المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قواعد في فقه الفتن والملاحم


أسامة حسن البلخي
25-10-16, 09:34 PM
http://www.almoslim.net/node/94662
انجوغو مبكي صمب | 4/6/1429 هـ

1172443905_faf5096930_m.jpg
إن أول مراتب فقه الفتن والملاحم هو معرفة ما صح من أخبارها، ثم معرفة أمر الله ورسوله عند وقوعها، ومن جمع بين العلمين وعمل بمقتضاهما سلم بإذن الله من شر الفتن والبلايا مهما عظم واستطار.
و تعتبر نصوص الفتن والملاحم من أعقد النصوص الشرعية وأصعبها تأويلا وتنزيلا، وحظوظ الناس في فقهها متفاوتة جدا، ولعل ذلك يرجع إلى تعلقها بأمور غيبية لم يقع أغلبها بعد، مما جعل الناس حيالها موزعين إلى مثبتين لتلك النصوص آخذين بظواهرها، ومتأولين ومفسرين لتلك النصوص تفسيرا إشاريا لا يعززه في الغالب لغة ولا شرع، ونفاة لها ومكذبين لأخبارها.
ومن هنا تتأكد الحاجة إلى قواعد في التعامل مع نصوص الفتن والملاحم تقي كل من أخذ بها إن شاء الله من غوائل التأويل الفاسد، وتنأى به عن آثام تكذيب آيات الله تعالى ورد أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويمكن تقسيم هذه القواعد إلى قواعد علمية تتعلق بمعرفة الفتن وتمييزها وضبط أحكامها في الشريعة الإسلامية، وقواعد عملية تتعلق بطرق التعامل مع الفتن وسبل اتقائها وما إلى ذلك.
قواعد علمية نظرية في فقه الفتن والملاحم:
حفلت النصوص الشرعية بقواعد علمية تهدي الناظر في فقه الفتن والملاحم، ويستفيد المتأمل فيها الهداية والبصيرة، فيسلم إن شاء الله تعالى من شرور الفتن ونتائجها الوخيمة في الدنيا والآخرة، قال حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عوادا، فأي: قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه).
إن إدراك هذه القواعد العلمية النظرية في فقه الفتن والملاحم يكسب المسلم وخاصة الدعاة إلى الله فقها بواقعه الذي يعد مسرحا لتلك الأحداث الجسيمة، فيستشرف مستقبله على ضوء هذه القواعد.
وهذه بعض تلك القواعد العلمية النظرية في فقه الفتن والملاحم:
القاعدة الأولى: التثبت في صحة النصوص من حيث النقل:
إن الإيمان بالغيب وإن كان أساس عقيدتنا الإسلامية وأعظم خصائص التصور الإسلامي لقوله تعالى في وصف المتقين: {الذين يؤمنون بالغيب...}، فلا يعني ذلك أبدا خرافية عمياء تطفئ بصيرة المسلم وتخضعه لأساطير وأوهام تكبله عن التفكير المنطقي وتقعده عن العمل الإيجابي، ولذلك فلا بد من التأكد من صحة النصوص المخبرة عن الفتن والملاحم من حيث النقل.
أما نصوص القرآن الكريم فثبوتها مضمون ومحسوم والحمد لله، لأن القرآن محفوظ من التحريف والتبديل ومن الزيادة والنقصان، قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، قال الشوكاني رحمه الله: (عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك...) فالقرآن محفوظ في الصدور والسطور في جميع الأجيال الإسلامية، ولم ينقص منه شيء منذ أن أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. ولا يرد احتمال الثبوت أو عدمه إلا في الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أن بعضها لم يستوف شروط الصحة والثبوت لدى أهل الاصطلاح، ومن ثم لا يصح الاعتماد عليه في إثبات شيء من أخبار الفتن والملاحم، ويخشى أن يكون التساهل في التثبت في مدى صحة ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره، داخلا في حكم تعمد الكذب عليه والعياذ بالله، قال صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
أما غير الكتاب والسنة الصحيحة كالإسرائيليات، وأقوال المنجمين والكهنة، أو دراسات المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين، وغير ذلك فليس من المصادر الشرعية التي يعول عليها لإثبات شيء من أخبار الفتن والملاحم.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (لا أساس للإسرائيليات التي تحدد ما مضى وما بقي من الدنيا، كما لا يعلم مقدار ما مضى إلا الله عز وجل، والذي في كتب الإِسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئات من السنين قد نص غير واحد من العلماء على تخبطهم فيه وتغليطهم، وهم جديرون بذلك حقيقون به وقد ورد في حديث:(الدُنْيَا جُمْعَة مِنْ جُمَع الآخِرَة) ولا يصح إسناده أيضاً، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد وقت يوم القيوامة على التعيين لا يثبت إسناده...).
