المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة الشيخ محمد بن إبراهيم للشيخ الصواف بخصوص كتابه الذي اعتمد فيه على شيعي !


سليمان الخراشي
17-02-16, 06:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


كتب الشيخ محمد محمود الصواف - رحمه الله - كتابًا في التفسير ، اعتمد فيه في باب صفات الله على كتابٍ لأحد الشيعة ! فأرسل له الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – الرسالة التالية :


( من محمد بن إبراهيم إلى الأستاذ محمد محمود الصواف .. سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد:

لقد كتبتَ كتابًا أسميته " عدة المسلمين في معاني الفاتحة وقصار السور من كتاب رب العالمين " ، ومن السور التي ذكرتَ تفسيرها : سورة الصمد، وكان مما ذكرتَ في تفسيرها ما نقلته عن الطبرسي ص248، 249 في معنى قوله تعالى: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } وهذا لفظه .

" قال الإمام ! الطبرسي في تفسيره: { لَمْ يُولَدْ} : أي لم يخرج منه شيء كثيف كالولد، ولا سائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقات، ولا شيء لطيف كالنفس، ولا ينبعث منه البذوات ؛ كالسِنة والنوم والخطرة والغم والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء والرغبة والسامة والجوع والشبع، تعالى أن يخرج منه شيء وأن يتولد منه شيء كثيف أو لطيف. { وَلَمْ يُولَدْ } أي أنه لم يتولد من شيء ، ولم يخرج منه شيء ، كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها ؛ كالشيء من الشيء ، والدابة من الدابة ، والنبات من الأرض ، والماء من الينابيع ، والثمار من الأشجار، كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين ، والسمع من الأذن ، والشم من الأنف ، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتمييز من القلب، والنار من الحجَر؛ لا بل الصمد الذي لا من شيء ، ولا في شيء ، ولا على شيء، مبدع الأشياء وخالقها، ومنشيء الأشياء بقدرته ، (الذي لم يلد ولم يولد) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ". انتهى.


وهذا الكلام يشتمل على نفي صفات الكمال عن الله عز وجل على سبيل اللزوم، ونفي صفات الفرح الذي عبر عنه بكلمة (والبهجة) والضحك والعلو والاستواء على سبيل الصراحة، كما سلك فيه نفي صفات النقص عن الله على طريق التفصيل؛ ونظرًا لاشتماله على ذلك وأنكم ارتضيتموه أن يكون تفسيرًا للآية ؛ لاختياركم له وسكوتكم عليه مطلقًا، وأن المعلوم أن هذا هو مذهب الجهمية وأتباعهم، وأنه مخالف لما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان، وأن النصيحة واجبة، والأمور المنكرة تختلف ، فمنها ما يوجب الكفر، ومنها ما هو معصية، ومقالة الجهمية ومن سلك نهجهم عن الله غير خافية أنها كفر ؛ تعين علينا أن أكتب لكم بيان طريقة القرآن والسنة ، ومن أخذ بها ، في هذا الباب، وهو كما يلي:
1- الواجب في هذا الباب، وتقريره.
2- بيان طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وعقيدة الجهمية وأتباعهم فيه.
3- طريقة القرآن والسنة في إثبات الصفات، ونفيها.
4- هدي الصحابة والتابعين ومن تبعهم على الحق في إثبات صفة العلو والاستواء، وذكر الأدلة: من القرآن، والسنة، والعقل، والفطرة على ذلك.
5- ذكر بعض الأدلة الدالة على إثبات صفة الضحك والفرح.
6- الإشارة إلى طائفة من أقوال السلف في الأسماء والصفات عمومًا ، وفي العلو والاستواء خصوصًا.
7- أقسام الناس في آيات الصفات وأحاديثها.
8- ذكر بعض المراجع في هذا الموضوع.


