المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج أهم الكتب الخمسة المصنفة في السنن


محمد عمران شمس الدين
11-11-16, 10:24 AM
الحمد لله المحمود بكل لسان معروف بالجود والإحسان الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة ادخرها يوم العرض على الميزان وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المنتخب من ولد عدنان صلى الله عليه وسلم وعلى عترته الطاهرين وصحبه الأكرمين ما اتفق الفرقدان واختلف الجديدان.
أما بعد !
فهذ بحثنا الأسبوعي نتكلم فيه عن منهج أهم الكتب الخمسة المصنفة في السنن حسب الخطة التالية :
المبحث الأول :منهج الإمام النسائي في سننه
المطلب الأول : نبذة عن حياة الإمام
المطب الثاني : منهجه في كتابه
المبحث الثاني : منهج الإمام أبي داؤد في سننه
المطلب الأول : نبذة عن حياة الإمام
المطب الثاني : منهجه في كتابه
المبحث الثالث :منهج الإمام ابن ماجه في سننه
المطلب الأول : نبذة عن حياة الإمام
المطب الثاني : منهجه في كتابه
المبحث الرابع :منهج الإمام الدارقطني في سننه
المطلب الأول : نبذة عن حياة الإمام
المطب الثاني : منهجه في كتابه
المبحث الخامس :منهج الإمام سعيد بن منصور في سننه
المطلب الأول : نبذة عن حياة الإمام
المطب الثاني : منهجه في كتابه
وأسأل الله أن يسهل لنا الأمر ويجعلنا ممن يسمعون
القول فيتبعون أحسنه .

المبحث الأول : منهج الإمام النسائي في سننه
المطلب الأول : ترجمة الإمام النسائي:
اسمه ونسبه ومولده:
هو الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي.
ولد بنسا في سنة خمس عشرة ومئتين ) (.
طلبه للعلم وشيوخه وتلامذته:
طلب العلم في صغره، فارتحل إلى قتيبة في سنة ثلاثين ومئتين، فأقام عنده ببغلان سنة، فأكثر عنه.
شيوخه : إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النضر بن مساور، وسويد بن نصر، وعيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن عبدة الضبي، وأبي الطاهر بن السرح، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن شاهين، وبشر بن معاذ العقدي، وبشر بن هلال الصواف، والحارث بن مسكين، والحسن بن صباح البزار ) (.
تلاميذه : أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النجوي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبدالرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن السني، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ) (.
بعض صفاته:
قال الذهبي: وكان شيخنا مهيبا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة.. وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن... ومع ذلك فكان يصوم صوم داود ويتهجد ) (.
عقيدته ومذهبه:
قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني)) ( مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك: صدق، قال النسائي: بهذا أقول) (.

وأما رمي به من التشيع والانحراف عن خصوم علي، فبسبب تأليفه لكتاب خصائص علي رضي الله عنه، فمن أحسن ما يعتذر له به ما قاله هو لما سُئل عن ذلك:
قال الوزير ابن حنزابة: سمعت محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي قال: سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب: " الخصائص" لعلي رضي الله عنه، وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب: " الخصائص"، رجوت أن يهديهم الله تعالى) (.
وبالنسبة لمذهبه الفقهي فقد قال ابن الأثير: كان شافعيا، له مناسك على مذهب الشافعي، وكان ورعا متحريا.قال الذهبي في معرض ثنائه على النسائي: إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه ) (.
ثناء العلماء عليه:
قال الذهبي: وكان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن.. وقال أيضاً: هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة) (.
بعض مؤلفاته:
له مؤلفات كثيرة من أهمها "السنن الكبرى" و"السنن الصغرى(المجتبى)" و" مسند علي " وأما كتاب "خصائص علي " فهو داخل في " سننه الكبير " كما قال الذهبي، وكذلك كتاب "عمل يوم وليلة" (وكتاب ابن السني كالمستخرج على كتاب النسائي" وله كتاب " التفسير " و" الضعفاء" و"الكنى" وغيرها ) (.
وفاته:
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ سمعت علي بن عمر يقول كان أبو عبد الرحمن النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار وأعلمهم بالرجال فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه إلى مكة وهو عليل وتوفي بها مقتولا شهيدا قال الحاكم أبو عبد الله: ومع ما جمع أبو عبد الرحمن من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره ) (.
المطلب الثاني : كتابه (المجتبى) السنن للنسائي:
اسم الكتاب:
أطلق عليه اسم "الصحيح " كل من ابن منده وابن السكن وأبي علي النيسابوري والدارقطني وابن عدي والخطيب البغدادي، فلعل مقصودهم من هذه التسمية: تحريه وشدة شرطه إذا قورن بشرط غيره من أصحاب السنن.
ويسمى " السنن الصغرى" تمييزاً له عن الكبرى.
ويسمى " المجتبى" لأن النسائي اصطفاه وانتقاه من السنن الكبرى،
ويسمى " المجتنى" - بالنون- من: جنى الثمرة واقتطفها وجرّها إليه، ويصح إطلاق هذا الاسم على السنن الصغرى لأنه اقتطفها من السنن الكبرى) (.
قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه:
قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه.
قال ابن رشيد: كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً) (، وهو جامع بين طريقي البخاري ومسلم مع حظٍ كبير من بيان العلل التي كأنها كِهانة من المتكلم.
قال السِّلفي: الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب) (.
هل السنن من تصنيف الإمام النسائي أو ابن السني؟ هناك رأيان في المسألة:
الرأي الأول:
أنها تنسب إلى ابن السني، وقد قال بهذا القول: الذهبي وتبعه ابن ناصر الدين الدمشقي. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني .
الرأي الثاني:
أنها تنسب للإمام النسائي، وهو رأي أكثر العلماء، ومنهم ابن الأثير وابن كثير والعراقي والسخاوي، وغيرهم، ولعل هذا الرأي هو الراجح، ومن الأدلة عليه:
1. حكاية مفادها أن أمير الرملة لما اطلع على السنن الكبرى للنسائي سأله: هل كل ما في هذا الكتاب صحيح؟ قال: لا ، فقال: أخرج لي الصحيح منه، فانتقى هذا المجتبى ) ( .
2. عن أبي علي الغساني قوله:( كتاب الإيمان والصلح ليسا من المصنف إنما هما من المجتبى له بالباء في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنف.. ) (
3. وجود نسخ خطية قديمة تفيد بأن السنن الصغرى من تأليف النسائي وأن ابن السني مجرد راوٍ لها عن النسائي ) (.
4. أن ابن الأثير عندما ضم المجتبى في جامع الأصول ساقه بإسناده إلى النسائي من طريق ابن السني، ففيه نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، ولو كانت من تأليف ابن السني لنص عليه ابن الأثير ولاكتفى بالإسناد إلى ابن السني ) (.
5. أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبى من النسائي في مواضع من الكتاب.
وقد قال ابن كثير في ترجمة النسائي "وقد جمع السنن الكبير، وانتخب ما هو أقل حجماً منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما.) (
رواة السنن عن النسائي:
روى السنن عن مصنفها جماعة، منهم:
ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن إسحاق الدينوري ابن السني، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي التمام، وأبو محمد الحسن بن رشيق العسكري، وأبو محمد بن معوية القرشي الأندلسي ابن الأحمر، وغيرهم) (.
شرطه في كتابه:
قال الإمام ابن طاهر المقدسي
وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح؛ وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح...

والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة) (.
وقال الحازمي بعد أن ذكر مذهب من يخرج الصحيح: .. وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهو شرط أبي داود والنسائي) (.
وقال الحافظ ابن طاهر: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل، فوثقه، فقلت: قد ضعفه النسائي، فقال: يا بني ! إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم) (.
ومن تشدده في الرجال أنه تجنب إخراج أحاديث جماعة ممن أخرج لهم صاحبا الصحيحين، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، بل إن الدارقطني جمع مصنفا في أسماء الرواة الذين ضعفهم النسائي وأخرج لهم الشيخان في صحيحيهما.
وقد صرح النسائي بأنه لا يترك حديث الراوي حتى يجمع الجميع على تركه، وهذا في الظاهر مذهب متسع كما قال ابن منده، وليس كذلك بل مقصوده إجماعاً خاصاً كما بين ابن حجر؛ وهو أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط، فالنسائي لا يترك حديث الراوي حتى يجمع علماء الطبقة الواحدة على تركه.. مثال ذلك: أنه أخرج حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ثم قال: " ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث، ويحيى بن سعيد القطان لم يترك ابن خثيم ولا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي- إلا أن علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث". فهذا الراوي مختلف فيه، فلذلك أخرج حديثه لأنه لم يجمع الجميع تركه.
وقد نصَّ ابن حجر في تهذيب التهذيب على أن النسائي من المتشددين في الجرح والتعديل) (.


