المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفنيد كذبة للكوثري على الحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله -


سليمان الخراشي
05-02-16, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


قال الكوثري في كتابه " الإشفاق على أحكام الطلاق " ( ص 35 ) :

( كان الحافظ ابن رجب الحنبلي من أتبع الحنابلة منذ صغره لابن القيم ، وشيخه ، ثم تيقن ضلالهما في كثير من المسائل ، ورد قولهما في هذه المسألة في كتاب سماه " بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة " ) !

وهذه من جملة أكاذيبه المعتادة على أعلام أهل السنة ، ممن يُخالفون مذهبه الجهمي القبوري ، الشيخين ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله – خاصة .
وهو - حسب خبرتي بكتبه – لا يأتي بمثل هذه الأكاذيب من عند نفسه ، إنما يلتقطها من كتب أعداء الشيخين في المقام الأول ، ثم ما يظنه يوافقها من غيرهم ، ثم يتزيد فيها ، أو يُوجهها وجهته المعروفة ؛ ليظهر أمام القراء بأنه مجرد ناقل ! ولهذا أمثلة كثيرة من كتبه .

لهذا ؛ فقد بحثت عن مصدر قولته الكاذبة السابقة ؛ فتبين لي – والله أعلم - أنه استقاها من مصدرين ، ثم صاغها بأسلوبه الواثق !

وإليك المصدران ، مع تفنيد بعض طلبة العلم - في ملتقى أهل الحديث وغيره - لما جاء فيهما ، وما أنا إلا ناقلٌ ومُهذبٌ لكلامهم ، مع زيادات يسيرة ؛ كي يكون هذا المقال مرجعًا لمن أراد رد هذه الكذبة ، كلما أثارها المبتدعة ، من أتباع الكوثري الهالك .

‏المصدر الأول :

قال تقي الدين الحصني في كتابه " دفع شبه من شبه وتمرد " ( ص123) : ( وكان الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي ممن يعتقد كفر ابن تيمية ، وله عليه الرد، وكان يقول بأعلى صوته في بعض المجالس: معذور السبكي!، يعني في تكفيره ) !!

الجواب :

الحصني هذاكان أشعريا جلدًا متعصبًا ، عدوًا لدودًا لشيخ الإسلام ، وله في كتابه السابق عدة كذبات وافتراءات على الشيخ ، وقد فندت واحدة منها هنا :

http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=181060

قال ابن قاضي شهبة في ترجمته من " طبقات الشافعية " (4/ 77) :

(كَانَ أشعريا منحرفًا على الْحَنَابِلَة يُطلق لِسَانه فيهم، ويبالغ فِي الْحَط على ابْن تَيْمِية ) .

وقال السخاوي في " الضوء اللامع " (11/ 83):
(كَانَ يتعصب للأشاعرة ) .

وما حكاه عن ابن رجب من تكفيره لابن تيمية هو من مبالغاته ، بل كذباته ، كما أنه يُخالف المعروف عن ابن رجب ؛ فقد كان كثير الترحم على ابن تيمية، وكان يصفه دائمًا بـ(الإمامة) و (مشيخة الإسلام)، بل وكان يعده من (الأئمة الكبار الحفاظ) ؛ كما في مواضع كثيرة من " ذيل طبقات الحنابلة " ، ومنها ما في ترجمة شيخ الإسلام ، وابن القيم - رحمهما الله - .

قال - رحمه الله - (4/ 491) في ترجمة ابن تيمية:

( أَحْمَد بْن عَبْد الحليم بْن عَبْد السَّلام .. بن تيمية الحراني، الإِمَام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. تقي الدين أَبُو الْعَبَّاس، شيخ الإِسْلام وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب فعب ذكره، والإسهاب فِي أمره.... قَالَ الذهبي فِي معجم شيوخه: ... شيخنا وشيخ الإِسلام، وفريد لعصر علما ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف ونهياً عَنِ المنكر. ... فاق النَّاس فِي معرفة الفقه، واخْتِلاف المذاهب، وفتاوى الصَّحَابَة والتابعين، بحيث إنه إِذَا أفتى لَمْ يلتزم بمذهب، بَل يقوم بِمَا دليله عنده... .ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لَهَا ببراهين ومقدمات، وأمور لَمْ يسبق إِلَيْهَا، وأطلق عبارات أحجم عَنْهَا الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هُوَ عَلَيْهَا، حَتَّى قام عَلَيْهِ خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عَلَيْهِ، وبدعوه وناظروه وكابروه، وَهُوَ ثابت لا يداهن ولا يحابي، بَل يَقُول الحق المرَّ الَّذِي أدَّاه إِلَيْهِ اجتهاده، ... - انتهى كلام الذهبي، ثم قال ابن رجب:- لما صنف المسألة " الحموية " فِي الصفات: شنع بها جماعة، ...ثُمَّ امتحن .. بالسؤال عَن معتقده بأمر السلطان. فجمع نائبة القضاة وَالْعُلَمَاء بالقصر، وأحضر الشيخ، وسأله عَن ذَلِكَ؟ فبعث الشيخ من أحضر " العقيدة الواسطية " فقرأوها فِي ثَلاث مجالس، وحاقَقُوه، وبحثوا مَعَهُ، ووقع الاتفاق. بَعْد ذَلِكَ عَلَى أَن هذه عقيدة سُنية سلفية ، فمنهم من قَالَ ذَلِكَ طوعًا، وَمِنْهُم من قاله كرهًا. وورد بَعْد ذَلِكَ كتاب من السلطان فِيهِ: إِنَّمَا قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أَنَّهُ عَلَى عقيدة السلف .... وَأَمَّا تصانيفه رحمه اللَّه فَهِيَ أشهر من أَن تذكر، وأعرف من أَن تُنكر سارت مسير الشَّمْس فِي الأقطار، وامتلأت بِهَا البلاد والأمصار، قَدْ جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحدٌ حصرها، ولا يتسع هَذَا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها. ولنذكر نبذه من أسماء أعيان المصنفات الكبار: ..- ثم ذكرها - ) .
وقال : (وشرع الشيخ في الجمع والتصنيف، من دون العشرين، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره ) .

فهل يقول هذا من يُكفر ابن تيمية ؟!

وقال – رحمه الله - في ترجمة شيخه ابن القيم :

( أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن قيم الجوزية، شيخنا. ...لازم الشيخ تقي الدين وأخذ عَنْهُ. وتفنن فِي علوم الإِسلام. وَكَانَ عارفا بالتفسير لا يجارى فِيهِ، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى.... وقد امتحن وأوفي مرات، وحبس مَعَ الشيخ تقي الدين فِي المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عَنْهُ، وَلَمْ يفرج عَنْهُ إلا بَعْد موت الشيخ ...وسمعت عَلَيْهِ " قصيدته النونية الطويلة " فِي السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها... وصنف تصانيف كثيرة جدًا فِي أنواع العلم... فمن تصانيفه: ... الشافية الكافية فِي الانتصار للفرقة الناجية " وَهِيَ " القصيدة النونية فِي السنة " مجلدان، كتاب " الصواعق المنزلة عَلَى الجهمية والمعطلة " فِي مجلدات، كتاب " اجتماع الجيوش الإسلامية عَلَى غزو الفرقة الجهمية " مجلد، ... توفى رحمه الَلَّه ...ورئيت لَهُ منامات كثيرة حسنة ، رَضِيَ الَلَّه عَنْهُ ، وكَانَ قَدْ رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدين رحمه الَلَّه فِي النوم، وسأله عَن منزلته؟ فأشار إِلَى علوها فَوْقَ بَعْض الأكابر، ثُمَّ قَالَ لَهُ: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أَنْتَ الآن فِي طبقة ابْن خزيمة رحمه الَلَّه ).

فهل يقول هذا من يُكفر شيخ الإسلام ؟!

وأما عقيدة ابن رجب السلفية ، التي هي عقيدة الشيخين ؛ فيجدها القارئ ضمن هذه الرسالة " ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف " ؛ للشيخ عبدالله الغفيلي :

http://waqfeya.com/book.php?bid=1921


المصدر الثاني :

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في " إنباء الغمر " ( 1 / 174 ) في ترجمة ابن رجب – رحمه الله - :

( ونُقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ، ثم أظهر الرجوع عن ذلك ؛ فنافره التيميون ، فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ) .

قلت : لم يُبين المسائل التي أظهر الرجوع عنها .

وأظنها مسألة الطلاق الثلاث ؛ وهي مسألة فقهية يُخالف شيخَ الإسلام فيها جمهورٌ عريض من علماء السلف والخلف ، ولاغضاضة في هذا الخلاف ، والحق ما قرره الدليل في المسألة.
فليس كل من خالف شيخ الإسلام فيها يكون مُبغضًا له !
وهل يلزم الاتفاق في كل الفروع ؟!
فأصحاب المذهب الواحد لايقولون بهذا ، بل يختلفون في ترجيح الروايات عن الإمام نفسه ، واختيار الصواب في المسائل.

ولعل من أعظم محبي شيخ الإسلام في العصر الحديث ومتبعي منهجه – ممن يخالفونه في هذه المسألة - : الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم المفتي الأسبق للديار السعودية – رحمه الله - ، فهل يُقال بأنه مُبغض لشيخ الإسلام ؟!
ومثله : الشيخ ابن باز – رحمه الله – كان يُخالف ابن تيمية في قول : ( أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ) ، فابن تيمية يعدها واحدة ، وابن باز يعدها ثلاثًا .

•وأما رسالة ابن رجب – رحمه الله - : " الرد على من اتبع غير المذاهب الأربع " ، فقصد منها أن لا يتجرأ أحدٌ على الاجتهاد ، وهو لا يملك أدواته ، ولم يُرد بها إغلاق هذا الباب - كما فهمه بعض متعصبة المذاهب - .

يقول الشيخ عبدالله الجديع : ( قرأتُ رسالة ابن رجب في التقليد، ونَفَسُها نفَسُ ابنِ رجب، والعبارةُ عبارتُه، وهو ينعى حالَ أهلِ زمانه، ويَعيب المتطاولين على الشريعة، وانطلق في إيجاب التقليد من أصل حفظ الدين أن لا يقول فيه من شاء ما شاء، وهو مقصدٌ صحيح، على أنك لو تأمَّلت تجده صار إلى المذهب الذي اختاره باجتهادٍ لا بتقليد، وفي عباراته ما يُبْقي هذا الحق للأمة، لكن حين يملك الشخصُ الأسبابَ المؤهِلة، ولذا ضَرب المثل بأحمد بن حنبل ، وما كان قد آتاه الله عز وجل من المكنة في العلم وآلة الفهم ) .

والله الهادي ..