صلاته في المسجد أو في البيت كافية لصلاح دينه أو عمله أو قبوله عند الله.
الشرك بخلاف الكفر، بالإمكان أن يقع فيه الإنسان المسلم بكل يسر وسهولة، وذلك بمجرد مخالفته شروط الشهادتين ومقتضياتهما، التي هي الإتباع المطلق لأوامر الله واجتناب نواهيه، مما ورد في القرآن الكريم وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فنجد أن الجندي البسيط الذي يعمل في أحد الأجهزة الأمنية، يتبع أوامرَ يُؤمر فيها بالتجسس على المسلمين، أو يُؤمر مثلُه بالتقبض على المسلمين، ممن لا يملكون دفتر إقامة على سبيل المثال، أو يؤمر مثله باقتحام بيوت الآمنين، فيتّبع هذا وذاك أوامرَ مخالفةً لأوامر الله سبحانه وتعالى، أي متبعين أوامر الحاكم، فيكونون بهذا قد أشركوا مع الله آمراً وناهياً آخر، وهذا هو الشرك بعينه.
ونجد الوزراء، وعلماء السلاطين، ومدراء الدوائر الحكومية ورؤساءها، في الجوازات والجنسية أو الأحوال المدنية، أو في المدارس أو الجامعات، أو الغرف التجارية أو الصناعية أو الجمارك أو غيرها، نجدهم بالأنظمة التي ينفذونها يخالفون أوامر الله سبحانه وتعالى، ويتبعون أوامر غيره من الحكام، أي يشركون مع الله آمراً وناهياً أخر، وذلك هو الشرك بعينه، يفعلون ذلك وهم لا يجدون في ذلك بأساً ولا يتورعون فيه، ثم يتوجهون إلى المساجد ليصلوا فيها مع المصلين، أو تكون لهم إمامة الناس في صلاتهم .
قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة 3:
وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
http://www.ansarsunna.com/vb/images/smilies/rose1.gifhttp://www.ansarsunna.com/vb/images/smilies/rose1.gifhttp://www.ansarsunna.com/vb/images/smilies/rose1.gif

يوسف التازي
17-01-15, 12:21 PM
خطبة في التحذير من الشرك وانواعه

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [ سورة آل عمران102 ] .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [ سورة النساء1 ] .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [ سورة الأحزاب 70-71 ] .

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أهمية العقيدة.
00:01:14
أيها المسلمون:

إن أغلى ما يملكه المسلم هو عقيدته التي يؤمن بالله سبحانه وتعالى بها، ويعتقد ما يجب لله سبحانه وتعالى من أنواع التعظيم، ويوحده عز وجل كما يريد، وينصرف عن كل ما يناقض هذا التوحيد، وإن من أعظم الواجبات على المسلم الابتعاد عن الشرك المنافي لهذا التوحيد

إن أغلى ما يملكه المسلم هو عقيدته التي يؤمن بالله سبحانه وتعالى بها، ويعتقد ما يجب لله سبحانه وتعالى من أنواع التعظيم، ويوحده عز وجل كما يريد، وينصرف عن كل ما يناقض هذا التوحيد، وإن من أعظم الواجبات على المسلم الابتعاد عن الشرك المنافي لهذا التوحيد

، وقد بينا في خطبة سابقة أركان هذه العقيدة، وخطوطها الإجمالية الرئيسية، ثم بينا في خطبة تليها أعظم أنواع الشرك الأكبر التي تنافي هذه العقيدة، ونثلث اليوم بذكر بعض الأمور المنافية للتوحيد، مما بعضه من الشرك الأصغر، وبعضه من الشرك الأكبر؛ لأن معرفة الشر لتوقيه من الأمور المهمة للمسلم في هذا العصر الذي عم فيه الجهل، وحصل فيه من الكثيرين الوقوع في أنواع الشرك كبيرها وصغيرها.

أمور تنافي التوحيد.
00:02:39
فمما ينافي التوحيد: الإشراك مع الله سبحانه وتعالى بذكر مخلوق وعطفه عليه في أمر من الأمور كقول الرجل: ما شاء الله وشاء فلان، ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، غضب عليه الصلاة والسلام وقال: (أجعلتني لله عدلاً، قل: ما شاء الله وحده)[رواه النسائي10758]، وعلمنا في حديث آخر أن نقول: (ما شاء الله ثم شاء فلان)[رواه أبو داود4980]، وفي معنى هذا قول القائل: أنا بالله وبك، أو أنا في حسب الله وحسبك، أو مالي إلا الله وأنت، أو أنا متوكل على الله وعليك، أو هذا من الله ومنك، أو الله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو أنا تائب إلى الله وإليك، وبعضها أقبح من بعض، وقد علمنا الملك في حديث الأبرص والأقرع والأعمى بقوله للرجل: (فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك)[رواه البخاري3464]، علمنا أن نجرد التوحيد، وأن نضع كلاً في منزلته، (فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك)[رواه البخاري3464]، ولم يقل: إلا بالله وبك، ومن هذا القبيل من النوع المحرم قول بعض الناس: لولا الله وفلان ما حصل كذا، وقول بعضهم: أعوذ بالله وبفلان، أو هذا من صدقات الله وصدقاتك، ونحو ذلك مما فيه تسوية بين الخالق والمخلوق، ومن هذا القبيل أيضاً قول القائل: ببركة الله وبركة فلان، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ومن الأمور ما لا يجوز عطفه حتى بثم كالتوكل فلا يجوز لقائل أن يقول: أنا متوكل على الله ثم عليك؛ لأن التوكل لا يكون إلا على الله، ولأنه عبادة لا تصرف إلا لله.

ومن الأمور المنافية للتوحيد ما نسمعه في خطب بعض المنحرفين عن الشريعة المجانبين للدين من أهل الأهواء في قولهم في تصدير خطاباتهم: بسم الله بسم العروبة، بسم الشعب، ونحو ذلك من الأمور فهذا إخلال بالتوحيد، ولو ذكرت مثل هذه الكلمات على ذبيحة لما جاز أكلها، واعتبرت كالميتة، فلا يجوز أن يقال: بسم الله بسم العروبة، ونحو ذلك من الأشياء التي يقولها بعض الثوريون، ومثل قول المشركين: بسم المسيح، أو بسم المجيب، ونحو ذلك من أسماء آلهتهم التي ذكرها على الذبائح شرك أكبر، كيف يحدث مثل هذا ممن ينتسب للإسلام أو يدعيه في تصديره لخطاباته.

ومن الأمور المنافية للتوحيد أيضاً عند نزول المطر قول القائل: مطرنا بنوء كذا وكذا، مطرنا بالنوء الفلاني، أو بالنجم الفلاني، ونحو ذلك.

وعلمنا صلى الله عليه وسلم القول الصحيح وهو:(مطرنا بفضل الله ورحمته)[رواه البخاري846]، فنحن نرد نزول المطر إلى الله، لا إلى نوء ولا إلى نجم، ولا إلى منخفض جوي وإنما نقول: مطرنا بفضل الله، وأما ذكر السبب وشرحه بالعوامل الطبيعية فلا شيء فيه، شرح نزول المطر بذكر العوامل الطبيعية التي أدت إلى نزوله لا شيء فيه، لكن ذكر هذا الشيء الطبيعي على أنه هو الذي أنزل المطر أو أنه هو السبب ولم يجعله الله سبباً فهو من أنواع الشرك.

ومن الأمور المنافية للتوحيد إطلاق لفظ السيد على المنافق أو الكافر، وما أكثره اليوم، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم)[رواه أحمد22939]، ذلك لأنه لا يجوز تسييد المنافق ولا الكافر، بل إن هذا من الاستخفاف بشرع الله عز وجل.

ومما ينافي التوحيد أيضاً، بل من أعظم ما ينافيه التألي على الله كقول القائل: والله لا يغفر الله لفلان، والله لا يرحم الله فلاناً، وهكذا من الأمور، فهذا الذي يقول الله بشأنه: (من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان)[رواه مسلم2621]، وقائله على خطر عظيم.

ومما ينافي التوحيد قول القائل إذا عثر، أو وقع في مصيبة أو حصل له مشكلة مثلاً: يا جاه محمد، أو يا علي، أو يا سيدي فلان، أو يا ست نفسية، فهذا من جنس الشرك الذي يقع فيه الأوغاد في هذا العصر، لا يراعون لله حقاً، ولا يناشدون الله ولا يدعونه، بل يدعون غير الله من نبي أو عظيم أو ولي أو صحابي ونحو ذلك، وهذا من الشرك فلا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا به، لا يستغاث بميت، ولا يستعان به وإنما يستعان بالله عز وجل.

ومما ينافي التوحيد سب الدهر، مثل لعن الساعة أو اليوم أو الشهر أو السنة ونحو ذلك، أو قول: يا خيبة الدهر، فإن هذا يؤدي إلى ما يلي:

سب من ليس بأهل للسب، فإن الدهر من خلق الله، مسخر لله ومنقاد، فكيف يسب؟.

ثانياً: إنه سب متضمن للشرك؛ لأن الذي يسب الدهر أو يسب الساعة أو يسب الزمان فكأنه يعتقد أن هذا الزمان يضر وينفع وأنه هو الذي يعمل عمله ويفعل فعله ولذلك سبه وشتمه، أو أن الدهر ظالم، أو الزمان جائر، أو قول بعض العامة: الزمن غدَّار، ونحو ذلك.

ثالثاً: أن سب الدهر يعود على من خلق الدهر؛ لأن الدهر ليس له من الأمر شيء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر)[رواه البخاري4826].

ومن الأمور المنافية للتوحيد: الحلف بغير الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)[رواه الترمذي1535]، (لا تحلفوا بآبائكم)[رواه البخاري3836]، والحلف بغير الله يشمل الحلف بالأنبياء أو الأولياء أو الجمادات ونحو ذلك، أو الآباء والأقرباء، كقول القائل: والنبي، أو والكعبة، أو وحياة فلان، أو ورأس أبي، وحياة أولادي، أو وأمانتي، قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بالأمانة فليس منا)[رواه أبو داود3253]، أو وشرفي، ونحو ذلك من الأمور، فكل هذا لا يجوز؛ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به، وهو إذا عظم المحلوف به، وكان هذا المحلوف به ليس الله عز وجل، وإنما هو مخلوق من المخاليق، فإنه صرف نوعاً من التعظيم لا يجوز إلا لله صرفه لغير الله.

ومما ينافي التوحيد أيضاً: تعبيد الأسماء لغير الله، كما كانوا في الجاهلية يسمون عبد الجن وعبد الحجر، وعبد شمس، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد الكعبة، وعبد اللات، وعبد المسيح، ونحو ذلك، فكل اسم معبد لغير الله فهو حرام، أياً ما كان، فمن سمى عبد النبي أو عبد الرسول، أو عبد الإمام أو عبد الأمير أو عبد الباقر أو عبد الحسن أو عبد الحسين، ونحو ذلك فهو مشرك بالله عز وجل، وبهذه المناسبة، وليس في أصل الموضوع وبالمناسبة نقول لبعض الناس: تجنبوا التعبيد لأسماء لم ترد لله مثل عبد النور وبعد العال لم يرد من أسمائه العال، وإنما ورد المتعال، وعبد المقصود فلم يرد تسمية الله بالمقصود، وعبد الوحيد فليس من أسمائه الوحيد، وإنما من أسمائه تعالى الأحد والواحد، وعبد العاطي فليس العاطي من أسماء الله ولم يثبت له، فتجنب ذلك يا عبد الله.

ومما ينافي التوحيد: قول القائل بعد فوات الأمر: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا فقال: (لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان)[رواه مسلم2664]، ولذلك فإن الإنسان إذا وقع في شيء حتى لا يتندم ولا يتأسف يغلق هذا الباب، فإنما فيه تندم وتحسف لا فائدة فيه لا يقوله الإنسان المسلم، بل إن الذي يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا يظن بأنه لو غير تصرفه لغير قدر الله، لو غير فعله لنجا من قدر الله، وهكذا، وهذا غلط فماذا يدريه ربما لو لم يفعل هذا الأمر لوقع فيما هو أعظم أو فيما هو أشد ونحو ذلك، وإنما نقول: قدَّر الله وما شاء فعل، هذا ما علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم، علمنا ما ينفع ونهانا عما يضر.

ومن الأمور كذلك: اعتقاد البركة في أشياء لم ترد البركة فيها في الشريعة، فهذا مما ينافي التوحيد.

يوسف التازي
17-01-15, 12:24 PM
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن قول الرجل: تباركت علينا يا فلان، فقال: هذا لا يجوز، فهو تعالى المبارِك والعبد هو المبارَك، والله عز وجل جعل في أمور البركة ونزع من أمور البركة فالبركة إليه سبحانه، هو الذي يجعلها فيما يشاء ويرفعها مما يشاء، سبحانه وتعالى، وليس لمخلوق أن يبارك في شيء أبداً فإن الله عز وجل هو الذي يطرح البركة في الأمور.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من الموحدين، وأن يجعلنا من الذين يجتنبون ما ينافي التوحيد صغيره وكبيره، نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه، أنت الولي الغفار فاغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأرجوا من إخواني أن يتقدموا ويتفسحوا ليدخل إخوانهم الواقفون في الغبار خارج المسجد.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، هو السميع العليم، وهو البصير بخلقه وعباده سبحانه وتعالى، هو الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أيها المسلمون ينبغي أن نحذر من أنواع الشرك في اللفظ أو العمل، فإن كثيراً من الناس تنبؤك ألفاظهم عن عدم احترامهم لعقيدتهم، وعن تساهلهم فيما يغضب الرب عز وجل، مع أن أهم المهمات هو التوحيد، وأن أعظم الواجبات على العبد أن يوحد ربه.

ومن العبارات المنكرة كذلك قول بعضهم: الدين لله والوطن للجميع، يعني أن دين الله والسكان الذين يعيشون في الوطن لا يضر ما دام الوطن يجمعهم، فنقول: كذبتم وخسئتم، وهذه كلمة كبرت تخرج من أفواهكم إن تقولون إلا كذباً، كلمة عظيمة مفضية للردة عن الإسلام، والخروج عن هذه الشريعة، ومفارقة النور إلى الظلمات، كلمة توقع في الكفر والله، واعتقادها كفر ولا شك فيه، قولهم: الدين لله، والوطن للجميع.

من العبارات المنكرة كذلك قول بعضهم: الدين لله والوطن للجميع، يعني أن دين الله والسكان الذين يعيشون في الوطن لا يضر ما دام الوطن يجمعهم، فنقول: كذبتم وخسئتم، وهذه كلمة كبرت تخرج من أفواهكم إن تقولون إلا كذباً، كلمة عظيمة مفضية للردة عن الإسلام، والخروج عن هذه الشريعة، ومفارقة النور إلى الظلمات، كلمة توقع في الكفر والله، واعتقادها كفر ولا شك فيه، قولهم: الدين لله، والوطن للجميع.

ومما ينافي التوحيد أيضاً: ما يقع فيه بعض العامة بقولهم: شاءت السماء، شاءت الطبيعة، وشاءت الأقدار؛ لأن هذه الأشياء لا مشيئة لها، وإنما المشيئة لله رب العالمين، فهو يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى، وحتى مشيئة المخلوقين من أمثالنا تحت مشيئة الله وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [ سورة التكوير29 ] .

ومن الأمور المنافية للتوحيد كذلك: قول بعض المسافرين: أنا ذاهب للعمرة مثلاً ثم لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يقول وهو في هذه المنطقة مثلاً: أنا ذاهب للعمرة ولزيارة قبره عليه الصلاة والسلام، فنقول لهذا القائل: إن نبيك صلى الله عليه وسلم قد قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)[رواه البخاري1189]، فلا يجوز قصد السفر لمكان يتعبد فيه إلا الثلاثة مساجد، فلا إلى قبر ولا إلى مسجد آخر، حتى قال أهل العلم: من نوى بسفره الذهاب إلى مسجد قباء لا يشرع له إلا من كان قريباً من قباء فذهب إلى قباء يوم السبت مثلاً يصلي فيه فله أجر عمرة، وأما أن ينوي بقلبه السفر من أجل مسجد أو موضع في الأرض ليعبد الله فيه غير المساجد الثلاثة فإن سفره محرم، لكن لو صار في ذلك المكان، سافر لحاجة ولغرض فوجد نفسه بجانب مسجد يصلي فيه لا بأس، لكن أن يقصد بالسفر مسجداً أو موضعاً في الأرض ليعبد فيه غير المساجد الثلاثة فلا يجوز، فما بالك بمن شد الرحل لزيارة قبر ولو قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك لا يجوز، فالواجب أن يقول القائل: أنا ذاهب إلى مكة ثم إلى مسجد رسول الله، مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس إلى القبر، إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصلي فيه؛ لأن الصلاة في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام بألف صلاة فيما سواه من المساجد، فإذا وصل الرجل إلى مسجده عليه الصلاة والسلام، بقصد الصلاة في المسجد فوجد نفسه في المسجد قريباً من القبر، يأتي القبر ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس بذلك أبداً، وزيارة القبور مشروعة للرجال، ولذلك ففرق بين من ينوي بالسفر الذهاب للمسجد النبوي، وبين من ينوي بالسفر الذهاب للمسجد النبوي وبين من ينوي بالسفر زيارة القبر ونحو ذلك، فالأول حلال مشروع، والثاني حرام مبتدع، وأما إذا وصل البلد وكان بها مقابر فمر بها ولو كانت بلداً بعيدة فمر بالمقابر فسلم عليها لا بأس بذلك، وهو مأجور إن شاء الله.

ومما يناقض التوحيد أيضاً: التشاؤم بالأزمنة، أو الأمكنة، أو الأصوات، ونحو ذلك، مثل التشاؤم بصوت الغراب أو البوم، أو التشاؤم بأصحاب العاهات كالأعور الأعرج، ونحو ذلك، أو التشاؤم بشهر صفر، أو آخر أربعاء من كل شهر، ونحو ذلك، أو التشاؤم بالرقم ثلاثة عشر ونحو ذلك، فإن هذه التشاؤمات حرام لا تجوز، ومن وقع في الطيرة فقد وقع في الشرك، يناله من الشرك نصيبه منه، شركاً أصغر أو أكبر بحسب اعتقاده، والطيرة: أن يردك الشيء عما كنت تريد أن تفعله، الطيرة: أن تتشاءم فيردك التشاؤم عما كنت تريد أن تفعله، فإذا ردك شيء غير شرعي عما تريد أن تفعله وقعت في الطيرة، فمن ذهب ليفتح دكانه فشاهد أعرج أو أعمى في الطريق فرجع إلى البيت متشاءماً، أو سمع صوت غراب أو طار طير جهة اليسار أو الشمال مثلاً، فلم يفتح الدكان مثلاً، ورجع عن مشواره أو عن عمله من أجل ذلك، أي أن هذا التشاؤم رده عن عمله فقد وقع في الشرك، فهذا هو التشاؤم، هذا هو التشاؤم المذموم، ولهذا الموضوع بقية؛ لأن بيان ما ينافي التوحيد من الأمور المهمة للناس الذين وقع كثير منهم في تفريط في تعلم عقيدتهم.

أيها المسلمون:

عظموا الله كما ينبغي له، وكبروه وسبحوه واذكروه فهو المنعم عليكم بنعمة الإسلام والدين وهذه العقيدة الصحيحة التي حرم منها الملايين في أقطار الأرض، فهم عاكفون على أصنام أو طواغيت، ويشركون بالله عز وجل، أو يلحدون به، أو ينكرون وجوده، وأنتم أهل الملة الحنيفية، وأهل هذه الشريعة، وهذه العقيدة، فلا يحرفنكم شيطان من الإنس أو الجن عن هذا الدين وعن هذا التوحيد، وصلوا على نبيكم في هذا اليوم العظيم يوم الجمعة، فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، فلا تنسوا الصلاة عليه سائر هذا اليوم، وليس في الخطبة فقط، وإنما في سائر هذا اليوم، صلوا عليه، على نبينا الذي علمنا الدين والتوحيد والعقيدة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم انصر هذا الدين، اللهم انصر هذا الدين، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم اخذل الكفرة والمشركين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويعادون أولياءك، وينبذون شريعتك، اللهم افضح المنافقين، واهتك أستارهم، واكفنا شرورهم، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم نسألك نصراً عزيزاً، وفتحاً قريباً، تفتح فيه بيننا وبين الكفرة بالحق، وتنصرنا عليهم يا رب العالمين، اللهم اخذل اليهود ومن شايعهم، واجعل كيدهم في نحورهم، وطهر بلاد المسلمين منهم، اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم من كادنا فكده، ومن أرادنا بسوء فدمره، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم اجعل عليهم رجزك وبأسك وعذابك يا رب العالمين، يا جبار انتقم منهم إنك على كل شيء قدير.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا.

يوسف التازي
17-01-15, 01:09 PM
هل ينتفع بلا إله إلا الله من قالها وهو مع هذا يتلبس بنواقض الإسلام ؟؟

تأمل كيف أن المنافقين يقولونها وهم مع ذلك في الدرك الأسفل من النار . .

لماذا ؟ ؟

ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار"(صحيح مسلم)

الجواب :

لأن الأحاديث التي جاءت مبينة لفضل لاإله إلا الله قد قيدت بقيود عظيمة . .



تأمل . . كم من قائل لهذه الكلمة وهو لايعرف معناها

يظن أن معناها لا خالق إلا الله وهذا من لوازم هذه الكلمة

ولقد كان مشركي العرب يقرون بأن الله وحده خالق كل شئ . وكانوا مع هذا مشركين .

قال تعالى :{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

قالت طائفة من السلف تسألهم : من خلق السموات والأرض ؟ فيقولون : الله وهم مع هذا يعبدون غيره قال تعالى : {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون}

فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شئ وخالقه يكون عابداً له ، دون ما سواه

أما معناها :

فلا معبود بحق إلا الله كما قال الله تعالى :

{ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير }

و قال تعالى : {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم }

و قال تعالى : {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون }

و قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}

و قال تعالى : { وما من إله إلا الله }

و قال تعالى : { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله }

و قال تعالى : { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً }

و قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ظ±عْبُدُواْ ظ±للَّهَ وَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لْطَّـظ°غُوتَ }

و قال تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام : { ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم }

قال الله تعالى{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلا اللَّه }

تأمل كم من قائل لهذه الكلمة وهو يصرف لغير الله أنواعا من العبادة كالدعاء والذبح . .

قال تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } .

قال الله تعالى: (فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص) (الزمر الآيتان:2-3)، وقال تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ) (الزمر الآية:11)، وقال: (قل الله أعبد مخلصاً له ديني) (الزمر الآية:14).

قال الله تعالى : (وقال ربكم ادعوني استجب لكم )

وقال : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا )

. وقال تعالى :{ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)}

وقال :{ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72)}

وقال تعالى : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ

سَحِيقٍ (31)}.


سئل التابعي الجليل وهب بن منبه رحمه الله : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ فقال: بلى ، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. قيل للحسن البصري رحمه الله: إن أناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.

فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً ، واعتقد ذلك وقبله وعمل به .

يوسف التازي
17-01-15, 01:12 PM
التحذير من الشرك ووجوب الخوف منه

إن الواجب على المسلم أن يعيش حياته خائفا من أن يقع في أيِّ ذنب يغضب الله جل وعلا ويسخطه وأعظم ما يجب أن يخاف منه العبد وأن يحرص على اتقائه وأن يجاهد نفسه على البُعد عنه: الشرك بالله جل وعلا.

نعم، الشرك بالله جلّ وعلا هو أعظم الذنوب وأخطرها وهو أظلم الظلم وأكبر الجرائم وهو الذّنب الذي لا يُغفر، الشرك بالله جلّ وعلا هضم للرّبوبية وتنقص للألوهية وسوء ظن برب البرية جل وعلا الشرك بالله جل وعلا تسوية لغيره به تسوية للناقص الفقير بالغني العظيم جلّ وعلا، إن الشرك بالله جل وعلا ذنب يجب أن يكون خوفُنا منه أعظمَ من خوفنا من أيِّ أمر آخر وثَمَّةَ نصوصٌ ودلائل في كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه إذا تأمّلها العبد ونظر إليها نظرة المتأمل جلبت لقلبه خوفا من الشرك وحذرا منه وتوقيا للوقوع فيه ومن ذلك قول الله جل وعلا في موضعين من سورة النساء {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [ النساء: 48] فالآية فيها بيان بيِّن أن من لقي الله تبارك وتعالى مشركا به فإنه لا مطمع له في مغفرة الله بل إن مآله ومصيره إلى نار جهنم خالدا مخلدا فيها لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابها كما قال الله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [ فاطر: 36-37 ] ينادي المشرك يوم القيامة ويطلب أن يعاد للدنيا مرة ثانية فلا يجاب ليعمل صالحا غير الذي كان يعمل، ويطلب أن يُقضى عليه فيموت فلا يجد جوابا لذلك،ويطلب أن يخفف عنه يوما من العذاب فلا يجد جوابا لذلك وإنما يبقى في نار جهنم مخلدا فيها أبد الآباد بل إن من أعظم الآيات وأشدها على أهل النار قول الله تعالى في سورة عم يقول جل وعلا: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [ النبأ: 30].

وإنّ مما يجلب الخوف من الشرك إلى القلوب المؤمنة أن نتأمل في حال الصالحين وحال الأنبياء المقربين وخوفهم من هذا الذنب العظيم يكفي في هذا المقام أن نتأمّل دعوة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل عليه السلام الذي اتخذه الله خليلا وحطّم الأصنام بيده ودعا إلى توحيد الله وقام في هذا الأمر مقاما عظيما قال في دعائه {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)} [ إبراهيم: 35-36] تأمّل إمام الحنفاء عليه صلوات الله وسلامه يدعو الله جل وعلا أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام أي أن يجعله في جانب بعيد عنها فلا يقربها ولا يقع في شيء من وسائلها أو ذرائعها ، قرأ إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى هذه الآية وقال: "من يأمن البلاء بعد إبراهيم" أي إذا كان إبراهيم الخليل عليه السلام خاف من الشرك ودعا الله تعالى بهذه الدعوة العظيمة فكيف يأمن البلاءَ غيرُه .

وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول كلَّ يوم ثلاث مرات إذا أصبح وثلاثَ مراتٍ إذا أمسى: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر ومن الفقر و أعوذ بك من عذاب القبر" يردِّد هذه الدّعوة ثلاث مرّات في الصباح وثلاث مرّات في المساء، وكان يقول في دعائه كما في الصّحيحن وغيرهما: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني فأنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة بل قالت أمُّ سلمة رضي الله عنها كان أكثرُ دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهمّ يا مصرّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك" قالت قلت يا رسول الله: أو إن القلوب لتتقلب قال: "نعم ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه".

ومن الأدلة في هذا الباب ما جاء في المسند وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصّحابة رضي الله عنهم: "إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسألوا عنه فقال: "الرياء".

قال العلماء: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام خاف على الصحابة - وهم من هم في الطاعة والتوحيد - من الشرك الأصغر فكيف الشأن بمن هو دونهم ومن لم يبلغ عُشْرَ معشارهم في التوحيد والعبادة؟! بل جاء في الأدب المفرد بسند حسن بما له من شواهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَلشرك فيكم أخفى من دبيب النّمل" فقال بعض الصحابة: أوليس الشرك يا رسول الله أن يتخذ ند مع الله وهو الخالق فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لَلشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ثم قال عليه الصلاة والسلام: "أولا أدلكم على شيء إذا قلتموه أذهب الله عنكم قليل الشرك وكثيره" قالوا: بلى يا رسول الله قال: تقولون: (اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونستغفرك لما لا نعلم) وهذه دعوة ينبغي أن نحفظها ونحافظ عليها.

ومما يجلب الخوف من الشرك ما ثبت في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من إخباره أن من الأمّة مَنْ سيرجعون إلى عبادة الأوثان وقد جاء في هذا أحاديث عديدة:

منها ما ثبت في سنن أبي داود وغيره عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "لا تقوم السّاعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان".

وجاء في حديث آخر أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دَوْس على ذي الخَلَصَة". أي صنم من الأصنام.

وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لتتَّبعن سَنن من كان قبلكم شبرا شبرا ذراعا ذراعا حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه". كل ذلك قاله عليه الصلاة والسلام نصحا للأمّة وتحذيرا لها من هذا الذنب العظيم والجرم الوخيم أعاذنا الله جميعا منه .

ومما يجلب الخوف من الشرك أن المشرك ـ عياذاً بالله ـ ليس بينه وبين النار إلا أن يموت وتأمّلوا في ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح البخاري: "من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار".

قال العلماء رحمهم الله: في هذا الحديث دلالة على أن النار قريبة من المشرك أي ليس بينه وبينها إلا أن يموت.

كل هذه الدلائل تدعوا المؤمن إلى أن يخاف من الشرك خوفا عظيما ثم إن هذا الخوف يحرك في قلبه معرفة هذا الذّنب الوخيم ليكون منه على حذر وليتقيه في حياته كلها ولهذا جاء في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافته".

ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة أن الشرك نوعان أكبر وأصغر وهما يختلفان في الحد والحكم أما حد الشرك الأكبر فهو: أن يُسويَ غيرَ الله بالله سواء في الربوبية أو الأسماء والصفات أو الألوهية فمن سوَّى غير الله بالله في شيء من خصائص الله فإنه يكون بذلك أشرك بالله شركا أكبر ينقل صاحبَه من ملة الإسلام.

أمّا حدُّ الشرك الأصغر فهو ما جاء في النصوص وصفه بأنه شرك ولا يبلغ حد الشرك الأكبر، كالحلف بغير الله وقول ما شاء الله وشئت، وقول: لولا كذا لكان كذا وكذا ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها شرك لا يقصده قائلها.

وأمّا من حيث الحكم في الآخرة فإنهما يختلفان فالشرك الأكبر صاحبه مخلد في النار أبد الآباد لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابها، وأما الشرك الأصغر فشأنه دون ذلك وإن كان في وضعه هو أكبر من الكبائر كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لأَن أحلف بالله كاذبا أحبُّ إلي مِن أن أحلف بغيره صادقا" لأن في الحلف بغير الله صادقا شرك بالله عز وجل وفي الحلف به كاذبا وقوع في كبيرة الكذب ولا تقارن الكبيرة بالشرك وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم.

ثم إنّ هذه المسألة أعني مسألة الشرك ومعرفته هي من أعظم الأمور التي ينبغي أن نُعنى بها ولما جهِل كثيرٌ من الناس هذا الأمر العظيم وقعوا في أعمال وأمور هي من الشرك يجهلون حقيقة أمرها وربما لُبِّس على بعضهم بأسماء ونحوها صُرفوا بها عن العبادة الخالصة لله إلى أنواع من الأعمال المحرمة بل إلى أنواع من الأعمال الشركية عياذا بالله.

وإنا لنسأل الله تبارك وتعالى أن يُبَصِّرنا جميعا بدينه وأن يوفقنا جميعا لاتباع سنة نبيه عليه الصلاة والسلام وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
..

يوسف التازي
17-01-15, 01:15 PM
الشرك أعظم الذنوب



والشرك أعظم الذنوب، وذلك لأمور:

1- لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

2- وأنه لا يُغفَر لمن لم يتب منه.

3- وأنه حَرَّم الجنة على المشرك، وأنه خالد مخلَّد في نار جهنم.

4- والشرك يُحبِط جميع الأعمال.

5- وأن المشرك حلال الدم والمال.

6- وأن الشرك أكبر الكبائر.



والشرك أعظم الذنوب، وذلك لأمور:

1- لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ï´¾ [لقمان: 13].




2- وأنه لا يغفر لمن لم يتب منه.

قال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ï´¾ [النساء: 48].




3- وأنه حرم الجنة على المشرك، وأنه خالد مخلد في نار جهنم.

قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ï´¾ [المائدة: 72].




4- والشرك يُحبِط جميع الأعمال، ومعنى "حبط" في اللغة:

الحبطُ وجعٌ يأخُذُ البعِير في بطنِه، حبِطت تحبطُ حبطًا، وإذا عمِل الرجُلُ عملاً فأفسده قيل: حبِط عملُه حُبُوطًا، وأحبطه صاحِبُه، وحبط ماءُ البِئر قلَّ، وحبِط دمُ الرجُلِ بطَل وذهب، والحِبطةُ بقِيةُ الماءِ في الحوضِ، وحبِط الجُرحُ يحبطُ إذا بقِيت له آثارٌ بعد البُرءِ.




قال في تهذيب اللغة:

ولا أرى حَبط العَمَل وبُطلانه مأخوذًا إلا من حَبط البَطْن؛ لأن صاحب الحَبَط يَهْلِك، وكذلك عَمَل المنافق والمُشرك يَحْبط.




قال في إصلاح المنطق: والحبط مصدر حَبِطَ عمله يحبط حبطًا وحبوطًا، والحَبَط مصدر حبطت الشاة تحبط حبطًا، وهو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوقى، والمرط النتف.




قال في الفروق اللغوية: الفرق بين الإحباط والتكفير: أن الإحباط هو إبطال عمل البِر من الحسنات بالسيئات، وقد حبط هو، ومنه قوله تعالى: ï´؟ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا ï´¾ [هود: 16].




قال تعالى: ï´؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [الزمر: 65].




5- وأن المشرك حلال الدم والمال.

قال تعالى: ï´؟ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ï´¾ [التوبة: 5].




6- وأن الشرك أكبر الكبائر.

قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين))؛ الحديث.




ومعنى العقوق في اللغة:

ورجلٌ عَقٌّ: مُر بئيس، ويقال أعقى الشيء فهو يعقي إعقاء، إذا اشتدت مرارته.




وَعَقَّ أيضًا: في معنى عاق، ولا أعاقُّه: أي لا أشاقه، والعَق: الشَقُّ، ومنه عُقوق الوالدين، عَقَّ والدَه يَعُقُّ عقوقًا ومَعَقَّةً.




وأن الشرك تنَقُّص وعيب نَزَّه الله سبحانه نفسه عنهما، فمن أشرك بالله فقد نسب لله ما نَزَّه نفسه عنه، وهذا غاية المحادَّة، والمعاندة والمشاقة لله.



والتنزيه في اللغة:

قال الفيروز آبادي: التنزهُ: التباعُدُ، والاسمُ: النزهةُ بالضم، ومكانٌ نزِهٌ ككتِفٍ ونزِيهٌ وأرضٌ نزهةٌ وتُكسرُ الزايُ، ونزِيهةٌ: بعيدةٌ عن الريفِ، وغمقِ المِياهِ، وذِبانِ القُرى، وومدِ البِحارِ، وفسادِ الهواءِ، نزُه ككرُم وضرب نزاهةً ونزاهِيةً، والرجُلُ: تباعد عن كل مكروهٍ فهو نزِيهٌ. ورجُلٌ نزهُ الخُلُقِ وتُكسرُ الزايُ ونازِهُ النفسِ: عفيفٌ مُتكرمٌ، يحُل وحده ولا يُخالِطُ البُيوت بنفسِه؛ انتهى.




قال في لسان العرب:

والنزاهةُ البعد عن السوء، وإن فلانًا لنزِيهٌ كريمٌ، إذا كان بعيدًا من اللؤمِ، وهو نزِيهُ الخُلُقِ وفلان يتنزهُ عن ملائمِ الأخلاق؛ أي: يترفعُ عما يُذم منها؛ الأزهري: التنزهُ رفعُه نفسه عن الشيء تكرمًا ورغبة عنه، والتنزِيهُ تسبيح الله عز وجل وإبعادُهُ عما يقول المشركون، وتنزِيهُ الله تبعيدُه وتقديسُه عن الأنداد والأشباه.




والمحادة في اللغة: الميل والعدول.




قال الفيروز آبادي: حاد عنه يحِيدُ حيدًا وحيدانًا ومحيدًا وحُيودًا وحيدةً وحيدودةً: مال.




قال في تهذيب اللغة: والحيدُ ما شخص من الجبل واعوجَّ، وكل ضلع شديد الاعوجاجِ حيدٌ، وكذلك من العظم، وجمعه: حُيُودُ.




والرجل يحيد عن الشيءِ إذا صد عنه خوفًا وأنفةً، مصدره: حيدودةً وحيدًا وحيدانًا، وما لك محِيدٌ عن ذلك.




قال ابن الأثير: حاد عن الشيء والطرِيق يحِيد إذا عدَل.




والعناد في اللغة: معرفة الحق والإعراض عنه.




قال في لسان العرب: [عَنَدَ] قال الله تعالى: ï´؟ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ï´¾ [ق: 24]، قال قتادة: العنيدُ المُعْرِضُ عن طاعة الله تعالى، وقال تعالى: ï´؟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ï´¾ [إبراهيم: 15]، عَنَدَ الرجلُ يَعْنُد عَنْدًا وعُنُودًا وعَنَدًا: عتا وطَغَا وجاوزَ قَدْرَه، ورجل عَنِيدٌ عانِدٌ، وهو من التجبُّرِ.




قال الحافظ ابن كثير: عنيد: معاند للحق، معارض له بالباطل، مع عِلمِه بذلك.




والشِّقاق في اللغة: هو العداوة والمخالفة.




قال في لسان العرب: والمُشاقَّةُ والشِّقاق: غلبة العداوةِ والخلاف، شاقَّهُ مُشاقَّة وشِقاقًا خالَفَه، وقال الزَّجَّاج في قوله تعالى: ï´؟ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ï´¾ [الحج: 53]: الشِّقاقُ العداوةُ بين فريقين، والخلافُ بين اثنين، سمي ذلك شِقاقًا؛ لأن كل فريق من فِرْقَتَي العداوة قَصَدَ شِقًّا؛ أَي: ناحية غير شِقِّ صاحبه، وشَقَّ أمْرَه يَشُقُّه شَقًّا فانْشَقَّ: انْفَرَقَ وتبدَّد اختلافًا، وشَقَّ فلانٌ العصا؛ أي: فارق الجماعة، وشَقَّ عصا الطاعة فانْشَقَّت، وهو منه، وأما قولهم: شَقَّ الخوارجُ عصا المسلمين، فمعناه: أَنهم فرَّقوا جَمْعَهم وكلمتَهم، وهو من الشَّقِّ الذي هو الصَّدْع؛ انتهى.




قال الطبري في تفسيره: قال ابن زيد: ï´؟ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ï´¾ [البقرة: 137]، قال: الشقاق: الفِراقُ والمحاربة، إذا شَاقَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ في كلام العرب، وقرأ: ï´؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ï´¾ [النساء: 115].




قال أبو جعفر: وأصل (الشقاق) عندنا - والله أعلم - مأخوذٌ من قول القائل: شَقَّ عليه هذا الأمر، إذا كرَبه وآذاه، ثم قيل: (شاقَّ فلانٌ فلانًا)، بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته، ومنه قول الله تعالى ذكره: ï´؟ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ï´¾ [النساء: 35]؛ بمعنى: فِراقَ بينهما.




قال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ï´¾ [النساء: 115].




قال الشوكاني: ï´؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ï´¾ المشاققة: المعاداة والمخالفة، وتَبَيُّنُ الهدى ظُهورُه بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك، ثم يفعل المشاققة؛ انتهى.




وقال ابن كثير: وقوله: ï´؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ï´¾؛ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عَمْدٍ منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، وقوله: ï´؟ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ï´¾، هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية، فيما عُلِم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ؛ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم صلى الله عليه وسلم.




ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ï´؟ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ï´¾؛ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نُحَسِّنَها في صدره، ونُزَيِّنَها له استدراجًا له؛ كما قال تعالى: ï´؟ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [القلم: 44]، وقال تعالى: ï´؟ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ï´¾ [الصف:5]، وقوله: ï´؟ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ï´¾ [الأنعام: 110].




وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ï´؟ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ï´¾ [الصافات: 22، 23]، وقال: ï´؟ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ï´¾ [الكهف:53].




عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: أنا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، من عَمِلَ عملاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)).




وعن أبي ذَرٍّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي، إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالَموا، يا عبادي، كُلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم، يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كُلُّكم عارٍ إلا مَنْ كَسوْتُه، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ، يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي، إنَّكم لن تبلغُوا ضرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفِّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيرًا فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ))؛ أخرجه مسلم.




والشرك نوعان: شرك أكبر يُخْرِج صاحبه من الملة، ويخلِّده في النار إذا مات ولم يتب منه، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله؛ كدعاء غير الله، والتقرب بالذبائح والنذور لغير الله من القبور والجن والشياطين، والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات وتفريج الكربات.




وشرك أصغر لا يُخْرِج من الملة، لكنه يَنْقُص التوحيدَ؛ كالحَلِف بغير الله.



قال تعالى: ï´؟ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ï´¾ [يونس: 18].




قال تعالى: ï´؟ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ï´¾ [الأنعام: 40، 44]، يخبر تعالى أنه الفعَّال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا مُعقِّب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء؛ ولهذا قال: ï´؟ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ï´¾؛ أي: أتاكم هذا أو هذا ï´؟ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ï´¾؛ أي: لا تدعون غيره؛ لعلمكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه؛ ولهذا قال: ï´؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ï´¾؛ أي: في اتخاذكم آلهة معه.




ï´؟ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ï´¾؛ أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحدًا سواه، وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم؛ كما قال: ï´؟ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ï´¾ [الإسراء: 67].




وقوله: ï´؟ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ ï´¾ يعني: الفقر والضيق في العيش، ï´؟ وَالضَّرَّاءِ ï´¾: وهي الأمراض والأسقام والآلام، ï´؟ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ï´¾؛ أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون.




قال الله تعالى: ï´؟ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ï´¾؛ أي: فهلاَّ إذِ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا، ï´؟ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ï´¾؛ أي: ما رَقَّتْ ولا خشعت، ï´؟ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ï´¾؛ أي: من الشرك والمعاصي.




ï´؟ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ï´¾؛ أي: أعرضوا عنه وتناسَوه وجعلوه وراء ظهورهم، ï´؟ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ï´¾؛ أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذًا بالله من مَكْرِه؛ ولهذا قال: ï´؟ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ï´¾؛ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق، ï´؟ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ï´¾؛ أي: على غفلة، ï´؟ فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ï´¾؛ أي: آيِسون من كل خير.




قال الوالبي، عن ابن عباس: الْمُبْلِس: الآيس.




عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قاتل اللهُ اليهودَ؛ اتَّخذُوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ))، وفي رواية: ((لعن الله اليهود والنصارى...))؛ الحديث أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود، وأخرج النَّسائي الرواية الأولى، وقال: ((لعن اللهُ...)).




وعن عائشة رضي الله عنها : قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يَقُمْ منه: ((لعن الله اليهودَ والنصارى؛ اتَّخذُوا قبور أنبيائهم مساجدَ))، قالت: ولولا ذلك أُبرِزَ قبرُه، غير أنه خشيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا.




النوع الثاني من أنواع الشرك: الشرك الأصغر:

وهو كل ما كان ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، أو ما جاء في النصوص تسميته شِرْكًا ولم يصل إلى حد الأكبر، وهو يقع في هيئة العمل وأقوال اللسان، وحكمه تحت المشيئة كحُكْم مرتكب الكبيرة.



ومن أمثلته ما يلي:

1- يسير الرياء، والدليل ما رواه الإمام أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشِّرْكُ الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً))؛ رواه الإمام أحمد، وقال الْمُنْذري: إسناده جيد.




2- قول: [ما شاء الله وشِئْتَ]، روى أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان))؛ رواه أبو داود.




3- قول: [لولا الله وفلان]، أو قول: [لولا البط لأتانا اللصوص]، ونحو ذلك، روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: ï´؟ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 22]، قال: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتِكِ يا فلانة، وحياتي، وتقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لأصحابه: ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك.




الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:

بين الشرك الأكبر والأصغر فروقٌ عديدة، أهمها ما يلي:

1- أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فَتَحْتَ المشيئةِ.




2- أن الشرك الأكبر مُحبِط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.




3- أن الشرك الأكبر مُخرِج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الشرك الأصغر فلا يخرجه منها.




4- أن الشرك الأكبر صاحبُه خالد في النار، ومُحَرَّمةٌ عليه الجنةُ، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب.




وقال في أعلام السنة المنشورة:

هو يسير الرياء الداخل في تحسين العمل المراد به الله تعالى؛ قال الله تعالى: ï´؟ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ï´¾ [الكهف: 110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))؛ رواه أحمد والبغوي في شرح السنة، فسئل عنه فقال: ((الرياء))، ثم فسره بقوله صلى الله عليه وسلم: ((يقوم الرجل فيصلي فيُزَيِّن صلاته؛ لما يرى من نظر رجل إليه))؛ رواه ابن ماجه، ومن ذلك الحلفُ بغير الله؛ كالحلف بالآباء والأنداد والكعبة والأمانة وغيرها، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد))؛ رواه أبو داود، والنسائي، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا: والكعبةِ، ولكن قولوا: وربِّ الكعبةِ))؛ رواه النسائي، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلِفوا إلا بالله))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بالأمانة فليس منا))؛ رواه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وقد سكت عنه الإمام أبو داود، وقال الإمام الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخَرِّجاه، ووافقه الذهبي، وقد صححه أيضًا الألباني، وفي رواية: ((وأشرك)).




ومنه قوله: ما شاء الله وشئت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال ذلك: ((أجعلتَنِي لله نِدًّا؟ بل ما شاء الله وحده))؛ رواه أحمد وابن ماجه، والنسائي في الكبرى.




ومنه قول: لولا الله وأنت، وما لي إلا الله وأنت، وأنا داخل على الله وعليك، ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقي، قال أهل العلم: ويجوز: لولا الله ثم فلان، ولا يجوز لولا الله وفلان.



الفرق بين الواو وثُمَّ في هذه الألفاظ؟

أن العطف بالواو يقتضي المقارنة والتسوية، فيكون من قال: ما شاء الله وشئت قارنًا مشيئة العبد بمشيئة الله، مُسَوِّيًا بها، بخلاف العطف بـ: "ثُمَّ" المقتضية للتبعية، فمن قال: ما شاء الله ثم شئت، فقد أقر بأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، لا تكون إلا بعدها؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ï´¾ [الإنسان: 30]، وكذلك البقية.




كتاب: اتباع مناهج أهل السنن والآثار .. شرح سواطع الأنوار لمعرفة عقيدة سيد الأبرار

يوسف التازي
17-01-15, 01:18 PM
تعريف نواقض الإسلام ومعنى الرِّدة وأنواعها


تعريف نواقض الإسلام:

النواقض: جمع ناقض اسم فاعل من نقض الشيء إذا حلّه وهدمه وأفسده، قال تعالى: ï´؟ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ï´¾ [ النحل: 91 ].



الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.



والإسلام له نواقض يجب على الإنسان معرفتها، لأنه قد يقع فيها فتخرجه من الإسلام وهو يدري أو لا يدري، فهذا إبراهيم - عليه السلام - خاف على نفسه من الشرك مع أنه هو الذي كسر الأصنام وأوذي في الله ومع هذا لم يأمن على نفسه وقال:



ï´؟ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ï´¾ [إبراهيم: 35] لما رأى كثرة الشرك وكثرة المفتونين خاف على نفسه، فالإنسان لا يأمن على دينه بل يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه وماله، لأن الدين هو أول الضرورات التي تجب المحافظة عليها، وهو الفاصل في مصير الإنسان في الحياة الأخروية، فمن رجع عن دينه فقد ارتد.



الرِّدة معناها, وأنواعها:

الردة: هي الرجوع فالمرتد هو الذي يرجع عن دينه إما بقول أو اعتقاد أو بفعل أو بشك، فهذه أصول أنواع الردة: القول والاعتقاد والفعل والشك. وينشأ عن هذه الأصول أنواع كثيرة من نواقض الإسلام.



أنواع الردة:

النوع الأول: الكفر بالقول:

كأن يتكلم بلفظ الكفر والشرك غير مكره، سواء كان جادًا أو هازلًا أو مازحًا، فإذا تكلم بكلام الكفر فإنه يحكم عليه بالردة إلا إذا كان مكرهًا، قال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ï´¾ [التوبة: 74 ].



وقال تعالى في الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكذب ألسنًا وأرغب بطونًا وأجبن عند اللقاء يعنون بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، " ï´؟ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ï´¾ [التوبة: 65، 66]، فدل هذا على أن الذي يتلفظ بكلام الكفر غير مكره فإنه يكفر ولو زعم أنه يمزح ويلعب، وفي هذا رد على مرجئة العصر الذي يقولون لا يرتد من قال كلام الكفر حتى يعتقد بقلبه ما قاله بلسانه، فكذلك من يدعو غير الله ويستغيث بغير الله كمن يستغيث بالأموات والغائبين والجن والشياطين فيقول: يا فلان أغثني فإنه يكفر بذلك.



النوع الثاني: الكفر بالاعتقاد:

وهو أن يعتقد الإنسان بقلبه ما يناقض الإسلام، كأن يعتقد أن الصلاة غير واجبة وليس لها قيمة مثل ما كان عليه المنافقون، فيأتي بالأعمال في الظاهر ولكنه في قلبه لا يؤمن بها وإنما يتظاهر بها ويتكلم، قال تعالى:

ï´؟ إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ï´¾ [المنافقون: 1-2] أي أنهم اتخذوا أيمانهم سترة يستترون بها، ï´؟ فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾، وقال تعالى ï´؟ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ï´¾ [الفتح: 11] فمن كذب بقلبه كفر حتى لو أتى به ظاهرًا من الأعمال وهذا هو دين المنافقين لأنهم لا يعتقدون بقلوبهم ما تنطق به ألسنتهم أو ما تفعله جوارحهم من الأعمال المشروعة.



النوع الثالث: الكفر بالفعل:

كأن يعمل شيئًا من العبادات لغير الله، كمن يذبح لغير الله فهذا خرج من دين الإسلام وارتد لأنه عبد غير الله، فالذبح عبادة صرفها لغير الله فكفر بذلك كمن يذبح لصنم أو لقبر أو غير ذلك من معبودات المشركين، أو كمن يسجد للقبور فقد أشرك ولو كان يصلي ويصوم ويحج ويأتي بالواجبات فإن دينه نقض بهذا الفعل الشركي والعياذ بالله.



النوع الرابع: الكفر بالشك:

الشك: هو التردد، فإذا شك في قلبه، هل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- صحيح أو غير صحيح؟ أو هل هناك بعث أو هل هناك جنة ونار أو لا؟ فهذا يكفر بشكه ولو كان يصوم ويصلي ويعمل الواجبات، فإذا لم يكن جازمًا في إيمانه فكان لديه شك وتردد بصحة ما جاءت به الرسل صار مرتدًّا عن الإسلام، ونحن لنا ما يظهر من الناس وأمّا ما في القلوب من اليقين والشك فهذا لا يعلمه إلا الله - سبحانه وتعالى.


--------------------------------------------------------------------------------

يوسف التازي
17-01-15, 01:21 PM
من نواقض الإسلام
من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ثوابه، أو عقابه (1)





الناقض السادس:

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: [من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ثوابه، أو عقابه؛ كفر، والدليل قوله تعالى: ï´؟ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ï´¾ [التوبة: 65-66] ].



الشرح:

المسألة الأولى: معنى الاستهزاء والأدلة على كفر صاحبه:

الاستهزاء: هو انتقاص الرب جل وعلا والسخرية منه، أو انتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم والسخرية منه، أو انتقاص لشيء من الدين والسخرية منه، والمستهزئ بما سبق كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.



أولا ً: الأدلة من الكتاب:

1- قال ابن تيمية في الصارم المسلول (2/85): منها قوله تعالى: ï´؟ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم ï´¾ [التوبة: 62 - 63] فعلم أن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم محادة لله ورسوله؛ لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً إذا أمكن أن يقال: إنه ليس بمحاد، ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أنه له نار جهنم خالداً فيها، ولم يقل (هي جزاؤه) وبين الكلامين فرق..... فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كافراً عدواً لله ورسوله، محارباً لله ورسوله " وأيضاً بهذه الآية استدل القاضي عياض في كتابه الشفا (ص 94).



2- قال ابن تيمية في الصارم المسلول (2/70): " قول سبحانه: ï´؟ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ï´¾ [التوبة: 64 - 66] وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسبب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم جاداً أو هازلاً فقد كفر " وأيضاً بهذه الآية استدل القاضي عياض في كتابه الشفا (ص 947).



ثانياً: ومن السنة:

1- ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي برزة قال: " كنت عند أبي بكر رضي الله عنه فتغيض على رجل، فاشتد عليه، فقلت تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلي، فقال: ما الذي قلت آنفاً؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. قال: أكنت فاعلاً ولو أمرتك؟ قلت: نعم؟ قال: لا والله ما كانت لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ".



قال ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1/192): " رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة ".



وقال القاضي عياض في (الشفا) ص2/954: " قال القاضي أبو محمد بن نصر: ولم يخالف عليه أحد، فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أغضبه أو آذاه أو سبه".



2- ما رواه ابن جرير وغيره من حديث زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله فبلغ ذلك رسول الله ونزل القرآن فقال عبد الله بن عمر: أنا رأيته متعلقاً. بحقب ناقة رسول الله تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ï´؟ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ï´¾ [التوبة: 65 - 66].



فقد حكم الله عز وجل بكفرهم، وقطع بعدم عذرهم مع قولهم معتذرين ï´؟ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ï´¾ [التوبة: 65] " فقال الله تعالى لهم: ï´؟ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ï´¾ [التوبة: 66].



ثالثاً: الإجماع:

قال القاضي عياض في (الشفاء) ص1/932: " اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على المقصد، ولا نمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً. وكذلك من لعنه أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.



وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى وهلم جراً.... ولا نعلم خلافاً في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره ".



وقال ص926 في المجلد الأول: " وأجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ï´¾ [الأحزاب: 57].



وقال ابن تيمية في الصارم المسلول 2/15: " وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئاً مما أنزل الله عز وجل ، أو قتل نبياً من أنبياء الله عز وجل ، أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله ثم قال وتحرير القول فيها: أن الساب إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ".



هذه الأدلة وغيرها من نقولات أهل العلم لإجماع الأمة تدل على أن من استهزئ بالله أو برسوله أو بشيء من الدين فقد كفر وخرج عن ملة الإسلام وإن كان المستهزئ مازحاً أو هازلاً أو زعم أنه لم يقصد بقوله حقيقة ما قال.



قال ابن تيمية عند قوله تعالى: ï´؟ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ï´¾ [آل عمران: 106] في مجموع الفتاوى (7/273): " دل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله ورسوله يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفراً وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه ".



المسألة الثانية: الاستهزاء على نوعين

النوع الأول: الاستهزاء الصريح

ومن أمثلته ما نزلت فيه الآية، وهو قولهم: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء " أو نحو ذلك من الأقوال الصريحة من أقوال المستهزئين كقول بعضهم: دينكم هذا دين خامس، أو دين أخرق.



النوع الثاني: الاستهزاء غير الصريح:

وهو النوع الذي قد يكثر رواده من حيث لا يشعرون، وأمثلته: الرمز بالعين أو الغمز باليد استهزاءً أو مد الشفة أو إخراج اللسان عند تلاوة القرآن أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عند شعائر الله.



والفرق بين الاستهزاء الصريح وغير الصريح (المحتمل) هو أن الصريح يكون كلاماً كفرياً أكبر مباشرة، بخلاف المحتمل فإنه إن أراد الاحتمال الكفري صار كلامه أو فعله كفراً أكبر وإلا لم يكن كفرياً، والضابط في معرفة السب اللغة والشرع فإن لم يكن فالمرجع فيه عرف الناس.



قال ابن تيمية في الصارم المسلول( 3/1009 ): " وإذا لم يكن للسب حد معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس، فما كان في العرف سباً للنبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي يجب أن ينزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا فلا ".

يوسف التازي
17-01-15, 01:25 PM
إتحاف الأفهام بشرح نواقض الإسلام



لا يخفاك أخي المبارك ما للعقيدة من شأن، ويزداد الاهتمام بها حين نرى بعض معالمها يندرس في القلوب وهي لا تشعر لاسيما في زماننا الذي عمَّت به البلوى فظن كثير من الناس أن لا شرك في هذه الأمة، وإذا وجدوا شركاً أو خللاً في العقيدة التمسوا له مخارجَ وتأويلاتٍ تجعله حقاً لاشيء فيه - والله المستعان - وفي هذا يقول عمر - رضي الله عنه : "إنما ينقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية" ويقول ابن القيم - رحمة الله تعالى عليه - بعد نقله لهذا : "فإن الشرك الجديد بعينه هو القديم، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوح وفي قوم قد خلوا من قبل، ولم يُعقبوا وارثاً ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم" [انظر مدارج السالكين 1/342].




إليك - صاحب العقيدة - هذه الورقات، عرضت فيها مسائل متفرقات، في كل واحد من هذه النواقض المهلكات، أسميتها (إتحاف الأفهام بشرح نواقض الإسلام) مستعيناً بربي جل شأنه في تمام الإيضاح والتبيين، وأسأله السداد والهداية لي ولك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




كتبه / عبد الله بن حمود الفريح

الحدود الشمالية - رفحاء

http://www.alukah.net/web/alferieh/0/73268/

يوسف التازي
17-01-15, 01:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فاعلم أيها المسلم أن الله سبحانه أوجب على جميع العباد الدخول في الإسلام والتمسك به والحذر مما يخالفه، وبعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى ذلك، وأخبر عز وجل أن من اتبعه فقد اهتدى، ومن أعرض عنه فقد ضل، وحذر في آيات كثيرات من أسباب الردة، وسائر أنواع الشرك والكفر، وذكر العلماء رحمهم الله في باب حكم المرتد أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله، ويكون بها خارجا من الإسلام، ومن أخطرها وأكثرها وقوعا عشرة نواقض ذكرها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أهل العلم رحمهم الله جميعا، ونذكرها لك فيما يلي على سبيل الإيجاز؛ لتحذرها وتحذر منها غيرك، رجاء السلامة والعافية منها، مع توضيحات قليلة نذكرها بعدها:
الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[1]، وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[2]، ومن ذلك دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر والذبح لهم كمن يذبح للجن أو للقبر.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعا.
الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه - فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به فقد كفر؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ[3].
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ[4].
السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ[5].
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[6].
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام - فهو كافر؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[7].
العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ[8].
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا.
فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. انتهى كلامه رحمه الله.
ويدخل في القسم الرابع: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سببا في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه، دون أن يتدخل في شئون الحياة الأخرى، ويدخل في الرابع أيضا من يرى أن إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعا، وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ كالزنا، نروالخمر، والربا، والحكم بغير شريعة الله - فهو كافر بإجماع المسلمين.
ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يرضيه، وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

يوسف التازي
17-01-15, 01:32 PM
شروح نواقض الاسلام

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=69775

يوسف التازي
17-01-15, 01:35 PM
إن الشرك لظلم عظيم


إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



أما بعد، ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ ï´¾ [النساء: 1] ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ï´¾ [آل عمران: 102] ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا ï´¾ [الأحزاب: 70].



أيها المؤمنون!

إدراك المخاطر من أقوى سبل توقيّها، وذاك من سمات استواء العقل ونضجه؛ إذ دفع الخطر أهون من رفعه، والعاقل من توقّى الشر قبل حلوله.

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيّه ومن لا يعرف الشر من الشر يقع فيه



قال حذيفة - رضي الله عنه -: " كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي " رواه البخاري ومسلم. ويقول عمر - رضي الله عنه -: " إنما تنقض عرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية "، وقال شيخ الإسلام: " مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا الْخَيْرَ فَقَدْ يَأْتِيهِ الشَّرُّ فَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ شَرٌّ، فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُنْكِرَهُ كَمَا أَنْكَرَهُ الَّذِي عَرَفَهُ "، وقال ابن القيم مبيناً فضل الصحابة - رضي الله عنهم - وحسن فهمهم للدين: " فَإِنَّهُم نشأوا في سَبِيل الظلال وَالْكفْر والشرك والسبل الموصلة إِلَى الْهَلَاك وعرفوها مفصّلة، ثمَّ جَاءَهُم الرَّسُول فَأخْرجهُمْ من تِلْكَ الظُّلُمَات إِلَى سَبِيل الْهدى وصراط الله الْمُسْتَقيم؛ فَخَرجُوا من الظلمَة الشَّدِيدَة إِلَى النُّور التَّام، وَمن الشّرك إِلَى التَّوْحِيد، وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم، وَمن الغي إِلَى الرشاد وَمن الظُّلم إِلَى الْعدْل، وَمن الْحيرَة والعمى إِلَى الْهدى والبصائر؛ فعرفوا مِقْدَار مَا نالوه وظفروا بِهِ، وَمِقْدَار مَا كَانُوا فِيهِ؛ فَإِن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ، وَإِنَّمَا تتبين الْأَشْيَاء بأضدادها؛ فازدادوا رَغْبَة ومحبة فِيمَا انتقلوا إِلَيْهِ، ونفرةً وبغضاً لما انتقلوا عَنهُ، وَكَانُوا أحب النَّاس فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام، وَأبْغض النَّاس فِي ضِدّه عَالمين بالسبيل على التَّفْصِيل. وَأما من جَاءَ بعد الصَّحَابَة: فَمنهمْ من نَشأ فِي الْإِسْلَام غير عَالم تَفْصِيل ضِدّه؛ فَالْتبسَ عَلَيْهِ بعض تفاصيل سَبِيل الْمُؤمنِينَ بسبيل الْمُجْرمين؛ فَإِن اللّبْس إِنَّمَا يَقع إِذا ضعف الْعلم بالسبيلين أَو أَحدهمَا ". وتزداد أهمية العلم بالخطر بازدياد درجة خطره؛ فمن الأخطار ما يؤذي، ومنها ما يهلك. فإن سألت عن أخطر خطر في الوجود؛ مما يوبق دنيا العبد وآخرته، ويُحِط نزلَه دون نُزل البهائم الراتعة؛ فذاك هو الشرك بالله الذي فيه صرف العبادة كالدعاء والذبح والحكم لغير الله - تعالى - أو يُشرَك فيها معه غيرُه، يقول أبو الدرداء – رضي الله عنه -: " الشرك قتل، والمعاصي جراحات ".



أيها المسلمون!

إن الشرك شؤم يفتك لظاهه بالفرد والمجتمع؛ فهو أعظم ذنب عصي الله به، فقد سأل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وقد خلقك " رواه البخاري. والشرك ذنب لا يغفر، ï´؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ï´¾؛ فهو مانع من الجنة وموجب لخلود النار، ï´؟ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ï´¾ [المائدة: 72]. والشرك أعظم المظالم، ï´؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ï´¾ [لقمان: 13]. والشرك ضلال بعيد، ï´؟ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ï´¾ [النساء: 116]. والشرك افتراء مبين، ï´؟ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ï´¾. والشرك محبط للعمل وموجب لخسار صاحبه كائناً من كان، ï´؟ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [الزمر: 65]. والشرك سبب لتخلي المولى عن العبد وإسلامه لعدوٍ لا يرحمه، ï´؟ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ï´¾ [الحج: 31]. والشرك نجاسة تدنّس من تلطخ بوضرها، ï´؟ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ï´¾ [التوبة: 28]. والشرك سبب لاختلال التصور واستجلاب الخرافة وارتعاب القلب، قال الله - تعالى -: ï´؟ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ï´¾ [آل عمران: 151]. وانتشار الشرك مؤذن بالخراب، قال رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ " رواه مسلم.



ويزيد في خطر الشرك دقة المسارب المفضية إليه، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل " رواه أحمد وحسنه الألباني لغيره. ومما يزيد خطرَه كثرة الواقعين فيه، كما قال الخليل - عليه السلام -: ï´؟ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ï´¾ [إبراهيم: 36]. وذاك ما جلب خوف الراسخين؛ فهذا خليل الرحمن يسأل ربه النجاءَ له ولبنيه من عبادة الأصنام، ï´؟ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ï´¾ [إبراهيم: 35]، قال إبراهيم التيمي: " ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم "، وقال: " مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا "، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ "، وقال الحَسَنُ عن النفاق: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلاَ أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ "، وبوّب البخاري في صحيحه: " بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ ".



عباد الله!

لِمَ كان هذا التشديد في شأن الشرك والفظاعة في عقباه؟ إنما كان ذلك؛ لاشتمال الشرك على أقبح القبائح وأظلم المظالم؛ فالشرك تنقّص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدول به بالمخلوق الضعيف، كما أنه مناقض لمقصود الخلق؛ فحقيقته معاندة للخالق، واستكبار عن طاعته والذل له والانقياد لأمره، وتشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الألوهية: من مُلك الضر والنفع، والعطاء والمنع؛ فجَعَل من لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً شبيهاً بمن له الحمد كله والخلق كله والملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله.



الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.



أيها الإخوة في الله!

