المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنطلق إلى الفكر العربي النحوي ومناقشة مقررات العالم الألماني اليهودي


عمر الحويطي
18-02-15, 08:15 PM
للكاتب العراقي : احمد العكلة
متخصص في اللغة العربية ورسم المصحف

المنطلق إلى الفكر العربي النحوي , ومناقشة مقررات العالم الألماني اليهودي براجشتراسر

نبدأ من نظريات نشأة اللغة , الذين حشروا أنفسهم في هذا البحث ارتكبوا خطأين فكريين, الأول: أنهم ظنوا أن اللغة نتاج بشري , وإنما اللغة مقوم من مقومات الإنسان , تولد بمولده , وتوجد بوجوده , الثاني : أنهم فصلوا بين الفكر واللغة , إذ لا يمكن لإنسان أن ينتج لغة من غير فكر , فإذا قام الفكرُ فاللغة تحصيلُ حاصلٍ لذلك رُدَ عليهم .
وهذا الخطأ نابعٌ من تضييع القاعدةِ المنطقية الكبيرة "الاستلزام والاقتضاء" وهي علاقة تربط بين السبب والنتيجة , والفكر العربي بل الإنساني قائم على هذين الركنين , فالسبب يستلزم نتيجة , والنتيجة تقتضي سبباً , وغياب هذا التصور والتفريط به أوقع الناس في التناقض في المسائل العقدية واللغوية , وأبرز مظهر من مظاهر فقدها في اللغة تبدو في انتظام "الجملة الفعلية "على حد قول النحاة - رحمهم الله - وقد بين الأصوليون ذلك فقالوا : إن علاقة الفعل بالفاعل علاقة اقتضاء , وعلاقته بالمفعول علاقة استلزام , وسنأتي على تفصيل ذلك ببيان أهميته إن شاء الله في موضعه.
وعلى هذا اتفاق الباحثين أن اللغة واحدة فتفرعت إلى ما هي عليه ألآن, وهذا يدفعنا إلى معرفة أي اللغات هي اللغة ألأم ؟ أو أقربها إلى اللغة ألأم ؟ ولتحصيل هذا المطلب العالي لا يسعني إلا أن اسلك طريق العالم النافع , والمحقق اللامع , "براجشتراسر" في كتابه الرائع "تطور النحو العربي" ولو سَلِمَ فكرُ براجشتراسر من آفتين فكريتين بنى عليهما أحكاماً مسبقةً لكان كالذي جُمِعت بين يديه اللغات وطوعت له أعنتها الأولى : انه يقيس قوة اللغة على قوة الحضارة , والثانية : انه يرى أن اللغة في تطور بينما هي في نزول .
يقول براجشتراسر ص 205 (( إن لغة البدو القديمة كانت أدنى بكثير من لغة المتأخرين, من جهة بعض تلك الأغراض , فإن لغة البدو وإن كانت حسنة , بارعةُ الحسنِ في وصف حياة البدو , و كل ما يهمهم , غنية غناً باهراً في جميع ذالك , عجيبة الإيجاز والقوه في تمثيل المراد أمام السامعين , كأنه حي حاضر فهي مع كل ذالك لا تكفي في تأدية أحوال الأقوام المتمدنين (المتمدينين كذا في الأصل) و حاجاتهم , و خصوصا أفكارهم الدينية و الفلسفية و العلمية وغير ذالك. )) انتهى كلامه .
وبأدنى تأمل يتبين لك أنه قدم أدلة لا تتناسب مع الحكم بل تنقضه , فكيف يقول ( كانت بارعة الحسن ......غنية غنى باهرا .. عجيبة الإيجاز والقوة , تمثل المراد أمام السامعين كأنه حي حاضر) ثم يقول ( فهي مع ذلك لا تكفي في تأدية أحوال الأقوام المتمدنين ) وهذا الحكم السوداوي كان سائدا في زمنه , وطبل له كثير من المأجورين ممن ينتسب إلى العرب والى لغتهم, وقد رد حافظ ابراهيم (رحمه الله )بقصيدة رائعة تغنينا عن الإطالة يقول عن لسان اللغة ( رموني بعقم في الشباب وليتني ...... الخ )
أما عنوان الكتاب ( التطور النحوي للغة العرب) فمن قرأ الكتاب بتمعن يتأكد بان اللغات في نزول , أما العربية فقوله (( إن اللغة العربية رغما لطول الزمان الماضي عليها قبل بروزها في ميدان التاريخ قد حفظت الحروف الأصلية حفظاً أتم من سائر اللغات السامية الأخرى)) ص 23 فقوله "حفظت" دليل أن الأصل أقوى من الفرع وان اللغات في نزول عن الأصل.
وقوله ص 61(( فبقيت الحركات السامية على العموم سالمة على حالها في اللغة العربية)) قوله "سالمة " تناقض عنوانه "التطور" فتأمل ...
ويقول ص 94 (( وأما الأفعال المعتلة فتمسكت العربية فيها بالصيغ القديمة السامية الأصل في أكثر الحالات)) وفي ص 95 (( إن أقدم الأسماء صيغة هي الأسماء الثنائية , والعربية حافظت على بنائها الأصلي في كثير منها))132-133 ((غير أن العربية حسب ما لها من الميل إلى التقييد وضعت لتقديم الخبر في الجملة الاسمية قواعد اثبت مما يوجد في سائر اللغات السامية.
و في ص 171 يقول (( وذالك لثبات القواعد النحوية ووضوحها الرافعين للعربية فوق أخواتها السامية)) لكنه مع هذا وغيره يَعتقد أن العربية لغة متأثرة بما حولها خصوصا الفارسية , لا لتحقيق ثبت عنده , بل لحكم مسبق معتمدا على البداوة والمدنية . يقول في ص 211( والسبب في تأثير هذه اللغات بالأخص في اللغة العربية هو أنها كانت لغات الأقوام المتمدنة) وهذا الربط المتخيل في ذهن "براجشتراسر" بين اللغة والمدنية أوقعه في عجز وتخبط , جانَب فيه الحقيقة الناصعة , كلُ ذلك انه كَبُرَ عليه تصور أن العربية أعرق من أخواتها المجاورات لها .
أما العجز . فهو يعتقد أن السين في كلمة (ليس) أصلها " ثاء " أو تاء باعتبار أن العربية متأثرة دائما وقد أخذت(ليس) من الآرامية .
قال ((وقيام السين في (ليس) مقام الثاء نقض لقوانين الأصوات السامية . ولابد له من سبب ولا نعرفه))ص169 .
وقد تقدم قوله أن العربية حافظت على الأصوات الأصلية أتم حفظ , فما المانع أن تكون السين هي الأصل وقد قلبت ثاء في ألآرامية , والذي يؤكد ذلك قوله (وأما السين والشين فكانتا في الأصل ثلاثة أحرف: سينا , وشينا , وثالثا لا نعرف نطقه الأصلي تماما.......فانا نجد السين بقي نطقها على ما كان عليه)ص24.
وقوله (( فمن المحال أن تكون العرب بدلت الشين بالسين))ص 25 , وهذا واضح لمن تدبره .
أما التخبط فهو قريب من عجزه هذا , لأنه يعود إلى نفس السبب , وهو انه يعتقد جازما أن العربية أدنى من غيرها , لذلك يُشِكل عليه أن تكون هي اللغة الأصل , ويذهب إلى أنها ابتٌكِرت وابتُدِعت وطُورُت ولا يقول وُرثت ,لأنه لو قال ورثت فقد اعترف لها بالأصالة ولو اعترف لها بالأصالة انتقض معتقده وتاريخه , وهذا ما يصعب عليه وهذا يتضح من قوله ((فأما أصل هذه الكلمات الكثيرة الخاصة بالعربية , فقد مال بعض العلماء إلى أنها أو أكثرها سامية أصلية أيضا , سقطت من كل اللغات السامية غير العربية , وهذا بعيد عن الاحتمال في الغاية , ولا يجوز افتراضه إلا على فرض كون اللغة العربية اقرب إلى اللغة السامية الأم من أخواتها , وحتى كونها هي اللغة الاصليه بعينها . وقد بينا في مواضع كثيرة أن هذا من الأوهام التي لا سبب لها, فان اللغة العربية ترقت ترقيا أكثر من أخواتها , و ارتفعت إلى درجه فوق درجتها , فكيف يمكن أن تكون مع ذلك اقرب إلى أوائل اللغة منها ؟))
فأنت ترى قوله يحصر العربية بين الرقي أو الأصالة . والحق أن رقيها تبعا لأصالتها , والخلاصة أن تحقيقه ينقض أحكامه مع إن طريقة تحقيقه عجز عنها الباحثون العرب وتستحق منا كل الاحترام والتقدير وعلينا أن نتبعها ونطورها
والله جل ثناؤه يقول((بلسان عربي مبين ïپ« وانه لفي زبر الأولين))الشعراء 195-196