المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح بغية الطالب الحثيث


أبو سليمان خالد بن محمد أيت علي الإدريسي
31-01-17, 03:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وبعد:
فهذا كتاب شرح بغية الطالب الحثيث في معرفة علم الحديث للعلامة كمال الدِّين الشمني -رحمه الله تعالى-، كنت قد حققته منذ مدة لما كنت أدرس في الجامعة، وكان الأستاذ المشرف حينها طلب مني طبعه فشُغلت عن ذلك حتى صادفته اليوم أمامي فرأيت أنه لا معنى لتركه دون نشر وإفادة فأحببت نشره هدية للإخوان الطيبين ممن يرغب في الفائدة بهذا الملتقى. وقد كان عملي فيه مقصورا على ضبط نصه باعتماد النسخ المخطوطة، وتقديمٍ يشمل ما لابد منه بين يدي التحقيق من ترجمة المؤلف والتعريف بمؤَلَّفه، وتحقيقِ اسم الكتاب ونسبته إلى صاحبه، وأعتذر لعدم ذكر الإحالات لتعذر نسخها، فمن أراد طبعه من الإخوان فليراسلني أبعث له بملف وورد. أسأل الله عز وجل أن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.


التعريف بالعلامة كمال الدين الشمني:
اسمه ونسبه:
هو محمد بن محمد بن حسن بن علي بن يحيى بن خلف الله بن خليفة بن محمد كمال الدين التميمي الداري الشمني -بضم المعجمة والميم وتشديد النون-، المغربي الأصل، السكندري ثم القاهري المالكي. والشمني نسبة إلى شمنة مزرعة بباب قسطنطينية، قال عنها في شرح البغية: "الشمني بشين معجمة وميم مضمومتين وبفتح الميم أيضا ونون بعدها ياء النسبة، نسبة إلى بلدة بالأندلس أخبرني عنها والدي -رحمه الله تعالى-"( ).
كان جده الأعلى محمد بن خلف الله شافعيا متصدرا بجامع عمرو، كتب عنه الرشيد العطار في معجمه وضبطه( ).

مولده:
قال السخاوي في الضوء اللامع: "ولد سنة ست وستين وسبعمائة، لأنه مع كونه كما قرأته بخطه لم يكن يخبر به، أخبر به بعض خيار أصدقائه وثقاتهم. حسبما نقله ولده عنه أن الفرنج لما أخذت الإسكندرية كان عمره سنة وكان أخذهم لها في يوم الجمعة ثالث عشر محرم سنة سبع وستين، وقال شيخنا في معجمه أنه ولد قبل السبعين، وفي إنبائه سنة بضع وستين.



طلبه للعلم:
اشتغل بالعلم في بلده ومهر، فسمع من البهاء الدماميني والتاج بن موسى وغيرهما كأبي محمد القروي، وأجاز له خلق باستدعائه، وأخذ عن العراقي وتخرج بالبدر الزركشي وغيرهما، تقدم في الحديث وصنف فيه وقال الشعر الحسن كما تقدم في الفقه وأصوله.

مؤلفاته:
لم يبلغنا من مؤلفات المترجَم له الشئُ الكثير، والسبب في ذلك أن المترجمين له لم يعتنوا بذكرها، ومن تواليفه التي تتبعناها:
• شرح نخبة الفكر، قال في الضوء اللامع: "..وطالعت شرحه للنخبة"( ).
• متن مستقل في علم الحديث، ولست أراه إلا البغية أو شرحها، قال السخاوي في سياق كلامه عن شرح النخبة: "..بل عمل متنا مستقلا رأيته أيضا".
• شرح الكفاية في علم الرواية. وقد ذكره في شرح البغية فقال: "..وفيه نظر أوضحته في شرح الكفاية في علم الرواية".
• نظم نخبة الظرائف للفيروزبادي.
• نظم نخبة الفكر، وقد شرحه ولده التقي، وسماه: العالي الرتبة في شرح نظم النخبة.