إن أحق ما أولاه المرء همته تبصّرُ سبل الوقاية من براثن الشرك وحبائله، ومن أجل سبل تلك الوقاية: الخوف منه والحذر؛ فمن خاف سلم، وقد كان هذا منهج الأنبياء وأهل العلم الراسخين؛ فلعمر الله! إن ذلك الخوف أوجب على المرء من خوف الضعيف الأعزل سَبُعاً ضامراً مجموعاً معه في قفصٍ محكمِ الغلق؛ إذ فناء الدنيا غاية فتك ذاك السبع، وبفتك الشرك خراب الدنيا والآخرة. ومن يأمن الشرك بعد إمام الحنفاء؟! وذلك الخوف موجب لتعلم التوحيد وتعاهد معاقده في معترك الحياة بحلوها ومرِّها؛ فالتوحيد نور يبدد حنادس الشرك وشبهه، كما قال الله - تعالى -: ï´؟ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ï´¾ [الأنعام: 122]. ونشر التوحيد وبيان نواقضه ونواقصه في حياة الناس والتنويع في عرض ذلك باختيار الوسيلة الأسهل فهماً والأجذب تابعاً من أجلّ سبل سلامة المجتمع من الشرك. والدعاء بالسلامة من الشرك من جوادّ العافية منه، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: "يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ "، قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ" رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.



عباد الله!

ومن أهم سبل الوقاية من الشرك معرفة وسائله المفضية إليه؛ لتجتنب، سواء كانت أقوالاً أم أفعالاً، كالحلف بغير الله من غير تعظيم، وعطف مشيئته على مشيئة المخلوق، والبناء على القبور والكتابة عليها، وتعليق التمائم والحروز، والتشاؤم، وقراءة الأبراج، ومشاهدة قنوات السحر والشعوذة وإن لم تُصدَّق، ويسير الرياء، والغلو في الصالحين. وعادة الأنام المطردة: أن الشيء كلما ازداد أهمية حسن الازدياد في حرزه والتوقي في وسائل هتكه، وهل ثمّ شيء أنفس من توحيد الله؟!



والبراءة من المشركين من أعظم أسباب التنائي عن الشرك؛ لبراءة الله ورسوله منهم كما أعلم بقوله: ï´؟ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ï´¾ [التوبة: 3]، وأصل البراءة البغض، كما أبداه الخليل وأتباعه المؤمنون لقومهم المشركين إذ قالوا: ï´؟ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ï´¾ [الممتحنة: 4]. ومن لوازم تلك البراءة عدم مناصرتهم على المسلمين، وتركُ التشبه بهم فيما هو من خصائصهم وإن كان لباساً أو عادة، وحرمةُ الإقامة في دارهم إن كان المسلم عاجزاً عن إظهار شعائر دينه وقدر على الهجرة. وإنما كانت البراءة؛ لئلا يذوب توحيد المسلم؛ إذ بكثرة الإمساس بَلَدُ الإحساس، وبالمخالطة تقلُّ النفرة. غير أن ذلك لا يعني الاعتداء والظلم؛ فالذي أوجب البراءة من المشركين هو الذي أمر بالعدل معهم وحرّم ظلمهم. وبتلك السبل ينجو المؤمن سالماً من حبائل الشرك وفخاخه وذرائعه.

يوسف التازي
17-01-15, 01:38 PM
في التحذير من الشرك والتطيُّر



الحمدُ لله نحمَدُه، ونستَعِينه ونستَهدِيه، ونستَغفِره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى لله عليه وعلى آله وصحابته وسلَّم تسليمًا كثيرًا.



أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، اتَّقوا الله -تعالى- واحذَرُوا من الشرك بالله، والوقوع في معاصي الله، واعلَموا أنَّ الله - سبحانه وتعالى - هو الخالق الرازق، وهو النافع الضار، وأنَّ نسبةَ شيءٍ من ذلك للحوادث شركٌ، لا يجوز اعتقادُه، بل الله - سبحانه وتعالى - هو خالق الأسباب ومسبباتها، وما أصاب العبد من خيرٍ فمن الله، وما أصابه من شر فمن نفسه؛ قال - سبحانه وتعالى -: ï´؟ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ï´¾ [النساء: 79].



فالمصائب والعقوبات بسبب الذنوب والمعاصي، وقد يعتقد بعضُ الجهَّال أنَّ لبعض الأزمان والنجوم تأثيرًا فيما يقَع من خير أو شر، وذلك شِركٌ ينبغي الحذَر منه، وأنَّ ما يحصل هو بقضاء الله وقدَرِه، ولا يجوزُ التشاؤم بالأزمان - كما يعتقده بعض الجهال - في شهر صفر، وما يعتقده البعض أنَّ العدوى تنتقل وتضرُّ بنفسها، وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا الاعتقاد؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: ((لا عدوى، ولا هامةَ، ولا صَفَرَ))، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فمَن أعدى الأول؟))[1].



وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراضٍ كثيرة منها الجرب؛ ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((فمَن أعدى الأول؟))؛ أي: إنَّ الأول لم يجرب بالعدوى، بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.



وفي حديثٍ عن زيد بن خالد - رضي الله عنه - قال: صلَّى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماءٍ كانت من الليل، فلمَّا انصَرَف أقبَلَ على الناس، فقال: ((هل تدرون ما قال ربُّكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر؛ فأمَّا مَن قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب))[2].



فيا عباد الله:

اتَّقوا الله، واحذَروا من الشرك وأسبابه، واعلَموا أنَّ الله هو خالق الأشياء ومُقدِّرها، وهو النافع الضار، وأنَّ كلَّ زمان شغَلَه العبد بطاعة الله فهو زمان خير وبركة عليه، وأنَّ الشؤم في الحقيقة هو معصية الله والالتفات إلى غير الله، فإنَّ المعاصي شر وفساد على مَن قارَفَها، وعلى مَن قاربها وخالَط أهلها، وضررها يعمُّ - خصوصًا إذا لم تُنكَر - فإذا كثُر الخبث، وظهرت المعاصي، وتساكَت الناس، وحصلت المداهنة - عمَّت المصيبة - نسأل الله السلامة - كما إنَّه يتعيَّن البُعد عن أماكن المعاصي؛ خشية نزول العذاب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه لما مرَّ على دِيار ثمود بالحجر: ((لا تدخُلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أنْ تكونوا باكين؛ خشية أنْ يصيبكم ما أصابهم))[3] أو كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم.



فيا عباد الله:

إنَّه لا خيرَ إلا دلَّنا نبينا عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرَنا منه، فلا عُذرَ لأحدٍ في جهل أمور دِينه - خصوصًا العقيدة التي هي الأصل – فلا بُدَّ للعبد من أنْ يتعلم أمور دِينه؛ لتسلَمَ عقيدته من الشرك، وأعماله من النقص والخلل، ولا يكن همُّه تعلُّم أمور دُنياه والحِرص على إتقانها وهو في ذلك مضيع لأمور دينه، فلا خير في دنيا بلا دِين، ولا فائدة في عمل مع الشرك، فاحذَرُوا يا عباد الله من الإهمال والتفريط في تعلُّم أمور دينكم.



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

قال الله العظيم: ï´؟ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ï´¾ [الأعراف: 130-131].



بارَك الله لي ولكم في القُرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتابَ عليَّ وعليكم، إنَّه هو التوَّاب الرحيم.




أقول هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفِروه، إنَّه هو الغفور الرحيم.

يوسف التازي
17-01-15, 01:41 PM
الشرك ضلال وتِيهٌ
الوصية الأولى: الإيمان بالله تعالى وعدم الشرك به (5)
ذلكم وصاكم به ( الوصايا العشر )



لا يوجد أضلُّ من المشرك؛ فهو ضائع تائه مضطرب التفكير، لا يستقرُّ على حال، وتراه في الأمورِ المهمة لا يستطيعُ أن يقطع فيها برأي صائب، يتصرَّفُ بوَحْي من شيطانه، فيزداد عمًى وتيهًا، يقف عاجزًا في النقاش الفكري، فيشعُرُ بفشلِه وضعفه؛ لذلك يجد أسرعَ وسيلة للتخلص من هذا النقاش والظُّهورِ بمظهر المنتصر: أن يأمرَ بقتلِ خصومه، والتخلص منهم؛ قال الله تعالى: ï´؟ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأنعام: 125].



وهذا مُشاهَد فيما مر من سِير الطُّغاة؛ فقد استحوذ عليهم الشيطان، وملَكهم، وسيَّرهم لخدمته، وهم الذين نفذ فيهم وعيده، فسخَّرهم للضلال، وملَك عليهم لُبَّهم وسَمْعَهم وبصرهم، فما عادوا يستطيعون منه فَكاكًا، إنما الفَكاك من الشيطان للذي يلجأ إلى اللهِ، ويستعيذُ به منه، أما هم فقد لجَؤوا إلى الشيطان، واعتصموا به؛ فسخَّرهم الشيطان لمآربِه، ورمى بهم بني جِلْدتِهم من البشر، فطغَوْا وافترَوْا وأتَوْا بكل قبيح ومنكَرٍ، وأعظمُ من هذا كلِّه، كفَروا بالله، وألْهَوا أنفسَهم أو شياطينهم؛ قال الله تعالى يبيِّنُ شدة أَسْرِ الشيطان لأتباعه: ï´؟ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ï´¾ [الحج: 3]، وهؤلاء الذين ينساقون وراء الشيطان، إنما هم من ضِعافِ الإيمان الذين مرِضَتْ قلوبُهم؛ قال الله تعالى: ï´؟ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ï´¾ [الحج: 53]، فمِثْل هؤلاء استحوذ عليهم الشيطانُ، وسيطَر عليهم سيطرةً كاملة لا انفكاكَ منها؛ لأن قلوبَهم قَسَتْ وماتت؛ قال الله تعالى: ï´؟ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ï´¾ [المجادلة: 19]، وهؤلاء الذين تعلَّقوا بالشياطين أصبَحوا خانعين لأن يستغلَّهم الشيطانُ أشدَّ الاستغلال، ويسخِّرَهم ليل نهار؛ ليؤدوا مهمتهم، فلا يعطيهم راحة، ولا يقيم لهم هدنة، إنما دأبُه استمرارُ أتباعِه في الإغواء والإضلال؛ قال الله تعالى: ï´؟ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ï´¾ [الأنعام: 121]، والطامَّةُ الكبرى أن يستسلمَ الإنسانُ للشيطان، ثم يرى نفسَه أنه محقٌّ، أو أن تصرفاتِه كلَّها صوابٌ، وأن غيره مخطئ، فبهذا الاستسلام يكون قد سلَّم نفسَه للشيطان دون أدنى اعتراضٍ، وأصبَح يتصرَّفُ بوَحْي منه، فلا يعترض على الخطأ مهما كان، بل يراه صوابًا، وقد وصَف الله هذا الصِّنف فقال: ï´؟ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ï´¾ [الأعراف: 30].

يوسف التازي
17-01-15, 01:45 PM
حقيقة التوحيد وبيان صور من الشرك



الحمدلله الذي خلق الجن والإنس ليعبدوه ورزقهم من الطيبات ليعرفوا نعمته فيشكروه أحمده سبحانه علم أن لن تحصوه، فتاب عليكم فتوبوا إليه واستغفروه، وأشهد أن لا إله إلا الله، الذي أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، فامتثلوا أمره ووحدوه وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث بأن يوحد الله وتكسر الأوثان، وقد صار الدين كله لله ولو كره الكافرون والمشركون، فتحقق وعد الله تعالى في محكم القرآن وهكذا تكون العاقبة لمن وحد الله تعالى في كل زمان ومكان لمن عمل بالقرآن وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والبيان صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنـزل معه أولئك المفلحون.



أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وتذكروا أنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سُداً، وإنما خلقتم لمهمة عظيمة ووظيفة هي أن تعبدوا الله تعالى بما شرع وتتبعوا نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم المرسل ليطاع ويتبع، فمن عبد الله تعالى بما شرعه، واستجاب لنبيه صلى الله عليه وسلم واتبعه، كان أهلاً أن يكون مع المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ومن جحد وكفر أصلاه الله سقر، وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر، عليها ملائكة غلاظ شداد عدتهم تسعة عشر.



عباد الله:

إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وإن حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فمن أدى حق الله عليه نال الثواب ونجى من العقاب ومن أشرك بالله العظيم فقد أعرض عن كريم الثواب، وتعرض لأليم العذاب فآمنوا بالله تفلحوا، ووحدوه تربحوا ولا تشركوا فتخسروا فإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.



أما الإسلام:

إن الشرك من الشركة وهي أن يكون الشيء مخالطاً بين شخصين لهذا منه شرك ولذاك فيه شرك وفي الشرع هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله وهو الله الذي أردى أهله في الجحيم قالوا وهم مختصمون ï´؟ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الشعراء: 97، 98] فتوحيد الله تعالى أن يفرد في حقه، وأن لا يجعل له شريك فيه من أحد من خلقه، إن الشرك لظلم عظيم، إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد إفترى إثماً، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً، ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.



أمة الإسلام:

إن الشرك له صور وكلها إثم وضلال، وظلم وجور كبيرها مهلك، وصغيرها مدرك ومن وقع في شيء منها فهو مشرك والمشرك داخل تحت طائلة الوعيد وأخذ بسبب العذاب الشديد فقد ظلم وما ظلمه الله وما ربك بظلام للعبيد، ولكن المشرك ظالم عنيد كفار جحود.



أمة الإسلام:

من سجد لغير الله أو ذبح لغير الله أو دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو خاف مخلوقاً «بقلبه» خوفه من الله أو عظمه تعظيمه الله أو اتبعه أو وافقه مختاراً في تغييره لحكم الله فقد ارتكب الشرك الأكبر المحبط للعمل المخرج من دين الله عز وجل والذي لا يغفر الله تعالى لمن مات ولا تناله من الله رحمة بل هو في العذاب خالداً فيه.



أمة الإسلام:

ومن كان يصلي تارة ويترك أخرى ويصلي الصلاة مختاراً في غير وقتها الذي شرعه المولى وهكذا من يأخذ العرض المحرم من هذا الأدنى، ويقول سيغفر لنا، وهكذا مرتكب كبائر الذنوب عن علم واختيار فهو عبد للهوى، اتخذ إلهه هواه فذلك نوع خفي من الشرك بالله قال تعالى ï´؟ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ï´¾[1].



أمة الإسلام:

ومن صور الشرك الحلف بغير الله وقول لولا الله وفلان أو إضافة نعمة الله تعالى إلى الإنسان أو سببه والمراد بالعمل الشرعي أو التسميع به الحديث عن العمل السابق أو تحسين الصوت من أجل المخلوق بالعلم الحاضر أو اللاحق ومثله إرادة الإنسان بعمله الدنيا أو المنـزلة عند الناس أو أدنى فكل ذلك شرك برب العالمين وخسران لثواب العمل يوم الدين، وفضيحة لأهله على رؤوس الخلائق أجمعين لأنه محبط للعمل، مغضب لله عز وجل مبطل للثواب، معرض لشديد العقاب ويتوب الله تعالى على من تاب، ومن ندم على ما مضى منه كان ندمه حسنات متجددة كما جاء في محكم الكتاب ï´؟ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ï´¾[2].

يوسف التازي
17-01-15, 01:55 PM
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتقوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتقوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}؛ ]النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71 -72].

أما بعد فيا أيها الناس:
اتقوا الله - سبحانه وتعالى - حق التقوى، اتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله، يوم يُنفخ في الصور، ويُبعث من في القبور، ويُظهر المستور، يوم تُبلى السرائر، وتُكشف الضمائر، ويتميز البرُّ من الفاجر.

عباد الله:
يقول الله - تعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].

معاشر المسلمين:
التوحيد أول شيء بدأت به الرسل أقوامها، فما من نبي أُرسل لقومه إلا قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله): هي الأصل الأصيل الذي أَرسل الله به رسلَه، وأنزل به كتبه، وشرع لأجله شرائعه، من أجلها نُصِبت الموازين، ووُضِعَت الدواوين، وانقسمت الخليقة إلى مؤمنين أتقياء، وفجار أشقياء، وقامت سوق الجنة والنار.

أخذ الله بها الميثاق على الناس يوم خلقهم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأشهدهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172].

إنها كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة التقوى والإخلاص، والعروة الوثقى الباقية، والعهد والأساس، والمفتاح الذي يُدخَل به في الدين، وبها تكون النجاة من الكفر والنار، من قالها عُصِم دمه وماله، وحسابه على الله - تعالى - فإن كان مؤمناً بها من قبله نجا من النار في الآخرة، ودخل الجنة؛ ((فإن الله قد حرَّم على النار مَنْ قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله))؛ متفقٌ عليه.

وهي الركن الحصين الذي تبدأ به المسيرة مع الله، قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن معلماً ومرشداً وحاكماً: ((إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، فتردُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ))؛ متفقٌ عليه.

عباد الله:
لا يستقيم بناءٌ على غير أساس، ولا فرعٌ على غير أصل، والأصل والأساس لهذا الدين هو كلمة التوحيد الخالدة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
قال سعيد بن جُبيْر والضحَّاك في قول الله - تعالى -: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]. قالا: "هي كلمة التوحيد".

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله - تعالى -: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} [مريم: 87]. قال: "العهدُ: هو شهادة أن لا إله إلا الله، والبراء من الحول والقوة إلا بالله، وألا ترجو إلا الله - عزَّ وجلَّ".
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له))؛ رواه مالك في "الموطأ".

وعند ابن حبان، والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قال موسى - عليه السلام -: يا ربّ، علمني شيئاً أذكركَ به. قال: يا موسى، قلُ: لا إله إلا الله. قال: يارب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفَّة، ولا إله إلا الله في كفَّة، مالت بهنَّ لا إله إلا الله".

عباد الله:
على كلمة التوحيد الجليلة بنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته، وربَّى أمته، وأنشأ جيلاً موحِّداً يعبد الله - تعالى - حقَّ العبادة، ويتبرَّأ من كلِّ شريكٍ مزعوم ووثنٍ معبود. ولقد كان الجاهليون قبل البَعثة في ضلال وجهل عميق، يتخبَّطون في فوضى التديُّن، وأوحال الخرافة، اتخذوا لأنفسهم معبودات مزيفة، وأصناماً هامدةً من حجر وطين، وتمر وعجين، يقصدونها في الرخاء، وينبذونها في الشدَّة، يتوجَّه إليها عابدها، حتى إذا جاع أكلها! وإذا ادلهمَّ به خَطْبٌ أو أصابه ضرٌّ، لم يَرَ إلا سراباً لامعاً، وتراباً هامداً؛ {واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَراًّ وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان: 3].

ولكنَّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حين جدَّد الملَّة الحنيفيَّة السمحة، وصَدَعَ بكلمة التوحيد الخالص؛ أبطل كلَّ هذه الفوضى، وهو مَنْ يدعو الناس جميعاً إلى التوحيد قائلاً: ((أريدهم على كلمة واحدة، تَدِينُ لهم بها العرب، وتؤدِّي العَجَمُ إليهم الجزية؛ لا إله إلا الله))؛ رواه الترمذي وحسَّنه، وأحمد.
ولم يزل على ذلك حتى اقتلع جذور الوثنية من نفوس القوم، وقام بعضهم يردِّد:

أَرَبٌّ واحِدٌ أَمْ أَلفُ رَبٍّ أَدِينُ إليه إذا تَقَاسَمتِ الأُمُورُ
تَرَكْتُ اللاتَ والعُزَّى جَمِيعاً كذلك يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ

وأجلُّ من ذلك وأعظم؛ قول الحق - سبحانه وتعالى -: {أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ} [يوسف: 39].
بل لقد جاء القرآن كله لبيان معنى شهادة التوحيد، وما تقتضيه، وما يناقضها.

عباد الله:
إن هذه الكلمة العظيمة ليست كلمةً مجرَّدةً تقال باللسان فقط، دون أن يكون لها أثرٌ في الجوارح والأعمال والسلوك؛ بل هي كلمة عظيمة الدلالة، واسعة المعنى، كبيرة المقتضَى، ذات شروط وأركان وآداب وأحكام؛ إذ تعني هذه الكلمة نفي الألوهية عمَّا سوى الله - عزَّ وجلَّ - من سائر المخلوقات، فلا عبادة لأصنام وأضرحة وأشجار، ولا طواف بقبور وأولياء ومزارات، ولا طاعة لمخلوق - كائناً من كان - في معصية الخالق – سبحانه.
كما تعني هذه الكلمة إثبات الألوهية لله بالبراءة من الشرك وأهله، وإخلاص العبادة لله، وخلوص القلب من التعلق بغير الله وحده.

إنها تعني: إفراد الله - تعالى - بالعبادة، والحب، والإجلال، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والإنابة، والرهبة، فلا يُحَب غير الله، ولا يُخاف سواه، ولا يُرجى غيره، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُرغب إلا إليه، ولا يُرهب إلا منه، ولا يُحلف إلا باسمه، ولا يُتاب إلا إليه، ولا يُطاع إلا أمره، ولا يُسجد إلا له، ولا يُستعان عند الشدائد إلا به، ولا يُلجأ عند المضائق إلا إليه، ولا يُذبح إلا له وباسمه، لا تصديق لساحر، ولا ذهاب لكاهن، ولا طاعة لعرَّاف ومشعوذ، يزعم أنه يعلم الغيب، ويدفع الضرَّ، ويجلب النفع؛ {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]. {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].
إذ معنى الكفر بالطاغوت: خلع الأنداد والآلهة التي تُدعى من دون الله من القلب، وترك الشرك بها، وبغضه وعدوانه.

ومعنى الإيمان بالله: إفراده بالعبادة التي تتضمن غاية الحب مع غاية الذل والانقياد لأمره، وهذا هو الإيمان بالله، المستلزِم للإيمان بالرسل - عليم الصلاة والسلام - المستلزِم للإخلاص لله في العبودية. فمعنى لا إله إلا الله: الإقرار بها علماً ونطقاً وعملاً.

وإن من الفهم السقيم يا عباد الله أن تفهم كلمة التوحيد على أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا هو في معزل عن توحيد العبادة، فإن هذا هو الفهم الذي أقر به الكفار والمشركون في عصر النبوة، فلم يغن عنهم شيئاً؛ {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السماوات وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61].

ولقد كان المشركون - على جهلهم وضلالهم - يدركون المعنى العظيم لهذه الكلمة، ولكن الله - تعالى - لم يُرِدْ بهم خيراً؛ إذ لو أراد الله بهم خيراً لأسمعهم، ولكن حكمته - تعالى - اقتضت أن يكفروا برسوله ويعادوا أولياءه؛ {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} [النمل: 14]. وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} [ص: 5 -7].

وعلى شاكلتهم المنافقون، الذين تلهث ألسنتهم بهذه الكلمة في مجامع المسلمين، وعباداتهم، وغزواتهم، ولكن قلوبهم مشربة بنقيضها؛ وهو الكفر والجحود والعصيان، فصاروا في الدَّرَك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً؛ {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16].

فأين هذا المعنى الناصع لكلمة التوحيد الجليلة من أحوال كثير من المسلمين الذين طال عليهم الأمد، وغاب عنهم الوحي، فاندثرت عندهم معالم الحنيفية السمحة، وسرت فيهم شوائب الشرك، وتنازعتهم الشهوات الفاسدة التي لوثت عقيدة التوحيد الخالص في قلوبهم، وكدَّرت صفاء العقيدة المشرق في نفوسهم، فصرفوا أنواعاً من العبادة لغير الله، وألقوا زمام أعِنَّتهم إلى الشيطان، يقودهم - في مناسبة وغير مناسبة - إلى أضرحة الموتى، يطلبون المَدَدَ من الأولياء والصالحين، ويذبحون للقبور، ويصدِّقون السحرة، ويلهثون وراء المشعوذين والكهنة، مستصرخين بهم، يرجون منهم كشف الضُّرِّ، وجلب النفع، وشفاء المرضى، ورد الغوائب، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

بل أين هذا المعنى الناصع لكلمة التوحيد - كما أراده الله - ممن ضيعوا مقتضياتها، لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، ثم يطمعون بعد ذلك في أن يدخلوا الجنة، ويكرموا بما فيها من النعيم المقيم، ويزحزحوا عن النار.
قيل للحسن البصري - رحمه الله -: إن أناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: "من قال لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة".

أيها المسلمون:
لقد ضلَّ كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام الطريقَ، وأساؤوا العمل، تعلَّق المؤمنون بربٍّ خالقٍ مدبِّرٍ، إلهٍ واحدٍ، ينفع ويضر، ويثيب ويعاقب، وتعلقوا هم بعظام فانية، وأشلاء بالية، وقبور خاوية، ومخلوقات ضعيفة، لو كانت تملك شيئاً ما لبث أصحابها في التراب، وتعرضوا لصنوف الأذى والدمار.
وقف المسلمون بين يدي إله كريم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، يرفعون أَكُفَّ الضراعة إليه، ويطوفون ببيته، يرجون رحمته ويخشون عذابه، ووقف أولئك التائهون أمام أوثان جامدة، وطافوا حول أضرحة خاوية، لا تعرف مَنْ عبدها ممَّن لم يعبدها؛ بل لا تعدو أن تكون هشيماً تذروه الرياح، وتراباً يملأ العيون قذى.

فهل يستوي - يا عباد الله - من تتوزَّعه الأهواء، وتتنازعه الشهوات، لا يدري أين يتوجَّه، ولا لمن يكون له الرضا والخضوع، مع مَنْ خضع للواحد الفرد الصمد - سبحانه وتعالى - فنعِم ببرد اليقين، وراحة الاستقامة، ووضوح الطريق؟!
الحمد لله؛ بل أكثرهم لا يعلمون.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله - تعالى – فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا أن التصديق بكلمة التوحيد يجعل المسلم ينفي أربعة أمور، ويثبت أربعة أخرى؛ فينفي الآلهة والطواغيت، والأنداد، والأرباب.

والآلهة: هي ما قُصد بشيء من العبادة من دون الله، من جلب خير، أو دفع ضرّ.
والطواغيتُ: هي من عُبِدَ وهو راضٍ، أو رُشِّح للعبادة.
والأنداد: هو ما جذبك عن دين الإسلام: من أهل أو مسكن أو عشيرة أو مال.
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحقِّ، فأطعته؛ قال - تعالى -: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا

يوسف التازي
17-01-15, 01:57 PM
وأما الأمور التي يثبتها: فهي قصد الله - تعالى - بالعبادة، وتعظيمه، ومحبته، وخوفه والرجاء له.
وقد ذكر أهل العلم شروطاً سبعة لكلمة التوحيد، لا تنفع صاحبها إلا باجتماعها فيه، جمعها الناظم في قوله:

عِلْمٌ، يَقِينٌ، وصِدْقُكَ مَعَ مَحَبَةٍ، وانْقِيادٍ، والقَبُولِ لها
وزِيدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا سِوَى الإِلَهِ مِنْ الأَوْثَانِ قَدْ أُلِّهَا

فأول هذه الشروط: العلم بمعناها المراد منها؛ وهو عبادة الله وحده، والبراءة من عبادة من سواه، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة))؛ رواه مسلم.

وثانيها: اليقين المنافي للشك؛ بأن يكون قائلها مستيقناً بمدلولها يقيناً جازماً؛ لقول الحق - سبحانه وتعالى -: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة))؛ رواه مسلم.
قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في "شرحه" على صحيح مسلم: "باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين؛ بل لابد من استيقان القلب، وهذه الترجمة تنبيهٌ على فساد مذهب غُلاة المرجئة، القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، والأحاديث تدل على فساده؛ بل هو معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها؛ ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعاً".

والشرط الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه.
والشرط الرابع: الانقياد التام لما دلَّت عليه؛ {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [لقمان: 22].
وقال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به))؛ رواه الطبراني وأبو نعيم، وصحَّحه النووي.

والخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه، يواطئ قلبُه لسانَه عليها، لا كما فعل المنافقون الذين قال الله - تعالى - عنهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 -9].
والسادس من شروطها: الإخلاص لله، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، مخلصاً من قلبه، يصدِّق بها لسانه، إلا فتق الله لها السماء فتقاً، حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحقٌّ لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سُؤْلَه))؛ رواه النَّسائي، وإسناده صحيحٌ.

وأما السابع من شروطها: فهو المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلَّت عليه، وكذا الحب لأهلها الملتزمين بشروطها، العاملين بها، وبُغْض ما يناقض ذلك، ولاءٌ وبراءٌ لله وفيه؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممَّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار))؛ متفقٌ عليه.

ومن علامة حب العبد لربه: تقديم محابِّه وإن خالفت هواه، وبغض ما يُبغضه الله وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداهما، واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - واقتفاء أثره، وقبول هَدْيِه.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

يوسف التازي
17-01-15, 02:04 PM
علم التوحيد



إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.



ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ï´¾ [آل عمران: 102] ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ï´¾ [النساء: 1].



ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ï´¾ [الأحزاب: 70-71][1].



أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.



علم التوحيد يبحث عما يجب لله من صفات الجلال والكمال، وما يستحيل عليه من كل ما لا يليق به، وما يجوز من الأفعال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم، وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء، والقدر والقضاء، وفائدته تصحيح العقيدة، والسلامة في العواقب، ونيل السعادة في الدارين[2].



إنَّ علم التوحيد أشرفُ العلوم، وأجلُّها قدرًا، وأوجبُها مطلبًا؛ لأنه العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وحقوقه على عباده، ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى، وأساس شرائعه.



ولذا؛ أجمعت الرسل على الدعوة إليه، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [سورة الأنبياء: 25]. وشهد لنفسه تعالى بالوحدانية، وشهد بها له ملائكته، وأهل العلم، قال الله تعالى: ï´؟ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [سورة آل عمران: 18].



ولما كان هذا شأن التوحيد؛ كان لزامًا على كل مسلم أن يعتني به تعلُّمًا، وتعليمًا، وتدبُّرًا، واعتقادًا؛ ليبني دينه على أساس سليم، واطمئنان، وتسليم، يسعدُ بثمراته، ونتائجه[3].



و(من الأسماء المعتبرة لعلم التوحيد عند أهل السنة والجماعة: العقيدة، والإيمان، والسنة، وأصول الدين، والشريعة، والفقه الأكبر).



(ومن خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة: التوقيفية؛ وتعني الاعتماد على الكتاب والسنة في تلقي العقيدة بفهم الصحابة، والتسليم لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تعرض لنصوص الوحيين بتحريف، أو تأويل، أو تعطيل، أو تكييف، أو تمثيل، واعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد، وسد باب الابتداع والإحداث في الدين).



و[أما أنواع أدلته المرضية فهي: صحائح المنقول، والإجماع المتلقى بالقبول، والعقل السليم، والفطرة السوية][4].



التوحيد في اللغة:

التوحيد لغة مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحداً.



[ووَحَّدَه تَوْحِيداً: جعَلَه وَاحِداً][5].



[والتَّوْحِيدُ: الإِيمانُ بِاللَّه وَحْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ.



[وَالله] الوَاحِدُ الأَوْحَدُ الأَحَدُ والمُتَوَحِّدُ ذُو الوَحْدَانِيَّةِ][6].



[وَفِي التَّهْذِيب: وأَما قولُ الناسِ تَوَحَّدَ الله بالأَمْرِ وتَفَرَّدَ، فإِنه وإِن كَانَ صَحِيحا فإِني لَا أُحِبّ أَن أَلْفِظَ بِهِ فِي صِفَةِ الله تَعَالَى فِي المَعْنَى إِلاَّ بِمَا وَصَفَ بِه نَفْسَه فِي التَّنْزِيلِ أَو فِي السُّنَّةِ، وَلم أَجِد المُتَوَحِّدَ فِي صِفَاتِه وَلَا المُتَفَرِّدَ، وإِنّمَا نَنْتَهِي فِي صِفَاته إِلى مَا وَصَفَ بِهِ نَفَسَه وَلَا نُجَاوِزُهُ إِلى غيرِه لمَجَازِه فِي العَرَبِيَّةِ][7].



[التَّوْحِيدُ تَوْحِيدَانِ: تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة، وتَوْحِيدُ الإِلاهيَّة.

فصاحِبُ تَوْحِيد الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَد قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوْقَ عَرْشِه يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِه وَحْدَه، فَلَا خالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْيِيَ وَلَا مُمِيتَ وَلَا مُدَبِّرَ لأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِراً وباطِناً غيرُه، فَمَا شاءَ كانَ، وَمَا لم يَشَأْ لم يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلاَّ بإِذْنِه، وَلَا يَجُوز حادِثٌ إِلا بِمَشِيئَتِه، وَلَا تَسْقُط وَرَقَةٌ إِلاَّ بِعِلْمِه، وَلَا يَعْزُب عَنهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذلك وَلَا أَكْبَرُ إِلاَّ وَقد أَحْصَاهَا عِلْمُه، وأَحاطتْ بهَا قُدْرَتُه، ونَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُه، واقْتَضَتْهَا حِكْمَتُه.

وأَمّا تَوْحِيدُ الإِلاهِيَّة، فَهُوَ أَن يُجْمِعَ هِمَّتَه وقَلْبَه وعَزْمَه وإِرادَتَه وحَرَكاتِه على أَداءِ حَقِّه، والقيامِ بِعُبُودِيَّتِه][8].





التوحيد في الاصطلاح:

التوحيد هو: [إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به][9].



أو [إفراد الله بما تفرد به، وبما أمر أن يفرد به؛ فنفرده في ملكه وأفعاله فلا رب سواه ولا شريك له، ونفرده في ألوهيته فلا يستحق العبادة إلا هو، ونفرده في أسمائه وصفاته فلا مثيل له في كماله ولا نظير له] [10].



أو [الاعتقاد والشهادة بأن الله سبحانه وتعالى منفرد بذاته وصفاته وربوبيته وإلهيته وعبادته لا شريك له في ذلك كله][11].



وعليه فيمكن تعريف التوحيد بأنه: إفراد الله بالربوبية، وماله من الأسماء والصفات، والإخلاص له في الألوهية والعبادة.



الدليل على التوحيد من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين:

دلَّت نصوص الكتاب والسنة على التوحيد، وأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في إلهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته.



وقد اجتمعت في قوله تعالى: ï´؟ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ï´¾ [مريم: 65].



وفي السنة النبوية الشريفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حديث معاذ: "لَمَّا بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ" [12]، فقد أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله عز وجل، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم.



وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يعذب ناس من أهل التوحيد في النار، حتى يكونوا فيها حمما، ثم تدركهم الرحمة، فيخرجون و يطرحون على أبواب الجنة، قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة" [13].



عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيراً قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حمماً، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، [ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فو الله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين]، فلما مات فعلوا ذلك به، [فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه]، فإذا هو [قائم] في قبضة الله، فقال الله عز وجل: يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك [وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم]، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيراً قطُّ إلا التوحيد] [14].



وجاء في قول الصحابي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: "فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّوْحِيدِ [لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ].



"وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال: قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا "وفي رواية: فتشرفنا" فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه قوله ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي تحمل قدحًا فيه ماء ومنديلًا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه إليها فقال: "يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا"، قلت: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته"[15].



وقال الامام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى: "والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء"[16].

يوسف التازي
17-01-15, 02:07 PM
الحمد لله له المَلِك، ï´؟ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [يوسف: 40]، ï´؟ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ï´¾ [الروم: 31 - 32].



وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ï´؟ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ï´¾ [يونس: 3 - 4].



وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، المخاطب بقول الحق: ï´؟ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ï´¾ [الزمر: 2 - 3].



صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه: ï´؟ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [الأعراف: 157].



أما بعد:

ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 21- 22].



ï´؟ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ï´¾ [العنكبوت: 17].



وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ï´؟ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ï´¾ [الحج: 78].



أيُّها المسلمون:

إن أساس الدِّين هو إخلاص القصد في الأقوال والأعمال، والدعوات والنفقات والأحوال لله رب العالمين؛ بأن يبتغي المرء بما يفعل أو يترك من هذه الأُمور وجهَ الله، ولا يلتفت قلبُه فيها إلى أحدٍ سواه كائنًا من كان، وفي أيِّ زمان أو مكان، فحقيقة التوحيد إفراد الله - تعالى - بالعبادة، وترْك الشِّرك به، والبراءة من الشِّرك وأهله، وهذا هو الدِّين الذي بعث الله به جميع المرسلين.



قال - تعالى -: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [الأنبياء: ظ¢ظ¥]، وقال - سبحانه -: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ï´¾ [النحل: ظ£ظ¦]، وأخبر - سبحانه - أن أولئك المرسلين خاطبوا أممَهم مبلِّغين وناصحين قائلين: ï´؟ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ï´¾ [الأعراف: ظ¦ظ¥].



فكلُّ الرسل إلى جميع الأُمم من العرب والعجم، بُعِثوا بدعوة الناس إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، ومعناها: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، وتحقيقها ألاَّ يعبد إلا الله، وأن يكفر بكل معبودٍ سواه، فلا إله إلا الله هي أساس الدين، وتحقيقها أوَّل واجب على المكلفين؛ فإنها كلمة الإِخلاص، وتحققها للمرء من النار خلاص، وهي الركن الأول للإِسلام، وعليها تبنى عبادة الأنام، فمن قالها عارفًا بمعناها، عاملاً بمقتضاها، فهو المقبول عند الله، ومن قالها وجهل معناها أو لم يعمل بمقتضاها، فإنه الخاسر الذي خسر دنياه وأخراه.



أيها المسلمون:

إن هذه الكلمة هي أصل الدين، والفُرقان بين المؤمنين الموحِّدين والكافرين المشركين، وهي كلمة التقوى، والعروة الوُثقى، والشجرة الطيِّبة التي أصلها ثابتٌ في القلوب وفرعُها في السماء، تؤتي أُكُلها من الكلم الطيب والعمل الصالح كلَّ حين بإذن ربها، فهنيئًا لِمَن ثبَّتها الله في قلبه، وذلَّل بها لسانه، واستعمل بها جوارحه وأركانه، فصلَحتْ بها سريرتُه، وجملتْ بها سِيرته، فسُدِّدت بها أقواله، وحسُنت بها أحواله؛ إذ زيَّنه الله بزينة التقوى، وثبَّته على الاستمساك بالعروة الوثقى: ï´؟ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ï´¾ [إبراهيم: ظ¢ظ§].



أيها المسلمون:

إنَّ تحقيق لا إله إلا الله، هو إفراده - سبحانه - بجميع العبادات، وتخصيصه - تعالى - بالقصد والإِرادات، ونفيها عمَّا سواه من المعبودات، التي نفَتْها لا إله إلا الله عن سائر المخلوقات، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإِيمان بالله، الذي لا يُبقي في القلب شيئًا لغير الله، ولا إرادة لما حرَّم الله، ولا كراهة لما أمر به الله، هذا هو واللهِ حقيقة لا إله إلا الله، وأمَّا من قالها بلسانه، ونقضها بفعاله، فلا ينفعه قول لا إله إلا الله، إنَّ مَن صرَف لغير الله شيئًا من العبادات، أو أَشرَك به أحدًا من المخلوقات، فإنَّه كافر بالله ولو نطق ألف مرة بلا إله الله.



قيل للحسن البصري - رحمه الله -: إن أُناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قالها وأدَّى حقَّها وفرضها، أدخلتْه الجنة لا إله إلا الله.



وقال وهب بن منبه لِمَن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، لكن ما من مفتاحٍ إلا وله أسنان، فإن جئتَ بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك؛ لأنك في الحقيقة لم تقل: لا إله إلا الله، يعني بأسنانها: العلم بمعناها، والعمل بمقتضاها، وترك ما يضادُّها ويخل بها وينافيها.



فيا أيها المسلمون:

لا تظنُّوا أمور الشرك منكم بعيدة؛ فإنَّ كثيرًا من الناس وقعوا فيه في مهاوٍ شديدة تقدح في لا إله إلا الله.



أين مَن وحَّد الله بالحب والخوف والرجاء والعبادة؟

أين مَن خصَّه - سبحانه - بالذلِّ والخضوع والتعظيم وإخلاص القصد والإِرادة؟

أين مَن أفرده - تعالى - بالتوكُّل، وفوَّض إليه في الحقيقة أمره، وجعل عليه اعتماده؟



فإنَّ كلَّ هذه من معاني لا إله إلا الله.



فسارِعُوا - عِبادَ الله - إلى مغفرة من ربكم وجنةٍ عرضُها كعرض السماء والأرض أُعدَّت للمتقين، الذين آمنوا بالله ورسوله، فقاموا بواجبات لا إله إلا الله، فتمسَّكوا - عبادَ الله - بعرى لا إله إلا الله، فإن من نفى ما نفتْه، وأثبت ما أثبتتْه، ووالى عليها وعادى، رفعتْه إلى أعلى عليين، منازل أهل لا إله إلا الله.



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ï´؟ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ï´¾ [الزمر: ظ،ظ، - ظ،ظ¥].



بارَك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والبيان، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم

يوسف التازي
17-01-15, 02:11 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:

أيها المؤمنون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله - تعالى - ومراقبته في السر والعلانية، فإن تقوى الله - جل وعلا - هي خير زاد يبلِّغ إلى رضوان الله.



ثم اعلموا - رحمكم الله - أن خير الكلمات وأجلَّها على الإطلاق، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهي الكلمة التي لأجلها قامت الأرض والسماوات، وخُلقت جميع المخلوقات، وبها أُرسلت الرُّسل وأنزلت الكتب وشرعت الشرائع، ولأجلها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار، وأبرار وفُجَّار، وهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وعنها يسأل الأولون والآخرون يوم القيامة، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأساس الدين، وأصله ورأس أمره؛ ï´؟ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [آل عمران: 18]، وكم لهذه الكلمة العظيمة، من الفضائل الجليلة، الكريمة والمزايا الجمَّة، مما لا يمكن استقصاؤه ولا الإحاطة به.



عباد الله:

إن الواجب على كل مسلم أن يعلم أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله التي هي خير الكلمات وأفضلها وأكملها، لا تكون مقبولة عند الله بمجرد التلفُّظ بها باللسان فقط، دون قيام من العبد بحقيقة مدلولها أو تطبيق لأساس مقصودها؛ من نفي الشرك، وإثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمَّنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلمًا حقًّا، وبذلك يكون من أهل لا إله إلا الله.



عباد الله:

وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سوى الله أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، ومنتهى الضلال؛ قال الله - تعالى -: ï´؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ï´¾ [الأحقاف: 6]، وقال - تعالى -: ï´؟ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ï´¾ [الحج : 62]، وقال - تعالى -: ï´؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ï´¾ [لقمان: 13]، وقال - تعالى -: ï´؟ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ï´¾ [البقرة: 254]، والظلم - عباد الله - هو وضع الشيء في غير موضعه، ولا ريب أن صرف العبادة لغير الله ظلم؛ لأنه وضعٌ لها في غير موضعها، بل إنه أظلم الظلم، وأخطره على الإطلاق.



عباد الله:

إن لـ(لا إله إلا الله) هذه الكلمة العظيمة مدلولاً لا بد من فَهْمه، ومعنًى لا بد من ضبطه؛ إذ غير نافع بإجماع أهل العلم النطق بها من غير فَهم لمعناها، ولا عمل بما تقتضيه، كما قال الله - سبحانه -: ï´؟ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ï´¾ [الزخرف: 86]، ومعنى الآية كما قال أهل التفسير؛ أي: إلا مَن شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم؛ إذ إن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهلٍ لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق وتقتضي العمل بذلك، وبهذا - عباد الله - يتبين أنه لا بد في هذه الكلمة العظيمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريقة اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يظهرون ما لا يبطنون، ويكون بالعلم والعمل والصدق من أهل صراط الله المستقيم من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.



عباد الله:

إنَّ لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد بذلك وعمل به، أما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد، فهو المنافق، وأما من قالها وعمل بضدها وخالفها من الشرك، فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتد عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها، فإنها لا تنفعه، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله؛ كالدعاء والذبح والنذر، والاستغاثة والتوكل والإنابة، والرجاء والخوف والمحبة ونحو ذلك، فمن صرف ما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله؛ إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى ومدلول هذه الكلمة.



عباد الله:

إن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحقٍّ إلا إله واحد، وهو الله وحدَه لا شريك له، والإله في اللغة هو المعبود، ولا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله، كما قال الله - تعالى -: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [الأنبياء: 25]، مع قوله - تعالى -: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ï´¾ [النحل : 36]، فتبيَّن بذلك أن معنى الإله هو المعبود، وأن لا إله إلا الله معناها إخلاص العبادة لله وحدَه، واجتناب عبادة الطاغوت، ولهذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكفار قريش: ((قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ï´؟ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ï´¾ [ص : 5]، وقال قوم "هود" لنبيِّهم لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، ï´؟ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ï´¾ [الأعراف: 70]، قالوا ذلك، وهو إنما دعاهم إلى لا إله إلا الله؛ لأنهم فهموا أن المراد بها، نفي الإلوهية عن كل مَنْ سوى الله، وإثباتها لله وحدَه لا شريك له، فلا إله إلا الله، اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كلِّ ما سوى الله - تعالى - فكل ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلاً عن غيرهم، فليس بإله وليس له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده؛ بمعنى: أنَّ العبد لا يؤَلِّه غيره؛ أي: لا يقصده بشيء من التألُّه: وهو تعلُّق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، وغير ذلك.



عباد الله:

فليست لا إله إلا الله اسمًا لا معنى له، أو قولاً لا حقيقة له، أو لفظًا لا مضمون له، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقول له معنى جليل هو أجلُّ المعاني، وحاصله البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال على الله وحده، خضوعًا وتذللاً وطمعًا ورغبًا، وإنابة وتوكلاً، وركوعًا وسجودًا، ودعاءً وطلبًا، فصاحب لا إله إلا الله لا يسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يرجو غير الله، ولا يذبح إلا لله، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغير الله، ويَكْفُر بجميع ما يُعبد من دون الله، ويبرأ إلى الله من ذلك، فهذا - عباد الله - هو صاحب لا إله إلا الله حقًّا، وهو المحقِّق لها صدقًا.



اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله. اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله. اللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله.

اللهم أحيينا عليها وتوفَّنا عليها. اللهم وفقنا للقيام بها حق القيام وأدخلنا اللهم بها الجنة دار السلام.



أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.



أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله - تعالى - حق التقوى، وراقبوه مراقبة مَن يعلم أن ربَّه يسمعه ويراه.



عباد الله:

إن النصوص الواردة في فضل كلمة التوحيد لا إله إلا الله كثيرة لا تُحصى وعديدة لا تُستقصى، وهي تدلُّ على عِظَم شأن هذه الكلمة وجلالة قدرها، ورِفعة شأنها وكثرة خيراتها، وبركاتها على أهلها، لكن على العبد أن يعلم أن لا إله إلا الله، هذه الكلمة العظيمة لا بد لها من شروط لتحقيقها، وضوابط عظيمة لا بد من القيام بها، دلَّ عليها كتاب الله العزيز وسُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل وهب بن منبه - رحمه الله - وهو من أجلة التابعين، قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة، قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئتَ بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا لم يفتح، يشير بذلك إلى شروط لا إله إلا الله.



وقيل للحسن البصري - رحمه الله - وهو من أجلة التابعين، قيل له: أليس مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال: بلى، مَن أدَّى حقَّها وفرضها دخل الجنة، والشاهد - عباد الله - أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله لها شروط لا بد من ضبطها والعناية بها والاهتمام بتحقيقها، والعلماء - رحمهم الله - لما استقرؤوا كتاب الله وسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - تبيَّن بهذا الاستقراء أن لا إله إلا الله لها شروط سبعة لا تقبل إلا بها.



وهي: العلم بمعناها المنافي للجهل، واليقين بها المنافي للشك والريب، والصدق المنافي للكذب، والإخلاص المنافي للشرك والرياء، والمحبة المنافية للبُغض والكره، والانقياد المنافي للترك، والقبول المنافي للردِّ.



فهذه شروط سبعة لهذه الكلمة العظيمة، دلّ على كل واحد منها عشرات الأدلة في كتاب الله - عز وجل - وسُنة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - والواجب علينا - عباد - الله أن يكون اهتمامنا بهذه الكلمة أكبر الاهتمام وأعظمه وأجلُّه، وأن يكون اهتمامنا بها أعظم من اهتمامنا بأيِّ شيء آخرَ، ونسأل الله - عز وجلّ - أن يوفقنا وإياكم للعمل بهذه الكلمة العظيمة، وتحقيق شروطها والقيام بحقوقها، وأن يدخلنا وإياكم بها الجنة، وصلُّوا وسلُّموا - رحمكم الله - على محمد بن عبدالله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 56]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى عليّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)).



اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.



وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين؛ أبى بكر وعمر وعثمان وعلي.

وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.



اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين. واحم حوزة الدين يا رب العالمين.

اللهم أمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ربّ العالمين.

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البر والتقوى، وسدده في أقواله وأعماله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك واتِّباع سُنة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - واجعلهم رأفة على عبادك المؤمنين.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعِفة والغنى. اللهم إنا نسألك الهدى والسداد.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نسألك من الخير كله؛ عاجله وآجله، ما علمنا منه، وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله؛ عاجله وآجله، ما علمنا منه، وما لم نعلم.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - ونستعيذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم.



وأن تجعل كل قضاء قضيته لنا خيرًا.



اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا. اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور. اللهم اهدنا إليك صراطًا مستقيمًا.

اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وأموالنا وذرياتنا وأزواجنا، واجعلنا مباركين أينما كنا. اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين عليك بها، قائلين بها، وأتمَّها علينا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا ذنبنا كله؛ دقّه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات.

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعللنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتُبْ على التائبين.



اللهم اغفر ذنوب المذنبين وتبْ على التائبين، واغفر لنا أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

يوسف التازي
17-01-15, 02:14 PM
خطبة في حماية التوحيد واجتناب الشرك

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له؛ إله الأولين والآخرين، وقَيُّوم السموات والأرض، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.



أما بعد:

معاشر المؤمنين، عباد الله:اتقوا الله؛ فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.



معاشر المؤمنين:

لقد قامت دعوة نبيِّنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - على النصح للعباد، وبيان دين الله - تبارك وتعالى - على التمام والكمال، لقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - رسولاً أمينًا، ونبيًّا رحيمًا، ومعلِّمًا مشفقًا، كما قال الله - عز وجل -: ï´؟ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التوبة: 128].



فبلَّغ - صلواته وسلامه عليه - البلاغ المبين، وما ترك خيرًا إلا دلَّ الأُمَّة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه، ترك أُمَّته على البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، أقام الحجة، وأبان المحجة، وأوضح السبيل - صلواتُ الله وسلامه وبركاته عليه.



عباد الله:

ولما كان مقام التوحيد أعظم المقامات والشّرك أخطرَ الأمور وأعظمها، فهو الذنب الأكبر والجرم الذي لا يغفر، لما كان شأن التوحيد كذلك، وشأن الشرك كذلك، كان بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - للتوحيد أعظم البيان، ونهيه وتحذيره عن الشرك أعظم النهي - صلوات الله وسلامه عليه - فهو - صلى الله عليه وسلم - أبان التوحيد وحمى حِماه، وأوضح الشرك وحذَّر منه وسدَّ ذرائعه؛ نصحًا للأُمَّة، وشفقة على العباد.



عباد الله:

وعندما نتتبع السُّنَّة، سنة نبيِّنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - نجد الأحاديث المتكاثرة والنصوص المتضافرة، في بيان التوحيد وتعلية شأنه، والتحذير من الشرك، وبيان خطورته وسد الذرائع الموصِّلة إليه.



عباد الله:

ومن نصح النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام الخطير نهيه الأمة عن الغلو في الدين، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في حديث بن عباس - رضي الله عنهما -: ((إيّاكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))، ونهي - عليه الصلاة والسلام - عن التنطُّع كما في صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((هلك المتنطِّعون))، والتنطع - عباد الله - أوَّلُ سهام الغلو، ونهى - عليه الصلاة والسلام - عن إطرائه والمبالغة في مدحه؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))، ولما كان - عليه الصلاة والسلام - قد كَمَّل مقام العبودية، أتمَّ تكميل، كره المِدْحة - عليه الصلاة والسلام - كره أن يُمدح؛ تتميمًا لهذا المقام، وصيانة للأمة من التمادي في المدح والغلو؛ جاء في مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: إنّ أُناسًا قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، أنت سيّدنا وابن سيدنا، وخيّرنا وابن خيرنا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((قولوا بقولكم، ولا يستهوينَّكم الشيطان؛ فإني لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)).



عباد الله:

ولما كان ما يتعلق بالقبور أخطر ما يكون على الناس في الوقوع في الشرك والانزلاق في مزالقه، كانت الحِيطة وسدّ الذرائع في هذا الباب عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - متكاثرة، ففي بَدء الإسلام نهى - عليه الصلاة والسلام - عن زيارة القبور مُطلقًا؛ حماية لحمى التوحيد، وصيانة للأمة عن الشّرك، ثم لما قوي التوحيد في القلوب، شرع ذلك وأباحه، وأبان الحِكمة منه - عليه الصّلاة والسلام - فقال في حديثه الصحيح: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها؛ فإنّها تُذكِّركم الآخرة)).



وجاءت عنه - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة فيها الاحتياط في هذا الباب وسد الذرائع، ومن ذلكم نهيه - عليه الصلاة والسلام - أن يُبنى على القبر، أو أن يجصص، والحديث في صحيح مسلم، ونهى - عليه الصلاة والسلام - أن يُصلى إلى القبور؛ صيانة للتوحيد، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها)).



وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - النهي الشديد والوعيد - عليه الصلاة والسلام - في اتخاذ القبور مساجد؛ بأن تُقصد لغرض الصلاة والدّعاء، والعبادة وطلب البركة؛ تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها وأرضاها -: لما نُزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ أي: لما نزل به ملائكة الموت، طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها، ثم قال - وهو في هذه الحال -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد))، قالت عائشة - رضي الله عنها -: يحذروا مما صنعوا.



عباد الله:

ولما كان تعلُّق الناس بالأنبياء والصالحين، وحبهم لهم بابًا قد يفضي بالناس إلى الغلو، وإلى التعلُّق بالصالحين، وإلى الخلط في باب الشفاعة؛ جاء عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة؛ صيانة للأُمّة في هذا الباب، جاءه رجل وقال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أعنِّي على نفسك بكثرة السجود))، فربطه بالعبادة والإخلاص لله - جل وعلا - ولما قال له أبو هريرة - رضي الله عنه -: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله، قال: ((أسعد الناس بشفاعتي مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه))، فربطهم بكلمة التوحيد - عليه الصلاة والسلام - والحديث في صحيح البخاري، وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنّ لكل نبي دعوة مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأُمتي، وإنها نائلة - إن شاء الله - مَن لا يشركْ بالله شيئًا))، فجعل نيل شفاعته - عليه الصلاة والسلام - مرتبطًا بالإخلاص، والبُعد عن الشرك، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الغلول يومًا، وعظَّم أمره وعظَّم شأنه، ثم قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لا ألفينَّ أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعيرٌ له رُغاء، يقول يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته صامت؛ أي: الذهب والفضة، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد أبلغتك)).



تأمَّلوا - عباد الله - هذا النصح العظيم، والبيان الوافي من الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - فدعوته - صلى الله عليه وسلم - كلُّها ربط بالله وبعبادة الله والتوكّل على الله، والالتجاء إلى الله، لا بالتعلُّق بالأنبياء أو الصالحين أو غيرهم، فإن النافع الضار المعطي المانع، الذي بيده أَزِمَّة الأمور هو الله وحدَه، ونبيُّنا - عليه الصلاة والسلام - وسائر عباد الله ليس لهم من ذلك شيء، وقد أنزل الله على نبيِّه: ï´؟ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ï´¾ [آل عمران: 128].



وتأمّلوا - رعاكم الله - في هذا المقام حرص نبيِّنا - عليه الصلاة والسلام - على هداية عمِّه أبى طالب، فجاءه عند موته، وقال: ((يا عمّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله))، ومات وهو يقول: بل على مِلَّة عبدالمطلب، وحزن - عليه الصلاة والسلام - وأنزل الله في تسليته: ï´؟ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [القصص: 56].



وتأمّلوا في هذا المقام لما ركب ابن عباس - رضي الله عنه - مع نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - على دابته وهو غلام، فالتفت عليه - صلى الله عليه وسلم - وقال: ((يا غلام، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لن يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك)).



ومن حمايته لحِمى التوحيد وسدِّه لذرائع الشرك - عليه الصلاة والسلام - أنه كان في كل مقام إذا سمع ألفاظًا تخدش التوحيد، أو تخل بجنابه، أو توقع قائلها في الشرك، ولو في شرك الألفاظ، غضب غضبًا شديدًا، وحذَّر من ذلك أشد التحذير، والنقول في هذا المعنى كثيرة، ومن ذلكم أنه - عليه الصلاة والسلام - سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فغضب - عليه الصلاة والسلام - وقال: ((أجعلتني لله ندًّا؟! قُلْ ما شاء الله وحدَه)).



وسمع امرأة تنشد، فتقول: وفينا رسول الله يعلم ما في غدٍ، فغضب - عليه الصلاة والسلام - وقال: ((لا يعلم ما في غدٍ إلا الله)).



والأحاديث في هذا المعني كثيرة والمقام لا يسع بالبسط بأكثر من هذا.



ألا فلنتقي الله - عباد الله - ولنتأمل في هذا المقام العظيم مقام التوحيد، ولنحذر أيضًا من الشرك الذي هو أخطر الذنوب وأعظمها، ولنحذر منه ومن وسائله وأسبابه، ونسأل الله - عز وجلّ - أن يحفظ علينا أجمعين إيماننا وتوحيدنا، وأن يعيذنا من الشرك كلِّه؛ صغيره وكبيره، وأن يوفقنا لكل خير يحبُّه ويرضاه؛ إنه - تبارك وتعالى - سميع الدّعاء، وهو أهل الرّجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.



الخطبة الثانية
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.



عباد الله:

اتقوا الله - تعالى - واعلموا أن تقواه - عز وجل - أساس السعادة، وسبيل الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.



عباد الله:

إننا حينما نتأمل في هذه النصوص العظيمة والدلائل المباركة في حماية نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - لحِمى التوحيد وسدِّه لذرائع الشرك والباطل، إننا حين نتأمل هي هذه الأحاديث - عباد الله - نأسف أشد الأسف، ونتألم أشدَّ الألم لواقع أقوام ينتسبون إلى دينه - عليه الصلاة والسلام - ويخالفونه في هذا المعني أشد المخالفة، فيستغيثون بغير الله، ويستنجدون بالأنبياء والأولياء والمقبورين، ويتعلقون بالقباب والأضرحة والأتربة وغير ذلك، إذا التجؤوا، التجؤوا إلى غير الله، وإذا استغاثوا، استغاثوا بغير الله، وإذا طلبوا الغَوْث، طلبوا الغوث من غير الله، يقول قائلهم، أغثني يا رسول الله، أو يقول المدد، يا رسول الله، إن لم تدركني يا رسول الله، فمن الذي يدركني؟! إن لم تأخذ بيدي، فمن الذي يأخذ بيدي، أنا مستجيرٌ بك، مستغيث بجنابك، إلى غير ذلك من الدّعوات الآثمة والكلمات الشركيّة الناقلة من مِلَّة الإسلام، فأين قائل هذه الكلمات من هذه الأحاديث المباركة والنصح العظيم من رسولنا الكريم - عليه الصلاة والسلام؟ فهو - عليه الصلاة والسلام - كما أخبر لا يملك شيئًا؛ فالملك بيد الله، والأمر لله من قبل ومن بعد، ورسولنا - عليه الصلاة والسلام - عبدٌ لا يُعبد، بل رسول يُطاع ويُتَّبع، فالواجب - عباد الله - أن يكون أهل الإسلام على حَيطة وحذر وصيانة لدينهم وتوحيدهم من أن يخالطه الشرك، أو أن يدخلوا في ذرائعه ووسائله المفضية إليه، وهو باب - عباد الله - لا بد فيه من حيطة شديدة وحذر بالغ؛ ليسلم المسلم - بإذن الله - طالما كان ملتجئًا إلى الله، مفوِّضًا أمره إليه، معتنيًا في هذا المقام أتمَّ العناية.



عباد الله:

ولقد تكاثرت في هذا الزمان الدِّعايات المغرضة التي تستهدف خلخلة إيمان الناس وتوحيدهم، وصرفهم عن عبادة الله، وربط قلوبهم بالأسباب لا بمسببها، فالواجب علينا - عباد الله - أن نرعى للتوحيد مقامه، وأن نعرف له شأنه، وأن نكون على أشد الحذر من الشرك، وتأملوا هنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان خطورة الشرك وتسلله للناس، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لَلشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل))، فقال أحد الصحابة: أوليس الشرك أن يُتخذ لله ندٌّ وهو الخالق، فقال - عليه الصلاة والسلام -: والذي نفسي بيده، لَلشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل، أَوَلاَ أدلكم على شيء إذا قلتموه، أذهب الله عنكم قليل الشرك وكثيره، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونعوذ بك مما لا نعلم)).



وهي دعوة - عباد الله - مباركة ينبغي علينا المحافظة عليها والإكثار منها: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونعوذ بك اللهم مما لا نعلم.



هذا وصلوا سلموا - رعاكم الله - على الناصح الأمين والرسول الكريم؛ محمد بن عبدالله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 56].



وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلى عليَّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)).



اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.



وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين؛ أبى بكر وعمر وعثمان وعلي. وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.



اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسُنة نبيِّك محمّد - صلى الله عليه وسلم. اللهم عليك بأعداء الدّين؛ فإنهم لا يعجزونك. اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.

اللهم وفِّق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك. اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين لما تحبُّه وترضاه.

اللهم آتي نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفة والغنى. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم اغفر لنا ذنبنا كلَّه؛ دِقَّه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات. اللهم إنَّا نستغفرك؛ إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مِدرارًا.

اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تأثر علينا. اللهم إنا رحمتك نرجو؛ فلا تكلنا إلا إليك.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحُسني وبصفاتك العليا، وبأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، يا من وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، أن تسقينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من اليائسين. اللهم إنا نسألك غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا نافعًا، غير ضار، عاجلاً غير آجل. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، وديارنا بالمطر. اللهم سُقْيَا رحمة، لا سُقْيَا هدم ولا عذاب ولا غرق.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

يوسف التازي
17-01-15, 02:18 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (1)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم



الناقض الثاني:

قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: [من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً].



الشـرح:

المسألة الأولى: المقصود بهذا الناقض.

ما ذهب إليه بعض المشركين من أن معبوداتهم التي أشركوا بها مع الله تملك بعض التصرف في الكون، فطائفة أشركوا بتعظيمهم للموتى وأهل القبور، وطائفة بالنجوم والكواكب وطائفة بالأصنام فسوّل لهم الشيطان أنها وسائط وشفعاء يشفعون لهم عند الله في قضاء الحوائج وكشف المُلمّات وتفريج الكربات فيدعونهم ويسألونهم الشفاعة ويتوكلون عليهم، وهذا الناقض هو الذي وقع فيه مشركو قريش، حيث جعلوا مع الله وسائط تقربهم إلى الله زلفى قال الله تعالى عنهم: ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3] وقال تعالى ï´؟ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ï´¾ [يونس: 18] مع أنهم يقرون بربوبية الله فيقرون أنه الخالق ولا يقدر على الخلق والرزق والأحياء والإماتة إلا الله، ومع هذا لم يصيروا مسلمين موحدين بل كانوا مشركين.



وهذا الناقض أيضاً وقع فيه كثير ممن ينتسب للإسلام في هذا العصر فجعلوا بينهم وبين الله وسائط كما فعل كفار قريش فعظموا الأضرحة والمزارات وتقربوا إليها بالذبح وسألوها قضاء الحوائج لتشفع لهم عند الله زاعمين أن هذه الأضرحة والمزارات وسائط بينهم وبين الله تعالى، قال تعالى: ï´؟ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ï´¾ [سبأ: 22-23] ومن عَظَّم هذه الوسائط فذبح لها ودعاها بأن سألها قضاء الحوائج فجعلها وسائط بينه وبين الله فقد وقع في الكفر والشرك لأنه شبه الخالق بالمخلوق.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (1/126): " وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم والناس يسألونهم، أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج. فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أنداداً ".



المسألة الثانية: ما الفرق بين الناقض الأول والناقض الثاني؟

الناقض الثاني نوع من أنواع الناقض الأول، وداخل فيه، فالأول عام والناقض الثاني خاص وخصّه الشيخ بالذكر لكثرة وقوعه ممن ينتسب للإسلام من عبادة الأضرحة وعبادة القبور والأولياء والصالحين.



قول المصنف رحمه الله: [من جعل بينه وبين الله وسائط].



المسألة الثالثة: الوسائط تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: بمعنى تبليغ الرسالة.

وهي أن تجعل بينك وبين الله واسطة في تبليغ الرسالة، وهم الرسل من الملائكة والبشر فهم واسطة بين الناس والرب في تبليغ شرع الله تعالى، ومن أنكر هذه الواسطة فقد كفر بإجماع العلماء، فمن قال لا حاجة إلينا بالملائكة والرسل الذين يأتون بشرع الله نحن نتصل بالله بدونهم كما تقوله الصوفية أنهم يأخذون عن الله مباشرة بلا واسطة فهذا كفر بالإجماع لأنهم أنكروا أن شرع الله يأتي بواسطة الملائكة والرسل وقالوا نحن نأتي به مباشرة من دون واسطة.



