المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناهج المحدثين منهج أهم الكتب المصنفة في الجوامع


محمد عمران شمس الدين
11-11-16, 10:22 AM
الحمد لله المحمود بكل لسان معروف بالجود والإحسان الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة ادخرها يوم العرض على الميزان وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المنتخب من ولد عدنان صلى الله عليه وسلم وعلى عترته الطاهرين وصحبه الأكرمين ما اتفق الفرقدان واختلف الجديدان.
أما بعد :
فبحثنا اليوم مشتمل على منهج أهم الكتب المصنفة في الجوامع وهي الجامع البخاري والمسلم والترمذي ،
وقسمنا البحث إلى ثلاثة فصول :
الفصل الأول :منهج الإمام البخاري في جامعه
المبحث الأول :ترجمة الإمام البخاري
المبحث الثاني :نبذة عن كتابه
الفصل الثاني :منهج الإمام مسلم في جامعه
المبحث الأول :ترجمة الإمام مسلم
المبحث الثاني :نبذة عن كتابه
الفصل الثالث :منهج الإمام الترمذي في جامعه
المبحث الأول :ترجمة الإمام الترمذي
المبحث الثاني :نبذة عن كتابه
وأسأل الله أن يسهل لنا الأمر ويجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه .

الفصل الأول : منهج الإمام البخاري في جامعه
المبحث الأول : ترجمة الإمام البخاري:
اسمه ونسبه ومولده :
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي) (.
وأما الجعفي فلأن أبا جده - وكان مجوسيا- أسلم على يد الميمان الجعفي والي بخارى، فنسب إليه لأنه مولاه من فوق) (.
وقد طلب والد البخاري العلم، قال البخاري:" سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه ") (.
ولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ) (.
طلبه للعلم :
طلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب ولم تتجاوز سنه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة، فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلف هو في طلب الحديث) (.
شيوخه :
مكي بن إبراهيم، وهو من عوالي شيوخه، و عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسن بن شقيق، وصدقة بن الفضل، ويحيى بن يحيى، و إبراهيم بن موسى. و محمد بن عيسى ابن الطباع، وسريج بن النعمان، ومحمد بن سابق، وعفان، ومن محمد بن عرعرة، وحجاج بن منهال، وبدل بن المحبر، وعبد الله بن رجاء، وأبو نعيم، وخالد بن مخلد، وطلق بن غنام، وغيرهم) (.


تلاميذه :
أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، .. وروى عنه الإمام مسلم في غير " صحيحه ") (.
منزلته العلمية :
اشتهر البخاري في عصره بالحفظ والعلم والذكاء، وقد وقعت له حوادث كثيرة تدل على حفظه منها امتحانه يوم دخل بغداد وهي قصة مشهورة.
وكان - رحمه الله - واسع العلم غزير الإطلاع، وقال : " لا أعلم شيئاً يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب أو السنة. فقيل له: يمكن معرفة ذلك كله قال: نعم ".
وقال له بعضهم، قال فلان عنك لا تحسن أن تصلي، فقال: لو قيل شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة) (.
ثناء الأئمة عليه :
أثنى عليه أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث ثناءً عاطراً واعترفوا بعلمه وفضله وخاصة في الرجال وعلل الحديث، وهذا شيء يسير من ثناء هؤلاء الأئمة عليه.
قال الإمام البخاري رحمه الله : ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه فسُروا بذلك، وصاروا إلى عمرو فأخبروه، فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وكان إسحاق بن راهوية يقول: اكتبوا عن هذا الشاب - يعني البخاري - فلو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل) (.
وكان علماء مكة يقولون : محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان.
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم) (.
وقال محمد بن أبي حاتم أيضاً: سمعت إبراهيم بن خالد المروزي، يقول: رأيت أبا عمار الحسين بن حريث يثني على أبي عبد الله البخاري، ويقول: لا أعلم أني رأيت مثله، كأنه لم يخلق إلا للحديث.
وقد قال له الإمام مسلم عندما سأله عن حديث كفارة المجلس: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله.. وقال له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك ) (.
عبادته وورعه وصلاحه :
وكما جمع الإمام البخاري بين الفقه والحديث فقد جمع الله له بين العلم والعبادة. فقد كان كثير التلاوة والصلاة، وخاصة في رمضان فهو يختم القرآن في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة.
وكان أحياناً يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمها، فقد أبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعاً وقد تورّم من ذلك جسده فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك ؟ فقال : كنت في سورة فأحببت أن أتمها.
كما كان - رحمه الله - ورعاً في منطقه وكلامه فقال رحمه الله: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
قال الذهبي معلقاً على كلامه هذا: قلت: صدق رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا.
وقل أن يكون: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه.
وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا. وهذا هو والله غاية الورع.
وكان مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته قال بعد أن فرغ من ورده : " اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك " فما تم شهر حتى مات. حكاه ابن عدي) (.
بعض مؤلفاته:
الجامع الصحيح، الأدب المفرد، التاريخ الكبير، التاريخ الأوسط، التاريخ الصغير، خلق أفعال العباد، الرد على الجهمية، المسند الكبير، الأشربة، الهبة، أسامي الصحابة الوحدان، العلل، الكني، الفوائد، قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، رفع اليدين في الصلاة، القراءة خلف الإمام، بر الوالدين، الضعفاء. وغيرها كثير) (.
وفاته :
لما منع البخاري من العلم خرج إلى " خرتنك " وهي قرية على فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أياماً قليلة، ثم توفي وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء) (.

المبحث الثاني : نبذة عن الكتاب :
الجامع الصحيح:
اسم الكتاب:
حسب ما رجحه الحافظ ابن حجر في هدي الساري: "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه") (.
ويقال له الجامع الصحيح، ويقال اختصاراً: صحيح البخاري وهو المشهور بين الناس) (.
الباعث على تأليف الجامع الصحيح:
1. رغبة في تمييز الحديث الصحيح وتمييزه عن الضعيف.
2. تلبية لرغبة شيخه إسحاق بن راهويه، حيث قال: لو جمعتم كتاباً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح.
3. وقال البخاري: رأيت النبي وكأني بين يديه وبيدي مِروحةٌ أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب) (.
موضوع الكتاب:
قال ابن حجر في هدي الساري:
بيان موضوعه والكشف عن مغزاه، فيه تقرر أنه التزم فيه الصحة وأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحا، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة. قال الشيخ محيي الدين نفع الله به: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها ولهذا المعنى أخلى كثيرا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر فيه على قوله فيه: فلان عن النبي أو نحو ذلك وقد يذكر المتن بغير إسناد وقد يورده معلقا وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها.. ) (
رواة الجامع الصحيح عن البخاري:
1. الفِربري محمد بن يوسف بن مطر، وهي أهم الروايات.
2. أبو طلحة منصور البزدوي.
3. إبراهيم بن معقل النسفي.
4. حماد بن شاكر.
5. أبو ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الحافظ.
6. ابن السكن: أبو علي سعيد بن عثمان الحافظ.
7. الأصيلي: أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي) (.
قال ابن حجر: أطلق ذلك بناء على ما في علمه، وقد تأخر بعده بتسع سنين أبو طلحة منصور البزدوي المتوفى سنة تسع وعشرين وثرث مئة، وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه كما جزم به أبو نصر بن ماكولا وغيره ) (.
عدد أحاديث الكتاب وكتبه وأبوابه:
قال ابن الصلاح: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة) (، وتعقبه ابن حجر فقال: جميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعون حديثاً) (.
قال صديق حسن خان: والخالص من ذلك بلا تكرير: ألف حديث وست مئة وحديثان، وإذا ضم إليه المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر منه وهي: مئة وتسعة وخمسون حديثاً، صار مجموع الخالص: ألفي حديث وسبع مئة وإحدى وستين حديثاً. فجملة ما فيه من التعاليق: ألف وثلاث مئة وأحد وأربعون حديثاً، وأكثرها مكرر، فخرج في الكتاب أصول متونه وليس فيه من المتون التي لم تخرج من الكتاب ولو من طريق آخر إلا مئة وستون حديثاً. وجملة ما فيه من المكرر: تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً خارجا عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات على التابعين. وعدد كتبه كما في الكواكب الدراري: مئة وستون، وأبوابه: ثلاثة آلاف وأربع مئة وخمسون باباً، مع اختلاف قليل في نسخ الأصول، وعدد مشايخه الذين خرج عنهم فيه: مائتان وتسعة وثمانون.. ووقع له اثنان وعشرون حديثاً ثلاثيات الإسناد ) (.
انتقاؤه لكتابه وعنايته به:
قال أبو جعفر العقيلي: لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة ) (.
وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزاز، سمعت إبراهيم بن معقل، سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب) (.
وقال البخاري: أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مئة ألف حديث) (.
وقال أيضاً: صنفت " الصحيح " في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى ) (.
قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه:
قال الإمام النسائي: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري) (.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم :
اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث) (.
قال العراقي في ألفيته تبعا لابن الصلاح:
أول من صنف في الصحيح محمد وخصَّ بالترجيح
ومسلم بعد وبعض الغرب مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع) (.