شعره:
الشيخ –رحمه الله- شاعر مجيد، من نظمه قوله في الثناء على المحدثين:
جزى الله أصحاب الحديث مثوبة
وبوأهم في الخلد أعلى المنازل

فلولا اعتناهم بالحديث وحفظه
ونفيهم عنه ضروب الأباطل

وإنفاقهم أعمارهم في طلابه
وبحثهم عنه بجد مواصل

لما كان يدري من غدا متفقها
صحيح حديث من سقيم وباطل

ولم يستبن ما كان في الذكر مجملا
ولم ندر فرضا من عموم النوافل

لقد بذلوا فيه نفوسا نفيسة
وباعوا بحظ آجل كل عاجل

فحبهم فرض على كل مسلم
وليس يعاديهم سوى كل جاهل


وقوله فيمن اكتفى بالكتب وترك الأخذ عن الأشياخ:
من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة
يكن من الزيف والتحريف في حرم

ومن يكن آخذا العلم من صحف
فعلمه عند أهل العلم كالعدم

معاناته ووفاته:
كان الكمال الشمني -رحمه الله تعالى- خفيف ذات اليد وأصيب بآفة في بعض كتبه وأجزائه، وتنزل في طلبة المحدثين بالجمالية أول ما فتحت ودرس فيها سنة تسع عشرة ثم عرضت له علة أواخر التي تليها ثم نقَِه( ) ورجع إلى منزله وتمرض به حتى مات ليلة الخميس حادي عشر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين بالجامع الأزهر( ).
التعريف بالكتاب:
هذا الكتاب عبارة عن شرح العلامة كمال الدين الشمني -رحمه الله تعالى- على أرجوزته بغية الطالب الحثيث في معرفة علم الحديث وهي أرجوزة تقع في إحدى وعشرين بيتا جعلها الناظم -رحمه الله تعالى- تمهيدا لمريد هذا العلم، ولم يستوعب فيها جميع أنواع الحديث بل قصرها على عشرة أنواع منه مع ذكر ما يُحتاج إليه من المسائل.
والأنواعُ التي ذكرها هي: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمسند، والمتصل، والمرفوع، والموقوف، والمقطوع، والمرسل، والمنقطع.
ولم يكن قصرها على هذا العدد غفلة منه ولكنه علم ما يحتاجه المبتدئ فلم يتجاوزه، ولكون من ضبط هذه الأنواع سهل عليه فهم غيرها لأن غالبها متفرع عنها. قال رحمه الله تعالى عن أرجوزته: ".. فكن بهذه الأرجوزة معتنيا مهتما، لأنها متصفة بما تقدم من تذليل مسائل هذا العلم وتهوين الطريق إليه على طالبيه، فهي وسيلة إلى نبل الطالب، كفيلة بنيل المطالب".
ولعل السب الذي جعلها غير مشتهرة بين طلاب العلم كون المترجمين للكمال الشمني لم يصرحوا بذكرها ضمن مصنفاته، وإنما اقتصروا على الإشارة إليها من بعيد، كما قال السخاوي في الضوء اللامع: ".. وطالعت شرحه للنخبة، بل عمل متنا مستقلا رأيته أيضا". والله أعلم.

تحقيق اسم الكتاب:
لست أشك في أن اسم الكتاب هو ما أثبتناه في غلافه، فقد ورد في واجهتي النسختين المعتمدتين كما نص عليه المؤلف نفسه في مقدمته حيث قال: "فإن بعض المترددين إلي، والمشتغلين في علم الحديث علي، سألني أن أشرح له أرجوزتي الموسومة ببغية الطالب الحثيث في معرفة علم الحديث..".


تحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:
مما يدل على أن الكتاب للعلامة الشمني -رحمه الله تعالى- ما ورد في واجهة النسخة –ب- من قول ناسخها: "هذا كتاب شرح العلامة سيدي محمد بن الشمني على منظومته المسماة ببغية الطالب الحثيث في معرفة علم مصطلح الحديث -نفعنا الله به وبعلومه-".
وقول الناظم:
يَقُولُ أَفَْقَرُ الوَرَى مُحَمَّدُ
اِبْنُ الشُمَنِيِّ اللهَ رَبِّي أَحْمَدُ

صريح في الدلالة على ذلك وكذا ما جاء في الشرح.


وصف النسخ المعتمدة:
النسخة الأولى:
وهي النسخة الموجودة بمكتبة مكة المكرمة، كتبت سنة 1183 هـ ضمن مجموع مكتوب باللونين: الأحمر والأسود، تقع هذه النسخة في أربع وعشرين صفحة، كتب على اللوحة الأولى منها:"هذا شرح بغية الطالب الحثيث في معرفة علم الحديث"، وكتبت كما صرح ناسخها في أواخر شهر شعبان سنة ألف ومائة وثلاثة وثمانين هجرية، رمزتُ لها في الهامش بحرف الألف.

النسخة الثانية:
وهذه النسخة كانت محفوظةً بمكتبة الأزهر وهي الآن بمكتبة جامعة هارفرد،كُتبت كسابقتها باللونين اللونين الأحمر والأسود بخط مليح واضح، وتقع في خمس عشرة صفحة كتب في أولها: "هذا كتاب شرح العلامة سيدي محمد الشمني على منظومته المسماة ببغية الطالب الحثيث...".
ورمزت لهذه النسخة في الهامش بحرف الباء.


أرجوزة
بغية الطالب الحثيث في معرفة علم الحديث
للعلامة كمال الدين الشمني

يَقُولُ أَفَْقَرُ الوَرَى مُحَمَّدُ
اِبْنُ الشُمَنِيِّ اللهَ رَبِّي أَحْمَدُ

مُصَلِّيا عَلَى حَبِيبِ رَبِّهِ
مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ

وَهَذِهِ أُرْجُوزَةٌ مُخْتَصَرَهْ
تُوضِحُ مِنْ عِلْمِ الحَدِيثِ أَكْثَرَهْ

قَدْ ذَلَّلَتْ قُطُوفَهُ تَذْلِيلا
وَسَهَّلَتْ لِلطَّالِبِ السَّبِيلاَ

فَكُنْ بِهَا مُعْتَنِيًا لِتَنْبُلاَ
وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلاَ

وَاللهَ أَسْتَعِينُ فِي المُرَادِ
وَأَسْأَلُ التَّوفِيقَ لِلسَّدَادِ

وَقَسَّمُوا مَا قَدْ أَتَى مِنَ السُّنَنْ
إِلَى صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ وَحَسَنْ

فَالخَبَرُ الصَّحِيحُ مَا قَدْ وَصَلاَ
إِسْنَادٌ مَتْنَهُ وَلَمْ يُعَلَّلاَ

وَالحَسَنُ الذِي يَكُونُ قَصُرَا
عَنِ الضَّعِيفِ دُونَ عِلَّةٍ تُرَى

وَمَنْ بِهِ احْتَجَّ فَلَيْسَ يُنْكَرُ
وَإِنْ يَكُنْ عَن الصَّحِيحِ يَقْصُرُ

وَمَا سِوَى هَذَينِ فَالسَّقِيمُ
وَلَيْسَ حُجَّةٌ بهِ تَقُومُ

وَقَدْ تَسَامَحُوا بِنَقْلِ الوَارِدِ
فِيمَا سِوَى الأَحْكَامِ وَالعَقَائِدِ

وَإِنْ لَدَى نَقْلِكَ لِلضَّعِيفِ
بِصِيغَةٍ تُشْعِرُ بِالتَّضْعِيفِ

وَهَاكَ جُمْلَةً مِنَ أنوَاعِ الخَبَرْ
وَرَسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الأَثَرْ