منهج الإمام النسائي في المجتبى:
قال السخاوي: ولعمري فكتابه بديعٌ لمن تدبره، وتفهَّم موضوعه وكرَّره، وكم من جواهرٍ اشتمل عليها، وأزاهر انتعشت الأرواح بالدخول إليها وذلك:
1. أنه يفسِّر الغريب أحيانا: -كقوله في حديث الأعرابي الذي بال: " لا تزرموه" يعني: " لا تقطعوا عليه" ومرة: " لا تقطعوه" ...
2. ويعيِّن المهمل: - كقوله فيما رواه من جهة بكر: - وهو بن مُضر-
وفيما رواه من جهة عبد الله: - وهو ابن القِبطية -
وقد يذكره - أي المهمل - مع الشك ...
3. ويسمي المبهم:
- في أصل السند: كإيراده حديث محمد بن عبد الرحمن عن رجل عن جابر رضي الله عنه مرفوعا... ثم ساقه من طريق محمد - أيضاً - فقال: ( عن محمد بن عمرو بن حسن عن جابر) ...
- وكذلك في المتن: - كقوله في حديث ذي اليدين: فقام إليه رجل يقال له: الخِرباق. بل أورده كذلك في موضع آخر مسمىً في أصل رواية أخرى.
والمكنى: كقوله فيما رواه: - من جهة أبي مُعَيد: هو حفص بن غيلان.
ومن جهة أبي هشام: هو المغيرة بن سلمة.
4. ويكني المسمى حيث كان مشهوراً بكنيته:
كقوله: أخبرنا زكريا بن يحيى: هو أبو كامل ..
وذكوان: أبو صالح
وذكوان: أبو عمرو.
5. ويشير للمتفِق والمفترق، ومنه: آخر الأمثلة في الذي قبله.
6. ونحوه مما يندفع به تعدد الواحد، " كهارون بن أبي وكيع وهو هارون بن عنترة"
ولما يزول به اللبس من ذلك، فساق: من طريق ابن المبارك عن أبي جعفر عن أبي سلمان، وقال: ( وليس بأبي جعفر الفرّاء)
7. وهو كثيراً ما يسمي المنقطع مرسلاً، وكثيراً ما يرجح المرسل على المتصل بقرينة على ذلك) (.


8. يحرص النسائي في الباب الواحد على إخراج الحديث الصحيح إذا وجده، فإن لم يجد أخرج بعض الأحاديث الضعيفة التي يرى أن رواتها المضعفين ممن لم يجمع الأئمة على ضعفهم وترك حديثهم، وربما أخرج الحديث الصحيح ثم أعقبه ببعض الأحاديث الضعيفة وذلك لكون الحديث الضعيف تضمن زيادة لم ترد في الحديث الصحيح. وهو يبين أصح ما في الباب، كقوله عقب حديث عبد الله بن عُكيم:" كتب إلينا رسول الله: لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" :( أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: ألا دبغتم إهابها فاستمتعتم به)
اعتنى رحمه الله بالناحية الفقهية، فكتابه جامع بين الناحيتين الفقهية والحديثية، كما هو صنيع الترمذي في كتابه، ومن الأدلة على عنايته بالناحية الفقهية:
1. تكراره للحديث، فإنه يكرر الحديث في مواضع متعددة، كما هو الحال عند البخاري. والذي دعاه لذلك كثرة التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد في كتابه، حتى إن القارئ ليشعر أنه يتناول كتاباً فقهياً يخرج للفقهاء آراءهم ويبين مستندهم.. ومثال ذلك: حديث " إنما الأعمال بالنيات" كرره ست عشرة مرة.
2. أنه أحيانا يقتصر على موضع الشاهد من الحديث، ويختصر المتون، وهذه نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث.
3. أنه أحيانا يورد كلاماً من عنده يدل على فقه الحديث.
4. أنه يورد أحيانا بعض الأحاديث المتعارضة في الباب الواحد إذا صحت عنده، وكأنه يشير إلى جواز العمل بهذا وذاك، كما في أحاديث الجهر والإسرار بالبسملة، فإنه أورد أحاديث الجهر والإسرار بها، وكذلك فعل في الإسفار والتغليس لصلاة الفجر (1/271)
5. أن كتابه لا يخلو من نقلٍ عن الفقهاء، وإن كان ذلك قليلاً، مثال ذلك: نقل عن مسروق فتوى في الهدية والرشوة وشرب الخمر.
6. ينقل صور كتب فقهية في المزارعة والشركات والتدبير، وهذا عمل فقهي محض، مثاله: قال أبو عبد الرحمن: كتابة المزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله عز وجل منها هذا كتاب فلان وفلان.. ) (

ومن الأدلة على عنايته بالناحية الحديثية:
1. أنه يعتني بعلل الأحاديث، وينقد المتون التي ظاهرها الصحة. ويوجد في كتابه ما لا يوجد في غيره من بيان العلل والتنبيه على أوهام بعض الحفاظ، مثال ذلك:
أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت قال:... الحديث ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد.
وأيضاً في قال أبو عبد الرحمن: أنبأنا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شطر.
2. ويبين الحديث المنقطع ، كقوله في حديث مخرمة بن نُكير عن أبيه: (مخرمة لم يسمع من أبيه شيئاً).. ويبين المرسل، كقوله في حديث لجرير عن منصور عن رِبعي عن حذيفة رفعه: " لا تقدَّموا الشهر" :( أرسله الحجاج بن أرطاة عن منصور بدون حذيفة)
3. يعتني بنقد الرجال، وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف، بل يبينه، ومثال ذلك: قوله في عمرو: ليس بالقوي في الحديث، وإن كان روى عنه مالك. وقوله في محمد بن الزبير الحنظلي عقب حديث" لا نذر في غضب..": ضعيف لا تقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، ثم بدأ يسوق اختلاف رواياته التي اضطرب بها مدللاً على كلامه وكلامه في العلل والجرح والتعديل كثير حتى لا يكاد يخلو كتاب من كتب الرجال من نقلٍ عن النسائي، وقد تلقى العلماء ذلك من سننه ومن كتبه الأخرى، وقد اعتمدوا على جرحه وتعديله لأنه كان في غاية التحري والدقة. وهذا الأمر غير موجود في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، ويوجد بقلة عند الترمذي وبشكل نادر عند أبي داود وابن ماجه.
4. تسميته لبعض المكنين وتكنيته لبعض المشهورين بأسمائهم، مما قد يلتبس في الأسانيد، مثاله: قال أبو عبد الرحمن: أبو عمار اسمه عريب بن حميد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة.
5. محافظته على سياق الأحاديث بإسنادها، فيندر أن تجد معلقاً ولعله لا يوجد في المجتبى سوى موضعين لهما صورة المعلق ويمكن أن يحملا على الاتصال.
6. حكمه على الأحاديث؛ وقد استعمل كثيراً من المصلحات الحديثية السائدة في عصره، فكثيرا ما يقول: هذا حديث منكر أو غير محفوظ، أو ليس بثابت، أو أخطأ فيه فلان، أو هذا حديث صحيح. وقد اعتنى الأئمة بنقل أحكام النسائي على الأحاديث لأنه إمام مطلع ) (.




