المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " المـــــداد المبـــــرورة "


ابو عبد الرحمن الحرازي
15-09-02, 10:33 AM
المداد المبرورة
في الأقوال الجامعة في تفسير قوله تعالى
(( وسيداً وحصورا ))

===================================
يقول الله عز وجل:
(( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى
مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين )) آل عمران:39
===================================

## المطلب الأول: (( المعنى الإجمالي ))
لما شاهد زكريا من كرامات الله لمريم أنها تؤتى بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ذكر أن الله تعالى قد يعطى ماشاء لمن يشاء على غير نظام السنن الكونية فكِبَر سنّه وعقم امرأته لايمنعان أن يعْطيه الله تعالى ولدا ، فسأل ربه الولد فاستجاب له ربه ، فبشرته الملائكة بالولد وهو قائم يصلي في محرابه قائلة إن الله يبشرك بولد اسمه يحيى مصدّقاً بكلمة من الله .. يريد أنه يصدق بعيسى بن مريم ويكون على نهجه ، لآن عيسى هو الكلمة إذ كان بقول الله تعالى ((كن)) فكان ، ووصفه بأنه سيد ذو علم وحلم وتقىً وحصور لايأتي النساء ، ونبيٌّ من الصالحين.(1)

------------------------------

## المطلب الثاني (( الناحية اللغوية ))
الحصور: أصله من الحصر وهو الحبس ، وحصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني ، قال ابن ميَّادة:

وماهجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا ان أحصرتك شغول

ويقال ناقةٌ حصور: أي ضيقة الإحليل ، والحصور: الذي لايأتي النساء كأنه محجم عنهن ، كما يقال: رجل حصور وحصير إذا حبس ، ويقال: شرب القوم فحصر عليهم فلان .. إذا بخل عليهم ، قال الأخطل:

وشارب مُربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولافيها بسوَّار

وقال سبحانه وتعالى: (( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا )) أي: محبساً ، ويقال على الملك الحصير لأنه محجوب ، ويقال حصر فلان في قراءته: إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها ، ويقال حصر العدو: أي حبسهم الناس ومنعه إياهم التصرف ، ويقال للذي يكتم سره ولايظهره حصور: لأنه يمنع سره أن يظهر ، كما قال جرير:

ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا حَصِراً بسرّك يا أميم ضنينا

وأصل كل ذلك هو الحبس والمنع كما يقرره أرباب اللغة.(2)

------------------------------

## المطلب الثالث: (( الأقوال المأثورة )) (3)
روى أبو صالح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) ، ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : ( كان ذَكَره هكذا مثل هذه القذاة ).
عن ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك: الحصور العنين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل.
وقال ابن عباس أيضاً وابن مسعود وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن وابن زيد : هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة.
عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس أيضاً , قال : الحصور الذي لا ينزل الماء.
عن زر عن عبد الله بن مسعود أيضاً في قوله تعالى :{ وسيدا وحصورا } قال : الحصور الذي لا يأتي النساء.
عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ليس أحد إلا يلقى الله يوم القيامة ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا كان حصورا معه مثل الهدبة .
عن سعيد بن المسيب قال : قال ابن العاص - إما عبد الله , وإما أبوه - : ما أحد يلقى الله إلا وهو ذو ذنب , إلا يحيى بن زكريا . قال : وقال سعيد بن المسيب : { وسيدا وحصورا } قال : الحصور : الذي لا يغشى النساء , ولم يكن ما معه إلا مثل هدبة الثوب.
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الحصور الذي لا يقرب النساء.
ثنا النضر بن عربي عن مجاهد أيضاً في قوله تعالى:{ وحصورا } قال : الذي لا يأتي النساء .
أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى : { وحصورا } قال : هو الذي لا ماء له .
عن جويبر عن الضحاك أيضاً قال : الحصور الذي لا يولد له , وليس له ماء.
ثنا شبل عن زعم الرقاشي قال : الحصور الذي لا يقرب النساء .
ثنا أبو هلال قال: ثنا قتادة في قوله تعالى: { وسيدا وحصورا } قال الحصور : الذي لا يأتي النساء.
ثنا سعيد عن قتادة : في قوله تعالى{ وحصورا } كنا نحدث أن الحصور الذي لا يقرب النساء.
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب عن ابن زيد : في قوله تعالى{ وحصورا } قال : الحصور الذي لا يأتي النساء .
ثنا أسباط عن السدي : في قوله تعالى:{ وحصورا } قال : الحصور الذي لا يريد النساء.
عن عباد عن الحسن : في قوله تعالى:{ وحصورا } قال : لا يقرب النساء .
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: { وحصورا } أي لايأتي النساء ، وعليه شرحه الحافظ ابن حجر في فتحه فقال: (( وأصل الحصر الحبس والمنع ، يقال لمن لايأتي النساء أعم من أن يكون ذلك بطبعه كالعنّين أو بمجاهدة نفسه وهو الممدوح ، والمراد في وصف السيد يحيى عليه السلام )). (4)