فَالمُسْنَدُ الذِي يَكُونُ نُقِلاَ
بِسَنَدٍ إِلى النَِّبي مُتَّصِلاَ

وَمَا يَرَى مُسْنِدُهُ قَدِ اتَّصَلْ
لِلمُنْتَهِي إِلَيْهِ فَهْوَ المُتَّصِلْ

وَالخَبَرُ المَرْفُوعُ مَا قَدْ نُسِبَا
لِلمُصْطَفَى أو رَفْعُ مَنْ قَدْ صَحِبَا

وَمَا إِلَى الصَّحَابِي قَدْ أُضِيفَا
فَهْوَ الذِي يَدْعُونَهُ المَوْقُوفَا

وَسَمِّ مُفْرَدًا مِنَ المَقَاطِعِ
مَا قَدْ أُضِيفَ مُطْلَقًا لِلتَّابِعِ

مُنْقَطِعُ الحَدِيثِ مَا يُخْتَزَلُ
قَبْلَ الوُصُولِ لِلصَّحَابِي رَجُلُ

وَمُرْسَلُ الحَدِيثِ مَا يَقولُ
التَّابِعِيُّ فَعَلَ الرَّسُولُ

٭٭٭٭٭
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين
الحمد لله ميسر من أراد فوزه إلى أحسن الأعمال، ومنيل من علق به أمله نهايات صحيح الآمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المرسل إلى جميع الأمم، وعلى آله الأطهار، وأصحابه نجوم الظلام، صلاة توصلنا أعلا المقامات في دار السلام.
أما بعد..
فإن بعض المترددين إلي والمشتغلين في علم الحديث علي سألني أن أشرح له أرجوزتي الموسومة ببغية الطالب الحثيث في معرفة علم الحديث شرحا يعينه على فهمها ويوقفه على علمها، وسطا لا أميل فيه إلى الإكثار ولا أخل فيه بالمقصود بقصد الاختصار، فاستخرت الله تعالى وأجبته إلى سؤاله ذلك راجيا ثواب الله الجزيل، مستعصما به وهو حسبي ونعم الوكيل، متضرعا إليه في الإعانة على إكماله وجعله عملا مرفوعا في مدارج القبول وتبليغ الطالبين به إلى منتهى المأمول، فإنه بالإجابة جدير، وهو على كل شئ قدير.
٭٭٭٭٭

(شرح مقدمة النظم)
1. يَقُـولُ أَفَْـقَرُ الـوَرَى مُحَمَّـدُ اِبْــنُ الشُمَـنِيِّ اللهَ رَبِّـي أَحْمَــدُ
الورى الخلق، ومحمد مفعل من مبالغة الحمد، وسمي به الناظم للتبرك به، ولما ورد في التسمية به من الفضل. فقد روي عن جعفر بن محمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله: «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد في الموقف، ألا من كان اسمه محمدا فليدخل الجنة بلا حساب لكرامة سميه»( ). وروى ابن القاسم في (سماعه) وابن وهب في (جامعه)، عن مالك: «سمعت أهل مكة يقولون ما من بيت فيه اسم محمد صلى الله عليه وسلم إلا رزقوا ورزق جيرانهم»( ).
الشمني بشين معجمة وميم مضمومتين، وبفتح الميم أيضا، ونون بعدها ياء النسب، نسبة إلى بلدة بالأندلس أخبرني عنها( ) والدي رحمه الله تعالى( ). والله لفظ عربي وهو علم على الموجد للعالم، وليس بمشتق عند الأكثرين، وجعله مفعولا مقدما ليشعر( ) باختصاصه بالحمد، ولو قيل أحمد الله لجاز، لا أنه خبر كما إذا جاء بلا تخصيص. والرب يطلق على السيد والمالك والمعبود والمصلح، وكلها لائقة في حق الله تعالى. وهو اسم فاعل حذفت ألفه، كما قيل بار وبر. وقيل مصدر وصف به للمبالغة كما وصف بالعدل، ولا يطلق إلا على الله تعالى، ويقيد بالإضافة على غيره، نحو: رب الدار. والحمد نوع من المدح، وهو الثناء باللسان على المحمود بما فيه من حسن، يقال حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة. والشكر الثناء عليه بالإحسان الصادر منه، تقول: شكرت الرجل على إحسانه إلي. ويكون بالقلب واللسان والجوارح، قال القائل:
أفادَتْكمُ النَّعْمَـاءُ مِنِّـي ثَلاثَـةً يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيْرَ المُحَجَّبَـا ( )
وقد يوضع أحدهما موضع الآخر.