وقصيدة في الثناء على صحيح البخاري،
صحيح البخاري لو أنصفوه * لما خط إلا بماء الذهب. هو الفرق بين الهدى والعمى * هو السد بين الفتى والعطب أسانيد مثل نجوم السماء * أمام متون كمثل الشهب. به قام ميزان دين الرسول الله صلى الله عليه وسلم * ودان به العجم بعد العرب حجاب من النار لا شك فيه * تميز بين الرضى والغضب. وستر رقيق إلى المصطفى * ونص مبين لكشف الريب فيا عالما أجمع العالمون * على فضل رتبته في الريب. سبقت الأئمة فيما جمعت * وفزت على رغمهم بالقصب نفيت الضعيف من الناقلين * ومن كان متهما بالكذب. وأبرزت في حسن ترتيبه * وتبويبه عجبا للعجب. فأعطاك مولاك ما تشتهيه * وأجزل حظك فيما وهب ) (.
أدلة تفضيله على صحيح مسلم) (:
قال ابن حجر: ونقل كلام الأئمة في تفضيل كتاب البخاري كثير، ويكفي من ذلك اتفاقهم على أنه كان أعلم بالفن من مسلم، وأن مسلماً كان يتعلم منه ويشهد له بالتقدم والتفرد بمعرفة ذلك في عصره. فهذا من حيث الجملة وأما من حيث التفصيل فيترجح كتاب البخاري على كتاب مسلم، فإن الإسناد الصحيح مداره على اتصاله، وعدالة الرواة، كما بيناه غير مرة. وكتاب البخاري أعدل رواة وأشدُّ اتصالاً من كتاب مسلم، والدليل على ذلك من أوجه:
1. أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم: أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلاً، المتكلم فيهم بالضعف منهم: نحو من ثمانين رجلاً، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري: ستمائة وعشرون رجلاً، المتكلم فيهم بالضعف منهم: مائة وستون رجلاً، على الضعف من كتاب البخاري، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه، ولو كان ذلك غير سديد.
2. الوجه الثاني: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكن يكثر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كثيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا نسخة عكرمة عن ابن عباس. بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ التي رواها عمن تكلم فيه، كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وحماد بن سلمة عن ثابت...ونحوهم.
3. الوجه الثالث: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيَهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم، فميَّز جيدها من رديِّها بخلاف مسلم، فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه، من المتقدمين، وقد أخرج أكثر نسخهم كما قدمنا ذكره، ولا شك أن المرء أشدُّ معرفةً بحديث شيوخه وبصحيح حديثهم من ضعيفه ممن تقدم عن عصرهم.
4. الوجه الرابع: أن أكثر هؤلاء الرجال الذين تكلم فيهم من المتقدين يخرج البخاري أحاديثهم غالباً في الاستشهاد والمتابعات والتعليقات بخلاف مسلم، فإنه يخرج لهم الكثير في الأصول والاحتجاج ولا يعرج البخاري في الغالب على من أخرج لهم مسلم في المتابعات، فأكثر من يخرج لهم البخاري في المتابعات يحتج بهم مسلم وأكثر من يخرج لهم مسلم في المتابعات لا يعرج عليهم البخاري، فهذا وجه من وجوه الترجيح ظاهر) (.
والأوجه الأربعة المتقدمة كلها تتعلق بعدالة الرواة، وبقي ما يتعلق بالاتصال:
5. وهو الوجه الخامس: وهو أن مسلماً كان مذهبه، بل نقل الإجماع في أول صحيحه: أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعِن والمعنعن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما. والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة. وقد أظهر البخاري هذا المذهب في التأريخ وجرى عليه في الصحيح، وهو مما يرجَّح به كتابه، لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال، وبهذا يتبين أن شرطه في كتابه أقوى اتصالاً وأشدُّ تحرياً، والله أعلم.
6. والوجه السادس: فإن الأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت مائتي حديث وعشرة أحاديث.. اختص البخاري منها بأقل من ثمانين وباقي ذلك يختص بمسلم، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر، والله أعلم) (.
شرطه في الصحيح:
قال ابن طاهر في شروط الأئمة: اعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم، لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم، فيعلم بذلك شرطُ كل رجلٍ منهم. واعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يُخرجا الحديث المُتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وإن يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريقُ إلى الراوي أخرجاه، إلا أن مسلماً أخرج أحاديث أقوامٍ ترك البخاري حديثهم، لشبهةٍ وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وقال الحازمي ما حاصله: شرط البخاري أن يخرِّج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين المُلازمين لمن أخذوا عنه مُلازمة طويلة، وأنه قد يُخرج أحيانا عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه، فلم يلزموه إلا ملازمة يسيرة، وشرط مسلم أن يخرج حديث هذه الطبقة الثانية، وقد يخرج حديث من لم يسلم من غوائل الجرح، إذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه، كحماد بن سلمة في ثابت البُناني وأيوب.
وقال الحازمي في شروط الأئمة: مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم..) (
منهج الإمام البخاري في صحيحه:
1. يكرر الأحاديث ويقطعها:
أ- لفائدة إسنادية أو متنية،
ب- أو يكون الحديث عن صحابي فيعيده عن صحابي آخر،
جـ- أو أن يسوقه بالعنعنة ثم يعيده بالتصريح بالسماع.
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي فيما رويناه عنه في جزء سماه جواب المتعنت: اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ويستخرج طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه، فيورده في موضع موصولا وفي موضع معلقا ويورده تارة تاما وتارة مقتصرا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملا على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها والله أعلم بمراده منها فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا إلى مشايخه فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة...) ( .
2. التزم استنباط الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرَّقها في أبوابه بحسب المناسبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام، ومن ثم أخلى كثيراً من الأبواب من ذكر إسناد الحديث واقتصر على قوله: فلان عن النبي ، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقاً لقصد الاحتجاج لما ترجم له وأشار للحديث لكونه معلوماً أو سبق قريباً.. ) ( .
3. تراجم البخاري في صحيحه: بين ابن حجر في هدي الساري أن تراجم البخاري في صحيحه على نوعين:
أ‌- ظاهرة: وهي أن تكون دالة بالمطابقة لما يورد في مضمونها.. وقد تكون بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه.
ب‌- خفية: وهي التي لا تدرك مطابقتها لمضمون الباب إلا بالنظر الفاحص والتفكير الدقيق. ) (.



4. تنوع تراجم البخاري: وجملة تراجم أبوابه تنقسم أقساماً،
أ‌- منها أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه ويذكر في الباب حديثاً شاهداً على شرطه،
ب‌- ومنها أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه لمسألة استنبطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصه أو إشارته أو عمومه أو إيمائه أو فحواه،
ت‌- ومنها أنه يترجم بمذهب ذهب إليه ذاهبٌ قبله، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة لو يكون له شاهداً في الجملة من غير قطعٍ بترجيح ذلك المذهب فيقول: باب من قال كذا. ومنها أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها، ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله: باب خروج النساء إلى البراز. جمع فيه حديثين مختلفين،
ث‌- ومنها أنه قد تتعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه تطبيق بينها، يحمل كل واحد على محمل فيترجم بذلك المحمل، إشارة إلى التطبيق، مثاله: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان. ذكر فيه حديث: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
ج‌- ومنها أنه قد يجع في الباب أحاديث كثيرة كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيعلم ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: "باب" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ: تنبيه أو لفظ فائدة أو لفظ قف... ) ( .
ح‌- ومنها أنه قد يكتب لفظ: باب مكان قول المحدثين: وبهذا الإسناد، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين، مثاله: باب ذكر الملائكة، أطال فيها الكلام حتى أخرج حديث:" الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء آمين...الحديث" ثم أخرج حديث:" إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة" ...
خ‌- ومنه أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارات طرق الحديث، وربما يتعجب الفقيه لعدم ممارسة هذا الفن، لكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات....
د‌- كثيراً ما يترجم للمسائل الخلافية بصيغة السؤال ويختار القول الراجح، من خلال ما يورده من أحاديث في الترجمة مثل ترجمته في كتاب العلم بقوله: "باب متى يصح سماع الصغير ؟" وأورد فيه حديثين :
أولهما: حديث ابن عباس قال: " أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي ".
وثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال : " عقلت من النبي مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو ". قال ابن حجر في الفتح: ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل ) (.
المعلقات في صحيح البخاري:
قال الحافظ: والمراد بالتعليق ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، ولو إلى آخر الإسناد، وتارة يجزم به كـ قال، وتارة لا يجزم به كـ يذكر، فأما المعلق من المرفوعات فعلى قسمين: أحدهما ما يوجد في موضع آخر من كتابه هذا موصولا وثانيهما ما لا يوجد فيه إلا معلقا،
فالأول قد بينا السبب فيه في الفصل الذي قبل هذا وأنه يورده معلقا حيث يضيق مخرج الحديث، إذ من قاعدته أنه لا يكرر إلا لفائدة، فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام، فاحتاج إلى تكريره فإنه يتصرف في الإسناد بالاختصار خشية التطويل.
