المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب الاعتصام والتمسك بالكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم


يوسف التازي
20-01-15, 09:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلاة على رسول الله على اله وصحبه واتباعه اما بعد

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت فإن

الحي لا يؤمن عليه الفتنة؛ أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم، كانوا أفضل هذه الأمة،

وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا

لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم؛ فإنهم كانوا

على الهدى المستقيم.

المصدر : الاعتصام بالكتاب والسنة

يوسف التازي
20-01-15, 09:33 PM
[[آثار التمسك بالكتاب والسنة على الأمة]]

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما بلا اعوجاج , وجعله عصمة لمن تمسك به واعتمد عليه في الاحتجاج , وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك بإيضاح الشرعة والمنهاج , والصلاة والسلام على محمد الذي مزق الله ظلام الشرك بما معه من السراج , وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا الكفار وباينوهم من غير امتزاج .. ثم أما بعد …
[التمسك بالكتاب والسنة طريق العزة]
قال الله تعالى:
{ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)} [الأنبياء]
أتعلمون ما المقصود بقوله تعالى: { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } , يعني: فيه عزكم وشرفكم وسؤددكم.
قال الفاروق ( رضي الله عنه ) :
<< نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله >>
[التمسك بالكتاب والسنة طريق الهداية]
أخرج مالك في موطئه عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال:
((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه.))
فالحديث يبين أن النجاة من الضلالة لا تكون إلا بالتزام الكتاب والسنة , والنجاة من الضلالة هي بذاتها الهداية.
[التمسك بالكتاب والسنة طريق النجاة من فتن الحياة]
أخرج أبو داوود في سننه من حديث عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ :
«أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ , وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ , وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا , فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ , عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ , وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ , فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ».
وجه الشاهد في الحديث أن قوله ( صلى الله عليه وسلم ): ((وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)) يصف وقت الفتن , ثم بين الواجب عمله في وقت الفتن عندما قال: ((فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ , عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ )) , وقد يتساءل البعض ما العلاقة بين التمسك بالسنة وبين البدع؟ فأقول:
إن البدع إنما تتولد وتنشأ عن قلة التمسك والتشبث بالكتاب والسنة.

يوسف التازي
20-01-15, 09:41 PM
[التمسك بالكتاب والسنة طريق للأمن والأمان]
قال الله تعالى:
{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)}[البقرة]
والخوف هو ما يؤرق الإنسان في المستقبل , والحزن هو ما يؤلمه من جروح الماضي , والنجاة من آلام الماضي , وهموم المستقبل تكون بالتمسك بالكتاب والسنة , وهذا معنى قولي: التمسك بالكتاب والسنة طريق للأمن والأمان.
بل إن النجاة من الشقاء الذي وقع الكثيرون من البشر فريسة له إنما يكون بالتمسك بالكتاب والسنة …
قال الله تعالى:
{ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)}[طه]
[التمسك بالكتاب والسنة طريق لرفقة أهل والإحسان]
قال الله تعالى:
{ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)}
وإن مرافقة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هي مُنية من عاش معه من أصحابه , وهم الذين كحلوا عيونهم برؤياه , فما بالكم بأمثالنا ممن لم يره …
أخرج مسلم في صحيحه عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
((كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوئِهِ وَبِحَاجَتِهِ ، فَقَالَ : سَلْنِي ، فَقُلْتُ : مُرَافَقَتُكَ فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ : هُوَ ذَاكَ ، فَقَالَ : أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.))
[التمسك بالكتاب والسنة طريق للفوز بخيري الدنيا والآخرة]
قال الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)}[الأحزاب]
إن مقياس الفوز والخسارة عند الله , مختلف عما هو عليه عند البشر , فالفائز عند الله هو من دخل الجنة , ونجا من النار …
قال الله تعالى:
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)}[آل عمران]

يوسف التازي
20-01-15, 09:48 PM
[التمسك بالكتاب والسنة طريق الرحمة]
الرحمة … ذلكم المفهوم العظيم , والذي لا يستغني عنه واحد منا , فنحن نحتاج الرحمة بين الزوجة وزوجها , بين الوالدين وابنائهم , بين المدرس والتلاميذ , بين الراعي والرعية , بين الشعب والمسؤولين , وهذه الرحمة من أعظم أسباب حصولها وانتشارها في المجتمع التمسك بالكتاب والسنة …
قال الله تعالى:
{ وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)}[التوبة]
[التمسك بالكتاب والسنة طريق الوَحدة والنجاة من الفرقة]
قال الله تعالى:
{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)}[الأنفال]
ولو ربطت بين قوله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وبين قوله: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا } لوصلت إلى حقيقة مفادها أن التمسك بالكتاب والسنة طريق الوحد والنجاة من الفرقة.
لما اختلف الصحابة في شأن غنائم بدر أمرهم الله بطاعته ورسوله , أتعلمون لماذا؟
لأن التمسك بالكتاب والسنة طريق الوحد والنجاة من الفرقة , والعرب ما عرفوا للوحدة طريق إلا بالدين إلا بالتمسك بالكتاب والسنة , فهل آن لنا أن نعي تجارب التاريخ ويقينيات القرآن والسنة …
قال الله تعالى:
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)}[الأنفال]
[التمسك بالكتاب والسنة طري قبول الأعمال]
قال الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)}[محمد]
إن العمل حتى يكون مقبولا عند الله يحتاج إلى شرطين:
1ـ الإخلاص لله رب العالمين …
قال الله تعالى:
{ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)}[البينة]
2ـ متابعة النبي ( صلى الله عليه وسلم) …
عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ):
((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي .)) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ .
[التمسك بالكتاب والسنة معا وسويا]
يخرج علينا بين الفينة والأخرى من يثرثر بضرورة التمسك بالقرآن دون السنة , وأن في الأول الكفاية , وقد أخطأ هذا لأن القرآن لا غنى له عن السنة , والدين قرآن وسنة معا وسويا , ولن يفترقا حتى يردا الحوض …
فالسنة كما القرآن منزَّلة من عند الله ( جل في علاه ) …
قال الله تعالى:
{… وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)}[النساء]
قال الشافعي ( رحمه الله ) :
<< سمعت عددا من أهل العلم يقولون : الحكمة هي سنة النبي ( صلى الله عليه وسلم )>>
كما وأن السنة وحي متلو كالقرآن …
قال الله تعالى:
{ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)}[الأحزاب]
فقد جاءت الأحكام في القرآن مجملة وفصلها القرآن , فالله ( عز وجل ) أمرنا بالصلاة في القرآن , ولم يبين كيفيتها , ولا عدد ركعاتها … فكيف كنا سنصلي عندئذ لولا أن السنة فصلت ذلك …
قال الله تعالى:
{… وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)}[النحل]
والمعنى:
وأنزلنا إليك يا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذكر وهو السنة , لتبين للناس ما نزل إليهم , وهو القرآن الكريم.
والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا يخرج من فمه كلمة تتعلق بالدين إلا وقد أوحاها الله له …
قال الله تعالى:
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)}[النجم]
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.

يوسف التازي
20-01-15, 10:44 PM
قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول:" الزم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "أمران تركتهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".(اعلام الموقعين1/256)

2- قال ابن وهب كنا عند مالك فذكرت السنة فقال مالك:" السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق". ( تاريخ دمشق لابن عساكر14/9)و(تاريخ بغداد7/336) و(ذم الكلام و اهله للهروي 4/124-رقم885)

3-قال إسحاق بن إبراهيم الحنيني: قال مالك:" قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل ، فأنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا نتبع الرأي وإنه من اتبع الرأي جاء رجل أقوى منك في الرأي فأتبعته ، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته ، أرى هذا الأمر لا يتم". (المعرفة والتاريخ2/789)ومن طريقه(تاريخ بغداد13/415-416) و(الاعتصام للشاطبي1/105).

4-قال:مصعب بن عبد الله الزبيري : سمعت مالك بن أنس يقول:" أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة فإذا نزلت نازلة جمع لها الأمير من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه من شيء أنفذه وأنتم تكثرون من المسائل وقد كره رسول الله صلى الله عليه و سلم المسائل وعابها" .(الاستذكار8/581)

5- قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول:" حق على من طلب العلم أن يكون عليه وقار وسكينة ويكون متبعا لآثار من مضى".(الحلية 6/320)و(الإلماع للقاضي عياض1/52) و(الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي1/156).


6- قال مُطَرِّفَ بنَ عَبْدِ اللهِ، سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ:"سَنَّ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَوُلاَةُ الأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَناً، الأَخْذُ بِهَا اتِّبَاعٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتِكمَالٌ بِطَاعَةِ اللهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِيْنِ اللهِ، لَيْسَ لأَحَدٍ تَغِييرُهَا وَلاَ تَبْدِيلُهَا، وَلاَ النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا، فَهُوَ مُهتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنصَرَ بِهَا، فَهُوَ مَنْصُوْرٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا، اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيْلِ المُؤْمِنِيْنَ، وَوَلاَّهُ اللهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلاَهُ جَهَنَّمَ، وَسَاءتْ مَصِيْراً".
( سير أعلام النبلاء8/99)
7-وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سئل مالك بن أنس عن السنة فقال:" هي مالا اسم له غير السنة وتلا ( وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)". (الاعتصام للشاطبي1/58).
8-قال بشر بن عمر الزهراني: سمعت مالك بن انس يقول:"من اراد النجاة فعليه بكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. (ذم الكلام و اهله للهروي 4/118-رقم877)
9- قال معن بن عيسى: سمعت مالك ابن أنس يقول: "إنما أنا بشر أخطئ واصيب فانظروا في رأي فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وكلما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه". (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1/775-رقم1435) ومن طريقه ابن حزم(الاحكام في أصول الاحكام6/790)و(اعلام الموقعين1/75) و(تهذيب التهذيب10/8).

10- قال ابن وهب : سمعت مالكا يسأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال:" ليس ذلك على الناس"، قال فتركته حتى خف الناس فقلت له: يا أبا عبد الله سمعتك تفتي في مسألة تخليل أصابع الرجلين زعمت أن ليس ذلك على الناس وعندنا في ذلك سنة فقال:" وما هي؟" فقلت: ثنا الليث بن سعد وبن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه فقال:" إن هذا حديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة" ثم سمعته يسأل بعد ذلك، فأمر بتخليل الأصابع.(سنن البيهقي الكبرى1/76-رقم366) و(التمهيد24/259)و(الجرح والتعديل لابن ابي حاتم 1/31-32).

11-قال يعقوب بن حميد بن كاسب : قال مالك بن أنس:" لو لقي الله رجل بملء الأرض ذنوبا ثم لقي الله بالسنة لكان في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا". (ذم الكلام و اهله للهروي 4/121-122-رقم881)
12-قال يحيى بن سليمان بن نضلة: سمعت مالك بن أنس يقول:" من مات على السنة فليبشر".(ذم الكلام و اهله للهروي 4/121-رقم880)

13-قال ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ لِي مَالِكٌ:"الْحُكْمُ الَّذِي يُحْكَمُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَالَّذِي يَحْكُمُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ، فَذَلِكَ الْحُكْمُ الْوَاجِبُ وَالصَّوَابُ، الْحُكْمُ الَّذِي يَجْتَهِدُ فِيهِ الْعَالِمُ نَفْسَهُ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يُوَفَّقَ، قَالَ: وَثَالِثٌ مُتَكَلِّفٌ لِمَا لا يَعْلَمُ فَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنْ لا يُوَفَّقَ".(تفسير ابن ابي حاتم4/1059)
14-قال سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ: سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ ؟ قَالَ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ. قَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك الْفِتْنَةَ. قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا ؟ إنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا. قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّك سَبَقْت إلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.(احكام القرآن لابن العربي 3/432)

15-قال بشر بن عمر: سمعت مالك بن أنس كثيرا إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث فيقال له: وما تقول أنت؟ أو رأيك؟ فيقول مالك: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
(التمهيد8/411)

16- قال عثمان بن صالح: جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا"، فقال الرجل: أرأيت، فقال مالك:"(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)".(الحلية 6/326) و( الاحكام في أصول الاحكام 6/790).
17-قال ابن القاسم:قال مالك:" لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها". (البيان و التحصيل1/242) و(الاعتصام للشاطبي1/274)

يوسف التازي
20-01-15, 10:53 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله.
أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة.
في حلقتنا هذه التي نتناول فيها بمشيئة الله موضوع (الاعتصام بالكتاب والسنة)، الآن فيمن حولنا في العالم انحرافات كثيرة، انحرافات في المناهج، تساهلات في الفتاوى، تضاربات في الآراء، هناك بدع منتشرة، وهنالك في كل يوم جديد تطلع علينا فتن جديدة، وأطروحات مسمومة، وأخطاء، مليئة بالأخطاء. الناس إذا لم يكن عندها موازين، ما كان عندهم طريق واضح يسيرون عليه، إذا ما كان عندهم مقياس يرجعون إليه، إذا ما كان عندهم ثوابت سيضيعون في غمرة هذه الأطروحات.
والله عز وجل ذكرنا في كتابه، يعني العلاج لقضية الاضطرابات والحيرة في المناهج والتضاربات في الفتاوى، ويعني هذه الفوضى في المواقف وهذه التساهلات والتمييعات، والتنازلات، والبدع والأشياء الكثيرة التي نراها من الفتن حلها في الكتاب والسنة واضح، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًاسورة النساء174-175، ما معنى اعتصموا به؟ تمسكوا، به بالنور الذي أنزله، بقرآنه بوحيه، الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة، وعند الفرقة والاختلافات هذه فعلاً منجاة، جعل الله تعالى الرحمة والنجاة لمن تمسك بوحيه المبين، وتودع سبحانه وتعالى بالخزي والشقاء من أعرض عن كتابه الكريم وهدي نبيه، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىسورة طـه124.
ولذلك ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين وشفاء نافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه"
معنى الاعتصام.
لكن ما معنى الاعتصام؟ الاعتصام: هو الاستمساك، التمسك بالشيء، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِسورة آل عمران103، تمسكوا به، الاعتصام من العصمة، التمسك بما يعصمك ينقذك ينجيك يمنعك من المحذور والمخاوف، العصمة الحمية، يعني احتماء، وسميت القلاع عواصم؛ لأنها تمنع المقاتلين فيها وتحميهم.
الاعتصام بالكتاب والسنة إذن الالتجاء إليهما والاحتماء بهما عند كل فتنة، والتمسك بهما عند كل اختلاف، والتحاكم إليهما في كل صغير وكبير وعند كل فرقة واختصام، يتحقق الاعتصام بالاجتماع على الدين وعدم التفرق، وعلى الكتاب والسنة، وعلى الوحي، وعلى الأدلة، وعلى هذا النور، واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير.
ما هو الاعتصام بالله؟ التمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، الله مستوٍ على عرشه واعتصامنا به تمسكنا بدينه وطاعته. تمسكنا بكتابه ورجوعنا إلى هذا الكتاب، التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، والاعتبار بمواعظه رجاء وعده وخوف وعيده، الائتمار بأوامره الانتهاء عن منهياته، هذا الاعتصام بالكتاب، وثمرات الاعتصام بالكتاب والسنة كثيرة، ولا يوجد بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام مصدر صالح للاهتداء إلا القرآن والسنة، ما في سبب يعني أي سبب للسعادة يرجع إليهما. هذا الوحي المتلو والوحي غير المتلو، الوحي المتلو كلام الله القرآن كتابه العزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، محفوظ من الخطأ والزلل، محفوظ من الزيادة والنقص، تنزل من حكيم حميد، حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، والنور المبين، الحكم بين الناس.
فوائد الاعتصام بالكتاب والسنة.
لماذا أنزل الله الكتاب؟ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِسورة البقرة213أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاًسورة الأنعام114، ليش نرجع قوانين شرقية وقوانين غربية، لماذا نقلد الأمم الأخرى، والدساتير، نستورد دساتير، وعندنا الدستور الكامل، القرآن موضحاً فيه الحلال والحرام والأحكام والعقيدة، التوحيد.
الوحي غير المتلو سنة النبي عليه الصلاة والسلام، سنة النبي العدنان، أقواله وأفعاله وإقراره، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىسورة النجم3-4، راشد غير ضال، مهتدي غير غاوي، لا يقول إلا صدقاً، لا يفعل إلا حقاً، لا يقرر إلا عدلاً، وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًاسورة النساء113، فذكر الله الكتاب وهو القرآن وذكر الحكمة يقول الشافعي: فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن كلامه سبحانه، والسنة النبوية بيانه ووحيه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد يعارض القرآن والسنة لا برأيه ولا بذوقه ولا بمعقوله ولا بقياسه ولا باستحسانه؛ ولذلك لما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإنه ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما أحل الله حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة. يقول: ألا إني لست بقاضٍ ولكني منفذ، ألا إني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله، ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً.
الأمة في أولها كانت على نهج الاعتصام بالكتاب والسنة، تقدس القرآن، تتمسك به، تعمل بهديه، لا تعدل عنه؛ لأنه روحها، أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَاسورة الأنعام122، فالمؤمن يكون يعني قبل الهداية ميتاً في ظلمة الجهل فيحييه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، الشفاء الكامل والدواء الحق، حتى أمراض النفوس، النفسية والبدنية، كلها، الشبهات الفكرية، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَسورة الإسراء82، بعض الناس ذهبوا في ابتعاث، احتكوا بأمم أخرى، سافروا جلسوا تغيرت عقولهم أفكارهم ترى ما يغسلها ولا ينظفها ولا يعيدها إلى صوابها، ولا يؤسس اليقين فيها ولا يصلح ما فسد فيها إلا القرآن، ولذلك الواحد حتى لو سافر يميناً شمالاً معه هذا المصحف، ومعه تفسير ليفهم الرسالة، فالقرآن شفاء، شفاء القلوب من داء الجهل والشك والريب، في ناس الآن صار عندهم تغيرات، صار عندهم تحولات، صار عندهم تراجعات تنازلات، انحرافات،... ما الذي يصلح هؤلاء؟ ما في إلا العودة لهذا القرآن، أصلاً بعض الانحرافات ثقيلة جداً حتى لو يعني أنت إذا ذهبت تناقش ممكن تصلح واحد اثنين ثلاثة، لكن الإصلاح الكلي ما يتم إلا أنه هذا الإنسان المبتلى يقبل على القرآن، انصحه، يا أخي روح افتح القرآن واقرأ القرآن وتفسير القرآن، ترى ما لك إلا هذا، يقول: أنا عشرين سنة جالس برا وما في شبهة من عندهم إلا أخذتها، ولا عندهم انحراف إلا صار عندي امتصاص له، ولا، نقول: ما لك حل، ما في حل والله إلا القرآن فعلاً، يعني ولم ينزل الله من السماء شفاءً قط أعظم ولا أنفع ولا أعم ولا أسرع في إزالة الداء من القرآن، ما في، حتى على مستوى الأبدان، يعني إذا كان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه رقى كافراً لديغاً بالفاتحة وقام كأنما نشط من عقال.[رواه البخاري2276]وكان سيموت، كان هالكاً، يقول ابن القيم رحمه الله: "فقد أثر هذا الدواء، يعني الفاتحة في هذا الداء وأزاله كأنه لم يكن، حتى كأن لم يكن، وهو أسهل دواء" بالله يعني أنت، الأدوية هذه على مائتين وثلاثمائة، القرآن كم يكلف؟ منوم في المستشفى وألفين وثلاثة، القرآن كم يكلف؟
يقول ابن القيم رحمه الله: ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيراً عجيباً في الشفاء، يقول: ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء ولا أجد طبيباً ولا دواءً، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيراً عجيباً، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً، وكان كثير منهم يبرأ سريعاً، ما في نور ولا هداية في هذه الحياة ويوم القيامة إلا لمن اعتصم بالكتاب والسنة، قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍسورة المائدة15-16، لو واحد قال لك: أنا رحت برا ودرست وعشت برا وما في نظرية إلحادية ولا فلسفة من فلسفات البشر إلا ودرستها، وانغمرت فيها، وتشربت كل انحرافات القوم أيش يعالج نفسي؟ هذا، وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍسورة آل عمران101، هذا القرآن من يتمسك به يوفق، يرشد، وهذا الاعتصام له فائدة عظيمة يوم القيامة، نحن كلنا سنموت ونكون تحت الأرض، وتحت الأرض فيها ظلمات، ولا ينير القبور إلا الاعتصام بالكتاب والسنة، إلا العمل الصالح اللي من الكتاب والسنة، ويوم القيامة سنبعث، وهم في الظلمة دون الجسر الخلق، يوم القيامة في ظلمات، وعلى الصراط في ظلمات، وجهنم تحت، ومن الذي سيرى طريقه حتى يعبر، من؟ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُسورة الحديد12-13، فلما يقول الناس: أيش فائدة صحيح البخاري؟ أيش فائدة صحيح مسلم؟ أيش فائدة هذه الأحاديث؟ وليش التفسير؟ الله يقول: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواسورة النور54، فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَسورة الأعراف158.
يقول أبو عثمان النيسابوري رحمه الله: من أمر السنة على نفسه، يعني جعل السنة أميراً عليه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة، قال الله تعالى: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواسورة النور54.
وقال الزهري رحمه الله: "من الله الرسالة ومن الرسول البلاغ وعلينا التسليم".
وعندنا حديث العرباض بن سارية لما قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: "إن هذه موعظة مودع" كأنك مفارق يعني راحل يا رسول الله، "إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع الطاعة وإن عبد حبشي. قال: فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً)، والله عشنا وشفنا، والله العظيم عشنا ورأينا الاختلاف الكثير، يعني الآن لا العقيدة العقيدة ولا الأخلاق الأخلاق، ولا الأحكام الأحكام، يعني ناس ضيعت التوحيد، صار يرى كل الأديان الأخرى كلها خير وكلها بركة، سبحان الله وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُسورة آل عمران85، تقارب مع المشركين وتطبيع مع أهل البدع، وإزالة البراءة من المشركين، ما عاد الولاية للمؤمنين والبراءة من المشركين، لا، كلها تدخل على بعض، ليه؟ ما..، يعني كله، تقارب مع الكل، قال عليه الصلاة والسلام: (وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)[رواه الترمذي2676]. هذا والله حديث عظيم، شوف يعني النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين قال: (عضوا عليها بالنواجذ)[رواه الترمذي2676]، ما قال عضوا عليهما، يعني كل هذا منهج واحد، السنة على فهم الصحابة، والآن يجيء ناس ويقولون: .. الصحابة رجال ونحن رجال، نحن نفهم أيضاً وكل، وفهمهم ما هو ملزم، سبحان الله قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)، و(عضوا عليها) يعني جعلهما شيئاً واحداً، سبحان الله ينسفون أقوال الصحابة والتابعين والسلف، ولذلك كل يوم الواحد لا بد يسأل الله يهديه الصراط المستقيم مراراً وتكراراً، الصراط المستقيم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الاعتصام أيها الإخوة والأخوات روحنا، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍسورة الشورى52، هذه الروح هذه الحياة هذه الإضاءة هذا الإشراق هذه السعادة، فرسالة القرآن والسنة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها أعظم من الطعام والشراب، هذه القرآن والسنة، هذه الرسالة الإلهية روح العالم ونوره وحياته،فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة.

فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة

وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة هذه ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة في عالم الأموات، أيش قال الله عن نبيه؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، ولذلك لازم يا إخوان لا بد القرآن وتفسيره والحديث وشرحه، أقبلوا على شروح السنة بعد أن تقبلوا على تفسير القرآن، صحيح يعني: أنت لو قلت لي الآن: ماذا أقرأ؟ عشرين ألف مصادر وكل يوم أشياء، مرئية ومسموعة وبالجوال، بالرسائل، بالإيميل، والأشياء المجانية وغير المجانية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وقنوات، ومواقع تكب، الالكتروني، ماذا نفعل؟ ماذا نفعل؟ يا أخي العمر محدود أنفاسك محدودة اطلع، بالله عليك شرح، تفسير القرآن وشرح الحديث مر عليه يا أخي، مري عليه يا أختي، تفسير الميسر للقرآن، شروح الأحاديث النبوية، ترى هذا العلم الحقيقي، الحقيقي والله العظيم.
وفي الاعتصام بالكتاب والسنة حياة طيبة وعيشة هنية وسعادة واطمئنان وخير، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْسورة الأنفال24، والله إذا مت تموت على أساس، تلقى الله على براءة، تلقى الله على نظافة في المعتقد، تلقى على طهارة قلبية، تلقى الله على صحة منهج، ما هو مثل المضيع، يضيعون أعمارهم، والله يضيعون أعمارهم في أطروحات وفي جدل وفي مناهج عمياء وضلالات وبدع وانحرافات واعوجاجات، وتقليد للكفار، وعمى، ولذلك اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِسورة الأنفال24، الواحد ممكن يعاقب، حتى الهداية ما يراها، حتى نور الإيمان لو عرض عليه ما يقبله، لما يحييكم معناه القرآن فيه الثقة والنجاة والحياة والعصمة.
وقد أخبر ربنا أن حياتنا بما يدعونا إليه رسوله من العلم والإيمان، وموت القلب بعكس هذا، والسلف ضربوا أروع الأمثلة في هذا الموضوع، في الاعتصام بالكتاب والسنة، النبي عليه الصلاة والسلام لما طلب من أهل بيت من الأنصار أن يزوجوا جليبيباً تردد أهل البنت في تزويجه لفقره، هي البنت من صرخت: أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، إن كان قد رضيه لكم فانكحوه، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب أبوها وقال: إن كنت فقد رضيته فقد رضيناه، قال: (فإني قد رضيته)، فزوجها، ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب فوجوده قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: "فلقد رأيتها وإنها –هذه المرأة هذه زوجته- لمن أنفق بيت في المدينة".[رواه أحمد11985]رواه أحمد وهو حديث صحيح. إما أن المرأة يعني الله عز وجل رزقها بهذا الزواج فصار عندها مال كثير تنفق أو إنها ما توقفت بعد موت زوجها، العدة ومباشرة تخطب وعليها إقبال، ببركة الاستجابة والاعتصام، شوف عليها إقبال، الآن نشتكي نقول، والعوانس والغير، والمطلقات، واللي الأرامل، والله ما تزوجت، طيب ما الذي جعل المرأة هذه يصير إقبال عليها، تخطب؟ طاعة الله ورسوله، طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
عبد الله بن رواحة النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب يقول: (اجلسوا) جلس مكانه، أين؟ خارج المسجد، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم (زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله صلى الله عليه وسلم)[رواه المتقي الهندي في كنز العمال37172]، والحديث رواه البيهقي ومرسل صحيح. كما قال ابن حجر رحمه الله.

يوسف التازي
20-01-15, 11:01 PM
قال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًاسورة النساء115، وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَيخالف الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد وضوح الدليل، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَالملة الحنيفية هذه التي عليها الصحاب والتابعين وسلف الأمة، وإجماع العلماء، نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى، نجعله موالياً لما تولاه من الضلال وندعه وما اختاره، نتخلى عنه، هذا في الدنيا، وفي الآخرة وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لنا في الحديث: (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قومي إن رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء) هو يشبه يعني نفسه في مجيئه للبشرية منذراً لهم من الله بالنذير العريان الذي كان في العرب إذا جاء غارت قوم وواحد علم مبكراً ركض عريان إلى قومه يقول لهم: النجاء، ورأيت بعيني، قال: (فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا)، بكروا بالمسير، ((وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم)) حصدهم، لم يبالوا، قال: (فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق)[رواه البخاري7283]، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال:(كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)[رواه البخاري7280].
قال الزهري رحمه الله: "كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة"
الإمام مالك قال:"مثل السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق". شيخ الإسلام ابن تيمية يعلق على هذا الكلام يقول: وهذا حق، فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، واتباع السنة هو اتباع الرسالة التي جاءت من عند الله، فتابعها بمنزلة من ركب مع نوح السفينة باطناً وظاهراً، والمتخلف عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح عليه السلام وركوب السفينة معه، تخلف عنه وعن السفينة وغرق هلك.
الاعتصام بالكتاب والسنة يعصم من التلون، ما تشوف الآن يا إخواني وأخواتي ما ترى بعض الناس حتى من يقال عنهم دعاة ومن يقال، كل يوم يعني في منهج، قابل يعني للطرق والسحب والتغير والتبديل، ما كان عنده حراماً صار حلالاً، وما كان عنده باطلاً صار حقاً، وما كان عنده بدعة صار مقبولاً، وما كان عنده، لماذا؟ ما في اعتصام، اتباع آراء، مضلات الهوى، الجدل، إعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذه مصيبة والله العظيم، إعجاب كل ذي رأي برأيه، ويقدم رأيه على الدليل، والواقع، والواقع وما يتحمل، والناس ما تتحمل، والعالم في اتجاه وتعرف، تعرف ما تعرف؟ طيب أنت يعني الناس ماذا سينفعوننا يوم الدين؟ ماذا سنقول لله؟ تركنا حقاً أو تركنا من دينك لأن بعض الناس، وما يتحمل، وبعض الناس، لماذا؟ ليش ما نثبت، لماذا، ليش؟ ويعني نريد يعني دائماً ندخل الجنة كذا بسهولة بلا تضحيات ولا بذل ولا ثبات ولا، يعني القابض على دينه كالقابض على الجمر، ما نبغي، لا نريد أن نحس بأي صعوبة ولا نريد، ما يمكن، أهل الاعتصام بالكتاب والسنة أهل ثبات على الحق لا يتلونون، ما يتنقلون، لا يغيرون المنهج، بعدين أيها الإخوة والأخوات لا ننسى أنه في رغبات دنيوية، ناس تغير للمال، ناس تغير للشهرة، ناس تغير تحت الضغوط، ناس تغير خوفاً وطمعاً، لكن إذا واحد اعتصم بالكتاب والسنة ما يغير، لهذا يبقى، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْسورة آل عمران103.
تمسك، تمسك، هو هذا، هو المهم التمسك، حبل الله، واحد يعني متمسك بالحبل ويصعد يصعد، لو ترك الحبل يهوي، يهوي تهوي به الريح في مكان سحيق.
عن أبي شريح الخزاعي قال: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قالوا: نعم، قال: (فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله). طبعاً السبب يطلق على الحبل، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءسورة الحـج15يعني: حبل إلى السقف، قال: (فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تظلوا ولن تهلكوا بعده أبداً)[رواه ابن حبان122]. رواه ابن حبان وصححه الألباني.
حث النبي عليه الصلاة والسلام على التمسك بكتاب الله، قال: (كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل)[رواه مسلم2408]، وهكذا من ترك التمسك بالوحي يتلون ويتغير، ويضل، وينحرف ويزيغ، ويبدل ويغير، وأما الذين ثبتوا ما بدلوا تبديلاً، هذا الاعتصام ضد التميع، ضد التفلت، ولذلك أهل الفلسفة والكلام من أشد الناس انتقالاً من قول إلى قول، وجزماً بالقول في موضع ونقضاً له في موضع آخر، يعني أنت الآن تعتقد مثلاً في موضوع المرأة اعتقاداً معيناً وتدين الله به، ما يمكن اليوم تقول كذا وبعد سنة سنتين ثلاثة تغير تقول: لا، كان هذا لا، هذا إذا كان على أساس، الأول إذا كان على أدلة وأساس كيف تنقضه، كيف؟!
سبحان الله أيها الإخوة والأخوات ما في، ليس كل الناس إذا ساروا في الطريق ثبتوا، لا هذا ينحرف، وهذا يسقط، وهذا يرجع إلى وراء، كذا، يعني تهب عليهم عواصف تجيئهم مطامع، تجيئهم شياطين الإنس والجن تغتالهم.
قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، لو واحد على الحق من أول ما يمكن بعدين يرى أنه والله هذا كان باطل وكان غلط وكان تشدد، وكان تزمت، لا.
ولذلك قال بعض السلف:"من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل"
أهل السنة والحديث سبحان الله العظيم يعني نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم، نسأل الله أن يجعلنا على طريقتهم، نسأل الله أن يرزقنا من فقههم، أهل السنة والحديث لا يعلم ترى أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع عن قوله واعتقاده، ما هو يعني في مسألة فقهية ما غير رأيه في اجتهاد فقهي لا، لكن الدين العقيدة المنهج، من منهج، الإمام أحمد مثلاً كان يقول: القرآن كلام الله، وغير مخلوق، وبعدين تحت الضغوط صار لا، مخلوق، لا طبعاً، ما تجد، شيخ الإسلام لما كان يقول بعلو الله على خلقه وصفات الله وكذا، ويثبت الصفات لله، وفي مسائل التوحيد، ومحاربة الشرك والبدع، والتوسل الممنوع، لما دخلوه السجن ولا لما جمعوا عليه أعداءه في المناظرات وإلا لما يعني أغروه بإغراءات أو هددوه تهديدها راح يغير؟ تروح لمجلد كذا مثلاً يعني ثلاثة تحصل كلاماً ومجلد إحدى عشر تحصل كلام ابن تيمية ثاني في رسالة ثانية، ورجع عن منهجه؟ ما نتكلم الآن عن مسألة فقهية، على منهج.
الصالحون الشهداء ممن قبلنا، يعني مثلاً أهل الأخدود لما رأوا بأعينهم يعني الآيات، وأسلموا، والغلام جعل الملك يقول: بسم الله رب الغلام ورماه وقتله، قال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، لما خد لهم الأخاديد وأوقد النيران الناس غيروا، قالوا: لا، رجعنا وكان بس، كانت حماسة، فترة حماس؟ لا، لا، الثبات هنا، لا يثبت يعني أمام التلون من اعتصم بالكتاب والسنة إلا من اعتصم بالكتاب والسنة، لا يثبت أمام التلون إلا من اعتصم بالكتاب والسنة.
دخل أبو مسعود على حذيفة قال: اعهد إلي، قال: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى وعزة ربي، قال: فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله تعالى فإن دين الله واحد.

