المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمة حول دعوى التفريق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في نقد الروايات النبوية


علي النهدي
29-08-16, 03:09 PM
** كلمة حول دعوى التفريق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في نقد الروايات النبوية **




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد :


اعلم وفقك الله أن الإطلاق في تصويب أقوال المتقدمين والإطلاق في تخطئة أقوال المتأخرين حال التعارض بينهما دون تفريق بين ما محله الإخبار, وبين ما محله النظر والاجتهاد, يُشم منه القول بوجوب تقليد المتقدمين في مواطن الاجتهاد عند نقد روايات الأحاديث النبوية مطلقًا.

والحق والصواب : أن تقليد الأئمة المتقدمين في كل ما هو من باب الإخبار فرض لازم علينا وحقيقته أنه قبول لخبر الثقات, وكذلك ما اتفقوا عليه فيما هو من باب الاجتهاد لأن اتفاق أهل فن حجة على من دونهم ولا يحل لمن بعدهم مخالفتهم, وأما ما كان من قبيل النظر والاجتهاد المحض فالقول قول
صاحب الحجة الظاهرة والبرهان الساطع تقدم أو تأخر. وأما محض التقليد في هذا الباب ممن يملك الآلة وأهلية النظر مذموم وصاحبه مأزور, لأن الله تعالى علّق السؤال بفقدان الحجة والبرهان فقال { فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } والتقليد ليس بعلم, لاسيما إذا ظهرت الحجة وقام البرهان.

ولا خلاف حول تميّز من عاصر الرواة والرواية على من بعدهم, بل لو قلنا : أن كل متأخر عالة على من تقدمه في علم الحديث لما أبعدنا, فالإمام البخاري رحمه الله مثلًا يلزمه الأخذ بخبر من سبقه من الثقات في جرح الرواة وتعديلهم وفي النقد والتعليل, خصوصًا إذا توأطوا, وليس له أن يخالفهم بدعوى سبر المرويات مثلًا. فبهذا المعنى نسلم بأن المتأخر ليس له مخالفة المتقدم, ويمكن ضبط صفة المتقدم والمتأخر دون إشكالية .

ولكن على ما زعمه ذاك المعاصر بقوله (( المتقدم هو الذي يسير على منهج الإئمة المتقدمين في التصحيح والتعليل والتوثيق والتجريح )) يبقي الإشكال في تحرير صفة المتقدم والمتأخر, لأنه وبالمثال السابق يتضح لنا أن الإمام البخاري وهو أمير المؤمنين في الحديث, سيكون متأخرًا في حال ومتقدمًا في حال آخر !


ولو قلنا : أن الحد يكون بعصر التدوين, فمن العسير علينا, تقرير قاعدة نسميها (منهج المتقدمين) ثم نجدها لا تنطبق على كل من تقدم من أهل ذاك العصر الذي هو عصر التدوين, فيختل التعريف .
وبالتالي لن يمكننا تحديد المنهج ليسير عليه من أراد أن يكون متقدمًا, ولتستبين طريق المتأخرين فتجتنب على زعم الزاعم.

وفي ظني أن القسمة لن تنضبط إلا بتعليق الوصف على حقيقته في الواقع, فإن كل من تقدم فهو متقدم بالنسبة لمن تأخر عنه ، وكل من تأخر فهو متأخر بالنسبة لمن تقدم عنه.
والمتقدمون يتفاوتون وهم طبقات فيما بينهم فمنهم من جمع بين الحفظ والنقد والبصيرة بعلم العلل والرجال, ومنهم الحافظ العارف بعلم الرجال أكثر من علم العلل, ومنهم الحافظ العارف بعلم العلل أكثر من علم الرجال, ومنهم الحافظ للمرويات المشتغل بالجمع والتصنيف وعنايته بالعلل أقل, وكل طبقة منها تتفاوت بين الشدة, والاعتدال, والتسمح.

وأما المتأخرون فمع أنهم أقل حظًا من المتقدمين في هذا العلم, من جهة عدم إدراكهم لعصر الرواية والتدوين, ومن جهة أن معوّلهم على النقل الذي يعتريه ما يعتريه من التحريف والتصحيف والنقص, بالإضافة إلى ضياع الكثير مما لم يصلهم علمه.
ومع ذلك فالمتأخرون طبقات ومدار التفاوت بينهم بمقدار الإحاطة بعلوم المتقدمين, وما فتح الله على بعضهم دون بعض في هذا الفن.

لذا يجب تقويم هذه الدعوى, بأن يحدد المراد منها, وهو في ظني : الاهتمام بعلم العلل وتعليلات الأئمة النقاد, والأخذ بها بحسب مرادهم دون تعميم أقوالهم الخاصة ببعض الروايات على غيرها, وبالمقابل عدم تجاوزها إلا بحجة صحيحة معتبرة.

وبما سبق يظهر أن التعريف بـ ( المتقدم هو الذي يسير على منهج الإئمة المتقدمين في التصحيح والتعليل والتوثيق والتجريح ) مشكل.


ولا تستغرب لو وجدت بعض طلبة العلم اليوم يعلل بعض الأحاديث الصحيحة, بقوله (فلان لا يعرف له سماع من فلان) أو بقوله (فلان صدوق لا يحتمل تفرده) أو بقوله (المنكر أبدًا منكر) ويقصد ترك الاعتبار بالشواهد والمتابعات.