والثاني: وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقا، فإنه على صورتين:
إما أن يورده بصيغة الجزم، وإما أن يورده بصيغة التمريض، فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه، ومنه ما لا يلتحق، أما ما يلتحق، فالسبب في كونه لم يوصل إسناده إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى السياق ولم يهمله بل أورده بصيغة التعليق طلبا للاختصار، وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعا أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرة، فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه،
وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحا على شرط غيره وقد يكون حسنا صالحا للحجة وقد يكون ضعيفا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده
والصيغة الثانية: وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن فيه ما هو صحيح، وفيه ما ليس بصحيح..
فأما ما هو صحيح فلم نجد فيه ما هو على شرطه إلا مواضع يسيره جدا، ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى، كقوله في الطب: ويذكر عن بن عباس عن النبي في الرقى بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر... وأما مال لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه ومنه ما هو حسن ومنه ما هو ضعيف فرد إلا أن العمل على موافقته ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له... وقد تبين مما فصلنا به أقسام تعاليقه، أنه لا يفتقر إلى هذا الحمل، وأن جميع ما فيه صحيح باعتبار أنه كله مقبول ليس فيه ما يرد مطلقا إلا النادر فهذا حكم المرفوعات،
وأما الموقوفات فإنه يجزم منها بما صح عنده ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرا، إما بمجيئه من وجه آخر، وإما بشهرته عمن قاله. وإنما يورد ما يورد من الموقوفات، من فتاوى الصحابة والتابعين ومن تفاسيرهم لكثير من الآيات، على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمة...) ( .
وجامعا كاملا لم يفرده أحد بالتصنيف.
الانتقادات على البخاري والرد عليها:
وقد تكلم الحافظ بن حجر في هدي الساري عن الانتقادات الموجهة إلى الصحيحين
وأجاب على سبيل الإجمال: أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، حتى كان يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه. وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا وروى الفربري عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته... فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة...) (
الكتب التي اعتنت بصحيح البخاري:
المؤلفات في رجال البخاري) (:
الكتب التي ترجمت لرجال البخاري في صحيحه كثيرة،
أ‌- منها ما ألف في الجمع بين رجال الكتب الستة، كالمعجم المشتمل لابن عساكر والكمال لعبد الغني المقدسي وتهذيب الكمال للمزي وتهذيب التهذيب لابن حجر وغيرها،
ب‌- ومنها ما ترجم لرجال البخاري ومسلم فقط، كرجال البخاري ومسلم للدارقطني والجمع بين رجال الصحيحين لأبي نصر الكلاباذي والجمع بين رجال الصحيحين لمحمد بن طاهر المقدسي،
ت‌- ومنها ما ترجم لرجال البخاري على سبيل الانفراد ، مثل:
• الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد الذين أخرج لهم البخاري في صحيحه، لأبي نصر أحمد بن محمد الكلاباذي.
• التعديل والتجريح لمن أخرج له البخاري في الصحيح، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي.
• أسماء من روى عنهم البخاري في الصحيح، لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني.
• تسمية المشايخ الذين روى عنهم البخاري في صحيحه، لأبي عبد الله بن منده.
• رفع التماري فيمن تكلم فيه من رجال البخاري، لأبي بكر محمد بن إسماعيل بن خلفون الأندلسي.
• فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة لمحمد بن منصور بن حمامة السجلماسي .
شروح صحيح البخاري:
1. شرحه الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت 386هـ)، واسم شرحه"أعلام الحديث"
2. وشرحه محمد بن يوسف الكرماني (ت 788هـ) في كتابه " الكواكب الدراري ".
3. وشرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي، في كتابه "فتح الباري"
4. وشرحه الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في كتابه " فتح الباري " وهو أجل شروح البخاري.
5. وبدر الدين العيني (ت 855هـ) في كتابه " عمدة القاري ".
6. وأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني (ت 923هـ) في كتابه " إرشاد الساري ".
وقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه " تاريخ التراث العربي " (56) شرحاً. للجامع الصحيح، بعضها مخطوط وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب السابقة.
7. وقد شرح أبوابه ابن المنير في" المتواري على تراجم أبواب البخاري"، والشاه ولي الله الدهلوي في" تراجم أبواب البخاري" ، ومحمد زكريا الكاندهلوي في" شرح تراجم أبواب البخاري"، وكلها مطبوعة) (.
المستخرجات:
1- مستخرج أبي بكر الإسماعيلي. 2- مستخرج أبي أحمد الغطريفي. 3- مستخرج أبي عبد الله الضبي المعروف بـ(ابن أبي ذهل). 4- مستخرج أبي عبد الله النيسابوري المعروف بـ(بابن الأخرم). 5- مستخرج أبي بكر الأصبهاني. 6- مستخرج أبي نعيم الأبهاني.7- مستخرج أبي بكر البرقاني. 8- مستخرج أبي ذر الهروي. وغيرها
الأطراف: 1- أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدمشقي. 2- أطراف الصحيحين لأبي نعيم الأصبهاني. وغيرها) (.
من الدراسات حول صحيح البخاري أو مؤلفه:
"الإمام البخاري سيد الحفاظ والمحدثين" للشيخ تقي الدين الندوي المظاهري) (.

الفصل الثاني : منهج الإمام مسلم في جامعه
المبحث الأول : ترجمة الإمام مسلم
نسبه ومولده:
هو الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد القشيري النيسابوري) (، وقد اختلف في نسبته إلى القبيلة، هل هو قشيري من أنفسهم أو مولى، فرجح الأول ابن الصلاح والنووي، ومال الذهبي إلى الثاني) (.
ولد سنة 206هـ كما رجحه كثير من العلماء، وقيل سنة 204هـ ) (، قال ابن خلكان : ولم أر أحداً من الحفاظ يضبط مولده ولا تقدير عمره، وأجمعوا أنه ولد بعد المائتين) (.
وكان تقي الدين أبو عمرو عثمان المعروف بابن الصلاح يذكر مولده، وغالب الظن أنه قال: سنة اثنتين ومائتين، ثم كشفت ما قاله ابن الصلاح فإذا هو في سنة ست ومائتين، نقل ذلك من كتاب "علماء الأمصار" تصنيف الحاكم أبي عبد الله بن البيع .. وصورة ما قاله بأن مسلم بن الحجاج توفي بنيسابور لخمس بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، فتكون ولادته في سنة ست ومائتين، والله أعلم) (.
طلبه للعلم وشيوخه وتلامذته:
اتجه الإمام مسلم إلى طلب العلم في صغره فسمع الحديث وتلقى العلم عن شيوخ بلده ثم ارتحل وطوّف في البلدان.
قال الذهبي : وأول سماعه سنة ثماني عشرة ومائتين) (،
شيوخه : يحيى بن يحيى التميمي والقعنبي وأحمد بن يونس اليربوعي وإسماعيل بن أبي أويس وسعيد بن منصور وعون بن سلام وأحمد بن حنبل وخلق كثير.
تلاميذه : إبراهيم بن أبي طالب وابن خزيمة والسراج وابن صاعد وأبو عوانة وأبو حامد بن الشرقي والإمام الترمذي...وعبد الرحمن بن أبي حاتم و.. وخلق سواهم ) (.
قلت: وقد استفاد الإمام مسلم من الإمام البخاري كثيرا، لا سيما في علم العلل، ومما يؤيد ذلك قوله للبخاري عندما سأله عن حديث كفارة المجلس: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله) (.
عقيدته:
كان الإمام مسلم من كبار أئمة أهل السنة والجماعة أهل الحديث، فقد ذكر الإمام أبو عثمان الصابوني في كتابه"عقيدة السلف أصحاب الحديث" علامات أهل السنة ومن بينها حبهم لأئمة السنة وعلمائها، فذكر أسماء بعض العلماء الذين يعد حبهم من علامات أهل السنة، وذكر منهم الإمام مسلما.
ومما يدل على سلامة اعتقاده كتبه التي ألفها وخاصة كتابه الصحيح، فمن نظر في الكتاب علم حسن اعتقاد الرجل) (.
ثناء العلماء عليه:
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ قرأت بخط أبي عمرو المستملي أملى علينا إسحاق بن منصور سنة إحدى وخمسين ومائتين ومسلم بن الحجاج ينتخب عليه وأنا أستملي فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم فقال لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين.. وقال أيضا حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما .. وقال أبو قريش الحافظ: حفاظ الدنيا أربعة فذكر منهم مسلما قال أبو عمرو بن حمدان: سألت بن عقدة أيهما أحفظ البخاري أو مسلم فقال: يقع لمحمد الغلط في أهل الشام وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها فربما ذكر الرجل بكنيته ويذكر في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين، وأما مسلم فقلما يوجد له غلط في العلل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل...
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (10/113):
قال الحاكم كان تام القامة أبيض الرأس واللحية يرخي طرف عمامته بين كتفيه قال فيه شيخه محمد بن عبد الوهاب الفراء: كان مسلم من علماء الناس وأوعية العلم ما علمته إلا خيرا وكان بزازا وكان أبوه الحجاج من المشيخة. وقال ابن الأخرم: إنما أخرجت مدينتنا هذه من رجال الحديث ثلاثة محمد بن يحيى وإبراهيم بن أبي طالب ومسلم. وقال ابن عقدة: قلما يقع الغلط لمسلم في الرجال لأنه كتب الحديث على وجهه. وقال أبو بكر الجارودي: حدثنا مسلم بن الحجاج وكان من أوعية العلم، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة جليل القدر من الأئمة. وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وكان ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث، وسئل عنه أبي فقال: صدوق) (.