دخل أبو مسعود على حذيفة قال: اعهد إلي، قال: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى وعزة ربي، قال: فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله تعالى فإن دين الله واحد.

يعني عبد الرحمن بن مهدي قال لفتى من ولد جعفر بن سليمان: مكانك، فقعد حتى تفرق الناس، ثم قال: تعرف ما في هذه الكورة –البلد يعني البلدة- من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجري مني على بال رضي إلا أمرك وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هيناً ما لم يصل إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جل وعظم، قال: يا أبا سعيد وما ذاك؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب، يقول له: شوف، شوف، البدع لو وصلت، أنتم الولاة لو وصلت الانحرافات إليكم مصيبة، قال: يا أبا سعيد وما ذاك؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه؟ فقال الغلام: نعم، وأخذ يتكلم عن الصفة، فقال: رويدك يا بني، يعني هذا ابن الوالي، بدأ يقتنع بكلام المشبهة، الذين يشبهون الله بخلقه غير طبعاً نفاة الصفات، هؤلاء مقابل، هؤلاء المشبهة مقابل النفاة المعطلة، وأهل السنة يثبتون ويقولون: ليس كمثله شيء، لما بدأ الولد يتكلم قال الشيخ عبد الرحمن، رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوق فنحن عن الخالق أعجز، أخبرني، عن لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىسورة النجم18، حديث (رأى جبريل له ستمائة جناح)[رواه البخاري3232]قال: نعم، قال عبد الرحمن: صف لي خلقاً من خلق الله له ستمائة جناح؟ بقي الغلام ينظر إليه، قال عبد الرحمن: يا بني فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين، صف لي خلقاً بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منها موضعاً غير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم، فوجئ، وتحط الجناح، اثنين من يمين وشمال، الثالث تحت أو فوق، أو نخلي الثلاثة بزوايا، فقال: يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز، وأشهدك أني قد رجعت عن ذلك، وأستغفر الله.
إذن أيها الإخوة والأخوات فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌسورة النور63، نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، نسأله أن لا يفتننا، وأن يقينا شر أنفسنا وأن يحيينا على الإيمان والدين والكتاب والسنة، وأن يميتنا عليها إنه سميع مجيب.

يوسف التازي
20-01-15, 11:22 PM
خطبة : الاعتصام بالكتاب والسنة منجاة من الفتن
د.محمد بن عدنان السمان
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته كما روى الإمام مسلم أن يقول : ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))
فهذه وصية من أعظم الوصايا النبوية وصية النبي صلّى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم، فالاعتصام بالكتاب والسنة نجاة من مُضلات الفتن، ومخالفة الكتاب والسنة أصل الخذلان، وفساد الدنيا والآخرة، والذل والهوان، وأن الواجب على كل مكلف الاعتصام بالكتاب والسنة؛ لأن فيهما المخرج من جميع الفتن لمن تمسك بهما ، واتبع هديهما .
أيها المسلمون : الاعتصام بالكتاب والسنة هو أساس وأصل النجاة في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ) ،حدث أبو شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه فقال: ((أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ )) قالوا: بلى، قال: ((إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً )) حديث صحيح أخرجه الإمام ابن حبان وغيره .
وقال الله –جل وعلا-: ( وَمَن يَعْتَصِم بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (
والمسلم في كل وقت وعلى أي حال يرد أمره إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى: )فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (.
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -: ((قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه ، وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ).
والقرآن الكريم أَمَرَ بالأخذ بكل ما جاء به الرسول صلّى الله عليه ، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، قال الله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ ).
ولا شكّ أنّ الأخذ بالكتاب والسنة من أهم الواجبات وأعظم القربات ؛ لأن الأخذ بالرأي المجرّد عن الدليل الشرعي يُوصل إلى المهالك .
إخوة الإسلام : إن التمسك بكتاب الله رفعة للمسلم في الدنيا والآخرة ، واسمعوا إلى هذا القصة التي وقعت في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه وهي نافع بن عبد الحارث لَقِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعُسفان ، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولىً من موالينا، قال: فتستخلف عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلّى الله عليه قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين )) رواه مسلم .
عباد الله : الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه: أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية )) ( فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ) .
وقال الله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .
عباد الله : القرآن الكريم يأمر بالاجتماع على الحق وينهى عن الاختلاف:
قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) سورة آل عمران، الآية: 103 .، فأمر بعد الاعتصام بالكتاب بعدم التفرق.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف))
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).
معاشر المسلمين الاعتصام بالقرآن والسنة نجاة من مضلات الفتن:

يوسف التازي
20-01-15, 11:30 PM
وجاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على أن من استمسك بما كان عليه النبي صلّى الله عليه كان من الناجين، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: ((صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً، فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود
ومما يؤكد أهمية السمع والطاعة ما حصل للصحابة مع رسول الله عليه صلّى الله عليه في صلح الحديبية حينما اشتدَّ عليهم الكرب بمنعهم من العمرة، وما رأوا من غضاضةٍ على المسلمين في الظاهر، ولكنهم امتثلوا أمر رسول الله صلّى الله عليه فكان ذلك فتحاً قريباً، وخلاصة ذلك أن سُهَيل بن عمرو رضي الله عنه وهو كان لم يسلم بعد ، بل كان من صناديد قريش في وقتها ، قال للنبي صلّى الله عليه حينما كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: اكتب باسمك اللهم، فوافق معه النبي صلّى الله عليه على ذلك، ولم يوافق سهيل على كَتْبِ محمد رسول الله، فتنازل النبي صلّى الله عليه وأمر أن يكتب محمد بن عبد الله، ومنع سهيل في الصلح أن تكون العمرة في هذا العام، وإنما في العام المقبل، وفي الصلح أن من أسلم من المشركين يردّه المسلمون، ومن جاء من المسلمين إلى المشركين لا يُردُّ، وأوّل من نُفّذ عليه الشرط أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فردّه النبي صلّى الله عليه بعد محاورة عظيمة، وحينئذٍ غضب الصحابة لذلك حتى قال عمر رضي الله عنه للنبي صلّى الله عليه: ألستَ نبيَّ الله حقّاً؟ قال: ((بلى ))، قال: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: ((بلى ))، قال: فلمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري))، قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، فحصل بهذا الصلح من المصالح ما الله به عليم، ونزلت سورة الفتح، ودخل في السَّنة السادسة والسابعة في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً بعد الفتح في السنة الثامنة.
وهذا ببركة طاعة الله ورسوله؛ ولهذا قال سهل بن حنيف: ((اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردّ أمر النبي صلّى الله عليه لرددته)). وهذا يدلّ على مكانة الصحابة رضي الله عنهم وتحكيمهم رسول الله صلّى الله عليه ، فحصل لهم من الفتح والنصر ما حصل، ولله الحمد والمنة.
فنسأل الله أن يعصمنا بكتابه وسنة رسوله ، وأن يعيننا على ذكره وشكره ، أقول ماسمعتم .
الخطبة الثانية :
الحمد لله الذي قامت بعدله السموات والأرض، الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم بما تنطوي عليه الأفئدة وتكنه الصدور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فحكم وأحكم، وكان خير من عدل وأرشد إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، ومن اتبع آثارهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
فبعد الوصية بتقوى الله سبحانه ، نعزز ما أكدناه في الخطبة الأولى من الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنهما نجاة من الفتن وعن حذيفة رضي الله عنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله صلّى الله عليه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كُنِّا في جاهِلِيَّةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: ((نعم )) .
قلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: ((نعم وفيه دخن))، قلت: وما دخنه؟
قال: ((قوم يستنّون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر )).
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: ((نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها )).
فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: ((نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)).
قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )).
فقلت:فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال صلّى الله عليه:((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) متفق عليه .
قال الإمام النووي – رحمه الله -: ((وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعمل المعاصي: من أخذ الأموال، وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله صلّى الله عليه ، وهي هذه الأمور التي أخبر بها ، وقد وقعت كلها ))

يوسف التازي
20-01-15, 11:31 PM
في التمسك بالكتاب والسنة

الحمدُ لله نحمَدُه، ونستَعِينه ونستَهدِيه، ونستَغفِره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحابته، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، اتَّقوا الله - تعالى - وتمسَّكوا بكِتابه، وعَضُّوا على سنَّة نبيِّه بالنواجِذ، فقد كثُرت الفِتَن، وظهرت الشُّرور، وتداعَتْ عليكم الأمم من كلِّ حَدب وصَوب، فعليكم بسنَّة نبيِّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - اعمَلُوا بما عَلمتُم، وتعلَّموا منها ما جَهِلتم فإنَّ فيها النَّجاة.

في الحديث عن العِرباض بن سارية - رضِي الله عنه - قال: وعَظَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظة وَجِلتْ منها القُلوب، وذرفتْ منها العُيون فقلنا: يا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كأنَّها موعظة مودِّع فأَوْصِنا، قال: ((أُوصِيكم بتقوى الله والسَّمع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنَّه مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة))[1].

وعن جابر بن عبدالله قال: ((جاءت ملائكةٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو نائم فقال بعضهم: إنَّه نائم، وقال بعضهم: إنَّ العين نائمةٌ والقلب يقظان، فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلاً، فقال بعضهم: إنَّه نائم، وقال بعضهم: إنَّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله مثل رجلٍ بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعَث داعيًا؛ فمَن أجابَ الداعي دخَل الدار وأكل من المأدُبَة، ومَن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدُبَة، فقالوا: أوِّلوها له يفقَهها، فقال بعضهم: إنَّه نائم، وقال بعضهم: إنَّ العين نائمةٌ والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنَّة، والداعي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم -، فمَن أطاع محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد أطاعَ الله، ومَن عصى محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد عصى الله، ومحمدٌ فرق بين الناس)[2].

فيا عباد الله:
إنَّ نبينا محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - الرؤوف بأمَّته قد رغب وحذَّر وأنذَر وبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ولم يبقَ لأحدٍ عذر؛ فعن أبي موسى - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنما مثلي ومثل ما بعثَنِي الله به كمثَل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم، إنِّي رأيت الجيش بعيني، وإنِّي أنا النذير العريان، فالنجاءَ، فأطاعَه طائفةٌ فأدلَجوا، فانطَلقوا على مهلهم فنجوا، وكذَّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل مَن أطاعني فاتَّبع ما جِئتُ به ومثل مَن عَصاني وكذَّب ما جِئتُ به من الحق))[3].

وإنَّ هذه الدار يا عباد الله دارُ بلاء وامتحان، ولا بُدَّ من الانتقال منها إلى دار القَرار، فإمَّا إلى جنَّة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطَر على قلب بشر، أو إلى نار وقودُها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون.

فليتذكَّر العبد مآله ومصيره، وماذا يتبعه، وما الذي يبقى معه في أوَّل منازل الآخِرة، وهو قبرُه، لا شكَّ أنَّ الذي يبقَى معه عمله، ويرجع ما سواه، فإنْ كان عمله صالحًا فالخير بشراه، وإنْ كان فاسدًا فأحسن الله عَزاه، ولن ينفَعَه الندم فقد حِيلَ بينه وبين العمل.

فاتَّقوا الله يا عباد الله واحذَرُوا أسباب سخطه واتَّعِظوا، فإنَّ المواعظ محيطةٌ بكم، وأصلِحوا ما فسد من أحوالكم، وتعلَّموا ما جهلتم من أمور دِينكم، واعمَلُوا في دُنياكم بما يتَّفِق مع تعاليم ربِّكم، وتعاوَنوا على البر والتقوى وتناهوا عن الإثم والعدوان، كونوا إخوة مُتَعاونين متحابِّين، يدًا واحدة وصفًّا واحدًا، حصنًا مَنِيعًا أمامَ عدوِّكم وعدوِّ دِينكم وبلادكم، واحذَرُوا من أسباب الخِزي والخذلان.

واحذَرُوا من المعاصي داءِ الأمم، واللهوِ والغفلة، والترف والميوعة، وموت القلوب وضعف الأبدان، فإنَّ دِيننا دين القوَّة والشجاعة والشهامة والغيرة على المحارم والأخلاق، المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، فما أسعَدَ الأمَّة بقوَّتها وصَلابتها في دِينها ودُنياها، وما أجمَلَها في حُلَل أخلاقها العالية، وما أعزَّها بعقيدتها السليمة الصافية، وما أقواها بعدَّتها واستِعدادها بما يرهب عدوَّها، فما أجمل الدِّين والدُّنيا إذا اجتمعا.

فاتَّقوا الله يا عباد الله، فدِيننا دِين الحق الصالح لكلِّ زمانٍ ومكان وما بعدَ الحق إلا الضلال!

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
قال الله العظيم: ï´؟ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ï´¾ [الإسراء: 9-10].

بارَك الله لي ولكم في القُرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتابَ عليَّ وعليكم إنَّه هو التوَّاب الرحيم.

أقول قولي هذا وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستَغفِروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

واعلَمُوا - يا عباد الله - أنَّنا في هذه الحياة بمَثابة السفينة المحمَّلة بالركاب في لجَّة البحر تتلاطَمُها الأمواج وتَعصِف بها الرياح، متَّجهة إلى بلدةٍ تتطلَّع إلى ساحله لترسو في مينائه، فمتى أخلَّ أحد ركَّابها بشيءٍ من آلاتها أو فكَّر في ذلك وترك وعمل ما يضرُّ بها هلك الجميع، وإنْ كان ربَّانها وبقيَّة ركَّابها على مستوى من اليقَظَة وإدراك عَواقِب الأمور، وأخَذوا على يد العابث بها سلم الجميع، وقد مثَّل لنا نبيُّنا - صلوات الله وسلامه عليه - هذا الأمرَ وحذَّر من ترك العابثين.

وأخبر أنَّ الضرر يعمُّ الجميع، فما أكثر المواعظ والأمثال! وما أكثر ما يُحِيط بنا لو صادَفتْ قلوبًا واعية، وآذانًا مصغية، وأعينًا مبصرة! فاتَّقوا الله يا عباد الله، فالأمر عظيم، والخطر جسيم، ولا نجاةَ إلا بالتمسُّك بحبل الله المتين، والسير على نهج نبيِّه الصَّادق الأمين.

________________________________________
[1] أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2678)، وأحمد في المسند (4/126، 127) وابن ماجه (42)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.
[2] أخرجه البخاري رقم (7281) - الفتح: 13/263.
[3] أخرجه البخاري رقم (7283) - الفتح: 13/264.

يوسف التازي
20-01-15, 11:40 PM
وجوب العودة إلى هدي الكتاب والسنة بمنهج السلف
أمتنا بين الواقع والعودة إلى الكتاب والسنة

فمما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية في حاجة ماسة إلى هداية إلى معالم الشرع وطرق الهدية التي أرادها الله تعالى منها، وإن بداية الهداية لهذه الأمة تكمن في العودة إلى هدي الكتاب والسنة عودة صادقة، والاعتصام بحبلهما على هدي سلف الأمة عليهم رضوان، فمتى عدنا إلى الكتاب والسنة فُزنا وأفلحنا، ومتى أعرضنا عنهما، ضللنا وشقينا، وما كل ما يحدث لنا اليوم إلا من جراء الإعراض والصد عن هدى الوحيين الصافيين وصدق الله إذ يقول: ï´؟ فَمَنِ اتَّبَع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ï´¾ [طه:123-126].

وهنا لنا عدة وقفات مهمة:
أولاً: وجوب العودة إلى الكتاب والسنة:
إن العودة إلى لزوم هدي الكتاب والسنة في كل مجالات الحياة، ليست تطوعًا ولا نفلاً نتقرب به إلى الله بأدائه، كلاَّ، بل هذه العودة فرض على كل مسلم مكلف بالغ عاقل؛ سواء أكان رجلاً، أم امرأة.

ولنكن على يقين كامل، وثقة مؤكدة، أنه لا عز لأُمتنا ولا نصر لها ولا كرامة إلا بهذه البداية، وإلا بهذه العودة الجادة إلى الله - سبحانه - وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولنعلم أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلنسرع الخطى بالعودة إلى القرآن والسنة، وإلى الاستجابة لأحكامها، فإن فيهما الخير والهداية لنا إن أردنا ذلك.

إن الكتاب والسنة أصلان كبيران لهذا الدين؛ لأنهما ركن من أركان الإيمان، فمن كفر بالكتاب أو بالسنة، فقد كفر بالإسلام كله، فعلى كل مسلم أن يؤمن بالكتاب والسنة، وأن يعظمهما، ويُجلهما ويخدمهما؛ قال تعالى: ï´؟ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ï´¾ [الحج: 32].

كما أنه يجب على كل مسلم الإذعان لله ورسوله، والاعتقاد بوجوب التزام الكتاب والسنة،ووجوب متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال تعالى: ï´؟ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ï´¾ [سورة النساء:65].

ومن هنا فإن الواجب على المسلم رجلاً كان أو امرأة، أن يعلم العلم اليقيني بوجوب أن يتقيد في كل حركة من حركاته، وسكنة من سكاناته، ونفس من أنفاسه، بالكتاب والسنة التي جاء بها النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وقد حضت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة على وجوب الالتزام بهما، فمن آيات القرآن في ذلك:
قوله تعالى: ï´؟ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ï´¾ [النساء: 59]، وقوله تعالى: ï´؟ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ ï´¾ [الحشر:7]، وقوله - سبحانه -: ï´؟ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ï´¾ [آل عمران: 32]، وقوله - عز وجل -: ï´؟ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَع رِضْوَانَهُ سُبُل السَّلاَمِ ï´¾ [المائدة: 16،15]، وقوله تعالى: ï´؟ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ï´¾ [ص: 29]، قال الحسن: تدبُّر آياته: اتباعه والعمل بعلمه.

أما عن نصوص السنة النبوية، فمن ذلك ما يلي:
روي البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين".

وروي الترمذي عن المقدام بن معد يكرب رفعه: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"، ولأبي داود: "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته ..."؛ الحديث.

وفي خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حَجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة؛ حيث قال: "وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا، كتاب الله، وسُنة نبيه"؛ رواه مالك، وذكر النصوص في ذلك أمر يطول إيراده، فلنكتفي بما أردنا إيضاحه وبيانه، والله المستعان.

إذًا فالإسلام في البداية والنهاية هو التسليم للكتاب والسنة، والكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء مما يحتاجه المكلف؛ قال تعالى عن القرآن: ï´؟ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ï´¾ [النحل: 89]، وقال - سبحانه وتعالى -: ï´؟ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ï´¾ [يوسف: 11]، وقال تعالى: ï´؟ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ï´¾ [النحل: 44].

وذلك أن القرآن الكريم مشتمل على كل ما يهم الناس في معاشهم ومعادهم؛ عقيدة، وعبادة، وسلوكًا، على المستوى الفردي والجماعي، المحلي والعالمي، وذلك في شتى المجالات الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية والحربية وغيرها، وقد بينا ذلك في كتاب «مجالات الدعوة في القرآن وأصولها»، وفصلنا النصوص القرآنية التي تدعو إلى شتى هذه المجالات، الإنسانية والعقائدية والتشريعية والأخلاقية، فليراجع في مكانه.

إذًا فالقرآن تِبيانٌ لكل شيء، وهذا التبيان القرآني قد يكون بالنص والتصريح، وقد يكون بالإشارة والتلميح، وهذا الأمر ضمن للقرآن استمرارية العطاء للبشرية، وصلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان، فليس بعده دين يكمله أو ينسخه؛ كما قال - سبحانه -: ï´؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ï´¾ [المائدة: 3].

يوسف التازي
20-01-15, 11:45 PM
ثانيًا: أسباب العودة إلى الكتاب والسنة:
وإذا كنا ننادي الأمة الإسلامية ونطالبها بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة قولاً وعملاً، توحيدًا واتباعًا، قوة واقتصادًا، فإن لذلك أسباب مهمة وأصيلة:
1- لأن منهاج الكتاب والسنة هو المنهاج الرباني الكامل المحفوظ من كل تغيير أو تبديل أو تحريف؛ كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ï´¾ [الحجر: 9].

2- لأن الكتاب والسنة هما أصلا الوحي الذي يتسم بالشمولية والكمال، لكل مناحي الحياة الإنسانية، والوفاء بالاحتياجات البشرية كلها؛ كما قال تعالى: ï´؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ... ï´¾ الآية [المائدة: 3].

3- لأن الأمة جربت كل مناهج الضلال، ومذاهب العلمانية والإلحاد، وفتحت باب الشهوات على نفسها، وأعرضت عن الكتاب والسنة، وخلفت الأخلاق والقيم وراء ظهورها، فماذا كانت النتيجة؟ أنها صارت إلى ما صارت إليه اليوم مما وصفناه وقدمناه آنفًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

4- لإزالة شبهات الطاعنين وردها؛ وذلك نظرًا لأن الإسلام هو الدين الذي ختم الله به الرسالات والشرائع السماوية، وكان آخر حلقة في سلسلة اتصال السماء بالأرض، فإنه بصفة خاصة يتعرض أكثر من غيره لإثارة الشبهات حوله، والطعن في أصوله وثوابته، خاصة القرآن والسنة، وكذلك الطعن في ناقلي هذا العلم من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما ذاك إلا لأن القرآن: ï´؟ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ï´¾ [المائدة: 48].

والشبهات التي تثار ضد الإسلام منذ كان وحتى اليوم مكررة ولا تختلف مع بعضها، إلا في الصياغة، أو محاولة إعطائها صبغة علمية زورًا وبهتانًا والعلم منها بَراء، وقد نهض مفكرو الإسلام وعلماء السنة بالقيام بواجبهم في الرد على هذه الشبهات كل بطريقته الخاصة، وبأسلوبه الذي يعتقد أنه هو السبيل الأقوم للرد.

5- لأن مدار السعادة في الدنيا والآخرة قائم على الالتزام بهما والاعتصام بحبلهما، وهذه السعادة إنما تكون لمن أرادها وبحث عنها في مظانها؛ وذلك لأن العبد إذا عرف ربه وآمن به حقًّا، وصدق برسله يقينًا، فإن يلتزم بشرعه الذي أنزله، تطيب حياته، ويسعد بعد مماته؛ كما قال عز وجل: ï´؟ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ï´¾ [طه: 123].

وخلاصة القول:
إن السعادة في الالتزام بشرع الله تعالى ودينه، وما شرعه ودينه إلا الكتاب والسنة، والالتزام بهما في طول الحياة الإنسانية وحتى الممات بإذن الله تعالى، لكل هذه الأسباب ولغيرها أيضًا نعلم جيدًا لماذا نطالب بالعودة إلى هدي الكتاب والسنة المطهرة، وإلى تحكيم الشريعة الحقة شريعة القرآن والسنة.
في اتباع السنة
لا يَشْغَلَنَّكَ قَائِلٌ بَعْدَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وَاللَّهِ مَا صَدَقَ امْرُؤٌ فِي الوَعْدِ مِثْلَ مُحَمَّدِ
كَلاَّ وَلا نَفَعَ امْرُؤٌ نَفْعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
إِنْ لَمْ تَكُنْ لِمُحَمَّدٍ تَبَعًا فَقُلْ لَمْ أَرْشُدِ

• • •

دُنْيَاكَ مَاذَا بَعْدَهَا مَا دُمْتَ غَيْرَ مُخَلَّدِ؟
هَلْ هَذِهِ دَارُ البَقَا ءِ أَوِ النَّعِيمِ؟ أَلا ازْهَدِ
اصْبِرْ عَلَى أَهْوَالِهَا وَاجْهَدْ لِتَنْعَمَ فِي الغَدِ
وَارْفُقْ بِنَفْسِكَ أَنْ تُعَذَّ بَ فِي الجَحِيمِ بَلِ افْتَدِ
لا تَهْرُبَنَّ مِنَ الحَقِيـ ـقَةِ لا تَكُنْ كَالمُلْحِدِ
وَاسْأَلْ إِلَهَكَ أَنْ يُدِيـ ـمَكَ فِي اليَقِينِ لِتَهْتَدِي
وَعَنِ الغَوَايَةِ يَا إِلَـ ـهِي رُدَّنِي أَقْصِرْ يَدِي

• • •

لا تَسْمَعَنَّ لِقَائِلٍ مُتَحَذْلِقٍ أَوْ تَقْتَدِي
خُذْ مَا أَرَدْتَ مِنَ الأَنَا مِ وَدَعْ وَلا تَتَشَدَّدِ
أَمَّا إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ فَغُضَّ طَرْفَكَ تَسْعَدِ
مَا اخْتَارَ رَبُّكَ أُسْوَةً غَيْرَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
كَلاَّ وَلا عُصِمَ امْرُؤٌ مِثْلَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
لَكِنْ إِذَا ثَبَتَتْ لَدَيْـ ـكَ شَرِيعَةٌ فَلْتَجْهَدِ
لا تَكْسَلَنَّ وَلا تَكُنْ كَالعَارِفِ المُتَرَدِّدِ
إِنَّ النِّفَاقَ هُوَ التَّرَدُّ دُ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدِ
مَنْ ذَا تُدَاهِنُ يَا أَخِي؟ أَوْ مَنْ تُخَادِعُ فِي الغَدِ؟
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّ فَصَفِّ نَفْسَكَ وَاعْبُدِ

يوسف التازي
20-01-15, 11:46 PM
إنَّ الحمد لله نحمَده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله ربَّكم، واتَّبعوا كتابه المبارك الذي أنزله موعظةً لكم وذكرى، فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون: ï´؟ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [المائدة: 15، 16]، ï´؟ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ï´¾ [فصلت: ظ¤ظ¢].

من اتَّبعه وتمسَّك به كان على الهدى، ومَن تركه كان على الضلال؛ ففي صحيح مسلم أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال في خطبته في حجة الوداع: ((إني تاركٌ فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله))، وفيه أيضًا عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله؛ فيه الهدى والنور، فخُذوا بكتاب الله وتمسَّكوا به)).

وفي هذا بيانٌ منه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن اتِّباع الكتاب والتمسُّكَ به، عصمةٌ من الضلال، ونَجاة من الفتن، ونورٌ في الظلمات، وفرقان بين الحق والباطل عند اشتباه الأمور.

أيُّها المسلمون:
ولقد وكَل الله - تبارك وتعالى - مُهمَّة تفسير القرآن وبيانه للنَّاس إلى رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال تعالى: ï´؟ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ï´¾ [النحل: 44]، وقال سبحانه: ï´؟ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ï´¾ [النحل: 64]، وبيانُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكتاب الله ولذِكْر الذي جعَله الله هُدًى ورحمة للمؤمنين هو بوحْيٍ من الله تعالى، كما قال سبحانه: ï´؟ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ï´¾ [النجم: 3 - 4].

ولهذا امْتَنَّ الله تعالى - وله الفضل والمِنَّة - بذلك على هذه الأُمَّة؛ السَّابقين منهم واللاحقين، ببعثته - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال - تعالى -: ï´؟ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ï´¾ [الجمعة: 2 - 4].

فمِن فضل الله ورحمته علينا أنْ بعَث إلينا عبْدَه ورسوله محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنزل عليه الكتاب؛ لِيَتلو علينا آياته، ويعلِّمنا الكتاب والحكمة التي هي السُّنَّة؛ يبيِّن بها معاني القرآن، ويفصِّل أحكامه، ويبشِّر وينذر، ويَهدي بها إلى صراط مستقيم، كلُّ ذلك فضْلٌ من الله على هذه الأمة ورحمة بها، والله ذو الفضل العظيم.