القاعدة الثانية: وجوب الاعتماد على فهم السلف الصالح في تفسير نصوص الفتن والملاحم:
كان من أهم مكونات الثقافة الإسلامية لدى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فقه الفتن والملاحم الواردة ذكرها في القرآن والسنة، فقد حفظوا ورووا كثيرا من أخبارها، وتدارسوا معانيها فيما بينهم، وبصروا الناس بالواجب الشرعي عند حلولها.
فها هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جمع من الصحابة يتذاكر معهم الفتن ويفصلون في دقائقها، قال حذيفة رضي الله عنه: كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه فقال أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت أنا كما قاله، قال إنك عليه - أو عليها - لجريء قلت فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، قال ليس هذا أريد ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال أيكسر أم يفتح؟ قال يكسر قال إذا لا يغلق أبدا...
و الرد إلى فهم السلف الصالح رحمهم الله في تفسير نصوص الفتن والملاحم وغيرها من النصوص الشرعية يعد من جنس الرد إلى أهل الاجتهاد في المسائل المشكلة، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.
وهناك مرجحات موضوعية لفهم السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على فهم غيرهم، فهم الذين تلقوا العلم والإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وسلمت تصوراتهم في الدين والحياة من أي تأثيرات خارجية تقضي على أصالتها الشرعية، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم...).
ولذلك ينبغي على من يعتني بفقه الفتن والملاحم أن يتسلح برصيد كبير مما أثر عن الصحابة والتابعين من تفسيرات وتطبيقات لها صلة بهذا الموضوع الخطير، وليتثبت في النقل وليدقق في التحليل، لأن مواقف الصحابة والتابعين من الفتن تعد من مزلات الأقدام ومضلات الأفهام، فقد كثرت في مروياتها الضعاف والموضوعات، وظهرت في ألسنة مؤرخيها التعصب والظلم وما تخفي صدورهم أكبر.
القاعدة الثالثة: ترك كل تأويل فاسد لا يشهد له شرع أو لغة:
الأصل في ألفاظ النصوص الشرعية حملها على ظواهرها ما أمكن، ولا يجوز العدول عن تلك الظواهر إلى معان أخرى مرجوحة إلا بدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بشاهد من لغة العرب التي نزل بها الوحي من الله تعالى، وبلغ بها الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة ربه.
وكل ما ورد في نصوص الفتن والملاحم من الأخبار فهذا حكمه، ولا ينبغي الاشتغال بتأويلات ساذجة لمعانيها، وإن بدت غريبة في عقل السامع كسائر أخبار الغيب، وخاصة المفتونون بأهواء الحضارة المادية المعاصرة من الكتاب والمفكرين.
والتأويل المقبول شرعا كما يقول الرازي رحمه الله هو (عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر).
