المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : براءة نبي اللهِ يوسف من الهمِّ بزوجة العزيز


خالد صالح محمد أبودياك
30-05-16, 04:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (يوسف: 24)، فهذه الآية الكريمة تُشير إلى أن زوجة العزيز قصدت وعمدت إجباره على فعل الفاحشة معها وذلك ظاهر في لفظ (ولقد همت به) بينما سيدنا يوسف عليه السلام لم يعزم أو يقصد فعل الفاحشة معها إطلاقا ففي الآية الكريمة جاء جواب حرف الشرط لولا وهو قوله تعالى " وَهَمَّ بِهَا " متقدمًا، فتقدير الكلام (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ ولَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ هَمَّ بِهَا أو لهَمَّ بِهَا كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) لأنَّه يجوز أن يأتي في جواب لولا اللام أي "لهَمَّ بِهَا" أو عدم مجيء اللام أي "هَمَّ بِهَا".ولأنَّ حرف لولا هو حرف امتناع لوجود يدخل على جملتين اسمية ففعلية فتمتنع الجملة الثانية الفعلية (هَمَّ بِهَا أو لهَمَّ بِهَا) بسبب وجود الجملة الإسمية الأولى (أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّه) والمصدر المؤول من (أن رَّأى) هو بمنزلة الإسم (رؤية)، فيكون معنى الآية أنه بسبب رؤيته برهان ربه امتنع عن الهمِّ بها. والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء ) أي أنّ الله عزوجل حفظه وعصمه عليه السلام من الفحشاء بجعله يرى البرهان كي يصرف ويدفع وسوسة الشيطان اللعين عن قلب وروح سيدنا يوسف عليه السلام وليس ليصرف قلبه وروحه عن عمل الفاحشة لأنه لو عزم عليه السلام في قلبه وفي روحه فعل الفاحشة أي لو أن روحه أمرت وطلبت من جوارحه فعل الفاحشة أي لو أن نفسه عليه السلام رغبت في عمل الفاحشة فعندئذ سوف يريه الله عزوجل البرهان من أجل أن يصرفه عن السوء ولقال تعالى (كذلك لنصرفه عن السوء) ولكنه عزوجل قال في كتابه الكريم (كذلك لنصرف عنه السوء). وعند تدبر قوله تعالى (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف: 33)، نجد أن سيدنا يوسف عليه السلام يرجو ويسأل الله أن يدفع عنه شرهن ويعصمه منهن كي لا يميل إليهن بمقتضى الطبيعة البشرية فيجيبهن على ما يردن من الفاحشة والسوء وبالتالي يصبح من الجاهلين إذا ما تعمد وقصد فعل الفاحشة لأنه من يتعمد ويقصد معصية الله عزوجل فإنه جاهل في عواقب ذلك من حساب وغضب الله عليه وعقابه وعذابه في نار جهنّم، قال تعالى (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (الزلزلة: 8) وفي ذلك إشارة واضحة لا لُبس فيها بأن جميع الأنبياء عندما أخطؤوا كان خطؤهم غيرَ مقصودٍ, لأنهم لم يوصفوا بالجهل كما في قوله تعالى عن نوح عليه السلام (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (هود: 45-47) وإنما وصفوا أنفسهم بالظلم وذلك لنقاء أرواحهم وطهارتها وشدة ورعهم وتقواهم وخشيتهم من الله عزوجل كما في قوله تعالى عن آدم وزوجه حواء عليهما السلام ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف:23). وكما في قوله تعالى عن يونس عليه السلام (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنبياء: 87-88). وكما في قوله تعالى عن موسى عليه السلام قال تعالى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (القصص: 15-16). ولذلك كانوا لا يقرون على هذه الأخطاء غير المقصودة وكانوا يُسارعون إلى الإستغفار والتوبة إلى خالقهم وملكهم وحبييهم سبحانه و تعالى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الكاتب : أخوكم خالد صالح أبودياك

رياض العاني
28-06-16, 04:35 AM
جزاك الله خيرا بحث قيم

خالد صالح محمد أبودياك
02-07-16, 06:29 PM
بارك الله فيكَ أخي الفاضل رياض العاني على ردك الطيب وتقييمك الهام

معاذ بن عبد العزيز
07-07-16, 08:10 PM
هذا قول السلف

قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : { ولقد همّت به وهمّ بها } الآية قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها .

معاذ بن عبد العزيز
08-07-16, 02:14 PM
قوله عليه السلام السجن أحب الي مما يدعونني اليه يدل و الله أعلم أن السجن عند نبي الله يوسف أحب له من
شهوات الأنفس فكيف له أن يهم بما يكره و الأية دالة على كرهه لهذا و الله أعلم و نبي الله يوسف بريء مما يغضب الله عز و جل خاصة ان هذا حدث منه بعد بعثته

و كما قلنا من قبل قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : { ولقد همّت به وهمّ بها } الآية قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها .

همام الأندلسي
08-07-16, 09:28 PM
قوله عليه السلام السجن أحب الي مما يدعونني اليه يدل و الله أعلم أن السجن عند نبي الله يوسف أحب له من
شهوات الأنفس فكيف له أن يهم بما يكره و الأية دالة على كرهه لهذا و الله أعلم و نبي الله يوسف بريء مما يغضب الله عز و جل خاصة ان هذا حدث منه بعد بعثته

و كما قلنا من قبل قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : { ولقد همّت به وهمّ بها } الآية قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها .

ليس هذا هو قول السلف

و هذا الذي حكاه أبو عبيدة -ان صح عنه- قد رده أئمة كالزجاج وابن الأنباري وكذا الطبري , فهو لا يستقيم لغة
لأن جواب لولا يكون بتقديم اللام فيكون (لهم بها لولا أن رأى برهان ربه )
مع أن تقدم الجواب على الشرط ليس من فصيح اللغة , وحاول أبو حيان توجيه هذا المعنى بكثير من التكلف والتعسف الذي تأباه لغة العرب
ولذلك جاء في كلام أبي عبيدة اثبات اللام في الجواب المقدم على شرطه
قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها

فلاحظ كيف أثبت اللام (لهم بها) , فلو كان التقدير على ما زعم صحيحا لكانت الآية هكذا
(ولقد همت به ولهم بها لولا أن رأى برهان ربه )

والحاصل أن الله أثبت هما للمرأة وهما ليوسف عليه السلام , بصيغة الفعل الماضي الدال على تحقق الفعل ومضيه لا على تعلق وقوعه بشرط
لكن شتان ما بين الهمين , فهمها أتبعته بكل ما قدرت عليه من الفعل الموصل الى مراد همها
أما همه فلم يتمه , ولم يظهر منه أي فعل استجابة لهذا الخاطر الذي عرض له لذلك سرعان ما انطفأ وخمد عندما رأى برهان ربه عزوجل
قال ابن قتيبة امام اللغة والحديث : لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهمّ بي، وأنت تريد اختلاف الهمَّين)) انتهى
و في زاد المسير لابن الجوزي (واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة، وإِنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله: قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي وقولِه:
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ وكل ذلك إِخبار ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية، وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم.)) انتهى

هذا قول السلف

ليس هو قول السلف بل ان قول ابن عباس وجماعة التابعين هو أنه هم بها هما حقيقيا حتى جلس منها مجلس الرجل من المرأة ....
وهذا رواه أبو حاتم و الطبري وعبد الرزاق عن ابن عباس وغيره باسانيد صحيحة
قال ابن الجوزري
(أنه كان من جنس همّها، ولولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإِلى هذا المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة المفسرين المتقدمين، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن الأنباري. وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهمّ بي، وأنت تريد اختلاف الهمَّين. واحتجَ منْ نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. قالوا: ورجوعه عما همّ به من ذلك خوفاً من الله تعالى يمحو عنه سيّئ الهمِّ، ويوجب له علوَّ المنازل.)) انتهى

واستدلوا بقصة النفر الثلاثة الذين انسدت عليه باب المغارة فكان منهم الرجل الذي راود المرأة ثم لما تمكن منها رجع وتاب فكان هذا الانكفاف عملا صالحا توسل به في دعائه ربه
وأيضا استدلوا بأحاديث , أن من هم بسيئة و تركها لله كتبت له حسنة
فيوسف عليه السلام لا يكون الا قد فعل ما يؤجر عليه وليس ما يلام عليه
ورواية ابن عباس عند ابن أبي حاتم وغيره
حدثنا محمد عبد الله بن يزيد المقري، ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَمِّ يُوسُفَ فَقَالَ: حَلَّ الْهِمْيَانَ، وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَاتِنِ فَنُودِيَ: يَا ابْنَ يَعْقُوبَ أَتَزْنِي؟ فَيَكُونَ مِثْلُكَ مِثْلَ طَائِرٍ سَقَطَ رِيشُهُ، فذهب يطير فلم يستطع.))

ثم رواه باسانيد آخرى
ثم روى حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا قَالَ: حَلَّ سَرَاوِيلَهُ حَتَّى بَلَغَ ثُنَّتَهُ، فَمَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَنَامِلِهِ......

و أيضا عن جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بزة..

فان قيل ان هذا الكلام ينافي عصمة الأنبياء و يخدش في مقامهم
فالجواب أن القصة يحتمل أنها وقعت قبل النبوة أو بعدها , ولا يترجح أحد الاحتمالين على الآخر
وعلى فرض أن ذلك وقع بعد بعثته , فهو لم يرتكب معصية بينة و على فرض أنه أتى معصية فالأنبياء غير معصومين من مثل هذه الصغائر لا سيما أنه بادر بالرجوع والاعتصام بربه

وفي تفسير القرطبي
( وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ دُونَهُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ هَمَّ بِهَا، وَهُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِتَأْوِيلِ كِتَابِهِ، وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَذْكُرْ مَعَاصِي الْأَنْبِيَاءِ لِيُعَيِّرَهُمْ بِهَا، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهَا لِكَيْلَا تَيْأَسُوا مِنَ التَّوْبَةِ)) انتهى

وهذا لا شك فيه فلا أحد أعلم من ابن عباس فيما تأوله وقد وافقه جماعة التابعين

ولكن الشيء الذي يجب أن يستثنى هو تلك الحكايات عن يوسف عليه السلام , فيما بينه وبين المرأة مما لا يعلم الا بخبر معصوم , فيشبه أن تكون من الاسرائيليات لذلك وجب التوقف فيها والاتفاء بما قصه الله علينا وما فصله لنا في هذه القصة

ابن عبد الهادي الشامي
25-07-16, 08:02 PM
قال الله عز و جل ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) – [البقرة 137]


تفسير الهم بحل السراويل و أنه جلس منها مجلس الخاتن، صح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، و مجاهد و ابن أبي مليكة و سعيد بن جبير و ابن سيرين و الحسن و قتادة و غيرهم.

و سأحصر الكلام في تفسير ابن عباس للآية مع ذكر مقدمة عسى أن ينفع الله بها.

يقول سعيد بن منصور في " التفسير 44 ":
نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرين، قَالَ: سَأَلْتُ عَبِيدَةَ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: " عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، والسَّدَاد ، فَقَدْ ذَهَبَ الَّذِينَ كَانُوا يعلمون فِيمَ أُنْزِلَ القُرْآنُ ".


و ابن عباس رضي الله عنه من الذين يعلمون فيم أنزل القرآن:

يقول الطبري في " تفسيره 107 ":
حَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْقُ بْن غِنَامٍ، عَنْ عُثْمَان المَكِّي، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: رَأَيْتُ مُجَاهِدًا يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، وَمَعَهُ أَلْوَاحُهُ، فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: " اكْتُبْ "، قَالَ: حَتَّى سَأَلَهُ عَنِ التَّفْسِيرِ كُلِّهِ.

و قال " 89 ":
حَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن إِدْرِيس، قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَوَلِىَ المَوْسِمَ، فَقَرَأَ سُورَةَ النُّورِ عَلَى المِنْبَرِ، وَفَسَّرَهَا، لَوْ سَمِعَتِ الرُّومُ لَأَسْلَمَتْ.



بل ابن عباس من الذين يعلمون تأويل القرآن:

يقول الطبري في " تفسيره 6632 ":
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.


و كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يسميه ترجمان القرآن:

يقول الطبري في " تفسيره 104 ":
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بَنْ بَشَّار، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ سُلَيْمَان، عَنْ مُسْلِم، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: نِعْمَ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ.


و هذه تزكية ما يعلم أنها حصلت لأحد غيره. و لا غرابة في ذلك:

فقد خرج البخاري في " صحيحه 3756 " قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ.

و الحكمة إصابة الحق.


ولو سلمنا أنه رأي لابن عباس لكان خيرا لنا من آرائنا. فكيف و هو بخلاف ذاك

يقول الطبري في " تفسيره 98 ":
حَدَّثَنِي يَعْقُوب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا.

و قال أبو عبيد في " فضائل القرآن 690 ":
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بَنْ جَعْفَر، عَنْ شُعْبَة، عَنْ عَمْرُو بَنْ مُرَّة، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِسَعِيد بَنْ جُبَيْر: أَمَا رَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَة (وَالمحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ سَعِيد: كَانَ لاَ يَعْلَمُهَا.

و في هذا تبرئة لابن عباس من القول برأيه في تفسير كلام ربه، و على هذا الهدي كان مجاهد و عكرمة و ابن جبير و غيرهم.



ودعوى أنه متلقى عن أهل الكتاب دعوى باطلة و هي أشبه ما يكون بالخيال، و ابن عباس بريء من هذا البهتان. فقد خرج البخاري في " صحيحه 7363 " قال:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ".اهـ

و هذا واضح في أن ابن عباس رضي الله عنه كان غنيا عن الأخذ منهم.


يقول ابن تيمية رحمه الله في " بيان تلبيس الجهمية 6/451 " :
" وأيضاً فعلم ذلك لا يؤخذ بالرأي ، وإنما يقال توقيفاً ، ولا يجوز أن يكون مستند ابن عباس أخبار أهل الكتاب ، الذي هو أحد الناهين لنا عن سؤالهم ، ومع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم ، أو تكذيبهم .
فعلم أن ابن عباس إنما قاله توقيفاً من النبي صلى الله عليه وسلم
ففي صحيح عن البخاري عن ابن شهاب عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا { آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا } الْآيَةَ
فمعلوم مع هذا أن ابن عباس لا يكون مستنداً فيما يذكره من صفات الرب أنه يأخذ عن أهل الكتاب ، فلم يبق إلا أن يكون أخذ من الصحابة الذين أخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم ".اهـ


و كذلك يقال أن تفسير ابن عباس " للهم " له حكم الرفع.





ومن قال أن الهم ممتنع على يوسف لوجود البرهان.



يقال له ابن عباس سيد أهل اللغة فقد كانوا يجلسون عنده يسئلونه

يقول المروزي في " زوائد الزهد 1162 ":
حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بن جَمِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ بَنْ الوَرْدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاء بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَكْرَمُ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَكْثَرَ فِقْهًا، وَلاَ أَعْظَمَ جَفْنة، أَصْحَابُ القُرْآنِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ العَرَبِيَّةِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الشِّعْرِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، فَكُلُّهُمْ يَصْدُرُ فِي رَأْيِ وَاسِعٍ ". اهـ


و قال الطبري في " تفسيره " معلقا:
وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف وتأوَّلوا القرآن بآرائهم، فإنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة.
* * *
وقال آخرون منهم: معنى الكلام: ولقد همت به، فتناهى الخبرُ عنها. ثم ابتدئ الخبر عن يوسف، فقيل: "وهم بها يوسف لولا أن رأى برهان ربه". كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى أنَّ يوسف لم يهمّ بها، وأن الله إنما أخبر أنَّ يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمَّ بها، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهمَّ بها، كما قيل: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا) ، [النساء: 83] .

قال أبو جعفر [الطبري]: ويفسد هذين القولين: أن العرب لا تقدم جواب "لولا" قبلها، لا تقول: "لقد قمت لولا زيد"، وهي تريد": لولا زيد لقد قمت"، هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله ".اهـ


و قال النحاس في " معاني القرآن 3/415 ":
" وقد بينا قول من يرجع إلى قوله من أهل الحديث والروايات وأهل اللغة المحققون على قولهم. قال أبو إسحاق: يبعد أن يقال ضربتك لولا زيد وهممت بك لولا زيد، وإنما الكلام لولا زيد لهممت بك. فلو كان ولقد همت به ولهم بها لولا أن رأى برهان ربه لجاز على بعد، وإنما المعنى لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به " اهـ


و مما يدل على أن الهم وقع قوله تعالى بعدها ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الفَحْشَاء )

فلو كان الله عصمه ابتداء لما حصل له الهم على فعل ما لا ينبغي


يقول ابن أبي حاتم في " تفسيره 11477 ":
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) قَالَ: مَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَنَامِلِهِ.

و قال " 11484 ":
حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ قَالَ: مَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعَيْهِ يَقُولُ: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، اسْمُكَ فِي الأَنْبِيَاءِ، وَتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ.

و قال "11483 ":
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا صَفْوَانُ، ثنا الْوَلِيدُ، ثنا خُلَيْدٌ وَسَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: أَيَا يُوسُف أَتتهم بِعَمَلِ السُّفَهَاءِ وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ؟ فَذَلِكَ الْبُرْهَانُ، فَانْتَزَعَ اللَّهُ كُلَّ شَهْوَةٍ كَانَتْ فِي مَفَاصِلِهِ.