والحق أننا لا نعرف ما جاء عن الله تعالى إلا بواسطة الرسل من الملائكة والبشر قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ï´¾ [الحج: 75] فهؤلاء الذين اصطفى الله هم واسطة بيننا وبين الله في تبليغ الرسالة.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، إثبات الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ï´¾ [الحج: 75] ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل " [انظر مجموع الفتاوى 1/122 بتصرف].



القسم الثاني: بمعنى الطلب والمعاونة والإعاذة وطلب الغوث والشفاعة.

كأن يجعل العبد له واسطة بينه وبين الله فيطلبه بما لا يقدر عليه إلا الله كطلب الرحمة والمغفرة ودخول الجنة وطلب الشفاء والرزق من غير الله، وطلب الشفاعة من الأموات فكل هذا من الشرك الأكبر ومن أثبت هذه الواسطة فقد كفر بإجماع العلماء وهي المقصودة في قول المصنف في هذا الناقض، قال تعالى: ï´؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ï´¾ [الأحقاف: 5-6] وقال تعالى: ï´؟ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ï´¾ [الرعد: 14].



قال ابن تيمية: " فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين ". [انظر مجموع الفتاوى 1/124].



وملخص المقصود بالوسائط أنها على قسمين:

أ- وسائط من أنكرها فهو كافر بإجماع المسلمين، وهي الوسائط التي بمعنى تبليغ الرسالة، وهي أن تجعل بينك وبين الله واسطة في تبليغ الرسالة، وهم الرسل من الملائكة والبشر، كما سبق بيانه.



ب- وسائط من أثبتها فهو كافر بإجماع المسلمين، وهي الوسائط من المخلوقين التي يجعلها بعض الناس بينهم وبين الله فيسألونهم الشفاعة ويتوكلون عليهم ويدعونهم، وهي مراد المصنف رحمه الله، وهذا كفر بإجماع المسلمين.

يوسف التازي
17-01-15, 02:21 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (2)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم


المسألة الرابعة: من جعل بينه وبين الله وسائط لا يعبدها وإنما جعلها أسباباً تقربه إلى الله.

كالذي يتخذ الوسائط لا يدعوها ولا يعبدها ولا يذبح لها ولا ينذر لها ولا يصرف لها أي نوع من أنواع العبادة فهو ليس كالذين قال الله عنهم: ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3] بل يعتقد أن العبادة لله ولا يعبد إلا الله لكنه يتخذ الوسائط على أنها سبب تقربه إلى الله بزعمه فيطلب من الميت عند قبره أن يدعو له فهل هذا يُعدُّ شركاً أكبر؟.



القول الأول: أنه يُعدُّ من الشرك الأكبر.



والقول الثاني: أنه لا يُعدُّ من الشرك الأكبر بل هو وسيلة إليه وهي وساطة بدعيَّة، وأصحاب هذا القول لم يجعلوها من الشرك الأكبر لأن طلب الدعاء من الآخرين ليس خاصاً بالله وسبق أن في تعريف الشرك الأكبر أنه مساواة غير الله بالله في شيء من خصائص الله، فقالوا: إن طلب الدعاء من الآخرين ليس خاصاً بالله، لأنه يجوز طلبه من الحي ولو كان خاصاً بالله لما جاز طلبه من الحي لكونه خاصاً بالله، فطلبه الدعاء من الميت ليس شركاً أكبر على هذا القول واختاره ابن باز رحمه الله.



قال الشيخ عبدالعزيز بن باز في تعليقه على الفتح (2/575) عند قول مالك الدار - وكان خازن عمر - أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتي الرجل في المنام فقيل له: " ائت عمر...... " الحديث قال ابن باز رحمه الله: " وأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك ".



وقال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه تصحيح الدعاء ص (250): " سؤال حي لميت بحضرة قبره بأن يدعو الله له، مثل قول عباد القبور مخاطبين لها: يا فلان ادع الله لي بكذا وكذا. أو: أسألك أن تدعو الله لي بكذا وكذا، فهذا لا يختلف المسلمون بأنها وساطة بدعية، ووسيلة مفضية إلى الشرك، ودعاء الأموات من دون الله، وصرف القلوب عن الله تعالى، لكن هذا النوع يكون شركاً أكبر في حال ما إذا أراد الداعي من صاحب القبر الشفاعة والوساطة الشركية على حد عمل المشركين ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3] أ.هـ.



إلا أن كثيراً ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم ممن يجعلون وسائط بينهم وبين الله لا يجعلونها مجرد وسائط بل يعبدونها وينذرون ويذبحون لها ويتبركون بترابها وأعتابها ويحجون إليها في أوقات معينة ويعكفون عندها، ويأتون بقطعان الأنعام فيذبحونها في ساحات الأضرحة يتقربون بها إلى أصحاب الأضرحة بزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله وكل هذا شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة وقد وقع هؤلاء فيما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم من حديث جندب: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " فوقع هؤلاء بما وقع فيه اليهود والنصارى من قبل من البناء على القبور وكان هذا ممنوعاً في الصدر الأول من هذه الأمة في عصر القرون المفضلة حتى جاءت دولة الفاطميين الشيعة، واستولوا على مصر وغيرها من البلاد فبنوا المشاهد على القبور في مصر وغيرها، ثم تكاثرت الأضرحة في بلاد المسلمين بسبب هؤلاء الشيعة قبحهم الله فهم أول من بنى على القبور كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.



المسألة الخامسة: شبهة وردُّها.

وهؤلاء الذين يتخذون وسائط بينهم وبين الله عز وجل يدعونهم ويتوكلون عليهم ويطلبون منهم الشفاعة لهم شبهة يرددونها ويتمسكون بها مستدلين بها على اعتقادهم الخاطئ، ومن أبرز شبههم العريضة التي يتشبثون بها ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك: " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا قال: فيُسْقَون " ففهموا من هذا الحديث أن عمر بن الخطاب توسل بالعباس بن عبد المطلب وجعله واسطة بينه وبين الله عز وجل وهذا يدل على أن اتخاذ الوسائط جائز بدليل توسل عمر بجاه ومكانة العباس عند الله سبحانه وتعالى.



والرد على هذه الشبهة من وجوه عدة:

الأول: إن من القواعد المهمة في تفسير الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا وإذا نظرنا إلى توسل عمر بالعباس نجد أننا أمام أحد معنيين إما أن يكون عمر توسل بجاه العباس ومكانته عند الله سبحانه كما فهمه أصحاب هذه الشبهة وإما أن يكون أن المعنى أن عمر توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب وهو الاعتقاد الصحيح كما سيأتي، وبالنظر إلى ما جاءت به السنة من بيان طريقة توسل الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم فأي المعنيين أقرب حينما أجدبوا وقحطوا هل كانوا يدعون ويقولون: [ اللهم بنبيك محمد وحرمته عندك ومكانته لديك أسقنا الغيث ] أم أنهم كانوا يطلبون منه الدعاء بنزول الغيث وزوال القحط؟ مما لا شك فيه أن المعنى الأول ليس له وجود إطلاقاً في السنة النبوية ولا في عمل الصحابة رضوان الله عليهم.



وأما المعنى الثاني فكتب السنة مستفيضة به والأحاديث الواردة الثابتة كثيرة أيضاً فإنهم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه أن يدعو لهم ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي قام وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الجمعة وقال: " يا رسول الله هلك المال وجاع العيال وانقطعت السبل فادع الله لنا " فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم فسقوا فلما كانت الجمعة الأخرى جاءه أعرابي وقال " رسول الله تهدم البناء وهلكت المواشي وغرق المال فادع الله لنا " فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بإمساك السماء، ومن ذلك أيضاً ما جاء في السنن عن عائشة - رضي الله عنها- حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه " ثم دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن هدي الصحابة في توسلهم إنما هو طلب الدعاء لهم ويشهد لذلك أيضاً قول الله تعالى: ï´؟ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ï´¾ [النساء: 64].



الثاني: لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه المذكور وقصده إذ نقلت دعاء العباس رضي الله عنه استجابة لأمر عمر رضي الله عنه فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني رحمه الله في الفتح حيث قال: " قد بين الزبير بن بكار في [الأنساب] صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: " اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث" قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس.



قال الألباني: في هذا الحديث:

أولاً: التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره وفي هذا ردّ واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس فيدعو بعد عمر دعاء جديدا.



ثانياً: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا صلى الله عليه وسلم في حياته وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس ومما لاشك فيه أن التوسلين من نوع واحد: توسلهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وتوسلهم بالعباس وإذا تبين للقارئ - مما يأتي - أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم إنما كان توسلاً بدعائه صلى الله عليه وسلم فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما كان توسلاً بدعائه أيضاً بضرورة أن التوسلين من نوع واحد. أما أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم إنما كان توسلاً بدعائه فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: " كانوا إذا قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا به فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر.... " فذكر الحديث نقلته من الفتح (2/399) فقوله: " فيستسقي لهم " صريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي (النهاية) لابن الأثير: " الاستسقاء استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم والاسم السقيا بالضم واستسقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك " إذا تبين هذا فقوله في هذه الرواية: " استسقوا به " أي بدعائه وكذلك قوله في الرواية الأولى " كنا نتوسل إليك بنبينا " أي بدعائه فلا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث إلا هذا. ويؤيده:

ثالثاً: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى لما ترك عمر التوسل به صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى لأن هذا ممكن لو كان مشروعاً فعدول عمر عن هذا إلى التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه أكبر دليل على أن عمر رضي الله عنه والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم " أ - هـ. [مسألة التوسل للشيخ الألباني بتصرف يسير].



وملخص الكلام أن الرد على هذه الشبهة من وجوه: -

1- أن الثابت عن الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم حين يصيبهم القحط وتمسك السماء أن يذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم و يطلبوا منه الدعاء كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فطلب منه الدعاء وكذلك حديث عائشة عند أبي داود، فهم يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا بجاهه وكذلك هو المقصود بالتوسل بالعباس فإنه توسل بدعائه لا بجاهه لأن عمر ذكر في الحديث توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتوسلهم بالعباس ومما لاشك فيه أن التوسلين من نوع واحد وإذا ثبت أن توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان بدعائه فلا بد أن يكون المقصود بتوسلهم بالعباس توسل بدعائه لا بجاهه ومكانته.



2- بينت الروايات الأخرى المقصود بتوسل عمر بالعباس حيث فسرت ذلك ونقلت دعاء العباس استجابة لعمر حين طلبه مما يدل أنه طلب الدعاء منه كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر في فتح الباري.



3- أن لفظ الحديث كما في قول أنس رضي الله عنه هو: " أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب.... " ولفظ الاستسقاء يدل على طلب السقيا من الله فهذا يدل على أن المقصود به الدعاء.



4- لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس وجاهه لما ترك عمر التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى وعدول عمر عن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بدعاء العباس دليل على أن عمر والصحابة لا يرون التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم.

يوسف التازي
17-01-15, 02:24 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (3)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم
(الشفاعة وما يتعلق بها)



قول المصنف: [يدعوهم ويسألهم الشفاعة].

المسألة السادسة: الشفاعة وما يتعلق بها.

الشفاعة لغة: اسم من شفع يشفع إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر.

واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.



ومقصود المؤلف هنا الشفاعة المتعلقة بالآخرة: كطلب المغفرة والتجاوز عن الذنوب وهي على نوعين:

النوع الأول: الشفاعة الخاصة، وهي التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم وتكون كذلك لأناس معينين يشفع لهم، وهي ثلاثة أقسام:

الأولى: الشفاعة الكبرى:

وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك عندما يؤخر الله عز وجل محاسبة العباد فيأتي الناس إلى الأنبياء وكل واحد منهم يقول: (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري) حتى تصل إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء أزكى الصلاة وأتم التسليم، فيقوم فيشفع للناس عند ربه عز وجل.



ويدل على ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه الطويل وساق فيه حال الناس وإتيانهم الأنبياء حتى يأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم بعدما يقع ساجدًا تحت العرش.



وأيضًا روى ابن عمر رضي الله عنه: " أن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " رواه البخاري.



الثانية: الشفاعة لأهل الجنة في دخول الجنة:

ويدل على هذا: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آتي باب الجنة يوم القيامة فاستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك " رواه مسلم.



الثالثة: شفاعة الرسول لعمه أبي طالب:

ويدل على هذا: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه".



وفي رواية: " ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " متفق عليه، فالشفاعة له أن يخفف عنه العذاب لا أن يخرج من النار لأنه مات كافرًا.



النوع الثاني: الشفاعة العامة:

وهي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولجميع المؤمنين، وهي خمسة أقسام:

الأولى: الشفاعة لأناس من أهل الإيمان قد استحقوا الجنة أن يزدادوا رفعة ودرجات في الجنة:

مثال ذلك: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا لأبي سلمة فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين" رواه مسلم، وقد يستدل لهذه الشفاعة ما سيأتي في أدلة القسم الثاني.



الثانية: الشفاعة لأناس قد استحقوا النار في أن لا يدخلوها:

وقد يستدل لها: بما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه ".



ووجه الدلالة: أن هذا الحديث عام يدخل فيه كل رجل صلّى عليه هذا العدد بهذه الصفة ويدخل في هذا العموم من استوجب النار فلم يدخلها لشفاعة هؤلاء المؤمنين.



الثالثة: الشفاعة لأناس قد دخلوا النار أن يخرجوا منها:

ويدل عليها: ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا... فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط " رواه مسلم.



وأيضًا يستدل لها: بحديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيدخلون الجنة يسّمون الجهنميين " رواه البخاري.



الرابعة: الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم حتى يدخلوا الجنة، وقد يستدل لهذه الشفاعة بحديث ابن عباس عند مسلم وسبق في الشفاعة الثانية.



الخامسة: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة من الباب الأيمن:

ويدل عليها: حديث أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه - فذكر الحديث إلى أن قال - " فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب " متفق عليه، وقيل أن هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.



فأصبح عدد الشفاعات جميعًا ثماني شفاعات.



والنوع الثاني من الشفاعة وهي الشفاعة العامة لها من شروط:

1- رضا الله عن المشفوع له.

ويدل عليه: قوله تعالى: ï´؟ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ï´¾ [الأنبياء: 28].



2- رضا الله عن الشافع.

ويدل عليه: قوله تعالى: ï´؟ إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى ï´¾ [النجم: 26].



3- إذن الله للشافع أن يشفع.

ويدل عليه: قوله تعالى: ï´؟ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ï´¾ [البقرة: 255]. وأيضًا الآية السابقة.



4- أن لا يكون الشافع من اللعانين.

ويدل عليه: ما رواه مسلم عن أبي الدرداء مرفوعًا: " إن اللعانين لا يكونوا شفعاء ولا شهداء يوم القيامة " رواه مسلم.



• ومقصود المؤلف في الشفاعة في هذا الناقض: أن الطلب من المخلوقين بعد وفاتهم أن يشفعوا عند الله وجعلهم واسطة بينهم وبين الله تعالى محرم وشرك، لما في ذلك من وصفهم بصفات الخالق سبحانه لأن من صفاته سبحانه أنه هو الحي الذي لا يموت.



المسألة السابعة: الأعمال الموجبة لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:

قول (لا اله إلا الله) خالصة من القلب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة قال: "ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: (لا اله إلا الله) خالصًا من قلبه" رواه البخاري.



قول الذكر الوارد بعد الأذان:

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة "رواه البخاري.



الصبر على جدب المدينة و لأوائها:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يثبت أحد على لأواء المدينة وجدبها إلا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" رواه مسلم.



الموت في المدينة:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.



يشفع النبيون والملائكة والشهداء والصالحون على قدر مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم فالشهيد مثلًا يشفع في سبعين من أهل بيته كما ورد عند أبي داود وابن حبان.



المسألة الثامنة: الشفاعة المتعلقة بالدنيا:

وهي التي بوسع العباد القيام بها كطلب مال أو نكاح أو أي منفعة.



قال الشوكاني: " وأما التشفع بالمخلوق، فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز كطلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا " [انظر الدر النضيد: ص16].



وهذه الشفاعة في أمور الدنيا سواءً سميت شفاعة أو (واسطة) كما هو المصطلح الشائع عند الناس اليوم فإنها لابد لها من شرطين:

الشرط الأول: أن تكون في شيء مباح.



ويدل على ذلك: قوله تعالى: ï´؟ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ï´¾ [المائدة: 2].



أما إذا كانت في شيء محرم فإن هذه الشفاعة لا تجوز لقوله تعالى: ï´؟ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ï´¾ [المائدة: 2].



مثال ذلك: كأن يشفع شخص لآخر وجب عليه حدّ من حدود الله أن لا يقام عليه الحد فيتوسط له عند القاضي أو السلطان، وفي الحديث عن عائشة: " أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله؟ فكلم رسول الله فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " رواه البخاري.



الشرط الثاني: أن لا يكون فيها تعدّ وتجاوز وظلم لأناس آخرين.



فإذا تحقق الشرطان فالسنة أن يشفع الإنسان لأخيه لقوله صلى الله عليه وسلم: " اشفعوا فتؤجروا وليقض الله على لسان رسوله ما شاء " رواه البخاري.



أما إذا كانت الشفاعة الدنيوية فيها هضم لحقوق أناس آخرين وتعدّ عليهم فإن هذا من الظلم وتكون هذه الشفاعة محرمة لعموم الأدلة التي تحذر من الظلم وهضم حقوق الآخرين وهي كثيرة مستفيضة.

يوسف التازي
17-01-15, 02:29 PM
مسائل في الناقض الثاني للإسلام (4)
من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم
(الشفاعة وما يتعلق بها)




المسألة التاسعة: الشفاعة في الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين:

الأولى: شفاعة منفية.

وهي التي تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهي شفاعة مردودة نفاها الله وأبطلها.



ويدل على ذلك: قوله تعالى: ï´؟ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ï´¾ [المدّثر: 48].



وقوله تعالى: ï´؟ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ï´¾ [الشعراء: 100-101].



الثانية: شفاعة مثبتة.



وهي التي تُطلب من الله وحده، وهي التي أذن الله فيها وهي لأهل الإيمان والتوحيد خاصة، وهي شفاعة مقبولة بالشروط السابقة في شروط الشفاعة العامة وقد سبقت بأدلتها فلتراجع.



قال المصنف: [يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم].



المسألة العاشرة: التوكل.



تعريفه:

التوكل لغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير.



وشرعاً: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها.



وعلى هذا التعريف.



فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، ويكون قادحاً في كفاية الله، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبوا إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.



ومن جعل أكثر اعتماده على الله ملغياً للأسباب فقد طعن في حكمة الله، لأن الله جعل لكل شيء سببا، فمن اعتمد على الله اعتماداً مجرداً كان قادحاً في حكمة الله، لأن الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها. [انظر القول المفيد لشيخنا ابن عثيمين 2/228].



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1/137): " ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه، فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب، كما جعل المطر سبباً لإنبات النبات، قال تعالى: ï´؟ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ï´¾ [البقرة: 164]، وكما جعل الشمس والقمر سبباً لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك، مثل صلاة المؤمنين على جنازة الميت، فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه الله بها، ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:

أحدهما: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع، فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.



الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلاً، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل ".



الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يُعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة، وإن ظن ذلك، فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة ".



وقال ابن القيم في المدارج: " فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته إلا على ساق التوكل ".

يوسف التازي
17-01-15, 03:28 PM
توضيح معنى الشرك بالله
ما هو الشرك وما تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ؟



الشرك على اسمه هو تشريك غير الله مع الله في العبادة كأن يدعو الأصنام أو غيرها ، يستغيث بها أو ينذر لها أو يصلي لها أو يصوم لها أو يذبح لها ، ومثل أن يذبح للبدوي أو للعيدروس أو يصلي لفلان أو يطلب المدد من الرسول صلى الله عليه وسلم أو من عبد القادر أو من العيدروس في اليمن أو غيرهم من الأموات والغائبين فهذا كله يسمى شركا ، وهكذا إذا دعا الكواكب أو الجن أو استغاث بهم أو طلبهم المدد أو ما أشبه ذلك ، فإذا فعل شيئا من هذه العبادات مع الجمادات أو مع الأموات أو الغائبين صار هذا شركا بالله عز وجل ، قال الله جل وعلا : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [1] وقال سبحانه : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[2] ومن الشرك أن يعبد غير الله عبادة كاملة ، فإنه يسمى شركا ويسمى كفرا ، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله كالأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات من الذين يسمونهم بالأولياء يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم وينسى الله بالكلية فهذا أعظم كفرا وأشد شركا ، نسأل الله العافية ، وهكذا من ينكر وجود الله ، ويقول ليس هناك إله والحياة مادة كالشيوعيين والملاحدة المنكرين لوجود الله هؤلاء أكفر الناس وأضلهم وأعظمهم شركا وضلالا نسأل الله العافية ، والمقصود أن أهل هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى شركا وتسمى كفرا بالله عز وجل ، وقد يغلط بعض الناس لجهله فيسمى دعوة الأموات والاستغاثة بهم وسيلة ، ويظنها جائزة وهذا غلط عظيم . لأن هذا العمل من أعظم الشرك بالله ، وإن سماه بعض الجهلة أو المشركين وسيلة ، وهو دين المشركين الذي ذمهم الله عليه وعابهم به ، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لإنكاره والتحذير منه ، وأما الوسيلة المذكورة في قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ[3].
فالمراد بها التقرب إليه سبحانه بطاعته ، وهذا هو معناها عند أهل العلم جميعا ، فالصلاة قربة إلى الله فهي وسيلة ، والذبح لله وسيلة كالأضاحي والهدي ، والصوم وسيلة ، والصدقات وسيلة ، وذكر الله وقراءة القرآن وسيلة ، وهذا هو معنى قوله جل وعلا : اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ[4] يعني ابتغوا القربة إليه بطاعته ، هكذا قال ابن كثير وابن جرير والبغوي وغيرهم من أئمة التفسير ، والمعنى التمسوا القربة إليه بطاعته واطلبوها أينما كنتم مما شرع الله لكم ، من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك ، وهكذا قوله في الآية الأخرى : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ[5] هكذا الرسل واتباعهم يتقربون إلى الله بالوسائل التي شرعها من جهاد وصوم وصلاة وذكر وقراءة قرآن إلى غير ذلك من وجوه الوسيلة ، أما ظن بعض الناس أن الوسيلة هي التعلق بالأموات والاستغاثة بالأولياء فهذا ظن باطل ، وهذا اعتقاد المشركين الذين قال الله فيهم : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاء شفعاؤنا عند الله[6] فرد عليهم سبحانه بقوله : قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [7].

يوسف التازي
17-01-15, 03:33 PM
التوحيد وأنواعه > أنواع الشرك


وضد التوحيد: الشرك وهو أنواع ثلاثة، والحقيقة أنه نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر.
فالشرك الأكبر : هو ما يتضمن صرف العبادة لغير الله أو بعضها، أو يتضمن جحد شيء مما أوجب الله من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة كالصلاة، وصوم رمضان، أو يتضمن جحد شيء مما حرم الله، مما هو معلوم من الدين بالضرورة كالزنا والخمر ونحوها، أو يتضمن طاعة المخلوق في معصية الخالق على وجه الاستحلال لذلك، وأنه يجوز أن يطاع فلان أو فلانة، فيما يخالف دين الله عز وجل، من رئيس أو وزير أو عالم أو غيرهم فكل ما يتضمن صرف بعض العبادة لغير الله كدعاء الأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو يتضمن استحلال ما حرم الله، أو إسقاط ما أوجب الله، كاعتقاد أن الصلاة لا تجب أو الصوم لا يجب أو الحج مع الاستطاعة لا يجب، أو الزكاة لا تجب، أو اعتقد أن مثل هذا غير مشروع مطلقًا، كان هذا كفرًا أكبر، وشركًا أكبر؛ لأنه يتضمن تكذيب الله ورسوله.
وهكذا لو اعتقد حل ما حرّم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة كاستحلال الزنا والخمر، وعقوق الوالدين، أو استحل قطع الطريق أو اللواط أو أكل الربا، وما أشبه ذلك من الأمور المعروف تحريمها بالنص والإجماع - إذا اعتقد حلها كفر
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 44)

إجماعًا، نسأل الله العافية، وصار حكمه حكم المشركين شركًا أكبر.
وهكذا من استهزأ بالدين، وسخر به حكمه حكمهم، وكفره كفر أكبر، كما قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، وهكذا لو استهان بشيء مما عظمه الله احتقارًا له، وازدراء له، كأن يستهين بالمصحف، أو يبول عليه، أو يطأ عليه، أو يقعد عليه، أو ما أشبه ذلك استهانة به، كفر إجماعًا؛ لأنه بذلك يكون متنقصًا لله، محتقرًا له؛ لأن القرآن كلامه سبحانه وتعالى، فمن استهان به فقد استهان بالله عز وجل، وهذه الأمور قد أوضحها العلماء في باب حكم المرتد، ففي كل مذهب من المذاهب الأربعة ذكروا بابًا سموه: باب حكم المرتد، أوضحوا فيه جميع أنواع الكفر والضلال، وهو باب جدير بالعناية، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أنواع الردة، والتبس الأمر في ذلك على كثير من الناس، فمن عني به حق العناية عرف نواقض الإسلام، وأسباب الردة، وأنواع الكفر والضلال.
والنوع الثاني: الشرك الأصغر ، وهو ما ثبت بالنصوص تسميته شركًا، لكنه لم يبلغ درجة الشرك الأكبر، فهذا يسمى شركًا أصغر مثل: الرياء والسمعة كمن يقرأ يرائي، أو يصلي يرائي، أو يدعو إلى الله يرائي ونحو ذلك. فقد ثبت في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه، فقال: الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة للمرائين: اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا فانظروا، هل تجدون عندهم من جزاء؟ رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد الأشهلي الأنصاري رضي الله عنه. ورواه الطبراني أيضًا والبيهقي وجماعة مرسلاً عن محمود المذكور وهو صحابي صغير لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مرسلات الصحابة صحيحة وحجة عند أهل العلم، وبعضهم حكاه إجماعًا.

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 45)

ومن ذلك قول العبد: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان، أو هذا من الله ومن فلان.
هذا كله من الشرك الأصغر، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد صحيح عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان .
ومن هذا ما رواه النسائي عن قتيلة أن اليهود قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء الله ثم شاء محمد وفي رواية للنسائي أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا رسول الله ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًّا ما شاء الله وحده . ومن ذلك ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، قال: هو الشرك في هذه الأمّة أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وقول: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا. هذا كله به شرك، رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن.
فهذا وأشباهه من جنس الشرك الأصغر. وهكذا الحلف بغير الله، كالحلف بالكعبة ، والأنبياء والأمانة وحياة فلان، وبشرف فلان ونحو ذلك، فهذا من الشرك الأصغر؛ لما ثبت في المسند بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حلف بشيء دون الله فقد أشرك ، وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي رحمهم الله بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 46)

وهذا يحتمل أن يكون شكًّا من الراوي، ويحتمل أن أو بمعنى الواو، والمعنى: فقد كفر وأشرك.
ومن هذا ما رواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وهذه أنواع من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر على حسب ما يكون في قلب صاحبه، فإذا كان في قلب الحالف بالنبي أو البدوي أو الشيخ فلان، أنه مثل الله، أو أنه يدعى مع الله، أو أنه يتصرف في الكون مع الله أو نحو ذلك، صار شركًا أكبر بهذه العقيدة، أما إذا كان الحالف بغير الله لم يقصد هذا القصد، وإنما جرى على لسانه من غير هذا القصد لكونه اعتاد ذلك، كان ذلك شركًا أصغر.
وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي ذكر بعض أهل العلم أنه قسم ثالث، واحتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه خرّجه الإمام أحمد .
والصواب: أن هذا ليس قسمًا ثالثًا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيًّا؛ لأنه يقوم بالقلوب، كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ يرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي، أو نحو ذلك.
وقد يكون خفيًّا من جهة الحكم الشرعي بالنسبة إلى بعض الناس كالأنواع التي في حديث ابن عباس السابق.
وقد يكون خفيًّا وهو من الشرك الأكبر كاعتقاد المنافقين.. فإنهم يراءون بأعمالهم الظاهرة، وكفرهم خفي لم يظهروه، كما في قوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ الآية،
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 47)

والآيات في كفرهم وريائهم كثيرة، نسأل الله العافية.
وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وإن سمي خفيًّا. فالشرك يكون خفيًّا ويكون جليًّا.
فالجلي: دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم ، ونحو ذلك.
والخفي: ما يكون في قلوب المنافقين يصلون مع الناس، ويصومون مع الناس، وهم في الباطن كفار يعتقدون جواز عبادة الأوثان والأصنام، وهم على دين المشركين. فهذا هو الشرك الخفي؛ لأنه في القلوب.
وهكذا الشرك الخفي الأصغر، كالذي يقصد بقراءته ثناء الناس، أو بصلاته أو بصدقته أو ما أشبه ذلك، فهذا شرك خفي، لكنه شرك أصغر.
فاتضح بهذا أن الشرك شركان: أكبر، وأصغر، وكل منهما يكون خفيًّا: كشرك المنافقين.. وهو أكبر، ويكون خفيًّا أصغر كالذي يقوم يرائي في صلاته أو صدقته أو دعائه لله، أو دعوته إلى الله أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر أو نحو ذلك.
فالواجب على كل مؤمن: أن يحذر ذلك، وأن يبتعد عن هذه الأنواع، ولا سيما الشرك الأكبر، فإنه أعظم ذنب عصي الله به، وأعظم جريمة وقع فيها الخلق، وهو الذي قال الله سبحانه وتعالى فيه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، وقال فيه سبحانه وبحمده: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ، وقال فيه سبحانه أيضًا: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 48)

فمن مات عليه فهو من أهل النار جزمًا، والجنة عليه حرام، وهو مخلد في النار أبد الآباد نعوذ بالله من ذلك.
أما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، وصاحبه على خطر عظيم، لكن قد يمحى عن صاحبه برجحان الحسنات، وقد يعاقب عليه ببعض العقوبات لكن لا يخلّد في النار خلود الكفّار، فليس هو مما يوجب الخلود في النار، وليس مما يحبط الأعمال، ولكن يحبط العمل الذي قارنه.
فالشرك الأصغر يحبط العمل المقارن له، كمن يصلي يرائي فلا أجر له، بل عليه إثم.
وهكذا من قرأ يرائي فلا أجر له. بل عليه إثم، بخلاف الشرك الأكبر، والكفر الأكبر فإنهما يحبطان جميع الأعمال، كما قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
فالواجب على الرجال والنساء، وعلى العالم والمتعلم، وعلى كل مسلم، أن يعنى بهذا الأمر ويتبصر فيه، حتى يعلم حقيقة التوحيد بأنواعه، وحتى يعلم حقيقة الشرك بنوعيه: الأكبر والأصغر، وحتى يبادر بالتوبة الصادقة مما قد يقع منه من الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، وحتى يلزم التوحيد، ويستقيم عليه، وحتى يستمر في طاعة الله، وأداء حقه، فإن التوحيد له حقوق، وهي أداء الفرائض، وترك المناهي، فلا بد مع التوحيد من أداء الفرائض، وترك المناهي، ولا بد أيضًا من ترك الإشراك كله: صغيره وكبيره.
فالشرك الأكبر ينافي التوحيد، وينافي الإسلام كليًّا. والشرك الأصغر ينافي كماله الواجب، فلا بد من ترك هذا وهذا.
فعلينا جميعًا أن نعنى بهذا الأمر، ونتفقه فيه، ونبلغه للناس بكل عناية وبكل إيضاح حتى يكون المسلم على بينة من هذه الأمور العظيمة.

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 49)

والله المسئول عز وجل أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا والمسلمين جميعًا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .




سابق تالي

يوسف التازي
17-01-15, 03:49 PM
إن أعظم ما عصي به الله منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا الشرك به سبحانه ، حتى وصف الله هذا الذنب بالظلم العظيم ، فقال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13) وما ذلك إلا لما فيه من الجناية العظيمة في حق الخالق جلَّ جلاله . فالله هو الذي خلق ، وهو الذي رزق ، وهو الذي يحيي ، وهو الذي يميت ، ومع كل هذه النعم ، وهذه المنن ، والمشرك يجحد ذلك وينكره ، بل ويصرف عبادته وتعظيمه لغير الله سبحانه . فما أعظمه من ظلم وما أشده من جور ، لذلك كانت عقوبة المشرك أقسى العقوبات وأشدها ، ألا وهي الخلود الأبدي في النار ، قال تعالى في بيان ذلك : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } (المائدة: 72) وكل ذنب مات العبد من غير أن يتوب منه حال الحياة فإمكان العفو والمغفرة فيه يوم القيامة واردٌ إلا الشرك والكفر ، فإن الله قد قطع رجاء صاحبه في المغفرة ،قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } (النساء:48)

والشرك المقصود بكلامنا هذا هو الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وهو على أنواع :
1- شرك في الربوبية : وهو اعتقاد أن ثمة متصرف في الكون بالخلق والتدبير مع الله سبحانه . وهذا الشرك ادعاه فرعون لنفسه : { فقال أنا ربكم الأعلى } ( النازعات : 24) فأغرقه سبحانه إمعاناً في إبطال دعواه ، إذ كيف يغرق الرب في ملكه الذي يسيره ؟!

2- شرك في الألوهية : وهو صرف العبادة أو نوع من أنواعها لغير الله ، كمن يتقرب بعبادته للأصنام والأوثان والقبور ونحوها ، بدعوى أنها تقرِّب من الله ، فكل هذا من صور الشرك في الألوهية ، والله لم يجعل بينه وبين عباده في عبادته واسطة من خلقه ، بل الواجب على العباد أن يتقربوا إليه وحده من غير واسطة فهو المستحق لجميع أنواع العبادة ، من الخوف والرجاء والحب والصلاة والزكاة وغيرها من العبادات القلبية والبدنية ، قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } (الأنعام : 162-163 )

3- شرك في الأسماء والصفات : وهو اعتقاد أن ثمة مخلوق متصف بصفات الله عز وجل كاتصاف الله بها ، كمن يعتقد أن بشراً يعلم من الغيب مثل علم الله عز وجلَّ ، أو أن أحدا من الخلق أوتي من القدرة بحيث لا يستعصي عليه شيء ، فأمره بين الكاف والنون ، فكل هذا من الشرك بالله ، وكل من يدعي ذلك فهو كاذب دجَّال .

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأنواع في جملة واحدة من جوامع الكلم حين سئل عن الشرك بالله فقال: ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) متفق عليه ، والند هو المثيل والنظير فكل من أشرك بالله سواء في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات فقد جعل له نداً ومثيلاً ونظيراً .

هذه هي أنواع الشرك الأكبر ، وأما الشرك الأصغر ، فهو وإن لم يكن مخرجا من الملة إلا أن صاحبه قد أرتكب ذنباً عظيماً ، وإذا لقي العبد ربه به من غير توبة منه في حال الحياة ، كان تحت المشيئة إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة ، ومن أمثلة الشرك الأصغر الحلف بغير الله من غير أن يعتقد الحالف أن منزلة المحلوف به كمنزلة الله عز وجل في الإجلال والتعظيم ، فإن من اعتقد ذلك كان حلفه كفرا أكبر مخرجا من الملة ، ومن أمثلته أيضاً قول القائل : ما شاء الله وشئت ، فقد جاء يهودي إلى النبي صلى الله فقال : ( إنكم تشركون ، تقولون : ما شاء الله وشئت ، وتقولون والكعبة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون : ما شاء الله ثم شئت ) رواه النسائي .

ومن أنواع الشرك الأصغر الرياء ، وهو أن يقصد العبد بعبادته عَرَضَ الدنيا ، من تحصيل جاه أو نيل منزلة ، قال تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } (الكهف :110 ) ، وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ يا رسول الله ، قال : الرياء ، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة : إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ) .

هذا هو الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر ، والواجب على المسلم أن يكون على علم بتوحيد الله وما يقرِّب إليه ، فإن من أعظم أسباب انتشار الشرك بين المسلمين الجهل بما يجب لله من التوحيد ، وقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على بيان التوحيد الخالص ، وحريصاً على بيان الشرك وقطع أسبابه ، إلا أن البعد عن منبع الهدى من الكتاب والسنة أدخل طوائف من الأمة في دوامات من الممارسات الخاطئة لشعائرٍ كان من الواجب صرفها لله ، فصرفت إلى مخلوقين لا يستحقونها.

يوسف التازي
17-01-15, 03:55 PM
الشرك الأكبر والشرك الأصغر
دار القاسم أرسلها لصديق
عرض للطباعة
إضافة مرجع
تصحيح خطأ
عدد القرّاء: 59459

(1628 كلمة)


السؤال الأول: من الفتوى رقم (1653):

س: ما الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر من حيث التعريف والأحكام؟

ج: الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله نداً إما في أسمائه وصفاته فيسميه بأسماء الله ويصفه بصفاته، قال الله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]، ومن الإلحاد في أسمائه تسمية غيره باسمه المختص به، أو وصفه بصفته كذلك.

وإما أن يجعل له نداً في العبادة بأن يضرع إلى غيره تعالى من شمس أو قمر أو نبي أو ملك أو ولي مثلاً بقربة من القرب صلاة، أو استغاثة به في شدة أو مكروه، أو استعانة به في جلب مصلحة أو دعاء ميت أو غائب لتفريج كربة، أو تحقيق مطلوب، أو نحو ذلك ممن هو من اختصاص الله سبحانه، فكل هذا وأمثاله عبادة لغير الله، واتخاذ لشريك مع الله، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] وأمثالها من آيات توحيد العبادة كثير.

وإما أن يجعل لله نداً في التشريع: بأن يتخذ مشرعاً له سوى الله، أو شريكاً لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم؛ عبادةً وتقرباً وقضاءً وفصلاً في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره ديناً، وفي هذا يقول تعالى في اليهود والنصارى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]، وأمثال هذا من الآيات والأحاديث التي جاءت في الرضا بحكم سوى حكم الله، أو الإعراض عن التحاكم إلى حكم الله، والعدول عنه إلى التحاكم إلى قوانين وضعية، أو عادات قبلية، أو نحو ذلك، فهذه الأنواع الثلاثة من الشرك الأكبر الذي يرتد به فاعله أو معتقده عن ملة الإسلام، فلا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث عنه ماله، بل يكون لبيت مال المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته، ويحكم بوجوب قتله، ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين، إلا أنه يستتاب قبل قتله، فإن تاب قُبلت توبته ولم يقتل وعومل معاملة المسلمين.

أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص ما تسميته شركاً كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للإنحدار إلى الشرك الأكبر؛ ولهذا نهى عنه النبي ، فقد ثبت عنه أنه قال: { ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت } بل سماه مشركاً، روى ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي قال: { من حلف بغير الله فقد أشرك } [رواه أحمد والترمذي والحاكم بإسناد جيد]، لأن الحلف بغير الله فيه غلو في تعظيم غير الله، وقد ينتهي ذلك التعظيم بمن حلف بغير الله إلى الشرك الأكبر.

ومن أمثلة الشرك الأصغر أيضاً: ما يجري على ألسنة كثير من المسلمين من قولهم: ( ما شاء الله وشئت )، ( لولا الله وأنت )، ونحو ذلك، وقد نهى النبي عن ذلك، وأرشد من قاله إلى أن يقول: { ما شاء الله وحده - أو - ما شاء الله ثم شئت }؛ سداً لذريعة الشرك الأكبر من اعتقاد شريك لله في إرادة حدوث الكونيات ووقوعها، وفي معنى ذلك قولهم: ( توكلت على الله وعليك )، وقولهم: ( لولا صياح الديك أو البط لسرق المتاع )، ومن أمثلة ذلك: الرياء اليسير في أفعال العبادات وأقوالها، كأن يطيل في الصلاة أحياناً ليراه الناس، أو يرفع صوته بالقراءة أو الذكر أحياناً ليسمعه الناس فيحمدوه، روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله : { إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء }، أما إذا كان لا يأتي بأصل العبادة إلا رياء ولو لا ذلك ما صلى ولا صام ولا ذكر الله ولا قرأ القرآن فهو مشرك شركاً أكبر، وهو من المنافقين الذين قال الله فيهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء:142-146]، وصدق فيهم قوله تعالى في الحديث القدسي: { أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه } [رواه مسلم في صحيحه].

والشرك الأصغر لا يخرج من ارتكس فيه من ملة الإسلام، ولكنه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر؛ ولذا قال عبدالله بن مسعود: ( لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي أن أحلف بغيره صادقاً )، وعلى هذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين فيرثه أهله، ويرثهم حسب ما ورد بيانه في الشرع، ويصلى عليه إذا مات ويدفن في مقابر المسلمين، وتؤكل ذبيحته إلى أمثال ذلك من أحكام الإسلام، ولا يخلد في النار إن أدخلها كسائر مرتكبي الكبائر عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


[اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء].

س: هل هناك فرق بين المسلمين الذين عندهم نوع من الشرك، وبين المشركين الذين لم يعترفوا بالإسلام؟

ج: لا فرق بين من يرتكب في بدع شركية تخرج من ينتسب إلى الإسلام منه، وبين من لم يدخل في الإسلام مطلقاً في تحريم المناكحة، ومنع التوارث بينهم وبين المسلمين، ولكن بينهم تفاوتاً في درجة طغيانهم، فمثلاً الأول: يعتبر مرتداً عن الإسلام يستتاب فإن تاب وإلا قتل لردته، وماله لبيت المال لا لزوجه وأهله؛ لقول النبي : { من بدل دينه فاقتلوه } والثاني: يدعى إلى الإسلام فإن استجاب فبها، وإلا شرع جهاده وقتاله كسائر الكافرين، وماله فيء أو غنيمة للمسلمين إن أخذوه في جهاد، ولورثته من أهل دينه إن مات في غير جهاد، إلا أن يكون المشرك من أهل الكتاب والمجوس فإنهم يقرون بالجزية إذا التزموا بها عن يد وهم صاغرون وإلا قوتلوا عند القدرة على ذلك؛ لقوله سبحانه: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وثبت عنه أنه أخذ الجزية من مجوسي هجر.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصبحه وسلم.


[اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء].

س: ما أنواع الشرك القولية؟

ج: الشرك: هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى: كالذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والدعاء لغير الله، والاستغاثة بغير الله، كما يفعل عباد القبور اليوم عند الأضرحة من مناداة الأموات، وطلب قضاء الحاجات، وتفريج الكربات من الموتى، والطواف بأضرحتهم، وذبح القرابين، عندها تقرباً إليهم، والنذر لهم وما أشبه ذلك، هذا هو الشرك الأكبر لأنه صرف للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا يقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] ويقول: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31]، ويقول جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] والآيات في هذا الموضوع كثيرة، والشرك أنواع:

النوع الأول: الشرك الأكبر الذي يخرج عن الملة، وهو الذي ذكرنا أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله كأن يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يدعو غير الله، كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، وهذا لا يغفره الله عز وجل إلا بالتوبة، كما قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء: 48].

النوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة لكن خطره عظيم، وهو أيضاً على الصحيح لا يغفر إلا بالتوبة لقوله: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48]، وذلك يشمل الأكبر والأصغر، والشرك الأصغر مثل الحلف بغير الله، ومثل قوله: ما شاء الله وشئت، بأن تعطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق بالواو، لأن (الواو) تقتضي التشريك.

الصواب أن تقول: ما شاء الله ثم شئت؛ لأن (ثم) تقتضي الترتيب، وكذا لولا الله وأنت، وما أشبه ذلك كله من الشرك في الألفاظ، وكذلك الرياء أيضاً وهو شرك خفي؛ لأنه من أعمال القلوب ولا ينطق به ولا يظهر على عمل الجوارح، ولا يظهر على اللسان إنما هو شيء في القلوب لا يعلمه إلا الله.

إذاً فالشرك على ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي، وهو الرياء وما في القلوب من المقصود - النيات - لغير الله سبحانه وتعالى.

والرياء معناه: أن يعمل عملاً ظاهره أنه لله لكنه يقصد به غير الله سبحانه وتعالى، كأن يقصد أن يمدحه الناس وأن يثني عليه الناس، أو يقصد به طمعاً من مطامع الدنيا، كما قال سبحانه وتعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:16،15].

فالذي يحج أو يطلب العلم أو يعمل أعمالاً هي من أعمال العبادات لكنه يقصد بها طمعاً من مطامع الدنيا، فهذا إنما يريد بعمله الدنيا، وهذا محبط للعمل.

فالرياء محبط للعمل، وقصد الدنيا بالعمل يحبط العمل، قال النبي : { أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر } فسئل عنه فقال:{ الرياء } [رواه أحمد والبغوي والطبراني، كلهم من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه]، وقال عليه الصلاة والسلام: { الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء، على صفاة سوداء، في ظلمة الليل، وكفارته أن يقول: اللهم إنني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم } [رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد] فالواجب على المسلم أن يخلص لله في أفعاله وأقواله ونياته لله جميع ما يصدر عنه من قول أو عمل أو نية، ليكون عمله صالحاً مقبولاً عند الله عز وجل.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.


[اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء].

يوسف التازي
17-01-15, 04:07 PM
أنواع الشرك:

الشرك ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.

وهذا التقسيم هو أحسن التقاسيم المذكورة لأنواع الشرك[1].

النوع الأول: الشرك الأكبر:

وهو ثلاثة أنواع، يتعلق كل نوع بأنواع التوحيد الثلاثة.

قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقاً، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه"[2].

1- الشرك في الربوبية:

قال ابن تيمية: "أما النوع الثاني فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته"[3].

وهذا إما شرك في التعطيل وإما شرك في الأنداد:

أ- شرك التعطيل:

قال سليمان آل الشيخ: "شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: {وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ} [الشعراء:23]، ومن هذا شرك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوماً أصلا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس.

ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، كابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض، ونحوهم من الملاحدة الذين كسوا الإلحاد حلية الإسلام، ومزجوه بشيء من الحق، حتى راج أمرهم على خفافيش البصائر"[4].

ب- شرك الأنداد:

وهو شرك من جعل مع الله إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته.

قال سليمان آل الشيخ: "النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.

ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها مدبّرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ويلتحق به من وجه شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواحَ الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرجون الكربات، وينصرون من دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم ولاذ بحماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية"[5].

وخلاصة هذا النوع ما يلي:

أ- الشرك في الربوبية بالتعطيل: وذلك إما بالإلحاد كقول فرعون: {وَمَا رَبُّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ} وكالمذهب الشيوعي، وإما بتعطيل الكون عن صانعه كالقول بقدم العالم والقول بوحدة الوجود، وإما بتعطيل الصانع عن أفعاله كشرك منكري إرسال الرسل ومنكري القدر والبعث وغير ذلك.

ب- الشرك في الربوبية بالأنداد: وذلك إما بدعوى تصرف غير الله تعالى في الكون كشرك مشركي قوم إبراهيم الصابئة والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد والأبدال المعتقدين فيهم التصرف والتدبير، وإما بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله تعالى كما هو عند النصارى وغيرهم وكما هو في القوانين الوضعية، وإما بدعوى تأثير النجوم والهياكل في الكون كما يعتقده الصابئة من قوم إبراهيم، أو دعوى تأثير الأولياء أو التمائم والأحجبة[6].

2- الشرك في توحيد الأسماء والصفات:

وهو أيضا إما بالتعطيل وإما بالأنداد:

أ- شرك التعطيل:

وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس، كشرك الجهمية الغلاة والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله عز وجل وصفاته[7].

ب- شرك الأنداد:

وهو على وجهين:

الوجه الأول: إثبات صفات الله تعالى للمخلوقين، وذلك بالتمثيل في أسمائه أو صفاته كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك التنجيم والعرافة والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو التماس النفع من غير الله، أو بالاستغاثة بغير الله، أو تسمية غيره غوثاً، أو بالسحر والتسحّر.

الوجه الثاني: وصف الله تعالى وتقدس بصفات المخلوقين، كشرك اليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا الله بخلقه، فوصفوا الله تعالى بأنه فقير وأن يده مغلولة، وهكذا النصارى في قولهم بالبنوة والأبوة، وما إلى ذلك من صفات المخلوقات.

ويدخل في ذلك كل من شبّه الله بخلقه ومثله بهم من هذه الأمة[8].

3- الشرك في توحيد الألوهية:

قال ابن تيمية: "فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله نداً ـ أي: مثلاً ـ في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:48]، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى: {وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ظ±للَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ظ±للَّهِ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} الآية [البقرة:165]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ظ±للَّهِ زُلْفَى} الآية [الزمر:3]، وقالوا: {أَجَعَلَ ظ±لآلِهَةَ إِلَـظ°هاً وظ°حِداً إِنَّ هَـظ°ذَا لَشَىْء عُجَابٌ} [ص:5]، وقال تعالى: {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [ق:24]، إلى قوله: {ظ±لَّذِى جَعَلَ مَعَ ظ±للَّهِ إِلَـظ°هاً ءاخَرَ فَأَلْقِيَـظ°هُ فِى ظ±لْعَذَابِ ظ±لشَّدِيدِ} [ق:26]"[9].

وقال المقريزي: "فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عبّاد الأصنام، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجن، وعبّاد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، الذين قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قربٌ وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته. والكتب الإلهية كلها من أوّلها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وتردّه، وتقبِّح أهله، وتنصّ على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أوّلهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله"[10].

أنواع الشرك في الألوهية:

أ- شرك الدعوة:

قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ظ±لْفُلْكِ دَعَوُاْ ظ±للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ظ±لدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ظ±لْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65].

قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه {دَعَوُاْ ظ±للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ظ±لدّينَ}، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ظ±لْبَرّ}، يقول: فلما خلّصهم مما كانوا فيه وسلّمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكاً في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أرباباً"[11].

وقال تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ظ±للَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ B وَإِن يَمْسَسْكَ ظ±للَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [يونس:106، 107].

قال ابن جرير: "ولا تدع ـ يا محمد ـ من دون معبودك وخالقك شيئاً لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام، أي: لا تعبدها راجياً نفعها أو خائفاً ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، {فَإِن فَعَلْتَ} ذلك فدعوتَها من دون الله {فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ}، يقول: من المشركين بالله الظالمين أنفسهم"[12].

وقال سليمان آل الشيخ: "والآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر، ولهذا قال: {وَإِن يَمْسَسْكَ ظ±للَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس:107]، لأنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع، ولازم ذلك إفراده بتوحيد الإلهية لأنهما متلازمان، وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب الخير، لأنه لا يكشف الضر إلا هو، ولا يجلب الخير إلا هو، {مَّا يَفْتَحِ ظ±للَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ} [فاطر:4]، فتعيّن أن لا يدعَى لذلك إلا هو، وبطل دعاء مَن سواه ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن غيره، وهذا ضدّ ما عليه عبّاد القبور، فإنهم يعتقدون أن الأولياء والطواغيت الذين يسمونهم المجاذيب ينفعون ويضرون، ويمَسّون بالضر ويكشفونه، وأن لهم التصرف المطلق في الملك"[13].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ظ±للَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىظ° يَوْمِ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـظ°فِلُونَ E وَإِذَا حُشِرَ ظ±لنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـظ°فِرِينَ} [الأحقاف:5، 6].

قال سليمان آل الشيخ: "حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى حكم بأنه لا أضلّ ممن يدعو من دون الله لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة واستغاثة مَن هذه حالُه، ومعنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضُّلاَّل كلِّهم أبلغ ضلالاً ممن عبد غير الله ودعاه حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه من لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دام في الدنيا وإلى أن تقوم القيامة"[14].

وقد قـرّر العلماء أن دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمان، قال سليمان آل الشيخ: "واعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، ويراد به في القرآن هذا تارة، وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان.

فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، فالمعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضراً ولا نفعاً كقوله: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ظ±للَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَظ±للَّهُ هُوَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لْعَلِيمُ} [المائدة:76]، وذلك كثير في القرآن، فهو يدعي للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعي خوفاً ورجاء دعاء العبادة، فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم دعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، وهذا لو لم يرد في دعاء المسألة بخصوصه من القرآن إلا الآيات التي ذكر فيها دعاء العبادة، فكيف وقد ذكر الله في القرآن في غير موضع، قال تعالى: {ظ±دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55]، وقال تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة:16] وغير ذلك"[15].

وقد نص العلماء على أن من صرف شيئاً من نوعَي الدعاء لغير الله فهو مشرك.

قال ابن تيمية: "من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكّل عليهم يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً"[16].

وقال ابن القيم: "ومن أنواعه ـ أي: الشرك ـ طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم"[17].

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن نوع هذا الشرك أن يعتقد الإنسان في غير الله من نجم أو إنسان أو نبي أو صالح أو كاهن أو ساحر أو نبات أو حيوان أو غير ذلك أنه يقدر بذاته على جلب منفعة من دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة"[18].

وقال سليمان آل الشيخ: "فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئاً من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام؛ إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما، كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون، ومجرّد التلفّظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعاً"[19].

ب- شرك النية والإرادة والقصد:

قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ظ±لْحَيَوظ°ةَ ظ±لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـئِكَ ظ±لَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ظ±لآخِرَةِ إِلاَّ ظ±لنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود:15، 16].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من عمل صالحاً التماس الدنيا، صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أوفّيه الذي التمَسَ في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمل التمَاسَ الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين)[20].

وقال ابن القيم: "أما الشرك في الإرادات والنيّات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلّ من ينجو منه، من أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقريب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته"[21].

وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن معنى قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ظ±لْحَيَوظ°ةَ ظ±لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} فأجاب بما ملخصه: "ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه، فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصاً لله لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همّة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب.

النوع الثاني وهو أكبر من الأول وأخوف: وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.

النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد به مالاً، مثل أن يحج لمالٍ يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضاً هذا النوع في تفسير هذه الآية، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم؛ لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.

النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له لكنه على عمل يكفّره كفراً يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم.

بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالباً ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً قاصداً بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأهل الدنيا، فهو لما غلب عليه منهما"[22].

تنبيه هام:

مما ينبغي التأكيد عليه هنا أنه لا بد من التفريق بين شرك الإرادة المستوجب للشرك الأكبر والخلود في النار، وبين الشرك الأصغر المستوجب لحبوط العمل وإن لم يكن مخرجاً من الملة.

والضابط الفارق في ذلك هو النظر إلى النية والباعث على العمل، فمن كان عمله اتباعاً للهوى مطلقاً وإرادة الدنيا أصلاً كان مشركاً شركاً أكبر، ومن كان الباعث له على العمل حب الله وابتغاء رضوانه والدار الآخرة لكن دخل مع ذلك حب الجاه أو نحو ذلك من أسباب الرياء كان مشركاً شركاً أصغر[23].

ج- شرك الطاعة:

قال تعالى: {ظ±تَّخَذُواْ أَحْبَـظ°رَهُمْ وَرُهْبَـظ°نَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ظ±للَّهِ وَظ±لْمَسِيحَ ظ±بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـظ°هاً وظ°حِداً لاَّ إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـظ°نَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وتفسيرها الذي لا إشكال فيه هو طاعة العلماء والعباد في معصية الله سبحانه، لا دعاؤهم إياهم، كما فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم! فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية"[24].

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ((يا عدّي، اطرح عنك هذا الوثن))، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {ظ±تَّخَذُواْ أَحْبَـظ°رَهُمْ وَرُهْبَـظ°نَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ظ±للَّهِ}، قال: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه))[25].

قال ابن تيمية: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحلّ الله يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله فيتّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤساهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.

والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً[26]، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما الطاعة في المعروف))[27]، وقال: ((على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية))[28]" [29].

وقال ابن تيمية أيضاً: "ثم ذلك المحرِّم للحلال والمحلِّل للحرام إن كان مجتهداً قصدُه ابتاع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمّه الله، لا سيما إن اتّبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحقّ صاحبه العقوبة عليه"[30].

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بيان فوائد حديث عدي رضي الله عنه: "وفيه تغيّر الأحوال إلى هذه الغاية صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، ويسمونها الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه"[31].

قال سليمان آل الشيخ: "يشير إلى ما يعتقده كثير من الناس فيمن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع والعطاء والمنع، ويسمون ذلك الولاية والسر، ونحو ذلك وهو الشرك.

وقوله: وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، أي: هي التي تسمّى اليوم العلم والفقه المؤلَّف على مذاهب الأئمة ونحوهم، فيطيعونهم في كل ما يطيعونك[32]، سواء وافق حكم الله أم خالفه، بل لا يعبؤون بما خالف ذلك من كتاب وسنة، بل يردون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلَّدوه، ويصرِّحون بأنه لا يحلّ العمل بكتاب ولا سنة، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما، وإنما الفقه والهدى عندهم هو ما وجدوه في هذه الكتب، بل أعظم من ذلك وأطمّ رمي كثير منهم كلام الله وكلام رسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده، ويسمّونها ظواهر لفظية، ويسمّون ما وضعه الفلاسفة المشركون القواطع العقلية، ثم يقدّمونها في باب الأسماء والصفات والتوحيد على ما جاء من عند الله، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين وطاعة رسوله وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو الكفر"[33].

د- شرك المحبة:

قال تعالى: {وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ظ±للَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ظ±للَّهِ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ ظ±لْعَذَابَ أَنَّ ظ±لْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ظ±للَّهَ شَدِيدُ ظ±لْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ ظ±لَّذِينَ ظ±تُّبِعُواْ مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ظ±لْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ظ±لأسْبَابُ * وَقَالَ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءواْ مِنَّا كَذظ°لِكَ يُرِيهِمُ ظ±للَّهُ أَعْمَـظ°لَهُمْ حَسَرظ°تٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَـظ°رِجِينَ مِنَ ظ±لنَّارِ} [البقرة:165-167].

قال ابن زيد: "هؤلاء المشركون، أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حباً لله من حبهم هم لآلهتهم"[34].

قال ابن القيم: "منزلة المحبة: وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علَمها شمّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرِمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدِمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه" إلى آخر كلامه[35].

وقال سليمان آل الشيخ: "واعلم أن المحبة قسمان: مشتركة وخاصة.

فالمشتركة ثلاثة أنواع:

أحدها: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.

الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضاً لا تستلزم التعظيم.

الثالث: محبة أنس وإلف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضاً، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضاً.

فهذه الأنواع الثلاثة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركاً في محبة الله، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبّهن إليه، وكان يحبّ أصحابه، وأحبّهم إليه الصديق رضي الله عنه.

القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحبّ العبد بها غيره كان شركاً لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلاً، وهي التي سوّى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها"[36].

هـ- شرك الخوف:

قال تعالى: {إِنَّمَا ذظ°لِكُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:175].

قال مجاهد: "يخوّف المؤمنين بالكفار"[37].

قال سليمان آل الشيخ: "الخوف على ثلاثة أقسام:

أحدها: خوف الشر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء، من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك، بقدرته ومشيئته، سواء ادَّعى أن ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلاً، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله نداً يخافه هذا الخوف فهو مشرك.

وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم، ولهذا يخوفوِّن به أولياء الرحمن، وهذا القسم هو الواقع اليوم من عبّاد القبور، فإنهم يخافون الصالحين، بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشدّ، ولهذا إذا توجّهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان كاذباً أو صادقاً، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يُقدم على اليمين إن كان كاذباً، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله، ولا ريب أنّ هذا ما بلغ إليه شرك الأولين، بل جهد أيمانهم اليمين بالله تعالى.

الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم.

الثالث: خوف وعيد الله الذي توعّد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: {ذظ°لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم:14]، وقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وإنما يكون محموداً إذا لم يوقع في القنوط واليأس من رَوح الله.

بقي قسم رابع: وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك، فهذا لا يذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى عليه الصلاة والسلام في قوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} [القصص:21]"[38].

يوسف التازي
17-01-15, 04:08 PM
و- الشرك في التوكل:

قال تعالى: {وَعَلَى ظ±للَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة:23].

قال سليمان آل الشيخ: "وفي الآية دليل على أن التوكل على الله عبادة، وعلى أنه فرض، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك"[39].

وقال تعالى: {إِنَّمَا ظ±لْمُؤْمِنُونَ ظ±لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ظ±للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـظ°تُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـظ°ناً وَعَلَىظ° رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2].

قال ابن كثير: "أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن المسيب: التوكل على الله جماع الإيمان"[40].

قال ابن القيم: "التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم"[41].

وأما التوكل على غير الله فهو قسمان.

قال سليمان آل الشيخ: "أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك أكبر، فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله تبارك وتعالى.

والثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكّل على أمير أو سلطان، فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا شرك خفي.

والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان في فعل مقدور عليه، ولكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكّله، بل يتوكّل على الله، ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه"[42].

النوع الثاني: الشرك الأصغر:

1- تعريفه:

قال ابن سعدي: "هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسّل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك"[43].

وقال السلمان: "هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر"[44].

وعرفه بعضهم بأنه تسوية غير الله بالله في هيئة العمل أو أقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، وقوله: اللهم اغفر لي إن شئت، وقوله: عبد الحارث، ونحو ذلك"[45].

واختار البعض أنه لا يعرف بل يذكر بالأمثلة، لأن تعريفه غير منضبط لكثرة أفراده وتنوعه، وذلك كما صنع ابن القيم[46].

2- مصدر تسميته بالشرك الأصغر:

جاء في بعض النصوص الشرعية تسمية هذا النوع من الشرك بالشرك الأصغر.

فعن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء))[47].

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كنا نعدّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر[48].

3- أنواعه:

للشرك الأصغر أنواع كثيرة، ويمكن حصرها فيما يأتي:

أ- قـولـي: وهو ما كان باللسان، ويدخل فيه ما يأتي:

1- الحلف بغير الله تعالى:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من حلف بغير فقد كفر أو أشرك))[49].

قال ابن تيمية: "والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك.

وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح، حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: (لأن أحلفَ بالله كاذباً أحبّ إليَّ من أن أحلف بغير الله صادقاً)، وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب"[50].

وقال سليمان آل الشيخ: "قوله: ((فقد كفر أو أشرك)) أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفرَ شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله، فلولا أنه كفرٌ ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك.

وقال الجمهور: لا يكفر كفراً ينقل عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر، كما نصّ على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأنّ هذا كفارة له مع استغفاره، كما قال في الحديث الصحيح: ((ومن حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله))[51]، وفي رواية ((فليستغفر))، فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورةَ تعظيم الصنم، حيث حلف به، لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قُدّر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره، لكن الذي يفعله عبّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الإيمان صادقاً أو كاذباً، فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك لم يقدِم على اليمين به إن كان كاذباً، فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجلّ وأعظم من الله، وهذا ما بلغ إليه شرك عبّاد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِظ±للَّهِ جَهْدَ أَيْمَـظ°نِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ظ±للَّهُ مَن يَمُوتُ} [النحل:38]"[52].

2- قول: "ما شاء الله وشئت":

عن قُتيلة امرأة من جهينة أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تندّدون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت[53].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت))[54].

قال سليمان آل الشيخ: قوله: (إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت) هذا نص في أن هذا اللفظ من الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ اليهودي على تسمية هذا اللفظ تنديداً أو شركاً، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك، وقول: ما شاء الله ثم شئت، وإن كان الأولى قول: ما شاء الله وحده كما يدل عليه حديث ابن عباس وغيره[55]. وعلى النهي عن قول: (ما شاء الله وشئت) جمهور العلماء"[56].

وقال أيضاً: "وفي الحديث من الفوائد: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، وكثير ممن يدعي الإسلام لا يعرف الشرك الأكبر... وأن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر لا يمرق به الإنسان من الإسلام"[57].

3- الاستسقاء بالأنواء:

قال تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ} [المعارج:82].

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (شكركم، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا)[58].

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما مُطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافراً يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا)[59].

وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلـى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب))[60].

قال سليمان آل الشيخ: "والمراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير الله وكفران نعمته، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر المنزل له بدليل قوله في الحديث: ((فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته)) الخ، فلو كان المراد هو الأكبر لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا، فأتى بباب السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما اعتقدوه سبباً"[61].

وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيراً في إنزال المطر فهذا شرك وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعاً أو يدفع عنهم ضراً، وأنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا هو الشرك الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه وقتال من فعله. وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلاً، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، لكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح: أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح وجزم في الإنصاف بتحريمه ولو على طريق المجاز، وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخَّر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شركاً أصغر، والله أعلم"[62].

ب- فعلـي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يأتي:

1- التطير:

قال ابن الأثير: "الطيَرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء. وهي مصدر تطيّر، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر"[63].

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل))[64].