والتأويل الفاسد هو بريد الفتنة، قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله...} وللأصوليين بحث فيما يدخله التأويل وما لا يدخله، ومجمل كلامهم في ذلك: أنهم أجمعوا على دخول التأويل في النصوص المتعلقة بالفروع، واختلفوا فيما تعلق بالأصول والعقائد إلى أقوال أشهرها ثلاثة:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا، بَلْ تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَا يُؤَوَّلُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَهُمْ الْمُشَبِّهَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا تَأْوِيلًا، وَلَكِنَّا نُمْسِك عَنْهُ مَعَ تَنْزِيهِ اعْتِقَادِنَا عَنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، لِقَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ، وَأَوَّلُوهَا) وأخبار الفتن والملاحم من المسائل العلمية الخبرية التي يجب الإيمان بها كما ورد في النصوص الشرعية، ولا يصار إلى تأويلها إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله أو بشاهد من لغة العرب. فالدجال الأكبر مثلا في ضوء نصوص الشرع وفهم سلف الأمة، وعند أهل السنة والجماعة شخص (يخرج قبيل قيام الساعة في زمن المهدي وعيسى عليه السلام، وخروجه من الأشراط العظيمة المؤذنة بقيام الساعة، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس، ويسمى مسيحا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما، ولفظة المسيح تطلق على الصديق، وهو عيسى عليه السلام، وعلى الضليل الكذاب وهو الأعور الدجال).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم عن الدجال حديثا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك. ف. ر).
وعلى الرغم من هذا كله فإن هناك فرقا أنكر وجود الدجال أو أول النصوص المخبرة بظهوره تأويلا باطلا، كما فعلت الجهمية وبعض المعتزلة قديما، وكما فعل كثير من العقلانيين المعاصرين، والله المستعان.
وعلى المذهبين في الدجال قس الأقوال في نزول المسيح عيسى بن مريم وفي ظهور المهدي عليه السلام وغير ذلك من أشراط الساعة وفتن آخر الزمان.

أسامة حسن البلخي
25-10-16, 09:35 PM
قواعد في فقه الفتن والملاحم (2)
انجوغو مبكي صمب | 7/6/1429 هـ

1172443905_faf5096930_m.jpg
القاعدة الرابعة: الواقعية في تنزيل نصوص الفتن والملاحم.
وذلك بالتثبت في مدى مطابقة ما يشاهده المرء من الحوادث الكونية والظواهر الاجتماعية لمدلول تلك النصوص الشرعية، ولا يكلف نفسه باستنزالها على كل ما يسمعه أو يراه في الزمان أو المكان الذي يعيش فيه، كما يفعل كثير من المنتسبين إلى العلم والدعوة.
ومن الأمثلة على ذلك ما يحاوله بعض أهل العلم عبثا من تنزيل أحاديث الفرقة والاختلاف في حق الجماعات الدعوية المعاصرة، وتصنيفها في الفرق والنحل التي حذرها منها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر باعتزالها لمخالفتها للفرقة الناجية، ويجهل أو يتجاهل أن مجرد التجمع على علم في شكل مذهب، أو على عمل في صورة جماعة أو حزب، لا يخرج المتجمع أو المتحزب من دائرة الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة، قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: (إنما تصير هذه الفرق فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرعي الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا).
وكذلك من عدم الواقعية في تنزيل نصوص الفتن والملاحم حمل النصوص الواردة في ظاهرة السفور والتبرج في آخر الزمان على من أخذت من النساء بمذهب من قال بجواز كشف المرأة لوجهها، أو اعتبار بعض الأزياء في بعض المجتمعات من لباس الكفار المنهي عنها شرعا دون تحقيق لمناط حكم ودون تمييز لضابط وصف.
فالواجب إذن في التعامل مع النصوص هو التأكد من الثبوت أولا، ثم النظر في الشواهد الأخرى، ثم البحث في أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في بيان معنى النص، مع الرجوع إلى لسان العرب لضبط معاني مفردات النص الغريبة، ثم الاستئناس بحركة الحياة وتراكم الأحداث، وبعد ذلك يتوكل على الله فينطق بما توصل إليه من فهم، متجردا من التعصب والهوى، فيصيب الحق إن شاء الله، أو الأجر على كل حال.
القاعدة الخامسة: الفتن صغائر مكفرة، وكبائر مائجة.