7. ويشير إلى الحديث المنكر، والغريب، والموقوف، ولما يعلم منه عدم التلازم بين السند والمتن حيث وصف سند بالحسن ومتنه بالنكارة، وللمدرج، ولما يدرج في حديث بعض الرواة مما هو عند غيرهم، ولما يشير به لنوع من التدليس، ولما لعله يقع تصحيفاً، ويشير لما يثبت به العلة أو يدفعها، وإذا اختلف الرواة في شيء رجح بالأثبتية ونحوها، وربما يشير لإيضاح النسبة، ويسرد نسب شيخه أحياناً، وكذا لقبه، وللمحل الذي سمع من شيخه فيه، ولما يزول به اللبس كقوله: (أخبرنا عبد الله بن محمد الضعيف- شيخ صالح- والضعيف: لقبٌ لكثرة عبادته)، ونحوه:( الضال لكونه ضل الطريق).( ختم السخاوي على سنن النسائي باختصار وتصرف يسير) ) (.
•8- سياقه الروايات وبيان الخلافات في الأسانيد والمتون، ويرجح بينها اعتماداً على الأحفظ والأكثر.
أوجه الشبه بين منهج الإمام النسائي ومنهج الإمامين البخاري ومسلم:
1. يشبه منهج البخاري في تدقيق الاستنباط والتبويب لما يستنبطه بحيث يكرر لذلك المتون، ومثاله: قصة عائشة رضي الله عنها في اتباعها سراً للنبي لما خرج من عندها ليلاً إلى البقيع. فإنه ذكرها في:
0 الأمر بالاستغفار للمؤمنين من الجنائز.
0 وأعادها في الغيرة من النكاح بسندها ومتنها سواء، ولكن بزيادة في نسب شيخه فقط، وباختصار يسير في آخر المتن، مع زيادة طريقين للحديث...
2. وكذا شابه البخاري في التقليل من الإتيان بحاء للفصل بين السندين، بل هي عنده قليلة جداً.
3. ووافقه على جواز الرواية بالمعنى ومنه: روايته من جهة ابن عليَّة عن أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة وهشام بن حسان؛ دخل حديث بعضهم في بعض كلهم عن محمد بن سيرين. قال سلمة - فقط - في روايته: نبِّئتُ عن أبي الجعفاء. وقال الباقون: عنه. بلا واسطة.
4. وفيما ذهب إليه من المسمى أصح الأسانيد وإن خالفه في نفس التراجم، فقال: إن أصح الأسانيد ما رواه ابن شهاب عن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده... وذكر تمام أربع تراجم.
5. وشابه مسلماً في كثير مما اعتنى به معهما. كالإشارة لصاحب اللفظ ممن يورد المتن عنهم أو عنهما. وربما يقول: لفظ فلان كذا، ولفظ الآخر كذا. ومنه: ما رواه من طريق حجاج ورَوْح كلاهما عن ابن جريج، وساق الحديث " من شك في صلاته فليسجد سجدتين" قال حجاج: "بعدما يسلِّم" وقال رَوح: " وهو جالس") (.
6. وكذا شابه مسلماً في الاعتناء بصيغة التحديث، كقوله: " أخبرني: الحسن بن إسماعيل وأيوب بن محمد قالا: حدثنا حجاج بن محمد" قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شعبة.
7. وشابهه في بيان ما عند الراويين من لفظ:( النبي) و(الرسول)..
8. وشابهه في إرداف العام بالمخصص، والمجمل بالمبيَّن المنصص، والمنسوخ بالناسخ له، ونحوه..
9. وفي الكناية عن الضعيف إذا قُرن في الرواية بثقة، كروايته في غير موضع عن محمد بن عبد الله بن يزيد المُقرئ عن أبيه عن حَيْوة، وذكر آخر كلاهما عن شرحبيل بن شريك، فإن المبهم هنا هو ابن لهيعة، كما صرحت به رواية لأحمد في مسنده في أمثلة لذلك عن ابن لهيعة وغيره ... والظاهر من حاله في التثبت أنه عرف أن لفظهما أو معناهما سواء، وفائدة ذلك: الإشعار بضعف المبهم، وكونه ليس من شرطه، وكثرة الطرق ليترجح بها الخبر عند المعارضة. ( بغية الراغب المتمني في ختم النسائي بتصرف يسير) ) (.
من الدراسات حول سنن الصغرى:
الشروح:
1. شرح لأبي العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد (563هـ)
2. شرح سراج الدين ابن الملقن (804هـ) زوائده على الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي.
3. شرحه السيوطي شرحا مختصرا وسماه: "زهر الربى على المجتبى"
4. حاشية لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي (1136هـ)، وهي مطبوع مع "زهرالربى"
5. شرح محمد آدم الإثيوبي الولوي، وهو شرح موسع، وهو مطبوع.
6. التعليقات السلفية على سنن النسائي لمحمد عطاء الله حنيف) (.
واعتنى بتسمية شيوخ النسائي في سننه:
•1- أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني .
•2- أبو علي الحسين بن محمد الجياني (498هـ)
•3- رجال النسائي، لأبي محمد الدورقي .
•4- شيوخ النسائي، لأبي بكر محمد بن إسماعيل بن خلفون (636هـ) ) (.

واعتنى الشيخ الألباني بالتمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة في سنن النسائي في كتابيه "صحيح النسائي" و"ضعيف النسائي"
وهناك دراسة عن سنن النسائي لقاسم علي سعد، في خمس مجلدات ) (.

المبحث الثاني :منهج الإمام أبي داؤد في سننه
المطلب الأول :
ترجمة الإمام أبي داود:
اسمه ونسبه ومولده:
هو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، محدث البصرة.
ولد سنة اثنتين ومئتين، ورحل، وجمع، وصنف، وبرع في هذا الشأن.
قال أبو عبيد الآجري: سمعته يقول: ولدت سنة اثنتين، وصليت على عفان سنة عشرين، ودخلت البصرة وهم يقولون: أمس مات عثمان بن الهيثم المؤذن، فسمعت من أبي عمر الضرير مجلسا واحدا) (.
طلبه للعلم وشيوخه:
حرص الإمام أبو داود على طلب العلم والرحلة في سبيل تحصيله في سن مبكر من حياته، فقد رحل إلى بغداد سنة 220هـ، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاما، ورحل إلى الشام سنة222هـ، لذا فإنه حظي بعلو الإسناد؛ فهو يفوق الإمام مسلم في علو الإسناد، بل إنه يشارك البخاري في جماعة من شيوخه لم يشاركه في الرواية عنهم غيره) (.
شيوخه : أحمد بن حنبل، وقد لازمه ملازمة شديدة؛ حتى إنه يعد من كبار أصحاب الإمام أحمد، وسننه مرتبة على طريقة الحنابلة في كتبهم الفقهية، وله سؤالات للإمام أحمد في الجرح والتعديل وفي الفقه وكلاهما مطبوع، علي بن المديني، ويحيى بن معين ومحمد بن بشار، وسمع بمكة من القعنبي، وسليمان بن حرب، وسمع من: مسلم بن إبراهيم، وعبد الله بن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، وطبقتهم بالبصرة،...
وسكن البصرة، فنشر بها العلم، وكان يتردد إلى بغداد) (.
تلامذته والرواة عنه:
أبو عيسى الترمذي في " جامعه "، والنسائي، ، وإبراهيم بن حمدان العاقولي، وأبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن الاشناني البغدادي، نزيل الرحبة، راوي " السنن " عنه، وابنه أبو بكر بن أبي داود، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، وأبو بشر الدولابي الحافظ، وأبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي راوي " السنن "، وابن داسة وغيرهم كثير) (.


ثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر الخلال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثا واحدا، كان أبو داود يذكره...
وقال أحمد بن محمد بن ياسين: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف، والصلاح والورع، من فرسان الحديث..
وقال الحافظ موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة.
وقال علان بن عبد الصمد: سمعت أبا داود، وكان من فرسان الحديث) (.
وفاته:
قال أبو عبيد الآجري: توفي أبو داود في سادس عشر شوال، سنة خمس وسبعين ومئتين) (.


