المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين إصلاح الوحي وإفساد الفكرة البشرية


محمد أمين المشرفي الوهراني
28-01-15, 09:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



بين إصلاح الوحي وإفساد الفكرة البشرية





أيها القراء الكرام ليس الغريب في حياة الناس أن تكون النزاعات والخلافات على الدنيا هي موضوع الجرائد, بل ذلك ـ عادة ـ هو ينبوعٌ من أحسن ينابيعها حتى إذا ما تعطلت هذه أصاب الناس عطش فيا له من عطش... , وإن مما يحاوله هؤلاء!! في هذه الآونة الأخيرة هو: فتح سوق للخصومات الدينية والمهاترات , يصبح ويمسي وقد بيّض الشيطان فيه وفرّخ ، كغيره من الأسواق , تجارته الجدال والمراء , وأثمانه التعيير بالعيوب والتشويه بالحق والباطل , ورأس ماله الانتصار للنفس وحب الظهور, ولا تسأل بعد ذلك عن فوائده فهي محض الربا , نعم بارك الله فيك إلا من رحم الله و قليل ما هم , ولكم يُؤسَف عندما يُعلم أن قراءها هم جمهور الأمة فضلا عن أعيانها, فكان الحتم اللازم القضاء عليها بسير حكيم , وعقلٍ يرى ما بعد الأيام عواقبها , وأن تكون يدا تكف الفساد وتغرس بذور الصلاح , بل وتسقيها وتحوطها حتى تستوي أمتنا كالحبة في جنب السيل , إلا أن ذلك ـ وما أحوجها المسكينة إلى ذلك , قد ضل وتاه في ركام مصطلحات الحرية التي باتت تستر كثيرا من الضمائر وتحجبها , فقننت قانونا في عقول الشعوب وأفكارها , ثم إذا ما أفسد هذا القانون شيئا لم تعرف الأمة له علاجا , بل حتى دولة القانون المسلمة لا تكاد توقف فتنته إلا بالذلة والصغار أحيانا أو بالحديد والنارـ كما يقال ـ أحيانا أخرى , أوتنجو منهما بحسن السياسة والتدبير ولكن إلى متى ؟ , فالفكرة إذا كانت طبعا في الإنسان لم يكن من الإصلاح تأصيلها والعمل على إذكاءها وإنمائها إلا إذا كان في هذا الطبع فساد فيعالج بقدر ما يحتاج , لذلك أنت ترى أن النفس البشرية قد طُبع غالبها على حب المال مثلا فكانت شريعةُ اللهِ الخالدةُ قد رعت هذه الرغبة الجامحة في الإنسان فلم يأت في الترغيب فيها ـ على ما أتى ـ مثلما ورد في التزهيد فيها والتخويف من مسؤولياتها , وكذلك في معالجة الطباع الفاسدة بما يليق ما حكاه أهل العلم والاستنباط في الحكمة من تشريع القوة في رسالة موسى, والرفق في رسالة عيسى, والجمع بينهما في دين محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام , "فحق الشعوب" لا تعرفه الشعوب الجاهلة بالحق , وإنما تكشف عن ذلك عين المصالح والمفاسد ـ سواء للفرد أو للمجتمع ـ التي ينظر من خلالها أهل السياسة النبلاء الشرفاء , وأهل الحنكة الخبراء , وأهل العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله , وهذان الصنفان أعني العلماء والأمراء بهما قوام الدولة ، وبصلاح أفكارهم وأعمالهم تنصلح شعوبهم وأممهم والعكس بعد ذلك يكون , ثم هذا الأخير من القول مثاله لا ينحصر، بل هو في كل الصناعات والأبواب التي يحتاجها الناس في معاشهم ومعادهم, فالطب مثلا لا بد أن يتكلم فيه أهل الطب لا كل الناس , ثم تبقى القضية بعدُ في أحسن الأطباء والعبقري الذي يفري الفرى , وأما فتح الباب لكل دخيل" باسم الحرية" .. فهذه هي الأزمة التي اجتاحت الضمائر وأنطقتها بالباطل و بلا سحر إلا سحر الدنيا الدنيء الذي لا يؤثر إلا في كل دنيء, فالنظر الكامل السديد إخواني العقلاء ـ بعد المعادلة التي طرحها الغرب الفاسد المفسد فأثمرت عزه بذلنا وغناه بفقرنا وفرحه ببكانا وطمأنينته بخوفنا وانتصاره بهزيمتنا , في سر الحياة و سر النجاة وفي سر الموت وسر الهلاك عبر تاريخ أمة الإسلام بل عبر تاريخ جميع الأمم, فالانحطاط يبدأ من الفكرة البشرية وإن كانت تبدو في أوائلها مثمرة تعلي أصحابها علو الكذب على الصدق وقد عرف الناس أن الكذب ليس بشيء وأنه مهما ارتقى في المعالي فستثقل عليه الابتلاءات ويكثر حوله الرأي لأنه هو الذي فتح بابه ثم ترجعه جناياته الوخيمة إلى سراديب الذلة والصغار, وأما الصدق فهو الحق وهو وحي السماء الذي ما قامت على أساسه أمة إلا رفعها هذا الحبل المتين إلى أعلى عليين , فالصدق أساسه في السماء وهي مثلُ العالي في كل الأمور, والأرض أساس الفكرة البشرية وقد أضحت بئس المثل تجتمع فيه معاني التأخر والهوان والصغار , فهذه الجرائد ومثلها القنوات الفضائية والإنترنت وغيرها لابد فيها من نظرة حكيمة قصدها رحمة الشعب وإصلاحه ولا تكون إذا كانت إلا من وحي أرحم الراحمين وأما النظرة البعيدة عنه ، القائمة على محض العقل والفكر فما تزيدنا غير تخسير وتهوي بأصحابها إلى مغبة الغاب وعيش الوحش والواقع ينبئك بصمته الصارخ وبأعظم مما تسمع ...ولعلكم تعقلون، والحمد لله الحميد المجيد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.