يوسف التازي
20-01-15, 11:48 PM
أيها المسلمون:
فالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أفعالُه وتقريره وحاله، ذلك كلُّه من سُنَّته، فلولا السُّنة لم يَعرف الناس عدد ركعات الصلاة وصفاتها وما يجب فيها، ولولا السُّنَّة لم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام والزكاة والحجِّ والجهاد، والأمْرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمُحرَّمات وما أوجب الله فيها من الحدود والعقوبات؛ ولهذا أوجب الله طاعةَ رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقرَنها بطاعته، وجعلها من أسباب رحمته وهدايته، وحذَّر من معصيته ومخالفته، فقال - تعالى -: ï´؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ï´¾ [آل عمران: 132].

وقال - تعالى -: ï´؟ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ï´¾ [النور: 54].
وقال - سبحانه -: ï´؟ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ï´¾ [النساء: 80].
وقال - جلَّ ذِكْرُه -:ï´؟ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ï´¾ [الحشر: 7].
وقال - تبارك اسْمُه -: ï´؟ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ï´¾ [النور: 63].

قال الإِمام أحمد - رحمه الله -: أتَدْري ما الفتنة؟ الفتنة الشِّرك، لعلَّ إذا ردَّ بعض قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يقع في قلبه شيءٌ من الزَّيغ، فيَهلِك.

فاتَّقوا الله أيُّها المسلمون، وتمسَّكوا بكتاب ربِّكم وسُنَّة نبيِّكم؛ ففيهما الهُدى والنور والخير الكثير، واحذروا ما يخالفهما من محْدَثات الأمور؛ فإنَّها ضلال وغُرور، ولقد وعَد الله - تعالى - مَن اتَّبع هداه بألاَّ يضلَّ في الدُّنيا ولا يَشْقى في الآخرة، فقال: ï´؟ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ï´¾ [طه: 123].

وفي الصَّحيحين عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((كلُّ أمَّتي يدخل الجنَّة إلا مَن أبى))، قيل: ومَن يَأبى، يا رسول الله؟! قال: ((مَن أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى)).

وفيهما أيضًا أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((من رغب عن سنتي فليس منِّي)).

وأخرج البيهقي عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لن يَستكمل مؤمنٌ إيمانه حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به)).

فعليكم عبادَ الله بلزوم سُنَّة نبيِّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جميع أحوالكم؛ فإنها سعادة لمن تمسَّك بها ونجاةٌ له من كلِّ هلكة، واعلموا أنَّه لا يُقبل قولٌ وعمل ونية، ولا يَصلح إلاَّ بموافقة السُّنة، وأن الطُّرق كلَّها مسدودة على الخَلْق، إلاَّ طريق رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمن اقتفى أثَرَه فإن الله يجعل له نورًا في قلبه، ونورًا يسعى به على الصِّراط يوم القيامة.

وكان عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يقول: سَنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وولاة الأمر بعده - يعني: خلفاءَه وأصحابه - سننًا؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكثار من طاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومَن استنصر بها فهو منصور، ومَن خالفها اتَّبَع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: ï´؟ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ï´¾ [النساء: 115].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ï´؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ï´¾ [الأحزاب: 21].

بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الهُدى والذِّكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذَنْب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي بعث في كل أمة رسولًا يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة غيره، قال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ï´¾ [النحل: 36]، أحمده - سبحانه - أن هدانا لعبادته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وأسمائه وصفاته وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ رسالته، وأدى أمانته، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد:
أيها الناس، اتقوا الله - تعالى - بفعل ما أمركم به في كتابه وعلى لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، يقول الله تعالى: ï´؟ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ï´¾ [آل عمران: 31]، فجعل تبارك وتعالى اتباع الرسول من محبة الله تعالى، ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فطاعة الرسول بعد موته التمسك بسنته وتقديمها على سنن غيره واعتقاد صحة أقواله وأفعاله وأنه رسول رب العالمين أرسله رحمة للعالمين، فمن شك في شيء مما جاء به - صلى الله عليه وسلم - أو اعتقد أنه رسول الله لأناس مخصوصين، ولم تشمل رسالته جميع الثقلين (الجن والإنس) وأنه يجوز الأخذ بتشريع من سبقه من الأنبياء فيما يخالف ما جاء به من الأحكام، فإنه لم يشهد أن محمدًا رسول الله حقيقة، لأن الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: ï´؟ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ï´¾ [الأعراف: 158] فلا يسع أحدًا من الناس بعد بعثته إلا اتباعه، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم -عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى - عليه السلام - كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)[1]. فلو أن شيئا من الشرائع يجوز التمسك به بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - لوسع موسى أن يأخذ بشريعته التي بعث بها ولم يتابع محمدًا - صلى الله عليه وسلم -في شريعته، فمقتضى هذا أن من لم يحكم شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويؤمن بها ويعتقد صحتها فإنه يشهد أن محمدًا رسول الله حقيقة لأنه - صلى الله عليه وسلم - يقول (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)[2] أي مردود عليه ولم يقبل منه، وأقسم الله تبارك بنفسه المقدسة بنفي الإيمان عمن لا يحكم شريعة الإسلام - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء من الخلاف فقال تعالى: ï´؟ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾ [النساء: 65].

فاشترط للإيمان ثلاثة شروط: أولها تحكيمه - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يتنازع فيه والثاني: الرضا بحكمه وعدم التحرج منه أو عدم الرضى به، والثالث: أن يسلموا لهذا الحكم ولا يطلبوا غيره وتحكيم شريعته - صلى الله عليه وسلم - بعد موته مقتضى تحكيمه في حياته لأن الله- تعالى- قال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ï´¾ [النساء: 59].

أي ردوه إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فالرد إليهما رد إلى الله ورسوله وقوله تعالى (في شيء) يشمل القليل والكثير ويشمل التنازع في أمور الدين والدنيا... بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....

يوسف التازي
20-01-15, 11:48 PM
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليطاع ويتبع، أنقذ به عباده من ظلمات الجهل إلى نور الهدى والعلم، فمنهم الطائع الممتثل ومنهم من امتنع، أحمده- سبحانه- وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين والمرسلين اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على هذا الدين أما بعد:

فيقول الله - تعالى- منبِّهًا عباده إلى ما فيه رشدهم وفلاحهم ومغفرة ذنوبهم: ï´؟ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ï´¾ [آل عمران: 31] أي قل يا محمد لجميع الخلق المدعي منهم محبتك أن محبتي منوطة بمتابعتك، فمن زعم محبتي وهو لم يقبل ما جئت به لم ينفعه ذلك حتى يتابعك ويؤمن بما جئت به من عندي إيمانًا صادقًا، ويأتي ما أمرت به وينتهي عما نهيت عنه قولًا وعملًا واعتقادًا، فمن ادعى متابعتك ولم يمتثل بما جئت به من عندي فهو في الحقيقة لم يتبعك، وكل من ادعى محبتي ولم يتابعك فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع الذي جئت به من عندي في جميع أقواله وأفعاله ومعاملاته، قال الحسن البصري - رحمه الله-: زعم قوم محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية ï´؟ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [آل عمران: 31]، وروى ابن كثير - رحمه الله - عند هذه الآية عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله)[3].

عباد الله، إن السعادة كل السعادة في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - و امتثال أوامره أمرًا ونهيًا، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر بصدق وإخلاص، وأن يبدأ الإنسان بنفسه ومن هم تحت يده ويقيمهم على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ينصح لعموم المسلمين ويقبل النصيحة ممن ينصحه ولا يأخذه الغرور بنفسه فإن ذلك من أخلاق المتكبرين، فإن المرء إذا لم يقبل النصيحة يكون راضيًا عن نفسه وإذا رضي الإنسان عن نفسه عميت عنه عيوبها فلا يؤثر فيها نصح ولا ينفع معها إرشاد، وإذا أراد الله بعبده خيرًا بصره بعيوب نفسه فأصلحها واتهمها دائمًا بالنقص وطالبها بالكمال حتى يلحق بالنفوس الزكية والأرواح الطاهرة، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "رحم الله امرأ أهدى إلي عيوب نفسي" لأن النفس كما وصفها الله أمارة بالسوء وقد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء به - رضي الله عنه - بقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر)[4] ويقول (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور) ومن سنته - صلى الله عليه وسلم - المحافظة على الصلاة في الجماعة، وكان أصحابه - رضي الله عنهم - يحافظون عليها أشد المحافظة كما يعدون تركها كفرًا يُخرج من الملة، كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - (إن الله شرع لكم سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في الجماعة فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض وإنه ليؤتى بالرجل يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). فهذه سنته - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الصلاة ونحن - للأسف- نتخلف عن الجماعة لأدنى سبب، ونزعم متابعته - صلى الله عليه وسلم - فهذا الزعم قد لا يكون حقًا.

والحمد لله رب العالمين.

يوسف التازي
20-01-15, 11:49 PM
(2) التمسّك بالكتاب والسنة

حقٌّ على كل طالب علم أن يلتزم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين رضي الله عنهم،وأن يبتعد عن الابتداع والإحداث في الدين، فإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار، قال الشافعيّ رحمه اللّه: "أجمع المسلمون على أن من استبان له سنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحلّ له أن يدعها لقول أحد".
ويجب الرجوع في فهم الكتاب والسنة إلى فهم الصحابة والتابعين؟ لشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالخيريّة، ولمّا ترك بعض المسلمين ذلك ظهرت فيهم البدع الكثيرة والفرق المختلفة، والدين إنما جاء من عند اللّه، لم يُوضع على هوى أحد من الناس، ومن اتّبع هواه ورأيها مرق من الدين وخرج من الإِسلام، قال مالك رحمه اللّه: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة".
وليحذر طالب العلم من ردّ الآيات والأحاديث وإخراجها عن دلالتها إذا خالفت مذهب إمامه، ومن تقديم قول أحد على نصوص الشرع؟ فإن العالم قد يزلّ ولابدّ، إذ ليس بمعصوم إلاّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
ولا يجوز الاجتهاد في الأدلّة واستنباط الأحكام منها إلاّ لأهل الاجتهاد، وللمجتهد الأخذ بمذهب معينّ في مسألة معيّنة إذا عجز عن الاجتهاد فيها، ويجوز التقليد للعامّيّ الذي لا يعرف الحكم، لقول اللّه تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }النحل:43 ويقلِّد أفضل من يجده علماً وَوَرَعاً.

يوسف التازي
20-01-15, 11:50 PM
الاعتصام بالكتاب والسنة

الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
قَالَ تَعَالَى: ï´؟ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ï´¾ [آل عمران: 103]. قال ابن كثير رحمه الله: "ï´؟ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ ï´¾ قِيلَ: بِعَهدِ اللهِ، وَقِيلَ: القُرآنُ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللهِ، وَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه: هُوَ الجَمَاعَةُ"[1].

قوله: ï´؟ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ï´¾: أمرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة.

وقد وردت النصوص الكثيرة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، قَالَ تَعَالَى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ï´¾ [الأنعام: 159].

روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ"[2].

والاعتصام بالكتاب والسنة هو التمسك بهما على فهم السلف الصالح وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين، قَالَ تَعَالَى: ï´؟ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ï´¾ [النساء: 115]. روى أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه في سننهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرقْ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي"[3]. أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.

قَالَ عَبدُاللهِ بنُ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه: "إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلبَ مُحَمَّدٍ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ فَاصطَفَاهُ لِنَفسِهِ فَابتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعدَ قَلبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصحَابِهِ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ فَجَعَلَهُم وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَن دِينِهِ"[4]. ثُمَّ قَالَ: "مَن كَان مِنكُم مُستَنًّا فَليَستَنَّ بِمَن مَاتَ فَإِنَّ الحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيهِ الفِتنَةُ، أُولَئِكَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَفضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعمَقَهَا عِلمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اختَارَهُمُ اللهُ لِصُحبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعرِفُوا لَهُم فَضلَهُم وَاتَّبِعُوهُم عَلَى آثَارِهِم وَتَمَسَّكُوا بِمَا استَطَعتُم مِن أَخلَاقِهِم وَسِيَرِهِم فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُستَقِيمِ"[5].

وقد وردت النصوص الكثيرة التي تحث على التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، قَالَ تَعَالَى: ï´؟ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون ï´¾ [الأعراف: 3]. وقَالَ تَعَالَى: ï´؟ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ï´¾ [الزخرف: 43]. وقَالَ تَعَالَى: ï´؟ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون ï´¾ [الجاثية: 18].

والتمسك بالقرآن والسنة عصمة للعبد من الضلالة وهداية له، روى مسلم في صحيحه والحاكم في مستدركه مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِاللهِ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: "وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ"[6][7].

وروى الحاكم في المستدرك مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: "إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيئَينِ لَن تَضِلُّوا بَعدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي"[8].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول صلى اللهُ عليه وسلم، ولا يتقدم بين يديه بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعًا لقوله، وعمله تبعًا لأمره، فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستنير فهذا أصل أهل السنة"[9].

وقد دلت الأحاديث أن من تمسك بما كان عليه صلى اللهُ عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء الراشدين كان من الناجين، روى أبو داود والترمذي في سننهما مِن حَدِيثِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"[10].

وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِاللهِ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي اللهُ عنه أَتَى النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِن بَعضِ أَهلِ الكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَغَضِبَ وَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي"[11].

ومن المعلوم أن نبي الله عيسى عليه السلام عندما ينزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد، وإنما يحكم بشريعة النبي صلى اللهُ عليه وسلم، روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ"[12].

قال النووي: "قوله: وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، فالصواب في معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل منهم الجزية لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل، هكذا قاله الإمام أبو سليمان الخطابي وغيره من العلماء"[13].

قال الإمام مالك: "لَا يَصلُحُ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا، وَمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ صلى اللهُ عليه وسلم". روى الطبراني في معجمه الكبير مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه: "أَنَّهُ مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُونَ الصَّلَاةَ وَهُم حِلَقٌ، وَفِي كُلِّ حَلقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيدِيهِم حَصَى، وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُم: سَبِّحُوا مِئَةً فَيُسَبِّحُونَ، كَبِّرُوا مِئَةً فَيُكَبِّرُونَ، هَلِّلُوا مِئَةً فَيُهَلِّلُونَ، فَقَالَ لَهُم: عُدُّوا سَيِّئَاتِكُم، فَأَنَا ضَامِنٌ أَن لَا يَضِيعَ مِن حَسَنَاتِكُم شَيءٌ، وَيحَكُم يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم مَا أَسرَعَ هَلَكَتَكُم! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُم صلى اللهُ عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَم تَبلَ وَآنِيَتُهُ لَم تُكسَرْ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهدَى مِن مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوَ مُفْتَتِحُو بَابَ ضَلَالَةٍ؟ قَالُوا: وَاللهِ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، مَا أَرَدنَا إِلَّا الخَيرَ! قَالَ: وَكَم مِن مُرِيدٍ لِلخَيرِ لَم يُصِبْهُ؟!"[14].

قَالَ تَعَالَى: ï´؟ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ï´¾ [آل عمران: 106]. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: "حِينَ تَبيَضُّ وُجُوهُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَتَسوَدُّ وُجُوهُ أَهلِ البِدعَةِ وَالفُرقَةِ"[15].

يوسف التازي
20-01-15, 11:50 PM
ومن فوائد الاعتصام بالكتاب والسنة:
1- الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة للعبد من مضلات الفتن.
2- الاعتصام بالكتاب والسنة عصمة للعبد من الوقوع في الشهوات المحرمة.
3- الاعتصام بالكتاب والسنة عزة للأمة، وقوة لها.
4- الاعتصام بالكتاب والسنة يكشف حيل الشيطان ومداخله.
5- الاعتصام بالكتاب والسنة دليل على صحة العقل، واستقامة الفطرة.
6- الاعتصام بالكتاب والسنة يثمر اطمئنان القلب، وراحة النفس.
7- الاعتصام بالكتاب والسنة عصمة من الوقوع في البدع ومحدثات الأمور.

وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ

________________________________________
[1] "تفسير ابن كثير" (3 /136-137).
[2] "صحيح مسلم" (برقم 1715).
[3] "سنن الترمذي" (برقم 2641)، و"مسند الإمام أحمد" (14 /142) (برقم 8396)، و"سنن ابن ماجه" (برقم 3992). وصححه البوصيري، والشيخ الألباني في "الصحيحة" (برقم 1492) و(رقم 203، 204).
[4] "العقيدة الطحاوية" (ص531).
[5] "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (2 /97).
[6] "صحيح مسلم" (برقم 1218).
[7] "مستدرك الحاكم" (1 /284)، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1 /125) (برقم 40).
[8] "مستدرك الحاكم" (1 /284)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (برقم 2937).
[9] "الفتاوى" (13 /62-63).
[10] "سنن أبي داود" (برقم 4607)، و"سنن الترمذي" (برقم 2676) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه جماعة، منهم: الضياء المقدسي في "اتباع السنن واجتناب البدع".
[11] "مسند الإمام أحمد" (23 /349) (برقم 15156)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله كما في "إرواء الغليل" (6/34) (برقم 1589). ومعنى مُتَهَوِّكُونَ: التَّهَوُّكُ هو الوقوعُ في الأمر بغير رَوِيَّة. "النهاية في غريب الحديث" (5 /282).
[12] "صحيح البخاري" (برقم 3448)، و"صحيح مسلم" (برقم 155).
[13] "شرح صحيح مسلم" (1 /190).
[14] "المعجم الكبير" (9 /127) رقم 8636. وَرُوِيَ بألفاظٍ كثيرةٍ.
[15] "تفسير ابن كثير" (3 /139).
الدين الخالص
ليس إلا في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم (1)

قال الله تعالى ï´؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ï´¾.

فلم يبق سبيل مستقيم، يصل العبد به إلى ربه على بينة ونور، وينال به مغفرته ورضوانه - إلا سبيل الرشاد؛ سبيل أشرف المرسلين وخاتم الأنبياء محمد - صلى الله عليه وسلم -.

ولن يسلك أحد هذا السبيل إلا إذا كان على علم به ومعرفة لمناره وآياته؛ ودلالته وعلاماته. ولن يحظى أحد بنعمة هذه المعرفة إلا من كتاب الله - تعالى -؛ يقرؤه ويتدبره ويتفقه فيه، ويتفهمه، ويقف عند حدوده، ويضع أحكامه مواضعها، فالحلال ما أحل، والحرام ما حرم. والواجب ما أوجب، والتحاكم ورد المنازعات والمخاصمات في كل مجال إليه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. واتخذ من آياته وعظاته شفاء لأمراض روحه، ونوراً من ظلام قلبه. وتضلع من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحاديثه الطيبة المباركة التي بين بها هذا الرسول ما أنزل إليه من ربه.

فمن وفق لهذه المعرفة بالله من نور كتاب الله وسنة نبيه. وخلص قلبه من أمراض الشهوات والشبهات هدي إلى صراط الله المستقيم. وذاق قلبه حلاوة الإيمان. وحلاوة محبة الله ومحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

أما من حرم - والعياذ بالله - من هذه المعرفة بما سقى قلبه من حثالات الأفكار. وزبالات الآراء وفضلات القيل والقال متوهما أن هذا هو علم الدين. وسبيل المهتدين. فهذا - والعياذ بالله - قلبه مظلم وروحه مظلمة. ومحال أن يذوق هذا من حلاوة الإيمان ذرة. وأن يبرق لقلبه من حب الله والرسول بارقة. وما يزال شيطانه يمدّ له في حبل الغواية حتى يعتقد - باطلا - أنه من أعظم العارفين بالله وبالرسول. وأشد المحبين لله وللرسول. وأكثر المعظمين لله وللرسول. وذلك هو الانتكاس والانعكاس الذي لا يكاد يرجى معه شفاء للقلب ولا عافية.

وإن آية الحب الصحيح والإيمان الصادق: أن لا يقدم بين يدي قول الله ورسوله وهدى الصحابة قول أحد ولا رأيه ولا عمله، مهما كان، وفي أي زمان كان. وأن لا يجد لذة العلم، ومتعة البحث إلا في قول الله وسنة الرسول، وهدى الصحابة. وأن يجد لغير ذلك في نفسه مرارة تؤذيه، وطعماً يؤلمه.

وعلامة الحب الكاذب، والإيمان الخادع، ضد ذلك وعكسه؛ ثم الاعتذار بأن كلام الله وكلام الرسول قد أغلق الباب دونهما، وضرب الحجاب على فهمهما والتفقه فيهما. وما بقيا في المصحف والكتب إلا على سبيل البركة، ترديداً للحروف؛ وقراءة على الموتى في المآتم، وعلى القبور، وحملا للمصحف، ووضعاً له في البيوت لئلا يصيبها الأذى والحرق.

أما الدين والأحكام، والحلال والحرام ودواء القلوب، وعلاج الأمراض الأخلاقية والاجتماعية ففي قول فلان، وعمل فلان، وتحقيق فلان، وشرح فلان وما إلى ذلك، مما فتن به أكثر من يزعم الإيمان ويدعي زوراً وبهتاناً حب الله والرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وإلا فقل لي بربك أيها العاقل الناصح لنفسه: هل من تعظيم الرسول ومعرفة حقه. الإعراض عن سنته وتحاميها تدبراً وفهماً. وإهمالها تكاسلا وعجزاً، بدعوى أنهم لا يقدرون على فهمها. وأنه لا يستطيع ذلك أحد في هذا العصر. لأن هذه النعمة قصرها الله على السابقين من أهل القرون الأولى. وقد امتنعت رحمة الله، وسد باب فضله. أن يكون في الناس اليوم من يؤتى من الحكمة والفقه، ما يفهم به عن الله والرسول ما يهتدي به ويرشد غيره. بل وزادوا أن من حاول ذلك اليوم فهو ضال مضل، ومارق من الدين خاسر. واستعدوا عليه العامة والخاصة، وأجلبوا عليه بكل ما يستطيعون من قلم ولسان ويد. هل أولئك الصادون المصدودون عن العلم الصحيح والهدى والحق والصراط المستقيم يعرفون الله والرسول، ويقدرون الله قدره ويعطون الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقه من الحب والإجلال والتعظيم؟ اللهم إن كل شيء يشهد بأنهم في دعواهم كاذبون، وأنهم في ضلالهم يعمهون. وأنهم عن الصراط ناكبون. وأنهم إن ماتوا على ذلك إلى جهنم صائرون.

هل عرف الرسول من يتحاكم إلى غيره؟ لا والله، كيف يكون عرفه وآمن به والله يقول ï´؟ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾.

وهل عرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآمن به من يرد حديثه الصحيح لأجل كلام شيخه أو عادات قومه؟ لا والله.

وهل من تعظيم الرسول تقديم آراء المؤلفين على حديثه الثابت المشهود له بالصحة من أئمة النقل وحفظة الآثار؟ كلا ثم كلا.

فيا من يدعي حب الرسول ومعرفته والإيمان به؛ هذه كتبه وهذه سنته وآثاره ووصاياه. وهذا هديه فتمسك به إن كنت صادقاً في حبك له. قال - صلى الله عليه وسلم - "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل بدعة ضلالة".

هذا البخاري ومسلم قد يسر الله لكل مسلم الحصول عليهما. فقد طبعا على أشكال شتى عدة طبعات، وقد اقتناهما العامة والخاصة ولكن هل انتفعوا بهما؟ لا بل اقتنوهما للبركة، لأنهم سمعوا أن البخاري إذا وضع في بيت لا يحرق وإذا حمل في سفينة لا تغرق.

ولو عرفوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعلموا أن البركة في فهم حديثه والعمل به لا في حمله. وقد قد قال الله تعالى في كتابه ï´؟ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ï´¾ فشهد الله له بالبركة في هذه الآية وفي آيات أخرى. ومع ذلك ترى بعض من يحفظونه لا بركة فيهم ولا عندهم، بل هم من شر البرية، يحملونه كما يحمل الحمار كتباً لا يدري ما فيها ولا ينتفع بحملها، لأنهم لا يحلون حلاله ولا يحرمون حرامه ولا يقفون عند حدوده ولا يتعظون بمواعظه، كما قال تعالى في اليهود ï´؟ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ï´¾.

يا مدعياً معرفة الرسول وحبه، هات البينة، فإن كل دعوى بدون البينة ساقطة مردودة. وما البينة على هذه الدعوة إلا اتباع سنته والعمل بها.

إن وظيفة العلماء تبليغ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أكثر ولا أقل. والعلماء ورثة الرسل لا يكونون ورثة الرسل إلا إذا علموا سنته وبلغوها. فإن الرسل لم يورثوا قول فلان ومذهب فلان، وشرح فلان وحاشية فلان.

فأما إذا تعلموا غيرها وأعرضوا عنها جرياً وراء مقاصد دنيوية فليسوا علماء ولا ورثة أنبياء. ومن يتعلم ليكون قاضياً أو مفتيا، ولا همَّ له إلا الحصول على هذه البغية، وهو عليها حريص وبها كلف، لا شك لا يكون عنده من الإخلاص في طلب العلم الصحيح الذي يترفع عن أهواء ذوي الغايات ما يستحق أن يكون به من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء مهما ظن في نفسه أو ظن الناس فيه عظمة أو رفعة مقام، وليس هو في شيء من ذلك، وهو لا بد حريص على إرضاء ذوي الغايات ممن بيدهم زمام منصب القضاء، وعشق الدريهمات التي يدرها عليه ذلك المنصب ومن كان حاله كذلك فهو لا بد مجهد نفسه للحصول على أكبر حظ من هذا المتاع القليل، وهو لهذا يملكه من الشره والطمع ما يملأ قلبه حقداً وحسداً لكل من يظهر قول الحق ويدعو إلى العلم النافع والعمل بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويجتهد في تشويه سمعته والنيل من عرضه في إيصال الأذى إليه بكل ما في وسعه. ولا عدو أعدى له من متبع الكتاب والسنة والداعي إلى العمل بهما، فهل هذا كله نتيجة معرفة الرسول وحبه؟

وربما يقال: يمكن أن يحب الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه مع ذلك تعلم من الكتب التي وضعها أمثاله من المتأخرين إن الدين الواجب هو عدم فهم الأحاديث والخوض فيها والواجب المفروض تقليد هذه الكتب المنسوبة إلى المذاهب وتقليد مؤلفيها تقليدًا أعمى. على قاعدة "حطها في رقبة عالم واطلع سالم" لأنه لم يصل إلى درجة الاجتهاد. فإن الاجتهاد له عندهم شروط يستحيل في هذا الزمان - على زعمهم - الحصول على بعضها.

ونقول: قد يمكن هذا إذا ظن أن ما في هذه الكتب هو خلاصة الأحاديث وعصارتها، وأنه لو استقل بالفهم لم يفهم أحسن من الشيخ فلان والشيخ فلان.

وهذا وهم أو مرض عضال لا نجاة منه إلا بأن يسلك الناس إلى العلم غير ما يسلك هذا وأمثاله من الطرق العقيمة غير المفيدة، والتي فضلا عن أنها لا تخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم فإنها تغير الفطرة وتطمس نور البصيرة وتغلف القلب بغلاف من الباطل سميك.

وخير طريقة إلى العلم الصحيح أن يبدأ بتحفيظ التلميذ كتابا في السنة مختصراً، كبلوغ المرام أو المحرر بعد القرآن ويشرح لهم الأحاديث والآيات شرحاً بسيطاً خالياً من الخلافات على قدر عقولهم. وبجانب ذلك يعلمون دروساً في اللغة العربية، مفرداتها وقواعدها وأساليبها، حفظاً، ومحادثة، وكتابة، ومطالعة. ثم يمرنون على الفهم في الكتاب والسنة. فيقال مثلا: اذكروا ما في قوله عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات" الحديث. ما تفهمون من قوله عليه الصلاة والسلام "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ونحو ذلك. ويكون قبل ذلك قد شرح كثيراً من الأحاديث وذكر كيفية استنباط المسائل منها، كما يرى من صنيع العلامة ابن حجر في فتح الباري آخر شرحه للحديث، إذ يقول: في الحديث كذا وكذا من الفوائد، وكصنيع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، إذ يذكر في الباب من الأحاديث ما يناسب، ثم يقول فيه مسائل، فيذكرها. فبهذه الطريقة يتخرج علماء مخلصون ورجال خليقون بما يوكل إليهم من مهام الأمور، لأن قلوبهم قد تشبعت بروح الدين الصحيح والخشية الصادقة من هداية الكتاب والسنة.

لكن الناس جعلوا الوسائل مقاصد وقدموها عليها، وأفنوا أعمارهم فيها ولم يحصلوا على المقصود. وأخيراً خرّجوا آلات ميكانيكية، لا تفكير ولا فقه ولا استنباط. وحجروا على عقولهم حتى قتلوها وأضحوا مقلدين في كل شيء فضلوا ضلالا بعيداً.

إن معرفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تستلزم إيثار قوله على كل قول وتقديم طاعته على طاعة كل أحد لأنه هو الإمام الأعظم الذي لا أعظم منه، هو الذي تجب طاعته على كل مسلم، وغيره فلا تجب علينا طاعته كائناً من كان، وأن الواجب على ورثته أن يعلموا الناس سنته، وهم ولله الحمد قائمون بذلك في الهند ومصر وفي الأقطار الأخرى كثير، كثرهم الله. وجعلهم غيظاً لعدوه.

وما مثابة العلماء المبلغين سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته إلا كالمبلغين في الصلاة خلف الإمام يقول "الله أكبر" فيقولون "الله أكبر" ويقول "سمع الله لمن حمده" فيقولون "ربنا لك الحمد" لا يزيدون عن ذلك ولا ينقصون.

قال الشافعي رحمه الله في رسالته ص 14 بعد كلام طويل في الاجتهاد وتمثيله بالاجتهاد في القبلة إذا غاب الناس عن عين المسجد الحرام - وكذلك أخبرهم عن قضائه فقال ï´؟ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ï´¾ والسدى الذي لا يؤمر ولا ينهى. وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول إلا بالاستدلال بما وصفت في هذا وفي العدل وفي جزاء الصيد، ولا يقول بما استحسن. فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق. فأمرهم أن يشهدوا ذوي عدل والعدل أن يعمل لطاعة الله فكان لهم السبيل إلى علم العدل والذي يخالفه.

وعقد الشافعي رحمه الله في رسالته بابا في الاجتهاد فقال (باب الاجتهاد) وفي كتاب اختلاف الحديث وغيره مما في الجزء السابع في كتاب الأم كلام كثير في رد الرأي ونقضه. والمبادرة إلى اتباع الحديث.

فليقرأ هذا من أراد العلم الحق ومن له نفس شريفة وهمة عالية وعقل راجح كي يرى جمود أولئك الغافلين.