المطلب الثاني : كتابه "السنن":
اسم الكتاب:
اسم الكتاب على ما سماه به مؤلفه في رسالته إلى أهل مكة: السنن. ولا أعلم تسمية أخرى للكتاب غير السنن
عدد أحاديث الكتاب:
قال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب " السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثماني مئة حديث ، ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث... ) (
موضوع الكتاب:
أراد رحمه الله لهذا الكتاب أن يكون جامعا لأحاديث الأحكام، فقد قال في رسالته إلى أهل مكة: ولم أصنف في " كتاب السنن" إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها، فهذه الأربعة آلاف والثمانمئة، كلها في الأحكام ) (
أشهر رواة السنن عن أبي داود:
رواية اللؤلؤي، ورواية ابن داسة ورواية ابن الأعرابي ورواية ابن العبد ورواية الأُشناني ورواية ابن الصريع ورواية الجلودي، وغيرهم. والمشهور من هذه الروايات رواية اللؤلؤي ورواية ابن داسة، ورواية اللؤلؤي هي المقدمة عند علماء المشرق، وسبب ذلك أن اللؤلؤي أطال ملازمة أبي داود، وكان هو الذي يقرأ السنن حينما يعرض أبو داود كتابه السنن على طلبة العلم إلى أن توفي أبو داود.
أما رواية ابن داسة فإنها مشتهرة في بلاد المغرب أكثر من شهرتها في بلاد المشرق، وسبب تقديمهم لها أنها أكثر أحاديثا من رواية اللؤلؤي فهي أكمل من رواية اللؤلؤي - حسب رأيهم - ، لكن في الحقيقة أن الزيادات التي في رواية ابن داسة حذفها أبو داود في آخر حياته لشيء كان يريده في إسنادها، ذكر ذلك أبو عمر الهاشمي الراوي للسنن عن اللؤلؤي، والله أعلم) (.
قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني، وإبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب " السنن " ألين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود عليه السلام الحديد.
قال الحاكم: سمعت الزبير بن عبد الله بن موسى، سمعت محمد بن مخلد يقول: كان أبو داود يفي بمذاكرة مئة ألف حديث، ولما صنف كتاب " السنن "، وقرأه على الناس، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف، يتبعونه ولا
قال الحافظ زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبي داود عهد الإسلام.
قال الخطيب أبو بكر: يقال: إنه صنف كتابه " السنن " قديما، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه ) (..
شرطه:
قال الإمام أبو داود في رسالته لأهل مكة: ..
فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في " كتاب السنن"، أهي أصحُّ ما عرفتُ في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم. فاعلموا أنه كذلك كله، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقدمُ إسناداً، والآخر صاحبه أقومُ في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرةَ أحاديث... وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى.. فإذا لم يكن مسندٌ ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يُحتجُّ به وليس هو مثل المتصل في القوة. وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديثٌ منكرٌ بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره... وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي، فإن ذُكر لك عن النبي سنةٌ ليس مما خرجته، فاعلم أنه حديثٌ واه، إلا أن يكون في كتابي من طريقٍ آخر، فإني لم أخرج الطرق، لأنه يكثر على المتعلم... وما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهنٌ شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض...
أن الحافظ ابن حجر قسم أحاديث أبي داود إلى أقسام ستة بعد فهم هذاالقول لأبي داؤد هي:
1. الصحيح
2. والحسن لذاته
3. والحسن لغيره
4. والضعيف الذي يكون خفيف الضعف ،
5. وأنه قد يكون هذا الحديث الذي من رواية خفيف الضعف إلا أنه مخالف لمن هو أولى منه فيكون منكراً، هذا قسم خامس يعني خفيف الضعف الذي له مخالف وخفيف الضعف الذي له مخالف أولى منه فيكون منكراً .
6. القسم السادس أنه قد يكون فيه من هو شديد الضعف هذه هي الأحاديث التي سكت عنها أبو داود في سننه ، هذه هي أقسام الأحاديث التي سكت عنها أبو داود في سننه ومنها ما هو شديد الضعف ) (.
ثم أخذ الحافظ يعتذر عن إيراد أبي داود للأحاديث شديدة الضعف في سننه مع سكوته عنها باعتبارات عدة :
أولها : أن يكون قد تكلم عن هذا الراوي في موطناً آخر من كتابه فاكتفى بذلك يعني قد يخرج أي داود الحديث الشديد الضعف ويسكت عنه أكتفاءً منه بأنه قد تكلم عن هذا الراوي في موطن سابق من كتابه ، وكأنه يقول : أنا قد بينت ضعف هذا الحديث لما حكمت على هذا الراوي بالضعف في موطن متقدم من الكتاب .
الثاني : أن يكون من باب اختلاف الروايات عن أبي داود .
أن لسنن أبي داود روايات متعددة هي خمسة روايات نعم أن هناك خمس روايات بلغتنا ووصلت إلينا وهي أشهر الروايات عن أبي داود بسننه أن في هذه الروايات في بعضها كلاماً على الأحاديث قد لا يوجد في البعض الآخر قد نجد كلاماً في رواية ابن العبد على أحاديث قد لا نجد هذا الكلام في رواية بن اللؤلؤي ، فيجب على الإنسان ألا يتسرع بقوله أن هذا الحديث سكت عنه أبو داود حتى ينظر في بقية الروايات ، فلعله تكلم عنه في رواية ، سكت عنه في رواية أخرى ، وهذا عمل شاق يبين ضرورة أن يحقق الكتاب كما ذكرنا على روايته المختلفة) (.
الثالث : أن يكون ذهولاً من أبي داود خطأ ، ووهم أراد أن يعلق فنسي ظن أنه تكلم عنه في موطن سابق ولم يحدث ذلك نوع من الغفلة التي هي من طبيعة الإنسان ولا يعني ذلك أنه قد خفيا عنه ، أو خفيا عليه شدة ضعف هذا الحديث هو يعلم أنه شديد الضعف لكنه نسي أو غَفِلَ لسبب ما أن يعلق عليه ويبين شدة ضعفه هذا أمر وارد لأن من طبيعة البشر الخطأ .
الرابع : أَنْ يكون سَكَتَ عنه لِشِدَة وضوح ضعفه وهذا الذي ذكرناه أيضاً عن الإمام الذهبي وأيضاً ذكره النووي أنه قد يسكت عن الحديث لشدة ضعفه وهذا أمر مهم جداً ، ويبين لكم خطأ من يعتمد على مجرد سكوت أبي داود لقوله : أن أبي داود قد قبل هذا الحديث أو أنه عنده لا ينزل إلى درجة شديد الضعف واعتبار هذا عمدة في الباب وأنه يعني حكم فاصل في هذه القضية وهذا خطأ ولا شك ) (.