بعض مؤلفاته:
قال ابن حجر :وله من التصنيف غير الجامع كتاب الانتفاع بجلود السباع والطبقات مختصر والكنى كذلك ومسند حديث مالك وذكره الحاكم في المستدرك في كتاب الجياء استطرادا وقيل إنه صنف مسندا كبيرا على الصحابة لم يتم) (.
قلت: وله أيضا: التمييز (وقد طبع ما وجد منه)، وله المنفردات والوحدان(وهو مطبوع)، وأوهام المحدثين، وأولاد الصحابة، وأوهام الشاميين، وغيرها ) (.
وفاته:
قال الحاكم: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب يقول سمعت أحمد بن سلمة يقول عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة فذكر له حديث لم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج وقال لمن في الدار لا يدخل أحد منكم هذا البيت فقيل له أهديت لنا سلة فيها تمر، فقال قدموها إلى فقدموها إليه فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة فيمضغها فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات وقال: أيضا سمعت محمد بن يعقوب أبا عبد الله الحافظ يقول توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد ودفن الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين ) (.

المبحث الثاني : الجامع الصحيح:
اسم الكتاب: ذكر له عدة تسميات:
1. المسند الصحيح، سماه به صاحبه، ) (.
2. وقد يقال اختصارا: المسند، جاء ذلك في بعض الروايات عن الإمام مسلم، فإنه لما عرض كتابه الصحيح على أبي زرعة الرازي قال:(عرض كتاب المسند على أبي زرعة ...)
3. ويقال له صحيح مسلم (وهو المشهور )، وهو موافق للواقع، فإنه اقتصر فيه على الأحاديث الصحيحة) (.
4. ووقع هكذا: (المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وكأن هذا والله أعلم إنما هو وصف للكتاب لا اسم له) (.
5. ويقال له الجامع ) (.
سبب تأليفه الصحيح وانتقاؤه له ومدة تصنيفه :
نص الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة الصحيح على أن سبب تأليفه له هو تلبية طلب وإجابة سؤال حيث قال: (أما بعد: فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه ...بالأسانيد ...فأردت - أرشدك الله - أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة، وسألتني أن ألخصها لك في الصحيح بلا تكرار يكثر ...فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم)) (.
وقد انتقى الإمام مسلم رحمه الله أحاديث صحيحه من بين ألوف الأحاديث،
فقد جاء عنه أنه قال ( صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمئة ألف حديث مسموعة) وقد مكث رحمه الله في تأليفه قرابة خمس عشرة سنة أو تزيد ) (.
رواة صحيح مسلم:
لصحيح الإمام مسلم رواة كثيرون والذي وصلنا من طرق كتب الفهارس والأثبات روايته من طريق أربعة من تلاميذه وهم:
1. أبو اسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، ولم يسمع الصحيح كاملا من الإمام مسلم، بل إن له فائتا لم يسمعه، يقال فيه: أخبرنا إبراهيم عن مسلم، وذلك الفوت في كتاب الحج وفي أول الوصايا وفي أحاديث الإمارة والخلافة، وهذا الفوت الأخير هو أكبرها، حيث يبلغ نحو ثمان عشرة ورقة،كما قال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم.
2. أبو محمد أحمد بن علي بن المغيرة القلانسي. وقد ساق ابن عطية سنده إلى القلانسي عن مسلم في فهرسه ثم قال: حاشا ثلاثة أجزاء من آخر الديوان ، أولها حديث عائشة في الإفك ، الحديث الطويل، فإن أبا العلاء تلميذ القلانسي، يروي ذلك عن أبي أحمد الجلوذي عن إبراهيم بن سفيان عن الإمام مسلم.
3. مكي بن عبدان بن محمد التميمي النيسابوري.
4. أبو حامد بن الشرقي أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري.
وقد روى ابن نقطة في التقييد بعضا من رواية مكي بن عبدان عن الإمام مسلم، ورواه الجوزقي الحافظ من طريق ابن الشرقي، سماعا لبعضه ومن طريق مكي ابن عبدان سماعا لجميعه) (.
عدد أحاديثه:
ذكر النووي في التقريب أن عدد أحاديث صحيح الإمام مسلم أربعة آلاف حديث دون المكرر.
أما على ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي فهي بدون المكرر تبلغ 3033حديثاً) (.
شرطه في الصحيح:
قال ابن طاهر في شروط الأئمة الستة: اعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم، لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم، فيعلم بذلك شرطُ كل رجلٍ منهم. واعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يُخرجا الحديث المُتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وإن يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريقُ إلى الراوي أخرجاه، إلا أن مسلماً أخرج أحاديث أقوامٍ ترك البخاري حديثهم، لشبهةٍ وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم) (.
وقال الحازمي في شروط الأئمة الخمسة: مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. ) (.
وقال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم : شرط مسلم في صحيحه: أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالماً من الشذوذ، ومن العلة، وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر..) (.
وقال ابن رجب: وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه، لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه) (.
مذهبه في عدم اشتراط اللقي في السند: المعنعن:
نقل مسلم في مقدمة صحيحه الإجماع على أن الإسناد المعنعن السالم صاحبه من وصمة التدليس ، له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعِن والمعنعَن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما، أي إذا أمكن اللقاء فحسب،
فقال رحمه الله: (وهذا القول يرحمك الله في الطعن في الأسانيد، قول مخترع مستحدث، غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئا... )) (،
وقد سار الإمام مسلم على هذا المنهج في كتابه، مثال ذلك: أنه أخرج حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة رضي الله عنه قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائنٌ إلى أن تقوم الساعة..." الحديث،) (
وقد قال في مقدمة صحيحه: (ولا حفظنا في شيءٍ من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياها في رواية بعينها..) ().
قال الذهبي في السير: (ثم إن مسلما رحمه الله افتتح صحيحه بالحط على من اشترط اللقي لمن روي عنه بصيغة عن، وادَّعى الإجماع في أن المعاصرة كافية ولا يتوقف على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري وشيخه ابن المديني، وهو الأصوب الأقوى )) (.
منهجه في كتابه:
1. بدأ كتابه بمقدمة، بين فيها سبب تأليفه الصحيح كما سبق، ثم ذكر مجموع ما أسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ثلاثة أقسام، ثم ذكر باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذب، ثم باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبواب ختمها بباب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن.
2. وشرطه في هذه المقدمة ليس هو شرطه في صحيحه. قال الحاكم في المستدرك بعد إخراجه لحديث: ( هذا حديث ذكره مسلم في خطبه الكتاب مع الحكايات ولم يخرجه في أبواب الكتاب وهو صحيح)،) (.
3. رد الإمام مسلم رحمه الله في مقدمته في باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن على بعض العلماء ولم يسمه، فاختلف فيمن أراد برده عليه على أقوال:
أ‌- قيل أراد البخاري: قال الحافظ بن حجر في نزهة النظر: (واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى ألا يقبل العنعنة أصلا )
وقال الصنعاني في توضيح الأفكار : (واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم فوجدناه تكلم في الرواية بالعنعنة وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه، وأطال مسلم في رد كلامه والتهجين عليه، ولم يصرح أنه البخاري وإنما اتفق الناظرون أنه أراده ورد مقالته )
والقول بأن المعني بالرد هو البخاري قديم قبل ابن حجر والصنعاني، كما نقل البلقيني في محاسن الاصطلاح عند النوع الحادي عشر
ب‌- وقيل أراد علي بن المديني، وممن قال بذلك الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث، وقال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ولعله ابن المديني. ونقل البقاعي في النكت الوفية عن شيخه ابن حجر ما يخالف ما في النزهة. فقال في مبحث المرسل: (سئل شيخنا عن الذي بحث مسلم معه من هو فقال: علي بن المديني )) (
ت‌- ويحتمل أنه أراد الاثنين معا أو أكثر قال الذهبي في السير (12/575) عند بيانه موضوع مقدمة صحيح مسلم وأنه افتتحها بالحط على من اشترط اللقي : (وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري وشيخه علي بن المديني ) وقد ذكر ابن رجب في شرح العلل أن ما قاله البخاري وابن المديني هو مقتضى كلام الأئمة الشافعي وأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم. فعلى هذا يحتمل أن مسلما إنما أراد رد هذه المقالة ولم يعن شيخا بعينه. ويحتمل أيضاً أنه قصد شخصاً آخر غير البخاري وابن المديني، فإن قوله:( وقد تكلم بعض منتحلي الأخبار من أهل عصرنا ..) يبعد أن يقوله في شيخه البخاري أو ابن المديني، كيف وهو القائل للبخاري: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك!! والله أعلم) (.
4. رتب كتابه على الكتب والأبواب، لكنه لم يذكر تراجم الأبواب التفصيلية، بل اكتفى بأسماء الكتب فحسب.
قال ابن الصلاح (ثم إن مسلما رحمه الله وإيانا رتب كتابه على الأبواب فهو مبوب في الحقيقة ولكنه لم يذكر فيه تراجم الأبواب لألا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك.)
وقال النووي : (وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد إما لقصور في عبارة الترجمة وإما لركاكة لفظها وإما لغير ذلك. وإنا إنشاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها)
قلت: وترتيب النووي هو الذي اشتهر وعوّل عليه الأئمة) (.
