المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الولاء والبراء


يوسف التازي
22-01-15, 12:02 AM
الولاء والبراء</STRONG>
الحمد لله الذي أمر بالإيمان وموالاة المؤمنين ، وبالبراءة من الكفر والكافرين ، أشهد أن لا إله إلا هو ولي المتقين ، قرن التوحيد بأصل الولاء والبراء ، فلا يقبل الأول إلا ومعه الثاني .

واشهد أن محمدا صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم عبده ورسوله ، القائد الرباني ، المبعوث بجمع الناس على المبدأ الإيماني ، والبراءة من كفر كل كافر وثني أو مجوسي أو يهودي أو نصراني .

أما بعد : فيا عباد الله ، قد عظم الله تعالى أصل الولاء والبراء في الدين ،أي موالاته ومولاة المؤمنين به ، وتكفير ومعاداة الكافرين به وجهادهم ، غاية التعظيم ، حتى قرنه بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام .
فأصل دين الإسلام قائم على إفراد الله بالعبادة ، وما العبادة سوى توحيد المحبة المقتضي الخضوع بالطاعة ، ومحبة الله تعالى تتجلى في موافقته بحب ما يحب من الأقوال والأعمال والأعيان والأمكنة والأزمنة .. وماسوى ذلك ، وموافقته فيما يبغض من الأقوال والأعمال والأعيان وما سوى ذلك .

قال ابن القيم :
ليس العبادة غير توحيد المحبة مع خضوع القلب والأركان
والحب نفس وفاقه فيما يحـب وبغض مالا يرتضي بجنـان
ووفاقه نفس اتباعك أمــره والقصد وجه الله ذي الإحسان

فإذاً معنى الولاء والبراء ، أن توالي الله تعالى فتوالي أولياءه ، وتتبرأ من أعداءه ، وتحب ما يحب ، وتبغض ما يبغض ، وقد صح في الحديث ( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان ) رواه أبو داود من حديث أبي أمامة رضي الله عنه .

وقد جاء تقرير هذا الأصل العظيم ، أصل الولاء والبراء ، على أنحاء :

فأولا : أمر الله تعالى المؤمنين أن يوالي بعضهم بعضها :
ــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الحق سبحانه : ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون)) [سورة المائدة: 55] .

ثانيا : نفى الإيمان عمن يوالي أعداء الله :
ــــــــــــــــــــــ

قال تعالى: ((كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قوي عزيز ، لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون)) [سورة المجادلة: 21-22] .
وقد بين الله تعالى هنا ، أن كل من يرضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين فعاقبته الفلاح ؛ كما قال أيضا : ((ومن يتـولّ الله ورسـوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغـالبون))" [تفسير القرآن العظيم: 2/105].

ثالثا : تبرّأ ممن يوالي الكافرين من دون المؤمنين :
ـــــــــــــــــــــــــــــ

فقال عز وجل: ((لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء)) [سورة آل عمران: 28] .

قال ابن جرير:"قد برئ من الله وبرئ الله منه؛ لارتداده عن دينه ودخوله في الكفر"، وقال ابن كثير:"نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين, وأن يتّخذوهم أولياء يُسِرّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعّد على ذلك فقال تعالى: ((ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ)) أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودة)) إلى أن قال: ((ومن يفعله منكم فقد ضلَّ سواء السبيل)) [سورة الممتحنة: 1] وقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً))" [تفسير القرآن العظيم: 1/466] .

هذا وقد وصف الله تعالى الكفار بأنهم : ((لا يرقُبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمّةً وأولئك هم المعتدون))؟! [سورة التوبة: 10] ، فكيف يحل لمسلم أن يواليهم إلا إن ينسلخ من إيمانه .

رابعا : حكم على من يتولى الكفار أنه منهم :
ـــــــــــــــــــــــ

وقد حَكَم الله عز وجل ، بالكفر على من والى الكافرين ، وظاهرهم على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين)) [سورة المائدة: 51] .

قال ابن جرير:"ومن تولاّهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم؛ فإنه لا يتولى متولٍّ أحداً إلا وهو به ـ وبدينه وما هو عليه ـ راضٍ. وإذا رضيه ورضيَ دينه فقد عادى ما خالفه وسَخَطَه وصار حكمُه حكمَه"، قال عز وجل: ((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنّ كثيراً منهم فاسقون)) [سورة المائدة: 80-81].

خامسا : بين أن موالاة الكفار من صفات المنافقين :
ـــــــــــــــــــــــــــ

قال تبارك وتعالى: ((بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة فإنّ العزة لله جميعاً)) [سورة النساء: 138-139] وقال عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من أهل الكتاب يرُدّوكم بعد إيمانكم كافرين)) [سورة آل عمران: 100]، وهذا من صميم الولاء والبراء يشهد لذلك قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. بل الله مولاكم وهو خير الناصرين)) [سورة آل عمران: 149-150].

سادسا : حذّر المسلمين من أن مقصود الكفار إخراج المسلمين عن دينهم :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا ويخطئ من يظن أن الكفار يرضون من المسلمين بالتنازل عن جزء من دينهم ، أو إرضاء الكفار باتقاءهم إلى حين ، بل قد أوضح تبارك وتعالى لعباده المسلمين أنّ الكفار لن يرضوا عنهم حتى يفارقوا دينهم الحق ، ثم يكونون عبيدا لمعسكر الكفر ، فقال سبحانه: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم)) [سورة البقرة: 120]، وقال عزّ وجلّ: ((ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً)) [سورة النساء: 89]، وقال جلّ جلاله: ((ودّ كثير من أهل الكتاب لو يرُدّونكم من بعد إيمانكم كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقّ)) [سورة البقرة: 109].

سابعا : حذر من اتخاذهم بطانة لانهم لا يألون في إفساد المؤمنين :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد حذر الله تعالى , من المسارعة إلى ابتغاء رضا الكفار، وخشيتهم ، وابتغاء العزة عندهم ؛ قال الحق سبحانه : ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلِّه وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليم بذات الصدور)) [سورة آل عمران: 118-119].

ثامنا : بيّن أن الذين يسارعون في موالاة الكفار هم الذين في قلوبهم مرض:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال تعالى ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) .

فكفى بهذه الآيات ذكرى وموعظة ، وكفى بها زاجرا للمؤمنين عن الوقوع فيما ينقض هذا الأصل الإيمانيّ العظيم ، أصل الولاء والبراء .

فإياك إياك أخي المسلم ، وما يردده الذين في قلوبهم من مرض ، من أهل النفاق والزيغ ، من الفرح بظهور الكفار في البلاد ، وإفسادهم للعباد ، وإياك ثم إياك وإعانتهم بأي وجه من وجوه الإعانة ، على مقاصدهم ومخططاتهم الخبيثة في بلاد المسلمين ، أو الفرح بحكمهم لبلاد الإسلام وظهورهم فيها .

فوالله إن الفرح بذلك ، أعظم من الزنى وشرب الخمر ، ومن أعانهم ولو بشطر كلمة ، فكل ما يترتب على علوهم في الأرض ، من الكفر والفساد ، وإضلال العباد ، فهو شريكهم على قدر ما شاركهم من الآثام .

ويظن بعض هؤلاء الذين استحوذ الشيطان على قلوبهم ، أن الكفار سيحلون السلام ، ويؤمنون الخائف ، ويحصل بعلوهم ظهور البركات ، واجتماع الخيرات ، وذلك كله من تزيين الشيطان لهم ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) .

فمتى كان صلاح حال الأمة على يد أعداءها الذين وصفهم الله تعالى في سورة التوبة بعدما أمر بجاهدهم ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) .

وسبحان الله ألم يقل الله تعالى ( لايألونكم خبالا ودوا ما عنتم ) ألم يقل ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) ألم يقل ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ).

ألا فإن الناس ممتحنون في إيمانهم ، فثبت الله مسلما عرف الحق باتبعه ، ووالى الله ورسوله والذين آمنوا الذين وصفهم الله بقوله ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) .

وطوبى لعبد تبرأ من أعداء الله ، وعلم الله من قلبه أن ليس فيه فرح بعلو الكفار وظهورهم ، بل كان في قلبه من ذلك من البغض ما يتقرب به إلى الله زلفى ، هؤلاء الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، نسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم منهم .

هذا وأفضل الناس في هذا الشأن ، وأعلاهم منزلة ، مجاهد يبذل مهجته وماله ليدافع عن الإسلام ، ويذود عن حرمات وأعراض المسلمين ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم ، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

يوسف التازي
22-01-15, 12:02 AM
الخطبة الثانية :
ـــــــــــــــــ
الحمد لله الذي يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، والصلاة والسلام على المصلى عليه في الأرض والسماء ، محمد بن عبد الله وعلى آله النجباء ، واصحابه الفضلاء .

وبعــــــــــد :
فقد بينا بنصوص الكتاب العزيز ، أن هذا أصل هذا الدين وقاعدته العظمى ، التوحيد المقرون بعقيدة الولاء و البراء ، ومما قاله علماء الإسلام في هذا الباب :

قال شيخ الإسلام ابن تيميه: ( إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا، لله ولا يواد إلا لله، ولا يعادى إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله ) .

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله: ( فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله، والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) .

قال أبو الوفاء بن عقيل: ( إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ) .

إننا أيها الاخوة الكرام ، عندما نعتز بديننا ، ونتميز به ، ونصدع بالحق الذي جاء به ، ونرفض إفساد حدوده ، وإزالة معالمه ، واختلاطه بعماية الجاهلية ، بمبدأ الولاء والبراء ، إنما نحفظ ونصون هذا الهدى ، الذي هو علاج البشرية جمعاء من تيهها وضلالها ، ونضع أمام العالمين ، هدى الله رب العالمين ، صافيا نقيا ، ليحيى من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ، وليهدي الله به من يشاء ، ويضل من يشاء ، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

إنها رسالتنا أيتها الأمة ، أمانتنا التي حملنا الله إياها ، وتركها لنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

وليس من معنى مبدأ الولاء والبراء ولامقتضاه ، أن نسفك الدم بغير حق ، أو نهريق دماء الأبرياء ، أو نهلك الحرث والنسل ، أو نسعى في الأرض فسادا ، ، بل نسير في الحرب مع الكافرين ، وسلمهم ، ومعاملتهم وهجرهم ، على وفق شريعة الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

وليس على أساس قوانين الأمم المتحدة الطاغوتية ، ولا قرارات مجلس الأمة الذي يهيمن عليه دول كبرى مستكبرة فرعونية ، بل نتبع في ذلك شريعة ربنا ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

غير مضيعين عهد الله علينا : بأن لا نجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ، وأن نكون نحن الاعلون دائما ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون إن كنتم مؤمنين ) ، معتزين بديننا ، وشريعة ربنا ، شامخين بذلك بين الأمم ، أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، نجاهد في سبيل الله ولا نخاف لومة لائم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وارفع علم الجهاد وانصر المجاهدين , واخذل أعداء الدين ، ورد كيدهم في نحورهم يا رب العالمين .

اللهم آتتا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، نسأل اللهم العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة ، وأن لا تجعل مصيبنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وانصرنا على القوم الكافرين .

خطبة الجمعة للشيخ حامد العلي

يوسف التازي
22-01-15, 12:03 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فإن الولاء والبراء ركن من أركان العقيدة ، وشرط من شروط الإيمان ، تغافل عنه كثير من الناس وأهمله البعض فاختلطت الأمور وكثر المفرطون .

ومعنى الولاء : هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم .

والبراء : هو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق .

فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر والنواهي الشرعية ، تجب محبته وموالاته ونصرته . وكل من كان خلاف ذلك وجب التقرب إلى الله تعالى ببغضه ومعاداته وجهاده بالقلب واللسان بحسب القدرة والإمكان ، قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض }

والولاء والبراء أوثق عرى الإيمان وهو من أعمال القلوب لكن تظهر مقتضياته على اللسان والجوارح ، قال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح : « من أحب لله وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان » [ أخرجه أبو داود ] .

ومنزلة عقيدة الولاء والبراء من الشرع عظيمة ومنها :
أولاً : أنها جزء من معنى الشهادة ، وهي قول : ( لا إله ) من ( لا إله إلا الله ) فإن معناها البراء من كل ما يُعبد من دون الله .

ثانيًا : أنها شرط في الإيمان ، كما قال تعالى : { ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون }

ثالثًا : أن هذه العقيدة أوثق عرى الإيمان ، لما روى أحمد في مسنده عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله »

يقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله - : ( فهل يتم الدين أو يُقام عَلَم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله ، والموالاة في الله ، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء ، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار ، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) .

رابعًا : أنها سبب لتذوق حلاوة الإيمان ولذة اليقين ، لما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « ثلاث من وجدهن وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار » [ متفق عليه ] .

خامسًا : أنها الصلة التي يقوم على أساسها المجتمع المسلم { إنما المؤمنون إخوة }

سادسًا : أنه بتحقيق هذه العقيدة تنال ولاية الله ، لما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : « من أحب في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله وعادى في الله ، فإنما تنال ولاية الله بذلك »

سابعًا : أن عدم تحقيق هذه العقيدة قد يدخل في الكفر ، قال تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم }

ثامنًا : أن كثرة ورودها في الكتاب والسنة يدل على أهميتها .

يقول الشيخ حمد بن عتيق - رحمه الله - : ( فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك ، وأكد إيجابه ، وحرم موالاتهم وشدد فيها ، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله ، ولا يبغض إلا لله ، ولا يواد إلا لله ، ولا يُعادي إلا لله ، وأن يحب ما أحبه الله ، ويبغض ما أبغضه الله ) .

ومن صور موالاة الكفار أمور شتى ، منها :

1- التشبه بهم في اللباس والكلام .

2- الإقامة في بلادهم ، وعدم الانتقال منها إلا بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين .

3- السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس .

4- اتخاذهم بطانة ومستشارين .

5- التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي .

6- التسمي بأسمائهم .

7- مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها .

8- مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة ، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد .

9- الاستغفار لهم والترحم عليهم .

قال أبو الوفاء بن عقيل : ( إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان ، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ، عاش بان الراوندي والمعري - عليمها لعائن الله - ينظمون وينثرون كفرًا ، وعاشوا سنين ، وعُظمت قبورهم ، واشتُريت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب ) .

وعلى المسلم أن يحذر من أصحاب البدع والأهواء الذين امتلأت بهم الأرض ، ولْيتجنَّب الكفار وما يبثون من شبه وشهوات ، وليعتصم بحبل الله المتين وسنة نبيه الكريم . وعلى المسلم أن يفطِن إلى الفرق بين حسن التعامل والإحسان إلى أهل الذمة وبين بُغضهم وعدم محبتهم . ويتعيَّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ، ولا تعظيم شعائر الكفر . ومن برهم لتُقبل دعوتنا : الرفق بضعيفهم ، وإطعام جائعهم ، وكسوة عاريهم ، ولين القول لهم على سبيل اللطف معهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ، والدعاء لهم بالهداية ، وينبغي أن نستحضر في قلوبنا ما جُبلوا عليه من بغضنا ، وتكذيب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

اللهم وفقنا للعمل بكتابك وسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - والسير على هداهما ، وحب الله ورسوله والمؤمنين وموالاتهم وبغض الكفار والمشركين ومعاداتهم .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


المصدر : http://www.islamway.com/bindex.php?s...article_id=555

يوسف التازي
22-01-15, 12:04 AM
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن الولاء والبراء ولمن يكون وهل يجوز موالاة الكفار ؟

فأجاب رحمه الله :

الولاء والبراء معناه محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم والبراءة منهم ومن دينهم هذا هو الولاء والبراء كما قال الله سبحانه في سورة الممتحنة : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )

وليس معنى بغضهم وعداوتهم أن تظلمهم أو تتعدى عليهم إذا لم يكونوا محاربين ، وإنما معناه أن تبغضهم في قلبك وتعاديهم بقبلك ولا يكونوا أصحابا لك ، لكن لا تؤذيهم ولا تضرهم ولا تظلمهم فإذا سلموا ترد عليهم السلام وتنصحهم وتوجههم إلى الخير كما قال الله عز وجل : ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى وهكذا غيرهم من الكفار الذين لهم أمان أو عهد أو ذمة لكن من ظلم منهم يجازى على ظلمه ، وإلا فالمشروع للمؤمن الجدال بالتي هي أحسن مع المسلمين والكفار مع بغضهم في الله للآية الكريمة السابقة ولقوله سبحانه: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )

فلا يتعدى عليهم ولا يظلمهم مع بغضهم ومعاداتهم في الله ويشرع له أن يدعوهم إلى الله ويعلمهم ويرشدهم إلى الحق لعل الله يهديهم بأسبابه إلى طريق الصواب ، ولا مانع من الصدقة عليهم والإحسان إليهم لقول الله عز وجل : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )

ولما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه أمر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن تصل أمها وهي كافرة في حال الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة على الحديبية )

يوسف التازي
22-01-15, 12:04 AM
السؤال: هناك من يدعي أن الكفار يحبون المسلمين ، وأنهم يريدون لنا الخير ، فما رأيكم فيما يقولون ؟.

=============

الجواب:

الحمد لله
- عداوة الكفار من أهل الكتاب , والمشركين , والمنافقين للمؤمنين قائمة إلى أن تقوم الساعة ، وصراع الحق والباطل باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، كما قال سبحانه : ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) البقرة / 217.

- ولما كان الإسلام يحكم المؤمنين بالعدل ويعطي كل ذي حق حقه ، وهم لا يريدون ذلك ، لذلك اجتهدوا في محاربة الدين ورد الحق بالباطل ، ولكن هيهات . فالدين باق والله متم نوره ولو كره الكافرون ، قال تعالى : ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولوكره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) الصف /7-9 .

- إن الكفار يريدون أن تقف أمم الأرض في الكفر صفاً واحداً : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) النساء / 89 .

- والذين كفروا ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله , في كل زمان ومكان ، لنشر الفساد وإشعال الحروب وقتل المؤمنين ، ويأبى الله إلا أن يخذلهم وينصر دينه كما قال سبحانه : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) الأنفال/36 .

- وقد أخبر الله عن شدة عداوة الكفار للمسلمين بقوله : ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) البقرة/105 .

- والكفار مهما عملوا فعداوتهم لا تنقطع ، فهم وإن نطقت ألسنتهم بالموادعة ، فإن قلوبهم تأبى إلا الغدر والكيد للإسلام وأهله : ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ) التوبة/8 .

- والمنافقون كفار بين المسلمين ، البغضاء تبدو من أفواههم ، والحقد يملأ قلوبهم ، ولكن الله لهم بالمرصاد ، كما قال سبحانه : ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ) آل عمران/120 .

- وأهل الكتاب يكفرون بآيات الله ، ويلبسون الحق بالباطل ، ويكتمون الحق ويكيدون للإسلام ، ليردوا المسلمين عن دينهم كما أخبر الله عنهم بقوله : ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ، وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) آل عمران/72 .

- وقد بين الله بالنص الصريح أن طاعة الكفار مهما كانت سببٌ للهلاك والخسارة وأن طاعته سبحانه هي سبيل العز والنصر والتمكين كما قال سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) آل عمران/149.

- وجميع الكفار من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم أعداء للمسلمين فلا يجوز الاعتماد عليهم ، أو الركون إليهم كما قال سبحانه : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) هود/113 .

- وقد حذرنا الله من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، فإن خاف المسلمون شرهم جاز اتقاء شرهم بالظاهر ، مع بغضهم بالباطن كما قال سبحانه : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ) آل عمران/28 .

- وحذرنا الله من موالاة اليهود والنصارى ، وبين أن من والاهم كان منهم فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) المائدة/51 .

- وجميع الكافرين من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم يوم القيامة في جهنم كما قال تعالى : ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) البينة/ 6.

- والكفار واليهود هم أحرص الناس على الحياة ، لأنهم يعلمون أنه لا حظ لهم في الآخرة ، فهم يكرهون الموت خوفاً مما بعد الموت كما قال سبحانه عن اليهود والمشركين : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) البقرة/96 .



من كتاب أصول الدين الإسلامي تأليف الشيخ محمد بن ابراهيم التويجري. (www.islam-qa.com)

يوسف التازي
22-01-15, 12:05 AM
السؤال: نرجو التوضيح بالأمثلة ما المقصود من العبارة التالية : " موالاة الكفّار حرام " .


الجواب:

الحمد لله
نعم الأمثلة توضّح المقصود وتجلّيه ولذلك ننتقل إليها مباشرة وننقل بعضا من أهمّ ما ذكره أهل العلم وأئمة الدّعوة من صور الموالاة الكفار :

ـ الرضا بكفرهم أو الشك فيه أو الامتناع عن تكفيرهم أو الإقدام على مدح دينهم قال الله تعالى عن كفر الراضي : ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) . وقال تعالى موجبا ومشترطا الكفر بالطاغوت : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) . وقال عن اليهود في تفضيلهم المشركين على المسلمين: ( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا).

ـ التحاكم إليهم : كما في قوله تعالى : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به )

ـ مودتهم ومحبتهم ، قال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حاد الله ورسوله .. الآية )

ـ الركون إليهم والاعتماد عليهم وجعلهم سندا وظهيرا ، قال تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) .

ـ إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين . قال الله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقال عن الكفار : ( بعضهم أولياء بعض ) . وقال : ( ومن يتولّهم منكم فإنه منهم ) .

ـ الانخراط في مجتمعاتهم والانضمام إلى أحزابهم وتكثير سوادهم والتجنُّس بجنسياتهم ( لغير ضرورة ) والخدمة في جيوشهم والعمل على تطوير أسلحتهم .

ـ نقل قوانينهم وتحكيمها في بلاد المسلمين ، قال تعالى : ( أَفَحُكم الجاهلية يبغون )

ـ التولي العام لهم واتخاذهم أعوانا وأنصارا وربط المصير بهم ، قال الله تعالى ناهيا عن ذلك ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . بعضهم أولياء بعض ) .

ـ مداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين ، قال تعالى : ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) . ويدخل في ذلك مجالستهم والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله ، قال الله تعالى : ( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُسْتهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) .

ـ الثقة بهم واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين وجعلهم مستشارين . قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون .

ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور . إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها }

وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ لا قَالَ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلِقْ . " رواه مسلم 3388 .

ومن هذه النصوص يتبين لنا تحريم تولية الكفار الأعمال التي يتمكنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم .

ـ توليتهم المناصب الإدارية التي يرأسون بها المسلمين ويذلونهم ويتحكمون في رقاب الموحدين ويحولون بينهم وبين أدائهم عباداتهم . قال الله تعالى ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ، وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلت لعمر رضي الله عنه : لي كاتب نصراني ، قال : مالك قاتلك الله ، أما سمعت قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } ( المائدة :51 ) ألا اتخذت حنيفاً ، قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه ، قال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله .

وكذلك جعلهم في بيوت المسلمين يطلعون على العورات ويربون أبناء المسلمين على الكفر ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين وجعلهم عمالاً وسائقين ومستخدمين ، ومربين في البيوت وخلطهم مع العوائل والأسر المسلمة .

وكذلك ضمّ الأولاد إلى المدارس الكفرية والمعاهد التبشيرية والكليات والجامعات الخبيثة وجعلهم يسكنون مع عوائل الكفار .

ـ التشبه بالكافرين في الملبس والهيئة والكلام وغيرها وذلك يدل على محبة المتشبه به ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم ) .

فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم من عاداتهم ، وعباداتهم ، وسمتهم وأخلاقهم ، كحلق اللحى ، وإطالة الشوارب ، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة ، وفي هيئة اللباس ، والأكل والشرب وغير ذلك .

ـ الإقامة في بلادهم بغير حاجة ولا ضرورة ، ولهذا فإن المسلم المستضعف الذي لا يستطيع إظهار شعائر دينه تحرم عليه الإقامة بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة ، قال تعالى :{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً } .

فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة . وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم .

فالإقامة بين ظهرانيهم محرمة لغير ضرورة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين ) .

ـ السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس : أمّا الذّهاب لحاجة شرعية - كالعلاج والتجارة وتعلّم التخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم - فيجوز بقدر الحاجة ، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين .

ويشترط للذّاهب في هذه الحالة أن يكون معه علم يدفع به الشبهات وإيمان يدفع به الشهوات وأن يكون مُظهِراً لدينه معتزاً بإسلامه مبتعداً عن مواطن الشر ، حذِراً من دسائس الأعداء ومكائدهم ، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام .

ـ مدحهم والذبّ عنهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد . قال تعالى :{ ولا تمدن عي************ إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربِّك خيرٌ وأبقى } .

وكذلك تعظيمهم وإطلاق ألقاب التفخيم عليهم والبدء بتحيتهم وتقديمهم في المجالس وفي المرور في الطرقات ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ " . رواه مسلم 4030

ـ ترك تاريخ المسلمين والتأريخ بتأريخهم واعتماده خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي ، وهو عبارة عن ذكرى مولد المسيح عليه السلام ، والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح عليه السلام ، فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم .

ولتجنب هذا لما أراد الصحابة رضي الله عنهم وضْع تاريخ للمسلمين في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم ـ والله المستعان .

ـ مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أوتهنئتهم بمناسبتها أو حضور أماكنها .
وقد فُسَّر الزور في قوله تعالى :{ والذين لا يشهدون الزور } بأعياد الكفار .

ـ التسمي بأسمائهم المُنكَرة ، وقد غيّر النبي صلى الله عليه وسلم الأسماء الشركية كعبد العزّى وعبد الكعبة .

ـ الاستغفار لهم والترحم عليهم : قال الله تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ).

فهذه طائفة من الأمثلة التي توضّح قاعدة تحريم موالاة الكفّار ، نسأل الله سلامة العقيدة وقوّة الإيمان والله المستعان .



الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد (www.islam-qa.com)

يوسف التازي
22-01-15, 12:06 AM
سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن الولاء والبراء؟

فأجاب رحمه الله :

البراء والولاء لله سبحانه أن يتبرأ الإنسان من كل ما تبرأ الله منه كما قال سبحانه وتعالى : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً ) وهذا مع القوم المشركين كما قال سبحانه: ( وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) فيجب على كل مؤمن أن يتبرأ من كل مشرك وكافر.

فهذا في الأشخاص، وكذلك يجب على المسلم أن يتبرأ من كل عمل لا يرضي الله ورسوله وإن لم يكن كفراً، كالفسوق والعصيان كما قال سبحانه: ( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) .

وإذا كان مؤمن عنده إيمان وعنده معصية، فنواليه على إيمانه، ونكرهه على معاصيه، وهذا يجري في حياتنا، فقد تأخذ الدواء الكريه الطعم وأنت كاره لطعمه، وأنت مع ذلك راغب فيه لأن فيه شفاء من المرض. وبعض الناس يكره المؤمن العاصي أكثر مما يكره الكافر، وهذا من العجب وهو قلب للحقائق، فالكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين ويجب علينا أن نكرهه من كل قلوبنا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) ، وهؤلاء الكفار لن يرضوا منك إلا اتباع ملتهم وبيع دينك ، ( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ، وقال تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً ) .

وهذا في كل أنواع الكفر: الجحود، والإنكار، والتكذيب، والشرك، والإلحاد. أما الأعمال فتبرأ من كل عمل محرم، ولا يجوز لنا أن نَأْلَفَ الأعمال المحرمة ولا أن نأخذ بها، والمؤمن العاصي نتبرأ من عمله بالمعصية، ولكننا نواليه ونحبه على ما معه من الإيمان .

يوسف التازي
22-01-15, 12:08 AM
الولاء والبراء



عبدالملك القاسم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فإن الولاء والبراء ركن من أركان العقيدة ، وشرط من شروط الإيمان ، تغافل عنه كثير من الناس وأهمله البعض فاختلطت الأمور وكثر المفرطون .
ومعنى الولاء : هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم .
والبراء : هو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق .
فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر والنواهي الشرعية ، تجب محبته وموالاته ونصرته . وكل من كان خلاف ذلك وجب التقرب إلى الله تعالى ببغضه ومعاداته وجهاده بالقلب واللسان بحسب القدرة والإمكان ، قال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) .

والولاء والبراء أوثق عرى الإيمان وهو من أعمال القلوب لكن تظهر مقتضياته على اللسان والجوارح ، قال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح : ( م أحب لله وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان ) [ أخرجه أبو داود ] .

ومنزلة عقيدة الولاء والبراء من الشرع عظيمة ومنها :
أولاً : أنها جزء من معنى الشهادة ، وهي قول : ( لا إله ) من ( لا إله إلا الله ) فإن معناها البراء من كل ما يُعبد من دون الله .
ثانيًا : أنها شرط في الإيمان ، كما قال تعالى : ( ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون ) .
ثالثًا : أن هذه العقيدة أوثق عرى الإيمان ، لما روى أحمد في مسنده عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) .
يقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله - : ( فهل يتم الدين أو يُقام عَلَم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله ، والموالاة في الله ، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء ، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار ، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) .
رابعًا : أنها سبب لتذوق حلاوة الإيمان ولذة اليقين ، لما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ثلاث من وجدهن وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) [ متفق عليه ] .
خامسًا : أنها الصلة التي يقوم على أساسها المجتمع المسلم ( إنما المؤمنون إخوة ) .
سادسًا : أنه بتحقيق هذه العقيدة تنال ولاية الله ، لما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : ( من أحب في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله وعادى في الله ، فإنما تنال ولاية الله بذلك ) .
سابعًا : أن عدم تحقيق هذه العقيدة قد يدخل في الكفر ، قال تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) .
ثامنًا : أن كثرة ورودها في الكتاب والسنة يدل على أهميتها .
يقول الشيخ حمد بن عتيق - رحمه الله - : ( فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك ، وأكد إيجابه ، وحرم موالاتهم وشدد فيها ، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله ، ولا يبغض إلا لله ، ولا يواد إلا لله ، ولا يُعادي إلا لله ، وأن يحب ما أحبه الله ، ويبغض ما أبغضه الله ) .

ومن صور موالاة الكفار أمور شتى ، منها :
1- التشبه بهم في اللباس والكلام .
2- الإقامة في بلادهم ، وعدم الانتقال منها إلا بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين .
3- السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس .
4- اتخاذهم بطانة ومستشارين .
5- التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي .
6- التسمي بأسمائهم .
7- مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها .
8- مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة ، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد .
9- الاستغفار لهم والترحم عليهم .
قال أبو الوفاء بن عقيل : ( إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان ، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ، عاش بان الراوندي والمعري - عليمها لعائن الله - ينظمون وينثرون كفرًا ، وعاشوا سنين ، وعُظمت قبورهم ، واشتُريت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب ) .
وعلى المسلم أن يحذر من أصحاب البدع والأهواء الذين امتلأت بهم الأرض ، ولْيتجنَّب الكفار وما يبثون من شبه وشهوات ، وليعتصم بحبل الله المتين وسنة نبيه الكريم . وعلى المسلم أن يفطِن إلى الفرق بين حسن التعامل والإحسان إلى أهل الذمة وبين بُغضهم وعدم محبتهم . ويتعيَّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ، ولا تعظيم شعائر الكفر . ومن برهم لتُقبل دعوتنا : الرفق بضعيفهم ، وإطعام جائعهم ، وكسوة عاريهم ، ولين القول لهم على سبيل اللطف معهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ، والدعاء لهم بالهداية ، وينبغي أن نستحضر في قلوبنا ما جُبلوا عليه من بغضنا ، وتكذيب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
اللهم وفقنا للعمل بكتابك وسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - والسير على هداهما ، وحب الله ورسوله والمؤمنين وموالاتهم وبغض الكفار والمشركين ومعاداتهم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

موقع صيد الفوائد

يوسف التازي
22-01-15, 12:09 AM
من خصائص المجتمع المسلم أنه مجتمع يقوم على عقيدة الولاء والبراء، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من كل من حادّ الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين .

وهاتان الخاصيَّتان للمجتمع المسلم هما من أهم الروابط التي تجعل من ذلك المجتمع مجتمعا مترابطاً متماسكاً، تسوده روابط المحبة والنصرة، وتحفظه من التحلل والذوبان في الهويات والمجتمعات الأخرى، بل تجعل منه وحدة واحدة تسعى لتحقيق رسالة الإسلام في الأرض، تلك الرسالة التي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة الناس إلى الحق وإلى طريق مستقيم .



أهمية عقيدة الولاء والبراء :

تنبع أهمية هذه العقيدة الإسلامية الأصيلة من كونها فريضة ربانية، ومن كونها كذلك سياج الحماية لهوية الأمة الثقافية والسياسية، ولا أدلَّ على أهمية هذه العقيدة من اعتناء القرآن بتقريرها، فمرة يذكرها على اعتبار أنها الرابطة الإيمانية التي تجمع المؤمنين فتحثهم على فعل الصالحات، قال تعالى:} والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم { (التوبة:71 )، ومرة يذكرها محذرا من الانسياق وراء تحالفات تضع المسلم جنبا لجنب مع الكافر في معاداة إخوانه المسلمين، قال تعالى:} لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير { (آل عمران:28)، ومرة يذكر عقيدة الولاء والبراء على أنها الصبغة التي تصبغ المؤمنين ولا يمكن أن يتصفوا بما يناقضها، قال تعالى:} لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22). إلى غير ذلك من الآيات.

وفي بيان أهمية هذه العقيدة يقول العلامة أبو الوفاء بن عقيل :" إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري - عليهما لعائن الله - ينظمون وينثرون كفراً .. وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب "

ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:" فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله.. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان".

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فكان يقول لبعضهم: ( أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين ) رواه النسائي وأحمد .


ولولاء المؤمن لأخيه صور متعددة نذكر منها:

1. ولاء الود والمحبة: وهذا يعني أن يحمل المسلم لأخيه المسلم كل حب وتقدير، فلا يكيد له ولا يعتدي عليه ولا يمكر به. بل يمنعه من كل ما يمنع منه نفسه، ويدفع عنه كل سوء يراد له، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) رواه مسلم .

2. ولاء النصرة والتأييد: وذلك في حال ما إذا وقع على المسلم ظلم أو حيف، فإن فريضة الولاء تقتضي من المسلم أن يقف إلى جانب أخيه المسلم، يدفع عنه الظلم، ويزيل عنه الطغيان، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قالوا يا رسول الله: هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما ؟ قال : تأخذ فوق يديه ) أي تمنعه من الظلم. رواه البخاري ، فبهذا الولاء يورث الله عز وجل المجتمع المسلم حماية ذاتية، تحول دون نشوب العداوات بين أفراده، وتدفعهم جميعا للدفاع عن حرماتهم ، وعوراتهم.

3. النصح لهم والشفقة عليهم: فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " متفق عليه .



هذا من جهة علاقة الأمة بعضها ببعض والذي يحددها واجب الولاء . أما من جهة علاقة الأمة أو المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات الكافرة والتي يحددها واجب البراء، فقد أوجب الله عز وجل على الأمة البراء من الكفر وأهله، وذلك صيانة لوحدة الأمة الثقافية والسياسية والاجتماعية، وجعل سبحانه مطلق موالاة الكفار خروجا عن الملة وإعراضاً عن سبيل المؤمنين، قال تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير }(آل عمران:28) فكأنه بموالاته للكافرين يكون قد قطع كل الأواصر والعلائق بينه وبين الله، فليس من الله في شيء.

وتحريم الإسلام لكل أشكال التبعية للكافرين, لا يعني حرمة الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم، كلا ، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها، ولكن المقصود والمطلوب أن تبقى للمسلم استقلاليته التامة، فلا يخضع لكافر، ولا يكون ولاؤه إلا لله ولرسوله وللمؤمنين.

ومن أخطر صور الموالاة التي يحرمها الإسلام ويقضي على صاحبها بالردة والكفر ما يلي:

1- ولاء الود والمحبة للكافرين: فقد نفى الله عز وجل وجود الإيمان عن كل من وادَّ الكافرين ووالاهم، قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) ، إلا أن هذه المفاصلة والمفارقة لا تمنع من البر بالكافرين والإحسان إليهم - ما لم يكونوا لنا محاربين – قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ) .

2- ولاء النصرة والتأييد للكافرين على المسلمين: ذلك أن الإسلام لا يقبل أن يقف المسلم في خندق واحد مع الكافر ضد إخوانه المسلمين، قال تعالى :} يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا { (النساء:144)، وقال أيضاً : } ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون { (المائدة:81 ) يقول ابن تيمية عن هذه الآية : " فذكر جملة شرطية تقتضي أن إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف لو التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } فدلّ ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلَّ ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي، وما أنزل إليه .. ".

وهناك صور للولاء المحرم ولكنها لا تصل بصاحبها إلى حد الكفر، منها:

1- تنصيب الكافرين أولياء أو حكاما أو متسلطين بأي نوع من التسلط على المسلمين، قال تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }(النساء:141)، ولأن أبا موسى الأشعري قدم على عمر رضي الله عنه ومعه كاتب نصراني فانتهره عمر وقال : " لا تأمنوهم وقد خونهم الله، ولا تدنوهم وقد أبعدهم الله، ولا تعزوهم وقد أذلهم الله " ويقول النووي فيما نقله صاحب الكفاية: " لأن الله تعالى قد فسّقهم فمن ائتمنهم فقد خالف الله ورسوله وقد وثق بمن خونه الله تعالى ".


2- اتخاذهم أصدقاء وأصفياء: قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون }(آل عمران:118) قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: " لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دونكم، يقول: من دون أهل دينكم وملتكم، يعني من غير المؤمنين .. فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرفهم ما هم منطوون عليه من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم ومن مخالتهم".



3- البقاء في ديار الكفر دون عذر مع عدم القدرة على إقامة شعائر الإسلام، قال تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } (النساء:97-98).



4- التشبه بهم في هديهم الظاهر ومشاركتهم أعيادهم، قال صلى الله عليه وسلم : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) رواه أبو داود .



أمور لا تقدح في البراء من الكافرين :

ربما ظن البعض أن معاداة الكافرين تقتضي أن يقطع المسلم كل صلة بهم، وهذا خطأ، فالكافر غير المحارب إن كان يعيش بيننا أو سافرنا نحن لبلاده لغرض مشروع فالاتصال به ومعاملته يوشك أن يكون ضرورة لا بد منها، فالقطيعة المطلقة سبب للحرج العظيم بلا شك، ثم هي قطع لمصلحة دعوتهم وعرض الإسلام عليهم قولا وعملا، لذلك أباح الشرع صنوفا من المعاملات معهم منها:

1. إباحة التعامل معهم بالبيع والشراء، واستثنى العلماء بيع آلة الحرب وما يتقووا به علينا، ولا يخفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته كانوا يبيعون ويشترون من اليهود، بل ومات عليه السلام ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير كما روى ذلك أحمد وغيره .


2. إباحة الزواج من أهل الكتاب وأكل ذبائحهم بشروطه، قال تعالى: { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }(المائدة: 5).


3. اللين في معاملتهم ولا سيما عند عرض الدعوة عليهم، قال تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }(النحل:125)، وهكذا أمر الله نبيه موسى – عليه السلام - أن يصنع مع فرعون، قال تعالى:{ فقولا له قولا لينا }(طه:44).


4. العدل معهم وعدم ظلمهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }( الممتحنة: 8) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما ) رواه البخاري .


5. الإهداء لهم وقبول الهدية منهم: فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدية المقوقس، كما عند الطبراني بسند رجاله ثقات كما قال الهيثمي في المجمع، وأهدى عمر - رضي الله عنه –حلته لأخ له مشرك كما في صحيح البخاري .


6. عيادة مرضاهم إذا كان في ذلك مصلحة: فعن أنس رضي الله عنه قال: " كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه. فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده. فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. فأسلم. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( الحمد لله الذي أنقذه من النار ) رواه البخاري .


7. التصدق عليهم والإحسان إليهم: قال تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا }(لقمان:15)، وعن أسماء رضي الله عنها قالت: قدمت أمي وهي مشركة .. فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي، قال: ( نعم صلي أمك ) رواه البخاري .



8. الدعاء لهم بالهداية إلى الإسلام، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لطوائف من المشركين منهم دوس، فقال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهد دوسا وأت بهم ) رواه البخاري .



من ثمرات إحياء عقيدة الولاء والبراء في الأمة :

1. ظهور العقيدة الصحيحة وبيانها وعدم التباسها بغيرها وتحقيق المفاصلة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، قال تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده }(الممتحنة:4).


2. حماية المسلمين سياسيا، وذلك أن ما يوجبه الإسلام من مبدأ الولاء والبراء يمنع من الانجرار وراء الأعداء، وما تسلط الكفار على المسلمين وتدخلوا في شؤونهم إلا نتيجة إخلالهم بهذا الأصل العظيم .



3. تحقيق التقوى والبعد عن مساخط الله سبحانه، قال تعالى: { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون }(المائدة :80)، وقال تعالى:{ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار }(هود:113) .



إن عقيدة الولاء والبراء هي عقيدة صيانة الأمة وحمايتها من أعدائها، كما أنها سبب للألفة والإخاء بين أفرادها، وهي ليست عقيدة نظرية تدرس وتحفظ في الذهن مجردة عن العمل؛ بل هي عقيدة عمل ومفاصلة، ودعوة ومحبة في الله، وكره من أجله وجهاد في سبيله؛ فهي تقتضي كل هذه الأعمال، وبدونها تصبح عقيدةً نظرية سرعان ما تزول، وتضمحل عند أدنى موقف أو محك .

موقع الشبكة الاسلامية

يوسف التازي
22-01-15, 12:10 AM
http://islamqa.info/ar/cat/234

فتاوى في الولاء والبراء

يوسف التازي
22-01-15, 12:11 AM
مفهوم الولاء والبراء في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد :
فهذا كتاب متوسط الحجم حول مفهوم الولاء والبراء جمعت فيه الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع الخطير وقمت بشرحها اعتمادا على أوثق التفاسير ليكون المسلم على بينة من أمره في هذا الموضوع العقدي الخطير
حيث كثر الموالون والمحبون لأعداء الإسلام تحت مسميات شتى وأشكال مختلفة 0
والنصوص القرآنية المحكمة واضحة وصريحة في تحريم ذلك تحريما قاطعا مثل
قوله تعالى :
لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) سورة المجادلة
وقوله تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51)
** وقوله تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118)
**
وتحرم على المسلمين اتخاذ الكافرين ( مهما كان نوعهم ) أولياء من دون المؤمنين قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) (النساء:144)
**
وتحرم على المسلمين اتخاذ أولياء ممن يسخر بالدين الإسلامي سواء كانوا محسوبين على الإسلام أو غير محسوبين قال :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:57)
** وتحرم على المسلمين أن يتخذوا من أعداء الإسلام أولياء أو نصراء قال تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (الممتحنة:1)
*
وتحرم على المسلمين اتخاذ الآباء والأجداد والأقرباء أولياء إذا استحبوا الكفر على الإيمان
قال تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (التوبة:23)
وليس بعد هذا البيان الرباني من بيان
*
فإلى الذين يوالون من حاد الله ورسوله
وإلى الذين يوالون اليهود والنصارى
وإلى الذين يوالون الكافرين
وإلى الذين يوالون الآباء والأجداد والأقرباء إذا استحبوا الكفر على الإيمان
وإلى الذين يوالون أعداء الإسلام
وإلى الذين يتخذون بطانة من دون المؤمنين
وإلى الذين يتخذون أولياء ممن يسخر بالدين الإسلامي وبالمسلمين
وإلى الذين يوالون الطواغيت الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا
وإلى الذين يوالون من يسحق المسلمين في فلسطين وفي العراق والشيشان وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين
وإلى الذين يسحقون شعوبهم ويلاحقون الأخيار الأبراء من هذه الأمة ويسلمونهم إلى عدو الله ورسوله ( ) ليرضى عنهم أئمة الكفر
*
إلى المؤمنين الأخيار الأبرار الذين أبوا أن يوالوا إلا الله ورسوله ( ) والمؤمنين تنفيذا لأمر الله تعالى ورسوله ( ) وتحملوا المشاق والمصاعب في سبيل ذلك
وإلى المؤمنين الذين قال الله تعالى فيهم :
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23) أقدم هذا الجهد المتواضع
أقدمه للأولين لإقامة الحجة الدامغة عليهم بأنهم ليسوا على شيء
قال تعالى في سورة المائدة :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ (53)
**
وأقدمه للآخرين ليزداوا إيمانا مع إيمانهم ويقينا مع يقينهم في عصر تكالب أهله على الإسلام والمسلمين
وأقول لهم :
اثبتوا فإنكم على الحق قال تعالى :
(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146)
وقال تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173)
إن الشيطان هو الذي يضخم من شأن أوليائه , ويلبسهم لباس القوة والقدرة , ويوقع في القلوب أنهم ذوو حول وطول , وأنهم يملكون النفع والضر . . ذلك ليقضي بهم لباناته وأغراضه , وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد , وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب , فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار ; ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم , ودفعهم عن الشر والفساد .
والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل , وأن يتضخم الشر , وأن يتبدى قويا قادرا قاهرا بطاشا جبارا , لا تقف في وجهه معارضة , ولا يصمد له مدافع , ولا يغلبه من المعارضين غالب . . الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا . فتحت ستار الخوف والرهبة , وفي ظل الإرهاب والبطش , يفعل أولياؤه في الأرض ما يقر عينه ! يقلبون المعروف منكرا , والمنكر معروفا , وينشرون الفساد والباطل والضلال , ويخفتون صوت الحق والرشد والعدل , ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمي الشر وتقتل الخير . . دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم , ومطاردتهم وطردهم من مقام القيادة . بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذي يروجون له , وجلاء الحق الذي يطمسونه . .
والشيطان ماكر خادع غادر , يختفي وراء أوليائه , وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته . . ومن هنا يكشفه الله , ويوقفه عاريا لا يستره ثوب من كيده ومكره . ويعرف المؤمنين الحقيقة:حقيقة مكره ووسوسته , ليكونوا منها على حذر . فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم . فهم وهو أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه , ويستند إلى قوته . . إن القوة الوحيدة التي تخشى وتخاف هي القوة التي تملك النفع والضر . هي قوة الله . وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله , وهم حين يخشونها وحدها أقوى الأقوياء . فلا تقف لهم قوة في الأرض . . لا قوة الشيطان ولا قوة أولياء الشيطان:
(فلا تخافوهم . وخافون إن كنتم مؤمنين) . .
* اللهم إني أبرأ إليك من كل ولاية إلا ولايتك وولاية رسولك وولاية المؤمنين الصادقين
**
الباحث في القرآن والسنة
أبو حمزة الشامي

يوسف التازي
22-01-15, 12:13 AM
الولاء والبراء جامعة ام القرى

معناه وضوابطه :

الولاء : مصدر ولي بمعنى قرب منه ، والمراد به هنا القرب من المسلمين بمودتهم وإعانتهم ومناصرتهم على أعدائهم والسكنى معهم .

والبراء : مصدر برى ، بمعنى قطع . ومنه برى القلم بمعنى قطعه . والمراد هنا قطع الصلة مع الكفار فلا يحبهم ولا يناصرهم ولا يقيم في ديارهم إلا لضرورة .



الولاء والبراء من حقوق التوحيد :

يجب على المسلم أن يوالي في الله وأن يعادي في الله وأن يحب في الله ، وأن يبغض في الله ، فيحب المسلمين ويناصرهم ويعادي الكافرين ويبغضهم ويتبرأ منهم . قال تعالى في وجوب موالاة المؤمنين : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } (المائدة : 55 ، 56) . وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (المائدة : 51) . وقال تعالى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } (المجادلة : 22) .

ويتضح من هذه الآيات الكريمة وجوب موالاة المؤمنين وما ينتج عن ذلك من الخير ووجوب معاداة الكفار والتحذير من موالاتهم وما تؤدي إليه موالاتهم من شر .

مكانة الولاء والبراء في الدين :

إن للولاء والبراء في الإسلام مكانة عظيمة ، فهو أوثق عرى الإيمان . ومعناه توثيق عرى المحبة والألفة بين المسلمين ومفاصلة أعداء الإسلام . فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : « أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله » رواه الطبراني في الكبير (11 / 215) ، والبغوي في شرح السنة (3 / 429) ، بسند حسن .

الفرق بين المداهنة والمداراة وأثرهما على الولاء والبراء :

المداهنة : هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصانعة الكفار والعصاة من أجل الدنيا والتنازل عما يجب على المسلم من الغيرة على الدين . ومثاله الاستئناس بأهل المعاصي والكفار ومعاشرتهم وهم على معاصيهم أو كفرهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة عليه . قال الله تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }{ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }{ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } (المائدة : 78 - 80)

المداراة : هي درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له . كالرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه . وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها ، « أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال : (بئس أخو العشيرة . وبئس ابن العشيرة) ، فلما جلس تطلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم في وجهه وانبسط إليه ، فلما انطلق الرجل قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا ، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه . فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : (يا عائشة متى عهدتني فحاشًا ، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) » (1) صحيح البخاري برقم (6032) .

فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم دارى هذا الرجل لما دخل عليه مع ما فيه من الشر لأجل المصلحة الدينية ، فدل على أن المداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحة راجحة من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه ، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى . ومن ذلك

مداراة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم للمنافقين في المدينة خشية شرهم وتأليفًا لهم ولغيرهم .

وهذا بخلاف المداهنة فإنها لا تجوز إذ حقيقتها مصانعة أهل الشر لغير مصلحة دينية وإنما من أجل الدنيا .





نماذج من الولاء والبراء :

قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } (الممتحنة : 4) . وقال تعالى في موالاة الأنصار لإخوانهم المهاجرين : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (الحشر : 9) .



حكم موالاة العصاة والمبتدعين :

إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة ، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر . فقد يجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة ، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته ويتصدق عليه . هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة .



هل يدخل في الموالاة معاملة الكفار في الأمور الدنيوية :

دلت النصوص الصحيحة على جواز التعامل مع الكفار في المعاملات الدنيوية كمسائل البيع والشراء والإيجار والاستئجار والاستعانة بهم عند الحاجة والضرورة على أن يكون ذلك في نطاق ضيق وأن لا يضر بالإسلام والمسلمين . « فقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أرَيْقط هاديًا خِرِّيتًا » (1) صحيح البخاري حديث رقم (2263). والخريت هو الخبير بمعرفة الطريق .

ورهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي في صاع من شعير وأجر علي رضي الله عنه نفسه ليهودية يمتح لها الماء من البئر فمتح لها ست عشرة دلوًا كل دلو بتمرة . وقد استعان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم باليهود الذين كانوا في المدينة في قتال المشركين . واستعان بخُزاعة ضد كفار قريش . وهذا كله لا يؤثر على الولاء والبراء في الله على أن يلتزم الكفار الذين يقيمون بين المسلمين بالآداب العامة وأن لا يدعوا إلى دينهم .







أقسام الناس فيما يجب في حقهم من الولاء والبراء

الناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام‏:‏



القسم الأول

من يحب محبة خالصة لا معاداة معها، وهم المؤمنون الخلَّص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين، وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة، والمهاجرين والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم التابعون والقرون المفضلة وسلف هذه الأمة وأئمتها؛ كالأئمة الأربعة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏.‏

ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأمة من في قلبه إيمان، وإنما يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام، كالرافضة والخوارج، نسأل الله العافية‏.‏



القسم الثاني

من يبغض ويعادي بغضا ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة معهما، وهم الكفار الخلص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏}‏ ، وقال تعالى عائبا على بني إسرائيل‏:‏ ‏{‏تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏.‏


القسم الثالث

من يحب من وجه ويبغض من وجه، فيجتمع فيه المحبة والعداوة، وهم عصاة المؤمنين؛ يحبون لما فيهم من الإيمان، ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك‏.‏

ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم؛ فلا يجوز السكوت على معاصيهم، بل ينكر عليهم، ويؤمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم، لكن لا يُبْغَضون بغضا خالصا ويتبرأ منهم؛ كما تقوله الخوارج في مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا يُحَبُّون ويوالون حبا وموالاة خالصين كما تقوله المرجئة، بل يعتدل في شأنهم على ما ذكرنا؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة‏.‏

والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، والمرء مع من أحب يوم القيامة؛ كما في الحديث‏.‏

وقد تغير الوضع وصار غالب موالاة الناس ومعاداتهم لأجل الدنيا؛ فمن كان عنده مطمع من مطامع الدنيا؛ والوه، وإن كان عدوا لله ولرسوله ولدين المسلمين، ومن لم يكن عنده مطمع من مطامع الدنيا؛ عادوه، ولو كان وليًّا لله ولرسوله عند أدنى سبب، وضايقوه واحتقروه‏.‏

وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا‏"‏‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى قال من عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب‏)‏ الحديث‏.‏ رواه البخاري‏.‏

وأشد الناس محاربة لله من عادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبهم وتنقصهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا؛ فمن آذاهم؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن آذى الله؛ يوشك أن يأخذه‏)‏ ‏.‏ أخرجه الترمذي وغيره‏.‏

وقد صارت معاداة الصحابة وسبهم دينا وعقيدة عند بعض الطوائف الضالة‏!‏‏!‏ نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه، ونسأله العفو والعافية‏.

يوسف التازي
22-01-15, 12:14 AM
فتاوي الشيخ العثيمين رحمه الله

سئل فضيلة الشيخ: عن الولاء والبراء؟

فأجاب -رحمه الله- بقوله : البراء والولاء لله سبحانه، أن يتبرأ الإنسان من كل ما تبرأ الله منه، كما قال سبحانه وتعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا } وهذا مع القوم المشركين، كما قال سبحانه: { وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ }، فيجب على كل مؤمن أن يتبرأ من كل مشرك وكافر، فهذا في الأشخاص.

وكذلك يجب على المسلم أن يتبرأ من كل عمل لا يرضي الله ورسوله وإن لم يكن كفرا، كالفسوق والعصيان، كما قال سبحانه: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } .

وإذا كان مؤمن عنده إيمان، وعنده معصية، فنواليه على إيمانه، ونكرهه على معاصيه، وهذا يجري في حياتنا، فقد تأخذ الدواء كريه الطعم، وأنت كاره لطعمه، وأنت مع ذلك راغب فيه؛ لأن فيه شفاء من المرض.

وبعض الناس يكره المؤمن العاصي أكثر مما يكره الكافر، وهذا من

(3/11)


--------------------------------------------------------------------------------

العجب، وهو قلب للحقائق، فالكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب علينا أن نكرهه من كل قلوبنا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } وهؤلاء الكفار لن يرضوا منك إلا اتباع ملتهم وبيع دينك { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } ، { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا } ، وهذا في كل أنواع الكفر: الجحود والإنكار، والتكذيب، والشرك، والإلحاد.
أما الأعمال فنتبرأ من كل عمل محرم، ولا يجوز لنا أن نألف الأعمال المحرمة، ولا أن نأخذ بها، والمؤمن العاصي نتبرأ من عمله بالمعصية، ولكننا نواليه، ونحبه على ما معه من الإيمان.
(383) وسئل أيضا عن حكم موالاة الكفار؟
فأجاب بقوله : موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ }

(3/12)


--------------------------------------------------------------------------------

، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .
وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } ، وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض، وفساد كبير.
ولا ينبغي أبدا أن يثق المؤمن بغير المؤمن، مهما أظهر من المودة، وأبدى من النصح، فإن الله تعالى يقول عنهم: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } ، ويقول سبحانه لنبيه: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } ، والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وألا تأخذه فيه لومة لائم، وألا يخاف من أعدائه، فقد قال الله تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }

(3/13)


--------------------------------------------------------------------------------

، وقال تعالى: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } .
وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، والله الموفق.
(384) وسئل -حفظه الله-: عن حكم مودة الكفار، وتفضيلهم على المسلمين؟
فأجاب بقوله : لا شك أن الذي يواد الكفار أكثر من المسلمين قد فعل محرما عظيما، فإنه يجب أن يحب المسلمين، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، أما أن يود أعداء الله أكثر من المسلمين، فهذا خطر عظيم، وحرام عليه، بل لا يجوز أن يودهم، ولو أقل من المسلمين لقوله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ }

(3/14)


--------------------------------------------------------------------------------

وكذلك أيضا من أثنى عليهم ومدحهم وفضلهم على المسلمين في العمل وغيره، فإنه قد فعل إثما، وأساء الظن بإخوانه المسلمين، وأحسن بمن ليسوا أهلا لإحسان الظن، والواجب على المؤمن أن يقدم المسلمين على غيرهم في جميع الشئون في الأعمال وفي غيرها، وإذا حصل من المسلمين تقصير، فالواجب عليه أن ينصحهم، وأن يحذرهم، وأن يبين لهم مغبة الظلم؛ لعل الله أن يهديهم على يده.
(385) سئل فضيلة الشيخ: عن الموالاة والمعاداة ؟ وعن حكم هجر المسلم؟
فأجاب بقوله : إن الموالاة والمعاداة يجب أن تكون لله عز وجل، فإن من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فقد سلك الطريق التي بها تنال ولاية الله عز وجل، أما من كانت ولايته ومعاداته وحبه وبغضه للهوى، أو للتقليد الأعمى، فقد حرم خيرا كثيرا، وربما يقع في أمر كبير، فقد يعادي وليا من أولياء الله عز وجل، فيكون حربا لله تعالى، كما في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « قال الله عز وجل: من عادى لي وليا فقد آذنته في الحرب » ..." الحديث.
وربما يحب ويوالي عدوا من أولياء الله عز وجل، فيقع في أمر كبير وخطر عظيم كما قال الله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } .

(3/15)


--------------------------------------------------------------------------------

وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ }، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } .

وهجر المسلم في الأصل حرام، بل من كبائر الذنوب إذا زاد على ثلاثة أيام، فقد صح عن النبي - أنه قال: « لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام » . متفق عليه، وروى أبو داود والنسائي بإسناده قال المنذري : إنه على شرط البخاري وسلم: « فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار » .

ومن المعلوم أن المسلم لا يخرج عن الإسلام بالمعاصي وإن عظمت، ما لم تكن كفرا، وعلى هذا فلا يحل هجر أصحاب المعاصي، إلا أن يكون في هجرهم مصلحة بإقلاعهم عنها، وردع غيرهم عنها؛ لأن المسلم العاصي ولو كانت معصيته كبيرة أخ لك؛ فيدخل في قوله -: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث..." ومن الأدلة على أن العاصي أخ للمطيع، وإن عظمت معصيته قوله تعالى فيمن قتل مؤمنا عمدا: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } . فجعل الله القاتل عمدا أخا للمقتول، مع أن القتل -قتل المؤمن عمدا- من أعظم الكبائر، وقوله تعالى في الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } . إلى قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } . فلم يخرج الله الطائفتين المقتتلتين من الإيمان، ولا من الأخوة الإيمانية.

فإن كان في الهجر مصلحة، أو زوال مفسدة، بحيث يكون رادعا لغير

(3/16)


--------------------------------------------------------------------------------

العاصي عن المعصية أو موجبا، لإقلاع العاصي عن معصيته كان الهجر حينئذ جائزا، بل مطلوبا طلبا لازما، أو مرغبا فيه، حسب عظم المعصية التي هجر من أجلها، ودليل ذلك قصة كعب بن مالك وصاحبيه -رضي الله عنهم- وهم الثلاثة الذين خلفوا؛ فقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهجرهم، ونهى عن تكليمهم، فاجتنبهم الناس، حتى إن كعبا -رضي الله عنه-دخل على ابن عمه أبي قتادة -رضي الله عنه- وهو أحب الناس إليه، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، فصار بهذا الهجر من المصلحة العظيمة لهؤلاء الثلاثة من الرجوع إلى الله -عز وجل-، والتوبة النصوح والابتلاء العظيم، ولغيرهم من المسلمين ما ترجحت به مصلحة الهجر على مصلحة الوصل.
أما اليوم، فإن كثيرا من أهل المعاصي لا يزيدهم الهجر إلا مكابرة وتماديا في معصيتهم، ونفورا وتنفيرا عن أهل العلم والإيمان؛ فلا يكون في هجرهم فائدة لهم ولا لغيرهم.
وعلى هذا فنقول: إن الهجر دواء يستعمل حيث كان فيه الشفاء، وأما إذا لم يكن فيه شفاء أو كان فيه إشفاء، وهو الهلاك فلا يستعمل.
فأحوال الهجر ثلاث:
إما أن تترجح مصلحته فيكون مطلوبا.
وإما أن تترجح مفسدته فينهى عنه بلا شك.
وإما أن لا يترجح هذا ولا هذا، فالأقرب النهي عنه؛ لعموم قول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة » .
أما الكفار المرتدون فيجب هجرهم والبعد عنهم، وأن لا يجالسوا ولا يواكلوا، إذا قام الإنسان بنصحهم ودعوتهم إلى الرجوع إلى الإسلام فأبوا،

(3/17)


--------------------------------------------------------------------------------

وذلك لأن المرتد لا يقر على ردته، بل يدعى إلى الرجوع إلى ما خرج منه، فإن أبى وجب قتله، وإذا قتل على ردته، فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يرمى بثيابه، ورجس دمه في حفرة بعيدا عن المقابر الإسلامية في مكان غير مملوك.

وأما الكفار غير المرتدين فلهم حق القرابة إن كانوا من ذوي القربى، كما قال تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ }، وقال في الأبوين الكافرين المشركين: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } .

(386) سئل فضيلة الشيخ: عما زعمه أحد الوعاظ في مسجد من مساجد أوربا، من أنه لا يجوز تكفير اليهود والنصارى؟

فأجاب بقوله : أقول: إن هذا القول الصادر عن هذا الرجل ضلال، وقد يكون كفرا، وذلك لأن اليهود والنصارى كفرهم الله -عز وجل- في كتابه، قال الله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }، فدل ذلك على أنهم مشركون، وبين الله تعالى في آيات أخرى ما هو صريح بكفرهم:

{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } .

(3/18)


--------------------------------------------------------------------------------

{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } .
{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } .
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } .
والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكذبوه، فقد كذب الله -عز وجل- وتكذيب الله كفر، ومن شك في كفرهم فلا شك في كفره هو.
ويا سبحان الله كيف يرضى هذا الرجل أن يقول: إنه لا يجوز إطلاق الكفر على هؤلاء، وهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة؟ وقد كفرهم خالقهم -عز وجل-، وكيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وهم يقولون: إن المسيح ابن الله، ويقولون: يد الله مغلولة، ويقولون: إن الله فقير ونحن أغنياء؟ !
كيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء، وأن يطلق كلمة الكفر عليهم، وهم يصفون ربهم بهذه الأوصاف السيئة التي كلها عيب وشتم وسب؟ !
وإني أدعو هذا الرجل، أدعوه أن يتوب إلى الله -عز وجل- وأن يقرأ قول الله تعالى: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } وألا يداهن هؤلاء في كفرهم، وأن يبين لكل أحد أن هؤلاء كفار، وأنهم من أصحاب النار، قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي »

(3/19)


--------------------------------------------------------------------------------

« ولا نصراني من هذه الأمة -أي أمة الدعوة- ثم لا يتبع ما جئت به، أو قال: "لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار » .
فعلى هذا القائل أن يتوب إلى ربه من هذا القول العظيم الفرية، وأن يعلن إعلانا صريحا بأن هؤلاء كفرة، وأنهم من أصحاب النار، وأن الواجب عليهم أن يتبعوا النبي الأمي محمدا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } وهو بشارة عيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام.
فقد قال عيسى ابن مريم ما حكاه ربه عنه: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } .
لما جاءهم من...؟ من الذي جاءهم...؟ المبشر به أحمد، لما جاءهم بالبينات قالوا: هذا سحر مبين، وبهذا نرد دعوى أولئك النصارى الذين قالوا: إن الذي بشر به عيسى هو أحمد لا محمد، فنقول: إن الله قال: { فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } . ولم يأتكم بعد عيسى إلا محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحمد هو أحمد، لكن الله ألهم عيسى أن يسمي محمدا بأحمد؛ لأن أحمد اسم تفضيل من الحمد، فهو أحمد الناس لله، وهو أحمد الخلق

(3/20)


--------------------------------------------------------------------------------

في الأوصاف كاملة، فهو عليه الصلاة والسلام أحمد الناس لله، جعلا لصيغة التفضيل من باب اسم الفاعل، وهو أحمد الناس، بمعنى أحق الناس أن يحمد، جعلا لصيغة التفضيل من باب اسم المفعول، فهو حامد ومحمود على أكمل صيغة الحمد الدال عليها أحمد .
وإني أقول: إن كل من زعم أن في الأرض دينا يقبله الله سوى دين الإسلام، فإنه كافر لا شك في كفره؛ لأن الله -عز وجل- يقول في كتابه: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ويقول -عز وجل-: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } .
وعلى هذا -وأكررها مرة ثالثة- على هذا القائل أن يتوب إلى الله -عز وجل- وأن يبين للناس جميعا أن هؤلاء اليهود والنصارى كفار؛ لأن الحجة قد قامت عليهم وبلغتهم الرسالة، ولكنهم كفروا عنادا.
ولقد كان اليهود يوصفون بأنهم مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق وخالفوه، وكان النصارى يوصفون بأنهم ضالون؛ لأنهم أرادوا الحق فضلوا عنه، أما الآن فقد علم الجميع الحق وعرفوه، ولكنهم خالفوه وبذلك استحقوا جميعا أن يكونوا مغضوبا عليهم، وإني أدعو هؤلاء اليهود والنصارى إلى أن يؤمنوا بالله ورسله جميعا وأن يتبعوا محمدا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن هذا هو الذي أمروا به في كتبهم كما قال الله تعالى:

(3/21)


--------------------------------------------------------------------------------

{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } .
وليأخذوا من الأجر بنصيبين، كما قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمد، وصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، » . الحديث.
ثم إني اطلعت بعد هذا على كلام لصاحب الإقناع في باب حكم المرتد قال فيه -بعد كلام سبق-: "أولم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر".
ونقل عن شيخ الإسلام قوله:
"من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، وأن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه

(3/22)


--------------------------------------------------------------------------------

أو أعانهم على فتحها، وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر".
وقال أيضا في موضع آخر:
" من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد".
وهذا يؤيد ما ذكرناه في صدر الجواب، وهذا أمر لا إشكال فيه. والله المستعان.

يوسف التازي
22-01-15, 12:15 AM
(387) وسئل فضيلة الشيخ: عن وصف الكفار بالصدق والأمانة وحسن العمل؟
فأجاب بقوله : هذه الأخلاق إن صحت مع أن فيهم الكذب والغدر والخيانة والسطو أكثر مما يوجد في بعض البلاد الإسلامية وهذا معلوم، لكن إذا صحت هذه، فإنها أخلاق يدعو إليها الإسلام، والمسلمون أولى أن يقوموا بها ليكسبوا بذلك حسن الأخلاق مع الأجر والثواب، أما الكفار فإنهم لا يقصدون بها إلا أمرا ماديا فيصدقون في المعاملة لجلب الناس إليهم.
لكن المسلم إذا تخلق بمثل هذه الأمور فهو يريد بالإضافة إلى الأمر المادي أمرا شرعيا، وهو تحقيق الإيمان والثواب من الله -عز وجل- وهذا هو الفارق بين المسلم والكافر.
أما ما زعم من الصدق في دول الكفر شرقية كانت أم غربية، فهذا إن صح فإنما هو نزر قليل من الخير في جانب كثير من الشر، ولو لم يكن من ذلك إلا أنهم أنكروا حق من حقه أعظم الحقوق، وهو الله -عز وجل-

(3/23)


--------------------------------------------------------------------------------

{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } . فهؤلاء مهما عملوا من الخير، فإنه نزر قليل مغمور في جانب سيئاتهم، وكفرهم، وظلمهم فلا خير فيهم.
(388) وسئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: عن حكم السفر إلى بلاد الكفار؟ وحكم السفر للسياحة؟
فأجاب قائلا : السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول : أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني : أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.
الشرط الثالث : أن يكون محتاجا إلى ذلك.
فإن لم تتم هذه الشروط، فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة، وفيه إضاعة المال؛ لأن الإنسان ينفق أموالا كثيرة في هذه الأسفار.
أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج أو تلقي علم لا يوجد في بلده، وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به.
وأما السفر للسياحة في بلاد الكفار، فهذا ليس بحاجة، وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن -والحمد لله- أصبحت بلادا سياحية في بعض المناطق، فبإمكانه أن يذهب إليها، ويقضي زمن إجازته فيها.

(3/24)


--------------------------------------------------------------------------------

(388) وسئل أيضا: عن حكم الإقامة في بلاد الكفار؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله : الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك، فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فساقا، وبعضهم رجع مرتدا عن دينه، وكافرا به وبسائر الأديان -والعياذ بالله- حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك، ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك.
فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين:
الشرط الأول : أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه، والحذر من الانحراف والزيغ، وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان، قال الله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } الآية. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ }

(3/25)


--------------------------------------------------------------------------------

، وثبت في الصحيح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « أن من أحب قوما فهو منهم، وأن المرء مع من أحب » .
ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرا على المسلم؛ لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم، ولذلك قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- « من أحب قوما فهو منهم » .
الشرط الثاني : أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة، ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ، قال في المغني ص457 جـ8 في الكلام على أقسام الناس في الهجرة: أحدها من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } . وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. اهـ.

(3/26)


--------------------------------------------------------------------------------

وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:
القسم الأول : أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه، فهذا نوع من الجهاد، فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة، وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها؛ لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين، وهي طريقة المرسلين، وقد أمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « بلغوا عني ولو آية » .
القسم الثاني : أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين، والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليحذر الناس من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله، المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه؛ لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل:
وبضدها تتبين الأشياء
لكن لا بد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه، فلا فائدة من إقامته، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام؛ وجب الكف لقوله تعالى: { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينا للمسلمين، ليعرف

(3/27)


--------------------------------------------------------------------------------

ما يدبرونه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق؛ ليعرف خبرهم.
القسم الثالث : أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة، وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر كموظفي السفارات، فحكمها حكم ما أقام من أجله، فالملحق الثقافي مثلا يقيم ليرعى شئون الطلبة، ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة ويندرئ بها شر كبير.
القسم الرابع : أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج، فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم رحمهم الله على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة، وأثروا ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
القسم الخامس : أن يقيم للدراسة، وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة، لكنها أخطر منها، وأشد فتكا بدين المقيم وأخلاقه، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم، والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم، فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه، فيؤدي ذلك إلى التودد إليه، ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال، والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم، ويتولاهم ويكتسب منهم، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله، فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط:
الشرط الأول : أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج

(3/28)


--------------------------------------------------------------------------------

العقلي الذي يميز به بين النافع والضار، وينظر به إلى المستقبل البعيد، فأما بعث الأحداث "الصغار السن"، وذوي العقول الصغيرة، فهو خطر عظيم على دينهم، وخلقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها، وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرا من أولئك المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في ديانتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.
الشرط الثاني : أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل، فيظنه حقا أو يلتبس عليه، أو يعجز عن دفعه، فيبقى حيران، أو يتبع الباطل.
وفي الدعاء المأثور: « اللهم أرني الحق حقا، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا، وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علي فأضل » .
الشرط الثالث : أن يكون عند الطالب دين يحميه، ويتحصن به من الكفر والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله، وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة، فإذا صادفت محلا ضعيف المقاومة عملت عملها.
الشرط الرابع : أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين، ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره، لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من

(3/29)


--------------------------------------------------------------------------------

أجله لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة.
القسم السادس : أن يقيم للسكن، وهذا أخطر مما قبله وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن، ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهله بين أهل الكفر، فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد، ولذلك جاء في الحديث عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله » . وهذا الحديث، وإن كان ضعيف السند لكن له وجهة من النظر، فإن المساكنة تدعو إلى المشاكلة، وعن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال لا تراءى نارهما » رواه أبو داود والترمذي، وأكثر الرواة رووه مرسلا عن قيس بن أبي حازم عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال الترمذي سمعت محمدا -يعني البخاري - يقول الصحيح حديث قيس عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرسل. اهـ.
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر، ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه، ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم، عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
هذا ما توصلنا إليه في حكم الإقامة في بلاد الكفر، نسأل الله أن يكون موافقا للحق والصواب.

يوسف التازي
22-01-15, 12:15 AM
) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم مخالطة الكفار ومعاملتهم بالرفق واللين طمعا في إسلامهم؟
فأجاب قائلا : لا شك أن المسلم يجب عليه أن يبغض أعداء الله، ويتبرأ منهم؛ لأن هذه هي طريقة الرسل وأتباعهم قال الله تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } وقال تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } وعلى هذا لا يحل لمسلم أن يقع في قلبه محبة ومودة لأعداء الله الذين هم أعداء له في الواقع، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ } .
أما كون المسلم يعاملهم بالرفق واللين طمعا في إسلامهم وإيمانهم، فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التأليف على الإسلام، ولكن إذا يئس منهم عاملهم بما يستحقون أن يعاملهم به، وهذا مفصل في كتب أهل العلم، ولا سيما كتاب "أحكام أهل الذمة" لابن القيم رحمه الله.

(3/31)


--------------------------------------------------------------------------------

(390) سئل فضيلة الشيخ: عن رجل أسلم وأحب الإسلام وأهله، ويبغض الشرك وأهله، وبقي في بلد يكره أهلها الإسلام ويحاربونه ويقاتلون المسلمين، ولكنه يشق عليه ترك الوطن فلم يهاجر، فما الحكم؟
فأجاب بقوله : هذا الرجل يحرم عليه بقاؤه في هذا البلد، ويجب عليه أن يهاجر؛ فإن لم يفعل فليرتقب قول الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا } فالواجب على هذا إذا كان قادرا على الهجرة أن يهاجر إلى بلد الإسلام، وحينئذ سوف ينسلخ من قلبه محبة البلد التي هاجر منها، وسوف يرغب في بلاد الإسلام، أما كونه لا يستطيع مفارقة بلد يحارب الإسلام وأهله، لمجرد أنها وطنه الأول، فهذا حرام، ولا يجوز له البقاء فيها.
(391) وسئل: عن حكم مخالطة المسلمين لغيرهم في أعيادهم؟
فأجاب قائلا : مخالطة غير المسلمين في أعيادهم محرمة لما في ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } . ولأن هذه الأعياد إن كانت

(3/32)


--------------------------------------------------------------------------------

لمناسبات دينية، فإن مشاركتهم فيها تقتضي إقرارهم على هذه الديانة والرضاء بما هم عليه من الكفر، وإذا كانت الأعياد لمناسبات غير دينية، فإنه لو كانت هذه الأعياد في المسلمين ما أقيمت، فكيف وهي في الكفار؟ لذلك قال أهل العلم: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشاركوا غير المسلمين في أعيادهم؛ لأن ذلك إقرار ورضا بما هم عليه من الدين الباطل، ثم إنه معاونة على الإثم والعدوان.
واختلف العلماء فيما إذا أهدى إليك أحد من غير المسلمين هدية بمناسبة أعيادهم، هل يجوز لك قبولها أو لا يجوز؟
فمن العلماء من قال: لا يجوز أن تقبل هديتهم في أعيادهم؛ لأن ذلك عنوان الرضاء بها، ومنهم من يقول: لا بأس به، وعلى كل حال إذا لم يكن في ذلك محظور شرعي، وهو أن يعتقد المهدي إليك أنك راض بما هم عليه، فإنه لا بأس بالقبول، وإلا فعدم القبول أولى.
وهنا يحسن أن نذكر ما قاله ابن القيم -رحمه الله- في كتاب أحكام أهل الذمة 1\205 "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب.. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك" اهـ.
(392) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم السلام على غير المسلمين؟

(3/33)


--------------------------------------------------------------------------------

فأجاب بقوله : البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه » ، ولكنهم إذا سلموا وجب علينا أن نرد عليهم؛ لعموم قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } ، « وكان اليهود يسلمون على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيقولون: "السام عليك يا محمد "، والسام بمعنى الموت، يدعون على رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالموت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن اليهود يقولون: السام عليكم، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم » .
فإذا سلم غير المسلم على المسلم، وقال: "السام عليكم" فإننا نقول: "وعليكم". وفي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وعليكم" دليل على أنهم إذا كانوا قد قالوا: السلام عليكم، فإن عليهم السلام، فكما قالوا نقول لهم، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن اليهودي أو النصراني أو غيرهم من غير المسلمين إذا قالوا بلفظ صريح: "السلام عليكم" جاز أن نقول: عليكم السلام.
ولا يجوز كذلك أن يبدءوا بالتحية كأهلا وسهلا وما أشبهها؛ لأن في ذلك إكراما لهم، وتعظيما لهم، ولكن إذا قالوا لنا مثل هذا، فإننا نقول لهم مثل ما يقولون؛ لأن الإسلام جاء بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن المعلوم أن المسلمين أعلى مكانة ومرتبة عند الله -عز وجل- فلا ينبغي أن يذلوا أنفسهم لغير المسلمين فيبدءوهم بالسلام.
إذا فنقول في خلاصة الجواب: لا يجوز أن يبدأ غير المسلمين بالسلام؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهى عن ذلك؛ ولأن في هذا إذلالا للمسلم، حيث يبدأ بتعظيم غير المسلم، والمسلم أعلى مرتبة عند

(3/34)


--------------------------------------------------------------------------------

الله -عز وجل- فلا ينبغي أن يذل نفسه في هذا، أما إذا سلموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلموا.
وكذلك أيضا لا يجوز أن نبدأهم بالتحية مثل أهلا وسهلا ومرحبا وما أشبه ذلك، لما في ذلك من تعظيمهم، فهو كابتداء السلام عليهم.
(393) وسئل -حفظه الله تعالى -: عن حكم السلام على المسلم بهذه الصيغة "السلام على من اتبع الهدى "؟ وكيف يسلم الإنسان على أهل محل فيهم المسلم والكافر؟
فأجاب قائلا : لا يجوز أن يسلم الإنسان على المسلم بقوله: "السلام على من اتبع الهدى" لأن هذه الصيغة إنما قالها الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين كتب إلى غير المسلمين، وأخوك المسلم قل له: السلام عليكم، أما أن تقول: "السلام على من اتبع الهدى" فمقتضى هذا أن أخاك هذا ليس ممن اتبع الهدى.
وإذا كانوا مسلمين ونصارى، فإنه يسلم عليهم بالسلام المعتاد، يقول: السلام عليكم، يقصد بذلك المسلمين.
(394) سئل فضيلة الشيخ -أعلى الله درجته في دار كرامته-: هل يجوز لنا أن نبدأ الكفار بالسلام؟ وكيف نرد عليهم إذا سلموا علينا؟
فأجاب بقوله : إن هؤلاء الذين يأتوننا من الشرق ومن الغرب ممن ليسوا مسلمين، لا يحل لنا أن نبدأهم بالسلام؛ لأن النبي -صلى الله عليه

(3/35)


--------------------------------------------------------------------------------

وسلم- قال: « لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام » . رواه مسلم في صحيحه.
وإذا سلموا علينا، فإننا نرد عليهم بمثل ما سلموا علينا به؛ لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } وسلامهم علينا بالتحية الإسلامية "السلام عليكم" لا يخلو من حالين:
الحال الأولى : أن يفصحوا باللام فيقولوا: "السلام عليكم"، فلنا أن نقول:
عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم.
الحال الثانية : إذا لم يفصحوا باللام مثل أن يقولوا: "السام عليكم"، فإننا نقول: "وعليكم" فقط، وذلك لأن اليهود كانوا يأتون إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيسلمون عليه بقولهم: "السام عليكم" غير مفصحين باللام؛ والسام هو الموت، يريدون الدعاء على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالموت؛ فأمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن نقول لهم: "وعليكم"، فإذا كانوا قالوا: "السام عليكم" فإننا نقول: "وعليكم" يعني أنتم أيضا عليكم السام، هذا هو ما دلت عليه السنة.
وأما أن نبدأهم نحن بالسلام، فإن هذا قد نهانا عنه نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(395) سئل فضيلة الشيخ: إذا سلم الكافر على المسلم فهل يرد عليه؟ وإذا مد يده للمصافحة فما الحكم؟ وكذلك خدمته بإعطائه الشاي وهو على الكرسي؟

(3/36)


--------------------------------------------------------------------------------

فأجاب فضيلته بقوله : إذا سلم الكافر على المسلم سلاما بينا واضحا، فقال: السلام عليكم، فإنك تقول: عليك السلام؛ لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } ، أما إذا لم يكن بينا واضحا، فإنك تقول: وعليك. وكذلك لو كان سلامه واضحا؛ يقول فيه: السام عليكم، يعني الموت، فإنه يقال: وعليك.
فالأقسام ثلاثة :
الأول : أن يقول بلفظ صريح: "السام عليكم"؛ فيجاب: "وعليكم".
الثاني : أن نشك هل قال: "السام" أو قال: "السلام"، فيجاب: "وعليكم".
الثالث : أن يقول بلفظ صريح: "السلام عليكم". فيجاب: "عليكم السلام"؛ لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } .
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } ، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئا من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنما أمر بالاقتصار على قول الراد: وعليكم، على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في

(3/37)


--------------------------------------------------------------------------------

تحيتهم، ثم قال ابن القيم : والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ، فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور، لا فيما يخالفه، قال الله تعالى: { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } ، فإذا زال هذا السبب، وقال الكتابي: سلام عليكم ورحمة الله، فالعدل في التحية أن يرد عليه نظير سلامه. اهـ. 200\1 أحكام أهل الذمة. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليك » . والسام هو الموت.
وإذا مد يده إليك للمصافحة، فمد يدك إليه، وإلا فلا تبدأه.
وأما خدمته بإعطائه الشاي، وهو على الكرسي فمكروه، لكن ضع الفنجال على الماصة، ولا حرج.
(396) سئل فضيلة الشيخ: ورد في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال : « لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه » ، أليس في العمل بهذا تنفير عن الدخول في الإسلام؟
فأجاب بقوله : يجب أن نعلم أن أسد الدعاة في الدعوة إلى الله هو النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأن أحسن المرشدين إلى الله هو النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإذا علمنا ذلك، فإن أي فهم نفهمه من كلام الرسول

(3/38)


--------------------------------------------------------------------------------

-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكون مجانبا للحكمة، يجب علينا أن نتهم هذا الفهم، وأن نعلم أن فهمنا لكلام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خطأ، لكن ليس معنى ذلك أن نقيس أحاديث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما ندركه من عقولنا، وأفهامنا؛ لأن عقولنا وأفهامنا قاصرة، لكن هناك قواعد عامة في الشريعة يرجع إليها في المسائل الخاصة الفردية.
فالنبي، عليه الصلاة والسلام، يقول: « لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه » والمعنى: لا تتوسعوا لهم إذا قابلوكم، حتى يكون لهم السعة، ويكون الضيق عليكم، بل استمروا في اتجاهكم وسيركم، واجعلوا الضيق إن كان هناك ضيق على هؤلاء، ومن المعلوم أن هدى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس إذا رأى الكافر ذهب يزحمه إلى الجدار حتى يرصه على الجدار، ما كان النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يفعل هذا باليهود في المدينة ولا أصحابه يفعلونه بعد فتوح الأمصار.
فالمعنى أنكم كما لا تبدءونهم بالسلام، لا تفسحوا لهم، فإذا لقوكم فلا تتفرقوا حتى يعبروا، بل استمروا على ما أنتم عليه، واجعلوا الضيق عليهم إن كان في الطريق ضيق، وليس في الحديث تنفير عن الإسلام، بل فيه إظهار لعزة المسلم، وأنه لا يذل لأحد إلا لربه عز وجل.
(397) سئل فضيلة الشيخ: شخص يعمل مع الكفار، فبماذا تنصحونه؟
فأجاب بقوله : ننصح هذا الأخ الذي يعمل مع الكفار، أن يطلب عملا ليس فيه أحد من أعداء الله ورسوله ممن يدينون بغير

(3/39)


--------------------------------------------------------------------------------

الإسلام، فإذا تيسر فهذا هو الذي ينبغي، وإن لم يتيسر فلا حرج عليه؛ لأنه في عمله وهم في عملهم، ولكن بشرط أن لا يكون في قلبه مودة لهم ومحبة وموالاة، وأن يلتزم ما جاء به الشرع فيما يتعلق بالسلام عليهم ورد السلام ونحو هذا، وكذلك أيضا لا يشيع جنائزهم، ولا يحضرها، ولا يشهد أعيادهم، ولا يهنئهم بها.
(398) سئل فضيلة الشيخ: كيف نستفيد مما عند الكفار دون الوقوع في المحظور؟ وهل للمصالح المرسلة دخل في ذلك؟
فأجاب -رفع الله درجته- بقوله : الذي يفعله أعداء الله وأعداؤنا، وهم الكفار ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول : عبادات.
القسم الثاني : عادات.
القسم الثالث : صناعات وأعمال.
أما العبادات : فمن المعلوم، أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتشبه بهم في عباداتهم، ومن تشبه بهم في عباداتهم، فإنه على خطر عظيم، فقد يكون ذلك مؤديا إلى كفره، وخروجه من الإسلام.
وأما العادات : كاللباس وغيره، فإنه يحرم أن يتشبه بهم لقول النبي صلى الله عليكم وسلم: « من تشبه بقوم فهو منهم » .
وأما الصناعات والحرف : التي فيها مصالح عامة، فلا حرج أن نتعلم مما صنعوه ونستفيد منه، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبها بهم.
وأما قول السائل : "وهل للمصالح المرسلة دخل في ذلك؟".

(3/40)


--------------------------------------------------------------------------------

فنقول: إن المصالح المرسلة لا ينبغي أن تجعل دليلا مستقلا، بل نقول: هذه المصالح المرسلة إن تحققنا أنها مصلحة، فقد شهد لها الشرع بالصحة والقبول وتكون من الشرع، وإن شهد لها بالبطلان، فإنها ليست مصالح مرسلة، ولو زعم فاعلها أنها مصالح مرسلة، وإن كان لا هذا ولا هذا، فإنها ترجع إلى الأصل؛ إن كانت من العبادات، فالأصل في العبادات الحظر، وإن كانت من غير العبادات، فالأصل فيها الحل، وبهذا يتبين أن المصالح المرسلة ليست دليلا مستقلا.
(399) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم استقدام العمال الكفار؟ وحكم تقديم الطعام لهم؟
فأجاب -جزاه الله عنا خير الجزاء- بقوله : المسلمون خير من الكافرين؛ لقول الله تعالى: { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } . ولكن لا بأس من استقدام غير المسلمين للحاجة.
وأما تقديم الطعام لهم، فإن كان على سبيل الخدمة بأن يكون يخدمهم في بيتهم ونحوه، فلا ينبغي بل ذكر فقهاؤنا كراهة ذلك، وإن كان على غير هذا الوجه مثل أن تقدمه لهم من بيتك، فلا حرج فيه؛ لأن الحاجة داعية له.
(400) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية؟
فأجاب فضيلته بقوله : استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية

(3/41)


--------------------------------------------------------------------------------

أخشى أن يكون من المشاقة لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حيث صح عنه كما في صحيح البخاري « أنه قال في مرض موته: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب » ، وفي صحيح مسلم أنه قال: « لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما » .
لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلما يقوم بتلك الحاجة جائز، بشرط أن لا يمنحوا إقامة مطلقة.
وحيث قلنا: جائز، فإنه إن ترتب على استقدامهم مفاسد دينية في العقيدة أو الأخلاق صار حراما؛ لأن الجائز إذا ترتب عليه مفسدة صار محرما تحريم الوسائل كما هو معلوم، ومن المفاسد المترتبة على ذلك ما يخشى من محبتهم، والرضا بما هم عليه من الكفر، وذهاب الغيرة الدينية بمخالطتهم، وفي المسلمين -ولله الحمد- خير وكفاية، نسأل الله الهداية والتوفيق.
(401) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول: أخي لغير المسلم؟ وكذلك قول: صديق ورفيق؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟
فأجاب بقوله : أما قول: "يا أخي" لغير المسلم، فهذا حرام، ولا يجوز إلا أن يكون أخا له من النسب أو الرضاع، وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع لم يبق إلا أخوة الدين، والكافر ليس أخا للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح : { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } .

(3/42)


--------------------------------------------------------------------------------

وأما قول: "صديق رفيق" ونحوهما، فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم، فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها توددا وتقربا منهم، فقد قال الله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } . فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة، لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدا من الكفار.
وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم، لا يجوز كما علمت من الآية الكريمة.
(402) سئل فضيلة الشيخ: عن وصف الكافر بأنه أخ؟
فأجاب بقوله : لا يحل للمسلم أن يصف الكافر-أيا كان نوع كفره؛ سواء كان نصرانيا، أم يهوديا، أم مجوسيا، أم ملحدا- لا يجوز له أن يصفه بالأخ أبدا، فاحذر يا أخي مثل هذا التعبير، فإنه لا أخوة بين المسلمين وبين الكفار أبدا، الأخوة هي الأخوة الإيمانية كما قال الله -عز وجل-: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } . وإذا كانت قرابة النسب تنتفي باختلاف الدين، فكيف تثبت الأخوة مع اختلاف الدين وعدم القرابة؟ قال الله -عز وجل- عن نوح وابنه لما قال نوح عليه الصلاة والسلام: { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } .
فلا أخوة بين المؤمن والكافر أبدا، بل الواجب على المؤمن ألا يتخذ الكافر وليا كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ } .

(3/43)


--------------------------------------------------------------------------------

فمن هم أعداء الله؟ أعداء الله هم الكافرون، قال الله تعالى: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } .
وقال سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .
(403) سئل فضيلة الشيخ: إذا وجد الإنسان شخصا غير مسلم في الطريق وطلب إيصاله فما الحكم؟ وهل يجوز الأكل مما مسته أيدي الكفار؟
فأجاب بقوله : إذا وجدت شخصا غير مسلم في الطريق، فلا حرج عليك أن تركبه؛ لأن الله يقول: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } .
أما الأكل مما مسته أيدي الكفار فجائز؛ لأن نجاسة الكافر نجاسة معنوية لا حسية.
(404) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تهنئة الكفار بعيد الكريسمس؟ وكيف نرد عليهم إذا هنئونا به؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل

(3/44)


--------------------------------------------------------------------------------

يأثم الإنسان إذا فعل شيئا مما ذكر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملة أو حياء أو إحراجا أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التشبه بهم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله : تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "أحكام أهل الذمة"، حيث قال: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن تهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله، وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه". انتهى كلامه رحمه الله.
وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراما، وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم؛ لأن فيها إقرارا لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضا به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر، أو يهنئ بها غيره؛ لأن الله تعالى لا يرضى بذلك، كما قال الله تعالى: { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ } . وقال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } . وتهنئتهم

(3/45)


--------------------------------------------------------------------------------

بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا.
وإذا هنئونا بأعيادهم، فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى؛ لأنها إما مبتدعة في دينهم، وإما مشروعة، لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمدا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى جميع الخلق، وقال فيه: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .
وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها، لما في ذلك من مشاركتهم فيها.
وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك، لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « من تشبه بقوم فهو منهم » . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم): "مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم، بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء". انتهى كلامه رحمه الله.
ومن فعل شيئا من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة، أو توددا، أو حياء أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم.
والله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم، إنه قوي عزيز.

(3/46)


--------------------------------------------------------------------------------

(405) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: هل يجوز الذهاب إلى القس للتهنئة بسلامة الوصول والعودة؟
فأجاب -رحمه الله- بقوله : لا يجوز الذهاب إلى أحد من الكفار عند قدومه للتهنئة بوصوله، والسلام عليه؛ لأنه ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: « لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام » .
وأما ذهاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لليهودي الذي كان مريضا؛ فإن هذا اليهودي كان غلاما يخدم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما مرض عاده النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليعرض عليه الإسلام، فعرضه عليه فأسلم، فأين هذا الذي يعوده ليعرض عليه الإسلام من شخص زار قسا؛ ليهنئه بسلامة الوصول، ويرفع من معنويته؟ ! لا يمكن أن يقيس هذا على ذاك إلا جاهل أو صاحب هوى.
(406) وسئل فضيلة الشيخ: عن مقياس التشبه بالكفار؟
فأجاب بقوله : مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين، وصار لا يتميز به الكفار؛ فإنه لا يكون تشبها، فلا يكون حراما من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرما من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة، وقد صرح بمثله صاحب الفتح حيث قال ص272 ج10 "وقد كره بعض السلف ليس البرنس؛ لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال: كان يلبس هاهنا ". اهـ. قلت: لو استدل مالك « بقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين سئل ما يلبس المحرم، فقال: »

(3/47)


--------------------------------------------------------------------------------

« "لا يلبس القمص، ولا السراويل، ولا البرانس » الحديث؛ لكان أولى.
وفي الفتح أيضا ص307 جـ1: وإن قلنا: النهي عنها (أي عن المياثر الأرجوان) من أجل التشبه بالأعجام فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة. والله أعلم. اهـ.
(407) سئل فضيلة الشيخ: يدعي بعض الناس، أن سبب تخلف المسلمين، هو تمسكهم بدينهم، وشبهتهم في ذلك، أن الغرب لما تخلوا عن جميع الديانات وتحرروا منها، وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم الحضاري، وربما أيدوا شبهتهم بما عند الغرب من الأمطار الكثيرة والزروع؛ فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب بقوله : هذا الكلام لا يصدر إلا من ضعيف الإيمان، أو مفقود الإيمان، جاهل بالتاريخ، غير عالم بأسباب النصر، فالأمة الإسلامية لما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كان لها العزة والتمكين، والقوة، والسيطرة في جميع نواحي الحياة، بل إن بعض الناس يقول: إن الغرب لم يستفيدوا ما استفادوه من العلوم إلا ما نقلوه عن المسلمين في صدر الإسلام، ولكن الأمة الإسلامية تخلفت كثيرا عن دينها، وابتدعت في دين الله ما ليس منه، عقيدة، وقولا، وفعلا، وحصل بذلك التأخر الكبير، والتخلف الكبير، ونحن نعلم علم اليقين ونشهد الله -عز وجل- إننا لو رجعنا إلى ما كان عليه أسلافنا في ديننا، لكانت لنا العزة، والكرامة، والظهور على جميع الناس، ولهذا لما حدث " أبو سفيان " " هرقل "

(3/48)


--------------------------------------------------------------------------------

ملك الروم - والروم في ذلك الوقت تعتبر دولة عظمى- بما عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؛ قال: "إن كان ما تقول حقا، فسيملك ما تحت قدمي هاتين"، ولما خرج أبو سفيان وأصحابه من عند " هرقل " قال: " لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ".
وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه، لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم، بل قال الله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } . وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } . وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } . وقال تعالى: { وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ } . إلى غير ذلك من الآيات التي تعلن إعلانا ظاهرا للإنسان أن يكتسب ويعمل وينتفع، لكن لا على حساب الدين، فهذه الأمم الكافرة هي كافرة من الأصل، دينها الذي كانت تدعيه دين باطل، فهو وإلحادها على حد سواء، لا فرق. فالله سبحانه وتعالى يقول: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } . وإن كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم بعض

(3/49)


--------------------------------------------------------------------------------

المزايا التي يخالفون غيرهم فيها، لكن بالنسبة للآخرة هم وغيرهم سواء، ولهذا أقسم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه لا يسمع به من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يتبع ما جاء به، إلا كان من أصحاب النار، فهم من الأصل كافرون، سواء انتسبوا إلى اليهودية، أو النصرانية، أم لم ينتسبوا إليها.
وأما ما يحصل لهم من الأمطار وغيرها، فهم يصابون بهذا ابتلاء من الله تعالى وامتحانا، وتعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، كما « قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب، وقد رآه قد أثر في جنبه حصير، فبكى عمر . فقال: يا رسول الله، فارس والروم يعيشون فيما يعيشون فيه من النعيم، وأنت على هذه الحال. فقال: "يا عمر، هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة » . ثم إنهم يأتيهم من القحط، والبلايا، والزلازل، والعواصف المدمرة ما هو معلوم، وينشر دائما في الإذاعات، وفي الصحف، وفي غيرها، ولكن من وقع السؤال عنه أعمى، أعمى الله بصيرته، فلم يعرف الواقع، ولم يعرف حقيقة الأمر، ونصيحتي له أن يتوب إلى الله -عز وجل- عن هذه التصورات قبل أن يفاجئه الموت، وأن يرجع إلى ربه، وأن يعلم أنه لا عزة لنا، ولا كرامة، ولا ظهور، ولا سيادة إلا إذا رجعنا إلى دين الإسلام، رجوعا حقيقيا يصدقه القول والفعل، وأن يعلم أن ما عليه هؤلاء الكفار باطل ليس بحق، وأن مأواهم النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله، صلى الله عليه سلم، وأن هذا الإمداد الذي أمدهم الله به من النعم ما هو إلا ابتلاء وامتحان، وتعجيل طيبات، حتى إذا هلكوا وفارقوا هذا النعيم إلى الجحيم ازدادت عليه الحسرة والألم والحزن، وهذا من

(3/50)


--------------------------------------------------------------------------------

حكمة الله -عز وجل- بتنعيم هؤلاء، على أنهم كما قلت لم يسلموا من الكوارث التي تصيبهم من الزلازل، والقحط، والعواصف، والفيضانات وغيرها، فأسأل الله لهذا السائل الهداية والتوفيق، وأن يرده إلى الحق، وأن يبصرنا جميعا في ديننا، إنه جواد كريم.
(408) سئل فضيلة الشيخ: هل يمكن أن يصل المسلم في هذا العصر إلى ما وصل إليه الصحابة من الالتزام بدين الله؟
فأجاب بقوله : أما الوصول إلى مرتبة الصحابة فهذا غير ممكن؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم » .
وأما إصلاح الأمة الإسلامية حتى تنتقل عن هذا الوضع الذي هي عليه، فهذا ممكن، والله على كل شيء قدير، وقد ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك » . ولا ريب أن الأمة الإسلامية في الوضع الحالي في وضع مزر، بعيدة عما يريده الله منها من الإجماع على دين الله، والقوة في دين الله؛ لأن الله يقول: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } .
(409) سئل فضيلة الشيخ: هل يعتبر الشيعة في حكم الكفار؟ وهل ندعو الله تعالى أن ينصر الكفار عليهم؟

(3/51)


--------------------------------------------------------------------------------

فأجاب بقوله : الكفر حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله، فما دل الكتاب والسنة على أنه كفر فهو كفر، وما دل الكتاب والسنة على أنه ليس بكفر فليس بكفر، فليس على أحد بل ولا له أن يكفر أحدا حتى يقوم الدليل من الكتاب والسنة على كفره. وإذا كان من المعلوم أنه لا يملك أحد أن يحلل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، أو يوجب ما لم يوجبه الله تعالى إما في الكتاب أو السنة، فلا يملك أحد أن يكفر من لم يكفره الله إما في الكتاب وإما في السنة.
ولا بد في التكفير من شروط أربعة :
الأول : ثبوت أن هذا القول، أو الفعل، أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب أو السنة.
الثاني : ثبوت قيامه بالمكلف.
الثالث : بلوغ الحجة.
الرابع : انتفاء مانع التكفير في حقه.

يوسف التازي
22-01-15, 12:18 AM
فإذا لم يثبت أن هذا القول، أو الفعل، أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإنه لا يحل لأحد أن يحكم بأنه كفر؛ لأن ذلك من القول على الله بلا علم، وقد قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وقال: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } .
وإذا لم يثبت قيامه بالمكلف، فإنه لا يحل أن يرمى به بمجرد الظن

(3/52)


--------------------------------------------------------------------------------

لقوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } . الآية، ولأنه يؤدي إلى استحلال دم المعصوم بلا حق.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما؛ إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه » هذا لفظ مسلم .
وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: « لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك » . أخرجه البخاري، ولمسلم معناه.
وإذا لم تبلغه الحجة، فإنه لا يحكم بكفره؛ لقوله تعالى: { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } . وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } . وقوله تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } إلى قوله: { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } . وقوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: « والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة -يعني أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني ثم يموت، ولم يؤمن بالذي »

(3/53)


--------------------------------------------------------------------------------

« أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار » .
لكن إن كان من لم تبلغه الحجة لا يدين بدين الإسلام، فإنه لا يعامل في الدنيا معاملة المسلم، وأما في الآخرة، فأصح الأقوال فيه أن أمره إلى الله تعالى.
وإذا تمت هذه الشروط الثلاثة أعني ثبوت أن هذا القول، أو الفعل أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، وأنه قام بالمكلف، وأن المكلف قد بلغته الحجة، ولكن وجد مانع التكفير في حقه، فإنه لا يكفر لوجود المانع.
فمن موانع التكفير:
الإكراه؛ فإذا أكره على الكفر فكفر، وكان قلبه مطمئنا بالإيمان، لم يحكم بكفره؛ لوجود المانع، وهو الإكراه؛ قال الله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
ومن موانع التكفير:
أن يغلق على المرء قصده، فلا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو خوف، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه »

(3/54)


--------------------------------------------------------------------------------

« وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ خطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح » .
فهذا الرجل أخطأ من شدة الفرح خطأ يخرج به عن الإسلام، لكن منع من خروجه منه أنه أغلق عليه قصده، فلم يدر ما يقول من شدة الفرح، فقد قصد الثناء على ربه؛ لكنه من شدة الفرح أتى بكلمة لو قصدها لكفر.
فالواجب الحذر من إطلاق الكفر على طائفة أو شخص معين، حتى يعلم تحقق شروط التكفير في حقه، وانتفاء موانعه.
إذا تبين ذلك؛ فإن الشيعة فرق شتى ذكر السفاريني في شرح عقيدته أنهم اثنتان وعشرون فرقة، وعلى هذا يختلف الحكم فيهم بحسب بعدهم من السنة، فكل من كان عن السنة أبعد كان إلى الضلال أقرب.
ومن فرقهم الرافضة الذين تشيعوا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم جميعا- تشيعا مفرطا في الغلو لا يرضاه علي بن أبي طالب ولا غيره من أئمة الهدى، كما جفوا غيره من الخلفاء جفاء مفرطا، ولا سيما الخليفتان أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- فقد قالوا فيهما شيئا لم يقله فيهما أحد من فرق الأمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 3\356 من مجموع ابن قاسم :
" وأصل قول الرافضة أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نص على علي -يعني في الخلافة- نصا قاطعا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين، وغيروا الشريعة، وظلموا واعتدوا، بل

(3/55)


--------------------------------------------------------------------------------

كفروا إلا نفرا قليلا، إما بضعة عشره، أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالوا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا، وأكثرهم يكفر من خالف قولهم، ويسمون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفارا، ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة والباطنية وأمثالهم". اهـ. وانظر قوله فيهم أيضا في المجموع المذكور4\428- 429.
وقال في كتابه القيم: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ص951 تحقيق الدكتور ناصر العقل :
"والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه، فيعطلونها من الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها". اهـ.
وانظر ما كتبه محب الدين الخطيب في رسالته "الخطوط العريضة" فقد نقل عن كتاب "مفاتيح الجنان" من دعائهم ما نصه: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وابنتيهما" قال: ويعنون بهما وبالجبت والطاغوت أبا بكر وعمر، ويريدون بابنتيهما أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين حفصة رضي الله عن الجميع.
ومن قرأ التاريخ علم أن للرافضة يدا في سقوط بغداد، وانتهاء الخلافة الإسلامية فيها حيث سهلوا للتتار دخولها، وقتل التتار من العامة والعلماء أمما كثيرة، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "منهاج

(3/56)


--------------------------------------------------------------------------------

السنة" أنهم هم الذين سعوا في مجيء التتر إلى بغداد دار الخلافة حتى قتل الكفار -يعني التتر- من المسلمين ما لا يحصيه إلا الله تعالى من بني هاشم وغيرهم، وقتلوا بجهات بغداد ألف ألف وثمانمائة ألف، ونيفا وسبعين ألفا، وقتلوا الخليفة العباسي، وسبوا النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين. اهـ. 4\592. تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
ومن عقيدة الرافضة : "التقية" وهي أن يظهر خلاف ما يبطن، ولا شك أن هذا نوع من النفاق، يغتر به من يغتر من الناس.
والمنافقون أضر على الإسلام من ذوي الكفر الصريح، ولهذا أنزل الله تعالى فيهم سورة كاملة كان من هدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يقرأ بها في صلاة الجمعة؛ لإعلان أحوال المنافقين، والتحذير منهم في أكبر جمع أسبوعي وأكثره، وقال فيها عن المنافقين: { هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ } .
وأما قول السائل: هل يدعو المسلم الله أن ينصر الكفار عليهم؟
فجوابه: أن الأولى والأجدر بالمؤمن أن يدعو الله تعالى أن يخذل الكافرين وينصر المؤمنين الصادقين، الذين يقولون بقلوبهم وألسنتهم ما ذكر الله عنه في قوله: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } . ويتولون أصحاب رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- معترفين لكل واحد بفضله، منزلين كل واحد منزلته من غير إفراط ولا تفريط، نسأل الله تعالى أن يجمع كلمة المؤمنين على الحق، وأن ينصرهم على من سواهم.

(3/57)


--------------------------------------------------------------------------------

(410) سئل فضيلة الشيخ: يكره بعض الناس اسم " علي " و" الحسين " ونحوه وينفر منها، وذلك لتعظيم الرافضة لتلك الأسماء، فما جوابكم حفظكم الله تعالى؟
فأجاب بقوله : جوابي على هذا أن البدعة لا تقابل ببدعة، فإذا كان طائفة من أهل البدع يغلون في مثل هذه الأسماء، ويتبركون بها، فلا يجوز أن نقابلهم ببدعة؛ فننفر من هذه الأسماء ونكرهها، بل نقول: إن الأسماء لا تغير شيئا عما كان عليه الإنسان، فكم من إنسان يسمى باسم طيب حسن، وهو -أعني المسمى به- من أسوأ الناس، كم من إنسان يسمى عبد الله، وهو من أشد الناس استكبارا، وكم من إنسان يسمى محمدا، وهو من أعظم الناس ذما، وكم من إنسان يسمى عليا وهو نازل سافل، فالمهم أن الاسم لا يغير شيئا، لكن لا شك أن تحسين الاسم من الأمور المطلوبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام،: « أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام » .
(411) وسئل جزاه الله خيرا: عن مدرس يدرس مذهب أبي حنيفة رحمه الله، ويعلم تلاميذه الصوفية، والمدائح النبوية؛ فاعترض عليه طالب من الطلبة، فقيل: إنه وهابي، والوهابية لا تقر المدائح النبوية.
فأجاب قائلا : الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد.
فإن هذا السؤال سؤال عظيم اشتمل على مسائل في أصول الدين، ومسائل

(3/58)


--------------------------------------------------------------------------------

تاريخية، ومسائل علمية.
أما المسائل العلمية : فإنه ذكر أنه يفقه تلامذته على مذهب الإمام أبي حنيفة، ولا ريب أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أحد المذاهب الأربعة المتبوعة المشهورة، ولكن ليعلم أن هذه المذاهب الأربعة لا ينحصر الحق فيها، بل الحق قد يكون في غيرها، فإن إجماعهم على حكم مسألة من المسائل ليس إجماعا للأمة، والأئمة أنفسهم رحمهم الله ما جعلهم الله أئمة لعباده إلا حيث كانوا أهلا للإمامة، حيث عرفوا قدر أنفسهم، وعلموا أنه لا طاعة لهم إلا فيما كان موافقا لطاعة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكانوا يحذرون عن تقليدهم إلا فيما وافق السنة، ولا ريب أن مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الإمام أحمد ومذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام مالك وغيرهم من أهل العلم، أنها قابلة لأن تكون خطأ وصوابا، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلى هذا فإنه لا حرج عليه أن يفقه تلامذته على مذهب الإمام أبي حنيفة، بشرط إذا تبين له الدليل بخلافه تبع الدليل وتركه، ووضح لطلبته أن هذا هو الحق، وأن هذا هو الواجب عليهم.
أما فيما يتعلق بمسألة الصوفية وغنائهم ومديحهم وضربهم بالدف، والتغبير التي يضربون الفراش ونحوه بالسوط، فما كان أكثر غبارا فهو أشد صدقا في الطلب، وما أشبه ذلك مما يفعلونه، فإن هذا من البدع المحرمة التي يجب عليه أن يقلع عنها، وأن ينهى أصحابه عنها، وذلك لأن خير القرون، وهم القرن الذين بعث فيهم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يتعبدوا لله بهذا التعبد؛ ولأن هذا التعبد لا يورث القلب إنابة إلى الله ولا انكسارا لديه، ولا خشوعا لديه، وإنما يورث انفعالات نفسية يتأثر بها

(3/59)


--------------------------------------------------------------------------------

الإنسان من مثل هذا العمل، كالصراخ وعدم الانضباط والحركة الثائرة وما أشبه ذلك، وكل هذا يدل على أن هذا التعبد باطل، وأنه ليس بنافع للعبد، وهو دليل واقعي غير الدليل الأثري الذي قال فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة » فهذا التعبد من الضلال المبين الذي يجب على العبد أن يقلع عنه، وأن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى ما كان عليه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وخلفاؤه الراشدون، فإن هديهم أكمل هدي، وطريقهم أحسن طريق، قال الله تعالى:
{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } .
ولا يكون العمل صالحا إلا بأمرين :
الإخلاص لله، والموافقة لشريعته التي جاء بها رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما ما ذكره من مجادلة الطالب له، وقول بعضهم: إنه رجل وهابي، وإن الوهابية لا يقرون المدائح النبوية، وما إلى ذلك، فإننا نخبره وغيره بأن الوهابية -ولله الحمد- كانوا من أشد الناس تمسكا بكتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن أشد الناس تعظيما لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واتباعا لسنته، ويدلك على هذا أنهم كانوا حريصين دائما على اتباع سنة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والتقيد بها، وإنكار ما خالفها من عقيدة، أو عمل قولي أو فعلي.

(3/60)


--------------------------------------------------------------------------------

ويدلك على هذا أيضا أنهم جعلوا الصلاة على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ركنا من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها؛ فهل بعد هذا من شك في تعظيمهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
وهم أيضا إنما قالوا بأنها ركن من أركان الصلاة؛ لأن ذلك هو مقتضى الدليل عندهم، فهم متبعون للدليل، معظمون للرسول، لا يغلون بالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أمر لم يشرعه الله ورسوله، ثم إن حقيقة الأمر أن إنكارهم للمدائح النبوية المشتملة على الغلو في رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو التعظيم الحقيقي لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو سلوك الأدب مع الله ورسوله حيث لم يقدموا بين يدي الله ورسوله، فلم يغلوا؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهاهم عن ذلك فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أيها الناس قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان » .
ونهى عليه الصلاة والسلام عن الغلو فيه كما غلت النصارى في المسيح ابن مريم؛ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله » . والمهم أن طريق الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأتباعه، وهو الإمام المجدد طريقه هو ما كان عليه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه لمن تتبعه بعلم وإنصاف. وأما من قال بجهل أو بظلم وجور فإنه لا يمكن أن يكون لأقواله منتهى، فإن الجائر أو الجاهل يقول كل ما يمكنه أن يقول من حق وباطل، ولا انضباط لقوله، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، ومن أراد أن يعرف الحق في هذا، فليقرأ ما كتبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأحفاده، والعلماء من بعده حتى يتبين له الحق، إذا كان منصفا ومريدا للحق.

(3/61)


--------------------------------------------------------------------------------

ثم إن المدائح النبوية المشتملة على الغلو، لا شك أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يرضى بها، بل إنما جاء بالنهي عنها، والتحذير منها، فمن المدائح التي يحرصون عليها ويتغنون بها ما قاله الشاعر:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وأشباه ذلك مما هو معلوم، ومثل هذا بلا شك كفر بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإشراك بالله عز وجل، فإن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بشر لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله عز وجل، والدنيا وضرتها وهي الآخرة، ليست من جود رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بل هي من خلق الله عز وجل، فهو الذي خلق الدنيا والآخرة، وهو الذي جاد فيهما بما جاد على عباده سبحانه وتعالى، وكذلك علم اللوح والقلم ليس من علوم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إن علم اللوح والقلم إلى الله عز وجل، ولا يعلم منه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا ما أطلعه الله عليه هذا هو حقيقة الأمر، وهذا وأمثاله هي المدائح التي يتغنى بها هؤلاء الذين يدعون أنهم معظمون لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن العجائب أن هؤلاء المغالين يدعون أنهم معظمون لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تجدهم معظمين له كما زعموا في مثل هذه الأمور، وهم في كثير من سننه فاترون معرضون، والعياذ بالله.
فأنصح القائل وغيره بأن يعود إلى الله عز وجل، وأن لا يطري رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما أطرى النصارى عيسى ابن مريم، وأن يعلم أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بشر يمتاز عن غيره بالوحي الذي أوحاه الله إليه، وما خصه الله به من المناقب الحميدة، والأخلاق العالية،

(3/62)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن ليس له من التصرف في الكون شيء، وإنما التصرف في الكون، والذي يدعى ويرجى ويؤله هو الله عز وجل وحده، لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يشركون.