ليست الفتن على درجة واحدة من الخطورة على حياة الأفراد والمجتمعات، فمن الفتن والبلايا ما هو من جنس الصغائر المكفرة بخصال الخير أو بالمصائب، مثل ما يبتلي الله به العباد من فتنة الأهل والمال والولد وغير ذالك من الخير والنعمة، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14).
ولهذه الخيور كلها وجه آخر غير وجه النعمة وهو كونها فتنة أيضا لقول تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: من الآية15).
وقوله سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: من الآية35).
قال ابن زيد: (نختبركم بما تحبون لننظر كيف شكركم، وبما تكرهون لننظر كيف صبركم).
وقد سبق أن سبق أن أوردنا حديث حذيفة رضي الله عنه في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ذكر فيه هذا النوع من الفتن حيث يقول: (قلت فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي...).
ومن الفتن ما هو من جنس الكبائر الموبقة والمهلكة، ويحتاج إلى معالجة دقيقة للقلب من أجل الوقاية منها، أو من التخلص من آثارها، وهو الذي أقض مضجع عمر رضي الله عنه فرام فقهه، فحدثه عنها حذيفة رضي الله عنه، وهذا النوع من الفتن هو الذي يذهب بالدين والدنيا، حيث تراق الدماء، وتنتهك الأعراض، وتفترق الأمة، وتنتشر البدعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يتقارب الزمان وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج).
وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
وعن جعفر بن علي عن أبيه رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخوف ما أخاف على أمتي ثلاثة: الضلال بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة البطن والفرج).
القاعدة السادسة: الفتن شبهات وشهوات.
إذا تأملنا في الفتن والبلايا التي وردت بها الأخبار نجد أنها على نوعين:
الأول: فتن الشبهات.
وهي ما يتعلق من الفتن بعقيدة الإنسان وتصوراته لأحكام الشريعة.
وأعظم فتن الشبهات الكفر أو الشرك بالله، ويدخل فيها كل ما يخرج المسلم من دينه من نواقض الإيمان الاعتقادية، كمن يعتقد اشتراك أحد مع الله في شيء من خصائص الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: من الآية191). قال مجاهد (ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من أن يقتل محقا).
وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض المسلمين قد يفتنون في دينهم فيصبح أحدهم مسلما ويمسي كافرا، في فترة وجيزة أقل من أربع وعشرين ساعة ينتقل فيه المرء من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر ومن التوحيد إلى الشرك والعياذ بالله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، ومن وقف على جهود المنصرين في أفريقيا، وشاهد التضليل الذي يمارسونه ضد الشعوب الإسلامية، تحت ضغط الفقر والمرض والجهل، لرأى المئات بل الألوف يصبحون مؤمنين ويمسون كفارا يبيعون دينهم بكسرة خبز أو جرعة دواء، وهذه صورة بدائية من صور التحول عن الإسلام، وهناك صور أخرى من الردة الاختيارية لدى المخدوعين من المسلمين بالفلسفات الإلحادية الغربية، تتمثل في انسلاخ كلي أو جزئي من تعاليم الإسلام والله المستعان.
وأعظم من ذلك كله عودة طوائف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الأصنام والأوثان والعياذ بالله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة).
ويندرج تحت فتن الشبهات البدع الاعتقادية التي هي دون الكفر بالله تعالى، وذلك مثل بدع الخوارج والمعتزلة والمرجئة والشيعة الرافضة وغيرهم من أهل البدع والأهواء. جاء رجل إلى مالك بن أنس رحمه الله تعالى فقال: من أين أحرم؟ فقال من الميقات الذي وقت رسول الله وأحرم منه، فقال الرجل فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك؟ فقال ما تكره من ذلك؟ قال أكره عليك الفتنة، قال وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: من الآية63) وأي: فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يختص رسول الله.
فاعتقاد هذا الرجل امكان اختصاص أحد من الأمة بفضل لم يختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في الفتنة التي حذر الله منها كل مخالف لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهديه.
الثاني: فتن الشهوات.
وهي كل ما يفتن به المرء مما يهواه وتميل إليه نفسه من متع الحياة وزينتها، من النساء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة... وغيرها.
وأعظم هذه الفتن فتنة النساء، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء).
وقال تعالى عن فتنة المال والولد (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: من الآية15).
وقال صلى الله عليه عن فتنة المال: (تعس عبد الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض).

أسامة حسن البلخي
25-10-16, 09:36 PM
قواعد في فقه الفتن والملاحم (3)
انجوغو مبكي صمب | 10/6/1429 هـ

1172443905_faf5096930_m.jpg
القاعدة السابعة: القتال بين المسلمين فتنة، وبينهم وأهل الكفر ملحمة وبطولة.
قد يظن بعض المتعجلة من الباحثين وطلبة العلم أن الفتن والملاحم جنس واحد من الأحداث والوقائع، وذلك لاقترانهما كثيرا في الذكر في النصوص والمصنفات، وليس الأمر كذلك، بل إن هناك فروقا جوهرية بين الفتن والملاحم من حيث المسرح، ومن حيث الأبطال، ومن حيث الحكم.
فالفتن كما يقول الشيخ محمد شمس الحق العظيم أبادي هو القتال بين المسلمين وكل ما يؤدي إلى ذلك من الأقوال والأفعال، والملاحم هي القتال بين المسلمين والكفار.
وروي أنهما لا تجتمعان على المسلمين في زمان ومكان واحد، فعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين سيفا منها وسيفا من عدوها) والفتنة وكل ما يؤدي إليها من الأقوال والأفعال مذمومة شرعا، قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً...) [الأنفال: من الآية25].
وقال عز وجل: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة: من الآية191].
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار).
ومع ذلك قد يحاول بعض مسوقي الفتن مع الأسف الشديد إضفاء الشرعية على قتال المسلمين، وذلك بإظهار المقاتلين منهم في صورة المجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وتلقيب قتلاهم بالشهداء، واعتبار خصومهم بغاة أو خوارج أو كفارا، تحل دمائهم وأعراضهم وأموالهم، كل ذلك بدون ضوابط شرعية ولا أدلة منطقية.
وأما الملاحم فهي قتال المسلمين العظيم مع أمم الكفر في آخر الزمان، مثل فتح القسطنطينية، وفتح الروم، وقتال الترك، وتداعي الأمم على المسلمين، وكل ذلك مما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح قسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال).
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل...).
والأصل في الملاحم أنها محمودة في الشرع لما فيها من نشر الإسلام، وإعلاء كلمة الله، ورفع الظلم والاضطهاد عن الضعفاء والمظلومين، ولذلك جازت النسبة إليها، فيقال للمجاهد في سبيل الله صاحب البطولات ورجل الملاحم، كما في ورد في الحديث وصف النبي نفسه صلى الله عليه وسلم بنبي الملاحم كما في المسند: (أنا محمد، وأنا أحمد، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، والحاشر، والمقفى، ونبي الملاحم).
القاعدة الثامنة: الفتن والملاحم إما واقعة أو قريبة.
إن ما أخبر به القرآن والسنة من حوادث الفتن والملاحم من حيث الوقوع وعدمه بالنسبة إلى زمن ورود النص وينقسم إلى قسمين:
الأول: ما هو واقع.
وذلك كإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما فتح من ردم يأجوج ومأجوج، فعن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه سلم من النوم محمرا وجهه يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، قيل أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم إذا كثر الخبث)، والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم (فتح اليوم) حيث بين الظرف الزمني لوقوع ذلك الحدث الجلل، وهو الشق الذي حصل من ردم يأجوج ومأجوج في ذلك اليوم الذي استيقظ فيه رسول الله على تلك الهيئة.
ومما وقع من الملاحم المعارك العظيمة والغزوات الكبيرة التي حدثت بين المسلمين وسائر ملل الكفر، سواء بقيادة النبي الكريم أو بإذنه صلى الله عليه وسلم.
الثاني: ما هو قريب.
