المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقه المصطلح الحديثي


أنس الرفاتي
25-08-16, 03:12 PM
فقه المصطلح الحديثي


تعد العلوم الشرعية من العلوم النقلية التي تؤخذ عن واضعها, وقد استحدث علماء الحديث قواعد وأصولا تضبط عملية النقل, معتمدين على ما تضمنته النصوص الشرعية من ضوابط, وعلى القواعد العقلية الفطرية, وقد بنيت العملية الحديثية على أصل عظيم كان له أثر كبير في مجريات العملية الحديثية وهو العمل بالمنقول, وهو المقصد الأكبر الذي يقوم عليه علم الحديث, وهذا بدوره احتاج فحص المنقول ونقده, وهذا قنطرة العمل وأساسه, ومن هنا كان تمييز المنقول من أهم المقاصد التي راعاها علماء الحديث في تأسيس منظومتهم الحديثية وعليه بنيت أدواتهم, وقد مثل هذا المقصد جزء مهما في بناء الأدوات النقدية في علم الحديث, وهذا أمر من المهم استحضاره والعناية به لما له من أثر كبير في فهم طبيعة العملية الحديثية.
إذن مثلت العملية النقدية ركيزة علم الحديث, فكان تمييز المنقول الأساس الذي انطلقوا منه, وقد ظهر هذا في جملة علومهم ومعارفهم, فمن تدوين الأحاديث في الصحف إلى الكلام على الرواة وبيان حالهم ثم التصنيف بصوره المختلفة, وقد كان علم الحديث هو علم الأمة حتى نزل الواحد من أهل الحديث منزلة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, ومن هذا قول الإمام الشافعي :" إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث, فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".

كان من مظاهر العملية النقدية كثرة الإشكالات المعرفية الواردة عليها حيث تتشعب في صور مختلفة متعددة تمثل كل واحد منها فرعا من فروع علم الحديث, ولما كان علم الحديث من العلوم النسقية اكتنزت مصطلحاته هذه الإشكالات وتضمنت فروعها حتى كانت هي النافذة إليها, فما أن تطرق مصطلحا حديثيا إلا فتحت أمامك مجموعة إشكالات تقف من خلالها على تفاصيل الباب الذي ينتمي إليه المصطلح, وفي هذا الأصل تختلف المصطلحات الحديثية, فبعضها أوسع دلالة من بعض وأشمل, وهنا يظهر أثر السياق التاريخي للمصطلح الحديثي حيث تتشكل بنيته من تراكمات معرفية, تنقل المصطلح من طور إلى آخر, فتنقله من المفاهيم الكلية ذات المعاني البسيطة إلى المفاهيم الجزئية التي تعد أكثر خصوصية إلى المصطلحات, والتي بدورها تنقسم باعتبارات متعددة على ما يأتي بيانه.

أنواع التطور الداخلة على المصطلح :
يمثل المصطلح في العلم جوهر العلم وأساسه, وهو كما تقدم النفاذة إلى العلم والمعبر عن خصوصيته, ومن خصائص المصطلح مواكبته للعلم في كل مراحله, ويظهر هذا في نوعين من التطور, هما :
التطور الاستعمالي : حيث ينتقل المصطلح من كثرة إلى قلة أو العكس.
والتطور الدلالي : بحيث ينتقل المصطلح من معنى واسع إلى ضيق أو من ضيق إلى واسع, ويلتحق به استقرار المصطلح أو اضطرابه.
وعند الكلام عن أنواع التطور الداخلة على المصطلح لا بد من التنبيه على جملة أمور منها :
أنه لا مانع من دخول نوعي التطور على مصطلح واحد, مثال ذلك : مصطلح التفرد حيث كثر استعماله عند المتقدمين من أهل الحديث وألفت فيه الكتب, بينما قل ذكره عند المتأخرين حتى اعتذر ابن الصلاح بمتابعته للخطيب في ذلك, كما أنه واسع الدلالة عند المتقدمين على عكس ما كان عند المتأخرين.
ومما ينبه عليه –كذلك- في هذا المقام أن الكلام على تطور مصطلح ما هو عبارة عن رصد تأريخي للمصطلح بمعنى الكلام عن التأريخ والأطوار التي مرّ بها, كما أن القول بالتطور لا يعني أن المصطلح لا يستقر وأن ليس له حد ينتهي إليه, وإلا صرنا إلى فوضى في هذا الباب, وهذا يقودنا إلى مسألة مهمة وهي خصائص استقرار المصطلح, حيث يعد شيوع مصطلح ما, مع الاتفاق على معناه, ولو من حيث الجملة من أهم أسباب استقراره, ومن هنا كان المصطلح الذي يكثر استعماله بين الأئمة أظهر في الدلالة على معناه مما قلّ استعماله, ويمكن أن يمثل للأول بالمرسل, وللثاني بالشاذ.