(

يوسف التازي
22-01-15, 12:21 AM
المبحث الأول: تعريف الولاء والبراء وبيان حكمهما
الولاء في اللغة: المحبة والنصرة، والقرب. والولي: المحب والصديق والنصير، وهو ضد العدو. والموالاة والولاية: ضد المعاداة.
والولاء في الاصطلاح هو: محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين.
وهذا الولاء يكون في حق المسلم الذي لم يصر على شيء من كبائر الذنوب.
أما إذا كان المسلم مصرا على شيء من كبائر الذنوب، كالربا، أو الغيبة، أو إسبال الثياب، أو حلق شعر العارضين والذقن (اللحية) أو غير ذلك؛ فإنه يحب بقدر ما عنده من الطاعات، ويبغض بقدر ما عنده من المعاصي .
والمحبة للمسلم العاصي تقتضي أن يهجر إذا كان هذا الهجر يؤدي إلى إقلاعه عن هذه المعصية وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله أو من قبل غيره، كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وأمر الصحابة أن يهجروهم، فلم يكلموهم خمسين يوما. متفق عليه، ومن الهجر لهم: أن لا يبدءوا بالسلام، ولا يرد عليهم إذا سلموا،
(الجزء رقم : 79، الصفحة رقم: 178)

ويقاطعوا بالكلام والزيارة ونحو ذلك .
هذا وإذا كان العاصي لا يزيده الهجر إلا تماديًا في السوء وركونا إلى أهل السوء أو غير ذلك من المفاسد فإنه لا يهجر .
كما أن المحبة للمسلم العاصي تقتضي مناصحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ليفعل الخير ويجتنب المعصية، فينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، كما تقتضي المحبة للعاصي إقامة الحدود والتعزيرات عليه ليتوب ويرجع إلى الله تعالى، ولتكون تطهيرا له من ذنوبه.
وقريب من العاصي: المتهم بالنفاق، فيوالى بقدر ما يظهر منه من الخير، ويعادى بقدر ما يظهر منه من الخبث ، وإذا تبين نفاقه وحكم عليه بالنفاق فحكمه في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي بيانه في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
أما المبتدعة كالجهمية والقدرية والرافضة والأشاعرة ونحوهم فهم
(الجزء رقم : 79، الصفحة رقم: 179)

ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من كان منهم داعيا إلى بدعته أو مظهرا لها وكانت بدعته غير مكفرة فيجب بغضه بقدر بدعته ، كما يجب هجره ومعاداته، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم ، فلا تجوز مجالسته، ولا التحدث معه إلا في حال دعوته ونصحه، وهذه المجالسة إنما تجوز في حق العلماء خاصة .
أما من لم يكن من العلماء فلا يجوز له مجالسة المبتدع، ولا أن يسمع كلامه، ولا أن يجادله، ولا أن يقرأ ما يكتبه، لئلا يقع في قلبه شيء من بدعته، ولئلا يؤثر عليه بما يثيره من الشبهات بين الحين والآخر .

(الجزء رقم : 79، الصفحة رقم: 180)

قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله -: (مواكلة الرافضي والانبساط معه وتقديمه في المجالس والسلام عليه لا يجوز؛ لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين.. وقال الحسن : لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي : لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم؛ فانظر رحمك الله: إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم. فكيف بالرافضة : الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم، ومواكلتهم، والسلام عليهم - والحالة هذه - من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين) .
وقال المروذي لأحمد بن حنبل : أيُستعان باليهودي والنصراني وهما مشركان ولا يستعان بالجهمي؟ فقال: يا بني، يغتر بهم المسلمون، وأولئك لا يغتر بهم المسلمون. وقال الإمام أحمد أيضا: (يجب هجر من كفر أو فسق ببدعة، أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به والتأذي، دون غيره).

(الجزء رقم : 79، الصفحة رقم: 181)

وقال ابن قدامة : (كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم) .
أما السلام على المبتدع والرد عليه إذا سلم فهو جائز، لكن يستحب ترك السلام عليه، وترك إجابة سلامه، إذا كان في ذلك مصلحة، كأن يكون ذلك سببا في تركه لها، أو ليعلم من حوله قبح عمله وعقيدته، ليحذره العامة، ونحو ذلك .
والقسم الثاني من المبتدعة : من كانت بدعته مكفرة، كغلاة الصوفية الذين يدعون الأموات والمشايخ، وكغلاة الرافضة ( الشيعة الإمامية ) الذين يزعمون أن القرآن محرف أو بعضه غير موجود أو يستغيثون بالمخلوقين، فهؤلاء إذا أقيمت عليهم الحجة وحكم بكفرهم فحكمهم في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي تفصيله في المبحث الآتي - إن شاء الله تعالى -.

(الجزء رقم : 79، الصفحة رقم: 182)

والقسم الثالث : من كان يخفي بدعته ولا يدعو إليها ولا يحسن شيئا من ضلالاتها ولا يمدح أهلها ولا يثير بعض الشبه التي تؤيدها فهو كالعاصي المخفي لمعصيته، يجالس ويسلم عليه، ولا يهجر.
والبراء في اللغة: التباعد عن الشيء ومفارقته، والتخلص منه، يقال: تبرأت من كذا، فأنا منه براء، وبريء منه. وفي الاصطلاح: بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار، وعداوتهم، والبعد عنهم، وجهاد الحربيين منهم بحسب القدرة .
و حكم الولاء والبراء أنهما واجبان، وهما أصل عظيم من أصول الإيمان.
فقد وردت أدلة كثيرة جدًّا تدل على وجوب موالاة المؤمنين ووجوب البراء من جميع الكافرين من يهود ونصارى وبوذيين وعباد أصنام ومنافقين وغيرهم، وعلى تحريم موالاتهم، حتى قال بعض أهل العلم: (أما معاداة الكفار والمشركين: فاعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) . ولهذا قال النبي صلى الله عليه
(الجزء رقم : 79، الصفحة رقم: 183)

وسلم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله .
ومن وأوضح الأدلة على وجوب الولاء للمؤمنين قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، ومن أوضح الأدلة على وجوب البراء من الكافرين وتحريم موالاتهم قوله تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، وقد أجمع أهل العلم على وجوب الولاء للمؤمنين وعلى تحريم الولاء للكافرين .

يوسف التازي
22-01-15, 12:31 AM
الولاء والبراءة في الإسلام
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

إن مولاة المسلمين والبراءة من المشركين أصل من أصول هذا الدين وهو عقيدة المسلمين بل عقيدة الأنبياء والمرسلين كما جاء ذلك في كتاب الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) هذه هي ملة إبراهيم التي أوحي الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يتبعها بقوله (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل/ 22 وبيّن سبحانه وتعالى على أنها أفضل الممل بقوله ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) النساء / 125وملة إبراهيم هي البراءة من المشركين ومن دينهم ماداموا على شركهم وكفرهم، فإن تابوا وأسلموا لله أصبحوا أخوةٌ لنا في الإسلام (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) كما قال سيد المرسلين أوثق عُرى الإيمان الحبُ في الله والبُغض في الله .
أصل ديننا توحيد وولاء وبراء *** قد جاء في الكتاب والسنة الغراء
محــبة ونصــرة للمسلمين *** وبغض وعـداوة للكـافرين

إن تولىّ المسلمين والبراءة من المشركين من معاني شهادة التوحيد فمن شهد أن الله معبوده الحق وشهد أن كل معبود سواه باطل والي من وافقه في ذلك وعادى من خالفه ، ومن يعبد غير الله أبغض ووالي في ذلك قال تعالى(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بل إنها من بديهيات العقول كما أرسلها بن نفيل في زمن الفترة بقوله (يا معشر قريش والله ما منكم أحد على ملة إبراهيم أحدٌ غيري) فكل صاحب ديّن يحبُ ويناصر من يُدين بدينه ويبغض ويعادي من يخالفه.
فولاية المسلمين لبعضهم البعض فرضٌ أفترضها الله عليهم فقال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَبِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) (التوبة/71) فولايتهم من ولاية الله ورسوله قال تعالى )إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة/55( والغلبة والفوز في مولاة الله ورسوله والمؤمنين(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِهُمْ الْغَالِبُونَ)(المائدة/56).
و الولاء للمسلمين هو محبتهم ونصرتهم وهذا الولاء لا يحده مكان ولا يحده زمان فنتولىّ المسلمين في جميع أقطار الأرض، من أبينا آدم عليه السلام إلى آخر فرقة تقاتل مع المهدي عليه السلام، ولا ينقطع إلا بالإتيان بما يناقضه وهو الكفر _ والعياذ بالله _ فمحبة المسلمين من لوازم محبة الله كما قيل :
شرط المحبة أن توافق من *** تُحب على محبته بلا عصيان
فإذا أدعيّت له المحبـة مع *** خلافك لما يُحب فأنت ذو بهتان
ومن الولاء للمسلمين معاونتهم في أمور دينهم ودنياهم والصلاة خلفهم والتزوج منهم ونصحهم وأمرهم بالمعروف وننهيهم عن المنكر، ومن حقوقهم علينا أن نسلم عليهم إذا لا قيناهم وأن نشمتهم إذا عطسوا وحمدوا الله وأن نعدهم إذا مرضوا وأن نتبع جنائزهم إذا ماتوا كما قال صلى الله عليه وسلم : [ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِسِتٌّ إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَااسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَامَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ]رواه البخاري ومسلم.
ومن الأشياء التي تقدح في مولاتهم تكفيرهم بغير كفر بواح لنا عليه من الله برهان وخذلانهم و إساة الظن بهم وحسدهم والتجسس عليهم وبغضهم وظلمهم والاستهانة بهم والتقليل من شأنهم .
البراءة من المشركين فرضٌ على المسلمين ونص عليها الله في كتابه الكريم بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً )(النساء : 144( بل نهانا الله عز وجل عن مولاة أبائنا وإخواننا إن كانوا على الكفر فقال ) يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(التوبة : 23).
والبراءة من المشركين هي تكفيرهم واعتقاد بطلان دينهم ومعاداتهم وبغضهم فقدم سبحانه وتعالى البراءة منهم على البراءة مما يعبدون بقوله (إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ من دون الله) لأنهم هم الفاعلون للشرك والمتسببون في وجوده، فيتضح فساد بطلان قول أدعياء السلفية على أنه لا يجوز تكفيرهم والبراءة منهم ،
ومن لوازم البراءة من المشركين عدم الصلاة خلفهم وبغضهم وعدم التشبه بهم وعدم الاحتفال بأعيادهم والركون والميل إليهم, فلا تجتمع محبة الله ومحبة المشركين في قلب امرئ فهما نقيضان يرتفع أحدهما بحلول الآخر(لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) وصدق من قال:
أتُحب أعداء الحبيب وتدعى *** حباً له ماذاك في إمـكان
وكذا تعادي جاهداً أحبـابه *** أين المحبة ياأخا الشيطان

فتولىّ المشركين كفرٌ بالله رب العالمين كما قال تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران( 28 فلنحذر أن نقع في شئ من مودتهم أو الركون إليهم ونحن لا ندري فلنجدد هذا الأصل الأصيل في كل حين حتى نفوز بالجنان وننجو من النيران.
والحمد لله رب العالمين

يوسف التازي
22-01-15, 12:31 AM
إن قضية الولاء والبراء من أكبر قضايا العقيدة بل إن العقيدة كلها والدين كله ماهو إلا ولاء وبراء وفيما يلى تأصيل للقضية بإيجازيعقبه الكلام عن كفر الولاء فى المجتمع
أولا:ارتباط الولاء بتوحيد الربوبية انفرد سبحانه بالولاية على خلقه وأنكر أن يكون لهم وليا غيره يقول تعالى(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ينكر تعالى فى أول الآية اتخاذ المشركين أولياء غيره (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) ثم يبين أنه وحده المتصف بالولاية(فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) لأنه سبحانه (وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى) (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فمن اختص بإحياء الموتى والقدرة على كل شيئ هو المختص بالولاية وحده
ويقول تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)} يأمر تعالى نبيه أن يعلن للناس إنكار أن يكون له ولى غير الله (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) ويبين علة ذلك بأنه سبحانه (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ)
ثانيا ارتباط الولاء بتوحيد الألوهية :إن توحيد الألوهية فى حقيقته ولاء وبراء ،فهو قائم على ركنين أحدهما ولاء والآخر براء
مثال ذلك(لا إله إلا الله) شقان الأول (لا إله) براءة من كل المعبودات (إلا الله) موالاة للإله الحق سبحانه بعبادته
قوله تعالى{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} أيضا شقان
الأول (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) براءة من كل المعبودات الثانى(وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) ولاء للإله الحق بالإيمان به،وهكذا فى سائر النصوص التى بينت حقيقة توحيد الألوهية ومن ثم كان اتخاذ الله وليا توحيد وإسلام ،واتخاذ غيره وليا شرك قال تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يأمر تعالى نبيه أن يعلن للناس إنكار أن يكون له ولى غير الله ثم يبين أن اتخاذ الله وليا هو الإسلام (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) واتخاذ غيره وليا شرك (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
ثالثا ارتباط الولاء بتوحيد الأسماء والصفات :من أسمائه سبحانه (الولى) (المولى) (النصير) والأسماء الثلاثة متضمنة لمعنى الولاء قال تعالى (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )
(وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)
الولى :ولاية عامة للخلق بتدبير أمورهم ورعايتهم جميعا ،أوولاية عامة لفئة منهم بتدبير أمرها كله لما فيه صلاحها
المولى :ولاية خاصة لفئة خاصة بعونها فى الرخاء والشدة (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ )
،أما النصير :فهو المعين على العدو (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً)
وللولاء معانى كثيرة لغة وشرعا كالنصرة والمتابعة والمحبة والعبادة والرعاية والكفالة والميراث وسيقتصر البحث هنا على ثلاث وهى أشهر وأكبر مسائل الولاء وهى(النصرة والمتابعة والمحبة) أما باقى المعانى فلها موضع آخر فى (الكلمة السواء)إن شاء الله
ومن الدلالة اللغوية لكلمة الولاء والاستعمال القرآنى يمكن تعريفه كالآتى
الولاء شرعا : هو النصرة والمتابعة والمحبة لله ولرسوله وللمؤمنين أى أن صور الولاء الرئيسة ثلاث (النصرة ـ المتابعة ـ المحبة ) الدليل على أن النصرة ولاء {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }
والدليل على أن المتابعة ولاء{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}
والدليل على أن المحبة ولاء{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ}
وهذه الصور الثلاث واجبة لله ولرسوله وللمؤمنين
أولا النصرة دليل نصرة الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ)
دليل نصرة الرسول {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]
دليل نصرة المؤمنين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (رواه البخارى)
ثانيا المتابعة دليل متابعة ما أنزل الله {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}
دليل متابعة الرسول { فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]
دليل متابعة سبيل المؤمنين {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 115] واتباع ما أنزل الله يكون باتباع القرآن ، واتباع الرسول يكون باتباع سنته ، واتباع المؤمنين يكون باتباع منهج أهل السنة والجماعة فى معتقدهم وفى منهجهم فى الاستدلال ،وفيما أجمعوا عليه
ثالثا المحبة دليل محبة الله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)
دليل محبة الرسول قال رسول الله (لا يؤمن أحدُكُم حتّى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وولده وأهله والنّاس أجمعين)(رواه الشيخان)
دليل محبة المؤمنين قال رسول الله (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (متفق عليه )
وكما أوجب الله موالاته وموالاة رسوله والمؤمنين ، أوجب نفى ما يضادها وهى البراءة من الطاغوت ومن عابديه ومن عبادته
(فلا تصلح الموالاة إلاّ بالمعاداة كما قال تعالي: عن إمام الحنفاء المحبين انه قال لقومه {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فإنهمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ} فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلاّ بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلاّ لله ولا ولاء إلاّ بالبراءة من كل معبود سواه قال تعالي: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وقال تعالي: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فإنه سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الجواب الكافي لابن القيم]
والبراءة من عبادة الطاغوت تكون ذلك بعدم نصرته وعدم متابعته وعدم محبته ، لأن نصرة الطاغوت لدينه أو متابعة قانونه أو محبته لباطله كل ذلك ولاء مكفر
دليل محبة الطاغوت {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة: 165]
دليل متابعته قال تعالى(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) وهذه من أبرز صور الولاء المكفر فى الواقع ولاء المتابعة ويتمثل فى متابعة قوانين البشر باتخاذ أولياء مشرعين ونبذ شريعة الله وولايته (وقد سبق الكلام عنه فى كفر الحاكمية)
ومن أبرز صور الولاء المكفر فى الواقع كذلك ولاء النصرة وهو نصرة الطاغوت على كفره بأداء الخدمة العسكرية أو ما فى معناها من المشاركة فى أحد السلطات الثلاث (التشريعية – القضائية – التنفيذية)


الأدلة من القرآن على كفر أنصار الطاغوت
1- قوله تعالى(الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ) حكم الله عليهم بالكفر بسبب قتالهم فى سبيل الطاغوت،فالقتال فى سبيل الطاغوت هو من صفات الكفار وأفعالهم
2-قوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) يقرر سبحانه ويبين أن كل من كان جنديا للطاغوت كان مثله فى الجرم ،أى كان الجميع فى الإثم سواء القادة والجنود (كَانُوا خَاطِئِينَ ) وإثم الطاغوت هو الكفر فيكون إثم جنوده وأنصاره هو الكفر أيضا
3-قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } فى الآية الكريمة يحكم تعالى على من تولى الكفار بأنه منهم(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أى أنه كافر مثلهم ونصرة الطاغوت من أبرز أنواع الولاء المكفر
الدليل من السنة كفر أنصار الطاغوت هو حكم الرسول على عمه العباس بالكفر وأخذه الفداء منه لانضمامه لصفوف المشركين وخروجه معهم يوم بدر لقتال المسلمين مع أنه كان قد تكلم بالإسلام بمكة ،ولكن لما نصر المشركين على شركهم عومل معاملتهم وأخذ حكمهم (والقصة فى البخارى)
الدليل من الإجماع على كفر أنصار الطاغوت :هو إجماع الصحابة على كفر جنود مسيلمة والأسود العنسى وقتالهم قتال مرتدين وحين جاء فريق منهم لأبى بكر يريدون التوبة كان أحد شروط قبول توبتهم أن يقروا بأن قتلاهم فى النار ،ومعلوم أن أهل السنة لا يقطعون بالنار إلا لمن مات على الكفر ،أما عصاة المسلمين فيمكن أن تلحقهم الشفاعة أو المغفرة بعد مماتهم ،فيكون الحكم على قتلى أنصار الطاغوت حكما بالكفر لا بالمعصية (والقصة فى البخارى)
الدليل من القواعد الفقهية قاعدة (الردء له حكم المباشر)
الردء :هو العون والنصير والمساعد ،وفى القرآن دعا موسى ربه أن يرسل معه أخاه هارون ليكون ردءا له قال تعالى{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} وجنود الطاغوت هم ردء له سواء أحاربوا أم لا ، وبعضهم ردء لبعض عند القتال فالجميع فى الحكم سواء
يقول ابن تيمية (فإن الردء والمباشرة سواء )(السياسة الشرعية) (لأن المباشر إنما تمكن بمعاونه الردء له) (مجموع الفتاوى)
(وكذلك فى العقوبة يقتل الردء و المباشر من المحاربين عند جماهير الفقهاء) (مجموع الفتاوى)
(مذهب الجمهور إن قطاع الطريق يقتل منهم الردء والمباشر وعمر بن الخطاب رضى الله عنه قتل ربيئة المحاربين وهو الناظر الذى ينظر لهم الطريق فالمتعاونون على الظلم والعدوان تجب عليهم العقوبة ) (مجموع الفتاوى)
(والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة وأن الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء ولأن المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب) (السياسة الشرعية )
وقد يعبر عن هذه القاعدة بأن (الفرد فى الطائفة الممتنعة له حكمها) يقول ابن تيمية (فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم ) (مجموع الفتاوى) وأشهر أدلة هذه القاعدة والتى قبلها من القرآن قوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) ومن السنة معاملة الرسول لعمه العباس معاملة الكفار فى غزوة بدر مع تكلمه بالإسلام

أقوال العلماء فى كفر أنصار الطاغوت
يقول ابن حزم (وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا مُجَاهِدًا غَلَبَ عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِ الإِسْلاَمِ , وَأَقَرَّ الْمُسْلِمِينَ بِهَا عَلَى حَالِهِمْ , إِلاَّ أَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ لَهَا , الْمُنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ فِي ضَبْطِهَا , وَهُوَ مُعْلِنٌ بِدِينٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ لَكَفَرَ بِالْبَقَاءِ مَعَهُ كُلُّ مَنْ عَاوَنَهُ , وَأَقَامَ مَعَهُ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ ) (المحلى)
يقول شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب فى الناقض الثامن من نواقض الإسلام (مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى:{ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
أما كون نصرة الطاغوت كفرا فلأن الطاغوت لا وزن لشخصه ولا نفاذ لأمره ولا استقرار لملكه ولا استمرار لقانونه وكفره إلا بالجنود والنصراء قال تعالى (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) الأوتاد أى الجنود والأتباع والنصراء الذين يثبتون ملكه كما تثبت الجبال الأرض لتستقيم حياة الناس عليها وتستمر قال تعالى (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) كذلك يثبت الجنود مملكة فرعون ليستقيم سلطانه وينفذ أمره ويستمر كفره ،فأوتاد الأرض هى الجبال وأوتاد فرعون هى الجنود
صور النصرة تكون بالقول والعمل والمعاونة
يقول ابن حزم (مَنْ سَكَنَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَالسِّنْدِ، وَالصِّينِ، وَالتُّرْكِ، وَالسُّودَانِ وَالرُّومِ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ هُنَالِكَ لِثِقَلِ ظَهْرٍ، أَوْ لِقِلَّةِ مَالٍ، أَوْ لِضَعْفِ جِسْمٍ، أَوْ لامْتِنَاعِ طَرِيقٍ، فَهُوَ مَعْذُورٌ.فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ مُعِينًا لِلْكُفَّارِ بِخِدْمَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ) (المحلي)
ويقول ابن تيمية (من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا ان يقاتل بقوله او فعله )(مجموع الفتاوى)
ويقول أيضا (المحاربة نوعان: محاربة باليد ومحاربة باللسان والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد كما تقدم تقريره في المسألة الأولى ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد خصوصا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته فإنها إنما تمكن باللسان وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد) (الصارم المسلول)
الفرق بين الولاء المكفر والولاء المحرم
ليس كل ولاء للكفار كفر ، فمولاة الكفار منها ما هو كفر ومنها ما هو حرام
أولا :الولاء المكفر مثل نصرتهم على دينهم كالقتال فى سبيل الطاغوت ،كذلك متابعتهم على دينهم وشرائعهم مثل اتخاذ قوانينهم الوضعية والحكم بها أو التحاكم إليها وقد سبق الكلام عن هذين النوعين ،كذلك محبتهم لدينهم أو حب دينهم كل ذلك ولاء مكفر
ثانيا:الولاء المحرم مثل اتخاذهم أصدقاء من غير محبة ولا مودة ،ومثل البشاشة لهم وطلاقة الوجه لهم ،ومثل التشبه بهم في أعيانهم لا في كفرياتهم ،ومثل مداهنتهم ومجاراتهم في غير المكفرات ، ومثل حضور أعيادهم الدنيوية لا الدينية ،ومثل إكرامهم، وتصديرهم المجالس وتقريبهم ،ومثل اتخاذهم بطانة، واستشارتهم من غير تولي ولا مظاهرة،ومثل اتخاذهم عمالة من غير ضرورة،ومثل السكن معهم، وتكثير سوادهم في غير الصور المكفرة
فائدة :لم يطلق القرآن على الولاء المحرم ولاء أو موالاة وإنما سماها ركون أو نحوها ،لذا فصيغة ولاء الكفار فى القرآن كلها كفر والله أعلم
المعاملة بالبر والإحسان
يجوز معاملة الكفار غير المحاربين بالحسنى ولا يعد هذا ولاء أو حراما ودليله قوله تعالى( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
وفى الحديث عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ (قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ ) (متفق عليه ) (وصلة الرحم واجبة وإن كانت لكافر فله دينه وللواصل دينه)(أحكام أهل الذمة)
المعاملة المباحة
معاملة الكفار جائزة كالبيع والشراء والإجارة ونحوها فيما ليس منهيا عنه ففى الحديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً) (متفق عليه) وفى الحديث الآخر (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) متفق عليه
منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:32 AM
الولاء والبراء فى الإسلام
بسم الله والصلاة على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن والاه ثم اما بعد
فقد كثر الجدال والمناقشات فى الآونة الأخيرة عن حدود تعامل المسلمين مع الكفار ,لذا أحببت بجهد متواضع أن ابرز أهم النقاط التي تحدد العلاقة بين المسلمين والكفار, لنكون على وبينة بهدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم, ولنوضح لكل كفار العالم ما أمرنا به الإسلام تجاههم ,ولتظهر حقيقة الإسلام السمحة التي يحاولون تشويهها أمام العالم.
أولا :معنى الولاء والبراء
الولاء لغة:المحبة والنصرة والقرب والموالاة ضد المعاداة .
في الاصطلاح:محبة المؤمنين لآجل إيمانهم ونصرتهم والنصح لهم وإعانتهم.
والبراء فى اللغة:التباعد عن الشيء ومفارقته والتخلص منه.
وفى الاصطلاح:بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار والبعد عنهم وجهاد الحربيين منهم بحسب القدرة


بعض مظاهر الولاء المشروع
1-محبة جميع المؤمنين فى جميع الأماكن والأزمان وهذه المحبة واجبة على كل مسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا , وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا , أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ " .

2-نصرة المسلم لاهية المسلم إذا ظلم أو اعتدى عليه في اى مكان ومن اى جنسية وذلك بنصرته باليد وبالمال وبالقلم وباللسان فيما يحتاج إلى النصرة فية
فقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم(انصر أخاك ظالما أو مظلوما)رواه البخاري والأمر للوجوب.

3-مساعدتهم بالنفس والمال
فيجب على المسلم أن يعين أخاه المسلم ببدنه او ماله وهو فرض كفاية فإن لم يوجد الا شخص واحد كان فرض عين عليه.

4-التألم لما يصيبهم من المصائب والألم والأذى ,والسرور بنصرهم وجميع ما فيه خير لهم,والرمة لهم وسلامة الصدر لهم قال تعالى(أشداء على الكفار رحماء بينهم)الفتح 29
وقوله صلى الله عليه وسلم(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخارى ومسلم.



بعض مظاهر الولاء المحرم

موالاة أعداء الله من عباد الأصنام والبوذيين والمجوس واليهود والنصارى والمنافقين هي ضد البراء وهى محرمة وتنقسم إلى قسمين
الموالاة الفكرية:وهى التي تخرج صاحبها عن ملة الإسلام ونوضح هنا بعض مظاهرها:

1-الإقامة ببلاد الكفار اختيارا لصحبتهم مع الرضي بما هم عليه من الدين ,أو مع القيام بمدح دينهم,وإرضائهم بعيب المسلمين فهذه الموالاة ردة عن دين الإسلام قال تعالى
(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)ال عمران ( 28 )

2- أن يتجنس المسلم بجنسية دولة كافرة تحارب المسلمين ,ويلتزم بجميع قوانينها وأنظمتها بما في ذلك التنجيد الإجباري ,ومحاربة المسلمين ونحو ذلك.فالتجنس على هذه الحالة محرم لاشك في تحريمه
وقد ذكر بعض أهل العلم أنه كفر وردة عن دين الإسلام

3-التشبه المطلق بالكفار
بأن يتشبه بهم فى أعمالهم,فيلبس لباسهم ,ويقلدهم في هيئة الشعر وغيرها ويسكن معهم ,ويتردد على كنائسهم,ويحضر أعيادهم ,فمن يفعل ذلك فهو كافر مثلهم بإجماع أهل العلم وقد ثبت عن عبد الله بن عمرو قال:(من بني ببلاد الأعاجم,وصنع نبروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة.
4-أن يتشبه بهم في أمر يوجب الخروج من دين الله
كأن يلبس الصليب تبركا به مع علمه بأنه شعار للنصارى
وأنهم يشيرون بلبسه إلى عقيدتهم الباطلة في عيسى عليه السلام,حيث يزعمون أنه قتل وصلب,وقد نفى الله ذلك فى كتابة فقال تعالى(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)النساء 157

5-أن يزور كنائسهم معتقدا أن زيارتها قربة الى الله تعالى.

6- الدعوة إلى وحدة الأديان أو إلى التقريب بين الأديان,فمن قال أن دينا غير الإسلام دين صحيح ويمكن التقريب بينه وبين الإسلام او إنهما دين واحد صحيح فهو كافر مرتد بل إن من شك فى بطلان جميع الأديان غير الإسلام فهو كافر.

7- موالاة الكفار بإعانتهم على المسلمين
إعانة الكفار على المسلمين سواء كانت بالقتال معهم,أم بإعانتهم بالمال أو السلاح أم كانت بالتجسس لهم على المسلمين



وتكون على وجهين:
الوجه الأول:أن يعينهم بأي إعانة محبة لهم ورغبة في ظهورهم على المسلمين فهذه الإعانة كفر وخروج عن الملة

الوجه الثاني:أن يعين الكفار على المسلمين بأي إعانة ويكون الحامل له على ذلك مصلحة شخصية ,أو خوفا أو عداوة شخصية دنيوية بينه وبين من يقاتله الكفار من المسلمين فهذه الإعانة محرمة ,وكبيرة من الكبائر لكنها لا تخرج عن الملة.
ومن الأدلة على أن هذه الإعانة غير مكفرة ما حكاه الإمام الطحاوى من إجماع أهل
العلم على إن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله ومقتضى ما حكاه الطحاوى أنه غير مرتد.

ومستند هذا الإجماع:أن حاطب بن أبى بلتعة قد جس على النبي صلى وعلى المسلمين في غزوة فتح مكة,فكتب كتابا إلى مشركى مكة يخبرهم فيها بمسير النبي صلى الله عليه وسلم قد أخفى وجهة سيره,لئلا تستعد قريش للقتال ,وكان الدافع لحاطب لكتابة هذا الكتاب هو مصلحة شخصية ,ومع ذلك لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بردته,ولم يقم عليه حد الردة فدل ذلك على أن عمله ليس كفرا مخرجا من الملة.


الموالاة المحرمة غير الكفرية
1-محبة الكفار,واتخاذهم أصدقاء قال تعالى(لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)المجادلة 22
والمودة,المحبة
(قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ( 4 ) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ( 5 ) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ( 6 ) ) الممتحنة 4
وقال النبي صلى الله عليه وسلم(لايحب رجل قوما إلا جاء معهم يوم القيامة)

والواجب على المسلم بغض جميع الكفار والمشركين والبعد عنهم,وهذا مجمع عليه بين المسلمين,وذلك لأن الكفار يحادون الله تعالى ويبارزونه بأعظم المعاصي بجعل المعاصي بجعل شريك معه فى عبادته أو بادعاء أن له صاحبة أو غير ذلك.

2-الاستيطان الدائم في بلاد الكفار
فلا يجوز للمسلم الانتقال إلى بلاد الكفار للاستيطان فيها,ولا يجوز أن يتجنس بجنسيتها ولو كان يستطيع إظهار شعائر دينه فيها إلا فى حال الضرورة لقول جرير بن عبد الله صلى الله وسلم (بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وعلى مفارقة المشرك.
وإذا أسلم الكافر وبلده بلد كفر فان كان لا يستطيع إظهار شعائر دينه ويستطيع الهجرة وجبت عليه الهجرة إلى بلد من بلاد المسلمين بإجماع أهل العلم, ولا يجوز له البقاء في هذا البلد إلا في حال الضرورة قال تعالى(إن الذين توافهم الملائكة ظالمى أنفسهم
( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ( 97 )) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ( 98 ) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا)النساء 97,98
أما إن المسلم يستطيع إظهار شعائر دينه من توحيد وصلاة وتعلم لأحكام الإسلام وتمسك بالحجاب للمرأة وغيرها فالهجرة إلى بلاد المسلمين مستحبة في حقه
حينئذ,ويجوز له أن يبقى في بلده الأول إذا كان له مصلحة شرعية كالدعوة إلى الإسلام وغير ذلك.
3- السفر إلى بلاد الكفر في غير حاجة:فيحرم على المسلم أن يسافر إليها إلا في حال الحاجة . فإذا كانت هناك حاجه إلى السفر إلى تلك البلاد سواء كانت خاصة بالمسافر أو عامة للمسلمين جاز له السفر بثلاثة شروط:
1-أن يكون على بأمور دينه.
2-أن يكون في مأمن عن الفتن.
3-أن يكون قادرا على إظهار شعائر دينه.
أما السفر الى بلاد الكفر للسياحة فهو محرم لما فى ذلك من تعريض دين المسلم وخلقة للخطر من غير ضرورة أو حاجة.


4- ومن مظاهر المولاة المحرمة غير الكفرية أيضا:مشاركة الكفار فى أعيادهم الدينية
كعيد رأس ألسنه الهجرية فلا يجوز للمسلم المشاركة فيها بإجماع أهل العلم,لأن في ذلك إقرار لعملهم ورضي به وإعانة عليه قال تعالى(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)المائدة 2

5-حرمة التشبه بهم فيما هو خاص بهما يتميز به الكفار عن المسلمين

6- اتخاذهم بطانة فلا يجوز للمسلم أن يجعل الكافر بطانة له,بأن يطلعه على بواطن أموره,ويستشيره فى أموره الخاصة,أو يستشيره في أمور المسلمين ,أو أمورهم التي يطلع فيها على أسرارهم ,كأن يكون كاتبا يطلع على أخبار المسلمين,لأن الكافر عدو للمسلم لا ينصح له ,بل يفرح بما يعنته,أي ما يشق عليه ويضره .
قال تعالى( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ,آل عمران 118

7- السكن مع الكفار فيحرم على المسلم أن يسكن مع الكافر في مسكن واحد ولو كان قريبا له أو زميلا له ,كما لا يجوز له أن يسكن معه من أجل مصلحة دنيوية كأن يريد أن يتعلم لغته أو لتجارة أو نحو ذلك
أهم الحقوق التي تجب للكفار غير الحربيين على المسلمين:
1-حماية أهل الذمة المستأمنين:
1*ما داموا في بلاد الإسلام ,وحماية المستأمن إذا خرج من بلاد المسلمين حتى يصل إلى بلد يأمن فيه لقوله تعالى(وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ( 6 ) التوبة

2-العدل عند الحكم فيهم وعند الحكم بينهم وبين المسلمين وبين بعضهم تحت حكم المسلمين
قال تعالي ((لا يجرمنكم شنئان قوم علي الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوي))
المائدة 8
3-دعوتهم إلى الإسلام وهى فرض كفاية على المسلمين فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم غلاما يهوديا فى مرضه,ودعاه إلى الدخول فى الإسلام
4-يحرم أكراه اليهود والنصارى والمجوس على تغير دينهم قال تعالى(لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي)البقرة 256
5-يحرم على المسلم الاعتداء على الكفار غير الحربين لقوله صلى الله عليه وسلم(من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة)
6-يحرم على المسلم أن يغش احد من الكفار غير الحربين فى البيع والشراء,أو ان يأخذ شيء من أموالهم بغير حق وأن يؤدى إليهم أموالهم قال صلى الله عليه وسلم(ألا من ظلم معاهدا ,أو انتقصه ,أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شىء بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)
7-يحرم على المسلم أن يسىء لمن كان له جار من الكفار غير الحربين بالقول ويجب عليه ان يحسن الجوار لهم وان يرد عليه السلام لقوله تعالى(وقولوا للناس حسنا)البقرة 83

8-كما يجوز استئجارهم والعمل عندهم والإحسان الى المحتاج منهم لقوله تعالى (واحسنوان الله يحب المحسنين)البقره 159
9-تستحب صلة القريب الكافر ويجوز برهم بالهدية وقبول الهديه منهم لقوله تعالى(
( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ( 15 ) لقمان
10 يستحب إكرامهم كضيوف ويجوز الأكل العارض معهم كما يجوز التعامل معهم فى الأمور الدنيوية.فقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود وبايعهم واشترى منهم.
11-يجوز الاستعانة بالطبيب الكافر للعلاج إذا وثق به
12- يجوز دفع الزكاة الى المؤلفة قلوبهم من الكفار
وبعد
أتمنى أن أكون قد وفقت فى إظهار حقيقة هذا الأمر الذي كثر الجدال فيه فى الأيام الأخيرة خصوصا فى أعياد السنة الميلادية الجديدة.
وقد ظهر لنا من خلال القرآن وهدى الحبيب النبى صلى الله عليه وسلم سماحة ديننا في التعامل مع غير المسلمين ,فالحمد لله على نعمة الإسلام
وادعوا الله العلى العظيم ان يعز الإسلام والمسلمين ويدمر أعداء الدين
وآخردعوانا ان الحمد لله رب العالمين


د.زينب احمد السعيد
دكتوراه فى الفقه الاسلامى

يوسف التازي
22-01-15, 12:33 AM
حطبة منقولة في الولاء والبراء (1-2)
الخطبة الأولى

اللهم لك الحمد بما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة وآلائك الجسيمة؛ حيث أرسلت إلينا أفضل رسلك؛ وأنزلت علينا خير كتبك؛ لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالسنة، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو عامة أو خاصة، أو شاهد أو غائب.
لك الحمد حتى ترضى؛ ولك الحمد إذا رضيت، ولا حول ولا قوة إلا بك.
وأشهد ألا إله إلا أنت، وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك؛ وصفيك وخليلك، وخيرتك من خلقك، وأمينك على وحيك؛ بعثته إلينا بالهدى ودين الحق لتظهره على الدين كله ولو كره المشركون؛

أما بعد
فقد قامت دولة الإسلام العظيمة على يد مؤسسها الأول محمد صلى الله عليه وسلم على أساس متين من العقيدة الراسخة والإيمان المتغلغل في القلوب، ووضع المسلمون في المدينة اللبنة الأولى لصرح تلك الدولة الفتية، التي أخذت في الاتساع شيئاً فشيئاً، وبسرعة عجيبة أذهلت العالم بأسره، حتى وصلت خيول المسلمين أطراف الصين شرقاً وحدود فرنسا الصليبية غرباً، وكان الداخلون في الإسلام - لا سيما في العهود المتقدمة - يشعرون منذ لحظة دخولهم أنهم يبدأون عهدا جديداً، فضلاً عن الانفصال عن حياتهم التي أمضوها في الجاهلية، وكان كل مسلم جديد يدخل في الإسلام ينبذ كل القيم وكل الروابط التي تربطه بالماضي، ويستبدل بها رابطة الدين والعقيدة.
كان المسلم الجديد يقذف بكل ولاءاته التي كان يمنحها لأهله وعشيرته ووطنه، يقذف بها بعيداً ويتبرأ منها ليمنح بعد ذلك ولاءه وتبعيته لخالقه ومولاه سبحانه، وينضم إلى جماعة المسلمين، ويمنحها حبه ومودته وإخلاصه.
وبمثل هذه التربية الإيمانية نشأ أولئك الرجال الذين أقاموا أعظم حضارة وأعظم دولة عرفتها الدنيا، إلا أنّ تلك الدولة العظيمة دولة الإسلام العالمية، ما لبثت أن تراجعت القَهْقَرَى وتنازلت بكل بساطة وسذاجة عن كل انجازاتها وفتوحاتها، كنتيجة طبيعية لتنازلها عن سرّ قوتها وأساس نهضتها، وهو دينها القويم وحبلها المتين.
وأصبحت الأمة التي كانت ترهب أعداءها مسيرة شهر من الزمان، أصبحت أمة تابعة ذليلة، تسلط عليها أعداؤها، يسومونها الخسف والهوان.
دخلت الأمة في طاعة الكفار والمنافقين واطمأنت إليهم، ومنحتهم ولاءها وتبعيتها، من دون الله الواحد القهار.
وقد نتج عن هذه الكارثة والمأساة ضياع كثير من المفاهيم العقدية وانحسار جملة من القيم الأخلاقية كنتيجة بدهية لاحتكاك الأمة بأعدائها وخضوعها واستغلالها لهم.
ومن أبرز تلك المفاهيم العقدية التي غابت عن حياة كثير من المسلمين: مفهوم الولاء والبراء، والذي يحسب بعض البسطاء أنه يندرج تحت جملة القضايا الجزئية أو الثانوية، وهو وهمٌ كبير وخطأ فادح نتج عنه حالة مفزعة من ظلم الناس بعضهم لبعض من جهة، وتعظميهم وحبهم للكفار من جهة أخرى، وذلك انتكاس خطير في المفاهيم وقلب مشين للأصول والقواعد، لذا وجب إيضاح هذا المفهوم الخطير - مفهوم الولاء والبراء - حتى يعلم المسلم من يوالي ومن يعادي، ومن يحب ومن يبغض؟!.
فأما الولاء: فمعناه أن يوالي المسلم إخوانه المسلمين ويحبهم ويرحمهم وينصرهم وينضم إلى جماعتهم ظاهراً وباطناً.
وأما البراء فمعناه: أن يتبرأ المسلم من الكفار ويبغضهم ويعاديهم ويجاهدهم بلسانه ونفسه وماله.
هذا هو حقيقة الولاء والبراء: الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، وهذا المفهوم هو التطبيق العملي لعقيدة التوحيد العظيمة، وهو مفهوم عظيم في حسّ المسلم وشعوره بمقدار ضخامة وعظمة العقيدة في نفسه.
ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء، وتحقيق البراء ممن يستحق البراء.
لقد تكاثرت نصوص الكتاب في التحذير من الكفار ومكرهم وخبثهم وفضحت دسائسهم وحيلهم وحذرت من اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).
ويقول سبحانه: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ويقول جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
والآيات في هذا المعنى كثيرة مشهورة.
يقول الشيخ حمد بن عتيق – رحمه الله – وهو إمام جليل من أئمة الدعوة "أنّه ليس في كتاب الله تعالى حكمٌ فيه من الأدلة أكثر ولا أبيَن من هذا الحكم - أي الولاء والبراء - بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده". انتهى كلامه رحمه الله.
وبالرغم من كل ذلك الاهتمام الذي أولاه القرآن الكريم لمفهوم الولاء والبراء فإن النّاظر في حال كثير من النّاس اليوم يجد المسلمين شعوباً وأفراداً، وقد فرطوا بهذا الأصل العظيم، وما ذلك التفريط إلا لغياب الثقافة الإسلامية الصحيحة والتوعية الأصولية السليمة لعقيدة الإسلام وقيمه، فبدلاً من معاداة الكفار وبغضهم، أصبح الكثيرون منَّا يحبّون الكفّار ويوالونهم ويكرمونهم ويقدمونهم ويقلدونهم ويتشبهون بهم، وأخذت موالاة الكفار صوراً ومظاهر شتى.
فمن مظاهر موالاة الكفار، والتي هي ردة عن الإسلام، وناقض من نواقضه:
مظاهرتهم ومناصرتهم ضد المسلمين: كما يحصل من بعض الطواغيت المنتسبين إلى الإسلام، حيث وضعوا أيديهم في أيدي الكفار وأجلبوا بخيلهم ورَجْلِهِم لضرب المسلمين العزل وسومهم سوء العذاب.
ومن مظاهر موالاة الكفار: استيراد القوانين الوضعية والأنظمة الطاغوتية منهم، حيث أصبحت تلك القوانين والأنظمة مصدراً لصياغة ما يسمى بالدستور، والذي خضع له الناس رغبة أو رهبة، وتحرك ذلك الأمر المهول إلى مظهر أليم، فبشرٌ يشرعون ويحكمون، وآخرون يخضعون، أي تحوّل بعض البشر إلى أرباب والهة وعبدهم الباقون وقد سوهم.
من مظاهر موالاة الكفار كذلك: الإيمان ببعض ما هم عليهم من العقائد الفاسدة أو المذاهب الفكرية المنحرفة، وهو أمر واقع مشاهد، يحصل في صفوف كثير من المثقفين، المنادين سراً وجهاراً بالعلمانية طريقة للحياة، وبالديمقراطية وسيلة للحكم والتشريع، في مقابل إقصاء الإسلام وإبعاده.
ومن مظاهر موالاة الكفار كذلك: مودتهم ومحبتهم واحترامهم وتقديرهم، وقد نهى القرآن الكريم عن بذل المودة والمحبة لغير المسلم.
ولو كان أقرب قريب: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ،) ويقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
إذاً فالعلاقة الأصلية التي تربط المسلم بغيره من الناس هي رابطة الدين والعقيدة، أما رابطة النسب والسبب فلا قيمة لها تذكر، إلا إذا صحت العقيدة وخلص الإيمان لله رب العالمين.
ومن مظاهر موالاة الكفار: الركون إليهم والاطمئنان لهم، كالسفر إلى بلادهم بدعوى النزهة والسياحة، أو تعلم اللغة الأجنبية لغير حاجة، غير ذلك من الدعاوى التي لا تغني عند الله فتيلاً.
وفي هذا يقول سبحانه: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ).
ويقول سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً).
ومن مظاهر موالاة الكفار: الإعجاب بهم وبدنياهم الفانية وطرائق حياتهم، وما وصلوا إليه من ترف وبطر وأشر، وفي هذا يقول الله تعالى: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
ويقول سبحانه: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
ومن مظاهر موالاة الكفار: تهنئتهم بأعيادهم واحتفالاتهم، كتهنئتهم بعيد المزعوم لميلاد المسيح عليه السلام، فضلاً عن تمكينهم من إقامة احتفالاتهم في بلاد المسلمين، أو مشاركتهم في إقامتها:، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانيّة

الحمد لله الملك الحق المبين مالك الملك رب العالمين أصلي واسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى عباد الله الصالحين أما بعد.
ومن مظاهر موالاة الكفار كذلك: التشبّه بهم في عقائدهم، أو عباداتهم، أو ما هو من خصائصهم.
والتشبه بالكفار موضوع خطير يحتاج إلى تأصيل وتقعيد وتبيين وتوضيح، وقد أُفرد الحديث عنه في خطبة مستقلة - إن شاء الله تعالى- وإنما أذكر الآن شيئاً يسيراً مما يقع في حياة المسلمين من التشبه بالكفار، فمن ذلك التشبه بهم في تعظيم القبور والغلو في الصالحين، قال عليه الصلاة والسلام: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك".
ومن ذلك: التشبه بهم في تقديس عظمائهم ورؤسائهم، ونصب التماثيل لهم وتصويرهم تعظيما لهم وإجلالاً.
ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال" إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".
ومن التشبّه بالكفار مما يُخلّ بالتوحيد، ما يفعله بعض لاعبي الكرة، من الانحناء أمام من يسمونه بالحكم أو غيره تعظيماً واحتراماً.
ومن أنواع التشبه بالكفار: إقامة الأعياد والأيام البدعية والأسابيع المحدثة.
ومن التشبه بالكفار: التحدّث بلغتهم من غير حاجة أو ضرورة، أو الكتابة بها، واعتبار ذلك نوعاً من التحضر والمدنية.
ومن ذلك: ما يحصل في بعض الولائم من التشبّه المستهجن بطرائق الكفار في تناول الطعام، كالذي يسمونه بالبوفيه المفتوح، حيث يقوم المدعوون بخدمة أنفسهم في ملء أوعيتهم بما يشاءون، ثم يتناولون طعامهم واقفين، وما بهم من بأس إلا التقليد الأعمى والاعجاب الفارغ بعادات الكفار وأساليبهم في الحياة.
ومن التشبه بهم كذلك: حمل باقات الزهور للمرضى، فقد أصبح بيع الزهور تجارة رابحة، وانتشرت محلات البيع تلك أمام المستشفيات والمصحات، وذلك لاستغلال أولئك المنهزمين نفسياً، الجهلة بسنة خير الأنام، محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يزور المريض ويدعو له بالشفاء، ويصبّره ويذكّره بما ينفعه في دينه ودنياه ولا يزيد على ذلك.
هذا غيض من فيض وقليل من كثير، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
اللهم إنا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا وتلمَّ بها شعثنا وتذهب بها الفتن عنَّا.
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب.
اللهم إنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

يوسف التازي
22-01-15, 12:33 AM
الولاء والبراء في الإسلام
سؤال وجواب
أعده
أبو عاصم البركاتي المصري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،،،،، وبعد:
فهذا مبحث الولاء والبراء؛ أعددته في صورة سؤال وجواب تسهيلًا لقارئه؛ وترغيبًا لدارسه؛ وتشويقًا لسامعه وشارحه؛ وأرجو من الله له القبول، وهو خير مسئول؛ وأن يجعله لوجهه خالصًا؛ وأن يعطني به أجرا وأن يحطط عني به وزرا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
س: ما معنى الولاء؟
ج : الولاء لغةً: الوَلْيُ في اللغة هو القُرْب، ويأتي بمعنى الحُب والنُّصْرة في الولاء.
والولاء شرعًا : حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين.
س: ما معنى البراء؟
البراء لغةً : البَرَاءُ : مصدر بَرِئتُ، وهو من الفعل بَرِئ؛ وله معنيان أصليان.
(1) بَرِئ بمعنى : تَنَزَّهَ وتباعَدَ مع البغض والعداوة.
(2) بمعنى الخَلْقُ ، ومنه اسمه تعالى (البارئ).
والبراء شرعًا : بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى (من الأصنام الماديّة والمعنويّة: كالأهواء والآراء)، وبُغْضُ الكفر (بجميع ملله) وأتباعِه الكافرين، ومعاداة ذلك كُلِّه.
س: اذكر أدلة الولاء من القرآن؟
ج : كثيرة ومنها قوله تعالى: ï´؟ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ï´¾(المائدة 55-56).
وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71) .
س: اذكر أدلة الولاء من السنة؟
ج: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو ، تَدَاعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بَعْضُه بعضًا» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: « المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يُسْلِمُه» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده ، لا تدخلون الجنّةَ حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أَوَلَاَ أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلامَ بينكم» أخرجه مسلم.

س: اذكر أدلة البراء من القرآن؟
ج: قال تعالى: ï´؟ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُï´¾ (آل عمران 28).
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الزخرف.
وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} سورة الممتحنة.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ }(الممتحنة : 1).
قال الله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة: 22).
وغير ذلك كثير.

س : ما منزلة الولاء والبراء في الإسلام؟
ج: يبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ" أخرجه أحمد (18524).
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ » متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ ، وذكر منهم: وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ "متفق عليه.
فالولاء والبراء من لوازم " لا إله إلا الله" وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} ( البقرة: 256).
وقال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} ( آل عمران: 28).
ويقول تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} ( آل عمران: 31-32).
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} ( المائدة: 54).
وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن " تَنْصَحُ لِلْمُسْلِمِ ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ ".
وفي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله".

س : ما مظاهر موالاة المؤمنين؟
ج: مظاهر مولاة المؤمنين كثيرة ومن ذلك :
(1) الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكفار.
(2) مناصرة المؤمنين ومعاونتهم بالنفس و المال و اللسان والقلم ، وبكل ما يحتاجون إليه . قال تعالى : { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ }(الأنفال :72).
(3) التألم لألمهم، و السرور لسرورهم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » متفق عليه.
(4) النصح لهم ومحبة الخير لهم ، وعدم غشهم؛ قال صلى الله عليه وسلم قَالَ: « لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ » متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه.
(5) احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم؛ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ } .. الآية
(6) زيارتهم، ومحبة الالتقاء بهم، والاجتماع معهم، ففي الحديث القدسي: " وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ".
(7) أن يكون معهم في حال يسرهم وعسرهم، ومنشطهم ومكرههم، واحترام حقوقهم، والاستغفار لذنوبهم؛ قال تعالى:{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }(محمد:19).

س : ما مظاهر موالاة الكافرين؟
ج: قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ما ملخصه:
(1) من مظاهر موالاة الكفار التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما ، قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- "من تشبه بقوم فهو منهم" . فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمعتهم وأخلاقهم كحلق اللحى وإطالة الشوارب والرطانة بلغتهم إلاّ عند الحاجة .
(2) من مظاهر موالاة الكفار الإقامة في بلادهم قال تعالى ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ï´¾(النساء :97 -99).
فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلاّ المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة؛ وكذا من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
(3) ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة نعوذ بالله من ذلك.
(4) ومن مظاهر موالاة الكفار الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين ، قال الله تعالى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ï´¾ ( آل عمران : 118 - 120).
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلت لعمر رضي الله عنه: لي كاتب نصراني . قال: مالك قاتلك الله. أما سمعت الله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ألا اتخذت حنيفًا ، قال : قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه . قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله .
وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال : إني أردت أن أتبعك وأصيب معك ، قال: "تؤمن بالله ورسوله" ؟ قال لا - قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك".
(5) ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتاريخهم - خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح عليه السلام، والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح عليه السلام فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم ، ولتجنب هذا لما أراد الصحابة رضي الله عنهم وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر رضي الله عنه عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم - والله المستعان.
(6) ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها - وقد فسر قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.
(7) ومن مظاهر موالاة الكفار مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية ، بل ذلك مطلوب قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في الأصل للمسلمين قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها ، يجب أن يكون لهم مصانع وتقنيات.
(8) ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم - بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم وقد قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن". وبسبب تغيير الأسماء فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية ، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة .
(9) من مظاهر موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه([1]). انتهى
(10) "محبة الكفار وتعظيمهم ونصرتهم على حرب أولياء الله، وتنحية شريعة الله عن الحكم في الأرض ورميها بالقصور والجمود وعدم مسايرة العصر ومواكبة التقدم الحضاري.
(11) ومنها: استيراد القوانين الكافرة - شرقية كانت أم غربية - وإحلالها محل شريعة الله الغراء وغمز كل مسلم يطالب بشرع الله بـ : التعصب والرجعية والتخلف!
(12) ومنها: التشكيك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن في دواوينها الكريمة والحط من قدر أولئك الرجال الأعلام الذين خدموا هذه السنة حتى وصلت إلينا.
(13) قيام دعوات جاهلية جديدة تعتبر جديدة في حياة المسلمين، ذلك مثل دعوة القومية الطورانية والقومية العربية والقومية الهندية و.. و... الخ"

[الولاء والبراء في الإسلام للقحطاني ص9 ].

س: ما حكم موالاة الكفار؟
ج: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا }.
وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
ولا ينبغي أبداً أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم:{ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }، ويقول سبحانه لنبيه :{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }، والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وألا تأخذه فيه لومة لائم، وألا يخاف من أعدائه فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى:{فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }، والله الموفق.

س: ما هي أنواع موالاة الكفار؟
ج: موالاة صغرى وموالاة كبرى.
الموالاة الصغرى لا تخرج عن الإسلام، والموالاة الكبرى تخرج عن الإسلام والعياذ بالله.

س: ما هي الموالاة الصغرى وما صورها؟
ج: الموالاة الصغرى التي لا تخرج صاحبها من الملة، وهي محرمة؛ ومن صورها التعصب للكافر لأنه من أبناء الوطن؛ أو الحزب أو لشراكة في مال أو تجارة؛ يعني من أجل مصلحةٍ دنيوية، وموالاته في تلك المصلحة، مع بغضه ديانةً؛ قال ابن تيمية في الفتاوى(7/ 523): قد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً. ا هـ.

س: ما هي الموالاة الكبرى وما صورها؟
ج: موالاةٌ كفرية، وهي مودة الكفار من أجل دينهم، ومحبتهم بالقلب ديانةً، وقد يتمنى نصرتهم على المسلمين، قال سبحانه وتعالى-: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْï´¾( المائدة: 51).

س: هل تجوز الموالاة في بعض المواضع للكفار؟
ج: تجوز عند الضرورة والإكراه؛ وهي إظهار الموالاة باللسان عند الضرورة وعند خوف الفتنة من الكفار؛ كما قال الله –سبحانه وتعالى-: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}(آل عمران: 28) ؛ ولقوله سبحانه وتعالى-: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ }(النحل: 106). وسبب ذلك قصة عمار، عندما أرغمه الكفار على النيل من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنال منه تحت التهديد وتحت الخطر؛ فجاء يبكي وخشي على نفسه الردة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعُدْ".

س: ما حكم التجسس للكفار على المسلمين؟
ج: التجسس على المسلمين لمصلحة الكفار حرام: فهو خيانة للدّين، ومحاربة للمسلمين، ومعاونة لأهل الشرك والكفر عليهم، وكلها كبائر عظيمة، وتصل للردّة إذا صدرت من المسلم ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (الأنفال : 27).
وهي من نواقض العهود والمواثيق إذا صدرت من المعاهدين وأهل الذمة ، قال تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ }(التوبة : 4).
وقد حذر الله من ألئك؛ فقال -تعالى:{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(التوبة : 47).
قال مجاهد في قوله -تعالى-: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} وفيكم مخبرون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم وهو الجواسيس. [ تفسير البغوي: 10 / 298 ].
وقد تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس مسلماً كان أو كافرا، فقالت المالكية والحنابلة وغيرهم: يقتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله، وإنما يعاقب تعزيراً، إلا إن تظاهر على الإسلام فيقتل، أو ترتب على جاسوسيته قتل ، ومثله الذمي.
و‏إن كان كافراً يقتل في حال الحرب، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنّه نقض للعهد.
وقد ورد في السنة النبوية: ما يدل على قتل الجاسوس مطلقا، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: " أُتي النبي صلى الله عليه وسلم عينٌ من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوه فاقتلوه" قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه" رواه البخاري وأبو داود.