ومن ذلك إشارته إلى مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث حذيفة السابق، وإشارته إلى مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه كأخبار القتال بين الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لحقه من حوادث جسام ومصائب عظام، ففي الحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، وقال صلى الله عليه وسلم في حق الحسن بن علي رضي الله عنهما: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وقد تحققت هي هذه النبوءات.
ومن الجدير بالذكر أن جميع الفتن والملاحم بالنسبة إلى زمن ورود الحديث عنه قريبة، وذلك إما لقطعية وقوعها فكل ما هو آت قريب، فالساعة مقتربة بنص القرآن والسنة لقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر:1].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، وكذالك كل خبر وصف بالقرب وإن لم يحدث إلى يومنا هذا، كخبر انحسار نهر الفرات عن كنز عظيم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا).
وخبر نزول عيسى بن مريم المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يأخذه أحد). وإما لكونها قريبة قربا حقيقيا كما وقع من حوادث في القرون التالية لزمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
القاعدة التاسعة: الفتن متواترة والملاحم.
من أخبار الفتن والملاحم الصحيحة ما يفيد بأنها متواترة ومتتابعة، فكما أنها قريبة الوقوع فكذلك قرب بعضها من بعض، ويفهم من تواتر الفتن وتتابعها أمران:
الأمر الأول: الاتصال والارتباط بين الحوادث.
كاتصال وارتباط نزول عيسى بن مريم عليه السلام وظهور المهدي عليه السلام وفتنة المسيح الدجال، فأخبار هذه الشخصيات الثلاثة تكاد تؤلف قصة ذات فصول متتابعة وليست حوادثها بمتباعدة لا زمنيا ولا مكانيا.
ففي حديث أبي أمامة الطويل عن قصة الدجال قوله صلى الله عليه وسلم: (فقالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينا إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح، فنزل ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا قال عيسى عليه السلام: افتحوا الباب، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا، ويقول عيسى بن مريم إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله...) الحديث.
الأمر الثاني: التقارب الزمني بين الفتن والملاحم ويفهم من تتابع وتواتر الفتن والملاحم أيضا مجرد التقارب الزمني بين حوادثها، وصورة هذا التقارب والتوالي تكون أوضح في ما انفصل بعضها عن بعض، ويمكن بالجمع بين النصوص معرفة الترتيب الزمني لوقوع بعض الفتن والملاحم، بحيث يستطيع أن يعرف أي هذه الفتن والملاحم يسبق وأيها يتأخر، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الملحمة الكبرى وفتح قسطنطينية وخروج الدجال في ستة أشهر).
وقال الإمام مسلم: (باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض، ونزول عيسى وقتله إياه، وذهاب أهل الخير والإيمان، وبقاء شرار الناس، وعبادتهم الأوثان، والنفخ في الصور، وبعث من في القبور) هذه نبذة يسيرة من القواعد العلمية المتعلقة بالفتن والملاحم، وفي المقال التالي إن شاء سنعرض بعض القواعد العملية والله الموفق للصواب

أسامة حسن البلخي
28-10-16, 11:48 PM
تأويل فتنة السراء و أن دخنها يخرج من تحت قدمي رجل يزعم أنه مني ، وليس مني ، وإنما أوليائي المتقون ...
فهو إذن من آل البيت نسباً ، ولكنه ليس على منهج التقوى ، وقد مرت وقد شارك أعداء الإسلام في هدم الخلافة العثمانية واتفق مع بريطانيا على الخيانة ، والفتنة هي تقويض حكم بيعة بايع بها أهل الإيمان و أهل دار الإسلام
وكونها السراء من البسط والرخاء وكثرة الرفاهية والأموال التي أنعم الله بعد الفتنة بها على الأمة

وأما الفتنة القوية الثانية وهي فتنة الدهيماء التي لاتدع أحدا إلا لطمته ، فكأن الأمة تعيش بها فقد قتل من أهل الإسلام - السنة - في العراق والشام الملايين ...
وفي خاتمة الحديث كأنها تسلمنا إلى الدجال ، فكأن أمدها يطول