2. مُصَلِّيـًا عَلَـى حَـبِيـبِ رَبِّـهِ مُـحَـمَّـدِ ِ وَآلِــهِ وَصَحْـبِــهِ
مصليا حال من فاعل أحمد، والصلاة من الله الإحسان، ومن الخلق الدعاء. وقيل هي لفظ لجميع أنواع الدعاء الصالح. والمحبة أصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ولكن هذا في حق من يصح الميل منه والانتفاع بالرفق، وهي درجة المخلوق، فأما الخالق جل جلاله فمنزه عن الإعراض، فمحبته لغيره تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه، وتهيئه( ) أسباب القرب وإضافة رحمته عليه. وقصواها كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه وينظر إليه ببصيرته فيكون كما قال في الحديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به»( ). ولا ينبغي أن يفهم من هذه إلا التجرد لله، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن غير الله، وصفاء القلب لله تعالى إخلاص الحركات لله تعالى. كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان خلقه القرآن يرضى برضاه، ويسخط بسخطه»( ). وقد جاءت( ) الأخبار بكونه صلى الله عليه وسلم حبيب الله، واختص بذلك على السنة المؤمنين.
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنى منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم. فقال بعضٌ( ): عجبا، إن الله اتخذ إبراهيم من خلقه خليلا. وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه الله تكليما. وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر: آدم اصطفاه الله( ). فخرج عليهم، فسلم( ) وقال: «سمعت كلامكم وعجبكم أن الله اتخذ إبراهيم خليلا وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا( ) وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر( )، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر»( ). والآل مشتق من أَلِه، حظي وشرف، والألف فيه منقلبة عن همزة هي بدل من هاء( ) الأهل، وآلُهُ صلى الله عليه وسلم هم أهل بيته، وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، بنو هاشم وبنو المطلب. والصحب جمع صاحب، وهو كل مسلم لقي النبي صلى الله عليه وسلم، ومات مسلما.

3. وَهَــذِهِ أُرْجُـوزَةٌ مُخْـتَصَـرَهْ تُـوضِحُ مِنْ عِـلْمِ الحَدِيثِ أَكْثَـرَهْ( )
الرجز هو أحد أبحر الشعر كالطويل والبسيط والمديد، وأجزاؤه مستفعلن ست مرات( ). والمختصر ما جرد لفظه اليسير من الكثير مبقيا على صورته التي كان عليها قبل التجريد، والإيضاح البيان، والحديث في الأصل ضد القديم، يقال: حدث يحدث حدوثا وحدثا. ومنه حديث عائشة: «لولا حدثان قومك»( ). الحديث الحسن. حادثوا القلوب بذكر الله تعالى أي أجلوها. ويطلق على المعنى القائم بالنفس، يقال: حدثت نفسي بكذا. وفي الأصح عند الإطلاق يراد به ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول وفعل، فتكون السنة( ) أعم منه. وقيل من تقريره، فتكون السنة( ) مرادفة له.