شرطه :
قال الإمام ابن طاهر المقدسي :
وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
1. القسم الأول: صحيح؛ وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
2. والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج
أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح...
3. والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة ) (.
وقال الحازمي بعد أن ذكر مذهب من يخرج الصحيح: .. وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهو شرط أبي داود والنسائي) (.
منهجه: .
قد أبان أبو داود رحمه الله عن منهجه في كتابه"السنن"، في رسالته إلى أهل مكة، ويمكن أن يلخص منهجه في النقاط التالية:
1. يخرج أصح ما عرف.
2. يخرج الإسناد العالي وإن كان ضعيفا، ويترك الأصح لنزوله.
3. لم يورد في الباب إلا حديثا أو حديثين، طلباً للاختصار وقرب المنفعة.
4. لا يعيد الحديث إلا إذا كان فيه زيادة كلمة أو نحوها.
5. قد يختصر الحديث الطويل، لأنه لو كتبه بطوله لم يعلم من سمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه.
6. إذا لم يجد حديثاً مسنداً متصلاً في الباب فإنه يحتج بالمرسل( قال: وليس هو مثل المتصل في القوة)
7. لا يخرّج عن المتروك (المجمع على تركه).
8. يبين الحديث المنكر ويورده إذا لم يجد في الباب غيره.
9. ألفه على نسق واحد حسب ما اقتضاه نظره.
10. ما كان في كتابه من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بينه.
11. ما سكت عنه فهو صالح، وبعضه أصح من بعض) (.
ومما يمكن أن نضيفه مما ذكره السخاوي
1. أنه يورد الأحاديث على أحسن ترتيب وأبدع نظام، وقد أشبه صنيعه صنيع الإمام مسلم في الحرص على تمييز ألفاظ الشيوخ في الصيغ والأنساب، فضلاً عن ألفاظ المتون التي هي المقصود الأهم.
2. إذا روى عن الحارث بن مسكين يقول: قرئ عليه وأنا شاهد؛ لكونه لم يقصده بالإسماع
3. وإذا سمع من شيخٍ حديثاً وفاتته منه كلمة أو نحوها، كابن في الإسناد نبه على ذلك، وأن بعض أصحابه أفهمه إياها عن ذلك الشيخ.
4. ونحوه إذا سمع الحديث من شيخين له وكان له عن أحدهما أضبط، نبه عليه في أمثلة لذلك من هذا النمط) (..
5. وقد يذكر أقوال السلف في المسألة وينسبها إلى أصحابها، كقوله في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها: وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم.
6. يسمي الرواة المشهورين بالكنى، ويكني المشهورين بأسمائهم، ويعين المهمل والمبهم مثاله: قوله عقب حديث:" سيأتيكم ركيب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم..."الحديث. قال أبو داود: أبو الغصن: هو ثابت بن قيس بن غصن. وكذا قوله في أبي الحسن - شيخٍ لشعبة- : هو مهاجر، وقوله في سليمان: يعني ابن موسى
7. وربما يورد الحديث معلقاً، كقوله: قال عمر رضي الله عنه:"حصير البيت خيرٌ من امرأةٍ لا تلد"
8. يذكر بعض الفوائد التي تتعلق بالأحاديث، مثاله: لما نقل في باب بئر بضاعة عن شيخه قتيبة بن سعيد أنه قال له: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة، فإذا نقص فدون العورة، قال عقبه: وقدَّرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليه ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان وأدخلني إليه: هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماءاً متغير اللون) (.
ومما يمكن أن نضيفه مما لم يذكره أبو داود ولا السخاوي:
1. أنه يبين علة الحديث إن وجدت، وينبه على الانقطاع ونحوه، مثاله: قال في كتاب الزكاة: حدثنا أيوب بن محمد الرقي ثنا محمد بن عبيد ثنا إدريس بن يزيد الأودي عن عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري يرفعه إلى قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة " والوسق ستون مختوما، قال أبو داود: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد.
2. ينبه أحياناً على المحفوظ والشاذ، مثاله:
حدثنا يحيى بن محمد بن السكن ثنا محمد بن جهضم ثنا إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: فرض رسول الله زكاة الفطر صاعا فذكر بمعنى مالك زاد والصغير والكبير وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة،
قال أبو داود: رواه عبد الله العمري عن نافع بإسناده قال: على كل مسلم ورواه سعيد الجمحي عن عبيد الله عن نافع قال فيه من المسلمين والمشهور عن عبيد الله ليس فيه " من المسلمين ") (.
ما سكت عنه أبو داود:
خلاصة كلام العلماء في المسألة: هل يعني صالح للاحتجاج أو صالح للاعتبار؟
هناك طائفة من العلماء يرون أنه صالح للاحتجاج، ولذلك فإنهم يوردون حديثا سكت عنه أبو داود في سننه يقولون: هذا حديث أقل أحواله أنه حسن، لأن أبا داود سكت عنه، ونحو ذلك من العبارات، مثاله: قال الإمام الزركشي في" المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" عن حديث[ لا تجتمع أمتي على ضلالة]: سكت عنه أبو داود فهو حجة عنده.
وهناك طائفة يرون أن ما سكت عنه فهو صالح للاعتبار، ومثال ذلك: قال الذهبي في الميزان في ترجمة إبراهيم بن سعيد المدني: له حديثٌ واحد في الإحرام، أخرجه أبو داود وسكت عنه، فهو مقارب الحال.(ومقارب الحال من أدنى درجات التعديل )
وقد بين ابن حجر أن ما سكت عنه أبو داود على أقسام، فقال: ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي. بل هو على أقسام:
1. منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
2. ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
3. ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد. (الحسن لغيره)
4. ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً.
وكل هذه الأقسام عنده - يعي أبا داود- تصلح للاحتجاج بها. كما نقل ابن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وكذا قال ابن عبد البر: " كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده لا سيما إن لم يذكر في الباب غيره") (.
الكتب التي اعتنت بسنن أبي داود:
الشروح:
1. معالم السنن لأبي سليمان حمد الخطابي.
2. مختصر سنن أبي داود لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري.
3. تهذيب السنن لشمس الدين ابن قيم الجوزية.( وثلاثتها مطبوعة بتحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد فقي)
4. وشرح النووي قطعة منه.
5. وكذا شرح قطعة منه علاء الدين مغلطاي.
6. وشرح جزءاً منه ولي الدين العراقي .
7. وشرح زوائده على الصحيحين سراج الدين ابن الملقن.
8. عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.
9. وللآبادي أيضاً: غاية المقصود في حل سنن أبي داود
10. بذل المجهود في حل أبي داود، لخليل أحمد السهارنفوري) (.
المستخرجات: عمل عليه مستخرجا:
1. محمد بن عبد الملك بن أيمن الأندلسي.
2. أبو بكر أحمد بن علي بن إبراهيم الأصبهاني.
3. قاسم بن أصبغ القرطبي) (.
ترجم لرجاله:
1. أبو علي الجياني ( على ما ذكره السخاوي).
2. محمد بن طاهر المقدسي في كتابه" مشايخ أبي داود".
3. محمد بن إسماعيل الأزدي ابن خلفون في كتابه "شيوخ أبي داود"
4. أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر في كتابه"المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل"
5. أبو محمد بن عبد الغني المقدسي في كتابه" الكمال في أسماء الرجال"
6. أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي في " تهذيب الكمال في أسماء الرجال") (.
خرج أحاديثه:
خرج أحاديثه تخريجاً موسعاً الشيخ الألباني في كتابه "صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود" - لكنه لم يكمله-، وحكم على أحاديثه أحكاماً مختصرة في كتابيه المختصرين: "صحيح سنن أبي داود" و"ضعيف سنن أبي داود") (.
من الدراسات حول سنن أبي داود:
1. أبو داود وجهوده في الحديث، رسالة لـ عبد الوهاب السامرائي.
2. ما سكت عنه أبو داود، لـ عبد الحميد أزهر الهندي.
3. ما سكت عنه أبو داود مما في إسناده ضعف، رسالة ماجستير لـ محمد بن هادي المدخلي.
4. أبو داود وأثره في علم لحديث، رسالة لـ معوض بلال العوفي.
5. أبو داود حياته وسننه، لـ محمد لطفي الصباغ.
6. المتروكون ومروياتهم في سنن أبي داود (رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة أم القرى عام 1396هـ)
وغيرها من الكتب والأبحاث) (.


المبحث الثالث : منهج الإمام ابن ماجه في سننه
المطلب الأول : ترجمة الإمام
اسمه و نسبه:
أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني) (
مولده: 209
شيوخه :
سمع من علي بن محمد الطنافسي الحافظ، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيرهم كثير.
تلاميذه :
محمد بن عيسى الأبهري ، محمد بن عيسى الصفار ، إسحاق بن محمد القزويني ، علي بن سعيد بن عبدالله العسكري ) (.
ثناء العلماء عليه :
قال الخليلي : ثقة كبير متفق عليه ، محتج به ، له معرفة بالحديث وحفظ ، وكان حافظًا ناقدًا واسع العلم، ارتحل إلى العراقين ومكة والشام ومصر) (.
مؤلفاته : صنف السنن والتاريخ والتفسير) (.
وفاته :
مات بقزوين في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين) (.