المكون النقدي في المصطلح الحديثي :

تعد العلوم الشرعية من العلوم النقدية, وهي على قسمين: علوم نقدية خاصة, ويمثلها علم الحديث, وعلوم نقدية عامة؛ كعلم الفقه الذي يميز أفعال العباد, وهذا التمييز لا يكون إلا بمنظومة مصطلحية واضحة المعالم, وعند تأمل مواضع استعمال المصطلح الحديثي وطريقة بنائه, نرى أن المكون النقدي في المصطلح الحديثي كان له أثر ظاهر على مكونات المصطلح, وهذا ما يتوافق مع المقصد الأول من وضع المصطلح الحديثي, وهذه المكونات على النحو الآتي :
المكون اللغوي : ويظهر أثر اللغة في المصطلح من جهتين, الأولى: أصل المعنى, فهناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي, والثانية : من جهة جريه على عادة العرب في التعبير, وقد تقرر أن الألفاظ قوالب المعاني, وهنا ينبه على مسألة تتكرر كثيرا وهي إطلاق أن المصطلحات الحديثية أو بعضها خصوصا في القرون الأولى أنها مصطلحات وصفية, وهذا إطلاق غير دقيق, فلا ينكر ظهور المعنى الوصفي في المصطلح وفق سياقات معينة بحيث يضعف المعنى النقدي فيها, و لا ينكر أن المكون النقدي يتفاوت في المصطلح الواحد باعتبار الحقب الزمنية, بمعنى أنه يحتمل من المعاني مع مرور الوقت وتطور العملية النقدية ما لم يكن في أصل وضعه, وأن المعنى النقدي في المصطلح يتأثر بالسياق الذي يرد فيه, إلا أنه لا يخرج بذلك عن كونه نقديا, فهذا هو الذي يتوافق مع أصل العلم الذي يعبر المصطلح عنه, وهنا ترد إشكالية تتعلق بما تقدم وهي تفسير المصطلح وبيان حقيقة معناه, فإذا نظرنا إلى المصطلحات على أنها وصفية فهذا يعني فتح باب تفسيرها وفق معطيات جديدة قد تكون خارجة عن السياق التاريخي للمصطلح.

القصد إلى الحكم, بمعنى بيان الدرجة الحكمية للحديث, وهو من المقاصد المهمة التي وضع لأجلها المصطلح الحديثي, فهي قنطرة العمل بالحديث, حيث يعرف بها الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف.

نوع الضعف, فالضعف المتعلق بالحديث على أنواع, فمنها ما يتعلق بالإسناد ومنها ما يتعلق بالمتن, والتمييز بين هذه الأنواع مما يعين على دقة التعامل مع الحديث.

درجة الضعف, وهو فرع لما تقدم من مكونات المصطلح, وهنا تظهر دقة أهل الحديث في التعامل مع الأحاديث من خلال منظومتهم المعرفية, وقد تقرر أن الأحاديث تتفاوت في درجاتها, ولكل درجة حكمها الخاص بها, والذي يوصل لهذا الحكم هو المصطلح, وهذه الدقة تظهر في تمييز الأحاديث, كما تظهر في ترتيب الأدلة والترجيح بينها عند التعارض.

والله أعلم


كتبه:
د. عصر محمد النصر

صفحة الدكتور على الفيسبوك:
www.facebook.com/asur.naser (http://www.facebook.com/asur.naser)
صفحته على تويتر:
http://twitter.com/ibnmajjah77