وقبل الدخول في تفصيل الجواب نحب أن نبين لكم أن "الطبرسي" الذي وصفتموه بأن إمام ! هو الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي البزداوي الرضوي المشهدي الرافضي. وإذا كان لديك إشكال في حقيقة الرافضة فعليك بمراجعة " المنهاج " لشيخ الإسلام. فهل هذا يؤخذ عنه العلم ، وخاصة في باب الأسماء والصفات؟! رحم الله الإمام مالك حيث قال: إن العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. انتهى.
وأنت لم تذكر تفسير الصحابة لهذه الآية، نعم ذكرتَ حديثًا أخرجه البخاري عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو تفسيرٌ للآية، ولو اقتصرت عليه لكنت ملتزمًا طريق السلامة. وهذا أوان الشروع في تفصيل الجواب:


1- أما الواجب في هذا الباب وتقريره ؛ فهو أن يُقال:

القول في آيات الصفات وأحاديثها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء ، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، وبيان ذلك من وجهين:
الأول: بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } ، وتفصيل هذا الوجه من طرق ثلاثة:
إحداها : يستحيل عقلًا وشرعًا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الوصف ، ويكون ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا ، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وما يجوز عليه ، وما يمتنع عليه. وتقرير هذا الطريق أن معرفة ذلك أصل الدين وأساس الهداية ، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول؛ فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يُحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟!

الطريق الثاني: يستحيل عقلًا وشرعًا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علّم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " ، وقال فيما صح عنه: " ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ".
وروى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: " لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء غلا ذكر لنا منه علمًا " ، وروي البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا فذكر بدء الخلق ، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه " .
الطريق الثالث : يستحيل عقلًا وشرعًا أن يُعلمهم كلَّ شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن قل ، ويترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين ، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب؛ بل هذا خلاصة الدعوة النبوية ، وزبدة الرسالة الإلهية؛ فكيف يتوهم مَن في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم على غاية التمام.
الوجه الثاني : وإذا كان قد وقع ذلك منه كما تقدم تقريره ؛ يستحيل شرعًا وعقلًا أن لا يكون منقولًا عنه. وتقرير هذا الوجه من طرق أربعة:
الأول : يمتنع شرعًا وعقلًا أن يكون خير الأمة وأفضل قرونها قصّروا في هذا الباب ، زائدين فيه أو ناقصين عنه.
الطريق الثاني : لا يجوز شرعًا وعقلًا أن تكون القرون المفضّلة ، القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك : إما عدم العلم والقول ، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق ، وكلاهما ممتنع. وتقرير ذلك في مقامين:
الأول : أن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة ، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه - أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته، وهذا أمر معلوم بالفطرة، وإذا ثبت اللازم ثبت الملزوم.
الثاني : وأما القول بأنهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ، ولا عاقل عرف اتّباع محمد صلى الله عليه وسلم على بصيرة من الأمر.
الطريق الثالث : أنهم أعلم الأمة بعد نبيها على اختلاف مراتبهم في العلم ، وهذا شامل للعلم بالله والعلم بأمر الله؛ ثم إن العلم بالله يُقصد منه علم التوحيد بجميع متعلقاته ، قولًا وعملًا واعتقادًا.
الطريق الرابع : بما أنهم بلغوا هذا المبلغ من العلم والفضل ، هل يمكن أن يقول قائلٌ : إنهم لم يُبلغوا ما تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَن بعدهم ؟! وهذا لا يقوله رجلٌ يؤمن بالله وملائكته ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره؛ وإنما يقول ذلك رجلٌ انطمست بصيرته ، فصار يتخبط في شرع الله بما تهواه نفسه الأمارة بالسوء ، وينسبه إلى الإسلام ، وهو برئ منه؛ ولكن كما قال تعالى: {فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} ، وكقوله تعالى: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
ومن عميت بصيرته انعكست الحقائق عنده ، فلا يميز بين حق وباطل؛ فالحق عنده ما رآه حسنًا في عقله، والباطل ما رآه باطلًا في نظره { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }.


2- وأما طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب :
فهي: أن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يُتجاوز القرآن والحديث، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ ويعلمون أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يُعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ لا سيما إذا كان المتكلم هو الله جل وعلا، أو الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي هو أفصح الخلق مطلقًا من جميع الوجوه، وأعلمهم بما يقول؛ وهو سبحانه مع ذلك : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } لا في ذاته ، ولا في أسمائه وصفاته ، ولا في أفعاله؛ فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذاتٌ حقيقية ، وله أفعالٌ حقيقية ، فكذلك له صفات وأسماء حقيقية. وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا ، فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى. ومذهب السلف هذا بين التعطيل والتمثيل؛ فلا يُمثلون صفات الله بصفات خلقه ؛ كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيُعطوا الأسماء الحسنى والصفات العلا ، ويحرفوا الكلم عن مواضعه ، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.
ورضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: " أو كلما جاءنا رجلٌ أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء ؟! " انتهى.
والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومَن سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الاستقامة، وكل طريقةٍ سوى طريقتهم فإنها ضلال مبين؛ لقوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }.
وأما عقيدة الجهمية في أهل السنة والجماعة فهي أنهم يعتقدون أنهم لم يفهموا هذه الشريعة على الوجه المراد منها؛ وإنما هم نقلة ألفاظ لمن بعدهم فقط، ثم جاء الخلف الذين هم الجهمية ومن شاكلهم فأدركوا معاني النصوص وفسروها وبينوا الوجه المراد منها !

وهذا ناشئ عن أمرين:

الأول : يقول جهم ومن تبعه: إن جميع ما ورد في باب الأسماء والصفات لم يدل على صفة باعتبار الحقيقة ، ثم أخذوا يتخبطون في شرع الله ويصرفون هذه النصوص عما نص عليه بعضها وما دل عليه البعض الآخر بظاهره ، إلى معاني فاسدة مخالفة لأصول الشريعة والعقل الصحيح.
الثاني : اعتمدوا في وصف السلف الصالح بالجهل، ووصفهم أنفسهم بالعلم، وتلاعبهم بالأدلة على ما تقتضيه عقولهم وتمليه عواطفهم ، وتشتهيه نفوسهم الأمارة بالسوء ، ويوحيه إليهم شياطينهم من الإنس والجن ، وتُسلطهم عليه أهواؤهم؛ ركبوا مراكب الردى فهلكوا وأهلكوا، وانصرفوا عن طريق الحق : { صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ }.


3- وأما مذهب السلف في باب أسماء الله وصفاته نفيًا وإثباتًا :

فإنهم يعتقدون أن الله بعث رسله بنفي مجمل وإثبات مفصل.

أما النفي : فإنهم ينفون عن الله ما لا يليق بجلاله وعظمته نفيًا مجملًا.
وأما الإثبات المفصل : فإنهم يثبتون له من الأسماء والصفات إثباتًا مفصلًا.
أما الأول : فكقوله تعالى: { فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } ، وقوله تعالى: { لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وقوله تعالى: { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }.
وأما الثاني: فكقوله تعالى: { اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ } إلى قوله: { وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ } ، وقوله تعالى: { هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } ، { وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، { وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } ، { وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }.
وقوله تعالى: { هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْبَاطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.
وقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }.
وقوله تعالى: { ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ }.
وقوله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } إلى آخر السورة .... وغير ذلك من الأدلة الثابتة في أسماء الرب وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل.
فهذه طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد أخذ بها من سلك نهجهم مقتديًا بهم ، ومهتديًا بهديهم { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ }.
ثم اعلم أن القول في الصفات كالقول في الذات، وأن القول في بعض الصفات كالقول في بعض؛ فإثبات صفة أو صفات الله مما يليق بجلاله وعظمته ؛ كالعلو والاستواء والضحك والفرح ، يلزم منه إثبات الذات وإثبات سائر الصفات؛ لأنه لا يُعقل وجود ذاتٍ للباري جل وعلا غير متصفة بصفات الجلال والكمال، وكذلك في النفي؛ فنفي صفة أو صفات كما سبقت أمثلته قريبًا يلزم منه نفي الذات ونفي سائر الصفات.


4- وأما مذهب السلف في الاستواء ، وأن الله في جهة العلو : فهو أنهم يعتقدون أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ، ويختص به؛ فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، وأنه سميع بصير ، ولا يجوز أن يُثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم ، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ، ولا يُثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا .
وأنه سبحانه وتعالى له علو الذات ، وعلو القدر ، وعلو القهر.
ونحن نبين بعد هذا مستنده من: الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة.

أما الكتاب : فمن ذلك: قوله تعالى : { إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } ، وقوله تعالى: { إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إلَيَّ } ، وقوله تعالى: { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } ، وقوله تعالى: { بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ } ، وقوله تعالى: { تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ، وقوله تعالى: { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ }.
وقوله تعالى: { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ } ، وقوله تعالى: { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا } ، وقوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ } في ستة مواضع.

وأما السنة : فمن ذلك: روى البخاري في الصحيح في حديث الخوارج قوله صلى الله عليه وسلم: " ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء ؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء " ، وقصة المعراج وشهرتها تغني عن نقلها. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للجارية: " أين الله ؟ " قالت: في السماء ، قال: " من أنا ؟ " قالت: أنت رسول الله ، قال: " أعتقها فإنها مؤمنة " ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوعٍ عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي " ، وروى أبو داود وغيره بأسانيدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث الرقية: " ربنا الله الذي في السماء ، تقدس اسمك ، أمرك في السماء والأرض ، كما رحمتك في السماء ، اجعل رحمتك في الأرض ، اغفر لنا حوبنا وخطايانا ، أنت رب الطيبين ، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع " ، وروى أحمد وأبو داود وغيرهما بأسانيدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث الأوعال : " والعرش فوق ذلك ، والله فوق عرشه ، وهو يعلم ما أنتم عليه " ، وروى الإمام أحمد في المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا " ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " يمد يديه إلى السماء يقول : يا رب يا رب " ، والأدلة في هذا قد بلغت درجة القطع ، فلا ينكرها من جهة السند أو الدلالة إلا من اجتالته الشياطين، وكلها دالة على أن الله في جهة العلو، وأنه مستوٍ على عرشه.

وأما العقل، والفطرة : فهما متفقان في ذلك؛ فإن الله تعالى قد فطر العباد ، عربهم وعجمهم ، على أنهم إذا دعو الله توجهت قلوبهم إلى العلوّ ، ولا يقصدونه تحت أرجلهم؛ ولهذا قال تعالى: { فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ } ، وقال صلى الله عليه وسلم: " كل مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ، ولما أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين الله ؟ " ، قالت: في السماء ، قال: " من أنا ؟ " ، قالت: أنت رسول الله ، فقال: " هي مؤمنة " ، وأمر بعتقها . هذا من جهة الفطرة.
وأما من ناحية العقل ؛ فإن العلوّ صفة كمال ، وعكسه صفة نقص، والعقل يقضي بأن الله موصوف بصفات الكمال والجلال على وفق ما جاء في الكتاب والسنة، ، فإنه تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، { ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وقد عرف ذلك بعقله وفطرته فرعون ، قال تعالى حكاية عنه: { وقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا } ، وكشف الله سبحانه وتعالى سريرة فرعون لموسى ، وبين أن ذلك إنما كان من باب القول ، وأنه مصدقٌ في قرارة نفسه ، فقال تعالى : { وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وعُلُوًا }.


5- ومما ورد في إثبات صفة الضحك لله جل وعلا : ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة " ، ومما ورد في إثبات صفة الفرح له تبارك وتعالى ما أخرج الشيخان والترمذي بأسانيدهم إلى ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " للهُ أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ نزل في أرض دويّة مُهلكة ، معه راحلته ، عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه ، فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، فطلبها ، حتى إذا اشتد عليه الجوع والعطش قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ، فاستيقظ فإذا راحلته عنده ، عليها زاده وشرابه ، فاللهُ أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده " .


6- وأما بيان نصوص كثير من الأئمة في هذا الباب : فمن ذلك : ما روى أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث؟ فقالا: أمرّوها كما جاءت. وروى الخلال أيضًا عن الوليد بن مسلم ، قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمرّها كما جاءت. وفي رواية فقال: أمرّوها كما جاءت بلا كيف. فقولهم رضي الله عنهم: أمرّوها كما جاءت ، ردٌ على المعطلة ، وقولهم: بلا كيف ، ردٌ على الممثلة . والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما.
وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس: إذا ذُكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننًا ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري صاحب أبي حامد الإسفرائيني في كتابه المشهور في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل ، من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسّر اليوم شيئًا منها ، فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء.
ومحمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.
قوله: " من غير تفسير " أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات ، بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.
وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم قال : هذه الأحاديث التي يقول فيها " ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره من خلقه " ، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرؤية ، هي عندنا حقٌ ، حمَلها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها، وما أدركنا أحدًا يفسرها.
وأبو عبيد أحد الأئمة الأربعة الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يُوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يفسرها. أي: تفسير الجهمية.
وروى اللالكائي والبيهقي بإسناديهما عن عبد الله بن المبارك، أن رجلًا قال: يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة - عني صفة الرب - فقال له عبد الله ابن المبارك: وأنا أشد الناس كراهية لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به ، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه، ونحو هذا.
أراد ابن المبارك أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء أنفسنا ، حتى يجئ به الكتاب والآثار.
وقال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه " أصول السنة " : واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله ، يرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا، والعجز عما لم يدع إليه إيمانًا، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه. انتهى.
وذكر آيات الصفات وأحاديثها ثم قال بعدها: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ، لم تره العيون فتحده كيف هو، ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان. انتهى.
واعلم أن كلام أئمة الهدى في هذا الباب واسعٌ جدًا، ولكن عليك بمراجعة ما كتبوه في كتبهم التي سنوضح لك.


وأما كلام أهل السنة والجماعة في الاستواء و العلو ؛ فمن ذلك:
روى أبو بكر البيهقي في كتابه " الأسماء والصفات " بإسناد صحيح، عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة. وروى الخلال بإسنادٍ كلهم ثقات، عن سفيان ابن عيينة، قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق . وروى أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى قال: كنا عند مالك ابن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله : { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج.
وفي كتاب " الفقه الأكبر " المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سأل رجل أبا حنيفة عمن قال : لا أعرف ربي في السماء، أم في الأرض ؟ قال: قد كفر؛ لأن الله يقول: { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، وعرشه فوق سبع سماوات. قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء، أم في الأرض. قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء، أم في الأرض ؟ قال: قد كفر ؛ لأن الله يقول: { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، وعرشه فوق سبع سماوات. قال: فإنه يقول: على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في الأرض، أم في السماء ؟ قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفّر الواقف الذي يقول على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء، أم في الأرض.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفّر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول : ليس في السماء أو ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله: { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، قال: وعرشه فوق سبع سماوات.
وبيّن بهذه أن قوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } يبين أن الله فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش، ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ، ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض، قال : لأنه أنكر أنه في السماء ؛ لأن الله في أعلى عليين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل.
وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل، وكلٌ من هاتين الحجتين فطرية عقلية؛ فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يُدعى من أعلى لا من أسفل. وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروى هذا اللفظ بإسنادٍ عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه " الفاروق " .
أيضًا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش، بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي ٌرديءٌ ضلّيل، وهالكٌ مرتاب، يمزج الله بخلقه، ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان.
وروى أيضًا عن ابن المديني لما سئل : ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى. فسئل عن قوله: { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } ، فقال: اقرأ ما قبلها: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ } .
وروى أيضًا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان.
وروى عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } قال: تفسيره كما تقرأ ، هو على العرش وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله.
وروى الإمام أحمد بن حنبل قال: أخبرنا سريج بن النعمان، قال : سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان.
وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في السماء، وجمع عليها قلوب عباده.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول؛ زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ههنا في الأرض.
وهكذا قال الإمام أحمد وغيره .
وروى بإسنادٍ صحيح عن سليمان بن حرب الإمام : سمعت حماد بن زيد - وذكر هؤلاء الجهمية - فقال: إنما يحاولون أن يقولوا : ليس في السماء شيء.
وروى ابن أبي حاتم في " كتاب الرد على الجهمية " عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علمًا ودينًا ، من شيوخ الإمام أحمد ، أنه ذُكر عنده الجهمية فقال: شرٌ قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش ، وهم قالوا : ليس على شيء .
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه ، بائنٌ من خلقه، وجب أن يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة ؛ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ، ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسنادٍ صحيح.


7- وأما أقسام الناس في آيات الصفات وأحاديثها :
فهي بالسبر والتقسيم ثلاثة :
الأول: من يُجريها على ظواهرها.
الثاني: من يُجريها على خلاف ظواهرها.
والثالث: يسكتون.
أما الذين يجرونها على ظواهرها فهما قسمان :
أحدهما : من يُجريها على ظواهرها من جنس صفات المخلوقين، وهذا مذهب المشبهة، وهو كفر.
والثاني: من يُجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ، وهم أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فإن الصفات كالذات؛ فكما أن ذات الله ثابتةٌ حقيقة من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين ، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين.
وأما الذين يجرونها على خلاف ظاهرها ؛ فمجمل اعتقادهم أنهم يقولون : ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله قط؛ بل صفاته إما سلبية أو إضافية أو مركبة منهما، أو يُثبتون بعض الصفات دون بعض، والتي يثبتونها هي السبع أو الثمان أو الخمس عشرة ، أو يُثبتون الأحوال دون الصفات، أو يُقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، وهم قسمان :
أحدهما: يتأولونها ، ويعينون المراد، مثل قولهم (استوى) بمعنى استولى ، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره على العرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من المعاني الفاسدة.
الثاني: يقولون: الله أعلم بما أراد بها؛ لكنا نعلم أنه لم يُرد إثبات صفة خارجة عما علمنا، وكلٌ منهما كفر أيضًا.
وأما الذين يسكتون فهم قسمان :
أحدهما: من يقول: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ، ونحو ذلك.
الثاني: يُمسكون عن هذا كله ، ولا يزيدون على تلاوة القرآن والحديث ، مُعرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. فهؤلاء الذين سكتوا وأعرضوا عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهدي الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والإعراض عن ذلك كفر، كما قال تعالى: { والَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ }.


8- وأما الإشارة إلى بعض المراجع في هذا الباب :
فمن ذلك " كتب السنة " لعبد الله بن الإمام أحمد، ولأبي بكر الأثرم، ولحنبل، وللمروزي، ولأبي داود السجستاني، ولابن أبي شيبة، ولأبي بكر بن أبي عاصم، والخلال، والطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني، وللالكائي، ولأبي ذر الهروي؛ وكذلك "كتاب خلق أفعال العباد " للبخاري، و " الرد على الجهمية " لعثمان بن سعيد الدارمي، و " التوحيد " لابن خزيمة؛ وكتب الرد على الجهمية لجماعة: مثل البخاري، وشيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي؛ وأيضًا " كتاب الأصول " لأبي عمر الطلمنكي، و " الأسماء والصفات " للبيهقي. انتهى.
والذين يُعتمد على كلامهم في هذا الباب : هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان؛ ومنهم عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبي العباس بن سريج، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم من أهل الحق.
إذا تقرر ما سبق ؛ فما يقع من التردد في ذلك هو بحسب ما يؤتاه العبد من العلم والإيمان : { ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } ، ومن اشتبه عليه شيء من ذلك وغيره ، فليدعُ بما رواه مسلم في صحيحه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي من الليل قال: " اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك ، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ، وفي رواية لأبي داود : أنه يُكبر في صلاته ، ثم يقول ذلك. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


مفتي الديار السعودية
في 28/7/1389هـ

فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ( 13 / 127 – 142 ) .


تعليق

1-رحم الله الشيخ محمد بن إبراهيم ، الذي ناصح أخاه الشيخ الصواف – رحمه الله – الذي زلّ في هذا الباب العظيم ؛ لاعتماده على الشيعي ، فأبان له الشيخ باختصارٍ مفيد ، وبأسلوبٍ علمي ، عقيدة أهل السنة في هذا الباب . وهذا نموذج من نماذج التواصي بالحق بين العلماء .


2-قد يتساءل البعض : كيف تساهل الشيخ الصواف - رحمه الله – في هذا الباب ، واعتمد فيه على الشيعي ؟

والسبب – في نظري – أن الصواف كان من جماعة الإخوان المسلمين في العراق ، بل يعده البعض مؤسسًا لها ، وهي جماعة تتساهل مع الشيعة - للأسف - ، ولا ترى فرقًا كبيرًا بينهم وبين الأمة السنية المسلمة !


ولذا نجده – عفى الله عنه - يقول في مذكراته ( ص 134 ) تحت عنوان " تآلف الشيعة والسنة ":

( وأكثر من ذلك ؛ فقد شملت الدعوة : السنة والشيعة ) !

بل وصل الحال بالجماعة أن تُرشح شيعيًا لرئاستها !!

وقد بينت هذا في مقالي هنا :

http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=170675

فهدى الله جماعة الإخوان في العراق وفي غيره ، وبصّرهم بكيد الشيعة وخطرهم ، فإن تساهلهم معهم جرّ عليهم الفساد حتى في أمر المعتقد ، كما رأينا في كتاب الصواف .. والله الهادي .

الباحث
18-02-16, 02:09 AM
للفائدة :

محمود الصواف هو رئيس جماعة الإخوان المسلمين في العراق .

قال عنه محدث العصر إمام أهل السنة والجماعة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله :

( إخونجي مر ) .

مالك بن حشر
23-02-16, 09:57 PM
للفائدة ... :
كتب الشيخ حمود التويجري كتابا اسماه " ذيل الصواعق لمحو الاباطيل و المخارق " في الرد على الاستاذ محمد محمود الصواف عن كتابه " المسلمون وعلم الفلك " .......
وفيه ان الاستاذ الصواف يقول في كتابه عن : ابي جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي انه " سلفنا الصالح " .
تجدون هذا في مقدمة للشيخ عبدالله بن حميد على كتاب الشيخ التويجري الصفحة الثالثة طبعة 1390 للهجرة .

سليمان الخراشي
24-02-16, 01:23 PM
بارك الله فيكم ..

فوائد نفيسة .. لا حرمنا الله فوائدكم ...

الباحث
06-03-16, 07:37 PM
للفائدة ... :
كتب الشيخ حمود التويجري كتابا اسماه " ذيل الصواعق لمحو الاباطيل و المخارق " في الرد على الاستاذ محمد محمود الصواف عن كتابه " المسلمون وعلم الفلك " .......
وفيه ان الاستاذ الصواف يقول في كتابه عن : ابي جعفر نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي انه " سلفنا الصالح " .
تجدون هذا في مقدمة للشيخ عبدالله بن حميد على كتاب الشيخ التويجري الصفحة الثالثة طبعة 1390 للهجرة .

إن ثبت هذا فهذه مصيبة .

حيث أن أبا جعفر الطوسي هو من شيوخ الرافضة ، بل هو الملقب من أئمتهم الملقب بـ ( شيخ الطائفة ) .

وأنا لا أستبعد من هذا ( الإخونجي المر ) أن يقول هذا الكلام مجاملةً ومداهنةً للرافضة في بلده العراق .

حيث أن الإخوان المسلمين معروفون بمجاملة ومداهنة الرافضة في كل بلد .