س: هل هناك أمور مشروعة يظن أنها من الموالاة وليست كذلك؟
ج: ما يُظنَّ أنه موالاة وليس بموالاة؛ كالتعامل مع الكفار بتجارةٍ أو إجارةٍ أو عاريةٍ أو رهنٍ أو بيعٍ أو شراءٍ أو نحو ذلك.
أو حتى تخلق بالأخلاق الطيبة معهم لعل الله أن يهديهم للدين أو بذل الهدية لهم فإن عمر –رضي الله عنه- أهدى لأخ له قبل أن يُسلِمْ ثوبًا أهداه له النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عمر –رضي الله عنه- كانوا إذا وُجِدَ عندهم لحمٌ أو ذبيحةٌ قال: "أأطعمتم جارنا اليهودي؟" ونحو ذلك ، وكذلك قبول هديةٍ منهم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ ماريةً –رضي الله عنها- هديةً من المقوقس عظيم الأقباط، ولا يعدُ هذا موالاة، ورهن درعه عند يهودي في صاعٍ من شعير، وعلي رضي الله عنه- أجَّرَ نفسه ليهوديةٍ فنتح لها ستة عشر دلوًا، كل دلوٍ بتمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عاقد اليهود وعاهدهم على أن يشاركوا مع المسلمين في قتال بقية الكفار والمشركين، وعقد معهم عهدًا، وعقد عهدًا مع خُزَاعة، وأحيانًا عقد عهودًا فيها حيفٌ على المسلمين في الظاهر؛ ولكن العاقبة للمتقين، كما حدث في صلح الحديبية، ولم يقل أحدٌ أن هذا التعامل نوعٌ من المودة والموالاة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يدعونني لشيء فيه تعظيمٌ لحرمات الله إلا وأجبتهم عليه".
كذلك في مسألة الوفاء بالعهد؛ حذيفة –رضي الله عنه- أسره المشركون هو وأبوه –مشركو قريش - ، فطلبوا منهم أن يخلُّوا سبيلهم، قالوا بشرط: أن تذهبوا إلى المدينة – أو إلى يثرب كما يقولون- ولا تذهبوا إلى محمد وأصحابه في بدر، صلى الله عليه وسلم، فأعطوهم العهد على أن يذهبوا إلى المدينة ولا يذهبوا إلى بدرٍ إلى القتال، فجاء حذيفةُ وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، مع حاجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقاتلين، مع كثرة عدد الكفار، وقلَّةِ عدد المسلمين؛ فقال لحذيفة وأبيه: "اذهبوا إلى المدينة، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم".
والنبي صلى الله عليه وسلم مرض جاره اليهودي، غلامٌ من جيرانه من اليهود، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، يزوره؛ فقال له: "قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" فنظر اليهودي الغلام إلى أبيه، فقال له: "أطع أبا القاسم". فقال: "أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار".
والنبي صلى الله عليه وسلم أذِنَ لأسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها لما جاءتها، وأمرنا الله ببر الوالدين ولو كانا كافرين أو مشركين، كما تعلمون في سورة لقمان.

س: ما معنى " البر" في قوله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ }(الممتحنة: 8).
ج: قال العلامة السعدي في تفسيره: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة ؛ كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} انتهى. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ص 856].

س: ما حكم اتخاذ الكافر صَدِيقًا؟
ج: نهى الله تعالى ذكره عن اتخاذ الكافرين بطانة وأصدقاء وأولياء؛ فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }(آل عمران: 118 -120).
وقال تعالى: { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }(آل عمران: 28).
قال ابن كثير في تفسيره (2 /441): ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. انتهى

س: ما حكم السفر لبلاد الكفر؟
ج: الأصل في السفر الإباحة، ومنع السفر لبلاد الكفر للمفاسد المترتبة على ذلك، وأبيح في حالات محدودة كالسفر للدعوة إلى الله، قال الشيخ العلامة صالح الفوزان: السفر إلى بلاد الكفر لا يجوز؛ لأن فيه مخاطر على العقيدة والأخلاق ومخالطة للكفار وإقامة بين أظهرهم ، لكن إذا دعت حاجة ضرورية وغرض صحيح للسفر لبلادهم كالسفر لعلاج مرض لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو السفر لتجارة، فهذه أغراض صحيحة يجوز السفر من أجلها لبلاد الكفار بشرط المحافظة على شعائر الإسلام ، والتمكن من إقامة الدين في بلادهم، وأن يكون ذلك بقدر الحاجة فقط ثم يعود إلى بلاد المسلمين .‏
أما السفر للسياحة فإنه لا يجوز؛ لأن المسلم ليس بحاجة إلى ذلك ، ولا يعود عليه منه مصلحة تعادل أو ترجح على ما فيه من مضرة وخطر على الدين والعقيدة. انتهى
ويقول فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى:
"لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا بشروط ثلاث:
الشرط الأول : أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني : أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.
الشرط الثالث : أن يكون محتاجًا إلى ذلك مثل أن يكون مريضًا أو يكون محتاجًا إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك, أو يكون الإنسان محتاجا إلى تجارة , يذهب ويتجر ويرجع . المهم أن يكون هناك حاجة, ولهذا أرى أن الذين يسافرون ألى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون, وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه " [ شرح رياض الصالحين المجلد الأول].
س: ما حكم الإقامة في بلاد الكفر؟
ج: حرام لا يجوز إلا لضرورة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"[أبو داود وصححه الألباني].
وقال: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا" [أخرجه الحاكم في المستدرك (2/141) وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي].
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وحسّنه الشيخ الألباني في الصحيحة من حديث سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن جامع المُشرك وسَكَن معه فإنَّه مثله».
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا بريءٌ مِن كل مسلمٍ يقيمُ بين أظْهُر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، ولِم؟ قال: «لا تراءَى نَارَاهُما» أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه الألباني في الصحيحة (2/227/ح 636).
وأخرج النسائي حسّنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع(7748) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « لا يقبل الله - عز وجل - من مشرك بعدما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين».
وأخرج النسائي وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع عن جرير قال: «بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشرك».
وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث أميراً على سرية أو جيشاً أوصاه بأمور؛ فذكرها، ومنها «ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين».
وقال العلامة ابن باز : قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"؛ وقد أخبر الله سبحانه عمن لم يهاجر من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام بأنه قد ظلم نفسه، وتوعده بعذاب جهنم في قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}( النساء: 97 – 99).

س: ما حكم التجنس بجنسية دولة من دول الكفر؟
ج: الأصل في التجنس بجنسية دول الكفار التحريم، لأدلة تحريم السفر لبلاد الكفر والإقامة بين المشركين، وأجيز لأمور منها:
أ - أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد ويلجأ لهذه الدولة؛ فهو جائز بشرط الاضطرار الحقيقي للجوء، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر.
ب - التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة، وهو جائز.
واشترط لجواز ذلك:
(1) انسداد أبواب العالم الإسلامي في وجه لجوئه إليهم.
(2) أن يضمر النية على العودة متى تيسَّر ذلك.
(3) أن يختار البلد التي يمارس فيها دينه بحرية.
قال الشيخ ابن جبرين رحمه الله : " من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارَد من بلده ولم يجد مأوى ، فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه ، ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية ، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه " انتهى .

س: ما حكم الاستعانة بالكفار في القتال؟
ج: اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين:
أحدهما : المنع من ذلك .
واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين كان معروفا بالجرأة والنجدة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تؤمن بالله ورسوله " قال: لا ؛ قال "ارجع فلن أستعين بمشرك" قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل فقال: له كما قال له أول مرة فقال : "تؤمن بالله ورسوله" قال: لا؛ قال : "ارجع فلن أستعين بمشرك" ؛ ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله؛ فقال له: "تؤمن بالله ورسوله" قال: نعم؛ قال "فانطلق" ا . هـ .
وروى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء فقال: "من هؤلاء "؟ قالوا هذا عبد الله بن أبي بن سلول ومواليه من اليهود وهم رهط عبد الله بن سلام فقال: "هل أسلموا" ؟ قالوا: لا إنهم على دينهم؛ قال: "قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين" انتهى .
واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن هارون أنبأنا مسلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده خبيب بن يساف قال: أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوًا فقلت يا رسول الله إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لم نشهده معهم فقال: "أسلما" فقلنا: لا؛ قال: "فإنا لا نستعين بالمشركين" قال: فأسلمنا وشهدنا معه" الحديث .
القول الثاني : القول بالجواز؛ قال الشافعي وآخرون : إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به أستعين به وإلا فيكره ، وحمل الحديثين على هذين الحالين ، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم والله أعلم . ا . هـ
وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه.
واحتج القائلون بالجواز أيضًا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون" الحديث.

س: وما حكم معاونة بعض الكفار في حرب بعضهم لبعض؟
ج: إذا كانت هناك معاهدة على النصرة بين المسلمين وفريق من الكفار؛ فيساعد المسلمون الكفار المعاهدين على من بغى عليهم، بالسلاح ونحوه، ومثل هذا ينظر فيه للمصلحة والمفسدة، وإذا كان العدو مشتركًا بين المسلمين وبعض الكفار فيعاونون أيضًا؛ كما في الحديث: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم فتنصرون وتغنمون"أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.

س: ما حكم إعانة الكفار في حرب المسلمين؟
ج: قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في (فتاواه) (1/274):
وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة : 51).

س: ما حكم التشبه بالكفار؟
ج: يحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم؛ عنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" رواه أبو داود (اللباس / 3512) قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح . برقم (3401)
وقول الله تعالى: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 16).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فقوله : { وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم ، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي" انتهى.
وقال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية (4/396) : "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية " انتهى .
وروى أبو داود (652) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِفُوا الْيَهُودَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ " وصححه الألباني في صحيح أبي داود .
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ ، فَقَالَ : "إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا" رواه مسلم (2077 ) .
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ ، وَأَوْفُوا اللِّحَى " رواه مسلم (259) .

س: ما معنى مخالفة الكفار ؟
ج: أوجب الشرع الحنيف وجوب مخالفة الكافرين؛ وترك التشبه بهم فيما هو من خصائصهم؛ والتشبه يكون فيما يظهر ومن ذلك لبس الثياب التي هي علامة عليهم، وكطريقة كلامهم والتحدث بلغتهم بغير حاجة ونحو ذلك؛ أما المخالفة فتكون في الأفعال والأقوال وفي كل الأمور؛ ما لم يكن أمرًا أقره شرعنا الحنيف؛ فالمخالفة أعم وأوسع من ترك التشبه؛ قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الجاثية: 18).
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ}(الرعد: 37).
وقول الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:16).
وروى أبو داود (652) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِفُوا الْيَهُودَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ " وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ " رواه البخاري (3462) ومسلم (2103).
والأدلة في هذا الباب كثيرة.

س: ما حكم عيادة مرضى الكفار؟
ج: يجوز إذا كان يرجى من وراء ذلك مصلحة؛ كإسلام المريض ؛ وقد جاء في صحيح البخاري من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمَرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له : أطع أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم-. فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله صلى لله عليه وسلم لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله؛ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرنّ لك مالم أُنه عنك؛ فأنزل الله تعالى فيه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}.

س: ما حكم تعزية الكفار في أمواتهم؟
ج: لا بأس بذلك لتأليف قلوبهم بغير مفسدة ولا يكون في كنيسة، قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ينظر في ذلك للمصلحة، إن كان في ذلك مصلحة التأليف وجلب المودة من هؤلاء الكفار للمسلمين فلا بأس، وإن لم يكن فيها فائدة فلا فائدة" انتهى .
"الإجابات على أسئلة الجاليات" ( 1/ 14- 15).

س: ما حكم الاستغفار لموتى غير المسلمين؟
ج: لا يجوز الاستغفار لغير المسلمين أو الدعاء لهم بالرحمة؛ قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وفي الآية وجوب إظهار البراءة من الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، وظهر في هذه الآية أنه تجب البراءة من أمواتهم وأحيائهم وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان.

س: ما حكم الزواج من نساء الكفار؟
ج: يجوز للمسلم أن يتزوج المحصنة من أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ والدليل قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان}(المائدة:4).
هذا مع كون المسلمة أولى؛ قال تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ }(البقرة :221).
وأما المشركة التي تعبد الأصنام أو البوذية أو المجوسية أو الملحدة فلا يجوز للمسلم نكاحهن؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}(البقرة: 221).

س: ما حكم زواج المسلمة من كافر؟
ج: يحرم على المسلمة أن تتزوج بغير مسلم؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(البقرة: 221).

س: هل يقدح في البراءة من الكفار محبة الزوجة غير المسلمة(الكتابية)؟
ج: أما إن كانت المحبة لدينها ولما هي عليه من الكفر فهذا والعياذ بالله من الموالاة الكبرى التي تخرج عن الإسلام؛ وأما إن كانت المحبة لحسن تبعلها له؛ ولتفانيها في خدمته وأولاده؛ مع بغض ما هي عليه من الكفر والبراءة منه ودوام النصح لها ودعوتها إلى الإسلام؛ فهذا لا شيء فيه والله أعلم.

س: ما حق الجار غير المسلم؟
ج: أولًا: اعتنى الشرع الحنيف بالجار، فوصى الله تعالى وأمر بالإحسان إليه فقال سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} (النساء : 36 ).
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه» متفق عليه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» متفق عليه.
وللعلم فالجيران ثلاثة:
(1) جار له حق واحد؛ وهو غير المسلم؛ له حق الجوار.
(2) وجار له حقان وهو الجار المسلم؛ له حق الجوار وحق الإسلام.
(3) وجار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار المسلم ذو القرابة والرحم؛ له حق الجوار وحق الإسلام وحق القربى.
ثانيًا: أما عن الجار غير المسلم فله حق الجوار بالمعروف، مع الإحسان إليه لأنه داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» متفق عليه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» رواه البخاري.
وكان عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - إذا ذبح شاة يقول: «أهديتم لجاري اليهودي ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» رواه أبو داود.

س: ما حكم أكل طعام الكفار وذبائحهم؟
ج: طعام الكفار من أهل الكتاب وغيرهم حلال للمسلم شريطة ألا يكون محرمًا في الإسلام؛ عن أنس - رضي الله عنه - أن يهوديًا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خبز شعير، وإهالة سنخة فأجابه[أخرجه أحمد (13201)].
وقال عز وجل: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}الآية.
أما الذبائح فيجوز أكل ما ذبح أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ قال ابن قدامة : ( أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب ؛ لقول الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}( المائدة: 5)؛ يعني : ذبائحهم . قال البخاري: قال ابن عباس : طعامهم ذبائحهم. المغني(13 /293).
وفي صحيح البخاري (رقم 5507) عن عائشة رضي الله عنها، " أن قومًا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أَذَكَرُوا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم، ثم كلوا".
أما ذبائح الكفار الوثنيين فلا يجوز أكلها، لأن الأصل في الذبائح الحرمة، ولأن الوثنيين لا يذكرون اسم الله عليه والله يقول: ï´؟وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌï´¾ (الأنعام: 121) والله أعلم.

س: ما حكم الاحتفال بأعياد الكفار؟
ج: لا يجوز الاحتفال بأعياد الكفار لما في ذلك من إقرار ما هم عليه من الكفر، ولما فيه من تكثير سوادهم ؛ والتشبه بهم قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من تشبه بقوم فهو منهم"؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}(الفرقان: 72). الآية فسرها العلماء بأعياد المشركين؛ ولما فيه من التعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة :2).
ولما فيه أيضًا من موالاتهم؛ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}(المائدة: 51) ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ}(الممتحنة: 1) .
ولأنه ليس للمسلمين إلا عيدان يوم الفطر ويوم الأضحى وقد روى أبو داود (1134) والنسائي (1556) عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا ، فَقَالَ : مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْر"ِ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2021).

س: ما حكم تهنئة الكفار بأعيادهم؟
ج: قال ابن القيم - يرحمه الله - في كتاب (أحكام أهل الذمة) : " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس ، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه ، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه ." انتهى
ومنع من ذلك أيضًا لما فيه من إقرارهم على كفرهم، ولما فيه من تقوية نفوسهم على باطلهم، ولما فيه من موالاتهم. والله أعلم

يوسف التازي
22-01-15, 12:34 AM
الولاء والبراء في الإسلام
سؤال وجواب
أعده
أبو عاصم البركاتي المصري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،،،،،،،،،، وبعد:
فهذا مبحث الولاء والبراء؛ أعددته في صورة سؤال وجواب تسهيلًا لقارئه؛ وترغيبًا لدارسه؛ وتشويقًا لسامعه وشارحه؛ وأرجو من الله له القبول، وهو خير مسئول؛ وأن يجعله لوجهه خالصًا؛ وأن يعطني به أجرا وأن يحطط عني به وزرا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
س: ما معنى الولاء؟
ج : الولاء لغةً: الوَلْيُ في اللغة هو القُرْب، ويأتي بمعنى الحُب والنُّصْرة في الولاء.
والولاء شرعًا : حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين.
س: ما معنى البراء؟
البراء لغةً : البَرَاءُ : مصدر بَرِئتُ، وهو من الفعل بَرِئ؛ وله معنيان أصليان.
(1) بَرِئ بمعنى : تَنَزَّهَ وتباعَدَ مع البغض والعداوة.
(2) بمعنى الخَلْقُ ، ومنه اسمه تعالى (البارئ).
والبراء شرعًا : بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى (من الأصنام الماديّة والمعنويّة: كالأهواء والآراء)، وبُغْضُ الكفر (بجميع ملله) وأتباعِه الكافرين، ومعاداة ذلك كُلِّه.
س: اذكر أدلة الولاء من القرآن؟
ج : كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾(المائدة 55-56).
وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71) .
س: اذكر أدلة الولاء من السنة؟
ج: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو ، تَدَاعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بَعْضُه بعضًا» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: « المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يُسْلِمُه» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده ، لا تدخلون الجنّةَ حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أَوَلَاَ أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلامَ بينكم» أخرجه مسلم.

س: اذكر أدلة البراء من القرآن؟
ج: قال تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران 28).
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الزخرف.
وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} سورة الممتحنة.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ }(الممتحنة : 1).
قال الله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة: 22).
وغير ذلك كثير.

س : ما منزلة الولاء والبراء في الإسلام؟
ج: يبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ" أخرجه أحمد (18524).
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ » متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ ، وذكر منهم: وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ "متفق عليه.
فالولاء والبراء من لوازم " لا إله إلا الله" وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} ( البقرة: 256).
وقال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} ( آل عمران: 28).
ويقول تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} ( آل عمران: 31-32).
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} ( المائدة: 54).
وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن " تَنْصَحُ لِلْمُسْلِمِ ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ ".
وفي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله".

س : ما مظاهر موالاة المؤمنين؟
ج: مظاهر مولاة المؤمنين كثيرة ومن ذلك :
(1) الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكفار.
(2) مناصرة المؤمنين ومعاونتهم بالنفس و المال و اللسان والقلم ، وبكل ما يحتاجون إليه . قال تعالى : { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ }(الأنفال :72).
(3) التألم لألمهم، و السرور لسرورهم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » متفق عليه.
(4) النصح لهم ومحبة الخير لهم ، وعدم غشهم؛ قال صلى الله عليه وسلم قَالَ: « لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ » متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه.
(5) احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم؛ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ } .. الآية
(6) زيارتهم، ومحبة الالتقاء بهم، والاجتماع معهم، ففي الحديث القدسي: " وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ".
(7) أن يكون معهم في حال يسرهم وعسرهم، ومنشطهم ومكرههم، واحترام حقوقهم، والاستغفار لذنوبهم؛ قال تعالى:{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }(محمد:19).

س : ما مظاهر موالاة الكافرين؟
ج: قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ما ملخصه:
(1) من مظاهر موالاة الكفار التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما ، قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- "من تشبه بقوم فهو منهم" . فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمعتهم وأخلاقهم كحلق اللحى وإطالة الشوارب والرطانة بلغتهم إلاّ عند الحاجة .
(2) من مظاهر موالاة الكفار الإقامة في بلادهم قال تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾(النساء :97 -99).
فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلاّ المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة؛ وكذا من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
(3) ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة نعوذ بالله من ذلك.
(4) ومن مظاهر موالاة الكفار الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾ ( آل عمران : 118 - 120).
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلت لعمر رضي الله عنه: لي كاتب نصراني . قال: مالك قاتلك الله. أما سمعت الله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ألا اتخذت حنيفًا ، قال : قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه . قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله .
وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال : إني أردت أن أتبعك وأصيب معك ، قال: "تؤمن بالله ورسوله" ؟ قال لا - قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك".
(5) ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتاريخهم - خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح عليه السلام، والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح عليه السلام فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم ، ولتجنب هذا لما أراد الصحابة رضي الله عنهم وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر رضي الله عنه عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم - والله المستعان.
(6) ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها - وقد فسر قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.
(7) ومن مظاهر موالاة الكفار مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية ، بل ذلك مطلوب قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في الأصل للمسلمين قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها ، يجب أن يكون لهم مصانع وتقنيات.
(8) ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم - بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم وقد قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن". وبسبب تغيير الأسماء فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية ، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة .
(9) من مظاهر موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه([1]). انتهى
(10) "محبة الكفار وتعظيمهم ونصرتهم على حرب أولياء الله، وتنحية شريعة الله عن الحكم في الأرض ورميها بالقصور والجمود وعدم مسايرة العصر ومواكبة التقدم الحضاري.
(11) ومنها: استيراد القوانين الكافرة - شرقية كانت أم غربية - وإحلالها محل شريعة الله الغراء وغمز كل مسلم يطالب بشرع الله بـ : التعصب والرجعية والتخلف!
(12) ومنها: التشكيك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن في دواوينها الكريمة والحط من قدر أولئك الرجال الأعلام الذين خدموا هذه السنة حتى وصلت إلينا.
(13) قيام دعوات جاهلية جديدة تعتبر جديدة في حياة المسلمين، ذلك مثل دعوة القومية الطورانية والقومية العربية والقومية الهندية و.. و... الخ"

[الولاء والبراء في الإسلام للقحطاني ص9 ].

س: ما حكم موالاة الكفار؟
ج: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا }.
وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
ولا ينبغي أبداً أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم:{ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }، ويقول سبحانه لنبيه :{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }، والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وألا تأخذه فيه لومة لائم، وألا يخاف من أعدائه فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى:{فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }، والله الموفق.

س: ما هي أنواع موالاة الكفار؟
ج: موالاة صغرى وموالاة كبرى.
الموالاة الصغرى لا تخرج عن الإسلام، والموالاة الكبرى تخرج عن الإسلام والعياذ بالله.

س: ما هي الموالاة الصغرى وما صورها؟
ج: الموالاة الصغرى التي لا تخرج صاحبها من الملة، وهي محرمة؛ ومن صورها التعصب للكافر لأنه من أبناء الوطن؛ أو الحزب أو لشراكة في مال أو تجارة؛ يعني من أجل مصلحةٍ دنيوية، وموالاته في تلك المصلحة، مع بغضه ديانةً؛ قال ابن تيمية في الفتاوى(7/ 523): قد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً. ا هـ.

س: ما هي الموالاة الكبرى وما صورها؟
ج: موالاةٌ كفرية، وهي مودة الكفار من أجل دينهم، ومحبتهم بالقلب ديانةً، وقد يتمنى نصرتهم على المسلمين، قال سبحانه وتعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾( المائدة: 51).

س: هل تجوز الموالاة في بعض المواضع للكفار؟
ج: تجوز عند الضرورة والإكراه؛ وهي إظهار الموالاة باللسان عند الضرورة وعند خوف الفتنة من الكفار؛ كما قال الله –سبحانه وتعالى-: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}(آل عمران: 28) ؛ ولقوله سبحانه وتعالى-: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ }(النحل: 106). وسبب ذلك قصة عمار، عندما أرغمه الكفار على النيل من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنال منه تحت التهديد وتحت الخطر؛ فجاء يبكي وخشي على نفسه الردة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعُدْ".

س: ما حكم التجسس للكفار على المسلمين؟
ج: التجسس على المسلمين لمصلحة الكفار حرام: فهو خيانة للدّين، ومحاربة للمسلمين، ومعاونة لأهل الشرك والكفر عليهم، وكلها كبائر عظيمة، وتصل للردّة إذا صدرت من المسلم ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (الأنفال : 27).
وهي من نواقض العهود والمواثيق إذا صدرت من المعاهدين وأهل الذمة ، قال تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ }(التوبة : 4).
وقد حذر الله من ألئك؛ فقال -تعالى:{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(التوبة : 47).
قال مجاهد في قوله -تعالى-: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} وفيكم مخبرون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم وهو الجواسيس. [ تفسير البغوي: 10 / 298 ].
وقد تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس مسلماً كان أو كافرا، فقالت المالكية والحنابلة وغيرهم: يقتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله، وإنما يعاقب تعزيراً، إلا إن تظاهر على الإسلام فيقتل، أو ترتب على جاسوسيته قتل ، ومثله الذمي.
و‏إن كان كافراً يقتل في حال الحرب، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنّه نقض للعهد.
وقد ورد في السنة النبوية: ما يدل على قتل الجاسوس مطلقا، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: " أُتي النبي صلى الله عليه وسلم عينٌ من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوه فاقتلوه" قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه" رواه البخاري وأبو داود.

س: هل هناك أمور مشروعة يظن أنها من الموالاة وليست كذلك؟
ج: ما يُظنَّ أنه موالاة وليس بموالاة؛ كالتعامل مع الكفار بتجارةٍ أو إجارةٍ أو عاريةٍ أو رهنٍ أو بيعٍ أو شراءٍ أو نحو ذلك.
أو حتى تخلق بالأخلاق الطيبة معهم لعل الله أن يهديهم للدين أو بذل الهدية لهم فإن عمر –رضي الله عنه- أهدى لأخ له قبل أن يُسلِمْ ثوبًا أهداه له النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عمر –رضي الله عنه- كانوا إذا وُجِدَ عندهم لحمٌ أو ذبيحةٌ قال: "أأطعمتم جارنا اليهودي؟" ونحو ذلك ، وكذلك قبول هديةٍ منهم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ ماريةً –رضي الله عنها- هديةً من المقوقس عظيم الأقباط، ولا يعدُ هذا موالاة، ورهن درعه عند يهودي في صاعٍ من شعير، وعلي رضي الله عنه- أجَّرَ نفسه ليهوديةٍ فنتح لها ستة عشر دلوًا، كل دلوٍ بتمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عاقد اليهود وعاهدهم على أن يشاركوا مع المسلمين في قتال بقية الكفار والمشركين، وعقد معهم عهدًا، وعقد عهدًا مع خُزَاعة، وأحيانًا عقد عهودًا فيها حيفٌ على المسلمين في الظاهر؛ ولكن العاقبة للمتقين، كما حدث في صلح الحديبية، ولم يقل أحدٌ أن هذا التعامل نوعٌ من المودة والموالاة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يدعونني لشيء فيه تعظيمٌ لحرمات الله إلا وأجبتهم عليه".
كذلك في مسألة الوفاء بالعهد؛ حذيفة –رضي الله عنه- أسره المشركون هو وأبوه –مشركو قريش - ، فطلبوا منهم أن يخلُّوا سبيلهم، قالوا بشرط: أن تذهبوا إلى المدينة – أو إلى يثرب كما يقولون- ولا تذهبوا إلى محمد وأصحابه في بدر، صلى الله عليه وسلم، فأعطوهم العهد على أن يذهبوا إلى المدينة ولا يذهبوا إلى بدرٍ إلى القتال، فجاء حذيفةُ وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، مع حاجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقاتلين، مع كثرة عدد الكفار، وقلَّةِ عدد المسلمين؛ فقال لحذيفة وأبيه: "اذهبوا إلى المدينة، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم".
والنبي صلى الله عليه وسلم مرض جاره اليهودي، غلامٌ من جيرانه من اليهود، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، يزوره؛ فقال له: "قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" فنظر اليهودي الغلام إلى أبيه، فقال له: "أطع أبا القاسم". فقال: "أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار".
والنبي صلى الله عليه وسلم أذِنَ لأسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها لما جاءتها، وأمرنا الله ببر الوالدين ولو كانا كافرين أو مشركين، كما تعلمون في سورة لقمان.

س: ما معنى " البر" في قوله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ }(الممتحنة: 8).
ج: قال العلامة السعدي في تفسيره: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة ؛ كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} انتهى. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ص 856].

س: ما حكم اتخاذ الكافر صَدِيقًا؟
ج: نهى الله تعالى ذكره عن اتخاذ الكافرين بطانة وأصدقاء وأولياء؛ فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }(آل عمران: 118 -120).
وقال تعالى: { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }(آل عمران: 28).
قال ابن كثير في تفسيره (2 /441): ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. انتهى

س: ما حكم السفر لبلاد الكفر؟
ج: الأصل في السفر الإباحة، ومنع السفر لبلاد الكفر للمفاسد المترتبة على ذلك، وأبيح في حالات محدودة كالسفر للدعوة إلى الله، قال الشيخ العلامة صالح الفوزان: السفر إلى بلاد الكفر لا يجوز؛ لأن فيه مخاطر على العقيدة والأخلاق ومخالطة للكفار وإقامة بين أظهرهم ، لكن إذا دعت حاجة ضرورية وغرض صحيح للسفر لبلادهم كالسفر لعلاج مرض لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو السفر لتجارة، فهذه أغراض صحيحة يجوز السفر من أجلها لبلاد الكفار بشرط المحافظة على شعائر الإسلام ، والتمكن من إقامة الدين في بلادهم، وأن يكون ذلك بقدر الحاجة فقط ثم يعود إلى بلاد المسلمين .‏
أما السفر للسياحة فإنه لا يجوز؛ لأن المسلم ليس بحاجة إلى ذلك ، ولا يعود عليه منه مصلحة تعادل أو ترجح على ما فيه من مضرة وخطر على الدين والعقيدة. انتهى
ويقول فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى:
"لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا بشروط ثلاث:
الشرط الأول : أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني : أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.
الشرط الثالث : أن يكون محتاجًا إلى ذلك مثل أن يكون مريضًا أو يكون محتاجًا إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك, أو يكون الإنسان محتاجا إلى تجارة , يذهب ويتجر ويرجع . المهم أن يكون هناك حاجة, ولهذا أرى أن الذين يسافرون ألى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون, وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه " [ شرح رياض الصالحين المجلد الأول].
س: ما حكم الإقامة في بلاد الكفر؟
ج: حرام لا يجوز إلا لضرورة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"[أبو داود وصححه الألباني].
وقال: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا" [أخرجه الحاكم في المستدرك (2/141) وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي].
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وحسّنه الشيخ الألباني في الصحيحة من حديث سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن جامع المُشرك وسَكَن معه فإنَّه مثله».
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا بريءٌ مِن كل مسلمٍ يقيمُ بين أظْهُر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، ولِم؟ قال: «لا تراءَى نَارَاهُما» أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه الألباني في الصحيحة (2/227/ح 636).
وأخرج النسائي حسّنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع(7748) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « لا يقبل الله - عز وجل - من مشرك بعدما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين».
وأخرج النسائي وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع عن جرير قال: «بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشرك».
وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث أميراً على سرية أو جيشاً أوصاه بأمور؛ فذكرها، ومنها «ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين».
وقال العلامة ابن باز : قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"؛ وقد أخبر الله سبحانه عمن لم يهاجر من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام بأنه قد ظلم نفسه، وتوعده بعذاب جهنم في قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}( النساء: 97 – 99).

س: ما حكم التجنس بجنسية دولة من دول الكفر؟
ج: الأصل في التجنس بجنسية دول الكفار التحريم، لأدلة تحريم السفر لبلاد الكفر والإقامة بين المشركين، وأجيز لأمور منها:
أ - أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد ويلجأ لهذه الدولة؛ فهو جائز بشرط الاضطرار الحقيقي للجوء، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر.
ب - التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة، وهو جائز.
واشترط لجواز ذلك:
(1) انسداد أبواب العالم الإسلامي في وجه لجوئه إليهم.
(2) أن يضمر النية على العودة متى تيسَّر ذلك.
(3) أن يختار البلد التي يمارس فيها دينه بحرية.
قال الشيخ ابن جبرين رحمه الله : " من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارَد من بلده ولم يجد مأوى ، فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه ، ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية ، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه " انتهى .

س: ما حكم الاستعانة بالكفار في القتال؟
ج: اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين:
أحدهما : المنع من ذلك .
واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين كان معروفا بالجرأة والنجدة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تؤمن بالله ورسوله " قال: لا ؛ قال "ارجع فلن أستعين بمشرك" قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل فقال: له كما قال له أول مرة فقال : "تؤمن بالله ورسوله" قال: لا؛ قال : "ارجع فلن أستعين بمشرك" ؛ ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله؛ فقال له: "تؤمن بالله ورسوله" قال: نعم؛ قال "فانطلق" ا . هـ .
وروى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء فقال: "من هؤلاء "؟ قالوا هذا عبد الله بن أبي بن سلول ومواليه من اليهود وهم رهط عبد الله بن سلام فقال: "هل أسلموا" ؟ قالوا: لا إنهم على دينهم؛ قال: "قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين" انتهى .
واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن هارون أنبأنا مسلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده خبيب بن يساف قال: أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوًا فقلت يا رسول الله إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لم نشهده معهم فقال: "أسلما" فقلنا: لا؛ قال: "فإنا لا نستعين بالمشركين" قال: فأسلمنا وشهدنا معه" الحديث .
القول الثاني : القول بالجواز؛ قال الشافعي وآخرون : إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به أستعين به وإلا فيكره ، وحمل الحديثين على هذين الحالين ، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم والله أعلم . ا . هـ
وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه.
واحتج القائلون بالجواز أيضًا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون" الحديث.

س: وما حكم معاونة بعض الكفار في حرب بعضهم لبعض؟
ج: إذا كانت هناك معاهدة على النصرة بين المسلمين وفريق من الكفار؛ فيساعد المسلمون الكفار المعاهدين على من بغى عليهم، بالسلاح ونحوه، ومثل هذا ينظر فيه للمصلحة والمفسدة، وإذا كان العدو مشتركًا بين المسلمين وبعض الكفار فيعاونون أيضًا؛ كما في الحديث: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم فتنصرون وتغنمون"أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.

س: ما حكم إعانة الكفار في حرب المسلمين؟
ج: قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في (فتاواه) (1/274):
وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة : 51).

س: ما حكم التشبه بالكفار؟
ج: يحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم؛ عنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" رواه أبو داود (اللباس / 3512) قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح . برقم (3401)
وقول الله تعالى: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 16).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فقوله : { وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم ، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي" انتهى.
وقال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية (4/396) : "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية " انتهى .
وروى أبو داود (652) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِفُوا الْيَهُودَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ " وصححه الألباني في صحيح أبي داود .
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ ، فَقَالَ : "إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا" رواه مسلم (2077 ) .
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ ، وَأَوْفُوا اللِّحَى " رواه مسلم (259) .

س: ما معنى مخالفة الكفار ؟
ج: أوجب الشرع الحنيف وجوب مخالفة الكافرين؛ وترك التشبه بهم فيما هو من خصائصهم؛ والتشبه يكون فيما يظهر ومن ذلك لبس الثياب التي هي علامة عليهم، وكطريقة كلامهم والتحدث بلغتهم بغير حاجة ونحو ذلك؛ أما المخالفة فتكون في الأفعال والأقوال وفي كل الأمور؛ ما لم يكن أمرًا أقره شرعنا الحنيف؛ فالمخالفة أعم وأوسع من ترك التشبه؛ قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الجاثية: 18).
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ}(الرعد: 37).
وقول الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:16).
وروى أبو داود (652) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَالِفُوا الْيَهُودَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ " وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ " رواه البخاري (3462) ومسلم (2103).
والأدلة في هذا الباب كثيرة.

س: ما حكم عيادة مرضى الكفار؟
ج: يجوز إذا كان يرجى من وراء ذلك مصلحة؛ كإسلام المريض ؛ وقد جاء في صحيح البخاري من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمَرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له : أطع أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم-. فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله صلى لله عليه وسلم لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله؛ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرنّ لك مالم أُنه عنك؛ فأنزل الله تعالى فيه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}.

س: ما حكم تعزية الكفار في أمواتهم؟
ج: لا بأس بذلك لتأليف قلوبهم بغير مفسدة ولا يكون في كنيسة، قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ينظر في ذلك للمصلحة، إن كان في ذلك مصلحة التأليف وجلب المودة من هؤلاء الكفار للمسلمين فلا بأس، وإن لم يكن فيها فائدة فلا فائدة" انتهى .
"الإجابات على أسئلة الجاليات" ( 1/ 14- 15).

س: ما حكم الاستغفار لموتى غير المسلمين؟
ج: لا يجوز الاستغفار لغير المسلمين أو الدعاء لهم بالرحمة؛ قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وفي الآية وجوب إظهار البراءة من الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، وظهر في هذه الآية أنه تجب البراءة من أمواتهم وأحيائهم وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان.

س: ما حكم الزواج من نساء الكفار؟
ج: يجوز للمسلم أن يتزوج المحصنة من أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ والدليل قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان}(المائدة:4).
هذا مع كون المسلمة أولى؛ قال تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ }(البقرة :221).
وأما المشركة التي تعبد الأصنام أو البوذية أو المجوسية أو الملحدة فلا يجوز للمسلم نكاحهن؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}(البقرة: 221).

س: ما حكم زواج المسلمة من كافر؟
ج: يحرم على المسلمة أن تتزوج بغير مسلم؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(البقرة: 221).

س: هل يقدح في البراءة من الكفار محبة الزوجة غير المسلمة(الكتابية)؟
ج: أما إن كانت المحبة لدينها ولما هي عليه من الكفر فهذا والعياذ بالله من الموالاة الكبرى التي تخرج عن الإسلام؛ وأما إن كانت المحبة لحسن تبعلها له؛ ولتفانيها في خدمته وأولاده؛ مع بغض ما هي عليه من الكفر والبراءة منه ودوام النصح لها ودعوتها إلى الإسلام؛ فهذا لا شيء فيه والله أعلم.

س: ما حق الجار غير المسلم؟
ج: أولًا: اعتنى الشرع الحنيف بالجار، فوصى الله تعالى وأمر بالإحسان إليه فقال سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} (النساء : 36 ).
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه» متفق عليه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» متفق عليه.
وللعلم فالجيران ثلاثة:
(1) جار له حق واحد؛ وهو غير المسلم؛ له حق الجوار.
(2) وجار له حقان وهو الجار المسلم؛ له حق الجوار وحق الإسلام.
(3) وجار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار المسلم ذو القرابة والرحم؛ له حق الجوار وحق الإسلام وحق القربى.
ثانيًا: أما عن الجار غير المسلم فله حق الجوار بالمعروف، مع الإحسان إليه لأنه داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» متفق عليه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» رواه البخاري.
وكان عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - إذا ذبح شاة يقول: «أهديتم لجاري اليهودي ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» رواه أبو داود.

س: ما حكم أكل طعام الكفار وذبائحهم؟
ج: طعام الكفار من أهل الكتاب وغيرهم حلال للمسلم شريطة ألا يكون محرمًا في الإسلام؛ عن أنس - رضي الله عنه - أن يهوديًا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خبز شعير، وإهالة سنخة فأجابه[أخرجه أحمد (13201)].
وقال عز وجل: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}الآية.
أما الذبائح فيجوز أكل ما ذبح أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ قال ابن قدامة : ( أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب ؛ لقول الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}( المائدة: 5)؛ يعني : ذبائحهم . قال البخاري: قال ابن عباس : طعامهم ذبائحهم. المغني(13 /293).
وفي صحيح البخاري (رقم 5507) عن عائشة رضي الله عنها، " أن قومًا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أَذَكَرُوا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم، ثم كلوا".
أما ذبائح الكفار الوثنيين فلا يجوز أكلها، لأن الأصل في الذبائح الحرمة، ولأن الوثنيين لا يذكرون اسم الله عليه والله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (الأنعام: 121) والله أعلم.

س: ما حكم الاحتفال بأعياد الكفار؟
ج: لا يجوز الاحتفال بأعياد الكفار لما في ذلك من إقرار ما هم عليه من الكفر، ولما فيه من تكثير سوادهم ؛ والتشبه بهم قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من تشبه بقوم فهو منهم"؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}(الفرقان: 72). الآية فسرها العلماء بأعياد المشركين؛ ولما فيه من التعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة :2).
ولما فيه أيضًا من موالاتهم؛ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}(المائدة: 51) ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ}(الممتحنة: 1) .
ولأنه ليس للمسلمين إلا عيدان يوم الفطر ويوم الأضحى وقد روى أبو داود (1134) والنسائي (1556) عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا ، فَقَالَ : مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْر"ِ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2021).

س: ما حكم تهنئة الكفار بأعيادهم؟
ج: قال ابن القيم - يرحمه الله - في كتاب (أحكام أهل الذمة) : " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس ، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه ، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه ." انتهى
ومنع من ذلك أيضًا لما فيه من إقرارهم على كفرهم، ولما فيه من تقوية نفوسهم على باطلهم، ولما فيه من موالاتهم. والله أعلم

يوسف التازي
22-01-15, 12:35 AM
س: ما حكم إلقاء السلام أو رد السلام عليهم ؟
ج: لا يجوز أن نبدأ الكافر بالسلام ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام .. " . رواه مسلم ( 2167) . وأما رد السلام عليهم
فيرد بقول: وعليك أو وعليكم ؛ فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: عليك". رواه البخاري ( 5902) ومسلم (2461).
والسام أي الموت والهلاك، وأخرج البخاري(6258) عن أَنَس بْن مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - :« إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ » .

س: ما حكم دفع الزكاة لغير المسلمين؟
ج: لا يجوز إعطاء الزكاة لغير مسلم؛ إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم قال الله تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (التوبة: 60).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه لليمن : " ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" الحديث متفق عليه .
س: ما حكم الصدقة لغير المسلمين؟
ج: يجوز التصدق على الفقراء من غير المسلمين مع كون فقراء المسلمين أولى، قال تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (الممتحنة: 8 -9).
ولحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : " قَدِمَتْ عَلَيّ أمي وهي مشركة - في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُدَّتِهم - مع أبيها ، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبةٌ - تطلب العون - أفأصلها ؟ قال : نعم صِلِيْها " رواه البخاري(2946).
وعن عائشة رضي الله عنها : " أن امرأة يهودية سألتها فأعطتها ، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة ذلك ، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم قالت له، فقال: لا ، قالت عائشة: ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: " إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم". مسند أحمد برقم(24815). فدل هذان الحديثان على جواز التصدق على الكافر.

س: ما حكم قبول أموال الكفار؟
س: يجوز قبول أموال الكافر إذا بذلها وتبرع بها عن طيب نفس؛ فقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم عند اليهود. رواه البخاري (2424) ومسلم (4060).
وأهدى له ملك أيلة – بلدة بساحل البحر – وكان كافراً بغلة بيضاء وبردةً .
رواه البخاري (1411) ومسلم (1392).
وبذل عنه النجاشي مهر أم حبيبة ولم يكن أسلم آنذاك؛ فعن أم حبيبة أن رسول الله صلى اللهم عليه وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة زوَّجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وكان مهر نسائه أربع مائة درهم .
رواه النسائي (3350) – واللفظ له – وأبو داود (2086) والحاكم (2/ 181) وصححه وأقره الذهبي.

س: ما حكم الإهداء إليهم أو قبول هديتهم؟
ج: يجوز الإهداء لهم وقبول الهدية منهم؛ فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدية المقوقس عظيم الإسكندرية، وأهدى عمر - رضي الله عنه – حلته لأخ له مشرك كما في صحيح البخاري.

س: ما حكم الانتفاع بما أنتجه الكفار؟
ج: لا بأس بذلك إذا دعت الحاجة إليه؛ فعلم الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والصناعة والزراعة والأعمال الإدارية وأمثال ذلك يحتاجها المسلمون، فلا بأس من الانتفاع بها، بل قد يجب الأخذ بها لرفع الحرج عن الأمة.
أما ما أنتجوه من الفلسفات النظريات الكلامية والتصورات العقدية فيمنع المسلم من الأخذ بذلك لكمال الدين وتمام النعمة، ولما في ذلك من مخالفات عقدية واضحة لعقيدة الإسلام؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب عن القراءة في صحيفة التوراة، لأن كتاب الله فيه الهدى والنور؛ والله أعلم.

س: ما حكم استخدام الكفار؟
ج: لا بأس بالاستعانة بالكافر الأمين وإجارته إذا لم يتوفر المسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه في رحلة الهجرة استعانا بدليل اسمه عبد الله بن اريقط وهو يومئذ على الكفر.

س: ما حكم العمل لدى المشركين؟
والجواب: يكره ذلك، لما فيه من تعرض المسلم للامتهان، وجاز لحاجة أو ضرورة ويدل على ذلك ما رواه البخاري أيضاً عن خباب رضي الله عنه قال: كنت رجلاً قيناً فعملت للعاص بن وائل فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا ؛ قال: وإني لميت ثم مبعوث؟
قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك: فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا} (مريم: 77).
قال المهلب: كره أهل العلم ذلك - أي مؤاجرة نفسه من مشرك في أرض الحرب - إلا لضرورة بشرطين أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين" .فتح الباري (4/452).

س: ما حكم استعمال أنيتهم وملابسهم؟
ج: أما عن آنية الكفار فيكره استعمالها لما ثبت في الصحيحين، عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكل في أواني المشركين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها".
أما عن استعمال ملابسهم فلا بأس ولا حرج على المسلم في استعمالها إذ لم يرد ما يمنع من ذلك. ما لم يكن فيه تشبه بهم فيما هو من خصائصهم؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه ثوبين معصفرين فقال له : " إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها " رواه مسلم (2077).
و روى مسلم (2069) عن عمر رضي الله عنه أنه كتب للمسلمين في أذربيجان: " إياكم والتنعم وزي أهل الشرك " رواه مسلم (2069).

س: هل يجوز التوارث بين المسلم والكافر؟
ج: لا يجوز أن يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " رواه البخاري ( 6383 ) ومسلم (1614).

س: ما حكم من صحح دين النصارى أو اليهود أو غيرهم من ملل الكفر؟
ج: من صحح دين النصارى أو اليهود أو غيرهم من ملل الكفر، ولم يعتقد كفرهم فهو كافر مرتد؛ قال الله عز وجل: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } ( آل عمران: 85 ).
وقال الله تعالى : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (المائدة: 17)
ومكذّب بقوله تعالى : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(المائدة: 73)
وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }(التوبة: 30 - 31).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" . رواه مسلم ( 153).
قال القاضي عياض: "ولهذا نكفِّر كل من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك ، أو صحَّح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه ، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك" . انتهى من" الشفا بتعريف حقوق المصطفى " ( 2 / 107 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : قد ثبت في الكتاب، والسنَّة، والإجماع: أن من بلغته رسالته صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به: فهو كافر ، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد ؛ لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة ". مجموع الفتاوى (12 / 496) .
وقال – رحمه الله – أيضاً - : إن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام . "مجموع الفتاوى" (35 / 201).

س: ما تفسير قوله تعالى:{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ }؟
قال البغوي في تفسيره(5 /167) :{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله :{ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } (فصلت: 40).
وقيل معنى الآية : وقل الحق من ربكم ولست بطارد المؤمنين لهواكم فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط بكم سرادقها وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية : من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر وهو قوله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } (الإنسان: 30).
وقال ابن كثير في تفسيره(5 /154): يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وقل يا محمد للناس : هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ؛ ولهذا قال: {إنا أعتدنا} أي : أرصدنا {للظالمين} وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه؛ {نارًا أحاط بهم سرادقها} أي : سورها.

س: ما تفسير قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} ؟
ج: قال الفخر الرازي في تفسيره مفاتح الغيب: قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص له ، فإن قيل : فهل يقال: إنه أذن لهم في الكفر؟ قلنا : كلا فإنه عليه السلام ما بعث إلا للمنع من الكفر فكيف يأذن فيه، ولكن المقصود منه أحد أمور:
أحدها : أن المقصود منه التهديد، كقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}.
وثانيها : كأنه يقول : إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة ، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فاتركوني ولا تدعوني إلى الشرك. ا هـ
وقال البخاري: يقال: (لكم دينكم) الكفر؛ (ولي دين) الإسلام .
وجاء أيضًا: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} أي لكم جزاؤكم على أعمالكم ولى جزائى على عملى كما جاء فى قوله تعالى: {لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ} .

س: ما معنى قاعدة: الرضى بالكفر كفر؟
ج: والمعنى أن من أقر الكافر على كفره وصحح ما هو عليه من الكفر أو زعم بأن جميع الناس من يهود أو نصارى أو غيرهم من ملل الكفر سيدخلون الجنة كأهل التوحيد والإسلام؛ أو أحب الكافر لكفره فهو كافر قولًا واحدًا؛ والدليل على هذه القاعدة قوله تعالى:{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً }(النساء: 140).
وقال القرطبي في تفسيره "الجامع":{إنكم إذاً مثلهم}، من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضى بالكفر كفر، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية ا- هـ.

س: ما حكم بناء كنائس النصارى أو معابد اليهود أو ما شابه في ديار الإسلام؟
ج: جاء في فتوى اللجنة الدائمة فتوى رقم ( 21413 ) وتاريخ 1 / 4 / 1421 هـ: صار من ضروريات الدين: تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرهما؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية؛ لأن العبادات التي تُؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً}( الفرقان:23).
ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وألا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أُحدثت في الإسلام، ولا تجوز معارضة ولي الأمر في هدمها بل تجب طاعته. انتهى

س: ما حكم القراءة في التوراة أو الإنجيل الموجود بأيدي اليهود أو النصارى؟
ج: أولًا: نحن نؤمن بالكتب التي أنزلها على أنبيائه ورسله إجمالا، قال تعالى: {مَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(البقرة: 285).
والإيمان بالكتب ركن من أركان الإيمان فقد قال صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان: « أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ » أخرجه مسلم(8).
ونؤمن بالكتب التي أخبرنا الله بها كالتوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، والإنجيل أنزله الله على عيسى عليه السلام والزبور أنزل على داود عليه السلام ونحو ذلك، فمن كذب بالكتب إجمالًا أو كذب بأحدها فهو كافر لأنه مكذب لكتاب الله تعالى.
ثانيًا: القرآن هو كتاب الله تعالى الذي أنزله وحيًا على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو آخر الكتب، وقد نسخ الله به ما سبق من الكتب التي أنزلها سبحانه وتعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}(المائدة: 48).
ثالثًا: هذه الكتب الموجودة الآن بين أيدي اليهود والنصارى؛ أو ما يسمى بالكتاب المقدس بزعمهم؛ فهي محرفة؛ ومبدلة؛ وطالها من العبث والتحريف والزيادة والنقصان؛ وشتى أشكال التغيير والنسيان؛ قال تعالى:{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}(المائدة :13).
وقال تعالى:{ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}(المائدة:41).
ويستدل لذلك بما رواه البخاري (3635) ومسلم (1699) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ؛ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ؛ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ: ارْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ؛ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ".
رابعًا: أما عن حكم القراءة في التوراة أو الإنجيل الموجود بأيدي اليهود أو النصارى فلا يجوز إلا للمصلحة أو الضرورة؛ فمن تصدر للرد على شبهات النصارى أو تفنيد عقائدهم أو دعوتهم فيجوز له ذلك إن كان مؤهلًا لهذه المهمة ومسلحًا بالعلم والعقيدة الإسلامية الصحيحة؛ أما ما عدا ذلك فيحرم الاطلاع فيها أو قراءتها فقد أخرج أحمد(15156) وغيره عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ؛ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِيِِِِ". والله أعلم.

س: ما حكم بيع الأراضي والعقارات للنصارى واليهود؟
ج: الأصل جواز البيع والشراء بالشروط المعروفة في كتب الفقه؛ والله يقول: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}(البقرة: 275). ولكن بخصوص بيع الأراضي والعقارات لليهود أو النصارى فيحرم للمفسدة الحاصلة؛ من تقوية شوكتهم على المسلمين؛ ومن السيطرة على دول الإسلام؛ والله تعالى يقول: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}؛ ويقول سبحانه: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة: 2).
ويقول سبحانه: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله أولياء ثم لا تنصرون} (هود: 113).
جاء في كتاب قذائف الحق ص 60: تقريرا سريا تسرب من الكنيسة المصرية ورد فيه: " قال شنودة: إن المال يأتينا بقدر ما نطلب وأكثر مما نطلب، وذلك من مصادر ثلاثة: أمريكا، الحبشة، الفاتيكان، ولكن ينبغي أن يكون الاعتماد الأول في تخطيطنا الاقتصادي على مالنا الخاص الذي نجمعه من الداخل، وعلى التعاون على فعل الخير بين أفراد شعب الكنيسة، كذلك يجب الاهتمام أكثر بشراء الأرض، و تنفيذ نظام القروض و المساعدات لمن يقومون بذلك لمعاونتهم على البناء، وقد ثبت من واقع الإحصاءات الرسمية أن أكثر من 60 % من تجارة مصر الداخلية هي بأيدي المسيحيين، وعلينا أن نعمل على زيادة هذه النسبة.
وعليه فيحرم بيع الأراضي والعقارات والأبنية لغير المسلمين في دول المسلمين، كما سبق بيانه والله أعلم.

س: ما حكم التحاكم لقوانين وتشريعات الكفار؟
ج: إن الله تعالى سمى عدم التحاكم للشرع الذي أنزله كفرًا وسماه حكم الجاهلية وسماه أيضًا حكم الطاغوت والعياذ بالله، قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة:44)
وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة: 49 -50).
وقد قال تعالى : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21).
وقال سبحانه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } (النساء:60- 61).
وعلى هذا فالتحاكم لشرع الكفار وقوانينهم كفر والعياذ بالله؛ ونحن لن نتكلم هل هو كفر أكبر أم كفر أصغر؟ لأن الأصل أن تمرر النصوص كما جاءت زجرًا وتقريعًا وترهيبًا لمن تحاكم لغير شرع الله تعالى.
ولكن من المتفق عليه أن من استحل التحاكم لغير شرع الله تعالى؛ أو فضل قوانين الكفار بحكم الله وشرعه؛ أو ساوى قوانين الكفار بشرع الله فهو كافر كفرًا أكبر يخرجه عن الإسلام؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه ، كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء " انتهى من مجموع الفتاوى ( 3 / 267).
وقال ابن كثير رحمه الله : " فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين " انتهى من "البداية والنهاية" (13 /139).
و(الياسا) ويقال : (الياسق) هي قوانين جنكيز خان التتاري الذي ألزم الناس بالتحاكم إليها؛ ولاشك أن من باشر التشريع بنفسه كان أعظم كفرًا وضلالًا ممن تحاكم إليه.

س: ما حكم القول بزمالة الأديان السماوية؟
ج: في القول تفصيل : أولًا: إن كان القصد بأن الأنبياء والرسل إخوة وكلهم بعثوا من الله، وعلى هذا فما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما نزل على موسى عليه السلام وما نزل على عيسى عليه السلام كله من عند الله، فلا بأس بهذا القول بمعنى أن مصدرهم واحد.
ثانيًا: إن كان المعنى تسوية الإسلام بما عليه اليهود اليوم وكذا ما عليه النصارى أو تسوية القرآن بالتوراة والإنجيل، وأن الكل سيدخلون الجنة وهم مرضيون عنهم من الله ؛ فهذا ضلال بين وكفر صراح؛ ففيه تكذيب للقرآن، الذي أثبت كفر اليهود والنصارى وأثبت تحريفهم للتوراة والإنجيل، وما بقي فيها صحيحًا غير محرف فهو منسوخ بالإسلام، كما أن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم عامة للناس أجمعين ، قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقال سبحانه: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا} وغيرها من الآيات.
وكلمة أخيرة فهذه الدعوة خبيثة الهدف والغاية، ويحرم التورط فيها؛ وينبغي الحذر من مخططات القوم، لا سيما رواد المدرسة العقلية الحديثة فقد دعا بهذه الدعوة أمثال جمال الدين الإيراني (الأفغاني) ومحمد عبده وغيرهم الذين يقولون: اقتلع الإسلام من قلوب المسلمين جذور الحقد الديني.

س: ما حكم الدعوة لوحدة الأديان؟
ج: القول بوحدة الأديان دعوة خبيثة هدامة كفرية، إذ فيها تصحيح لما عليه اليهود والنصارى، قال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} ؛ وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار".
ومن الآثار السيئة لهذه الدعوة تضييع وتمييع عقيدة الولاء والبراء التي هي أصل من أصول الإسلام، وليعلم القاصي والداني أن هذه الدعوة كفر وردة؛ فمن لم يكفر اليهود والنصارى فهو كافر، طردًا لقاعدة الشريعة: "من لم يكفر الكافر بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر".
ولذا فمن المضحك المبكي أن نسمع من يدعو لمجمع أديان( مسجد ومعبد وكنيسة) في مبنى واحد؛ أو طباعة القرآن والتوراة والإنجيل في مجلد واحد؛ والعياذ بالله من الكفر وتحول العافية.

يوسف التازي
22-01-15, 12:35 AM
س: ما حكم الدعوة لتقارب الأديان؟
ج: ظهرت هذه الدعوة من بعض الناس اليهود والنصارى غالبًا بغرض إفساد عقائد المسلمين، ولكي يتقبل المسلمون ما عليه اليهود والنصارى ولا عكس، فالفاتيكان إلى اليوم لا يعترف بالإسلام دينًا؛ فالإسلام في معتقد الفاتيكان مذهب وضعي؛ وضعه محمد - صلى الله عليه وسلم-، فالمقصود من وراء هذه الدعوة تقريب التنصير للمسلمين، وتذويب الفوارق العقدية والقضاء على شخصية المسلم، ويستخدمون لذلك شعارات مثل اللقاء الإبراهيمي أي تجميع الأديان في الديانة الإبراهيمية نسبة لإبراهيم الخليل عليه السلام؛ ومن ذلك شعار "المؤمنون متحدون" : وهو شعار واسم جماعة عالمية للمؤمنين بالله يتزعمها البابا، وقد تأسست في شهر مارس من عام 1987م بهدف جمع الديانات بما فيها الإسلام تحت مظلة النصرانية بزعامة البابا.
وعليه فهذه الدعوة دعوة إلى الكفر؛ وردة عن الإسلام إذ كيف يجتمع الحق والباطل والهدى والضلال؟!!! قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (آل عمران: 72 -73).
وقال تعالى:{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }(النساء:89).
وقال تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة:109). والله أعلم.

س: ما حكم الدعوة للمذاهب الهدامة كالقومية العربية والفرعونية والماسونية والعلمانية والليبرالية ونحوها؟
ج: الدعوة إلى الكفر كفر وردة والعياذ بالله تعالى؛ ومثل تلك الدعوات فيها من الولاء الفكري والعقدي لأعداء الإسلام؛ وفيها من الرضا بغير الإسلام ما هو معلوم؛ فما قامت هذه الدعوات إلا لتكون بديلًا عن الإسلام؛ قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}(آل عمران: 83).
وقال سبحانه:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران: 85).

س: ما هي وسائل القوم في إضعاف عقيدة الولاء والبراء؟
ج: للقوم وسائل وطرائق شتى؛ لإضعاف عقيدة الولاء والبراء ولتمييع القضايا الإسلامية ولتذويب شخصية المسلم؛ ومن ذلك:
(1) نشر اللادينية والمذاهب الهدامة.
(2) إحياء النعرات الجاهلية كالقومية والقبلية والفرعونية ونحوه.
(3) محاربة أصول الإسلام ومصادره قرآنا وسنة؛ والتشكيك فيهما.
(4) العمل على إيجاد بدائل لمصادر الإسلام من ذلك فكر المستشرقين، وأطروحات التغريبيين.
(5) الطعن في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والحط من قدرهم.
(6) محاربة اللغة العربية، وتشجيع تعلم اللغات الأخرى.
(7) محاربة التاريخ الإسلامي؛ والعمل على تشويهه وتزويره.
(8) محاربة مظاهر التدين؛ كالحجاب الإسلامي؛ والزي الشرعي واللحية.
(9) إضعاف الهوية الإسلامية.
(10) التحريش بين المسلمين وإثارة القلاقل بينهم؛ ليضعف ولاؤهم لبعض.
(11) الدعوة إلى المواطنة وزمالة الأديان.
(12) العمل على نشر الأفكار التغريبية والفكر الهدام.
(13) الدعوة إلى قبول الآخر بما عليه وما فيه من انحرافات.
(15) محاولة القوم رفع شأن الساقطين والساقطات؛ وفي الوقت ذاته الحط من أقدار الصالحين والمصلحين.
(16) سحق المتدينين والدعاة المخلصين والتنكيل بهم بواسطة الحكام الجائرين؛ إرهابًا للناس وللصد عن دين الله تعالى.
(17) تشجيع الإعلام الفاسد على ترويج الشائعات المغرضة والشبهات الباطلة على الإسلام وأهله.

س: اذكر بعض صور الولاء والبراء الواقعية؟
ج: صور الولاء والبراء كثيرة في القرآن والسنة وفي أحوال السلف الصالحين، وقد ذكر الله تعالى لنا قول إبراهيم عليه السلام ومن معه لقومهم وأمرنا بالتأسي بهم؛ فقال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(الممتحنة: 4).
ولقد ضرب الصحابة الكرام رضي الله عنهم؛ والسلف الصالحون صورا من أروع الصور في الولاء والبراء؛ صيانة لجناب التوحيد وإعلاء من كلمة" لا إله إلا الله" ومن ذلك:
قصة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه مع أبيه؛ فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير(1 /154)(360) قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي ثنا أسد بن موسى ثنا ضمرة عن ابن شوذب قال : جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله؛ وفيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة: 22).وهذا إسناد مرسل.
ومن ذلك أيضا موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول مع أبيه - رأس النفاق - روى البخارى ومسلم – رحمهما الله – واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله – رضى الله عنه – قال: كنا غزاة ، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصارى: يا للأنصار ، وقال المهاجرى: يا للمهاجرين ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ما بال دعوى الجاهلية"؟
قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال: "دعوها إنها منتنة" فسمعها عبد الله بن أُبى فقال: قد فعلوها ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل ، قال عمر: دعنى أضرب عنق هذا المنافق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم): "دعه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
قال محمد ابن اسحاق: عن عاصم بن عمرو بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أُبى لما بلغه ما كان من أبيه أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله ، إنه بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أُبى فيما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلا فمرنى به ، فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالديه منى ، إنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله ، فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبى يمشى فى الناس فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، فأدخل النار ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا"
وذكر عكرمة وغيره: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة ، وقف عبد الله بن عبد الله بن أُبى بن سلول على باب المدينة ، واستل سيفه ، فجعل الناس يمرون عليه ، فلما جاء أبوه عبد الله بن أُبى قال له ابنه: وراءك ، فقال: مالك ويلك؟!!!!
قال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكان يسير فى ساقة فشكا إليه عبد الله بن أُبى ابنه فقال الابن: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له ، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقال: أما أذن لك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فَجُزْ الآن" انتهى كلام ابن اسحاق. [تفسير ابن كثير (4 /359) وأصل الخبر عند الترمذى فى السنة (5 /90) وقال: هذا حديث حسن صحيح].
ومن ذلك قصة زيد بن الدثنة –رضي الله عنه – الذي اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فخرجوا بزيد إلى التنعيم حيث اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له سفيان حين قدم ليقتل : أنشدك الله يا زيد أتحب محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. ثم قتلوا زيد – رضي الله عنه.[ السيرة النبوية لابن هشام 4 / 125].
وكعب بن مالك رضي الله عنه يحكي عن نفسه لما هجره المسلمون بسبب تخلفه عن رسول الله في غزوة تبوك : " فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتاباً من ملك غسان فإذا فيه : أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك . فقلت لما قرأتها : وهذا من البلاء فتممت بها التنور فسجرته بها" أخرجه البخاري.
وفي قصة عبد الله بن حذافة السهمي – رضي الله عنه – ما يدل على ذلك . فإنه قد أسر في أحد المعارك مع الروم فعرض عليه ملك الروم أن يتنصر فرفض ثم قال له : إن فعلت شاطرتك ملكي وقاسمتك سلطاني فقال عبد الله : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن ديني طرفة عين ما فعلت ذلك . ثم هدده الملك بالقتل وصلبه ورماه قريباً من رجليه وقريباً من يديه وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى . فقال له : هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك فقال عبد الله له : وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً ؟ قال : نعم فقبّل رأسه فأمر الملك بإطلاق سراحه وسراح جميع المسلمين المأسورين لديهم وقدم بالأسرى على عمر – رضي الله عنه – فأخبره خبره فقال عمر: حق على كل مسلم أن يُقبّل رأس ابن حذافة وأنا أبدأ فقبل رأسه.[ سير أعلام النبلاء 2 / 14].
ويروي لنا أبو الفرج الجوزي قصة أبي بكر النابلسي فيقول : أقام جوهر القائد (الرافضي) لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي فقال له : بلغنا أنك قلت : إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة؛ قال : ما قلت هذا ؛ بل قلت إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً فإنكم غيرتم الملة وقتلتم الصالحين وادعيتم نور الإلهية . فضربه ثم أمر يهودياً فسلخه فكان يذكر الله ويقرأ { كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} ويصبر حتى بلغ الصدر فطعنه ثم حشي تبناً وصلب وقد حكى ابن السعساع المصري أنه رأى في النوم أبا بكر النابلسي بعدما صلب وهو في أحسن هيئة فقال ما فعل الله بك ؟ فقال : حباني مالكي بدوام عزٍ وواعدني بقرب الانتصار؛وقربني وأدناني إليه وقال: انعم بعيشٍ في جواري. [ سير أعلام النبلاء 16 / 148 – 150].
وغير ذلك من قصص الولاء والبراء كثير لدى السلف الصالح ولعل فيما ذكر كفاية.

س: ما الثمار الطيبة للثبات والرسوخ على عقيدة الولاء والبراء؟.
ج: لعقيدة الولاء والبراء ثمار طيبة متعددة دنيا وآخرة؛ ومن ذلك:
(1) تحقيق معنى " لا إله إلا الله"؛ التي هي كلمة الإسلام والتوحيد.
(2) السلامة من الفتن الظاهرة والباطنة؛ قال تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}(الأنفال: 73).
(3) تذوق حلاوة الإيمان فقد قال صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" متفق عليه.
(4) حصول القوة والنصرة والعزة والتأييد من الله والتمكين في الأرض.
(5) دحر الباطل وحزبه.
(6) حصول النجاة يوم القيامة.
ويدل على ما سبق قوله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة: 22).

س: ما الآثار السلبية المترتبة على تضييع أصل الولاء والبراء؟
ج: يترتب على ضياع مفهوم الولاء والبراء من الآثار السيئة ما الله به عليم؛ ومن ذلك:
(1) ضعف وازع الدين في قلب العبد، فيتجرأ على فعل الحرام.
(2) حصول الدخن في عقيدة المسلم ودينه الذي هو أغلى من النفس.
(3) يخشى على من ضعف ولاؤه وبراؤه من سوء الخاتمة؛ فإن الإنسان يموت على ما عاش عليه.
(4) تسوية المسلم بغير المسلم تحت مبدأ المواطنة أو المساواة؛ وغيرها من مبادئ التغريب وما شابه.
(5) قد يخرج المرء من الدين بالكلية إذا والى الكفر وغير المسلمين الموالاة الكفرية، كما سبق بيانه.
(6) الضعف والخور الذي يضرب جذوره في الأمة على إثر ضعف العقيدة وخواء القلب من الإيمان.
(7) ضياع وتناسي مفهوم الجهاد في سبيل الله؛ في ظل تمييع الولاء والبراء والتقرب من أهل الكفران.
(8) ضعف الغيرة على الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم؛ حتى رأينا وسمعنا الطعن والسب لديننا ورسولنا عليه الصلاة والسلام وللصحابة الكرام؛ فلم نر حاكمًا يتحرك ولا مسئولا يتمعر وجهه فضلًا عن أن يحزن قلبه أو ينكر بلسانه.

هذا ما تيسر والله من وراء القصد
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه
أبو عاصم البركاتي المصري
هاتف/ 00201064763195
6 من جمادى الأولى 1433 هـ
29 /3 / 2012 م

يوسف التازي
22-01-15, 12:37 AM
الولاء والبراء معناه وضوابطه
للشيخ فائز صلاح رحمه الله تعالى


الولاء: مصدر وليَ بمعنى قرب منه، والمراد به هنا القرب من المسلمين بمودتهم وإعانتهم ومناصرتهم على أعدائهم والسكنى معهم.
والبراء: مصدر برى، بمعنى قطع. ومنه برى القلم بمعنى قطعه. والمراد هنا قطع الصلة مع الكفار فلا يحبهم ولا يناصرهم ولا يقيم في ديارهم إلا لضرورة.

الولاء والبراء من حقوق التوحيد: يجب على المسلم أن يوالي في الله وأن يعادي في الله وأن يحب في الله، وأن يبغض في الله، فيحب المسلمين ويناصرهم ويعادي الكافرين ويبغضهم ويتبرأ منهم. قال تعالى في وجوب موالاة المؤمنين: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56] . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] . وقال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].
ويتضح من هذه الآيات الكريمة وجوب موالاة المؤمنين وما ينتج عن ذلك من الخير ووجوب معاداة الكفار والتحذير من موالاتهم وما تؤدي إليه موالاتهم من شر.
وإن للولاء والبراء في الإسلام مكانة عظيمة، فهو أوثق عرى الإيمان. ومعناه توثيق عرى المحبة والألفة بين المسلمين ومفاصلة أعداء الإسلام. فقد روى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ الْمُوَالاةُ فِي اللَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ) أخرجه الطبراني في الكبير، والبغوي في شرح السنة.
والحب في الله: محبة الشخص لأجل الله، بسبب تقواه وإيمانه.
والبغض في الله: بغض الشخص لأجل الله، بسبب معصيته أو كفره.
الفرق بين المداهنة والمداراة وأثرهما على الولاء والبراء:
المداهنة: هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصانعة الكفار والعصاة من أجل الدنيا والتنازل عما يجب على المسلم من الغيرة على الدين. ومثاله الاستئناس بأهل المعاصي والكفار ومعاشرتهم وهم على معاصيهم أو كفرهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة عليه. قال الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [المائدة: 78 - 80].
المداراة: هي درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له. كالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه. فالمداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحة راجحة من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى. ومن ذلك مداراة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم للمنافقين في المدينة خشية شرهم وتأليفًا لهم ولغيرهم.
وهذا بخلاف المداهنة فإنها لا تجوز إذ حقيقتها مصانعة أهل الشر لغير مصلحة دينية وإنما من أجل الدنيا.
حكم موالاة العصاة:
إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والنصرة والثواب لأصل الإيمان الذي فيه، وبقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر والمعصية.
هل يجوز التعامل مع غير المسلمين في الأمور الدنيوية؟ وهل يؤثر على الولاء والبراء؟
دلت النصوص الصحيحة على جواز التعامل مع غير المسلمين في المعاملات الدنيوية كمسائل البيع والشراء والإيجار والاستئجار والاستعانة بهم عند الحاجة على أن لا يضر بالمسلمين. فقد (اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا) أخرجه البخاري، والخِرِّيت: الخبير بمعرفة الطريق.
ورهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي في صاع من شعير وأجر علي رضي الله عنه نفسه ليهودية يمتح [أي يستخرج] لها الماء من البئر فمتح لها ست عشرة دلوًا كل دلو بتمرة. وقد استعان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم باليهود الذين كانوا في المدينة في قتال المشركين. واستعان بخُزاعة ضد كفار قريش.

يوسف التازي
22-01-15, 12:38 AM
من أسس العقيدة الإسلامية
موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين



يعتبر هذا من أهم الدروس العقدية المستنبطة من أحداث فتح مكة العظيم[1]‎‎، فتولي الله ورسوله والمؤمنين، والتبرؤ من الكفر والكافرين، هما الصورة الفعلية للتطبيق الواقعي لعقيدة الإسلام، ذلك أن كلمة التوحيد لن تتحقق إلا بموالاة من يستحق الموالاة، والتبرؤ ممن يستحق البراء[2].



وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، خير من طبق هذه العقيدة والتزمها، لا سيما والآيات تنزل عليهم، تنهاهم عن اتخاذ الكفار أعوانا وأنصارا وظهورا، يوالونهم على دينهم، ويظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتبين لهم أن من فعل ذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه[3]، كما في قوله تعالى: ï´؟ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ï´¾[4].



فالقرآن (لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم، بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام، لا يضر الإسلام شيئا، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم)[5]. فقال تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [6].



فموالاة المؤمنين: تتضمن حبهم لما هم عليه من الحق والهدى، والبراء من أعداء الله: يستلزم بغضهم وبغض ما هم فيه من الكفر، فالحب والبغض هما ترجمة الولاء والبراء في الواقع، وهما أقوى وأوثق روابط الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: (( أوثق عرى الإيمان: الموالاة والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله))[7].



إن العقيدة التي غرسها الإسلام في نفوس أصحابه جعلتهم يخاصمون في الحق أقرب الناس إليهم، ويوادون في الحق أبعد الخلق عنهم، فلا تساهل مع قريب أو حبيب ما دام محادا لله ومخالفا لشرعه[8].



وقد حقق الصحابة ولاءهم للمؤمنين، وتبرؤهم من المشركين في العديد من المواقف، منها حين قطعوا علائق التناصر الجاهلي والولاء الجاهلي، وأحلوا محله الولاء الإسلامي، والوقوف في صفه، بإعلانهم في بيعة العقبة الكبرى (بيعة الحرب)، مفاصلتهم الكفر وأهله، ونصرتهم الله ورسوله والمؤمنين[9].



وهي التي دفعتهم إلى مفارقة أهليهم وأوطانهم، والهجرة إلى دار الإسلام، ليكون إيذانا بعهد جديد، ونشوء رابطة جديدة تحت مظلة الأخوة الإسلامية، بين المهاجرين والأنصار، والتقاء قلوبهم على محبة الله ورسوله، قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ï´¾ [10].



وإعلان المفاصلة الكاملة بين حزب الله وحزب الشيطان، والانحياز النهائي للمؤمنين، والتجرد من كل عائق وكل جاذب لأعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كان عندما شرع الجهاد، فقاتل المسلمون أقرباءهم وعشيرتهم[11]، فروابط الدم تنقطع عند حد الإيمان[12]، كما قال تعالى: ï´؟ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ï´¾[13].



وقد تجلت مظاهر الولاء والبراء في هذه الغزوة في عدة مواطن:

أ- حين بعثت قريش أبا سفيان - وذلك قبل إسلامه - إلى المدينة،لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها، وهو يظن أنها قد تكون شفيعا له عند زوجها صلى الله عليه وسلم، لكنها بادرته بما ألقى في نفسه اليأس، وقابلته بجفوة لم يحسب لها حسابا، ولم تدر في خلده[14]، حين منعته ابتداءً من الجلوس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وطوته عنه، وأجابت عما فعلت بقولها: (هو من أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه)[15]. فضربت رضي الله عنها بذلك نموذجا صادقا في الحب في الله والبغض فيه، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه[16].



بل أنها تغتنم الفرصة - وقد علمت رجحان عقل أبيه - لتعرض عليه الإسلام، وتظهر أسفها أن يفوته هذا الخير والهدى، وهو رئيس قومه، فتقول:( وأنت يا أبت، سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر، فقال: يا عجباه، وهذا منك أيضا؟ أأترك ما كان يعبد آبائي واتبع دين محمد؟)[17].



وكذلك ضرب الصحابة أروع الأمثال في ولائهم للإسلام، وتبرئهم من الكفر، في اجتماع كلمتهم، على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم التقدم عليه، وذلك برفضهم إعطاء الجوار والأمن لقريش من عند أنفسهم، بل كانت مقولتهم: بل جوارنا في جوار رسول الله، مثار عجب واندهاش عند أبي سفيان، حين رأى هذا التلاحم والاتفاق من الجميع على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لقومه - وقد يئس من أخذ الأمان -: (جئتكم من عند قوم قلوبهم على قلب واحد، والله ما تركت منهم صغيرا ولا كبيرا ولا أنثى ولا ذكر إلا كلمته، فلم أنجح منهم شيئا)[18].



ب-كانت هفوة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه -لما حاول تسريب الخبر لقريش - درسا بليغا للمسلمين في المدينة، وتوضيحا وترسيخا لقاعدة الولاء والبراء، فنزلت الآيات تنهى عن اتخاذ الكفار والمشركين، الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين - أولياء وأخلاء وأصدقاء، فقال تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ï´¾[19].



في الآية الكريمة يهيج الله تعالى على عداوتهم، وعدم توليهم، لأنهم أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بين أظهرهم، كراهية لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبودية لله وحده، ولم يكن لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله رب العالمين[20].



كما يبين تعالى ما احتوت عليه قلوبهم من الحقد والعداوة للمسلمين بقوله: ï´؟ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ï´¾ [21]، فهم إن يظفروا بالمسلمين، ويتمكنوا منهم، يكونوا لهم غاية في العداوة، ويبسطوا أيديهم إليهم بالقتال، وألسنتهم بالشتم، بل ويتمنون أن يرتدوا عن دينهم، فيلحق بهم مضار الدين والدنيا معا، فموادة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم ومغالطة من المسلمين لأنفسهم، كما وصفه الله تعالى بقوله: ï´؟ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ï´¾ [22].



كما يقرر تعالى أن الأقارب والأولاد الذين يوالون الكفار من أجلهم، ويتقربون إليهم خوفا عليهم، لن ينفعوهم يوم القيامة، بل يفصل الله بينهم، فيدخل أهل الإيمان الجنة، ويدخل أهل الكفر النار[23].



فالمشركون لا يذكرون في عداوتهم للإسلام رحما ولا أهلا، ولا ينبغي - ولو دارت على المسلمين الدوائر - أن يبقوا لهم ودا وقد خاصموهم في ذات الله، وأخذ عليهم العهد أن يبذلوا في حربهم أنفسهم وأموالهم[24].



فكان في صدور هذا الخطأ من الصحابي الجليل، ونزول هذه الآيات، تعميق لهذه العقيدة في قلوب المسلمين، في الوقت الذي هم أشد ما يحتاجون فيه إلى لمسات قوية، تثير في قلوبهم مشاعر الموالاة للمؤمنين والبغض للكافرين، وتنقيها من أي شائبة تردد في قتال الكفار، أو الرضوخ أمام المصالح الشخصية، أو المؤثرات العاطفية.



وقد كان في هذه الغزوة امتحان صعب تعرض له المسلمون، أقسى من مواجهتهم عشيرتهم في ساحة القتال - كما حدث في الغزوات السابقة - فمما يميز فتح مكة، أنها المرة الأولى التي يبادر فيها المسلمون بغزو مكة والهجوم عليها، ومن الطبيعي أنه من الصعب على الإنسان أن يسير لغزو أهله وقبيلته، في الدار التي خلفهم فيها وهاجر منها، وكان إلى قريب يراوده أمل عظيم أن تنضم هذه العشيرة إلى صفوف المسلمين، فتزول بذلك المقاطعة والخصومة، وتتصل الأواصر التي قطعت من جديد، وذلك تصديقا لقوله تعالى: ï´؟ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [25].



لكنها عقيدة الإسلام التي طهرت قلوبهم وجعلتها خالصة لله عابدة له وحده تعالى.



ج- من المواقف التي تجلى فيها الولاء،ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقديم ما يحبه ويرضاه على محبوبات النفس، ما صرح به عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه، حين أكثر من الكلام في شأن أبي سفيان-قبل إسلامه- وأراد ضرب عنقه، فقال العباس: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا.



فانبرى عمر رضي الله عنه يدفع عن نفسه وصمة العصبية القبلية، أو أن يكون ولاؤه لغير المؤمنين، فأجاب وقد تخلص قلبه من شوائب الجاهلية والتعلق بأواصر الدم، إلا آصرة أخوة الإسلام: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت، كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم[26].



فبلغ رضي الله عنه بذلك مرتبة عالية من التجرد من حظوظ نفسه، وغاياته الشخصية، بتقديم ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهواه، على ما يحبه هو ويرضاه[27].



د- وهذا النبي صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل، والمثل الأعلى للمسلمين في هذا الجانب- الولاء والبراء-، في تعامله مع رؤساء قريش ورجالاتها، يعلن البراءة والحرب على أعداء الله، حتى لو كان أقرب قريب، فإذا أسلم واتبع دين الحق، انقلب هذا العدو حميما، وتحولت البغضاء إلى محبة وسلام، ومن ذلك:

1- موقفه صلى الله عليه وسلم من ابن عمه أبي سفيان بن الحارث، ومن صهره عبد الله بن أمية بن المغيرة - رضي الله عنهما وذلك قبل إسلامهما - وإعراضه عنهما بعد اشتداد أذاهما عليه وعلى المسلمين، فلما تبين له صدق توبتهما ولجوءهما للإسلام راغبين رق لهما وعفا عنهما، فانضما إلى حزب أولياء الله، وقد روي:( أن أبا سفيان بن الحارث كان أحب قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديدا عليه، فلما أسلم كان أحب الناس إليه)، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أبا سفيان ويشهد له بالجنة، ويقول:((أبو سفيان بن الحارث خير أهل بيتي ))[28].



2- إن بعض المشركين الذين كانوا حربا على الإسلام وأهله، وامتدت عداوتهم في غالب فترة النبوة، وكانت امتدادا لعداوة آبائهم، كعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية بن خلف، قد أسلموا، فلم يؤاخذهم صلى الله عليه وسلم بجريرة الجاهلية وأهلها، ولم يعيرهما بما مضى من حربهما للإسلام، بل بذل لهما الولاء والمحبة والود، وغض الطرف عما سلف منهما، كما فعل مع عكرمة رضي الله عنه، حين نهى المسلمين عن تعييره بماضيه، فقال:(( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت))، فلما بلغ باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثب له رسول الله قائما على رجليه فرحا بقدومه)[29]، وقال له: ((مرحبا بالراكب المهاجر- ثلاثا)) فتأثر عكرمة رضي الله عنه لهذا الاستقبال ولهذه البشاشة، وأراد أن يثبت ولاءه للإسلام، وعد نصرته له تكفيرا عن عداوته السابق، فقال: والله يا رسول الله، لا أدع نفقة أنفقتها إلا أنفقت مثلها في سبيل الله[30].



هـ-يظهر حرص الإسلام على غرس هذه العقيدة، وذلك بتمييز المسلمين عن الكافرين، وإزالة الدوافع المادية والمصالح الدنيوية، التي تكون مشتركة بين الطرفين، فلا يبقي على العلائق التي قد تضطر المسلم أن يوالي الكافر، ويكتم الحق محافظة عليها، وخوفا من زوالها، فشرع قطع التوارث بين المسلم والكافر، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه (أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين ننزل غدا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وهل ترك لنا عقيل من منزل، ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن))[31]، قاطعا بذلك مطامع النفس التي قد تطرأ على المسلم، فيوالي ويناصر الكفار من أهله، ولا يعلن براءته منهم، حرصا على ما قد يرثه منهم[32]، فجاء الإسلام بقطع هذه العلائق، لأن (التوارث يتعلق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ï´¾ [33])[34]، وما دام أن التناصر والولاء الإيماني قد انقطع بين المسلم والكافر، فلأن ينقطع التوارث من باب أولى، لتخلص نفسه لله رب العالمين، وتصبح حياته قائمة على منهج الله القويم، كما أن في ذلك صونا للمسلم من المال الحرام، لأن صاحبه الكافر رضي بالحرام، وترك شريعة الله والحلال[35].



وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته لما فتح مكة، الأساس الذي يوالى عليه، وتكون النصرة والحمية عروته التي يرتبط بها، في قوله:(( والمسلمون يد على من سواهم))، (أي أنهم مجتمعون يدا واحدة على غيرهم من أرباب الملل والأديان، فلا يسع أحدا منهم أن يتقاعد عن نصرة أخيه المسلم)[36].



فالأساس هو: عقيدة الإسلام، والمسلمون (مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا)[37].



وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في تآزرهم بالبناء الواحد يقوي بعضه أركان بعض فقال:(( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا))[38].



كما شبههم بالجسد الواحد الذي يتشارك جميع أعضائه في الإحساس بالألم والمعاناة إذا مرض أو اشتكى أحد أعضائه، فقال:(( المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وان اشتكى رأسه اشتكى كله))[39].



و- لترسيخ عقيدة الولاء والبراء، نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إحداث الأحلاف، فالإسلام يقتضي نصرة المسلمين -كل المسلمين- وموالاتهم، ومعاداة الكافرين - كل الكافرين - والتبرؤ منهم.



فأما ما كان من أحلاف الجاهلية موافقا لمراد الإسلام؛ من تعاون بين المسلمين، ونصرة للمظلوم، وصلة للأرحام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة،وما كان بخلاف ذلك من نصرة للظلم والعدوان والتعاون على ذلك، ومخالفة حكم الإسلام، فهذا الحلف لا اعتبار له في الإسلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة))[40].



فلا ولاء في الإسلام إلا على أساسه النظري والعملي، وكل آصرة أخرى يعطي الناس ولاءهم على أساسها، آصرة باطلة، فالأواصر القائمة على المذاهب الأرضية بأنواعها، كالشيوعية والقومية والوطنية وغيرها، غير معتبرة شرعا وباطلة، فالمسلم لا يعطي ولاءه للشيوعيين - رغم اندحارهم -، بجامع العقيدة الشيوعية والعمل المشترك، ولا للقوميين بجامع المصلحة القومية المتوهمة، ولا للوطنيين - مع عدم اعتصامهم بحبل الإسلام - بجامع مصلحة الوطن، بل إن الله يأبى على المسلمين، أن يعطوا ولاءهم إلا بجامع الإيمان والإسلام [41].



وقد بين تعالى الجهات التي يجب أن يبذل لها المؤمن ولاءه، فقال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ï´¾[42]، وبين عاقبة من يفعل ذلك في قوله: ï´؟ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ï´¾[43].



--------------------------------------------------------------------------------

[1] لأهمية هذه القضية أذكر نبذة عن مفهوم الولاء والبراء: الولاء لغة: من ولي، والولي ضد العدو، والموالاة ضد المعاداة.(الصحاح، باب الواو والياء فصل الواو 6/2528).والبراء في اللغة: من برأ، ويقال: بارأ شريكه إذا فارقه، (تاج العروس فصل الباء من باب الهمزة 1/45).

أما الولاء بالمعنى الاصطلاحي: فهو النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين باطنا وظاهرا.

والبراء اصطلاحا: هو المعاداة، وهو إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم والبعد عنهم، باطنا وظاهرا. بتصرف، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص 480، المكتب الإسلامي دمشق بيروت ط: 4، 1400هـ.

والمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، وأما الكافرون فأولياء الشيطان، قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ï´¾ (سورة البقرة آية 257)، بتصرف، شرح العقيدة الطحاوية ص 407.

(وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض، فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف.. فأولياء الله ضد أعدائه ضد أعدائه، يقربهم منه ويدنيهم إليه، ويتولاهم ويحبهم ويرحمهم، ويكون عليهم منه صلاة، وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم، وهو إبعاد منه ومن رحمته، ويبغضهم ويغضب عليهم) جامع الرسائل: شيخ الإسلام ابن تيمية المجموعة الثانية الرسالة الثالثة: قاعدة في المحبة ص 384، تحقيق د. محمد رشاد سالم دار المدني جدة، ط:1، 1405هـ 1984م.

[2] بتصرف، الولاء والبراء في الإسلام من مفاهيم عقيدة السلف ص 10، وللاستفادة انظر حقيقة الولاء والبراء في معتقد أهل السنة والجماعة: سيد سعيد عبد الغني من ص 36- 47، ومن ص 509- 510، دار ابن حزم للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط:1، 1419هـ 1998م.

[3] بتصرف، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3/ 228.

[4] سورة آل عمران آية 28.

[5] الفتاوى: ابن تيمية 18/ 300.

[6] سورة المائدة آية 54.

[7] أورده الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/343 ح 2536، وقال حديث حسن، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الكبير والطيالسي ومسند الإمام أحمد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/ 306 ح 1728، المكتب الإسلامي ط:2، 1399هـ 1979م.

[8] بتصرف، مشكلات الدعوة والداعية: فتحي يكن ص 135، مؤسسة الرسالة بيروت لبنان، ط:3، 1394هـ 1974م.

[9] بتصرف، الولاء والبراء من مفاهيم عقيدة السلف ص 187. وقد قال قائلهم:( نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة..) المستدرك على الصحيحين كتاب التاريخ قصة بيعة العقبة 2/625، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 2/50،

[10] سورة الأنفال جزء من آية 72.

[11] رغم النهي عن محبة الكافرين ونصرتهم ، فإن الله تعالى أمر ببرهم والإحسان إليهم، وصلتهم ومكافأتهم بالمعروف من الأقارب وغيرهم، بحال لم ينصبوا لقتال المسلمين وإخراجهم من ديارهم(بتصرف، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 7/356) كما قال تعالى ï´؟ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ï´¾ سورة الممتحنة آية 8.

كما يأمرهم تعالى بمعاملة الناس بالعدل، وألا يحملهم بغضهم لهم على ترك العدل فيهم، بل يستعملوا العدل مع كل أحد صديقا كان أو عدوا، (انظر تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير 3/58) كما قال تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ï´¾ (سورة المائدة آية 8).

كما يأمر بالبر والإحسان إلى الوالدين الكافرين، إن أمرا ابنهما بالكفر، وذلك في قوله تعالى: ï´؟ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ï´¾ (سورة لقمان جزء من آية 15) وذلك لأن في صلتهم وحسن معاملتهم، ترغيبا لهم في الإسلام، فهذا من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة، فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه، والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته للإسلام. ابتصرف، الولاء والبراء في الإسلام للشيخ صالح بن فوزان الفوزان ص 18،دار الوطن للنشر،ط:1،1410هـ.

بتوضيح معاملة المسلمين للكافرين، يتبين الحد الذي يجب على المسلم أن يقف عنده ولا يتجاوزه، من أجل الحفاظ على دينه وإيمانه، في معاملتهم وبناء العلاقات معهم، وهو الحد الذي لا يفهم من الوقوف عنده، الموافقة على دينهم، والرضى عن كفرهم، فإذا تخطى المسلم هذا الحد، ودخل في طاعة الكفار، وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال، والاهم وقطع الموالاة مع المسلمين، ورفع علاقته معهم على علاقته مع المسلمين، فقد صار منهم، وارتد عن دينه ولا يستثنى من ذلك إلا المكره. بتصرف، الإيمان:أركانه، حقيقته، نواقضه: د. محمد نعيم ياسين ص 182، جمعية عمال المطابع التعاونية عمان، ط:3، 1402هـ 1982م.

[12] بتصرف، في ظلال القرآن 6/3514.

[13] سورة المجادلة جزء من آية 22.

[14]بتصرف، خاتم النبيين 2/1187.

[15] جوامع السيرة: الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ص 225، تحقيق د. إحسان عباس و د. ناصر الدين الأسد المطبعة العربية لاهور باكستان ط: بدون 1401هـ 1981م.

[16] بتصرف، حكم وأحكام من السيرة النبوية: الشيخ عبد الله عبد الغني خياط ص 150، دار الرفاعي للنشر والطباعة ط:1، 1401هـ 1981م.

[17] المغازي: الواقدي 2/793، وانظر إمتاع الأسماع 1/358. وشرح المواهب اللدنية 2/350. ولعل من المناسب هنا توضيح الفارق بين موقف أم المؤمنين رضي الله عنها، وبين موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، لما وفدت عليها أمها وهي مشركة بعد صلح الحديبية، فلم تستقبلها، حتى استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقالت له: (يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال:((نعم، صليها)) رواه البخاري في صحيحه كتاب الجزية والموادعة باب إثم من عاهد ثم غدر 4/79، فوصلتها، وأكرمتها.

والفرق بين الموقفين: أن قدوم أبي سفيان كان بعد غدر بني بكر وقريش بخزاعة، أما أم أسماء فقد كان في مدة الصلح، وقبل اعتداء قريش كما يظهر، و(عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب، ولو كان على غير دين الواصل) فتح الباري 6/281 ح 3183.

[18] المصنف: عبد الرزاق الصنعاني 5: 375 ح 9739.

[19] سورة الممتحنة آية 1.

[20] بتصرف، تفسير القرآن العظيم 8/112.

[21] سورة الممتحنة آية 2.

[22] سورة التوبة جزء من آية 8.

[23] بتصرف، الكشاف 4/90، وانظر تفسير الفخر الرازي 15/300.

[24] بتصرف، فقه السيرة: الشيخ محمد الغزالي ص 407.

[25] سورة الممتحنة آية 7.

[26] بتصرف، جوامع السيرة ص 229، والطبقات الكبرى 4/23.

[27] يقول اللواء الركن محمود شيت خطاب معلقا على صدق قول عمر رضي الله عنه: ( فقد كان عمر يمثل عقيدة المسلمين الأولين الراسخة، بينما كان العباس حديث عهد بالإسلام)، كما اشتهر عمر بشدته حتى على قومه، بينما عرف عن العباس شدة محبته لهم. رضي الله عن صحابة رسوله أجمعين. وقد اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ إسلام العباس رضي الله عنه انظر ص 112 من هذا البحث.

ولعل سبق عمر بالإسلام قد عمق انتماءه للمسلمين-خاصة بما عرف من شدته على قومه- أكثر من العباس الذي يلاحظ من مواقفه في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، تعلقه بقومه وحدبه عليهم، والحرص عليهم و على هدايتهم.

[28] المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة ذكر مناقب أبي سفيان بن الحارث 3/255، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وتابعه الذهبي وسكت عنه، وانظر الطبقات الكبرى 4/52، سير أعلام النبلاء 1/204.

[29] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة 3/241 ، وسكت عنه، وسكت عنه الذهبي، وروى الإمام مالك جزءا منه في الموطأ كتاب النكاح باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله - تنوير الحوالك- 2/76، كما ذكره المقريزي في إمتاع الأسماع 1/392، وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة: عز الدين ابن الأثير علي بن محمد الجزري 4/68، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ: عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط:1، 1415هـ 1994م.

[30] سبق تخريجه ص 211.

[31] رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح 5/92. وروى نحوه الحافظ عبد الرزاق في المصنف 6/14 ح 9851، كما روى قول علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه: أن أبا طالب ورثه عقيل وطالب، ولم يرثه علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين. ح 9854.

[32] وهذا الابتلاء يتعرض له كثيرا من يشرح الله صدره للإسلام بعد الكفر، فما أن يعلن أحدهم إسلامه بين أهله، حتى يلجأ والداه إلى تهديده بالحرمان من الميراث لإجباره على العودة إلى دينه، وقد يلجأ بعضهم إلى قطع النفقة عنه تماما إذا كان محتاجا لها، ويطرد من البيت إرغاما له-وهذه قصة واقعية سمعتها -أثناء زيارتي للولايات المتحدة برفقة زوجي- من مسلمة أمريكية طردها أهلها من المنزل وقطعت والدتها عنها مصروفها، فلجأت إلى بيت أحد المسلمين في بلدها حتى يسر الله لها وتزوجها أخ مسلم كفلها ورعاها. فكان التشريع الإلهي الحكيم بقطع هذه المنافع والوشائج صارف للقلب عن التعلق بها وتثبيتا على الإسلام.

[33] سورة المائدة جزء من آية 51.

[34] فتح الباري 12/50 ح 6764. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:( أهل الشرك لا نرثهم ولا يرثونا). المصنف: عبد الرزاق الصنعاني 6/16 ح 9856.

[35] بتصرف، الولاء والبراء من مفاهيم عقيدة السلف ص 318، وللاستفادة انظر الفصل الخامس من الكتاب نفسه: انقطاع التوارث والنكاح بين المسلم والكافر من ص 134 - 318.

[36] جامع الأصول في أحاديث الرسول: الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري 10/254. تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط نشر مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح مطبعة دار البيان ط: بدون/ 1389هـ 1969م. وانظر عون المعبود12/ 261 ح 4507.

[37] الفتح الرباني 14/ 115.

[38] صحيح مسلم كتاب الصلة باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم 4/ 1999 ح 2585.

[39] المرجع السابق 4/ 2000 ح 2586، للاستفادة انظر حقيقة الولاء والبراء في معتقد أهل السنة والجماعة من ص 242- 263.

[40] سبق تخريجه ص 143.

[41] بتصرف: أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى: محمد عبد الهادي المصري ص 83، دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض ط:4، 1409هـ 1988م. وتتمة الكلام: أما هذه الروابط والمسميات( فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان) (الفتاوى: ابن تيمية 3/ 416) فلا يصح امتحان الناس بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يصح التعصب لأسماء وشعارات أو تجمعات وزعامات، بل الموالاة والمعاداة تكون على أساس الدين والتقوى، ولا يكون التعصب إلا لجماعة المسلمين، التي ترفع راية القرآن والسنة وهدي السلف الصالح رضي الله عنهم.

[42] سورة المائدة آية 55.

[43] سورة المائدة آية 56. وانظر جند الله ثقافة وأخلاقا: سعيد حوى ص 173، وللاستفادة انظر الفقرة الأولى: تحرير الولاء لله وللرسول وللمؤمنين ص 172 - 188 دار الكتب العلمية بيروت ط:2 بدون تاريخ.

منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:39 AM
من أسس العقيدة الإسلامية
موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين



يعتبر هذا من أهم الدروس العقدية المستنبطة من أحداث فتح مكة العظيم[1]‎‎، فتولي الله ورسوله والمؤمنين، والتبرؤ من الكفر والكافرين، هما الصورة الفعلية للتطبيق الواقعي لعقيدة الإسلام، ذلك أن كلمة التوحيد لن تتحقق إلا بموالاة من يستحق الموالاة، والتبرؤ ممن يستحق البراء[2].



وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، خير من طبق هذه العقيدة والتزمها، لا سيما والآيات تنزل عليهم، تنهاهم عن اتخاذ الكفار أعوانا وأنصارا وظهورا، يوالونهم على دينهم، ويظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتبين لهم أن من فعل ذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه[3]، كما في قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾[4].



فالقرآن (لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم، بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام، لا يضر الإسلام شيئا، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم)[5]. فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [6].



فموالاة المؤمنين: تتضمن حبهم لما هم عليه من الحق والهدى، والبراء من أعداء الله: يستلزم بغضهم وبغض ما هم فيه من الكفر، فالحب والبغض هما ترجمة الولاء والبراء في الواقع، وهما أقوى وأوثق روابط الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: (( أوثق عرى الإيمان: الموالاة والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله))[7].



إن العقيدة التي غرسها الإسلام في نفوس أصحابه جعلتهم يخاصمون في الحق أقرب الناس إليهم، ويوادون في الحق أبعد الخلق عنهم، فلا تساهل مع قريب أو حبيب ما دام محادا لله ومخالفا لشرعه[8].



وقد حقق الصحابة ولاءهم للمؤمنين، وتبرؤهم من المشركين في العديد من المواقف، منها حين قطعوا علائق التناصر الجاهلي والولاء الجاهلي، وأحلوا محله الولاء الإسلامي، والوقوف في صفه، بإعلانهم في بيعة العقبة الكبرى (بيعة الحرب)، مفاصلتهم الكفر وأهله، ونصرتهم الله ورسوله والمؤمنين[9].



وهي التي دفعتهم إلى مفارقة أهليهم وأوطانهم، والهجرة إلى دار الإسلام، ليكون إيذانا بعهد جديد، ونشوء رابطة جديدة تحت مظلة الأخوة الإسلامية، بين المهاجرين والأنصار، والتقاء قلوبهم على محبة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [10].



وإعلان المفاصلة الكاملة بين حزب الله وحزب الشيطان، والانحياز النهائي للمؤمنين، والتجرد من كل عائق وكل جاذب لأعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كان عندما شرع الجهاد، فقاتل المسلمون أقرباءهم وعشيرتهم[11]، فروابط الدم تنقطع عند حد الإيمان[12]، كما قال تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾[13].



وقد تجلت مظاهر الولاء والبراء في هذه الغزوة في عدة مواطن:

أ- حين بعثت قريش أبا سفيان - وذلك قبل إسلامه - إلى المدينة،لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها، وهو يظن أنها قد تكون شفيعا له عند زوجها صلى الله عليه وسلم، لكنها بادرته بما ألقى في نفسه اليأس، وقابلته بجفوة لم يحسب لها حسابا، ولم تدر في خلده[14]، حين منعته ابتداءً من الجلوس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وطوته عنه، وأجابت عما فعلت بقولها: (هو من أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه)[15]. فضربت رضي الله عنها بذلك نموذجا صادقا في الحب في الله والبغض فيه، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه[16].



بل أنها تغتنم الفرصة - وقد علمت رجحان عقل أبيه - لتعرض عليه الإسلام، وتظهر أسفها أن يفوته هذا الخير والهدى، وهو رئيس قومه، فتقول:( وأنت يا أبت، سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر، فقال: يا عجباه، وهذا منك أيضا؟ أأترك ما كان يعبد آبائي واتبع دين محمد؟)[17].



وكذلك ضرب الصحابة أروع الأمثال في ولائهم للإسلام، وتبرئهم من الكفر، في اجتماع كلمتهم، على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم التقدم عليه، وذلك برفضهم إعطاء الجوار والأمن لقريش من عند أنفسهم، بل كانت مقولتهم: بل جوارنا في جوار رسول الله، مثار عجب واندهاش عند أبي سفيان، حين رأى هذا التلاحم والاتفاق من الجميع على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لقومه - وقد يئس من أخذ الأمان -: (جئتكم من عند قوم قلوبهم على قلب واحد، والله ما تركت منهم صغيرا ولا كبيرا ولا أنثى ولا ذكر إلا كلمته، فلم أنجح منهم شيئا)[18].



ب-كانت هفوة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه -لما حاول تسريب الخبر لقريش - درسا بليغا للمسلمين في المدينة، وتوضيحا وترسيخا لقاعدة الولاء والبراء، فنزلت الآيات تنهى عن اتخاذ الكفار والمشركين، الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين - أولياء وأخلاء وأصدقاء، فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾[19].



في الآية الكريمة يهيج الله تعالى على عداوتهم، وعدم توليهم، لأنهم أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بين أظهرهم، كراهية لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبودية لله وحده، ولم يكن لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله رب العالمين[20].



كما يبين تعالى ما احتوت عليه قلوبهم من الحقد والعداوة للمسلمين بقوله: ﴿ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [21]، فهم إن يظفروا بالمسلمين، ويتمكنوا منهم، يكونوا لهم غاية في العداوة، ويبسطوا أيديهم إليهم بالقتال، وألسنتهم بالشتم، بل ويتمنون أن يرتدوا عن دينهم، فيلحق بهم مضار الدين والدنيا معا، فموادة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم ومغالطة من المسلمين لأنفسهم، كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ [22].



كما يقرر تعالى أن الأقارب والأولاد الذين يوالون الكفار من أجلهم، ويتقربون إليهم خوفا عليهم، لن ينفعوهم يوم القيامة، بل يفصل الله بينهم، فيدخل أهل الإيمان الجنة، ويدخل أهل الكفر النار[23].



فالمشركون لا يذكرون في عداوتهم للإسلام رحما ولا أهلا، ولا ينبغي - ولو دارت على المسلمين الدوائر - أن يبقوا لهم ودا وقد خاصموهم في ذات الله، وأخذ عليهم العهد أن يبذلوا في حربهم أنفسهم وأموالهم[24].



فكان في صدور هذا الخطأ من الصحابي الجليل، ونزول هذه الآيات، تعميق لهذه العقيدة في قلوب المسلمين، في الوقت الذي هم أشد ما يحتاجون فيه إلى لمسات قوية، تثير في قلوبهم مشاعر الموالاة للمؤمنين والبغض للكافرين، وتنقيها من أي شائبة تردد في قتال الكفار، أو الرضوخ أمام المصالح الشخصية، أو المؤثرات العاطفية.



وقد كان في هذه الغزوة امتحان صعب تعرض له المسلمون، أقسى من مواجهتهم عشيرتهم في ساحة القتال - كما حدث في الغزوات السابقة - فمما يميز فتح مكة، أنها المرة الأولى التي يبادر فيها المسلمون بغزو مكة والهجوم عليها، ومن الطبيعي أنه من الصعب على الإنسان أن يسير لغزو أهله وقبيلته، في الدار التي خلفهم فيها وهاجر منها، وكان إلى قريب يراوده أمل عظيم أن تنضم هذه العشيرة إلى صفوف المسلمين، فتزول بذلك المقاطعة والخصومة، وتتصل الأواصر التي قطعت من جديد، وذلك تصديقا لقوله تعالى: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [25].



لكنها عقيدة الإسلام التي طهرت قلوبهم وجعلتها خالصة لله عابدة له وحده تعالى.



ج- من المواقف التي تجلى فيها الولاء،ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقديم ما يحبه ويرضاه على محبوبات النفس، ما صرح به عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه، حين أكثر من الكلام في شأن أبي سفيان-قبل إسلامه- وأراد ضرب عنقه، فقال العباس: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا.



فانبرى عمر رضي الله عنه يدفع عن نفسه وصمة العصبية القبلية، أو أن يكون ولاؤه لغير المؤمنين، فأجاب وقد تخلص قلبه من شوائب الجاهلية والتعلق بأواصر الدم، إلا آصرة أخوة الإسلام: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت، كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم[26].



فبلغ رضي الله عنه بذلك مرتبة عالية من التجرد من حظوظ نفسه، وغاياته الشخصية، بتقديم ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهواه، على ما يحبه هو ويرضاه[27].



د- وهذا النبي صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل، والمثل الأعلى للمسلمين في هذا الجانب- الولاء والبراء-، في تعامله مع رؤساء قريش ورجالاتها، يعلن البراءة والحرب على أعداء الله، حتى لو كان أقرب قريب، فإذا أسلم واتبع دين الحق، انقلب هذا العدو حميما، وتحولت البغضاء إلى محبة وسلام، ومن ذلك:

1- موقفه صلى الله عليه وسلم من ابن عمه أبي سفيان بن الحارث، ومن صهره عبد الله بن أمية بن المغيرة - رضي الله عنهما وذلك قبل إسلامهما - وإعراضه عنهما بعد اشتداد أذاهما عليه وعلى المسلمين، فلما تبين له صدق توبتهما ولجوءهما للإسلام راغبين رق لهما وعفا عنهما، فانضما إلى حزب أولياء الله، وقد روي:( أن أبا سفيان بن الحارث كان أحب قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديدا عليه، فلما أسلم كان أحب الناس إليه)، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أبا سفيان ويشهد له بالجنة، ويقول:((أبو سفيان بن الحارث خير أهل بيتي ))[28].



2- إن بعض المشركين الذين كانوا حربا على الإسلام وأهله، وامتدت عداوتهم في غالب فترة النبوة، وكانت امتدادا لعداوة آبائهم، كعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية بن خلف، قد أسلموا، فلم يؤاخذهم صلى الله عليه وسلم بجريرة الجاهلية وأهلها، ولم يعيرهما بما مضى من حربهما للإسلام، بل بذل لهما الولاء والمحبة والود، وغض الطرف عما سلف منهما، كما فعل مع عكرمة رضي الله عنه، حين نهى المسلمين عن تعييره بماضيه، فقال:(( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت))، فلما بلغ باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثب له رسول الله قائما على رجليه فرحا بقدومه)[29]، وقال له: ((مرحبا بالراكب المهاجر- ثلاثا)) فتأثر عكرمة رضي الله عنه لهذا الاستقبال ولهذه البشاشة، وأراد أن يثبت ولاءه للإسلام، وعد نصرته له تكفيرا عن عداوته السابق، فقال: والله يا رسول الله، لا أدع نفقة أنفقتها إلا أنفقت مثلها في سبيل الله[30].



هـ-يظهر حرص الإسلام على غرس هذه العقيدة، وذلك بتمييز المسلمين عن الكافرين، وإزالة الدوافع المادية والمصالح الدنيوية، التي تكون مشتركة بين الطرفين، فلا يبقي على العلائق التي قد تضطر المسلم أن يوالي الكافر، ويكتم الحق محافظة عليها، وخوفا من زوالها، فشرع قطع التوارث بين المسلم والكافر، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه (أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين ننزل غدا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وهل ترك لنا عقيل من منزل، ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن))[31]، قاطعا بذلك مطامع النفس التي قد تطرأ على المسلم، فيوالي ويناصر الكفار من أهله، ولا يعلن براءته منهم، حرصا على ما قد يرثه منهم[32]، فجاء الإسلام بقطع هذه العلائق، لأن (التوارث يتعلق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [33])[34]، وما دام أن التناصر والولاء الإيماني قد انقطع بين المسلم والكافر، فلأن ينقطع التوارث من باب أولى، لتخلص نفسه لله رب العالمين، وتصبح حياته قائمة على منهج الله القويم، كما أن في ذلك صونا للمسلم من المال الحرام، لأن صاحبه الكافر رضي بالحرام، وترك شريعة الله والحلال[35].



وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته لما فتح مكة، الأساس الذي يوالى عليه، وتكون النصرة والحمية عروته التي يرتبط بها، في قوله:(( والمسلمون يد على من سواهم))، (أي أنهم مجتمعون يدا واحدة على غيرهم من أرباب الملل والأديان، فلا يسع أحدا منهم أن يتقاعد عن نصرة أخيه المسلم)[36].



فالأساس هو: عقيدة الإسلام، والمسلمون (مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا)[37].



وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في تآزرهم بالبناء الواحد يقوي بعضه أركان بعض فقال:(( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا))[38].



كما شبههم بالجسد الواحد الذي يتشارك جميع أعضائه في الإحساس بالألم والمعاناة إذا مرض أو اشتكى أحد أعضائه، فقال:(( المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وان اشتكى رأسه اشتكى كله))[39].



و- لترسيخ عقيدة الولاء والبراء، نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إحداث الأحلاف، فالإسلام يقتضي نصرة المسلمين -كل المسلمين- وموالاتهم، ومعاداة الكافرين - كل الكافرين - والتبرؤ منهم.



فأما ما كان من أحلاف الجاهلية موافقا لمراد الإسلام؛ من تعاون بين المسلمين، ونصرة للمظلوم، وصلة للأرحام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة،وما كان بخلاف ذلك من نصرة للظلم والعدوان والتعاون على ذلك، ومخالفة حكم الإسلام، فهذا الحلف لا اعتبار له في الإسلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة))[40].



فلا ولاء في الإسلام إلا على أساسه النظري والعملي، وكل آصرة أخرى يعطي الناس ولاءهم على أساسها، آصرة باطلة، فالأواصر القائمة على المذاهب الأرضية بأنواعها، كالشيوعية والقومية والوطنية وغيرها، غير معتبرة شرعا وباطلة، فالمسلم لا يعطي ولاءه للشيوعيين - رغم اندحارهم -، بجامع العقيدة الشيوعية والعمل المشترك، ولا للقوميين بجامع المصلحة القومية المتوهمة، ولا للوطنيين - مع عدم اعتصامهم بحبل الإسلام - بجامع مصلحة الوطن، بل إن الله يأبى على المسلمين، أن يعطوا ولاءهم إلا بجامع الإيمان والإسلام [41].



وقد بين تعالى الجهات التي يجب أن يبذل لها المؤمن ولاءه، فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾[42]، وبين عاقبة من يفعل ذلك في قوله: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾[43].



--------------------------------------------------------------------------------

[1] لأهمية هذه القضية أذكر نبذة عن مفهوم الولاء والبراء: الولاء لغة: من ولي، والولي ضد العدو، والموالاة ضد المعاداة.(الصحاح، باب الواو والياء فصل الواو 6/2528).والبراء في اللغة: من برأ، ويقال: بارأ شريكه إذا فارقه، (تاج العروس فصل الباء من باب الهمزة 1/45).

أما الولاء بالمعنى الاصطلاحي: فهو النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين باطنا وظاهرا.

والبراء اصطلاحا: هو المعاداة، وهو إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم والبعد عنهم، باطنا وظاهرا. بتصرف، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص 480، المكتب الإسلامي دمشق بيروت ط: 4، 1400هـ.

والمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، وأما الكافرون فأولياء الشيطان، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (سورة البقرة آية 257)، بتصرف، شرح العقيدة الطحاوية ص 407.

(وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض، فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف.. فأولياء الله ضد أعدائه ضد أعدائه، يقربهم منه ويدنيهم إليه، ويتولاهم ويحبهم ويرحمهم، ويكون عليهم منه صلاة، وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم، وهو إبعاد منه ومن رحمته، ويبغضهم ويغضب عليهم) جامع الرسائل: شيخ الإسلام ابن تيمية المجموعة الثانية الرسالة الثالثة: قاعدة في المحبة ص 384، تحقيق د. محمد رشاد سالم دار المدني جدة، ط:1، 1405هـ 1984م.

[2] بتصرف، الولاء والبراء في الإسلام من مفاهيم عقيدة السلف ص 10، وللاستفادة انظر حقيقة الولاء والبراء في معتقد أهل السنة والجماعة: سيد سعيد عبد الغني من ص 36- 47، ومن ص 509- 510، دار ابن حزم للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط:1، 1419هـ 1998م.

[3] بتصرف، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3/ 228.

[4] سورة آل عمران آية 28.

[5] الفتاوى: ابن تيمية 18/ 300.

[6] سورة المائدة آية 54.

[7] أورده الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/343 ح 2536، وقال حديث حسن، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الكبير والطيالسي ومسند الإمام أحمد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/ 306 ح 1728، المكتب الإسلامي ط:2، 1399هـ 1979م.

[8] بتصرف، مشكلات الدعوة والداعية: فتحي يكن ص 135، مؤسسة الرسالة بيروت لبنان، ط:3، 1394هـ 1974م.

[9] بتصرف، الولاء والبراء من مفاهيم عقيدة السلف ص 187. وقد قال قائلهم:( نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة..) المستدرك على الصحيحين كتاب التاريخ قصة بيعة العقبة 2/625، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 2/50،

[10] سورة الأنفال جزء من آية 72.

[11] رغم النهي عن محبة الكافرين ونصرتهم ، فإن الله تعالى أمر ببرهم والإحسان إليهم، وصلتهم ومكافأتهم بالمعروف من الأقارب وغيرهم، بحال لم ينصبوا لقتال المسلمين وإخراجهم من ديارهم(بتصرف، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 7/356) كما قال تعالى ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ سورة الممتحنة آية 8.

كما يأمرهم تعالى بمعاملة الناس بالعدل، وألا يحملهم بغضهم لهم على ترك العدل فيهم، بل يستعملوا العدل مع كل أحد صديقا كان أو عدوا، (انظر تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير 3/58) كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة المائدة آية 8).

كما يأمر بالبر والإحسان إلى الوالدين الكافرين، إن أمرا ابنهما بالكفر، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ (سورة لقمان جزء من آية 15) وذلك لأن في صلتهم وحسن معاملتهم، ترغيبا لهم في الإسلام، فهذا من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة، فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه، والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته للإسلام. ابتصرف، الولاء والبراء في الإسلام للشيخ صالح بن فوزان الفوزان ص 18،دار الوطن للنشر،ط:1،1410هـ.

بتوضيح معاملة المسلمين للكافرين، يتبين الحد الذي يجب على المسلم أن يقف عنده ولا يتجاوزه، من أجل الحفاظ على دينه وإيمانه، في معاملتهم وبناء العلاقات معهم، وهو الحد الذي لا يفهم من الوقوف عنده، الموافقة على دينهم، والرضى عن كفرهم، فإذا تخطى المسلم هذا الحد، ودخل في طاعة الكفار، وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال، والاهم وقطع الموالاة مع المسلمين، ورفع علاقته معهم على علاقته مع المسلمين، فقد صار منهم، وارتد عن دينه ولا يستثنى من ذلك إلا المكره. بتصرف، الإيمان:أركانه، حقيقته، نواقضه: د. محمد نعيم ياسين ص 182، جمعية عمال المطابع التعاونية عمان، ط:3، 1402هـ 1982م.

[12] بتصرف، في ظلال القرآن 6/3514.

[13] سورة المجادلة جزء من آية 22.

[14]بتصرف، خاتم النبيين 2/1187.

[15] جوامع السيرة: الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ص 225، تحقيق د. إحسان عباس و د. ناصر الدين الأسد المطبعة العربية لاهور باكستان ط: بدون 1401هـ 1981م.

[16] بتصرف، حكم وأحكام من السيرة النبوية: الشيخ عبد الله عبد الغني خياط ص 150، دار الرفاعي للنشر والطباعة ط:1، 1401هـ 1981م.

[17] المغازي: الواقدي 2/793، وانظر إمتاع الأسماع 1/358. وشرح المواهب اللدنية 2/350. ولعل من المناسب هنا توضيح الفارق بين موقف أم المؤمنين رضي الله عنها، وبين موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، لما وفدت عليها أمها وهي مشركة بعد صلح الحديبية، فلم تستقبلها، حتى استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقالت له: (يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال:((نعم، صليها)) رواه البخاري في صحيحه كتاب الجزية والموادعة باب إثم من عاهد ثم غدر 4/79، فوصلتها، وأكرمتها.

والفرق بين الموقفين: أن قدوم أبي سفيان كان بعد غدر بني بكر وقريش بخزاعة، أما أم أسماء فقد كان في مدة الصلح، وقبل اعتداء قريش كما يظهر، و(عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب، ولو كان على غير دين الواصل) فتح الباري 6/281 ح 3183.

[18] المصنف: عبد الرزاق الصنعاني 5: 375 ح 9739.

[19] سورة الممتحنة آية 1.

[20] بتصرف، تفسير القرآن العظيم 8/112.

[21] سورة الممتحنة آية 2.

[22] سورة التوبة جزء من آية 8.

[23] بتصرف، الكشاف 4/90، وانظر تفسير الفخر الرازي 15/300.

[24] بتصرف، فقه السيرة: الشيخ محمد الغزالي ص 407.

[25] سورة الممتحنة آية 7.

[26] بتصرف، جوامع السيرة ص 229، والطبقات الكبرى 4/23.

[27] يقول اللواء الركن محمود شيت خطاب معلقا على صدق قول عمر رضي الله عنه: ( فقد كان عمر يمثل عقيدة المسلمين الأولين الراسخة، بينما كان العباس حديث عهد بالإسلام)، كما اشتهر عمر بشدته حتى على قومه، بينما عرف عن العباس شدة محبته لهم. رضي الله عن صحابة رسوله أجمعين. وقد اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ إسلام العباس رضي الله عنه انظر ص 112 من هذا البحث.

ولعل سبق عمر بالإسلام قد عمق انتماءه للمسلمين-خاصة بما عرف من شدته على قومه- أكثر من العباس الذي يلاحظ من مواقفه في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، تعلقه بقومه وحدبه عليهم، والحرص عليهم و على هدايتهم.

[28] المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة ذكر مناقب أبي سفيان بن الحارث 3/255، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وتابعه الذهبي وسكت عنه، وانظر الطبقات الكبرى 4/52، سير أعلام النبلاء 1/204.

[29] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة 3/241 ، وسكت عنه، وسكت عنه الذهبي، وروى الإمام مالك جزءا منه في الموطأ كتاب النكاح باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله - تنوير الحوالك- 2/76، كما ذكره المقريزي في إمتاع الأسماع 1/392، وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة: عز الدين ابن الأثير علي بن محمد الجزري 4/68، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ: عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط:1، 1415هـ 1994م.

[30] سبق تخريجه ص 211.

[31] رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح 5/92. وروى نحوه الحافظ عبد الرزاق في المصنف 6/14 ح 9851، كما روى قول علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه: أن أبا طالب ورثه عقيل وطالب، ولم يرثه علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين. ح 9854.

[32] وهذا الابتلاء يتعرض له كثيرا من يشرح الله صدره للإسلام بعد الكفر، فما أن يعلن أحدهم إسلامه بين أهله، حتى يلجأ والداه إلى تهديده بالحرمان من الميراث لإجباره على العودة إلى دينه، وقد يلجأ بعضهم إلى قطع النفقة عنه تماما إذا كان محتاجا لها، ويطرد من البيت إرغاما له-وهذه قصة واقعية سمعتها -أثناء زيارتي للولايات المتحدة برفقة زوجي- من مسلمة أمريكية طردها أهلها من المنزل وقطعت والدتها عنها مصروفها، فلجأت إلى بيت أحد المسلمين في بلدها حتى يسر الله لها وتزوجها أخ مسلم كفلها ورعاها. فكان التشريع الإلهي الحكيم بقطع هذه المنافع والوشائج صارف للقلب عن التعلق بها وتثبيتا على الإسلام.

[33] سورة المائدة جزء من آية 51.

[34] فتح الباري 12/50 ح 6764. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:( أهل الشرك لا نرثهم ولا يرثونا). المصنف: عبد الرزاق الصنعاني 6/16 ح 9856.

[35] بتصرف، الولاء والبراء من مفاهيم عقيدة السلف ص 318، وللاستفادة انظر الفصل الخامس من الكتاب نفسه: انقطاع التوارث والنكاح بين المسلم والكافر من ص 134 - 318.

[36] جامع الأصول في أحاديث الرسول: الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري 10/254. تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط نشر مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح مطبعة دار البيان ط: بدون/ 1389هـ 1969م. وانظر عون المعبود12/ 261 ح 4507.

[37] الفتح الرباني 14/ 115.

[38] صحيح مسلم كتاب الصلة باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم 4/ 1999 ح 2585.

[39] المرجع السابق 4/ 2000 ح 2586، للاستفادة انظر حقيقة الولاء والبراء في معتقد أهل السنة والجماعة من ص 242- 263.

[40] سبق تخريجه ص 143.

[41] بتصرف: أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى: محمد عبد الهادي المصري ص 83، دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض ط:4، 1409هـ 1988م. وتتمة الكلام: أما هذه الروابط والمسميات( فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان) (الفتاوى: ابن تيمية 3/ 416) فلا يصح امتحان الناس بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يصح التعصب لأسماء وشعارات أو تجمعات وزعامات، بل الموالاة والمعاداة تكون على أساس الدين والتقوى، ولا يكون التعصب إلا لجماعة المسلمين، التي ترفع راية القرآن والسنة وهدي السلف الصالح رضي الله عنهم.

[42] سورة المائدة آية 55.

[43] سورة المائدة آية 56. وانظر جند الله ثقافة وأخلاقا: سعيد حوى ص 173، وللاستفادة انظر الفقرة الأولى: تحرير الولاء لله وللرسول وللمؤمنين ص 172 - 188 دار الكتب العلمية بيروت ط:2 بدون تاريخ.

منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:39 AM
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم ï´؟ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ï´¾[1] ينهى الله في هذه الآية الكريمة عن تولي الكافرين أو محبتهم أو نصرتهم أو تأييدهم أو معاونتهم وأخبر أن من تولاهم فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ لا في الدين ولا في العقيدة ولا في الولاية ولا في الصلة فهو بعيد كل البعد عن الله منقطع الصلة تماماً بالله فإن المسلم يحب المسلمين ويواليهم ويكره الكافرين والمنافقين ويعاديهم.



إن الولاء والبراء أصلٌ عظيم من أصول الإسلام يقوم على أساس الدين فكل مسلم موحد يحب الله ورسوله فهو أخونا ولو كان أبعد بعيد وكل كافر أو منافق عدونا ولو كان أقرب قريب ï´؟ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ï´¾[2].



إن نوحاً عليه الصلاة والسلام حينما سأل الله أن ينجي ابنه من العذاب أخبره الله أنه ليس من أهله لأن الأمر لم يبنى على أساس القرابة النسبية أو المصالح الشخصية أو القبلية أو الوطنية وإنما بني على أساس الدين ï´؟ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ï´¾[3].



وهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه وقومه عند ما أصروا على كفرهم وعنادهم فمدحه الله عند ما قال ï´؟ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ï´¾ سورة مريم[4] ويقول عنه سبحانه وتعالى ï´؟ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ï´¾[5].



وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا أبائهم وأبنائهم وعشائرهم عند ما كفروا بالله فمدحهم الله بقوله ï´؟ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾[6].



عباد الله:

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله. أن تحب من يحبه الله وتكره من يكرهه الله وأن تحب ما يحبه الله وتكره ما يكرهه الله فإن الله لا يحب الكافرين فمن أحب الكافرين أو ناصرهم أو قلدهم أو تشبه بهم أو تمنى مجيئهم فقد أحب من لا يحبه الله فهو كاذب في دعواه أنه يحب الله لأنه أحب من لا يحبه الله.



والله لا يحب الظالمين فمن أحب الظالمين واطمأن بهم فقد أحب من لا يحبهم الله. والله لا يحب الفساد بجميع صوره وأشكاله فمن أحب الفساد ورضي به فقد أحب أمراً لا يحبه الله فإن الله لا يحب الفساد. والله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص فمن كره الذين يقاتلون في سبيل الله وعاداهم وآذاهم فقد كره أمراً يحبه الله يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ).



عباد الله:

إن الناس اليوم إلا من رحم الله يبنون ولائهم ومحبتهم ليس على أساس الدين وإنما على أساس المصالح السياسية والحزبية أو الحظوظ الدنيوية والمصالح الشخصية أو على أساس القبيلة والعشيرة والتراب والوطن وكل هذا مخالف لقول الله ï´؟ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ï´¾[7].



يقول الوفاء بن عقيل رحمه الله : "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان؛ فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتِهم أعداء الشريعة".



فالمؤمن الحقيقي هو من يحب المؤمنين ويناصرهم ويؤيدهم ظاهراً وباطناً والمنافق هو من يكون مع المؤمنين ظاهراً لا باطناً ï´؟ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ï´¾[8] ويقول سبحانه ï´؟ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ï´¾[9].



إن هذه العقيدة العظيمة _ عقيدة الولاء والبراء تتعرض اليوم لهجمات شرسة وتحريفات عظيمة مرة باسم التقارب ومرة باسم التسامح بين أهل الأديان ومرة بالأمر بإلغاء الآيات التي تتحدث عن عداوة اليهود والنصارى من مناهج التعليم والهدف الأخير من ذلك هو مسخ هذه العقيدة عقيدة الولاء والبراء من قلوب المسلمين يقول الله في كتابه العظيم بعد بسم الله الرحمن الرحيم ï´؟ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون َوَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ï´¾[10].



الخطبة الثانية

لقد أخبرنا ربنا عن طبيعة الكافرين بأنهم يكرهون المسلمين وأخبرنا أن عداوتهم للمسلمين متأصلةٌ متجذرةٌ في سويداء قلوبهم وفي داخل نفوسهم ï´؟ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ï´¾[11] ï´؟ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ï´¾[12] ï´؟ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ï´¾[13] ï´؟ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ï´¾[14] وما يفعلونه بالمسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها خير شاهد وأكبر دليل لما قاله الله ï´؟ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا ï´¾ ï´؟ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ï´¾.



إن أوباما حينما يقول أن بلاده ليست في حرب مع الإسلام فإنه كذاب أشر والأخطر من ذلك أن يتجاهل بعض المسلمين هذه الآيات المحكمات التي يخبر الله فيها عن عداوة الكافرين وعدوانهم ليصدقوا أوباما في حديثه وينخدعوا بمعسول كلامه وينبهروا ببريق شعاراته.



إن هذا المجرم المكابر الذي يخادع المسلمين بأنه يحب الإسلام وأنه يتعاطف مع قضايا المسلمين وأنه ينتقد سياسة الحزب الجمهوري في الحرب على الإسلام رأيناه يمشي في نفس الطريق التي كان الحزب الجمهوري يمشي فيها ولكن بأسلوب مخادع ونفاق ماكر فما يقوله شيء وما يفعله على أرض الواقع شيء آخر.



فقد رأيناه على أرض الواقع يتخشع أمام حائط البراق أو ما يسميه اليهود بحائط المبكى ورأيناه على أرض الواقع منحازاً مع اليهود في محرقة غزة ومبيحاً لهم باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا التي صبت صباًً على إخواننا هناك.



لقد رأيناه على أرض الواقع وهو يصرح في خطاب له أمام منظمة إيباك اليهودية بأن القدس ستبقى عاصمة لإسرائيل.



ورأيناه يصعد الهجمات الصاروخية والضربات الإجرامية على المسلمين العزل في أفغانستان وباكستان وسمعناه يأمر بزيادة قواته في أفغانستان وينافق ويداهن في سحب قواته من العراق .



لقد سمعناه وهو يخاطب العالم الإسلامي ولكن رأيناه وهو يشرد أربعة ملايين من أبناء العالم الإسلامي فكيف يريد من أبناء العالم الإسلامي أن يصدقوه وهم يرونه يشرد إخوانهم ويقصف أبنائهم ألم يعلم بأن المسلمين إخوة ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ï´¾[15] ألم يعلم بأن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.



مساكين نحن المسلمين إلا من رحم الله سرعان ما ننخدع إذا تغيَّر اسم أو تلــوَّن وجه أو تبدَّل حزب وسرعان ما نتنازل عن ثوابتنا وعن حقوقنا وننسى الجرائم التي ارتكبت في حق المظلومين والمستضعفين منا يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين )[16]. ويقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه ( لست بالخب ولا الخب يخدعني ).



إن هذا المجرم الأفاك لو كان صادقاً في خطابه للمسلمين لأنهى الحرب المعلنة على الإسلام والمسلمين باسم الحرب على الإرهاب، التي شملت النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والفكرية، بل حتى الإغاثية والخيرية.



لو كان صادقاً في خطابه مع المسلمين لأخرج جنوده من جميع بلدان المسلمين التي يعيثون فيها فساداً ينكلون بأهلها ويأكلون خيراتها ويدمرون بنيتها ولكنه لم يفعل وأخذ يتلون ويخادع ويتظاهر بالإنسحاب فيسحب قواته من داخل المدن العراقية إلى خارجها ويحول الحرب من حرب الدماء الخاسرة إلى حرب المراوغات الماكرة ليضمن لقواته نهب الخيرات وأكل الثروات.



لو كان صادقاً مع المسلمين لوقف مع المستضعفين المحاصرين في غزة وفلسطين ولكنه وقف في خندق عدونا ضد استعادة أقصانا وفك أسرانا وحصار إخواننا.



لو كان صادقاً في خطابه مع المسلمين لتخلى عن مجاملة وممالأة المعتدين على المسلمين في أنحاء الأرض، كما هو حادث منهم مع الروس في الشيشان، ومع الهندوس في كشمير، ومع الأحباش في الصومال، ومع النصارى في الفلبين، ومع الروافض في العراق.



عباد الله:

إن أملنا ورجائنا ليس في أوباما ولا في خطاباته ولا في حزبه ولا في حديثه ولكن أملنا في الله سبحانه وتعالى عظيم ثم في هذه الأمة التي أخرج الله منها رجالاً يقاومون العدوان ويجابهون الطغيان فأفقدوا الغرب اتِّزانه، وأنزلوه من أبراج غروره، وأغرقوه في سكرات موته. وعاثوا في عقله. وجاسوا خلال دياره، فأنسوهم المطامع والوساوس التي يزينها لهم أبالسة البنتاجون، وشياطين واشنطن.



يقول الله في كتابه العظيم ï´؟ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ï´¾[17].


منفول

يوسف التازي
22-01-15, 12:40 AM
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن تبعه ومن والاه.

اعلم أنه لا يكتمل توحيد المؤمن إلا بعد أن يُحقِّق معاني الولاء والبراء اعتقادًا وتطبيقًا، وإقرارًا وعلمًا وفهمًا؛ إذ هو من صميم التوحيد ولبِّه، وهو كقطب الرحى للدين، ولأجْله قامتْ السموات والأرض، وهو أفضل ما عُبِد به الله حقَّ عبادته، وبه تميَّز المخلصون الموحِّدون عن أدعياء التوحيد المنافقين، وبه شُرع الهجرة والجهاد والسيف والسِّنان، وبه تميز المؤمن المصلح من الكافر والمرتد المفسد، وبه أخرج الله المؤمنين من الظلمات إلى النور، وإلى السعادة الدنيوية والأخروية.

فالولاء والبراء يبدأ من كلمة التوحيد نفسها؛ لأن نصفها الأخير ولاء لله وحده، ونصفها الأول تبرؤ من الآلهة التي تُعبَد من دون الله؛ قال الله - تعالى -: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26، 27]، فبدأ بالبراءة من أبيه كما ترى؛ حتى لا يتطرق إلى توحيده أيُّ خلل؛ بل أعلن أن المشركين وعبدة الأصنام عدوٌّ له؛ كما قال - تعالى -: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77]، وقال - تعالى -: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...} الآية [الممتحنة: 4].

وهنا تجد أن المفاصلة أوضح؛ لأنه تبرأ منهم أولاً، ثم تبرأ مما يعبدون من دون الله، وبين التوقيت في ذلك، وأيضًا تجد أن الخليل - عليه السلام - يستثني من ذلك دائمًا خالقَه وهاديه إلى الصراط المستقيم كما ترى، حيث يثبت له وحده الولاء والمحبة، كما أعلنها مدوية على أسماعهم؛ حتى يكون توحيده صريحًا قويًّا، خالصًا لا لبس فيه.

فبذلك ضرب الخليل - عليه السلام - أروعَ الأمثلة للمستضعفين الذين يتذرَّعون لترك البراءة من أهل الشرك بما يسمُّونه: "تقيَّة، أو ضرورة، أو خوفًا"[1]، كما ضرب نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك تمامًا في مجابهته لقريش، وهو لا يملك عددًا ولا عدة يُذكر.

وهذا الذي قاله الخليل - عليه السلام - هو معنى حقيقة كلمة "لا إله إلا الله"؛ كما قال - تعالى -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال - تعالى -: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

ومفهوم المخالفة في الآية: أن كل من لا يكفر بالطاغوت ويدعي أنه يؤمن بالله، لم يستمسك بالعروة الوثقى، وبالتالي لا يمكن أن يكون إيمانه صحيحًا؛ حيث أسند ولايته لغير الله، ولم يُسندها لله وحده.

ثم أعقب الله هذه الآية بآية أخرى، ذكر فيها فائدة إسناد الولاية لله وحده، وهي أن الله - سبحانه - يُخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور، أما من عكس القضية فأسند الولاية إلى الطاغوت، فإن هذه الطواغيت تُخرِجه من النور إلى الظلمات لا محالة؛ كما قال - تعالى -: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].

ولذلك حذَّر الله عباده المؤمنين في كثير من الآيات في القرآن أن لا يتَّخذوا من دونه وليًّا؛ لأن ذلك من شأنه أن يقطع علاقة المؤمنين بربهم، فينحرفوا عن الطريق المستقيم الذي رسمه الله لهم.

ومن ذلك على سبيل المثال طاعة الشيطان وأوامره، أو الاستعانة به، أو الخوف منه، وطاعةُ من يشرع الأحكام والقوانين من دون الله من التحليل والتحريم، وطاعةُ من يسمونهم أولياءَ في الاستعانة بهم، والتوسل بهم، وطلبُ الشفاعة منهم في الدنيا والآخرة، ودعاؤهم أحياء وأمواتًا، وطاعة الكفار لترك بعض شرائع الدين لإرضائهم، وطاعة الوالدين والأبناء والزوجة والعشيرة لأجل التنازل أو الخروج عن الدين... إلخ.

فمَن فهِم ذلك حقَّ الفهم، وعمِل بما يقتضي التوحيد الصحيح من الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وحده، والتبرؤ من الطواغيت وما دون الله - فحريٌّ أن يكتب الله في قلبه الإيمانَ ويؤيده بروح منه، ويدخله جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدًا فيه أبدًا، ويرضى عن الله ويرضى الله عنه، ويجعله من حزب الله المفلحين؛ كما ذكر الله ذلك في آخر سورة المجادلة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــ
[1] وقد ذكر شيخ الإسلام في بحوثه - ككتاب "الاستقامة" - أن التقية من دون إكراه محققٍ نفاقٌ، وهو ما اشتهرت به الرافضة أن يدينوا به، فتنبَّه.
منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:40 AM
بسم الله والحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرَف المرسلين، وآله وصحبه ومَن تبِعَه بإحسانٍ إلى يوم الدين.



أمَّا بعدُ:

اعلَم - أيُّها الأخ والأخت الكريمة - أنَّ علاقة الوَلاء والبَراء - سواء كانت بين المسلمين أنفسهم أم بين المسلمين والكفَّار - صارَتْ في هذه الآوِنة الأخيرة مُهمَلة حتى وقَع بعضُ المسلمين - للأسف الشديد - في مَتاهات عظيمةٍ، وبدع بل كفريَّات، ولا حوْل ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.



إذًا؛ فالواجب على المسلِمين أن يتفقَّهوا في تحقيق الوَلاء والبَراء، وهو على قسمين كالتالي:

1 - علاقة الوَلاء والبَراء بين المؤمنين.

2 - علاقة الوَلاء والبَراء بالنسبة للكفار.



أمَّا علاقة الوَلاء والبَراء بين المؤمنين فلا بُدَّ أن تكون مبنيَّة بالأخوَّة، والمحبَّة والتودُّد، والتعاطُف والتناصُر، كما أمَرَنا الله بذلك في كتابه العزيز في كثيرٍ من الآيات؛ كقوله - تعالى -: ï´؟ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ï´¾ [التوبة: 71]، فجَعَل الله النتيجةَ بعد تَحقِيق هذه المُوالاة كما يُرِيدها الله من المؤمِنين الظَّفَر برحمة الله، كما جَعَل الله النتيجةَ الرحمة بعد تَحقِيق الأخوَّة الإيمانيَّة بين المؤمنين؛ قال - تعالى -: ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ï´¾ [الحجرات: 10].



ولقد حثَّنا النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالأحاديث المتضافِرة على الأخوَّة الإيمانيَّة، وبالمحبَّة والتودُّد، والتعاطُف والنُّصرة.


ففي الصحيحين عن النُّعمان بن بشير - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مثَل المؤمِنين في تَوادِّهم وتَراحُمهم وتعاطُفهم مثَل الجَسَد، إذا اشتَكَى منه عضوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَد بالسَّهَر والحُمَّى))، وفيهما عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبُنيَان يشدُّ بعضُه بعضًا، وشبك بين أصابعه))، وفيهما: ((لا يُؤمِن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)).


وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المسلم أخو المسلم؛ لا يَظلِمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويُشِير إلى صَدرِه ثلاثَ مرَّات - بحسب امرِئٍ من الشرِّ أنْ يحقِرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلِم على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعرضه))؛ رواه مسلم.



واعلم أنَّ الذين يُخالِفون في تَحقِيق المولاة والأخوَّة الإيمانيَّة والرَّحمة أنهم سيُعَذَّبون بالخِلافات والشِّقاقات والصِّراعات فيما بينهم، كما سيجعل الله - سبحانه - بَأسَهم بينهم شديدًا؛ والدليل على ذلك قولُه - تعالى -: ï´؟ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ï´¾ [هود: 118 - 119]، ففي هذه الآية إشارةٌ إلى أنَّ المختَلِفين مُعذَّبين، وقد صرَّح الله بذلك في سورة الأنعام، وفسَّرَه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث الآتي:


قال أبو النُّعمان: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر - رضي الله عنه - قال: لَمَّا نزلتْ هذه ï´؟ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ï´¾ [الأنعام: 65] قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أعوذ بوجهك)) قال: ï´؟ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ï´¾ [الأنعام: 65] قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أعوذ بوجهك)) ï´؟ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ï´¾ [الأنعام: 65] قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((هذا أهون))، أو: ((هذا أيسر))؛ رواه البخاري.



واعلَم أنَّ من أعظَم معاني المُوالاة الحقيقيَّة الخالِصَة - التي منها المحبَّة والتواصُل والعلاقة الطيِّبة والنُّصرة - إنما هي محصورةٌ بين المؤمِنين في الدنيا؛ ولذلك قال - تعالى -: ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ï´¾ [الحجرات: 10]، كما هي محصورةٌ بين المؤمِنين في الآخِرَة وقد قال - تعالى -: ï´؟ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ï´¾ [الزخرف: 67].



فتلاحظ أنَّ الله - سبحانه - رَتَّب أمورًا عدَّدَها في الآية الكريمة في سورة الحجرات، وهو قوله - تعالى -:ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ï´¾ [الحجرات: 10]، إذا عملنا بها ظفرنا برحمته - تبارَك وتعالَى - كما رتَّب بعد هذه الآية أمورًا أخرى كثيرة إذا حذرنا منها وتجنَّبنا عنها ظفرنا بقبول توبَتِنا وغفرانه ورضوانه - سبحانه - وقد قال - تعالى - في خِلال هذه الآيات: ï´؟ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ï´¾} [الحجرات: 11]، ومن التوبة ردُّ المظالم إلى أهلها، وطلب المسامحة من المظلوم قبلَ فَوات الأَوَان.



وهذه الأمور التي جاءت بالآية الكريمة فهي كالتالي:

أولها: تحقيق الأخوَّة بين المؤمنين.

وثانيها: الإصلاح بين الإخوان.

ثالثها: تحقيق تقوى الله - سبحانه.

رابعها: الظفر برحمة الله بعد تحقيق الأخوَّة الإيمانيَّة.



أمَّا التي إذا حذرنا منها وتجنَّبناها ظفرنا بقبول توبتنا وغفرانه ورضوانه فهي كالتالي:

أولها: ترْك احتِرام المؤمنين بعضهم لبعضٍ؛ كالتعرُّض لهم بالسخرية والتَّحقِير، وقد يكون الذي سُخِر منه أفضل من الساخر؛ كما في الآية الكريمة: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ï´¾ [الحجرات: 11].

وثانيها: أنْ يُلقِّبوا بعضهم بعضًا بألقابٍ لا تليق.

ثالثها: ترْك إحسان الظنِّ بهم، واتِّهامهم بما هم منهم بريئون.

رابعها: التجسُّس عليهم، ويُلحَق بالتجسُّس إشارة النَّمِيمة؛ لأنَّ هذا هو ما يقصده غالبًا المتجسِّس على الناس.

خامسها: الغِيبة، ويُلحَق بها من باب الأَوْلَى الافتراءُ عليهم، وإشاعة الفاحشة عن المسلمين، وترْك سترهم وصيانة عرضهم، وقد نفَّرنا الله عن ذلك الفعل القَبِيح والشنيع، فشبَّهه وكأنَّنا نأكل لحم أخانا الميت؛ وذلك لأنَّ المُغتاب غائبٌ ولا يستطيع الدفاع عن نفسه.

سادسها: العنصريَّة الجاهليَّة التي تُفرِّق بين المسلمين، وتُفسِد الأخوَّة بين المؤمنين؛ ولذلك جعَلَنا شعوبًا وقبائل ليتعرَّف بعضُنا على البعض الآخَر، لا للتفاخُر، كما قيَّد الله الكرم بالتقوى فحسب.



واعلَم أنَّ أخوَّة المؤمِنين بعضهم لبعضٍ باقيةٌ إلى يوم القِيامة حتى للعُصاة منهم، كما هي باقية للذين لم يُهاجِروا وبقَوْا في دِيار الكفَّار.



فأمَّا بقاء الأخوَّة لعُصاة المؤمنين ولو اقتَتلُوا فيما بينهم، فقد بيَّنه القرآن وأوضَحَه؛ كما في قوله - تعالى -: ï´؟ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ï´¾ [الحجرات: 9]، قال البخاري: فسمَّاهم المؤمنين.



وهكذا جاء في سورة البقرة قولُه - تعالى -: ï´؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ï´¾ [البقرة: 178]، فجعَل الله الأخوَّة باقيةً بين المؤمنين وإنْ حصل بينهم قتلٌ، فكيف بما هو دون ذلك من الأشياء الحقيرة والتافهة؟!



وأمَّا المؤمنون الذين كانت عليهم هجرةٌ فلم يُهاجِروا، فلهم الأخوَّة أيضًا بسبب إيمانهم، ولو ضَعُفَ إيمانُهم بترْك الهجرة، ولكن ليس لهم ولاية مطلقة كولاية المؤمنين الذين هاجَرُوا في سبيل الله، وإنما لهم النصر والتأييد إنِ استَنصَروا في الدين؛ كما قال - تعالى -: ï´؟ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ï´¾ [الأنفال: 72].



وهكذا جاءَ في سورة النساء: ï´؟ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ï´¾ [النساء: 92]، فبيَّنت الآية أنَّ انتِماء هذا الشخص للأعداء؛ لكنَّه مع ذلك مؤمن، ولكن لا يعني هذا أنْ يَنصُر الكفار في دينهم لا اعتقادًا ولا قولاً ولا عملاً، كما لا بُدَّ له أيضًا أنْ يكون قادِرًا على إظهار شعائر دينه، وأنْ يكون حُرًّا طَلِيقًا فيهم.



ولرِعاية وجوب الأخوَّة بين المؤمنين لا بُدَّ من العمل بالعناصر الآتية:

1 - أنْ يُعظِّم المؤمن دمَ أخيه المؤمن؛ فلا يقتله ظلمًا وعُدوانًا.

2 - أنْ يُعظِّم المؤمنُ مالَ أخيه المؤمِن؛ فلا يتعرَّض له بالنَّهب ولا بالسَّرقة، ولا بالظُّلم والغشِّ والخيانة.

3 - أنْ يَصُون عِرضَ أخيه؛ فلا يقذفه بفاحشةٍ ولا مُنكَر من القول وزور.

4 - أنْ يَستُر له عيوبه، ويَصُون عِرضَه؛ فلا يغتابه ولا يَسبُّه، ولا يحتقره ولا يسخَر منه لأجل قبيلته أو لجنسيته وأصله، كما يجب عليه أنْ يُحسِن الظنَّ به فلا يتجسَّس عليه، وقد نهانا الله عن ذلك كلِّه في سورة الحجرات - كما أشرنا - وكذلك يجب عليه ألاَّ يُشِيع عنه فاحشة، كما لا يحبُّ أنْ يفعل به أحدٌ مثلَ ذلك.

5 - ألاَّ يحكم عليه بالكفر مستبيحًا بذلك دمه وعرضه وماله بدون حقٍّ.

6 - أنْ يَتعاوَن معه على البرِّ والتَّقوى.

7 - أنْ يتولَّى بعضهم بعضًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي طاعة الله ورسوله؛ كما قال - تعالى -: ï´؟ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ï´¾ [التوبة: 71]، وقال - تعالى -:ï´؟ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ï´¾ [آل عمران: 103].



واعلَم أنَّ ولاية المؤمن الصالِح لأخيه المؤمن الصالح ليست كولاية المؤمن الصالح لأخيه المؤمن العاصي والفاسق، بل لا يمكن أنْ تكون العلاقة بينهما قويَّة ووطيدة حتى يُراجِع المؤمن الفاسق نفسَه ويتوب إلى الله ممَّا اقتَرَف من المعاصي والآثام؛ ولذلك ورد عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ آل بني فلان ليسوا لي بأولياء)).



وورد: ((لا تُصاحِب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقيٌّ))؛ أي: إنَّ هؤلاء ليس لهم ولاية المحبَّة، أمَّا ولاية النُّصرة في الدين فهم يستحقُّونها ما داموا مؤمنين، كما أشرنا ذلك آنِفًا.



ولذلك؛ لا بُدَّ أنْ يُعامِل المؤمن الصالح الداعيةُ المؤمنَ العاصي الفاسق بالبراءة والبعد عن مخالطته، لا سيَّما إذا كابَر الأخيرُ عند النصيحة، وقلَّ الرجاءُ في إصلاحه، واستَعصَى أمره واستَفحَل.



ولقد كانت طبيعة عُلَماء بني إسرائيل إذا رأوا عاصِيًا أن ينصحوه ويقولوا له: يا هذا، اتَّقِ الله فإنَّ هذا حرام، ثم لم يمنعهم ذلك أنْ يُؤاكِلوهم ويُجالِسوهم؛ ولذلك لعَنَهم الله على لسان داود وعيسى ابن مريم، فكيف بالله عليكم بِمَن لا ينصحهم ويُجامِلهم وكأنهم على الحق؟! قال - تعالى -: ï´؟ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ï´¾} [المائدة: 78، 79].



إذًا؛ فالواجب عليك - أيُّها الداعية - أن تَدعُو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، كما عليك أن تُوازِن بين الأمور بعد النصيحة والدعوة إلى الله، فإنْ كانت الغلظة والهجرة - مثلاً - تَنفَع مع المدعوِّ وتؤثِّر فيه، فاعمَل بها، أمَّا إنْ كانتْ لا تَزِيده إلا بُعدًا وعُتوًّا ونُفُورًا، فتَرَفَّق به، واستَعِن بالله في أمرك كلِّه، والدُّعاء له بظهْر الغيب؛ فإن الأمور كلها بيد الله، ولقد أرسل الله موسى إلى مَن ادَّعى الألوهيَّة وهو فرعون، وأمَرَه أنْ يقول له قولاً ليِّنًا لعلَّه يتذكَّر أو يخشى، وقد عَلِم الله بعِلمِه الأزلي أنَّ فرعون لن يُسلِم، ولكنَّ الله أراد أن يُعلِّمنا ما يلي:

أ - ألاَّ نَقنُط من الناس ولو أسرفوا في العصيان لله العظيم.

ب - أنْ نترفَّق بهم وندْعوهم باللِّين وبالأسلوب الحسن الجيِّد، وقد بيَّن الله اللينَ الذي أمَر الله موسى - عليه السلام - أنْ يُخاطِب به فرعون في سورة النازعات؛ فقال - تعالى -: ï´؟ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ï´¾ [النازعات: 18 - 19].



إذًا؛ فالواجب علينا أن ندعو أئمَّة الكفر والطواغيت إلى دين الله، والقبول من عند الله، كما علينا ألاَّ نيئس من رحمة الله، مُتوكِّلين على الله كما كان كذلك هدي الأنبياء - عليهم السلام أجمعين.



وقد جعل الله أفضلَ الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر؛ كما جاء في الحديث: ((أفضل الجِهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر)).



والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:41 AM
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونَعُوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فهو المهتَد، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليًّا مُرشِدًا، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، وصفيُّه وخليلُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن اهتَدَى بهديه.



أمَّا بعدُ:

نقف مع حضراتكم اليومَ - أيُّها الأحبَّة الكِرام - مع الوَلاء والبَراء من خِلال سورة المجادلة، هذه السُّورة التي علَّمتْنا في الجُمعة الماضية درسًا بليغًا من دروس الأدب؛ لنقف اليوم أمامَها بإجلالٍ لتُعلِّمنا درسًا آخَر، لكنَّه من دروس العقيدة، ولا بُدَّ في البداية أن نقفَ عند هذه الآيات الكريمة التي وقفتُ عندها بيني وبين نفسي، فأثارتْ ثائرتي، وأجاشَتْ عَواطِفي، وعلَّمتْنِي عقيدتي، تعالَوْا لنسمَع تلك الآيات أوَّلاً؛ يقول - تعالى - مُخاطِبًا رسولَه الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ï´؟ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [المجادلة: 14 - 22].



بدأت الآيات تتكلَّم مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتُعلِن أنَّ الذين يتولَّون اليهودَ هم منافقون، ليسوا منكم ولا من اليهود، وتابَعت الكلام عن صِفاتهم؛ لئلاَّ يتَّصِف بها أهل الإيمان، فماذا فعَل المنافِقون؟ فالمنافقون تولَّوا اليهود، وصادَقُوهم، وناصَرُوهم، وواعَدُوهم بالنُّصرة، فالآية في شأن المنافِقين، ألم تَرَ إلى هؤلاء المنافقين الذين تولَّوا وناصَرُوا وآزَرُوا قومًا غَضِبَ الله عليهم وهم اليهود؟ وقد وُسِم اليهودُ بأنهم مغضوبٌ عليهم في عِدَّة آياتٍ من القرآن الكريم أوَّلها آيات الفاتحة.



ثم إنَّ من صفاتهم أيضًا أنَّهم لا يُوالُون المؤمِنين ويتبرَّؤُون من أعدائهم؛ قال - تعالى -: ï´؟ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ ï´¾؛ أي: المنافقون الذين تولَّوا اليهود ليسوا منكم وليسوا من اليهود، هذا قول قتادة - رحمه الله تعالى - كما وصَفَهم الله بقوله: ï´؟ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ï´¾ [النساء: 143].



لكن الذي يتَّصف بهذا - والعِياذ بالله - فإنَّ مَوعِده أليم؛ حيث أعلن - تعالى - وقال: {ï´؟ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ï´¾ [المجادلة: 15]؛ أي: ساءَ هذا الفعل، وساءَ هذا الصَّنِيع.



فالآية إذًا ذمَّتْ كلَّ مَن يتولَّى اليهود، ويُلحَق بهم كلُّ مَن يتولَّى الكفَّار أو النصارى ويُناصِرهم، ويُؤازِرهم، وقد تَضافرَتْ نصوصُ الكتاب والسنَّة على ذلك.



وهنا لاحظتُ شيئًا مهمًّا وأمرًا غريبًا، وكأنَّ القرآن الكريم يَعِيش بيننا، كيف لا وهو المُعجِزة الصالِحَة لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، لكلِّ وقت وحين؟ الأمر الغريب هو أنَّ اللهَ ذكَر ثلاثةَ أشياء في ثَنايا كلامِه عن تَولِّي المشرِكين، ولم يذكر غيرَ هذه الأمور الثلاثة، وهذه الثلاثيَّة المكوِّنة لمثلَّث الوَلاء في سورة المجادلة هي: الأموال - الأولاد - الأحزاب.




ï´؟ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ï´¾ [المجادلة: 17]، الأموال، والأولاد.



لِمَ قال: الأموال والأولاد أولاً؟ لِمَ؟ أرى - والله تعالى أعلم - أنَّ أهمَّ سببٍ في فقدان الوَلاء لله أولاً: الأموال، وخصوصًا هؤلاء الذين ضَعُفَ إيمانهم وتَزعزَعتْ عقيدتهم، وهذا رأيناه بأمِّ أعيُنِنا، فباتت الوَلاءات والذِّمَم والضَّمائر بل وحتى العَقائد تُشتَرَى بالأموال، من أجل تَحقِيق هدف المشتَرِي، سواء عَلِمَ البائع أو جَهِل، وهذا واقعٌ اليومَ في بلادنا في العراق.



رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ مَالُوا
إِلَى مَنْ عِنْدَهُ مَالُ وَمَنْ لاَ عِنْدَهُ مَالُ
فَعَنْهُ النَّاسُ قَدْ مَالُوا رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ ذَهَبُوا
إِلَى مَنْ عِنْدَهُ ذَهَبُ وَمَنْ لاَ عِنْدَهُ ذَهَبُ
فَعَنْهُ النَّاسُ قَدْ ذَهَبُوا رَأَيْتُ النَّاسَ مُنْفَضَّهْ
إِلَى مَنْ عِنْدَهُ فِضَّهْ وَمَنْ لاَ عِنْدَهُ فِضَّهْ
فَعَنْهُ النَّاسُ مُنْفَضَّهْ



ثم إنَّ السبب الثاني في فقدان الولاء لله: الولدان، ولم يقل الله: الرجال، الولدان، الشباب، الصِّغار، الذين وإن بلَغُوا الحلم ربما لم يَبلُغوا الرشد، رشد العقول، رشد العقيدة، رشد الثَّبات.



فيَكون الشباب أسهل من غيرهم للإغراء ولحبِّ الشَّهوات والأموال والرَّواتِب، والسيَّارات، والمناصِب والكراسي، والسلطة والهيبة والمكانة، والظُّهور والتسلُّط، وهذا ما رأيناه، بل هو الذي يحصل الآن، والله المستعان.



ولهذا ذكَر - تعالى - الأولاد، فإيَّاكم أيُّها الأولاد! إيَّاكم أيُّها الآباء! انتَبِهوا لأولادِكم وشبابِكم؛ ((فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته))، كما قال المصطفى - عليه صلوات ربي.



ونُتابِع لنَقِف عند السبب الثالث لفقدان الوَلاء لله من خِلال هذه الآيات الكريمة، ألاَ وهو "الأحزاب"، وما أدراك ما الأحزاب؟ سبحان الله! ماذا فعلت الأحزاب؟ للعراق دمَّرتْ، وللدِّماء سفكتْ، وللشباب قتلتْ، وللأعراض انتهكتْ، وللأموال سرقتْ، ولأهل الإيمان عادتْ، وبالصادقين طعنتْ، وبالمؤمنين مثلتْ، وللخيرات أهدرتْ، وللمسلمين فرقتْ، وللوحدة مزقت، وللشَّمل شتَّتتْ، وبالسُّجون ألقتْ، وللمُوحِّدين عذَّبتْ، وللأعداء ذلَّت.



وصدق مَن قال:



وكانوا كالتي صلت
لكنها وبآخر لحظة نقضت عرى التوحيد قبل وضوئها
كيف القبول؟ ولو لبت وهلت وأزيد في الأبيات بيتا
لم يفلحوا والله به الآيات قد حكمت



نعم، لم يُفلِحوا - إخوةَ الإيمان - ولذلك ذكَر الله ما ثلَّث به تحذيرًا وإنذارًا؛ فقال - جلَّ شأنُه -: {ï´؟ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ï´¾ [المجادلة: 19]، فالأحزاب هي مَن يُعِين على كلِّ الخراب، وهي مَن يُعِين على ضعْف الوَلاء والبَراء من الأعداء، إلاَّ حزبًا واحدًا، مقرُّه القرآن الذي في الصُّدور، وشعاره الإسلام، وعلمه الإيمان، فلنرفعه في قلوبنا أولاً، ثم شعارنا في الحياة ثانيًا.





هَذِي يَنَابِيعُ الكِتَابِ تَدَفَّقَتْ
تَجْرِي بِنُورٍ فِي الْحَيَاةِ جَدِيدِ يَا رِيشَةَ الْقَلَمِ الأَصِيلِ تَدَفَّقِي
نَهْرًا مِنَ الشِّعْرِ الأَصِيلِ وَزِيدِي قُولِي مَعِي لِلْقَارِئِ الفَذِّ الَّذِي
يَتْلُو فَيُشْعِرُنِي بِسِرِّ وُجُودِي يَتْلُو فَيَفْتَحُ أَلْفَ بَابٍ لِلتُّقَى
وَيَكُفُّ عَنْ نَفْسِي أَشَدَّ قُيُودِي يَا قَارِئَ القُرْآنِ دَاوِ قُلُوبَنَا
بِتِلاَوَةٍ تَزْدَانُ بِالتَّجْوِيدِ اقْرَأَ فَأُمَّتُنَا تُرَقِّعُ ثَوْبَهَا
بِالْوَهْمِ تَخْفِضُ رَأْسَهَا لِيَهُودِي اقْرَأْ فَأُمَّتُنَا تَعِيشُ عَلَى الرِّبَا
تَنْسَى عِقَابَ الْخَالِقِ الْمَعْبُودِ اقْرَأْ لِيَنْجَلِيَ الظَّلاَمُ عَنِ الرُّبَا
وَلْيَسْمَعِ الْغَافِي زَوَاجِرَ هُودِ اقْرَأْ لِيَنْجَلِيَ القَتَامُ عَنِ الَّذِي
أَمْسَى أَسِيرَ تَخَاذُلٍ وَخُضُودِ

منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:42 AM
عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
على المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه – وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.
قال تعالى:
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9].
(فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.
(وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم)
ولمّا كان الولاء والبراء مبنيين على قاعدة الحب والبغض ... فإن الناس في نظر أهل السنة والجماعة – بحسب الحب والبغض والولاء والبراء – ثلاثة أصناف:
الأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علماً وعملاً واعتقاداً. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول كل أحد كائناً من كان
الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، فهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار وهو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه .
الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحداً من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعاً من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإبانة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها
فأهل السنة والجماعة – إذن – يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملاً ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرؤون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضاً كاملين. أما من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر.
وأهل السنة والجماعة يتبرؤون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ المجادلة:22].
ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:23-24].
ويلخص الإمام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة فيقول:
(الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان.
قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [ المائدة: 55-56].
وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ المائدة: 51].
وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [ التوبة:71].
ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة.
ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة
قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9-10].
فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.
(... ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك)
الولاء والبراء القلبي:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع أن الولاء القلبي وكذلك العداوة يجب أن تكون كاملة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فأما حب القلب وبغضه، وإرادته وكراهته، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.
ذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ القصص: 50].
موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب البدع والأهواء:
يدخل في معتقد أهل السنة والجماعة البراءة من أرباب البدع والأهواء.
والبدعة: مأخوذة من الابتداع وهو الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذي ولا ألف مثله ومنه قولهم: ابتدع الله الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى:
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: 117].
وقوله: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ [الأحقاف: 9].
أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.
وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح
قال ابن الجوزي:
(البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان)
ولقائل أن يقول: ما شأننا الآن وأصحاب البدع لا سيما وأنت تتكلم عن ولاء الكفار والبراء منهم وموالاة المؤمنين ونصرتهم؟؟
والجواب على ذلك: أولاً: أن البدعة خطرها عظيم وكبير، والدليل على ذلك أنها تنقسم إلى رتب متفاوتة ما بين الكفر الصريح إلى الكبيرة والصغيرة، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:
(البدعة تنقسم إلى رتب متفاوتة منها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بقوله:
وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [ الأنعام: 136].
وقوله تعالى: وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 139].
وقوله: مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [المائدة: 103].
وكذلك بدعة المنافقين حين اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح)
وقضية التحليل والتحريم خصوصية لله عز وجل، فمن ادعى التحليل والتحريم فقد شرع ومن شرع فقد أله نفسه. وكما أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق فهو أيضاً صاحب الأمر والسلطان، قال تعالى:
أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [ الأعراف: 54].
وقال سبحانه: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل:116].
فهذه البدعة الكفرية وأمثالها لأصحابها منا العداء والبغض والكره والجهاد بعد الإعذار والإنذار، والبراءة منهم لا تختلف عن البراءة من الكافر الأصلي. فقد قال صلى الله عليه وسلم ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) .
قال البغوي:
(وقد اتفق علماء السنة على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم)
ونعود لرتب البدع كما ذكرها الشاطبي فقال:
(ومن البدع ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر، كبدعة التبتل والصيام قائماً في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
ومنها: ما هو مكروه كالاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي وما أشبه ذلك)
فأرباب هذه البدع يتبرأ منهم أهل السنة والجماعة.
ثانياً: لخطورة البدع على الدين أورد هنا نماذج من أقوال سلف الأمة في التحذير من البدع وأصحابها. ومن ذلك ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث يقول:
(من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم) . وقال سفيان الثوري رحمه الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.
وقال الإمام مالك رحمه الله: من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين، لأن الله تعالى يقول:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة: 3].
فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً
وذكر الشاطبي رحمه الله أن مفاسد البدع تنحصر في أمرين:
(1) أنها مضادة للشارع، ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حد له.
(2) أن كل بدعة – وإن قلت – تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع فيكون قادحاً في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامداً، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير – قل أو كثر – كفر .
ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل بدعة ضلالة)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهــم شيئاً)) .
وقال أحد علماء السلف:
(لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) .

يوسف التازي
22-01-15, 12:43 AM
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإنَّ الله افترض على المؤمنين عداوةَ المشركين وبُغْضَهُم، وهذه هي مِلَّةُ إبراهيم - عليه السَّلام - وهي مِلَّةُ نبيِّنا ومِلَّتِنا، وقُدْوَتُه وقُدْوَتُنا؛ قال - تعالى -: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]، وقال - تعالى -: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130].
وهو مبنيٌّ على أصلَيْن:
الأوَّل: إخلاصُ العبادة لله - سبحانه - قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161 - 163].
الثاني: البراءةُ من الشِّرْك والمشركين، وإظهارُ عداوتهم؛ قال - تعالى -: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} [الممتحنة: 4].
وإذا كان واجبًا على المسلم أن يقول هذا لقومه، الذين هو بين أَظْهُرِهِم، فكونه واجبًا مع الكفار الأَبْعَدِينَ عنه، المخالفين له في جميع الأمور - أَبْيَنُ وأَبْيَنُ، فمَنْ لم يحقِّق هذين الأصلَيْن، لا يَصِح له أن ينتسبَ إلى إبراهيمَ ومِلَّتِهِ.
قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1].
بل لقد حُرِّم على المؤمن مُوالاةُ الكافرينَ، ولو كانوا من أَقْرَبِ النَّاس إليه؛ قال - تعالى -: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].
وذكر الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهَّاب صورًا لموالاة الكفَّار في رسالته: "أَوْثَقُ عُرَى الإيمان"، فقال:
"أحدها: التولِّي العام.
الثاني: المودَّةُ والمحبَّةُ الخاصَّة.
الثالث: الرُّكون القليل؛ قال - تعالى -: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 74 - 75]، فإذا كان هذا الخطاب لأَشْرَفِ مخلوقٍ - صلاة الله وسلامه عليه - فكيف بغيره؟
الرَّابع: مُدَاهَنَتُهُم ومُدارَاتُهم؛ قال - تعالى -: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9].
الخامس: طاعتُهم فيما يقولون وفيما يشيرون، كما قال - تعالى -: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، وقال - تعالى -: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10].
السادس: تقريبُهم في الجلوس والدخول على أمراء الإسلام.
السابع: مشاورتهم في الأمور.
الثامن: استعمالهم في أمر من أمور المسلمين، أيِّ أمرٍ كان؛ إمارة، أو عمالة، أو كتابة، أو غير ذلك.
التاسع: اتخاذهم بطانةً من دون المؤمنين.
العاشر: مجالستُهم، ومزاوَرَتُهم، والدُّخول إليهم.
الحادي عشر: البَشاشة لهم والطَّلاقَة.
الثاني عشر: الإكرام العامُّ لهم.
الثالث عشر: استئمانهم وقد خوَّنهم الله.
الرابع عشر: معاونتهم في أمورهم، ولو بشيءٍ قليلٍ، كَبَرْيِ القلم، وتقريب الدواة لِيَكتبوا ظلمهم.
الخامس عشر: مناصحتهم.
السادس عشر: اتِّباع أهوائهم.
السابع عشر: مصاحبتهم ومعاشرتهم.
الثامن عشر: الرِّضا بأعمالهم، والتشبُّه بهم، والتَّزيِّي بزِيِّهم.
التاسع عشر: ذِكْرُ ما فيه تعظيمٌ لهم، كتسميتهم سادات وحكماء، كما يُقال للطَّاغوت: السيِّد فلان، أو يُقال لمَنْ يدَّعي علمَ الطبِّ: الحكيم، ونحو ذلك.
العشرون: السَّكَنُ معهم في ديارهم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ جامع المشرِك وسَكَنَ معه، فهو مثله))[1]"[2].
وكما حَرَّمَ - سبحانه - موالاة الكفَّارِ أعداءِ الدِّين، فقدْ أوجب موالاة المؤمنين ومحبَّتهم؛ قال - تعالى -: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56]، وَقَالَ - تَعَالَى -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
ومن مظاهر موالاة المؤمنين:
أولاً: الهجرة من بلاد الكفَّار إلى بلاد المسلمين؛ لأجل الفرار بالدِّين، فقد تبرَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من كلِّ مسلمٍ يُقيم بين أَظْهُرِ المشركين؛ قال - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72].
ثانيًا: مناصرةُ المسلمين، ومعاونتُهم بالنَّفْس والمال فيما يحتاجون إليه في دِينهم ودُنياهم؛ قال - تعالى -: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].
وقال - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72].

ثالثًا: النُّصح ومحبَّة الخير لهم، وعدم غِشِّهم؛ فعن أنسِ بن مالِك - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يؤمِنُ أحدُكُم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنَفْسِه))[3].
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.





ـــــــــــــــــــــــــ
[1] "سنن أبي داود"، (3/93)، برقم (2787)، وحسَّنه الشيخ الألباني - رحمه الله - في "صحيح الجامع الصغير"، (2/1046)، برقم (6186).
[2] "مجموعة التوحيد"، (ص: 170 - 172).
[3] "صحيح البخاري"، (1/21)، رقم (13)، و"صحيح مسلم"، (1/67)، برقم (45).

منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:43 AM
لمن الولاء.. وممن البراء؟!


كنتُ في مقالة سابقة قد تجاوزتُ حدودي، وتخطَّيت قيودي التي هي ضوابط ومعايير، وسِرتُ بسارحة من الإبداع تخيلت فيها أحوال بني قومي بمسرحية هزلية طويلة؛ ولن أسترسل فيما كتبتُ فيها، فحريٌّ بذي العقل أن يَذَّكَّر ولا يعيد القول.



استعنت بالله بعدها وقلت:

أتريَّض في بستان عظيم؛ فإن الأحمر القاني في المقال السابق قد أدهشني برغم إقراري في مستهل المقال أني لست منزعجًا ولا مندهشًا، وما قلتها فجورًا - عياذًا بالله - لكن من باب عدم إقصاء نفسي من المسؤولية فيما يَجري ويَحدث، حتى ولو لم أكن مشاركًا بالفعل، فإن القول قاتل.



اغتسلت من جنابة الدم المراق، ثم تطيَّبت وتعطَّرت وقلت: أغشى البستان.



وجدير بالذكر أن أنوِّه إلى عظمة هذا البستان الرائع الذي يَحوي كل الثمار؛ صنوان وغير صنوان، وما فيها من ثمرة وحبة إلا لها سببُ زرعٍ، وما هي بالمُنتهية، لكنها بالباقية بقاء الأرض تدور حول الشمس.



وإن فريقًا من الفجّار حاولوا اقتلاع أشجاره وتشويهَها ليَصير البستان على هواهم ووَفْق مرامهم، فدمدم عليهم صاحب البستان فأذلَّهم وردَّهم خائبين.



ولن أطيل في وصف البستان؛ فقد نعتَه صاحبة بأجمل ما ينعت به، فمَن أكون أنا حتى أتفيقَه في الوصف؟! ومهما استطال بي البديع والبيان فقول ربنا: ï´؟ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ï´¾ [الإسراء: 105]، فيه كل البيان والتبيان، وبينما أنا في مرور برياضه الذي هو مرتع المؤمنين يتفيؤون ظلاله ليل نهار؛ فما هو بالذي تصفَّد حوائطه، ولا يمنع أحد من المرور عليه، ولربَّ مارٍّ بالصدفة أصاب منه ثمارًا؛ والتي لا يُنكر فضلَها حتى يقوم الناس لرب العالمين.



وعند شجرة - أقصد سورة النساء - وقوفًا عند الآية الحادية عشرة بعد المائة: ï´؟ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ï´¾ [النساء: 111، 112].



استوقفتَني طويلاً كلمة ï´؟ بَرِيئًا ï´¾، ولن أقف على أعتاب الشرح والتفصيل؛ فإن أعلام الفقه والفكر الإسلامي قد قدّموا الكثير والكثير، لكني سوف أقف على ضفة من الأمل في تلك اللفتة الجميلة التي ربما سيُشاركني فيها الجميع.



بداية لماذا لم يقل ربنا: ثم يرمي به يهوديًّا؟

لو تأملت معي أن تلك القصة القصيرة لها أبطال وشخوص، ولعلَّك تتعجَّب من أن البطل الرئيس فيها هو ذلك اليهودي الذي نعته المولى - عز وجل - بقوله ï´؟ بريئًا ï´¾ ولم يكنِّه بأصله يهوديًّا، وأن الشخوص الثانوية في تلك القصة صاحب الدِّرع الإمام علي - رضي الله عنه - والرجل الذي سرق الدِّرع وكان من المسلمين، وكان يُسمى (الأبيرق)، وكلنا أو غالبنا يعلم القصة إن لم يكن يحفظها حفظًا؛ لكثرة عرضها على المنابر وفي المقارِّ وأماكن تلقِّي العلم.



الشاهد عندي هو أن الله - عز وجل - يُريد أن يعلِّمنا على مرِّ العصور والدهور أن اقتراف الذنب لا يُغني معه النسب ولا العصب، وهو مَن برَّأ اليهودي من فوق سبع سموات ونعته بالبريء؛ إحقاقًا للحق.



ومطالبة علنية بتفعيل قوله - عز وجل -: ï´؟ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ï´¾ [المائدة: 8].



فانظروا إلى هذا الإنصاف العظيم، ولقد رآه الكثير من أصحاب التفاسير على وجوه كثيرة، كلها تَصرِف الناس للنظر في عظمة هذا الدين المُنصِف السمح.



ولقد رأيت أنا أن تلك الصِّفة التي أنعم الله بها على هذا اليهودي بكلمة ï´؟ بريئًا ï´¾ - والتي خلّدها له الكتاب العظيم خلودًا إلى ما شاء الله - توضِّح أن الحق أحقُّ أن يُتَّبع.



وما تعرَّضتُ لذلك من باب الفذلكة أو ادِّعاء العلم؛ لكن ربطًا بسابق مقال سميتُه بـ (ذات الفصول الأربعة) والغرض منه: لمن الولاء؟ وممَّن البراء؟ فلا ولاء إلا لله الحق، وصدقت مقالة قديمة: "أنت صديقي، والحق صديقي، فإذا اختلفنا فالحق أولى".



وأيضًا لمَ البراء من قوم هم يُصلون معنا ويصومون معنا، وتجمعنا الفرائض والنوافل والمناسك؟ أم إننا نريد أن تذهب ريحُنا ونهلك هلكة السابقين؟



الافتراضات كثيرة، والنواتج خطيرة متى تباعدنا، ونعتنا أحدنا بأنه من يَحمل الحق كله وغيرنا من يَحمل الباطل بأسرِه، ليس هذا بالإنصاف قدر ما هو حميَّة الجاهلية، وتبعية مطلقة تكاد تكون على درجة من المقت لما فيها من مخالفة للشرع والعقيدة إلا من رحم ربى.



فلماذا هي أُذن واحدة نسمع بها ما يُرضي غرورنا، وعين واحدة ترى زاوية تحبها فقط؛ ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ï´¾ [النساء: 135].



عفوًا للإطالة بمقال ومقال؛ فإن الحال لا يبشّر بأُلفة إلا ما دمنا على التذكير بالوَحدة قائمين، والله المُستعان رب العالمين.
منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:44 AM
أولاً: تعريف وبيان:

أ- تعريف الولاء والبراء لغة وشرعا:

الولاء لغة:

قال ابن فارس: "الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب... من ذلك الولي: القريب... والولاء: الموالون، يقال: هؤلاء ولاء فلان"، ثم قال: "والباب كلّه راجع إلى القرب"[1].

وقال الخليل بن أحمد: "الولاء: مصدر الموْلى... والوالي: المعتق والحليف والولي... والموالاة: اتخاذ المولى"[2].

وقال الراغب: "الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. والوَلاية: النصرة، والوِلاية: تولي الأمر، وقيل: الوِلاية والوَلاية نحو: الدِّلالة والدَّلالة"[3].

وقال ابن منظور: "قال ابن الأعرابي: الموالاة أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح ويكون له في أحدهما هوىً فيواليه أو يحابيه. ووالى فلان فلاناً إذا أحبه... وقد تكرر ذكر (المولى) في الحديث، قال: وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرب والمالك والسيد والمنعِم والمعتِق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتَق والمنعَم عليه، وقد تختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية بالفتح في النسب والنصرة والعتق، والوِلاية بالكسر في الإمارة، والولاء في العتق، والموالاة من والى القوم، وقال: والولي: الصديق والنصير، ابن الأعرابي: الولي: المحب...

والموالاة: ضدّ المعاداة، والولي: ضدّ العدو.

وتولاه: اتخذه ولياً، وإنه لبيِّن الوِلاة والولية والتولي والولاء والوِلاية والوَلاية.

والولي: القرب والدنو..."[4].

البراء لغة:

قال ابن فارس: "فأمّا الباء والراء والهمزة فأصلان إليهما ترجع فروع الباب ـ ثم قال بعد ما ذكر الأصل الأول:ـ والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومُزايَلَتُه، من ذلك البرء وهو السلام من السقم، يقال: برئت وبرأت... ومن ذلك قولهم: برئت إليك من حقك وأهل الحجاز يقولون: إنا براء منك، وغيرهم يقولون: أنا بريء منك"[5].

وقال الراغب: "أصل البُرء والبراءة والبَري: التقصّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْتُ من المرض، وبِرئتُ من فلان وتبرّأت، وأبْرَأته من كذا، وبَرّأته، ورجل بَريء، وقوم برآء، وبريؤون"[6].

وقال ابن منظور: "قال ابن الأعرابي: برئ إذا تخلّص، وبرئ إذا تنزّه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: {بَرَاءةٌ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:1] أي: إعذار وإنذار... وليلة البراء ليلة يتبرأ القمر من الشمس"[7].

قال الزبيدي: "وقال البيضاوي: أصل تركيب البرْء لخلوص الشيء من غيره، إما على سبيل التقصي، كبَرَأ المريض من مرضه، والمديون من دينه، أو الإنشاء، كبَرَأ الله آدم من الطين"[8].

إذن الولاء لغة يطلق على عدّة معان منها: المحبة، والنصرة، والاتباع، والقرب من الشيء، والدنو منه.

والبراء لغة يطلق على عدة معان أيضاً منها: البعد، والتنزه، والتخلص، والعداوة.

الولاء والبراءشرعا:

عرّفها كثير من العلماء بقولهم[9]:

الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً، والبراء: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.

قال شيخ الإسلام في أصل معنى الولاية والعداوة: "والولاية ضدّ العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد. وقد قيل: إنّ الولي سمّي ولياً من موالاته للطاعات، أي: متابعته لها، والأول أصح، والولي: القريب، يقال: هذا يلي هذا أي: يقرب منه"[10].

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "أصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة: البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصرة، والأنس، والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال. والوليّ ضدّ العدو"[11].

وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: "إن الموالاة هي الموافقة والمناصرة والمعاونة والرضا بأفعال من يواليهم، وهذه هي الموالاة العامة، التي إذا صدرت من مسلم لكافر اعتبر صاحبها كافراً، أما مجرّد الاجتماع مع الكفار، بدون إظهار تام للدين، مع كراهية كفرهم، فمعصية لا توجب الكفر"[12].

ب- علاقة الحب والبغض بالولاء والبراء:

الحب والبغض هما أصلا الموالاة والمعاداة.

قال شيخ الإسلام: "أصل الموالاة هي المحبة، كما أنّ أصل المعاداة البغض، فإن التّحابّ يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف، وقد قيل: المولى من الولي: وهو القرب، وهو يلي هذا، أي: هو يقرب منه.

والعدو من العدواء وهو البعد، ومنه العُدْوَة، والشيء إذا ولى الشيء ودنا منه وقرب إليه اتّصل به، كما أنه إذا عُدّى عنه، ونأى عنه، وبعد منه، كان ماضياً عنه"[13].

والموالاة لازم الحب وكذا المعاداة لازم البغض:

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ((ووالى في الله)): "هذا بيان للازم المحبة في الله وهو الموالاة، فيه إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرّد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب، وهي النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً".

وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ((وعادى في الله)): "هذا بيان للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه، أي: إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم، والبعد عنهم باطناً وظاهراً، إشارة إلى أنه لا يكفي مجرّد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه"[14].

يوسف التازي
22-01-15, 12:44 AM
ثانياً: أهمية عقيدة الولاء والبراء:

- الولاء والبراء شرط في الإيمان:

قال تعالى: {تَرَىظ° كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ظ±للَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ظ±لْعَذَابِ هُمْ خَـظ°لِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـظ°كِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَـظ°سِقُونَ} [المائدة:80، 81].

يقول شيخ الإسلام في توضيح هذه الآية: "فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء}، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه"[1].

- الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ((أي عرى الإيمان أوثق؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله))[2].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار))[3].

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال: ((أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين))[4].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحبّ ما أحبّه الله، ويبغض ما أبغضه الله"[5].

وقال الشيخ سليمان آل الشيخ: "فهل يتمّ الدين أو يقام عَلَم الجهاد أو عَلَمُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"[6].

وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي عن الولاء والبراء: "[إنهما] مظهران من مظاهر إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين. والبراءة: مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله، وهذا أصل من أصول الإيمان"[7].

يوسف التازي
22-01-15, 12:45 AM
ثالثاً: الغلو في الولاء والبراء:

الولاء والبراء لهما حدود، فما نقص عن حدود الولاء المطلوب فهو تفريط، وما زاد على حدود الولاء المشروع فهو غلوٌ مذموم، وما نقص عن حدود البراء فهو تفريط، وما زاد عن حدوده فهو غلو مذموم.

ومن مظاهر الغلو في الولاء والبراء في الحياة المعاصرة خمسة مظاهر وهي:

1- الغلو في مفهوم الجماعة.

2- الغلو في التعصب للجماعة.

3- الغلو بجعل الجماعة مصدر الحق.

4- الغلو في القائد.

5- الغلو في البراءة من المجتمعات المسلمة[1].

يوسف التازي
22-01-15, 12:45 AM
رابعاً: أصناف الناس في ميزان الولاء والبراء:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة فإنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه.

فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان.

ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان.

قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ظ±لَّذِينَ يُقِيمُونَ ظ±لصَّلوظ°ةَ وَيُؤْتُونَ ظ±لزَّكَوظ°ةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ظ±للَّهِ هُمُ ظ±لْغَـظ°لِبُونَ} [المائدة:55، 56]، وقال تعالى: {يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ظ±لْيَهُودَ وَظ±لنَّصَـظ°رَىظ° أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [المائدة:51]، وقال: {وَظ±لْمُؤْمِنُونَ وَظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة:71].

ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطِي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرّد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة.

ولا يجعَل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ ظ±قْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} إلى قوله: {إِنَّمَا ظ±لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:9، 10]، فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي"[1].

وقال في موضع آخر: "ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك..."[2].

وقال الشيخ صالح الفوزان في أقسام الناس فيما يجب في حقهم من الولاء والبراء: "الناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من يُحَبّ محبّةً خالصة لا معاداة معها: وهم المؤمنون الخلَّص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدّمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنّه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين وصحابته الكرام... ثم التابعون والقرون المفضلة وسلف هذه الأمة وأئمتها... قال تعالى: {وَظ±لَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ظ±غْفِرْ لَنَا وَلإِخْوظ°نِنَا ظ±لَّذِينَ سَبَقُونَا بِظ±لإَيمَـظ°نِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10]، ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأمة من في قلبه إيمان، وإنما يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام كالرافضة والخوارج، نسأل الله العافية.

القسم الثاني: من يبغَض ويعادَى بغضاً ومعاداة خالصين لا محبّة ولا موالاة معهما: وهم الكفار الخلّص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم كما قال تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوظ°نَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22]، وقال تعالى: عائباً على بني إسرائيل: {تَرَىظ° كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ظ±للَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ظ±لْعَذَابِ هُمْ خَـظ°لِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـظ°كِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَـظ°سِقُونَ} [المائدة:80، 81].

القسم الثالث: من يُحَبّ من وجهٍ ويبغَض من وجه، فيجتمع فيه المحبّة والعداوة: وهم عصاة المؤمنين يحَبّون لما فيهم من الإيمان، ويبغَضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك، ومحبّتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم، فلا يجوز السكوت على معاصيهم بل ينكَر عليهم، ويؤمَرون بالمعروف، وينهَون عن المنكر، وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفّوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم، لكن لا يبغَضون بغضاً خالصاً، ويتبرّأ منهم كما تقوله الخوارج في مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا يحبّون ويوالَون حباً وموالاة خالصَين كما تقوله المرجئة، بل يُعتدَل في شأنهم على ما ذكرنا كما هو مذهب أهل السنة والجماعة"[3

يوسف التازي
22-01-15, 12:46 AM
خامساً: ولاء المؤمنين بعضهم بعضاً:

أ- وجوب ولاء المؤمنين بعضهم بعضاً:

قال تعالى: {وَظ±لْمُؤْمِنُونَ وَظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة:71].

وقال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ظ±لَّذِينَ يُقِيمُونَ ظ±لصَّلوظ°ةَ وَيُؤْتُونَ ظ±لزَّكَوظ°ةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ظ±للَّهِ هُمُ ظ±لْغَـظ°لِبُونَ} [المائدة:55، 56].

قال شيخ الإسلام: "إنّ المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض، والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين، وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين، وبيّن أن ذلك من لوازم الإيمان، ونهى عن موالاة الكفار، وبين أن ذلك منتف في حقّ المؤمنين"[1].

وقال الشيخ صالح الفوزان: "يجب على كلّ مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها، فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم، وذلك ملة إبراهيم والذين معه، الذين أمرنا بالاقتداء بهم.

فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم قال تعالى: {وَظ±لَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ظ±غْفِرْ لَنَا وَلإِخْوظ°نِنَا ظ±لَّذِينَ سَبَقُونَا بِظ±لإَيمَـظ°نِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10]. فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت أزمانهم إخوة متحابّون يقتدي آخرهم بأوّلهم، ويدعو بعضهم لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض"[2].

ب- من مظاهر موالاة المؤمنين[3]:

1- الهجرة إلى بلاد المسلمين وهجر بلاد الكافرين:

قال تعالى: {إِنَّ ظ±لَّذِينَ تَوَفَّـظ°هُمُ ظ±لْمَلَـئِكَةُ ظَـظ°لِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ظ±لأرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ظ±للَّهِ وظ°سِعَةً فَتُهَـظ°جِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً * إِلاَّ ظ±لْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ظ±لرّجَالِ وَظ±لنّسَاء وَظ±لْوِلْدظ°نِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء:96، 97].

وقال سبحانه: {وَظ±لَّذِينَ هَـظ°جَرُواْ فِى ظ±للَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ظ±لدُّنْيَا حَسَنَة وَلأجْرُ ظ±لآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * ظ±لَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىظ° رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل:41، 40].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله))[4].

2- مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم.

3- التألم لألمهم والسرور بسرورهم.

4- النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم.

5- احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم.

6- أن يكون معهم في حال العسر واليسر والشدة والرخاء.

7- احترام حقوقهم، فلا يبيع على بيعهم، ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، ولا يتعرّض لما سبقوا إليه من المباحات.

9- الدعاء لهم والاستغفار لهم.

يوسف التازي
22-01-15, 12:46 AM
سادساً: ولاء الكفار والمنافقين:

أ- تحريم ولاء الكفار والمنافقين:

قال سليمان آل الشيخ: "اعلم ـ رحمك الله ـ أنّ الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفاً منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرّهم فإنّه كافر مثلهم وإن كان يكره دينَهم ويبغضهم ويحبّ الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منَعَة واستعدى بهم ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها، بعدما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله، فإنّ هذا لا يشكّ مسلم أنّه كافر من أشدّ الناس عداوة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا المكرَه، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان"[1].

وقال الشيخ حمد بن عتيق بعد ذكره لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَـظ°كُمُ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لَّذِينَ قَـظ°تَلُوكُمْ فِى ظ±لدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـظ°رِكُمْ وَظَـظ°هَرُواْ عَلَىظ° إِخْرظ°جِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ظ±لظَّـظ°لِمُونَ} [الممتحنة:9]: "في هذه الآية أعظم الدليل وأوضح البرهان على أن موالاتهم محرمة منافية للإيمان وذلك أنه قال: {إِنَّمَا يَنْهَـظ°كُمُ ظ±للَّهُ} فجمع بين لفظة (إنما) المفيدة للحصر، وبين النهي الصريح، وذكر الخصال الثلاث، وضمير الحصر وهو لفظة (هم)، ثم ذكر الظلم المعرّف بأداة التعريف"[2].

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم موالاة الكفار، فأجاب بقوله: "موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:22]، وقال تعالى: {يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ مِن قَبْلِكُمْ وَظ±لْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة:75]، وقال تعالى: {يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ظ±لْيَهُودَ وَظ±لنَّصَـظ°رَىظ° أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ} [المائدة:51]، وقال تعالى: {يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [آل عمران:118]، وأخبز أنّه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.

ولا ينبغي أبداً أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودّة وأبدى من النصح؛ فإن الله تعالى يقول عنهم: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89]، ويقول سبحانه لنبيه: {وَلَن تَرْضَىظ° عَنكَ ظ±لْيَهُودُ وَلاَ ظ±لنَّصَـظ°رَىظ° حَتَّىظ° تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120]، والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وأن لا تأخذه فيه لومة لائم، وأن لا يخاف من أعدائه، فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذظ°لِكُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:175]، وقال تعالى: {فَتَرَى ظ±لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـظ°رِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىظ° أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ظ±للَّهُ أَن يَأْتِىَ بِظ±لْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىظ° مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـظ°دِمِينَ} [المائدة:52]، وقال سبحانه: {يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا ظ±لْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ظ±لْمَسْجِدَ ظ±لْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـظ°ذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ ظ±للَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:28] والله الموفق"[3].

ب ـ الفرق بين الموالاة والتولي، وأقسام الموالاة:

الفرق بين الموالاة والتولي في المفهوم الشرعي:

قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: "التولي: كفرٌ يخرج من الملة، وهو كالذّبّ عنهم، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي.

والموالاة: كبيرة من كبائر الذنوب، كَبَلِّ الدواة، أو بري القلم، أو التبشّش لهم، أو رفع السّوط لهم"[4].

وقال الشيخ سليمان بن سحمان نظماً في الفرق بين الموالاة والتولي:

وأصلُ بلاء القوم حيث تورّطوا هو الجهل في حكم الموالاة عن زلل

فمـا فرّقوا بين التولّي وحكمه وبين المـوالاة التي هي في العمـل

أخـفّ، ومنها ما يكفر فعـله ومنها يكون دون ذلك في الخلـل[5]

أقسام الموالاة:

تنقسم الموالاة إلى قسمين:

1- موالاة مطلقة عامّة، وهذا كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي، وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر.

2- موالاة خاصة: وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في إفشاء سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مكة، كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة.

فالموالاة المطلقة العامة مرادفة لمعنى التولي، وهي بهذا الوصف كفرٌ وردّة، ومنها ما هو دون ذلك بمراتب، ولكلّ ذنب حظّه وقِسطه من الوعيد والذّمّ، بحسب نيّة الفاعل وقصده[6].

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "مسمّى الموالاة يقع على شعَب متفاوِتة منها ما يوجب الردّة لذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات"[7].

ج ـ من صور ومظاهر ولاء الكفار والمشركين والمنافقين[8]:

ذكر العلماء مظاهر وصورا شتى من ولاء الكفار والمشركين والمنافقين، والتي نهى الله سبحانه وتعالى عنها وشدّد في ذلك، وأخبر أنّ من تولاهم فهو منهم، وكذلك حذّر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في أحاديث كثيرة، وأخبر أنّ من أحبّ قوماً حُشر معهم، وهي كما يلي:

1- الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة:

قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرظ°هِيمَ وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ظ±للَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ظ±لْعَدَاوَةُ وَظ±لْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّىظ° تُؤْمِنُواْ بِظ±للَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4]، وقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِظ±لطَّـظ°غُوتِ وَيُؤْمِن بِظ±للَّهِ فَقَدِ ظ±سْتَمْسَكَ بِظ±لْعُرْوَةِ ظ±لْوُثْقَىظ°} [البقرة:256].

وعن أبي مالك سعد بن طارق عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبَد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله))[9].

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها وتبغضها، وتكفّر أهلها، وتعاديهم"[10].

وقال أيضاً: "اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض... ـ وذكر منها: ـ

الثالث: من لم يكفّر المشركين أو يشكّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم كفر"[11].

2- التولي العام واتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء أو الدخول في دينهم:

قال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ظ±لْمُؤْمِنُونَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ فَلَيْسَ مِنَ ظ±للَّهِ فِي شَىْء إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً وَيُحَذّرْكُمُ ظ±للَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىظ° ظ±للَّهِ ظ±لْمَصِيرُ} [آل عمران:28].

قال ابن جرير: "وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن يتّخذوا الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً، ولذلك كسر {يَتَّخِذِ} لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال منه للساكن الذي لقيه وهي ساكنة، ومعنى ذلك: لا تتخذوا ـ أيها المؤمنون ـ الكفار ظهراً وأنصاراً، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلّونهم على عوراتهم، فإنّه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر، {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً}: إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل"[12].

وقال تعالى: {يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ظ±لْيَهُودَ وَظ±لنَّصَـظ°رَىظ° أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَهْدِى ظ±لْقَوْمَ ظ±لظَّـظ°لِمِينَ} [المائدة:51].

قال ابن جرير: "من يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنّه منهم، يقول: فإنّ من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍّ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه"[13].

وقال ابن القيم: "إن الله سبحانه قد حكم ـ ولا أحسن من حكمه ـ أنه من تولى اليهود والنصارى فهو منهم: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم، وهذا عام خُصّ منه من يتولاهم ودخل في دينهم بعد التزام الإسلام فإنّه لا يقَرّ ولا تقبَل منه الجزية، بل إمّا الإسلام أو السّيف، فإنه مرتدّ بالنص والإجماع، ولا يصحّ إلحاق من دخل في دينهم من الكفار قبل التزام الإسلام بمن دخل فيه من المسلمين... وأنّ من دان بدينهم من الكفار بعد نزول الفرقان فقد انتقل من دينه إلى دينٍ خير مِنه وإن كانا جميعاً باطلَين، وأمّا المسلم فإنّه قد انتقل من دين الحقّ إلى الدين الباطل بعد إقراره بصحة ما كان عليه وبطلان ما انتقل إليه فلا يُقَرّ"[14].

3- الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن جنس موالاة الكفار التي ذمّ الله بها أهلَ الكتاب والمنافقين الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ظ±لْكِتَـظ°بِ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْجِبْتِ وَظ±لطَّـظ°غُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىظ° مِنَ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً} [النساء:51]... فمن كان من هذه الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة ونحوها، مثل إتيانه أهل الباطل، واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم الباطل، كان له من الذمّ والعقاب والنفاق بحسَب ذلك، وذلك مثل متابعتِهم في آرائهم وأعمالهم، كنحو أقوال الصابئة وأفعالهم من الفلاسفة ونحوهم المخالفة للكتاب والسنة، ونحو أقوال المجوس والمشركين وأفعالهم المخالفة للكتاب والسنة"[15].

4- المحبة والمودّة الخاصة:

قال الله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوظ°نَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ظ±لإيمَـظ°نَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} [المجادلة:22].

قال شيخ الإسلام: "أخبر الله أنك لا تجد مؤمناً يوادّ المحادّين لله ورسوله، فإنّ نفس الإيمان ينافي موادّته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضدّه وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب"[16].

وسئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم مودّة الكفار وتفضيلهم على المسلمين، فأجاب بقوله: "لا شكّ أن الذي يوادّ الكفار أكثرَ من المسلمين قد فعل محرّماً عظيماً، فإنّه يجب أن يحبّ المسلمين وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، أمّا أن يودّ أعداء الله أكثر من المسلمين فهذا خطر عظيم وحرام عليه، بل لا يجوز أن يودَّهم ولو أقلّ من المسلمين لقوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً...} الآية وقال تعالى: {يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِظ±لْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ظ±لْحَقّ} [الممتحنة:1]، وكذلك أيضاً من أثنى عليهم ومدحهم وفضّلهم على المسلمين في العمل وغيره، فإنه قد فعل إثماً وأساء الظنّ بإخوانه المسلمين، وأحسن الظنّ بمن ليسوا أهلاً لإحسان الظنّ، والواجب على المؤمن أن يقدّم المسلمين على غيرهم في جميع الشئون في الأعمال وفي غيرها، وإذا حصل من المسلمين تقصيرٌ فالواجب عليه أن ينصحهم وأن يحذّرَهم، وأن يبيّن لهم مغبّة الظلم لعلّ الله أن يهديَهم على يده"[17].

5- الركون إليهم:

قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـظ°كَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَـظ°كَ ضِعْفَ ظ±لْحَيَوظ°ةِ وَضِعْفَ ظ±لْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء:74، 75].

وقال سبحانه: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ظ±لنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ظ±للَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود:113].

قال القرطبي: "قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ} الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه: لا تودّوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم. وكلّه متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا الإدهان، وذلك ألا ينكِر عليهم كفرَهم. وقوله تعالى: {إِلَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ} قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة... وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإنّ صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودّة"[18].

6- اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين:

قال تعالى: {يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ظ±لْبَغْضَاء مِنْ أَفْوظ°هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـظ°تِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِظ±لْكِتَـظ°بِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ظ±لاْنَامِلَ مِنَ ظ±لْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ظ±للَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ظ±لصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} [آل عمران:118-120].

قال الشيخ صالح الفوزان: "ومن مظاهر موالاة الكفار: الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين... فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفّار وما يكنّونه نحو المسلمين من بغض وما يدبّرونه ضدّهم من مكر وخيانة وما يحبّونه من مضرّة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكلّ وسيلة، وأنهم يستغلّون ثقة المسلمين بهم فيخطّطون للإضرار بهم والنيل منهم.

روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قلت لعمر رضي الله عنه: لي كاتب نصراني، قال: ما لك قاتلك الله؟! أما سمعت الله يقول: {يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ظ±لْيَهُودَ وَظ±لنَّصَـظ°رَىظ° أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [المائدة:51]؟! ألا اتخذت حنيفاً؟! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرِمهم إذ أهانهم الله، ولا أعِزّهم إذ أذلهّم الله، ولا أدنِيهم وقد أقصاهم الله.

وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردتُ أن أتبعك وأصيب معك، قال: ((تؤمن بالله ورسوله؟)) قال: لا، قال: ((ارجِع فلن أستعين بمشرك)).

ومن هذه النصوص يتبيّن لنا تحريم تولِيَة الكفار أعمالَ المسلمين التي يتمكّنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم، ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم، ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين ـ بلاد الحرمين الشريفين ـ وجعلهم عمّالاً وسائقين ومستخدمين ومربّين في البيوت وخلطهم مع العوائل أو خلطهم مع المسلمين"[19].

7- الرضا بأعمالهم أو التشبّه بهم والتزيي بزيهم[20]:

قال شيخ الإسلام: "والموالاة والموادة وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر أعوَن على مقاطعة الكافرين ومباينتهم.

ومشاركتهم في الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سبباً قريباً أو بعيداً إلى نوعٍ ما من الموالاة والموادّة فليس فيها مصحلة المقاطعة والمباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة، وتدلّ عليه العادة، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلّون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات...

ولما دلّ عليه معنى الكتاب جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم))([21])، أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمراً مقصوداً للشارع، لأنه إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط فهو لأجل ما فيه من المخالفة.

فالمخالفة إما علّة مفردة، أو علة أخرى، أو بعض علة، وعلى التقديرات تكون مأموراً بها مطلوبة من الشارع... ولو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، ولا حسن تعقيبه به، وهذا وإن دلّ على أن مخالفتهم أمر مقصود للشرع، فذلك لا ينفي أن يكون في نفس الفعل الذي خولِفوا فيه مصلحة مقصودَة، مع قطع النظر عن مخالفتهم، فإن هنا شيئين:

أحدهما: أنّ نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنوّر قلبه، حتى رأى ما اتّصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض الذي ضرره أشدّ من ضرر أمراض الأبدان.

والثاني: أنّ نفس ما هم عليه من الهدي والخلق قد يكون مضراً أو منقصاً، فينهى عنه ويؤمر بضده لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو إما مضرّ أو ناقص؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعَة والمنسوخة ونحوها مضرّة، وما بأيديهم مما لم ينسَخ أصله فهو يقبل الزيادة والنقص، فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصِّله على وجه الكمال، ولا يتصوَّر أن يكون شيء من أمورهم كاملاً قطّ، فإذاً المخالفة لهم فيها منفعة وصلاح لنا في كلّ أمورهم، حتى ما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم قد يكون مضراً بأمر الآخرة أو بما هو أهمّ منه من أمر الدنيا، فالمخالفة فيه صلاحٌ لنا"[22].

وقال الشيخ صالح الفوزان: "من مظاهر موالاة الكفار التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأنّ التشبّه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدلّ على محبة المتشبّه للمتشبّه به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))[23]، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمتهم وأخلاقهم كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس، والأكل والشرب، وغير ذلك"[24].

8- الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين، والسفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس:

قال الشيخ صالح الفوزان: "ومن مظاهر موالاة الكفار الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين لأجل الفرار بالدين، لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدلّ على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: {إِنَّ ظ±لَّذِينَ تَوَفَّـظ°هُمُ ظ±لْمَلَـئِكَةُ ظَـظ°لِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ظ±لأرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ظ±للَّهِ وظ°سِعَةً فَتُهَـظ°جِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً * إِلاَّ ظ±لْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ظ±لرّجَالِ وَظ±لنّسَاء وَظ±لْوِلْدظ°نِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى ظ±للَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ظ±للَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:97-99]، فلم يعذُر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم...

ومن موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة، كالعلاج والتجارة والتعليم للتخصّصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم، فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين.

ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مظهِراً لدينه، معتزًّا بإسلامه، مبتعِداً عن مواطن الشرّ، حذِراً من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدّعوة إلى الله ونشر الإسلام"[25].

هذا وهناك مظاهر عديدة لموالاة الكفار وفيما يلي بعضها باختصار[26]:

1- مداهنتهم ومداراتهم.

2- طاعتهم فيما يقولون وفيما يشيرون به.

3- تقريبهم في المجلس، والدخول بهم على أمراء الإسلام.

4- مشاورتهم في الأمور.

5- مجالستهم ومزاورتهم والدخول عليهم.

6- البشاشة لهم وطلاقة الوجه.

7- الإكرام العام.

8- استئمانهم وقد خوّنهم الله.

9- ذكرهم بما فيه تعظيم لهم، كتسميتهم سادة أو حكماء.

10- إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذبّ عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردّة، نعوذ بالله من ذلك.

11- التأريخ بتأريخهم، خصوصاً التأريخ الذي يعبِّر عن طقوسهم وأعيادهم كالتأريخ الميلادي.

12- الاستغفار لهم والترحّم عليهم.

يوسف التازي
22-01-15, 12:47 AM
سابعاً: البراءة من الكفّار والمنافقين ومعاداتهم:

أ- وجوب البراءة من الكفار والمنافقين ومعاداتهم:

قال الشيخ حمد بن علي بن عتيق: "أما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله سبحانه وتعالى أوجب ذلك وأكّد إيجابه، وحرّم موالاتهم وشدّد فيها، حتى إنّه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبيَن من هذا الحكم بعد وجوب التّوحيد وتحريم ضده"[1].

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "يجب أن تعلم أولاً أن الله افترض على المؤمنين عداوة الكفار والمنافقين وجفاة الأعراب الذين يُعْرَفون بالنفاق ولا يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمر بجهادهم والإغلاظ عليهم بالقول والعمل"[2].

ب ـ الفرق بين إظهار البراءة من الكفار والمنافقين وبين وجود ذلك في القلب:

قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن: "أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان والبدن، وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر، وإنما النزاع في إظهار العداوة، فإنها قد تخفى لسبب شرعي، وهو الإكراه مع الاطمئنان، وقد تخفى العداوة من مستضعَف معذور، عذَرَه القرآن، وقد تخفى لغرض دنيويّ، وهو الغالب على أكثر الخالق، هذا إن لم يظهر منه موافقة"[3].

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "مسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة.

فالأول: يعذَر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً}.

والثاني: لا بدّ منه، لأنّه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حبّ الله ورسوله تلازم كلي، لا ينفكّ عنه المؤمن، فمن عصى الله بترك إظهار العداوة فهو عاص الله"[4].

وقال الشيخ حمد بن عتيق: "لا بدّ مِن أن تكون العداوة والبغضاء باديتين، أي: ظاهرتين بيّنتين.

واعلم أنّه وإن كانت البغضاء متعلّقة بالقلب فإنها لا تنفع حتى تظهر آثارها وتبين علامتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذٍ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين"[5].

ج ـ من صور البراءة من الكفار والمنافقين[6]:

1- ترك اتباع أهوائهم:

قال الله تعالى: {وَلَن تَرْضَىظ° عَنكَ ظ±لْيَهُودُ وَلاَ ظ±لنَّصَـظ°رَىظ° حَتَّىظ° تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ظ±للَّهِ هُوَ ظ±لْهُدَىظ° وَلَئِنِ ظ±تَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ ظ±لَّذِي جَاءكَ مِنَ ظ±لْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ظ±للَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة:120].

قال شيخ الإسلام: "فانظر كيف قال في الخبر: {مِلَّتَهُمْ} وقال في النهي: {أَهْوَاءهُم} لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقاً، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير"[7].

وقال الشيخ حمد: "فإذا كان اتباع أهواء جميع الكفار وسلوك ما يحبونه منهياً عنه وممنوعاً منه فهذا هو المطلوب، وما ذاك إلا خوفاً من اتباعهم في أصل دينهم الباطل"[8].

2- معصيتهم فيما أمروا به:

قال حمد بن عتيق: "إنّ الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين وأخبر أنّ المسلمين إن أطاعوهم ردّوهم عن الإيمان إلى الكفر والخسارة، فقال تعالى: {يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىظ° أَعْقَـظ°بِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـظ°سِرِينَ} [آل عمران:149]، وقال تعالى: {يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـظ°نِكُمْ كَـظ°فِرِينَ} [آل عمران:100]، وقال تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَظ±تَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، وقال تعالى: {وَإِنَّ ظ±لشَّيَـظ°طِينَ لَيُوحُونَ إِلَىظ° أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـظ°دِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121]، وقال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ظ±لأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ظ±لظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام:116]... وقال تعالى: {ظ±تَّخَذُواْ أَحْبَـظ°رَهُمْ وَرُهْبَـظ°نَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ظ±للَّهِ وَظ±لْمَسِيحَ ظ±بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـظ°هاً وظ°حِداً لاَّ إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـظ°نَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

وفسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذهم أرباباً بأنها طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فإذا كان من أطاع الأحبار ـ وهم العلماء ـ والرهبان ـ وهم العباد ـ في ذلك، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله، فمن أطاع الجهّال والفسّاق في تحريم ما أحلّ الله أو تحليل ما حرّم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله، بل ذلك أولى وأحرى"[9].

3- ترك الركون إلى الكفرة الظالمين:

وقد نهى الله عن ذلك فقال: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ظ±لنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ظ±للَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود:113]، فنهى سبحانه وتعالى عن الركون إلى الظلمة، وتوعد على ذلك بمسيس النار وعدم النصر، والشرك هو أعظم أنواع الظلم كما قال تعالى: {إِنَّ ظ±لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] فمن ركن إلى أهل الشرك ـ أي: مال إليهم ـ أو رضي بشيء من أعمالهم، فإنه مستحق لأن يعذبه الله بالنار وأن يخذله في الدنيا والآخرة[10].

4- ترك موادة أعداء الله:

قال الله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوظ°نَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22].

قال شيخ الإسلام: "فأخبر سبحانه أنّه لا يوجد مؤمن يوادّ كافراً، فمن وادّ الكفار فليس بمؤمن"[11].

قال الشيخ حمد بن عتيق: "فإذا كان الله تعالى قد نفى الإيمان عمّن وادّ أباه وأخاه وعشيرته إذا كانوا محادّين الله ورسوله، فمن وادّ الكفار الأبعدين عنه فهو أولى بأن لا يكون مؤمناً"[12].

5- ترك التشبه بالكفار في الأفعال الظاهرة:

عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))[13].

قال شيخ الإسلام: "إن الله تعالى جبل بني آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميّز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط... فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي...وإن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحسّ والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودّة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرَين، وذاك لأنّ الاشتراك في البلد نوع وصف اختصّا به عن بلد الغربة... وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضاً ما لا يألفون غيرهم حتى إنّ ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة، إما على الملك، وإما على الدين... وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورِث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كلّه موجَب الطباع ومقتضاه، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرضٌ خاص.

فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟! فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشدّ، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان"[14].

وقال الشيخ حمد بن عتيق: "إذا كانت مشابهة الكفار في الأفعال الظاهرة إنما نهي عنها لأنها وسيلة وسبب يفضي إلى موالاتهم ومحبتهم، فالنهي عن هذه الغاية والمحذور أشدّ، والمنع منه وتحريمه أوكد، وهذا هو المطلوب"[15].

وهناك صور شتى ومظاهر عديدة للبراءة وفيما يلي بعضها باختصار:

1- بغض الشرك والكفر والنفاق وأهله، وإضمار العداوة لهم كما أعلنها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فأخبر الله عنه بقوله تعالى: {إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ظ±لَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:26-27]، وقال سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرظ°هِيمَ وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ظ±للَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ظ±لْعَدَاوَةُ وَظ±لْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّىظ° تُؤْمِنُواْ بِظ±للَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4].

2- هجر بلاد الكفر، وعدم السفر إليهم إلا لضرورة مع القدرة على إظهار شعائر الدين ومع عدم المعارضة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين))[16].

3- أن لا يناصر الكفار، ولا يمدحهم، ولا يعينهم على المسلمين.

4- أن لا يستعين بهم، ولا يتّخذهم بطانة له يحفظون سرّه ويقومون بأهمّ أعماله، كما قال تعالى: {يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ظ±لْبَغْضَاء مِنْ أَفْوظ°هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـظ°تِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران:118].

قال القرطبي: "نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء ووُلَجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم"[17].

5- أن لا يشاركهم في أعيادهم وأفراحهم، ولا يهنئهم بها، وقد فسر بعض أهل العلم قوله: {لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان:72] أي: أعياد الكفار.

6- أن لا يستغفر لهم، ولا يترحّم عليهم، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىظ° مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـظ°بُ ظ±لْجَحِيمِ} [التوبة:113].

7- هجر مجالسهم وعدم صحبتهم.

8- عدم المداهنة والمجاملة والمداراة لهم على حساب الدين.

9- أن لا يعظم الكافر بلفظ أو فعل.

10- عدم التولي العام لهم.

11- أن لا يبدأهم بالسلام لما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تبدؤوا اليهود بالسلام ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه))[18].

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،


منقول http://www.alminbar.net/

يوسف التازي
22-01-15, 12:48 AM
فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله

ما هي الموالاة الـمنهي عنها شرعاً؟[1] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftn1)



محبّة الكفار وإعانتهم على باطلهم، واتخاذهم أصحاباً وأخداناً ونحو ذلك من كبائر الذنوب، ومن وسائل الكفر بالله.
فإن نصرهم على المسلمين وساعدهم ضد المسلمين، فهذا هو التّولي، وهو من أنواع الردّة عن الإسلام؛ لقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[2] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftn2)، وقال سبحانه: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[3] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftn3) الآية. وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[4] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftn4). والله ولي التوفيق.
[1] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftnref1) من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (جريدة المسلمون).

[2] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftnref2) سورة المائدة، الآية 51.

[3] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftnref3) سورة المجادلة، الآية 22.

[4] (http://www.binbaz.org.sa/mat/4159#_ftnref4) سورة المائدة، الآية 57.

يوسف التازي
22-01-15, 12:54 AM
الإجابة: موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً}.

وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.

ولا ينبغي أبداً أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}، ويقول سبحانه لنبيه: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}، والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وألا تأخذه فيه لومة لائم، وألا يخاف من أعدائه فقد قال الله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}، وقال تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}، وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم}، والله الموفق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلدالاول - باب الولاء والبراء.
التصنيف: الولاء والبراء
تاريخ النشر: 10 ذو القعدة 1427 (1‏/12‏/2006)

يوسف التازي
22-01-15, 12:54 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فمودة الكافر لها ثلاثة أحوال ذكرها الشيخ صالح آل الشيخ في كتابه: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل ـ حيث قال: المقصود من ذلك أن يعلم أنَّ الولاء والبراء للكافر ـ يعني للمعين ـ ثلاث درجات:

· الدرجة الأولى: موالاة ومحبة الكافر لكفره، وهذا كفر.

· الدرجة الثانية: محبته وموادته وإكرامه للدنيا مطلقاً هذا لا يجوز ومحرم ونوع موالاة مذموم.

· الدرجة الثالثة: وهو أن يكون في مقابلة نعمة، أو في مقابلة قرابة، فإن نوع المودة الحاصلة، أو الإحسان أو نحو ذلك في غير المحاربين هذا فيه رخصة. انتهى.

وبهذا تعلم أنه قد رخص في مودة الكافر غير المحارب لقرابته، أو لأخلاقه الحسنة، أو لنحو ذلك من الأسباب الطبيعية، وأما مضاحكة الكافر غير المحارب والتبسم في وجهه: فهذا لا بأس به لا سيما مع من يخالط منهم كالوالدين والزوجة والزملاء ونحوهم، إذ لم يأمرنا الشرع بالتكشير في وجوه هؤلاء، وقد قال ربنا: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً {البقرة:83}.

وقال الله عز وجل: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {الممتحنة:8، 9}.

قال الإمام الشافعي رحمه الله يقال ـ والله أعلم: إن بعض المسلمين تأثم من صلة المشركين أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم، وقطع الولاية بينهم وبينهم، ونزل: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } الآية ـ فلما خافوا أن تكون: المودة ـ الصلة بالمال، أنزل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ـ قال الشافعي ـ رحمه الله: وكانت الصلة بالمال، والبر والإقساط ولين الكلام، والمراسلة بحكم الله, غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته. انتهى.

والله أعلم.




الشبكة الاسلامية

يوسف التازي
22-01-15, 12:55 AM
حكم موالاة الكفار والمشركين السؤال الثلاثون:

ما حكم موالاة الكفار والمشركين ؟ ومتى تكون هذه الموالاة كفرا أكبر مخرجا من الملة؟ ومتى تكون ذنبا وكبيرة من كبائر الذنوب؟

الجواب:

موالاة الكفار والمشركين إذا كان ذلك توليا لهم فهو كفر وردة وهي محبتهم بالقلب، وينشأ عنه النُصرة والمساعدة بالمال أو بالسلاح أو بالرأي.

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .

وقال الله تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً .

وقال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ الآية، فتولي الكفار كفر وردة؛ لأن أصل التولي المحبة في القلب، ثم ينشأ عنها النُصرة والمساعدة.

أما الموالاة فهي كبيرة من كبائر الذنوب وهي معاشرة الكافر ومصادقته والميل إليه والركون إليه ومساعدة الكافر الحربي بأي نوع من أنواع المساعدة؛ ولهذا ذكر العلماء أنه لو ساعده ببري القلم أو بمناولته شيئا يكون هذا موالاة ومن كبائر الذنوب، أما الكافر الذمي الذي بينه وبين المسلمين عهد فلا بأس بالإحسان إليه، لكن الكافر الحربي لا يُساعد بأي شيء، والمقصود أن التولِّي الذي هو المحبة والنُصرة والمساعدة كفر وردة، وأما الموالاة والمعاشرة والمخالطة في غير ما يرد من يأتي إلى ولاة الأمور من الرسل وأشباههم مما تدعو الحاجة إليه فهذا كبيرة من كبائر الذنوب.

منقول من موقغ الشيخ الراجحي رحمه الله

يوسف التازي
22-01-15, 12:55 AM
حكم موالاة الكفار وأنواعها



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.. أما بعد:

فإنه بعد محبة الله ورسوله تجب محبة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فمن أصول العقيدة الإسلامية أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها، ويعادي أعداءها، فيحب أهل التوحيد والإخلاص، ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم، وذلك من ملة إبراهيم والذين معه، الذين أمرنا بالاقتداء بهم حيث يقول سبحانه وتعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (4) سورة الممتحنة.

وهو دين محمد -عليه الصلاة والسلام- قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة، وهذه في تحريم أهل الكتاب خصوصاً، وقال في تحريم موالاة الكفار عموماً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} (1) سورة الممتحنة، بل لقد حرم الله على المؤمن موالاة الكفار ولو كانوا من أقرب الناس إليه نسباً قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (23) سورة التوبة، وقال سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (22) سورة المجادلة. وقد جهل كثير من الناس هذا الأصل العظيم، حتى سمعنا بعض المنتسبين إلى الإسلام -بل إلى العلم والدعوة- من يقول: إنهم إخواننا... ويا لها من كلمة خطيرة!!

وكما أن الله سبحانه وتعالى حرم موالاة الكفار أعداء العقيدة الإسلامية فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (55) سورة المائدة، وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (29) سورة الفتح، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (10) سورة الحجرات.

فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا} (10) سورة الحشر.

فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت أزمانهم إخوة متحابون يقتدي آخرهم بأولهم ويدعو بعضهم لبعض ويستغفر بعضهم لبعض.

من مظاهر موالاة الكفار:

للولاء والبراء مظاهر تدل عليها، وسنقف هنا مع بعض مظاهر موالاة أعداء الكفار من اليهود والنصارى والذين أشركوا، وعلى المسلم أن يعلم هذه المظاهر ويبتعد عنها حتى لا تشوب عقيدته شيء من موالاة أعداء الله؛ لأن هذا من أسباب الوقوع في أحضان الكفرة، وبالتالي المروق عن دين الإسلام -عياذاً بالله-.

ومن تلك المظاهر المذمومة التي يجب تجنبها ما يلي:

1- التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبه به، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)1 فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم من عاداتهم وعبادتهم وسمتهم وأخلاقهم كحلق اللحى وإطالة الشوارب والرطانة بلغتهم -إلا عند الحاجة- وفي هيئة اللباس والأكل والشرب وغير ذلك.

2- الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله تعالى إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (97-99) سورة النساء.

فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.2

3- السفر إلى بلادهم لغرض النـزهة ومتعة النفس: فالسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة كالعلاج والتجارة والتعليم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين.

ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مظهراً لدينه معتزاً بإسلامه مبتعداً عن مواطن الشر، حذراً من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.

4- إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم؛ وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة نعوذ بالله من ذلك.

5- الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ* هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} (118-120) سورة آل عمران. فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار وما يكنونه نحو المسلمين من بغض وما يدبرونه ضدهم من مكر وخيانة، وما يحبونه من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين بهم فيخططون للإضرار بهم والنيل منهم.

عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- في كاتب له نصراني عجب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من كتابه فقال: إنه نصراني، قال أبو موسى: فانتهرني وضرب فخذي وقال: أخرجه و اقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} (1) سورة الممتحنة، وقال: {لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة، قال أبو موسى: والله ما توليته إنما كان يكتب، قال: "أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك؟! لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ خانهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله"3.

وروى الأمام مسلم وأحمد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، قال: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟) قال: لا، قال: (فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)4.



فمن هذه النصوص يتبين لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكنون بواسطتها من الإطلاع على أحوال المسلمين، وأسرارهم ويكيدون بهم بإلحاق الضرر بهم.

ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين، وجعلهم عمالاً وسائقين ومستخدمين ومربين في البيوت وخلطهم مع العوائل أو خلطهم مع المسلمين في بلادهم عياذاً بالله.

يوسف التازي
22-01-15, 12:56 AM
- التاريخ بتاريخهم خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح عيسى -عليه السلام- والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح -عليه السلام- فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم.

ولتجنب هذا أنه لما أراد الصحابة -رضوان الله عليهم- وضع تاريخ للمسلمين في عهد الخليفة عمر -رضي الله عنه- عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم والله المستعان.

7- مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتهم أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، وقد فُسِّر قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} (72) سورة الفرقان، أي ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.

8- مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد، والله يقول: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (131) سورة طـه، وليس معنى هذا أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية بل ذلك مطلوب قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} (60) سورة الأنفال، فهذه المنافع والأسرار الكونية هي في الأصل للمسلمين قال سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (32) سورة الأعراف، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} (13) سورة الجاثية، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (29) سورة البقرة، فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات ولا يستنجدون الكفار في الحصول عليها، بل أن يكون لهم مصانع وتقنيات.

9- التسمي بأسمائهم بحيث يسمي بعض المسلمين أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ)5.

وقد وجد جيل يحمل أسماء غربية مما سبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة وقطع التعارف الذي كان بين الأسر والتي كانت تعرف بأسمائها الخاصة.

10- الاستغفار لهم والترحم عليهم: فقد حرم الله -جل وعلا- ذلك بقوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (113) سورة التوبة؛ لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه.

وقفة مع آية:

قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (8) سورة الممتحنة. هذه الآية معناها أن من كف أذاه من الكفار فلم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأن الله قال: {أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ولم يقل توالونهم وتحبونهم.

ونظير هذا قوله في الوالدين {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ} (15) سورة لقمان.

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ صِلِيهَا)6.

وقد قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ..} (22) سورة المجادلة، فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء والمودة شيء آخر.

ولأن الصلة وحسن المعاملة ترغيباً للكافر في الإسلام فهما من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه وذلك بسبب عدم دعوته إلى الإسلام.

يوسف التازي
22-01-15, 12:57 AM
وكذلك تحريم موالاة الكفار لا تعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- استأجر ابن أريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر، واستدان -عليه الصلاة والسلام- من بعض اليهود، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار وهذا من باب الشراء منهم بالثمن وليس لهم علينا فيه فضل ومنة.

وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم؛ فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (72) سورة الأنفال، إلى قوله: {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (73) سورة الأنفال.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: ومعنى قوله: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهي التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل..." انتهى7.8.

نسأل الله السلامة والعافية.. ونسأله التمسك بالحق والبعد عن الباطل، والولاء فيه والبراء فيه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


--------------------------------------------------------------------------------

1 رواه أبو داود (4031) انظر حديث رقم : 6149 في صحيح الجامع.

2 وإن اقتضت المصلحة الدنيوية كتجارة أو عمل مع قدرة المسلم على أداء الشعائر الدينية كالأذان والصلاة والصيام، فلا يمنع من ذلك مانع.. إنما فرضت الهجرة فراراً بالدين، كالدول الإلحادية المانعة من الأديان المحاربة لأهله، فهذا ينطبق عليها حكم الهجرة.. ونحن نلاحظ أن ملايين المسلمين اليوم يعيشون في أوروبا وأمريكا وهم يعلنون شعائرهم بكل حرية وقوة، فمن المستحيل إيجاب الهجرة عليهم إلى بلاد المسلمين.. التي هي في نفس الوقت –أي بعض بلاد المسلمين- تحكمها الأنظمة الوضعية والدول العلمانية وتستبعد الحكم الإلهي الرشيد. إلا ما رحم ربك. بل إن رجوع بعض المسلمين اليوم إلى بلدانهم التي تحكمها أنظمة علمانية دكتاتورية فتنة ومحنة وبلية وأذية وسجون ومنع شعائر وحظر على ممارسة الأعمال الدعوية، فبقاؤه في بلاد الكفار مع إقامة الشعائر والأمن على الدين خير من فتنته في بلاده.. والله أعلم.

3 شعب الإيمان للبيهقي (9384) (7/43).

4 رواه مسلم (1817).

5 رواه أبو داود (4949) وصححه الألباني.

6 رواه البخاري (3012) ومسلم (1003).

7 تفسير ابن كثير (2/435).

8 مستفاد بتصرف يسير من كتيب للشيخ صالح بن فوزان الفوزان بعنوان: الولاء والبراء في الإسلام.

منقول

يوسف التازي
22-01-15, 12:59 AM
كتاب مهم الولاء والبراء للشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق رحمه الله تعالى

http://www.forsanhaq.com/showthread.php?t=5125

هذا الكتابكل من والى كافراً وأعانه وظاهره على مسلم فقد كفر ونقض هذا الأصل "الموالاة" وخرج من دين الله سبحانه وتعالى وهذا يصدق أيضاً على من اطلع الكفار على عورات المسلمين في الحرب وأفشى لهم أسرار المسلمين وقد جاء بشأن هذا آيات كثيرة منها قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (المائدة:51) فقوله تعالى: {فإنه منهم} يدل على أنه قد خرج بذلك من الإيمان إلى الكفر وهو نص صريح، ويخرج من هذا أيضاً من فعل هذا غير مستحل له، في حال ضعف أو خوف أو رغبة كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منه تقاة ويحذركم الله نفسه} الآية (آل عمران:28) فقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} يدل على أن اتقى شر الكفار وداراهم وردهم عن نفسه في حال ضعف ولا يحب أن ينتصر الكفار ولا أن يظهروا على المسلمين فإنه لا يكفر بذلك بل يكون معذوراً عند الله، والله أعلم بالقلوب

يوسف التازي
22-01-15, 01:00 AM
فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله

ما معنى الكفر بالطاغوت؟


معناها البراءة منه واعتقاد بطلانه قال الله سبحانه ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)(البقرة: من الآية256) معنى الطاغوت المعبود من دون الله يعني يتبرأ من عبادة غير الله، عبادة الأوثان والأصنام والجن يتبرأ منها، ويعتقد بطلانها ويؤمن أن المعبود بحق هو الله وحده سبحانه وتعالى فمن لم يؤمن بهذا فليس بمسلم، لا بد أن يؤمن بأن الله مستحق للعبادة، وأن عبادة الطواغيت، عبادة الجن عبادة الأصنام، عبادة من ادعى تأليه نفسه كل هذا باطل لا بد أن يتبرأ منها، والطواغيت كل من عبد من دون الله وهو راض وهكذا الأصنام تسمى طواغيت والأشجار والأحجار المعبودة تسمى طواغيت، أما الأولياء والأنبياء والملائكة فليسوا طواغيت لكن الطاغوت الذي دعا إلى عبادتهم، الطاغوت الذي دعا إلى الشرك بالله وعبادتهم من الشياطين، شياطين الإنس أو الجن هم طواغيت، أما الأولياء المؤمنون يبرؤون إلى الله منهم، ما يرضون أن يعبدون من دون الله وهكذا الأنبياء هكذا الملائكة، هكذا الجن المؤمنون ما يرضوا، فالطاغوت الذي يدعو إلى عبادة غير الله أو يرضى بها كفرعون وأشباهه، فالبراءة من ذلك معناها البراءة من عبادة غير الله واعتقاد بطلانه، هي أن تبرأ من عبادة غير الله وأن تعتقد بطلان ذلك، وأن العبادة الحق لله سبحانه وتعالى كما قال عز وجل في كتابه العظيم في سورة الحج (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)(الحج: من الآية62).

يوسف التازي
22-01-15, 01:01 AM
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِن الْغَي فَمَن يَكْفُرْ بالطَّاغُوت وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}.

وقال: وأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم.
نقلاً عن مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، معنى الطاغوت.

وبهذا النقل يتبين أن المسألة عمل قلبي يتحقق لغالب من ينطق بالشهادتين، فأنت إذا قلت لا إله إلا الله، معتقدا بطلان عبادة غير الله، وبطلان عبادة الشيطان فهذا هو المطلوب ،.....ولا يُمتحن الإنسان بهذه الأمور، بل يدخل الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين.

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَهُ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، وَيَعْصِمُ دَمَهُ بِذَلِكَ، وَيَجْعَلُهُ مُسْلِمًا...".

لكن إذا آمن بشيء من الطواغيت كأن ادعى علم الغيب المطلق لأحد غير الله، أو اعتقد أن أحداً من البشر يملك أن يُشرِع للناس، صار مرتداً ، ولو كان يكفر بما يُعبد من دون الله، ولزمه الشهادتان، والتصريح بالكفر بالطاغوت؛ وراجع الفتوى رقم: 192695.

فأنت بحمد الله مسلم، ولا تورِد نفسك في شبهات ووساوس الكفر؛ فالوسوسة داء عضال؛ وراجع الفتوى رقم: 52270.


والله أعلم.

يوسف التازي
22-01-15, 01:02 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد أمر الله عباده بالكفر بالطاغوت، فقال سبحانه: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {البقرة:256}.

قال النووي: قال الليث، وأبو عبيدة، والكسائي، وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى. اهـ.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، والحظ الأكبر من ذلك للشيطان.اهـ. وقال ابن عطية: وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام، ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتا في حق العبدة، وذلك مجاز، إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان. اهـ.

فمعنى الكفر بالطاغوت - بهذا التعريف -: الكفر بعبادته من دون الله، ثم إن كان هذا المعبود من دون الله راضيا حكم بكفره.

وعرف بعض العلماء الطاغوت بتعاريف أخرى.

قال ابن تيمية: الطاغوت فعلوت من الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحد وهو الظلم والبغي. فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارها لذلك طاغوت، ولهذا سمى النبي الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال: و يتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت. والمطاع في معصية الله، والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب الله، أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت. اهـ.

وقال ابن القيم: الطاغوت كل ما تجاوز العبد به حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع. اهـ.

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والطواغيت كثيرة، والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم: الشيطان، وحاكم الجور، وآكل الرشوة، ومن عُبد فرضي، والعامل بغير علم.

وراجع الفتويين: 49669 8937

أما تشريع القوانين التي تحل الحرام وتحرم الحلال والحكم بها - ولو دون إظهار استحلال - كفر أكبر، ونقل بعض العلماء الإجماع عليه.

قال ابن تيمية: والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء. اهـ.

وقال ابن كثير: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. اهـ.

وقال محمد الأمين الشنقيطي: أما من شرع قانونا يحل فيه الحرام ويحرم الحلال فكفره كفر أكبر، وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. اهـ.

وانظر الفتوى رقم: 9430

ولا إشكال في إطلاق وصف الطاغوت على المشرع من دون الله، ولو قيل بأن ذلك كفر أصغر لأنه تجاوز حده.

والله أعلم.

يوسف التازي
22-01-15, 01:02 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: ‏

فتوحيد الله تعالى قائم على الإيمان به، والكفر بالطاغوت، وهو: كل ما يعبد من دون الله ‏من شيطان أو حجر أو شجر أو قبر أو غير ذلك، إلا أنه لا شيء على من عُبِد دون أن ‏يرضى بذلك، كالمسيح وأمه وغيرهما من الأنبياء أو الصالحين.‏
قال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل:36] ‏وقال ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله ‏سميع عليم) [البقرة:256].‏
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما ‏يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله".‏
فلا يحرم الدم والمال ولا تنفع لا إله إلا الله إلا إذا انضم إليها الكفر بما يعبد من دون الله، ‏بل هذا هو حقيقة النفي الوارد في قولنا: لا إله إلا الله.‏
وهذه هي ملة إبراهيم عليه السلام، كما جاء في قوله تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة ‏في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ‏وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) [الممتحنة:4]. ‏
والمؤمن بالله حقاً لا بد أن يكون كافراً بالطاغوت، وإلا لما صح إيمانه، لكن قد يوجد من ‏يؤمن بربوبية الله فقط، لكنه يشرك به في ألوهيته، كما هو حال المشركين الذين قال الله ‏فيهم ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) [يوسف:106] فهم يقرون بأنه الخالق ‏الرازق، ويعبدون غيره، وإيمانهم هذا ليس بنافع لهم.‏
وبناء على ما تقدم فالفتوى المذكورة صحيحة إذا كان المراد بها ما ذكرنا.‏
والله أعلم.‏

يوسف التازي
22-01-15, 01:03 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن الدخول في الإسلام لا يكفي فيه النطق بالشهادتين مجرداً عن اعتقاد ما دلت عليه لا إله إلا الله من بطلان عبادة ما سوى الله، بل لابد من الكفر بما سوى الله تعالى.

قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256].

وفي الحديث: ومن قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله. رواه مسلم.

فعليكم أن تحرصوا على هداية هذا الرجل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم. رواه البخاري، وراجع الفتوى رقم: 5098.

والله أعلم.



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد أمر الله عباده بالكفر بالطاغوت، فقال سبحانه: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {البقرة:256}.

قال النووي: قال الليث، وأبو عبيدة، والكسائي، وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى. اهـ.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، والحظ الأكبر من ذلك للشيطان.اهـ. وقال ابن عطية: وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام، ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتا في حق العبدة، وذلك مجاز، إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان. اهـ.

فمعنى الكفر بالطاغوت - بهذا التعريف -: الكفر بعبادته من دون الله، ثم إن كان هذا المعبود من دون الله راضيا حكم بكفره.

وعرف بعض العلماء الطاغوت بتعاريف أخرى.

قال ابن تيمية: الطاغوت فعلوت من الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحد وهو الظلم والبغي. فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارها لذلك طاغوت، ولهذا سمى النبي الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال: و يتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت. والمطاع في معصية الله، والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب الله، أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت. اهـ.

وقال ابن القيم: الطاغوت كل ما تجاوز العبد به حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع. اهـ.

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والطواغيت كثيرة، والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم: الشيطان، وحاكم الجور، وآكل الرشوة، ومن عُبد فرضي، والعامل بغير علم.

وراجع الفتويين: 49669 8937

أما تشريع القوانين التي تحل الحرام وتحرم الحلال والحكم بها - ولو دون إظهار استحلال - كفر أكبر، ونقل بعض العلماء الإجماع عليه.

قال ابن تيمية: والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء. اهـ.

وقال ابن كثير: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. اهـ.

وقال محمد الأمين الشنقيطي: أما من شرع قانونا يحل فيه الحرام ويحرم الحلال فكفره كفر أكبر، وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. اهـ.

وانظر الفتوى رقم: 9430

ولا إشكال في إطلاق وصف الطاغوت على المشرع من دون الله، ولو قيل بأن ذلك كفر أصغر لأنه تجاوز حده.

والله أعلم.


الشبكة الاسلامية

يوسف التازي
22-01-15, 01:03 AM
تفسير قوله تعالى
ï´؟ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا ï´¾



بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.



أما بعد:

قال الله تعالى: ï´؟ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا ï´¾ [البقرة: 256]، أي من يجتنب عبادة غير الله ويحقق العبودية لله فقد عمل بلا إله إلا الله التي تعد حبل النجاة من النار. فالكفر بالطاغوت هو نفي استحقاق العبادة عن غير الله وجهاد وبُغض الكفر به والشرك به ومعصيته وأعدائه سبحانه. قال سبحانه وتعالى: ï´؟ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ï´¾ [الزخرف: 26] وفي قراءة سبعية ï´؟ إِنَّنِي بَريءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ï´¾. وقال تعالى: ï´؟ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ï´¾ [الممتحنة: 4]. ويَدخل في الكفر بالطاغوت دعوة الناس إلى التوحيد والإخلاص وترغيبهم فيه وتحذيرهم من مغبة الكفر والشرك والانحراف. ويدخل فيه أيضا جهاد الكفر وأوليائه إن توفرت الشروط الشرعية المبيّنَة في كتب العقيدة والفقه.




وأما الطاغوت فهو لغة المجاوز لحده، وشرعا هو كل من جاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع برضاه، وبمعنى آخر هو كل من شارك الله في حقه على العباد الذي هو العبادة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا". ولابد أن يتوفر في الطاغوت الرضى بصرف العبادة له. فالأنبياء والملائكة والصالحون عُبدوا مع الله بغير رضاهم، لذلك لا يدخلون في الطواغيت.




ورؤوس الطواغيت خمسة:

الرأس الأول: الشيطان: فهو الداعي الأول للكفر بالله والشرك به ومعصيته. وكل شر في الأرض فهو سببه، قال تعالى على لسان إبليس اللعين: ï´؟ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ï´¾ [ص: 82، 83].




الرأس الثاني: كل من دعا الناس لعبادة نفسه: كفرعون والنمرود، قال سبحانه: ï´؟ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ï´¾ [القصص: 38].




الرأس الثالث: كل من عُبد مع الله ورضي وسكت: كبعض غلاة شيوخ الطرق الصوفية. فسكوتهم إقرار منهم بعبادتهم مع الله. قال بعض أهل العلم: "الساكت عن الحق شيطان أخرس".




الرأس الرابع: كل من ادعى علم الغيب: كالسحرة والكهنة ومدعي النبوة، قال سبحانه وتعالى: ï´؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ï´¾، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى عرافا أو كاهنا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".




الرأس الخامس: الحاكم الذي يستحل الحكم بغير ما أنزل الله، قال الله تعالى ï´؟ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا ï´¾ [النساء: 60]، وقال سبحانه: ï´؟ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ ï´¾. وأما الحاكم الذي يعتقد أن شرع الله هو الحق وحكم بغير ما أنزل الله بسبب هوى في نفسه أو مصلحة دنيوية فهو عاص واقع في الكفر الأصغر ولا يعد طاغوتا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، ليس بالكفر الذي تذهبون إليه".




وأما الإيمان بالله فهو "التصديق الجازم بوجوده والالتزام التام بتوحيده. ويعني توحيده[1] إفرادَه سبحانه وتعالى في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.




إن توحيد الله لا يتحقق إلا إذا قام على التصديق بأن الله ربٌّ وإلهٌ لا شريك له ولا مثيل. لقد أكد كل من كتاب الله وسنة رسوله على حقيقة التوحيد في صيغ متعددة ووِفْق تذكير متجدد. فمن ذلك قوله تعالى: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ï´¾[2].




وقوله تعالى: ï´؟ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ï´¾[3].




وقوله: ï´؟ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ï´¾[4].




وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: "إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى..."[5].




وفي صحيح مسلم (16) عن ابن عمر رضي الله عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ"[6].




إنه ولما لتوحيد الله من أهمية بالغة فقد حرص علماء الإسلام على تبيان الأصول التي يقوم عليها وما يقتضيه الإيمان بكل واحد منها.




توحيد الله وأصوله:
يقوم توحيد الله تعالى على ثلاثة أصول هي:

1- توحيد الربوبية.

2- توحيد الألوهية.

3- توحيد أسماء الله وصفاته.




هذه الأصول هي حسبما اهتدى إليه العلماء متضمَّنة في الآية: ï´؟ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ï´¾[7]. فتوحيد الربوبية متضمن في شق الآية: ï´؟ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ï´¾، أما توحيد الألوهية فمتضمن في: ï´؟ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ï´¾. وأما توحيد أسماء الله وصفاته فمتضمن في: ï´؟ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ï´¾.



توحيد الربوبية:
يعني توحيد الله في الربوبية إفراده سبحانه بالخلق والملك والتدبير، أي الاعتقاد الجازم بأن لا خالق ولا مالك ولا مدبر في الكون إلا اللهُ سبحانه وتعالى.




لقد نص القرآن الكريم على ربوبية الله فذكر تفرده سبحانه بالخلق على غيره، قال تعالى: ï´؟هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِï´¾[8]. كما أفرد الله نفسه بالملك فقال: ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ï´¾[9].أما الدليل على إفراد الله ذاته بالتدبير فنجده في قوله تعالى: ï´؟ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ï´¾[10] والمراد بالامر هنا التدبير.




توحيد الألوهية:
يعني توحيد الألوهية إفرادَ العبد ربه بالعبادة. والعبادة كما عرَّفها ابن تيمية هي: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"[11]، قال تعالى: ï´؟ وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا ï´¾[12]. إن الإنسان لا يصير مُوحِّداً حتى تكون عبادته كلها موجهة لله دون غيره بحيث لا يدعو إلا الله ولا يتوكل إلا عليه ولا يستعين إلا به، قال الله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾[13]. فتوحيد الألوهية هو حق الله على العباد، لأنه خلقهم ورزقهم فاستحق بذلك عبادتهم، وقد وعد سبحانه وتعالى من أفرده بالعبادة بالجنة والنجاة من النار. قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ بن جبل: " يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فقال (صلى الله عليه وسلم): "يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. ثم قال (صلى الله عليه وسلم): أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ ": فقال معاذ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فقَالَ (صلى الله عليه وسلم): " يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ"[14].




لقد كان غالبية المشركين في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، وهو ما أكده القرآن في حديثه عنهم، حيث قال تعالى: ï´؟ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ï´¾[15] لكنهم كانوا يرفضون الإقرار بتوحيد الألوهية فمنعهم ذلك من الدخول في الإسلام لأن الدخول فيه لا يتم إلا إذا رافق توحيد الربوبية توحيد الألوهية.

يوسف التازي
22-01-15, 01:04 AM
توحيد أسماء الله تعالى وصفاته:
يعني توحيدُ أسماء الله تعالى وصفاتِه، إفراد الله تعالى بأسمائه التي سمى بها نفسه وصفاته التي وصف بها ذاته في كتابه والتي أخبر بها رسوله (صلى الله عليه وسلم). إن هذا الأصل في التوحيد ليبيّن للعبد سبيل التعرف على ربه والتأدب معه في الحدود التي ارتضاها سبحانه لمقامه. ويقتضي الإيمان به مراعاة القواعد التسع التالية:

أولها: لا تُستمد أسماء الله تعالى وصفاته إلا من كتاب الله وسنة رسوله لأنها غيب والغيب لا يُعلم إلاَّ من الوحي. قال الله تعالى: ï´؟ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ï´¾[16].




ثانيها: التسليم بأن جميع أسماء الله تعالى حسنى في منتهى الحسن، وبأن صفاته كاملة في منتهى الكمال. قال سبحانه وتعالى: ï´؟ وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ï´¾[17]. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال"[18].




ثالثها: يجب إثبات أسماء الله تعالى وصفاته كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله دون تحريف ولا تشبيه ولا نفي مع تفويض كيفيتها إلى الله. إن تفسير اليد في الآية: ï´؟ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ï´¾[19] بالنعمة هو تأويل لا يجوز، أما القول بأن لله يداً كيد أحسن البشر فهو تشبيه لا يجوز، وأما الزعم بأنه ليس لله يد فهو نفي وتعطيل لا يجوز. إن هذه التآويل تعارض قول الله تعالى: ï´؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ï´¾[20]. ففي قوله: ï´؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ï´¾ نفي الشبيه عن الله، وفي قوله: ï´؟ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ï´¾ إثبات لأسماء الله تعالى وصفاته. إن الفهم الصحيح للآية: ï´؟ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ï´¾[21] يقتضى التسليمَ بأن لله يدين كريمتين تليقان بعظمته وكماله، لكنهما ليستا كأيدي خلقه.




رابعها: لا يجوز اشتقاق أسماء الله تعالى من صفاته، بينما يجوز اشتقاق صفاته تعالى من أسمائه. قال تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ï´¾[22]؛ لا يجوز لنا هنا أن نشتق من صفة "الاستواء" اسم "المستوي". أما في قول الله تعالى: ï´؟ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ï´¾[23] فيجوز لنا إضفاء صفة الغنى إلى الله لأنها جاءت متضمنة في اسم الغني ولأن أسماءه سبحانه وتعالى أتت دالة على كماله.




خامسها: لا يجوز حصر أسماء الله عز وجل في تسعةٍ وتسعين اسماً لوجود دليل من السنة نَصَّ على أن هناك أسماء أخرى استأثر الله تعالى بعلمها وحده دون غيره. لقد دأب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على القول في دعائه: "أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك..." إن هذا الدعاء ليشير إلى وجود أسماء استأثر الله بعلمها وحده ولهذا يُحمل الحديث النبوي: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة"[24] على أن عدد هذه الأسماء جاء على سبيل الذكر لا الحصر.




سادسها: إن للهِ تعالى صفات ذاتية وأخرى فعلية. أما صفات الله الذاتية فهي الصفات اللازمة لذاته كصفة البركة والحياة والعلم.




وأما صفات الله الفعلية فهي صفات تابعة لمشيئته كصفة الاستواء على العرش وصفة الرضى وصفة الغضب، فهو يفعلها متى شاء ويدعها متى شاء.




سابعها: لا يجوز أن يفرد الله تعالى بصفات كالمكر والاستهزاء والخداع لما فيها من تنقيص به سبحانه بل يعمد إلى مقابلتها بأفعال المخلوقين. إنها لا تطلق على الله إلا في ما سيقت فيهمن الآيات كقوله تعالى: ï´؟ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ï´¾[25]. وقوله: ï´؟ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ï´¾[26]. وقوله: ï´؟ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ï´¾[27].




ثامنها: لا يجوز التفصيل في الصفات التي نفاها الله عن ذاته لما يحمله ذلك من قلة أدب في حق الله عز وجل، ويسمى كل ما نفاه الله عن ذاته صفاتاً سلبية لما فيها من نقص كنفي الولد والنوم؛ قال تعالى: ï´؟ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ï´¾[28] وقال سبحانه: ï´؟ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ï´¾[29]. فمثلا إذا قال إنسان لملِك أنت لست فقيراً ولا ضعيفاً ولا ذليلاً ولو كنت ذلك لما صرت ملكاً. فلا شك أن مثل هذه الأوصاف لا تلاقى بالترحاب.




تاسعها: إذا أطلقنا على الله اسم "الصانع" و"المقصود" فإن ذلك يعد حقاً في ذاته سبحانه لأنه في حقيقة الأمر صانع للكون، ومقصود بالعبادة والرجاء؛ ولو لم يرد دليل مباشر في الكتاب والسنة على ذلك. لذا فقد سمى العلماء ما كان حقا في ذات الله ولم يرد به نصٌّ خبراً"[30].




فمن عمل بهذه المعاني فقد حقق لا إله إلا الله التي وصفها الله تعالى في هذه الاية بالعروة الوثقى التي لا تنقطع، أي الحبل المتين الذي يصعد به الإنسان إلى الجنة ولا ينقطع به في النار. قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من كان اخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"




جعلنا الله وإياكم من أهل لا إله إلا الله ومن الداعين لها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] يعني التوحيد في اللغة الإفراد. أقول وحدت ربي في العبادة، أي إذا أفردته بها.

[2] سورة الإخلاص - سورة 112 -آية 1-4.

[3] البقرة/ 163.

[4] المائدة/ 73.

[5] أخرجه البخاري "1458" في الزكاة: باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، ومسلم "19" "31" في الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وابن منده في "الإيمان" "214"، والطبراني في "الكبير" "12207".

[6] أخرجه الإمام مسلم في الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، رقم الحديث:19

[7]سورة مريم - سورة 19 - آية 65.

[8]سورة فاطر - سورة 35 - آية 3.

[9]سورة الملك - سورة 67 - آية 1.


[10]سورة الأعراف - سورة 7 - آية 54.

[11]انظر التعريف في كتاب "العبودية" للشيخ تقي الدين ابن تيمية (المتوفى: 728هـ).

[12] سورة النساء - سورة 4 - آية 36.

[13] سورة البقرة - سورة 2 - آية 21.

[14]متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ، باب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، رقم:7373، ومسلم في الإيمان، باب مَنْ لَقِي اللهَ بِالْإِيمَانِ وَهُو غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَحُرِّمَ عَلَى النَّار، رقم: 50ِ.

[15]سورة الزخرف - سورة 43 - آية 87.

[16] سورة النجم - سورة 53 - آية 2.

[17] سورة الأعراف - سورة 7 - آية 180.

[18] أخرجه مسلم في الإيمان، باب تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، رقم الحديث: 147.

[19] سورة المائدة - سورة 5 - آية 64.

[20] سورة الشورى - سورة 42 - آية 11.

[21] سورة المائدة - سورة 5 - آية 64.

[22] سورة طه - سورة 20 - آية 5.

[23] سورة الحج - سورة 22 - آية 64.

[24] أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين،كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه، ج/1، ص/62.

[25] سورة آل عمران - سورة 3 - آية 54.

[26] سورة البقرة - سورة 2 - آية …14.

[27] سورة النساء - سورة 4 - آية 142.

[28]سورة الإخلاص - سورة 112 - آية 3.

[29]سورة البقرة - سورة 2 - آية 255.

[30] انظر كتاب تعلم دينك للشيخ أبي الحسن هشام المحجوبي والأستاذ فضل الله كْسكس (ص.12).

يوسف التازي
22-01-15, 01:06 AM
مهم لكل مسلم عقيدة اهل السنة الجماعة الحقة عقيدة الفرقة الناجية

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=344582

وآخر دعوانا ان الخمد لله رب العالمين

يوسف التازي
22-01-15, 02:39 PM
القواعد العشر في الولاء والبراء


الحمد لله ولي الصالحين ، وناصر المؤمنين ، وعدو من عادى الدين ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة محب لأهلها ومن عمل بها إلى يوم الدين ، ومعادي من عاداها وعادى أهلها إلى يوم الجزاء والحق المبين ، والصلاة والسلام على إمام المرسلين ، وقدوة الموحدين ، الذي أحب في الله وأبغض في الله ليحقق أوثق عرى الإيمان والدين ، وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار الذين أظهروا البراءة من الشرك وأهله في كل الميادين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يفصل فيه بين الكافرين والمؤمنين ، أما بعد :

عباد الله : إن الغاية التي خلق الخلق من أجلها ، واتفقت عليها الشرائع السماوية من عند رب البرية على الأمر بها والدعوة إليها ، هو الدعوة إلى توحيد رب العالمين وإفراده بكل أنواع العبادة ، والبعد والبراءة من الشرك والكفر والبراءة من المشركين والكافرين على اختلاف أنواعهم وأصنافهم ، وإذا كان كذلك وجب العناية بهذا الأصل العظيم ، ومن الأمور المتعلقة بتوحيد رب العالمين وبشهادة الحق المبين شهادة أن لا إله إلا الله قضية الولاء والبراء ، أي موالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم ، وبغض الكافرين وعداوتهم، وإن من أسباب طرق مثل هذا الموضوع الخطير ، ما أثير حوله من شبهات وتشويش اغتر بها بعض الجهلة بالدين ، وفتن بها قليل البضاعة في في العلم وتوحيد رب العالمين ، وهذه الشبهات التي أثيرت كان الذي تولى كبرها وأوقد أوارها ، ونفخ كيرها ، هم أهل الكفر وعلى رأسهم حامية الصليب أمريكا ، فتهجمت على العالم الإسلامي بعامة وعلى جزيرة العرب بخاصة وأنها تفرخ الإرهاب وزعمت أن من الإرهاب تدريس موضوع الولاء والبراء وأنه يذكي العداوات ولا يؤدي إلى السلام المنشود ، وقد تلقف هذا الباطل أقوام منهم حسن النية الجاهل بدينة ، أو سيء النية عدو الله ورسوله ، وكلاهما لا بد أن يوجه له الخطاب وتقام عليه الحجة حتى يحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، وهناك ولله الحمد وهم الغالبية العظمى من المسلمين من ظهرت عنده الحقائق ، وعرف الصالحات من البوائق ، فلم تؤثر فيه هذه الترهات ، ولم تدخل قلبه مثل هذه الشبهات ، وهذا يحتاج إلى تذكير وتنبيه وتثبيت ثبتنا الله وإياكم على الإيمان والتوحيد وجنبنا وإياك مسالك الزائغين ، وقد جعلت أحكام الولاء والبراء في عشرة قواعد مستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حتى لا يحتج محتج ويزعم أن هذا كلام عالم والبشر يؤخذ من قولهم ويرد بل نقول له لا كلام لنا ولا قول لنا مع كلام الله ورسوله وشعارنا قوله تعالى : { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } ، وهذه القواعد باختصار ما يلي :

القاعدة الأولى : اعلم رحمني الله وإياك إن وجوب معاداة الكفار وبغضهم ، وتحريم موالاتهم ومحبتهم جاءت في كتاب الله صريحة ومتنوعة ، بل إنها في صراحتها لا تخفى على العالم ولا العامي ولا على حتى الصغير غير المكلف ،بل نص أهل العلم على أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر و لاأ بين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده ومن الآيات الدالة على هذا الأمر قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق } وقال سبحانه :{ ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً }النساء[144] ، وقال سبحانه : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة }آل عمران [28] ، ويقول جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } التوبة[23].

القاعدة الثانية : أن الوقوع في هذا المنكر العظيم والجرم الخطير ألا وهو موالاة الكفار ومحبتهم ، أو توليهم ونصرتهم قد يخرج الإنسان من دين الإسلام بالكلية بنص كتاب الله عزوجل من لابنص البشر واسمع إلى قول الله عزوجل : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذو االيهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } المائدة [51] قال حذيفة رضي الله عنه : " ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر لهذه الآية "أ.هـ ، ويقول القرطبي –رحمه الله – عند تفسير هذه الآية : " أي من يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين فحكمه حكمهم ، في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة ، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين "أ.هـ ،ويقول سبحانه : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } آل عمران [28]،قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية :"يعني فقد بريء من الله ، وبريء الله منه ، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر "أ.هـ

القاعدة الثالثة :اعلم أن الأصل في معاداة الكفار وبغضهم أن تكون ظاهرة لا مخفية مستترة ، حفظاً لدين المسلمين ، وإشعاراً لهم بالفرق بينهم وبين الكافرين حتى يقوى ويتماسك المسلمون ويضعف أعداء الملة والدين والدليل على هذا قوله تعالى آمراً نبيه والأمة كلها بأن تقتدي بإبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء وأن تفعل فعله حيث قال سبحانه : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده } وتأمل معي الفوائد من هذه الآية العظيمة الصريحة التي لم تدع حجة لمحتج من هذه الفوائد :
1- أنه قدم البراء من الكافرين على البراءة من كفرهم لأهمية معاداة الكفار وبغضهم وأنهم أشد خطراً من الكفر نفسه ، وفيها إشارة إلى أن بعض الناس قد يتبرأ من الكفر والشرك ولكنه لا يتبرأ من الكافرين.
2- أنه لما أراد أن يبين وجوب بغضهم عبر بأقوى الألفاظ وأغلظها فقال ( كفرنا بكم ) لخطورة وعظم الوقوع في هذا المنكر .
3- أنه قال (بدا ) والبدو هو الظهور والوضوح وليس الخفاء والاستتار فتأمل هذا وقارنه بمن ينعق في زماننا بأنه لا يسوغ إظهار مثل هذه المعتقدات في بلاد المسلمين حتى لايغضب علينا أعداء الدين فلا حول ولا قوة إلا بالله .
4- تأمل معي قوله (العداوة والبغضاء ) فلا يكفي بغضهم بل لا بد من إظهار العداوة لهم ، بل إنه قدم العداوة على البغضاء لتأكد وجوبها .
5- قوله ( أبداً): أي إلى قيام الساعة ولو تطور العمران وركبنا الطائرات وعمرنا الناطحات ، فهذا أصل أصيل لا يزول ولا يتغير بتغير الزمان ولا المكان .

القاعدة الرابعة : أن حرمة موالاة الكفار تزداد وتتأكد في حق من كان محارباً مقاتلاً للمسلمين ، مخرجاً لهم من ديارهم ، وصاداً لهم عن دينهم كما قال تعالى : {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } ، فلكم الله يأهل فلسطين ويا أهل العراق ويا أفغانستان ويا أهل الشيشان ويا كل مسلم اصطلى بنار الكفر والكافرين فإنا نشهد الله على بغض من آذاكم وقاتلكم وأخرجكم من دياركم نسأل الله أن يرفع عنكم الضائقة ويكشف عنكم البلوى .

القاعدة الخامسة : اعلم أن هذه القضية أعني وجوب معاداة الكافرين وبغضهم أمر لا خيار لنا فيه بل هو من العبادات التي افترضها على المؤمنين كالصلاة وغيرها من فرائض الإسلام وقد تقدمت الآيات الصريحة الدالة على هذا الأمر ، فلا تغتر بمن يزعم أن هذا دين الوهابية أو دين فلان أو فلان بل هذا دين رب العالمين ، وهدي سيد المرسلين .

القاعدة السادسة : أن هذا الأمر من الشرائع التي فرضت على كل الأنبياء والرسل أعني معاداة أعداء الله والبراءة منهم ، فهذا نوح يقول الله له عن ابنه الكافر { إنه ليس من أهلك } ، وهذا ابراهيم يتبرأ هو ومن معه من المؤمنين من أقوامهم وأقرب الناس إليهم بل تبرأ من أبيه فقال { واعتزلكم وما تدعون من دن الله } ، وأصحاب الكهف اعتزلوا قومهم الذين كفروا حفاظاً على دينهم وتوحيدهم قال جل وعلا عنهم : {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً } .

القاعدة السابعة : إن قضية الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين مرتبطة بلا إله إلا الله إرتباطاً وثيقاً ، فإن لا إله إلا الله تتضمن ركنين : الأول : النفي وهو نفي العبودية عما سوى الله والكفر بكل ما يعبد من دون الله وهو الذي سماه الله عزوجل الكفر بالطاغوت ، والثاني : الإثبات : وهو إفراد الله بالعبادة والدليل على هذين الركنين قوله تعالى : {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } ومن الكفر بالطاغوت الكفر بأهله كما جاء في قوله تعالى {كفرنا بكم } وقوله {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله } إذ لا يتصور كفر من غير كافر ولا شرك من غير مشرك فوجب البراءة من الفعل والفاعل حتى تتحقق كلمة التوحيد كلمة لا إله إلا الله .

القاعدة الثامنة : فرق بعض أهل العلم بين الموالاة والتولي ، وقالوا : إن الموالاة أي موالاة الكفار : معناها المصانعة والمداهنة للكفار لغرض دنيوي مع عدم إضمار نية الكفر والردة عن الإسلام كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثل هذا يعتبر كبيرة من الكبائر ، وليست بكفر ينقل عن الملة ،ولهذا النوع مظاهر معاصرة كالتشبه بهم في اللباس وفي الهيئة أو حضور أعيادهم وتهنئتهم بها، وغيرها من مظاهر الموالاة التي لا تعد كفراً ناقلاً عن الملة، وأما التولي فهو : الدفاع عن الكفار وإعانتهم ونصرتهم بالمال والبدن والرأي والمشورة ولو بقلم أو كلمة ، وهذا كفر صريح وخروج عن الملة كما جاءت بذلك الآيات .

القاعدة التاسعة : هناك فرق بين بغض الكافر وعداوته وبين معاملتهم ودعوته إلى الإسلام ، فالكافر لا يخلو إما أن يكون حربياً فهذا ليس بيننا وبينه إلا السيف وإظهارة العداوة والبغضاء له ، وإما أن يكون ليس بمحارب لنا ولا مشارك للمحاربين فهذا إما أن يكون ذمياً أو مستأمناً أوبيننا وبينه عهد فهذا يجب مراعاة العهد الذي بيننا وبينه فيحقن دمه ولايجوز التعدي عليه وتؤدى حقوقه إن كان جاراً، ويزار إن كان مريضاً ،وتجاب دعوته بشرط دعوته للإسلام في كل هذه الحالات وعدم الحضور معه في مكان يعصى الله فيه وبغير هذين الشرطين لا يجوز مخالطته والأنس معه، فصيانة الدين والقلب أولى وأحرى ، بل أمرنا عند دعوتهم بمجادلتهم بالتي هي أحسن كما قال جل وعلا : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } وقال عمن لم يقاتلنا : { لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } الممتحنة [8].

القاعدة العاشرة : اعلم أنه يجوز في بعض الحالات أن تظهر بلسانك المودة إذا كنت مكرهاً وتخشى على نفسك ، وهذا فقط في الظاهر لا في الباطن بمعنى أنك عند الإكراه تظهر له بلسانك المودة لا بقلبك فإن قلبك لا بد أن ينطوي على بغضه وعداوته كما قال جل وعلا : { لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } قال ابن كثير –رحمه الله -: " { إلا أن تتقوا منهم تقاة } قال : أي إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته ، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، وقال الثوري : قال ابن عباس : ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان "أ.هـ ، وعليه فإن لايجوز بحال حتى في حال الإكراه عمل ما يوجب الكفر كإعانة الكفار على المسلمين ونصرتهم عليهم وإفشاء أسرارهم ونحو ذلك ، قال ابن جرير عند تفسير قوله { إلا أن تتقوا منهم تقاة } : " إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم ، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم ، وتضمروا لهم العداوة ، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ، ولا تعينوهم على مسلم بفعل"أ.هـ

د.ناصر بن يحيى الحنيني


صيد الفوائد

يوسف التازي
22-01-15, 02:44 PM
كتاب الولاء والبراء للقحطاني

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=10775

يوسف التازي
22-01-15, 07:31 PM
عقيدتنا في الولاء والبراء للشيخ الفوزان رحمه الله

http://www.alsrdaab.com/vb/showthread.php?t=63165

يوسف التازي
23-01-15, 06:52 PM
الحمد لله ربّ العالمين ، و الصلاة و السلام على نبيّه الأمين ، و آله و صحبه أجمعين ، و بعد :

فإن الولاء و البراء أصل أصيل من أصول الإسلام ، و دعامة من دعائمه ، فلا يستقيم إسلام المرء حتى يوالي في الله و يعادي في الله ؛ يوالي أهل الحق ، و يعادي أهل الباطل ، غير آبه بما يعترضه في سبيل ذلك من المثنيات و المثبطات .
و قد جعل أهل السنة و الجماعة الولاء و البراء قاعدة عقدية كبرى ، ( و مفهوم هذه القاعدة الشريفة لديهم هو : الحب و البغض في الله ، فهم يوالون أولياء الرحمن ، و يعادون أولياء الشيطان ، كلّ بحسب ما فيه من الخير و الشر ... و من أولى مقتضياتها التي يثاب فاعلها و يعاقب تاركها البراءة من أهل البدع و الأهواء )

. [ هجر المبتدع ، للدكتور بكر أبو زيد ، ص : 18،19 ] .

و يلزم من الولاء الحب في الله ، كما يلزم من البراء البغض في الله تعالى .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( المراد من قول لا إله إلا الله ، مع معرفتها بالقلب محبتها و محبة أهلها ، و بغض من خالفها و معاداته ) .

[ تفسير كلمة التوحيد ، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ضمن مجموعة المؤلفات الكاملة ) : 1/363 ] .

و حقيقة الحب في الله كما قال يحيى بن معاذ : ( أن لا يزيد بالبر و لا ينقص بالجفاء ) .

[ فتح الباري ، للحافظ ابن حجر : 1/62 ] .

و إذا كانت الأشياء تتميز بضدها فإن حقيقة البراء و البغض في الله أن لا يزيد بالجفاء ، و لا ينقص بالبر .

يقول الدكتور إبراهيم الرحيلي وفقه الله : ( قررنا أن المحبّة في الله ينبغي أن يراد بها وجه الله ، فلا يحب الشخص إلا لله ، و أن لا تزيد تلك المحبّة ببر المحبوب للمحب ، و لا تنقص بجفائه إياه ، فإن البغض ينبغي أن يراد به وجه الله أيضاً ، و أن يكون لله لا لسبب آخر .... بل يبغض الشخص إمّا لكفره ، أو ابتداعه ، أو معصيته ، فإن هذه هي أسباب البغض في الله ) .

[ موقف أهل السنة و الجماعة من أهل الأهواء و البدع ،

للدكتور إبراهيم الرحيلي ، ص : 462 ، و فيه الإحالة على الإحياء ، للغزالي : 2/166،167 ].

و هذه القاعدة الجليلة الشريفة ، مؤصلة عند أهل العلم بما دلّ عليها من الكتاب و السنّة و الأثر ، بل بانعقاد الإجماع على تقريرها ..

فمن الكتاب قوله تعالى ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حادّ الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) [ المجادلة : 22 ].

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( من أطاع الرسول ، و وحد الله ، لا يجوز له موالاة من حاد الله و رسوله ، و لو كان أقرب قريب ، و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) .

[ ثلاثة الأصول ، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ضمن مجموعة المؤلفات الكاملة ) : 1/183 ، و ثلاثة مسائل ، له أيضاً : 1/375 ].


و الآية دالة على قطع حبال المودة بين من آمن بالله و اليوم الآخر ، و بين من حادّ الله و رسوله ، و لو كان من أقرب المقرّبين ، و هذه الآية الكريمة تنزل على أهل البدع و الأهواء فيلزم منها بغضهم و معاداتهم ، و عدم التودد إليهم ، لأن في الابتداع محادّة لله و رسوله ، فما من بدعة إلا و هي مصادمة للشريعة ، مخالفة لها ، حتى قال السيوطي رحمه الله في تعريفها : ( البدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة ، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان ) .

[ الأمر بالاتباع ، للسيوطي ، ص : 24 ].
و هذا هو معنى المحادّة المذكورة في الآية الكريمة .

و قد فهم السلف الصالح منها ما فهمنا ، قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره : ( استدل مالك رحمه الله بهذه الآية على معاداة القدريّة ، و ترك مجالستهم . روى أشهب عن مالك : لا تجالس القدرية ، و عادهم في الله ، لقوله تعالى : ( لا تجد قوماً ) الآية ) . [ الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي : 17/308 ].
أما في السنة ، فقد ورد غير حديث مدللاً على اقتضاء الشرع الحنيف الموالاة في الله ، و معاداة المبتدعة و أهل الأهواء و البراءة منهم ، فعن أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «‏ ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ،‏ وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ ،‏ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ »‏ .


[ الحديث أخرجه البخاري ( كتاب الإيمان ، باب حلاوة الإيمان ) و مسلم ( كتاب الإيمان ، باب خصال من اتصف بهن ، برقم 43 ) و أحمد في المسند ( 3/103، 174،230 ) و ابن حبان في صحيحه ( 285 ) و الترمذي ( 2624 ) و لبن ماجة ( 4033 ) و غيرهم ].‏

فإذا تقرر وجوب أن يكون الحب في الله و لله ، عُلم ضرورةً خطر محبة المبتدع أو موالاته ، لأنّها محبة لغير الله .
و لا يقول عاقل : إنّ حب المبتدع - على ما فيه من مخالفةٍ و محادّةٍ للشرع – حبٌّ لله تعالى !!
و عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «‏ مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَنْكَحَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ »‏ .‏

[ الحديث رواه الترمذي ( 521 ) و قال : هذا حديث حسن ، و الحاكم ( 2/164 ) و صححه و وافقه الذهبي ، و للحديث طريق أخرى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، بدون قوله ( أنكح لله ) رواه أبو داوود ( 4681 ) و الطبراني في المعجم الكبير 8/159،208 ، و البغوي في شرح السنّة ، و الخطيب في المشكاة .

و صحح الألباني الحديث بمجموع الطريقين . انظر : السلسلة الصحية (380) ].

قلتُ : فإن يكن المرء لا يستكمل الإيمان حتى يبغض في الله ، كان عليه أن يبغض الكفرة و المبتدعة و العصاة في الله ، لأن الكفر و الابتداع و المعصية أسباب البغض في الله ، كما تقدم .

و على ضوء ما دلت عليه نصوص الكتاب و السنة قرر أهل العلم أتباع السنّة تنزيل قاعدة ( الولاء و البراء ) على أهل البدع و الأهواء .

فقال الإمام الطحاوي رحمه الله : ( نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان ، و يختم لنا به ، و يعصمنا من الأهواء المختلفة ، و الآراء المتفرقة ، و المذاهب الرديّة ، من الذين خالفوا السنّة و الجماعة ، و حالفوا الضلالة ، و نحن منهم براء ، و هم عندنا ضلال و أردياء ) . [ شرح الطحاوية ، لابن أبي العز ، ص : 520 ]

و قال الإمام البغوي رحمه الله : ( و قد مضت الصحابة و التابعون ، و أتباعهم ، و علماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع و مهاجرتهم ) . [ شرح السنّة ، للبغوي : 1/227 ]

و قال الشاطبي : ( إن فرقة النجاة ، و هم أهل السنة ، مأمورون بعداوة أهل البدع ، و التشريد بهم ، و التنكيل بمن انحاش إلى جهتهم ، و نحن مأمورون بمعاداتهم ، و هم مأمورون بموالاتنا و الرجوع إلى الجماعة ) . [ الاعتصام ، للشاطبي : 1/120 ].

و قال الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني رحمه الله حكايةً عن أهل السنّة : ( و يبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ، و لا يحبونهم ، و لا يصحبونهم ) . [ عقيدة السلف أصحاب الحديث ، للصابوني ، ص : 118 ].

و وصفهم بأنهم ( يحابّون في الدين ، و يتباغضون فيه ، و يتقون الجدال في أصول الدين ، و الخصومات فيه ، و يجانبون أهل البدع و الضلالات ، و يعادون أصحاب البدع و الأهواء المرديات الفاضحات ) .

[ عقيدة السلف أصحاب الحديث ، للصابوني ، ص : 117 ].

و قد تحقق معنى البراءة من أهل الأهواء عند سلفنا الصالح فأعرضوا عنهم ، و أعلنوا البراءة منهم ، و أذاعوا بين الناس كراهيتهم و بغضهم .

فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ( ما في الأرض قوم أبغض إليّ أن يجيئوني فيخاصموني من القدريّة في القدر ، و ما ذاك إلا أنّهم لا يعلمون قدر الله ، و أنّ الله عزّ وجل لا يُسأل عمّا يفعل و هم يُسألون ) . [ رواه الآجري في الشريعة برقم 213 ].

و عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال في أهل القدر : ( أخبرهم أني بريء منهم ، و أنهم مني براء ) .
[ رواه البغوي في شرح السنّة ( 1/227 ) و روى نحوه عبد الله بن الإمام أحمد في شرح السنّة ( 2/420 ) و رواه الآجري في الشريعة ، ص : 205 ، و اللالكائي ( 2/588) و غيرهم ] .

و قال الفضيل بن عياض : ( الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف ، و لا يمكن أن يكون صاحب سنّة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق ) .

[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة ( 2/456 ) و اللالكائي ( 1/138 ) و في كلام الفضيل تضمين لحديث ( الأرواح جنود مجنّدة ... ) المخرّج في صحيحي البخاري ( كتاب أحاديث الأنبياء ، باب الأرواح جنود مجندة ) و مسلم ( كتاب البر و الصلة ، باب الأرواح جنود مجندة ) و الحديث رواه أحمد أيضاً و غيره ]

و قال رحمه الله أيضاً : ( من أحبّ صاحب بدعة أحبط الله عمَله ، و أخرج نور الإسلام من قلبه ) .
[الإبانة الكبرى ، لابن بطة ( 440 ) و اللالكائي ( 263 ) و الحلية لأبي نعيم ( 8/103 ) و البربهاري ، ص : 138 و إسناده صحيح ]
و كان يقول : ( أحب أن يكون بيني و بين صاحب بدعةٍ حصن من حديد . آكل عند اليهودي و النصراني أحب إليّ من صاحب بدعة ) .[ رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد : 2/638 ] .

و عن أوس بن عبد الله الربعي أنّه كان يقول : ( لأن يجاورني القردة و الخنازير في دار ، أحب إليّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء ) . [ رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد : 1/131 ، و ابن بطة في الإبانة الكبرى : 2/ 467 ].
و قال عبد الله بن عون : ( لم يكن قومٌ أبغض إلى محمّدٍ من قومٍ أحدثوا في هذا القدر ما أحدثوا ) ، يريد محمد بن سيرين . [ الشريعة ، للآجري ، ص : 219 ].

و دُعي أيوب السختياني إلى غسل ميّت ، فخرج مع القوم حتى إذا كشف عن وجهه عرَفه ، فقال : ( أقبِلوا قِبَل صاحبكم ، فلست أغسله ، رأيته يماشي صاحب بدعة ) . [ رواه ابن بطة في الإبانة الكبرى : 2/ 467 ].

قلتُ : إن البراءة من أهل الأهواء و البدع ليست قاصرةً على اعتقادٍ قلبيٍ ، أو مقال باللسان ، بل هي منهج حياةٍ له ، معالمه و دلائله .

و من دلائل البراءة من القوم مخالفتهم ، فلا يكون المرء متبرّئاً بحق ما لم يخالف المتبرَّأ منه في نهجه ، و مسلكه .
و أعظم المخالفة للمبتدعة التمسك بالسنّة التي نبذوها ، و اتخذوها وراءهم ظِهريّاً ، قال العلامة البربهاري : ( و من عرف ما ترك أصحاب البدع من السنّة ، و ما فارقوا فيه فتمسك به ، فهو صاحب سنّة ، و صاحب جماعة ، و حقيق أن يتبع ، و أن يُعان ، و أن يحفظ ، و هو ممّن أوصى به رسول الله صلى الله عليه و سلّم ) .[ شرح السنّة ، للبربهاري ، ص : 107 ].
و قد كان من مخالفة السلف الصالح للمبتدعة ترك مالا بأس به ، خوفاً مما به بأس ، و كانوا يتحرّزون عن العمل و إن لم يكن به بأس ، خوفاً ممّا به بأس .[ انظر : الأمر بالاتباع ، للسيوطي ، ص : 25 ].
قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : ( كنّا نضحي عن النساء و أهلينا ، فلمّا تباهى الناس بذلك تركناها ) . [ انظر: الحوادث و البدع للطرطوشي ، ص : 25 ].

فانظر – رحمك الله – كيف تركوا الأضحية عن النساء و الأهلين – و هي سنّة على أقل الأقوال – لمّا أحدث الناس المباهاة بها .

قال الإمام الطرطوشي رحمه الله تعالى : ( اقتحم الصحابة ترك السنّة حذراً ، أن يضع الناس الأمر على غير وجهه ) .[ الحوادث و البدع للطرطوشي ، ص : 25 ].

و من دلائل البراءة من المبتدعة انتقاصهم و احتقارهم و التعرّض لهم بالإهانة و هتك الأستار ، و بيان ما يحذرهم الناس بسببه ، و عدم توقيرهم كي لا يغتر بهم العامة فينزلوهم منزلاً ليسوا أهلاً له .

لذلك كان أئمة السلف يحتقرون المبتدعة ، و يهينونهم ، و حكى الإمام الصابوني أنّ أهل السنة اتفقوا على القول بقهر أهل البدع و إذلالهم و إخزائهم و إبعادهم و إقصائهم و التباعد منهم و عن صحبتهم و عن مجادلتهم ، و التقرّب إلى الله ببغضهم و مهاجرتهم ) .[ عقيدة السلف أصحاب الحديث ، للصابوني ، ص : 130 ].

و من علم وجه تحقير المبتدعة و عدم توقيرهم و عظم ما يستلزمه عدّه من الواجبات ، قال الإمام الشاطبي رحمه الله في تعظيم صاحب البدعة و المشي إليه : ( إن المشي إليه و التوقير له تعظيم له لأجل بدعته ، و قد علمنا أن الشرع يأمر بزجره و إهانته و إذلاله ، بما هو أشد من هذا ، كالضرب و القتل ، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام ، و إقبالاً على ما يضاده و ينافيه ، و الإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به و الإيمان بما ينافيه ، و أيضاً فإن توقي صاحب البدعة مظنّة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام :

إحداهما : التفات العامّة و الجهّال إلى ذلك التوقير ، فيعتقدون في المبتدع أنّه أفضل الناس ، و أن ما هو عليه خيرٌ ممّا هو عليه غيره ، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته ، دون اتباع أهل السنّة على سنّتهم .

و الثانية : أنّه إذا وُقّر من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كلّ شيء ، و على كلٍّ حال ، فتحيا البدع ، و تموت السنن ، و هو هدم الإسلام ) .[ الاعتصام ، للشاطبي : 1/114 ].

و لذلك قال إبراهيم بن ميسرة : ( من وقر صاحب بدعة ، فقد أعان على هدم الإسلام ) .
[ رواه اللالكائي ، برقم 273 . و نسبه أبو شامة في الباعث ، ص : 17 ، و السيوطي في الأمر بالاتباع ، ص: 18 إلى محمد بن أسلم ، و الشاطبي في الاعتصام : 1/113 إلى هشام بن عروة ، و رواه الذهبي في الميزان مرفوعاً عن ابن عبّاس بإسناد فيه بهلول بن عبيد الكندي الكوفي ، و هو ضعيفٌ ذاهب الحديث ، راجع الميزان : 1/355 ].

و قال سفيان الثوري رحمه الله : ( من سمع مبتدعاً لم ينفعه الله بما سمع ، و من صافحه فقد نقض الإسلام عروةً عروةً ).[ الأمر بالاتباع ، للسيوطي ، ص : 19 ].

و من هذا المنطلق قال طاووس لمّّا رأى مَعبد الجهني يطوف بالبيت : ( هذا معبد فأهينوه ) .
[ رواه اللالكائي : 1/114 ] .

يوسف التازي
23-01-15, 06:53 PM
فلا توقير ، و لا مصافحة ، بل يهان المبتدع ، و لو كان في أقدس الأماكن ، و لو تحت أستار الكعبة ، فما أعظم جريرته !!
و لو تبرّأ أهل السنة من المبتدعة و أعرضوا عن توقيرهم و احترامهم لخنس هؤلاء ، و صار حالهم كحال بني إسرائيل إذ ( ضربت عليهم الذلّة و المسكنة ) .

قال الإمام الشاطبي رحمه الله : ( كل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته ، و إن ظهر لبادئ الأمر في عزّه و جبروته ، فهم في أنفسهم أذلاء ، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين ، و فيما بعد ذلك ؟! حتى تلبسوا بالسلاطين و لاذوا بأهل الأرض ، و من لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته ، و هرب بها عن مخالطة الجمهور ) ,[ الاعتصام ، للشاطبي : 1/126 ].

و لمّا تبرأ الخيار من أهل البدع و دعاتها ضنوا عليهم بالسلام و المجالسة و التوقير ، و كلّ حقوق المسلم ، بل ذهبوا أبعد من ذلك فتبرأوا من علومهم ، حتى لم يكونوا يعلّمونهم أو يتعلّمون منهم خشية تسلل شبهاتهم و أهوائهم إلى من سواهم .

و خشية من هذه المفسدة ، و درءاً لها أعرض السلف عن علوم المبتدعة ، و لم يأتمنوهم على شيء من دين الله ، و هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله : ( إنّ الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ، و لا يصلى خلفهم ، و لا يؤخذ عنهم العلم ) .[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 28/205 ].

قال يوسف ابن أسباط : ( ما أبالي سألتُ صاحب بدعة عن ديني ، أو زنيت ) .
[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة : 2/459 ].

و عن سلام بن أبي مطيع أن رجلاً من أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني : ( يا أبا بكر ! أسألك عن كلمة ) ؟ قال أيوب – و جعل يشير بإصبعه - : ( و لا نصف كلمة ، و لا نصف كلمة ).

[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة : 2/447 ، و شرح السنّة ، للبغوي : 1/227 ].
و عن أسماء – جدة سعيد بن عامر – قالت : دخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين فقالا : يا أبا بكر : نحدثك بحديث ؟ قال : ( لا ) .
قالا : فنقرأ عليك آية من كتاب الله ؟

قال : ( لا ، لتقومان عنّي أو لأقومنّ ) .
[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة : 2/446 ].

و لمّا كانت شبه القوم و ضلالاتهم و أقوالهم الفاسدة مبثوثة في كتبهم حتى تكاد تغص بها ، و تفيض من بطونها ، تبرّأ سلفنا من كتب أهل البدع ، فذمّوها و نفّروا منها .

قال ابن قدامة : ( كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع ، و النظر في كتبهم ) .

[ الآداب الشرعيّة ، لابن مفلح : 11/232 ].
و قال العلاّمة ابن القيّم : ( لا ضمان في تحريق الكتب المضلّة و إتلافها . قال محمد بن نصر المروزي : قلت لأحمد : استعرت كتاباً فيه أشياء رديئة أترى أن أخرقه أو أحرقه ؟

قال : نعم ! فأحرقه ، و قد رأى النبي صلى الله عليه و سلّم بيد عمر كتاباً اكتتبه من التوراة ، و أعجبه موافقته للقرآن ، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه و سلّم ، حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه ... و كلّ الكتب المتضمنة لمخالفة السنّة غير مأذون فيها ، بل مأذون في محقها و إتلافها ، و ما على الأمّة أضرّ منها ، و قد حرّق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لِما خافوا على الأمّة من الاختلاف ، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف و التفرّق بين الأمّة ؟! ) .

[ الطرق الحكميّة في السياسة الشرعيّة ، لابن قيّم الجوزيّة ، ص : 275 ].

فانظر – رحمك الله – كيف أنّ البراءة من البدعة و المبتدعة استلزمت التبرؤ حتى من علومهم و كتبهم ، لما بث فيها من السموم و الضلال .
و لكي نكون منصفين في مذهبنا إلى البراءة من أهل الأهواء و البدع لا بد من ضبط ذلك بضابط على قدر من الأهميّة و هو :
وجوب العدل و الإنصاف في الحكم على المبتدعة

أمرنا الله تعالى بلزوم العدل مع الخصوم و المخالفين ، فقال : ( يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة : 8 ].


و إذا كنّا عادلين في باب البراءة من المبتدعة و بغضهم و مباينتهم ، فلا بد أن يكون ذلك بحسب البدعة المتَلبَّس بها ، مع موالاتهم و محبتهم لما فيهم من الخير و البر من جهات أخرى ، هذا في حال كون البدعة غير مكفّرة ، و غير منافيةٍ لأصول أهل السنّة و الجماعة المتفق عليها ، فيكون ( الحب و البغض بحسب ما فيهم من خصال الخير و الشر ، فإنّ العبد يجتمع فيه سبب الولاية و سبب العداوة ، و الحب و البغض ، فيكون محبوباً من وجه ، و مبغوضاً من وجه ، و الحكم للغالب ) .

[ شرح العقيدة الطحاويّة ، لابن أبي العز الحنفي ، ص : 434 ].

و هذا مقتضى العدل ، و قد قرره شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في قوله : ( إذا اجتمع في الرجل الواحد خير و شر ، و فجور و طاعة و معصية ، سنة و بدعة ، استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير ، و استحق من المعاداة بقدر ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام و الإهانة ، فيجتمع له من هذا و من هذا ، كاللص الفقير نقطع يده لسرقته ، و يُعطى من بيت المال ما يكفي حاجته ، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنّة و الجماعة ) .
[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 28/209 ]

و أختم هذه الرسالة بما أدين الله تعالى به و هو قولي :

إنّ أهل البدع ليسوا على درجةٍ واحدةٍ ، ففيهم المبتدع الكافر ببدعته ، و فيهم الفاسق بتلبسه بها ، و فيهم الداعية إليها ، و غير الداعية ، و فيهم المعذور بجهله أو اجتهاده ، و غير المعذور ... شأنهم في ذلك شأن أهل الإيمان عند من قال إنّه يزيد بالطاعة و ينقص بالعصيان [ و هو مذهب جمهور أهل السنة خلافاً للحنفيّة . انظر : شرح الطحاويّة ، ص : 335 و ما بعدها ] ، فلا بد أن يُنزل كلّ إنسان منزلته ، و يُحلَّ محلَّه ، و يأخذ حقّه من المعاملة ولاءً و براءً .
و هذا هو الميزان السليم ، و الصراط القويم ، و القسطاس المستقيم ، و بالله التوفيق .


كتبه
د . أحمد عبد الكريم نجيب