4. قَــدْ ذَلَّلَـتْ قُطُـوفَـهُ تَذْلِيـلاَ وَسَهَّـلَــتْ لِلطَّـالِـبِ السَّبِيـلاَ
أي هذه الأرجوزة جعلت أكثر مسائل هذه العلم ذُلُلاً( )، لذلك لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا، فهي ذليلة، صاحبة صفة متقاصرة، من قولهم حائط ذليل إذا كان قصيرا. وقوله وسهَّلت للطالب السبيلا، أي هذه الأرجوزة. سهلت أي يسرت وهونت على الطالب( ) هذا العلمَ السبيلَ إليه. والسبيل الطريق، يذكر ويؤنث، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿       ﴾( ). ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿    ﴾ ( ).. الآية. والله أعلم.

5. فَكُـنْ بِهَـا مُعْتَـنِيـًا لِتَـنْبُـلاَ وَإِنْ تَجِـدْ عَيْــبًا فَسُـدَّ الخَــلَلاَ
أي فكن بهذه الأرجوزة معتنيا مهتما، لأنها متصفة بما تقدم من تذليل مسائل هذا العلم وتهوين الطريق إليه على طالبيه، فهي وسيلة إلى نبل الطالب، كفيلة بنيل المطالب. ثم رغب من يقف عليها أن يسد ما اطلع عليه فيها من الخلل، فإنه من باب التعاون على الخير، وقد أمر الله به تعالى( ) فقال: ﴿    ﴾ ( ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة أخيه»( ). وهذا الشطر مضمن من ملحة الإعراب( ).


6. وَالله َ أَسْـتَعِـينُ فِــي المُـرَادِ وَأَسْــأَلُ التَّـوفِــيقَ لِلسَّــدَادِ
أي أطلب المعونة، وهي القدرة على القيام بما أردته، لأن العبد غير مستقل بإيجاد فعله، فلا يحصل له غرض إلا بمعونة( ) الله تعالى( ). والعون عند أهل العلم عبارة عن القدرة على الشئ، يقال: أعانه إذا أقدره( )، والمقدرة هي الصفة التي يتيسر بها فعل الشئ، وهي المتعلقة بوجود المعدوم، فسمي ما كان في العادة سببا للشئ، مقترنا بوجوده، وميسرا في العادة له: عونا، كالسكين للبري( )، والقلم للكتابة. وأصل أستعين أستعون على وزن أستفعل، إلا أنه اشتغلت الكسرة على حرف العلة فنقلت إلى الساكن قبلها، ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وقدم المعمول وهو لفظ الجلالة، على عامله وهو أستعين قصدا للاختصاص كما تقدم.
قوله: وأسأل التوفيق للسداد، التوفيق: لغة المساواة، يقال وفقت الشئ وفقا، ووافقته وفاقا وموافقة، ساويته في كل أحواله، من غير زيادة فيه ولا نقص. وهو ضد الخلاف والمخالفة. ووفقت الشئ توفيقا حملته على الموافقة. والأصوليون يقولون: التوفيق خلق القدرة على الطاعة( )، ولا يكون مع عدمه، وهو الأول في المعنى، فإن العبد خلق للطاعة، فإذا اتصف بها فقد وافق ما أريد منه وخلق له. ولا يكون كذلك حتى يخلق فيه معنى حاملا له عليه. والله أعلم.

٭٭٭٭٭

























أقسام الحديث
7. وَقَسَّمُـوا مَا قَـدْ أَتَـى مِنَ السُّنَـنْ إِلَـى صَحِيـحِ ِ وَسَقِيـمِ ِ وَحَسَــنْ
أهل الحديث قسموا السنن الواردة كما قال الحافظ أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى( ) على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم. وإنما انقسم الحديث إلى هذه الأقسام الثلاثة، لانقسام الرواة إلى عدل وهو راوي الصحيح، ومجروح وهو راوي المردود، ومتردد وهو( ) بينهما،لم يتبين فيه مقتضى القبول فيقبل، ولا مقتضى الرد فيرد، وهو راوي الحسن، فيقبله من لا يبتغي في العدالة أمرا زائدا على الإسلام والستر إلى أن يتبين مقتضى الرد. ويرده من لا يقتصر على الإسلام والستر في مقتضى العدالة، إلى أن يتبين مقتضى القبول. والله أعلم.
(الحديث الصحيح)
8. فَالخَبَـرُ الصَّحِيـحُ مَا قَـدْ وَصَـلاَ إِسْنَـادٌ مَتْـنَـهُ وَلَــمْ يُعَلَّــلاَ
لما ذكر أن أقسام الحديث ثلاثة، شرع يبين كل واحد منها، فبدأ بالقسم الأول وهو الصحيح، لسموه على قسيميه، وهو في اللغة ضد السقيم، والمكسور. وفي الاصطلاح ما ذكره بقوله: ما وصل إسنادٌ متنَه( )، احترز به( ) عما لم يتصل كالمنقطع والمعضل( ). قوله: ولم يعللا( )، أي: الإسناد والمتن، فالألف فيه ضمير الاثنين، وأما الألف في وصلا فهي( ) للإطلاق، احترز من شيئين: أحدهما ما يكون في إسناده علة، كأن يكون في رجال إسناد من لم تعرف عدالته ، إما بأن عرف بالضعف، أو جهل عينا أو حالا، كما سيأتي في بيان المجهول إن شاء الله تعالى. أو يكون غير ضابط، كأن يكون مغفلا كثير الخطأ وإن عرف بالصدق والعدالة. والثاني ما( ) يكون متنه معللا، إما بشذوذ( ) أو غيره والله تعالى( ) أعلم.


(الحديث الحسن)
9. وَالحَسَـنُ الـذِي يَكُـونُ قَصُـرَا عَنْ الضَّعِيـفِ دُونَ عِـلَّةِ ِ تُــرَى
لما فرغ من القسم الأول شرع في القسم الثاني، وهو الحسن، وقدمه على الضعيف لكونه محتجا به، فقوله: الحسن الذي يكون قصرا عن الصحيح، أي يكون رجال إسناده دون رجال الصحيح، فيدخل تحت ذلك قسمان: الأول الذي يكون في روايته من هو مستور لم تتحقق أهليته( )، إلا أنه يسند بمغفل كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي( ) لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفسق. الثاني ما اشتهر رواته بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح( ) في الحفظ و الإتقان. وقوله: دون علة ترى، أي لم يكن فيه علة موجودة، أخرج بذلك الضعيف.


(حكم الاحتجاج بالحديث الحسن)
10. وَمَـنْ بِهِ( ) احْتَجَّ فَلَيْـسَ يُنْكَـرُ وَإِنْ يَكُـنْ عَنْ الصَّحِيـحِ يَقْصُــرُ
أي من احتج بالحديث الحسن لا ينكر عليه من أهل الحديث، إلا من لا يفرد نوعه ويجعله مندرجا في نوع الصحيح، و( )يطلق اسم الصحيح عليه، وهو ظاهر كلام أبي عبد الله الحاكم في تصرفاته، ومن كلام أبي عيسى الترمذي، حيث سمى كتابه: الجامع الصحيح. فالحسن يحتج به وإن كان يتقاصر عن الصحيح، لأن شرطه أن يكون جميع رواته قد ثبتت عدالتهم وضبطهم وإتقانهم صريحا، و( )يطلق على الاستفاضة، وذلك غير مشروط في الحسن، والله أعلم.


(الحديث الضعيف)
11. وَمَـا سِـوَى هَــذَينِ فَالسَّقِيمُ وَلَيْــسَ حُجَّــةٌ بِـهِ تَقُــومُ
لما فرغ من قسمي الصحيح والحسن، شرع في بين القسم الثالث، وهو السقيم، فأخبر أن ما سوى الصحيح والحسن هو الضعيف، ثم أخبر أنه لا تقوم به حجة.