قال ابن تيمية: "وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمراً متوكّلاً على الله أو يعزم عليه، فيسمع كلمة مكروهة: مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك فيتطيّر ويترك الأمر، فهذا منهي عنه"[65].

وقال سليمان آل الشيخ: "قوله: ((الطيرة شرك)) صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك لما فيها من تعلّق القلب على غير الله"[66].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك))، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: ((أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك))[67].

قال سليمان آل الشيخ: "قوله: ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك)) وذلك أن التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره وامتنع بها عمّا عزم عليه، فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، وذلك قاطع له عن مقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيصير قلبه متعلقاً بغير الله، وذلك شرك، فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفًا لسهام الطيرة، ويقيّض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة"[68].

2- إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم:

عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة))[69].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم))[70].

قال الخطابي: "الكاهن هو الذي يدّعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن... وكان منهم من يسمّى عرافاً، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالشيء يُسرق فيعرف المظنون به السرقة"[71].

وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: " وأكثر ما يقع في هذه الأمة ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة بما يقع في الأرض من الأخبار فيظنه الجاهل كشفاً وكرامة، وقد اغترّ بذلك كثير من الناس، يظنون المخبِر لهم بذلك عن الجن ولياً لله، وهو من أولياء الشيطان"[72].

قال الشيخ سليمان آل الشيخ: "وظاهر الحديث[73] أنَّ هذا الوعيد مرتّب على مجيئه وسؤاله، سواء صدّقه أو شكّ في خبره، لأن إتيان الكهان منهي عنه كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي قلت: يا رسول الله، إن منا رجلاً يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم))[74]، ولأنه إذا شكّ في خبره فقد شكّ في أنّه لا يعلم الغيب، وذلك موجب للوعيد، بل يجب عليه أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم الغيب إلا الله"[75].

وقال الشيخ أيضاً: "وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان ذلك من قبل الشياطين، أو من قبل الإلهام، لا سيما وغالب الكهان في وقت النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين"[76].

وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يتوقف فيه، فلا يقال: يخرج عن الملة ولا يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى"[77].

وقال ابن قاسم: "الأحاديث التي فيها الكفر مقيّدة بتصديقه"[78].

وقال ابن عثيمين: "وظاهر الحديث أن مجرّد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوماً، ولكنه ليس على إطلاقه، فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:

القسم الأول: أن يسأله سؤالاً مجرّداً فهذا حرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أتى عرافاً...)) إلخ، فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه، إذ لا عقوبة إلا على محرّم.

القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قولَه، فهذا كفر، لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن.

القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب؟ لا لأجل أن يأخذ بقوله، فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث.

القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمُور، وهذا قد يكون واجباً أو مطلوباً"[79].

وقال ابن عثيمين أيضاً: "قوله: ((كفر بما أنزل على محمد)) وجه ذلك: أن ما أنزل على محمد قال الله تعالى فيه: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وظ°تِ وظ±لأرْضِ ظ±لْغَيْبَ إِلاَّ ظ±للَّهُ} [النمل:65]، وهذا من أقوى طرق الحصر، لأن فيه النفي والإثبات، فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب، وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة، وإن كان جاهلاً ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكفره كفر دون كفر"[80].

3- لبس الحلقة والخيط ونحوها:

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط وغيرهما لرفع البلاء أو دفعه، وقول الله تعالى: {أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ظ±للَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ظ±للَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـظ°شِفَـظ°تُ ضُرّهِ} [الزمر:38]"[81].

قال سليمان آل الشيخ: "فهم يعلمون أنّ ذلك لله وحده، وقد دخل في ذلك كلّ من دعا من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين فضلاً عن غيرهم، فلا يقدر أحد على كشف ضر ولا إمساك رحمة، وإذا كان كذلك بطلت عبادتهم من دون الله، وإذا بطلت عبادتهم فبطلان دعوة الآلهة والأصنام أبطل وأبطل، ولبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه كذلك، فهذا وجه استدلال المصنف بالآية، وإن كانت الترجمة في الشرك الأصغر، فإن السلف يستدلون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما استدل حذيفة وابن عباس وغيرهما، وكذلك من جعل رؤوس الحمر ونحوها في البيت والزرع لدفع العين كما يفعله أشباه المشركين، فإنه يدخل في ذلك"[82].

وقال ابن عثيمين: "ولبس هذه الأشياء قد يكون شركاً أصغر، وقد يكون شركاً أكبر، بحسب اعتقاد لابسها، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك لأن كل من أثبت له سبباً لم يجعله الله سبباً شرعياً ولا قدرياً فقد أشرك بالله"[83].

وقال أيضاً: "ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية، لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره، وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثراً بنفسه فهو مشرك شركاً أصغر، لأنه اعتقد أن ما ليس بسبب سبب، فقد شارك الله في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سبباً"[84].

4-تعليق التمائم:

عن زينب امرأة عبد الله، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك))، قالت: قلت: لم تقول هذا؟ والله لقد كان عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أذهِب البأس، ربَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً))[85].

قال ابن الأثير: "التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تحلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام"[86].

وقال أيضاً: "وإنما جعلها شركاً لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه"[87].

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "التمائم: شيء يعلق على الأولاد عن العين، لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فرخَّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخِّص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.

والرقى: هي التي تسمّى العزائم، فخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة.

والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته"[88].

قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته:

فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص[89]، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.

وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر، وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.

وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:

الأول: عموم النهي ولا مخصّص للعموم.

الثاني: سدّ الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.

الثالث: أنه إذا علّق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك"[90].

قال ابن عثيمين: "قوله: ((شرك)) هل هي شرك أصغر أو أكبر؟

نقول: بحسب ما يريد الإنسان منها، إن اتخذها معتقِداً أن المسبّب هو الله فهي شرك أصغر، وإن اعتقد أنها تفعل بنفسها فهي شرك أكبر"[91].

يوسف التازي
17-01-15, 04:10 PM
- قلبـي:

ومن أمثلته الرياء، عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء))[92].

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فيه مسائل:

الأولى: الخوف من الشرك.

الثانية: أن الرياء من الشرك.

الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.

الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين"[93].

قال سليمان آل الشيخ: "ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلم الله، كان هذا أخوف ما يخاف على الصالحين، لقوة الداعي إلى ذلك، والمعصوم من عصمه الله، وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر، فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين، ولهذا يكون الإلقاء في النار أسهل عندهم من الكفر، وإما ضعيف، هذا مع العافية، وأما مع البلاء فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء"[94].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))[95].

قال سليمان آل الشيخ: "لما كان المرائي قاصداً بعمله الله تعالى وغيره كان قد جعل الله تعالى شريكاً، فإذا كان كذلك فالله تعالى هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك، فإن كماله تبارك وتعالى وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك"[96].

وقال ابن عثيمين: "الرياء من الشرك الأصغر، لأن الإنسان قصد بعمله غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثّل ابن القيم للشرك الأصغر فقال: مثل يسير الرياء، وهذا يدل على أن الرياء كثيره قد يصل إلى الأكبر"[97].

والرياء له صور متعددة:

فقد يكون بالأعمال، كمن يصلي فيطيل القيام، ويطيل الركوع والسجود، ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له.

وقد يكون بالأقوال، كالرياء بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس مع التغافل عنه إذا كان في منزله.

وقد يكون بالزي، كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيراً ليقال: عابد زاهد.

وقد يكون بالأصحاب والزائرين، كالذي يتكلّف أن يستزير عالماً أو عابداً ليقال: إن فلاناً قد زار فلاناً.

وقد يكون الرياء لأهل الدنيا، كمن يتبختر ويختال في مشيته وتحريك يديه وتقريب خطاه، أو يأخذ بطرف ثوبه أو يصعّر خده ونحو ذلك.

وقد يكون من جهة البدن، كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناسَ أنه جادّ في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في همّ الدين لا يتفرّغ لتسريح شعره ونحو ذلك[98].

حكم العمل إذا خالطه الرياء:

قال ابن رجب: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام:

فتارة يكون رياء محضاً بحيث لا يراد به سوى مراعاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله عز وجل: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ظ±لصَّلَوظ°ةِ قَامُواْ كُسَالَىظ° يُرَاءونَ ظ±لنَّاسَ} [النساء:142]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.

وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضاً وحبوطه كحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) [99]، وروي عن طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وابن المسيب وغيرهم.

فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئاً تم لهم أجرهم))[100].

وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ودفعه فلا يضر بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري"[101].

النوع الثالث: الشرك الخفي:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟)) قال: قلنا: بلى، قال: ((الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل))[102].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل))، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: ((قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفره لما لا نعلم))[103].

هذه النصوص تدلّ على أن هناك نوعاً آخر من الشرك يسمّى الشرك الخفي، فهل هذا يدخل تحت أحد نوعي الشرك أم هو نوع مستقل بذاته؟ اختلفوا في ذلك، فقيل: يمكن أن يجعل الشرك الخفي نوعاً من الشرك الأصغر، فيكون الشرك حينئذ نوعين: شرك أكبر ويكون في عقائد القلوب، وشرك أصغر ويكون في هيئة الأفعال وأقوال اللسان والإرادات الخفية، ولكن الظاهر من النصوص أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وليس له وصف منضبط، بل دائماً يتردّد بين أن يكون من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، بل هو كل ما خفي من أنواع الشرك[104].

ومن أمثلة الشرك الخفي ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} [البقرة:22] قال: (الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاء سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك)[105].

قال سليمان آل الشيخ: "أي: إن هذه الأمور من الشرك خفيةٌ في الناس، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل، فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء؟ فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدّعي الإسلام وعسر التخلص منه"[106].

وقال ابن عثيمين: "قوله: (هذا كله به شرك) وهو شرك أكبر أو أصغر، حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك"[107].

وعلى هذا فيجب الحذر من هذا النوع من الشرك لكثرة الاشتباه فيه، فربما يظن في أمر من الأمور أنه من الشرك الأصغر وهو في واقع الأمر من الشرك الأكبر، وهكذا العكس، وذلك لخفاء مأخذه، ودقة أمره، وصعوبة معرفته، فيكون مجاله الأمر المشتبه الذي لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العلم، وإن كان قد يخفى على غيرهم ممن لم يكمل نظره، وضعف فهمه في أدلة الكتاب والسنة[108].

يوسف التازي
17-01-15, 04:13 PM
أنواع الشرك بالله


بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أقول وبالله التوفيق
بأن الله تعالى جعل الشرك بالله من أكبر الكبائر , بل الشرك بالله كبيرة لا تغتفر قال تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)النساء
وقال ((ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح فى مكان سحيق ))الحج
لقد شبه الله تعالى هذا الذى يشرك بالله كم سقط من السماء وقطعته الطير وذهبت به الرحيح في مكان بعيد

وعن عبد الله بن مسعود قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال( أن تجعل لله ندا وقد خلقك )
والند هو الشريك
واعلم أخي أن الشرك نوعان
1- شرك فى العقيدة :- هو أن يجعل المرء لله ندا كما سبق قال تعالى ((وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار )
ومثل هؤلاء من يقول بأن المسيح بن الله ومن يقول بأن عزير بن الله ومن يعبد الحجر والشجر والكواكب وغير ذلك
2- والنوع الثانى الشرك فى العمل :- كمن يصلى لا يقصد بصلاته رضى الله بل يريد كلام الناس ومدح الناس له
ومثل هذا من يصلى اماما ويحسن صوته ليقول الناس صوته حسن
قال صلى الله عليه وسلم ((إن أخوف ما أخافه عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء بالأعمال ))
إن الله تعالى يريدك حين تعبده أن تكون العبادة خالصة له تعالى

قال تعالى ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ))البينة
أسأل الله أن ينفع بهذا الكلام

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم




المصدر: منتديات نور اليقين

يوسف التازي
17-01-15, 04:13 PM
ما هو الشرك؟
يقول السائل: فضيلة الشيخ، ما هو الشرك؟ أفيدونا أفادكم الله.



إن الشرك هو أعظم الذنوب، وهو أعظم الجرائم، وهو الذي جرى بين الرسل وبين الأمم فيه النزاع، فالأمم كانت على الشرك إلا من هداه الله وحفظه من أفراد الناس، والرسل تدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له.

وكان هذا الشرك قد حدث في قوم نوح بأسباب غلوهم في ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، لما غلوا فيهم وعظموهم التعظيم الذي نهى الله عنه وقعوا في الشرك بعد ذلك، وصاروا يستغيثون بهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، فلما ظهر فيهم هذا الشرك بعث الله إليهم نوحاً عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم من هذا الشرك ويحذرهم منه.

ولم يزل فيهم يدعوهم إلى الله ويأمرهم بالإخلاص لله سبحانه وتعالى والتوبة إلى الله من شركهم، ولكنهم استمروا على طغيانهم وضلالهم إلا القليل، فبعد ذلك أمره الله أن يصنع السفينة وأن يحمل فيها من آمن معه، ومن كل زوجين اثنين، وأهلك الله أهل الأرض وأغرقهم بسبب كفرهم وشركهم بالله سبحانه وتعالى، كما قال الله سبحانه في سورة العنكبوت: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ[1].

وهكذا بعد ذلك الأمم من قوم هود وقوم صالح ومن بعدهم؛ أرسل الله إليهم الرسل تدعوهم لتوحيد الله وتنذرهم الشرك بالله عز وجل، ولم يؤمن إلا القليل، وأكثر الخلق غلب عليهم طاعة الهوى والشيطان، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء وهو أفضلهم وإمامهم، بعثه الله إلى هذه الأمة لينذرهم الشرك بالله، ويدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وطاعته، وكان الشرك في وقته قد انتشر في الأرض وعم، ولم يبق على التوحيد إلا بقايا قليلة من أهل الكتاب، فأنذرهم عليه الصلاة والسلام هذا الشرك، وكانوا يتعلقون بالأشجار والأحجار والأصنام، ويدعون الأنبياء والصالحين، ويستغيثون بهم، وينذرون لهم وكانوا يقولون إنهم شفعاؤنا عند الله، وإنهم يقربونا إلى الله زلفى، كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله سبحانه وتعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، قال الله سبحانه رداً عليهم: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[2].

هذا شأن المشركين يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار والأولياء والأنبياء، وبهم يستغيثون، ولهم ينذرون، وإليهم يتقربون بالذبائح، هذا هو الشرك الأكبر، وهذا هو الذي أنكرته الرسل، وأنكره أتباعهم من دعاة الحق، وقال الله سبحانه في ذلك: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[3]، وقال فيه سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[4]، وقال فيه سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[5]، وقال فيه عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا[6]، وفي موضع آخر: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا[7].

وبهذا نعلم حقيقة الشرك، وأنه تشريك غير الله مع الله في العبادة سبحانه وتعالى، من أولياء، أو أنبياء، أو جن، أو ملائكة، أو أحجار، أو أصنام، أو شجر، أو غير ذلك، هذا هو الشرك الأكبر، والذنب الأعظم الذي نهت عنه الرسل وأنزل الله فيه الكتب سبحانه وتعالى، وتوعد الله عز وجل عليه بعدم المغفرة، وبعدم دخول الجنة.

وهكذا يلحق بذلك جميع أنواع الكفر، كلها حكمها حكم الشرك كمن سب الله، أو سب رسوله، أو استهزأ بالدين، أو تنقص الرسول صلى الله عليه وسلم، أو طعن في رسالته عليه الصلاة والسلام، أو جحد بعض ما أوجب الله من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة كأن جحد وجوب الصلوات الخمس، أو جحد وجوب زكاة المال، أو جحد وجوب صوم رمضان، أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة، أو جحد تحريم الزنا، أو جحد تحريم الخمر، أو جحد تحريم السرقة أو ما أشبه ذلك، كل هذا يسمى كفراً ويسمى شركاً بالله عز وجل، وصاحبه إذا مات عليه مخلد في النار والعياذ بالله، والجنة عليه حرام وأعماله حابطة، كما قال سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[8] ، وقال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[9]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[10].

والواجب على جميع المكلفين الحذر من الشرك، وأن يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله، وتثبت العبادة لله وحده سبحانه، كما قال عز وجل في سورة الحج: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ[11]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[12]، وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[13].

وهذا التوحيد هو الذي خلق الله لأجله الثقلين، كما في قوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[14]، والمعنى أن يخصوني بالعبادة، ويفردوني بعبادتي من صوم وصلاة ودعاء وخوف ورجاء وغير ذلك، هذا هو الواجب على المكلفين جميعاً أن يعبدوا الله وحده ويخصوه بعباداتهم دون كل ما سواه.

أما الرسل والأنبياء فحقهم الاتباع والمحبة والطاعة، أما العبادة فهي حق الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[15]، وقال سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[16]، وقال عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[17]. وهكذا الأولياء حقهم أن يحبوا في الله، وأن يسلك سبيلهم الطيب في طاعة الله ورسله، أما أن يعبدوا مع الله فلا، فالعبادة حق الله لا يعبد مع الله أحد، لا ملك ولا نبي ولا ولي، ولا غير ذلك.

والواجب على جميع المكلفين أن يكون اهتمامهم بهذا الأمر أعظم اهتمام; لأن التوحيد هو أصل الدين وأساس الملة، وهو أعظم واجب وأهم واجب، ولأن الشرك هو أعظم الذنوب وأكبر الجرائم، فوجب أن يكون اهتمام المسلمين واهتمام طلاب العلم والعلماء بهذا الأمر أعظم من كل اهتمام، وأولى من كل أمر. نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق

يوسف التازي
17-01-15, 04:24 PM
نواقض التوحيد
هذا هو الناقض الأول : من نواقض الإسلام، الشرك في عبادة الله تعالى:وقد ذكر لنا المؤلف(الشيخ محمد بن عبدالوهاب) -رحمه الله- دليلين: دليل لحُكم المشرك في الدنيا، ودليل لحُكم المشرك في الآخرة :

الدليـل الأول: في حكم المشرك في الدنيا:
حكمه قال الله -تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إذًا الشرك غير مغفور، والمراد به هنا الشرك الأكبر؛ لأن الله -تعالى- خصّ وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة.


والدليل الثاني: حكمه في الآخرة:

حكمه في الآخرة الجنة على صاحبه حرامٌ، وهو مخلّد في النار -نعوذ بالله-، قال الله -تعالى-: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ .


وإذا كان حكمه في الدنيا لا يغفر، وفي الآخرة مخلّد في النار، والجنة عليه حرام -نسأل الله السلامة والعافية-؛ فإنه في الدنيا -أيضا- تترتب عليه أحكام منها:

أولا: أنه تطلّق زوجته منه إذا كان متزوجًا، فلا بد من التفريق بينه وبينها إلا أن يتوب؛ لأنها مسلمة وهو كافر، والمسلمة لا تبقى في عصمة الكافر، قال الله -تعالى-: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ يعني: الكفار، وقال -تعالى-: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .

من الأحكام -أيضا-: أنه إذا مات لا يُصلَّى عليه، ولا يُغسّل.

ومن الأحكام: أنه لا يُدفن في مقابر المسلمين.

ومن الأحكام: أنه لا يدخل مكة ؛ لأن مكة لا يجوز دخول المشرك، فيها، قال الله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا .

ومنها: أنه لا يرِث ولا يُورث، فإذا كانت زوجته مسلمة، وأولاده مسلمين فلا يرثونه، ويكون ماله لبيت مال المسلمين إلا إذا كان له ولد كافر، فإنه يرثه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ .

ومنها: أنه إذا مات على ذلك فهو من الخالدين في النار -نعوذ بالله من ذلك- والجنة عليه حرام، إذًا تترتب عليه الأحكام إذا فعل ناقضا من هذه النواقض واستمر عليه.

يقول المؤلف: "الشرك في عبادة الله -تعالى-".

ما هي العبادة حتى نعرف الشرك في العبادة؟

العبادة: هي كل ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي، أي: كل ما أمر به الشارع أو نهى عنه، أمر إيجاب أو أمر استحباب، أو نهى عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه.

فالأمر إذا كان واجبا فإنه يجب فعله، وإذا كان مستحبا، فإنه يستحب فعله، والنهي إذا كان نهي تحريم يجب تركه، وإذا كان نهي تنزيه؛ فإنه يكره فعله.

أو تقول: العبادة اسم جامع لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، أي: كل ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي، فمثلا: الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والنذر عبادة، والذبح عبادة، والدعاء عبادة، والتوكل عبادة، والرغبة عبادة، والرهبة عبادة، والجهاد في سبيل الله عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، والإحسان إلى الجيران عبادة، وصِلَة الأرحام عبادة.

وكذلك النواهي، يتركها المسلم تعبُّدًا لله، يترك الشرك، يترك العدوان على الناس في الدماء، العدوان على الناس في الأموال، العدوان على الناس في الأعراض، جحد الحق، يتعبَّد بألا يفعل هذا المنكر، يتعبّد بألا يفعل الزنا، يتعبد لله بأن يترك شرب الخمر، يترك عقوق الوالدين، يترك التعامل بالربا، يترك الغيبة، يترك النميمة، كل هذا عبادة.

فالعبادة: الأوامر والنواهي: الأوامر تفعلها، والنواهي تتركها، تعبُّدًا لله. والأوامر -كما قلنا- قسمان:

أمر إيجاب، وأمر استحباب: أمر إيجاب كالصلاة، هذه واجبة، وأمر استحباب كالسواك مستحب، والنهي: نهي تحريم، كالنهي عن الزنا، ونهي تنزيه كالنهي عن الحديث بعد صلاة العشاء.

وسواء كان العمل ظاهرًا كالصلاة والصيام، أو باطنًا كالنية والإخلاص والصدق والمحبة فعليه فعله، والنهي سواءٌ كان ظاهرا كالزنا، أو باطنا كالعجب والكِبْر والغل والحقد والحسد فعليه تركه.

فإذًا العبادة تشمل الأوامر والنواهي، تشمل الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، التي جاء بها الشرع. فإذا صرف نوعًا من هذه العبادة لغير الله وقع في الشرك.

وقد مثّل المؤلف -رحمه الله- لهذا الناقض قال: كالذبح لغير الله؛ لأن الذبح عبادة، قال الله -تعالى، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وقال -سبحانه-: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ فإذا ذبح لغير الله فقد صرف العبادة لغير الله، فيكون مُشركًا إذا ذبح، ومثّل المؤلف كذلك كأن يذبح للجن، فإذا ذبح للجن أشرك، أو ذبح لصاحب القبر أشرك، أو ذبح للقمر أو للنجم، أو للولي، فإنه يكون قد أشرك.

ومثله الدُّعَاء، إذا دعا غير الله، بأن يطلب المدد من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كطلب الشفاء من غير الله، أو طلب الاستجارة وتفريج الكربة من غير الله، أشرَكَ.

وكذلك الاستعانة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد أشرك.

وكذلك -أيضا- من العبادات طاعة المخلوق في التحليل والتحريم، كأن يطيع أميرًا، أو وزيرا، أو عالما، أو عابدا، أو أبا أو زوجا أو سيدا يطيعه في تحليل الحرام أو تحريم الحلال؛ فيكون شركا؛ لأنه صرَف العبادة لغير الله؛ لأن الله -تعالى- هو المحلٍّل والمحرِّم أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ .

ومثله الركوع، إذا ركع لغير الله، أو سجد لغير الله، فقد صرف العبادة لغير الله، أو طاف بغير بيت الله تقرُّبًا لذلك الغير، أو نذرًا لغير الله، أو حلق رأسه لغير الله كالصوفية يحلق أحدهم رأسه لشيخه تعبُّدا له، وكذلك يركع له أو يسجد له، أو يتوب لغير الله، كالصوفية الذين يتوبون لشيوخهم، والشيعة الذين يتوبون -أيضا- لرؤسائهم، والنصارى الذين يتوبون لقسيسيهم.

لأن التوبة عبادة، قال -تعالى-: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وفي مسند الإمام أحمد أنه جيء بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب فالله -تعالى- هو أهل التقوى وأهل المغفرة، والله -تعالى- هو أهل التوبة، فإذا تاب لغير الله وقع في الشرك؛ لأنه صرف العبادة لغير الله. لمحمد فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: عَرَفَ الحق لأهله

فإذًا المؤلف -رحمه الله- يقول: الناقض الأول: الشرك في عبادة الله، وعرفنا أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

فإذا صرف أي نوع ثبت في الشرع أنه مأمور به، أو ثبت في الشرع أنه منهي عنه -وقع في الشرك، سواء ثبت في الشرع أنه مأمور به أمر إيجاب، أو أمر استحباب، أو نهى عنه الشرع نهي تحريم أو نهي تنزيه، فإذا فعل الأوامر لغير الله، أو ترك النواهي لغير الله فقد وقع في الشرك.

والمؤلف مثّل بالذبح، ومثله الدعاء، ومثله الاستعاذة، ومثله الاستغاثة، ومثله النذر، ومثله الركوع، ومثله السجود، ومثله الطواف، ومثله التوكل، ومثله الخوف، ومثله الرجاء، ومثله حلق الرأس، وغير ذلك من أنواع العبادة.

فإذا صرف واحدًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك، وترتبت عليه الأحكام الآنفة الذكر.

------------------

الكاتب : الشيخ :عبد العزيز الراجحي

المصدر :موقع الشيخ :عبد العزيز الراجحي

يوسف التازي
17-01-15, 04:26 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وبعد :
فنتم اليوم ماتبقى من الدروس السابقه وهو انواع الشرك وبالله التوفيق

ب - أنواع الشرك
الشرك نوعان :

النوع الأول : شرك أكبر يُخرج من الملة ، ويخلَّدُ صاحبُهُ في النار ، إذا مات ولم يتب منه ، وهو صرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله ، كدعاء غير الله ، والتقرب بالذبائح والنذور لغير الله من القبور والجن والشياطين ، والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه أو يُمرضوه ، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات ، وتفريج الكُربات ، مما يُمارسُ الآن حولَ الأضرحة المبنية على قبور الأولياء والصالحين ، قال تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .

والنوع الثاني : شرك أصغر لا يخرج من الملة ؛ لكنه ينقص التوحيد ، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر ، وهو قسمان :

القسم الأول : شرك ظاهر على اللسان والجوارح وهو : ألفاظ وأفعال ، فالألفاظ كالحلف بغير الله ، قال - صلى الله عليه وسلم - : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك . وقول : ما شاء الله وشئت ، قال - صلى الله عليه وسلم - : لما قال له رجل : ما شاء الله وشئت ، فقال : أجعلتني لله نِدًّا ؟ ! قُلْ : ما شاءَ الله وحده . وقول : لولا الله وفلان ، والصوابُ أن يُقالَ : ما شاءَ الله ثُمَّ شاء فلان ؛ ولولا الله ثمَّ فلان ، لأن ( ثم ) تفيدُ الترتيب مع التراخي ، وتجعلُ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ، كما قال تعالى : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .

وأما الواو : فهي لمطلق الجمع والاشتراك ، لا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا ؛ ومثلُه قول : ما لي إلا الله وأنت ، و : هذا من بركات الله وبركاتك .

وأما الأفعال : فمثل لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه ، ومثل تعليق التمائم خوفًا من العين وغيرها ؛ إذا اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاء أو دفعه ، فهذا شرك أصغر ؛ لأن الله لم يجعل هذه أسبابًا ، أما إن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر لأنه تَعلَّق بغير الله .

القسم الثاني من الشرك الأصغر : شرك خفي وهو الشرك في الإرادات والنيات ، كالرياء والسمعة ، كأن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله ؛ يريد به ثناء الناس عليه ، كأن يُحسن صلاته ، أو يتصدق ؛ لأجل أن يُمدح ويُثنى عليه ، أو يتلفظ بالذكر ويحسن صوته بالتلاوة لأجل أن يسمعه الناس ، فيُثنوا عليه ويمدحوه . والرياء إذا خالط العمل أبطله ، قال الله تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أخوفُ ما أخافُ عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : يا رسول الله ، وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء .

ومنه : العملُ لأجل الطمع الدنيوي ، كمن يحج أو يؤذن أو يؤم الناس لأجل المال ، أو يتعلم العلم الشرعي ، أو يجاهد لأجل المال . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تَعِسَ عبدُ الدينار ، وتَعِسَ عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ، إن أُعطي رضي ، وإن لم يُعطَ سخط .

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : ( وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له ، وقلَّ من ينجو منه . فمن أراد بعمله غير وجه الله ، ونوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه ؛ فقد أشرك في نيته وإرادته ، والإخلاص : أن يُخلصَ لله في أفعاله وأقواله ، وإرادته ونيته . وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ، ولا يُقبلُ من أحد غيرها ، وهي حقيقة الإسلام ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ .

وهي ملَّةُ إبراهيمَ - عليه السلام - التي من رغب عنها فهو من أسفَهِ السُّفهاء ) انتهى .

يتلخَّصُ مما مرّ أن هناك فروقًا بين الشرك الأكبر والأصغر ، وهي :

1- الشرك الأكبر يُخرج من الملة ، والشرك الأصغر لا يُخرج من الملة ، لكنه ينقص التوحيد .

2- الشرك الأكبرُ يخلَّدُ صاحبه في النار ، والشرك الأصغر لا يُخلَّد صاحبُه فيها إن دَخَلها .

3- الشركُ الأكبرُ يحبطُ جميعَ الأعمال ، والشركُ الأصغرُ لا يُحبِطُ جميع الأعمال ، وإنما يُحبِطُ الرياءُ والعملُ لأجل الدنيا العملَ الذي خالطاه فقط .

4- الشرك الأكبر يبيح الدم والمال ، والشرك الأصغر لا يبيحهما .



موقع طريق التوبة


.

يوسف التازي
17-01-15, 04:30 PM
ما هي حقيقة الشرك ، وما هي أقسامه؟

--------------------------------------------------------------------------------
أقرأ كثيراً : (هذا الفعل شرك أكبر ، وهذا شرك أصغر ) فهل توضح لي حقيقة الفرق بينهما ؟.

الحمد لله

إن من الواجبات المحتمات ، ومن أهم المهمات ؛ أن يعرف العبد معنى الشرك وخطره وأقسامه حتى يتم توحيده ، ويسلم إسلامه ، ويصح إيمانه . فنقول وبالله التوفيق ومنه السداد :

اعلم ـ وفقك الله لهداه ـ أن الشرك في اللغة هو : اتخاذ الشريك يعني أن يُجعل واحداً شريكاً لآخر . يقال : أشرك بينهما إذا جعلهما اثنين ، أو أشرك في أمره غيره إذا جعل ذلك الأمر لاثنين .

وأما في الشرع فهو : اتخاذ الشريك أو الند مع الله جل وعلا في الربوبية أو في العبادة أو في الأسماء والصفات .

والند هو : النظير والمثيل . ولذا نهى الله تعالى عن اتخاذ الأنداد وذم الذين يتخذونها من دون الله في آيات كثيرة من القرآن فقال تعالى : ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة / 22 .

وقال جل شأنه : ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) إبراهيم / 30 .

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار ) رواه البخاري (4497) ومسلم (92)

أقسام الشرك :

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الشرك والتنديد تارة يكون مخرجاً من الملة ، وتارة لا يكون مخرجاً من الملة ، ولذا اصطلح العلماء على تقسيمه إلى قسمين : ( شرك أكبر ، وشرك أصغر ) وإليك تعريفاً موجزاً بكل قسم :

أولاً : الشرك الأكبر :

وهو أن يصرف لغير اللهِ ما هو محض حق الله من ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .

وهذا الشرك تارة يكون ظاهراً : كشرك عبَّاد الأوثان والأصنام وعبَّاد القبور والأموات والغائبين .

وتارة يكون خفياً : كشرك المتوكلين على غير الله من الآلهة المختلفة ، أو كشرك وكفر المنافقين ؛ فإنهم وإن كان شركهم أكبر يخرج من الملة ويخلد صاحبه في النار ؛ إلا أنه شرك خفي ، لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون الكفر والشرك فهم مشركون في الباطن دون الظاهر .

كما أن هذا الشرك تارة يكون في الاعتقادات :

كاعتقاد أن هناك من يخلق أو يحي أو يميت أو يملك أو يتصرف في هذا الكون مع الله تعالى.

أو اعتقاد أن هناك من يطاع طاعة مطلقة مع الله ، فيطيعونه في تحليل ما شاء وتحريم ما شاء ولو كان ذلك مخالفا لدين الرسل .

أو الشرك بالله في المحبة والتعظيم ، بأن يُحب مخلوقا كما يحب الله ، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله ، وهو الشرك الذي قال الله فيه : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) البقرة / 165 .

أو اعتقاد أن هناك من يعلم الغيب مع الله ، وهذا يكثر لدى بعض الفرق المنحرفة كالرافضة وغلاة الصوفية والباطنية عموما ، حيث يعتقد الرافضة في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب ، وكذلك يعتقد الباطنية والصوفية في أوليائهم نحو ذلك . وكاعتقاد أن هناك من يرحم الرحمة التي تليق بالله عزَّ وجل ، فيرحم مثله وذلك بأن يغفر الذنوب ويعفو عن عباده ويتجاوز عن السيئات .

وتارة يكون في الأقوال :

كمن دعا أو استغاث أو استعان أو استعاذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ؛ سواء كان هذا الغير نبيا أو وليا أو مَلَكا أو جِنِّياًّ ، أو غير ذلك من المخلوقات ، فإن هذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة .

وكمن استهزأ بالدين أو مثل اللهَ بخلقه ، أو أثبت مع الله خالقاً أورازقاً أو مدبراً ، فهذا كله من الشرك الأكبر والذنب العظيم الذي لا يغفر .

وتارة يكون في الأفعال :

كمن يذبح أو يصلي أو يسجد لغير الله ، أو يسن القوانين التي تضاهي حكم الله ويشرعها للناس ، ويلزمهم بالتحاكم إليها ، وكمن ظاهر الكافرين وناصرهم على المؤمنين ، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي أصل الإيمان ، وتخرج فاعلها من ملة الإسلام . نسأل الله عفوه وعافيته .

ثانياً : الشرك الأصغر :

وهو كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر ، أو ورد في النصوص أنه شرك ، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر .

وهذا يكون في الغالب من جهتين :

الأولى : من جهة التعلق ببعض الأسباب التي لم يأذن الله جل وعلا بها ، كتعليق الكَفِّ والخرز ونحو ذلك على أنها سبب للحفظ أو أنها تدفع العين والله تعالى لم يجعلها سبباً لذلك لا شرعاً ولا قدراً .

الثانية : من جهة تعظيم بعض الأشياء التعظيم الذي لا يوصلها إلى مقام الربوبية ، كالحلف بغير الله ، وكقول : لولا الله وفلان ، وأشباه ذلك.

وقد وضع العلماء ضوابط وقواعد يتميز بها الشرك الأكبر عن الأصغر عند وروده في النصوص الشرعية فمن هذه الضوابط ما يلي :

1- أن ينص النبي صلى الله عليه وسلم صراحة على أن هذا الفعل من الشرك الأصغر : كما في المسند ( 27742 ) عن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ :الرِّيَاء . إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً " وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (951 )

2- أن يرد لفظ الشرك في نصوص الكتاب والسنة منكَّراً ـ أي غير مقترن بالألف واللام ـ فهذا في الغالب يقصد به الشرك الأصغر وله أمثلة كثيرة كقوله صلى الله عليه وسلم " إن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شرك "

أخرجه أبو داود ( 3883 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 331 )

فالمقصود بالشرك هنا الأصغر دون الأكبر .

والتمائم شيء يعلق على الأولاد كالخرز ونحوه يزعمون أن ذلك يحفظه من العين .

والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها ، والرجل إلى امرأته .

3- أن يفهم الصحابة من النصوص الشرعية أن المراد بالشرك في هذا الموضع هو الأصغر دون الأكبر ، ولا شك أن فهم الصحابة معتبر ، فهم أعلم الناس بدين الله عز وجل ، وأدراهم بمقصود الشارع . ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود (3910 ) عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ثَلاثًا ، وَمَا مِنَّا إِلا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّل" فجملة ( وما منا إلا .. ) هذه من كلام ابن مسعود كما بين ذلك جهابذة المحدثين فهذا يدل على أن ابن مسعود رضي الله عنه فهم أن هذا من الشرك الأصغر ، لأنه لا يمكن أن يقصد وما منا إلا ويقع في الشرك الأكبر ، كما أن الشرك الأكبر لا يذهبه الله بالتوكل بل لابد من التوبة .

4- أن يفسر النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الشرك أو الكفر بما يدل على أن المقصود به الأصغر وليس الأكبر كما روى البخاري ( 1038 ) ومسلم (71 ) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ "

فالكفر هنا جاء تفسيره في الرواية الأخرى عن أبي هريرة قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالَ : "مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ يَقُولُونَ الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ " فبين هنا أن من نسب إنزال المطر إلى الكواكب باعتبارها سبباً لنزوله ـ والواقع أن الله لم يجعلها سبباً لذلك ـ فكفره كفرٌ بنعمة الله عليه ، ومعلوم أن كفر النعمة كفر أصغر أما من اعتقد أن الكواكب هي التي تتصرف في الكون وأنها هي التي تنزل المطر فهذا شرك أكبر .

والشرك الأصغر تارة يكون ظاهراً كلبس الحلقة والخيط والتمائم ونحو ذلك من الأعمال والأقوال.

وتارة يكون خفياً كيسير الرياء .

كما أنه تارة يكون بالاعتقادات :

كأن يعتقد في شيء أنه سبب لجلب النفع ودفع الضر ولم يجعله الله سبباً لذلك . أو يعتقد في شيء البركة ، والله لم يجعل فيه ذلك .

وتارة يكون بالأقوال :

كمن قال مطرنا بنوء كذا وكذا ؛ دون أن يعتقد أن النجوم هي التي تستقل بإنزال المطر ، أو حلف بغير الله دون أن يعتقد تعظيم المحلوف به ومساواته لله ، أو قال ما شاء الله وشئت . ونحو ذلك .

وتارة يكون بالأفعال :

كمن يعلِّق التمائم أو يلبس حلقة أو خيطا ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، لأن كل من أثبت سبباً لشيء والله لم يجعله سببا له شرعا ولا قدراً، فقد أشرك بالله . وكذلك من يتمسح بشيء رجاء بركته ولم يجعل الله فيه البركة ، كتقبيل أبواب المساجد ، والتمسح بأعتابها ، والاستشفاء بتربتها ، ونحو ذلك من الأفعال .

هذه نبذة مختصرة عن تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر ، وتفصيلات ذلك لا يمكن استيعابها في هذه الإجابة المختصرة .

خاتمة :

وبعد : فالواجب على المسلم أن يحذر الشرك صغيره وكبيره ، فإن أعظم معصية عصي الله بها هي الشرك به ، والتعدي على خالص حقه ؛ وهو عبادته وطاعته وحده لا شريك له .

ولذا فقد أوجب الخلود في النار للمشركين وأخبر أنه لا يغفر لهم ، وحرَّم الجنة عليهم كما قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) النساء / 48

وقال جل شأنه ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) المائدة / 72 .

فوجب على كل ذي عقل ودين أن يخشى على نفسه من الشرك وأن يلوذ بربه طالباً منه أن ينجيه من الشرك ؛ كما قال الخليل عليه السلام : ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) إبراهيم / 35 ، قال بعض السلف : " ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم "

فلا يسع العبد الصادق إلا أن يَعظُم خوفه من الشرك ، وأن تشتد رغبته إلى ربه في أن ينجيه منه ، داعياً بالدعاء العظيم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قال لهم : " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول ‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم‏" ‏‏.‏ صححه الألباني في صحيح الجامع ( 3731 ) .

ما سبق هو الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر من حيث الحقيقة ، وتعريف كل قسم وبيان أنواعه .

وأما الفرق بينهما من حيث الحكم :

فهو أن الشرك الأكبر مخرج من الإسلام ، فيُحكم على فاعله بالخروج من الإسلام والارتداد عنه فيكون كافراً مرتداً .

وأما الشرك الأصغر فلا يخرج من الإسلام ، بل قد يقع من المسلم ويبقى على إسلامه ، غير أن فاعله على خطر عظيم ، لأن الشرك الأصغر كبيرة من كبائر الذنوب حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً ) فجعل رضي الله عنه الحلف بغير الله ( وهو شرك أصغر ) أقبح من الحلف بالله كاذباً ومعلوم أن الحلف بالله كاذباً من الكبائر .

نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه حتى نلقاه ، ونعوذ بعزته – سبحانه - أن يضلنا ؛ فهو الحي الذي لا يموت والجن والأنس يموتون . والله أعلم وأحكم ، وإليه المرجع والمآب .

الإسلام سؤال وجواب

يوسف التازي
17-01-15, 04:36 PM
حكم دعاء الأموات

قال الله تعالى :

( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ )

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله )

------------

اعتقاد النفع والضر من الأولياء


س 69 يقول الأخ السائل: بعض المسلمين يعتقدون أن للأولياء تصرفات تضر
وتنفع وتجلب المنافع وتدفع البلاء، بينما هم ينتمون إلى الإسلام، ويؤدون شعائر الإسلام كالصلاة وغيرها، فهل تصح الصلاة خلف إمامهم؟ وهل يجوز الاستغفار لهم بعد موتهم؟ أفيدونا مشكورين؟

الجواب: هذا قول من أقبح الأقوال، وهذا من الكفر والشرك بالله عز وجل؛ لأن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يجلبون منافع ولا يدفعون مضار إذا كانوا أمواتا، إذا صح أن يسموا أولياء لأنهم معروفون بالعبادة والصلاح، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، بل النافع الضار هو الله وحده، فهو الذي يجلب النفع للعباد وهو الذي يدفع عنهم الضر، كما قال الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف: 188]، فهو النافع الضار سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى في المشركين:

( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) [يونس: 18]

فالله جل وعلا هو النافع الضار، وجميع الخلق لا ينفعون ولا يضرون. أما الأموات فظاهر؛ لأنه قد انقطعت حركاتهم وذهبت حياتهم، فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم، ولا يضرون لأنهم فقدوا الحياة وفقدوا القدرة على التصرف، وهكذا في الحياة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله، ومن زعم أنهم مستقلون بالنفع والضر وهم أحياء كفر أيضا، بل النافع الضار هو الله وحده سبحانه وتعالى، ولهذا لا تجوز عبادتهم، ولا دعاؤهم، ولا الاستغاثة بهم، ولا النذر لهم، ولا طلب المدد منهم.
ومن هذا يعلم كل ذي بصيرة أن ما يفعله الناس عند قبر البدوي، أو عند قبر الحسين، أو عند قبر موسى كاظم، أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو ما أشبه ذلك، من طلب المدد والغوث أنه من الكفر بالله، ومن الشرك بالله سبحانه وتعالى، فيجب الحذر من ذلك، والتوبة من ذلك، والتواصي بترك ذلك. ولا يصلى خلف هؤلاء لأنهم مشركون، وعملهم هذا شرك أكبر، فلا يصلى خلفهم، ولا يصلى على ميتهم؛ لأنهم عملوا الشرك الأكبر الذي كانت عليه الجاهلية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كأبي جهل وأشباهه من كفار مكة، وعليه كفار العرب وهو دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو بالأشجار والأحجار وهذا هو عين الشرك بالله عز وجل، والله سبحانه يقول:

( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )[الأنعام: 88].

والواجب على أهل العلم أن يبينوا لهم، وأن يوضحوا لهم الحق، وأن يرشدوهم إلى الصواب، وأن يحذروهم من هذا الشرك بالله، فيجب على العلماء في كل مكان في مصر والشام، والعراق، ومكة، والمدينة، وسائر البلاد، أن يرشدوا الناس، ولاسيما عند وجود الحجاج، فيجب أن يرشدوا، وأن يبينوا لهم هذا الأمر العظيم، والخطر الكبير لأن بعض الناس قد وقع فيه في بلاده، فيجب أن يبين لهم توحيد الله، ومعنى لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي الشرك وتنفي العبادة لغير الله، وتوجب العبادة لله وحده، وهذا معنى قوله سبحانه:

( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) [الإسراء: 23]

وقوله سبحانه:

( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) [البينة: 5]

ومعنى قوله جل وعلا:

( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ )[الزمر: 2 ، 3]

وقوله سبحانه:

( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) [غافر: 14]

فالواجب توجيه العباد إلى الخير، وإرشادهم إلى توحيد الله، وأن الواجب على كل إنسان أن يعبد الله وحده، ويخصه بالعبادة من دعاء، ورجاء، وتوكل وطلب الغوث، وصلاة، وصيام، إلى غير ذلك، كله لله وحده، ولا يجوز أبدا فعل شيء من ذلك لغير الله سبحانه وتعالى، سواء كان نبيا أو وليا أو غير ذلك. فالنبي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، ولكن يجب أن يتبع ويطاع في الحق ويحب المحبة الصادقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وأشرفهم ومع ذلك لا يدعى من دون الله، ولا يستغاث به، ولا يسجد له، ولا يصلى له، ولا يطلب منه المدد، ولكن يتبع، ويصلي ويسلم عليه، ويجب أن يكون أحب إلينا من أنفسنا، وأموالنا وآبائنا وأولادنا، وغيرهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين لكن هذه المحبة لا توجب أن نشرك به، ولا تسوغ لنا أن ندعوه من دون الله، أو نستغيث به، أو نسأله المدد، أو الشفاء. ولكن نحبه المحبة الصادقة لأنه رسول الله إلينا، ولأنه أفضل الخلق، ولأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، نحبه في الله محبة صادقة فوق محبة الناس والمال والولد، ولكن لا نعبده مع الله. وهكذا الأولياء نحبهم في الله، ونترحم عليهم من العلماء والعباد، ولكن لا ندعوهم مع الله، ولا نستغيث بهم، ولا نطوف بقبورهم، ولا نطلب منهم المدد، كل هذا شرك بالله ولا يجوز. والطواف بالكعبة لله وحده، فالطواف بالقبر من أجل طلب الفائدة من الميت، وطلب المدد، وطلب الشفاء وطلب النصر على الأعداء كل هذا من الشرك بالله عز وجل. فالواجب الحذر منه غاية الحذر. ومن وسائل الشرك بهم البناء على قبورهم، واتخاذ المساجد والقباب عليها، ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) متفق على صحته،

وثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أنه قال:

( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه )

وفي صحيح مسلم أيضا عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك )

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

المصدر

-------------

حكم زيارة القبور ودعاء الأموات والصلاة خلف من يفعل ذلك

س 84 - يوجد إمام مسجد في إحدى القرى، ممن يزورون القباب ويسألون أصحابها الأموات النفع ، وجلب المصالح، وكذلك يلبس الحجب، ويتبرك بالحجارة التي على الأضرحة فهل تجور الصلاة خلفه؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فماذا نفعل مع العلم بأنه ليس هناك مسجد آخر؟

الجواب: من شرط الإمامة، أن يكون الإمام مسلما، واختلف العلماء، هل يشترط أن يكون عدلا أم تصح خلف الفاسق؟ على قولين لأهل العلم.

والصواب أنها تصح خلف الفاسق إذا كان مسلما ولكن لا ينبغي أن يولى مع وجود غيره بل ينبغي لولاة الأمور أن يتحروا في الإمام أن يكون مسلما عدلا، طيب السيرة، حسن العمل؟ لأنه يقتدى به.

أما من كان يزور القبور، ليدعو أهلها من دون الله ويستغيث بهم، ويتمسح بقبورهم، ويسألهم شفاء المرضى، والنصر على الأعداء، فهذا ليس بمسلم هذا مشرك؛ لأن دعاء الأموات والاستغاثة بهم، والنذر لهم، من أنواع الكفر الأكبر؟ فلا يجوز أن يتخذ إماما، ولا يصلى خلفه.

وإذا لم يجد المسلمون مسجدا آخر، صلوا قبله أو بعده، صلوا في المسجد الذي يصلي فيه إذا لم يكن فيه قبر، لكن قبله أو بعده، فإن تيسر عزله، وجب عزله، وإن لم يتيسر، فإن المسلمين ينتظرون صلاة هؤلاء، ثم يصلون بعدهم، أو يتقدمونهم إذا دخل الوقت ويصلون قبلهم إن أمكن ذلك، فإن لم يمكنهم، صلوا في بيوتهم، لقول الله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]

وينبغي أن يعلم هذا الإمام، ويرشد إلى الحق، لأنه في حاجة إلى الدعوة إلى الله. والمسلم ينصح للمسلمين، وينصح لغيرهم، ويدعو إلى الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود إلى الإسلام: فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وقال صلى الله عليه وسلم: من دل على خير فله مثل أجر فاعله

والله يقول سبحانه وتعالى:

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33]

وقال سبحانه:

قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف 108]

وقال سبحانه:

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل: 125]

فهذا الإمام يدعى إلى الله، ويوجه إلى الخير، ويعلم أن عمله باطل، وأنه شرك، بالأساليب الحسنة، وبالرفق والحكمة، لعله يهتدي ويقبل الحق، فإن لم يتيسر ذلك، فيتصل بالمسئول عن المسجد، كالأوقاف وغيرها، ويبين لهم أن هذا الإمام لا يصلح، والواجب عزله، وأن يولى المسجد رجل موحد مؤمن مسلم، حتى لا يتفرق الناس عن المسجد، وحتى لا يصلي بهم إنسان كافر.

هذا هو الواجب على المسلمين، أن يتعاونوا على الخير، وأن ينصحوا لولاة الأمور، وأن ينصحوا لهذا الإمام الجاهل، لعله يهتدي.

المصدر

-----------

الصلاة خلف من يجوّز دعاء الأموات

س 83 - هل تجوز الصلاة خلف من جوز دعاء الأموات؟ أفيدونا أفادكم الله.

الجواب: الذي يبيح دعاء الأموات يكون مشركا؛ فالذي يبيح أن يدعى الميت، وأن يطلب منه المدد يعتبر مشركا، ولا يصلى خلفه ولا خلف من يعمل عمله، ولا خلف من يرضى عمله أيضا، بل هذا من الشرك الأكبر، ومن عمل الجاهلية، من مثل عمل أبي جهل وغيره من المشركين؛ لأن الله يقول:

فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18]

ويقول سبحانه:

وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس 106]

يعني من المشركين. ويقول الله عز وجل:

ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر 13 ، 14]

سمى دعاءهم إياهم شركا بالله، وقال عز وجل:

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون : 117]

وهكذا من يدعو الأصنام أو الأحجار أو الكواكب أو الأشجار أو الجن، ويستغيث بها، أو ينذر لها يسمى مشركا، فلا يصلى عليه، ولا يصلى خلفه، ولا يتخذ صاحبا بل يبغض في الله، ويعادى في الله سبحانه وتعالى، ولكن ينصح ويوجه ويعلم لعل الله أن يهديه.

المصدر

----------

شبهـة

س 85 - هناك من الناس الطيبين من تكلم في هذا المسجد، حول الشرك، واستدل بآيات من القرآن وأحاديث من السنة، فقال الإمام: إن هذه الآيات والأحاديث إنما هي في المشركين الأوائل. فهل آيات الشرك والكفر، خاصة بالمشركين الأوائل؟ أم تنطبق على كل من يعمل عملهم؟

الجواب: ليست خاصة بهم، بل هي لهم ولمن عمل أعمالهم، فالقرآن نزل لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، فهو حجة الله على عباده إلى يوم القيامة يقول سبحانه وتعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]

فهذا يعم من كان في زمانه صلى الله عليه وسلم وقبله وبعده إلى يوم القيامة.

وقوله سبحانه:

فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18]

يعم أهل مكة، وأهل المدينة، ويعم جميع الناس، كلهم منهيون أن يدعوا مع الله أحدا، في زمانه صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك إلى يوم القيامة. وهكذا قوله تعالى:

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: 117]

فهذا عام. وهكذا قوله تعالى:

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: 22]

هذا يعم جميع الخلائق، كما يعم الأصنام ويعم جميع ما يعبد من دون الله. وهكذا قوله سبحانه:

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء 56 ، 57]

وهذا يعم جميع الناس.

وكذلك قوله سبحانه وتعالى:

وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: 13 ، 14]

فبين سبحانه أن المدعو من دون الله، من أصنام أو جن أو ملائكة أو أنبياء أو صالحين ، لا يسمعون دعاء من دعاهم: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وأنهم ما يملكون من قطمير، وهو اللفافة التي على النواة، فهم لا يملكون ما يطلب منهم ولا يستطيعون أن يسمعوا: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ

هذا كلام الحق سبحانه وتعالى، ثم قال:

وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ فلو فرض أنهم سمعوا لم يستجيبوا لعجزهم ثم قال: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ فسمى دعاءهم إياهم شركا بهم.

فوجب على أهل الإسلام أن يتركوا ذلك ويحذروا الناس منه، وعلى كل مكلف أن يدع ذلك، وألا يدعو إلا الله سبحانه وتعالى.

وهذا يعم جميع العصور، من عصره صلى الله عليه وسلم إلى آخر الدهر.

نسأل الله للجميع الهداية.

يوسف التازي
17-01-15, 04:42 PM
الرياء أو الشرك الخفي

رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أرم تخوفت منه على أمتي الشرك منه. أما أنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً، ولكن يراؤون بأعمالهم، فمن لبس خشناً ليقول الناس عنه أنه من الزاهدين فقد راءى ومن غض من صوته ليذكر في السهرات فقد راءى.

1961-04-27

أيها الإخوة:

كلنا يريد الجنة، ويتمنى أن يكون له مسكناً، في الدار الآخرة، لينعم بالنظر إلى الرحيم الرحمن نعيماً سرمدياً، ويظفر بجوار الأنبياء الأخيار جواراً أبدياً.

كلنا يطلب الجنة ونعيمها، وفراديسها ورياضيها، وكل رأى لنفسه طريقاً، إليها أو ظن أنه رأى الطريق.. فهذا إنسان عرف أن الأشياء لا تنال بالمجان، وأن لكل شيءٍ ثمنه، فشد الهمة وعقد العزم، وسعى للجنة سعيها.. وهذا إنسان توهته الأماني وغره بالله الغرور، فترك السعي وجانب العمل، وحسب أنه من الناجحين، وأنه إلى الجنة من السابقين الأولين، ولكن الله تعالى الذي خلق الخلق، وبث فيهم الحياة، ورتب لهم برنامج السعادة في الدنيا الموصل إلى سعادة الآخرة، يقول في كتابه:

{إنَّ الذين هُمْ مِنْ خشيةِ ربِّهمْ مُشْفِقُونَ والذينَ هُم بآياتِ ربهم يؤمنون والذينَ هُمْ بربِّهم لا يُشركُونَ{ إلى أن يقول }أولئكَ يُسارِعُون في الخَيْراتِ وهُم لها سابقُون} [المؤمنون الآية: 58 ـ 62].

فهذه الآية تصرح إذن، بأن عدم الإشراك بالله شرط أكيد، يجب أن يتوفر لدى الإنسان كي يدخل الجنة دار السلام بسلام.

إخوتي الأعزاء:

الإشراك بالله أكبر الكبائر لأنه مسخ للمنطق الحق، وطمس للعقل المنير، وقضاء على التفكير السليم، كيف يكون لله شريك في ملكه؟ وإذا كان له شريك فكيف تبقى هذه الأرض وتلك السموات قائمة؟ وكيف تبقى هذه المخلوقات وتلك الكائنات مستقرة؟ فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. قال تعالى:

{قُلْ إِنّما يُوحَى إليَّ أنّما إلهُكم إلهٌ واحدٌ فهَل أنتُمْ مُسلِمونَ}[الأنبياء: 108].

من أجل ذلك ـ أيها الإخوة ـ وصيانة للعقل السليم، وحماية للحق القويم، أراد الإسلام من الآباء أن يوجهوا أبناءهم نحو عبادة الله ويرشدوهم إلى وحدانيته، وأن يتقيدوا بالأنبياء والصالحين. قال تعالى:{وإذْ قال لُقْمان لابنِهِ وهوَ يَعِظُهُ يا بُنَي لا تُشْرِك باللهِ إنِّ الشِركَ لظُلمٌ عَظِيمٌ} [لقمان الآية: 12].

وقررت الشرائع الإلهية وحدانية الله، وهدت إليها أتباعها لتحررهم من التأخر والرجعية، ومن عبادة الأحجار الصماء والحيوانات العجماء، ومن عبادة الإنسان للإنسان، قال جل وعلا:

{أفرأيتُم اللاَّتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثةَ الأخرى ألَكُمُ الذّكر ولهُ الأنثى تِلك إذاً قِسْمَةٌ ضِيزى إن هي إلا أسماءٌ سمّيتموها أنتُمْ وآباؤُكُم ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان}[النجم الآية: 29 ـ 33]

وقال أيضاً:

{فلما جاءهم موسى بآياتِنا قالوا ما هذا إلا سِحْرٌ مُفْترى وما سمِعْنا بهذا في آبائنا الأولينَ}

وقال موسى:

{ربي أعلمْ بمن جاء بالهُدى مِن عندهِ ومنْ تكونُ لهُ عاقِبةَ الدارِ إنهُ لا يفلحُ الظالِمونَ. وقالَ فِرعونُ يا أيها الملأُ م عَلِمتُ لَكُمْ من إله غيري فأَوْقِدْ لي يا هامانُ على الطينِ فاجْعَل لي صَرْحاً لعلِّي أطلِعُ إلى إله موسى وإِني لأظنُه من الكاذِبينَ واسْتكبرَ هوَ وجُنُودُهُ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وظنوا أنَّهم لا يُرجَعون فأخذناهُ وجُنودَهُ فنبذناهم في اليَمِّ فانْظر كيفَ كانَ عاقبةُ الظالمين} [القصص الآية: 36 ـ 40].

مستمعي الأكارم:

إن هنالك نوعاً آخر من الشرك يختلف عن الشرك الظاهري في أنه شرك خفي غير أنه لا يقل عنه في الخطورة وسوء العاقبة وإحباط الأعمال. فما هو هذا الشرك الخفي الخطير والشر المستطير؟ قال شداد بن أوس (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أمر تخوفت على أمتي الشرك منه، أما إنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولكن يراؤون بأعمالهم)أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس.. وقال عمر لمعاذ بن جبل حيث رآه يبكي، ما يبكيك؟ قال حديث سمعته من صاحب هذا القبر ـ يعني النبي عليه الصلاة والسلام ـ يقول فيه، إن ûأدنى الرياء شرك»ابن ماجه والحاكم والبيهقي والرياء كما يقول الغزالي. هو طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير فمن لبس لباساً خلقاً خشناً ليقول الناس عنه إنه من الزاهدين فقد راءى الناس في لباسه، ومن قصد في مشيه، وغض من صوته ليذكر في السهرات والمجالس بأنه ورع متزن فقد أصبح مرائياً في هيأته، والذي يعظ الناس ويرشدهم ويدعوهم للتمسك بأهداب الدين وقصده من وراء ذلك أن يقول عنه الخلق أنه أمَّار بالمعروف نــَــهـّـاءٌ عن المنكر فهو مراء في قوله ومن صلى فأطال السجود ليمدح على ذلك، أو تصدق بصدقة، أو أنفق في مشروع، لتلتهب الأكف له بالتصفيق وتلهج بعمله الألسنة ويذكر على صفحات الجرائد فهو مراء في عمله، وكل هؤلاء مشركون ولكن من حيث لا يشعرون.. إنهم لن ينالوا من ربهم أجراً على ما فعلوا إذ أنهم كانوا يبتغون المنزلة في قلوب الناس وقد وصلوا إلى ما يريدون، ويكفيهم خزياً وعاراً وصف ربهم لهم بالكافرين حيث يقول:

{يا أيُّها الذين آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُم بالمنِّ والأذى كالذي يُنْفقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ ولا يُؤمِن باللهِ واليومِ الآخرِ فَمثلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأصَابَهُ وابِلٌ فترَكَهُ صَلداً لا يقدرونَ على شيءٍ مما كَسَبُوا واللهُ لا يَهدي القومَ الكافرينَ} [البقرة الآية: 264].

وقال السيد المسيح صلوات الله عليه وسلامه: (إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته، ويمسح شفتيه، لئلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه، فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق),.

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل يطأطئ رأسه في الصلاة فقال. يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب.

من هنا نستنتج ـ أيها الإخوة والأخوات ـ أن كل قول وعمل أو خصلة يتخصل بها الإنسان عليه أن يقصد الله وحده من ورائها، فإذا قرن مع الله غير الله أصبح من المرائين المشركين الخاسرين، قال تعالى:

{وما أُمِروا إلاّ ليعبُدوا الله مُخْلِصيْن لهُ الدّين حُنفاء} [البينة الآية: 5].

وقال أيضاً: {أَلا للهِ الدّينُ الخالص} [الزمر الآية: 3].

أيها الإخوة:

فالعلم بذر والعمل زرع وماؤه الإخلاص، وإذا كان المرائي يظهر عمله لينال مدح المخلوقات وثناءهم، فإن المخلص يخفيه عن أعينهم لينال رضى الخالق. قال يعقوب المكفوف: (المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته)، وكذلك فالمخلص الحقيقي لا يرى لنفسه في إخلاصه فضلاً ولا ينظر إلى إخلاصه نظرة الإعجاب والتقدير. قال السوسي: (الإخلاص أن لا يرى الإنسان في إخلاصه الإخلاص، فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى الإخلاص).

أيها الأحبة:

الإخلاص مرتبة سامية، وشهادة عالية راقية إذا أوتيها الإنسان بعد شهادة العلم والعمل فقد أوتي خيراً كبيراً، وقد بين المخلص الأول صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يمنح المخلصين وساماً خاصاً بهم، وهو وسام الحكمة فقال: (من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)رواه الحاكم وقال صحيح صحيح الإسناد.

وبعد: أنت ترجو الجنة مستمعي الكريم، وتتشوق الوصول إليها، وقد بينت لك أن بطاقة الدخول إليها يجب أن يشار فيها أنك عبد له لا لصنم أو حجر، أو زوجة أو ولد، أو مال أو عقار، وإن ما عملت من أعمال، وتكلمت من أقوال، وتخلقت من أخلاق، في حياتك، أخلصت بها لربك العلي القدير..

إذا أشير بهذه الإشارات على صحيفتك يوم القيامة فأنت ممن:

{يُسَارِعُون في الخَيراتِ وَهُم لها سَابِقُونَ} [المؤمنون الآية: 58 ـ 62].