5. قسم الإمام مسلم رحمه الله مجموع ما أسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أقسام:
أ‌- روايات الحفاظ المتقنين وقد التزم بتخريج رواياتهم.
ب‌- من ليس موصوفا بالحفظ والإتقان ممن يشملهم اسم الستر والصدق. فهؤلاء يتبع رواياتهم أهل القسم الأول.
ت‌- المتهمون بوضع الحديث ومن الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، فهؤلاء يمسك عن حديثهم.
وقد اختلف العلماء في مراد مسلم بهذا التقسيم على قولين:
• قال الإمامان الحافظان أبو عبد الله الحاكم وصاحبه أبو بكر البيهقي: إن المنية قد اخترمت مسلما قبل إخراج القسم الثاني وأنه إنما ذكر القسم الأول. وإلى هذا الرأي مال الحافظ ابن عساكر في مقدمة كتابه الأطراف وكذا الحافظ ابن حجر كما سيأتي.
• القول الثاني: رد القاضي عياض هذا القول وقال: (إنه قد ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين وأتى بأسانيد الثانية منها على طريق الاستشهاد أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئا. وذكر أقواما تكلم فيهم قوم وزكاهم آخرون، ممن ضعف أواتهم ببدعة، وخرج أحاديثهم، وكذلك فعل البخاري. فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتَّب وبيَّنه في تقسيمه وطرح الرابعة كما نص عليه ... ثم قال:ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ ثم الذين يلونهم والثالثة هي التي طرحها.)
قال الإمام النووي بعد نقله كلام القاضي عياض: (وهذا الذي اختاره القاضي ظاهر جدا.)
وقد رد الحافظ هذا القول ورجح ما ذهب إليه الحاكم والبيهقي ومن تبعهما فقال بعد نقله كلامهما: (ويؤيد هذا ما رواه البيهقي بسند صحيح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم. قال: صنف مسلم ثلاثة كتب أحدها هذا الذي قرأه على الناس والثاني يدخل فيه عكرمة وابن اسحاق وأمثالهما والثالث يدخل فيه الضعفاء ) (.
6. اعتناؤه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا، وتقييد ذلك على مشايخه، كما في قوله: حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد، قال عبد: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق.
7. اعتناؤه بضبط ألفاظ الأحاديث عند اختلاف الرواة، وكما إذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث، أو صفة الراوي أو نسبه، أو نحو ذلك، فإنه يبينه وربما كان بعضها لا يتغير معنى، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى، كقوله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد بن الأشج،كلاهما عن أبي خالد .
أما البخاري، فعيب عليه الجمع بين عدة رواة قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظ كل واحد منهم، وسكوته عن بيان ذلك.
8. تحريه فيما يرويه من الصحائف المشتملة على أحاديث تروى بإسناد واحد، كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة فإنه يقول فيها مثلا: حدثنا محمد بن رافع قال: ثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر أحاديث منها: وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.
9. تحريه في بيان المهمل كوله حدثنا عبد الله بن سلمة حدثنا سليمان يعني بلال. يستجز رحمه الله أن يقول سليمان بن بلال لكونه لم يقع في روايته منسوبا) (.
10. تحاشيه التكرار إلا إذا كان هناك حاجة ماسة إليه إنه قد يلجأ إلى ذلك، كما قال في المقدمة: (على غير تكرار إلى أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره..)
11. تلخيصه الطرق وتحوُّل الأسانيد، مع إيجاز العبارة وكمال حسنها.
12. حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه وكمال معرفته لجوامع الخطاب ودقائق العلم، وأصول القواعد وخفيات علم الأسانيد ومراتب الرواة،
ومن هذه الحيثية قدِّم على البخاري، كما قال عبد الرحمن بن علي بن الدَّيبع:
تنازع قوم في البخاري ومسلم لديَّ وقالوا: أيّ ذيـن يقدمُ ؟
فقلت: لقد فاق البخاري صحةً كما فاق في حسن الصناعة مسلم
13. التزامه شرح العلل في بعض الأخبار التي يوردها في مواطنها. قال رحمه الله في المقدمة: (قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفِّق لها، وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح.). قال القاضي عياض: (وكذلك علَّل الأحاديث التي ذكر ووعد أن يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الأسانيد، كالإرسال والزيادة والنقص وذكر تصاحيف المصحفين. ).
14. أعلى ما عنده رحمه الله من الأسانيد يكون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة رواة، وليس عنده ولا عند أبي داود والنسائي ثلاثيات، كما هو الحال عند البخاري ، فعنده أحاديث ثلاثية كثيرة، وعند الترمذي حديث واحد، وعند ابن ماجه خمسة أحاديث إلا أنها ضعيفة) (.
قيمة الكتاب العلمية، وثناء العلماء عليه:
قال محمد بن الماسرجسي: سمعت مسلما يقول صنفت كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث.
قال ابن الشرقى: سمعت مسلما يقول ما وضعت شيئا في كتابي هذا المسند إلا بحجة وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة. وقد جاء عنه رحمه الله أنه قال: (عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكلما أشار أن له علة تركته، وكلما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته. ) وقال أيضا: (إنما وضعت هنا ما أجمعوا عليه.)
وقال الذهبي: (وهو كتاب نفيس كامل في معناه فلما رآه الحفاظ أعجبوا به ).
وقال الحافظ ابن حجر: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل، وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه، وحفظت منهم أكثر من عشرين إماما ممن صنف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب) (.
منزلته من الكتب الستة، والمفاضلة بينه وبين صحيح البخاري:
هو عند جمهور العلماء في المرتبة الثانية بعد صحيح الإمام البخاري. وقدمه بعض المغاربة على صحيح البخاري وهناك قول ثالث باستواء الصحيحين وأنهما كفرسي رهان. قال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم، قلت - أي الذهبي-: لعل أبا علي ما وصل إليه صحيح البخاري) (.
ومن فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري فحجته في ذلك:
1. أن صحيح مسلم ليس فيه بعد مقدمته إلا الحديث السرد كما قال ابن حزم،
2. أن الإمام مسلم يجمع طرق الحديث في مكان واحد، بخلاف البخاري فإنه يفرقها في أماكن متعددة، أما مسلم فلا يفعل ذلك إلا نادرا،
وقد قال الإمام أبو محمود المقدسي: " انفرد مسلمٌ رحمه الله بفائدة حسنة، وهي كون أحاديثه أسهل متناولاً من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها على ما شرطه، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واشتهارها، وتحصل له الثقة بجميع ما أورده من طرقه وقد اتسقت أخبارها، وهذا بخلاف صحيح البخاري فإنه لا يتوصل إلى غرضه منه إلا النادر من الحفاظ المعتنين بمعرفة مظنة المعاني والألفاظ، ... ولعمري لقد غلط جماعة من الأئمة فنفوا رواية البخاري عن أحاديث هي موجودة فيه، وما ذاك إلا أنه ذكر أحاديث من كتابه في غير مظنتها الظاهرة لغرض يبتغيه") (.
3. اعتناؤه بترتيب إيراد الطرق، فإنه يورد الطريق الأصح، ويقدم الطرق التي فيها إجمال ثم يُتبعها بالطرق المبينة لها، ويقدم الطريق المنسوخة ثم يأتي بعد ذلك بالطريق الناسخ وهكذا.
قال السخاوي: ومع جمع مسلم رحمه الله تعالى الطرق كما قررناه فهو يوردها على طريقة حسنة وهي أنه يذكر المجمل ثم المبين له، والمشكل ثم الموضح له، فيسهل بذلك على الطالب النظر في وجوهه، ومنها يسوق متن الحديث بتمامه وكماله من غير اختصار ولا تقطيع، وإن وقع له ذلك فإنه ينصّ على أنه مختصر ونحو ذلك.. مع أنه إنما يقع له ذلك فيما يورده في المتابعات لا في الأصول، ومنها أنه يفرِّق بين الصيغ في "حدثنا " و"أخبرنا "، ولا يروى الرواية بالمعنى، بخلاف البخاري في كل ذلك فإنه كان يروى تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره، وجواز الرواية بالمعنى مطلقاً، وعدم الفرق بين "حدثنا " و" أخبرنا) (.
4. إنه يعتني بالمتون عناية فائقة فإنه يتحرى ويتحرز في فروق الألفاظ ، فيقول مثلاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد بن الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش..وساق الحديث. قال ابن الصلاح: فإعادته ثانيا ذكر أحدهما خاصة إشعار منه بأن اللفظ المذكور له.
أما البخاري، فعيب عليه الجمع بين عدة رواة قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظ كل واحد منهم، وسكوته عن بيان ذلك.
5. أنه اقتصر على المرفوع دون الموقوف وعلى المتصل دون المعلق فليس فيه إلا (14)حديثاً معلقاً على أعلى عدد ذكر وإلا فهي (12) ستة منها وصلها في صحيحه، وأما الموقوفات فهي قليلة جداً عنده لا تقارن بما عند البخاري.
6. تحريه فيما يرويه من الصحائف المشتملة على أحاديث تروى بإسناد واحد، كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، كما تقدم عند الكلام على منهجه. وقد أثنى العلماء على صنيع مسلم هذا، وفضلوه على البخاري في ذلك، فإن البخاري ليس له ضابط معين في إيراده للأحاديث من هذه الصحيفة..