د. عبد السلام أبوسمحة
30-08-16, 03:59 PM
اخي د.عصر بارك الله فيكم ولي وقفات في هذا السياق الذي ذكرته في مقالك:
اولا: خلا الحديث لديكم عن بداية المصطلح ونهايته من حيث ارتباطه بأصل اطلاقه، واصل تكوينه، وغاية وجوده، فالمصطلح عموما لا يأتي لشهوة علمية، بل يأتي لخدمة فكرة علمية محددة، وضمن ظروف معرفية محددة تنعكس بالضرورة على تشكله وتطور ونهايته اي استقراره، وإلا أصبح المحددات اعتباطية شخصية، لا ترتبط بحالة علمية، إنما تستحضر ذوات علمية تدور في فلكه، و الذوات أما ذوات شخصية أو ذوات اعتبارية.
ثانيا: حينما يتعلق التحديد الاصطلاحي وجودا وتطورا بذوات اعتبارية أو شخصية لا يحق لأحد أن يفرض ايا منها نهاية الاستقرار والتطور، وهنا يكون في بعدين: الأول لا نهائية التطور، والثاني عدم استقرار المصطلح.
ثالثاً: على ضوء ما سبق وانطلاقا من واقع أن المصطلح بشقيه: التقعيدي النقدي والتعبيري النقدي ارتبط بالرواية وجودا وعدما، كان الحديث دوما عن محدد زمن الرواية بداية ونهاية باعتبارها المحدد الادق لحركة المصطلح وجودا واستقرارا، وبعبارة أكثر تفصيلا: لما ارتبط النقد بشقيه: القواعد النقدية، والمقولات النقدية بالرواة وأداء روايتهم، كان بداية الرواية هي بداية عصر الاصطلاح ونهايتها هي استقرار الاصطلاح.
وهذا ما كنا دوما نقول وننادي به على الدوام: مرجعية المصطلح تقعيدا واصطلاحا هو عمل نقاد عصر الرواية، ليس لأن فعلهم مقدس، بل لأنهم من عاصر الرواية والرواة ووقف على الخطأ والاخطاء، ونظم القاعدة النقدية له وعبر بالألفاظ النقدية الدالة عليها.
رابعا: غير أن المصطلح بشقيه القاعدة النقدية والمقولة النقدية كان تطبيقا عمليا أكثر منه تفصيلا نظريا، مع وجود بعض مظاهر التفصيل النظري لبعض القواعد والمقولات متلازمة مع التطبيق العملي، لكنها لم تشمل كل القواعد والمقولات.
هنا يأتي الدور العظيم للعلماء بعد انتهاء عصر الرواية وانتهاء رواية الرواة للمرويات واعتماد الكتب التي اشتملت على هذه المرويات فبدأت معالم الأعراف العلمية تتغير من الاهتمام بالرواية إلى الاهتمام بالكتب المشتملة على الرواية، مما فرض مباحث جديدة لا تتعلق بأداء الرواية إنما تتعلق بالكتب والحفاظ عليها.
وهنا نقف لنقول: بما ان أخطاء الرواة توقفت عند انتهاء عصر الرواية( لا أقول حصرت وتم نقدها كلها) بل أقول حصرت الظاهرة كاملة ووقف عل كل الأخطاء النوعية للرواة، ولم يعد ثمة أخطاء جديدة لم يقف عليها نقاد عصر الرواية؛ قلنا: أن التقعيد الاصطلاحي والمقولة النقدية يجب أن تتوقف من حيث الإنشاء على هذا العصر، وهذا غالب ما حصل وحدث.
خامسا: اهتم أهل العلم من أهل الحديث في عصر ما بعد الرواية بتفسير الفعل النقدي من خلال التطبيقات النقدية وصلا إلى: القاعدة، والتفسير الاصطلاحي للمقولة النقدية، وهذا عمل في غاية الأهمية، ومن يقلل من شأنه كان غير منصف، ولا مدرك لخطورة فعله، ولا احد يقول هذا.
لكن الذي نقول به: هل ما فسر به هؤلاء الكرام ينسجم مع الواقع التطبيقي الأصلي، أم أن بعض القواعد النقدية تتغاير مع الفعل النقدي، هل معاني المقولات الاصطلاحية يتوافق مع المقولات النقدية....
المسألة محط دراسة وتفصيل ...
ثمة مسائل الجواب نعم.
ثمة مسائل الجواب لا.
ثمة مسائل: هنا قواعد مستحدثة لا يقبل أن يقال انها تطور لأنها تعني بالضرورة قصور النظرية النقدية في عصر الرواية ومجابهة الأخطاء في عصرها.
من هنا نجد فساد القول بتطور الاصطلاح بمفهوم الاستحداث أما التطور بمفهوم التفسير والبيان على قاعدة مرجعية عصر الرواية فهو تطور تقني وليس تطورا تأصيلي.
سادسا: هذا يقودنا إلى مسألة خطيرة جدا وهي التعامل مع فعل النقاد بما استقر في أذهاننا سواء مؤيد او مخالف لا بما هو في الواقع العملي.
سابعا واخيرا: الحل الفصل في ذلك
الدراسات الاصطلاحية المقارنة على قاعدة مرجعية نقاد عصر الرواية تأصيلي وانشاء.
والله الموفق
وللحديث بقية

أبوالفداء المصري
06-09-16, 11:40 AM
نفع الله بكم وجزاكم الله خيرا
في انتظار البقية