يوسف التازي
17-01-15, 04:43 PM
التوسل - والطلب والدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم

كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج: 27 ص: 83

وأما القسم الثالث وهو أن يقول اللهم بجاه فلان عندك أو ببركة فلان أو بحرمة فلان عندك أفعل بى كذا وكذا فهذا يفعله كثير من الناس لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ولم يبلغنى عن أحد من العلماء فى ذلك ما أحكيه إلا ما رأيت فى فتاوى الفقيه أبى محمد بن عبدالسلام فإنه أفتى أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك إلا النبى صلى الله عليه وآله وسلم إن صح الحديث فى النبى صلى الله عليه وآله وسلم ومعنى الإستفتاء قد روى النسائى والترمذى وغيرهما ( أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول اللهم أنى أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبى الرحمة يا محمد يا رسول الله إنى أتوسل بك إلى ربى فى حاجتى ليقضيها لى اللهم فشفعه فى ) فإن هذا الحديث قد إستدل به طائفة على جواز التوسل بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم فى حياته وبعد مماته وليس فى التوسل دعاء المخلوقين ولا إستغاثة بالمخلوق وإنما هو دعاء وإستغاثه بالله لكن فيه سؤال بجاهه كما فى سنن ابن ماجه ( عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر فى دعاء الخارج للصلاة أن يقول اللهم أنى أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا فإنى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت إتقاء سخطك وإبتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذنى من النار وأن تغفر لى ذنوبى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) قالوا ففى هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة والله تعالى قد جعل على نفسه حقا قال الله تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين ونحو قوله كان على ربك وعدا مسؤولا وفى الصحيحين ( عن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال له يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد قال الله ورسوله أعلم قال حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما حق العباد على الله إذ فعلوا ذلك فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم ) وقد جاء فى غير حديث كان حقا على الله كذا وكذا كقوله من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد فشربها فى الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل وما طينة الخبال قال عصارة أهل النار وقالت طائفة ليس فى هذا جواز التوسل به بعد مماته وفى مغيبه بل إنما فيه التوسل فى حياته بحضوره كما فى صحيح البخارى ( أن عمر إبن الخطاب رضى الله عنه إستسقى بالعباس فقال اللهم إنا كنا إذا اجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون ) وقد بين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به فى حياته فيسقون وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم فيدعو لهم ويدعون معه ويتوسلون بشفاعته ودعائه كما فى الصحيح ( عن انس بن مالك رضى الله عنه أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فإستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وإنقطعت السبل فادع الله لنا أن يمسكها عنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال وأقلعت فخرجنا نمشى فى الشمس ) ففى هذا الحديث أنه قال إدع الله لنا أن يمسكها عنها وفى الصحيح ( أن عبدالله بن عمر ذكر قول أبى طالب فى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقو ل : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

فهذا كان توسلهم به فى الإستسقاء ونحوه ولما مات توسلوا بالعباس رضى الله عنه كما كانوا يتوسلون به ويستسقون وما كانوا يستسقون به بعد موته ولا فى مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره وكذلك معاوية ابن أبى سفيان إستسقى بيزيد بن الأسود الجرشى وقال اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا يا يزيد إرفع يديك إلى الله فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا فلذلك قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أحسن ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والإستسقاء بالنبى والصالح بعد موته ولا فى مغيبه ولا إستحبوا ذلك فى الإستسقاء بالنبى والصالح بعد موته ولا فى مغيبه ولا إستحبوا ذلك فى الإستسقاء ولا فى الإستنصار ولا غير ذلك من الأدعية والدعاء مخ العبادة والعبادة مبناها على السنة والإتباع لا على الأهواء والإبتداع وإنما يعبد الله بما شرع لا يعبد بالأهواء والبدع قال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ) وقال تعالى ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية أنه لا يحب المعتدين ) ( وقال النبى الله عليه وآله وسلم أنه سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الدعاء والطهور)وأما الرجل إذا اصابته نائبة أو خاف شيئا فإستغاث بشيخه طلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع فهذا من الشرك وهو من جنس دين النصارى فإن الله هو الذى يصيب بالرحمة ويكشف الضر قال تعالى ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) وقال تعالى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) وقال تعالى ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ) وقال تعالى ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) فبين أن من يدعى من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا فإذا قال قائل أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لى فهو من جنس دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصا له الدين وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه فإن أعظم الخلق قدرا هو رسول الله وآله وسلم وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره وأطوع الناس له ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الفزع والخوف أن يقول يا سيدى يا رسول الله لم يكونوا يفعلون ذلك فى حياته ولا بعد مماته بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وإتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ) وفى صحيح البخارى ( عن ابن عباس رضى الله عنهما أن هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين القى فى النار وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعني وأصحابه حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وفى الصحيح ( عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ) وقد روى أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته وفى السنن ( أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حزبه أمر قال يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث ) وروى( أنه علم ابنته فاطمة أن تقول يا حى يا قيوم يا بديع السموات والأرض لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث اصلح لى شأني كله ولا تكلنى إلى نفسى طرفه عين ) ولا إلى أحد من خلقك وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ( أبى حاتم البستى عن إبن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتى بيدك ماض في حكمك عدل فى قضاؤك أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو إستأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى وغمى إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ) ( وقال لأمته إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فإفزعوا إلى الصلاة وذكر الله والإستغفار ) فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم ومثل هذا كثير فى سنته لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به من دعاء الله وذكره والإستغفار والصلاة والصدقة ونحو ذلك فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان تضاهى دين المشركين والنصارى فإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك وأنه مثل له شيخه ونحو ذلك فعباد الكواكب والأصنام ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم مثل هذا كما قد تواتر ذلك عمن مضى من المشركين وعن المشركين فى هذا الزمان فلو لا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها قال الخليل عليه السلام وإجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ويقال إن أول ما ظهر الشرك فى أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة عمرو بن لحى الخزاعى الذى رآه النبى صلى الله عليه وآله وسلم يجر أمعاءه فى النار وهو أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم قالوا أنه ورد الشام فوجد فيها أصناما بالبلقاء يزعمون أنهم ينتفعون بها فى جلب منافعهم ودفع مضارهم فنقلها إلى مكة وسن للعرب الشرك وعبادة الأصنام والأمور التى حرمها الله ورسوله من الشرك والسحر والقتل والزنا وشهادة الزور وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة أو دفع مضرة ولولا ذلك ما أقدمت النفوس على المحرمات التى لا خير فيها بحال وإنما يوقع

النفوس في المحرمات الجهل أوالحاجة فأما العالم بقبح الشىء والنهى عنه فكيف يفعله والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيه من الفساد وقد تكون بهم حاجة إليها مثلالشهوة إليها وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجهلهم أو تغلبهم أهواؤهم حتى يفعلوها والهوى غالبا يجعل صاحبه كانه لا يعلم من الحق شيئا فإن حبك للشىء يعمى ويصم ولهذا كان العالم يخشى الله وقال أبوالعالية سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله عز وجل ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) الآية فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وليس هذا موضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة وما في المأمورات من المصالح الغالبة بل يكفى المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة وإن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم ولا نهاهم عما نهاهم بخلابه عليهم بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم ولهذا وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم

http://www.alsalafyoon.com/ArabicPosts/IbnTaimiehTawaul.htm

---------------

حكم التوسل بالجاه وبالبركة وبالحرمة

س 162 هل التوسل يجوز بالجاه وبالبركة وبالحرمة؛ كأن يقول الإنسان: اللهم افعل لي كذا بجاه الشيخ فلان أو ببركة الشيخ فلان أو بحرمة محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك؟ أفيدونا أفادكم الله.

الجواب: التوسل بالجاه والبركة والحرمة والحق ليس بجائز عند جمهور أهل العلم، لأن التوسلات توقيفية لا يجوز منها إلا ما أجازه الشرع، ولم يرد في الشرع ما يدل على هذه التوسلات.

فلا يقول الإنسان: اللهم اغفر لي بحق فلان، أو بحق محمد، أو بحق الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بجاه الأنبياء، أو بحرمة الأنبياء، أو ببركة الأنبياء أو ببركة الصالحين، أو ببركة علي، أو ببركة الصديق، أو ببركة عمر، أو بحق الصحابة، أو حق فلان، كل هذا لا يجوز، هذا خلاف المشروع وبدعة، وهو ليس بشرك لكنه بدعة، لم يرد في الأسئلة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم.

وإنما يتوسل بما شرعه الله من أسماء الله وصفاته، ومن توحيده والإخلاص له، ومن الأعمال الصالحات، هذه هي الوسائل. قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180]، فتقول: اللهم اغفر لي برحمتك إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم ارحمني يا أرحم الراحمين، اللهم أحسن إليّ، اللهم أدخلنا الجنة برحمتك وفضلك وإحسانك، اللهم أنجني من النار واعفُ عني يا رحمن يا رحيم يا عفو يا كريم، وما أشبه ذلك.

أو بالتوحيد والإخلاص لله، وتقول: اللهم اغفر لي لأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، لأنك الواحد الأحد مستحق العبادة، أو تقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، كما جاء الحديث الشريف بهذا السؤال، فلا بأس بهذا، فهذا وسيلة شرعية.

أو تتوسل بأعمالك الطيبة فتقول: اللهم اغفر لي بإيماني بك ومحبتي لك، أو بإيماني بنبيك ومحبتي له صلى الله عليه وسلم، اللهم ارحمني بطاعتي لك واتباعي لشريعتك، اللهم ارحمني ببري بوالدي. اللهم ارحمني بعفتي عن الفواحش، اللهم ارحمني بأداء الأمانة ونصحي لله والعباد، وما أشبه ذلك.

يوسف التازي
17-01-15, 04:49 PM
ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة أواهم المبيت إلى غار - وفي رواية أخرى أواهم المطر إلى غار- في الجبل فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة من أعلى الجبل فسدت الغار عليهم، وكانت صخرة عظيمة لا يستطيعون دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فدعوا الله سبحانه وتعالى، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهم أهلا ولا مالا (والغبوق اللبن الذي يشربه الناس بعد العشاء، وكان هذا من عادة العرب سقي الضيوف والأهل اللبن في الليل). يقول: كنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا وإنه نأى بي طلب الشجر ذات ليلة فلم أرح عليهما إلا في آخر الليل، - يعني إلا متأخرا فوجدهما نائمين، فوقف والقدح على يديه ينتظر استيقاظهما، فلم يستيقظا حتى برق الفجر. قال: اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء ولكن لا يستطيعون أن يخرجوا.

وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني أردتها على نفسها فأبت عليّ، ثم إنها ألمت بها سنة- أي حاجة-، فجاءت إليّ تطلب الرفد فقلت لها إلا أن تمكنيني من نفسك، "فاتفق معها على مائة وعشرين دينارا" فمكنته من نفسها، فلما جلس بين رجليها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام خائفا من الله وترك الذهب وترك الفاحشة، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة زيادة لكن لا يستطيعون الخروج.

ثم قال الثالث: اللهم إنه كان لي أجراء فأعطيت لكل أجير حقه إلا واحدا ترك أجره، فثمرته له- أي نمَّيته له- حتى صار له إبل وبقر وغنم ورقيق، ثم جاء يطلب أجره فقلت له: كل ما تراه من أجرك، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت له: إني لا أستهزئ بك، كله من أجرك فاستاقه كله، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا بأسباب هذه الدعوات وهذه الأعمال الصالحة.

فالدعاء بهذا وأشباهه دعاء طيب ولا بأس به، ووسيلة صالحة، أما الدعاء بحق فلان أو بجاه فلان أو بركة فلان، أو حرمة فلان، فهذا لا أصل له، ولم تأت به السنة، فالواجب تركه، وهو ليس من الشرك ولكنه من البدع، فالواجب ترك هذا، وهو الصواب الذي عليه جمهور أهل العلم، والله المستعان.

http://www.binbaz.org.sa/Display.asp?f=nor00187

---------------

حكم التوسل بالأولياء والصالحين



الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد:

فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت فيهم الشركيات والبدع والخرافات، ومن ضمن هذه الشركيات التي انتشرت بشكل كبير تعظيم بعض المسلمين لمن يسمونهم بالأولياء والصالحين ودعاؤهم من دون الله واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون، فعظموهم وطافوا حول قبورهم.

ويزعمون أنهم بذلك يتوسلون بهم إلى الله لقضاء الحاجات وتفريج الكربات، ولو أن هؤلاء الناس الجهلة رجعوا إلى القرآن والسنة وفقهوا ما جاء فيهما بشأن الدعاء والتوسل لعرفوا ما هو التوسل الحقيقي المشروع؟

إن التوسل الحقيقي المشروع هو الذي يكون عن طريق طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، وعن طريق التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وسؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فهذا هو الطريق الموصل إلى رحمة الله ومرضاته.

أما التوسل إلى الله عن طريق : الفزع إلى قبور الموتى والطواف حولها، والترامي على أعتابها وتقديم النذور لأصحابها، لقضاء الحاجات وتفريج الكربات فليس توسلا مشروعا بل هذا هو الشرك والكفر بعينه والعياذ بالله .

فكل من غلا في حيٍ، أو رجل صالح، أو نحوه، وجعل له نوعا من أنواع العبادة مثل أن يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الرب والتي لا تصلح إلا الله تعالى، فقد أشرك بالله شركا أكبر، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر.

والذين كانوا يدعون مع الله آلهةً أخرى مثل اللات والعزى وغيرها لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، وإنما كانوا يعبدونها ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.

فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) الإسراء: 56 وقال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) سبأ :22 فأخبر سبحانه: أن ما يُدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به.

ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) وكان ذلك سدا لذريعة الوقوع في الشرك فإن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان بسبب تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.

وأما ما جاء في توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما، الذي قد يحتج به البعض، فإن عمر توسل بدعاء العباس لا بشخصه، والتوسل بدعاء الأشخاص غير التوسل بشخصهم بشرط أن يكونوا أحياء؛ لأن التوسل بدعاء الحي نوع من التوسل المشروع بشرط أن يكون المتوسل بدعائه رجلا صالحا. وهذا من جنس أن يطلب رجل الدعاء من رجل صالح حي ثم يطلب من الله أن يقبل دعاء هذا الرجال الصالح الحي له.

أما الميت الذي يذهب إليه السائل ليسأل الله ببركته ويطلب منه العون قد أصبح بعد موته لا يملك لنفسه شيئا ولا يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فكيف ينفع غيره؟! ولا يمكن لأي إنسان يتمتع بذرة من العقل السليم يستطيع أن يقرر أن الذي مات وفقد حركته وتعطلت جوارحه يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فضلا عن أن ينفع غيره، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم قدرة الإنسان على فعل أي شيء بعد موته فقال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فتبين من الحديث أن الميت هو الذي بحاجة إلى من يدعو له ويستغفره له، وليس الحي هو الذي بحاجة إلى دعاء الميت، وإذا كان الحديث يقرر انقطاع عمل ابن آدم بعد موته، فكيف نعتقد أن الميت حي في قبره حياة تمكنه من الاتصال بغيره وإمداده بأي نوع من الإمدادات؟ كيف نعتقد ذلك؟! وفاقد الشيء لا يعطيه والميت لا يمكنه سماع من يدعوه مهما أطال في الدعاء قال تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) فاطر:13،14 فنفى الله عنهم الملك وسماع الدعاء ومعلوم أن الذي لا يملك لا يعطي، وأن الذي لا يسمع لا يستجيب ولا يدري، وبينت الآية أن كل مدعو من دون الله كائنا من كان فإنه لا يستطيع أن يحقق لداعيه شيئا .

وكل معبود من دون الله فعبادته باطلة، قال تعالى(ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين، وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله) الآية يونس: 106،107 ويتبين من هذه الآية أن كل مدعو من دون الله لا ينفع ولا يضر، فإذا ما الفائدة من عبادته ودعائه، وهذا فيه تكذيب لأهل الخرافة الذين يقولون ذهبنا للقبر الفلاني أو دعونا الولي الفلاني وتحصل لنا ما نريد، فمن قال ذلك فقد كذب على الله، ولو فرض أن حصل شيء مما يقولون فإنه حصل بأحد سببين:

إن كان الأمر مما يقدر عليه الخلق عادة فهذا حصل من الشياطين لأنهم دائما يحضرون عند القبور، لأنه ما من قبر أو صنم يعبد من دون الله إلا تحضره الشياطين لتعبث في عقول الناس.

وهؤلاء المتوسلون بالأولياء لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان قديما فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان وقد يكون بعض ذلك صدقاً، ولكن أكثره كذب، وقد تقضي بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهون مما يقدر عليه البشر عادة، فيظن هؤلاء السذج أن الشيخ، أو الولي هو الذي خرج من قبره وفعل ذلك، وإنما هو في الحقيقة الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم.

أما إن كان الأمر مما لا يقدر عليه إلا الله كالحياة والصحة والغنى والفقر، وغير ذلك مما هو من خصائص الله، فهذا انقضى بقدر سابق قد كتبه الله ولم يحصل ذلك ببركة دعاء صاحب القبر كما يزعمون.

فينبغي على الإنسان العاقل ألا يصدق مثل هذه الخرافات، وأن يعلق قلبه بالله وينزل حاجته به حتى تقضي ولا يلتفت إلى الخلق لأن الخلق ضعفاء مساكين فيهم الجهل والعجز، وكيف يطلب الإنسان حاجته من مخلوق مثله؟ وقد يكون ذلك المخلوق ميتا أيضا لا يسمع ولا يرى ولا يملك شيئا، ولكن الشيطان يزين للناس ما كانوا يعملون.


الكرامات المزعومة

لقد اختلطت الأمور على كثير من الناس اختلاطا عجيبا جعلهم يجهلون حقيقة المعجزات والكرامات، فلم يفهموها على وجهها الصحيح، ليفرقوا بين المعجزات والكرامات الحقيقية التي تأتي من الله وحده إتماما لرسالته إلى الناس وتأييدا لرسله أو إكراما لبعض أوليائه الصالحين الحقيقيين، لم يفرقوا بينها وبين الخرافات والأباطيل التي يخترعها الدجالون ويسمونها معجزات وكرامات ليضحكوا بها على عقول الناس وليأكلوا أموالهم بالباطل .

ولقد ظن الجهلة من الناس أن المعجزات والكرامات من الأمور الكسبية والأفعال الاختيارية التي تدخل في استطاعة البشر، بحيث يفعلونها من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم، وبهذا الجهل اعتقدوا أن الأولياء والصالحين يملكون القدرة على فعل المعجزات والكرامات في أي وقت يشاءون، وما ذلك إلا بجهل الناس بربهم وبحقيقة دينهم.

ونقول لهؤلاء إن تصوير ما يحدث من هؤلاء الدجالين على أنها معجزة أو كرامة لهذا الولي أو ذلك كذب، وإنما هذه الحوادث كلها من عبث الشياطين أو من اختراع عقلية ماكرة اصطنعت تلك الحوادث الوهمية وسمتها كرامات ومعجزات لتضفي على أصحاب هذه القبور مهابة وإجلالا فتجعل لهم بركات ليعظمهم الناس.

ولا يمكن لأي عاقل يحتفظ بفطرته السليمة أن يصدق أن الميت يمكنه القيام بأي عمل بعد أن خرجت روحه من بدنه وبطلت حركته وأكل الدود جسمه وأصبح عظاما بالية، من الذي يصدق مثل هذه المزاعم المفضوحة إلا إنسان جاهل ساذج!! لأن هذه المزاعم التي يزعمونها مما يستحيل أن يفعلها الأحياء فضلا عن الأموات! فهل نلغي عقولنا التي منحنا الله لنصدق مثل هذه الخرافات؟ إن العقول المستنيرة والفطرة السليمة ترفض بشدة تصديق مثل هذه الخرافات لما في ذلك من مخالفة لسنن الله الشرعية والكونية. قال تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون اله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) آل عمران: 79،80


المشركون قديما وحديثا

إن الكثيرين من الناس من مرتادي القبور والمزارات يقولون: إن المشركين في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، أما نحن فلا أصنام عندنا نعبدها، بل لدينا قبور لبعض المشايخ والصالحين لا نعبدها ولكننا فقط نسأل الله أن يقضي حاجاتنا إكراما لهم، والعبادة غير الدعاء.

ونقول لهؤلاء إن طلب المدد والبركة من الميت هو في الحقيقة دعاء، كما كانت الجاهلية تدعو أصنامها تماما ولا فرق بين الصنم الذي يعبده المشركون قديما وبين القبر الذي يعبد الناس ساكنه حديثا، فالصنم والقبر والطاغوت كلها أسماء تحمل معنى واحدا وتطلق على كل من عبد من دون الله سواء كان إنسانا حيا أو ميتا أو جمادا أو حيوانا أو غير ذلك، ولما سئل المشركون قديما عن سبب توسلهم بالأصنام ودعائهم لها كان جوابهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) الزمر:3 أي وسطاء بيننا وبين الله لقضاء حاجتنا، ومن ذلك يتبين أنه لا فرق بين دعوى الجاهلية الأولى وبين عباد القبور الذين ينتسبون إلى الإسلام اليوم فغاية الجميع واحدة وهي الشرك بالله ودعاء غير الله.


شرك المحبة

إن مجرد انصراف القلب والمشاعر كلها إلى مخلوق بالحب والتعظيم فيما لا يجوز إلا الله يعتبر عبادة له، فالذين يزعمون أنهم يحبون الموتى من الأولياء والصالحين لكنهم يعظمونهم ويقدسونهم بما يزيد عن الحد الشرعي هم في الحقيقة يعبدونهم لأنهم من فرط حبهم له انصرفوا إليهم فجعلوا لهم الموالد والنذور وطافوا حول قبورهم كما يطوفون حول الكعبة واستغاثوا بهم وطلبوا المدد والعون منهم، ولولا التقديس والغلو فيهم ما فعلوا كل ذلك من أجل الموتى.

ومن غلوهم فيهم أيضا أنهم يحرصون على أن يحلفوا بهم صادقين بينما لا يتحرجون من أن يحلفوا بالله كاذبين هازلين، والبعض منهم قد يسمع من يسب الله تعالى فلا يغضب لذلك ولا يتأثر بينما لو سمع أحدا يسب شيخه لغضب لذلك غضبا شديدا أليس في ذلك غلو في أوليائهم ومشايخهم أكثر من تعظيمهم لله؟ وأن محبتهم لهم غلبت محبة الله، قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) البقرة:165


الله قريب من عباده

إن الله تعالى قريب من عباده( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة: 186 فليس بين الله وبين عباده ما يمنع من مناجاته واللجوء إليه وطلب الحاجة منه مباشرة حتى يلجأ الإنسان إلى قبور الموتى يتوسل بهم ويدعوهم ليشفعوا له عند الله ويسألهم مالا يملكون ويطلب منهم ما لا يقدرون عليه.

بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ربه مباشرة، ويتوسل إليه التوسل المشروع وذلك بالتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأن يكون معتقدا تمام الاعتقاد أن الله تعالى هو المعز المذل المحيي المميت الرازق النافع المدبر لشؤون الحياة كلها وأن بيده وحده النفع والضر، قال صلى الله عليه وسلم (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فالفرد سواء كان حيا أو ميتا من باب أولى لن ينفع ولن يضر أحد إلا بشيء قد كتبه الله.

لذا فيجب على كل من ابتلي بمثل هذه الشركيات وهذه البدع والخرافات من طواف حول القبور وتعظيمها وسؤال أصحابها الحاجات وتفريج الكربات أن يتوب إلى الله من هذا العمل الفاسد الذي هو في الحقيقة شرك بالله وصاحبه مخلد في النار والعياذ بالله . قال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) المائدة 72 وأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له في كل شأن من شؤون حياته وأن يعبد الله بما شرعه إن كان صادقا في إسلامه وألا يلتفت لأحد من الخلق كائنا من كان لا في دعاء ولا غيره مما لا يقدر عليه إلا الله وأن يلتزم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وألا يخالط أهل البدع وأهل الشرك لئلا يتأثر بهم ويقلدهم فيهلك معهم ويخسر الدنيا والآخرة والله أعلم .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قرأها وراجعها الأستاذ الدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل.

يوسف التازي
17-01-15, 04:57 PM
من نواقض الإسلام
الشرك في عبادة الله (1)


نواقض الإسلام أكثر من عشرة نواقض لكن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله -: ذكر عشرة نواقض لأسباب منها: أن هذه النواقض مما اتفق العلماء على كونها نواقضا للإسلام، ومنها: أن هذه النواقض الأكثر وقوعًا بين الناس، ومنها: أن هذه النواقض أشد النواقض خطرًا، ولذلك خصها الشيخ بالذكر والعناية كما ذكر في نهاية النواقض.



فائدة:

الكفر أعم من الشرك، لأن الكافر قد يكون جاحدا للرب سبحانه وتعالى، لا يؤمن برب مثل فرعون والمعطلة والدهرية، وأما المشرك فإنه يؤمن بالرب ولكنه يشرك معه غيره فبين الكفر والشرك عموم وخصوص.



الناقض الأول:

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: [اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض.

الأول: الشرك في عبادة الله تعالى قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ï´¾ [النساء: 48]، وقال: ï´؟ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ï´¾ [المائدة: 72].ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر، وأشهرها الشرك في عبادة الله ].



الشـرح:

المسألة الأولى: لابد للعبد أن يخاف على دينه.

إن مما ينبغي للمسلم مادام على قيد الحياة أن يخاف على دينه من الفتن والشبهات، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال " إنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا " ومن أعظم ما يخافه المؤمن على دينه أن يرتد عن دين الإسلام فهذا إمام الحنفاء الخليل إبراهيم - عليه السلام - يدعو ربه فيقول: ï´؟ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ï´¾ [إبراهيم: 35-36 ].



فهذا الخليل - عليه السلام - وهو الذي كسر الأصنام بيده، وأوذي في سبيل الله من أجل ذلك وألقي في النار يخاف على نفسه أن يرتد عن التوحيد ويعبد الأصنام لأن الذين عبدوا الأصنام بشر عندهم عقول وإدراك ولم تنفعهم عقولهم ولا إدراكاتهم من النجاة من هذه الفتنة وهي عبادة الأصنام فأشركوا بالله، وها هو الخليل محمد -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس إيمانًا وتوحيدًا يخاف على نفسه فيدعو ويقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فتقول له عائشة أم المؤمنين: تخاف على نفسك؟ فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: " يا عائشة، وما يؤمنني وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن " رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني، فخاف عليه الصلاة والسلام على دينه فلجأ إلى الله بأن يثبته على دينه، فإذا كان حال الخليلين هكذا فمن كان دونهما من باب أولى أن يخاف على نفسه من الشبهات والفتن كيف لا ونحن في خضم فتن عظيمة، وشبهات مضللة، ودعاة سوء وأمواج تتلاطم تضل الجاهل وتربك المتعلم وهذا يحمل الإنسان على أن يخاف على دينه ويعتني بنفسه، أعاذنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

قول المصنف: " الشرك في عبادة الله "



المسألة الثانية: الشرك بالله. تعريفه وعواقبه.

الشرك لغة: يقال شاركت فلانًا صرت شريكه، والشرك يكون بمعنى الشرك وبمعنى النصيب وجمعه أشراك.

واصطلاحًا: جعل شريك لله في أولوهيته أو ربوبيته أو أسماءه وصفاته، والذي يغلب الإشراك فيه الألوهية.



وهو أعظم فتنة يجب أن يخافها المسلم على دينه ولا شك أن الشرك الأكبر أعظم ذنب عصي الله به وهو أشد نواقض الإسلام جرمًا وهو أصل كل شر وجماعه ومن عواقبه ما يلي:

أولًا: أنه يجعل صاحبه كافرًا مشركًا.



ثانيًا: أن صاحبه مخلدٌ في النار فقد حرم الله عليه الجنة. قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ï´¾ [المائدة: 72].



ثالثًا: أن الله تعالى أخذ على نفسه ألا يغفر للمشرك إلا أن يتوب.

قال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ï´¾ [النساء: 48]، فلا يكفِّر الشركَ شيءٌ من أنواع المكفرات المعروفة إلا أن يتوب المشرك من شركه فهو محروم من المغفرة.



رابعًا: أن الشرك يحبط جميع الأعمال قال تعالى: ï´؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ï´¾ [الزمر: 65].



وقال: ï´؟ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ï´¾ [الأنعام: 88].



خامسًا: أنه أعظم ذنب فهو الظلم العظيم فقد روى أحمد والبخاري ومسلم حديث عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ï´؟ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ï´¾ [الأنعام: 82]، شق ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: ï´؟ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ï´¾ [لقمان: 13].



وروى أحمد والشيخان أيضًا حديث عبدالله بن مسعود قال: " سألت رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم.... " الحديث.



سادسًا: أن الشرك يبيح دم المشرك وماله روى مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " فلا يعصم المال والدم إلا التوحيد، وأما الشرك فإنه يبيح الدم والمال، فالمشرك حلال الدم والمال إلا ما استثناه الشرع كأهل الذمة والعهد.

يوسف التازي
17-01-15, 04:58 PM
من نواقض الإسلام
الشرك في عبادة الله (2)
أقسام الشرك بالله



اختلف أهل العلم في أقسام الشرك على قولين:

القول الأول: أن أقسام الشرك قسمان: شرك أكبر، وشرك أصغر.



والقول الثاني: أن أقسام الشرك ثلاثة: شرك أكبر وشرك أصغر وشرك خفي.



والصواب والله أعلم القول الأول وأنهما قسمان: شرك أكبر، وشرك أصغر.



قال ابن القيم في مدارج السالكين(1/368): " أما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله نداً يحبه كما يحب الله ".



وأما الشرك الخفي فمنه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر.



قال الشيخ ابن باز رحمه الله في مجموع فتاواه ومقالاته(1/46): " وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي... والصواب: أن هذا ليس قسماً ثالثاً، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفياً لأنه يقوم بالقلوب كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ ويرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي أو نحو ذلك... وقد يكون خفياً وهو من الشرك الأكبر كاعتقاد المنافقين فإنهم يراؤون بأعمالهم الظاهرة وكفرهم خفي لم يظهروه... وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر وشرك أصغر.



إذن الشرك ينقسم إلى قسمين:

1- شرك أكبر.

2- شرك أصغر.



أولاً: الشرك الأكبر:

وهو مراد المصنف رحمه الله، وهو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله، ويدل على هذا التعريف قوله تعالى: ï´؟ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الشعراء: 97-98]، وقوله تعالى: ï´؟ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ ï´¾ [الأنعام: 1]، وما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جواب من سأله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ".



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة(1/344): " أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل بالله أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك ".



قال ابن القيم في نونيته:

والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أيا كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الرحمن



وعرفه الشيخ السعدي فقال: " إن حدّ الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله، فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء ". [انظر القول السديد(43)، وانظر الحق الواضح المبين (59) ].



فالشرك قد يكون في الاعتقاد وقد يكون في الأعمال وقد يكون في الأقوال.



أنواع الشرك الأكبر:

النوع الأول: شرك في الربوبية.

• ويكون بالاعتقاد كمن يعتقد أن هناك من يخلق أو يحيي أو يميت أو يملك أو يتصرف في هذا الكون أحد مع الله، لأن الخلق والإماتة والإحياء والتصرف والملك من خصائص الرب سبحانه فلا تجعل لغيره.



ويكون شرك الربوبية في الأعمال كمن يعلق التمائم أو يلبس الحلقة ونحوها ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود من التأثير من دون الله تعالى.



قال ابن عثيمين في القول المفيد على كتاب التوحيد(1/207): " إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره ويكون شرك الربوبية في الأقوال كمن يقول بوحدة الوجود فيزعمون أن الله تعالى هو عين المخلوق، أو من يقول بإنكار الخالق عز وجل.



النوع الثاني: شرك في الألوهية.

• ويكون بالاعتقاد كمن يعتقد أن هناك من يطاع طاعة مطلقة مع الله فيتبعونهم في ذلك حتى لو أحلُّوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله، ومنه أيضاً الشرك بالله في المحبة والتعظيم كمن يحب مخلوقاً كمحبة الله تعالى وهو الشرك الذي قال الله فيه ï´؟ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ï´¾ [البقرة: 165]، ولذلك قال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم ï´؟ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الشعراء: 97-98]، لأنهم ساووا آلهتهم بالله تعالى في الحب والتأليه والخضوع لهم والتذلل.



فمن اعتقد أن لأحد من الناس سواءً كانوا علماء أو حكاماً أو غيرهم حقاً في التشريع (التحليل والتحريم) من دون الله أو مع الله فقد أشرك مع الله إلهاً آخر، وقال الله عز وجل في أولئك: ï´؟ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ï´¾ [الشورى: 21]، وهذا أيضاً يسمى شرك الطاعات.



فائدة:

والطائع لمن أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله لا يخلو من حالين:

الحال الأولى: أن يطيعه في ذلك مع علمه بتبديله لحكم الله ومخالفته للرسل فيعتقد مع ذلك تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله إتباعاً له فهذه الحالة شرك أكبر مخرج من الملة.



الحال الثانية: أن يطيعه في ذلك مع اعتقاده تحريم ما حرمه الله وتحليل ما أحل الله ولكن طاعته له في ذلك عن هوى وعصيان مع اعترافه بذنبه وأنه عصى الله في ذلك فهذا حاله حال أهل الذنوب والمعاصي. (انظر مجموع فتاوى ابن تيمية 7/70).



• وقد يكون شرك الألوهية في الأعمال كذلك كمن يصلي لغير الله أو يركع ويسجد لغير الله، أو يذبح لغير الله كأن يذبح للجن أو للقبر كما ذكر المصنف وسبق أن هذا النوع وهو شرك الألوهية أغلب أنواع التوحيد الثلاثة انتشاراً. فمن جعل شيئاً من العبادة لمخلوق كائناً من كان، فقد أشرك بالله تعالى في عبادته، واتخذ مع الله نداً يصرف العبادة إليه.



• وقد يكون شرك الألوهية في الأقوال كمن يدعو غير الله سواءً كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة أو يستغيث بغير الله أو يستعين بغير الله أو يستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل فقد وقع في الشرك سواءً كان هذا الغير نبياً أو ولياً أو ملكاً أو جنياً أو غير ذلك من المخلوقات. ولهذا قال الله تعالى عن الذين يدعون غيره: ï´؟ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ï´¾ [العنكبوت: 65]، لأنهم في حال الرخاء والنجاة يدعون غير الله عز وجل فسماهم مشركين، وهذا النوع يسمى شرك الدعوة، أو شرك الدعاء، والدعاء عبادة عظيمة لا يجوز صرفها لغير الله، فمن دعا الله وهو يريد بالدعاء طلب نفع أو دفع ضر فهذا الدعاء يسمى (دعاء مسألة) ومن دعا الله وهو يريد بالدعاء الخضوع والانكسار والذل بين يدي الله عز وجل شأنه فهذا الدعاء يسمى (دعاء عبادة) والدعاء بنوعيه دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى والدعاء أعظم العبادات وأفضل القربات قال تعالى ï´؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ï´¾ [البقرة: 186] وقال آمراً بدعائه وسؤاله: ï´؟ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ï´¾ [غافر: 60] وجاء في مسند الإمام أحمد ورواه أهل السنن من حديث بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدعاء هو العبادة " ثم قرأ " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ".



قال ابن القيم في مدارج السالكين(1/353) مبيناً شناعة هذا الشرك وعظمه: " ومن أنواعه ـ أي الشرك الأكبر ـ طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فضلاً عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع، والمشفوع له عنده ".



النوع الثالث: شرك في الأسماء والصفات.

• ويكون بالاعتقاد كمن يعتقد أن هناك من يعلم الغيب مع الله تعالى الله عن ذلك علوَّاً كبيرا، فالله عز وجل من صفاته أنه علام الغيوب، فمن اعتقد أن هناك من يعلم الغيب مع الله فقد أشرك وهذا يكثر لدى بعض الفرق المنحرفة كالرافضة وغلاة الصوفية والباطنية عموماً، حيث يعتقد الرافضة في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب وكذلك يعتقد الباطنية والصوفية في أوليائهم نحو ذلك، وكذلك من يعتقد أن هناك من يرحم كالرحمة التي تليق بالله عز وجل إذ أن الرحمة صفة من صفاته جل شأنه والرحمن اسم من أسمائه تقدست أسماؤه فمن اعتقد أن غير الله يرحم كرحمة الله التي تليق بجلاله وذلك بأن يغفر الذنوب ويعفو عن عباده ويتجاوز عن السيئات فقد أشرك لأنه ساوى الخالق بالمخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.



وقد يكون شرك الأسماء والصفات في الأعمال أيضاً كمن يتعاظم على الخلق مضاهاة بالله تعالى، وتشبها بصفاته التي منها صفة العظيم.



قال ابن القيم في الجواب الكافي صـ (202): " فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفاً ورجاء والتجاء واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته ".



• وقد يكون شرك الأسماء والصفات في الأقوال أيضاً كمن يطلق اسم الرحمن أو الأحد أو الصمد على غير الله تعالى أو يسمى الأصنام بها.



♦ هذه أنواع الشرك الأكبر في أنواع التوحيد الثلاثة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ذكرتها على وجه التمثيل لا على وجه العد والحصر ومرجع ذلك كله تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله تعالى، ومن أهل العلم من يقسم الشرك إلى أربعة أقسام (وهي داخلة في الأقسام السابقة) إلا أن التقسيم السابق باعتبار أنواع التوحيد الثلاثة، ومن قسمها إلى أربعة أقسام قسمها باعتبار أن أنواع الشرك الأكبر كثيرة ومدارها على أربعة أنواع كما ذكر ذلك في كتاب مجموعة التوحيد صـ (5) وهذه الأنواع الأربعة هي: ـ

النوع الأول: شرك الدعوة أو الدعاء.

وهو أن يدعو العبد غير الله كدعاء الله سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة، وسبق توضيح هذا النوع تحت شرك الألوهية في الأقوال، فمن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله كان مشركاً قال تعالى: ï´؟ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ï´¾ [المؤمنون: 117].



النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد.

وهو أن يقصد ويريد وينوي بعمله أصلاً غير الله عز وجل، ويدل على هذا النوع من الشرك قوله تعالى: ï´؟ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ï´¾ [هود: 15-16] والأصل عند ورود إحباط العمل في القرآن أن سببه الشرك والكفر، وجعل هذا النوع شركاً أكبر محمول على من كانت جميع أعماله مراداً بها غير وجه الله، أما من طرأ عليه الرياء في عمل أصله لله فهو شرك أصغر وسيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.



النوع الثالث: شرك الطاعة.

وهو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم (أي في التحليل والتحريم) وسبق توضيح هذا النوع تحت شرك الألوهية في الاعتقاد، ومما يجدر التنبيه عليه أن هذا النوع من الشرك وهو شرك الطاعة ربما يقع من العالم الذي اتبع هواه وأطاع غير الله من حاكم أو والٍ أو صاحب أو جاه في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله طمعاً في جاه أو متاع أو سلطان أو رئاسة.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى(35/372، 373): " ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتداً كافراً يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة قال تعالى: " ï´؟ المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ï´¾ [الأعراف 1-3 ].



ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب إتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقاً لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى: " ï´؟ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ï´¾ [ العنكبوت 1-3 ].



النوع الرابع: شرك المحبة.

وهو أن يحب مع الله غيره كمحبة الله أو أشد من ذلك، وسبق توضيح ذلك أيضاً تحت شرك الألوهية، كمن يحب آلهته من صنم ووثن أو قبر وضريح فيغضب إذا امتهنت وأهينت أشد من غضبه لله، أو يُسر لها أشد من سروره لله.



فائدة: قال ابن القيم في أقسام المحبة كما في الجواب الكافي (1/134): " ها هنا أربعة أنواع من الحب، يجب التفريق بينهما، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينهما: ـ

أحدها: محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.



الثاني: محبة ما يحبه الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس إلى الله، أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.



الثالث: الحب لله فيه، وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم محبة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله.



الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية وكل من أحب شيئاً مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه نداً من دون الله وهذه محبة المشركين " أ ـ هـ.



وقال رحمه في كتاب الروح(1/254): " والفرق بين الحب في الله والحب مع الله وهذا من أهم الفروق وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا فالحب في الله هو من كمال الإيمان والحب مع الله هو عين الشرك " أ ـ هـ.

يوسف التازي
17-01-15, 04:59 PM
من نواقض الإسلام
الشرك في عبادة الله (3)
أقسام الشرك بالله



ثانياً: الشرك الأصغر:

وهو ما ورد في الشرع أنه شرك ولم يصل إلى الشرك الأكبر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر وهو بلا شك ينقص التوحيد ولا يخرج مرتكبه من الإسلام فلا يخلد في النار.



• وهو أيضاً يقع في الربوبية كلبس حلقة أو خيط لرفع البلاء ودفع الضر ويقع في الألوهية كالحلف بغير الله ويقع في الأسماء والصفات كقول (ما شاء الله وشئت) وسيأتي توضيح ذلك. وللشرك الأصغر دلائل وعلامات يعرف بها من نصوص الشرع منها: - تحديده بالنص أنه أصغر: كما جاء في مسند أحمد من حديث محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء " - أن يأتي لفظ الشرك منكراً من غير تعريف ب- (أل): كما جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الطيرة شرك ثلاثاً، وما منَّا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل ".



• فهم الصحابة له بأنه شرك أصغر لا أكبر مخرج من الملة.



• ما يعرف عند جمع النصوص ومقارنتها أنه شرك أصغر.



والشرك الأصغر على قسمين:

الأول: شرك أصغر ظاهر.



وهو ما يقع في الأقوال والأفعال، فالنوع الأول وهو شرك الألفاظ أو الأقوال مثاله الحلف بغير الله تعالى.



ويدل على ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث سعد بن عبيدة قال: سمع ابن عمر رجلاً يحلف لا والكعبة فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " من حلف بغير الله فقد أشرك ".



وجاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " لأن الحلف لا يكون إلا بالله أو صفاته، ولا يجوز الحلف بغيره، وإن اعتقد أن المحلوف به بمنزلة الله في العظمة فهذا شرك أكبر كما سبق وإلا فهو شرك أصغر.



قال الألباني في السلسلة الصحيحة (5/71) بعدما نقل كلاماً للطحاوي في إثبات أن الحلف بغير الله شرك أصغر: " يعني والله أعلم أنه شرك لفظي وليس شركاً اعتقادياً، والأول تحريمه من باب سدّ الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين " ا. هـ.



ومن الشرك الأصغر في الألفاظ كذلك قول (ما شاء الله وشئت) ويدل على ذلك ما رواه أحمد وابن ماجه والنسائي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فكلمه فقال: ما شاء الله يعني وشئت، فقال: " ويلك أجعلتني والله عِدلاً، قل: ما شاء الله وحده " وفي رواية " أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده " فالحق أن يقول: ما شاء الله وحده أو ما شاء الله ثم شئت ومثله لولا الله ثم فلان، ففي قول النبي -صلى الله عليه وسلم- " أجعلتني لله نداً " دليل على أن قول ما شاء الله وشئت، شرك أصغر إذ أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، قال تعالى: " وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " [التكوير: 29].



والأصل في هذا الشرك أنه شرك أصغر وقد يصل إلى الشرك الأكبر وذلك إذا اعتقد أنه يساوي الله تعالى في المشيئة.



قال شيخنا ابن عثيمين في القول المفيد (2/378): " فإن اعتقد أنه يساوي الله تعالى في التدبير والمشيئة فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء فهو شرك أصغر.



وهناك من الألفاظ ما يشابه ذلك ويوقع في الشرك الأصغر، وما أروع ما قاله الإمام ابن القيم في الجواب الكافي ص- (199) بعدما ذكر الحديث السابق حيث قال: " فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا من حِسْب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذراً لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلاناً، ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي -صلى الله عليه وسلم- لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله نداً لله بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه، نداً لرب العالمين " ا.هـ.



وأما النوع الثاني وهو الشرك في الأفعال والأعمال. فمثاله: من يعلق التمائم والقلائد خوفاً من العين أو لرفع البلاء أو دفع الضر أو يلبس حلقة أو خيطاً لرفع البلاء ودفع الضر، فيجعل هذه القلائد والتمائم ولبس الخيط والحلقة أسباباً ظاهرة لدفع العين والضر ورفع البلاء التي لم يثبت كونها سبباً لا شرعاً ولا حساً وهذا نوع من الشرك الأصغر، ويدل على ذلك ما رواه أحمد من حديث عقبة مرفوعاً: " من تعلق تميمة فقد أشرك " فقد جعل هذه أسباباً لرفع البلاء ودفع الضر ولم يجعلها أسباباً في شرعه ولم يثبت ذلك لنا بالحس الظاهر فقد وقع في الشرك الأصغر بفعله هذا وأما إن اعتقد أنها تدفع الضر وترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر لأنه ساواها بالله في دفع الضر ورفع البلاء.



قال الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد (1/165): " ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله، فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية، لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره، وإن اعتقد في شيء أنه سبب، ولكنه ليس مؤثراً بنفسه، فهو مشرك شركاً أصغر، لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سبباً، فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سبباً. وطريق العلم بأن الشيء سبب:

إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ï´؟ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ï´¾ [النحل: 69]،وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال تعالى: ï´؟ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [الإسراء: 82].



وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعاً في هذا الألم أو المرض، ولكن لابد أن يكون أثره ظاهراً مباشراً كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلاً، فهذا سبب ظاهر بيّن".



ومن أمثلة الشرك الأصغر بالأعمال أيضاً من يتمسح بشيء لم يجعل الله فيه البركة، كتقبيل أبواب المساجد، والتمسح بأعتابها، والاستشفاء بتربتها، ومثله التمسح بجدران الكعبة ومقام إبراهيم طلباً للبركة، لأن طلب البركة لا تكون إلا بأمر شرعي معلوم.



القسم الثاني: شرك أصغر خفي.

وهو الشرك في النيات والمقاصد والإرادات، وهو على نوعين:

النوع الأول: ما يكون رياء.

والرياء قسمان:

1- شرك أكبر: وهو رياء المنافقين كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ï´¾ [النساء: 142].



2- شرك أصغر: كأن يعمل عملاً مما يتقرب به إلى الله - عز وجل - فيُحسن عمله من صلاة أو قراءة لأجل أن يمدح ويثنى عليه، ويدل على ذلك ما رواه أحمد في مسنده من حديث محمود بن لبيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء ".



وهذا النوع من الشرك وهو الرياء قلَّ من يسلم منه نسأل الله السلامة والعافية وللشيطان فيه مداخل خفية حتى على أهل العبادة والزهادة والعلم.



• قال ابن القيم رحمه الله: " فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته " ا. هـ.



وقال بعض أهل المعرفة في هذا الباب: " هو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة، فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، وطلبت الاستراحة إلى إظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحبت مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس بذلك أعظم اللذات وأعظم الشهوات وهو يظن أن حياته بالله وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة، وقد أثبت اسمه عند الله من المنافقين وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين " أ - هـ.



• ولما كثر هذا النوع من الشرك بين الناس وهو الرياء فقدت حلاوة الإيمان في كثير من العبادات ولا حول ولا قوة إلا بالله لأن الرياء ضد الإخلاص الذي هو روح العبادة ولبُّها بل شرطها الذي لابد منه مع المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، بل ربما وجد من الناس من هو أشد حرماناً من ذلك فأصبح يرائي بما لا يعمل ولذا قال أحد السلف: " أدركنا أقواماً يراءون بما يعملون فما لنا نرى أقواماً يراءون بما لا يعلمون " ولما دبّ هذا الداء في قلوب الكثير كان لزاماً على من ابتلي بذلك أن يتدارك نفسه ويجاهدها على الإخلاص والنجاة من الضد وهو الرياء، ولقد سأل خير القرون وهم الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن النجاة من هذا الداء فأجابهم بأبي هو وأمي عليه أفضل الصلاة والتسليم.



قال ابن القيم رحمه الله في معرض كلامه عن الشرك في العبادة: " ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس. وهو الشرك الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ابن حبان في صحيحه ": " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة ". قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟! قال: " قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ". فالرياء كله شرك...... " أ - هـ.



النوع الثاني: ما يكون سمعة.

كأن يعمل عملاً لله ثم يحدث الناس ويسمع بعمله، فيعمل العمل ليسمعه الناس فيكون القصد لغير الله، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " من سمَّع سمّع الله به ومن يراءي يراءي الله به ".



العمل إذا خالطه الرياء لا يخلو من حالات: -

الحالة الأولى: أن ينشئ العبد العمل من أصله لغير الله، كأن لا يريد بعمله إلا الدنيا، فهذا العمل عمل المنافقين الذين قال الله فيهم: ï´؟ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ï´¾ [النساء: 142] فهذا العمل لا يشك مسلم بأنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت والعقوبة من الله - عز وجل -.



الحالة الثانية: أن يكون العمل لله ويشاركه الرياء من أصله.

فهذا عمله باطل كما هو ظاهر النصوص الصريحة فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه-؛ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه ".



الحالة الثالثة: أن يكون أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فهذا ينقسم إلى قسمين:

الأول: أن يدافعه فهذا لا يضره.



مثاله: رجل صلى ركعة واحدة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه فإنه لا يضره لأنه قام بمجاهدته.



الثاني: أن يسترسل معه فهو باطل، ولكن هذا البطلان هل يمتد لجميع العبادة أم لا؟ لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنياً على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها، فهذه كلها فاسدة كالصلاة مثلاً فحينئذٍ تبطل الصلاة كلها إذا طرأ عليها الرياء في أثناءها ولم يدافعه.



الثانية: أن يكون آخر العبادة منفصلاً عن أولها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما كان قبل الرياء فهو صحيح وما كان بعده فهو باطل، كمن عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء، فالأولى مقبولة والثانية غير مقبولة.[ انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب، وانظر القول المفيد لشيخنا ابن عثيمين 1/117].

يوسف التازي
17-01-15, 05:40 PM
من نواقض الإسلام
الشرك في عبادة الله (4)



المسألة الرابعة: هل الشرك الأصغر يُغفر ويكون تحت المشيئة أم أنه لا يغفر إلا بالتوبة كالشرك الأكبر.



والمقصود: هل مكفرات الذنوب تكفر الشرك الأصغر أم لابد من التوبة؟

على قولين:

القول الأول: أنه لا يُغفر إلا بالتوبة، ولكن صاحبه لا يحكم بكفره ولا يُخلَّد في النار بل مآله إلى الجنة.

واستدلوا: بعموم قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ï´¾ [النساء: 48].



واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: " وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجليٌّ " [انظر جامع الرسائل (2/254)]، وقال في الرّد على البكري صـ 146: " وقد يُقال الشرك لا يُغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن وإن كان صاحب الشرك ـ أي الأصغر ـ يموت مسلماً لكن شركه لا يُغفر له بل يُعاقب عليه وإن دخل بعد ذلك الجنة " وأيضاً لشيخ الإسلام كلام يوحي بأنه لم يجزم بهذا القول وأن الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر.



والقول الثاني: أنه تحت المشيئة ويُغفر بغير التوبة.

واستدلوا: بقوله تعالى: ï´؟ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ï´¾ [المائدة: 72].



فقالوا: أنه بإجماع العلماء أن الشرك الأصغر لا يدخل تحت هذه الآية ولا يدخل في قوله تعالى: ï´؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ï´¾ [الزمر: 65] فلا يحبط الأعمال إلا الشرك الأكبر وهو المراد في هذه الآية بالإجماع، فكذلك هو المراد بقوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ..... ï´¾ ولأن الموازنة بين الحسنات والسيئات يكون فيما دون الشرك الأكبر من السيئات، لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فهو يحبط العمل فلا يبقى معه عمل ينفع.



وهذا القول هو ظاهر اختيار الإمام ابن القيم، قال في إغاثة اللهفان ( 1/59 ): " فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة ونجاسة مخففة، فالمغلظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله فإن الله لا يغفر أن يشرك به والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء "



وعلى كل حال يجب الحذر من الشرك مطلقاً لأن عموم قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ï´¾ يحتمل دخول الشرك الأصغر فيه، ولكل قول حظّ من النظر في أدلته على مسألة دخول الشرك الأصغر في الآية أم لا نسأل الله السلامة والعافية.

يوسف التازي
17-01-15, 05:43 PM
نواقض الإسلام
الشرك في عبادة الله (5)


المسألة الخامسة:

كيف الجمع بين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أفلح وأبيه إن صدق ".



جاء في صحيح مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل النجدي الذي سأل رسول الله عن الإسلام وفي آخر الحديث أدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفلح وأبيه إن صدق " فظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف بأبيه فكيف الجمع بينه وبين نهيه عليه الصلاة والسلام عن الحلف بغير الله؟



الجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن لفظ " أفلح وأبيه إن صدق " حكم عليها بعض الحفاظ بالنكارة وقالوا لا تصح لما يلي:

1- أن مالك بن أنس تابع إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل بدون لفظة (وأبيه) ومالك بن أنس أوثق من إسماعيل بن جعفر وأيضاً أبو سهيل عمّ مالك بن أنس فهو أعرف به من غيره فتكون روايته مقدّمة على غيره، ولهذا أخرّ مسلم رواية إسماعيل بن جعفر وقدّم رواية مالك بن أنس لأنه يقدّم الأصح فالأصح.



قال محدث اليمن عبدالرحمن المعلمي في الأنوار الكاشفة ص 29، 230: " من عادة مسلم في صحيحه أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدّم الأصح فالأصح، فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمال أو خطأ تبيّنه الرواية المقدّمة ".



2- أن إسماعيل بن جعفر قد اضطرب في الحديث فمرة يأتي بهذه اللفظة ومرة لا يأتي بها.



قال ابن حجر: قال ابن عبدالبر: " هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها هو إسماعيل بن جعفر بلفظ " أفلح والله إن صدق " قال: هذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: " أفلح وأبيه " لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلاً " أ ه.



وقال الألباني:" قوله (وأبيه) شاذ عندي في هذا الحديث وغيره كما حققته في الأحاديث الضعيفة (4992) " ا. هـ.



الوجه الثاني: أن هذه اللفظة على فرض صحتها فقد وجهها أهل العلم، فمنهم من قال أن هذا الحلف كان قبل النهي، ومنهم من قال أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال أن هذا مما يجري على اللسان من غير قصد، وبهذه الاحتمالات وغيرها من التوجيهات تكون هذه اللفظة من المتشابه الذي يُردُّ إلى المُحكم وهو النهي عن الحلف بغير الله، وهذه هي طريقة الراسخين في العلم في المحكم والمتشابه أن يدعوا المتشابه ويأخذوا بالمحكم [انظر فتاوى العقيدة للشيخ ابن عثيمين ص 173].



قول المصنف: " في عبادة الله ".



المسألة السادسة:

تعريف العبادة.

العبادة: مأخوذة من التعبد والتذلل والخضوع الاختياري، والتقرب إلى الله بما شرعه.



وبعض العلماء يعرفها بأنها غاية الحب لله عز وجل مع غاية الذل له، وهذا تعريفها المجمل.



وأما تعريفها المفصل فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (10/ 149 ): " العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.... والعبادة أصل معناها الذل أيضاً، يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له ثم قال : ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحبّ شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله ".



وقال ابن القيم في نونيته الكافية الشافية:

وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبانِ وعليهما فلك العبادة دائرٌ ما قام حتى قامت القطبانِ ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطانِ



قول المصنف: " ومن ذلك دعاء الأموات "



المسألة السابعة:

من أنواع الشرك دعاء غير الله.

وقول المصنف: " ومن ذلك دعاء الأموات والاستغاثة بهم " موجود في بعض النسخ دون البعض، وعلى كل حال مرّ معنا شرك الدعوة وأن من دعا غير الله سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة فقد أشرك لأن الدعاء لا يكون إلا مع محبة وتعظيم وافتقار وتذلل واعتقاد أن المدعو قادر على الاستجابة.



ويدل على ذلك: قوله تعالى: ï´؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ï´¾ [الأحقاف: 5-6] وقوله تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ï´¾ [فاطر: 13-14].



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: " فكل من غلا في حي، أو في رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو حسبك أو نحو هذه الأقوال والأفعال، التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.



وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الدرر السنية ( 2/19 ): " فمن قال: يا رسول الله، أو يا عبدالله بن عباس، أو يا عبدالقادر، أو يا محجوب زاعماً أنه يقضي حاجته إلى الله تعالى، أو أنه شفيع عنده أو وسيلته إليه فهو الشرك الذي يهدر الدم، ويبيح المال إلا أن يتوب من ذلك ".

يوسف التازي
17-01-15, 05:44 PM
من نواقض الإسلام
الشرك في عبادة الله (6)



المسألة الثامنة: الاستغاثة بغير الله

والاستغاثة: طلب العون من جلب خير أو دفع شر، وهي نوع من أنواع العبادة لا يجوز صرفها لغير الله.



ومن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك وسبق توضيح ذلك.



قال شيخ الإسلام في الرد على البكري ص 387: "ولا يجوز أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين، ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلاناً أغثني، وانصرني، وادفع عني، أو أنا حسبك، ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام".



قول المصنف: " الذبح لغير الله كمن يذبح للجن والقبر ".



المسألة التاسعة: الذبح لغير الله.

من ذبح لغير الله كمن يذبح للصنم أو للجن أو للقبر أو للكعبة أو لشجرٍ أو لحجرٍ أو مكانٍ فقد أشرك شركاً أكبر، وذبيحته حرام سواءً كان الذابح مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً وهذا الذابح إن كان مسلماً قبل ذلك صار بذبحه لغير الله خارجاً من الملة لأنه صرف عبادة عظيمة لغير الله.



قال ابن عثيمين في مجموع فتاواه ورسائله( 2/148 ): " الذبح لغير الله شرك أكبر، لأن الذبح عبادة كما أمر الله في قوله: " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " [الكوثر: 2] ".



والذبح من حيث حكمه الشرعي له ثلاثة أنواع:

1- الذبح التعبدي: وهو إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص، كالأضحية والعقيقة والهدي والوفاء بالنذر، وهي إما أن تكون مستحبة كالأضحية أو واجبة كالوفاء بالنذر.



2- الذبح البدعي: وهي أن يتقرب إلى الله بإزهاق الروح بإراقة الدم ويصحب فعله أمر محدث، كأن يتقرب بجنس لم ترد به الشريعة، فيأتي في مواضع منصوص على بهيمة الأنعام فيها من غنم أو إبل أو بقر وهو يتقرب بدجاجة.



3- الذبح الشركي الأكبر: وهو أن يصرف عبادة الذبح لغير الله متقرباً له كأن يذبح للجن أو لصاحب القبر ونحوه.



تنبيه: الذبح إكراماً للضيف لا يعد من الذبح لغير الله لأنه لم يقصد بإراقته للدم التقرب للضيف بل المقصود اللحم لا إراقة الدم فإراقة الدم جاءت تبعاً لا قصداً، بخلاف الذبح الذي يذكر في أبواب التوحيد فإن إراقة الدم فيه مقصودة لغير الله فتكون قصداً لا تبعاً.



وعليه فإن الذبح عند استقبال الرجل من سلطان أو غيره على أربعة أقسام:

1- شرك أكبر: إذا تقرب به إلى القادم بها.



2- بدعة: إذا تقرب إلى الله بالذبح عند مروره.



3- محرم: إذا ذبح مريداً اللحم وكان في فعله إسراف.



4- مستحب: كالذبح مريداً اللحم عند استقبال الضيف إظهار للإكرام، ولم يصاحب ذلك إسراف، والإكرام الممدوح شرعاً صفته راجعة لعادة القوم.



• ومن صور الشرك الأكبر الذي لابد من التنبيه عليه (النذر لغير الله تعالى) لأنه منتشر في بعض البلدان الإسلامية فالنذر عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ومن نذر لغير الله فقد أشرك كمن نذر لولي صالح أو شجر أو حجر فمن فعل ذلك انسلخ من الإسلام ووقع بما وقع فيه كفار قريش قال الله تعالى عنهم: ï´؟ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ï´¾ [الزمر: 3].



وكمن يقول: لفلان عليَّ نذر، أو لهذا القبر عليّ نذر، أو لجبريل عليّ نذر يريد بذلك التقرب إليهم فقد وقع في الشرك ولا ينعقد نذره ولا يجب فيه الكفارة وعليه التوبة لأنه وقع في شرك أكبر.



المسألة العاشرة: هل الكفر والشرك بمعنى واحد أم يختلفان؟

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:

القول الأول: أنهما يختلفان فكل شرك كفر وليس كل كفر شركاً.

واستدلوا:

1- بأن بينهما فرقاً في لغة العرب وعليه يكون بينهما فرق في الشرع لأن الشرع نزل بلغة العرب.



2- قوله تعالى: ï´؟ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ....... ï´¾ [البينة: 1].



ووجه الدلالة: أن الله تعالى عطف على أهل الكتاب المشركين والعطف يقتضي الفرق والمغايرة.



3- أن من أشرك بالله فقد كفر بالأوامر التي جاءت بتوحيد الله فمن هنا صار كل مشرك كافراً، وأما الكفر فهو أعم من الشرك فمثلاً من لا يعبد إلا هواه أو غيره من المعبودات الباطلة وحدها دون الله جلّ في علاه، أو من يدعي أنه لا يعبد أحداً فهؤلاء لم يشركوا لأنهم لم يعبدوا إلا واحداً وهو معبودهم الباطل ولم يتحقق فيهم الشرك لأنهم لم يعبدوا الله حتى يكون هناك تسوية، فهنا حصل الكفر دون الشرك.



ويوضح ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية ص 169: " فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده ".



والقول الثاني: أن الكفر والشرك اسمان لمسمى واحد فهما سواء.

واستدلوا:

1- بقوله تعالى: ï´؟ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ï´¾ [الكهف: 35، 36] ثم قال: ï´؟ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ï´¾ [الكهف: 42] وقالوا: أن وجه الدلالة أن هذه الأشياء المذكورة على قول المفرقين كلها كفر ومع ذلك أطلق عليها شركاً.



ونوقش هذا الاستدلال: بأن وصفه للجنة بقوله: ï´؟ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ï´¾ [الكهف: 35] حيث وصفها بالدوام وهذا شرك أكبر إذ أنه لا يوصف بالدوام إلا الله سبحانه ï´؟ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ï´¾ [الرحمن: 26-27] وبهذا يسقط الاستدلال.



2- قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ï´¾ [النساء: 48].

وقالوا: أن وجه الدلالة أن القول بالفرق بينهما يلزم منه أن الكفر يُغفر.



ونوقش هذا الاستدلال: بأننا لا نسلم أن الكفر دون الشرك فإن الكفر إن لم يكن مساوياً للشرك فهو أعظم منه، فمن جحد وجود الرب سبحانه فقد كفر ولا شك أن هذا أعظم من الشرك. فأدلت عدم غفران الشرك تستلزم عدم غفران الكفر من باب أولى.



3- قوله تعالى: ï´؟ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ï´¾ [الجاثية: 23].

ووجه الدلالة: أنه كفره لما اتخذ إلهه هواه وهذا شرك.



ونوقش هذا الاستدلال:

أن هذه الآية لا دلالة فيها إذ أن من اتخذ إلهه هواه لا يخلو من حالتين:

إما أنه ينكر الرب سبحانه ويعبد هواه وحده فهذا لا يكون إلا كافراً وإما أنه يعبد الله وهواه وهذا يكون مشركاً، والآية على كلا الحالتين لم تحكِ لنا حاله هل هو مشرك أو كافر.



والقول الأول: هو قول أبي حنيفة.

والثاني: هو قول الشافعي كما حكى ذلك ابن حزم، ومال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى القول الأول كما هو ظاهر كلامه السابق. والله أعلم.

يوسف التازي
17-01-15, 05:45 PM
معنى الشرك وأنواعه

1- معنى الشرك لغة :
قال ابن فارس: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلافِ انفرادٍ، والآخر يدلّ على امتداد واستقامة.
فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلاناً في الشيء إذا صرت شريكَه، وأشركت فلاناً إذا جعلته شريكاً لك"[1].
وقال الجوهري: "الشريك يجمع على شركاء وأشراك، وشاركت فلاناً صرت شريكه، واشتركنا وتشاركنا في كذا، وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم: الشرك"[2].
وقال أيضاً: "والشرك أيضاً الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركيّ"[3].
وقال الفيروز آبادي: "الشِّرك والشُِّركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى، وقد اشتركا وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشِّرك بالكسر وكأمير: المشارك، والجمع أشراك وشركاء"[4].

2- معنى الشرك شرعاً:
قال ابن سعدي: "حقيقة الشرك أن يُعبَد المخلوق كما يعبَد الله، أو يعظَّم كما يعظَّم الله، أو يصرَف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية"[5].
وقال الدهلوي: "إن الشرك لا يتوقّف على أن يعدِل الإنسان أحداً بالله، ويساوي بينهما بلا فرق، بل إن حقيقة الشرك أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال ـ خصها الله تعالى بذاته العلية، وجعلها شعاراً للعبودية ـ لأحد من الناس، كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستعانة به في الشدة، والاعتقاد أنه ناظر في كل مكان، وإثبات التصرف له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح به الإنسان مشركاً"[6].

3- الفرق بين الشرك والكفر:
1- أما من حيث اللغة فإن الشرك بمعنى المقارنة، أي: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما. أما الكفر فهو بمعنى الستر والتغطية.
قال ابن فارس: "الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية"، إلى أن قال: "والكفر ضد الإيمان، سُمّي لأنه تغطية الحق، وكذلك كفران النعمة جحودها وسترها"[7].
2- وأما من حيث الاستعمال الشرعي فقد يطلقان بمعنى واحد، قال الله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـ?ذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ ?لسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى? رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً * قَالَ لَهُ صَـ?حِبُهُ وَهُوَ يُحَـ?وِرُهُ أَكَفَرْتَ بِ?لَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّ هُوَ ?للَّهُ رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا} [الكهف:35-38].
وقد يفرق بينهما، قال النووي: "الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبادة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك"[8].

4 - أنواع الشرك :
الشرك ثلاثة أنواع:

أولا : الشرك الأكبر .

ثانيا : الشرك الأصغر .

ثالثا : الشرك الخفي .
--------------------------------
[1] مقاييس اللغة (3/265).
[2] الصحاح (4/1593-1594).
[3] الصحاح (4/1593-1594).
[4] القاموس المحيط (2/1251).
[5] تيسير الكريم الرحمن (2/499).
[6] رسالة التوحيد (ص32، 33). وانظر: الشرك في القديم والحديث (1/120).
[7] مقاييس اللغة (5/191).
[8] شرح صحيح مسلم (2/71)، وانظر: حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد (302).

يوسف التازي
17-01-15, 05:46 PM
آثار الشرك وأضراره

الشرك أعظم الذنوب وذلك لأمور:
1- لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية فمن أشرك مع الله أحداً فقد شبهه به. وهذا أعظم الظلم قال تعالى: ( إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) , والظلم هو وضع الشيء في غيرموضعه ، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها وصرفها لغير مستحقها وذلك أعظم الظلم.
2- أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه قال تعالى: ( إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) .
3- أن الله أخبر أنه حرم الجنة على المشرك وأنه خالد مخلد في نار جهنم قال تعالى: ( إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) .
4 - أن الشرك يحبط جميع الأعمال قال تعالى : ( ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ،وقال تعالى: ( وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) .
5- أن المشرك حلال الدم والمال- قال تعالى: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" .
6- أن الشرك أكبر الكبائر قال صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين " الحديث . فالشرك أظلم الظلم. والتوحيد أعدل العدل. فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر إلى أن قال: فلما كان الشرك منافياً بالذات لهذا المقصود كان أ كبر الكبائر على الإطلاق وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيداً لهم لما تركوا القيام بعبوديته . وأبى الله سبحانه أن يقبل لمشرك عملاً. أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة. أو يقبل له فيها رجاء ، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه نداً وذلك غاية الجهل به - كما أنه غاية الظلم منه- وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه - انتهى.
7- أن الشرك تنقص وعيب نزه الرب سبحانه نفسه عنهما - فمن أشرك بالله قد أثبت لله ما نزه نفسه عنه وهذا غاية المحادة لله تعالى وغاية المعاندة والمشاقة لله.