وكل ذلك بسبب أنه يريد أن يقتدي بمنهج المتقدمين زعم, فلا يدري أن الإعلال بالتفرد مطلقًا محدث وليس هو من منهج الأئمة النقاد, ولا يدري أن التفرد ليس بمنكر دائمًا وهو يقبل أن يتقوى بالشواهد والمتابعات, وغير ذلك من التخبط باسم الاقتداء بمنهج المتقدمين وترك العمل بمنهج المتأخرين زعموا .

فالأئمة متقدمهم ومتأخرهم ما زالوا يجتهدون في الوصول لأسلم نهج تصفى به مرويات السنة المطهرة من الشوائب, ومازال متأخرهم يستفيد من متقدمهم, ويقتدى به, ويعرف فضله وقدره, وسعة علمه, وما امتاز به من مقومات حاز به قصب السبق في هذا الباب, إلا أن المتأخر لا يقلد المتقدم تقليدًا مطلقًا, بل قد يخالف المتأخرُ المتقدمَ متى قام عنده البرهان على أن الصواب في المخالفة لا في المتابعة, ولذلك تجد التفاوت بين مناهج الأئمة المتقدمين أنفسهم, كاختلافهم في قبول المراسيل, واختلافهم في قبول أفراد الثقات, وتفاوت مذاهب الأئمة في ذلك ذكره الحافظ ابن رجب في شرح العلل .

والأئمة جميعهم في هذا الصنيع على صراط مستقيم, وهو تقديم الحجج والبراهين الصحيحة على اجتهادات أئمة الهدى والدين غير المعصومة عند اختلافهم.

وهذا أصل مطرّد في جميع فنون الشريعة, وأولى الناس بالصواب في كل زمان ومكان من استقام على هذا الأصل الأصيل . والله تعالى أعلم وهو الموفق والمستعان .

وكتبه / علي بن عمر النهدي
1432 للهجرة

فلاح السامرائي
30-08-16, 11:26 PM
اخي حفظك الله نريد امثله توضيحيه لما ذهبت اليه فقد يتبين للمتأخر شيء لم يتبين للمتقدم

د. عبد السلام أبوسمحة
31-08-16, 10:56 AM
النظرية النقدية إنشاء وتأصيلا هي في فعل نقاد عصر الرواية
لانهم من عاصر الرواة ووقف على كافة احتمالات الخطأ في مروياتهم
فصدرت عنهم التطبيقات النقدية المشتملة على القواعد النقدية تطبيقا والمقولات الاصطلاحية تعبيرا
من هنا وجب الركون إلى المنهج النقدي المنبثق عن فعلهم، دون الاستحداث والاستدراك على هذا المنهج.
ويبقى الاختلاف التفصيلي في الحكم الراوي والمروي وفق هذه القواعد قضية أخرى.

محمد عمرو
31-08-16, 02:29 PM
المقالة النقدية المنبثقة من جهود محدثي عصر الرواية تبقى مبدأية قابلة للتبلور والتحديث

والاضافة والاستدراك كسنن أي علم وأداة اصطلاح اجتهادي ...

وهي وظيفة من تأخر عنهم زمنا تحريرا وضبطا وتنقيحا وتقييدا وإلا بقينا مع هياكل عبارات

حمالات لمعاني مفتقرة للتركيب التطبيقي ..

أوافق على كلام صاحب المقالة .

د. عبد السلام أبوسمحة
01-09-16, 07:53 PM
اخي الكريم:
كيف لمقولة النقاد أن تكون مبدئية قابلة للتبلور
بل مقولة نقاد عصر الرواية هي أساس الصنعة وغاية منتهى النضوج فيها
فلا يعقل أن ينضج هذا العلم غيابيا
اي ينضج بعد انقضاء عصر الرواية والرواة وممارسة النقد لا نقل النقد
انتهاء الرواية بالضرورة يعني الاستقرار المصطلحي ....
ومن بعد يفسر ويشرح وينقل القاعدة الاصطلاحية ومقولتها من الممارسة إلى التنظير
وهذا أمر تختلف فيه اجتهادات القوم
شريطة عدم الاستحداث والاستدراك

علي النهدي
21-09-16, 11:17 AM
اخي حفظك الله نريد امثله توضيحيه لما ذهبت اليه فقد يتبين للمتأخر شيء لم يتبين للمتقدم

وحفظك وبارك فيك أخي الكريم

انظر الرابط فضلا
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=2265767#post2265767

محمد عمرو
05-10-16, 07:03 PM
أخي الكريم

الناظر لأقوالهم الحكمية على الرواة والمرويات .. يلحظ أنهم لم يقعدوا قواعد بصيغها التفصيلية المركزة

لعملية اطلاق النظر الشمولي للقاعدة الوصفية كما هي عند أهل الصنعة ممن تأخر عن عصر الرواية ..

هي تعبيرات متغايرة منطلقها الذوق النقدي .. المختلف الأشكال .. أما التجميع والمقصد منه فهو دور من

يأتي بعدهم .. والا أين هي التعريفات و التقسيمات الناتجة عن هذا التعبير النقدي الصادرة من أحد الائمة..؟

بلا ريب هي بحاجة لربط الهيئة العضوية لمختلف التعبيرات المنوعة والمختلفة ...