المطلب الثاني : كتابه " السنن ":
يعرف كتاب ابن ماجه بـ(السنن) وقد جاءت هذه التسمية على لسان ابن ماجه فيما ذكره الذهبي فقال:
(وعن ابن ماجة قال عرضت هذه السنن على أبي زرعة الرازي فنظر فيها وقال أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها ثم قال لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما في اسناده ضعف أو نحو ذا)) (.
والجدير بالذكر أن كتاب ابن ماجه أقرب إلى الكتاب الجامع أكثر مما ينطبق عليه اسم السنن، فقد احتوى على سبعة وثلاثين كتابًا من كتب الحديث، جمعت بين الأحكام والأدب والفتن والزهد والمقدمة المستوفية لقضايا العلم) (.
مكانة سنن ابن ماجه بين الكتب الستة:
أُلحق كتاب ابن ماجه بالكتب الخمسة، فأصبحت تعرف بالكتب الستة، وكان ذلك على يد محمد بن طاهر المقدسي (ت507هـ)، صاحب كتاب شروط الأئمة الستة) (. وسار على منواله الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى في سنة 600هـ، فضمن كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، رجال ابن ماجه كأحد الستة، ثم درج على هذا أصحاب كتب الأطراف وكتب الرجال، ومرجع تقديم كتاب ابن ماجه على كتاب الموطأ للإمام مالك، إلى أن زوائد ابن ماجه على الكتب ا لخمسة كثيرة، بينما نجد أحاديث الموطأ موجودة في الكتب الخمسة) (.
المشهورين برواية السنن:
1. أبو الحسن بن القطان
2. أبو جعفر محمد بن عيسى
3. أبو جعفر حامد الأبهري
4. سليمان بن داؤد) (
5. سعدون
6. أبراهيم بن دينار) (
شرطه :
قد بدت لنا أنها شرطان في الراوي ، وهي :
1. يروي الإمام ابن ماجه عن الراوي الذي لم يجمع العلماء على تركه
عدم التزام الإمام ابن ماجه الحكم على علل الرواة في سننه ) (.
منهج الإمام ابن ماجه في السنن:
صنف ابن ماجه كتابه على الأبواب؛ فبدأ بالمقدمة التي حاكى فيها الإمام الدارمي في مقدمة "سننه"، وقد فصل في هذه المقدمة موضوعات كتاب العلم، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، والإيمان والفضائل. ولم يذكر في مقدمته شيئًا عن منهج كتابه كما فعل الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، والإمام الترمذي في آخر جامعه، وعلى كلٍّ فهي مقدمة عامة تتناول قضايا تمهيدية للكتاب.
وقد نظم الإمام ابن ماجه كتابه على الكتب والأبواب) ( ، وكان ترتيبه موفقًا بارعًا، على درجة بالغة من الشمول والاستيعاب...
وقد بلغت أبوابه - كما قال تلميذه ابن القطان في السنن -: ألفًا وخمسمائة باب.
قال ابن حجر في كتاب ابن ماجه: جامع جيد كثير الأبواب والغرائب.
ترجم الإمام ابن ماجه لأبواب كتابه بعناوين تجمع بين الدقة والإيجاز والفقه. وإذا كرر الحديث فإنما يكرره في الباب نفسه لبيان اختلاف في السند أو المتن، ولتتقوى الأحاديث في الموضوع الواحد.
مثال: باب المحافظة على الوضوء) (:
1. حَدَّثنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد. حَدَّثنَا وكيع، عَن سفيان، عَن منصور، عَن سالم بْن أَبِي الجعد، عَن ثوبان؛ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلمْ: "استقيموا ولن تحصوا. واعلموا أَن خير أعمالكم الصلاة. ولا يحافظ عَلَى الوضوء إِلاَّ مؤمن".
2. حَدَّثنَا إسحاق بْن إبراهيم بْن حبيب بن الشهيد قال: حَدَّثنَا المعتمر بْن سليمان، عَن ليث، عَن مجاهد، عَن عَبْد اللَّه بْن عمرو؛ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلمْ: "استقيموا ولن تحصوا. واعلموا أَن من أفضل أعمالكم الصلاة. ولا يحافظ عَلَى الوضوء إِلاَّ مؤمن".
3. حَدَّثنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى. حَدَّثنَا ابْن مريم. حَدَّثنَا يَحْيَى بْن أيوب. حَدَّثنِي إسحاق بْن أسيد، عَن أَبِي حفص الدمشقي، عَن أَبِي أمامة، يرفع الحديث؛ قَالَ "استقيموا. ونعما أَن استقمتم. وخير أعمالكم الصلاة. ولا يحافظ عَلَى الوضوء إِلاَّ مؤمن".
يلاحظ على هذا الباب ما يلي:
1. يروي ابن ماجه عن شيوخه بصيغة (حدثنا).
2. كل رواية من الروايات الثلاث انتهت إلى صحابي، الأول انتهت إلى ثوبان والثانية إلى ابن عمر، والثالثة إلى أبي أمامة - رضي الله عن الجميع.
3. كل سند من هذه الأسانيد لا يخلو من مقال؛ ففي السند الأول انقطاع بين منصور وسالم بن أبي الجعد، وفي السند الثاني ليث بن أبي سليم فيه ضعف وله أحاديث صالحة) ( ، وفي السند الثالث إسحاق بن أسيد ضعيف) ( ، وأبو حفص الدمشقي مجهول.
وهؤلاء الضعفاء والمجاهيل ليس فيهم من أجمع العلماء على رد حديثه أو تركه. وبالجملة فإن هذه الأسانيد تقع في مراتب الضعف الدنيا التي لا يفصل بينها وبين المردود المتروك شيء. مما يجعل منهج ابن ماجه منهجًا منصبًّا على الدرجات الدنيا من الأسانيد التي يغلب عليها أنها تكتب ولا يحتج بها، وتصلح للاعتبار وللعتضيد) (.
إن نظرة سريعة على كتاب ابن ماجه تعطي الانطباع بكثرة الأحاديث الضعيفة فيه. وهذا المأخذ الذي سجله الإمام الذهبي وغيره على كتاب السنن فقال: "وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات". ثم قال: "وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة لعلها نحو الألف") (
قال ابن حجر: "وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا حتى يلغني أن السري كان يقول: "مهما انفرد بخبر منه فهو ضعيف غالبًا، وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي. وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة، والله تعالى المستعان".
ثم وجدت بخط الحافظ شمس الدين محمد بن علي الحسيني ما لفظه: "سمعت شيخنا أبا الحجاج المزي يقول: كل ما انفرد به ابن ماجه فهو ضعيف" - يعني بذلك ما انفرد به عن الأئمة الخمسة - ثم قال: "ولكن حمله على الرجال أولى، وأما حمله على الأحاديث فلا يصح كما قدمت ذكره من وجود الأحاديث الصحيحة والحسان مما انفرد به عن الخمسة") (.
ومعنى كلام ابن حجر هذا: أن الضعيف قد يكون في رجل من رجال الإسناد أو أكثر، ولكن الحديث صحيح أو حسن لوجود روايات أخرى تقويه وتعضده) (.
ميزات سنن ابن ماجه :
1. أنه صدر الكتاب بمقدمة عظيمة المتعلقة باتباع السنة وفضائل الصحابة وذكر فيها 266 حديثا .
2. أن كتابه حسن في الترتيب وسرد الأحاديث باختصار من غير تكرار .
3. ذكر في كتابه زوائد كثيرة حتى بلغ عددها إ لى 1339وهذه ميزة التي جعله من بين الكتب الستة .
4. لا يذكر في سننه إلا الأحاديث مثل الإمام مسلم ) (.
شروح الكتاب :
1. الإعلام بسنته صلى الله عليه وسلم لعلاء الدين المغلطائي .
2. مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه .
3. شرح الحافظ برهان الدين أبراهيم بن محمد الحلبي .
4. كفاية الحاجة في شرح ابن ماجه للسندي .
5. إنجاح الحاجة .
6. ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجة .
ومن الجديد . . . . سننن ابن ماجه بتحقيق محمد محمود حسن نصار ) (.

المطلب الرابع : منهج الإمام الدارقطني في سننه
المطلب الأول : ترجمة الإمام الدارقطني:
اسمه و نسبه:
الإمام الحافظ المجوِّد، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي المقرئ المحدِّث، من أهل محلة دار القطن ببغداد.
مولده :ولد سنة وثلاث مائة، هُوَ أخبَرَ بذلك) (.
شيوخه:
أبو القاسم البغوي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو بكر بن أبي داود وأبو علي محمد بن سليمان المالكي، ومحمد بن القاسم بن زكريا المحاربي، وأبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب القاضي، وأبو بكر بن زياد النيسابوري، والحسن بن علي العدوي البصري، ويوسف بن يعقوب النيسابوري) (.
ثناء العلماء عليه :
وكان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك.
قال أبو عبد الله الحاكم في كتاب " مزكي الاخبار ": أبو الحسن صار واحد عصره في الحفظ والفهم والورع.
قال أبو بكر الخطيب: كان الدارقطني فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علو الاثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، وإماما في القراء والنحويين، أول ما دخلت بغداد، كان يحضر المجالس وسنه دون الثلاثين، وكان أحد الحفاظ) (.
رحلاته العلمية :
ارتحل في الكهولة إلى الشام ومصر، وسمع من ابن حيويه النيسابوري، وأبي الطاهر الذهلي، وأبي أحمد بن الناصح، وخلق كثير) (.
وفاته :
وتوفي يوم الخميس لثمان خلون من ذي القعدة من سنة خمس وثمانين وثلاث مئة ) (.

المطلب الثاني : منهجه في السنن :
سننه ومكانته عند العلماء ،
لا شك فيه أن لسنن الدارقطني المكانة العظمى عند الحفاظ المتقنين من العلماء والمحدثين وأئمة الجرح والتعديل وهذاالكتاب ألفه الإمام على الأبواب الفقهية فهو يعتبر نموذجا للكتب التي الفت على الأبواب في القرن الرابع ، وهو ممزوج بمعرفة مذاهب الفقهاء بالأحاديث الصحيحة والضعيفة بل والموضوعة على ندرة ) (.
وقد عده الإمام النووي من الكتب الصحيحة وهو يقول : ثم إن الزيادة في الصحيح تعرف من السنن المعتمدة كسنن أبي داؤد والترمذي والنسائي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم والبيهقي وغيرها منصوصا على
صحتها ) (.
رواة السنن :
وقد روى السنن عن الدارقطني كثيرون منهم ،
1. الشيخ العالم أبو بكر محمد بن أبي القاسم عبد الملك بن محمد البغدادي، قال عنه الذهبي راوي سنن الدارقطني .
2. والإمام المحدث الفقيه ، أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحيم الأصبهاني الكاتب قال عنه الذهبي وارتحل إلى الدارقطني فأخذ عنه سننه وأتقن نسخته .
3. الإمام أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد .
4. الإمام أبو الحسين محمد بن علي الهاشمي العباسي البغدادي المعروف بابن الغريق.
5. القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري الفقيه الشافعي ) (.
منهج المؤلف في سننه :
كان الإمام الدارقطني بمنزلة عظيمة من علم الحديث وعلله ، وبهذاالسبب منهجه في كتابه السنن خليط منهج بأسلوبين ، أسلوب أصحاب كتب السنن ، وأسلوب أصحاب كتب العلل ، ويظهر براعته في مناهج الفقه حيث قام بترتيبه على الأبواب الفقهية ترتيبا يعتبر نموذجا لكتب التي ألفت في هذا الفن وذلك يشهد له بطول الباع في الفقه والأحكام .
قد بدأ كتابه على منهج أصحاب كتب السنن بكتاب الطهارة ، وذكر فيه أولا الأبواب التي تتعلق بالماء لأن الأصل في الطهارة إنما تحصل من الماء حتى إلى الأخير . وكذلك الحق أن سنن الدارقطني أشبه بكتب العلل وأن كانت تختلف عنها كذلك في الأسلوب ، فالملاحظ على الدارقطني في كتاب السنن ما يلي :
1. أحيانا يبين الدارقطني علل الحديث بكلمات موجزة مختصرة مثل هذا مرسل، وفلان مجهول،
2. وأحيانا يبين العلة باصطلاح خاص له هو حديث حسن ، .
3. لم يلتزم بيان الضعف والعلة في السند فأحيانا لا يذكر العلة ولكنه يذكر الروايات التي تبين العلة ، حيث يكتفي بذلك .
4. أحيانا يذكر رواية ضعيفة ولا يذكر ما يدل على ضعفها كأنه قصد جمع هذه الراوايات المستغربة في الفقه) (.
شروطه في رواية الحديث:
والذي يظهر من كلام أهل العلم بل ومن صنيعه أيضاً أنه لم يؤلفها بيحتج بما أورده فيها بل يذكر ما احتج به الفقهاء من الغرائب والأفراد والمناكير والضعاف مع بيان علل بعضها وربما خرج عن هذا فيذكر أحاديث صحيحة وحسنة، ) (.
القيمة العلمية لسننه ومراتب أحاديثه :
لم يشترط الدارقطني الصحة والحسن في هذاالكتب بل جمع فيه الصحيح والضعيف والحسن والمعلل فمراتبه ،
1. قد يحصل منها على أحاديث صحيحة غير ما في الصحيحين .
2. قد يذكر فيها الحديث الحسن ونص الدارقطني في سننه على كثير من ذلك .
3. ويكثر فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة .
فتحصل من هذا أن الدارقطني قد جمع في كتابه جميع الأصناف ثم نبه على مكانة الأحاديث) (.
عدد الأحاديث في السنن :
قد اشتمل كتاب سنن الدارقطني على 4749 حديثا بتحقيق الشيخ عادل أحمد أو 4790 على تحقيق مجدي بن منصور الشوري أو 4545 على تحقيق الشيخ ارشاد الحق الأثري ) (.

مميزات سنن الدارقطني :
كما يلي :
1. أنه يلتزم بطرق الأحاديث واختلاف الراويات في السند والمتن حتى يبتهد استيعاب طرق الحديث ويذكر بعض الأحيان لحديث واحد أكثر من خمسين طرقا كما في حديث القلتين .
2. كان يجمع الطرق مع كلام مفصل عليها من قوة وضعفا وصحيحا وحسنا ومرفوعا.
3. كتابه مملوء من كلمه على الرواة جرحا وتعديلا .
4. يورد كنية الراوي واسمه وبلاده .
5. يورد في السنن الموقوفات والمقطوعات .
6. يتكلم حول أصول الحديث .
7. ألف هذاالسن في القرن الرابع ولأجله أعلى سنده خماسي ولا يوجد فيه ثلاثي.
8. ترتيب الأحاديث ناقص .
9. ما بوب جميع أحاديثه ) (.
اعتناء العلماء بخدمة سننه :
التعليقات عليه :
1. التعليق النغني على سنن الدارقطني لشمس الحق عظيم آبادي .
2. تعليق مجدي بن منصور الشورى .
3. تعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ على محمد معوض ) (.
الخدمات العلمية الأخرى عليه :
1. تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني لأبي محمد الجزائري.
2. معجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي في سنن الدارقطني للشيخ يوسف المرعشلي.
3. زوائد سنن الدارقطني للقاسم بن قطلوبغا.
4. اتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة لابن حجر .
5. رجال سنن الدارقطني ) (.وكتب أخرى كثيرة حوله .

المبحث الخامس : منهج سعيد بن منصور في سننه
المطلب الأول : ترجمة الإمام
اسمه : سعيد بن منصور بن شعبة ، الحافظ الإمام ، شيخ الحرم ، أبو عثمان الخراساني المروزي ،
ويُقال : الطالقاني البلخي ، ثم المكي المجاوِر . مولف كتاب السُّنَن ( ).
مولده : وُلِدَ بِجَوزجان ، ونشأ ببلخ ، وطاف البلاد ، وسكن مكة ، ومات بها ( ).
شيوخه : الإمام مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وفُليح بن سليمان ، وسفيان بن عيينة ، وشَرِيك القاضي ، وغيرهم .
تلاميذه : الإمام أحمد بن حنبل ، والإمام الدارمي ، وأبو بكر الأثرم ، والإمام أبو داود ، والإمام مسلم ، ومحمد بن يحيى الذهلي " شيخ البخاري " ، وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو حاتم الرازي ، وخَلْق سواهم .
فهو شيخ لهؤلاء العلماء الأجلاّء .
مكانته وثناء العلماء عليه :
قال سلمة بن شبيب : ذَكَرْتُ سعيد بن منصور لأحمد بن حنبل ، فأحسن الثناء عليه ، وَفَخَّم أمره .
وقال أبو حاتم الرازي : هو ثقة من المتقنين الأثبات ممن جمع وصَنَّف .
وقال حرب الكرماني : أمْلَى علينا سعيد بن منصور نحوا من عشرة آلاف حديث من حفظه .
وقال الذهبي : كان ثقة صادقا من أوعية العلم .
وقد كان محمد بن عبد الرحيم " صاعقة " الحافظ إذا حَدَّث عن سعيد أثنى عليه وأطراه ، فكان يقول : حَدَّثنا سعيد بن منصور ، وكان ثَـبْـتاً .
وقال حنبل بن إسحاق : قال أبو عبد الله [ يعني الإمام أحمد ] : كان سعيد من أهل الفضل والصدق .
قال أبو زرعة الدمشقي : أخبرني أحمد بن صالح ودُحيم أنهما حضرا يحيى بن حسان مُقَدِّماً لسعيد بن منصور يَرى له حِفْطَـه ، وكان حافظا .
وقد روى كتاب السنن عن سعيد : مُحَدِّث هراة أحمد بن نجدة بن العُريان .
وقال أبو عبد الله الحاكم : سَكَن سعيدٌ مكة مُجَاوِراً ، فَنُسِبَ إليها .
وهو راوية سفيان بن عيينة . وأحد أئمة الحديث .
له مصنفات كثيرة ، متفق على إخراجه في الصحيحين .