النقد الموجه إليه مع الرد عليه:
قال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم: (عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح، والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها:
13 أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال إن الجرح مقدم على التعديل ...لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسرا السبب فإنه لا يعمل به، ويحتمل أيضا أن يكون ذلك فيما بين فيه الجارح السبب واستبان مسلم بطلانه.
13 أن يكون ذلك في الشواهد والمتابعات لا في الأصول.
13 أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه، باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته. كما في أحمد بن عبد الرحمن الوهبي ابن أخي عبد الله بن وهب.
13 قال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم بن الحجاج قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي وحاله قد ظهر فقال: إنما نقموا عليه بعد خروجي من مصر.
أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك) (.
وقال الشيخ ربيع بن هادي في خاتمة كتابه (بين الإمامين ): (يمكن إرجاع انتقادات الدارقطني وتتبعاته للإمام مسلم إلى الأقسام الآتية:
أ‌- انتقادات موجه إلى أسانيد معينه، فيبدي لها عللا من إرسال أو انقطاع أو ضعف راو أو عدم سماعه، أو مخالفته للثقات في أمر ما، ويتبين في ضوء الدراسة والبحث أنه غير مصيب فيما أبداه من علة، وهذا النوع من الانتقادات لا يكون له تأثير في متون تلك الأسانيد، لعدم ثبوت العلل التي أبداها ويبلغ عدد هذا القسم أربعين حديثا.
ب‌- انتقاد موجه إلى الأسانيد فيبدي لها عللا من انقطاع أو عدم سماع...ويكون مصيبا فيما أبداه من علة لكن تأثيره قاصرا على ذلك الإسناد المعين والمتن يكون صحيحا من طريق أو طرق أخرى، وله من المتابعات والشواهد ما يزيده قوة. ويبلغ عدد هذا القسم خمسة وأربعين حديثا.
ت‌- انتقاد موجه إلى المتن كأن يدعي في حديث ما أنه لا يصح إلا موقوفا ولم يثبت رفعه. أو يدعي أنه من قول أحد التابعين ولا يصح رفعه أو يدعي أن جملة معينة قد زيدت في متن بسبب وهم أحد الرواة، ويكون مصيبا في ذلك ويكون لذلك الانتقاد أثره لثبوت دعواه ولعدم المتابعات والشواهد لذلك المتن وهذا النوع قليل جدا لا يجاوز ثمانية أحاديث.
ث‌- انتقاد موجه إلى المتن كأن يدعي في حديث ما أنه لا يصح إلا موقوفا عن صحابي معين أو مرسلا من قول فلان. وتبين في ضوء الدراسة أن دعواه لا تثبت، وهذا يكون بالبداهة لا أثر له في ذلك المتن الذي ادعى فيه تلك العلة. وقد وجدت منه حديثين. ) (
وقد انتقد صحيح مسلم بأن فيه عدة أحاديث مروية بالوِجادة، وهي منقطعة، كقوله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول:]أين أنا اليوم..[ الحديث. وروى أيضا بهذا السند حديث: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:] إني لأعلم إذا كنت عني راضية[، وحديث: ]تزوجني لست سنين[
وقد أجاب عن هذا الانتقاد الرشيد العطار في كتابه"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة" بأن الإمام مسلم قد روى هذه الأحاديث الثلاثة وغيرها مما قيل فيه منقطع من طرقٍ أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة.
وأجاب السيوطي بجواب آخر فقال: (وجواب آخر، وهو أن الوجادة المنقطعة: أن يجد في كتاب شيخه، لا أن يجد في كتابه عن شيخه، فتأمل) ) ( .
الكتب التي اعتنت بصحيح الإمام مسلم:
الكتب التي ترجمت لرجاله:
الكتب التي ترجمت لرجال مسلم في صحيحه كثيرة،
منها ما ألف في الجمع بين رجال الكتب الستة، كالمعجم المشتمل لابن عساكر والكمال لعبد الغني المقدسي وتهذيب الكمال للمزي ولواحقه،
ومنها ما ترجم لرجال البخاري ومسلم فقط، كرجال البخاري ومسلم للدارقطني والجمع بين رجال الصحيحين لأبي نصر الكلاباذي والجمع بين رجال الصحيحين لمحمد بن طاهر المقدسي) (،
ومنها ما ترجم لرجال مسلم على سبيل الانفراد ، مثل: رجال صحيح مسلم لأبي بكر أحمد بن علي بن منجويه، والمنهاج في رجال مسلم بن الحجاج لأبي محمد عبد الله بن أحمد الاشبيلي، وتسمية رجال مسلم الذين انفرد بهم عن البخاري للذهبي، وغيرها. ) (.
مختصراته: لصحيح الإمام مسلم مختصرات كثيرة منها:
أ‌- مختصر مسلم لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت.
ب‌- مختصر صحيح مسلم لأبي عبد الله شرف الدين محمد بن عبد الله المرسي (ت655هـ).
ت‌- المختصر الجامع المعلم بمقاصد جامع مسلم، لأبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت656هـ)
ث‌- تلخيص صحيح الإمام مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (ت656هـ)وقد شرحه هو) (.
المستخرجات على صحيح الإمام مسلم: من المستخرجات على الصحيح:
أ‌- المسند الصحيح المستخرج على صحيح مسلم لأبي بكر محمد بن محمد بن رجاء الإسفراييني (ت286هـ) وقد شارك مسلما في أكثر شيوخه.
ب‌- المستخرج على صحيح مسلم لأحمد بن سلمة النيسابوري (ت286هـ) صاحب مسلم.
ت‌- المستخرج على صحيح مسلم لأبي جعفر أحمد بن حمدان الجيري (ت311 هـ).
ث‌- المسند الصحيح المستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت316 هـ).
ج‌- الصحيح المستخرج على صحيح مسلم لقاسم بن أصبغ القرطبي (ت340هـ) ) (.
شروحه:
لقد اعتنى الأئمة بصحيح الأمام مسلم عناية فائقة، فمنهم من شرح غريبه ومنهم من شرحه كاملا ومنهم من اعتنى برجاله فمن تلك الشروح:
أ‌- شرح مسلم لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت520 هـ).
ب‌- المفهم في شرح غريب مسلم لعبد الغفار ابن إسماعيل الفارسي (ت526 هـ).
ت‌- المعلم بفوائد مسلم لأبي عبد الله محمد بن علي المازري (ت536 هـ).
ث‌- إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت544 هـ).
ج‌- صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، للحافظ أبي عمرو بن الصلاح (ت643هـ).
ح‌- المفهم في شرح مختصر مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (656هـ).
خ‌- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت676 هـ).
د‌- إكمال إكمال المعلم لأبي عبد الله محمد بن خلفة الوشتاني الأبُي :المشهور بشرح الأبُي على مسلم (ت827أو 828).وقد جمع فيه مؤلفه بين كتاب المازري والقاضي عياض والقرطبي والنووي، مع زيادات من كلام شيخه ابن عرفة رامزاً لكل منهم بحرف: فالميم للمازري والعين لعياض والطاء للقرطبي والدال لمحي الدين النووي . وبلفظ الشيخ إلى شيخه ابن عرفة.
ذ‌- الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج للسيوطي) (.

الفصل الثالث : منهج الإمام الترمذي في جامعه
المبحث الأول : ترجمة الإمام الترمذي
اسمه ونسبه ومولده:
هو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى السُّلمي الترمذي،
والترمذي: نسبة إلى "تِرْمِذ" - بكسر التاء - مدينة مشهورة ،
ولد رحمه الله سنة 209هـ ) ( .
طلبه للعلم وشيوخه وتلامذته:
بدأ رحمه الله طلب العلم في سن مبكرة،
ومن أشهر الشيوخ الذين تلقى الترمذي عنهم وسمع الحديث منهم:
قتيبة بن سعيد الثقفي البغلاني وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة.علي بن حُجر المروزي (ت244هـ)محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) وهو من أهم شيوخه.محمد بن بشار البصري الملقب بندار (252هـ)محمد بن المثنى البصري العنزي الملقب بـ (الزمِن) (ت252هـ)أحمد بن منيع البغوي الحافظ (ت244هـ)محمود بن غيلان المروزي (239هـ)عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ (255هـ)إسحاق بن راهويه (238هـ)
وقد تلقى العلم عن الإمام الترمذي خلق كثير، من أشهرهم:
أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي.أبو سعيد الهيثم بن كُليب الشاشي.أبو ذر محمد بن إبراهيم الترمذي.أبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان.أبو حامد أحمد بن عبد الله المروزي التاجر.
منزلته عند العلماء:
قال الترمذي قال لي محمد بن إسماعيل : ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي.
قال المزي: "أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين"
وقال الذهبي في السير: الحافظ العلم الإمام البارع، وقال أيضا: جامعه قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه.
وقال ابن كثير: هو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه وله المصنفات المشهورة..
وأما عن وصف ابن حزم له بأنه مجهول، فقد رد الأئمة عليه وخطؤوه في ذلك، قال الذهبي في ميزان

الاعتدال: "ثقة مُجمعٌ عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه ..فإنه ما عرفه ولا درى بوجود الجامع، ولا العلل اللذَين له" ) (.
