المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حـلـقـات: مـزالـق فـي الـتـحـقـيـق


محمد الأمين فضيل
13-09-02, 06:16 PM
مزالق في التحقيق (الحلقة الأولى)
قراءة في كتاب: «الداء والدواء» تحقيق الشيخ: علي الحلبي

بقلم: عبدالله بن محمد الشمراني


تحظى كتب التراث الإسلامي في عصرنا هذا باهتمام بالغ على مستوى المؤسسات العامة والخاصة، وانتعشت حركة التحقيق في السنوات الاخيرة إلى درجة كبيرة، ولله الحمد.
ومع ذلك نجد مزالق عدة في طرق التحقيق، وهي أمور ما كان ينبغي أن تظهر، ولا سيما ما يترتب عليها من مفاسد، سيأتي بيانها، لذا أحببت التنبيه على بعضها هنا على حلقات ستنشر تباعاً، إن شاء الله.
فأقول وبالله التوفيق:
من مزالق التحقيق الغش والتدليس الذي يمارسه بعض المحققين حيث يأتون إلى كتاب مطبوع، اجتهد أحد الباحثين في تحقيقه ونشره، فيقومون بنشر هذا الكتاب من جديد ويدّعون أنهم اعتمدوا في تحقيقه على نسخة خطية، ويؤكدون ذلك بنشر صورة منها في الكتاب .
وفي الواقع نجدهم لم يعتمدوا عليها، وقد يكونوا لم يطلعوا عليها أصلاً، والله أعلم بحقيقة الحال.
والذي يفضح هؤلاء أنك لا تجد مطابقة بين نماذج المخطوط الذي وضعوا صورته في الكتاب وبين طبعتهم من الكتاب.
ومثال ذلك: كتاب: «الداء والدواء» لابن القيم، تحقيق أخينا الشيخ: علي بن حسن الحلبي وفقه الله؛ فقد قال في مقدمة تحقيقه ل «الداء والدواء» (ص 3).
* وذلك عن نسخة مخطوطة قدمها إلي الأخ *وسمّاه*. وترى صورتها في آخر الكتاب).
هكذا دون وصف هذه المخطوطة التي ذكرها، وما مصدرها الأصلي، وكم عدد ورقاتها، وما قيمتها العلمية.. ونحوها من الأمور المعروفة عند من يحققون الكتب عن نسخة خطية.
وقد وضع هذا المحقق صورة الصفحة الأولى والأخيرة من هذا المخطوط في آخر تحقيقه (ص 376 377).
وعند المقابلة بين الصفحتين وما يقابلهما من طبعته من الكتاب؛ نعلم أن المحقق لم يعتمدها في تحقيقه المزعوم.
وهذا نص افتتاحية النسخة الخطية المعتمدة التي وضع صورتها:
(بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم.
ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في: رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها استمرت به أفسدت دنياه وآخرته....).
وهذا نص افتتاحية نسخته المطبوعة:
(بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
*.
* استمرت به أفسدت *عليه* دنياه وآخرته....).
وعند المقارنة بدون أدنى تأمل ستجد أنَّ ما وضعته لك بين معكوفين موجودٌ في نسخته المطبوعة، وهو غير موجودة في النسخة المخطوطة، وجملة: (رب يسر وأعن يا كريم). موجودة في المخطوطة المعتمدة، وهي غير موجودة في نسخته المطبوعة.
وعند المقارنة بين آخر النسخة المخطوطة، وآخر النسخة المطبوعة ستجد مثل ذلك، مما يجعلك تجزم بأنَّ المحقق غفر الله لنا وله لم يعتمد هذه المخطوطة، والله أعلم هل رآها كاملة، وهي في حوزته، أو لا؟
وهذا نص خاتمة النسخة الخطية المعتمدة التي وضع صورتها:
(وصلى الله على سيدنا، ومولانا، وحبيبنا، وشفيعنا محمد، وآله الطيبين الطاهرين... وحسبي الله ونعم الوكيل...
وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب المبارك: سابع شهر... وصلى الله على سيدنا محمد...
وإن تجد عيباً فسد الخللا
وهذا نص خاتمة نسخته المطبوعة:
(وتمت الفتوى الشريفة بحمد الله وعونه.
هذه مقتطفات من خاتمة النسخة الخطيّة المعتمدة، ومن نسخته المطبوعة، وقد رأيت أخي القارىء عدم التوافق بينهما.
وإليك بعض الكلمات الموجودة في المخطوطة المعتمدة، وذكر ما يقابلها في مطبوعته؛ علماً بأنه لم يُشر إلى هذه الفروق في هوامش نسخته، وذكرت أولاً ما في المخطوطة المعتمدة، ثم ذكرت بعدها ما جاء في مطبوعته:
من أوّل الكتاب:
(قال الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب إمام المدرسة الأيوبية رحمه الله ورضي عنه فكتب الشيخ رضي الله عنه)، (الحمد لله ثبت في: «صحيح البخاري» = الحمد لله أما بعد: فقد ثبت في: «صحيح البخاري»، (رسول الله صلى الله عليه وسلم = النبي صلى الله عليه وسلم).
من آخر الكتاب:
وتحت قوله تعالى:
(رب العرش العظيم الكريم = رب العرش الكريم).
هذه عدة فروق وردت في أوّل وآخر صفحة من المخطوطة، مع ما يقابلها من المطبوعة، فكيف بباقي الكتاب؟
ولقد تمكنت مؤخراً من الحصول على صورة كاملة للنسخة الخطية التي وضع المحقق صورتها في آخر الكتاب، وتمت مقابلة عشرات الأوراق منها بما يقابلها من المطبوع، فازداد يقيني بأن المحقق غفر الله لنا وله لم يعتمدها أصلاً، بل ولم يعول عليها.
وقد يقول قائل: لعله اعتمد هذه النسخة الخطية مع نسخة أخرى، وهذا بعيد؛ إذ لو اعتمد نسخة خطية غيرها لذكرها، مع وضع نماذج لها في الكتاب، ذاكراً الفروق بين النسختين، كما يفعل المحققون في الأعمال العلمية الموثوقة.
ومما يؤكد بُعد ذلك؛ قوله عن المخطوطة التي وضع صورتها: (صورة الصفحة الأولى من النسخة المعتمدة).
و(صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المعتمدة). وتأمل قوله: (النسخة المعتمدة).
فالصورة الموجودة في آخر الكتاب هي للمخطوطة المعتمدة في التحقيق كما صرح بذلك المحقق في موضعين.
وبالتالي نعلم يقينا أن المحقق عفا الله عنا وعنه لم يعتمد هذه النسخة، بل رجع إلى نسخة مطبوعة، وأعاد صفها من جديد، ناسبا الفضل لنفسه، والله المستعان.
: (فجزاه الله تعالى خير الجزاء). فقد وضع حاشية على ذلك قال فيها:
(هذا من كلام ناسخ الأصل).
قلت: أي (أصل) يعني؟
فهذا الكلام لم يرد في المخطوطة المعتمدة عنده.
أخي القارىء:
لم أقصد في مقالي هذا المحقق بعينه، بل ذكرته نموذجاً، وإلا وقع لي غيره ممن فعل ذلك.
وقد ذكر شيخنا المحدث أبو الأشبال أحمد شاغف حفظه الله في كتابه: «التعليقات المفيدة» ( ص 11 34) أنَّ الدكتور بشار عواد وفقه الله سرق جهد العلامة عبدالصمد شرف الدين رحمه الله في تحقيقه لكتاب المزي: «تحفة الأشراف».
وقدذكر الدكتور بشار في مقدمة تحقيقه أنه رجع إلى نسخ خطية، ووضع صوراً لها في مقدمة تحقيقه.
وبين المحدث أبو الأشبال أن بشاراً اتكأ على طبعة الشيخ عبدالصمد، وأعاد صفها من جديد، بل ولم يصحح الكثير من أخطائها، التي جاءت على الصواب في النسخ الخطية التي ذكر أنه رجع إليها، والله المستعان.
وأخيرا:
هذا العلم دين، وعلينا أن نتقي الله فيه. وأستودعكم الله، إلى لقاء آخر، في الحلقات القادمة، عن مزالق في التحقيق.
للتواصل (الرياض: ص. ب: 103871 الرمز: 11616)

محمد الأمين فضيل
13-09-02, 06:18 PM
مزالق في التحقيق (الحلقة الثانية)
قراءة في كتاب: «الداء والدواء» بتحقيق الشيخ: علي الحلبي