آثار الشرك وأضراره:
1- ضعف تعظيم الربّ تعالى ومحبته في قلب صاحبه:
ذكر العلماء في وصف حال المشركين أنهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله، وكثير منهم ـ بل أكثرهم ـ يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد ربَّ العالمين، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضبَ الليث إذا حرَد، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئاً رضوا عنه، ولم تتنكر له قلوبهم... فهذه حال من اتخذ من دون الله ولياً، ويزعم أنه يقربه إلى الله[1].

2- سقوط صاحبه من أوج العزة والكرامة إلى حضيض السفول والقلق والرذيلة:
قال تعالى: ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ) [الحج:31].
قال ابن القيم: "تأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن تجعله تشبيها مركّبا، ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيرَه برجل قد تسبّب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يُرجى معه نجاة، فصوّر حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير في الهوى فتمزّق مزقا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وعلى هذا لا تنظر إلى كلّ فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.

والثاني: أن يكون من التشبيه المفرّق، فيقابَل كل واحد من أجزاء الممثّل بالممثّل به، وعلى هذا فيكون قد شبّه الإيمان والتوحيد في علوّه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، وشبّه تاركَ الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي تخطف أعضاءه وتمزقه كلّ ممزق بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه وتؤزّه أزّا وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه، فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه كما أن لكلّ طير مزعة من لحمه وأعضائه، والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء"[2].

3- نجاسة صاحبه:
قال تعالى: ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) [التوبة:28].
قال ابن القيم: "ونجاسة الشرك عينية، ولهذا جعل سبحانه الشرك نجَساً بفتح الجيم، ولم يقل: إنما المشركون نجِس بالكسر، فإن النَّجَس عين النجاسة، والنجِس بالكسر المتنجِّس، فأنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم"[3].

4- أنه يوجب لصاحبه عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ( لّيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَـافِقِينَ وَالْمُنَـافِقَـاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَـاتِ ) [الأحزاب:73].
قال ابن القيم: "والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتاً لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيداً، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية"[4].

5- أن المتلبّس به يسيء الظن بربّ العالمين ويتنقصه تعالى:
قال تعالى: ( وَيُعَذّبَ الْمُنَـافِقِينَ وَالْمُنَـافِقَـاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَـاتِ الظَّانّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْء عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْء وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ) [الفتح:1].
قال ابن القيم: "فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده"[5].
وقال أيضاً: "فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً إلا وهو متنقّص لله سبحانه"[6].

6- أن التلبس به يوقع الفرد والمجتمع في ظلمات متراكمة:
إن أكبر الكبائر الإشراك بالله تعالى، ذلك لأن الشرك ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، وحجب متلاطمة لا يقرّ لها قرار، فهو يجعل الإنسان عبداً للمخلوق، وهو لا يعبد المخلوق إلا جلباً لفائدة أو دفعاً لضرر، فهو في الواقع عبد لمصلحته، وبالتالي هو عبد لنفسه، وعبادة النفس معناها أن الشخص غير صالح ليكون عضواً كريماً عاملاً على الرقي بالجماعة الإنسانية محققاً لسعادتها، بل هو على الضد من ذلك يكون عدواً للإنسانية، هادماً لأركانها، ساعياً في شقائها دون أن يدري؛ إذ إن الشرك يقلب الأوضاع، فيجعل الحقّ باطلاً، والباطل حقاً، والخالق مخلوقاً، والمخلوق خالقاً، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تبنى قواعد الجماعات على أسس سليمة، ذلك لأن العلاقات الإنسانية تكون مبنية على مستلزمات الشرك، وهي الجشع والتربص والحقد والكذب وسفك الدماء والعدوان والاستعباد والإذلال.
كل ذلك يؤدي إلى انفراط نظام العقد الإنساني الذي يتحوّل إلى فوضى لا ضابط لها ولا رابط، يسودها الخوف، ويخيّم عليها القلق، وتتخلّلها الحروب التي لا تنتهي، والتي تسببها الأطماع التي لا تنتهي، وحينئذ تصبح الحياة شقاء لا سعادة فيه، وجحيماً لا يطاق، يعذّب فيه البشر بعضهم بعضاً[7].
------------------------------
[1] مدارج السالكين (1/368-369).
[2] إعلام الموقعين (1/180).
[3] إغاثة اللهفان (1/98).
[4] إغاثة اللهفان (1/99).
[5] إغاثة اللهفان (1/99).
[6] إغاثة اللهفان (1/101).
[7] انظر: دعوة التوحيد، لمحمد خليل هراس (72-73).

يوسف التازي
17-01-15, 05:46 PM
نوع الأول من أنواع الشرك :

الشرك الأكبر

1- تعريفه :
الشرك هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله .

2- أنواع الشرك الأكبر :
وهو ثلاثة أنواع، يتعلق كل نوع بأنواع التوحيد الثلاثة :

1- الشرك في الربوبية

2- الشرك في توحيد الأسماء والصفات

3- الشرك في توحيد الألوهية

قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقاً، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه"[1].
----------------------
[1] تيسير العزيز الحميد (ص43).

يوسف التازي
17-01-15, 05:47 PM
من أنواع الشرك الأكبر :

الشرك في الربوبية

قال ابن تيمية: "أما النوع الثاني فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته"[1].
وهذا إما شرك في التعطيل وإما شرك في الأنداد:
أ- شرك التعطيل:
قال الشيخ سليمان آل الشيخ: "شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} [الشعراء:23]، ومن هذا شرك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوماً أصلا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس.
ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، كابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض، ونحوهم من الملاحدة الذين كسوا الإلحاد حلية الإسلام، ومزجوه بشيء من الحق، حتى راج أمرهم على خفافيش البصائر"[2].

ب- شرك الأنداد:
وهو شرك من جعل مع الله إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته.
قال سليمان آل الشيخ: "النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.
ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها مدبّرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ويلتحق به من وجه شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواحَ الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرجون الكربات، وينصرون من دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم ولاذ بحماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية"[3].
وخلاصة هذا النوع ما يلي:
أ- الشرك في الربوبية بالتعطيل: وذلك إما بالإلحاد كقول فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} وكالمذهب الشيوعي، وإما بتعطيل الكون عن صانعه كالقول بقدم العالم والقول بوحدة الوجود، وإما بتعطيل الصانع عن أفعاله كشرك منكري إرسال الرسل ومنكري القدر والبعث وغير ذلك.

ب- الشرك في الربوبية بالأنداد: وذلك إما بدعوى تصرف غير الله تعالى في الكون كشرك مشركي قوم إبراهيم الصابئة والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد والأبدال المعتقدين فيهم التصرف والتدبير، وإما بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم لغير الله تعالى كما هو عند النصارى وغيرهم وكما هو في القوانين الوضعية، وإما بدعوى تأثير النجوم والهياكل في الكون كما يعتقده الصابئة من قوم إبراهيم، أو دعوى تأثير الأولياء أو التمائم والأحجبة[4].

----------------

[1] مجموع الفتاوى (1/92).
[2] تيسير العزيز الحميد (43).
[3] تيسير العزيز الحميد (43-44).
[4] انظر: الجواب الكافي (ص156، 157). والشرك في القديم والحديث (1/145-146).

يوسف التازي
17-01-15, 05:48 PM
الإلهية فهو أن يجعل لله نداً ـ أي: مثلاً ـ في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:48]، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} الآية [البقرة:165]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} الآية [الزمر:3]، وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـاهاً واحِداً إِنَّ هَـاذَا لَشَىْء عُجَابٌ} [ص:5]، وقال تعالى: {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [ق:24]، إلى قوله: {الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً ءاخَرَ فَأَلْقِيَـاهُ فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} [ق:26]"[1].

وقال المقريزي: "فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عبّاد الأصنام، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجن، وعبّاد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، الذين قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قربٌ وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته. والكتب الإلهية كلها من أوّلها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وتردّه، وتقبِّح أهله، وتنصّ على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أوّلهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله"[2].
أنواع الشرك في الألوهية:


أ- شرك الدعاء .

ب- شرك النية والإرادة والقصد .

ج- شرك الطاعة .

د- شرك المحبة .

هـ- شرك الخوف .

و- الشرك في التوكل .
----------------------------------------


[1] مجموع الفتاوى (1/91).

[2] تجريد التوحيد المفيد (52-53).

يوسف التازي
17-01-15, 05:49 PM
من أنواع الشرك الأكبر ( في الألوهية ) :

شرك الدعاء

قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65].

قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه {دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ}، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ}، يقول: فلما خلّصهم مما كانوا فيه وسلّمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكاً في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أرباباً"[1].

وقال تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظَّـالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [يونس:106، 107].

قال ابن جرير: "ولا تدع ـ يا محمد ـ من دون معبودك وخالقك شيئاً لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام، أي: لا تعبدها راجياً نفعها أو خائفاً ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، {فَإِن فَعَلْتَ} ذلك فدعوتَها من دون الله {فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظَّـالِمِينَ}، يقول: من المشركين بالله الظالمين أنفسهم"[2].

وقال سليمان آل الشيخ: "والآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر، ولهذا قال: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس:107]، لأنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع، ولازم ذلك إفراده بتوحيد الإلهية لأنهما متلازمان، وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب الخير، لأنه لا يكشف الضر إلا هو، ولا يجلب الخير إلا هو، {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:4]، فتعيّن أن لا يدعَى لذلك إلا هو، وبطل دعاء مَن سواه ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن غيره، وهذا ضدّ ما عليه عبّاد القبور، فإنهم يعتقدون أن الأولياء والطواغيت الذين يسمونهم المجاذيب ينفعون ويضرون، ويمَسّون بالضر ويكشفونه، وأن لهم التصرف المطلق في الملك"[3].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىا يَوْمِ الْقِيَـامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـافِرِينَ} [الأحقاف:5، 6].

قال سليمان آل الشيخ: "حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى حكم بأنه لا أضلّ ممن يدعو من دون الله لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة واستغاثة مَن هذه حالُه، ومعنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضُّلاَّل كلِّهم أبلغ ضلالاً ممن عبد غير الله ودعاه حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه من لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دام في الدنيا وإلى أن تقوم القيامة"[4].

وقد قـرّر العلماء أن دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمان، قال سليمان آل الشيخ: "واعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، ويراد به في القرآن هذا تارة، وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان.

فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، فالمعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضراً ولا نفعاً كقوله: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة:76]، وذلك كثير في القرآن، فهو يدعي للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعي خوفاً ورجاء دعاء العبادة، فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم دعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، وهذا لو لم يرد في دعاء المسألة بخصوصه من القرآن إلا الآيات التي ذكر فيها دعاء العبادة، فكيف وقد ذكر الله في القرآن في غير موضع، قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:55]، وقال تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة:16] وغير ذلك"[5].

وقد نص العلماء على أن من صرف شيئاً من نوعَي الدعاء لغير الله فهو مشرك.

قال ابن تيمية: "من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكّل عليهم يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً"[6].

وقال ابن القيم: "ومن أنواعه ـ أي: الشرك ـ طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم"[7].

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن نوع هذا الشرك أن يعتقد الإنسان في غير الله من نجم أو إنسان أو نبي أو صالح أو كاهن أو ساحر أو نبات أو حيوان أو غير ذلك أنه يقدر بذاته على جلب منفعة من دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة"[8].

وقال سليمان آل الشيخ: "فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئاً من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام؛ إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما، كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون، ومجرّد التلفّظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعاً"[9].
-----------

[1] جامع البيان (10/159).

[2] جامع البيان (6/618).

[3] تيسير العزيز الحميد (237-238).

[4] تيسير العزيز الحميد (239).

[5] تيسير العزيز الحميد (215-216) بتصرف واختصار.

[6] انظر: الإنصاف (27/108) مع المقنع والشرح الكبير.

[7] مدارج السالكين (1/375).

[8] الدرر السنية (4/7).

[9] تيسير العزيز الحميد (227).

يوسف التازي
17-01-15, 05:49 PM
من أنواع الشرك الأكبر ( في الألوهية ) :

شرك الإرادة والإرادة والقصد

قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود:15، 16].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من عمل صالحاً التماس الدنيا، صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أوفّيه الذي التمَسَ في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمل التمَاسَ الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين)[1].

وقال ابن القيم: "أما الشرك في الإرادات والنيّات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلّ من ينجو منه، من أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقريب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته"[2].

وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن معنى قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} فأجاب بما ملخصه: "ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه، فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصاً لله لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همّة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب.

النوع الثاني وهو أكبر من الأول وأخوف: وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.

النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد به مالاً، مثل أن يحج لمالٍ يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضاً هذا النوع في تفسير هذه الآية، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم؛ لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.

النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له لكنه على عمل يكفّره كفراً يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم.

بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالباً ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً قاصداً بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأهل الدنيا، فهو لما غلب عليه منهما"[3].

تنبيه هام:
مما ينبغي التأكيد عليه هنا أنه لا بد من التفريق بين شرك الإرادة المستوجب للشرك الأكبر والخلود في النار، وبين الشرك الأصغر المستوجب لحبوط العمل وإن لم يكن مخرجاً من الملة.

والضابط الفارق في ذلك هو النظر إلى النية والباعث على العمل، فمن كان عمله اتباعاً للهوى مطلقاً وإرادة الدنيا أصلاً كان مشركاً شركاً أكبر، ومن كان الباعث له على العمل حب الله وابتغاء رضوانه والدار الآخرة لكن دخل مع ذلك حب الجاه أو نحو ذلك من أسباب الرياء كان مشركاً شركاً أصغر[4].
-----------


[1] جامع البيان (7/13).

[2] الجواب الكافي (163).

[3] تيسير العزيز الحميد (536-538) باختصار.

يوسف التازي
17-01-15, 05:50 PM
من أنواع الشرك الأكبر ( في الألوهية ) :

شرك الطاعة


قال تعالى: {اتخذُواْ أَحْبَـارَهُمْ وَرُهْبَـانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً واحِداً لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سُبْحَـانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وتفسيرها الذي لا إشكال فيه هو طاعة العلماء والعباد في معصية الله سبحانه، لا دعاؤهم إياهم، كما فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم! فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية"[1].

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ((يا عدّي، اطرح عنك هذا الوثن))، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُواْ أَحْبَـارَهُمْ وَرُهْبَـانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ}، قال: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه))[2].

قال ابن تيمية: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحلّ الله يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله فيتّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤساهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.

والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً[3]، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما الطاعة في المعروف))[4]، وقال: ((على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية))[5]" [6].

وقال ابن تيمية أيضاً: "ثم ذلك المحرِّم للحلال والمحلِّل للحرام إن كان مجتهداً قصدُه ابتاع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمّه الله، لا سيما إن اتّبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحقّ صاحبه العقوبة عليه"[7].

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بيان فوائد حديث عدي رضي الله عنه: "وفيه تغيّر الأحوال إلى هذه الغاية صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، ويسمونها الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه"[8].

قال سليمان آل الشيخ: "يشير إلى ما يعتقده كثير من الناس فيمن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع والعطاء والمنع، ويسمون ذلك الولاية والسر، ونحو ذلك وهو الشرك.

وقوله: وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، أي: هي التي تسمّى اليوم العلم والفقه المؤلَّف على مذاهب الأئمة ونحوهم، فيطيعونهم في كل ما يطيعونك[9]، سواء وافق حكم الله أم خالفه، بل لا يعبؤون بما خالف ذلك من كتاب وسنة، بل يردون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلَّدوه، ويصرِّحون بأنه لا يحلّ العمل بكتاب ولا سنة، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما، وإنما الفقه والهدى عندهم هو ما وجدوه في هذه الكتب، بل أعظم من ذلك وأطمّ رمي كثير منهم كلام الله وكلام رسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده، ويسمّونها ظواهر لفظية، ويسمّون ما وضعه الفلاسفة المشركون القواطع العقلية، ثم يقدّمونها في باب الأسماء والصفات والتوحيد على ما جاء من عند الله، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين وطاعة رسوله وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو الكفر"[10].

-------------


[1] الدرر السنية (2/70).

[2] أخرجه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة التوبة (3095) واللفظ له، وابن جرير في تفسيره، والبيهقي (10/116)، وحسنه ابن تيمية في الإيمان (7/67ـمجموع الفتاوى)، كما حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2471).

[3] كذا العبارة في المجموع وفيها قلب ولعل صوابها: "بتحريم الحرام وتحليل الحلال".

[4] أخرجه البخاري في الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (7145)، ومسلم في الإمارة (1840) من حديث علي رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري بنحوه في الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (7144) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[6] مجموع الفتاوى (7/70).

[7] مجموع الفتاوى (7/71).

[8] كتاب التوحيد، ضمن الجامع الفريد (163).


[9] كذا في المطبوع، ولعله تصحيف.

[10] تيسير العزيز الحميد (553).

يوسف التازي
17-01-15, 05:50 PM
أنواع الشرك الأكبر ( في الألوهية ) :

شرك المحبة


قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءواْ مِنَّا كَذالِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَـالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَـارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:165-167].

قال ابن زيد: "هؤلاء المشركون، أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حباً لله من حبهم هم لآلهتهم"[1].

قال ابن القيم: "منزلة المحبة: وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علَمها شمّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرِمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدِمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه" إلى آخر كلامه[2].

وقال سليمان آل الشيخ: "واعلم أن المحبة قسمان: مشتركة وخاصة.

فالمشتركة ثلاثة أنواع:

أحدها: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.

الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضاً لا تستلزم التعظيم.

الثالث: محبة أنس وإلف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضاً، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضاً.

فهذه الأنواع الثلاثة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركاً في محبة الله، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبّهن إليه، وكان يحبّ أصحابه، وأحبّهم إليه الصديق رضي الله عنه.

القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحبّ العبد بها غيره كان شركاً لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلاً، وهي التي سوّى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها"[3].

----------------


[1] جامع البيان (3/280).

[2] مدارج السالكين (3/6-7).

[3] تيسير العزيز الحميد (467-468).

يوسف التازي
17-01-15, 05:51 PM
من أنواع الشرك الأكبر ( في الألوهية ) :

شرك الخوف

قال تعالى: {إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَـانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:175].

قال مجاهد: "يخوّف المؤمنين بالكفار"[1].

قال سليمان آل الشيخ: "الخوف على ثلاثة أقسام:

أحدها: خوف الشر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء، من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك، بقدرته ومشيئته، سواء ادَّعى أن ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلاً، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله نداً يخافه هذا الخوف فهو مشرك.

وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم، ولهذا يخوفوِّن به أولياء الرحمن، وهذا القسم هو الواقع اليوم من عبّاد القبور، فإنهم يخافون الصالحين، بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشدّ، ولهذا إذا توجّهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان كاذباً أو صادقاً، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يُقدم على اليمين إن كان كاذباً، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله، ولا ريب أنّ هذا ما بلغ إليه شرك الأولين، بل جهد أيمانهم اليمين بالله تعالى.

الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم.

الثالث: خوف وعيد الله الذي توعّد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: {ذالِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم:14]، وقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وإنما يكون محموداً إذا لم يوقع في القنوط واليأس من رَوح الله.

بقي قسم رابع: وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك، فهذا لا يذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى عليه الصلاة والسلام في قوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} [القصص:21]"[2].

------------


[1] جامع البيان (3/525).

[2] تيسير العزيز الحميد (484-486) بتصرف واختصار.

يوسف التازي
17-01-15, 05:51 PM
من أنواع الشرك الأكبر ( في الألوهية ) :


الشرك في التوكل


قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة:23].

قال سليمان آل الشيخ: "وفي الآية دليل على أن التوكل على الله عبادة، وعلى أنه فرض، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك"[1].

وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـاناً وَعَلَىا رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2].

قال ابن كثير: "أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن المسيب: التوكل على الله جماع الإيمان"[2].

قال ابن القيم: "التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم"[3].

وأما التوكل على غير الله فهو قسمان.

قال سليمان آل الشيخ: "أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك أكبر، فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله تبارك وتعالى.

والثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكّل على أمير أو سلطان، فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا شرك خفي.

والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان في فعل مقدور عليه، ولكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكّله، بل يتوكّل على الله، ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه"[4].

--------------


[1] تيسير العزيز الحميد (497).

[2] تفسير القرآن العظيم (2/452).

[3] مدارج السالكين (2/113-114).

[4] تيسير العزيز الحميد (497-498).

يوسف التازي
17-01-15, 05:52 PM
من أنواع الشرك الأكبر :

الشرك في الأسماء والصفات

وهو أيضا إما بالتعطيل وإما بالأنداد:
أ- شرك التعطيل:
وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس، كشرك الجهمية الغلاة والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله عز وجل وصفاته[1].
ب- شرك الأنداد:
وهو على وجهين:
الوجه الأول: إثبات صفات الله تعالى للمخلوقين، وذلك بالتمثيل في أسمائه أو صفاته كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك التنجيم والعرافة والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو التماس النفع من غير الله، أو بالاستغاثة بغير الله، أو تسمية غيره غوثاً، أو بالسحر والتسحّر.
الوجه الثاني: وصف الله تعالى وتقدس بصفات المخلوقين، كشرك اليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا الله بخلقه، فوصفوا الله تعالى بأنه فقير وأن يده مغلولة، وهكذا النصارى في قولهم بالبنوة والأبوة، وما إلى ذلك من صفات المخلوقات.
ويدخل في ذلك كل من شبّه الله بخلقه ومثله بهم من هذه الأمة[2].

--------------------

[1] الشرك في القديم والحديث (1/146).
[2] انظر: تيسير العزيز الحميد (44)، والشرك في القديم والحديث (1/146-147).

يوسف التازي
17-01-15, 05:53 PM
النوع الثاني من أنواع الشرك :

الشرك الأصغر

1- تعريفه:
قال ابن سعدي: "هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسّل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك"[1].
وقال السلمان: "هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر"[2].
وعرفه بعضهم بأنه تسوية غير الله بالله في هيئة العمل أو أقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، وقوله: اللهم اغفر لي إن شئت، وقوله: عبد الحارث، ونحو ذلك"[3].
واختار البعض أنه لا يعرف بل يذكر بالأمثلة، لأن تعريفه غير منضبط لكثرة أفراده وتنوعه، وذلك كما صنع ابن القيم[4].
2- مصدر تسميته بالشرك الأصغر:
جاء في بعض النصوص الشرعية تسمية هذا النوع من الشرك بالشرك الأصغر.
فعن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء))[5].
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كنا نعدّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر[6].

أنواع الشرك الأصغر :
أنواع الشرك الأصغر كثيرة، ويمكن حصرها فيما يأتي:

أ- قـولـي: وهو ما كان باللسان ويدخل فيه ما يأتي:

1- الحلف بغير الله تعالى .

2- قول ما شاء الله وشئت .

3- الاستسقاء بالأنواء .

ب- فعلـي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يأتي:

1- التطير .

2- إتيان الكهان والعرافين .

3- لبس الحلقة والخيط ونحوهما .

4- تعليق التمائم .



ج- قلبـي:

ومن أمثلته الرياء .
-----------------------------
[1] القول السديد (15).
[2] الكواشف الجلية (321).
[3] المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للبريكان (126، 127).
[4] انظر: مدارج السالكين (1/373)، والشرك في القديم والحديث (1/167).
[5] أخرجه أحمد في المسند (5/428، 429)، والبيهقي في الشعب (5/333)، وحسّن الحافظ إسناده في بلوغ المرام (4/355ـ سبل السلام)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (29).
[6] أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (1/34)، والطبراني في الكبير (7/289)، والبيهقي في الشعب (5/337)، وصححه الحاكم في المستدرك (4/365)، والألباني في صحيح الترغيب (32).

يوسف التازي
17-01-15, 05:54 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

الحلف بغير الله تعالى

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من حلف بغير فقد كفر أو أشرك))[1].
قال ابن تيمية: "والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك.
وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح، حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: (لأن أحلفَ بالله كاذباً أحبّ إليَّ من أن أحلف بغير الله صادقاً)، وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب"[2].
وقال سليمان آل الشيخ: "قوله: ((فقد كفر أو أشرك)) أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفرَ شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله، فلولا أنه كفرٌ ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك.
وقال الجمهور: لا يكفر كفراً ينقل عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر، كما نصّ على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأنّ هذا كفارة له مع استغفاره، كما قال في الحديث الصحيح: ((ومن حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله))[3]، وفي رواية ((فليستغفر))، فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورةَ تعظيم الصنم، حيث حلف به، لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قُدّر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره، لكن الذي يفعله عبّاد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الإيمان صادقاً أو كاذباً، فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك لم يقدِم على اليمين به إن كان كاذباً، فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجلّ وأعظم من الله، وهذا ما بلغ إليه شرك عبّاد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِ?للَّهِ جَهْدَ أَيْمَـ?نِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ?للَّهُ مَن يَمُوتُ} [النحل:38]"[4].

---------------

[1] أخرجه الترمذي في النذور والإيمان، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (1535)، والحاكم في المستدرك (4/330)، والبيهقي في الكبرى (10/29)، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، والألباني في صحيح الترغيب (2952).

[2] مجموع الفتاوى (1/204).

[3] أخرجه البخاري في التفسير، باب: {أفرأيتم اللات والعزى} (4860)، ومسلم في الإيمان (1647) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] تيسير العزيز الحميد (ص593).

يوسف التازي
17-01-15, 05:55 PM
من أنوا الشرك الأصغر :

قول: "ما شاء الله وشئت"

عن قُتيلة امرأة من جهينة أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تندّدون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت[1].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت))[2].
قال سليمان آل الشيخ: قوله: (إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت) هذا نص في أن هذا اللفظ من الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ اليهودي على تسمية هذا اللفظ تنديداً أو شركاً، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك، وقول: ما شاء الله ثم شئت، وإن كان الأولى قول: ما شاء الله وحده كما يدل عليه حديث ابن عباس وغيره[3]. وعلى النهي عن قول: (ما شاء الله وشئت) جمهور العلماء"[4].
وقال أيضاً: "وفي الحديث من الفوائد: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، وكثير ممن يدعي الإسلام لا يعرف الشرك الأكبر... وأن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر لا يمرق به الإنسان من الإسلام"[5].

---------------


[1] أخرجه أحمد في المسند (6/371-372)، والنسائي في الأيمان (3773)، والحاكم (4/297)، والبيهقي في الكبرى (3/216)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، والألباني في السلسلة الصحيحة (136).

[2] أخرجه ابن ماجة في الكفارات، باب: النهي أن يقول: ما شاء الله وشئت (2117)، وقال الألباني في الصحيحة (1093): "إسناده حسن"، وذكر له شواهد أخرى بأرقام (136، 137، 139).

[3] هو حديث أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: ((أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)). أخرجه أحمد (1/214)، والبخاري في الأدب المفرد (783)، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والطبراني في الكبير (13005)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (139).

[4] تيسير العزيز الحميد (599).

[5] تيسير العزيز الحميد (600-601) ، وانظر: مدارج السالكين (1/373).

يوسف التازي
17-01-15, 05:55 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

الاستسقاء بالأنواء


قال تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ} [المعارج:82].
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (شكركم، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا)[1].
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما مُطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافراً يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا)[2].
وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلـى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب))[3].
قال سليمان آل الشيخ: "والمراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير الله وكفران نعمته، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر المنزل له بدليل قوله في الحديث: ((فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته)) الخ، فلو كان المراد هو الأكبر لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا، فأتى بباب السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما اعتقدوه سبباً"[4].
وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيراً في إنزال المطر فهذا شرك وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعاً أو يدفع عنهم ضراً، وأنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا هو الشرك الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه وقتال من فعله. وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلاً، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، لكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح: أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح وجزم في الإنصاف بتحريمه ولو على طريق المجاز، وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخَّر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شركاً أصغر، والله أعلم"[5].

---------


[1] جامع البيان (11/662).

[2] جامع البيان (11/662).

[3] أخرجه البخاري في الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (846)، ومسلم في الإيمان (71).

[4] تيسير العزيز الحميد (458).

[5] فتح المجيد (282).

يوسف التازي
17-01-15, 05:56 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

التطير

قال ابن الأثير: "الطيَرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء. وهي مصدر تطيّر، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر"[1].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل))[2].
قال ابن تيمية: "وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمراً متوكّلاً على الله أو يعزم عليه، فيسمع كلمة مكروهة: مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك فيتطيّر ويترك الأمر، فهذا منهي عنه"[3].
وقال سليمان آل الشيخ: "قوله: ((الطيرة شرك)) صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك لما فيها من تعلّق القلب على غير الله"[4].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك))، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: ((أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك))[5].
قال سليمان آل الشيخ: "قوله: ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك)) وذلك أن التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره وامتنع بها عمّا عزم عليه، فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، وذلك قاطع له عن مقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيصير قلبه متعلقاً بغير الله، وذلك شرك، فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفًا لسهام الطيرة، ويقيّض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة"[6].

----------------


[1] النهاية في غريب الحديث (3/152).

[2] أخرجه أحمد في المسند (1/389)، وأبو داود في الطب، باب: في الطيرة (3910)، والترمذي في السير، باب: ما جاء في الطيرة (1614)، وابن ماجه في الطب، باب: من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (3538)، وصححه الترمذي، والحاكم (1/17-18)، وأقره الذهبي، والألباني في السلسلة الصحيحة (429).

[3] مجموع الفتاوى (23/67).

[4] تيسير العزيز الحميد (438).

[5] أخرجه أحمد في المسند (2/220)، قال الهيثمي في المجمع (5/105): "رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات"، لكن رواه عن ابن لهيعة عبد الله بن وهب كما في جامعه (1/110)، ومن طريقه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (293)، وحسن الحديث شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند (11/623)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1065).

[6] تيسير العزيز الحميد (439).

يوسف التازي
17-01-15, 05:56 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

إتيان الكهان والعرافين

عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة))[1].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم))[2].
قال الخطابي: "الكاهن هو الذي يدّعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن... وكان منهم من يسمّى عرافاً، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالشيء يُسرق فيعرف المظنون به السرقة"[3].
وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: " وأكثر ما يقع في هذه الأمة ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة بما يقع في الأرض من الأخبار فيظنه الجاهل كشفاً وكرامة، وقد اغترّ بذلك كثير من الناس، يظنون المخبِر لهم بذلك عن الجن ولياً لله، وهو من أولياء الشيطان"[4].
قال الشيخ سليمان آل الشيخ: "وظاهر الحديث[5] أنَّ هذا الوعيد مرتّب على مجيئه وسؤاله، سواء صدّقه أو شكّ في خبره، لأن إتيان الكهان منهي عنه كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي قلت: يا رسول الله، إن منا رجلاً يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم))[6]، ولأنه إذا شكّ في خبره فقد شكّ في أنّه لا يعلم الغيب، وذلك موجب للوعيد، بل يجب عليه أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم الغيب إلا الله"[7].
وقال الشيخ أيضاً: "وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان ذلك من قبل الشياطين، أو من قبل الإلهام، لا سيما وغالب الكهان في وقت النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين"[8].
وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يتوقف فيه، فلا يقال: يخرج عن الملة ولا يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى"[9].
وقال ابن قاسم: "الأحاديث التي فيها الكفر مقيّدة بتصديقه"[10].
وقال ابن عثيمين: "وظاهر الحديث أن مجرّد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوماً، ولكنه ليس على إطلاقه، فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسأله سؤالاً مجرّداً فهذا حرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أتى عرافاً...)) إلخ، فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه، إذ لا عقوبة إلا على محرّم.
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قولَه، فهذا كفر، لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن.
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب؟ لا لأجل أن يأخذ بقوله، فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث.
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمُور، وهذا قد يكون واجباً أو مطلوباً"[11].
وقال ابن عثيمين أيضاً: "قوله: ((كفر بما أنزل على محمد)) وجه ذلك: أن ما أنزل على محمد قال الله تعالى فيه: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ و?لأرْضِ ?لْغَيْبَ إِلاَّ ?للَّهُ} [النمل:65]، وهذا من أقوى طرق الحصر، لأن فيه النفي والإثبات، فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب، وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة، وإن كان جاهلاً ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكفره كفر دون كفر"[12].
------------------


[1] أخرجه مسلم في السلام (2230).

[2] أخرجه أحمد في المسند (2/408، 476)، وأبو داود في الطب، باب: في الكاهن (3904)، والترمذي في الطهارة، باب: في كراهية إتيان الحائض (135)، والنسائي في الكبرى (9017)، وابن ماجه في الطهارة، باب: النهي عن إتيان الحائض (339)، والدارمي (1136)، وابن الجارود (107)، والحاكم (1/8)، وقال الترمذي: "وضعف محمد ـ يعني: البخاري ـ هذا الحديث من قبل إسناده"، ونقل المناوي في الفيض (6/24) تضعيف البغوي وابن سيد الناس والذهبي لهذا الحديث، ووافقهم على ذلك. وله شاهد من حديث جابر أخرجه البزار (9045- كشف الأستار)، وجوده المنذري في الترغيب (3/619)، وقال الهيثمي في المجمع (11715): "رجاله رجال الصحيح خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وصححه الألباني في غاية المرام (285).

[3] معالم السنن (4/211-212).

[4] فتح المجيد (255).

[5] أي: حديث ((من أتى عرافاً فسأله...)) الخ.

[6] أخرجه مسلم في المساجد (537).

[7] تيسير العزيز الحميد (406-407).

[8] تيسير العزيز الحميد (409).

[9] فتح المجيد (257).

[10] حاشية كتاب التوحيد (204).

[11] القول المفيد (2/49).

[12] القول المفيد (2/55).

يوسف التازي
17-01-15, 05:57 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

لبس الحلقة والخيط ونحوهما


قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط وغيرهما لرفع البلاء أو دفعه، وقول الله تعالى: {أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرّهِ} [الزمر:38]"[1].
قال سليمان آل الشيخ: "فهم يعلمون أنّ ذلك لله وحده، وقد دخل في ذلك كلّ من دعا من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين فضلاً عن غيرهم، فلا يقدر أحد على كشف ضر ولا إمساك رحمة، وإذا كان كذلك بطلت عبادتهم من دون الله، وإذا بطلت عبادتهم فبطلان دعوة الآلهة والأصنام أبطل وأبطل، ولبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه كذلك، فهذا وجه استدلال المصنف بالآية، وإن كانت الترجمة في الشرك الأصغر، فإن السلف يستدلون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما استدل حذيفة وابن عباس وغيرهما، وكذلك من جعل رؤوس الحمر ونحوها في البيت والزرع لدفع العين كما يفعله أشباه المشركين، فإنه يدخل في ذلك"[2].
وقال ابن عثيمين: "ولبس هذه الأشياء قد يكون شركاً أصغر، وقد يكون شركاً أكبر، بحسب اعتقاد لابسها، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك لأن كل من أثبت له سبباً لم يجعله الله سبباً شرعياً ولا قدرياً فقد أشرك بالله"[3].
وقال أيضاً: "ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية، لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره، وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثراً بنفسه فهو مشرك شركاً أصغر، لأنه اعتقد أن ما ليس بسبب سبب، فقد شارك الله في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سبباً"[4].

-----------


[1] كاب التوحيد، ضمن الجامع الفريد (49).

[2] تيسير العزيز الحميد (154).

[3] القول المفيد (1/159).

[4] القول المفيد (1/162-163).

يوسف التازي
17-01-15, 05:58 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

تعليق التمائم

عن زينب امرأة عبد الله، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك))، قالت: قلت: لم تقول هذا؟ والله لقد كان عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أذهِب البأس، ربَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً))[1].
قال ابن الأثير: "التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تحلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام"[2].
وقال أيضاً: "وإنما جعلها شركاً لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه"[3].
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "التمائم: شيء يعلق على الأولاد عن العين، لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فرخَّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخِّص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.
والرقى: هي التي تسمّى العزائم، فخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة.
والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته"[4].
قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته:
فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص[5]، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر، وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
الأول: عموم النهي ولا مخصّص للعموم.
الثاني: سدّ الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
الثالث: أنه إذا علّق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك"[6].
قال ابن عثيمين: "قوله: ((شرك)) هل هي شرك أصغر أو أكبر؟
نقول: بحسب ما يريد الإنسان منها، إن اتخذها معتقِداً أن المسبّب هو الله فهي شرك أصغر، وإن اعتقد أنها تفعل بنفسها فهي شرك أكبر"[7].

----------------


[1] أخرجه أحمد (1/381)، وأبو داود في الطب، باب: في تعليق التمائم (3883) واللفظ له، وابن ماجه في الطب، باب: تعليق التمائم (3530) بأطول منه، وصححه ابن حبان (13/456)، والحاكم (4/418)، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (3288).

[2] النهاية في غريب الحديث (1/197).

[3] النهاية في غريب الحديث (1/198).

[4] كتاب التوحيد، ضمن الجامع الفريد (55).

[5] قال الشيخ ابن باز: "الرواية بذلك ضعيفة، ولا تدل على هذا، لأن فيها أن ابن عمرو كان يحفظه أولاده الكبار ويكتبه في ألواح ويعلقه في عنق الصغار، فالظاهر أنه كان يعلقه في اللوح ليحفظه الصغير لا على أنه تميمة، والتميمة تكتب في ورقة لا في لوح، وكيفما كان فهو عمل فردي من عبد الله بن عمرو، لا يترك به حديث رسول الله وعمل كبار الصحابة الذين لم يعملوا مثله". من تعليق الشيخ على فتح المجيد (109).

[6] فتح المجيد (109).

[7] القول المفيد (1/179).

يوسف التازي
17-01-15, 05:58 PM
من أنواع الشرك الأصغر :

الريـاء

عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء))[1].
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين"[2].
قال سليمان آل الشيخ: "ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلم الله، كان هذا أخوف ما يخاف على الصالحين، لقوة الداعي إلى ذلك، والمعصوم من عصمه الله، وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر، فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين، ولهذا يكون الإلقاء في النار أسهل عندهم من الكفر، وإما ضعيف، هذا مع العافية، وأما مع البلاء فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء"[3].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))[4].
قال سليمان آل الشيخ: "لما كان المرائي قاصداً بعمله الله تعالى وغيره كان قد جعل الله تعالى شريكاً، فإذا كان كذلك فالله تعالى هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك، فإن كماله تبارك وتعالى وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك"[5].
وقال ابن عثيمين: "الرياء من الشرك الأصغر، لأن الإنسان قصد بعمله غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثّل ابن القيم للشرك الأصغر فقال: مثل يسير الرياء، وهذا يدل على أن الرياء كثيره قد يصل إلى الأكبر"[6].
والرياء له صور متعددة:
فقد يكون بالأعمال، كمن يصلي فيطيل القيام، ويطيل الركوع والسجود، ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له.
وقد يكون بالأقوال، كالرياء بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس مع التغافل عنه إذا كان في منزله.
وقد يكون بالزي، كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيراً ليقال: عابد زاهد.
وقد يكون بالأصحاب والزائرين، كالذي يتكلّف أن يستزير عالماً أو عابداً ليقال: إن فلاناً قد زار فلاناً.
وقد يكون الرياء لأهل الدنيا، كمن يتبختر ويختال في مشيته وتحريك يديه وتقريب خطاه، أو يأخذ بطرف ثوبه أو يصعّر خده ونحو ذلك.
وقد يكون من جهة البدن، كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناسَ أنه جادّ في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في همّ الدين لا يتفرّغ لتسريح شعره ونحو ذلك[7].
حكم العمل إذا خالطه الرياء:
قال ابن رجب: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام:
فتارة يكون رياء محضاً بحيث لا يراد به سوى مراعاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله عز وجل: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ?لصَّلَو?ةِ قَامُواْ كُسَالَى? يُرَاءونَ ?لنَّاسَ} [النساء:142]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضاً وحبوطه كحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) [8]، وروي عن طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وابن المسيب وغيرهم.
فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئاً تم لهم أجرهم))[9].
وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ودفعه فلا يضر بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري"[10].

---------------


[1] أخرجه أحمد في المسند (5/428، 429) والبيهقي في الشعب (5/333)، وحسّن الحافظ إسناده في بلوغ المرام (4/355ـ سبل السلام)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (29).

[2] كتاب التوحيد، ضمن مجموعة التوحيد (162).

[3] تيسير العزيز الحميد (118-119).

[4] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2985).

[5] تيسير العزيز الحميد (527).

[6] القول المفيد (2/226).

[7] انظر: الشرك في القديم والحديث (1/171-172).

[8] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2985).

[9] أخرجه مسلم في الإمارة (1906)، ولفظه: ((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)).

[10] جامع العلوم والحكم (1/38-41) باختصار.

يوسف التازي
17-01-15, 05:59 PM
الشرك الخفي


عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟)) قال: قلنا: بلى، قال: ((الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل))[1].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل))، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: ((قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفره لما لا نعلم))[2].

هذه النصوص تدلّ على أن هناك نوعاً آخر من الشرك يسمّى الشرك الخفي، فهل هذا يدخل تحت أحد نوعي الشرك أم هو نوع مستقل بذاته؟ اختلفوا في ذلك، فقيل: يمكن أن يجعل الشرك الخفي نوعاً من الشرك الأصغر، فيكون الشرك حينئذ نوعين: شرك أكبر ويكون في عقائد القلوب، وشرك أصغر ويكون في هيئة الأفعال وأقوال اللسان والإرادات الخفية، ولكن الظاهر من النصوص أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وليس له وصف منضبط، بل دائماً يتردّد بين أن يكون من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، بل هو كل ما خفي من أنواع الشرك[3].

ومن أمثلة الشرك الخفي ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} [البقرة:22] قال: (الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاء سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك)[4].

قال سليمان آل الشيخ: "أي: إن هذه الأمور من الشرك خفيةٌ في الناس، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل، فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء؟ فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدّعي الإسلام وعسر التخلص منه"[5].

وقال ابن عثيمين: "قوله: (هذا كله به شرك) وهو شرك أكبر أو أصغر، حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك"[6].

وعلى هذا فيجب الحذر من هذا النوع من الشرك لكثرة الاشتباه فيه، فربما يظن في أمر من الأمور أنه من الشرك الأصغر وهو في واقع الأمر من الشرك الأكبر، وهكذا العكس، وذلك لخفاء مأخذه، ودقة أمره، وصعوبة معرفته، فيكون مجاله الأمر المشتبه الذي لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العلم، وإن كان قد يخفى على غيرهم ممن لم يكمل نظره، وضعف فهمه في أدلة الكتاب والسنة[7].

------------------


[1] أخرجه أحمد في المسند (3/30)، وابن ماجه في الزهد، باب: الرياء بالسمعة (4204)، والبيهقي في الشعب (5/334)، وصححه الحاكم في المستدرك (4/329)، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (30).

[2] أخرجه أحمد في المسند (4/403)، وابن أبي شيبة في المصنف (6/70)، وأبو يعلي في مسند (1/60)، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (36).

[3] الشرك في القديم والحديث (1/179) بتصرف يسير.

[4] أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (1/81)، وقال الشيخ سليمان آل الشيخ: "وسنده جيد". تيسير العزيز الحميد (587)، وقال المحقق: "إسناده حسن".

[5] تيسير العزيز الحميد (587).

[6] القول المفيد (2/323).

[7] الشرك في القديم والحديث (1/179-180).

يوسف التازي
17-01-15, 07:25 PM
بعض الأعمال التى لا ينبغي أن تصرف إلا لله
--------------
أولا الإستعاذة

------------
من الشرك الاستعاذة بغير الله :-

- والاستعاذة : هي الالتجاء والاعتصام
ولهذا يسمى المستعاذ به : معاذا ً وملجأ ً
فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه
وقال بن كثير :
الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر والعياذ يكون لدفع الشر واللياذ لطلب الخير
وهي من العبادات التي أمر الله تعالى بها عباده
قال تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } ( فصلت : 36 )
وأمثال ذلك في القرآن كثيرة
{ قل أعوذ برب الناس } { قل أعوذ برب الفلق }
فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة ما حكى الله عز وجل في كتابه
قال تعالى : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } ( الجن : 6 )
وذاك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى بواد قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه . يريد كبير الجن فعلمت الجن منهم هذا الخوف فزادتهم إرهابا ً ورعبا ً
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله فقد ذم الله الكافرين على ذلك
فقال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } ( الأنعام : 128 )
فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من الغيبيات
واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه إياه واستعاذته به وخضوعه له
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ من نزل منزلا ً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ]
فشرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به بدلا ً عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن فشرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته
ومعنى التامات : الكاملات التي لا يلحقها نقص أو عيب كما يلحق كلام البشر وقيل معناه الشافية الكافية
وقيل الكلمات هنا هي القرآن كما في قوله { هدى وشفاء } ( يونس : 57 ) , ( الإسراء : 82 ) , ( فصلت : 44 )
وقال شيخ الإسلام بن تيمية :
وقد نص الأمة كأحمد وغيره على انه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق
لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك مما دل على أنها غير مخلوقة بل هي من صفات الخالق
وقال بن القيم :
من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة ويسمه استخداما ً
والشيطان هو الذي يستخدمه وليس العكس فإن الشيطان لا يعبده ولكنه هو الذي يصير

ثانيا الإستعانة

الاستعانة :

قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ :
[ يا غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف] ( رواه الترمزي ) ) حسن صحيح )
الاستعانة : هي طلب العون أي المساعدة
وهو جائزة ومن جملة الأسباب التي يجوز للعبد الأخذ بها في قضاء حوائجه . بمعنى أنه يجوز للعبد أن يستعين بغيره لمساعدته في قضاء حوائجه بشروط : -
1-أن تكون فيما يقدر عليه العبد من الأمور المادية الظاهرة والتي جرت العادة بجريانها على أيدي الخلق مثل رفع حمل ثقيل أو عمل ما في الأعمال التي في قدرة الإنسان
2- وأن يكون هناك اعتقاد داخلي بأن هذا مما سببه الله عز وجل ولكن الأمر آخره في يد الله إن شاء أتمه وإن شاء عطله
3- ألا يكون فيما لا يقدر عليه العبد أي ألا يكون في الحاجات التي لم تجر العادة جرينها على أيدي الخلق مثل طلب الهداية وشفاء المرضى وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة وغيرها من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله
وهو معنى الحديث.
فإنه سواء استعنت بالعباد في الأمور الحسية المادية التي أقدرهم الله عليه أو بالله في الأمور المعنوية التي لا يقدر عليها إلا الله فإنه في الأمرين يجب اعتقاد كون الأمر بيد الله لا بيد غيره وإنما يسير الله الأسباب ويسببها لقضاء حوائج الخلق بعضهم ببعض . وهو ما وضحته الشروط الثلاثة السابقة في جواز الاستعانة بالخلق
الخوف :
قال تعالى{ إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنم مؤمنين } ( آل عمران : 175 )
* والخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى
قال تعالى { وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء : 28 )
وقال تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } ( النحل : 50 )
وقال تعالى { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 )
وقال تعالى { فإياي فارهبون } ( النحل : 51 )
وقال تعالى { فلا تخشوا الناس واخشون } ( المائدة : 44 )
* ومعنى قول الله تعالى { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياؤه }
أي يخوفكم أولياؤه { فلا تخافوهم وخافون }
فهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره وأمرهم أن يقصروا خوفهم على الله فلا يخافون إلا إياه . وهذا هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده ورضيه منهم فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبادة أعطاهم ما يرجون وأنهم من مخاوف الدنيا والآخرة
* والخوف من حيث هو على ثلاثة أقسام :
1- خوف السر:
--------------- وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره
كما قال تعالى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له
{ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ً ثم لا تنظرون } ( هود : 54 )
وقال تعالى { ويخوفونك بالذين من دونه } ( الزمر : 36 )
وحيث أن هذا النوع من الخوف يتم عن اعتقاد داخلي بعدم قدرة الله على إزالة سبب الخوف وكون الله تعالى أعلى ممن يخاف وكونه أحق من يُخشى وأن لا أحد له القدرة على إلحاق الأذى به إلا بإذنه الله مصداقا ًلحديث معاذ [ واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ]
فيجب على العبد نفي هذا الخوف من قلبه لأنه خوف شركي حيث يعظم الشيطان أو أولياؤه في صدور الناس لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف و ينهوهم عن منكر
وكلما قوى إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان منه وكلما ضعف إيمانه قوى خوفه منهم فإن إخلاص الخوف من كمال شروط الإيمان
2-خوف الناس :
-------------- أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفا ً من بعض الناس فهذا محرم وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد وهو سبب نزول الآية ( آل عمران : 173-175 )
قال تعالى :{ والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وابتغوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم . إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياؤه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين }
وفي الحديث :
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ لا يحقر أحدكم نفسه . قالوا يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال : يرى أمر لله فيه مقال ثم لا يقول فيه فيقول الله يوم القيامة : ما منعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول : خشيت الناس : فيقول : فإياي كنت أحق أن تخشى ] ( رواه ابن ماجة )
وقال سول الله صلى الله عليه وسلم ( فيما يروي عن عائشة رضي الله عنها )
[ من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس , ومن رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ] ( رواه بن حبان )
فإن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله
فكما قال بن تيمية رحمه الله :
إن إرضاء الناس بسخط الله إما أن يكون
أ- ميل لما في أيديهم فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم
ب-ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة
فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك نتننخ وإرضاؤهم بما يسخط الله إنما يكون خوفا ً منهم ورجاء لهم وذلك من ضعف اليقين وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم فإن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . فإن ذمتهم على ما لم يقدر الله كان ذلك من ضعف يقينك فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم
- وقد قال بن رجب الحنبلي رحمه الله :
فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب ؟ أم كيف يرضى التراب بسخط الملك الوهاب ؟ إن هذا لشيء عجاب
فاحذ ركل الحذر من إرضاء الناس بسخط الله فإن العقوبة قد تكون في الدين . عياذا ً بالله من ذلك
كما قال تعالى { وأعقبهم نفاقا ً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } ( التوبة : 78 )
3- الخوف الطبيعي :
------------------ وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك فهذا لا يذم كما قال تعالى في قصة موسى عليه السلام { فخرج منها خائفا ً يترقب } ( القصص : 21 )
فهو خوف مصحوب باعتقاد داخلي بكون الأمر كله لله ولا يستطيع أن يضره أحد إلا بما كتبه الله عليه وقدره له
*الرجاء والرغبة :
الرجاء : هو الأمل في الخير وترقب حصوله وانتظاره ممن يملكه ويقدر على تحقيقه
الرغبة : حب الخير وإرادته والطمع في تحصيله ممن يملكه ويقدر على إعطائه وهبته
( فالرغبة مثل الرجاء ) وكلاهما مما يُتعبد به الله
قال تعالى { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ً صالحا ً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف : 110 )
وقال تعلى : { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ( الأحزاب : 21 )
وقال تعالى : { ويدعوننا رغبا ً ورهبا ً وكانوا لنا خاشعين } ( الأنبياء : 90 )
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالرغبة إليه تعالى في قوله :
{ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب } ( الشرح : 7,8 )
ولما كان الخير كله بيد الله وليس بيد أحد سواه وكان الله وحده القادر على إعطاء من يشاء من عباده وذلك لقوله تعالى :
{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } ( آل عمران : 26 )
كان رجاء الخير ورغبته من غير الله تعالى ضلالا ً وباطلا ً وكان فاعله مشركا ً في هذه العبادة القلبية
فإن قيل : هل من الأفضل العبادة مع الخوف أو مع الرجاء ؟
قيل : قال الغزالي – رحمه الله – العبادة مع الرجاء أفضل لأن الرجاء يورث المحبة والخوف يورث القنوت
الإنابة :
هي الإقبال على الله تعالى والتوبة إليه
والإنابة عبادة أمر الله تعالى بها في قوله
{ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } ( الزمر : 54 )
وأخبر أنه تعالى يهدي إليه من ينيب وأمر بإتباع سبيل من أناب إليه . جاء ذلك في كتابه القرآن الكريم , ولما لم يكن في الخلق كله من يعطي أو يمنع أو ينفع أو يضر إلا بإذنه ولا من يسعد أو يشقي إلا الله سبحانه وتعالى كان من غير المقبول ولا المعقول أن ينيب المرء إلى غير الله تعالى رغبا ً ورهبا ً خوفا ً أو طمعا ً .
وكانت الإنابة إلى غير الله عز وجل باطلا ً وشركا ً وكان من أناب إلى غير الله تعالى تائبا ً إليه راجيا ً الخير منه خائفا ً من سخطه أو عقابه قد أشرك

ثالثا التبرك
التبرك
*إن التبرك من الأشياء التي سيئ فهمها فباسم التبرك وتحت شعاره عبدت الأشجار والأحجار والقبور
والتبرك : مصدر تبرك بالشيء يتبرك به تبركا إذا تيمن به
والتيمن هو طلب اليمن والبركة
والبركة هي النماء في الخير والزيادة يه وإشتقائها من بروك البعير وهو إستناخته في موضع ولزومه يه
فالخير الدائم الثابت في الشيء والنامي فيه هو البركة
والبركة في عرف الدين :
ما يجعله الله تعالى م الخير في الشيء الذي يباركه
فقد أخبر الله تعالى أنه بارك في أرض الشام أي جعلها مباركة في قوله تعالى :{ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } ( الأنبياء : 71 )
وأخبر أنه جعل كتابه مباركا { كتاب أنزلناه إليك مبارك ...... } ( ص : 29 )
والمعنى كثير خيرهما دائم لهما ثابت فيهما
وأخبر عيسى عليه السلام عند تكلمه في المهد أن الله تعالى جعله مباركا أيما كان { وجعلني مبارك أينما كنت }( مريم : 31 )
ومن الأدعية المأثورة [ وبارك لي فيما أعطيتني ]
وعلى هذا فطلب البركة والتماسها أمر نستحسن شرعا لأنه من طلب الخير والتماسه
ومن ذا يرغب عن طلب الخير أو يكون له غني عن بركة الله ؟
ولكن بما يكون التبرك وكيف يكون ؟
بما يكون التبرك :
يكون التبرك بما علم شرعا أن فيه بركة وأذن الشارع في طلبها والتماسها فيه وذلك كبيت الله الحرام وزمزم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ماء زمزم طعامُ طعمٌ وشفاءُ سقمٌ ]
وكالمساجد الثلاثة التي لا يشد الرحال إلا لها وككل المساجد التي بنيت باسم الله وتقام فيها عبادة الله من صلاة وغيرها وكالأرض المقدسة من الحجاز والشام وكمجالس العلم والذكر وقراءة القرآن ومجالسة الصالحين ومرافقتهم في أسفارهن وطلب دعائهم
كيف يكون التبرك :
فإنه يكون إن كان ببيت الله تعالى فبزيارته للحج والعمرة وبالطواف به واستلام ركنيه والدعاء عنده والجلوس حوله وإن كان بزمزم فبالشرب منه والدعاء عند ذلك وإن كان بالمساجد الثلاثة فبالسفر إليها للصلاة فيها والاعتكاف بها وإن كان بسائر الساجد فبالصلاة فيها والعبادة بها من ذكر وتسبيح وقراءة قرآن
وطلب العلم , وإن كان بالأرض المقدسة فبالإقامة بها على حسن سيرة وكمال أدب والحياة فيها والموت بها والدفن فيها وإن كان مجالسة الصالحين من أهل العلم والإيمان والتقوى فبأخذ العلم عنهم سماع نصائحهم والعمل بإرشادهم وتوجيهاتهم والرغبة في الحصول على دعائهم
من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما أو قبر :
فهو مشرك
* قال تعالى { اللات والعزة ومناة الثلاثة الأخرى } ( النجم : 19-23 )
- فقد سموا ( اللات : من الإله ) وكانت لثقيف وهي صخرة بيضاء منقوش عليها بيت الطائف له أستار وسدته وحوله فناء معظم عند ثقيف وهم أهل الطائف
وقد ذكره البخاري في قول بن عباس ( كان السويق والسمن عند صخرة ويسألوه عليها فلما مات ذلك الرج عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق )
- ( والعزى من العزيز ) وهي شجرة عليها بناء وأستار بين مكة والطائف كانت قريش تعظمهما
- (ومناة ) كانت بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها ( والمناة من المنان )
* وفي حديث أبي واقد الليثي قال [ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حد ثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى{ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون }
- وقد كان الصحابة حد ثاء عهد بكفر وفيه دليل على أن غيرهم ممن تقدم إسلامه من الصحابة لا يجهل ذلك وقد سألوه أن يجعل م إلها ظنا منهم أن هذا أمر محبوب عند الله فهم أجل من أن يقصدوا مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم
- وفي الحديث أن الإنسان قد يحسن شيئا يظن انه يقربه إلى الله وهو أبعد ما يبعده من رحمته وبقربه من سخطه
- وقد طلبوا ذلك ولم يفعلوه ولو فعلوه لكفروا علاوة على كونهم حد ثاء عهد بكفر
· وبعد أن بينا ما يشرع به التبرك وكيف يتم التبرك به وأمثلة من التبرك الباطل فيحسن أن نذكر بعض الحقائق الهامة
1- ان التبرك لم يتعدى كونه مشروعا وأقصى درجات حكمه أن يكون مستحبا لا غير
2- إن كان التبرك وهو طلب بركة ما قد يؤدي إلى فعل مكروه أو ارتكاب محرم فإنه يجب تركه لأن ( درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ) فقد أمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي تم تحتها بيعة الرضوان لما رأى رغبة الناس عند مرورهم بالحديبية في النزول تحت هذه الشجرة وذلك مسما لمادة الفساد من باب ( سد الذرائع )
3- إن ما يفعله الجهلة اليوم من شد الرحال إلى زيارة قبر فلان من سيد أو صالح والعكوف عنده بإسم التبرك فكل هذا باطل منهي عنه ولم يشرع للمسلمين فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد من بعدي ]
4- وقال صلى الله عليه وسلم [ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ]
فإذا كان هذا في حق النبي فهو فيحق غيره أولى ألا يفعل
5- إذا كان الرجل يدعي الولاية ويدعوا الناس إلى الاعتراف له بها ويستغل ذلك لفائدته الشخصية من جلب منافع خاصة من جاه أو مال أو غير ذلك من الحظوظ النفسية والدنيوية فإن مثل هذا الرجل رجال لا بركة فيه ولا غير عنده مثلا تحل زيارته ولا مجالسته وذلك لفقد موجبات البركة وهي العلم والإيمان والتقوى
__________________

من مواضيع العائد إلى الله
غض البصر
كتب فى العقيدة
بر الوالدين
أعمال لا ينبغي ان تصرف إلا لله
التوقف
أطفال المشركين



--------------------------------------------------------------------------------



العائد إلى الله
مشاهدة ملفه الشخصي
البحث عن كل مشاركات العائد إلى الله

#2 12-03-2010, 09:13 PM
العائد إلى الله
موقوف تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 13



--------------------------------------------------------------------------------

رابعا الذبح
الذبـــــح
قال تعالى { قل إن صلاتي تسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين }
( الأنعام :162-163 )
وقال تعالى { فصلي لربك وانحر } ( الكوثر : 2 )
ومما سبق يتضح أن الذبح عبادة يتعبد بها الله تعالى كتعبده بالصلاة فإذا تقرب إلى غير الله بالذبح فقد جعل لله شريكا
فإن الله عز وجل شرع في كتابه ذبح القربان الذي يتقرب به إليه تعالى كالهدي في الحج وضحايا يوم عيد الأضحى وشاة العقيقية يوم سابع المولود وذبائح وليمة العرس وما يذبح صدقة على الفقراء والمساكين فإذا كان الذبح لغير الله تعالى تعظيما له وخوفا ورجاءا فقد عبد بهذه العبادة وأشرك مع الله عز وجل واستحق لعنة الله عز وجل وهي الطرد من رحمته
عن علي ابن أبي طالب قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصاني بأربع كلمات [ لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من أوى محدثا ولعن الله من غير منار الأرض ]
وقد قال تعالى في سورة الأنعام { وما أهل لغير الله به }
أصل الإهلال رفع الصوت ولإعلام
فالمقصود بما أهل لغير الله به : ما أعلن أنه منذور به لغير الله سواء كان الإهلال قبل الذبح أو بعده كذلك جميع الطعام الذي ينذر قربة لغير الله كالذي يوزع للعاكفين عند القبور
- وقد قال ابن تيمية في تفسير قوله تعالى { وما أهل لغير الله به }
ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقول : هذا ذبيحة لكذا وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ وتحريم هذا أظهرمن تحريم ما ذبحه للصنم وقال فيه بإسم المسيح أو نحوه
كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه : بسم الله
فإذا حرم ما قيل فيه بسم المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى فلإن العبادة لغير الله أعظم من الإستعانة لغير الله وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه محرم وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم لكن يجتمع في الذبيحة مانعان
1- أنه مما أهل به لغير الله
2- أنها ذبيحة مرتد . انتهى
ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون من الذبح للجن كأن يذبحوا خوفا أن تصيبهم الجن وكذلك ذكر بعض أهل العلم أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه محرم لأنه مما أهل به لغير الله
وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ دخل الجنة رجل في ذباب و دخل النار رجل في ذباب قالوا و كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا فقالوا لأحدهما : قرب قال : ليس عندي شئ أقرب قالوا له : قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار وقاوا للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة [
- وفي هذا الحديث التحذير من الوقوع في الشرك وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري لأنه لم يقصده ابتداء وإنما فعله تخلصا من شر أهل الشرك وفيه بيان عظم الشرك ولو في شيء قليل وأنه يوجب النار لأنه قصد غير الله بقلبه أو انقاد بعمله فوجبت له النار
لا يذبح لله بمكان بذبح فيه لغير الله
فعن ثابت بن الضحاك قال : نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم
وفيه المنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله
وفيه سد الذريعة وترك مشابهة المشركين والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك
ملاحظة :
أول شرط من شروط الزكاة الشرعية أن يكون الذابح غير مشرك ولا مرتد عن الإسلام
قال تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق }
ثم استثنى فقال { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } يعني ذبيحة اليهودي والنصراني
( ذبائح المجوس والصابئين ) اختلف الفقهاء في بائح المجوس على اختلافهم في أصل دينهم فمنهم من رأى أنهم كانوا أصحاب كتاب فرفع كما روى عن علي كرم الله وجهه ومنهم من يرى أنهم مشركون والذين قالوا أنهم من ضمن أهل الكتاب أحلوا ذبائحهم وأدخلوهم تحت نطاق الآية ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) أما جمهور الفقهاء فإنهم حرموها لأنهم مشركون
عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن قوما يأتوننا بالحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا عليه أنتم وكلوه قالت وكانوا حديثي عهد بكفر
والحديث عهد بكفر هم الذين قدموا الطعام وذبحوه هم مسلمون فكان يخشى السائلون أن يكونوا نسوا ذكر اسم الله عليه عند الذبح أو جهلوا ذلك لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر فأخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسموا هم عليه ويأكلوا لأن ذبيحة المسلم حلال
خامسا الوسيلة
الوسيلة
الوسيلة: اسم فعل وتوسل بمعنى تقرب ورغب
ويطلق لفظ الوسيلة على المنزل عند الملك وعلى الدرجة والقربة وأطلقت كذلك على أعلى درجة في الجنة وهي التي قال فيها رسول الله صل الله عليه وسلم [ ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وارجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة]
والوسيلة في الشرع :
فهي العمل يقدمه المؤمن لله طلبا ً للقرب منه تعالى والحظوة لديه أو لقضاء حاجة بحصول نفع أو دفع ضر
وهذه الوسيلة الشرعية تبني على ثلاثة أمور:-
1- المتوسل إليه وهو الله ذو الفضل والإنعام
2- الواسل أو المتوسل وهو العبد المؤمن الضعيف الطالب القرب من الله أو الراغب في قضاء حاجة له من جلب نفع أو كشف ضر
3- المتوسل به وهو العمل الصالح المتقرب به إلى الله تعالى وهو الوسيلة
والوسيلة بهذا المعنى مشروعة مندوب إليها في كل زمان ومكان
قال الله تعالى { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون } ( المائدة : 35 )
وقال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه } ( الإسراء : 57 )
- الوسيلة جائزة وممنوعة :
والوسيلة منها ما هو جائزة ومنها ما هو ممنوع فالجائز منها هو كل وسيلة أذن فيها الشارع ندبا ً أو إباحة والممنوع منها ما لم يأذن فيه الشارع كراهة أو تحريما ً ولا فرق في ذلك بين التوسل إلى الأمور الدنيوية أو الأمور الأخروية فلا بد أن يأذن الشارع في جواز الوسيلة وإلا حرمت
* ومن أمثلة ذلك في الأمور الدنيوية :
· رجل خطب امرأة فأبت الزواج منه فرأى أن الوسيلة أن يذهب إلى ساحر ليجيبه إليها فهل هذه الوسيلة جائزة ؟ والجواب لا لأنها محرمة شرعا ً
· مريض وصف له شرب الخمر ليبرأ من مضه فهل هذه الوسيلة جائزة ؟ والجواب لا لأنها محرمة شرعا ً
· حكومة مسلمة قيل لها عن هناك كلابا ً بوليسية تكشف عن الجرائم فهل يجوز أن تستعملها في كشف الجرائم ؟
والجواب لا . لأن هذه الوسيلة محرمة إذ البينة لا تثبت إلا بشهادة عدلين من المسلمين أو باعتراف الجاني فكيف تقبل شهادة كلب
وهكذا فإن ما يجوز اتخاذه كوسيلة هو ما أذن به الشرع فقط فتجوز وسيلة التجارة والفلاحة والصناعة للحصول على المال ولا يجوز الربا الفشي والسرقة لجلب المال
ويجوز التداوي بالأدوية ولا يجوز التداوي بالسموم والنجاسات والمحرمات و يجوز استعمال الوسائل المحللة شرعا ً لاكتشاف
السرقات ولا يجوز استعمال الكلاب البوليسية ولا الكهانة ولا التنجيم
* وفي الأمور الإلهية :
إن المراد من التوسل في الأمور الإلهية هو التوسل إلى الله تعالى في أحد أمرين
أولها :- وهو أشرفهما وهو القرب من الله تعالى والحظوة لديه والمنزلة العالية عنده
ثانيهما :- قضاء الحاجات بجلب نفع أو دفع ضر وبعبارة أوضح هو التوسل إلى الله تعالى للحصول على مرغوب في الدنيا أو الآخرة والنجاة من مرهوب في الدنيا والآخرة
والتوسل إليه تعالى لا يكون إلا بما شرعه من العبادات والقربات وكل توسل إليه تعالى بغير ما شرعه هو توسل باطل ضار غير نافع
الوسائل المشروعة
------------------
1- الإيمان :-
قال تعالى { ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }
( آل عمران : 18 )
2- الصلاة :
لقوله صلى الله عليه وسلم في الإجابة عن أحب الأعمال إلى الله فقال { الصلاة على وقتها }
3- الصيام :
لحديث أبا أمامة عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم [دلني على عمل أدخل به الجنة . قال عليك بالصوم فإنه لا مثل له ]
ولقوله صلى الله عليه وسلم [ ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم ]
4- الصدقة : -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ اتقوا النار ولو بشق تمرة ]
وقال { صنائع بالمعروف تقي مصانع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد العمر }
5- الحج :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ومن حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ]
6- الاعتمار :
لقوله صلى الله عليه وسلم
[ تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنب كما ينبفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ]
7- الجهاد والرباط :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ حرمت النار على عين دمعت أو بكي من خشية الله وحرمت النار على عين سهت في سبيل الله ]
8- تلاوة القرآن الكريم :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]
9- الذكر والتسبيح :
لقوله صلى الله عليه وسلم
[ ما عمل بن آدم عملا ً أنجى من العذاب من ذكر الله تعالى ]
10- الصلاة على النبي :
لقوله صلى الله عليه وسلم
[ من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ً ]
11- الاستغفار:
لقوله صلى الله عليه وسلم
[ من لزم الاستغفار جعل لله له من كل هم فرجا ً ومن كل ضيق مخرج ورزقه الله من حيث لا يحتسب ]
12- الدعاء :
قال تعالى [ ادعوني أستجب لكم ] ( غافر : 60 )
13- دعاء المؤمنين :
ومنه توسل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بدعاء العباس رضي الله عنه في صلاة استسقاء فأجابهم الله تعالى وسقاهم
14- أسماء الله تعالى وصفاته العليا :
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك كثرة منها

- وقد سمع رجل يقول : يا ذا الجلال والإكرام : قال [ قد أستجيب لك فسل ]
- وقوله صلى الله عليه وسلم [ إن لله ملكا ً موكلا ً بمن يقول يا أحم الراحمين فمن قالها ثلاثا ً قال الملك : إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل ] .................وغير ذلك كثير من الأحاديث
15- فعل الخيرات وترك المحرمات :-
- وشاهد ذلك حديث النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار في جبل فسقطت صخرة على فم الغار فسدته عليهم فقد توسل اثنان منهم ببر فعله لوجه الله ( بر الوالدين والأمانة ) وتوسل الثالث بترك إثم خوفا ً من الله ( عدم مواقعته لذات الحاجة ) فاستجاب الله لهم وكشف ما بهم
- ومن أماط غصن شوكة عن الطريق من بني إسرائيل خشية أن يصيب أحدا ً منهم فشكر الله له فغفر له وأدخله الجنة
- والمرأة البغي من بني إسرائيل التي سقت الكلب الذي كان يأكل الثرى من العطش فغفر الله لها وأدخلها الجنة
الوسائل المحرمة
----------------
وهي جملة من الوسائل الباطلة الممنوعة والتي شغلت الكثير من الناس عن الوسائل النافعة وصرفتهم عنها فحرموا من التوسل المشروع بسبب انشغالهم بالممنوع فخابوا في سعيهم
نذكر هذا نصحا ً للمسلمين وتبليغا ً لرسالة الإسلام وتعريفا ً بها بين المسلمين وغير المسلمين ومن هذه التوسلات الباطلة
1- دعاء الأولياء والصالحين :-
إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والتوسل بجاههم لم يكن في دين الله تعالى قربة و عملا ً صالحا ً فيتوسل به أبدا ً وإنما كان شركا ً في عبادة الله محرما ً يخرج فاعله من الدين ويوجب له الخلود في جهنم
2- النذور للأولياء والصالحين :-
إن ما ينذره الجهلة ممن يسمون أنفسهم مسلمين وما هم بذلك من نذور للأولياء والصالحين من أموات المسلمين ليس وسيلة مشروعة لله للتقرب بها إليه تعالى و لقضاء الحاجات واستجابة الدعوات . فإن قول أحدهم ( يا سيدي يا فلان إن رزقني الله كذا أجعل لك كذا , يا سيدي يا فلان إن تحقق لي كذا أو تحصلت على كذا أجعل لك كذا) كل هذا نذر لغير الله وعبادة صرفت لغيره فصاحبها أتى بأخطر باب من أبواب الشرك والإسلام بريء من عمله
3- الذبائح على أرواح الأولياء :-
إن ما يذبح على أضرحة الأولياء وعلى المشاهد والقباب في المواسم التي تقام باسم أولئك الصالحين كل هذا ضلال وباطل وشرك وليس مما شرع الله تعالى لعبادة التوسل به وإنما هو من أعمال الجاهلية الأولى وشرك في عبادة الله تعالى
4- العكوف حول قبور الصالحين :-
ليس من التوسل المشروع نقل المرضى إلى أضرحة الأولياء ولا العكوف حول تلك الأضرحة والقبور ولا المبيت هناك ولا إقامة الحفلات والحضرات بل هو عمل فاسد لا يأتين إلا من سفه نفسه وجهل أكبر أصل من أصول دين الإسلام وهو توحيد الله بعبادته وحده دون ما سواه
5- سؤال الله بجاه فلان : -
ليس من التوسل إلى الله تعالى طلبا ً للقرب ولا لقضاء الحاجات سؤال الله تعالى بجاه أحد من خلقه كقول أحدهم : اللهم إني أسألك بجاه نبيك فلان أو عبدك فلان إذ هذا التوسل لم يعرفه دين الإسلام فلم يرد في كتابه ولا سنة رسوله والذي عرفه الإسلام وأمر به ودعا إليه هو سؤال الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذلك كقول المسلم : ( ياالله , يا أرحم الراحمين , يا ذا الجلال والإكرام , يا حي يا قيوم) امتثالا ً لقوله تعالى {لله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 )
أما سؤال الله تعالى بجاه فلان فإنه سؤال مبتدع لم يعرفه سلف هذه الأمة ولا صدرها الصالح وما كان من جنس البدع والأمور المحدثة فإنه لا يكون وسيلة تعطى بها الرغائب وتقضي بها الحاجات
6- سؤال الله تعالى بحق فلان :-
وهو ليس من التوسل المشروع بل هو من الممنوع إذ هذا التوسل لم يرد في الكتاب ولا السنة وهو من التوسلات المحدثة الباطلة التي نهى عنها سلف هذه الأمة وكرهوه للمسلمين وأنكروها إنكارا ً شديداً إذ ( لا حق لأحد على الله تعالى فيسأل به وإنما الله ذو فضل فيسأل من فضله ) كما قال تعالى { وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ً } ( النساء: 32 )
وعلى المسلم أن يسأل الله بسؤال شرعي مأذون فيه مثل أن يقول
( اللهم إني أسألك بإيماني بك وبنبيك أو بكتابك أو بمحبتي لك أو لفلان نبيك أو عبدك أن تقضي حاجتي أو تفرج كربي أو ,......)
فإن هذا من التوسل المشروع الذي قد يكون سببا ً لإجابة الدعاء
تنبيهات هامة
------------
وهنا ثلاث شبه قد تعرض للمسلم عند الكلام على التوسل والوسيلة فيحسن التنبيه عليها وهي
1- حديث الضرير:-ونصه كما رواه الترمزي واحمد وغيرها بسند لا بأس به
[ أن رجلا ً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله أن يُعافيني . قال : إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك فقال : ادعه . فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي اللهم شفعه في . قال : ففعل الرجل فبرأ ] أحمد ( 4/138 ) وغيره
- وجه الشبهة في الحديث أن يقول المرء فما دام الضرير قد علمه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة .........الخ فلم لا أفعل أنا مثله لقضاء حوائجي ؟ والجواب : أن نقول أن التوسل في هذا الحديث مركب من عدة أمور ولا يتم إلا بها وبعض هذه الأمور قد تعذر الحصول عليه بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ألا وهو دعاءه صلى الله عليه وسلم لأحدنا اليوم وشفاعته لنا عند الله تعالى في قضاء حاجاتنا وذلك لوفاته والتحاقه بالرفيق الأعلى .فلو قام أحدنا اليوم يقول : يا رسول الله ادع الله أن يقضي حاجتي لكان قوله باطلا ً وضلالا ً ولا معنى له إذ الرسول صلى اللهم عليه وسلم لا يسمعه ولا يراه و يدعوا الله تعالى له أبدا ً ولو قال أحدنا اليوم : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك ........الخ . لكان كاذبا ً في قوله . لأنه لم يقدم بين يدي دعائه الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوا له حتى يقول لله تعالى اللهم إني أتوجه إليك بنبيك اللهم شفعه في , إنما يقول هذا من قام الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوا الله تعالى له كما دعا للضرير
ومن هنا لم يبق هذا التوسل بتلك الكيفية جائزا ً ولا نافعا ً لفقد أعظم أركانه وأهم عناصر وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمتوسل وعلى فرض أن قام أحد فتوسل به وبرأ من مرضه أو قضيت له حاجته فإن ذلك لا يدل على جوازه ومشروعيته إذ حاجته قد قضيت بقضاء وقدر كما قد يحصل لبعض الناس أن يعدوا ميتا ً ويتشفع به فتقض حاجته ويقول سيدي فلان قضى حاجتي والحقيقة أن وسيلة شرك محرم وما قضى له من حاجة إنما وافق فيه القدر فقط لا أن السيد دعا له وأن الله تعالى قد استجاب له
2- حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما: ونصه كما في البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقوا بالعباس بن عبد المطلب فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقينا قال : فيسقون
- ووجه الشبهة في هذا الحديث أن يقال : ما دام عم رضي الله عنه قال [ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا ] وهو إقرار من عمر بأنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم لا نتوسل نحن اليوم بالنبي صلى الله عليه وسلم
والجواب : أن نقول إن توسلهم رضوان الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كان يطلبهم منه أن يدعوا الله تعالى لهم فيدعوا فيستجيب الله دعوته ويسقيهم كما قد حصل مرارا ً لا أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بذات النبي أو بجاهه صلى الله عليه وسلم فيقولون : اللهم إنا نتوسل إليك بنبيك أو بجاه نبيك والنبي غائب عنهم ولم يدعوا الله تعالى لهم إذ لو كان الأمر هكذا لما توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما أو يقول : اللهم إنا نتوسل إليك بنبيك أو بجاه نبيك فاسقنا . لم يقل عمر هذا لأنه يعلم أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كان بدعائه لهم ولما توفى صلى الله عليه وسلم لم يبق ليدعوا الله تعالى لهم فكان يدعوا ويستجيب الله له فيسقون
ومن هنا كان من الجائز المشروع أن يقدم المسلمون مؤمنا ً صالحا ً يدعوا لهم عند الحاجات ولكن من غير الجائز أن يقدون ميتا ً أو غائبا ً لربهم ويقولوا : اللهم إنا نتوسل إليك بفلان أو بجاه فلان . لأن هذا كذب وباطل مادام الذي قدموه وسيلة لربهم غائبا ً أو ميتا ً لأن الغائب أو الميت لا يعرف عن حالهم ولا يسمع طلبهم من الدعاء ولا هو يدعوا لهم وإذا لم يدع لهم فيم تكون الإستجابة ؟؟؟
3- ما ورد من لفظ : ( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك )
رواه أحمد ( 3 /12 )
والجواب : أن نقول إن هذا الحديث الذي ورد فيه هذا اللفظ حديث ضعيف والضعيف لا تؤخذ منه الأحكام فضلا ً عن مسألة تتعلق بالعقيدة كهذه مع إن هذا اللفظ لو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على سؤال الله تعالى بحق فلان أو فلان لأن معنى بحق السائلين عليك : اللهم استجب كما تستجيب للداعين لأنك قلت ادعوني استجيب لكم وذلك لأنه مادام تعالى قد أمر عباده بدعائه وواعدهم بالإستجابة فقال { وقال ربكم اعدوني استجب لكم } ( غافر : 60 ) أصبح لكل داع حق أن يطلب ربه بما وعده به لينجزه له فمن هنا لما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم عند خروجه من بيته للصلاة قال مستنجزا ً ربه وعده { اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فهو قد سأل ربه بصفة من صفاته تعالى الفعلية وهي الإجابة للداعين والمثوبة للعاملين بطاعته الماشية إلى بيوته لأداء عبادته
ذكرنا هذا من باب التنزل والفرض وإلا فمادام الحديث ضعيفا ً فإنه لا يلتفت إليه ولا إلى من يتيح به شأنه شأن حديث قول آدم في الجنة لما اقترف الخطيئة : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي......إلخ
وحديث فاطمة بنت أسد أم علي رضى الله عنهما وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بعد أن اضجع في قبرها [ الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حاجتها ووسع مدخلا بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين ]
فإن هذه الأحاديث قد حكم أهل الحديث بضعفها وبطلانها فلا يُلتفت إليها ولا يعول عليها أو يحتج بها وفيما صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم من التوسلات المشروعة كفاية فلنأخذ ما صفا ولنترك ما كدر

يوسف التازي
17-01-15, 07:31 PM
سادسا الحلف
الحلف
إن تعظيم الله عز وجل بتكبيره والحلف به وإجلاله تبارك وتعالى عبادة يتعبد بها المؤمنين وهي تخص الله تعالى ولا تخص غيره
فلذا لا يجوز الحلف بغيره تعالى ومن حلف بغير الله تعالى فقد أشرك لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الحلف بغير الله تعالى وجعل ذلك من الشرك فقد قال عليه الصلاة والسلام [ ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ] رواه الشيخان
وقوله [ من حلف بغير الله فقد أشرك ] وفي لفظ [ فقد كفر ] رواه الترمزي
وقال [ من حلف فقال في حلفه واللاتي والعزى فليقل : لا إله إلا الله ] متفق عليه وقد قال بن مسعود [ لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا ]
لأن من المعلوم أن الحلف بالله كذباً كبيرة من الكبائر لكن الشرك أكبر من الكبائر حتى وإن كان شركا أصغر والحلف بغير الله قد يكون شركاً أصغر وقد يكون شركا أكبر. وذلك تبعاً لاعتقاد الحالف بالمحلوف به . وبداية ً نقول حيث إن الحلف يدل على تعظيم الحالف بالمحلوف به *فإن كان هذا التعظيم من نوع التعظيم الذي يعظم به الله عز وجل وهو القادر على العقاب إذا كان الحالف كاذبا ً وكان الحالف معتقدا في من يحلف به هذا التعظيم وهذا الخوف فهذا شرك أكبر. ولذلك ترى أكثر العامة يحلفون بالله كذباً غير مبالين فإذا استحلفوا بمن يعظمونه من الموتى والأولياء ويعتقدون له السر والتصرف تكعكعوا وصدقوا وإن كان من ذلك ذهاب بعض ما يحرصون عليه من منفعة يضحون بها خوفاً من عقاب وانتقام وتصرف ذلك الولي فيهم
* وإن كان مما يجري على الألسنة ويعظم الحالف المحلوف به تعظيم احترام ورفعة منزلة مما يجري بين البشر مع معرفته بعبوديته هو والمحلوف به لله عز وجل فإن هذا شك أصغر
ملا حظة
* الحلف الجائز كما قلنا هو الحلف بالله سواء باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته وليس الحلف بمخلوق وعلى هذا كان تحريم الحلف بالكعبة وبالنبي وبجبريل أو بالأولياء أو بالآباء أو بالشرف أو بالذمة
وأما الحلف بالقرآن الكريم فإنه لا بأس به لأن القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى غير مخلوق تكلم الله به حقيقة ً بلفظه مريداً لمعناه وهو سبحانه وتعالى موصوف بالكلام.. فعليه يكون الحلف بالقرآن حلفا بصفة من صفات الله سبحانه وتعالى وهذا جائز
وكذلك الحلف بالمصحف إذا كان يقصد به كلام الله الذي بداخل المصحف
أقوال وأفعال مضادة للتوحيد
رأينا في ما سبق من العبادات التي تصرف لله ولا تصرف لغيره سواء كانت عبادات بدنية كالصلاة والطواف والحج وغيرها . أو مالية كالزكاة والصدقات وغيرها أو قلبية كالخوف والرجاء والمحبة وغيرها .
ومنها ما هو مشترك بين العبادات المالية والقلبية كالذبح والزكاة والصدقة أو المالية والبدنية كالحج والطواف وقصد المساجد الثلاثة وغير ذلك ورأينا أنه استكمالا ً للتوضيح وتعميما ً للفائدة أن نذكر هنا بعض التصرفات من الأقوال والأفعال التي تناقض التوحيد سواء من أساسه أو من كماله . وأولها بالطبع صرف أي نوع من أنواع العبادات السابقة لغير الله كما سبق توضيحه من كلا ً منهما ولنأخذ الآن أمثلة على بعض تلك الأقوال والأفعال
السحر
قال تعالى { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } البقرة
والسحر لغة : عبارة عما خفي ولطف سببه
ولهذا جاء الحديث [ إن من البيان لسحرا ] وهو تشبيه بليغ لأن ذلك يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والعكس باستمالته القلوب . وسمي السحر سحرا ً لأنه يقع خفيا ً آخر الليل
والسحر : عزائم ورقي وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه
ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه في قوله { ومن شر النفاثات في العقد}
وعن عائشة رضي الله عنها [ أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى ليخيل إليه انه يفعل الشيء وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم : أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال : ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة وفي حف طلعة ذكر في بئر ذروان ] ( رواه البخاري )
وقد دل القرآن على تحريم السحر وهو من الموبقات السبع وهو محرم من جميع الأديان وعلى ألسنة جميع الرسل كما قال تعالى { ولا يفلح الساحر حيث أتى {(طه :69 )
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال [ من تعلم شيئا ً من السحر قليلا ً أو كثيراً كان آخر عهده من الله ] وهو حديث مرسل
وقد اختلفوا : هل يكفر الساحر أم لا ؟؟
فذهبت طائفة من السلف أنه يكفر وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله . إلا أنه يكن سحره بأدوية وتدخين وسقى شيء يضر فلا يكفر . وقال الشافعي : إذا تعلم السحر قلنا له : صف لنا سحرك فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما أعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر وإن كان لا يوجب الكفر فإن أعتقد إباحته كفر
وقد قال تعالى { يؤمنون بالجبت والطاغوت }
قال عمر رضي الله عنه ( الجبت : السحر . والطاغوت : الشيطان )
وعن جندب مرفوعا ً [ حد الساحر ضربه بالسيف ] ( رواه الترمزي ) وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا : يقتل الساحر
وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال : كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة : قال فقتلنا ثلاث سواحر .
وظاهره أنه يقتل بغير استتابة لأن علم السحر لا يزول بالتوبة وهو المشهور عن أحمد وبه قال مالك
وعن أحمد يستتاب وإلا قتل وبه قال الشافعي لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم
· وصح عن حفصة رضي الله عنها ( أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت ) أي بغير استتابة
· وكذلك صح عن جندب ( أنه كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنسان وأبان رأسه ثم أعاد رأسه فجاء جندب الأزدي فقتله من وقته أي بدون استتابة
بيان شيء من أنواع السحر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت ]
- العيافة : زجر الطير لتطير ويرى إلى أي جهة تسير فيتفأل بالمكان الذي تطير إليه . والتفاؤل بأسماها وأصواتها وطرقها الذي تمر فيه
- الطرق : هو الخط يخط الأرض أو هو الضرب بالحصى الذي تفعله النساء
- الطيرة : هو التطير بالمقبل أو المدبر أو المتيامن أو المتياسر من حركة الطير
قال تعالى { ألا إنما طائرهم عند الله ..........}
أي ما قضي عليهم وقدر لهم والجبت : السحر
وقال صلى الله عليه وسلم [ من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر ] اقتبس : علم شعبة من النجوم : طائفة من النجوم
وقال صلى الله عليه وسلم [ من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك من تعلق شيئا ً وكل إليه ]
- فإن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدون من السحر
قال تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد }
يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك
والنفث هو النفخ مع الريق وهو دون التفل حتى تتكيف نفس الساحر بالخبث والشر الذي يريده المسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى
- من تعلق شيئا ً وكل إليه
فإن كان تعلق بالسحر والسحرة والشياطين وكل إليهم وإن كان تعلقه بالله وكل إلى الله عز وجل فأفلح
ما جاء في الكهان ونحوهم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما ً ](صحيح مسلم)
وقال صلى الله عليه وسلم [ من أتى عرافا ً أو كاهنا ً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ] ( للأربعة والحاكم )
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ليس منا من تطير أو تُطير له أو تكهن أو تُكهن له أو سحر أو سُحر له ومن أتى كاهنا ً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ] ( رواه الترمذي )
- قال شيخ الإسلام بن تيميه
إن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم
- وقال البغوى :
العراف الذي يدعى معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق و مكان الضآلة و نحو ذلك
وقيل : هو الكاهن 0 والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل و قيل الذي يخبر عما في الضمير
- والطيرة من التطير أي التفاؤل والتشاؤم بحركة الطير أو غيرها
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل . قالوا : وما الفأل ؟ قال : الكلمة الطيبة ]
وأحسن ما قيل في أمر العدوى أي ( لا عدوى ) على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى وإن هذه الأمور تعدى بطبعها وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببا ًلحدوث ذلك ولهذا قال [ فر من المجذوم كما تفر من الأسد وقال ( لا يورد ممرض على مصح ) وقال في الطاعون ( من سمع به في أرض فلا يقدم عليه ) وكل ذلك بتقدير الله تعالى
ملاحظة
1. جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة كقوله صلى الله عليه وسلم (الشؤم في ثلاث في المرأة و الدابة و الدار ) و نحو هذا من الأحاديث
قال بن القيم :
إن الشؤم في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله سبحانه و تعالى و إنما غايته أن الله سبحانه و تعالى قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها و ساكنها و أعيانا مباركة لا يلحق من قاربها شؤم ولا شر وهذا كما يعطى سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه و يعطى غيرهما ولدا مشؤوما يريان الشر على وجهه فكذلك الدار و المرأة و الفرس يخلقه الله خيرا أو شرا بقضائه و قدره كما خلق سائر الأسباب و ربطها بمسبباتها
2. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (الطيرة شرك وما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل )
وقال صلى الله عليه و سلم (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك ؟ قال : أن تقول اللهم لا خير إلا خيرك و لا طير إلا طيرك و لا اله غيرك )
ما جاء في النشرة
عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن النشرة ؟ فقال : (من عمل الشيطان )
وقال الحسن : النشرة من السحر و قد نشرت عنه تنشيرا و منه الحديث : (فلعل طبا أصابه ثم نشره بقول أعوذ برب الناس )
وروى الحسن أنه قال : (لا يحل الساحر إلا ساحر)
و الحسن هو ابن أبى الحسن و اسمه (يسار)
وقال بن ا لجوزي :النشرة حل السحر عن المسحور ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر
وهى نوعان :
أحدهما حل السحر بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان و عليه يحمل قول الحسن فيتقرب الناشر و المنتشر إلى الشيطان بما يجب فيبطل عمله عن المسحور
والثاني النشرة بالرقية و التعوذات و الأدوية المباحة فهذا جائز
سابعا الشفاعة
الإستشفاع
معنى الإستشفاع
الإستشفاع والتشفع والشفاعة هذه الكلمات الثلاث مدلولها واحد ومعناها لا يختلف وهو : أن يطلب إنسان من آخر التوسط له عند ذي ملك أو سلطان ليقضي له حاجته في إعطائه ما هو في حاجة إليه أو في التجاوز عنه في ذنب قارفه أو جريمة ارتكبها والكلمات الثلاث مشتقة من لفظ الشفع الذي هو خلاف الوتر (الفرد ) وبيان ذلك أن صاحب الحاجة كان واحدا فضم إليه الواسطة وهو من استشفع به وطلب شفاعته فكان معه شفعا أي اثنين بعد أن كان فردا . من هذا المعنى أخذت كلمات الإستشفاع والتشفع والشفاعة .
الإستشفاع في الدنيا
لا باس بإستشفاع أحد بآخر عند ذي منصب أو مال أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه حيث عجز هو عن رفعها إليه لخموله أو قصوره وذلك لقول الله تعالى { من يشفع شفاعة حسنة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا } (النساء :85 )
الكفل هنا : الوزر المترتب على الشفاعة السيئة
مقيتا : حفيظا شاهدا أو حسيبا قديرا
ويؤجر الشافع على شفاعته ولو لم تقضى حاجته من شفع له وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى [ اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء ]
وجواز الاستشفاع مشروط بأن يكون في حق ضاع أو حق يخشى ضياعه أو في شيء مباح ينتفع به . أما أن يكون في إثم بإسقاط حق من الحقوق أو تعطيل حد من الحدود فلا وذلك لقوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب { ( المائدة : 2 )
ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم [ إذا بلغ الحد السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ]
فما سبق في أمور الدنيا الظاهرة كمثل ما سبق ولكن الشفاعة عند الله تعالى لها شكل آخر وشروط أخرى سنحددها إن شاء الله تعالى ونمهد لذلك بما وقع فيه الناس من فهم خاطئ للشفاعة عند الله تعالى
قياس خاطئ
وجهل كثير من الناس بهم عز وجل فلم يعرفوه فقاسوه سبحانه وتعالى على بعض عباده فاستشفعوا عنده بالأولياء والصالحين من الأموات وطلبوا منهم الشفاعة لديه سبحانه وتعالى فكانوا يا يقولون سيدي فلانا اشفع لي عند ربي في قضاء كذا وكذا وإذا نكر عليهم ذلك يقولون : إن الذي لا يستطيع أن يدخل على السلطان يطلب له واسطة
فجمعوا بذلك بين عظيمتين
1- دعاء غير الله تعالى وهو شرك أكبر
2- قياس الخالق على المخلوق وتشبيهه به حيث طلبوا له واسطة كما تُطلب للمخلوق من ذوي السلطان
في حين أن الأمر مع الله تعالى يختلف تماما وذلك لأنه تعالى
أ‌- لا يخفي عليه أمر أحد من خلقه بخلاف أن المخلوق قد يخفى عليه أمر إنسان فيحتاج إلى من يعلمه به وينبهه إليه
ب‌- أن الله قريب من عباده بحيث لا يحتاج الأمر إلى واسطة بينه وبينهم بعكس المخلوق الذي قد لا يُستطاع الوصول إليه ورفع الحاجة إليه فيُلجأ إلى من يقوم بقضاء ذلك بين الطالب والمطلوب منه وهذه الواسطة هي الشفيع
· وإن قيل كيف جازنا إذا أن يقول بعضنا لبعض : يا فلان ادع الله تعالى لي بكذا ؟؟ أليس هذا هوعين ما نفوتموه من مسألة الإستشفاع بالأولياء ؟؟
قلنا : إن هذا ليس من ذاك أبدا . وذلك لأمرين
1- إن هذا قد أذن لنا الشارع فيه إذ ثبت بما لا مجال للشك فيه أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يدعوا الله تعالى لهم كما ثبت أن الرسول نفسه قد طلب مرة عمر وهو ذاهب إلى العمرة أن يدعوا الله تعالى له فقال [ لا تنسانا يا أخي من دعائك ] وبه أصبح المسلمين لا يترددون في أن يطلب أحدهم أن يدعوا الله تعالى له بخير وكيف وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن في قوله { ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين يسبقونا بالإيمان } ( الحشر : 10 ) إذ في القرآن دعاء المؤمنين بعضهم لبعض
2- طلبنا الدعاء من عبد صالح حي يسمعنا ويرانا ويقدر على أن يدعوا الله تعالى لنا هو كطلبنا منه أن يناولنا شيئا أو يعطينا آخر بأن بقدم لنا طعاما أو يعطينا مالا أو متاعا أو يعيننا على ما يشق فعله علينا وفيما يستطيعه هو أفليس هذا جائز ؟ بلى وقطعا وبدون شك وإذا فأي مانع من أن نقول لمؤمن صالح حتى يصوم ويصلى ويسمعنا ويرانا ويقدر على أن يدعوا الله لنا أي مانع أن نقول له ادع الله تعالى لنا يا فلان واسأل الله تعالى لنا كذا وكذا رجاء أن يستجب الله تعالى له فينا فتقضى حوائجنا أو نحصل على خير من خيري الدنيا أو الآخرة
وهذا بخلاف الإستشفاع بأموات المسلمين إذ هم أموات والميت غير مكلف بعبادة ولا دعاء ولا يسمع من يناديه ولا يعرف من يستشفع به فندائه وطلب الدعاء منه والإستشفاع به ضلال عقلي وخطأ فكري وفساد ديني يبرأ منه الإسلام وأهله , وهذه أقل أحواله وإلا فهو شرك في عبادة الله وفاعله من المشركين بالله والعياذ بالله من الشرك وأهله
الشفاعة في الآخرة
ما تقدم من أحكام الشفاعة والإستشفاع الذين يتمان في هذه الحياة الدنيا كان كما أسلفنا
أما الشفاعة في الدار الآخرة فإنها لا تختلف عنها في الدنيا اختلافا كبيرا وذلك لأن الأمر يومئذ كله لله وليس لأحد غير الله تعالى منه شيء كما قال تعالى { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والمر كله يومئذ لله } ( الانفطار :17 -19 )
وقد يكون يوم القيامة شفاعات كثيرة غير أنها تجري على خلاف ما تكون عليه اليوم في الدنيا وهذا بيانها :-
إن الشفاعة يوم القيامة تنقسم إلى قسمين : شفاعة منفية تماما لا حقيقة لها ولا وجود , وشفاعة ثابتة وواقعة ولها حقيقة ووجود
والشفاعة المنفية صور منها :-
1- شفاعة الآلهة التي عبدت من دون الله أو معه فهذه شفاعة لا وجود لها البتة وسواء كان المعبود المرجو الشفاعة ملكا أو نبيا أو صالحا أو دون ذلك من الجن والشياطين أو الحيوانات والجمادات وذلك لقوله تعالى { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا } (الزمر : 43-44 )
لأن من عبد غير الله تعالى مشرك كافر ولا شفاعة لكافر لقول الله تعالى { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } (المدثر :48 )
وقوله{ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } البقرة : 48 )
2- الشفاعة بدون إذن الله تعالى للشافع أو عدم رضاه عن المشفوع له وذلك لقوله تعالى { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } (البقرة : 255 )
وقوله { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ( النجم :26 )
· والشفاعة المثبتة :-
وهي خاصة لأهل التوحيد والإخلاص وقيدها الله تعالى بأمرين
أ‌- إذنه للشافع أن يشفع
كما قال تعالى { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }
وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رحم عبده الموحد المذنب
ب‌- رضاه عمن أذن لشافع أن يشفع فيه
كما قال تعالى { لا يشفعون إلا لمن ارتضى }
فالإذن بالشفاعة لا يكون إلا بعد رضاه سبحانه وتعالى وهو لا يرضى بغير التوحيد
والشفاعة المثبتة قسمان :-
1- شفاعات النبي محمد صلى الله عليه وسلم
- وهي كثيرة منها : الشفاعة العظمى وهي المقام المحمود الذي ذكر له في القرآن الكريم في قوله تعالى { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 )
وهى شفاعته صلى الله عليه وسلم في فصل القضاء بعد أن يرجوها من الله عز وجل فيرضى بشفاعته في فصل القضاء بعد طلبها الناس من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول كلا منهم نفسي نفسي
- ومنها شفاعته في أناس من أمته فيدخلون الجنة بغير حساب
- ومنها شفاعته في أناس من أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع لهم فلا يدخلون النار
- ومنها شفاعته في أناس من أمته دخلوا النار فيخرجوا منها بشفاعته
· فشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته ثابتة كما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من أمتي لا يشرك بالله شيئا ]
2- شفاعة الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين
فشفاعة الملائكة مثبتة بقوله تعالى { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ( النجم : 26 )
- وشفاعة الأنبياء والعلماء والشهداء فهي ثابتة بعموم القرآن وخصوص السنة ففي القرآن الكريم بقوله تعالى { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 )
وقوله تعالى : { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } ( البقرة : 255 )
وفي السنة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم
[ يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ]
[ يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته ]
وصح كذلك أن القرآن يشفع لأهله
ملاحظة
من أراد شفاعة النبي صلى اله عليه وسلم فليسألها عن الله تعالى وليقل ( اللهم شفع في نبيك ) أو ( اللهم ارزقني شفاعة نبيك ) أو ( يارب اجعلني ممن تشفع فيهم نبيك )
وليتبع سؤاله الشفاعة من الله تعالى بالعمل الموجب لها والمقتضي تحقيقها وهو يتخلص في ثلاثة أمور
1- الإخلاص لله تعالى في العبادة ونفي الشرك
2- كثرة الصلاة لما صح عنه صلى الله عليه وسلم ( أنه سأله أحد أصحابه مرافقته في الجنة فقال له : فاعني على نفسك بكثرة السجود )
3- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له حتى تحل له الشفاعة
ثامنا توحيد الأولوهية
توحيد الألوهية
وهو ما يعرف بالتوحيد الإرادي الطلبي أو توحيد الطلب والقصد كما ذكرنا وهو المدار الذي دار حوله جدال المشركين . وهو يشمل
1- إفراد الله عز وجل بالشعائر والنسك
2- إفراد الله عز وجل بالحكم والحاكمية
3- الولاء والبراء
إفراد الله عز وجل بالشعائر و النسك
---------------------------------------------------------
فالشعائر كل الشعائر لله وحده والنسك كل النسك لله وحده فيجب أن يخص الله عز وجل بأنواع العبادة الظاهرة والباطنة
قال تعالى { فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون } ( غافر : 40 )
فالذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئا ً هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة
قال تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ( الأنعام : 82 )
وعن بن مسعود : ( لما نزلت هذه الآية قالوا : فأينا لم يظلم نفسه ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ليس بذلكم ألم تسمعوا إلى قول لقمان إن الشرك لظلم عظيم]
وقد قال الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 , 116 )
فتبين بهذه الآية أن الشرك أعظم الذنوب لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه وما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة إن شاء غفره لمن لقيه به وإن شاء عذبه به وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم وتنقص لرب العالمين وصرف حقه لغيره وعدل غيره به .
قال تعالى { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( الأنعام : 1 )
ولا يجوز أن يحمل قوله : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) على التائب فإن التائب من الشرك مغفور له كما قال تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقتنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ً }
فهنا عم وأطلق لأن المراد به التائب وهناك خص وعلق لأن المراد به من لم يتب . ( وهذا ملخص قول شيخ الإسلام ومذهب أهل السنة )
* ومن العبادات التي تصرف لله وحده كإله منفرد بالعبادة :
الدعاء والخوف والرجاء والمحبة والتوكل والإنابة والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة وغيرها من العبادات
وهو معنى ما تضمنه الآية {إياك نعبد وإياك نستعين }
فالشعائر كل الشعائر من صلاة و صيام و حج و غيرها لله وحده و النسك كل النسك من ذبح و نذر و حلق الشعر تذللا لله و غيرها من النسك لله وحده لا شريك له في الشعائر ولا شريك له في النسك
قال تعالى { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } ( الأنعام : 162 )
من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره : -
------------------------------------------
- فالإستغاثة : هي طلب الغوث وهي إزالة الشدة
كالإستنصار طلب النصرة والاستعانة طلب العون
والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه كقولهم يالذيد , يا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة
وكإستغاثة الإسرائيلي بموسى عليه السلام .
في قوله تعالى
{ فإستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه }
وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرضى والخوف فلا تجوز إلا لله
فالإستغاثة التي تجوز إذن هي الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه مع معرفة كونه سبب لله عز وجل وأن الله هو المسبب
- والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب والدعاء أعم من الاستغاثة لأنه يكون من المكروب وغيره فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة
- والدعاء نوعان : ( دعاء عبادة ) , ( ودعاء مسألة )
ويراد به في القرآن هذا تارة وهذا تارة ويراد به مجموعهما تارة أخرى
فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر ولهذا أنكر الله على من يدعوا أحدا ً من دونه ممن لا يملك ضرا ً ولا نفعا ً والله هو السميع العليم القادر
كقوله تعالى { قل أتعبون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ً ولا نفعاً والله هو السميع العليم } ( الأنعام : 71 )
وقوله { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا لمن الظالمين } ( يونس : 106 )
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله
فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة
قال تعالى { ادعوا ربكم تضرعا ً وخفية إنه لا يحب المعتدين } ( الأعراف : 55 )
وقال تعالى : { قل أريتكم إن آتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين . بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتتقون ما تشركون } ( الأنعام : 40,41 )
وقال تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } ( الجن: 18 )
وقال تعالى : { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } ( الرعد : 14 )
وأمثال هذا من دعاء المسألة أكثر من أن يحصى وهو يتضمن دعاء العبادة لأن السائل أخلص سؤاله لله وذلك من أفضل العبادات وكذلك الذاكرلله والتالي لكتابه ونحوه طالب من الله في المعنى فيكون داعيا ً عابدا ً
فتبين بذلك قول شيخ الإسلام بن تيمية إن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة وقد قال الله تعالى عن خليله إبراهيم :
{ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ً . فلما أعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا ً جعلنا نيا ً } ( ميم : 48,49 )
فصار الدعاء من أنواع العبادة
وكقول ذكريا عليه السلام
{ إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكون بدعائك ربي شقيا } ( مريم : 4 )
وقد أمر الله تعالى به في مواضع من كتابه كقوله { وادعوا ربكم تضرعا ً وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تعتدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا ً وطمعا ً إن رحمة الله قريب من المحسنين } ( الأعراف : 55 , 56 )
وهذا هو دعاء المسألة المتضمن للعبادة فإن الداعي يرغب إلى المدعوا ويخضع له ويتذلل
وضابط هذا : أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به ففعله لله عبادة فإذا صرف من تلك العبادة شيئا ً لغير الله فهو مشرك مصارم لما بعث الله به رسوله من قوله { قل الله أعبد مخلصا ً له ديني} ( الزمر : 14 )
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا ً من الإلهية مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل
فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليُعبد وحده لا شريك له ولا يُدعى معه إله آخر
والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم ويقولون { وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 18 )
{ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 )
فبعث الله سبحانه رسله تنهى عن أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة
فمن جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفروا جميعا ً
وقال بن القيم :
ومن أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل الشرك فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ً ولا ضرا ً فضلا ً عمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله . فمن دعى البدوي أو الدسوقي أو الرفاعي أو غيره فهو عابد له , بل منهم من إذا حلفته بالله كذب فإذا حلفته بوليه خاف وصدق فشرك هؤلاء أعظم من شرك عباد الأوثان
ذلك أن عباد الأوثان كانوا يدعون في الرخاء ويدعون الله في الشدة كما حكى عنهم الله تعالى فقال وقوله الحق
{ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون }
بينما هؤلاء يدعونهم قي الشدة قبل الرخاء

يوسف التازي
17-01-15, 07:38 PM
تاسعا : الأسماء والصفات
توحيد الأسماء والصفات
بعث الله سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب لغرض أن يكون هو المعبود وحده لا شريك له . وإنما يعبد بما أمر به على ألسنة رسله .
وأصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله ولهذا كان مذهب السلف حيث أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تشبيه
- فالتحريف : هو مجانبة القول بقول آخر فاسد .
- التعطيل : هو نفي بعض الصفات عن الله تعالى والتي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسله كالسمع والبصر والاستواء وغيرها
- التكييف : هو ذكر الكيفية فليس كل ما يصف به الله نفسه للإنسان القدرة على معرفة كيفيته بعقله القاصر ولكنه لابد من الإيمان به
- التشبيه : هو تشبيه صفات الخالق كاليد والقدم والسمع والبصر بصفات المخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
فليس كل ما هو موجود يمكن للعقل استيعابه ولكن التصديق يتم من الإيمان به فإنا لم نرى الجنة والنار ولكن التصديق بها وبوصفها ناتج عن الإيمان بالله وبرسله وكتبه والتصديق لهم .
مثال ذلك قول الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء في قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى }
فقال أما الاستواء فمعلوم , أما الكيف فمجهول , أما الإيمان به فواجب , أما السؤال عنه فبدعة .
فيجب الإيمان بما يخبر به الله تعالى حتى وإن يكن استيعابه عن طريق العقل فمثلا ً جميع الآيات هي خرق لسنن الكون والعقل لا يستطيع استيعاب ما هو خارق للقواعد المعتاد عليها وإن كان على المسلم الإيمان بها لأنها إخبار من الله عز وجل فيجب التصديق بها تصديقا ً تاما ً خاليا ً من الشك والتحريف .
والذين ينكرون بعض ما أخبر الله لعدم قدرتهم على استيعابه ما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته .
* والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة { ما قدروا الله حق قدره } في ثلاث مواضع ليثبت عظمت في نفسه وما يستحق من الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وليثبت ما أنزله على رسله .
- في الزمر : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه }
- في الحج : { ضعف الطالب والمطلوب وما قدروا الله حق قدره }
- في الأنعام : { وما قدوا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء }
والمواضع الثلاثة ذم الله الذين ما قدروه حق قدره من الكفار فدل ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن يتقيه حق تقاته وأنه يجاهد فيه حق جهاده قال تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده }
وعن بن عباس أنه قال [ من آمن بأن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره ]
وقد ثبت في الصحيحين من حديث بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له حبر من أحبار اليهود أن الله يحمل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا ً وتصديقا ً لقول الحبر وقرأ قول الله تعالى :
{ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه }
وكل من جعل مخلوقا ً مثل للخالق في شيء من الأشياء فأحبه مثل ما يحب الخالق أو وصفه بمثل ما يوصف به الخالق فهو مشرك سوى بين الله وبين المخلوق في شيء من الأشياء فعدل بربه والرب تعالى لا كفء ولا مثل له , ومن جعله مثل المعدوم والممتنع فهو شر من هؤلاء فإنه معطل ممثل والمعطل شر من المشرك.
** بيان أنواع من الفرق الضالة في مسألة الأسماء والصفات ومذهب كلا ً منهم :
----------------------------------------------------------------------
المشبهة:
وهما صنفان , صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره , وصنف آخرون شبهوا صفاته بصفات غيره وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى
* فمن الذين ضلوا في تشبيه ذاته بغيره :-
- الذين سموا عليا ً إلها ً وشبهوه بذات الإله ولما أحرق قوما ً منهم قالوا له : الآن علمنا أنك إله لأن النار لا يعذب بها إلا الله
- ومنهم الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه وأنه يفنى كله إلا وجهه
- ومنهم من شبه نفسه بربه
- ومنهم الحلولية الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأئمة وعبدوا الأئمة لذلك ... وغيرهم
* أما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين أصناف :-
- منهم الذين شبهوا إرادة الله تعالى بإرادة خلقه
- ومنهم الذين شبهوا كلام الله عز وجل بكلام خلقه فزعموا أن كلام الله تعالى أصوات وحروف من جنس الأصوات والحروف المثوبة إلى العباد
المعطلة :
وأول من عرف أنه أظهر في الإسلام التعطيل الذي تضمنه قول فرعون والقول بخلق القرآن هو الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال : أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم إني مضحي بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ً ولم يكلم موسى تكليما ً تعالى الله عن ذلك علوا ً كبيرا ً ثم نزل فذبحه وشكر له علماء المسلمين ما فعله , كالحسن البصري وغيره وهذا الجعد ينسب إليه مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية وكان بن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم .
محنة خلق القرآن
وهذه المحنة أساسها هو قول المعطلة النفاة الجهمية ذلك أن أمرهم قوى لما مات الرشيد وتلقى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق عن هؤلاء ما تلقاه
ثم لما ولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء ودعا إلى قولهم في آخر عمره وهو أن القرآن مخلوق أي أنه مخلوق في ذاته وليس هو كلام الله أي صفة الكلام لا تنسب إلى الله تعالى .
فكتب إلى نائبه ببغداد كتابا ً يدعوا الناس فيه إلى أن يقولوا ( القرآن مخلوق ) فلم يجيب أحد ثم كتب كتابا ً ثانيا ً يأمر فيه بتقييد من لم يجيبه وإرساله إليه , فأجاب أكثرهم ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد وبقى اثنان لم يجبها الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فأسلوهما إليه فمات المأمون قبل أن يصلا إليه ثم أوصى إلى أخيه أبي إسحاق ( المعتصم ) وكان هذا سنة ثمان عشرة فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة ثم لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه وظهر مذهب النفاة الجهمية وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه العطاء وعزلوه من الولايات ولم يقبلوا شهادته , وكانوا إذا افتكوا الأسرى يمتحنون الأسير فإن أجابهم افتدوه وإلا لم يفتدوه .
وكتب قاضيهم أحمد بن أبي داود على ستار الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم ) ( ولم يكتب وهو السميع البصير )
ثم ولى ( الواثق ) واشتد الأمر إلى أن ولى ( المتوكل ) فرفع المحنة وظهرت حينئذ السنة
الجهمية :
أتباع جهم بن صفوان وهو الجعد بن درهم الذي قال بالإجبار والإضرار إلى الأعمال وأنكر الاستطلاعات كلها وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان وزعم أن الإيمان هو معرفة الله فقط وأن الكفر هو الجهل به فقط وقال : لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز كما يقال : زالت الشمس ودارت الرحي من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به
القدرية :
وهي عشرين فرقة يجمعها كلها في بدعتها أمور منها :-
- نفيها كلها عن الله عز وجل صفاته الأزلية
- نفيها إمكانية رؤية الله عز وجل بالإبصار
- أكثرهم يسمون كلام الله عز وجل مخلوق
- قولهم إن كل ما يأمر الله تعالى به أو ينهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئا ً منها ( عكس الجبرية )
المرجئة :
* ومنهم من يقول بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة
* ومنهم من يقول بالإرجاء في الإيمان وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان فمنهم إذا من جملة الجهمية
* ومنهم من هم خارجون عن الجبرية والقدرية
** مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات
- أنه سبحانه وتعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء وإن علم الله تعالى وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه صفات له أزلية
- وأجمع أهل السنة على أن علم الله تعالى واحد يعلم به جميع المعلومات على تفاصيلها من غير حس ولا بديهة ولا استدلال عليه خلاف قول بعض الرافضة لأن الله تعالى لا يعلم بشيء قبل كونه .
- واجمعوا على أن سمعه وبصره محيطان بجميع المسموعات والمرئيات وأن الله تعالى يكون مرئيا ً للمؤمنين يوم القيامة ( بخلاف بعض فرق القدرية بدعواهم أن الله تعالى ليس براءٍ ولا سامع على الحقيقة وإنما يقال يرى ويسمع على معنى أنه يعلم المرئي والمسموع
- وأجمعوا على أن إرادة الله تعالى مشيئته واختياره وعلى أن إرادته للشيء كراهة لعدمه كما أن أمره بالشيء نهي عن تركه وقالوا إنه لا يحدث شيء في العالم إلا بإرادته , ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن , وزعمت القدرية البصرية أن الله تعالى قد شاء ما لم يكن وقد كان ما لم يشأ وهذا القول يؤدي إلى أن يكون مقهورا ً مكرها ً على حدوث ما كره حدوثه تعالى الله عن ذلك علوا ً كبيرا ً
- وأجمع أهل السنة والجماعة على أن حياة الإله سبحانه بلا روح ولا اغتذاء وأن الأرواح كلها مخلوقة على خلاف قول النصارى في دعواها قدم أب وابن وروح
- وقالوا أن مأخذ أسماء الله تعالى التوفيق عليها إما بالقرآن وإما بالسنة الصحيحة وإما بإجماع الأمة عليه ولا يجوز إطلاق اسم عليه من طريق القياس
- وقالوا إن أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام
1- قسم منها يدل على ذاته كالواحد والغني والأول والآخر والجليل والجميل وسائر ما استحقه من الأوصاف لنفسه
2- وقسم منها يقيد صفاته الأزلية القائمة بذاته كالحي والقادر والعالم والمريد والسميع والبصير وسائر الأوصاف المشتقة من صفاته القائمة بذاته وهذا القسم من أسمائه مع القسم الذي قبله لم يزل الله تعالى بهما موصوفا ً وكلاهما من أوصافه الأزلية
3- وقسم منها مشتق من أفعاله كالخالق والرازق والعادل ونحو ذلك وكل اسم مشتق من فعله وقد يكون من أسمائه ما يحتمل معنيين أحدهما صفة أزلية والآخر فعل له : كالحكيم
إن أخذناه من الحكمة التي هي العلم كان من أسمائه الأزلية وإن أخذناه من إحكام أفعاله وإتقانها كان مشتقا ً من فعله ولم يكن من أوصافه الأزلية.
وقد جاءت السنة الصحيحة بان لله تعالى تسعة وتسعين اسما ً وأن من أحصاها دخل الجنة ولم يرد بإحصائها ذكر عددها والتعبير عنها فإن الكافر قد يذكرها حاكيا ً لها ولا يكون من أهل الجنة وإنما أراد بإحصائها العلم بها واعتقاد معانيها .

يوسف التازي
18-01-15, 10:35 AM
. الشرك بالله:

أ -معناه ب - أنواعه

أ -معناه:

الشرك في لغة العرب: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلاناً في الشيء: إذا صرت شريكه.

في الاصطلاح الشرعي:

أن يفعل الإنسان لغير الله شيئاً يختص به الله سبحانه.

ب -أنواع الشرك بالله:

1. الشرك الأكبر 2. الشرك الأصغر

1. الشرك الأكبر:

· معناه: هو أن يتخذ مع الله أومن دونه إلهاً يعبده بأي نوع من أنواع العبادة .

حكمه: هو أعظم ذنب عصي الله به، وهو أعظم الظلم، قال - عز وجل -: {إن الشرك لظلم عظيم} لقمان (13).

وهو الذنب الذي لا يغفره الله لصاحبه إن مات عليه من غير توبة، قال - عز وجل -: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء} النساء (116).

وصاحبه كافر خارج من دين الإسلام، تحبط جميع أعماله، ويخلد في نار جهنم.

قال - عز وجل -: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} الأنعام (88).

وقال - عز وجل -: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} المائدة (72).

· أنواع الشرك الأكبر :

أ - شرك الدعاء:

الدعاء: هو من أعظم العـبادات التي تصرف لله سبحانه وتعالى ولهذا قال النـبي "صلى الله عليه وسلم": (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ).

فمن صرف هذه العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من دين الإسلام، وصاحبه من الكافرين.

ومثاله: كأن يأتي الشخص إلى قبر أحد الأولياء ويقول: "يا ولي الله اشف مريضي أو اقض حاجتي ونحو هذا"، أو يأتي إلى قبر الرسول "صلى الله عليه وسلم" ويقول: "يا رسول الله اغثني أو اقض حاجتي ونحو هذا ".

وهذا كله شرك لا يجوز فعله.

قال - عز وجل -: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضـرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين} يونس (106).

وقال - عز وجل -: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين} الأحقاف (5-6).

ومن أخلص في دعائه لله سبحانه فقد توعده الله بإجابة دعائه كما قال - عز وجل -: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} غافر (60) .

ب -شرك العبادة والتقرب:

وهو أن يتقرب لغير الله بأي لون من ألوان التقرب والعبادة حتى يرفع حاجته إلى الله سبحانه، فهو يعبد غير الله كي يرفع حاجته لله سبحانه، وأعظم صوره ما كان عليه المشركون في القديم وما عليه المشركون في الحديث من عبادة الأصنام والذبح لها والنذر، وكذلك ما يحصل الآن من الطواف حول القبور والتبرك بها ودعاء أصحابها كي يرفعوا حاجاتهم إلى الله سبحانه، قال - عز وجل -: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} الزمر (3).

ج -شرك الطاعة والاتباع:

الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر، وله سبحانه وحده حق التشريع والتحليل والتحريم.

فمن أطاع مخلوقاً في تحليل حرام حرمه الله أو تحريم حلال أحله الله معتقداً أن هذا المخلوق له التحليل والتحريم فهو واقع في الشرك الأكبر المخرج من الإسلام.

وقد حكم الله تعالى على اليهود والنصارى بالشرك لاتباعهم الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم المخالف لما شرعه الله، قال - عز وجل -: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} التوبة (31).

وعن عدي بن حاتم قال :( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَآءَةٌ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ)، رواه الترمذي.

والصورة الواضحة الجليلة لهذا النوع من الشرك في الوقت الحاضر : هو التحاكم إلى القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر بمعزل عن دين الله وشريعته، فإن هذه القوانين أباحت ما حرم الله كالزنا مثلاً إذا كان بالتراضي بين الطرفين، فمن رضي بهذا الحكم واعتقد صلاحيته فقد وقع في الشرك الأكبر وأحل ماحرم الله سبحانه وتعالى.

وهذه القوانين حرمت ما أحل الله كالتعدد في الزواج وغير ذلك.

قال - عز وجل -: {ومن لن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة (44).

وقال - عز وجل -: {ولا يشرك في حكمه أحداً} الكهف (26).

*فالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك ذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية رباً يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها، لأن الأول يصدر باسمها تشريعاً تحل وتحرم بغير ما أنزل، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه بالتلقي والطاعة إلى الله.

*والذي ينادي بوجوب إفطار العمال في رمضان؛ لأن الصيام يضر بالإنتاج المادي يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة رباً يعبده من دون الله؛ لأنه يطيعه مخالفاً أمر الله .

*والذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقي وباسم التحرر، يتخذ التقدم والرقي والتحرر في الحقيقة أرباباً معبودة من دون الله؛ لأنه يحل باسمها ما حرم الله ويطيعها من دون الله.

*والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل الأحكام الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض، لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أرباباً معبودة من دون الله ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأن الغرب وتقاليده أثقل في حسه من أوامر الله، وأولى بالاتباع والطاعة من أوامر الله.

2. الشرك الأصغر:

* تعريفه : هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة ووسيلة إلى الشرك الأكبر، وجاء في النصوص تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.

*حكمه : هو شرك يتنافى مع كمال التوحيد ، ولا يخرج صاحبه من الإيمان ولكنه معصية من أكبر المعاصي ، لما فيه من تسوية غير الله بالله في هيئة العمل.

*الأمثلة عليه:

أ . الرياء اليسير: وهو أن يفعل الشيء يقصد به رؤية الخلق ومدحهم، فلا يكون عمله خالصاً لوجه الله تعالى.

قال - عز وجل - في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)، رواه مسلم.

ب - الحلف بغير الله: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)، رواه أبوداود وأحمد.

ج - الشرك في الألفاظ: كقول الرجل "ما شاء الله وشئت "، و"هذه من الله ومنك"، و"أنا بالله وبك".

وقد قال النبي "صلى الله عليه وسلم" لمن قال له: "ماشاء الله وشئت": (أجعلتني لله نداً، بل ماشاء الله وحده)، رواه النسائي في عمل اليوم والليلة.

يوسف التازي
21-01-15, 02:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الله جلت أسمائه،وتقدس في العلى ذاته،وأصلي على نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً:
أما بعد:

فهذا شيء من تبيان الأئمة الأحنــاف،في معنى الشرك وصوره،وفيه بيان جهلِ الجُهال المضلين،الذين لا يفقهون،وبغير علم يتكلمون،وهو الأمر الذي دونهُ وسطرهُ الشيخ محمد سلطان المعصومي الحنفي رحمه الله في كتابهِ [المشــاهدات المعصومية عند قبر خير البرية] فقد قال:
"اعلم أن المسلمين منذ وُسّد أمرهم إلى غير أهله من أهل الجهل والهوى والأغراض الفاسدة،غيروا شرع الله،وخالفوا سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وسلم،وسنة الخلفــاء الراشدين؛فاتباعاً للهوى،و هوساً وتخيلاً للسياسة النفسية،قد قلدوا النصارى في كل الشئون عقيدة وعملاً ..."إلى آخر كلامه رحمه الله..
وقد وقع الشرك ووسائله في كثير من الفرق والطوائف وكان بعضها تشبهاً كما قال الشيخ بالنصارى وغيرهم،فالرافضة وقعوا بالشرك من جرا عقائدهم الضالة المجوسية وما زيد عليهم تجميعاً ومشابهةً لليهود من مؤسسها عبدالله بن سبأ وكذلك غيرهم ممن يقلد النصارى في تشيّد القبور وتعظيمها ورفعها،والرسول عليه السلام أوصى علي بن أبي طالب بأن لا يرى قبراً مشرفاً إلا سواه بالأرض،فأنظر يا عبدالله مدخلاً للشرك ألا وهو الغلو ورفع القبور وإقامة المساجد عليها..

والآن نقف مع كلام الأئمة في الشرك وبيانه:

فقد قال الإمام أحمد الرومي الحنفي والشيخ سجان بخش الهندي الحنفي ستة أقسام للشرك منه "شرك التقريب وهو عبادة غير الله للتقرب إلى الله" كتاب مجالس الأسرار على خزينة الأسرار 150-152.
ودليل على ذلك قولهُ تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} .
وذكر ولي الله الدهلوي الحنفي عدة أقسـام للشرك وهي:
"1- الشرك في السجود.
2- الشرك في الاستعانة.
3- الشرك في النذر
4- الشرك في التسمية.
5- الشرك في الطاعة في التحريم والتحليل.
6- الشرك في الذبح.
7- تسيب السوائب والبحائر.
8- الشرك في الحلف.
9- الشرك في الحج لغير الله" كتاب حجة الله البالغة 1/543.
وأما الأدلة على ما سبق:
1- الشرك في السجود:كما في قوله تعالى: {فاسجدوا لله واعبدوا}.
2- الشرك في الاستعانة:لقول الله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وسلم: ((وإذا استعنت فاستعن بالله)) .
3- الشرك في النذر:والدليل قول الله تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً}.
4- الشرك في التسمية:ولا تأكلوا مما يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} ،وقوله: {إنما حرم عليكم الميتة ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله}ويحتمل أن يراد به تسمية المولود لغير الله كما يقال عبدالحارث وعبدالعزى {فلما آتاهما صالحاً جعلا لهُ شركاء فيما آتاهما}.
5- الشرك في الطاعة في التحريم والتحليل: {واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا الله هو سبحانه عما يشركون} وكما في تفسيرها عند الترمذي وغيره في نقاش النبي عليه السلام مع عدي بن حاتم: ((ألم يحلو لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فاتبعوهم؟ )) قال بلى. قال: ((فتلك عبادتهم إياهم)) ،وهو مثل الواقع لكثير من أهل الأهواء حينما يحلون لأنفسهم الحرام ويحرمون الحلال،كمن حرم زينة الله تحريماً لا زهداً،ومن حرم أكل نوع من الأكل،وهذا في الصوفية شيءٌ منه. وهو كلام ابن الجوز رحمه الله حين قال: "ومنهم أقوام عملوا سنناً لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت.
ومنهم من أكب على سماع الغناء والرقص واللعب ثم انقسم هؤلاء،فمنهم من يدعي العشق فيه،ومنهم من يقول بالحلول ...إلى آخر كلامه رحمه الله"
6- الشرك في الذبح: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} وقوله عز من قائل عليماً: {فصل لربك وانحر}
7- تسيب السوائب والبحائر: لقوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب}
8- الشرك في الحلف:هذا إذا كان معتقداً في المحلوف به شيئاً من الكمال والعظمة لا تنبغي إلا الله،وإلا فإن الحلف باللسان فقط شرك أصغر ولا يخرج من الملة.والدليل على أن هذا العمل شرك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الله عليه وسلم ((من حلف بغير الله فقد كفر)) وفي رواية ((من حلف بغير الله فقد أشرك)).
وجاء عن الإمام أبو حنيفة النهي عن الحلف بغير الله فقد قال أبو حنيفة النعمان رحمه الله: "لا يحلف إلا بالله متجرداً بالتوحيد والإخلاص" بدائع الصنائع3/8.
وقال ابن نجم الحنفي عمن حلف بغير الله: "ويخــاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك" البحر الرائق5/124.
9- الشرك في الحج لغير الله: لقوله تعالى: {ولله حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} وأنظر واقع أهل الأهواء والفرق الضالة والنحل التائهة عن التوحيد كالرافضة ومشاهد وقبور أئمتهم،والصوفية وقبور أوليائهم يزعمون،وغيرهم من أمم الضلال والهلكة ومن وقع بالشرك منهم لا يعد،فإن تعظيم القبور وسيلة من وسائل الشرك فإن اعتقد ودعاء فقد أشرك.


وذكر الشاه محمد بن إسماعيل الحنفي عدة أقسـام للشرك وهي:
1- الشرك بدعاء الأولياء والاستغاثة بهم.
2- الشرك بالنذر والذبح للأولياء.
3- الشرك بالاستعانة بالأولياء.
4- الشرك في التسمية بأن ينسيب الأولاد إلى الأولياء بمعنى أنهم من عطاء غير الله وهبة غير الله كنحو عبدالنبي،وهبة علي،هبة حسين،هبة المرشد،هبة المدار،هبة سالار وذلك طمعاً في رد البلاء عنهم.
5- الحلف بغير الله.
6- إرسال الظفيرة لغير الله باسم ولي من أولياء الله.
7- إلباس الولد لباساً خاصاً باسم الولي.
8- صفد الابن بقيد في رجله باسم ولي من أولياء الله.
9- السجود لغير الله.
10- اعتقاد علم الغيب لغير الله.
11- إثبات قدرة التصرف لغير الله.
ثم قال بعد ذلك: "كل ذلك يثبت به الشـــــــــــــــــرك ويصبح الإنســـــان به مشركـــــــاً" أنظر رسالته تقوية الإيمان19/21(أردوا) ورسـالة التوحيد للندوي 25/33.

والكلام في هذا يطول..
وكلام العلماء الأحنــــاف كثير..وأردت فقط التمثيل لا الحصر..

وإليك بعض من مقالات الأئمة في التحذير وتبيان الشرك:
فأكتفي ببعض الأمثلة:
فقد جاء عن الإمام الشافعي وأتباعهُ النهي عن ما هو من وسائل الشرك كتجصيص القوبر وتعليتها،والبناء عليها،والكتابة عليها وإسراجها،واتخاذها مساجد،والصلاة إليها،واستقبلها للدعاء والطواف بها،والقعود عليها،وتقبيلها ومسحها باليد،وأن يضرب عليها مظلة،أو أن والله وحياتك أو يقول ما شاء الله وشئت. وإذا أردت مزيد بسط في كلام الشافعية فعد إلى كتاب الأم للشافعي وتنبيه الغافلين للدمشقي،والمجموع،والمهذب،والسراج الوهاج.
ومن نماذج الشرك التي حذر منها علماء الشافعية:
جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله وبعض اتباعه النهي عن الشرك الأكبر والأصغر:كالدعاء والاستغاثة بغير الله،والسجود لغير الله،والنذر لغير الله،والذبح لغير الله،أو اعتقاد أن أحداً يعلم الغيب،والحلفبغير الله،وقول ما شاء الله وشئت،واعتقاد أن السحر لهُ تأثير بذاته.
وإذا أردت معرفة موقف علماء الشافعية فانظر الإعلام بقواطع الإسلام 98 كمثال.

ولا أريد أن أطيل أكثر من هذا ولكن أُرشدك إلى رسالة للشيخ المالكي مبارك الميلي رحمه الله في "رســـــــالة الشرك ومظاهره" وكتاب "الحوادث والبدع للطرطوشي المالكي،وكتاب "مرآة الضلالات" للشيخ الزبيدي التونسي المالكي.وكتاب "التوحيد" و"مسائل الجاهلية" و"كشف الشبهات" للشيخ محمد بن عبدالوهاب الحنبلي،و"فتح المجيد"لعبدالرحمن بن حسن الحنبلي،و "كتاب التوحيد" لصالح الفوزان الحنبلي،و"المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية" لمحمد المعصومي الحنفي،وغيرها من الكتب الأمهات التي تجدها في كتب المذهب ..

وهذا يدل على أن من قال أن الشرك لا يعرض للأمة ولا تلحق قبائل بالمشركين،وأن الرسول لم يخشى على الأمة من الشرك،بأنه ضال مضل أفاكٌ أثيم،وهو ليس من أهل السنة بلا شك ولا من اتباع المذاهب الأربعة بل هو مبتدع من فرق الضلال،إن لم تخرج خطاه في ظلمات الشرك،والواجب التوبة والأوبة من هذا،ومحو الحوبة،والله يجزي بالسيئة بعد التوبة الحسنة،ويضاعف الحسنات لمن يشاء،وباب التوبة مفتوح.

وإن كان [جــــــاهلاً] فعليه بالتوبة،ومسك لسانه،وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم،وكم كلمةٍ قالت لصاحبها دعني،وكم كلمة خرجت من فيّ إنان لم يلقي لها بالاً هو بها في نار جهنم!!
فالحذر الحذر من التقدم بين يدي الله ورسوله،والأعلام والأئمة معروفون..إنهم العلماء الربانيين لا أحاب الخرفات،ومن بدأنا بهم في تحذير المعصومي الحنفي منهم.
والله الهادي،ولن تهدي من أحبت ولكن الله يهدي من يشاء..اسألهُ أن يكون في هذا بياناً وشفاءً للسقام!!

منقول

يوسف التازي
21-01-15, 05:16 PM
حكم التعلق بالأولياء


نرجو توضيح حكم التعلق بالأولياء وعبادتهم والتحذير منها والتنبيه عليها؟

الجواب :

الأولياء هم المؤمنون وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم بإحسان، وهم أهل التقوى والإيمان، وهم المطيعون لله ولرسوله، فكل هؤلاء هم الأولياء سواء كانوا عربا أو عجما بيضا أو سودا أغنياء أو فقراء حكاما أو محكومين رجالا أو نساء


لقول الله سبحانه وتعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[1]


فهؤلاء هم أولياء الله الذين أطاعوا الله ورسوله واتقوا غضبه فأدوا حقه وابتعدوا عما نهوا عنه،


فهؤلاء هم الأولياء وهم المذكورون في قول الله تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ[2] الآية.


وليسوا أهل الشعوذة ودعوى الخوارق الشيطانية والكرامات المكذوبة، وإنما هم المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لأمر الله ورسوله كما تقدم، سواء حصلوا على كرامة أو لم يحصلوا عليها.


وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم أتقى الناس وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، ولم يحصل لأكثرهم الخوارق التي يسمونها كرامات لما عندهم من الإيمان والتقوى والعلم بالله وبدينه، لذا أغناهم الله بذلك عن الكرامات.


وقد قال سبحانه في حق الملائكة: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ[3]،


فلا يجوز لأحد أن يعبد الرسل أو الملائكة أو غيرهم من الأولياء، ولا ينذر لهم ولا يذبح لهم ولا يسألهم شفاء المرضى أو النصر على الأعداء أو غير ذلك من أنواع العبادة؛

لقول الله تعالى:

وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[4]،

وقوله سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ[5]


والمعنى أمر ووصى، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[6] الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة،


وهكذا لا يجوز الطواف بقبور الأولياء ولا غيرهم؛ لأن الطواف يختص بالكعبة المشرفة، ولا يجوز الطواف بغيرها، ومن طاف بالقبور يتقرب إلى أهلها بذلك فقد أشرك كما لو صلى لهم أو استغاث بهم أو ذبح لهم،


لقول الله عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[7].


أما سؤال المخلوق الحي القادر الحاضر للاستعانة به فيما يقدر عليه فليس من الشرك، بل ذلك جائز

كقول الله عز وجل في قصة موسى عليه الصلاة والسلام: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ[8]،

ولعموم قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[9]،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))،

والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهو أمر مجمع عليه بين المسلمين. والله ولي التوفيق.

[1] سورة يونس الآيتان 62 – 63.[2] سورة الأنفال الآية 34.[3] سورة الأنبياء الآيات 27 – 29.[4] سورة الجن الآية 18.[5] سورة الإسراء الآية 23.[6] سورة البينة الآية 5.[7] سورة الأنعام الآيتان 162 – 163.[8] سورة القصص الآية 15.[9] سورة المائدة الآية 2.


للشيخ ابن باز رحمه الله

يوسف التازي
21-01-15, 07:24 PM
2 : ما حكم من مات على الشرك وهو لا يعلم أنه من الشرك؟
ج 2 : من مات على الشرك فهو على خطر عظيم لقول الله سبحانه : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ وقال تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وقال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ

فهذا وعيدهم ومصيرهم كسائر الكفرة الكفر الأكبر ، وحكمهم في الدنيا أنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين ، أما إن كان أحد منهم لم تبلغه الدعوة- أعني القرآن والسنة- فهذا أمره إلى الله سبحانه يوم القيامة كسائر أهل الفترة ، والأرجح عند أهل العلم في ذلك في حكمهم أنهم يمتحنون يوم القيامة ، فمن أجاب دخل الجنة ومن عصى دخل النار.

وقد بسط الكلام في ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في آخر كتابه " في طريق الهجرتين " . حيث قال : " ( المذهب الثامن ) أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول الله وإلى كل من لم تبلغه الدعوة فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار ، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار ، وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها " . أما إن كان أحد منهم عنده جهل فيما وقع فيه من الشرك فأمره إلى الله جل وعلا ، والحكم على الظاهر ، فمن كان ظاهره الشرك حكمه حكم المشركين وأمره إلى الله جل وعلا الذي يعلم كل شيء سبحانه وتعالى . فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى

يوسف التازي
21-01-15, 09:13 PM
الحمد لله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد :

فمسألة الاستغاثة بالأموات والغائبين من الأنبياء والأولياء والصالحين ،
من المسائل التي كثر فيها النزاع في العصور المتأخرة ، بين مانع يراها ضربا من الشرك والوثنية ، ومبيح يراها من أفضل القرب لدى رب البرية .ولا شك أن القرآن الكريم لم يغفل هذه القضية ،ولم يسكت عن بيان حكم هذه البلية ، كيف وغاية مقصده بيان التوحيد ودعوة الناس إليه ، وكشف الشرك وتنفير الناس منه وعامة من ضل في هذا الباب إنما أتي من قبل إعراضه عن نور القرآن ، وإقباله على ذبالات الأذهان ، وخرافات الأحبار والرهبان ، المعتمدين على منطق اليونان .
الموحد











التوقيع :

وعـج عن طريق الرفض فهو مؤسـس على الكفر تأسـيساً على جُـرُفٍ هــار
هـما خـطـتا : إمـا هـدىً وســعادة وإمـا شـقاءً مـع ضــلالـة كفــار
فـأي فـريـقـيـنا أحـق بـأمـنـه وأهـدى ســبيلاً عندمـا يحكـم البــار
أمـن سـبّ أصـحاب الرسـول وخـالف الكـتاب ولـم يعـبأ بـثابـت أخبــار
أم المـقـتدي بالوحـي يسـلك مـنهـج الصحـابة مـع حب القـرابة الأطـهار

من مواضيعي في المنتدى
»» _ عـقــائــد فـاســـدة _
»» دعوة العلماء والباحثين إلى ضرورة طرح التفصيل حال الإجابات
»» إستبيان لماذا سيثور عوام الروافض على العمائم؟
»» وحدانية الله وجامع لدروس التوحيد
»» أثر التشييع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري




أحمــــد
مشاهدة ملفه الشخصي

28-07-03, 10:14 AM رقم المشاركة : 2
أحمــــد
عضو فضي
















وهذا بحث مختصر ليس لي فيه إلا جمع الأقوال ، وترتيب النقول ، فعسى أن ينفع الله به كاتبه وقارئه ، وأن يجعله ذخرا لي يوم الحساب .
وقبل الشروع في مقصود البحث لا بد من عرض مقدمات ضرورية ، أرى التقصير في عرضها سببا لاتساع رقعة الخلاف ، وكثرة القيل والقال .
وإذا ما اتفق الجميع على هذه المقدمات أمكن الاتفاق على المسألة محل النزاع .



المسألة الأولى :
هل كان المشركون الأولون مقرين لله بالربوبية ؟
هل أثبتوا خالقا ورازقا ومدبرا لهذا الكون غير الله رب البرية ؟
وسيتفرع عن هذه المسألة مسائل ، تذكر تباعا إن شاء الله .
والذي يدفعني إلى إثارة هذه القضية التي تبدو من البدهيات الواضحات : أني رأيت بعض من كتب في مسألة الاستغاثة ، ينكر هذه القضية ، ويزعم أن المشركين لم يفردوا الله بالخالقية والرازقية .
فإليك البيان ، وأبدأ بذكر آيات مشهورة معلومة للجميع ، مرتبة حسب ترتيب المصحف ، مفسرة من كلام أئمة التفسير المتفق على إمامتهم وجلالتهم .
فاللهم وفق وسدد وأعن .
أولا:
قوله تعالى : " قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ومن يدبر الأمر ، فسيقولون الله . فقل أفلا تتقون " يونس :31
قال الامام البغوي (ت:516 ه) في تفسيره: "(فسيقولون الله ) هو الذي يفعل هذه الأشياء (فقل افلا تتقون ) أفلا تخافون عقابه في شرككم . وقيل : أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار. (فذلكم الله ربكم ) الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم ( الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) أي فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به ." اه
وقال الامام الرازي في تفسيره (17/70 (
" ثم بين تعالى إن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون انه الله سبحانه وتعالى ، وهذا يدل على إن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به ، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى ، وانهم شفعاؤنا عند الله ، وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر" انتهى
قلت : احفظ هذا الموضع فسنرجع إليه.
وقال الإمام ابن كثير (ت:774 ه ) في تفسيره :
" يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته ، على وحدانية الآلهة ، فقال تعالى ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقا بقدرته ومشيئته ، (ومن يدبر الأمر) أي من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ... فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه ، عبيد له خاضعون لديه (فسيقولون الله) أي هم يعلمون ذلك ويعترفون به
(فقل أفلا تتقون ) أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم .
وقوله (فذلكم الله ربكم الحق ) الآية ، أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ، ( فأنى تصرفون ) أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة من سواه ، وانتم تعلمون انه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء .
وقوله (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا) الآية ، أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره ، مع انهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده ، فلهذا حقت عليهم كلمة الله انهم أشقياء من ساكني النار" انتهى .
فهذا إفراد لله بالخلق والرزق وهبة السمع والبصر وإخراج الحي من الميت والعكس وتدبير الأمر . فانتبه .

يوسف التازي
21-01-15, 09:13 PM
ثانيا :
قوله تعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " يوسف : 106
قال الإمام البغوي :
" فكان إيمانهم إذا سئلوا من خلق السموات والأرض ؟ قالوا الله ، وإذا قيل لهم من ينزل المطر ؟ قالوا الله ، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون" ثم ذكر قول ابن عباس وعطاء ، ويأتي.
وقال الإمام ابن الجوزي ( 508 – 597 ) ، في زاد المسير
” فيهم ثلاثة أقوال : احدها : انهم المشركون ، ثم في معناها المتعلق بهم قولان : أحدهما: أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم ، وهم يشركون به ، رواه صالح عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة .
والثاني :أنها نزلت في تلبية مشركي العرب ، كانوا يقولون : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . رواه الضحاك عن ابن عباس" انتهى .
وقال الامام القرطبي ( ت : 671 ) في تفسيره 9 / 272
"نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها ، وهم يعبدون الأوثان ، قاله الحسن ومجاهد وعامر والشعبي وأكثر المفسرين.
وقال عكرمة : هو قوله ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا ....
وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء . بيانه ( وظنوا أنهم أحيط بهم ) الآية ، وفي آية أخرى ( وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ).
وقيل معناها : انهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة فإذا أنجاهم قال قائلهم : لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا اللص ، قلت : وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ." انتهى
وقال ابن كثير بعد نقل كلام ابن عباس :
" وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وفي الصحيحين (إن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) وفي صحيح مسلم (إنهم كانوا إذا قالوا لبيك لا شريك لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قد قد ) أي حسب حسب لا تزيدوا على هذا ، وقال الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع الله غيره" انتهى

فهاهم يحجون لله ! فهل يشك أحد في إقرارهم بالخالق ، بل وفي تقديم عبادات له ؟!
وهاهم يعترفون بأن جميع آلهتهم مملوكة لله ( تملكه وما ملك ) فهل يقول مسلم بعد ذلك: انهم أشركوا لاعتقادهم أنها آلهة مساوية لله ، تنفع وتضر بذاتها.
ولا تعجل بالإنكار على ما تقدم مستدلا بقوله تعالى: (إذ نسويكم برب العالمين ) فسيأتيك معناه واعلم أن القرآن من عند الله والقرآن لا يتناقض ، ولله الحمد .

يوسف التازي
21-01-15, 09:14 PM
ثالثا :
قوله تعالى : " قل لمن الأرض ومن عليها إن كنتم تعلمون . سيقولون لله . قل أفلا تذكرون . قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم . سيقولون لله . قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون . سيقولون لله . قل فأنى تسحرون "
المؤمنون : 84 – 89
فهل تحتاج هذه الآيات الى تفسير ؟!
صدق الله ، وكذب المبطلون .
قال الإمام ابن جرير الطبري يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا مـحمد لهؤلاء الـمكذبـين بـالآخرة من قومك: لـمن ملك الأرض ومن فـيها من الـخـلق إن كنتـم تعلـمون مَنْ مالكها؟
ثم أعلـمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره. قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك: أفلا تذكرون فتعلـمون أن من قدر علـى خـلق ذلك ابتداء فهو قادر علـى إحيائهم بعد مـماتهم وإعادتهم خـلقا سويًّا بعد فنائهم) انتهى
وقال الإمام ابن كثير -وانتبه جيدا لما يقول-:
" ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية وانه لا شريك له فيها ، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه ، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا ولا يملكون شيئا ولا يستبدون بشيء ، بل اعتقدوا انهم يقربونهم إليه زلفى ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فقال ( قل لمن الأرض ومن فيها ) ...سيقولون لله ) أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له ، فإذا كان ذلك ( قل أفلا تذكرون ) انه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره.( قل فأنى تسحرون ) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك . ) انتهى
ما أروعه من كلام !
وسيأتي مزيد توضيح عن حقيقة شركهم ، والدافع إليه ، لنسف شبهة أن الشرك اعتقاد الاستقلال ، أو النفع والضر ، أو اعتقاد شريكين متساويين ، فقط .

يوسف التازي
21-01-15, 09:14 PM
رابعا :
قوله تعالى " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون" . إلى قوله : "ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله . قل الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون " العنكبوت :63
قال الامام الطبري :"يقول تعالـى ذكره: ولئن سألت يا مـحمد هؤلاء الـمشركين بـالله من خـلق السموات والأرض فَسَوّاهن، وسخَّر الشمس والقمر لعبـاده، يجريان دائبـين لـمصالـح خـلق الله؟ لـيقولنّ الذي خـلق ذلك وفَعَلَه الله. ( فأنَّى يُؤْفَكُونَ) يقول جلّ ثناؤه: فأنى يُصْرفون عمن صنع ذلك، فـيعدلون عن إخلاص العبـادة له" انتهى .
وقال البغوي : (3/474 )
" (بل اكثرهم لا يعقلون) ينكرون التوحيد مع إقرارهم أنه الخالق لهذه الاشياء " انتهى.
وقال ابن الجوزي : ( 6/ 283 )
" (ولئن سألتهم ) يعني كفار مكة ، وكانوا يقرون بأنه الخالق والرازق ، وإنما أمره إن يقول ( الحمد لله ) على إقرارهم ؛ لان ذلك يلزمهم الحجة ، فيوجب عليهم التوحيد (بل أكثرهم لا يعقلون) توحيد الله مع إقرارهم بأنه الخالق ، والمراد بالأكثر: الجميع " انتهى .
وقال القرطبي ( 13/ 361 )
" ( ليقولن الله ) أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به ، وتنكرون الإعادة ؟ " انتهى.
وقال ابن كثير ( 3/406 )
" يقول تعالى مقررا أنه لا إله إلا هو ، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار ، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم ، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره ؟ ولم يتوكل على غيره ؟
فكما انه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته ، وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية ، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك ، الا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك " انتهى










أحمــــد
مشاهدة ملفه الشخصي

28-07-03, 10:18 AM رقم المشاركة : 6
أحمــــد
عضو فضي
















خامسا :
قال الله تعالى : " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله . قل الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون " لقمان : 25
قال القرطبي : (14 / 75(

"أي هم يعترفون بأن الله خالقهم فلم يعبدون غيره ." انتهى
وقال ابن كثير ( 3/ 434 )
" يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء المشركين به ، إنهم يعرفون أن الله خالق السموات وحده لا شريك له ، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون انها خلق له وملك له...
( قل الحمد لله ) أي إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم " انتهى
واحفظ هذه الإشارة ( يعترفون أنها خلق له وملك له ) .

يوسف التازي
21-01-15, 09:15 PM
سادسا :
قال تعالى : " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله . قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته . قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون " الزمر : 38
قال ابن جرير :
"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام: مَنْ خلق السموات والأرض؟ ليقولنّ:
الذي خلقهنّ الله . فإذا قالوا ذلك، فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة إنْ أرَادَنِي اللَّهُ بِضُرَ ، يقول: بشدة في معيشتي، هل هنَّ كاشفات عني ما يصيبني به ربي من الضر؟
أوْ أرَادَنِي بِرَحْمَةٍ ، يقول: إن أرادني ربي أن يصيبني سعة في معيشتي، وكثرة مالي، ورخاء وعافية في بدني، هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟
وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه.
والمعنى: فإنهم سيقولون لا، فقل: حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها، إياه أعبد، وإليه أفزع في أموري دون كلّ شيء سواه، فإنه الكافي، وبيده الضرّ والنفع، لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، عَلَيْه يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ يقول: على الله يتوكل من هو متوكل، وبه فليثق لا بغيره." انتهى
وقال القرطبي :
" بين انهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الخالق هو الله ، وإذا كان الله هو الخالق فكيف يخوفونك بآلهتهم التي هي مخلوقة لله تعالى ، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق السموات والأرض ...( أو أرادني برحمة ) نعمة ورخاء ( هل هن ممسكات رحمته )
قال مقاتل : فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا.
وقال غيره : قالوا : لا تدفع شيئا قدره الله ، ولكنها تشفع . فنزلت قل حسبي الله " انتهى.
قلت : الله اكبر .
لا تدفع شيئا قدره الله ولكنها تشفع .
فأين شرك الاستقلال واعتقاد الربوبية ؟!!
وقال الرازي : (25/282)
" اعلم انه تعالى لما أطنب في وعيد المشركين وفي وعد الموحدين ، عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام ، وبنى هذا التزييف على أصلين :
الأصل الأول : هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم ، وهو المراد بقوله : ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله )
واعلم أن من الناس من قال : إن العلم بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه ، وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم ؛ فإن من تأمل في عجائب أحوال السموات والأرض وفي عجائب أحوال النبات والحيوان خاصة ، وفي عجائب بدن الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة ، علم انه لا بد من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم " انتهى
وقال ابن كثير: " (ليقولن الله ) يعني المشركين ، كانوا يعترفون أن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها ، ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا " انتهى.
قلت : لو اعتقد المشركون في آلهتهم نفعا ذاتيا مستقلا ، لكان لهم جواب على السؤال : (إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ؟..)
بلى ، لهم جواب ، وهي أنها تشفع !!

يوسف التازي
21-01-15, 09:16 PM
سابعا :
قوله تعالى : " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم " الزخرف : 9
قال ابن عطية ( 13/200)
"ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض في أمرهم . وذلك أنهم يقرون أن الخالق الموجد لهم وللسموات والأرض هو الله تعالى ، وهم مع ذلك يعبدون أصناما ويدعونها آلهتهم . " انتهى
وقال القرطبي :
" قوله تعالى ( ولئن سألتهم ) يعني المشركين ( من خلق السموات والأرض ليقولن العزيز العليم ) فأقروا له بالخلق والإيجاد ، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم ، وقد مضى في غير موضع " انتهى .
وانظر ابن كثير وغيره


ثامنا :
قوله تعالى : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون " الزخرف : 87
قال الطبري :
"يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: من خلقهم؟ ليقولنّ: اللّهُ خلقنا ، ( فَأنَّى يُؤْفَكُونَ ) فأيّ وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم، ويحرمون إصابة الحقّ في عبادته" انتهى
وقال ابن عطية:
"ثم أظهر تعالى الحجة عليهم من أقوالهم وإقرارهم بأن الله تعالى هو خالقهم وموجدهم بعد العدم ..." انتهى .
وقال القرطبي :
" قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد ان لم يكونوا شيئا ( فأنى يؤفكون ) أي كيف ينقلبون عن عبادته ، وينصرفون عنها ، حتى أشركوا به غيره ، رجاء شفاعتهم له " انتهى
قلت : احفظ هذا الموضع ولا تنساه.( رجاء شفاعتهم له ) لا استقلالا ، ولا خلقا .

يوسف التازي
21-01-15, 09:16 PM
تاسعا :
قوله تعالى : " فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " البقرة : 22
وإنما أخرته لحكمة تقف عليها الآن .
قال الإمام ابن جرير الطبري :
"القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ.
اختلف أهل التأويـل فـي الذين عُنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنـي بها جميع الـمشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب.
وقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الكتابـين: التوراة، والإنـجيـل.
ذكر من قال: عنـي بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفـار أهل الكتابـين:
حدثنا... عن ابن عبـاس، قال: نزل ذلك فـي الفريقـين جميعا من الكفـار والـمنافقـين. وإنـما عَنَى بقوله: فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَادا وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ أي لا تشركوا بـالله غيره من الأنداد التـي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتـم تعلـمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علـمتـم أن الذي يدعوكم إلـيه الرسول من توحيده هو الـحقّ لا شك فـيه.
حدثنا .... عن قتادة فـي قوله: وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ : أي تعلـمون أن الله خـلقكم وخـلق السموات والأرض، ثم تـجعلون له أندادا.
ذكر من قال: عَنَى بذلك أهْلَ الكتابـين:
حدثنا ... عن مـجاهد: فَلا تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَادا وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ : أنه إله واحد فـي التوراة والإنـجيـل.
وحدثنـي ، عن مـجاهد مثله.
وحدثنـي... عن مـجاهد: وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ يقول: وأنتـم تعلـمون أنه لا ندّ له فـي التوراة والإنـجيـل.
قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي دعا مـجاهدا إلـى هذا التأويـل، وإضافة ذلك إلـى أنه خطاب لأهل التوراة والإنـجيـل دون غيرهم، الظنّ منه بـالعرب أنها لـم تكن تعلـم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانـية ربها، وإشراكها معه فـي العبـادة غيره. وإن ذلك لقولٌ ، ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي كتابه عنها أنها كانت تقرّ بوحدانـيته،غير أنها كانت تشرك فـي عبـادته ما كانت تشرك فـيها، فقال جل ثناؤه: ( وَلِئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَـلَقَهُمْ لَـيَقُولُنَّ اللَّهُ ) وقال: ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والأرْضِ أمْ مَنْ يَـمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيِّتِ ويُخْرِجُ الـمَيِّتَ مِنَ الـحَيَّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ).
فـالذي هو أولـى بتأويـل قوله: وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ إذ كان ما كان عند العرب من العلـم بوحدانـية الله، وأنه مبدع الـخـلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابـين. ولـم يكن فـي الآية دلالة علـى أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ أحد الـحزبـين، بل مخرج الـخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تـحدّى الناس كلهم بقوله: يا أيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ : أن يكون تأويـله ما قاله ابن عبـاس وقتادة، من أنه يعنـي بذلك كل مكلف عالـم بوحدانـية الله، وأنه لا شريك له فـي خـلقه يشرك معه فـي عبـادته غيره، كائنا من كان من الناس، عربـيا كان أو أعجميا، كاتبـا أو أميا، وإن كان الـخطاب لكفـار أهل الكتاب الذين كانوا حوالـي دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفـاق منهم ومـمن بـين ظهرانـيهم مـمن كان مشركا فـانتقل إلـى النفـاق بـمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم " انتهى .
فانتبه إلى هذا الكلام العظيم ، لا سيما قوله انه خطاب عام للناس كافة ، لكل من يؤمن بالله ثم يشرك معه غيره في العبادة .
لكني أقول والله اعلم : إننا لا نظن في مجاهد انه قال ما قال لا جل ذلك ، فقد سبق تفسيره لقوله تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) وأنه موافق لابن عباس بأنها في المشركين ، يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به .
بل العجيب إن الطبري نقل كلام مجاهد في تفسير الآية المشار إليها قال " حدثني ... عن مجاهد ( إيمانهم قولهم الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا ، هذا ايمان مع شرك ، عبادتهم غيره ) انتهى من الطبري لعله خص أهل الكتاب بذلك ، لكون الآية مدنية ، أو غير ذلك ، والله اعلم.

يوسف التازي
21-01-15, 09:17 PM
ومن باب الفائدة أنقل كلام بعض الأئمة من غير المفسرين

أولا : الإمام ملا علي القاري
قال في شرح الفقه الأكبر ص 16
"وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود ، ففي التنزيل: ( قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض ) ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ).
فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ويومئ إليه حديث : " كل مولود يولد على فطرة الإسلام ".وإنما جاء الأنبياء عليهم السلام لبيان التوحيد وتبيان التفريد ، ولذا أطبقت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة لا إله إلا الله ، ولم يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا : الله موجود ، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ، ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد. " انتهى.
فاحفظ هذا الكلام ، والخبير يعرف من المقصود برد الإمام .

ثانيا : وقال على القاري ايضا: في شرح الشفا للقاضي عياض (2/528)
تعليقا على ما نقله القاضي عن الباقلاني أن الإيمان بالله هو العلم بوجوده ، قال :
” وما يتعلق به من توحيد ذاته ، وإلا فمجرد العلم بوجوده حاصل لعامة خلقه ، كما قال الله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) وإنما أنكر وجوده سبحانه طائفة من الدهرية والمعطلة " انتهى.

ولست بحاجة إلى نقل كلام ابن تيمية وابن القيم والآلوسي والشوكاني والصنعاني والقاسمي والشنقيطي والسعدي ، ولا كلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده .
ولله الحمد والمنة .

يوسف التازي
21-01-15, 09:17 PM
تحذير :

احذر أخي أن تخالف أمرا ثابتا بالقرآن الكريم نحو هذا الثبوت المقطوع به فيما تقدم.
يقول القاضي عياض في الشفا ( 2 / 549 ) مع شرح القاري
"أو كذب به ، أي بالقرآن جميعه أو بشيء منه ... (أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك ) أي دون نسيان أو خطأ ( أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم ) قاطبة ( بإجماع ) لا خلاف فيه" انتهى.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى .

فهاهو أحدهم يقول : ( هذه الآيات صريحة في إنكار المشركين للخالق سبحانه وتعالى ، فدل انهم كانوا مشركين في خالقية الله تعالى ) !
وآخر يقول : (فإذا ليس عند هؤلاء الكفار توحيد الربوبية كما قال ابن تيمية )!
والسؤال : هل المفسرون السابق ذكرهم من تلاميذ ابن تيمية ! الطبري والقرطبي وابن عطية ، والرازي وابن الجوزي ... !؟
وثالث منهم يقول : (وإني لأعجب من تفريقهم بين توحيد الألوهية والربوبية ، وجعل المشركين موحدين توحيد الربوبية ) .
ورابع يقول : ( ثم انه سبحانه حكم بشركهم لاتخاذهم تلك الأصنام شريكا لله في الخلق و تدبير العالم ، وجوزوا عبادتها خلافا لله تعالى ).
تأمل : ( في الخلق وتدبير العالم )!
(ومن يدبر الامر فسيقولون الله )
)قل من بيده ملكوت كل شيء ...سيقولون لله )
لكن ...
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.


منقول

يوسف التازي
22-01-15, 01:30 PM
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،،،

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وله الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين، والذين تبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

يقول أبو عبد الله، شمس الدين بن محمد أشرف الأفغاني السلطاني المدني السلفي - غفر الله له ورحمه وحفظه -: إنه لا يخفى أن الله عزَّ وجلَّ قد أختار لعباده دين الإسلام، دين الصدق والعدل؛ كما قال سبحانه: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3] وقال جل وعلا: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] وأساس هذا الدين القيم هو توحيد الله تعالى، وعبادته وحده لا شريك له.

ولكن، القبورية ناقضوا هل الأصل؛ فهدموا الإسلام من أساسه.

أعادوا بها معنى سواعٍ ومثلهُ + يغوثُ وَوَدٌّ بئسَ ذلك من ودِّ
وقدْ هتفُوا عندَ الشدائدِ باسمها + كما يهتفُ المشطرُّ بالواحدِ الصمدِ
وكم نحروا في سُوحِها من بحيرةٍ + أهلَّت لغيرِ الله جهلاً على عمدِ
وكم طائفٍ عند القبورِ مُقبلٍ + ويلتمسُ الأركانَ منهنَّ بالأيدي

فحين عربت كتب الفلاسفة اليونانية القبورية الوثنية، وعكف عليها كثير ممن تفلسفوا في الإسلام، أمثال الفارابي الكافر، وابن سينا القرمطي، ونصير الكفر والشرك الطوسي، وسايرهم كثير من المتكلمين من الماتريدية، والأشعرية الكلابية بسبب العكوف على كتبهم الفلسفية، فتأثروا بعقائدهم القبورية، حتى صاروا دعاة إلى القبورية والجهمية في آن واحد، من أمثال: التفتازاني فيلسوف الماتريدية والقبورية، والجرجاني الصوفي الخرافي الكلامي. وقد عرف هؤلاء الملاحدة الزنادقة بالصوفية الحلولية والاتحادية القبورية الخرافية؛ أمثال الحلاج، وابن الفارض، وابن العربي، وابن سبعين، والمولوي الرومي صاحب الثنوي، والقونوي، والتلمساني، وخواجه نقشبند إمام النقشبندية، وعبد الكريم الجيلي، والجامي، والشعراني، والنابلسي. فمن هؤلاء عدداً ممن ينتسب لمذهب الإمام أبو حنيفة النعمان - رضي الله عنه -؛ فالحنفية مع كثر عددهم، كثرة الفرق المبتدعة فيهم، وكثرة الملوك والأمراء والقضاة القبورية فيهم، ثم المالكية والشافعية ونزر قليل من الحنابلة؛ مع أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الإسلام براء من قبوريتهم.

والقبورية فرق كثيرة، ولكنها متفاوته في دركاتها القبورية من حيث الغلو، ومتباينة في الأسماء من حيث انتمائهم إلى الأشخاص والمدارس؛ فبعضهم وثنية أقحاح، وبعضهم يعتقد بعض العقائد القبورية الشركية، وبعضهم متأثر ببعض البدع القبورية. وهذه الفرق متمثلة في الشيعة بجميع فرقهم، والصوفية الحلولية والاتحادية، التي هم غلاة القبورية الوثنية، والقادرية، والرفاعية، والشاذلية المغربية المصرية، والميرغنية، والجلوتية، والخلوتية، والمدارية الهندية، والجشتية الأفغانية الهندية، والسهروردية، والمولوية المثنوية الرومية الفارسية الأفغانية التركية الهندية، والبدوية السطوحية المصرية، والنقشبندية الفارسية التركية الأفغانية الهندية، والمجددية الهندية الأفغانية التركية، والتاجانية الأفريقية المغربية، إلى غيرها من طرق الصوفية القبورية. وأكثر المتفلسفة المعطلة المنطقية، وكثير من المتكلمة الجهمية؛ كبعض الماتريدية، وبعض الأشعرية الكلابية، والبريلوية الهندية الباكستانية الأفغانية، والكوثرية التركية المصرية السورية الهندية الباكستانية، وكثير الديوبندية، وكثير من التبليغية، وغيرهم من فرق القبورية. [جهود العلماء الحنفية ج1 ص23-29 بتصرف]

فهؤلاء الذين أخذوا يتوسلون بالقبور، انحرفوا عن أهم أبواب الإيمان والإسلام، ألا وهو باب العقيدة في توحيد الألوهية، وهذا الانحراف انحرافاً عن التوحيد الخالص إلى الشرك الأكبر؛ ليس أمراً سهلاً هيناً في الإسلام، بل هو ضلال وإضلال في صميم هذا الدين المتين، بل خروج عن الملة الإسلامية وارتداد عن دين الإسلام، بعد إتمام الحجة وإيضاح المحجة.



إن منزلة العقيدة في الإسلام كمنزلة الأساس للمبنى، فكما أن فساد الأساس يستلزم فساد المبنى وصحته تستلزم صحة المبنى، كذلك الشأن للعقيدة بالنسبة إلى الأحكام العملية ولذلك نرى أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح البشر جميعاً.

فكان الرسل عليهم السلام يهتمون بإصلاح العقيدة قبل إصلاح الأعمال، وهذا هو نهج سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة، فقد تميزت بداية دعوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى التوحيد وعبادة الله بشكل كبير وذلك لترسيخ عقيدة التوحيد، أما في آخر دعوته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان مركزاً في تبيان العبادات والمعاملات، والحدود، والجهاد، والسِّلْم، والحرب، ونظام الأسرة، وقواعد الحكم، وغيرها من وسائل التشريع.

وفساد العقيدة بالإخلال بالتوحيد وارتكاب الشرك يحبط الأعمال كلها، ويجعلها هباء منثوراً، لقول الله تعالى {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام:88] وقوله {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة:17]، ومن أنواع الشرك هو التوسل البدعي الممنوع، كزيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم وهذا منكر وشرك أكبر ويلتحق بذلك أن يزوروها للدعاء عندها والصلاة عندها - عدا صلاة الجنازة - والقراءة عندها وهذا لا أصل له في الدين، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولا من عمل السلف الصالح، وهو التقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه ولا يرضاه، وبما لم يأذن به من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات.

يجب أن يعبد الله بإخلاص، ولا يراد بالعبادة إلا الله، ولا يتقرب إلى أحد سواه، لقوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} [الإسراء: 56-57] ومن يعبد الله وحده يحقق قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] ولا يتحقق التوحيد بعبادة الله وحدة، ما لم يستعين العبد بالله وحدة، ليحقق قوله تعالى {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

أن مسألة التوسل بالقبور أو بالأموات، مسألة واضحة جلية، وهي ليست من المتشابهات. فسؤال الله تبارك وتعالى بجاه أحدٍ من خلقه أو سؤال الله تعالى بحق نبِّيه أو بحقِ أحدٍ من عباده توسل بدعي ممنوع، وهذا شرك أكبر. لأن هذا النوع من التوسل؛ لم يرد في كتاب الله عزَّ وجلَّ ولا في سنة نبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والتي قال عنها سلمان الفراسي - رضي الله عنه - حين قيل له: قد علمكم نبيكم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كل شيءٍ حتى الخراءة. قال - رضي الله عنه-: أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط، أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع، أو بعظم. [رواه مسلم] ولم يرد أيضاً في فعل أصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - الذين نقلوا لنا كل أقوال وأحوال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا رواه علماء الحديث الذين عرفوا سنته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ونقلوا أخباره وآثاره بكل دقة.

فالذي أمر به الإسلام هو سؤال الله تعالى بأسمائه الحسنى وبصفاته العُلى؛ امتثالاً لقول الله تبارك وتعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 80] فلا يجوز لنا نحن المسلمين أن نتقرب إلى الله سبحانه؛ إلا بما شرع لنا، قال الله تبارك وتعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21]

قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186] ولهذه الآية شأن عظيم، فطلب استخبار في هذه الآية ليست كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} أو قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ} أو قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أو قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}أو قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} أو قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ} أو قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أو قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أو قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أو قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} أو قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}

نلاحظ إن في هذه الآيات، فيها طلب استخبار بأمر ما، وكان ابتداء الجواب في جميع الآيات بـ{قُلْ} وواحدة بـ{فَقُلْ} وهذا إن دل على شيء دل على إن هناك وسيط بين الرب وعبادة في الإخبار بالوحي والأحكام والقصص، والوسيط هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ولكن، في قوله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} لم يقل سبحانه وتعالى بعد طلب الاستخبار في هذه الآية بـ{قُلْ}، بل قال: {فَإِنِّي}، ونفهم من استخدام هذه الكلمة، بالتأكيد على قرب الله من عبادة، فحرف الفاء وقع في جواب الشرط {إِذَا}، و{إِنَّ} حرف توكيد ونفي الإنكار والشكَّ. وكأن الله جلَّ وعلا يؤكد تأكيداً نفياً للشك والإنكار بأنه قريب من عباده من دون وسيط، فهو مع علوه على خلقه واستواءه على العرش استواءً يليق بجلاله، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد يقول عزَّ وجلَّ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} و{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} و{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} و{إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}

فالتوسل البدعي حرام، لأنه لا بدّ في العبادات أن تكون قائمة على الدليل من القرآن والسنّة الصحيحة ومن قواعد هذه الشّريعة أن الله لا يُعبد إلا بما شرع ولا يُعبد بالبدع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ" أي عمله حابط مردود عليه لا يقبله الله [السنن والمبتدعات ص71]

لم يكن الرد على القبورية والدعوة إلى التوحيد محصورين في أمثال شيخ الإسلام، بل شاركهم كثير من الأعلام غيرهم من أهل المذاهب الثلاثة، وعلى رأسهم علماء الحنفية؛ فقد كانت لهم جهود عظيمة في الرد على القبورية، وكشف عوراتهم، وقطع أدبارهم، وقمع شبهاتهم، وكسر جموعهم وبيان فضائحهم، بنصوص دامغة صارمة قاطعة، يقول سلفنا، إمام المسلمين أبو حنيفة النعمان – رضي الله عنه -: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول [المرء]: أسألك بمقعد العز من عرشك، وأكره أن يقول: وبحق أنبيائك، ورسلك، وبحق البيت الحرام" وقد رواها الإمام القدوري عن الإمام بشر بن الوليد: أنه قال: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به…" فذكرها بتمامها في كتابه الذي شرح به مختصر الإمام الكرجي. ونقلها عن شرح الإمام القدوري لمختصر الإمام الكرخي كثير من كبار علماء الحنفية، مستدلين بها على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بالأموات عند الكربات، فحققوا بها أن القبورية مخالفون لشرع الله، كما أنهم مخالفون لأئمة هذه الأمة في المعتقد، ولاسيما أئمة الحنفية، وبهذه المقالة قد اجتثوا جميع شبهات القبورية في الاستغاثة بغير الله من أصلها، واستأصلوا جميع مزاعمهم في التوسل الباطل من جذورها. [جلاء العينين للعلامة نعمان الآلوسي ص452، 470، 482] كما برز كثير من العلماء الحنفية الرادين على القبورية المبطلين لعقائدهم الوثنية من أمثال؛ الإمام ابن أبي العز، والإمامان البركوي وأحمد الرومي، وصنع الله الحلبي، والإمام ولي الله الدهلوي وأسرته من أبنائه وأحفاده وأسباطه، ولاسيما العلامة إسماعيل المجاهد، والأسرة الألوسية ابتداء من الألوسي الأب، ثم الابن، وانتهاء بالحفيد. وهذا يبطل زعم القبورية إن الرد عليهم محصور في أمثال شيخ الإسلام، وابن القيم الهمام، ومجدد الدعوة، ونبذوهم بلقب منفر "الوهابية" تحذيراً للناس منهم وإضلالاً للعوام، وإغواء للجهال بهذه الحيلة الماكرة الشاطرة القبورية. وليتبين زعمهم مواقعه من الخسران، فليراجع كتاب "جهود العلماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، للدكتور شمس الدين السلفي الأفغاني" ليعلم القبورية أن أهل الحديث وأئمة السنة الذين ينبذهم القبورية بالوهابية، ليسوا شذاذاً ولا متفردين بالرد على القبورية؛ بل شاركهم في ذلك أعلام هذه الأمة، ولاسيما الأئمة الأربعة؛ وإنما عقائدهم مستقاة من اليهود والنصارى والوثنية الأولى، من طريق الروافض والصوفية، والمتفلسفة في الإسلام، والمتكلمة المعطلة الجهمية.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - طيب الله ثراه -: "وأما من يأتي إلى قبر نبيٍّ أو صالح أو من يعتقد فيه أنه قبر نبيٍّ أو رجل صالح وليس كذلك ويسأله ويستنجده فهذا على ثلاث درجات:

إحداها: أن يسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو مرض دوابه أو يقضى دينه أو ينتقم له من عدوه أو يعافي نفسه وأهله ودوابه ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل: هذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.

وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه : فهذا من أفعال المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا : {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] وقال سبحانه وتعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44]، وقال تعالى: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4]، وقال تعالى {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] فبين الفرق بينه وبين خلقه فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه فيسأله ذلك الشفيع فيقضي حاجته إما رغبة وإما رهبة وإما حياء وإما مودة وإما غير ذلك والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل إلا ما شاء وشفاعة الشافع من إذنه فالأمر كله له ... وقول كثير من الضلال هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد من الله لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة ونحو ذلك من أقوال المشركين فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ........ وفي الصحيح أنهم كانوا في سفر وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا بل تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"، وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقولوا : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

ثم يقال لهذا المشرك أنت إذا دعوت هذا فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على عطاء سؤالك أو أرحم بك فهذا جهل وضلال وكفر وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره ألا تسمع إلى ما خرجه البخاري وغيره عن جابر رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن...

وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى درجة عند الله منك فهذا حق لكن كلمة حق أريد بها باطل فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه أن يثيبه ويعطيه أكثر مما يعطيك ليس معناه إنك إذا دعوته كان الله يقضى حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله تعالى فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء مثلا لما فيه من العدوان فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول ." [مجموع الفتاوى ج27 ص72-75]

نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى أن يقسم لنا من خشيته ما يحول بيننا وبين معاصيه ومن طاعته ما يبلغنا به جنته وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يغنينا بجلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه وأن يتقبل توبتنا ويغسل حوبتنا إنه سميع مجيب وصلى وسلم على النبي الأمي محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

أخوكم/ أبو إبراهيم الرئيسي الحنفي (28 من صفر 1423هـ)

يوسف التازي
22-01-15, 10:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شرك الذبح : و يقصد به صرف عبادة الذبح لغير الله تبارك وتعالى، ولكن هل الذبح عبادة لله؟! نعم، بناءً على القاعدة السالفة. فقد قال الله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}الأنعام .
تأمل قوله تبارك وتعالى (ونسكي) وهي الذبح (لله رب العالمين) خالصاً لوجهه، أن الله تعالى أمر عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما أمرهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات التي ذُكرت في الآية الكريمة، فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له دون كل ما سواه، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة فقد جعلوا لله شريكاً في عبادته، وهو ظاهر في قوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) نفي أن يكون لله تعالى شريك في العبادات، وهو بحمد الله واضح .
والذي يتحول إلى شرك أكبر،إذا صَرفت لغير الله ، كأن يذبح الرجل خروف أو بقرة أو دجاجة أو...أو.. وتكون نيته تقرباً للشيخ فلان كي يرزقه أو يستغفر له أو..!! أو يذكر عند الذبح غير اسم الله. كأن يقول باسم الشيخ فلان...فهذا كله من الشرك..!
عن طارق بن شهاب أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال(دخل الجنة رجلٌ في ذباب، ودخل النار رجلٌ في ذباب)قالوا: كيف ذلك يارسول الله؟!قالمرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرّب له شيئاَ، فقالوا لأحدهما:قرّب، قال: ليس عندي شيءٌ أقرب، قالوا له:قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً، فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر:قرّب.قال: ماكنت لأقرّب لأحد شيئاً دون الله عزوجلَّ، فضربوا عنقه فدخل الجنة) رواه الإمام أحمد.
فتصوّر..رجلٌ يدخل النار في ذباباً...!! لماذا فقط لأنه قرّبه لغير الله تبارك وتعالى..؟! فالأمر ياعبد الله في غاية الخطورة...فاحذر..!!
وقال عليه الصلاة والسلام: (..لعن الله من ذبح لغير الله...) رواه مسلم. وهل تعلم مامعنى لعن؟ أي طرد من رحمة الله تعالى ، فكيف تدخل الجنة إذا لم تدخلها برحمة الله...؟! ومن يأويك إذا طردك الله..؟!

يوسف التازي
22-01-15, 10:44 PM
قال الله تعالى(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)التوبة.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى(وجه المناسبة من الآية: أنه لما كان مسج الضرار مما اتخذ للمعاصي ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، نهى الله ورسوله أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله، فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، مع أن صلاته فيه لله، فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية، فلا تقام فيه الصلاة. وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراماً، لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار. وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس، فهذا باعتبار الزمن والوقت ).
عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟". قالوا: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟". قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود. صححه الألباني وأبن تيمية النووي.
وجه الدلالة من الحديث(إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل السائل هل فيها وثن ... أو عيد من أعياد الكفار...ذلك لأن من طقوس أهل الشرك أنهم يذبحوا لآلهتهم... وفي أعيادهم كذلك الأمر ... وعبادة الذبح واحدة متشابه ليس هنالك فرق في الهيئة بين عبادة الذبح عند الموحد وعبادة الذبح عند الكافر ...إلاّ في النية والتسمية ... فالنية والتسمية ... لاتظهر للناس ... فيختلط عليهم هذا الأمر ... فيظنون أن الموحد على معتقد أهل الشرك الذين يذبحون لغير الله ... وعليه فقد بوّب الامام المجدد الكبير محمد بن عبد الوهاب باب في كتابه النافع الماتع(كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) باب (لا يذبح له بمكان يذبح فيه لغير الله). فنقول لهؤلاء الناس إذا كنتم صدقتم بدعواكم أنكم تذبحون للتصدق على الفقراْ ء... فذهبوا فذبحوا في مكان آخر ... وأجلبوا اللحم جاهز ووزعوه على الفقراء .. فلا يختلط على الناس الامر.)
وقد سبق أن نقلت قول العلامة ابن عثيمين وسأزيد له كلام في الحديث .قال الإمام ابن عثيمين عن الآية السابقة(وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراماً، لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار...... [وزاد رحمه الله بشأن الحديث فقال].....وهذا باعتبار المكان)كتاب القول المفيد .
أسأل الله أن يختم لنا بالتوحيد.

يوسف التازي
22-01-15, 10:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شرك الإستعاذة : ويقصد بها صرف عبادة الإستعاذة لغير الله تبارك وتعالى . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل الإستعاذة عبادة لله تعالى؟!
• بكل بساطة نعم ، فالإستعاذة معناها: الالتجاء والاعتصام . قال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر.
قال الله تبارك وتعالى {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً }الجن6 دعنا نرى ما تفسير هذه الآية الجليلة في تفسير ابن جرير(كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثماً، وقال ابن زيد: وزادهم الجن خوفاً ). فهل لاحظت كيف يصف لنا الله تبارك وتعالى هذا الموقف محذرا المؤمنون منه. وقال الله تبارك وتعالى {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فصلت36.
عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ماخلق ، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك ) رواه مسلم.
لذلك ياعبد الله إذا دخل عليك الخوف..أو أردت أن تتحصن من العين أو من غيرها...فعليك بالقرآن وقراءة الأدعية الصحيحة واعتصم بالله ، فاقرأ مثلاً المعوذات أو آية الكرسي (وانصحك أخي بكتيب حصن المسلم لسعيد بن علي بن وهف القحطاني).
و تتحول هذه العبادة إلى شرك أكبر، باستعاذتك بغير الله تبارك وتعالى(فيما لايقدر عليه إلاّ الله... فلو استعذت برجل من بطش رجل وهو قادر على استعاذتك فهذا ليس داخل في النهي... إنما الذي يكون من خصائص الله ... أما الإستعاذة بأصحاب القبور فهذا يدخل في الشرك الأكبر ... وكذلك الإستعاذة بالجن ..لا يحل ذلك لأن ذلك يعلق قلبك بالجن من جلب نفع ودفع ضر ) كقولك دستور ياأسياد... دستور...دستور... حيث معنى هذه الكلمة الاستعاذة بالجن من الجن..!! أو أعوذ بالشيخ منك...إلخ .
قال علماء اللجنة الدائمة :
" الاستعانة بالجن أو الملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج عن ملة الإسلام والعياذ بالله - سواء كان ذلك بطريق ندائهم أو كتابة أسمائهم وتعليقها تميمة أو غسلها وشرب الغسول أو نحو ذلك ، إذا كان يعتقد أن التميمة أو الغسل تجلب له النفع أو تدفع عنه الضر دون الله " انتهى ."فتاوى اللجنة" (1/134-135) .
قال إبن القيم الجوزية رحمه الله تعالى (من ذبح للشيطان ودعاه ، واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده ، وإن لم يسمّ ذلك عبادة ..).
فهل أدركت الآن أن الأمر ليس بالبساطة التي تعتقدها .

يوسف التازي
22-01-15, 10:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شرك النذر: و يقصد به صرف عبادة النذر لغير الله تبارك تعالى, ولكن كالعادة نطرح هذا السؤال ، هل النذر عبادة أم ماذا؟!
نعم ،هو عبادة كسائر العبادات ، وهل تظن أن العبادة تنحصر في الصلاة أوالحج أو الزكاة أو الصيام...؟! والدليل على أن النذر عبادة قوله تعالى {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً }الإنسان7. لاحظ قوله تبارك وتعالى(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ )أي هؤلاء كانوا في الدنيا يوفون بما أوجبوا على أنفسهم من طاعة الله ، فهذا مديح من الله تبارك وتعالى فهو عبادة لله عزوجل. فالعبادة هي كل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
والذي يتحول إلى شرك أكبر بطلبك إياه من غير الله...! كالرجل الذي يأتي على قبور الصالحين ويقول: ياشيخ فلان..! أنذر لك إذا شفيت ابني أو ابنتي.....أو إذا نجح ابني...أو إذا تزوجت ابنتي...أو إذا رُزقت ولد...أن أذبح لك خروف..أو أقدم طعاماً..أو أشتري لك قماش أخضر..أو....أو...إلخ . فهذا صرف عبادة لغير الله تبارك وتعالى. أي اغتصاب حق الله وصرفها لهذا الشيخ..! فهو شرك أكبر يخرج عن ملة الإسلام . والعياذ بالله .
واعلم يرحمك الله أن النذر الخالص لله ، أي إنك نذرت لله لا لشيخ ولا لنبي ولا عند قبر أو مرقد....هذا له نوعين:
1) النذر المقيد: وهو يقيد شيء ما بعبادة ما. كأن يقول الرجل: اللهم إذا نجحت أذبح لوجهك الكريم خروف أو ماشابه... وهذا مكروه وليس شرك. وهو مكروه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال فيه عندما سئل عنه " لا تنذروا ، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا و إنما يستخرج به من البخيل " رواه مسلم. وهو مكروه لأنك بقولك هذا كأنك تقول اللهم أستجب لي طلبي هذا وأقوم بهذه العبادة...!! فلذلك كرهه النبي عليه الصلاة والسلام. والله أعلم.
2) النذر المطلق: وهو نذر غير مقيد بعبادة إذا تحقق. كأن يقول الرجل: اللهم إني نذرت لوجهك الكريم أن أصوم ثلاثة أيام....أو ماشابه ذلك. فأنه مباح طيب. لاحظ الأول مرتبط طلبه إذا تحقق بعبادة. والثاني غير مرتبط ألبتا . فتنبه لهذا... وكأنه نذر لكي يلزم نفسه بالطاعة . وهؤلاء هم الذين مدحهم الله فقال {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً }الإنسان7.
ولكن، هل الذي نذر لغير الله عليه وفاء هذا النذر..؟ [قال شيخ الإسلام: وأما مانَذر لغير الله : كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات ، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة ، وكذلك الناذر للمخلوقات. فإن كليهما شرك. والشرك ليس له حرمة ، بل عليه أن يستغفر الله من هذا القول..]

يوسف التازي
22-01-15, 10:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شرك الشفاعة : ويقصد بها صرف عبادة (طلب الشفاعة) لغير الله ولكن من مالك الشفاعة ومن صاحبها وممن تطلب وماهي الشفاعة الكبرى...؟
نجيب على هذه التساؤلات ببعض التفصيل . مالك الشفاعة والمتصرف فيها هو الله تبارك وتعالى وذلك لقوله تعالى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الزمر44. ولكن الله تبارك وتعالى قد ميّز خليله محمد عليه الصلاة والسلام بإعطاءه الشفاعة وسميت الشفاعة الكبرى ، ذلك لأنها الشفاعة العظمة يوم القيامة يشّفع بها أمة بأسرها... هنا سؤال يطرح نفسه ، هل تطلب الشفاعة من الرسول عليه الصلاة والسلام أم من الله تبارك وتعالى؟
صحيح أن صاحب الشفاعة الكبرى هو الرسول عليه الصلاة والسلام ولكن هذه الشفاعة هي هبة من الله تبارك وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام . ولا تنفع الشفاعة الكبرى ولا غيرها عند الله تبارك وتعالى إلا بشرطين إثنين ، يفرضاهما الله تبارك وتعالى على الشافع والمشفوع له هما :
1) أن يأذن الله للشافع بأن يشفع ، والدليل قوله تعالى { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } البقرة255 . وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رحم عبده الموحد المذنب ، فإذا رحمه الله تعالى أذن للشافع أن يشفع له.
2) أن يرضى الله على المشفوع له ، والدليل قوله تعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } الأنبياء 28. فالإذن بالشفاعة له بعد الرضاء ، كما في هذه الآية ، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد .
• الآن دعنا نحكّم إيماننا، هل من السّوي أن نطلب الشفاعة من مالكها وخالقها وبارئها والمتصرف بها من وضع الشروط الأنفة الذكر أم من الذي أهداه ووهبه إياه الله تبارك وتعالى أي من الرسول عليه الصلاة والسلام ..؟ فضلا عن غيره من الأولياء... وهذه والله ليست منقصة في الحبيب النبي محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسلم ، بل هي إحياءاً لأمره وسنته التي علَّمنا إياها ، ولكن إجتالت الشياطين القوم فنسي التوحيد وظهرت غربته بين أهله .
الجواب على هذا السؤال ، ليس بحاجة لا لحذاقة ولا لفراسة ، فهو بآئن كالشمس ، بل تطلب من الله تعالى . ومن طلبها من غير الله فقد وقع بالشرك ، ذلك لدعاءه من لا يسمع الدعاء كالأموات، وطلب شيء لايقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى ، وهي ممن يختص الله به .(أعد النظر في شرك الدعاء الذي شرحناه سابقاً) .
وأعلم أن من طلب الشفاعة من غير الله فقد حرم الشفاعة من الله ، قال تعالى {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }سبأ22-23. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات:{ وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعا، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له النفع ، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه ، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك، فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهير، فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده. فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباً ، متنقلاً من الأعلى إلى الأدنى ، فنفى الملك[بقوله تعالى(لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)] [ونفى] الشركة[بقوله تعالى(وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ)] و[نفى] المظاهرة[بقوله تعالى(وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)] و[نفى] الشفاعة التي يطلبها المشرك[بقوله تعالى(وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)] وأثبت شفاعة لا نصيب فيه لمشرك ، وهي الشفاعة بإذنه.} انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
هنالك سؤال يطرحه كثير من الناس، وهو إذا كان الشافع لايستطيع أن يشفع إلا من بعد أن يأذن الله تعالى لمن يشاء ويرضى. لماذا جُعلت الشفاعة ووضعت؟!
ذلك لسببين مهمين، الأول تشريفاً للشافع . أي رفعتاً للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحاب الشفاعات الأخرى[شفاعة الشهداء والملائكة وشفاعة الرجل الصالح لأهله..] . والسبب الثاني هو رحمة بالمشفوع له . والله تعالى أعلم. وعليه نقول : إن من قال (يارسول الله الشفاعة ...أو ياشيخ الشفاعة فقد أشرك ، وهو من الشرك الأكبر ) والصحيح أن نقول اللهم شفّع رسول الله فيّ ، بحيث تطلب الشفاعة من الله المالك لها والمتصرف بها سبحانه وتعالى .

يوسف التازي
22-01-15, 10:48 PM
شرك المحبة : و يقصد به صرف عبادة المحبة لغير الله تبارك وتعالى والسؤال المعتاد طرحه هل المحبة عبادة لله ..؟
نعم ، هي عبادة لله تعالى، بل هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاه ، فبكمالها يكمل ، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان . واقرأ قوله تعالى ، مبيّناً المحبة ومكانتها عنده سبحانه وتعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ }البقرة.165.الآن أقرأ تفسيرها وسترى أنها مبيّنة لهذا الشرك العظيم:
(يتخذ فريق من الناس من دون الله أصنامًا وأوثانًا وأولياء يجعلونهم نظراء لله تعالى ، ويعطونهم من المحبة والتعظيم والطاعة ، ما لا يليق إلا بالله وحده. كأن يحب الرجل الأولياء محبة تعادل محبة الله تعالى..! والمؤمنون أعظم حبا لله ; لأن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله ، وأولئك أشركوا في المحبة. ولو يعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك في الحياة الدنيا ، حين يشاهدون عذاب الآخرة ، أن الله هو المتفرد بالقوة جميعًا، وأن هؤلاء الذين كانوا يدعونهم من دون الله تعالى ويحبهم كحب الله ، لايملكون حياة ولا نشورا...!! وأن الله شديد العذاب ، لما اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم من دونه ، ويتقربون بهم إليه).
قال ابن القيم- رحمه الله-( وها هنا أربعة أنواع من المحبة ، يجب التفريق بينها ، وإنما ضلَّ من ضلَّ بعدم التمييز بينها:
أحدهما: محبة الله ، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه ، فإن المشركين وعبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبَّون الله.
الثاني: محبة ما يحبُّ الله ، وهذه هي التي تدخله في الإسلام ، وتخرجه من الكفر ، وأحبُّ الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة ، وأشدُّهم فيها.
الثالث: الحب لله وفيه ، وهي من لوازم محبة ما يحبُّ ، ولا تستقيم محبّة ما يحبُّ إلا فيه وله.
الرابعة: المحبة مع الله ، وهي المحبة الشركية ، وكل من أحب شيئاً مع الله ، لا لله ، ولا من أجله ، ولا فيه ، فقد اتخذه ندًّا من دون الله ، وهذه محبة المشركين).
هنالك تساؤلات يطرحها كثير من الناس ، وهي نحن نحب الطعام ، ونحب الشراب ، ونحب النساء ونحب أهلينا.أكُلَّ هذا شرك..؟!
لا ، بلا شك . هذا ليس شرك . وإنما الشرك المقصود به من الآية الكريمة هو إتخاذ أنداد مع الله تعالى ، ومحبتهم كمحبة الله تعالى ، أو المحبة التي يرجونها هي محبة لا تليق إلا بالله تبارك وتعالى ، أو المحبة التي يرجون بها الأجر..! والمحبة التي يسأل عنها الناس هي محبة فطرية ، جعلها الله في الناس. وهي حكمةٌ من الله تعالى في خلقه . بل كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة يحبون من المأكل والمشرب والملبس مايحبه الناس . فهم بشر مثل كل الناس. بشرط ألاّ تؤدي إلى شيءٌ محرّم.
وقال عليه الصلاة والسلام(ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما....). رواه مسلم.

يوسف التازي
22-01-15, 10:54 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
الشركيات المخرجة من الإسلام وهي التي تفعل للأموات عند قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم
1-دعاء الميت أو الاستغاثة به ومناداته وسؤاله وطلب المدد منه كأن يقول ياسيدي فلان انصرني أو أغثني أو أشفني أو المدد.
2- الذبح للميت بأن يذبح له كبشا أو دجاجة تقربا وتعظيما.
3- النذر للميت: بأن يقول: ياسيدي فلان إن شفيتني من المرض أو قضيت حاجتي فلك علي أن أفعل كذا وكذا " كما يفعل: عند قبر البدوي والجيلاني وابن عربي وغيرهم.
5- التقرب إلي الميت بوضع الطعام والاموال والحيوانات والهدايا وعند قبره أو إكرام السدنة الذين يقومون علي ضريحه بها.
6- دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم وسؤاله الحاجات من دون الله تعالي كمن يقول: المدد يارسول الله أو المغفرة يارسول الله.
7- السجود أو الركوع أو الطواف أو الحج للقبر أو الميت تقربا إليه.
8- الخوف من الموتي أن يضروه أو يؤذوه أو يصيبوه بالمرض.
9- أن يطلب من الموتي الدعاء أو الشفاء له عند الله.
llمنقولl

يوسف التازي
22-01-15, 10:55 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
بعد قيام الحجة عليه فهو من أهل الجحيم
1- قال تعالى: (إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً) [سورة: النساء - الأية: 48]

2- قال تعالى: ( إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [سورة: المائدة - الأية: 72]

3-صحيح البخاري - (ج 4 / ص 458)
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ
وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ

4-صحيح البخاري - (ج 13 / ص 433)
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ

ولتعلم: بأن الشرك قد غلب علي كثير من النفوس حتي صار الإسلام غريبا فأكثرهم لا يفهمون معني ( لا إله إلا الله) ولذا ينقضونها في كل وقت!! ولتعلم أيضا بأنه لا يجوز لك السكوت عن أي مظهر من مظاهر الشرك ! بل إن من الواجبات العظيمة عليك محاربة الشرك وأن تكون داعيا إلي التوحيد فكثيرا يعتقدون أنهم بعيدون كل البعد عن الشرك!! وما هو عنهم ببعيد!! فالمرء قد يشرك بسبب كلمة سريعة!

مسند أحمد - (ج 14 / ص 458)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ

أو يشرك بسبب عمل لا يستغرق فعله ثوان !! أو عمل قلبي : من خوف أو رجاء أو حب: يصرف لغير الله!! فما أكثر الذين يشركون وهم لا يعلمون!!


منقول

يوسف التازي
23-01-15, 06:22 PM
باب
من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه



قال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لكتاب التوحيد :
قوله : " من الشرك " : من هنا للتبعيض ، أي : أن هذا بعض الشرك ، وليس كل الشرك ، والشرك : اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر ، ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها ، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك ، لأن كل من أثبت سببا لم يجعله الله سببا شرعيا ولا قدريا ، فقد جعل نفسه شريكا مع الله .

فمثلا : قراءة الفاتحة شبب شرعي للشفاء . وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن ، وهو قدري ، لأنه يُعلم بالتجارب .

والناس في الأسباب طرفان ووسط :

الأول : من ينكر الأسباب ، وهم كل من قال بنفي حكمة الله كالجبرية والأشعرية .

الثاني : من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببا ، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم .

الثالث : من يؤمن بالأسباب وتأثيرها ، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله ، سواء كان سببا شرعيا أو كونيا .

ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانا حقيقيا ، وآمنوا بحكمته ، حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها ، والعلل بمعلولاتها ، وهذا من تمام الحكمة .

ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله ، فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية ، لأنه اعتقد أن مع الله خالقا غيره .

وإن اعتقد أنها سبب ، ولكنه ليس مؤثرا بنفسه ، فهو مشرك شركا أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببا ، فقد شارك اله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب ، والله تعالى لم يجعله سببا . وطريق العلم بأن الشيء سبب :

إما عن طريق الشرع ، وذلك كالعسل { فيه شفاء للناس } وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس ، قال الله تعالى : { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } .

وإما عن طريق القدر ، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعا في هذا الألم أو المرض ، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرا بيّن ، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل : أنا جرّبت هذا وانتفعت به ، وهو لم يكن مباشرا ، كالحلقة ، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة ، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثرا بيّنا ، فقد يقرآ إنسان على مريض فلا يرتاح له ، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة ، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم ، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط ، قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناء على اعتقادهم نفعها ، وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي ، والشعور النفسي ليس طريقا شرعيا لإثبات الأسباب ، كما أن الإلهام ليس طريقا للتشريع . أهــ