------------------------------

## المطلب الرابع والأخير: (( الراجح ))
كان لزاماً بعد ذكر الأقوال المأثورة في تفسير هذه الآية المباركة في المطلب الثالث من تعيين أرجح الأقوال في تفسيرها ، فكان بذلك القول الصحيح بأن الحصور (( هو الذي يكف عن النساء ولايقربهن مع القدرة على إتيانهن )) ، ورُجِّحَ هذا القول والله أعلم لثلاث دلائل:
الدلالة الأولى: أن وسم نبي الله يحيى عليه الصلاة والسلام بالحصور إنما هو مدح له وثناء ، والثناء كما هو معلوم إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجِبِلَّة في الغالب.
الدلالة الثانية: أن كلمة ((حصور)) في اللغة العربية على وزن فعول من صيغ الفاعلين ، فالمعنى يصبح أنه يحصر نفسه ويحبسها عن الشهوات ، ولعل هذا والله أعلم كان شرعه.
الدلالة الثالثة: أن الأحاديث المروية في تفسير هذه الآية والمذكورة في معظم التفاسير بإختلاف ألفاظها وأسانيدها حكم على جُلَّها الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى بالغرابة الشديدة ، وبوقف بعضها على الصحابة كعبد بن عمرو العاص ، وبقطع بعضها على التابعين كسعيد بن المسيِّب.
فيتبين أن إستشهاد بعض المفسرين بهذه الأدلة والأقوال بأن يحيى عليه الصلاة والسلام لم يكن له ذَكَر أو كان ذَكَره مثل الهدبة أو النواة لايعتدُّ به لما تقدم ذكره بغرابته أو لها حكم الموقوف أو المقطوع ، ولقد سُئِلَ فضيلة الشيخ العلاَّمة المحدث سليمان بن ناصر العلوان نفع الله بعلمه عن هذه الأحاديث والأقوال فقال: (( الأحاديث التي تصف ذَكَر يحيى عليه الصلاة والسلام وأنه كان عقيماً جميعها غير صحيحة ، والموقوف منها فيه نظر ، والصحيح أنه لايصح في هذا الباب شيء)) (5) ، ولعلّي أختم بكلام وافٍ للقاضي عياض رحمه الله وغفر له حول هذه الآية حيث يقول:(( اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان حصوراً ليس كما قاله بعضهم أنه كان هيوباً أو لاذَكَر له ، بل قد أنكر هذا حذّاق المفسرين ونقّاد العلماء وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولايليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصورٌ عنها ، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات ، وقيل: ليس له شهوةٌ في النساء وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام ثم هى في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه: درجة عليا وهى درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادةً بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال: حبب إلي من دنياكم ))(6) إنتهى كلامه رحمه الله ، هذا وربي أعلى وأعلم ، فما أصبت من الله عز وجل وما أخطأت فمن نفسي المقصرة والشيطان ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

------------------------------

الهوامش:
(1) أيسر التفاسير للجزائري : ( ج1-ص260 ).
(2) تضمين من كلام الإمام القرطبي والإمام الطبري في تفسيرهما على الآية لغويا ً.
(3) انظر: الآية 39 من سورة آل عمران من تفسير الطبري وتفسير القرطبي وتفسير ابن كثير وتفسير الجلالين (بتصرف).
(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر - كتاب تفسير آيات سورة آل عمران.
(5) مهاتفةً مع الشيخ عصر السبت ، الموافق:16/1/1423هـ.
(6) نقلاً من كتابه الشفاء.