صفاته:
كان عالماً عاملاً ورعاً زاهداً، قال الحافظ عمر بن أحمد بن علَّك المروزي: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والزهد، بكى حتى عمِيَ.
وكان من أبرز صفاته التي عُرف بها: قوة الحفظ، فقد كان حافظاً بارعاً.
يُقال: أنه وُلد أعمى والصواب أنه أضرَّ في آخر عمره، ذكره الذهبي وابن كثير ) (.
بعض مؤلفاته:
الجامع، وهو أشهر مؤلفاته.
العلل الصغير، وقد اختلف فيه هل هو من كتب الجامع أو هو كتاب مستقل، والأشهر أنه من الجامع، وأنه كتبه كالخاتمة لكتاب الجامع.كتاب العلل الكبير. الشمائل المحمدية.تسمية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.كتاب الزهد.كتاب الأسماء والكنى.كتاب التفسير.كتاب التاريخ ) (.
وفاته:
توفي في ترمذ، في 13/ رجب/ 279هـ ) (.

المبحث الثاني : جامع الترمذي:
اسم الكتاب:
وجد على بعض النسخ الخطية الجيدة للكتاب تسميته بـ" الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" ، ويسمى اختصارا: " الجامع"
وهناك تسميات غير دقيقة، منها: " السنن" وهي تسمية غير دقيقة، لأن جامع الترمذي يتضمن أبواباً كثيرة غير الأحكام، كالتفسير والعقائد والمناقب والفتن وغيرها.
وسماه الخطيب: "صحيح الترمذي" ، وأطلق عليه الحاكم "الجامع الصحيح" وهو الاسم الموجود على طبعة الشيخ أحمد شاكر للترمذي، وهذا الاسم غير صحيح، لأن الكتاب في الصحيح والحسن والضعيف والمنكر والشديد الضعف بل والموضوع.
ومنهم من سماه "الجامع الكبير" كما ذكر الكتاني في "الرسالة المستطرفة") (.
السبب الباعث على تأليف الكتاب:
قال الإمام الترمذي في العلل: وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب - أي الجامع- من قول الفقهاء وعلل الحديث، لأنا سئلنا عن هذا فلم نفعله زماناً، ثم فعلناه لما رجونا فيه منفعة الناس.) (.
عدد أحاديث الكتاب:
عدد أحاديث الكتاب ثلاث آلاف وتسع مئة وست وخمسون حديثاً وعنده ثلاثي واحد) (.
رواة الجامع: لجامع الترمذي رواة كثر أذكر أشهرهم:
أبو حامد: أحمد بن محمد التاجر المروزي. أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي. أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي.أبو ذر محمد بن إبراهيم بن محمد الترمذي.أبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان.
ثناء أهل العلم على هذا الكتاب:
قال الإمام الترمذي: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان، فرضوا به. ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم ) (.
قال الذهبي: قال ابن طاهر: وسمعت أبا إسماعيل يقول: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم. قلت: ولم ؟ قال، لأنهما لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه، وبينها، فيصل إلى فائدته كل فقيه وكل محدث
قال ابن الأثير : كتاب - أي الترمذي- أحسن الكتب وأكثرها فائدة وأحسنها ترتيباً وأقلها تكراراً، فيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث والحسن والغريب..
وقال الذهبي : جامعه قاضٍ بإمامته وحفظه وفقهه وفيه علم نافع وفوائد غزيرة...) (.
من جهة حسن الترتيب، والاختصار، وعدم التكرار.(فليس فيه سوى مئة حديث مكرر فقط)
ومن جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجه الاستدلال لكل أحد من المذهب.
ومن جهة بيان أنواع الحديث من الحسن والصحيح والضعيف... والغريب والمعل.
ومن جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم ونحوها من الفوائد المتعلقة بعلم الرجال..
قال ابن العربي: وليس فيها مثل كتاب أبي عيسى حلاوة مقطع) (.
شرط الترمذي في جامعه:
أبان رحمه الله أن قصده جمع الأحاديث التي يستدل بها الفقهاء، فقال رحمه الله في أول كتاب العلل: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمولٌ به وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ،
حديث ابن عباس أن النبي جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطرٍ.
وحديث النبي أنه قال إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) (.
وقال الإمام ابن طاهر المقدسي: وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح، وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح...
والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة...
ثم قال: وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام:
1. قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلم.
2. وقسم على شرط الثلاثة دونهما كما بينَّا.
3. وقسم أخرجه للضدية، وأبان عن علته ولم يغفله.
4. وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء. وهذا شرط واسع.. ) (.
وقال الحازمي : أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري و...
والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري، لأنهم لم يصاحبوا الزهري كثيراً، وهو شرط أبي عيسى الترمذي. وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود، لأن الحديث إذا كان ضعيفاً أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه وينبِّه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة، وعلى الجملة: فكتابه مشتمل على هذا الفن، فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أي داود.
قال ابن رجب: أحاديث الكتاب فيها الصحيح، والحسن الذي فيه بعض الضعف، والغريب، والغرائب عنده في بعضها مناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه غالباً ما يبين ذلك ولا يسكت عليه.
وقال أيضاً: وهو يخرج عن الثقة، ومن يهم قليلاً، ومن يهم كثيراً، ويخرج عن المتهم بالكذب. ثم قال: لكنني لم أجد حديثاً عن راوٍ متهم بالكذب متفق على اتهامه ليس له إلا طريقاً واحدة، من ذلك حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده: " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً " كثير بن عبد الله الكثيرون على اتهامه بالكذب، لكن البخاري قواه،ثم إن الحديث له طرقاً كثيرة... فلم يتفرد به كثير ) (.
منهج الترمذي في جامعه:
1. قسم الترمذي جامعه إلى كتب وعددها (51)كتاباً، بدأها بكتاب الطهارة وختمها بكتاب المناقب، وألحق بالجامع كتاباً سماه "العلل الصغير" ثم قسم الكتاب إلى أبواب، جعل في كل باب أحاديث، يختلف عددها من باب لآخر، فإذا كانت في أبواب الطهارة فإنه يقتصر - في الغالب - على حديث أو اثنين أو ثلاثة، أما في الكتب المتأخرة فإنه يذكر تحت الباب أحاديث كثيرة.
2. جعل أبواب كتابه تحمل عناوين المسائل التي روى الأحاديث من أجلها.
3. يتبع الأحاديث التي يوردها بأقوال الفقهاء في المسألة التي تضمنها الحديث.
4. يتكلم على درجة الحديث ورجال الإسناد، وما اشتمل عليه الإسناد من علل.
5. يبين ما إذا كان العمل على هذا الحديث أولا.
6. يذكر ما للحديث من طرق.
7. قال ابن طاهر: وكان من طريقته رحمة الله عليه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأُخرج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوا حديثه، ولا تكون الطريق إليه كالطريق الأول، وإن كان الحكم صحيحاً، ثم يتبعه بقوله: (وفي الباب عن فلان وفلان)، ويعُدَّ جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر، وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة، والله أعلم ) (.
8. قول الترمذي: "وفي الباب" تنبيه إلى أنه:
أ‌- لا يريد بذلك ذكر ما يشهد للحديث من اللفظ أو المعنى، وإنما همه ذكر ما في الباب من أحاديث، فقد يكون الحديث الذي يذكره بعد قوله: وفي الباب معارضا لحديث الباب،
ب‌- ليس كل ما ذكره مسنداً يكون أصح مما قال فيه .
ت‌- لم يرد المصنف بقوله: وفي الباب الاستيعاب، إنما أراد بذلك أنه يوجد أحاديث أخر.
ث‌- قد يقول: (وفي الباب) ثم يذكر نفس الصحابي، ماذا يريد من هذا؟ ج: يريد أن يشير إلى طرق حديث هذا الصحابي.
ما يذكره الترمذي في الباب غير ما ذكر:
• تسمية المبهمين والمهملين.
• يذكر اختلاف الرواة في الأسانيد.
• يذكر اختلاف الرواة في الألفاظ، مثاله: حديث ابن عمر: "صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بسبع وعشرين". وبقية الصحابة "خمس وعشرين".
• قد يشرح ما جاء في الحديث من غريب، .
• يسمي من ذكر بكنيته، مثل: أبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي ) (..
الأشياء التي تضمنها العلل الصغير الملحق في آخر الجامع:
 سبب تأليف الكتاب: أنه سئل عن تصنيف كتاب يجمع فيه أحاديث النبي ، فامتنع أولاً ثم لما رأى من قبله تكلف ما لم يسبق إليه شرع في الكتاب.
 ذكر طريقته في الكتاب: يجمع بين فقه الحديث والعلل.
 أنه ذكر حال الأحاديث: فبين فيه أنه لا يوجد حديثٌ في كتابه إلا وقد عمل به بعض الفقهاء خلا حديثين: - حديث ابن عباس: "أنه r جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر"- وحديث "إذا شرب الرابعة فاقتلوه"
 ذكر طرقه وأسانيده إلى من ذكر أقوالهم في الجامع..(أحمد، الشافعي... ) بأسانيده.
 ذكر حكم نقد الرجال: بين أن نقد الرجال الحامل عليه النصح لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر بعضاً ممن انتقد الرجال وتكلم فيهم ) (.

 ذكر أن رواية الثقة عن رجل ليست توثيقاً له، قال: لأنه وجد أناس من الثقات رووا عن بعض الضعفاء.
 ذكر أقسام الرواة: أ- الثقات. ب- من يهم قليلاً. ج- من يهم كثيراً. د- المتهمون بالكذب.
 حكم المرسل واختلاف العلماء في الاحتجاج به.
 ذكر أنواع التحمل.
 ذكر أنواع الغريب: - غريب مطلق، غريب نسبي، تفرد بعض الرواة بلفظ.
 ذكر اختلاف الرواة في الشيخ.
 ذكر أول من فتش في الأسانيد، وذكر بعض من تكلم في الرجال ) (.
المصطلحات التي استخدمها الترمذي في جامعه:
1. لفظ "الكراهة": أرد بها مراد المتقدمين: وهو التحريم وهذا في الغالب.
2. المرسل: يريد بذلك: المنقطع.
3. وبه قال أصحابنا: يريد أهل الحديث.
4. قد يقول في أحد حديثين:"وهذا أصح" أو " هذا أصح ما في الباب" فهل يريد بذلك أن هذا صحيح والآخر ضعيف؟ أو أن هذا صحيح والآخر أصح وأقوى؟
الجواب: يريد بذلك قوة الصحة وتفضيل أحدهما على الآخر، وقد يكون الحديثان ضعيفين فالذي قال فيه: أصح أقل ضعفاً من الآخر.
وقد يكونا صحيحين وقد يكون أحدهما صحيح والآخر ضعيف.
5. يعبر بـ"العلة" ويريد النسخ، مثال ذلك: ما قاله في أول العلل: حديث ابن عباس أن النبي r جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطرٍ. وحديث النبي r أنه قال إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، فقال الترمذي: وقد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب.
قال ابن رجب: لم يرد ضعف الحديثين، وإنما أراد ما ينسخ العمل بالحديثين.
6. الحديث الحسن: وتعريف الحسن عند الترمذي: (الذي ليس في إسناده متهم بالكذب، ويروى من غير وجه، ولم يكن شاذا)، فالمراد به الحسن لغيره ) (.

7. الغريب: ويطلقه على أربعة معاني:
أ‌- يطلقه ويريد به الغرابة المطلقة وهو تفرد راوٍ في طبقة من الطبقات.
ب‌- يريد به الغرابة النسبية، أي بالنسبة لهذا الشيخ وهذا البلد يعتبر غريباً.
ت‌- أن يكون الحديث بألفاظه مشتهراً لكن أحد رواته تفرد ببعض ألفاظه.
ث‌- إذا قال: "حديث غريب" فقط: فيريد به تضعيف الحديث ) (.
8. حديث حسن غريب، وفي معناه أقوال:
أ‌- أن لفظة الحسن هنا على ما أراد من الحسن، والغريب عنده على درجات، فهو يريد:"الحسن لغيره" والغرابة النسبية من جهة اللفظ.
ب‌- أن الحديث غريب: أي غرابة مطلقة، والحسن يراد به الحسن اللغوي.
ت‌- أنه يريد بذلك: "حسن لذاته" غريب غرابة مطلقة ) (.
9. حسن صحيح: أقوال العلماء في مراده:
أ‌- حسن باعتبار إسناد صحيح باعتبار إسناد آخر. قال به ابن الصلاح والنووي.
ويرد عليه الأحاديث التي ليس لها إلا إسناد واحد ويقول فيها الترمذي: "حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه" (قاله العراقي).
ب‌- الحسن هنا لغوي، بأن يكون معناه مقبولاً لا يأباه القلب. وقال به ابن الصلاح أيضاً والذهبي. ويرد عليه: الأحاديث الموضوعة والضعيفة، فبعضها حسنة الألفاظ، وعلى هذا المعنى يحمل قول شعبة لما قيل له: لمَ تدع حديث عبد الملك بن أبي سليمان، وقد كان حسن الحديث، قال: من حسنها فررت. (يعني أنها منكرة).
ت‌- حسن باعتبار الصفة الدنيا - كالصدق مثلا- صحيح باعتبار الصفة العليا - وهي الحفظ والإتقان- وهذا قول ابن دقيق العيد وسبه ابن الموَّاق، ويلزم من هذا القول: أن كل حديث صحيح حسن.
ث‌- أن الجمع بين الصحة والحسن درجة متوسطة بين الصحيح والحسن، فما يقول فيه: حسن صحيح: أعلى رتبة من الحسن، ودون الصحيح. قال العراقي: وهذا تحكم لا دليل عليه.
ج‌- حسن لذاته، صحيح لغيره، وقال به السيوطي ) (.
ح‌- حسن باعتبار إسناده، صحيح أي أنه أصح حديث في الباب، وقال به السيوطي أيضاً.
خ‌- أنه للتردد فيه هل هو صحيح أو حسن، لاختلاف المجتهدين من المحدثين في حكمه، فهو حسن باعتبار قوم صحيح باعتبار آخرين، فكأنه قال: (حسنٌ أو صحيح) ثم حرف التردد (أو ) فصارت عبارته: (حسن صحيح)، فما قيل فيه: (حسن صحيح) دون ما قيل فيه: (صحيح) لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا التوجيه إذا كان للحديث إسناد واحد. أما إذا كان للحديث إسنادان فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين: أحدهما حسن والآخر صحيح، وعلى هذا فما قيل فيه: (حسن صحيح) فوق ما قيل فيه: (صحيح )، إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوِّي، وهذا قول ابن حجر( ولعله أرجح الأقوال، وفيه جمع بين قول ابن الصلاح وابن كثير).
د‌- حديث صحيح معمول به إذا قال (حسن صحيح )، وإن قال: (صحيح ) فهو صحيح لكن غير معمول به.
ذ‌- أن الترمذي يشوب الحسن بالصحة، أي أنه أعلى من الحسن ولكنه لا يصل مرتبة الصحيح) (.
مميزات جامع الترمذي:
تظهر الصناعة الحديثية في الكتاب من خلال:
1) حكمه على الأحاديث وعلى الرجال.
2) يبين الاختلاف في الألفاظ والأسانيد.
3) يشرح الكلمات الغريبة في الحديث: (ثم انخنست) قال: تسللت خفية.
4) يبين أسماء الألقاب والكنى.
5) استعماله لصيغة التحويل كما هو الحال عند الإمام مسلم، مثاله: قوله: حدثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر قالا: حدثنا غندر (مثلاً) ح، وحدثنا محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة.
6) ومما يتميز به كتاب الترمذي على الصحيحين: بيانه للعلل صراحة، فيورد الحديث ويورد كلام أهل العلم في إعلال ذلك الحديث، وربما أقرهم على إعلال ذلك الحديث، وربما دافع عن الحديث، ونفى تلك العلة وبين أنها علة غير مؤثرة) (.
وتظهر الصناعة الفقهية من خلال:
أ‌- أنه يذكر الأحاديث ويذكر فقهها وهل عليها العمل أم لا، ومن قال به.
ب‌- يرجح ويدلل للاختلاف.
ت‌- يذكر أقوال الأئمة في المسألة ويذكر الرأي الراجح، وربما قال: "وهذا الذي عليه العمل". ويشير إلى الرأي المقابل للقول الراجح) (.
الكتب التي خدمت كتاب الترمذي:
الشروح:
1. النفح الشذي لابن سيد الناس ولم يكمله ثم أكمله العراقي ثم ابنه.
2. عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي (شرح للمتن فقط).
3. شرح الحافظ ابن الملقن (شرح لزوائد الترمذي، واهتم بالمتون دون الأسانيد).
4. شرح ابن حجر (ولم يكمله).
5. شرح ابن رجب. (وهو مفقود ولم يبق منه إلا العلل وجزء يسير من كتاب اللباس).
6. شرح السيوطي. "قوت المغذي".
7. تحفة الأحوذي للمباركفوري. "جمع بين دراسة الأسانيد والمتون") (.
الكتب التي اهتمت بتخريج ما قال فيه الترمذي: (وفي الباب):
1. نزهة الألباب فيما قال فيه الترمذي: وفي الباب لـ حسين الوائلي
2. رش السحاب في تخريج ما قال فيه الترمذي: وفي الباب
3. كشف النقاب فيما قال فيه الترمذي: وفي الباب لـ فيض الله) (.
المستخرجات: مستخرج أبي علي الطوسي) (
ما ألف في رجاله:
1. شيوخ أبي عيسى الترمذي، لأبي بكر محمد بن إسماعيل بن خلفون.
2. الكتب التي ترجمت لرجال الكتب الستة: كالكمال وتهذيب الكمال وتهذيب التهذيب..
3. حكم الشيخ الألباني على أحاديث الكتاب في كتابيه: "صحيح سنن الترمذي" و"ضعيف سنن الترمذي"
4. كتاب: السلسبيل فيما تكلم فيه الترمذي بجرح أو تعديل/لمحمد ابن عبد الله الشنقيطي.
5. الموازنة بين جامع الترمذي وبين الصحيحين لـ نور الذين عتر.
6. كتاب عداب الحمش "دراسة عن الجامع الترمذي") (.
"فضائل جامع الترمذي" للحافظ الأسعردي) ( .

وصلى اللهم وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .