المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناقشة الأستاذ صلاح الدين الإدلبي في كتابه " كشف المعلول"


أبو معاذ الحنبلي السلفي
09-11-16, 10:10 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:
فهذه مناقشة لكتاب الأستاذ: صلاح الدين الإدلبي " كشف المعلول مما سُمّي بسلسلة الأحاديث الصحيحة" الذي وضعه ردًا على العلامة الألباني في بعض ما صححه في "صحيحته" وهو معلولٌ عنده.
وقد تتبعت جميع ما انتقده على الألباني؛ فوجدته أصاب في بعضها وأخطأ في الأكثر؛ مما دعاني لتسطير هذه المناقشة ورفعها على هذا الملتقى المبارك على شكل حلقات؛ لأستفيد من توجيهات واستدراكات مشايخي وأساتذتي؛ علمًا أني سأتجاوز المقدمة التي وضعتها ومنهجي في الرد طلبًا للاختصار ودخولًا في صلب الموضوع. والله الموفق

الحديث الأول
عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مدينة هرقل تفتح أولًا. يعني قسطنطينية "..
ذكره العلامة الألباني في "صحيحته" (1/33، رقم 4 )

أخرجه أحمد (11/224، رقم 6645)، وابن أبي شيبة (4/219، رقم 19463)، وأحمد بن منيع كما في "إتحاف الخيرة" (8/106، رقم 7594)، والدارمي (1/430، رقم 503)، والداني في "الفتن" (6/1127، رقم 607)، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (ص90، رقم 110)، والطبراني في "الأوائل" (ص89، رقم 61)، وفي "الكبير" (13/68، رقم 166) من طرق، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب، عن أبي قبيل المعافري، عن عبد الله بن عمرو، به.
قال الهيثمي"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل، وهو ثقة"( )
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"
وقال الذهبي: " هذا حديث حسن غريب"( )
وقال عبد الغني المقدسي: "حديث حسن الإسناد "( )

حديثٌ حسن:
1-يحيى بن إسحاق البجلي، أبو زكريا، ويقال: أبو بكر السيلحيني، ويقال: السالحيني أيضًا- والسلحين قرية بقرب بغداد-: ثقة من رجال مسلم( )
ولم ينفرد به يحيى بن إسحاق، فقد تابعه:
• ابن وهب: أخرجه نعيم بن حماد في "الفتن" (1344)، والحاكم (8662) و(8550) من طريقين عنه، به.
• وسعيد بن أبي مريم: أخرجه الطبراني في "الكبير" (166) من طريق يحيى بن أيوب العلاف، به.
• وسعيد بن عفير: أخرجه أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (ص555)، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص258)

2- يحيى بن أيوب الغافقي، أبو العباس المصري: صالحٌ تُكلِّم في حفظه، وقد احتج به مسلم والأربعة، واستشهد به البخاري. قال الحافظ في مقدمة "الفتح" (1/451) " في سياق أسماء من طُعن فيه من رجال هذا الكتاب": " استشهد به البخاري في عدة أحاديث من روايته عن حميد الطويل، ماله عنده غيرها سوى حديثه عن يزيد بن أبي حبيب في صفة الصلاة بمتابعة الليث وغيره، واحتج به الباقون"
وثقه ابن معين في رواية( )، والبخاري فيما حكاه عنه الترمذي( )، ويعقوب بن سفيان( )، وإبراهيم الحربي( )، والبزار( )، والدارقطني( )، وذكره ابن حبان (7/600، رقم 11656) والعجلي (ص468، رقم 1791) في "ثقاتهما"
وقال أبو داوود: ليس به بأس( )، وكذا قال النسائي في رواية( )، وابن عدي( )، وابن شاهين( )
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل( )، عن أبيه: "سيء الحفظ، وهو دون حيوة وسعيد بن أبي أيوب في الحديث"
وقال النسائي مرة: " ليس بالقوي" ( )
وقال الدارقطني: " في بعض أحاديثه اضطراب"( )
وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبي: يحيى بن أيوب أحب إليك أو ابن أبي الموال؟ قال: يحيى بن أيوب أحب إلي، ومحل يحيى الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به"( )
وقال الساجي: صدوق يهم( )
وقال ابن سعد: منكر الحديث( )
وذكره العقيلي في " الضعفاء"( )
ولخَّص حاله الحافظ فقال: " صدوق ربما أخطأ "( )
وقال الذهبي: " صالح الحديث"( )

فيتلخص من أقوال أئمة الجرح والتعديل: أن يحيى بن أيوب صالح من أهل العلم والديانة بل قال الذهبي: "عالم أهل مصر ومفتيهم"( )، وحديثه لا ينزل عن درجة الاعتبار والاستشهاد في أقل أحواله؛ لذلك استشهد به البخاري في صحيحه.
ومن وثقه واحتج به كمسلم؛ فإنه يرى أن أخطاءه قليلة لا توجب ترك الاحتجاج به، أو أنه كان ينقي من حديثه ما لم يخطئ فيه، وعبارات بعض النقاد تفيد قلة حصول الخطأ منه، كما
قال أحمد بن صالح: "له أشياء يخالف فيها"، وقال الدارقطني: "في بعض حديثه اضطراب"، وقال الحافظ: "صدوق ربما أخطأ" مما يدل على غلبة صوابه على خطأه، وأن الأصل في رواياته هي الاستقامة.
وقد أحسن ابن عدي في ذكر حاله( )، فساق ما أُنكر عليه -وليس بينها حديث الباب- ثم قال: " ولا أرى في حديثه إذا روى عنه ثقة، أو يروي هو عن ثقة حديثًا منكرًا فأذكره، وهو عندي صدوق لا بأس به"
وقال الذهبي في "السير" (8/6): " له غرائب ومناكير يتجنَّبُها أربابُ الصِّحاح، وينقَّون حديثه، وهو حسن الحديث"

فعلم بهذا التحرير: أنه يُردُّ حديثُهُ إذا أتى بالمنكرات، أو انفرد بما خالف الثقات أو بما دلت القرائن على خطأه فيه، ويقبل فيما عدا ذلك.

وليس في روايته هذا الحديث ما يُنكر بل له شواهد عاضدة كما سيأتي، ولم ينفرد به يحيى بن أيوب، فقد توبع، ويؤيده تحسين بعض الحفاظ للحديث كما سبق.

وبهذا التقرير يُردُّ كلام الأستاذ في قوله : "وما أظن عاقلًا يطلع على أقوال أئمة الحديث في هذا الراوي ثم يقول بإطلاق: إن ما انفرد به صحيح"

قلت: وكذلك العكس، فلا يقول عاقل في راوٍ احتج به الجماعة: إن ما انفرد به يُرد بإطلاق!( ) ولا يرد حديث فرد مطلقًا إلا بوجود قرائن تؤكد أو ترجح جانب خطأ الراوي على صوابه بحسب قواعد النقاد ومنهجهم.

فالنقاد قد يقبلون الأفراد أحيانًا ولو كانت ممن تكلم في حفظه إذا قامت القرائن الدالة على عدم خطئه فيه، وقد يردونها أحيانًا أخرى ولو كانت من إمام حافظ كشعبة وسفيان( ) إذا قامت القرائن الدالة على وهمهم وخطئهم فيه، ولكل حديثٍ عندهم نقد خاص كما قال ابن رجب( ).
وقد استقر عند المتأخرين في ضابط قبول التفرد أو رده: بما ذكره ابن الصلاح؛ وخلاصته: أن التفرد يقبل من الثقة، ويرد من الضعيف، ويُستحسن من المتوسط بينهما().

وليس المقام مقام تحرير الأقوال وترجيحها في موضوع التفرد، فهذا موضوع طويل الذيل دقيق المأخذ، وللعلماء فيه كلامٌ كثير يُرجع فيه إلى مظانه من كتب المصطلح والعلل، ولكن رد دعوى اعتراض الأستاذ على الألباني تصحيحه هذا الحديث لمجرد تفرد الراوي به من غير إقامة الدليل على خطأه فيه!

3- أبو قبيل المعافري، واسمه حيي بن هانئ: وثقه أحمد وأبو زرعة وابن معين( )، والفسوي والعجلي وأحمد بن صالح المصري( ) وقال أبو حاتم: صالح الحديث( )، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ( )، وذكره الساجي في كتابه "الضعفاء"، وحكى عن ابن معين أنه ضعفه!( ).

• ولم ينفرد به يحيى بن أيوب، فقد تابعه سعيد بن أبي أيوب: أخرجه الحاكم 4/468، رقم 8301) من طريق أبي جعفر محمد بن محمد البغدادي، ثنا هاشم بن مرثد، ثنا سعيد بن عفير، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي قبيل، به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه!" ووافقه الذهبي!
وليس كذلك، أبو قبيل ليس من رجال الشيخين، وهو ثقة كما تقدم.
وهاشم بن مرثد: قال الخليلي: " ثقة لكنه صاحب غرائب"( )
وقال ابن حبان: "ليس بشيء"( )
وقال الذهبي: " وما هو بذاك المجود"( )
وشيخ الحاكم أبو جعفر محمد بن محمد ترجمه الخطيب وقال: "وكان ثقة"( )

وقد شكّك الأستاذ في سماع ابن عفير من سعيد بن أبي أيوب، وسلك مسلكًا غير دقيق في إثبات عدم سماعه منه؛ إذ نظر إلى خلاف المؤرخين في وفاة ابن أبي أيوب، ووجد في بعض أقوالهم ما يُستبعد معه أن يتحمل عنه ابن عفير من غير اعتماد الراجح من أقوالهم؛ مع إقراره أن ابن يونس وابن زبر أعرف بوفيات المصريين!

والذي رجحه ابن يونس( ) وابن زبر الربعي( )، وجزم به الذهبي( ) وصححه الحافظ ( ): أن سعيد بن أبي أيوب توفي سنة 161.
وابن عفير ولد سنة 146، وتوفي سنة 226، فيكون لابن عفير 15 سنة من تاريخ وفاة سعيد ابن أبي أيوب، وهو سن يمكن فيه التحمُّل والسماع، لاسيما وقد صرح ابن عفير بالسماع منه، فلا يقبل دعوى الانقطاع بغير بدليل!

وبنى الأستاذ على ذلك: احتمال أن يكون تحرّف اسم يحيى بن أيوب إلى سعيد بن أبي أيوب، كما تحرف هاشم بن مرثد إلى هاشم بن مزيد في المطبوعة! وأن شيخ ابن عفير هو الأول وليس الثاني!

وأيد دعواه بأن المزي لم يذكر في ترجمة ابن عفير أنه روى عن سعيد، ولا في ترجمة سعيد أنه روى عنه ابن عفير؛ بينما ذكر في ترجمة ابن عفير أنه روى عن يحيى بن أيوب!

وهذا اعتراضٌ غير صحيح، فالمزي لم يستوعب شيوخ وتلاميذ الراوي، وقد فاته من أسماء الرواة عددًا غير يسير، منها ما استدركه عليه مغلطاي في "الإكمال" ومنها ما استدركه عليه غيره، فلا يقبل دعوى وقوع التحريف بغير دليل تطمئن إليه النفس؛ خاصة أن ابن يونس وابن زبر – وهما أعلم بأهل بلدهم- قد اعتمدا في وفاة سعيد ابن أبي أيوب على كلام ابن عفير( )؛ مما يدل على اختصاصه به ومعرفته عنه.

ويؤيده: أن الحافظ ذكر الحديث في "إتحاف المهرة" (9/448، رقم 11651) وساقه بإسناد الحاكم كما أثبتناه، ولو كان في الإسناد تحريفٌ أو تصحيف لنبّه إليه؛ فهو كثيرًا ما يستدرك ويصحح الأسانيد التي فيها تحريف، والله أعلم.

• وخالف ابنُ لهيعة يحيى وأيوب؛ فرواه عن أبي قبيل، عن عمير بن مالك، عن عبد الله بن عمرو من قوله. أخرجه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (ص258).
وابن لهيعة ضعيف!

وللحديث شواهد:

-منها: حديث أبي هريرة: في صحيح مسلم (2920) (78): أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟» قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: " لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق.. الحديث"
قال القاضي: " كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم من بني إسحاق! قال بعضهم: المعروف المحفوظ: من بني إسماعيل، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية"( )

-ومنها:حديث أبي هريرة: عند مسلم أيضًا (2897) (34): " لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية.. الحديث"

- ومنها: حديث بشر الخثعمي: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش " قال: فدعاني مسلمة بن عبد الملك فسألني، فحدثته، فغزا القسطنطينية.
أخرجه أحمد (31/287، رقم 18957)، والبغوي في "معجم الصحابة" (1/324، رقم 210)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/391، رقم 1177) من طريق عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن الوليد بن المغيرة المعافري، عن عبد الله بن بشر الخثعمي، عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (6/218، رقم 10384)، والبوصيري في "إتحاف الخيرة" (8/106، رقم 7595): "رجاله ثقات"
قلت: عبد الله بن بشر الخثعمي هذا، تفرد بالرواية عنه الوليد بن المغيرة المعافري، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقد اختلف على زيد بن الحباب في اسمه واسم أبيه ونسبه.
فقال ابن أبي شيبة: عبد الله بن بشر الخثعمي
وقال محمد بن العلاء أبو كريب: عبيد بن بشر الغنوي. أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (2/81، رقم 1760)، والبزار (2/358، رقم 1848-كشف)، وابن أبي خيثمة (1/92، رقم 218) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/391، رقم 1178) من طريق محمد بن العلاء، عن زيد بن الحباب، به
وقال عبدة بن عبد الله الخزاعي: عبيد الله بن بشر الغنوي. أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط" (1/306، رقم 1483) عن عبدة بن عبد الله الخزاعي، عن زيد بن الحباب، به.
واختلف فيه على عبدة، فقال مرة: عبيد الله الغنوي، بالتصغير
وقال مرة: عبد الله الغنوي، مكبرًا. أخرجه الحاكم (4/468، رقم 8300) من طريق عبد الله بن محمد الدورقي، عن محمد بن إسحاق الإمام، عن عبدة، به. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وقد فرّق الحافظ بينهما، فقال في "تعجيل المنفعة" (1/721، رقم 524): "والذي أخرج له الترمذي والنسائي لم يختلف في اسمه ولا في اسم أبيه ولا في نسبه، وأما هذا فاختلف في اسمه، فقيل عبد الله، وقيل عبيد الله بالتصغير، وقيل عبيد بغير إضافة، واختلف في نسبه، فقيل الخثعمي، وقيل الغنوي ..". والحديث ضعفه الألباني في "الضعيفة" (2/268، رقم 878) لجهالة عبد الله بن بشر عنده.

-ومنها حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه أحمد (6623) من طريق أبي جناب الكلبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ وضوءا مكيثا، فرفع رأسه، فنظر إلي، فقال: " ست فيكم أيتها الأمة: فذكره، ثم قال: "وفتح مدينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ست "، قلت يا رسول الله أي مدينة؟ قال: " قسطنطينية "
أورده الهيثمي في "المجمع" (7/321، رقم 12431) وقال: " رواه أحمد والطبراني، وفيه أبو جناب الكلبي وهو مدلس"
قلت: وقد ضعفوه لكثرة تدليسه، وليس به بأس كما قال ابن معين وغيره.