وقال ابن كثير : سعيد بن منصور صاحب السنن المشهورة التي لا يُشاركه فيها إلا القليل ( ).
وفاته :
مات بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين ( 227 هـ ) ( ).
مؤلفاته :
كتاب السنن وبعضهمم يسميه " مصنف سعيد بن منصور.
كتاب التفسير .
كتاب الزهد
وقال الحاكم أبو عبد الله له مصنفات كثيرة ( ) .

المطلب الثاني : السنن لسعيد بن منصور :
اسمه : تجمع المصادر كلها التي تذكر هذاالكتاب على تسمية ب " السنن " وسماه بعضهم : " المصنف " أو مصنف سعيد بن منصور بمعنى مؤلف سعيد بن منصور ، والأول أشهر ( ).
توثيق نسبته إلى المؤلف :
من أقوى دلائل توثيق نسلة الكتاب إلى المؤلف صحة سند الكتاب وهذا يتضح بعد سياق الإسناد الوارد على النسخة وجاء في بداية كتاب فضائل القرآن ، يذكر سنده الكامل وسنده صحيح ( ) .
رواة سننه :
أما الرواة الذين رووا هذاالسنن عن سعيد بن منصور فهم أربعة
1. محمد بن على بن زيد الصائغ .
2. أبو الفضل أحمد بن نجدة بن العريان الهروي .
3. مسعدة بن سعد بن مسعدة .
4. أبو عبد الله محمد رزيق بن جامع المديني . ( )
موضوع الكتاب :
الكتاب شامل لمعظم أبواب الدين مع الإهتمام بما يتعلق بالفقه والأحكام والإختلاف فيها وغبراز هذا الإختلاف ، وهذاالذي دعاه للإهتمام بأقوال الصحابة والتابعين وفاويهم ( ).
منهج المؤلف في السنن :
1. أول ما ابتدأ المؤلف سننه باب الأذان وأول حديث فيه قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اهتم بالصلاة ، ثم ذكر الحديث في رؤيا عبد الله بن زيد للأذان . ثم يتلو ذلك عدة كتب منها كتاب الوضوء ، والصلاة والجنائز والزكاة وصلاة العيدين وصدقة الفطر والصيام والإعتكاف والمناسك والجهاد والفرائض والاشربة ، إلى غير ذلك من الكتب، وجميع هذه الكتب المذكورة تقع في الجزء المفقود من السنن عدا كتاب الجهاد وكتاب الفرائض فإنها من ضمن المطبوع من السنن بتحقيق الشيخ الأعظمي ، وهو يبدأ بكتاب الفرائض ثم الوصايا ، ثم النكاح ثم الطلاق، ثم الجهاد ، وهو آخر المطبوع.
أما النسخة التي طبعت بتحقيق الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد فهي تبدأ بكتاب فضائل القرآن ، ثم كتاب النفسير، مرتبا حسب ترتيب السور ، والآيات ايضاً ، عدا مواضع يسيرة ن الآيات فقط، ( ).
2. وجرت عادة المصنف أن يقسم الكتاب إلى ابواب عدا كتب فضائل القرآن .
3. طرقة المصنف في الرواية وسياق الأسانيد والمتون ليست طريقة تميزه من غيره من المصنفين في عصره، فهو يسوق الإسناد ، ثم يتبعه بالمتن ، عدا ما يفعله احيانا بدافع الأختصار تتعلق بالإسناد أو المتن .
4. نجده أحيانا يقرن روايات بعض شيوخه في سياق واحد .
5. وإذا قرن شيخين في رواية وكان لفظ أحدهما زيادة بين ذلك ،
6. وقد يذكر كلاما في لعض رجال الأسناد أثناء الرواية .
7. وقد يسوق بعض الروايات التي يحكى بعضها علة الآخرى ( ).
8. والمصنف شديد التوقي في الرواية فإن شك في شيئ أو كان في الرواية شك من غيره بين .
9. وقد يعقب على بعض الأحاديث تعقيبا يزيل الإشكال الوارد في سند الحديث كبيان المبهم في الأسناد ، أو بيان نسب بعض الرواة.
10. وقد يكون تعقيبه لبيان بعض الرواة بالحديثومن منهجه في الرواية اهتمامه بالفقهيات حتى في التفسير فنجده يعرض للمسائل المختلف فيها . ( )
11. ومن منهجه في الرواية إيراده الحديث الواحد بأسانيد متعددة وكذا تعقيبه على بعض الأحاديث أحيانا .
12. وذد تكون الترجمة عند المصنف بلفظ الإستفهام . ( )
درجة الأحاديث في سننه :
جرت عادة أكثر المصنفين في العصر الذي عاش فيه الإمام سعيد بن منصور ان احدهم غذا صنف أخرج في كتابه الصحيح والحسن والضعيف وكانوا يتجنبون الموضوع وكذا المنكر وما اشتد ضعفه في الغالب ، وكتب سعيد بن منصور شبيه كتبهم ، فإنه تضمن جملة كبيرة من الأحاديث الصحاح والحسان ، وفيه الضعيف أيضاً الذي لم يشتد ضعفه وفيه عدد يسيو من الأحاديث الشديدة الضعف التي قد تختلف وجهات النظر في الحكم عليها بشدة الضعف من عدمه ( ).
أنواع المرويات عنده في سننه :
لم يرد سعيد بن منصور أن يجعل كتابه " السنن" مقصورا على الأحاديث الموفوعة المسندة بل أدخل فيه المسند وغير المسند ، كالموقوف ، والمرسل والمقطوع، فهكذا سنن سعيد بن منصور.
مميزاته :
لقد حرص العلماء على الظفر بسنن سعيد بن منصور وروايتها ولذا تعددت طرقها عن المصنف وتلاميذه فمن بعدهم ، ويعود هذاالحرص والإهتمام بالكتب إلى ما له من مميزات ، وهي ما يلي ،
1. مكانة المؤلف العلمية فهو أئمة الحفاظ المتقنين الذين أخرج لهم الجماعة أصحاب الكتب الستة ، ومن تتلمذ عليه كبار الأئمة الحفاظ كما تقدم في تلامذته .
2. قيمة الكتب العلمية تتجلى في كونه من الكتب القليلة التي تعني بتخريج الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لالإضافة للأحاديث المرفوعة .
3. يمتاز الكتب بعلو الإسناد.
4. كثرة العزو إلية عند الفقهاء والمحدثين والمفسرين .
5. تفرد المصنف ببعض الآثار التي لا توجد في غيره .
6. تفرد المصنف ببعض الطرق ( ).
اعتناء العلماء بخدمته :
قام الدكتور محمد حميد الله بالعثور على هذه القطعة ، وقام الدكتور حبيب الأعظمي بتحقيقها ونشرت في المجلدين .
ثم بدأ الدكتور سعد بن عبد الله بدراسته وتحقيقه لنيل درجة الدكتوراة حتى أكمله ( ).
نسخ الكتب :
قال الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد : يوجد لكتب ثلاث نسخ ،
النسخة الأولى : نسخة كاملة موجودة في الخزانة الألمانية ، مكتوبة بخط الشوكاني .
النسخة الثانية : هي النسخة التي اعتمدها الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في ما نشره من هذه السنن .
النسخة الثالثة : هي التي اعتمد عليها الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد ( ).
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين .