المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الذكر مصحوبا بالرقص ... رد على الصوفية


د محمد الجبالي
23-02-15, 01:16 PM
الذكر مصحوبا بالرقص
رد على الصوفية

إنَّ ذكر الله لابد أن يصاحبه استحضار عظمة الله في القلب ، فيتبعه خشوع القلب وسكون الجوارح ، وقد تذرف العين الدمع رهبة وخوفا ، أو رغبة وطمعا ، قال الله تعالى: " وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ".

إن أثر الذكر في القلب عظيم شديد ، اسمع لربك يصف حال الذاكرين: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"

أما الرقص ذاته فإنَّ الرجل الراقص يفقد الْمَرُوءة ، وتسقط هَيْبَتُه ، وتنمو في الرجل بسبب الرقص صفات الْمُيُوعة واللُّيونة ، كما يغرس الرقص في قلب الرجل البرود ، وضعف الهمة ، وقعود النفس عن طلب العزائم.

أما الرقص والذكر فإنهما نقيضان لا يجتمعان ، فإن اجتمع الذكر والرقص في هَيْئَةٍ غَلَبَ الرقصُ الذكرَ ، وطغا عليه حتى يفقد الذاكر أثر الذكر في القلب والنفس ، فلا يبقى في الراقص إلا آثار الرقص من الْمُيُوعة واللُّيونة سقوط الْمُرُوءة والهيبة.


أما ما نراه في حلقات الصوفية من الرقص مع الذكر فذلك من بِدَعِهم المنكرة.

فإنْ زَعَمُوا الرقص مُبَاحٌ ؛ لأنَّ الحبشة رقصوا أمام رسول الله ، فإنَّ الحبشة كانوا يلعبون بالرماح ، ويتراقصون بها بحركات الحرب والمنازلة ، فلم يكن رقصا ماجنا ، ولا مائعا لينا ، كما نشهد في حلقات الصوفية ، قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: " وَاسْتَدَلَّ قَوْم مِنْ الصُّوفِيَّة بِحَدِيثِ الْبَاب عَلَى جَوَاز الرَّقْص وَسَمَاع آلَات الْمَلَاهِي ، وَطَعَنَ فِيهِ الْجُمْهُور بِاخْتِلَافِ الْمَقْصِدَيْنِ ، فَإِنَّ لَعِب الْحَبَشَة بِحِرَابِهِمْ كَانَ لِلتَّمْرِينِ عَلَى الْحَرْب فَلَا يُحْتَجّ بِهِ لِلرَّقْصِ فِي اللَّهْو"


فإنْ قالوا إنَّ الذكر عبادة ونحن نتعبد الله بذكره ، فإنَّا نقول لهم : إنَّ الله أمرنا أن نعبده كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنَّ الأصل في العبادات التوقف ، فليس لأحد أنْ يُشَرِّعَ عبادة قَطْ بعد النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: " من أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ " أي مَرْدُودٌ على صاحبه باطل.

واسمع لربك يَزْجُر ويُوَبِّخُ مَنْ يَزْعُمُ تَشْرِيعا أو يَسُنُّ سُنَّةً لم يأمر بها الله ولا رسوله قال عز وجل: " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ" أي أن التشريع لله وحده ، ليس من حق أحد غير الله وغير نبيه أن يُشَرِّعَ عبادة أو يَسُنَّ سُنَّة.

فإنْ قالوا إنَّ عمر رضي الله عنه جعل التراويح 20 ركعة في جماعة ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنَّ هذا الزعم مَرْدُودٌ بحديثين صحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
الأول: قوله صلى الله عليه وسلم : " قال: صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى فإذا خِفْتَ الصبح فَأَوْتِرْ بواحدة" فلم يحدد صلى الله عليه وسلم عدد الركعات فللمسلم أن يقوم الليل ، ويصلي ما شاء أن يصلي.


والثاني قوله صلى الله عليه وسلم: " أن تتقوا الله وتتبعوا سُنَّتي وسُنَّةَ الخلفاء من بعدي الهادية المهدية وعُضُّوا عليها بالنَّوَاجِذ ، واسمعوا لهم وأطيعوا، وإنَّ كُلَّ بِدْعَة ضلالة "
فقد أَقَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم عمل الصحابة والخلفاء الراشدين بعده ، وأمرنا أنْ نَسْتَنَّ بهم ونقتدي.
وليس لأحد بعد الصحابة - مهما بلغ من العلم والفضل - أنْ يزعم عملا أو يَسُنَّ سُنَّةًلم يفعلها رسول الله ولا الصحابة الكرام.

إنَّ الذكر أعلى وأعظم العبادات أجرا وفضلا ، وأرفع المؤمنين مكانةً في الجنة هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات، فإنْ لم يَصْحَبْ ذكرَ الله خُشُوعُ القلب، وتَفَكُّرٌ في آلاء الله وآيات قدرته، فقد انتقص أجر الذاكر، والله أعلم.

أما إنْ صَاحَبَ الذِّكْرَ الرَّقْصُ ، أو قَارَنَ الرَّقُصُ الذِّكْرَ ، فإنَّ ذلك باب من أبواب سوء الأدب مع الله ، وباب من أبواب قسوة القلب ؛ إذ أنَّ اللسان يذكر ، والقلب لاهٍ عابث.
أما أن يزعم أحدهم أنَّ الرقص مع الذكر عبادة ، ويسوق إليها غيره ، فيقتدوا به فإنه لا شك يحمل وِزْرَها ، وَوِزْرَ مَنْ اسْتَنَّ بها ، والحديث في ذلك ثابت.

وذكر الألوسي أنَّ العز بن عبد السلام سُئِلَ عن استماع الإنشاد في المحبة والرقص فقال : الرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل فلا يصلح إلا للنساء.... وقال: أما الرقص والتصفيق فَخِفَّةٌ ورُعُونَة مشبهة برعونة الإناث لا يفعلها إلا أرعن أو مُتَصَنِّعٌ كذاب.

وقال القرطبي في تفسير قول الله تعالى: " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا" استدلّ العلماء بهذه الآية على ذمّ الرّقْص وتعاطيه . قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل : قد نصّ القرآن على النّهي عن الرقص فقال : " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا"

وقال أبو بكر الجزائري في تفسير قول الله تعالى: "وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً" الآية تدل على كراهية الصفير والتصفيق ، وبطلان الرقص في التعبد.

أخوكم د. محمد الجبالي