يوسف التازي
20-01-15, 11:51 PM
الدين الخالص
ليس إلا في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم (2)

إن الذي لم يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعرف سنته فإنه يبقى طول حياته يتخبط في جهله ثم يلوم غيره ممن فتح الله عين بصيرتهم ووفقهم لفهم كلامه وكلام رسوله. ويحسدهم على ذلك، ويحقد عليهم، ويحتقرهم، ويحاول جاهداً أن يشوه سمعتهم عند الناس، زاعماً كذبا: أنهم لا يحترمون الأئمة، وأنهم يرون أنفسهم مساوين للأئمة. وهذا وربك أيها القارئ المنصف كذب وزور، حاكته نفس ذلك المسكين وخياله فإنهم لم يدعوا أنهم كالأئمة في علمهم واجتهادهم، ولم يفرض الله على أحد أن يكون كالشافعي ولا أحمد ولا مالك ولا غيرهم، ولكن فرض على الناس تدبر كلامه وفهمه والعمل به. ومثل هذا مفروض في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد عقد البخاري رحمه الله بابا في ذلك. فقال: باب العلم قبل القول والعمل والعلم هو معرفة كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا علم إلا ذلك عند الإطلاق، فأما التقليد فليس بعلم ولا أهله بعلماء.

قال ابن الهمام في التحرير:
التقليد: العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة. وقال القفال: هو قبول قول القائل، وأنت لا تعلم من أين قاله.

وقال الإمام الشوكاني:
هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة.

وقال في إرشاد الفحول:
- المسألة الثالثة - اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية، هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقا. قال القرافي في مذهب مالك وجمهور العلماء على وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد. وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد. قال: ونقل عن مالك أنه قال: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه. وقال عند موته: وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأيي سوطاً على أنه لا صبر لي على السياط.

قال ابن حزم فها هنا مالك ينهي عن التقليد، وكذلك الشافعي، وأبو حنيفة وقد روي المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره ا هـ. قال الإمام الشوكاني وبهذا تعلم أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا فهو مذهب الجمهور.

وقال الإمام الآمدي في كتابه الأحكام:
والمعتمد في المسألة أنه يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتجا إلى بيانه، ولا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه. ا هـ.

وقد أورد اعتراض المعترضين على ذلك وأجاب عنه.

قال الشوكاني في إرشاده:
وما أحسن ما حكاه الزركشي في البحر عن المزنى أنه قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة؟ فإن قال نعم أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: بغير علم، قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج والأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ فإن قال: أنا أعلم أني أصبت وإن لم أعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء. قيل له: تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك. فإن قال نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه ثم كذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة، فإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً، ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علماً؟ وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه حذر من زلة العالم" وعن ابن مسعود أنه قال "لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر" ا هـ.

وقد اتفق العلماء وذكروا في غير ما كتاب من كتبهم الأصولية وغيرها: أن المقلد ليس بعالم، ولا يجو أن يولى القضاء والإفتاء وإنما العالم هو صاحب الحجة والحجة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا حجة إلا ذلك، وما كان من إجماع أو قياس فمرجعه إليهما.

قال الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة:
ففرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله، فقال في كتابه ï´؟ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [البقرة: 129] وقال ï´؟ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون ï´¾ [البقرة: 151] وقال ï´؟ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ï´¾ [آل عمران: 164] وقال ï´؟ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ï´¾ [البقرة: 231] وقال ï´؟ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ï´¾ وقال ï´؟ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [النور: 48، 51] قال الشافعي: فأعلم الله الناس في هذه الآية: أن دعاءهم إلى الله ورسوله ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله، لأن الحاكم بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سلموا لحكم النبي صلى الله عليه وسلم فإنما سلموا له بفرض الله، وأنه أعلمهم أن حكمه حكمه، على معنى افتراضه حكمه وما سبق في علمه جل ثناؤه من إسعاده إياه بعصمته وتوفيقه، وما شهد له به من هدايته، واتباعه أمره، فأحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله وإعلامهم أنها طاعته، فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرض عليهم اتباع أمره وأمر رسوله معا، وأن طاعة رسوله طاعته، ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله صلى الله عليه وسلم اتباع أمره. جل ثناؤه. اهـ.

وقال في موضع آخر:
إن الله فرض على الناس طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: أنه فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لما وصفنا من أن الله جل ثناؤه جعل الإيمان برسول الله مقرونا بالإيمان به، وسنة رسول الله مبينة عن الله عز وجل معنى ما أراد، ودليلا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله صلى الله عليه وسلم. ا هـ.

ومن جمود المقلدين نشأت المضرات الآتية:
1- حلول القوانين الإفرنجية محل الشريعة الإسلامية.

2- إنشاء محاكم أهلية كبيرة بدل المحاكم الشرعية.

3- قصر المحاكم الشرعية على عدة مسائل شخصية في الرضاع والطلاق والزواج والنفقة وما إلى ذلك.

4- الحكم في الدماء والأموال وسائر الحقوق والتعزيرات خرج من يد قضاة الشرع إلى قضاة القانون ووضعت فيهم الثقة دون أولئك.

فمن لي بعين الخنساء وقلبها لأبكي بهما على أعز من فقيدها.

5- تذمر كثير من المسلمين من حكم المحاكم الشرعية لعدم ملاءمتها روح العصر، وجمود قضاتها على أحكام كانت لزمن غير هذا الزمن، وقضايا لها ظروف خاصة، وأحوال اقتضتها، فلم تكن قواعد عامة لكل زمن ولكل ناس، كالقرآن الكريم حتى أن كثيراً من الآباء قتلوا أولادهم من أجل الحكم عليهم بنفقة، ومنهم من خرج من الدين إسقاطاً لما عليه من حقوق زوجه، ومنهم من خرج من البلاد فراراً من مطالبة المحكمة له بنفقة زوجه، وكثرت الحيل وشهود الزور والفسق في مكاتب المحامين، حتى ضجت الأرض إلى ربها من جمود القضاة وحيل المحامين.

6- عمل المحللات التي لعنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن بعض المتعالمين في القرى يتخذ رجالا كالتيوس لهذا الغرض الخبيث.

7- التنفير عن الدين الإسلامي بسبب الجمود، فإن المتعلمين للعلوم الحديثة على المنهج الجديد، وخصوصاً منهم المتضلعون في الثقافة الأوربية والعلوم الأوربية يظنون أن ذلك من طبيعة الدين نفسه لا من المنتسبين إليه.

8- سقوط العلماء من نظر أهل الفكر والعقل الحديث.

9- بعدهم عن الكتاب والسنة وصدهم غيرهم وإبعادهم الناس عنها.

10- غضب الله عليهم بسبب ذلك بأنواع الفتن والعقوبات المادية والروحية.

11- حمل وزرهم ووزر غيرهم ممن أضلوهم أو نفروهم عن الدين بهذا الجمود.

12- شهادة القرآن عليهم بالجهل وعدم الهداية في مثل قوله تعالى ï´؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ï´¾ [المائدة: 104].

13- إهمال الكتاب والسنة بعدم تدبرهما.

14- الاعتراف العملي منهم بعدم صلاحية الكتاب والسنة لهذا الزمان وما بعده إلى يوم القيامة.

15- الاعتراف القولي منهم بعدم وجود من يقدر على فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما، وفي هذا ما فيه.

16- سد باب رحمة الله من بعد الأئمة، فلا مجتهد بعدهم.

17- التكذيب بحديث "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" ونحوه.

18- عدم استحقاقهم ما يستحقه أهل العلم في الوقف اليوم شرعا، لأن الأوقاف الموقوفة على العلماء إنما يقصد بها العلماء بالمعنى الشرعي لا المعنى الاصطلاحي، فصار ما يأخذونه غير حلال لهم، فأكلوا الحرام بسبب جهلهم.

19- مشابهتهم القسس في نهيهم الناس عن تدبر القرآن والسنة والفهم فيهما وذلك أن القسس ينهون أشد النهي عن النظر في الإنجيل والتوراة، ويقولون لإخوانهم من أهل الكتاب: ليس لكم هذا، وإن فعلتم كفرتم (وشلحتكم الكنيسة) وما أرادوا بذلك إلا الاستعلاء على العوام وسد باب العلم عليهم لئلا يعرفوا تحريفهم وتقصيرهم في العمل بالأوامر إلى غير ذلك.

20- شهادة القرآن للمستدل بالعلم، ووصفه المقلد بالعمى. قال تعالى ï´؟ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ï´¾ [الرعد: 19] وقال تعالى في الأمثال التي يضربها في كتابه ï´؟ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ï´¾ [العنكبوت: 43].

يوسف التازي
20-01-15, 11:52 PM
الدين الخالص ليس إلا في اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - (3)

لننقل للقارئ الكريم هنا شيئًا مما قاله العلماء من كل مذهب في حكم المقلد والتقليد والمجتهد والاجتهاد، حتى يتبين للمقلدين أنهم ليسوا علماء، ولا سلكوا سبيل العلم.

قال السيوطي في كتابه الرد على من أخلد إلى الأرض "نص الشافعي رضي الله عنه والأصحاب بأسرهم على أنه يشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا، وكذا أطبق عليه المالكية والحنابلة. قال الرافعي في الشرح الكبير: يشترط في القاضي أهلية الاجتهاد فلا يجوز تولية الجاهل بالأحكام الشرعية وطرقها، المحتاج إلى تقليد غيره فيها. واحتج الأصحاب بقوله - صلى الله عليه وسلم - "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار: والذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل" واحتجوا أيضًا بأنه لا يجوز له الإفتاء بالتقليد فكذلك القضاء، بل أولى لأنا نعتبر في القضاء ما لا نعتبر في الفتوى.

وقال في الشرح الصغير:
لا يجوز قضاء الجاهل والمقلد بل ينبغي أن يستقل بالاجتهاد وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة في كتاب الأحكام السلطانية: ومن لم يكن من أهل الاجتهاد لم يجز له أن يفتي ولا يقضي، فإن قلد القضاء كان حكمه باطلا وأن وافق الصواب؛ لعدم الشرط الخ.

وقال ابن الرفعة في الكفاية:
يشترط في القاضي أن يكون عالما بالأحكام الشرعية بطريق الاجتهاد لا بطريق التقليد لقوله تعالى ï´؟ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ï´¾ [الإسراء: 36] والمقلد لو قيل بصحة توليته لكان إذا استقضى وحكم قافيًا ما ليس به علم، لأنه لا يدري طريق ذلك الحكم، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - "القضاة ثلاثة" الحديث.

ونقل الإمام السيوطي كلاما طويلا عن علماء كل مذهب ثم قال:
وقال القاضي عبدالوهاب أحد أئمة المالكية في أول كتاب المقدمات في أصول الفقه بعد حمد الله والثناء عليه "ونصب الأدلة والأعلام على ما شرع لنا من الأحكام، وفصل الحلال من الحرام، والقرب من الآثام؛ وحض على النظر فيها والتفكر والاعتبار والتدبر؛ فقال جل ثناؤه ï´؟ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ï´¾ وقال ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ وقال ï´؟ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ï´¾ [العنكبوت: 43] وقال ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ï´¾ [ص: 29] وقال ï´؟ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ï´¾ [النساء: 83] وقال ï´؟ فلولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ï´¾ [التوبة: 122].

والتفقه: من التفهم والتبين: ولا يكون ذلك إلا بالنظر في الأدلة؛ واستيفاء الحجة دون التقليد، لأن التقليد لا يثمر علما ولا يفضي إلى معرفة، وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء، واتباع السادات والكبراء، تاركا بذلك ما لزمه من النظر والاستدلال؛ وفرض عليه من الاعتبار والاجتهاد، فقال تعالى ï´؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ï´¾ [البقرة: 170] وقال ï´؟ إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ï´¾ في نظائر من هذه الآيات، تنبيهًا بها على خطر التقليد بأن فيه ترك اتباع الأدلة، والعدول عن الانقياد إلى قول من لا يعلم أنه فيما تقلد فيه مصيب أم مخطئ فلا يأمن من التقليد لغيره كون ما يقلده فيه خطأ وجهلا، لأن صحة المذهب لا تتبين من فساده باعتقاد المعتقد له وشدة تمسكه به، وإنما يتميز صحيح المذاهب من فاسدها، وحقها من باطلها، بالأدلة الكاشفة عن أحوالها، والمميزة بين أحكامها، وذلك معدوم في المقلد لأنه متبع لقول لا تعرف صحته من فساده، وإنما اعتقده لقول مقلده به.

فإن زعم صاحب التقليد أنه يعرف صحة القول الذي قلد فيه، ويعلم أنه حق، وأن اعتقاده واجب، فذلك باطل منه، لأن العلم بذلك لا يكون إلا بالنظر في الأدلة التي هي طريق العلم به، فإذا عدل عنها علمنا بطلان دعواه العلم بصحة ما قلد فيه.

فإن قال: علمت صحة القول الذي قلدت فيه بدليل وحجة. قلنا: فأنت غير مقلد، لأنك عارف بصحة القول الذي تعتقده. والتقليد: هو اتباع القول لأن قائله قال به من غير علم بصحته من فساده - إلى أن قال - لا يسوغ لمن فيه فضل للنظر والاجتهاد وقوة الاستدلال والاعتبار أن يعتقد التفقه إلا من طريق الاستدلال الصحيح العاري من آفات النظر المانعة له من استعماله على وجهه.

وقال القاضي عبد الوهاب أيضًا في كتابه الملخص في أصول الفقه:
فصل في فساد التقليد: التقليد لا يثمر علما. فالقول به ساقط؛ وهذا الذي قلناه قول كافة أهل العلم. وأطال في الرد على المقلدين.

وقال الغزالي في المستصفى:
التقليد هو قبول قول بلا حجة، وليس ذلك طريقًا إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع. وأطال أيضًا في الرد على المقلدين والقائلين به.

وقال الإمام ابن حزم في كتابه النبذ الكافية في علم الأصول:
التقليد حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا برهان لقوله تعالى ï´؟ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ï´¾ [الأعراف: 3] وقوله تعالى ï´؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ï´¾ وقال في حق من لم يقلد ï´؟ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ï´¾ [الزمر: 17، 18] وقال تعالى ï´؟ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ï´¾ [النساء: 59] فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى قول قائل بذاته غير القرآن والسنة.

وقد صح إجماع الصحابة كلهم، أولهم عن آخرهم، وإجماع جميع التابعين أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين أولهم عن آخرهم: على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم فيأخذه كله.

هذا بعض ما اقتضاه المقام من كلام الأئمة الأعلام في تقبيح التقليد، وتسفيه المقلدين، وللبحث بقية نذكر فيها بمشيئة الله تعالى وحسن هدايته ما جر هذا التقليد الأعمى من مصائب وطوام على الأمة الإسلامية في تفكيرها وعقلها، ودينها ودنياها، ونبين أن أكبر الجرائم ما أوحاه شياطين الإنس والجن من مقالات السوء من أمثال "من قلد عالمًا لقي الله سالمًا" و "حطها في رقبة عالم واطلع سالم" و"كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي المغسل" و"شيخك جاسوس قلبك يدخل فيه ويخرج من حيث لا تعلم" ونبين بمشيئة الله أن تلك المقالات المظلمة لا تصدر إلا عن نفوس مظلمة من نور السنة المحمدية والهداية القرآنية، ومن قلوب مرتكسة في حمأة الجاهلية الجهلاء، وإن زعم قائلوها ومروجوها أنهم من أئمة السنة ومن خيار العلماء، ومن كبار الأولياء، لا كانوا ولا كان المفتونون بهم.

ونسأل الله العافية من أن تدعى ألسنتنا ما لا تصدقه عقائدنا وأعمالنا ودعوتنا، ونعوذ بالله أن نكون من أولئك الجاهلين، ونسأله سبحانه العون على جهادهم، وقمع فسادهم وإخماد أنفاسهم حتى يسلم الإسلام والمسلمون من شرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

رقم

يوسف التازي
20-01-15, 11:55 PM
التمسك بالكتاب والسنة


إعداد
زاهــر بن مــحــمــد الـشـهـري
إمام وخطيب جامع أبي عبيدة رضي الله عنه
بالخبر


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته كما روى الإمام مسلم أن يقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
فهذه وصية من أعظم الوصايا النبوية وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بكتاب الله -عز وجل-، وسنة نبيه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فالاعتصام بالكتاب والسنة نجاة من مُضلات الفتن، ومخالفة الكتاب والسنة أصل الخذلان، وفساد الدنيا والآخرة، والذل والهوان، وإن الواجب على كل مكلف الاعتصام بالكتاب والسنة؛ لأن فيهما المخرج من جميع الفتن لمن تمسك بهما، واتبع هديهما.
والاعتصام بالكتاب والسنة هو أساس وأصل النجاة في الدنيا والآخرة؛ قال الله -عز وجل-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) [آل عمران: 103]، حدث أبو شريح الخزاعي –رضي الله عنه- قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟!"، قالوا: بلى، قال: "إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبدًا". حديث صحيح أخرجه الإمام ابن حبان وغيره.
وقال الله -جل وعلا-: (وَمَن يَعْتَصِم بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [آل عمران: 101].
والمسلم في كل وقت وعلى أي حال يرد أمره إلى كتاب الله وسنة رسوله -ïپ²-؛ قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59].
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا أمر من الله -عز وجل- بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله) [الشورى: 10].
والقرآن الكريم أَمَرَ بالأخذ بكل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، قال الله -عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 7].
ولا شكّ أنّ الأخذ بالكتاب والسنة من أهم الواجبات وأعظم القربات؛ لأن الأخذ بالرأي المجرّد عن الدليل الشرعي يُوصل إلى المهالك.
إخوة الإسلام: إن التمسك بكتاب الله رفعة للمسلم في الدنيا والآخرة، واسمعوا إلى هذا القصة التي وقعت في عهد الفاروق عمر -رضي الله عنه-؛ لقي نافع عمرَ بن الخطاب –رضي الله عنه- بعُسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟! فقال ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟! قال: مولىً من موالينا، قال: فتستخلف عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله -عز وجل-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين". رواه مسلم.

يوسف التازي
20-01-15, 11:56 PM
عباد الله: الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك؛ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه: أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة"، ثم قرأ هذه الآية: (فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى) [طه: 123].
وقال الله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [المائدة: 15، 16].
عباد الله: القرآن الكريم يأمر بالاجتماع على الحق وينهى عن الاختلاف؛ قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103]، فأمر بعد الاعتصام بالكتاب بعدم التفرق.
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف".
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
وعن العرباض بن سارية –رضي الله عنه- قال: "صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله: كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟! فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة". رواه أبو داود.
ومما يؤكد أهمية السمع والطاعة ما حصل للصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية حينما اشتدَّ عليهم الكرب بمنعهم من العمرة، وما رأوا من غضاضةٍ على المسلمين في الظاهر، ولكنهم امتثلوا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان ذلك فتحًا قريبًا، فحصل بهذا الصلح من المصالح ما الله به عليم، ونزلت سورة الفتح، ودخل في السَّنة السادسة والسابعة في الإسلام عدد كبير، ثم دخل الناس في دين الله أفواجًا بعد الفتح في السنة الثامنة.
وهذا ببركة طاعة الله ورسوله؛ ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)
فنسأل الله أن يعصمنا بكتابه وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-، وأن يعيننا على ذكره وشكره.
أقول ما سمعتم...

يوسف التازي
20-01-15, 11:59 PM
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي قامت بعدله السموات والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم بما تنطوي عليه الأفئدة وتكنه الصدور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، ومن اتبع آثارهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد فإن التفرق والاختلاف سببُه البعدُ عن السنة والنص الشرعي، أو الوقوع في التفسير الخاطئ والتأويل البعيد، وإذا كان التمسك بالنص زمن الاختلاف مطلوب، فإن من الواجب التزام فهم النصوص على فهم السلف، الذين عاصروا نزول الوحي، فهم أعلم الأمة بمقاصد النصوص، وأعلم باللغة ممن جاء بعدهم،فالبعد عن تفسيرهم للدين سبب للانحراف والتفرق المذموم وأول انحراف حصل في تاريخ الإسلام كان سببه الفهم السقيم للكتاب والسنة.
وكم عائبٍ قولا صحيحًا***وآفتُه من الفهمِ السقيمِ
ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ***يجد مرًا به الماءَ الزُلالا
وكان أصحاب الفهم السقيم للنص الشرعي هم الخوارج-الذين غلو في الدين-فجاءوا إلى آيات نزلت في الكفار فأنزلوها على المسلمين، فكفَّروا المسلمين واستباحوا الدماء واسترخصوا الأرواح، واقلقوا المجتمع الإسلامي من داخله سنوات طويلة.
ولم يكد الزمان يغف إغفاءة إلا وافتراق آخر ينبت في جسد الأمة، كان بمثابة رَدَةٍ فِعلٍ لغلو الخوارج، فحصلت فتنة الإرجاء،
القائلين بأن الذنوب لا تؤثر على الإيمان، ولا يَكْفُر أحد من أهل الشهادتين، واستمر هذا الفكر حقبًا طويلة في تاريخ الأمة.
وما زال هذان الفكران المتضادان تسري أفكارهما إلى اليوم، ما تزال أفكارهما الضالة وشبههما الجارفة تعصف بالعقول، وتشوش الحقائق، فينجرف للغلو من قلت بضاعته في العلم، وينجرف للإرجاء من نقص زاده من التقى، ناهيكم عن واقع الأمة المرير الذي تعاني فيه من الضعف والهوان والافتراق والخذلان.
هذا الواقع انعكست رؤيته على هذين الفكرين، فالفكر الغالي استعجل الاصلاح والتغيير، والعنف والتدمير، فكانت نتيجته استرخاص الدماء، والاستخفاف بأرواح المعصومين الأبرياء، وهتك للحرمات، واعتداء على الممتلكات، ناسفين بذلك نصوصًا قطعيةً مقدسةً: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" يضرب أمثال هذه النصوص الصريحة الواضحة ويتعلق بقول قائل، قاله في زمن معين، وواقعة محددة، وظروف خاصة.
إن التحذير من هذه الأفعال والمسالك الغالية مما يجب انكاره، وأن نرفع الصوت به ولا نخافت.
فليس من المقبول أن تُحَوَّلَ بلاد المسلمين الآمنة-وإن كان فيها من الانحراف ما فيها مما لا يخلو منه عصر - أن تُحَوَّلَ إلى مسرح للاقتتال والتحارب، أو جرها للفتن والافتراق.
وفي مقابل فكر الغلو جاء الفكر الإرجائي فانهزم أمام الواقع، وتنازل عن قيمه ودينه، وسعى إلى تقديم مفاهيم جديدة للدين ليواكب روح العصر زعموا، فظهر للسطح مفاهيم تبديلية منحرفة، من أمثال:
الفهم الجديد للنص، تفسيرات عصرية للإسلام، القبول بسيادة القيم مكان الشريعة الإسلامية.
وكانت نهاية هذا الفكر وعاقبتُه دعوةً للعلمانية، وإن تقمصت بعباءة شرعية، وتكحلت بشيء من النصوص، فالعبرة بالحقائق والمضامين.
وهكذا ضاع نور الحق والهدى بين عواطف أهل الغلو، وعواصف أهل الجفاء، وبقيت أولو بقية في الأمة ينهون عن إفساد هؤلاء، وفساد أولئك.

عن حذيفة –رضي الله عنه- قال: "كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله: إنا كُنِّا في جاهِلِيَّةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟! قال: "نعم". قلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟! قال: "نعم، وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟! قال: "قوم يستنّون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر". فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟! قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها". فقلت: يا رسول الله: صفهم لنا، قال: "نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا". قلت: يا رسول الله: فما ترى إن أدركني ذلك؟! قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟! قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". متفق عليه.
اللهم اهدنا للحق وارزقنا اتباعه، واحفظنا من مسالك الغواية والضلالة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم اجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقن دماءهم، وآمنهم في ديارهم.
اللهم انصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصرهم في سوريا وفلسطين، واجمعهم على الحق يارب العالمين.
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسر أمورنا.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واشف برحمتك مرضانا ومرضى المسلمين. ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم إنك سميع الدعاء.

يوسف التازي
21-01-15, 12:00 AM
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

يوسف التازي
21-01-15, 12:01 AM
في الحث على التمسك بكتاب الله
والحذر من عواقب الذنوب

الحمدُ لله نحمَدُه، ونستَعِينه ونستَهدِيه، ونستَغفِره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، حذّر أمَّته من التفرُّق والاختلاف، وأمَرَها بالتعاون والائتلاف، صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحابته المتعاونين على البر والتقوى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، اتَّقوا الله - تعالى - وتفقَّدوا أحوالكم، فقد أُصِيبَ المسلمون بنكباتٍ، وأُذِلُّوا واستُهِين بهم، إنَّ استيلاء اليهود على القدس ثالث الحرمين، وتشريد الفلسطينيين من أوطانهم، وتدميرهم للبنان - لَمِن أكبر الشواهد لما وصَل إليه المسلمون من ذلَّة وانحِطاط، ما ذاك إلا بسبب بُعدهم عن تعاليم ربهم وهدي نبيهم، وإلا فكيف تصل شِرذِمة من اليهود الذين ضُرِبتْ عيهم الذلَّة إلى ما وصَلتْ إليه من التجبُّر والغطرسة والتِّحدِّي والاستِهزاء، شِرذِمة قليلة تتحدَّى مِئات الملايين من المسلمين، ومَن يدعون الإسلام ولكنَّهم كما أخبر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه -: ((غثاء كغثاء السيل)).

نُزِعت المهابة من قُلوب عدوِّهم، لقد تفرَّق المسلمون وخُصوصًا العرب إلى دُوَيلات وأحزابٍ، وتعدَّدت مذاهبهم وتنوَّعت دَعواتهم، لقد خدَعَهم أعداؤهم وفرَّقوا جمعهم، وأصبح كلُّ فريقٍ يدعو إلى حِزب ومذهب، فدُعاة قوميَّة، ودعاة اشتراكيَّة، بل دعاة على أبواب جهنَّم، إنَّ المسلمين اليوم في حاجةٍ إلى الرجوع إلى ربهم والتمسُّك بتعاليم دِينهم والاجتماع على العقيدة الصحيحة السليمة من الشوائب.

فلا قوميَّة ولا وطنيَّة، ولا شيوعيَّة ولا اشتراكيَّة، وإنَّما الإسلام ولا شيء غير الإسلام، إنَّه لا مُنقِذ للبشريَّة من وَيْلاتها ولا مخلِّص لها من تعقيداتها إلا الإسلام وتعاليمه السمحة.

إنَّ حاجة البشر إلى الإسلام وعقيدته الصافية أشدُّ من حاجتهم إلى الشراب والطعام، وإنَّ التجارب التي مرَّت على الشُّعوب والمجتمعات لتَدعُوها إلى البحث عن مُنقذٍ لها ممَّا تُعانِيه، ولا مُنقِذ لها إلا الإسلام.

وإنَّ الكثير من رُؤَساء الدول المبتعِدين عن الدِّين وتعاليمه لَيظنُّون أنَّ في بُعد شعوبهم عن الدِّين محافظة على رئاساتهم وكراسي مُلكهم، ولم يعرفوا أنَّ المحافظة على ملكهم في التمسُّك بالدِّين وتعاليمه، المنظم لعلاقات الشعوب بولاتهم، والمحافِظ على حقوق الشعوب والولاة، والداعي إلى عيش الجميع في سلام ووئام، ومناصحة وصدق وإخلاص كأُسرةٍ واحدة؛ يتفقَّد ربها أفراد أسرته، ويتعاون أفرادها مع رئيسها كحزمة الرماح المجتمعة فلا تتكسَّر مجتمعةً.

فما أحلى ترابُط الشعوب مع ولاتها على تعاليم ربها، وما أعزَّها أمام أعدائها، فشتَّان بين ما يُرِيده الخدَّاعون والمكَّارون لشُعوبهم وبين ما يريده الإسلام للشعوب وولاتهم؛ يقول - سبحانه وتعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ï´¾ [النساء: 59].

ويقول - سبحانه وتعالى -: ï´؟ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ï´¾ [آل عمران: 103].

ويقول - جلَّ وعلا -: ï´؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ï´¾ [الأنفال: 46].

فما أحلى تعاليم ربِّنا لو تمسَّك بها المسلمون حقيقةً؛ ولاةً وشعوبًا، حكامًا ومحكومين، إنَّ أعداء الإسلام لم يطمَعُوا في المسلمين إلا حِين تفكَّك المسلمون وتفرَّقوا شِيَعًا وأحزابًا، وأصبح كلُّ حِزب يدعو لحِزبه الباطل ويُكافِح ويُناضِل من أجله ويدسُّ الدسائس للآخَرين، خُصوصًا المتمسِّكين بعقيدة الإسلام، ويخدم بذلك أعداء العقيدة والإسلام؛ لقد انخَدَع المسلمون بأعدائهم وأصبحوا يطلُبون النصر والإنصاف من قبلهم وعن طريقهم، ولم يتذكَّروا أنَّ الكُفر ملَّة واحدة.

فيا عباد الله:
إنَّنا في حاجةٍ إلى الانتباه والاتِّعاظ، ولعلَّ من أقرب المواعظ ما حصل للبنان في الآوِنة الأخيرة، بينما كانت مضرب المثل في الاستقرار ومقصد الفسَّاق؛ لإشباع رغباتهم الحيوانية، وقضاء الأوقات في اللهو أو المتعة الزائلة، إذا بها تُحرَق بالمدافع والقنابل، ويُشتَّت مَن سلم من النساء والأطفال من قِبَل الصِّهيَوْنيَّة الحاقدة على البشريَّة، ومع هذا كأنَّ شيئًا لم يكن، فلا بُدَّ من اليقَظَة والانتباه ومُحارَبة أسباب العُقوبات والإقلاع عن الذنوب والمعاصي والتآمُر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أنْ يحلَّ بنا ما حلَّ بغيرنا، فقد أحاطَتْ بنا الشرور وصوبت لنا الأنظار، وظهَر الحاسدون والحاقدون.

إنَّ بلادنا محسودةٌ على ما هي فيه من نعمة الإسلام، وتحكيم كتاب الله وسنَّة رسوله، اللذَيْن ضمنَا للبشريَّة سَعادة الدارين، وإنَّ ما نحن فيه من نعمة أمن واطمِئنان ورغد عيش وغير ذلك من النعيم يحتاج إلى شُكرٍ عملي وصدقٍ وإخلاص كما أنَّنا في حاجةٍ إلى التعاون مع ولاة أمورنا فيما يرضي ربنا ويحزن ويسخط عدوَّنا، إنَّنا بالتعاون والتناصُح والصدق والإخلاص نكون حِصنًا منيعًا أمام أعدائنا.

فانتَبِهوا - يا عباد الله - لأنفُسِكم، وتسلَّحوا بسلاح الإيمان، وتخلَّقوا بأخلاق الإسلام، وابتَعِدوا عمَّا يُوجِب المقت والخذلان، واتَّعِظوا بغيركم؛ فالسعيد مَن وُعِظَ بغيره، اللهمَّ إنَّا نسألك الثَّبات على دِينك، والاستِعداد لأعدائك وإصلاح البواطن والظواهر والابتعاد عمَّا يسخطك.

اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قُلوبنا، وكرِّه إلينا الكُفر والفُسوق والعِصيان واجعَلْنا من الراشدين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ï´؟ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ï´¾ [الإسراء: 9-10].

بارَك الله لي ولكم في القُرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتابَ عليَّ وعليكم إنَّه هو التوَّاب الرحيم.

أقول قولي هذا وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفِروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

واعلَمُوا أنَّ أعداء الإسلام ساعُون في إطفاء نور الله، وإذلال المسلمين، وقمع شوكتهم، ومحاربة دعوتهم، يُنفِقون في ذلك النَّفس والنَّفِيس، وهم على باطِلهم يقتلون البشر، ويهلكون الحرث والنسل، ويُفسدون في الأرض، وقد راجَ باطلهم على ضُعَفاء العقول والإرادات، فقد تعدَّد دُعاة الضلال والكفر والإلحاد وأصبح لهم أحزاب يُصفِّقون خلفَهم ويتَّبعون ناعِقَهم إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل.

والله - سبحانه وتعالى - ناصِرٌ دينَه ومعلٍ كلمتَه ولو كره المشركون، ولكنَّه يبتَلِي عباده ليظهر الصادق في إيمانه، والمخلص في دعوته.

فتمسَّكوا - يا عباد الله - بكتاب ربِّكم وسنَّة نبيِّكم، عضُّوا عليها بالنواجذ؛ فإنَّ السلامة والنجاة في ذلك، وإيَّاكم ومُحدَثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة؛ يقول، -صلى الله عليه وسلم-: ((تركتُكم على المحجَّة البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ)).

فاحذَرُوا باطلَ الأعمال وزخارفَ الأقوال، فإنها تَذُوب وتضمحلُّ أمام الحقِّ.

يوسف التازي
21-01-15, 01:42 PM
في الحث على التمسك بكتاب الله
والحذر من عواقب الذنوب

الحمدُ لله نحمَدُه، ونستَعِينه ونستَهدِيه، ونستَغفِره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، حذّر أمَّته من التفرُّق والاختلاف، وأمَرَها بالتعاون والائتلاف، صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحابته المتعاونين على البر والتقوى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، اتَّقوا الله - تعالى - وتفقَّدوا أحوالكم، فقد أُصِيبَ المسلمون بنكباتٍ، وأُذِلُّوا واستُهِين بهم، إنَّ استيلاء اليهود على القدس ثالث الحرمين، وتشريد الفلسطينيين من أوطانهم، وتدميرهم للبنان - لَمِن أكبر الشواهد لما وصَل إليه المسلمون من ذلَّة وانحِطاط، ما ذاك إلا بسبب بُعدهم عن تعاليم ربهم وهدي نبيهم، وإلا فكيف تصل شِرذِمة من اليهود الذين ضُرِبتْ عيهم الذلَّة إلى ما وصَلتْ إليه من التجبُّر والغطرسة والتِّحدِّي والاستِهزاء، شِرذِمة قليلة تتحدَّى مِئات الملايين من المسلمين، ومَن يدعون الإسلام ولكنَّهم كما أخبر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه -: ((غثاء كغثاء السيل)).

نُزِعت المهابة من قُلوب عدوِّهم، لقد تفرَّق المسلمون وخُصوصًا العرب إلى دُوَيلات وأحزابٍ، وتعدَّدت مذاهبهم وتنوَّعت دَعواتهم، لقد خدَعَهم أعداؤهم وفرَّقوا جمعهم، وأصبح كلُّ فريقٍ يدعو إلى حِزب ومذهب، فدُعاة قوميَّة، ودعاة اشتراكيَّة، بل دعاة على أبواب جهنَّم، إنَّ المسلمين اليوم في حاجةٍ إلى الرجوع إلى ربهم والتمسُّك بتعاليم دِينهم والاجتماع على العقيدة الصحيحة السليمة من الشوائب.

فلا قوميَّة ولا وطنيَّة، ولا شيوعيَّة ولا اشتراكيَّة، وإنَّما الإسلام ولا شيء غير الإسلام، إنَّه لا مُنقِذ للبشريَّة من وَيْلاتها ولا مخلِّص لها من تعقيداتها إلا الإسلام وتعاليمه السمحة.

إنَّ حاجة البشر إلى الإسلام وعقيدته الصافية أشدُّ من حاجتهم إلى الشراب والطعام، وإنَّ التجارب التي مرَّت على الشُّعوب والمجتمعات لتَدعُوها إلى البحث عن مُنقذٍ لها ممَّا تُعانِيه، ولا مُنقِذ لها إلا الإسلام.

وإنَّ الكثير من رُؤَساء الدول المبتعِدين عن الدِّين وتعاليمه لَيظنُّون أنَّ في بُعد شعوبهم عن الدِّين محافظة على رئاساتهم وكراسي مُلكهم، ولم يعرفوا أنَّ المحافظة على ملكهم في التمسُّك بالدِّين وتعاليمه، المنظم لعلاقات الشعوب بولاتهم، والمحافِظ على حقوق الشعوب والولاة، والداعي إلى عيش الجميع في سلام ووئام، ومناصحة وصدق وإخلاص كأُسرةٍ واحدة؛ يتفقَّد ربها أفراد أسرته، ويتعاون أفرادها مع رئيسها كحزمة الرماح المجتمعة فلا تتكسَّر مجتمعةً.

فما أحلى ترابُط الشعوب مع ولاتها على تعاليم ربها، وما أعزَّها أمام أعدائها، فشتَّان بين ما يُرِيده الخدَّاعون والمكَّارون لشُعوبهم وبين ما يريده الإسلام للشعوب وولاتهم؛ يقول - سبحانه وتعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ï´¾ [النساء: 59].

ويقول - سبحانه وتعالى -: ï´؟ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ï´¾ [آل عمران: 103].

ويقول - جلَّ وعلا -: ï´؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ï´¾ [الأنفال: 46].

فما أحلى تعاليم ربِّنا لو تمسَّك بها المسلمون حقيقةً؛ ولاةً وشعوبًا، حكامًا ومحكومين، إنَّ أعداء الإسلام لم يطمَعُوا في المسلمين إلا حِين تفكَّك المسلمون وتفرَّقوا شِيَعًا وأحزابًا، وأصبح كلُّ حِزب يدعو لحِزبه الباطل ويُكافِح ويُناضِل من أجله ويدسُّ الدسائس للآخَرين، خُصوصًا المتمسِّكين بعقيدة الإسلام، ويخدم بذلك أعداء العقيدة والإسلام؛ لقد انخَدَع المسلمون بأعدائهم وأصبحوا يطلُبون النصر والإنصاف من قبلهم وعن طريقهم، ولم يتذكَّروا أنَّ الكُفر ملَّة واحدة.

فيا عباد الله:
إنَّنا في حاجةٍ إلى الانتباه والاتِّعاظ، ولعلَّ من أقرب المواعظ ما حصل للبنان في الآوِنة الأخيرة، بينما كانت مضرب المثل في الاستقرار ومقصد الفسَّاق؛ لإشباع رغباتهم الحيوانية، وقضاء الأوقات في اللهو أو المتعة الزائلة، إذا بها تُحرَق بالمدافع والقنابل، ويُشتَّت مَن سلم من النساء والأطفال من قِبَل الصِّهيَوْنيَّة الحاقدة على البشريَّة، ومع هذا كأنَّ شيئًا لم يكن، فلا بُدَّ من اليقَظَة والانتباه ومُحارَبة أسباب العُقوبات والإقلاع عن الذنوب والمعاصي والتآمُر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أنْ يحلَّ بنا ما حلَّ بغيرنا، فقد أحاطَتْ بنا الشرور وصوبت لنا الأنظار، وظهَر الحاسدون والحاقدون.

إنَّ بلادنا محسودةٌ على ما هي فيه من نعمة الإسلام، وتحكيم كتاب الله وسنَّة رسوله، اللذَيْن ضمنَا للبشريَّة سَعادة الدارين، وإنَّ ما نحن فيه من نعمة أمن واطمِئنان ورغد عيش وغير ذلك من النعيم يحتاج إلى شُكرٍ عملي وصدقٍ وإخلاص كما أنَّنا في حاجةٍ إلى التعاون مع ولاة أمورنا فيما يرضي ربنا ويحزن ويسخط عدوَّنا، إنَّنا بالتعاون والتناصُح والصدق والإخلاص نكون حِصنًا منيعًا أمام أعدائنا.

فانتَبِهوا - يا عباد الله - لأنفُسِكم، وتسلَّحوا بسلاح الإيمان، وتخلَّقوا بأخلاق الإسلام، وابتَعِدوا عمَّا يُوجِب المقت والخذلان، واتَّعِظوا بغيركم؛ فالسعيد مَن وُعِظَ بغيره، اللهمَّ إنَّا نسألك الثَّبات على دِينك، والاستِعداد لأعدائك وإصلاح البواطن والظواهر والابتعاد عمَّا يسخطك.

اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قُلوبنا، وكرِّه إلينا الكُفر والفُسوق والعِصيان واجعَلْنا من الراشدين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ï´؟ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ï´¾ [الإسراء: 9-10].

بارَك الله لي ولكم في القُرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتابَ عليَّ وعليكم إنَّه هو التوَّاب الرحيم.

أقول قولي هذا وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفِروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

واعلَمُوا أنَّ أعداء الإسلام ساعُون في إطفاء نور الله، وإذلال المسلمين، وقمع شوكتهم، ومحاربة دعوتهم، يُنفِقون في ذلك النَّفس والنَّفِيس، وهم على باطِلهم يقتلون البشر، ويهلكون الحرث والنسل، ويُفسدون في الأرض، وقد راجَ باطلهم على ضُعَفاء العقول والإرادات، فقد تعدَّد دُعاة الضلال والكفر والإلحاد وأصبح لهم أحزاب يُصفِّقون خلفَهم ويتَّبعون ناعِقَهم إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل.

والله - سبحانه وتعالى - ناصِرٌ دينَه ومعلٍ كلمتَه ولو كره المشركون، ولكنَّه يبتَلِي عباده ليظهر الصادق في إيمانه، والمخلص في دعوته.

فتمسَّكوا - يا عباد الله - بكتاب ربِّكم وسنَّة نبيِّكم، عضُّوا عليها بالنواجذ؛ فإنَّ السلامة والنجاة في ذلك، وإيَّاكم ومُحدَثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة؛ يقول، -صلى الله عليه وسلم-: ((تركتُكم على المحجَّة البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ)).

فاحذَرُوا باطلَ الأعمال وزخارفَ الأقوال، فإنها تَذُوب وتضمحلُّ أمام الحقِّ.

يوسف التازي
21-01-15, 01:45 PM
في الحث على التمسك بكتاب الله
والحذر من عواقب الذنوب

الحمدُ لله نحمَدُه، ونستَعِينه ونستَهدِيه، ونستَغفِره ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، حذّر أمَّته من التفرُّق والاختلاف، وأمَرَها بالتعاون والائتلاف، صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحابته المتعاونين على البر والتقوى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، اتَّقوا الله - تعالى - وتفقَّدوا أحوالكم، فقد أُصِيبَ المسلمون بنكباتٍ، وأُذِلُّوا واستُهِين بهم، إنَّ استيلاء اليهود على القدس ثالث الحرمين، وتشريد الفلسطينيين من أوطانهم، وتدميرهم للبنان - لَمِن أكبر الشواهد لما وصَل إليه المسلمون من ذلَّة وانحِطاط، ما ذاك إلا بسبب بُعدهم عن تعاليم ربهم وهدي نبيهم، وإلا فكيف تصل شِرذِمة من اليهود الذين ضُرِبتْ عيهم الذلَّة إلى ما وصَلتْ إليه من التجبُّر والغطرسة والتِّحدِّي والاستِهزاء، شِرذِمة قليلة تتحدَّى مِئات الملايين من المسلمين، ومَن يدعون الإسلام ولكنَّهم كما أخبر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه -: ((غثاء كغثاء السيل)).

نُزِعت المهابة من قُلوب عدوِّهم، لقد تفرَّق المسلمون وخُصوصًا العرب إلى دُوَيلات وأحزابٍ، وتعدَّدت مذاهبهم وتنوَّعت دَعواتهم، لقد خدَعَهم أعداؤهم وفرَّقوا جمعهم، وأصبح كلُّ فريقٍ يدعو إلى حِزب ومذهب، فدُعاة قوميَّة، ودعاة اشتراكيَّة، بل دعاة على أبواب جهنَّم، إنَّ المسلمين اليوم في حاجةٍ إلى الرجوع إلى ربهم والتمسُّك بتعاليم دِينهم والاجتماع على العقيدة الصحيحة السليمة من الشوائب.

فلا قوميَّة ولا وطنيَّة، ولا شيوعيَّة ولا اشتراكيَّة، وإنَّما الإسلام ولا شيء غير الإسلام، إنَّه لا مُنقِذ للبشريَّة من وَيْلاتها ولا مخلِّص لها من تعقيداتها إلا الإسلام وتعاليمه السمحة.

إنَّ حاجة البشر إلى الإسلام وعقيدته الصافية أشدُّ من حاجتهم إلى الشراب والطعام، وإنَّ التجارب التي مرَّت على الشُّعوب والمجتمعات لتَدعُوها إلى البحث عن مُنقذٍ لها ممَّا تُعانِيه، ولا مُنقِذ لها إلا الإسلام.

وإنَّ الكثير من رُؤَساء الدول المبتعِدين عن الدِّين وتعاليمه لَيظنُّون أنَّ في بُعد شعوبهم عن الدِّين محافظة على رئاساتهم وكراسي مُلكهم، ولم يعرفوا أنَّ المحافظة على ملكهم في التمسُّك بالدِّين وتعاليمه، المنظم لعلاقات الشعوب بولاتهم، والمحافِظ على حقوق الشعوب والولاة، والداعي إلى عيش الجميع في سلام ووئام، ومناصحة وصدق وإخلاص كأُسرةٍ واحدة؛ يتفقَّد ربها أفراد أسرته، ويتعاون أفرادها مع رئيسها كحزمة الرماح المجتمعة فلا تتكسَّر مجتمعةً.

فما أحلى ترابُط الشعوب مع ولاتها على تعاليم ربها، وما أعزَّها أمام أعدائها، فشتَّان بين ما يُرِيده الخدَّاعون والمكَّارون لشُعوبهم وبين ما يريده الإسلام للشعوب وولاتهم؛ يقول - سبحانه وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [النساء: 59].

ويقول - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103].

ويقول - جلَّ وعلا -: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46].

فما أحلى تعاليم ربِّنا لو تمسَّك بها المسلمون حقيقةً؛ ولاةً وشعوبًا، حكامًا ومحكومين، إنَّ أعداء الإسلام لم يطمَعُوا في المسلمين إلا حِين تفكَّك المسلمون وتفرَّقوا شِيَعًا وأحزابًا، وأصبح كلُّ حِزب يدعو لحِزبه الباطل ويُكافِح ويُناضِل من أجله ويدسُّ الدسائس للآخَرين، خُصوصًا المتمسِّكين بعقيدة الإسلام، ويخدم بذلك أعداء العقيدة والإسلام؛ لقد انخَدَع المسلمون بأعدائهم وأصبحوا يطلُبون النصر والإنصاف من قبلهم وعن طريقهم، ولم يتذكَّروا أنَّ الكُفر ملَّة واحدة.

فيا عباد الله:
إنَّنا في حاجةٍ إلى الانتباه والاتِّعاظ، ولعلَّ من أقرب المواعظ ما حصل للبنان في الآوِنة الأخيرة، بينما كانت مضرب المثل في الاستقرار ومقصد الفسَّاق؛ لإشباع رغباتهم الحيوانية، وقضاء الأوقات في اللهو أو المتعة الزائلة، إذا بها تُحرَق بالمدافع والقنابل، ويُشتَّت مَن سلم من النساء والأطفال من قِبَل الصِّهيَوْنيَّة الحاقدة على البشريَّة، ومع هذا كأنَّ شيئًا لم يكن، فلا بُدَّ من اليقَظَة والانتباه ومُحارَبة أسباب العُقوبات والإقلاع عن الذنوب والمعاصي والتآمُر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أنْ يحلَّ بنا ما حلَّ بغيرنا، فقد أحاطَتْ بنا الشرور وصوبت لنا الأنظار، وظهَر الحاسدون والحاقدون.

إنَّ بلادنا محسودةٌ على ما هي فيه من نعمة الإسلام، وتحكيم كتاب الله وسنَّة رسوله، اللذَيْن ضمنَا للبشريَّة سَعادة الدارين، وإنَّ ما نحن فيه من نعمة أمن واطمِئنان ورغد عيش وغير ذلك من النعيم يحتاج إلى شُكرٍ عملي وصدقٍ وإخلاص كما أنَّنا في حاجةٍ إلى التعاون مع ولاة أمورنا فيما يرضي ربنا ويحزن ويسخط عدوَّنا، إنَّنا بالتعاون والتناصُح والصدق والإخلاص نكون حِصنًا منيعًا أمام أعدائنا.

فانتَبِهوا - يا عباد الله - لأنفُسِكم، وتسلَّحوا بسلاح الإيمان، وتخلَّقوا بأخلاق الإسلام، وابتَعِدوا عمَّا يُوجِب المقت والخذلان، واتَّعِظوا بغيركم؛ فالسعيد مَن وُعِظَ بغيره، اللهمَّ إنَّا نسألك الثَّبات على دِينك، والاستِعداد لأعدائك وإصلاح البواطن والظواهر والابتعاد عمَّا يسخطك.

اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قُلوبنا، وكرِّه إلينا الكُفر والفُسوق والعِصيان واجعَلْنا من الراشدين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإسراء: 9-10].

بارَك الله لي ولكم في القُرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتابَ عليَّ وعليكم إنَّه هو التوَّاب الرحيم.

أقول قولي هذا وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفِروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

واعلَمُوا أنَّ أعداء الإسلام ساعُون في إطفاء نور الله، وإذلال المسلمين، وقمع شوكتهم، ومحاربة دعوتهم، يُنفِقون في ذلك النَّفس والنَّفِيس، وهم على باطِلهم يقتلون البشر، ويهلكون الحرث والنسل، ويُفسدون في الأرض، وقد راجَ باطلهم على ضُعَفاء العقول والإرادات، فقد تعدَّد دُعاة الضلال والكفر والإلحاد وأصبح لهم أحزاب يُصفِّقون خلفَهم ويتَّبعون ناعِقَهم إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل.

والله - سبحانه وتعالى - ناصِرٌ دينَه ومعلٍ كلمتَه ولو كره المشركون، ولكنَّه يبتَلِي عباده ليظهر الصادق في إيمانه، والمخلص في دعوته.

فتمسَّكوا - يا عباد الله - بكتاب ربِّكم وسنَّة نبيِّكم، عضُّوا عليها بالنواجذ؛ فإنَّ السلامة والنجاة في ذلك، وإيَّاكم ومُحدَثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة؛ يقول، -صلى الله عليه وسلم-: ((تركتُكم على المحجَّة البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ)).

فاحذَرُوا باطلَ الأعمال وزخارفَ الأقوال، فإنها تَذُوب وتضمحلُّ أمام الحقِّ.

يوسف التازي
21-01-15, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ العلامة أحمد بن يحيى بن هادي شبير النجمي -رحمه الله تعالى-.
في رسالته المنظومة الماتعة [صيحة حقٍ في صماخ الباطل]:

(الحَثُّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَثَوَابِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا):

ودونكم يا معشر الطلابِ *** ماقد أتى في محكم الكتابِ

وسنَّة الهادي النبيِّ المجتبىْ *** وعاشه الصحب الكرام النجباْ

عقدا،ً عبادةً، وفي الآدابِ *** حبّاً وطاعةً لذي المتابِ

فاتَّبعوهُ تهتدوا وتسلمواْ *** مما به قد دان قوم وعمواْ

من نهج ذي الجحد وذي الإلحادِ *** ونكرهم لخالق العبادِ

وجحدهم شرائع الله الَّتيْ *** يَتْبَعُها من رام حقا يأتسيْ

فباتَّباع نهج خير الخلقِ *** يورثكم علما بدين الحقِّ

يرفعكم به إلى أعلى الرُّتبْ *** يمنحكم نصراً وجاهاً ونشبْ

أيضاً ويدخلْكم جناناً عاليهْ *** يرزقكم فيها قطوفاً دانيهْ

زوجاتهم من الحسان الخُرَّدِ *** من حور عين ونساء المولدِ

وفوق ذا وفدٌ لهم يوم المزيدْ *** إلى الإله الحقِّ خلاق العبيدْ

في موكبٍ فيه النبي المجتبىْ *** والشهدا والصالحون النجباْ

للأنبيا منابر النور تعدّْ *** وغيرهم في كُثُّبِ المسك قُعَدْ

من لؤلؤٍ عليهم تيجانُ *** ثم لهم من ربهم رضوانُ

يوسف التازي
21-01-15, 01:50 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد : فإن هذا كلام بعض السلف في أهمية الكتاب والسنة والتمسك بهما أرجوا من الله أن يعينني وإياكم على ذللك
. التّمَسُّكُ بِالكِتَابِ الكريم
عن أبي العالية قال: قال رجلٌ لأُبَيّ بنِ كعب: أوْصني، قال: "اتخذْ كتابَ الله إمامًا، وارضَ به قاضياً وحَكمًا، فإنّه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع، مطاع وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكمُ ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم" [سير أعلام النبلاء، للذهبي: 1/392]

. فَضْلُ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ
قالَ ابنُ حبَّان رَحِمَهُ اللهُ في مقدمةِ صحِيحهِ: "وَإِنَّ فِي لُزُومِ سُنَّتِهِ: تَمَامَ السَّلاَمَةِ، وَجِمَاعَ الكَرَامَةِ، لاَ تُطفَأ سُرُجُها، وَلاَ تُدْحَضُ حُجَجُهَا، مَنْ لزِمها عُصِم، وَمَنْ خاَلَفَهَا نَدِم؛ إِذْ هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ، وَالرُّكْنُ الرَّكِينُ، الذِي بَانَ فَضْلُهُ، وَمَتُنَ حَبْلُهُ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ سَادَ، وَمَنْ رَامَ خِلاَفَهُ بَادَ، فَالمُتَّعَلِّقُونَ بِهِ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي الآجِلِ، وَالمُغْبَطُونَ بَيْنَ الأَنَامِ فِي العَاجِلِ" [الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان:1/102]

. الطَّرِيقُ إِلَى اللهِ، فيِ اتِّبَاعِ السُنَّةِ
سُئِل الحسنُ الجوزجاني: كيفَ الطَّريقُ إلىَ الله؟ فقال: الطُّرُقُ إلىَ الله ِكثيرةٌ، وَأَوْضَحُ الطُّرُقِ وأبعَدُها عنِ الشُّبهِ اتِّباع السَّنّة قوْلاً وَفِعْلاً وَعزْماً وَعقْدًا ونِيَّةً، لأَنَّ الله يقول: (وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) فقيل له: كيفَ الطّريقُ إلىَ السُّنَّةِ؟ فقال: مُجانبة البِدعِ، واتِّباع ما أجمعَ عليهِ الصَّدْرُ الأوَّل منَ عُلَماءِ الإسْلام، والتَّباعدُ عنْ مجاِلسِ الكلامِ وأهلِهِ؛ ولزوم طريقةِ الاِقتداءِ وبذلك َ أُمِرَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم بقولهِ تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْناَ إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) [الاعتصام للشاطبي: 1/62 ]

. الثَّبَاتُ عَلىَ السُّنَّة
عن الحسنِ البصْرِي -رحِمَه اُلله تعالى- قال: "السُّنَّةُ -وَالّذي لا إلهَ إِلاَّ هُو- بيْن الغَالِي والجَافيِ فاصْبِروا عليها رَحِمَكُمُ اللهُ، فإنَّ أهلَ السُّنَّة كانوا أقلَّ النَّاسِ فيما مَضَى، وَهمْ أّقَلُّ الناَّس ِفِيماَ بَقِيَ: الَّذينَ لمْ يَذهبُوا معَ أَهْلِ الإِتْرافِ في إتِراَفِهمْ، ولاَ مع أهلِ البِدَعِ في بِدَعِهمْ، صَبَرُوا علىَ سُنَّتِهِمْ حتَّى لَقَوْا ربَّهِمْ فَكَذَلِكَ إن شاءَ اللهُ فَكُونُوا" [إغاثة اللهفان، لابن القيم: 1/70]

يوسف التازي
21-01-15, 01:54 PM
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد..
فإن الله عز وجل قد أمر باجتماع هذه الأمة ونهى عن التنازع قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ولن يحصل اجتماع الأمة إلا بالتمسك بالكتاب والسنة ولذا أمر الله بالاعتصام بحبل الله المتين قال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وأمتنا الإسلامية وهي تواجه ما يحف بها من مخاطر متنوعة في أمس الحاجة إلى التمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم متوخية في ذلك نهج صحبه الكرام رضي الله عنهم ، ولقد وجهنا الله سبحانه وتعالى إلى هذا المنهج القويم في كتابه الكريم حيث قال سبحانه (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) . فاجتماع الأمة ووحدتها وعزها في التزام ذلك الصراط المستقيم الذي سلكه نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وصحبه الكرام وعدم الحيد عنه ، وبذلك يحصل رضا رب العالمين والفوز بجنته ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداَ ، كتاب الله وسنتي) .
وحيث إن النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم من الواجبات الشرعية ، وكان من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كتابة بيان حول ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن بعض المحسوبين على الأمة ، نوضح فيه حقيقة دعواه التي حاول فيها أن يلبس على عموم المسلمين ، ويخدع بها من لا يبصر الأمور ، فقد ادعى ذلك المتكلم أن الدولة المسماة بالدولة الفاطمية ، هي دولة الإسلام التي يكمن فيها الحل المناسب في الحاضر كما كان حلا في الماضي وهذا من التلبيس ومن الدعاوى الباطلة وذلك لعدة أمور ، منها ..
أولا: أن تسمية تلك الدولة بالفاطمية تسمية كاذبة أراد بها أصحابها خداع المسلمين بالتسمي باسم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بين العلماء والمؤرخون في ذلك الزمان كذب تلك الدعوى ، وأن مؤسسها أصله مجوسي ، يدعى سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان الثنوي الأهوازي ، وسعيد هذا تسمى بعبيد الله عندما أراد إظهار دعوته ونشرها ولقب نفسه بالمهدي . فالنسبة الصحيحة لدولته أن يقال " العبيدية " كما ذكر ذلك جملة من العلماء المحققين ، ويظهر من نسب مؤسسها الذي ذكر آنفا أن انتسابهم إلى آل البيت كذب وزور ، وإنما أظهروا ذلك الانتساب لاستمالة قلوب الناس إليهم قال العلامة ابن خلكان في وفيات الأعيان 3 / 118 (والجمهور على عدم صحة نسبهم وأنهم كذبة أدعياء لا حظ لهم في النسبة المحمدية أصلا) .
وقال الذهبي في العبر في خبر من غبر ج 2 / ص 199 (المهدي عبيد الله والد الخلفاء الباطنية العبيدية الفاطمية افترى أنه من ولد جعفر الصادق) وقد ذكر غيرهما من المؤرخين أنه في ربيع الآخر من عام 402 هـ كتب جماعة من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والصالحين المحدثين وشهدوا جميعاَ أن الحاكم بمصر وهو منصور الذي يرجع نسبه إلى سعيد مؤسس الدولة العبيدية لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ، وأن الذي ادعوه إليه باطل وزور وأنهم لا يعلمون أحدا من أهل بيوتات علي بن أبي طالب رضي الله عنه توقف عن إطلاق القول في انهم خوارج كذبة ، وأن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه كفار فساق فجار ملحودون زنادقة معطلون ، للإسلام جاحدون ، ولمذهب المجوسية والثنوية معتدقون ، قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج وأحلوا الخمر وسفكوا الدماء وسبوا الأنبياء ولعنوا السلف وادعوا الربوبية ، وكتب سنة اثنتين وأربعمائة قال ابن كثير في البداية والنهاية (11 / 346) بعد أن نقل هذا " وقد كتب خطه في المحضر خلق كثير " .
ثانيا: إظهارهم التشيع لآل البيت ..
هذه الدعوى أظهروها حيلة نزعوا إليها استغلالا لعواطف المسلمين لعلمهم بمحبة أهل الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وقد ذكر الغزالي وغيره من العلماء أنهم في الحقيقة باطنيون [ انظر مرآة الجنان 3 / 107 ] وقال النويري (وحكى الشريف أبو الحسين محمد بن علي المعروف بأخي محسن في كتابه أن عبد الله بن ميمون كان قد سكن بساباط أبي نوح ، وكان يتستر بالتشيع والعلم ، فلما ظهر عنه ما كان يضمره ويستره من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة ثار عليه الناس ، وقد ذكر من الثائرين عليه الشيعة والمعتزلة وغيرهم فهرب إلى البصرة) ……. انتهى باختصار .
ثالثا: حال تلك الدولة وما كانوا عليه ..
أجمل العلماء حالهم في جملة مشهورة قالها أبو بكر الباقلاني والغزالي وابن تيمية وهي أنهم يُظهرون الرفض ويُبطنون الكفر المحض .
قال الباقلاني عن القداح جد عبيد الله (وكان باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام ، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه أباحوا الخمور والفروج وأفسدوا عقائد خلق) ،[ انظر تاريخ الإسلام 24/ 23 ] .
قال أبو الحسن القابسي صاحب الملخص الذي قتله عبيد الله وبنوه بعده (أربعة آلاف رجل في دار النحر في العذاب ما بين عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت) .
قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ج 1 / ص 526 (ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية ، وناهيك بهم إفسادا وكفرا وقتلا للعلماء والصلحاء) .
قال الشاطبي المالكي في الاعتصام ج 2 / ص 44 (العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية زعمت أن الأحكام الشرعية إنما هي خاصة بالعوام ، وأما الخواص منهم فقد ترقوا عن تلك المرتبة فالنساء بإطلاق حلال لهم ، كما أن جميع ما في الكون من رطب ويابس حلال لهم أيضا مستدلين على ذلك بخرافات عجائز لا يرضاها ذو عقل)
رابعا: موقف العلماء من تلك الحقبة ..
كان العلماء يظهرون الشناعة على العبيديين وعلى أفعالهم المشينة ، ومما يبين لنا موقف العلماء ويجمله ما صنعه السيوطي في تاريخه (تاريخ الخلفاء) ص 4 حيث قال (ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين ، لأن خلافتهم غير صحيحة ، وذكر أن جدهم مجوسي ، وإنما سماهم بالفاطميين جهلة العوام).
خامسا: إن مما يتبين لكل أحد بعد الاطلاع على أقوال العلماء والمؤرخين أن هذه الدولة الفاطمية كان لها من الضرر والإضرار بالمسلمين ما يكفي في دفع كل من يرفع لواءها ويدعو بدعوتها ، لذا نجد أن المسلمين في الماضي فرحوا بزوالها على يد الملك الصالح صلاح الدين الأيوبي ـ رحمه الله تعالى ـ في عام 567 هـ فلا يجوز بعد هذا كله أن ندعو الناس إلى الانتساب إلى تلك الدولة العبيدية الضالة ، ومثل هذه الدعوة غش وخيانة للإسلام وأهله ، ونصيحتنا لأئمة المسلمين وعامتهم بالاعتصام بالكتاب والسنة وجمع القلوب عليهما ، يقول النبي صلى الله عيه وسلم (إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) رواه مسلم .
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من تبع هداه
أمّا بعد :
العلم قال الله قال رسوله *** قال الصحابة ليس خلف فيه

يوسف التازي
21-01-15, 01:58 PM
عن أبي نجيح العرباض بن سارية رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ قال: وعظنا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رَسُول اللَّهِ كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً! فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود والترمذي وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
النواجذ)) بالذال المعجمة: الأنياب وقيل الأضراس.

عن ابن عباس في قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} قال: سبيل وسنة.
عن الحسن في قوله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها} قال: على السنة.

عن الحسن في قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال: وكان علامة حبه إياهم إتباع سنة رسول الله r

وسئل سفيان بن عيينة عن قوله r : "المرء مع من أحب"، فقال: ألم تسمع قوله تعالى: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال: يقربكم الحب من الرب، قال: {يتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} لا يقرب الظالمين.

عن الحسن في قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} قال: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة.

عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} قال: ثم استقام، قال: لزوم السنة والجماعة.

وعن ابن عباس في قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} فأما الذين أبيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولو العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع والضلالة.

قال عبد الله ين مسعود : لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل كبرائهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم هلكوا. قال ابن المبارك: الأصاغر: أهل البدع.
وسئل عبد الله بن مسعود : عن الدجال فقال: لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال: أمور تكون من كبرائكم؛ فأيما مريه [تصغير: امرأة] أورُجيل أدرك ذاك الزمان فالسمت الأول، السمت الأول، فأما اليوم على السنة. [ السمت: الطريق]

وقال أيضاً: عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه: أن يذهب أهله - أو قال أصحابه -، وقال: عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يُفتقر إلى ما عنده. وإنكم ستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق.

قال محمد بن سيرين: كانوا يرونه على الطريق ما دام علي الأثر.

قال يحيى: ليس طريق أقصد إلى الجنة من طريق من سلك الآثار.

قال سفيان: وجدت الأمر الإتباع.

قال عبد الله بن مسعود : الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة
وكان معاذ بن جبل يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط، تبارك اسمه، هلك المرتابون. إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ثم ما هم بمتبعيّ حتى ابتدع لهم غيره. وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، واتقوا زيغة الحكيم فإن الشيطان يلقي علي فيّ الحكم الضلالة، ويلقي المنافق كلمة الحق. قالنا: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق وأن الشيطان يلقي على فيّ الحكيم كلمة الضلالة؟. قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت ما هذا، ولا ينأ بك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع ويلقي الحق إذا سمعه فإن على الحق نورا.

قال الزهري: الاعتصام بالسنة نجاة.
قال أبو المليح: كتب عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدعة

قال أبو العالية: تعلموا الإسلام فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام. ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا. وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء.
فحدثت الحسن، فقال: صدق ونصح. قال: فحدثت حفصة بنت سيرين فقالت: يا باهلي أنت حدثت محمدا (أي: أخوها: محمد بن سيرين) بهذا؟ قلت: لا. قالت: فحدثه إذاً.

قال الحسن: لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة.

قال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها

قال أيوب: إني أُخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي.

وقال أيضاً: إن من سعادة الحَدث [أي: صغير السن] والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة.

عن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نَسك [أي: استقام] أن يـواخي صاحب سنة يحمله عليها.

قال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريا، وأخوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان.

قال أيوب : إذا كان الرجل صاحب سنة وجماعة فلا تسأل عن أي حال كان فيه.

وكان أيوب يبلغه موت الفتا من أصحاب الحديث فيُرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعباده فما يرى ذلك فيه.

قال حماد بن زيد: حضرتُ أيوب السختياني وهو يغسل شعيب بن الحبحاب وهو يقول: إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
قال الأوزاعي: ندور مع السنة حيث دارت.

وقال أيضاً: كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، وإتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.

وكان سفيان الثوري يقول: استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء.

وكان يقول أيضاً: إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب؛ فابعث إليهما بالسلام وادع لهما. ما أقل أهل السنة والجماعة !!.

قيل لأبي بكر بن عياش: يا أبا بكر من السني؟ قال: الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها.

وكان أبو بكر بن عياش يقول: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان.

قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحداً أشرح للسنة من أبي بكر بن عياش.

قال أحمد بن عبد الله بن يونس: امتحن أهل الموصل بمعافى بن عمران فإن أحبوه فهم أهل السنة، وإن أبغضوه فهم أهل بدعة. كما يمتحن أهل الكوفة بيحي (أي: ابن سعيد القطان)

قال معافى بن عمران: لا تحمدن رجلاً إلا بعد الموت؛ إما يموت على السنة، أو يموت على بدعة.

قال حذيفه : اتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من قبلكم، فوالله لئن سبقتم لقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا.

قال ابن مسعود : إعلم إن الضلالة حق الضلالة: أن تعرف ما كنت تُنكِر، وأن تُنكِر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله تعالى فإن دين الله واحد.

وعنه أيضاً قال: يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا - يعني مفصل الأصبع - فإن تركتموهم جاءوا بالطامّة الكبرى. وإنه لم يكن أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون "السنة" وإن آخر ما يتركون "الصلاة" ولولا أنهم يستحيون لتركوا الصلاة.

وعنه أيضاً قال: كيف أنتم إذا البستكم فتنة يربوا فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة. قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟. قال: ذلك إذا ذهب علماؤكم، وكثرت جهالكم ، وكثرت قراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، والتمست الدنيا بعمل الاخرة، وتفقه لغير الدين.

قال ابن عباس : ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن.

وقال ابن عمر : ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيا، ولا تُركت سنة إلا ازدادت هويا.

قال حسان بن عطية: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة

قال عبد الله بن مسعود : ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة؛ أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله r ، وولاة الأمر بعده: سننا؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل واستكمال لطاعته وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها فمن اقتدى بما سنوا اهتدى ومن استبصر بها أبصر ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله عز وجل ما تولاّه وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.

قال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقول: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض سريعا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وذهاب العلماء ذهاب ذلك كله.

وخطب ابن مسعود فقال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة

عن عمرو بن ميمون قال: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله r فوقع حبه في قلبي فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده: عبد الله بن مسعود، فذكر يوما تأخير الصلاة عن وقتها فقال: صلوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة. قال عمرو بن ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود: وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن ميمون: إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة، إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك.

عن قتادة في قوله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} قال: صاحب بدعة يدعو إلى بدعته.

قال عبد الله بن مسعود : إياكم وما يحدث الناس من البدع فإن الدين لا يذهب من القلوب بمره ولكن الشيطان يحدث له بدعا حتى يخرج الإيمان من قلبه ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام ويتكلمون في ربهم عز وجل فمن أدرك ذلك الزمان فليهرب قيل: يا أبا عبد الرحمن فإلى أين؟. قال: إلى لا أين، قال: يهرب بقلبه ودينه لا يجالس أحدا من أهل البدع.

قال معاذ : إنما أخشى عليك ثلاثة من بعدي زلة عالم وجدال منافق في القرآن والقرآن حق وعلى القرآن منار كمنار الطريق فما عرفتم منه فخذوه ومن لم يكن غينا من الدنيا فلا دين له قال عبد المؤمن فسالت أبي ما يعني بهذا فقال سألناه فقال من لم يكن له من الدنيا عمل صالح فلا دين له

قال عمر بن الخطاب : اكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها؛ فقالوا بالرأى، فضلوا وأضلوا.

وقال أيضاً : سيأتي أناس سيجادلونكم بشبهات القرآن خذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله

قال عبد الله بن عباس : أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم بما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات.

قال الحسن: لمّا أتاه رجلا فقال: يا أبا سعيد إني أريد أن أخاصمك. فقال الحسن: إليك عني، فإني قد عرفت ديني وإنما يخاصمك الشاك في دينه.

قال ابن عمر : ما فرحت بشيء من الإسلام أشد فرحا بأن قلبي لم يدخله شيء من هذه الأهواء

عن الشعبي قال: إنما سميت الأهواء لأنها تهوي بصاحبها في النار.

عن أبي الجوزاء قال: لأن يجاورني قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني أحد منهم يعني أصحاب الأهواء.

قال الحسن: أهل الهوى بمنزلة اليهود والنصارى.

وكان سفيان الثوري يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها.

عن الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة.

قال قتادة: إن الرجل إذا ابتدع بدعة ينبغي لها أن تذكر حتى تحذر.

عن الحسن قال: صاحب بدعة ولا يقبل الله له صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا.

قال الفضيل بن عياض: لا يرفع لصاحب بدعة إلى الله عمل.

رأى أيوب: رجلا من أهل الأهواء فقال: إني أعرف الذلة في وجهه، ثم قرأ: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم عضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين}، ثم قال: هذه لكل مفترٍ.

عن مطرف بن الشخير قال: لو كانت هذه الأهواء كلها هوى واحداً؛ لقال القائل: الحق فيه. فلما تشعبت واختلفت عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق.

و صلى الله و سلم على محمد و آله و صحبه

يوسف التازي
21-01-15, 02:05 PM
عليك بآثار من سلف

ابوراشد

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله عزَّ وجلَّ: ï´؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ï´¾ [النساء: 115].

عن جابرٍ - رضي اللَّه عنه- قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم : « أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » . رواه مسلم

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيراً، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة ». [أخرجه
: أبو داود ( 4607 ) ، وابن ماجه ( 43 ) ، والترمذي ( 2676 ) وقال: حديث حسن صحيح]

عن أبي قلابة، أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: « عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يُقبض، أو متى يُفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، والتعمق، وعليكم بالعتيق ». [الدارمي (144) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (163) ، السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (80)]

تبدَّع الشيء : أَنشأَه وبدأَه أو أحدثه واخترعه والمراد هنا : الحدث في الدين بعد الإكمال

التنطع : التكلف والمغالاة والتعمق في القول أو الفعل

التعمق : المبالغة في الأمر والتشدد فيه

العتيق : القديم وما كان عليه الأوائل والمراد التمسك بالقرآن والسنة

وقال أيضاً : « إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون، ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي الأول ». [الدارمي (169) ، السنَّة للمروزي (80)]

وكان حذيفة يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول: « يا معشر القراء اسلكوا الطريق، فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ». [البخاري (7282) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح
(12) ، السنة لعبد الله بن أحمد (106) ، السنَّة للمروزي (86)]

ودخل ابن مسعود الأنصاري رضي الله عنه على حذيفة، فقال: « اعهد إلي » .
فقال : « ألم يأتك اليقين ؟ » قال : « بلى وعزة ربي » . قال : « فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله تعالى، فإن دين الله واحد ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (120) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (168)]

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه –أيضاً- : « كلّ عبادة لم يَتَعبدْ بها أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم- فلاَ تَتَعبَّدوا بها ؛ فإِن الأَوَّلَ لَمْ يَدع للآخِر مَقالا ؛ فاتَّقوا اللهَ يا مَعْشَر القرَّاء ، خُذوا طَريقَ مَنْ كان قَبلكُم ». [الإبانة لابن بطه]

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « مَنْ كان مُسْتنّا فَلْيَسْتن بمَنْ قَدْ مَاتَ أولئكَ أَصْحابُ مُحمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا خَيرَ هذه الأمَّة، وأَبَرها قُلوبا، وأَعْمقَها عِلْما، وأَقَلّها تَكلفا، قَوم اخْتارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَة نَبيه - صلى الله عليه وسلم - ونَقلِ دينه فَتَشبَّهوا بأَخْلاقِهِم وطَرائِقِهم ؛ فَهُمْ كانوا عَلَى الهَدْي المُستقِيم ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/97) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (498) ، الشريعة للآجري (1143)]

وعن عثمان بن حاضر، قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: « عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع ». [سنن الدارمي (141) ، الإبانة لابن بطه (164)]

وعن الزهري ، قال: « كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض سريعا، فـنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وذهاب العلماء ذهاب ذلك كله ». [سنن الدارمي (96) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (136) ، الإبانة لابن بطه (166)]

وقال محمد بن سيرين: « كانوا يرون أنَّه على الطريق ما كان على الأثر ».
[سنن الدارمي (140) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (109) ، الإبانة لابن بطه (250) ، الشريعة للآجري (30)]

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه لا يجلس مجلسا للذِّكْر، إلا قال حين
يجلس: « الله حَكَم قِسْط ، هلَكَ المرتابون، فقال معاذُ بن جبل يوما :
إن ورائَكم فِتَنا يَكْثُرُ فيها المال، ويُفتَح فيها القرآنُ حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ، والرجلُ والمرأةُ، والعبدُ والحرُّ، والصغيرُ والكبيرُ ، فيوشكُ قائل أن يقول: ما للناس لا يتَّبعوني وقد قرأت القرآن ؟ وماهم بِمُتَّبِعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيرَه فإياكم وما اْبتَدَع، فإنما ابتدَع ضلالة، وأخذِّركم زَيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق » قال: قلت لمعاذ: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: « اجتنبوا من كلمة الحكيم كل متشابه، الذي إذا سمعته
قلت: ما هذه؟ ولا ينأينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، ويلقي الحق إذا سمعه، فإن على الحق نورا ». [سنن أبي داود (4611) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (116) ، الإبانة لابن بطه (149) ، الشريعة للآجري (88)]

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: « ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أزلفه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1242) صفة المنافق للفريابي (26)]

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : « عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَن فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فَمَسَّتْهُ النَّارُ أَبَدًا ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ اللَّهَ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ إِلاَّ كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَبِسَ وَرِقُهَا فَهِيَ كَذَلِكَ إذْ أَصَابَتْهَا رِيحٌ فَتَحَاتَّ وَرَقُهَا عنها إِلاَّ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عن هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَرِقُهَا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي غَيْرِ سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ، فَانْظُرُوا أَعْمَالَكُمْ، فَإِنْ كَانَتِ اقْتِصَادًا وَاجْتِهَادًا أَنْ تَكُونَ عَلَى مِنْهَاجِ الأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ ». [مصنف ابن أبي شيبة (36675) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (10) ، الإبانة لابن بطه (259)]

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « إِنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ، وَأُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَعَلَيْك بِالتُّؤَدَةِ، فَتَكُونُ تَابِعًا فِي الْخَيْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ رَأْسًا فِي الشَّرِّ ». [مصنف ابن أبي شيبة (38343) ، الإبانة لابن بطه (184)]

وعنه رضي الله عنه – أيضاً - قال: « يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا يعني مفصل الأنملة، فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهل كتاب قط، إلا كان أول ما يتركون السنة، وآخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم أهل كتاب لتركوا الصلاة ». [مستدرك الحاكم (8584) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (122) ، الإبانة لابن بطه (194)]

وعنه – أيضاً - قال: « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ الفِتْنَةُ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، فَإِنْ غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ:
غُيِّرَتِ السُّنَّةُ» ، قَالُوا: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : « إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ». [مصنف ابن أبي شيبة
(38311) ، سنن الدارمي (185) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (123) ، الإبانة لابن بطه (764) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (261)]

وقال رضي الله عنه – أيضاً - : « إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله » . قال ابن المبارك : وكفى بالله وكيلا. [البدع والنهي عنها لابن وضاح (4)]

وعن ابن عباس ، قال : « والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني » . فقيل: وكيف ؟ ، فقال : « والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب، فيحملها الرجل إلي، فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة ، فترد عليه ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (12)]

وعن أبي إدريس الخولاني ، قال : « لئن أرى في المسجد نارا تضطرم أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير ». [الإبانة لابن بطه (601) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (86) ، السنة لعبد الله بن أحمد (715) ، السنة للمروزي (81)]

وعن ابن عباس، قال : « لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع، وتموت السنن ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (125) ، الإبانة لابن بطه (11) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح
(93) ، السنة للمروزي (98)]

وعن عبد الله الديلمي، قال : « إن أول الدين تركا السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة ». [سنن الدارمي (97) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (127) ، الإبانة لابن بطه (234) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (173)]

وعن سلام بن مسكين، قال: كان قتادة إذا تلا: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال: « إنكم قد قلتم ربنا الله فاستقيموا على أمر الله، وطاعته، وسنة نبيكم، وامضوا حيث تؤمرون، فالاستقامة أن تلبث على الإسلام، والطريقة الصالحة، ثم لا تمرق منها، ولا تخالفها، ولا تشذ عن السنة، ولا تخرج عنها، فإن أهل المروق من الإسلام منقطع بهم يوم القيامة، ثم إياكم وتصرف الأخلاق، واجعلوا الوجه واحدا، والدعوة واحدة، فإنه بلغنا أنه من كان ذا وجهين، وذا لسانين كان له يوم القيامة لسانان من نار». [الإبانة لابن بطه (163)]

وعن عاصم قال: قال أبو العالية: « تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فرددها مرارا ».

فحدثت الحسن فقال : صدق ونصح.

قال : فحدثت حفصة بنت سيرين ، فقالت : يا باهلي ، أنت حدثت محمدا بهذا ؟
قلت: لا. قالت: فحدثه إذا. [مصنف عبد الرزاق (20758) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (17) ، الإبانة لابن بطه (142) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح
(75) ، السنة للمروزي (26) ، الشريعة للآجري (19)]

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: تأمل كلام أبي العالية هذا ما أجلَّه، وأعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، ... وأما الإنسان الذي يقرأها وأشباهها وهو مطمئن أنها لا تناله ويظنها في قوم كانوا أمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

وعن الحسن البصري - رحمه الله تعالى- قال : « لو أَن رجُلا أَدركَ السلفَ الأَولَ ثم بُعثَ اليومَ ما عَرَفَ من الإِسلام شيئا » قال: ووضع يده على خدِّه ثم قال: « إِلا هذه الصلاة » ثم قال: « أَما والله ما ذلكَ لمن عاشَ في هذه النكراء ولم يدرك هذا السلف الصالحَ؛ فرأى مبتدعا يدعو إِلى بدعته، ورأى صاحبَ دنيا يدعو إِلى دنياه؛ فعصمهُ الله من ذلكَ، وجعلَ قلبهُ يحنّ إِلى ذلك السَّلف الصالح يَسْأَلُ عن سبيلهم، ويقتص آثارهُم، ويَتّبعُ سبيلهُم، ليعوض أَجرا عَظيما؛ فكذلك فكونوا إِن شاء الله ».
[البدع والنهي عنها لابن وضاح (176)]

وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ : « سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننـًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها. من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (134) ، الإبانة لابن بطه (239) ، الشريعة للآجري (90)]

وقال الإمام البربهاري في شرح السنة : « اعلم أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالا مضلا ».

وقال : « واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعا مصدقا مسلما فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم وكفى بهذا فرقة وطعنا عليهم

قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ». [شرح السنة للبربهاري (1)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان وجوب إتباع مذهب السلف: « وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال : عليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جُعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حَدَثٌ حَدَثَ بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وإنهم فيما ذلك لعلى هدى مستقيم ». [الفتاوى (4/7)]

قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى : « السنَّة سَفينةُ نوح مَن رَكبَها نجَا ومَن تَخَلّفَ عنَها غَرِقَ ». [تاريخ بغداد (3850)]

عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله- قال : « اعلم- أي أخي- أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء، وأهل السنة، وظهور البدع ». [البدع والنهي عنها لابن وضاح (95)]

وقال الإمام الأوزاعي: « عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإيّاك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول؛ فإن الأمر ينجلي - حين ينجلي - وأنت على طريق مستقيم ». [شرف أصحاب الحديث (6) ، الشريعة للآجري (124) ، سير أعلام النبلاء (7/120) ، طبقات الحنابلة (1/236)]

وعن سعيد بن جبير ، قال : « لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (18)]

كان ابن عون يقول : « رحم الله رجلا لزم هذا الأثر، ورضي به، وإن استثقله واستبطأه ». [الإبانة لابن بطه (270)]

عن وهب بن منبه قال : « الفقيه العفيف الزاهد المتمسك بالسنة : أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان » قال محمد بن الحسين: جعلنا الله وإياكم ممن تحيا بهم السنن، وتموت بهم البدع، وتقوى بهم قلوب أهل الحق، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء، بمنه وكرمه. [الإبانة لابن بطه (39) ، الشريعة للآجري (3)]

وقال سهل بن عبد اللّه التّستري: « عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه، وأذلوه وأهانوه ».

وعن سليم بن أخضر قال سمعت ابن عون يقول غير مرة: « ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآن فيتعمله ويقرأه ويتدبره وينظر فيه، والثانية أن ينظر ذاك الأثر والسنة فيسأل عنه ويتبعه جهده، والثالثة أن يدع هؤلاء الناس إلا من خير ». [السنة للمروزي (106)]

وعن ابن الماجشون، قال: سمعت مالكا يقول: « مَن ابْتَدَعَ في الإِسلام بدعة يَراها حَسَنة ؛ فَقَدْ زَعَمَ أَن مُحمّدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خانَ الرّسالةَ ؛ لأَن اللهَ يقولُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فما لَم يَكُنْ يَوْمَئذ دينا فَلا يكُونُ اليَوْمَ دينا ». [الاعتصام للشاطبي (1/62)]

قال الإمام ابن بطه العكبري : « فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمر به أصحابه، والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة، واتباع الآثار ما فيه بلاغ، وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله عز وجل ضمن لمن أطاع الله ورسوله خير الدنيا، والآخرة، فإنه قال: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه ونعوذ به ممن كان موصوفا به فإنه قال: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } ، فرحم الله عبدا لزم الحذر واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة ».

ابوراشد
شبكة التبيان

يوسف التازي
21-01-15, 02:05 PM
عليك بآثار من سلف

ابوراشد

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115].

عن جابرٍ - رضي اللَّه عنه- قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم : « أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » . رواه مسلم

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيراً، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة ». [أخرجه
: أبو داود ( 4607 ) ، وابن ماجه ( 43 ) ، والترمذي ( 2676 ) وقال: حديث حسن صحيح]

عن أبي قلابة، أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: « عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يُقبض، أو متى يُفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، والتعمق، وعليكم بالعتيق ». [الدارمي (144) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (163) ، السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (80)]

تبدَّع الشيء : أَنشأَه وبدأَه أو أحدثه واخترعه والمراد هنا : الحدث في الدين بعد الإكمال

التنطع : التكلف والمغالاة والتعمق في القول أو الفعل

التعمق : المبالغة في الأمر والتشدد فيه

العتيق : القديم وما كان عليه الأوائل والمراد التمسك بالقرآن والسنة

وقال أيضاً : « إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون، ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي الأول ». [الدارمي (169) ، السنَّة للمروزي (80)]

وكان حذيفة يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول: « يا معشر القراء اسلكوا الطريق، فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ». [البخاري (7282) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح
(12) ، السنة لعبد الله بن أحمد (106) ، السنَّة للمروزي (86)]

ودخل ابن مسعود الأنصاري رضي الله عنه على حذيفة، فقال: « اعهد إلي » .
فقال : « ألم يأتك اليقين ؟ » قال : « بلى وعزة ربي » . قال : « فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله تعالى، فإن دين الله واحد ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (120) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (168)]

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه –أيضاً- : « كلّ عبادة لم يَتَعبدْ بها أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم- فلاَ تَتَعبَّدوا بها ؛ فإِن الأَوَّلَ لَمْ يَدع للآخِر مَقالا ؛ فاتَّقوا اللهَ يا مَعْشَر القرَّاء ، خُذوا طَريقَ مَنْ كان قَبلكُم ». [الإبانة لابن بطه]

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « مَنْ كان مُسْتنّا فَلْيَسْتن بمَنْ قَدْ مَاتَ أولئكَ أَصْحابُ مُحمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا خَيرَ هذه الأمَّة، وأَبَرها قُلوبا، وأَعْمقَها عِلْما، وأَقَلّها تَكلفا، قَوم اخْتارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَة نَبيه - صلى الله عليه وسلم - ونَقلِ دينه فَتَشبَّهوا بأَخْلاقِهِم وطَرائِقِهم ؛ فَهُمْ كانوا عَلَى الهَدْي المُستقِيم ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/97) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (498) ، الشريعة للآجري (1143)]

وعن عثمان بن حاضر، قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: « عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع ». [سنن الدارمي (141) ، الإبانة لابن بطه (164)]

وعن الزهري ، قال: « كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض سريعا، فـنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وذهاب العلماء ذهاب ذلك كله ». [سنن الدارمي (96) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (136) ، الإبانة لابن بطه (166)]

وقال محمد بن سيرين: « كانوا يرون أنَّه على الطريق ما كان على الأثر ».
[سنن الدارمي (140) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (109) ، الإبانة لابن بطه (250) ، الشريعة للآجري (30)]

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه لا يجلس مجلسا للذِّكْر، إلا قال حين
يجلس: « الله حَكَم قِسْط ، هلَكَ المرتابون، فقال معاذُ بن جبل يوما :
إن ورائَكم فِتَنا يَكْثُرُ فيها المال، ويُفتَح فيها القرآنُ حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ، والرجلُ والمرأةُ، والعبدُ والحرُّ، والصغيرُ والكبيرُ ، فيوشكُ قائل أن يقول: ما للناس لا يتَّبعوني وقد قرأت القرآن ؟ وماهم بِمُتَّبِعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيرَه فإياكم وما اْبتَدَع، فإنما ابتدَع ضلالة، وأخذِّركم زَيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق » قال: قلت لمعاذ: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: « اجتنبوا من كلمة الحكيم كل متشابه، الذي إذا سمعته
قلت: ما هذه؟ ولا ينأينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، ويلقي الحق إذا سمعه، فإن على الحق نورا ». [سنن أبي داود (4611) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (116) ، الإبانة لابن بطه (149) ، الشريعة للآجري (88)]

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: « ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أزلفه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1242) صفة المنافق للفريابي (26)]

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : « عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَن فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فَمَسَّتْهُ النَّارُ أَبَدًا ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ اللَّهَ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ إِلاَّ كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَبِسَ وَرِقُهَا فَهِيَ كَذَلِكَ إذْ أَصَابَتْهَا رِيحٌ فَتَحَاتَّ وَرَقُهَا عنها إِلاَّ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عن هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَرِقُهَا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي غَيْرِ سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ، فَانْظُرُوا أَعْمَالَكُمْ، فَإِنْ كَانَتِ اقْتِصَادًا وَاجْتِهَادًا أَنْ تَكُونَ عَلَى مِنْهَاجِ الأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ ». [مصنف ابن أبي شيبة (36675) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (10) ، الإبانة لابن بطه (259)]

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « إِنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ، وَأُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَعَلَيْك بِالتُّؤَدَةِ، فَتَكُونُ تَابِعًا فِي الْخَيْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ رَأْسًا فِي الشَّرِّ ». [مصنف ابن أبي شيبة (38343) ، الإبانة لابن بطه (184)]

وعنه رضي الله عنه – أيضاً - قال: « يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا يعني مفصل الأنملة، فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهل كتاب قط، إلا كان أول ما يتركون السنة، وآخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم أهل كتاب لتركوا الصلاة ». [مستدرك الحاكم (8584) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (122) ، الإبانة لابن بطه (194)]

وعنه – أيضاً - قال: « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ الفِتْنَةُ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، فَإِنْ غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ:
غُيِّرَتِ السُّنَّةُ» ، قَالُوا: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : « إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ». [مصنف ابن أبي شيبة
(38311) ، سنن الدارمي (185) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (123) ، الإبانة لابن بطه (764) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (261)]

وقال رضي الله عنه – أيضاً - : « إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله » . قال ابن المبارك : وكفى بالله وكيلا. [البدع والنهي عنها لابن وضاح (4)]

وعن ابن عباس ، قال : « والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني » . فقيل: وكيف ؟ ، فقال : « والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب، فيحملها الرجل إلي، فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة ، فترد عليه ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (12)]

وعن أبي إدريس الخولاني ، قال : « لئن أرى في المسجد نارا تضطرم أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير ». [الإبانة لابن بطه (601) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (86) ، السنة لعبد الله بن أحمد (715) ، السنة للمروزي (81)]

وعن ابن عباس، قال : « لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع، وتموت السنن ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (125) ، الإبانة لابن بطه (11) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح
(93) ، السنة للمروزي (98)]

وعن عبد الله الديلمي، قال : « إن أول الدين تركا السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة ». [سنن الدارمي (97) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (127) ، الإبانة لابن بطه (234) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (173)]

وعن سلام بن مسكين، قال: كان قتادة إذا تلا: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال: « إنكم قد قلتم ربنا الله فاستقيموا على أمر الله، وطاعته، وسنة نبيكم، وامضوا حيث تؤمرون، فالاستقامة أن تلبث على الإسلام، والطريقة الصالحة، ثم لا تمرق منها، ولا تخالفها، ولا تشذ عن السنة، ولا تخرج عنها، فإن أهل المروق من الإسلام منقطع بهم يوم القيامة، ثم إياكم وتصرف الأخلاق، واجعلوا الوجه واحدا، والدعوة واحدة، فإنه بلغنا أنه من كان ذا وجهين، وذا لسانين كان له يوم القيامة لسانان من نار». [الإبانة لابن بطه (163)]

وعن عاصم قال: قال أبو العالية: « تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فرددها مرارا ».

فحدثت الحسن فقال : صدق ونصح.

قال : فحدثت حفصة بنت سيرين ، فقالت : يا باهلي ، أنت حدثت محمدا بهذا ؟
قلت: لا. قالت: فحدثه إذا. [مصنف عبد الرزاق (20758) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (17) ، الإبانة لابن بطه (142) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح
(75) ، السنة للمروزي (26) ، الشريعة للآجري (19)]

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: تأمل كلام أبي العالية هذا ما أجلَّه، وأعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، ... وأما الإنسان الذي يقرأها وأشباهها وهو مطمئن أنها لا تناله ويظنها في قوم كانوا أمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

وعن الحسن البصري - رحمه الله تعالى- قال : « لو أَن رجُلا أَدركَ السلفَ الأَولَ ثم بُعثَ اليومَ ما عَرَفَ من الإِسلام شيئا » قال: ووضع يده على خدِّه ثم قال: « إِلا هذه الصلاة » ثم قال: « أَما والله ما ذلكَ لمن عاشَ في هذه النكراء ولم يدرك هذا السلف الصالحَ؛ فرأى مبتدعا يدعو إِلى بدعته، ورأى صاحبَ دنيا يدعو إِلى دنياه؛ فعصمهُ الله من ذلكَ، وجعلَ قلبهُ يحنّ إِلى ذلك السَّلف الصالح يَسْأَلُ عن سبيلهم، ويقتص آثارهُم، ويَتّبعُ سبيلهُم، ليعوض أَجرا عَظيما؛ فكذلك فكونوا إِن شاء الله ».
[البدع والنهي عنها لابن وضاح (176)]

وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ : « سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننـًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها. من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (134) ، الإبانة لابن بطه (239) ، الشريعة للآجري (90)]

وقال الإمام البربهاري في شرح السنة : « اعلم أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالا مضلا ».

وقال : « واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعا مصدقا مسلما فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم وكفى بهذا فرقة وطعنا عليهم

قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ». [شرح السنة للبربهاري (1)]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان وجوب إتباع مذهب السلف: « وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال : عليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جُعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حَدَثٌ حَدَثَ بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وإنهم فيما ذلك لعلى هدى مستقيم ». [الفتاوى (4/7)]

قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى : « السنَّة سَفينةُ نوح مَن رَكبَها نجَا ومَن تَخَلّفَ عنَها غَرِقَ ». [تاريخ بغداد (3850)]

عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله- قال : « اعلم- أي أخي- أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء، وأهل السنة، وظهور البدع ». [البدع والنهي عنها لابن وضاح (95)]

وقال الإمام الأوزاعي: « عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإيّاك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول؛ فإن الأمر ينجلي - حين ينجلي - وأنت على طريق مستقيم ». [شرف أصحاب الحديث (6) ، الشريعة للآجري (124) ، سير أعلام النبلاء (7/120) ، طبقات الحنابلة (1/236)]

وعن سعيد بن جبير ، قال : « لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (18)]

كان ابن عون يقول : « رحم الله رجلا لزم هذا الأثر، ورضي به، وإن استثقله واستبطأه ». [الإبانة لابن بطه (270)]

عن وهب بن منبه قال : « الفقيه العفيف الزاهد المتمسك بالسنة : أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان » قال محمد بن الحسين: جعلنا الله وإياكم ممن تحيا بهم السنن، وتموت بهم البدع، وتقوى بهم قلوب أهل الحق، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء، بمنه وكرمه. [الإبانة لابن بطه (39) ، الشريعة للآجري (3)]

وقال سهل بن عبد اللّه التّستري: « عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه، وأذلوه وأهانوه ».

وعن سليم بن أخضر قال سمعت ابن عون يقول غير مرة: « ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآن فيتعمله ويقرأه ويتدبره وينظر فيه، والثانية أن ينظر ذاك الأثر والسنة فيسأل عنه ويتبعه جهده، والثالثة أن يدع هؤلاء الناس إلا من خير ». [السنة للمروزي (106)]

وعن ابن الماجشون، قال: سمعت مالكا يقول: « مَن ابْتَدَعَ في الإِسلام بدعة يَراها حَسَنة ؛ فَقَدْ زَعَمَ أَن مُحمّدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خانَ الرّسالةَ ؛ لأَن اللهَ يقولُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فما لَم يَكُنْ يَوْمَئذ دينا فَلا يكُونُ اليَوْمَ دينا ». [الاعتصام للشاطبي (1/62)]

قال الإمام ابن بطه العكبري : « فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمر به أصحابه، والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة، واتباع الآثار ما فيه بلاغ، وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله عز وجل ضمن لمن أطاع الله ورسوله خير الدنيا، والآخرة، فإنه قال: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه ونعوذ به ممن كان موصوفا به فإنه قال: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } ، فرحم الله عبدا لزم الحذر واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة ».

ابوراشد
شبكة التبيان

يوسف التازي
21-01-15, 02:07 PM
ان الاعتصام بالكتاب والسنة فوز وفلاح.والتمسك بهما نجاة ونجاح.والاعراض عنهما وتركهما هلاك وضياع.وقد امرنا الله تعالى بالاعتصام بالمتاب والسنة و التمسك بهما.والعض عليهما بالنواجذفي غير ما اية.مصل قوله تعالى=
((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.........))
.ومصل قوله تعالى=
((فاما الذين ءامنوا بالله وعتصموا به...........)).
*وهناك ايات كثيرة يامر الله تعالى فيها بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.والاعتصام بحبل الله و التمسك بهديه القويم.
**اما الاحاديث التي جاءة في هذا المعنى قهيا كثيرا ايضا.وقد جاءة فيها التصريح بالتشديد على اهمية التمسك والاعتصام بحبل الله فمن ذلك=ماجاء عن العرباض بن سارية-رضي اله عنه-(( اتقوا الله و عليكم بالسمع والطاعة وان تامر عليكم عبد حبشيا.وانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا.فعليكم بسنتي وسنة الخلافاء الراشدين المهدين من عضوا علسها بالنواجذ.واياكم ومحدثات الامور.فان كل بدعة ضلالة)).
**ومثل قوله عليه الصلاة والسلام
(( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي.كتاب الله وسنتي)).

***وام الاثار الواردة في ذلك عن السلف الصالح-رحمهم الله-فقد ورد منها كوكبة زاخرة بذلك.ووصاية جامعة تدل المسلم وتنير له الطريق نحو ربه.وتحث على لزوم ااعتصام بالكتاب والسنة.وتحذرمن مخالفتهما.ومن ذلك=

**ما جاء عن ابي بكر الصديق-رضي الله عنه-
((السنة هي حبل الله المتين.فمن تركها فقد قطع حبله مع الله)).

**ويقول عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-
((.......ان اصحاب السنن اعلو بكتاب الله)).

-وذلك ان من تمسك بالسنة واتبع الاثر فهو متمسك بالعروى الوثقى.واهل السنة كذلم.

**قال ابي ابن كعب-رضي الله عنه-
((عليكم بالسبيل والسنة.فانه ليس من عبد علىسبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار ابدا.وان اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة)).

-وبعد أن مرّ ذكر هذا النموذج من آثار الصحابة-رضي الله عنهم-في الحث على الاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما ولزوم اتباعهما.ناسب الشروع في ذكر نموذج من اقوال التابعين وغيرهم ممن بعدهم من السلف-رحمهم الله- في ذلك.وهي كثيرة جدا منها=

***عن محمد بن سرين رحمه الله

((كان يرون انهم على الطريق ما كانوا على الاثر)).

**وعن سعيدبن جبير رحمه الله قال
(( لا يقبل قول وعمل و نية الا بنية موافقة للسنة)).

**وعن الحسن رحمه الله قال
((يا اهل السنة ترفقوا-رحمكم الله-فانكم من اقل الناس)).

**وعن الزهري رحمه الله قال ((لا تناظر بكتاب الله ولا بسنة رسول الله.أي=لا تجعل شيئا نظيرا لهما.فتدعهما لقول قئل)).

**وعنه ايضا رحمه الله قال

((الاعتصام بالسنة نجاة)).

**وعن ابي العالية رحمه الله قال((تعلموا الاسلام .فان تعلمتموه فلا ترغبوا
عنه.وعليكم بالصراط المستقيم.فانه الاسلام.ولا تحرفوا الاسلام يمينا
وشمالا.وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه اصحابه.واياكم وهذه الاهواء التي تلقي بين الشباب العداوة والبغضاء.
قحدثت به الحسن.فقال صدق ونصح.قال =فحدثت به حفصة بنت سرين فقالت=يا باهلى انت هل حدثت به محمد؟قلت لا قالت فحدثه به)).

**وقال الاوزاعي رحمه الله
((ندور مع السنة حيث دارت)).

-ومن اثار السلف رحمهم الله في هذه الوصية بلزوم الكتاب والسنة والاعتصام والتمسك بهما ماجاء عن عمربن عبد العزيز رحه الله ان عاملا له كتب يسأله عن الاهواء.فكتب اليه عمر.فقال((اما بعد=فاني اوصيك بتقوى الله.والاقتصاد في امره واتباع سنته.وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وترك ما احدث المحدثون بعده مما جرت به سنته كفوا مؤنته.فعليك بلزوم السنة.فانها لك-باذن الله-عصمة واعلم ان الناس لم يحدثوا بدعة الا و مضى قبلها ماهو دليل عليها وعبرة فيها.فانا السنة انما سنها من علم ما قي خلافها من الخطأو الزلل و الحمق والتعميق .فارضَ لنفسك ما رضيى القوم لانفسهم فانهم السابقون وانهم عن علم وقفوا.وببصر نافذ كفوا.ولهم كانوا على كشف الامور اقولا وبفضل فيه لو كان احرى.فلئن كان الهدى ما انتم عليه فقد سبقتموهم اليه.ولئن قلت انما احدث بعدهم ما احدثه الله من اتبع سبيلهم.ورغب بنفسه عنهم .لقد تكلموا فيه بما يكفي.ووصفوا فيه ما يشفي.فما دونهم مقصر.و ما فوقهم محصر .لقد قصر دونهم أقوام فجنوا.وطمح عنه آخرون فعلوا.أنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم==.
------رحم الله عمر بن عبد العزيز.فما أعظم وصيته هذه التي رسم فيها طريق اهل السنة والجماعة.ووسطيتهم.وحث على لزوم الجماعة.والاعتصام بالكتاب والسنة واتباعهما والتمسك بهما.

**وكتب رحمه الله

((بإحياء السنة وإماتة البدعة)).

**وكتب أيضا-إلى الناس أنه لا راي لاحد مع سنة سنها رسول اله صلى الله عليه وسلم-.

**وقال رحمه الله
((لا عذر لاحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى)).

**وعن حماد بن زيد رحمه الله

((كان أيوب عندي أفضل من جالسته.وأشده اتباع للسنة)).

**وقال رحمه الله((حضرت أيوب السختياني وهو يغسل شعيب بن الحبحاب وهو يقول=إن الذين يتمنون موت اهل السنة يريدون أن يطفئوا نورالله بأفواههم والله متم نوره و لو كره الكافرون)).

**وقال سفيان رحمه الله
((استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء)).

**وقال أيضا رحمه الله

((وجدت الأمر الاتباع)).


**وقال عون رحمه الله

((من مات على الإسلام والسنة فله بشير بكل خير)).

**وقال شريح رحمه الله((أن السنة قد سبقت قياسكم.فاتبع ولا تبتدع.فانك لن تضل ما أخذت بالأثر)).

يوسف التازي
21-01-15, 02:13 PM
***********وقال شيخ الإسلام اسماعيل الصابوني رحمه الله وهو يصف آداب أصحاب الحديث من السلف الصالح ويذكر أشياء من صفاتهم الجميلة فيقول((..........ويقتدون بالنبي......ويقتدون بالسلف الصالح من أئمة الدين وعلماء المسلمين.ويتمسمون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين........)).


***********وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العبودية بعد ما ذكر قول الزهري السبق= الاعتصام بالسنة نجاة-((وذلك أن أهل السنة كما قال الإمام مالك رحمه الله مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.والعبادة و الطاعة والاستقامة و لزوم الصراط المستقيم ونحوذلك من الأسماء مقصود واحد ولها أصلان==
*أحدهما=أن لا يعبد إلا الله.
*الثاني=أن لايعبد إلا بما أمر وشرع...............)).

سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك.*
خطبة : الاعتصام بالكتاب والسنة منجاة من الفتن
د.محمد بن عدنان السمان
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته كما روى الإمام مسلم أن يقول : ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))
فهذه وصية من أعظم الوصايا النبوية وصية النبي صلّى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم، فالاعتصام بالكتاب والسنة نجاة من مُضلات الفتن، ومخالفة الكتاب والسنة أصل الخذلان، وفساد الدنيا والآخرة، والذل والهوان، وأن الواجب على كل مكلف الاعتصام بالكتاب والسنة؛ لأن فيهما المخرج من جميع الفتن لمن تمسك بهما ، واتبع هديهما .
أيها المسلمون : الاعتصام بالكتاب والسنة هو أساس وأصل النجاة في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ) ،حدث أبو شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه فقال: ((أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ )) قالوا: بلى، قال: ((إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً )) حديث صحيح أخرجه الإمام ابن حبان وغيره .
وقال الله –جل وعلا-: ( وَمَن يَعْتَصِم بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (
والمسلم في كل وقت وعلى أي حال يرد أمره إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى: )فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (.
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -: ((قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه ، وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ).
والقرآن الكريم أَمَرَ بالأخذ بكل ما جاء به الرسول صلّى الله عليه ، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، قال الله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ ).
ولا شكّ أنّ الأخذ بالكتاب والسنة من أهم الواجبات وأعظم القربات ؛ لأن الأخذ بالرأي المجرّد عن الدليل الشرعي يُوصل إلى المهالك .
إخوة الإسلام : إن التمسك بكتاب الله رفعة للمسلم في الدنيا والآخرة ، واسمعوا إلى هذا القصة التي وقعت في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه وهي نافع بن عبد الحارث لَقِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعُسفان ، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولىً من موالينا، قال: فتستخلف عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلّى الله عليه قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين )) رواه مسلم .
عباد الله : الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه: أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية )) ( فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ) .
وقال الله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .
عباد الله : القرآن الكريم يأمر بالاجتماع على الحق وينهى عن الاختلاف:
قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) سورة آل عمران، الآية: 103 .، فأمر بعد الاعتصام بالكتاب بعدم التفرق.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف))
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).
معاشر المسلمين الاعتصام بالقرآن والسنة نجاة من مضلات الفتن:
وجاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على أن من استمسك بما كان عليه النبي صلّى الله عليه كان من الناجين، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: ((صلى بنا رسول الله صلّى الله عليه ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً، فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود
ومما يؤكد أهمية السمع والطاعة ما حصل للصحابة مع رسول الله عليه صلّى الله عليه في صلح الحديبية حينما اشتدَّ عليهم الكرب بمنعهم من العمرة، وما رأوا من غضاضةٍ على المسلمين في الظاهر، ولكنهم امتثلوا أمر رسول الله صلّى الله عليه فكان ذلك فتحاً قريباً، وخلاصة ذلك أن سُهَيل بن عمرو رضي الله عنه وهو كان لم يسلم بعد ، بل كان من صناديد قريش في وقتها ، قال للنبي صلّى الله عليه حينما كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: اكتب باسمك اللهم، فوافق معه النبي صلّى الله عليه على ذلك، ولم يوافق سهيل على كَتْبِ محمد رسول الله، فتنازل النبي صلّى الله عليه وأمر أن يكتب محمد بن عبد الله، ومنع سهيل في الصلح أن تكون العمرة في هذا العام، وإنما في العام المقبل، وفي الصلح أن من أسلم من المشركين يردّه المسلمون، ومن جاء من المسلمين إلى المشركين لا يُردُّ، وأوّل من نُفّذ عليه الشرط أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فردّه النبي صلّى الله عليه بعد محاورة عظيمة، وحينئذٍ غضب الصحابة لذلك حتى قال عمر رضي الله عنه للنبي صلّى الله عليه: ألستَ نبيَّ الله حقّاً؟ قال: ((بلى ))، قال: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: ((بلى ))، قال: فلمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري))، قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، فحصل بهذا الصلح من المصالح ما الله به عليم، ونزلت سورة الفتح، ودخل في السَّنة السادسة والسابعة في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً بعد الفتح في السنة الثامنة.
وهذا ببركة طاعة الله ورسوله؛ ولهذا قال سهل بن حنيف: ((اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردّ أمر النبي صلّى الله عليه لرددته)). وهذا يدلّ على مكانة الصحابة رضي الله عنهم وتحكيمهم رسول الله صلّى الله عليه ، فحصل لهم من الفتح والنصر ما حصل، ولله الحمد والمنة.

يوسف التازي
21-01-15, 02:17 PM
الخطبة الثانية :
الحمد لله الذي قامت بعدله السموات والأرض، الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم بما تنطوي عليه الأفئدة وتكنه الصدور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فحكم وأحكم، وكان خير من عدل وأرشد إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، ومن اتبع آثارهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
فبعد الوصية بتقوى الله سبحانه ، نعزز ما أكدناه في الخطبة الأولى من الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنهما نجاة من الفتن وعن حذيفة رضي الله عنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله صلّى الله عليه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كُنِّا في جاهِلِيَّةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: ((نعم )) .
قلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: ((نعم وفيه دخن))، قلت: وما دخنه؟
قال: ((قوم يستنّون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر )).
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: ((نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها )).
فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: ((نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)).
قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )).
فقلت:فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال صلّى الله عليه:((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) متفق عليه .
قال الإمام النووي – رحمه الله -: ((وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعمل المعاصي: من أخذ الأموال، وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله صلّى الله عليه ، وهي هذه الأمور التي أخبر بها ، وقد وقعت كلها ))

يوسف التازي
21-01-15, 02:20 PM
الأدلة من أقوال السلف الصالح

عن محمد بن سيرين قال: (كانوا لا يختلفون عن ابن مسعود في خمس: أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وأن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور) .
وعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: (قلت لابن عباس: أوصني، قال: عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع .
وعن مالك بن أنس قال: (كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها مهتدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) .
وعن الزهري قال: (كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة) .
وهكذا نرى توافر الأدلة على هذا الأصل العظيم، فلا يستقيم دين امرئ مسلم إلا إذا تمسك بهذا الأصل، واتخذه منهاجاً يسير عليه، ويثبت عليه حتى الممات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، كما ترجم عليه البخاري, والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين) .
وقد كان هذا الأصل من الأصول التي اتفق عليها سلف هذه الأمة، فكان ذلك من أعظم نعم الله عليهم، يقول شيخ الإسلام: (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم، اعتصامهم بالكتاب، والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه, ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات, والآيات البيانات أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم) .
وقد عبر اللالكائي عن هذه الحقيقة الناصعة في أول كتابه أصول السنة بقوله: (أما بعد: فإن أوجب ما على المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله عباده من فهم توحيده وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجة ومعقول، كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار والمتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون. فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين. واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين. ثم من اقتدى بهم من الأئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين، واجتهد في سلوك سبيل المتقين, وكان من الذين اتقوا والذين هم محسنون. فمن أخذ في مثل هذه المحجة, وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة أحسن في دينه التبعة، في العاجلة والآجلة. وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها) .
فيجب على كل مسلم أن يحرص كل الحرص على الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بما أجمع عليه السلف الصالح، وأن يجعل ذلك ميزاناً يزن به ما اختلف فيه الناس بعد القرون الفاضلة من الأقوال والأفعال والمعتقدات وغيرها.
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده – سبحانه – وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحكمُ الحاكمين وأسرعُ الحاسبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خاتمُ النبيين وإمام المرسلين وقائد الغُرِّ المُحجَّلين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الغُرِّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله – عباد الله -؛ فإن المرء لا يزالُ بخيرٍ ما اتقى الله وخالفَ نفسَه وهواه، ولم تُشغِله دنياه عن أُخراه.
أيها المسلمون:
حياةُ القلب وطُمأنينة النفس وسُمُوُّ الروح مطمحُ كل عاقلٍ، ومقصدُ كل لبيبٍ، ومُبتغَى كل أوَّاب، ومُنتهى أمل كل راغبٍ في حيازةِ الخير لنفسه، ساعٍ إلى خلاصها من أغلال الشقاء، واستنقاذها من ظلمات الحَيرة ومسالك الخيبة وأسباب الهلاك.
وإذا كان لكل امرئٍ في بلوغ ذلك وجهةٌ هو مُولِّيها وجادَّةٌ يسلُكها؛ فإن المُوفَّقين من أُولي الألباب الذين يسيرون في حياتهم على هُدًى من ربهم، واقتفاءٍ لأثر نبيهم – صلى الله عليه وسلم – لا يملِكون إلا أن يذكروا – وهم يلعقون الجراح، ويتجرَّعون مرارة الفُرقة، وغُصَص التباغُض والتقاتُل – لا يملِكون إلا أن يذكروا آياتِ الكتاب الحكيم وهي تدلُّهم على الطريق، وتقودُهم إلى النجاة.
حين تُذكِّرُهم بتاريخ هذه الأمة المُشرقِ الوضِيء، وتُبيِّنُ لهم كيف سمَت وعلَت وتألَّق نجمُها وأضاء منارُها، وكيف كان الرَّعيلُ الأول منها مُستضعفًا مهيبَ الجناح، تعصِفُ به أعاصيرُ الباطل، وترميه الناسُ عن قوسٍ واحدة، فآواه الله ونصرَه نصرًا عزيزًا مُؤزَّرًا، وأسبغَ عليه نعَمَه، وأفاضَ عليه البركات، ورزقَه من الطيبات، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: 26].
إنه إيواءٌ إلهي، وتأييدٌ ربَّاني من الله القوي القادر القاهر الغالب على أمره، تأييدٌ مُحقِّقٌ وعده الذي لا يتخلَّفُ لهذه الأمة بالاستخلاف في الأرض، والتمكين تبديل خوفها أمنًا إن هي آمنت بالله، وعمِلت الصالحات، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55].
ولا غَروَ أن يبلغ ذلك الرعيلُ الأول من التقدُّم والرُّقِيّ مبلغًا لم يسبِقه إليه ولم يلحق به أحدٌ عاش على هذه الأرض؛ لأن الإيمان دليلُه، ولأن الإسلام قائدُه، ولأن الشريعة المُباركة منهجه ونظامُ حياته، فاستحقَّ الخيرية التي كتبَها الله لمن آمنَ به واتبع هُداه، وتبوَّأ مقام الشهادة على الناس يوم القيامة، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110]، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143].
وإن آيات الكتاب الحكيم لتُذكِّرهم أيضًا أن الاستقامة على منهج الله واتباعَ رضوانه وتحكيم شرعه لا يكون أثرُه مُقتصرًا على الحَظوة بالسعادة في الآخرة ونزول جنات النعيم فيها فحسب؛ بل يضمنُ كذلك التمتُّع بالحياة الطيبة في الدنيا، وتلك سنةٌ من سُنن الله في عباده لا تتخلَّفُ ولا تتبدَّل، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97]، وقال – سبحانه -: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 1- 3].
فحين تكون حَيدةُ الخلق عن دين الله، والجَفوة بينهم وبين ربِّهم بالإعراض عن منهجه؛ هنالك يقع الخلل، ويثور الاضطرابُ المُفضِي إلى فسادٍ وشرٍّ عظيم عانَت من ويلاته الأمم من قبلنا، فحلَّ الخِصامُ بينهم، واضطرَمت نارُ العداوة والبغضاء بعدما كانت المحبةُ والأُلفةُ تُظلُّهم بظِلالها، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 14].
وهو خللٌ يتجاوز فسادُه وتتسعُ دائرتُه فتشمل الأرضَ والبيئةَ كلها، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41].
ذلك أن الصلة وثيقةٌ بين الكون وبين ما نأتي وما نذَر من أعمال، فإن مشَت على سَنَنٍ قويم وطريقٍ مستقيم بإدراك الغاية من خلق الإنسان، وتحقيق العبودية لله رب العالمين، والمُسارعة إلى مرضاته، والاستقامة على منهجه؛ فإن الله يُفيضُ عليهم من خزائن رحمته، ويُنزِّلُ عليهم بركاتٍ من السماء، ويُفيئُ عليهم خيرات الأرض، كما عبَّر عن ذلك نوحٌ – عليه السلام – في دعوته لقومه وحثِّه لهم على الإيمان بربهم والاستغفار لذنوبهم: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10- 12].
وقال – عزَّ اسمُه – في شأن المُعذَّبين من أهل القرى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96].
وتلك مساكنُ وآثار الذين ظلموا أنفسَهم بنبذ كتاب الله وراءهم ظِهريًّا، واتخاذهم أهواءهم آلهةً من دون الله، واتباعهم ما أسخط اللهَ، وكراهتهم رضوانه؛ فكانت تلك الديار مشاهِد عِظةٍ وذكرى لأولي الألباب، فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45].
ولذا فإن أُولي النُّهى لا يملكون – وهم يسمعون نداء الله يُتلى عليهم في كتابه – إلا أن يُصيخوا ويستجيبوا لله وللرسول – صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هي دعوةٌ تحيا بالاستجابة لها القلوب، القلوب التي لا حياة لها إلا بالإقبال على الله تعالى وتحقيق العبودية له، ومحبته وطاعته، والحذر من أسباب غضبه، وبمحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – واتباع سنته، والاهتداء بهديه، وتحكيم شرعه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24].
فإنه – سبحانه – يحُول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان – كما قال ابن عباس – رضي الله عنهما – أي: فلا يستطيع أن يُؤمن ولا يكفر إلا بإذنه – عز وجل -.
كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد في “مسنده”، والنسائي وابن ماجه في “سننهما” بإسناد صحيح عن النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أنه قال: سمعتُ النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يُقيمَه أقامَه، وإذا شاء أن يُزيغَه أزاغَه»، وكان يقول: «يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»، قال: «والميزانُ بيد الرحمن يخفِضه ويرفعه».
فاتقوا الله – عباد الله -، واستجيبوا لله وللرسول، واذكروا أن ربكم قد ضمِن لمن اتبع هُداه وسار على منهجه أن يُؤتِيَه المجدَ ويُبلِّغه الرِّفعةَ التي تصبُو إليها نفسُه، فقال – عزَّ اسمُه -: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: 44]، وقال – سبحانه -: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 10]؛ أي: شرفكم، ومجدكم، ومكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم، وفوزكم في الدنيا والآخرة.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن المؤمن حين يقفُ على مُفترق طرقٍ، وحين تُعرضُ عليه شتَّى المناهج؛ لا تعتريه حيرةٌ، ولا يُخالِجه شكٌّ في أن منهج ربِّه الأعلى وطريقه هو سبيل النجاة وطريق السعادة في حياته الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.
وفي آيات الكتاب الحكيم مما قصَّ الله علينا نبأه في شأن أبينا آدم – عليه السلام – حين أُهبِط من الجنة بتأثير إغواء الشيطان وتزيين المعصية له أوضح الأدلة على ذلك، فأما المُتِّبعُ هُدى ربِّه فهو السعيدُ حقًّا، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123]، وأما المُعرِض عن ذكر ربه بمخالفة أمره وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلم -، وبالأخذ من غيره فعاقبةُ أمره خُسره، ومعيشة ضنكًا، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: 124- 126].
إنها معيشةٌ يُصوِّر واقعَها الإمام الحافظُ ابن كثيرٍ – رحمه الله – بقوله: “أي: ضنكًا في الدنيا؛ فلا طمأنينة له، ولا انشراحَ لصدره؛ بل صدرُه ضيِّقٌ حرِجٌ لضلاله وإن تنعَّم ظاهرُه، ولبِسَ ما شاء، وأكل ما شاء، وسكنَ حيث شاء؛ فإن قلبه ما لم يخلُص إلى اليقين والهُدى فهو في قلقٍ وحيرةٍ وشكٍّ، فلا يزالُ في ريبه يتردَّد، فهذا من ضنك المعيشة”. اهـ.
أعاذنا الله منها، ومن العمى بعد الهدى، وجعلنا ممن أنابَ إلى ربه وتابَ إليه فهدى.
فاتقوا الله – عباد الله -، واتخذوا مما جاءكم من ربكم من البينات والهُدى خيرَ عُدَّةٍ تبلغُون بها سعادةَ الآخرة والأولى.
وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى؛ فقد أمركم بذلك الربُّ – جل وعلا -؛ فقال – سبحانه -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطغاة والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، ووفِّقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد.
اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غير مفتونين.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعَ سخطك.
اللهم احفظ المسلمين في جميع ديارهم، اللهم احفظهم في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن، وفي جميع ديارهم وأمصارهم يا رب العالمين، وقِهم شر الفتن، اللهم قِهم شر الفتن، اللهم قِهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطَن، واحقن دماءهم، وألِّف بين قلوبهم يا رب العالمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
——————

يوسف التازي
21-01-15, 02:25 PM
الأدلة من أقوال السلف الصالح

عن محمد بن سيرين قال: (كانوا لا يختلفون عن ابن مسعود في خمس: أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وأن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور) .
وعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: (قلت لابن عباس: أوصني، قال: عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع .
وعن مالك بن أنس قال: (كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من اهتدى بها مهتدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) .
وعن الزهري قال: (كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة) .
وهكذا نرى توافر الأدلة على هذا الأصل العظيم، فلا يستقيم دين امرئ مسلم إلا إذا تمسك بهذا الأصل، واتخذه منهاجاً يسير عليه، ويثبت عليه حتى الممات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، كما ترجم عليه البخاري, والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين) .
وقد كان هذا الأصل من الأصول التي اتفق عليها سلف هذه الأمة، فكان ذلك من أعظم نعم الله عليهم، يقول شيخ الإسلام: (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم، اعتصامهم بالكتاب، والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه, ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات, والآيات البيانات أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم) .
وقد عبر اللالكائي عن هذه الحقيقة الناصعة في أول كتابه أصول السنة بقوله: (أما بعد: فإن أوجب ما على المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله عباده من فهم توحيده وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجة ومعقول، كتاب الله الحق المبين. ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار والمتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون. فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين. واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين. ثم من اقتدى بهم من الأئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين، واجتهد في سلوك سبيل المتقين, وكان من الذين اتقوا والذين هم محسنون. فمن أخذ في مثل هذه المحجة, وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة أحسن في دينه التبعة، في العاجلة والآجلة. وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها) .
فيجب على كل مسلم أن يحرص كل الحرص على الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بما أجمع عليه السلف الصالح، وأن يجعل ذلك ميزاناً يزن به ما اختلف فيه الناس بعد القرون الفاضلة من الأقوال والأفعال والمعتقدات وغيرها.
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده – سبحانه – وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحكمُ الحاكمين وأسرعُ الحاسبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خاتمُ النبيين وإمام المرسلين وقائد الغُرِّ المُحجَّلين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الغُرِّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله – عباد الله -؛ فإن المرء لا يزالُ بخيرٍ ما اتقى الله وخالفَ نفسَه وهواه، ولم تُشغِله دنياه عن أُخراه.
أيها المسلمون:
حياةُ القلب وطُمأنينة النفس وسُمُوُّ الروح مطمحُ كل عاقلٍ، ومقصدُ كل لبيبٍ، ومُبتغَى كل أوَّاب، ومُنتهى أمل كل راغبٍ في حيازةِ الخير لنفسه، ساعٍ إلى خلاصها من أغلال الشقاء، واستنقاذها من ظلمات الحَيرة ومسالك الخيبة وأسباب الهلاك.
وإذا كان لكل امرئٍ في بلوغ ذلك وجهةٌ هو مُولِّيها وجادَّةٌ يسلُكها؛ فإن المُوفَّقين من أُولي الألباب الذين يسيرون في حياتهم على هُدًى من ربهم، واقتفاءٍ لأثر نبيهم – صلى الله عليه وسلم – لا يملِكون إلا أن يذكروا – وهم يلعقون الجراح، ويتجرَّعون مرارة الفُرقة، وغُصَص التباغُض والتقاتُل – لا يملِكون إلا أن يذكروا آياتِ الكتاب الحكيم وهي تدلُّهم على الطريق، وتقودُهم إلى النجاة.
حين تُذكِّرُهم بتاريخ هذه الأمة المُشرقِ الوضِيء، وتُبيِّنُ لهم كيف سمَت وعلَت وتألَّق نجمُها وأضاء منارُها، وكيف كان الرَّعيلُ الأول منها مُستضعفًا مهيبَ الجناح، تعصِفُ به أعاصيرُ الباطل، وترميه الناسُ عن قوسٍ واحدة، فآواه الله ونصرَه نصرًا عزيزًا مُؤزَّرًا، وأسبغَ عليه نعَمَه، وأفاضَ عليه البركات، ورزقَه من الطيبات، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: 26].
إنه إيواءٌ إلهي، وتأييدٌ ربَّاني من الله القوي القادر القاهر الغالب على أمره، تأييدٌ مُحقِّقٌ وعده الذي لا يتخلَّفُ لهذه الأمة بالاستخلاف في الأرض، والتمكين تبديل خوفها أمنًا إن هي آمنت بالله، وعمِلت الصالحات، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55].
ولا غَروَ أن يبلغ ذلك الرعيلُ الأول من التقدُّم والرُّقِيّ مبلغًا لم يسبِقه إليه ولم يلحق به أحدٌ عاش على هذه الأرض؛ لأن الإيمان دليلُه، ولأن الإسلام قائدُه، ولأن الشريعة المُباركة منهجه ونظامُ حياته، فاستحقَّ الخيرية التي كتبَها الله لمن آمنَ به واتبع هُداه، وتبوَّأ مقام الشهادة على الناس يوم القيامة، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110]، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143].
وإن آيات الكتاب الحكيم لتُذكِّرهم أيضًا أن الاستقامة على منهج الله واتباعَ رضوانه وتحكيم شرعه لا يكون أثرُه مُقتصرًا على الحَظوة بالسعادة في الآخرة ونزول جنات النعيم فيها فحسب؛ بل يضمنُ كذلك التمتُّع بالحياة الطيبة في الدنيا، وتلك سنةٌ من سُنن الله في عباده لا تتخلَّفُ ولا تتبدَّل، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97]، وقال – سبحانه -: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 1- 3].
فحين تكون حَيدةُ الخلق عن دين الله، والجَفوة بينهم وبين ربِّهم بالإعراض عن منهجه؛ هنالك يقع الخلل، ويثور الاضطرابُ المُفضِي إلى فسادٍ وشرٍّ عظيم عانَت من ويلاته الأمم من قبلنا، فحلَّ الخِصامُ بينهم، واضطرَمت نارُ العداوة والبغضاء بعدما كانت المحبةُ والأُلفةُ تُظلُّهم بظِلالها، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 14].
وهو خللٌ يتجاوز فسادُه وتتسعُ دائرتُه فتشمل الأرضَ والبيئةَ كلها، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41].
ذلك أن الصلة وثيقةٌ بين الكون وبين ما نأتي وما نذَر من أعمال، فإن مشَت على سَنَنٍ قويم وطريقٍ مستقيم بإدراك الغاية من خلق الإنسان، وتحقيق العبودية لله رب العالمين، والمُسارعة إلى مرضاته، والاستقامة على منهجه؛ فإن الله يُفيضُ عليهم من خزائن رحمته، ويُنزِّلُ عليهم بركاتٍ من السماء، ويُفيئُ عليهم خيرات الأرض، كما عبَّر عن ذلك نوحٌ – عليه السلام – في دعوته لقومه وحثِّه لهم على الإيمان بربهم والاستغفار لذنوبهم: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10- 12].
وقال – عزَّ اسمُه – في شأن المُعذَّبين من أهل القرى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96].
وتلك مساكنُ وآثار الذين ظلموا أنفسَهم بنبذ كتاب الله وراءهم ظِهريًّا، واتخاذهم أهواءهم آلهةً من دون الله، واتباعهم ما أسخط اللهَ، وكراهتهم رضوانه؛ فكانت تلك الديار مشاهِد عِظةٍ وذكرى لأولي الألباب، فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45].
ولذا فإن أُولي النُّهى لا يملكون – وهم يسمعون نداء الله يُتلى عليهم في كتابه – إلا أن يُصيخوا ويستجيبوا لله وللرسول – صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هي دعوةٌ تحيا بالاستجابة لها القلوب، القلوب التي لا حياة لها إلا بالإقبال على الله تعالى وتحقيق العبودية له، ومحبته وطاعته، والحذر من أسباب غضبه، وبمحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – واتباع سنته، والاهتداء بهديه، وتحكيم شرعه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24].
فإنه – سبحانه – يحُول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان – كما قال ابن عباس – رضي الله عنهما – أي: فلا يستطيع أن يُؤمن ولا يكفر إلا بإذنه – عز وجل -.
كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد في “مسنده”، والنسائي وابن ماجه في “سننهما” بإسناد صحيح عن النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أنه قال: سمعتُ النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يُقيمَه أقامَه، وإذا شاء أن يُزيغَه أزاغَه»، وكان يقول: «يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»، قال: «والميزانُ بيد الرحمن يخفِضه ويرفعه».
فاتقوا الله – عباد الله -، واستجيبوا لله وللرسول، واذكروا أن ربكم قد ضمِن لمن اتبع هُداه وسار على منهجه أن يُؤتِيَه المجدَ ويُبلِّغه الرِّفعةَ التي تصبُو إليها نفسُه، فقال – عزَّ اسمُه -: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: 44]، وقال – سبحانه -: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 10]؛ أي: شرفكم، ومجدكم، ومكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم، وفوزكم في الدنيا والآخرة.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن المؤمن حين يقفُ على مُفترق طرقٍ، وحين تُعرضُ عليه شتَّى المناهج؛ لا تعتريه حيرةٌ، ولا يُخالِجه شكٌّ في أن منهج ربِّه الأعلى وطريقه هو سبيل النجاة وطريق السعادة في حياته الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.
وفي آيات الكتاب الحكيم مما قصَّ الله علينا نبأه في شأن أبينا آدم – عليه السلام – حين أُهبِط من الجنة بتأثير إغواء الشيطان وتزيين المعصية له أوضح الأدلة على ذلك، فأما المُتِّبعُ هُدى ربِّه فهو السعيدُ حقًّا، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123]، وأما المُعرِض عن ذكر ربه بمخالفة أمره وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلم -، وبالأخذ من غيره فعاقبةُ أمره خُسره، ومعيشة ضنكًا، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: 124- 126].
إنها معيشةٌ يُصوِّر واقعَها الإمام الحافظُ ابن كثيرٍ – رحمه الله – بقوله: “أي: ضنكًا في الدنيا؛ فلا طمأنينة له، ولا انشراحَ لصدره؛ بل صدرُه ضيِّقٌ حرِجٌ لضلاله وإن تنعَّم ظاهرُه، ولبِسَ ما شاء، وأكل ما شاء، وسكنَ حيث شاء؛ فإن قلبه ما لم يخلُص إلى اليقين والهُدى فهو في قلقٍ وحيرةٍ وشكٍّ، فلا يزالُ في ريبه يتردَّد، فهذا من ضنك المعيشة”. اهـ.
أعاذنا الله منها، ومن العمى بعد الهدى، وجعلنا ممن أنابَ إلى ربه وتابَ إليه فهدى.
فاتقوا الله – عباد الله -، واتخذوا مما جاءكم من ربكم من البينات والهُدى خيرَ عُدَّةٍ تبلغُون بها سعادةَ الآخرة والأولى.
وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى؛ فقد أمركم بذلك الربُّ – جل وعلا -؛ فقال – سبحانه -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطغاة والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، ووفِّقه لما تحب وترضى يا سميع الدعاء، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد.
اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غير مفتونين.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعَ سخطك.
اللهم احفظ المسلمين في جميع ديارهم، اللهم احفظهم في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن، وفي جميع ديارهم وأمصارهم يا رب العالمين، وقِهم شر الفتن، اللهم قِهم شر الفتن، اللهم قِهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطَن، واحقن دماءهم، وألِّف بين قلوبهم يا رب العالمين.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
——————
فضيلة الشيخ أسامة بن عبدالله خياط

يوسف التازي
21-01-15, 02:26 PM
معالم في الاعتصام بالسنة

لا تخفى أهمية السنة في الشرع ، ومنزلتها، ومكانتها، والسنة كما قال الحافظ ابن رجب: هي الطريقة المسلوكةُ ، فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الرَّاشدونَ، مِنَ الاعتقادات والأعمال والأقوال ، وهذه هي السُّنةُ الكاملةُ ، ولهذا كان السلف قديماً لا يُطلقون اسم السُّنَّةِ إلا على ما يشمل ذلك كلَّه ، ورُوي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي، والفُضيل بن عياض .(1)
وعن العرباض بن سارية قال : «صَلَّى بنا رَسُولُ اللَّهِ الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يا رسول اللَّهِ، كَأَنَّ ه?ذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: « أُوصِيكُمْ بِتَقَوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ والطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيّاً مُجَدَّعاً، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مْحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ».(2)
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «مَن أحدَثَ في أمرِنا ه?ذا ما ليسَ فيهِ فهوَ رَدّ».(3) وفي رواية لمسلم : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».(4)
فهذه الأحاديث أصلٌ في وجوب الاعتصام بالسنة النبوية ، والحذر من الابتداع في دين الله ، وأن المبتدع ضال عن الطريق الصحيح ، وعمله مردود عليه غير مقبول .
وعن حذيفة بن اليمان قال : «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْر،ِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: « نَعَمْ». قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: « نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ». قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: « قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» . قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: « نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. فَقَالَ: « هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ».(5)
معالم الاعتصام بالسنة والحذر من البدع

ومعالم الاعتصام بالسنة والحذر من البدعة تتجلى بمعرفة عشرين مقدمة(6):
1. أن دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين ؛ الأول أن لا يعبد إلا الله وحده ، وهو معنى شهادة ألا إله إلا الله ، والثاني أن لا يعبد إلا بما شرع ، وهو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله.وارتكاب الشرك ضد الأصل الأول ، وارتكاب البدع ضد الأصل الثاني ، والله الهادي إلى سواء السبيل .
2. أن العمل لا يكون مقبولاً إلا إذا توافر فيه شرطان ؛ الأول أن يكون المقصود به وجه الله تعالى ، وضده الشرك بنوعيه ؛ الأكبر وهو التقرب للمخلوقين ، والأصغر وهو الرياء .
والشرط الثاني: هو متابعة النبي ( . ودليل هذين الشرطين قوله تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ( . [الكهف]
قال الفُضيل بن عـياض رحمه الله في معنى قوله تعالى: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ( الملك:2 ؛ قال : أخلصه وأصوبه . قالوا : يا أبا علي ، ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل ، حتى يكون خالصاً صواباً ، والخالص ما كان لله ، والصواب ما كان على السنة .(7)
3. ولكي يكون الإنسان متأسياً بالنبي ( في عبادته ، فعليه أن يلاحظ أموراً ستة :
أولاً : أن تكون العبادة موافقة للشريعة في سببها ، فأي إنسان يتعبد لله بعبادة مبنية على سبب لم يثبت بالشرع فهي عبادة مردودة ، فلو أضاف إنسان صلاة سادسة غير الصلوات الخمس لكانت عبادته هذه مردودة؛ لأن ليس لها سبب شرعي في الكتاب والسنة .
ودليل هذه الأصل قول الله تعالى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ( الشُّورى:21 ، وقول النبـي ( : «مَن أحدَثَ في أمرِنا ه?ذا ما ليسَ فيهِ فهوَ رَدّ» (8 ).
قال الألباني رحمه الله : (أي: من أحدث في الإسلام ما ليس في الإسلام في شيء ، ولم يشهد له أصل من أصوله ؛ فهو مردود ولا يلتفت إليه ، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الدين الجليلة ، فينبغي حفظه وإشهاره في إبطال المحدثات والبدع) .(9)
ثانياً : أن تكون العبادة موافقة للشريعة في جنسها ، فلو ضحى إنسان بفرس لم تقبل أضحيته ، لأنه مخالف للشريعة في جنسها؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .
ثالثاً : أن تكون العبادة موافقة للشريعة في قدرها ، فلو أن إنساناً صلى الظهر ستاً ، لكانت عبادته غير مقبولة؛ لأنها مخالفة للشريعة في قدرها ، ولو طاف بالبيت ثمانية أشواط لكانت الأشواط الإضافية مردودة عليه غير مقبولة .
رابعاً : أن تكون العبادة موافقة للشريعة في كيفيتها (أي: صفتها) ، فلو أن إنسانا توضأ ، لكنه غسل رجليه ثم مسح رأسه ، ثم غسل يديه ، ثم غسل وجهه ؛ فهذا وضوءه غير مقبول ، وبالتالي صلاته غير صحيحة؛ لأنه خالف الشريعة في كيفية الوضوء الواردة عن النبي ( .
خامساً : أن تكون العبادة موافقة للشريعة في زمانها ، فلو أن إنساناً صام صيام الفرض في شعبان أو في شوال ، وليس في رمضان ، أو صلى الظهر قبل الزوال ، فهذا صيامه غير صحيح ، وكذا صلاته؛ لأنه خالف الشريعة في زمان العبادة المحددة لها من قبل الشارع الحكيم .
سادساً : أن تكون العبادة موافقة للشريعة في مكانها ، فلو أن حاجاً وقف يوم عرفة بمزدلفة لم يصح وقوفه ، وعليه إعادة حجة؛ لأن عبادته لم توافق الشرع في مكانها .
وكذلك لو أن إنساناً اعتكف في منزله فلا يصح اعتكافه؛ لأن مكان الاعتكاف هو المسجد.
فهذه ستة أوصاف لا تتحقق متابعة النبي ( إلا باجتماعها في العبادة : سببها ، جنسها ، قدرها ، كيفيتها ، زمانها ، مكانها .
4. أن السنة سنتان ؛ فِعلية وتَركية ، فالفعلية هي ما فعله النبي ( أو أمر به أو أقر عليه ، كالأذان للصلوات الخمس ، ففعله سنة نبوية .
وأما السنة التركية فهي ما تركه النبي ( مع قيام المقتضي لذلك ، مثل ترك الأذان لصلاة العيدين وصلاة الجنازة ، فتركه سنة نبوية ، وعلى هذا فقس بقية العبادات .
5. أن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل ، والأصل في العادات الحل إلا بدليل يدل على التحريم ، وهذه قاعدة هامة ، تساعد المسلم على استبصار الطريق فيما أشكل عليه ، فمثال القاعدة الأولى : لو قال رجل : دعونا نزيد في الصلوات المفروضة صلاة سادسة ، فهذا نقول له: إن هذا الفعل بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي ( في الفرائض إلا خمس صلوات في اليوم والليلة .
وكذا لو قال رجل : إنه من المستحب أن يقول المصلي في دبر كل صلاة (الله حي) مئة مرة ؛ فهذا نقول له: أين الدليل الشرعي؟ ، فهذه كتب الأذكار الواردة عن النبي ( لم يرد فيها شيء من هذا ، بل هو مما أحدثه الناس في القرون المتأخرة ، فيكون فعله بدعة محدثة .
فعلى هذا فالأصل في العبادات المنع إلا إذا كانت ثابتة بدليل شرعي ، وإلا لأحدث الناس كل يوم عبادة جديدة .
وأما القاعدة الثانية وهي: أن الأصل في العادات الحل ؛ فمثلاً أكل البرتقال ، فإنه من العادات وليس من العبادات ، فأكله جائز؛ لأن الله قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا( البقرة:29 ، وكذلك أكل الضب جائز؛ لأنه من العادات، فلو قال رجل: إنه حرام. لقلنا له أين الدليل؟! وهكذا الأمر في سائر العادات .
6. المقدمة السادسة هي: أنه لا أحد يستطيع أن يأتي بشيء يقرب إلى الله غير النبي ( ، فقد روى الشافعي في مسنده عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب مرسلاً ، أن رسول الله ( قال : « ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ، ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه» .(10)
7. وبطلان البدع يتضح إذا علمنا كمال الشريعة ، فقد قال الله تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا( [المائدة:3] فالدين شامل كامل لا يحتاج إلى زيادة كما أنه لا يجوز فيه النقص ، ولهذا قال الله تعالى في وصف القرآن: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ( النحل:89 ، فما من شيء يحتاج الناس إليه في معادهم ومعاشهم إلا بينه الله تعالى في كتابه ، إما نصّاً، أو إيماء، أو منطوقاً، أو مفهوماً.
وقال أبو ذر رضي الله عنه : لقد تركنا محمد ( ، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علماً .(11)
وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ، فَقَالَ: أَجَلْ. لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أوَ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِاليَمِينَ، أَوْ أَنْ نسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ (12) أَوْ بِعَظْمٍ.(13)
8. ومن هنا يعلم حكم الابتداع في الدين ، وأنه حرام ، لأن التشريع حق الله وحده ، قال تعالى: (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ( الأعراف:54 ، وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ( الشُّورى:21
ومن دلائل تحريم البدع أن التشريع قد انقضى بموت النبي ( ، قال تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا( [المائدة:3]، فمن أحدث في دين الله ما ليس منه فقد جعل نفسه مشرعاً مع الله ، ومقتضى فعله أن النبي ( لم يتم الرسالة ، وأنه جاء ليتم الشريعة ، وكل هذا باطل قطعاً .
9. وابتداع شيء في دين الله - ولو بقصد حسن - يعتبر تكذيباً لله تعالى في قوله: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( [المائدة:3] ، لأن هذا المبتدع كأنه يقول بلسان الحال : (إن الدين لم يكتمل) ، وأنه أتى بتلك البدعة ليسد بها ذلك النقص .
10. والابتداع تقدم بين يدي الله ورسوله ، وهذا من الجرأة على دين الله ، قال الله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمنوا لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يدي اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(.[الحجرات:1]
11. وقد كان النبي ( يحذر من البدع دائماً ، في كل خطبة وفي كل جمعة ، ويقول : «أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة» .(14) وفي لفظ : « وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار» .(15)
وهذا عام في كل البدع؛ لأن النبي ( عمم ولم يخصص ، وأطلق ولم يقيد ، وهو الذي أُوتي جوامع الكلم ، فقوله: «كل بدعة» لفظة كلية عامة شاملة ، مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم «كل» ، والذي نطق بهذه الكلية يعلم مدلول هذا اللفظ ، وهو أفصح الخلق ، وأنصح الخلق للخلق ، لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه.
وقد فهم الصحابة من نبيهم هذا الفهم ، فعن عبد الله بن مسعود قال : إنما هما اثنتان ؛ الهدي والكلام ، وأصدق الحديث كلام الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ( ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .(16)
12. والعلم بالبدع أمر هام ، من جهة معرفة تعريفها وأنواعها ومحلها ، لأنه ربما وقع الإنسان في بدعة وهو لا يدري ، ويظن أنه يحسن عملاً وأنها تقربه إلى الله ، وهي لا تزيده من الله إلا بعداً ، فيكون ممن قال الله فيهم: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا( الكهف:104 فتكون الحسرة يوم لا ينفع التحسر .
وليس هذا الذي قلناه بغريب ، فقد وقع أناس في الشرك ، الذي هو أعظم من البدع ، فكيف بالبدع ، إذ أن الوقوع فيها أخف وأسرع ؛ لأن أمرها ربما يخفى على الإنسان ، لاسيما العامي ، الذي ليس عنده بصيرة في معرفة البدعة ، وليس عنده مقدرة علمية على تمحيص الأمر ، والرجوع إلى كتب الحديث والأثر ، ليستيقن، أتلك العبادة ورادة عن النبي ( أم لا؟، وإذا كانت واردة، فهل الحديث فيها ثابت عن النبي (، أم أنه حديث ضعيف أو موضوع على النبي ( .
فالحاصل أن التعبد لا يكفي فيه معرفة الهدي النبوي فقط ، بل لابد من معرفة ضده ، من البدع أو الشركيات ، وقد أشار حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى هذا فقال : كان الناس يسألون رسول الله ( عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني .
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه دعاء للحبيب المصطفى صلى اله تعالى عليه وسلم لرجل كان على سفر فقال يارسول الله اني مسافر فزدني قال صلى الله تعالى عليه وسلم زودك الله بالتقوى
قال يارسول الله زدني قال صلى الله تعالى عليه وسلم وغفر لك
قال يارسول الله زدني قال صلى الله تعالى عليه وسلم ويسر لك الخير حيث كان
واهدي هذا الدعاء الى العلماء الاعلام من اهل السنة والجماعة والذين من الله علينا بهم و بعلمهم والى كافة المسلمين فاقول لهم
زودكم الله بالتقوى وغفر لكم ويسر لكم الخير حيث كان
منقول

يوسف التازي
23-01-15, 07:45 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
أريد أيها الإخوة أن أتكلم عن موضوع غاية في الأهمية ، أريد أن أتكلم عن الأصل الأصيل الثاني من هذا الدين ألا وهو المتابعة ، ومعلوم أن الأصلين اللذين يقوم عليهما الدين هما الإخلاص والمتابعة.
أقول والله المستعان وعليه التكلان :
الأصل الثاني من أصلي الدين المتينين وأساسَيْه القويمين هو المتابعة ، والمتابعة لغة: هي الموالاة والمراقبة ؛
وأما المتابعة في الشرع :فهي اقتفاء آثار الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وعملا ظاهرا وباطنا في كل نواحي الحياة وشؤون الفرد ، سلوكا وأخلاقا وعقيدة وعبادة ومعاملة وسياسة واقتصادا أن نقتفي أثره في كل ذلك لا نحيد عنه قيد أنملة؛ والنصوص في الكتاب والسنة في الحث على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى :{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ، قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }.
هذه الآية يسميها العلماء آية المحنة لأن أقواما ادعوا أنهم يحبون الله فامتحنهم الله بهذه الآية قائلا لهم :
إن كنتم تحبون الله حقا فاتبعوا رسولي الذي جاء بشرعي فإن الذي يحب شيئا لابد أن يطيعه ،فالطاعة والاتباع دليل محبةٍ لهذا الشيء والعكس بالعكس فإن الذي يدّعي أنه يحب شيئا ثم يعصيه فعصيانه هذا تكذيب لادعائه بأنه يحبه.
والشاعر يقول :
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أصحابهاأدعياء.
وينسب لرابعة العدوية أنها تقول:
تعصي الإله وتزعم حبه ُ
إن هذا في القياس شنيع
إن كنت حقا تحبه فأطعه
إن المحب للحبيب مطيعُ .
لذلك أيها الإخوة نجد مثلا الذي يحب شيئا يظهر محاكاته وتقليده واتباعه في تصرفاته وسكناته وخطواته بل حتى تقليده في مشيته وربما في ضحكته ولا أدل على ذلك من واقعنا واقع كثير من شبابنا المسلم في هذه الأزمان والله المستعان ؛فهذا يقلد لاعب كرة ، وهذا يقلد مغنيا فاسقا وهذه تقلد داعرة من الداعرات ؛لذلك أعرف شابا كان يلعب الكرة وكان معجبا بلاعب كرة ودليل محبته له أنه كان يقلده في كل سكناته وحركاته ومشيته، بل بعض الشباب إذا حلق المطرب الفلاني نصف شعره حلقوا نصف شعرهم ؛وإذا خرج وقد نتف حواجبه كالمخنث ؛ نتفوا حواجبهم ؛وهكذا دواليك فمن أحب شيئا اتبعه في أمره ذاك .
وانظروا في الآية كيف علق الله تعالى حبه على اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن لازم هذه المحبة أعني محبة الله لعبده، أن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا جعل محبته في قلوب الناس ، ومن لازم هذه المحبة الإلهية للعبد الرحمة والرزق ودخول الجنة ، ورضى الله تعالى عن العبد.
ويقول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة يقول عليه الصلاة والسلام: (تركتكم على بيضاء نقيةٍ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) أي إنه صلى الله عليه وسلم بين لنا طريق النجاة ،قال الشيخ عبدالرحمن البنا في شرحه على المسند" بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني"ج1 ص 189 ،190 ["البيضاء" يعني الملة الحنيفية ملة الإسلام ومعنى بيضاء أي ظاهرة صافية خالية عن الشك والشبهة].انتهى كلامه –رحمه الله تعالى- ، وقد أخرج الإمام أحمد والطيالسي في مسنديهما عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ، ثم قال : " هذا سبيل الله " ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال :
" هذه سبل على كل سبل منها شيطانٌ يدعو إليه" ثم تلا : (( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )) .
وكذلك من النصوص الدالة على الاتباع:
قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } يبين الله تعالى في هذه الآية أن ترك اتباع وطاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام مبطلة للأعمال ، قال العلامة السعدي – رحمه الله تعالى – في تفسيره : [ يأمر تعالى المؤمنين بأمر به تتم وتحصل سعادتهم الدينية والدنيوية ، وهو طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في أصول الدين وفروعه ، والطاعة هي : امتثال الأوامر ، واجتناب النهي على الوجه المأمور به بالإخلاص وتمام المتابعة ]؛ وقد بين ذلك المصطفى في الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وفي رواية عند مسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فبين عليه الصلاة والسلام هنا أن من جاء بعبادة مخترعة لم يشرعها الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فهي مردودة عليه باطلة ولذا يقول الله تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}.
ومن النصوص الدالة والحاثة على الاتباع:
قوله تعالى : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }؛
ذكر الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام (1ص132) (أن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس –وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله! من أين أُحرِم ؟ قال :من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إني أريد أن أحرم من المسجد ؛فقال: لا تفعل .قال فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر .قال :لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة !؛فقال : وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميالٌ أزيدها !، قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! إني سمعت الله عز وجل يقول :{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، قال ابن كثير في هذه الآية : وقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} قال :أي عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته ؛فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله ؛ فما وافق ذلك قُبل وما خالف فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان ------- إلى أن قال:{أن تصيبهم فتنة } أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ؛ {أو يصيبهم عذاب أليم }أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك ؛ وقال ابن عباس: "الفتنة القتل" ؛ وقال الإمام أحمد:" الفتنة الشرك ".
ومن النصوص الدالة على الاتباع:
قوله تعالى : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} "خذوه وانتهوا "هذه كلها أوامر والأوامر تفيد الوجوب أي يجب عليك أن تأخذ ما آتاك الرسول عليه الصلاة والسلام ويجب عليك أن تنتهي عما نهاك رسول الله عليه الصلاة والسلام، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى ؛ قالوا ومن يأبى يا رسول الله قال :من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى )؛ وأخرج البخاري عن الزهري رحمه الله أنه قال من الله الرسالة ومن الرسول صلى الله عليه وسلم التبليغ وعلينا التسليم ).
ومن النصوص الحاثة على الاتباع :
قوله تعالى :{من يطع الرسول فقد أطاع الله}؛ وفي هذه الآية جعل الله تبارك وتعالى طاعة الرسول من طاعته لأنه هو المبلغ عنه سبحانه وتعالى ولذا لا يجوز لنا أن نفرق بين سنة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن في الاتباع فكل منهما واجب الاتباع لذا جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ) وبهذا يُعلم بطلان من فرّق بين القرآن والسنة فأخذ بالقرآن ورَدّ السنة ؛ وهذا الذي يرد السنة بالكلية كافر خارج من دائرة الإسلام،كما هو حال فرقة من فرق هذا الزمان ، وهذه الفرقة اسمها القاديانية سميت بذلك نسبة إلى أحمد غلام ميرزا القادياني ، فهؤلاء يردون السنة ويُسَمّوْن بالقرآنيين ، فهؤلاء كفار كفرهم العلماء؛ فأنّى لنا أن نعلم مجمل القرآن إلا بالسنة !! كيف لنا أن نعرف عدد الصلوات وعدد الركعات وأنصبة الزكوات وهكذا إلا بالسنة المطهرة ، أما من رد بعض السنة بزعم أنه قد رواها صحابي واحد أو تابعي واحد ويقولون : إنّ رواية الآحاد لا تفيد علما!! فهؤلاء على شفا هلكة كما يقول الإمام أحمد : (من رد السنة كان على شفا هلكة )، ومثل هؤلاء القرآنيين وأمثالهم ينطبق عليهم حديث نبوي هو دليل على صدق نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله )؛ كذلك يدخل في مثل هؤلاء من فرق بين شرائع الإسلام في الاتباع فقال: هذه قشور وهذه لباب ، والآن ليس وقت القشور ، وما القشور عندهم ؟! القشور عندهم اللحية! ، ورفع الإزار! ، رص الصفوف في الصلاة! وهكذا كثير من شرائع الإسلام الأخرى يقولون عنها قشور! ؛النبي عليه الصلاة والسلام يهرول خلف صحابي ويقول له "ارفع إزارك!" ؛ وهؤلاء يقولون قشور ؛والنبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج عنه البخاري من حديث أبي هريرة يقول عليه الصلاة والسلام: (ما دون الكعبين من الإزار في النار ) وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جاءه رسولان من كسرى ،شواربهما مفتولة! وخدودهما محلوقة ، فأشاح عنهما وقال :"ويحكما من أمركما بهذا؟" قالا: أمرنا ربنا! يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولكنْ أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي" أخرجه ابن جرير وابن سعد وحسنه الألباني ؛ رص الصفوف الذي تهاون فيها كثير من الناس قال عليه الصلاة والسلام : (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم – وفي رواية قلوبكم- ) قال الصحابي : فكان أحدنا يلزق قدمه بقدم صاحبه ومنكبه بمنكبه ، ولو ذهبت تفعل هذا اليوم لوجدت أحدهم كأنه بغل شموس!!
اللحية التي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بإطلاقها ، هذه قشور ! اقرأوا قوله تعالى كيف يرد على مثل هؤلاء،