فقوله تعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء ) فيه أن الله سبحانه صرف عن يوسف عليه السلام أمرين اثنين: السوء و الفحشاء. فقولك أن يوسف لم يحصل منه هم مخالف للنظم القرآني. أليس كذلك ؟


قال النحاس في «معاني القرآن» (3/413) :
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ((وقد زعم بعض من يتكلم في القرآن برأيه أن يوسف صلى الله عليه وسلم لم يهم بها يذهب إلى أن الكلام انقطع عند قوله ولقد همت به قال ثم استأنف فقال وهم بها لولا ان رأى برهان ربه بمعنى لولا ان رأى برهان ربه لهم بها واحتج بقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وبقوله واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم)).
قال أبو جعفر -أي: النحاس- وكلام أبي عبيد هذا كلام حسن بيّن لمن لم يَمِل إلى الهوى والذي ذكر من احتجاجهم بقول ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب لا يلزم لأنه لم يواقع المعصية. وأيضا فإنه قد صح في الحديث أن جبريل صلى الله عليه وسلم قال له حين قال ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، ولا حين هممت فقال وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسو.ء وكذلك احتجاجهم بقوله واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر لا يلزم لأنه يجوز ان يكون هذا بعد الهموم. وقال الحسن: إن الله جل وعز لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ولكنه ذكرها لئلا تيأسوا من التوبة. وقيل معنى وهم أنه شئ يخطر على القلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من هم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه فهذا مما يخطر بالقلب ولو هم بها على أنه يواقعها لكان ذلك عظيما، وفي الحديث إني لأستغفر الله جل وعز في اليوم والليلة مائة مرة إلى آخر كلامه ".اهـ



وقال ابن قتيبة في "مشكل القرآن" :
" و كتأولهم في قوله سبحانه: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها أنها همّت بالمعصية، و همّ بالفرار منها! و قال (بعضهم): و همّ بضربها! و اللّه تعالى يقول: لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ . أ فتراه أراد الفرار منها. أو الضرب لها، فلما رأى البرهان أقام
عندها و أمسك عن ضربها؟! هذا ما ليس به خفاء و لا يغلط متأوّله. و لكنها همّت منه بالمعصية همّ نيّة و اعتقاد، و همّ نبي اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، همّا عارضا بعد طول المراودة، و عند حدوث الشهوة التي أتي أكثر الأنبياء في هفواتهم منها.
و قد روي في الحديث: أنه ليس من نبي إلا و قد أخطأ أو همّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا، عليهما السلام، لأنّه كان حصورا لا يأتي النساء و لا يريدهنّ". اهـ



و قد صح هذا الذي ذكره ابن قتيبة عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

يقول ابن عساكر في " تاريخ دمشق 70047 ":
وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ ، نا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : " مَا أَحَدٌ إِلا يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ ، إِلا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، ثُمَّ تَلا : (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) سورة آل عمران آية 39 ، ثُمَّ رَفَعَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ مَعَهُ إِلا مِثْلَ هَذَا ، ثُمَّ ذبح ذَبْحًا ".اهـ


و هنا تظهر الحكمة من ذِكر همّ يوسف عليه السلام. فلربما ظن ظان أن يوسف لم تكن عنده شهوة، أو أن امرآة العزيز لم تكن ذات حسن لذلك تركها مستبقا الباب. فلا هذا و لا هذا كان. بل اجتمعت عليه كل الأسباب المؤدية إلى الكبيرة فضلا عن الهم، من الشهوة و القوة و الحسن الذي أوتيه و الغربة وجمال المرأة و أنها هي الداعية له الملحة عليه و الخلوة و غيرها من الأسباب، مع كل هذا نجاه الله و صرف عنه السوء و الفحشاء .



وقد خرج أحمد في " مسنده 36 ":حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ :
" الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ " ، قَالَ : " يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ ، فَلا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا لَهُ خَطِيئَةٌ " . اهـ

وهنا مسألة بخصوص عصمة الأنبياء من الصغائر:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى ":
" وإتفق علماء المسلمين على انه لا يكفر احد من علماء المسلمين المنازعين فى عصمة الأنبياء والذين قالوا انه يجوز عليهم الصغائر والخطأ ولا يقرون على ذلك لم يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين فان هؤلاء يقولون إنهم معصومون من الاقرار على ذلك ".اهـ


و قال في جامع المسائل (4/28):
وفي هذا ردٌّ على طائفةٍ من الناس ء كبعض المصنِّفين في السِّيَر وفي مسألة العصمة ء يقولون في قوله (ليَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذَنبك) : وهو ذنبُ آدم، (وَمَا تَأَخرَ) ذنبُ أمتِه، فإن هذا القولَ وإن كان لم يَقُلْه أحدٌ من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين، ولا يقولُه من يَعقِلُ ما يقول، فقد قاله طائفة من المتأخرين .
ويَظُنُّ بعضُ الجهال أن هذا معنى شريف، وهو كذب على الله وتحريفُ الكَلِم عن مواضعه.
فإنه قد ثبت في الصحاح في أحاديث الشفاعة أن الناسَ يومَ القيامة يأتون آدمَ يَطلبون منه الشفاعةَ، فيعتذِرُ إليهم ويقول: إني نُهِيْتُ عن الشجرة فأكلتُ منها، نفسي نفسي، ويأتون نبيًّا بعد نبي إلى أن يَأتوا المسيحَ، فيقول: ائْتُوا محمدًا فإنه عبد قد غفرَ اللهُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فلو كانت "ما تقدم" هو ذنب آدم لم يعتذر آدم.

وأيضًا فلما نزلتِ الآية قالت الصحابةُ: هذا لكَ فما لنا؟ فأنزل الله: (هُوَ اَلَّذِي أَنزَلَ السكينَةَ في قُلُوبِ اَلمُؤْمِنِينَ) ، فلو كان "ما تأخر" مغفرة ذنوبهم لقال: هذه لكم.

وأيضًا فقد قال تعالى: (وَاَستَغْفِر لِذَنبِك وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمؤمناتِ) ، ففرَّقَ بين ما أضاف إليه وما يُضاف إلى المؤمنين والمؤمنات.

وأيضًا فإضافةُ ذنبِ غيره إليه أمرٌ لا يَصْلُح في حق آحادِ الناس، فكيف في حقَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ حتى تُضَاف ذنوبُ الفُسَّاق من أمته إليه. ويُجعلَ ما جعلوه من الكبائر كالزنا والسرقة وشرب الخمر ذَنْبًا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والله يقول في كتابه: (وَلَا تزِرُ وَازِرَةٌ وزرَ أخُرَى) ".اهـ


و قال أيضا " ( 4/40):
وقد اتفقوا أنه لا يُقَرُّ على خَطَأٍ في ذلك، وكذلك لا يُقَرُّ على الذنوب لا صغائرِها ولا كبائرِها.
ولكن تنازعوا: هل يقع منهم بعضُ الصغائرِ مع التوبة منها أو لا يَقَعُ بحالٍ؟
فقال كثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلين وبعض متكلمي أهل الحديث: لا يَقَع منهم الصغيرةُ بحالٍ ، وزادت الشيعةُ حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا غيرُ خطأٍ .
وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من أصحابِ الأشعري وغيرهم فلم يَمنَعوا الوقوعَ إذا كانَ مع التوبة، كما دَلتْ عليه نصوصُ الكتابِ والسنة، فإن اللهَ يُحِبُّ التوَّابين ويُحِبُّ المتطهرين.
وإذا ابْتَلَى بعضَ الأكابر بما يَتُوب منه فذاك لكمالِ النهاية، لا لنقصِ البدايةِ.
كما قال بعضُهم: لو لم يكن التوبةُ أحبَّ الأشياءِ إليه لما ابتلَى بالذنب أكرمَ الخلق عليه.
وفي الأثر : "إنّ العبد لَيَعْمَل السيئةَ فيدخَلُ بها الجنةَ، وإنّ العبدَ لَيعملُ الحسنة فيدخلُ بها النارَ"، يعني أن السيئة يذكرُها ويتوبُ منها فيُدْخِلُه ذلك الجنةَ، والحسنةُ يُعْجَبُ بها ويَسْتكبرُ فيُدخِلُه ذلك النارَ.
وأيضًا فالحسنات والسيئات تَتنوَّعُ بحسبِ المقامات، كما يقال: "حسنات الأبرار سيئاتُ المقرَّبِين"، فمن فَهِمَ ما تَمحُوه التوبةُ وتَرفَعُ صاحبَها إليه من الدرجات وما يَتفاوتُ الناسُ فيه من الحسنات والسيئات زالتْ عنه الشبهةُ في هذا الباب، وأقرَّ الكتابَ والسنةَ على ما فيهما من الهدى والصواب.
فإنّ الغُلاةَ يتوهمون أن الذنبَ إذا صدرَ من العبد كان نقصًا في حقّه لا يَنْجبرُ، حتى يجعلوا من فضلِ بعضِ الناس أنه لم يَسجدْ لصَنَم قطُّ. وهذا جهلٌ منهم.
فإن المهاجرين والأنصار والذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضلُ من أولادِهم وغيرِ أولادِهم ممن وُلِدَ على الإسلام، وإن كانوا في أولِ الأمر كانوا كُفارًا يعبدون الأصنام.
بل المنتقلُ من الضلال إلى الهدى ومن السيئات إلى الحسنات يُضاعَفُ له الثوابُ، كما قال تعالى: (إِلًا مَن تَابَ وَآمَن وَعَمِلَ عملا صالِحًا فَأُوْلَئك يبَدِّلُ الله سيئاتِهِم حَسَنَات وَكاَنَ اللهُ غَفُورا رَّحِيمًا (70) ) .
وقد ثبت في الصحيح أن الله يومَ القيامة يَظهر لعبدِه فيقول: "إني قد أبدلتك مكانَ كل سيئةٍ حسنةً"، فحينئذٍ يَطلبُ كبائرَ ذُنوبِه.
وقد ثبت في الصحاح من غير وجهٍ عن النبي ء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ء أنه أخبر أن الله أشدُ فَرَحًا بتوبةِ عبدِه من رجلٍ أضلَّ راحلتَه بأرضٍ دَوِّيَّةٍ مَهلَكةٍ عليها طعامُه وشرابُه، فطلبَها فلم يجدْها، فنامَ تحت شجرةٍ يَنتظِرُ الموتَ، فلما استفاقَ إذا بدابَّتِه عليها طعامُه وشرابُه، فالله أشدُّ فَرَحًا بتوبة عبدِه مِن هذا براحلتِه.
وهذا أمرٌ عظيمٌ إلى الغاية. فإذا كانت التوبةُ بهذه المنزلةِ كيف لا يكون صاحبُها مَعظَّمًا عند اللهِ؟
وقد قال تعالى: (إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السماوات والأرض والجِبَالِ فَأَبَين أَن يحمِلنَهَا وَأَشفَقنَ مِنهَا وَحَملَها الإنسانُ إِنَّه كانَ ظَلُوما جَهُولا (72) لِيَعُذبَ اللهُ اَلمُنافِقِينَ وَالمُناَفِقات وَالمشركين والمشركات ويتوب الله عَلَى اَلْمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنات وكَاَنَ الله غَفُورا رَّحيِما )
فوصفَ الإنسانَ بالجهل والظلمِ، وجعلَ الفرقَ بين المؤمن والكافر والمنافق أن يتوبَ الله عليه، إذْ لم يكن له بُدٌّ من الجهل والظلم. ولهذا جاء في الحديث : "كل ابنِ آدمَ خَطَّاء ، وخيرُ الخطَّائين التوَّابُون ".اهـ



هذا وصل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

أبو عمار الفيديمينى
01-08-16, 07:26 AM
الهم في لسان العرب يقع على معان أربعة :
الأولى : يقع بمعنى «العزم»، ومنه قوله تعالى :{ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} المائدة: 11 . المعنى : أرادوا ذلك وعزموا عليه.
الثانية: يقع بمعنى «خطور الشئ بالبال» قال الله تعالى:{ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا } آل عمران: 122 . فإنما أراد الله تعالى أن الفشل خطر ببالهم ولو كان المراد هاهنا العزم لما صح أن يكون الله وليا لهم، لأن العزم على المعصية معصية .
الثالثة : أن يستعمل بمعنى «المقاربة» يقولون هم بكذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة:
أقول لمسعود بجرعاء مالك *** وقد هم دمعي أن يلج أوائله

والدمع لا يجوز عليه العزم وإنما أراد أنه كاد وقارب .
الرابعة: يقع بمعنى «الشهوة وميل الطباع» لأن الإنسان قد يقول فيما يشتهيه، ويميل طبعه إليه: هذا أهم الاشياء إلي.([1] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn1))
وبناء على ذلك فقد صار للمحقيق عدة أقوال في تأويل الهم في قصة يوسف عليه السلام نوضحها ونبين منها المختار لدينا :
- قال بعضهم: معناه: ولقد همت المرأة بيوسف، وهمَّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمِّها به مما أرادته من المكروه، لولا أنّ يوسف رأى برهان ربه، وكفَّه ذلك عما همّ به من أذاها لا أنها ارتدعت من قِبَل نفسها. قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء}قالوا: فالسوء هُو ما كان همَّ به من أذاها، وهو غير«الفحشاء».
قالوا: وفيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك، والثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية.
- منهم من قال إن في الكلام تقديماً وتأخيراً وترتيبه أن يكون ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، كما قيل: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا}، قالوا: والتقديم والتأخير في لسان العرب سائغ. وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري، واختاره الشيخ أبو حيان في «البحر المحيط»، ونظيره في القرآن قوله تعالى: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا}، فما قبل لولا دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.
- وقال آخرون وهو الراجح عندي إن المراد بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى، وقيل: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه ; لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث عنه ï·؛ أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ»([2] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn2)). يعنى ميل القلب الطبيعى .
ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم، وقد قال ï·؛: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ كَامِلَةٌ»([3] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn3)). لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفا من الله، وامتثالا لأمره .
أما هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه.
ومثل هذا التصميم على المعصية معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت عنه ï·؛: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا الْقَاتِلَ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»([4] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn4)). فصرح ï·؛ بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.([5] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn5))
بهذا تعلم أن يوسف عليه السلام لم يقع منه معصية وأن همه دفعه بتقواه لله عز وجل فكان له به حسنة، ولو أنه وقعت منه المعصية لذكرت توبته كما تم لآدم ونوح عليهما السلام وكما سيأتي لموسى وداود عليهما السلام.
فإن قيل: قد صح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : «قعد منها مقعد الرجل من المرأة».
قلنا نعم ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله ï·؛ فقط ولعل ابن عباس لم يقطع بذلك إذ إنما أخذه عمن لا يدري من هو ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره لأنه رضي الله عنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله ï·؛ ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به، ومثل هذا لا مجال للرأي فيه، ثم إنه لم يرفع منه قليل ولا كثير، والغالب على الظن أنه تلقاه من الأسرائليات، ثم إننا لا نترك المقطوع به من كلام الله سبحانه وتعالى إلى المظنون به من كلام البشر، والعصمة ثابتة للأنبياء غير ثابتة للصحابة فلا يلتفت لقول ابن عباس رضى الله عنه أو أحد غيره ما لم يرد نص عن الله أو رسوله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وأما ما ينقل: من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده وأمثال ذلك فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذباً على الأنبياء وقدحاً فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله؛ لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا ï·؛ حرفاً واحدا.اهـ([6] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn6))
جزء من مبحث في كتابي ( عصمة الأنبياء تحقيق الخلاف فيها، ورد الشبهات حولها ) أرجو من الله أن ينفع به .

([1] ) انظر: عصمة الأنبياء ص55 للرازي، تهذيب اللغة ( 5/248 ) باب الهاء والميم، معجم الفروق اللغوية (1/356 - 357) للعسكرى، الكليات (1/960 -961 ) لأبي البقاء الحنفي، تاج العروس ( 34/118) فصل الهاء مع الميم .

([2] ) صحيح: أخرجه أبو داود برقم ( 2134 )، والترمذي برقم ( 1140 )، والنسائي برقم ( 3934 )، وابن ماجه برقم ( 1971 )، والحاكم برقم ( 2761 ) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الأرنؤوط ، كلهم من حديث عائشة رضى الله عنها.

([3] ) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم ( 7501 )، ومسلم برقم ( 130 ) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضى الله عنه .

([4] ) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم ( 6875 ) واللفظ له، ومسلم برقم ( 2888 ) من حديث أبو بكرة الثقفي رضى الله عنه .

([5] ) انظر: تفسير الطبري (16/33 وما بعدها)، تفسير الرازي ( 18/440 وما بعدها )، تنزيه الأنبياء ص 45 وما بعدها ، الفصل في الملل والنحل ( 4/10 -11 ) ، تفسير القرطبي ( 9/165 وما بعدها )، أضواء البيان للشنقيطي ( 2/205 وما بعدها)

([6] ) مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 10/297 ).

ابن عبد الهادي الشامي
02-08-16, 09:36 AM
قول القائل: ((لا يلتفت لقول ابن عباس رضى الله عنه)) عبارة فجة لا تنبغي في حق صحابي صحب رسول الله فضلًا أن يكون من علمائهم. هذا بغض النظر عن ترجيح المرجح لأي الأقوال في تفسير الآيات. وقرأت نحو هذه العبارة الفجة لمحقق كتاب السنة لعبدالله بن أحمد رحمهما الله في حق الصاحب الجليل عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. ولو قيل لهذا القائل: (قولك لا يلتفت إليه) لوجد في نفسه من ذلك. ومن هو؟ وما قدر قوله؟ فكيف يُقبل مثل هذه العبارات في حق علماء الصحابة رضوان الله عليهم

ابن عبد الهادي الشامي
02-08-16, 09:50 AM
وهنا فوائد في بيان قدر قول الصاحب عند أهل السنة سواء في التفسير أو غيره

قال الإمام أحمد في كتابه لأبي عبد الرحيم الجوزجاني [كما في السنة لأبي بكر الخلال 4/22]: واعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معناها أو معنى ما أراد الله عز وجل أو أثر عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا تنزيله، وما قصه له القرآن، وما عني به، وما أراد به، وخاص هو أو عام، فأما من تأوله على ظاهر بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، فهذا تأويل أهل البدع .. اهـ المراد نقله.

وفي لفظ: فأما من تأوله على ظاهره -يعني القرآن- بلا دلالة من رسول الله، ولا أحد من أصحابه، فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة، ويكون حكمها حكمًا عامًا، ويكون ظاهرها في العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم المعبر عن كتاب الله تعالى وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر، وما أريد بذلك.
«العدة في أصول الفقه» (ص527).

وقال ابن القيم: وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟ ،
وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم.
قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون، والله أعلم.

وقال عبد الرزاق [20487]:
وأخبرنا معمر عن صالح بن كيسان قال:
اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شيء سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم , ثم كتبنا أيضا ما جاء عن أصحابه.
فقلت: لا ليس بسنة , وقال هو: بلى هو سنة , فكتب ولم أكتب , فأنجح وضيعت.

وقال [ 2476- 11/256] " حدثنا معمر والثوري عن ابن أبجر : قال :- قال لي الشعبي : ما حدثوك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به ، وما قالوا فيه برأيهم فبُل عليه

وقال ابن عبد البر في [ جامع بيان العلم وفضله 2/65 ] :" أخبرنا أحمد بن فتح قال حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن ناصح الفقيه الشافعي المعروف بابن المفسر في داره بمصر ، قال : قال حدثنا أبو الحسن محمد بن يزيد بن عبد الصمد قال حدثنا موسى بن أيوب النصيبي قال حدثنا بقية بن الوليد قال : قال لي الأوزاعي : " يا بقية ، العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وما لم يجيء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم.

وقال الإمام الشافعي في الرسالة البغدادية: " وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل ، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم ، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين ، أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما وإرشادا ، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا ، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به ، وآراؤهم لنا أحمد ، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ، و الله أعلم ، ومن أدركنا ممن أرضي أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا ، وقول بعضهم إن تفرقوا ، فهكذا نقول إذا اجتمعوا أخذنا باجتماعهم ، وإن قال واحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله ، فإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم ولم نخرج من أقاويلهم كلهم

وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين مختلفين نظرت ، فإن كان قول أحدهما أشبه بكتاب الله أو أشبه بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت به ، لأن معه شيئا يقوى بمثله ليس مع الذي يخالفه مثله ، فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم أرجح عندنا من أحد ، لو خالفهم غير إمام

فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر ، أو عمر ، أو عثمان ، أو علي رضي الله عنهم أحب إلي أن أقول به من قول غيرهم إن خالفهم ، من قبل أنهم أهل علم وحكام فإن اختلف الحكام استدللنا الكتاب والسنة في اختلافهم فصرنا إلى القول الذي عليه الدلالة من الكتاب والسنة ، وقل ما يخلو اختلافهم من دلائل كتاب أو سنة ، وإن اختلف المفتون يعني من الصحابة بعد الأئمة بلا دلالة فيما اختلفوا فيه نظرنا إلى الأكثر ، فإن تكافؤوا نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا ، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله اجتماعا في شيء لا يختلفون فيه تبعناه ، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي : كتاب الله ، ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم القول لبعض أصحابه ، ثم اجتماع الفقهاء ، فإذا نزلت نازلة لم نجد فيها واحدة من هذه الأربعة الأخبار فليس السبيل في الكلام في النازلة إلا اجتهاد الرأي"

وقال ابن كثير في مناقب الشافعي ص173: "قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم محمد بن يعقوب ، عن الربيع عن الشافعي أن قال :" الأصل كتاب الله ، أو سنة ، أو إجماع الناس ، أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو الحارث: وقد سألته (يعني الإمام أحمد) : إلى أي شيء ذهبت في ترك الصلاة بين التراويح؟ فقال: ضرب عليها عقبة بن عامر، ونهى عنها عبادة بن الصامت. فقيل: روي عن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح. فقال: أقول لك: أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتقول: التابعين؟! «العدة في أصول الفقه» (ص1153).

وسأل أبو الحارث الإمام أحمد بن حنبل عن عدد قتلوا رجلاً؟ قال: يقادون به، يروى عن عمر وعلي. فقيل له: يروى عن بعض التابعين: أنه لا يقتل اثنان بواحد. فقال: ما يُصنع بالتابعين؟!

وكذلك نقل أبو عبد الله القَواريري - كاتب أبي هاشم - قال: سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال له الرجل: قال عطاء، فقال: أقول لك: قال ابن عمر، وتقول: قال عطاء، من عطاء، ومن أبوه؟ «العدة في أصول الفقه» (ص1154).

و قال ابن بطة: 230 - حدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: سمعت مالك بن أنس، قال: قال عمر بن عبد العزيز: «سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، من خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى» الآية.

وقد نص أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث: "في الصحابة إذا اختلفوا لم يُخْرَج من أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا".

وقال أبو بكر الآجري في الشريعة 2/1051 : اعلموا وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل أن أهل الحق يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه عز وجل ، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما وصفه به الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع.اهـ

وقال ابن منده في كتاب التوحيد 3/309:
وكذلك نقول في ما تقدم من هذه الأخبار في الصفات في كتابنا هذا نرويها من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا قياس ولا تأويل على ما نقلها السلف الصادق عن الصحابة الطاهرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ونجهل من تكلم فيها إلا ببيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو خبر صحابي حضر التنزيل والبيان ..

وقال اللالكائي في السنة (1/2) :" وكان من أعظم مقول ، وأوضح حجة ومعقول ، كتاب الله الحق المبين ، ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار المتقين ، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون"

وقال الإمام أحمد في رسالته إلى المتوكل التي رواها ابنه عبد الله في السنة (80) : ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله عز وجل أو في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو عن التابعين.اهـ

وقال قوام السنة الأصبهاني في الحجة (2/ 286) :" وَالْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى عَلَى عَرْشه اسْتَوَى كَمَا شَاءَ، وَعلمه بِكُل مَكَان لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، وَمن صفة أهل السّنة الْأَخْذ بِكِتَاب الله عز وَجل، وبأحاديث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وبأحاديث أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَترك الرَّأْي والابتداع"

وقال البربهاري في شرح السنة 99:واعلم أن الدين إنما هُوَ التقليد والتقليد لأصحاب رسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم.

وقال السجزي في رسالته لأهل زبيد ص143: فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم رضي الله عنهم أئمة، وقد أمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان.

وقال الشافعي - رحمه الله – [كما في إعلام الموقعين 1/63] في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني، وهذا لفظه: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاما وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله.اهـ

هذا كلام السلف أما الخلف فقولهم: لعله أخذه من هنا ولعله تلقفه من هناك ولا يلتفت إليه وهو خلاف ظاهر القرآن وخلاف النظم القرآني ولا يليق بالأنبياء وخلاف ما قال أهل اللغة وغير ذلك من الكلام وكأنهم يعلمون علماء الصحابة ومفسريهم التأدب واللباقة ويعلمونهم اللغة وأوجه التفسير.

حسبنا الله ونعم الوكيل رزقنا الله اتباع الصحابة وحشرنا في زمرتهم آمين.

أبو عمار الفيديمينى
05-08-16, 11:58 AM
الأخ الكريم : ابن عبد الهادي بارك الله فيك ونفع بك ، أقدر غيرتك على الصحابي الجليل ابن عباس رضى الله عنه ، ولكن أين هذه الغيرة على النبي الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف عليه السلام .
أما عن قول الصحابي فلقبوله والاحتجاج به مراتب ذكرها العلماء في كتب الأصول فأرجوا منك المراجعة ولعلك تعلمها .
ثم هناك باب في الأصول وأظنك تعلمه اسمه التعارض والترجيح، فقول ابن عباس رضى الله عنه تعارض مع صريح الكتاب والسنة، كما تعارض مع أصل من أصول الدين ، ولو كان هذا الذي قاله ابن عباس مرفوعا لاجتهد أهل العلم في دفع هذا العارض فكيف وهو موقوف عليه رضى الله عنه، ومعلوم لأهل العلم أن ابن عباس رضى الله عنه ممن نقل عن أهل الكتاب .
وأمل عن ذلك فقد ذكرت لك قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأزيدك هنا نقلاً آخر عنه ، قال : والنقولات في ذلك عن ابن عباس ضعيفة بل موضوعة. ولو قدر أنه قال ذلك فبعض ما يخبره هذا وعبد الله بن عمرو من الإسرائيليات كله مما سمعوه من أهل الكتاب، فلا يجوز الاحتجاج به.
والصاحب والتابع فقد ينقل عنهم ما لم يتبين له أنه كذب، فإن تبين لغيره أنه كذب لم يجز نقله إلا على وجه التكذيب، كما قال كثير منهم: إن الذبيح إسحاق، ودلائل الكتاب والسنة وغير ذلك أنه إسماعيل، وأمثال ذلك.
وكثير من السلف يروي أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما مسندة وإما مرسلة، فإن كان لم يعلم أنها كذب فيجوز له روايتها، وإن كان غيره ممن علم أنها كذب لا يجوز له روايتها. وعامة ما ينقله سلفنا من الإسرائيليات إذا لم يكن عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - فهو دون المراسيل عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكثير؛ فإن أولئك النقلة من أهل الكتاب، والمدة طويلة، وقد علم الكذب فيهم والله أعلم.اهـ جامع المسائل لابن تيمية 5/259 لعزيز شمس .
وقال رحمه الله : وكذلك ما ينقله بعضهم عن يوسف أنه حل سراويله، وأنه رأى صورة يعقوب وغير ذلك، كل ذلك من الأحاديث التي غالبها أن يكون من كذب اليهود. فإن الله تعالى قال: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) (1) . فقد أخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء فلم يفعل سوءا ولا فحشاء، فإن ما صرفه الله عنه انصرف عنه. ولو كان يوسف قد أذنب لتاب، فإن الله لم يذكر ذنب نبي إلا مع التوبة، ولم يذكر عن يوسف توبة، فعلم أنه لم يذنب في هذه القضية أصلا، ...
وقال ابن القيم رحمه الله مبيناً قبح أفعال اليهود والنصارى في كتابه هداية الحيارى 2/466 : وقتلهم يحيى بن زكريا، ونشرهم إياه في المنشار.
وإصرارهم على العظائم، واتفاقهم على تغيير كثير من أحكام التوراة، ورميهم لوطا بأنه وطئ ابنتيه وأولدهما.
ورميهم يوسف بأنه حل سراويله وجلس من امرأة العزيز مجلس المرأة من القابلة حتى انشق الحائط، وخرجت له كف يعقوب وهو عاض على أنامله، فقام وهرب، وهذا لو رآه أفسق الناس وأفجرهم لقام ولم يقض غرضه.اهـ
فانظر رحمنى الله واياك كيف نسب هذا القول إلى أهل الكتاب، وهذا موجود في أسفارهم أنه خلع ثوبه وتركه وولى الى الباب . كما في سفر التكوين - الاصحاح 39 : فأمسكته بثوبه قائلة: «اضطجع معي!». فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج. 13وكان لما رأت أنه ترك ثوبه في يدها وهرب إلى خارج، 14أنها نادت أهل بيتها، وكلمتهم قائلة: «انظروا! قد جاء إلينا برجل عبراني ليداعبنا! دخل إلي ليضطجع معي، فصرخت بصوت عظيم. اهـ
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان 2/214 ، بعد أن ساق الآثار في الهم : هذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين:
قسم لم يثبت نقله عمن نقله عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه.
وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، فالظاهر الغالب على الظن المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات ; لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه صلى الله عليه وسلم.
وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادا على مثل هذه الروايات، مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب، كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها ; لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق، فما ظنك بخيار الأنبياء؟ اهـ

ابن عبد الهادي الشامي
11-08-16, 10:26 AM
لستُ أغير من الصحابة والتابعين على دين الله وأنبيائه ويسعني ما وسعهم. وارجع لكلام الطبري وأبي عبيد وغيرهم.

أبو عمار الفيديمينى
13-08-16, 01:14 AM
بارك الله فيك أخي ابن عبد الهادي ، كلام من ذكرت من أهل العلم ليدينا معلوم، وما أشاروا إليه عندنا مفهوم ، لكنه ليس لأحد عصمة في الكلام والبلاغ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالعصمة في كتاب الله وصحيح السنة ، وقد جاء كل منهما بخلاف ما قال ابن عباس رضى الله عنه ومن وافقه ، ثم إننا وحدنا كلامه رضى الله عنه وافق فيه أهل الكتاب ، وقد رجح ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية وهو أعلم مني ومنك وأهدى وأتبع للسلف والكتاب والسنة ، وقد ضرب لنا مثلا بقول ابن عباس وغيره من السلف في أن الذبيح اسحاق عليه السلام فهل تذهب إلى ذلك وتخالف الكتاب والسنة ؟ فكذا الكلام في مثل هذه المسألة . والله تعالى أعلم

محمد مختار حق
15-08-16, 04:51 AM
من قال من الصحابة والتابعين بخلاف قول ابن عباس وتلامذته؟!

حمد الكثيري
13-03-19, 05:12 PM
https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=379718

يمكن الإفادة من المشاركات في مثل هذا الموضوع