عبدالله بن محمد الشمراني


تكلمت في الحلقة الأولى عن المزلق الأول من مزالق التحقيق وهو ادعاء بعض المحققين الاعتماد في اخراج الكتاب على مخطوط، وفي الواقع نجد ان طبعتهم مسروقة من طبعة أخرى، أو ملفقة من عدة طبعات، ولم يقابلوا الكتاب على المخطوط الذي تحدثوا عنه، ونشروا نماذج منه في الكتاب، وبينت كيفية كشف هؤلاء.
فاليوم في هذه الحلقة الثانية سأتحدث عن المزلق الثاني والثالث من مزالق التحقيق.
فأقول وبالله التوفيق:
المزلق الثاني: الإحالة إلى غير مليء، أو الإحالة إلى الفرع دون الأصل.
وأعني بهذا ان يعمد المحقق إلى توثيق النصوص الواردة في الكتاب من كتبه هو، ويترك الكتب الأصول التي أخرجت هذا النص.
فبعض المحققين يحقق كتاباً فيأتي إلى بعض نصوصه ويخرجها بكلام مختصر جداً، ويحيل على كتب له، بحجة عدم الإطالة، علماً بأنه يطيل في مواضع أخرى من الكتاب نفسه. والأصل ان يتكلم عن هذا النص في موضعه من هذا الكتاب، فقد لايتيسر الوقوف على كتابه الآخر، هذا إن كان ما أحال إليه كتاب مطبوع، أو موجود فعلياً، لا ذهنياً، (راجع المزلق الثالث: الإحالة إلى معدوم).
ومثال ذلك:
قول محقق: «الداء والدواء» - وفقه الله- (ص134):
(حديث حسن؛ انظر تخريجه وشرحه في الوجه التاسع والأربعين من وجوه تفضيل العلم في: «مفتاح دار السعادة» رقم: (1-170) للإمام ابن القيم - بتحقيقي) أ.هـ.
وقال (ص181) من الكتاب نفسه:
(أثر صحيح؛ انظر تخريجه في رسالة: «اتباع الرسول بصحيح المنقول وصريح المعقول» (ص35) لابن تيمية، وموار الأمان (ص40) لابن القيم) أ.هـ.
وقال (ص 361) من الكتاب نفسه:
(حديث صحيح؛ ينظر تخريجه في تعليقي على: «جزء اتباع السنن» رقم: (51) للضياء المقدسي) أ.هـ.
وهكذا غيره كثير، يتركون التخريج العلمي، ولو مختصراً، ويحيلون إلى كتبهم، ولو مخطوطة، بل بعضهم يحيل على كتاب له، ويصرح بأنه لم يكتمل بعد.
والسؤال العلمي الذي يطرح نفسه:
هل يسمى هذا الكلام تخريجا علميا للأحاديث، وتوثيقا منهجيا للنصوص والمسائل؟
وماذا يستفيد القارئ من هذا الكلام؟
فإذا كان القارئ حريصا على معرفة من أخرج هذا الحديث، فهو بين خيارين:
الخيار الأول: ان يبحث بنفسه في كتب الحديث لمعرفة من أخرج هذه الأحاديث.
والخيار الثاني: ان يشتري كتب هذا المحقق التي أحاله إليها، لمعرفة من أخرج هذا الحديث.
وفي كلا الحالين لم يستفد القارئ من هذا الكتاب بهذا التخريج.
وانظر: «الداء والدواء» بتحقيق أخينا الشيخ الحلبي؛ الصفحات: (6 ، 74 ، 93 ، 126 ، 132 ، 168 ، 186 ، 200 ، 202، 203، 220، 255، 276، 277، 281، 296).
فالمحقق - وفقه الله - يكتفي في تخريجه للأحاديث بالإحالة إلى كتبه، وأحياناً إلى كتب الإمام الألباني برد الله مضجعه.
وما يدخل تحت هذا المزلق (الإحالة إلى غير مليء، أو الإحالة إلى الفرع دون الأصل):
ان بعض المحققين كلما جاء موضع لأمر قد تكلموا عليه في كتبهم أشاروا إلى ذلك، فيقولون: (انظر إلى كتابي كذا) أو يقول: (انظر إلى كتاب كذا بتحقيقي) بل بعضهم يحرج القارئ بقوله: (انظر -لزاماً -إلى كتابي كذا) وتأمل قوله: (لزاماً).
ولهذه المسألة أمثلة عدة في تحقيق الشيخ الحلبي، كما تراها في بعض الأرقام التي ذكرتها قبل قليل.
وهي عادة جرى عليها الحلبي في أكثر كتبه.
وما أدري لماذا يترك هؤلاء المصادر الأساسية التي أخذوا هم منها، ويجعلون كتبهم مصدراً للعلم، مع توفر الكتب الأصلية، وبأكثر من طبعة.
وقد ذكر أخونا الحلبي الإمام السيوطي في كتاب: «التعليقات الرضية» (1-25) وذكره جاء عرضاً، ومع ذلك؛ ومع شهرة الإمام السيوطي، قال الحلبي (وهو محقق الكتاب) في الهامش:
(انظر ترجمته في مقدمة تحقيقي ل: «المصابيح في صلاة التراويح»، وهي مطبوعة..).
وما أدري لماذا ترك المصادر الأساسية التي أخذ منها، وجعل كتابه مصدرا لترجمة السيوطي، ويحيل إليه؟ وإذا كان الأمر للمعاصرة؛ فهناك الكثير من الدراسات الحديثة ترجمت للسيوطي ولامقارنة بين أسلوبها العلمي، وأسلوب أخينا الحلبي، والسيوطي ترجم لنفسه في كتابه: «حسن المحاضرة»، وهي أوثق من ترجمةالحلبي، وغيره، فلِمَ لايحيل إليها؟
علماً بأن هناك من هو أولى بالترجمة، أو الإحالة إلى ترجمته من السيوطي، وهو الإمام الشوكاني صاحب الكتاب الأصل «الدراري المضية شرح الدرر البهية»، وقد ورد اسمه، فهو أولى بالترجمة ممن جاء اسمه عرضا، وليس له دخل في الكتاب.
وقد ورد اسم غيره؛ ك: النووي، واللكنوي، والكتاني، وأحمد شاكر، وغيرهم، فلم يحل إلى تراجمهم؟
أخي القارئ:
لم ينفرد الشيخ الحلبي - وفقه الله - بهذا المزلق، بل شاركه بعض المعتنين بالتحقيق، ولولا خوف الإطالة لضربت بعض الأمثلة على ذلك.
ومن مفاسد هذا المزلق (الثاني):
اتعاب القارئ في تتبع الكتب؛ لمعرفة أمر كان بالإمكان ان يكون بين يديه.
ومن مفاسده أيضاً: صرف الناس عن الكتب الأصول، إلى كتب معاصرة لاتقارن بها.
ومن المفاسد أيضاً: إساءة الظن بالمحقق، حيث يعتقد الناس أنه يقصد بهذا الأسلوب الدعاية لكتبه، وجذب الناس إليها بالقوة، وقد لايريد هو هذا، ولكن هكذا يظن الناس.
المزلق الثالث: الإحالة إلى معدوم:
وأعني بهذا ان يعمد المحقق إلى بعض مسائل الكتاب فيحيل إلى كتب له لم تطبع بل قد يصرح بأنها لم تتم، أو قيد الإعداد، ومثال ذلك:
قول محقق: «الداء والدواء» - وفقه الله- (ص247) عندما عزا ابن القيم الحديث للترمذي:
(برقم: (2317) وفي إسناده ضعف؛ لكنه يتقوى بشواهده، وطرقه، التي جمعتها في جزء مفرد بعنوان: «إتحاف النبيه...» يسر الله إتمامه، ونشره)أ.هـ.
وقال ص(239) من الكتاب نفسه:(ولي في بيان أهمية الوقت رسالة مستقلة حافلة؛ عنوانها: «المؤتمن في حفظ الوقت...» يسر الله إتمامها، ونشرها)أ.هـ.
وأنا لم أقصد بهذا الكلام الحط من أخينا الشيخ الحلبي وفقه الله، بل أتحدث عن صفة عمَّت بعض طلاب العلم - والأخ الحلبي منهم - فهم يحيلون بكثرة على كتب لهم، ويقولون: (يسر الله إتمامه)، وتمر السنون، ولم نر هذا الكتاب، فلِمَ لايحيل الكاتب إلى كتاب مطبوع، ولو لغيره؛ ليستفد منه طالب العلم؟ أليس هذا أولى من الإحالة إلى معدوم؟
بل بعض هذه الكتب المحال إليها لم تكتب بعد، وماهي إلا مجرد فكرة مستقرة في الذهن، وسيأتي في المزلق الرابع - إن شاء الله - مزيد إيضاح للمزلق الثالث، فهو متعلق به.
وأستودعكم الله، إلى لقاء آخر، في الحلقات القادمة، عن مزالق في التحقيق.


للتواصل: الرياض: ص.ب: 103871 - الرمز: 11616

(نقلا عن جريدة الجزيرة)

محمد الأمين فضيل
04-10-02, 12:22 PM
مزالق في التحقيق «الحلقة الثالثة»

بقلم: عبدالله بن محمد الشمراني


تكلمت في الحلقتين الماضيتين عن ثلاثة مزالق من مزالق التحقيق وهي:

المزلق الأول: ادعاء بعض المحققين الاعتماد في اخراج الكتاب على مخطوط، وفي الواقع نجد أن طبعتهم مسروقة من طبعة أخرى، أو ملفقة من عدة طبعات، ولم يقابلوا الكتاب على المخطوط الذي تحدثوا عنه.

المزلق الثاني: الاحالة إلى غير مليء، أو الاحالة إلى الفرع دون الأصل.

المزلق الثالث: الاحالة إلى معدوم.

واليوم في هذه الحلقة الثالثة سأتحدث عن المزلق الرابع والخامس من مزالق التحقيق.
فأقول وبالله التوفيق:

المزلق الرابع: ظاهرة حجز الكتب:
وأعني بهذا: أن يشيع أحد المحققين أنه يعمل على تحقيق أحد الكتب، ويسميه، أو أنه انتهى من العمل فيه، وسيطبعه قريباً، وهو يكذب فيما قاله، بل لم يعمل فيه أصلاً، ولكن غرضه من ذلك حجز الكتاب «أو العنوان، أو الفكرة» والاعلان عنه، وأنه حققه أو شرع في تحقيقه.
فبعض المحققين يحيلُ في تعليقاته بقوله: «انظر كتاب «كذا» بتحقيقي»، أو «قيدَ التحقيق»، أو «قيد الإعداد» وهو لم يبدأ فيه أصلاً، أو بدأ فيه، وما زال يعمل فيه ببطء، لكثرة شواغله.
وأنا أعرفُ - وللأسف الشديد - الكثير باسمائهم يفعلون ذلك - وقصدهم - كما حدثني بعضهم بذلك - حجز الكتاب حتى لا يعمل فيه غيره.
وأحدهم فعل ذلك فكان يحيلُ إلى كتابٍ للسّخاوي بتحقيقه، والكتاب غير مطبوع، فترك العمل فيه جمع من طلاب العلم، لأن فلاناً قد حققه وسيطبعه قريباً، وهو يحيل إليه في كتبه، وبعد سنوات قام أحدهم بتحقيق الكتاب، وطباعته، ثم تبين - برواية الثقات - أن الذي كان يحيل إليه، ويحيل على تحقيقه، لم ينسخه أصلاً، فضلاً عن تحقيقه وتخريج أحاديثه، وتوثيق نقوله، والتعليق عليه، كما يزعم.
مظاهر حجز الكتب:
لهذا المزلق علامات يعرف أصحابه بها، مثل:
1- الاعلان عن هذا الكتاب في الورقة الأخيرة من كتبهم، مثل قولهم:
«قريباً - إن شاء الله - «كتاب كذا» بتحقيق فلان..»
أو: «تحت الطبع «كتاب كذا» بتحقيق فلان..»
أو عبارة نحو ذلك.
وأحياناً يكون هذا الإعلان من قِبل الناشر المستقبلي للكتاب المُعْلن فيه (1).
وتمر سنوات، ولم نر هذا الكتاب الذي عُبِّر عنه بقولهم :« قريباً».
2- وبعضهم يحيل في مراجع الكتب التي في آخر كتبه التي بتحقيقه إلى بعض الكتب، ويقول في توثيق المرجع «بتحقيقي» فإذا اطلع القراء على هذه القائمة، فإنهم سيقفون على هذا الكلام، فيعرفون أن الكتاب محقق، فيصرفون النظر عنه.
وخذ على سبيل المثال محقق كتاب: «المجالسة وجواهر العلم» وفقه الله، ففي آخر الكتاب ذكر قائمة مرقمة بالمصادر والمراجع التي اعتمدها في تحقيقه، وتأمل ما قاله في الكتب التي تحت الأرقام الآتية:
«136، و166، و254، و329، و338، و369، و403، و470، و517، و519، و541، و610، و684، و838، و963، و1010، و1145».
فهذه أرقام كتب له سواء ما كان من تأليفه، أو تحقيقه، ويقول تحت هذه الكتب:
«قيد الطبع»، أو «قيد التنضيد»، أو «قيد التحقيق»، أو «قيد الإعداد».
ولك أن تسأل أخي القارئ:
كيف أحال في تحقيقه في كتاب «المجالسة» إلى هذه الكتب، وهي قيد التحقيق، والتنضيد، والإعداد؟
وكيف يُحيل على صفحات لم تُرقم، ولم تُصف، ولم تُطبع بعد؟
وما فائدة احالة القارئ إلى كتاب معدوم؟ «راجع المزلق الثالث: الاحالة إلى معدوم».
وكيف نصدق أن تكون هذه الكتب وعددها «17» كتاباً، تحت العمل، ونحن نعلم بأن المحقق الفاضل لا يملك سوى يَدَيْن، وفؤاد واحد، ولا سيما أن بعضها كتب عظيمة، والعمل فيها يستغرق سنوات؟ «راجع المزلق الخامس: ظاهرة معامل التحقيق».
ثم تمر السنوات، ولم نر منها إلا القليل.
وأنا - يعلم الله - لا أقصد هذا المحقق بعينه، وهو باحث فاضل نفع الله به، بل ذكرته كنموذج لما أتحدث عنه.
3- اخراج مجلد أو مجلدين من الكتاب ثم يتوقف المحقق سنوات طويلة، والغرض من ذلك معروف، وقد حدثني أحد الأفاضل - وكان قد أخرج المجلد الأول مما يقوم على تحقيقه - قائلاً:
«فعلت ذلك ، ليعلم الباحثون أن الكتاب قيد التحقيق، فينصرفون عنه».
ثم أخرج الكتاب كاملاً بعد سنوات عدة من اخراج المجلد الأول، وتخلل هذه السنوات خروج عدة كتب له.
وقد خرجت لنا كتب كثيرة بهذا الشكل، وأحسبها من هذا الباب والله أعلم، منها:
ثلاثة مجلدات من:« الخلافيات» للبيهقي، ثم خرج للمحقق الفاضل - وفقه الله - عدة كتب «بل عدة موسوعات» ولم نَر تتمة هذا العمل، فليت شعري كيف حال ناشره.
وبهذه الطريقة استطاع هذا الباحث حجز هذه المعلمة الحديثية الفقهية، ووقفها على نفسها.
وقد خرج المجلد الأول من الكتب الآتية:
«شرح مشكل الآثار» للطحاوي و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين، و«السن الصغرى» للبيهقي. وبعد مضي عدة سنوات خرج كامل الكتاب.
وخرج المجلد الأول من: «مصنف ابن أبي شيبة» بتحقيق فاضلين، ولم نر بقية الكتاب، وبلغني أنهما انتهيا منه. وخرج مجلدان من: «صحيح ابن حيان» وبعد سنوات خرجت المجموعة الأولى من «1» إلى «7»، وأعقبتها المجموعة الثانية من الكتاب.
وخرج مجلدان من: «تفسير ابن كثير» بتحقيق الشيخ الحويني، ولم نرَ الباقي وبلغنا أن البقية ستتجاوز العشرين مجلداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وخرج مجلدان من: «مجمع الزوائد» بتحقيق الشيخ الدراني، ثم خرج للمحقق الفاضل أكثر من كتاب، ولم نرَ تتمة «مجمع الزوائد».
أخي القارئ:
إن كان المقصد من اخراج المجلد الأول المبادرة بطبع كل ما ينتهي منه المحقق أولاً بأول فلماذا لا يخرج الثاني، ثم الثالث، وهكذا حتى ينتهي الكتاب؟
إن هذا لا يحدث، بل يكون ذلك مقتصراً على الأول «غالباً» وبعد سنوات يخرج الكتاب كاملاً، يتخلل ذلك خروج بعض الكتب للمحقق نفسه، مما يؤكد توقفه عن العمل في هذا الكتاب الكبير.
وغالباً يُلزم طالب العلم بشراء الكتاب كاملاً عند خروجه،، ولا يعتدون بما اشتراه من المجلد الأول منذ سنوات، وقد حصل هذا في أكثر من كتاب.
4- أن يعلن عن أكثر من كتاب في وقت واحد، وهي طريقة مشهورة، وانظر ما ذكرته تحت رقم «2».
5- الاعلان عن ذلك في المجالس العامة، والمنتديات العلمية، فيشيع الخبر عند المهتمين بالموضوع، فيصرف النظر عن هذا الكتاب كل من عزم على العمل عليه، حتى لا يتكرر الجهد.
وأعرف أحد الباحثين أعلن منذ سنوات أنه يحقق كتاباً صغيراً في العقيدة، ولم نرَ شيئاً حتى الآن، ثم عزم بعض الأفاضل على تحقيق هذا الكتاب، ولكن تركوه احتراماً لمن أعلن عنه، وبعداً عن تكرار الجهود، ثم تجرأ أحدهم وقام بتحقيقه، فلما علم صاحب الإعلان أن فلاناً حقق الكتاب، ودفعه للطبع، وقع في نفسه، وغضب.
فتعجبت! وقلت في نفسي: غريب أمر هذا المحقق، فلا هو أخرج الكتاب، ولا يريد أحداً أن يخرجه، فتذكرت حينها المرأة التي دخلت.. في هرة لها ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض.
فهل يرضى هذا المحقق أن يظل الكتاب حبيساً في مكتبه، حتى يتكرّم وقته فيسمح له بإكمال تحقيقه .
حكم هذا المزلق:
إن مبنى هذا المزلق على: الكذب، والتدليس، والخداع، والاحتكار، وهذا المزلق يفضي إلى حرمان الباحثين من الاسهام في خدمة هذا الدين.
وما في هذه الأمور من مفاسد يغني عن اطالة الكلام.
في جعبتي الكثير من المعلمات الدينية الكبرى سواء الحديثية، أو الفقهية وهي بحاجة إلى تحقيق، إما لأنها طبعت طبعة قديمة وهي بحاجة إلى إعادة تحقيق، وإما أنها لا تزال مخطوطة ولم تطبع بعد. ولكن تواتر عند الناس أن هذه الكتب تحت العمل عند فلان من الباحثين، وهكذا يظل طلاب العلم بين مرارة الاعتماد على النسخة الرديئة، وبين مرارة الانتظار الممل لما تم الاعلان عنه.
كلمة إنصاف:
لا أعني بكلامي هذا كل من أعلن عن كتاب، بل أخص بعضهم، وما تحدثت إلا عن واقع عايشته، وعرفته وأعلم بعض أصحاب هذه الاعلانات وهم أصحاب حق، وعلم، ومبدأ، وهم يعملون بكل جد في تحقيق ما أعلنوا عنه، فأسأل الله لي ولهم التوفيق والسداد.

