المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وهم الاختلاف المنهجي بين النقاد حديث القاسم بن عوف بين أبي حاتم وأبي زرعة أنموذجا


د. عبد السلام أبوسمحة
01-09-16, 12:29 PM
وهم الاختلاف المنهجي بين النقاد
حديث القاسم بن عوف بين أبي حاتم وأبي زرعة أنموذجا
(( وسئل أبو زرعة عن حديث رواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن القاسم بن عوف -أحد بني مرة بن همام- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ ابن جبل، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها). ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن القاسم بن عوف، عن ابن أبي أوفى، عن النبي صلى الله عليكم ؟ قال أبو زرعة: أيوب أحفظهم.
وسألت أبي عن حديث رواه أيوب، عن القاسم بن عوف، عن ابن أبي أوفى: أن معاذ قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسجد له، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لو كنت آمرا أحدا يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)... الحديث؟
فقال أبي: يخالف أيوب في هذا الحديث؛ فقال هشام الدستوائي إسناداً سوى ذا. ورواه النهاس بن قهم، عن القاسم بإسناد آخر، والدستوائي حافظ متقن، والقاسم بن عوف مضطرب الحديث، وأخاف أن يكون الاضطراب من القاسم.))
السؤال: هل اختلف الحكم النقدي في هذا الحديث بين أبي حاتم وأبي زرعة؟
نجمل الإجابة عن الحديث حول هذا الحديث بالنقاط المحددة الآتية:
أولاً: لم يحكم أبو حاتم الرازي لرواية لهشام على حساب رواية أيوب .... إنما بيَّنَ أن الدستوائي أيضا حافظ متقن ..ومن عادته في الحكم على المرويات النص على ذلك بدقة.
وفي هذا الاستحضار أراد أن يثبت أن الخطأ ليس من هشام ..ولا من أيوب، في هذا الاختلاف الحاصل بينهما. فكلاهما حَفِظَ ما سمعه من شيخه ...لأجل ذلك تجد أبا حاتم نبه على أمر مهم وهو اضطراب القاسم وهذا بيان منه لأصل العلة ...ونفيها عن أيوب وهشام، فكلاهما روى بنحو ما سمع. وبنحو ذلك صنع الدارقطني كما سيأتي نصه.
ثانياًُ: نقف على مسألة نقدية مهمة وهي من القرائن النقدية لا القواعد المطردة:
حينما يختلف كبار الأصحاب على شيخ، لا بد من قراءة المشهد قراءة دقيقة فلعله سبب اختلافهم، ويحدث هذا في اختلاف المرسل والمتصل، والموقوف والمرفع نشاطًا وكسلًا من الشيخ تارة، أو اضطرابا تارة أخرى بنو حديثنا.
ثالثاً: لم نقل يومًا أن نقاد عصر الرواية اتفقوا على نقد المرويات 100% ، ولا يقول هذا باحث جاد منقب ممحص، بل كررنا مرارا وتكرارا : في حال ثبوت الاتفاق بينهم نسمع ونطيع لهم، وفي حال الاختلاف نرجح بالأدلة العلمية المستقاة من منهجهم. ومن حال السكوت نحكم ما أمكننا الجهد على وفق نظراتهم المنهجية.
رابعاً: اختلفت في هذا الحديث زاوية النظر عند أبي حاتم عنها في حكم أبي زرعة مع الاتفاق على القاعدة .... وأوضح ذلك بالآتي:
أبو زرعة عمل وفق قاعدة الأصحاب في الترجيح بين الرواة وفي هذا السياق نص على أن أيوب أحفظهم (وهذه القاعدة يعملها أبو حاتم مرارا وتكرارا في مناسبات مختلفة).
بينما ذهب أبو حاتم إلى قاعدة مهمة وهي اضراب الشيخ وأثره في اختلاف الأصحاب، والشيخ هنا هو القاسم بن عوف...
وهذه مسألة مهمة جدًا في التعليل ... ففي حال اختلاف كبار أصحاب الشيخ مع عدم ثبوت الخطأ على واحد منهم، وتساويهم في الرتبة والمنزلة ، فالظن يتجه إلى احتمالية أن تكون علته من الشيخ .
والحال في هذا يعني: صواب رواية أيوب وهشام معاً، لكن هذا الصواب لا يعني صحة الحديث في حكمه النهائي، بل صحة ما أرداه مما سمعاه من شيخهما، وعهدة العلة عليه.
ويوضح ذلك الدارقطني بقوله: " وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُ عَنِ السُّجُودِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ... الْحَدِيثَ.
فَقَالَ: يَرْوِيهِ قَاسِمُ بْنُ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛
فَرَوَاهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ أَيُّوبَ، فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وإسحاق بن هشام التمار، وعفان، عن حماد بن زيد: عن أيوب، عن الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنْ مُعَاذٍ.
وَغَيْرُهُمْ، يَرْوِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَقُولُ فِيهِ: أَنَّ مُعَاذًا، قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَكَذَلِكَ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بن عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى؛ أَنَّ مُعَاذًا.
وَرَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنْ مُعَاذٍ، كَقَوْلِ يَحْيَى بن آدم، ومن وتابعه.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، فَأَغْرَبَ بِذِكْرِ ابْنِ عَوْنٍ، وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ.
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ مُعَاذٍ، جَعَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ مُعَاذٍ، وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا.
حَدَّثَ بِهِ عَنْ قَتَادَةَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ الْحَجَّاجِ.
وَرَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عن القاسم بن عوف، عن عبد الرحمن بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُعَاذِ بن جبل.
وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ بْنُ خَوْطٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ.
وَرَوَاهُ النَّهَّاسُ بْنُ قَهْمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بن عوف، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ مُعَاذٍ. قَالَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ.
وَالِاضْطِرَابُ فِيهِ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ".
خامساً: لا أجد خلافًا منهجيًا بين أبي زرعة وأبي حاتم بقدر ما أجد خلافا تفصيليا تطبيقيا ..، في تطبيق قواعد المنهج الواحد. فلم لم يعترض أبو حاتم على أبي زرعة بنحو معارضة بعض المتأخرين وكثير من المعاصرين بأن لحديث أيوب شواهد مثلا ، أو أن أيوب ثقة والدستوائي ثقة، أو غيرها من الأدلة التي يرد بها حكم نقاد عصر الرواية بكل سهولة ويسر، ويبرر ذلك احيانا: أن هذا ما هو مقرر في علوم الحديث.
سادساً: واخيرا: من يُسوق مخالفة المتأخرين والمعاصرين لنقاد عصر الرواية باختلافهم فيما بينهم واهم، لأن الفرق بين الخلاف التطبيقي والمنهجي خلاف شاسع.