المزلق الخامس: ظاهرة معامل التحقيق:
وأعني بذلك: أن يقوم أحد الباحثين بتأسيس مكتبة كبيرة يوظف فيها جماعة من الباحثين بتخصصات مختلفة، وتحتوي هذه المكتبة على عدة أقسام: قسم للنسخ والمقابلة، وقسم للتعليق العلمي «العقدي، والحديثي، والفقهي، والتاريخي والأدبي» وقسم للفهرسة، وقسم للصف والطبع، وقسم للمراجعة والتصحيح اللغوي.
فإذا اكتملت المكتبة بهذا الوصف سُميت: «معمل تحقيق» (2)
وإذا خرج الكتاب - أي كتاب - محققاً عن أحد هذه المعامل، كان العمل في تحقيقه عملاً جماعياً.
والعمل الجماعي في تحقيق المعلمات العلمية لا حرج فيه، ولكن الحرج «الشرعي» خروج هذا العمل باسم رجل واحد فقط، لوجاهته في بلده، أو لشهرته العلمية، أو لكثرة ماله، أو لأنه هو المالك لهذا المعمل العلمي، وهو الكفيل القانوني لكل الأُجَراء في المعمل.
وهكذا تُقتل جهود جماعة من طلاب العلم والباحثين الذين يمضون سنوات طويلة في نسخ المخطوطات، ومراجعتها، وضبطها، والتعليق عليها، وتوثيق نقولها، وتخريج أحاديثها.
وبإمكانه أن يكتب على غلاف الكتاب:
«تحقيق جماعة من طلاب العلم «أو الباحثين» باشراف «الدكتور : فلان».
أو: «تحقيق مكتب التحقيق بمؤسسة «كذا» ، أو دار «كذا». أو عبارة نحوها.
فبهذا تبرأ الذمة، ويُنسب الفضل لأهله، ولا يتشبع الانسان بما لم يعط.
ثم إن الأمر أصبح واضحاً للعيان، فالكتب المنشورة كثيرة جداً، وكبيرة، والناس لم تعد تجهل هذا الحال، فهم يتابعون ما يخرج للشخص الواحد، ويلحظون تتابع الكتب، وفي علوم مختلفة «ونحن في زمن التخصص»، وكل كتاب على عدة نسخ خطية، وتخريج موسع لكل الأحاديث والآثار، وتوثيق لجميع النقول، وترجمة جميع الأعلام، سوى ما تناثر من التعليقات الأخرى، وأخيراً مجلدات كبيرة خاصة بالفهارس الفنية المتنوعة.
كل هذا لشخص واحد وبين كل معلمة وأخرى شهور معدودة.
فو الله الذي لا إله غيره: لو كان هؤلاء المحققون لا يُصلّون، ولا يصومون، ولا يحجون، ولا يعتمرون، ولا يصِلون الأرحام، بل ولا ينامون، وأنهم ليل نهار عاكفون على العمل، لما استطاعوا اخراج ما أخرجوه بمفردهم.
وانظروا إلى فحول المحققين الذين أمضوا حياتهم في التحقيق، مثل: عبدالسلام هارون، وأحمد شاكر، ومحمود شاكر، ومحمود الطناحي رحمهم الله.
كم عدد الكتب التي أخرجها هؤلاء؟.
وقارنوها بما أخرجه أولئك بالرغم من التزاماتهم الدينية، والعائلية، والاجتماعية، والإدارية.
والغريب أن عمل هؤلاء الفحول - على تواضع امكاناتهم - في نسخ المخطوطات، ومقابلتها، وضبط النص أدق بكثير من أصحاب هذه المعامل التي تغص بالمتخصصين والهواة.
والمقارنة في الكم لا تقتصر على من ذكرت، بل انظروا - أيضاً - إلى المحققين الناشرين السابقين، مثل: محمد رشيد رضا، ومحمد حامد فقي، ومحب الدين الخطيب رحمهم الله.
وتأملوا ما أخرجه الأستاذ: محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله.
كل هؤلاء أفنوا أعمارهم في تحقيق ونشر التراث العلمي للمسلمين.
فلو وضعنا كل ما أخرجه هؤلاء المحققون في كفة، وما أخرجه واحد من أصحاب المعامل في كفة أخرى، لرجحت كفة صاحب المعمل، ولطاشت كفة فحول المحققين.
ولكن:
إذا أصرَّ صاحب هذا المبدأ، وارتضى هذا الخُلُق، فعليه أن يكون مشرفاً علمياً وعملياً، وواقعياً لما يخرج باسمه، لكيلا يقع ما لا يرضيه.
وعليه أن يراجع العمل كاملاً (3)، فإذا عمل مجموعة على كتاب موسوعي فيجب أن يكون ذلك ضمن منهج موحد، وأن يراجع المشرف هذا العمل، ليتم توحيد المنهج، ولا يكون هناك اضطراب وتناقض بين تعليق الأول والثاني.
وقد وجد تناقض في بعض أجزاء الكتاب الواحد في بعض هذه الكتب.
فقد يكون أحد الموظفين على منهج المتأخرين فيضعف أحاديث أبي اسحاق السبيعي، ويأتي موظف آخر على منهج المتقدمين فيصححها، فيكون منهج المجلد الأول غير منهج المجلد الثاني، فيحتار القارئ ولا يتصور خروج هذا من محقق واحد، كتب اسمه على الغلاف، فيعلم حينها بأن الأمر لا يخلو من أمور ثلاثة لا يرضاها من كتب اسمه على الغلاف.
فإما أن يكون المحقق هو الذي عمل في الجزأين، ولكنه متذبب في العلم.
أو أنه لم يعمل على الكتاب، والذي عمل فيه جاهل بالعلم جهلاً مركباً.
أو أن الذي عمل في هذا المجلد غير الذي عمل في ذلك.
ولو كتب اسم كل موظف على الجزء الذي قام بالعمل فيه، لكان أحسن، وآمن.
وقد يكون أحد الموظفين في المعمل غير أمين، وهو مكلف بمقابلة الكتاب على احدى النسخ، فلا يقابله بدقة، وقد يكون في النسخة سقط يشمل كتاباً بأكمله، أو باباً، أو عدة أحاديث، ولا ينبه عليه، ثم تكون الكارثة، كما حصل في أكثر من كتاب.
هذا ما أقوله لأصحاب معامل التحقيق، أما ما أقوله لاخواني طلاب العلم:
فلا تنزعجوا كثيراً من هذا الأمر، فهو رزقٌ ساقه الله إليكم، فها هي الكتب العلمية الكبيرة تخرج لكم محققة، ومخرجة، ومخدومة خدمة علمية جيدة، ومذيلة بفهارس فنية، فلكم غنمها في الدنيا، ولهم غرمها في الدنيا والآخرة والله المستعان
وقبل الوداع:
أذكركم بمن ليس لديه معمل للتحقيق، ولكنه يُلْحق بأصحاب المعامل حكماً، وهو الذي يسافر إلى بعض البلدان المجاورة، ويتعاقد مع أصحاب المعامل، لتحقيق بعض الكتب، وبالمنهج الذي يريده، ويُكْتَب كل ما يُتَّفق عليه في عقدٍ بين الطرفين، وينص العقد على أربع مواد:
المادة الأولى: يقوم الطرف الثاني «صاحب المعمل» بتحقيق الكتاب المذكور وفق الخطة المحددة في المادة الخامسة.
المادة الثانية: يقوم الطرف الأول «المحقق» بدفع «...» دولار لمكتب التحقيق على دفعات «تحدد في العقد».
المادة الثالثة: يصف الطرف الثاني الكتاب على برنامج.. «يحدد اسم البرنامج»، ولا يذكر اسمه من بعيد ولا من قريب، ولا في المقدمة، ويكتب اسم الطرف الأول على الغلاف بخط بارز.
المادة الرابعة: يكتب الطرف الثاني مقدمة علمية للكتاب يبدؤها بذكر الأسباب والدوافع لاختيار هذا الموضوع، ثم يذكر خطة البحث، ومنهجه فيه، ويختم المقدمة بذكر الصعوبات التي واجهت المحقق في البحث، مثل: تتبع نسخ الكتاب الخطيَّة وعدم تعاون المكتبات في تصوير النسخ، ورداءة المخطوطة التي اعتمدها، وعدم وجود نسخة أخرى.. ويختم المقدمة بشكر كل من ساعده على اتمام البحث بجملة لا تزيد على نصف سطر.. ثم يترجم للمؤلف ويذكر كتبه وأماكن وجودها..
المادة الخامسة.. «يُذكر فيها منهج التحقيق الذي يشترطه الطرف الأول».
وتكتمل الجريمة إذا كان هذا الكتاب المحقق رسالة علمية، لنيل درجة علمية، ينبني عليها تعيين في وظيفة، أو زيادة في الراتب.
وكلُّ جسم نبت على السحت، فالنار أولى به
وأستودعكم الله تعالى، إلى لقاء آخر، في الحلقات القادمة إن شاء الله، عن مزالق في التحقيق.


----------------------------
(1) ليس غريباً أن يُعلم ناشر الكتاب، قبل وجود هذا الكتاب، وذلك لأن بعض المحققين يفاصل في تحقيق كتب لم يحققها أصلاً، ويتقاضى قيمة الكتاب «الحقوق» مقدماً، وبالدولارات على كل ملزمة، ثم يبدأ فيه.
(2) يُسميها بعض الأفاضل: «ورشة علمية».
(3) ولا أظن أن بعضهم يستطيع قراءة كل ما خرج باسمه قراءة مجردة، فضلاً عن مراجعته مراجعة علمية.

محمد الأمين فضيل
17-10-02, 09:01 AM
مزالق في التحقيق - (الحلقة: الرابعة)

بقلم: عبدالله بن محمد الشمراني


المَزلَقُ السادس: «ظاهرة نَفْخِ الكُتبِ»:

وأعني بهذا المزلق: أن يعمد المحقق إلى كتاب مخطوط فيحققه، ويبالغ في التعليق عليه مبالغة تزيد من حجم الكتاب أضعاف أصله، وغالباً ما يكون هذا في الكتب الحديثية.
وخدمة النص بالتعليق عليه بعد ضبط نصه، أمر لازم من لوازم التحقيق، ولكن الذي ننكره هنا هو حشد أكبر قدر ممكن من التعليق تحت كل نص من نصوص الكتاب المُحَقَّق، وإذا ما جئنا إلى هذه التعاليق فإننا نجد أن غالبها ما هو إلا استعراض للفتوة العلمية التي يتمتع بها المحقق، والتي لم يعد لها أهمية بعد خروج برامج الحاسب الآلي، التي تبحث عن النص في مئات المجلدات في ثوانٍ معدودة.
«مثال ذلك»:
(1) تخريج الحديث من مصادر كثيرة جداً، والأشد من ذلك أنهم يسردون إسنادَ كل من أخرجه، والكلام على كل رجلٍ بإسهابٍ، ولو اكتفوا بذكرِ بعض من أخرج الحديث لكان حسناً.
وسردُ الإسنادِ لا حاجة له - ما لم يكن في طُرِقه علة يريد الباحث الكلام عليها - فإن الباحث سيرجع إلى هذه المصادر ليرى الطرق.
وسردُ الإسناد مريح للقارئ بدلاً من الرجوع للمصدر ليرى السند، ولكن في ذلك تطويلاً للكتاب يتبعه ارتفاع في سعره، ودرءُ المفاسدِ مقدمٌ على جلبِ المصالح.
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، وأكبر دليل على ذلك الكتب الحديثية التي تدخل تحت العمل الأكاديمي، وأنا لا أعيب هذا في الرَّسائل الجامعية، ففي هذا المنهج دُرْبَةٌ للباحث، ويعطيه ملكة في فن التعامل مع كتب الأسانيد والرجال (1).
ولكن أعيبُ خروجَ الكتابِ مطبوعاً بهذا الترف العلمي، وكان على الباحث حذف ما كان من لوازم العمل الأكاديمي، ويكتفي بما يحصل به ضبط النص، وبما تكمل به فائدة الكتاب (2)، وإلا فهل تقر العين، وينشرح الصدر بخروج أحد الكتب في ثمانية مجلدات مع المقدمة والفهارس، ومخطوطته الأصلية الكاملة والمعتمدة في التحقيق في «73» ورقة؟
ولك أن تعجب أن هذا الكتاب المحقق من الكتب المختصرة، حيث اختصره مؤلفه ابن الملقن - رحمه الله - ت «804هـ» من مختصر للذهبي ت «748هـ»، فالكتاب - كما رأيت - مختصر المختصر، وكذا أراد مصنفه، وقد علَّقه - كما قال في آخره «7/3584» - في أيام يسيرة، وهو إمام في الحديث، وكان قادراً على أن يأتي بما لا يسع المحقق الإتيان به من النصوص، ومن كُتُبٍ لا يوجد منها اليوم إلا العنوان، ولكنه أراده مختصراً، فهل سيفرح عندما يرى مختصره في ثمانية مجلدات؟
ويعلم الله كم أنا محبٌ لمن حقق هذا الكتاب، وغيره من الذين أوقفوا حياتهم لخدمة أحاديثِ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استفدت من تعليقاته الكثيرة، ولكن هذا شيء وما أقصده هنا شيئاً آخر.
(2) حشدُ كل ما يقف عليه المحقق من مصادر العَلَم الذي يرد في الكتاب المحقق، ومن أقوى الأمثلة على ذلك كتاب «الطبقات» للإمام مسلم، بتحقيق الشيخ الفاضل: مشهور آل سلمان وفقه الله، و«تاريخ الإسلام» للإمام الذهبي بتحقيق الأستاذ الدكتور: عبدالسلام تدمري وفقه الله، فهما يأتيان إلى الترجمة فيذكران الكثير من مصادرِ هذه الترجمة، ولو أن المترجم من أئمة الإسلام، ومن مشاهيرِ الأعلام، وأحسبُ أنهما ذكرا كل ما وقفا عليه من المصادر.
«أخي القارئ»:
هذان الرجلان - مشهور، والتدمري - قدما خدمات طيبة في تحقيق النصوص، وخدمة الكتب العلمية، ولكن كما قلت نحن على ما نُكِنّه من الحب لكل من خدم التراث العلمي للمسلمين، إلا أننا نعتب عليهما هذا الصنيع.
وهذا الفعلُ فيه ارهاق للموظفين الذين يعملون معهما في المعمل «انظر: المزلق الخامس: ظاهرة معامل التحقيق»، واهدار لطاقات يمكن أن توجه لعملٍ آخر، وأنفع للأمة.
ثم إن في هذا الترف تكراراً سقيماً لمعلوماتٍ واردة عند غيرهما، والمصادر متيسرة عند مقتني الكتاب.
(3) توثيق النقول، والمسائل الواردة في الكتاب من مصادر عديدة، حيث يحشد المُحقق كلَّ ما وقف عليه من المصادر التي تعرضت لهذه المسألة، فيذكرها في حواشي الكتاب.
وسأضرب بعض الأمثلة على هذا المزلق عموماً، فأقول:
أ - الأصل الخطي لكتاب: «الأمراض والكفارات والطب والرُّقيات»، يقع في «10» ورقات، فخرج بعد تحقيقه من قبل الشيخ الفاضل: أبو إسحاق الحويني - وفقه الله - في: «250» صفحة فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ب - وحقق الشيخ المذكور «تفسير ابن كثير» فأكثر من التعليق والتخريج حتى خرج الجزء الثاني وما زال في البقرة عند الآية رقم: «78».
فقلت في نفسي متى سيكمل هذا التخريج؟
وفي كم مجلدٍ سيخرج «التفسير» الذي تسابقت الدور في اخراجه في مجلدٍ واحدٍ لتيسير حمله، والاستفادة منه؟
وهل سيخرج بالصورة التي يرضاها ابن كثير؟
إن هذه الطبعة محشوة بتعليقات طويلة، وقد كان في وسع ابن كثير أن يكتبها وأحسن منها، ولكن آثر التوسط لنفع الناس، فالتوسع في التعليق والتخريج قد يخرج الكتاب عن مراد مصنفه.
ثم إن المحقق - وفقه الله - باستطاعته أن يقابل «التفسير» بين نسخه الخطية، ويخرج لنا طبعة كاملة موثوقة، ويفوز بالأجر، ورضا طلاب العلم، ثم يُخرج كل ما يود أن يقوله تعليقاً أو تخريجاً في كتابٍ له مستقل، ليأخذه من أراد، دون إلزام الناس به.
وأنا لا أود الحطَّ من قدر هذه الطبعة، ولكن فقط أردت التنبيه على عادة جرت عند بعض المحققين المعاصرين الذين يخرجون الوريقات في «مجلد» والمجلد في «مجلدات».
وقد بلغني إن طبعة الحويني ستصل إلى «عشرين» مجلداً، فإن صح هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وأخشى أن يكون حال «تفسير ابن كثير» كحال «بذل الاحسان» للمحقق نفسه، فقد توقف عنه منذ سنوات ولم يكمل - لطوله - حتى الآن، والله أعلم.
ج - الأصل الخطي لكتاب: «تنبيه النائم الغَمْر» لابن الجوزي رحمه الله يقع في «6» ورقات، وخرَج بعد تحقيقه من قبل الشيخ: عرفة حلمي - وفقه الله في: «159» صفحة.
علماً بأن الكتاب طُبِعَ قبل هذا الطبعة، فخرج في «9» صفحات، فكان ذلك أقرب إلى عدد صفحات الأصل.
د- الأصل الخطي ل: «كتاب الطبقات» للإمام مسلم يقع في «23» لوحة، فخرج مطبوعاً بتحقيق الشيخ: مشهور بن حسن آل سلمان - وفقه الله - فبلغت صفحاته بما فيها الدراسة والفهارس والمستدرك «1420» صفحة، أي: أكثر من الأصل بثلاثين مرة، والله المستعان.
هـ - و - ز - تحقيقات الدكتور: عبدالمعطي أمين قلعجي سامحه الله، وغفر له، ومنها:«السنن» للشافعي، و«معرفة السنن والآثار» للبيهقي، و«الاستذكار» لابن عبدالبر.
أضف إلى ذلك ما سبق ذكره ك«مختصر استدراك الذهبي على مستدرك الحاكم» لابن الملقن، و«تاريخ الإسلام» للذهبي..
«تكميل»:
قال العلامة الدكتور: بكر بن عبدالله أبو زيد - حفظه الله - في مقدمة تحقيقه ل«الجد الحديث» للغزي «ص 6 -7»: «خدمة اخراج المخطوطات المنتشرة اليوم على مسالك:
الأول: طريقة أهل العلم من إعمال عدة التوثيق لاثبات نص الكتاب سليماً - حسب الإمكان - من التحريف، والتصحيف، دون إلحاق أي تعليقٍ، إلا في مواطن الاضطرار، كالتنبيه على خطأ عقدي، أو وهمٍ، أو ذِكْرِ إفادٍة مناسبة.
الثاني: كسابقه، مع إلحاق تحقيقات، وتعليقات في مواطنِ الحاجة، وبقدرها.
ومن هذا الطراز: العلامة المعلمي رحمه الله.
ومنه: اشتغاله الماتع على كتاب:« الفوائد المجموعة» للشوكاني رحمه الله تعالى.
الثالث: «نفخ الكتاب»، فترى أصل الكتاب في ورقاتٍ معدوداتٍ، فيُنفخُ بتكثيرِ المراجع، وجلبِ النقولاتِ، وربما صاحب ذلك الانصراف عن توثيق النص سليماً من التحريف، والتصحيفِ.
وَسُوقُ هذا «الاشتغال» هي الرائجة اليوم.
وقد بيَّنْتُ ما لهذا من سوالب في كتاب: «التعالم وأثره على الفكر والكتاب» أ. هـ.

المَزْلَقُ السابع: «المبالغةُ في نقدِ الطبعاتِ السابقة»

وأعني بهذا المزلق: أن يتكلم المحقق في مقدمة التحقيق على الطبعات السابقة لطبعته، ويذكر ما فيها من محاسن ومساوئ، ويبالغ جداً في ذكر المساوئ وقد لا يذكر شيئاً من المحاسن، وأحياناً يركز على طبعة بعينها، ويكون اهتمامه بشدة النقد لأمرين.
الأمر الأول: فحش الطبعة المنتقدة، وكثرة عيوبها، مقارنة بغيرها.
الأمر الثاني: حصول بعض الأمور بين محقق الطبعة المنتقدة والطبعة الجديدة، فيكون النقد من باب تصفية الحساب بين الطرفين، ويحرصُ المنتقد على التشهير بالمنتقد، تحت غطاء الرد العلمي، والنصيحة للأمة، علماً بأن سياق النقد يدل على أن في الأمر سراً لا يعرفه إلا من عرف المحققين، وعلمَ ما بينهما من أمور، والتي قد تكون: حول اختلاف المنهج العلمي أو الدعوي، أو حول حسابات مالية، أو نزاعات حول حقوق أحد الكتب..
وأنا لا أتحدث عن هذا المزلق من محور الأمرين السابقين، بل أتحدث عن الظاهرة نفسها، وهي المبالغة في النقد، أما المسبب لها، فلا يعنيني هنا.
والاهتمام بنقد الطبعات السابقة عمل جيد، وللمحقق أن يشير إلى الطبعات السابقة لطبعته، ولا حرج في الكلام عليها بمدحٍ أو ذمٍ، حسب ما يراه المحقق، ولكن دون إسرافٍ في النقد، والموفق من المحققين من يستطيع اجمال النقد في فقرات معدودة.
«مثال ذلك»:
(1) «كتاب الصمت وآداب اللسان» لابن أبي الدنيا، فقد حققه الشيخ: أبو اسحاق الحويني وفقه الله، وتعرض في مقدمة تحقيقه إلى نقد طبعة الدكتور: نجم خلف وفقه الله، وكان ذكره لهذه الطبعة من أول مقدمة التحقيق إلى آخرها، من صفحة «5» إلى صفحة «20» وقد انتقده في «56» موضعاً، باستثناء ما ذكره كسقوط أحاديث كثيرة، ومثلَّ لها بعشرة أمثلة.
وجاء هذا النقد الطويل على حساب ترجمة المصنف، وذكر منهج التحقيق، والتعليق وكان يكفيه من هذه ثلاثة أمثلة، أو أربعة، مع ذكر نقد عام على هذه الطبعة في أسطر محدودة.
وطلاب العلم لهم القدرة على معرفة الطبعة الجيدة، من خلال مراجعتهم لكلتا الطبعتين.
(2): كتاب : «مفتاح دار السعادة» لابن القيم، فقد عقد محققه الشيخ: علي الحلبي - وفقه الله - مبحثاً بعنوان: «الطبعات السابقة ل:«مفتاح دار السعادة» عرضاً ونقداً»، وهو مبحث طويل جداً استهلك الصفحات من «1/45» إلى «1/99»، وقد تناول طبعات الكتاب بصفة مجملة في نصف صفحة، أما باقي الصفحات فقد خصصها لطبعة واحدة، والتي بتحقيق: الأستاذين: حسان عبدالمنان الطيي، وعصام فارس الحرستاني، فراح يتكلم عليها بالتفصيل الممل، حتى جاوز النقد «50» صفحة، مقسماً الأغلاط العلمية «حسب تعبيره» الموجودة في التحقيق المنتقد إلى أربعة أقسام، وفي نقده هذا تحامل ظاهر، فقد بالغ جداً في تتبع ونقد هذه الطبعة، وأكثر من ذكر الأمثلة على كل ما يقوله، بل قال في أحد المواضع بعد سرده عدة أمثلة:
«وعنده أحاديث أخر من هذه البابة، أعرضت عنها هنا!» «1/72».
وقال في موضعٍ أخر:
«وله من مثل هذا مواضع عدة» «1/83».
وقال في موضعٍ آخر:
«وما تركته أكثر» «1/98».
والغريب أنه قال عن هذا النقد المبني على تحليله للكتاب تحليلاً تكلف فيه:
إنها «دونما تقصٍّ، ومن غير تدقيق في المقابلة والموازنة !!» «1/ 46».
وهذا غير صحيح، بل ما خرجت هذه المواضع إلا بالتدقيق، والمقابلة، والموازنة مراتٍ، يعرف ذلك من تأمل هذه الملحوظات التي تجاوزت «200» موضع، غير ما أشار إليها ضمناً، وهي كثيرة جداً، ومن تتبع المواضع التي ذكرها، يجدها شملت المجلدين، كما شملت أول كل مجلد، ووسطه، وآخره، وبين ذلك.
والكل يعرف ما بين الحلبي وعبدالمنان، وكل يطعن في الآخر، لذلك تأهب كل نفرٍ منهما إلى تتبع زلاتِ الآخر، بكل دقة، ومقابلة، وموازنة، لفضحه بأسلوب لا يليق بطلاب العلم.
وتكون ثمرة هذا المزلق على حساب، الورق، وإلزام الناس بشراء، ما لو أُفرِد لما اشتروه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد رأيت - كغيري - الكثير من المحققين - وفقهم الله - يسودون عشرات الأوراق في مقدمة تحقيقهم في الحط من قيمة الطبعات السابقة لطبعتهم.
وأنا لا أنكر وجود طبعات سقيمة همّ المحقق منها - أو الناشر - التجارة.
ولا أنكر عبث أهل الأهواء والبدع بكتب السلف.
ولا أنكر تطاول المتعالمين على فن التحقيق والتأليف.
ولكن أقصد بكلامي أن الاشارة إلى سوء الطبعة، أو جودتها يمكن أن يصاغ في فقرة لا تتجاوز الأسطر القليلة، ولا حرج لو كانت في صفحة أو صفحتين، ولكن بأمثلة تدل بوضوح على ما قيل في الطبعة المنتقدة، ولا حاجة إلى اشغال فكر القارئ للطبعة بكلامٍ خارجٍ عن الموضوع الذي أُلف الكتابُ «المحقَّق» من أجله.
ثم إن هذا المزلق يجعل القارئ يظن أن المراد من هذا الحطِّ ترويج الطبعة الجديدة على غيرها، وأعوذ بالله من أن أتهم أحداً بذلك، ولكني سمعت أحد الأفاضل قال ذلك عندما قرأ مقدمة أحد المحققين لأحد الكتب.
وإن كان لهذا الاتهام وجه عند من يقول به، لكثرة ما نلاحظه، بل ما قرأت في مقدمة محقِّقٍ لكتابٍ، قد طبع من قبل، إلا وجدته يحط من قيمة الطبعة السابقة، وقلَّ من سلم من ذلك.
وقد حقق فضيلة الشيخ الدكتور: محمد الصباغ - حفظه الله - كتاب:«الآلئ المنثورة» للزركشي، وتعرض في آخر مقدمة تحقيقه لطبعة سابقة، ونقدها بشكل علمي في صفحات يسيرة، مع أنه ذكر أنه كتب عليها نقداً مفصلاً في «65» صفحة، ولكن ذكرها لا يناسب المقدمة اليسيرة، فاكتفى بما يؤدي المقصود.
وأعجبني صنيع الشيخ: محمود الأرنؤوط - حفظه الله - في مقدمة تحقيقه ل:«المنهج الأحمد» للعليمي، فقد تعرض لنقد طبعة سابقة بكلام مجمل قصير، قدم لنا تصوراً كاملاً لهذا الطبعة، وكان نقده في «6» أسطر تعليقاً في حاشية الكتاب، ومما قاله «1/ 23»:
«ولو رحنا نُبَيّن ذلك «أي: تفصيل الملحوظات»، لطال بنا المقام، ولكن لا نرتضي لأنفسنا ما يفعله البعض في هذا الاتجاه، من الإساءة للعاملين في خدمة العلم، لمجرد الوقوع على بعض الأخطاء في أعمالهم العلمية» أ. هـ.
وقد حقق العالم الجليل: محمد حامد فقي رحمه الله، «كتاب الشريعة» والكل يعلم ما في طبعته من التصحيف والتحريف، اضافة للسقط الكبير الحاصل في طبعته، وعدم العناية بتخريج أحاديث الكتاب، وقد خدم الكتاب حسب إمكانياته المتواضعة في ذلك الوقت، فرحمه الله رحمة واسعة.
وأيضاً ما فعله فضيلة الشيخ الدكتور: عبدالله بن عمر الدميجي «حفظه الله»، حيث حقق «كتاب الشريعة» للآجري - رحمه الله - من جديد، وقد أعجبني صنيعه عندما تعرض لطبعة الفقي بالنقد العلمي، ثم ختم نقده بقوله «1/254 - 255»:

«كلمة إنصاف»:

هذا ومن باب الإنصاف بعد ذكرنا لهذه الملحوظات على عمل الشيخ - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - خاصة وقد حَطَّ رحاله عند ربه - تعالى - نُحِبُّ أن نشير إلى ما بذله من جهودٍ مشكورة في هذا الكتاب، وفي غيره من كتب التراث السلفي العريق.
فقد بذل - رحمه الله تعالى - جهداً مشكوراً في هذا الكتاب بعينه، ولكن لم تسعفه النسخ كما سبق.
وأما إِقدامه على نشر هذا الكتاب بهذه الصورة التي لم يرضَ عنها هو - كما أوضح في المقدمة - إلا لحرصه الشديد على نشر كتب السلف رحمة الله تعالى عليهم.
وقد نشر كثيراً جداً من هذا التراث الضخم في فترة قَلَّ من يلتفت إلى مثل هذه الكتب، وإلى الاعتناء بها.
وقد صرح هو بذلك، حيث قال في المقدمة:
«واني لم آخذه، وأحرص على شرائه، إلا رغبة في نشر آثار السلف، لأني بذلك كلف، وأود لو أطال الله عمري، ووفقني ربي، لنشرها جميعاً، لأن المتأخرين لم تعج بهم الطريق، إلا لجهلهم بآثار سلفهم، فحُرِمُوا القدوة الحسنة، وذهبوا يتخذون من نصارى الفرنجة، ويهودهم، وملحديهم، وزنادقتهم، وفساقهم قدوة لهم. خابوا، وخسروا».
وقد نشر تراثاً عظيماً من هذا النوع، سيجد جزاءه عند ربه - إن شاء الله تعالى - أضعافاً مضاعفة.
كما أنه - رحمه الله تعالى - له تعليقات نفيسة على بعض قضايا الكتاب.. «ثم ذكر «سبعة وعشرين» مثالاً على تعليقاته النفيسة».
ثم قال: لذلك، فإني لم أذكر هذه الملحوظات - عَلِمَ الله - إلا من باب النصيحة، والخدمة لهذا الكتاب النفيس، ومصنفه، وبغية الوصول إلى الحق، والدلالة عليه، وهذا هدف الجميع، والله الموفق للصواب» أ. هـ.
هذا كلامه بطوله، ذكرته لجودته، وهي طريقة حسنة ليت المحققين يجمعون عليها، دون غمز للمحقق السابق، أو الاستخفاف بعلمه، وعمله، وجهده، ولا سيما من عرف عنهم الديانة، وحب الحق، والاجتهاد في طلبه، والله الموفق.
وأستودعكم الله - تعالى - إلى لقاءٍ آخر في الحلقات القادمة - إن شاء الله - عن مزالق التحقيق..

---------------------------------------------------
(1) يقول الأستاذ الدكتور: أكرم ضياء العُمَرِي - وفقه الله - في تقديمه ل:«طبقات المحدثين بأصبهان» (1/8):
«خدمة الدكتور: عبدالغفور البلوشي لكتاب أبي الشيخ من حيث: التعريف برجال الإسناد، وتخريج الأحاديث، والحكم عليها، وهو جهد لازمٌ لنيل مرتبة «الماجستير» في تخصص «السنة النبوية»، وإن كان ليس بلازمٍ لتحقيق الكتاب تحقيقاً علمياً في نظر عامة المحققين الذين يرون في ذلك إثقالاً للحواشي، ولا مفرَّ من قيام طلبة الدراسات العليا من تحويل رسائلهم من تحقيق الكتب إلى دراسة أحاديث كتاب مخصوص، دفعاً للاعتراض المذكور» أ. هـ.

(2) يقول الدكتور: محمد بن عبدالمحسن التركي - وفقه الله - في مقدمة تحقيقه ل«مسند الطيالسي» (1/13»:
« حققتُ الكتابَ من أولهِ إلى نهاية مسند سعيد بن زيد، ثم تتابع على التسجيل في تحقيقه زملاء فضلاء، فأتوا على جل الكتاب..
لكن المنهج الذي سرتُ عليه مع إخواني المشاركين معي في تحقيقه، كان على حالٍ من التوسع، والبسط، والتفصيل، الذي يحسن في الرسائل الجامعية، ولا يناسب الاخراج العام، لما فيه من اطالة للكتاب، وإثقال على المستفيدين غير المختصين، لذا عمدت إلى تحقيقه، وإخراجه إخراجاً يحقق الغاية من خدمته، ويتحاشى الإطالة المؤثرة على انتشاره، وتداوله» أ. هـ.

د.كيف
20-10-02, 12:35 AM
جزاك الله خيرا على هذا الجهد

خليل بن محمد
20-10-02, 01:06 AM
شكرَ الله لك ،، وبارك فيك


هل تمّت ؟

أبو حازم المسالم
06-11-02, 05:54 AM
جزاك الله خيرا على هذا المبحث الرائع، و نتمنى أن نراه مكتملا بأسرع وقت.

المسيطير
19-11-04, 05:49 AM
جزاك الله خيرا على هذا المبحث الرائع، و نتمنى أن نراه مكتملا بأسرع وقت.

ابن العيد
30-03-08, 11:48 AM
أحسن الله إليكم

أبو المظفر السِّنَّاري
31-03-08, 02:20 AM
جزاك الله خيرا

زايد بن عيدروس الخليفي
31-03-08, 05:32 AM
هذا تتبع جيد .... وفقكم الله ... تابع

أبو مهند المصري
31-03-08, 07:32 AM
نأمل في استكمال الحلقات، وجزاكم الله خيرا على هذا المجهود الطيب.

سعد بن محمد
23-07-11, 02:32 PM
وقد حقق العالم الجليل: محمد حامد فقي رحمه الله، «كتاب الشريعة» والكل يعلم ما في طبعته من التصحيف والتحريف، اضافة للسقط الكبير الحاصل في طبعته، وعدم العناية بتخريج أحاديث الكتاب، وقد خدم الكتاب حسب إمكانياته المتواضعة في ذلك الوقت، فرحمه الله رحمة واسعة.
وأيضاً ما فعله فضيلة الشيخ الدكتور: عبدالله بن عمر الدميجي «حفظه الله»، حيث حقق «كتاب الشريعة» للآجري - رحمه الله - من جديد، وقد أعجبني صنيعه عندما تعرض لطبعة الفقي بالنقد العلمي، ثم ختم نقده بقوله «1/254 - 255»:

«كلمة إنصاف»:

هذا ومن باب الإنصاف بعد ذكرنا لهذه الملحوظات على عمل الشيخ - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - خاصة وقد حَطَّ رحاله عند ربه - تعالى - نُحِبُّ أن نشير إلى ما بذله من جهودٍ مشكورة في هذا الكتاب، وفي غيره من كتب التراث السلفي العريق.
فقد بذل - رحمه الله تعالى - جهداً مشكوراً في هذا الكتاب بعينه، ولكن لم تسعفه النسخ كما سبق.
وأما إِقدامه على نشر هذا الكتاب بهذه الصورة التي لم يرضَ عنها هو - كما أوضح في المقدمة - إلا لحرصه الشديد على نشر كتب السلف رحمة الله تعالى عليهم.
وقد نشر كثيراً جداً من هذا التراث الضخم في فترة قَلَّ من يلتفت إلى مثل هذه الكتب، وإلى الاعتناء بها.
وقد صرح هو بذلك، حيث قال في المقدمة:
«واني لم آخذه، وأحرص على شرائه، إلا رغبة في نشر آثار السلف، لأني بذلك كلف، وأود لو أطال الله عمري، ووفقني ربي، لنشرها جميعاً، لأن المتأخرين لم تعج بهم الطريق، إلا لجهلهم بآثار سلفهم، فحُرِمُوا القدوة الحسنة، وذهبوا يتخذون من نصارى الفرنجة، ويهودهم، وملحديهم، وزنادقتهم، وفساقهم قدوة لهم. خابوا، وخسروا».
وقد نشر تراثاً عظيماً من هذا النوع، سيجد جزاءه عند ربه - إن شاء الله تعالى - أضعافاً مضاعفة.
كما أنه - رحمه الله تعالى - له تعليقات نفيسة على بعض قضايا الكتاب.. «ثم ذكر «سبعة وعشرين» مثالاً على تعليقاته النفيسة».
ثم قال: لذلك، فإني لم أذكر هذه الملحوظات - عَلِمَ الله - إلا من باب النصيحة، والخدمة لهذا الكتاب النفيس، ومصنفه، وبغية الوصول إلى الحق، والدلالة عليه، وهذا هدف الجميع، والله الموفق للصواب» أ. هـ.



موضوع قيم. جزى الله الشيخ الشمراني خير الجزاء، وبارك الله في الشيخ الدميجي، فقد أعطى درسا في الأدب مع العلماء الكبار.

ورحم الله العلامة الجليل محمد حامد الفقي، الذي بذل جهدا كبيرا لا يعلمه إلا الله لنشر كتب السلف، مع تواضع الإمكانيات في وقته.

عمر موفق محمد
25-07-11, 01:29 AM
جزاك الله خيرا

أبو مالك المديني
06-01-17, 12:00 AM
بارك الله فيكم ، حلقات نافعة ، نفع الله بكم .

أبوطه السلفى
06-01-17, 11:14 AM
السلام عليكم, ونفع الله بكم جميعاُ, وجدتٌ المبحث كاملاُ عندي فأحبب وضعه لكم في المرفقات.
ولاتنسونا من صالح دعواتكم

محمد مختاري
06-01-17, 02:34 PM
و ما فعله في تحقيق " النهاية في غريب الحديث " لابن الأثير أدهى و أمر ، حيث سطا على جهد غيره