(حكم الاستشهاد بالحديث الضعيف)
12. وَقَـدْ تَسَـامَحُـوا بِنَقْـلِ الـوَارِدِ فِيـمَا سِـوَى الأَحْكَـامِ وَالعَقَائِـدِ
يعني أن المحدثين تسامحوا في نقل الحديث الضعيف الوارد في غير الأحكام والعقائد( )، وهو فضائل الأعمال والترغيب والترهيب والقصص ونحوها، وأما العمل به فقد نقل الشيخ محيي الدين( ) النووي اتفاق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وفيه نظر أوضحته في شرح الكفاية في علم الرواية. أما إذا كان واردا في الأحكام الشرعية من الحرام والحلال والعقائد كصفات الله تعالى، وما يجوز له وما يستحيل عليه، فلم يتسامحوا فيه. وقد نُقل ذلك عن جماعة من الأئمة، منهم: عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل. والله تعالى( ) أعلم.

(صيغة نقل الحديث الضعيف)
13. وَإِنْ لَــدَى نَقْلِـكَ لِلضَّعِيـفِ بِصِيــغَةٍِ تُشْعِــرُ بِالتَّضْعِيــفِ
أي إذا أردت نقل حديث ضعيف بغير إسناد، فأت بصيغة مشعرة بالتضعيف، نحو روي ويروى وبلغنا، ولا تورده بصيغة الجزم كقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو( ) فعل كذا، والله أعلم.

(ذكر أنواع الخـبر)
14. وَهَـاكَ جُمْـلَةً مِـنَ انْوَاعِ الخَبَرْ وَرَسْـمَ كُـلِّ وَاحِـدِ ِعَلَى الأَثَــرْ
لما كانت أنواع الحديث كثيرة ذكر منها ما لابد منه، ولا غنى لطالب هذا الشأن عنه، بقوله: وهاك، أي وخذ جملة من أنواع الخبر، ورسم كل واحد من تلك الأنواع عقب ذكره، ليحصل بذلك امتياز كل منها عن الآخر. والنوع في اصطلاح المناطقة هو الكلي المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة مختلفين بالعدد في جواب ما هو، فإن جواب السؤال عن زيد ما هو؟ هو( ) الإنسان. وكذلك عن بكر وعمرو وخالد، وجميع أفراده. فالإنسان( ) يطلق على زيد وعمرو ولا تباين بينهما في المعنى الذي يكون به كل واحد منهما إنسانا، وأما التباين بالعدد لأن زيدا إنسان وعمروا إنسان آخر، ومحل تحقيق هذا كتب المنطق. والرسم هو اللفظ الذي يميز الشئ عن غيره تمييزا غير ذاتي، وهو على قسمين: تام وناقص، فالتام الذي يذكر فيه الجنس القريب والخاصة. وذلك( ) كقولنا في رسم الإنسان مثلا: إنه حيوان كاتب ضاحك عريض الأظفار، إلى غير ذلك من الخواص، وليس من شرطه أن يأتي فيه بجميع الخواص العرضية، بل له أن يقتصر على واحد منهما ، وأما الناقص فهو الذي يذكر فيه الجنس البعيد والخاصة، أو يأتي فيه بالخاصة فقط. ويشترط في الرسم أن يكون جامعا مانعا كالحد بحيث لا يخرج منه ما هو داخل فيه، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه، وإنما يتم ذلك بذكر جميع ما يتوقف عليه، مع الاقتصار عليه، والألف واللام في قوله: الأثر خلف عن الضمير، والأصل أثره. والله أعلم.


(الحديث المسند)
15. فَالمُسْنَـدُ الـذِي يَكُـونُ نُقِـلاَ بِسَنَــدٍ إِلــى النَّـِبي مُتَّصِــلاَ
مأخوذ من السند، وهو ما ارتفع من سفح الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم فلان مسند أي معتمد، فسمي طريق المتن سندا لاعتماد النقاد في الصحة والضعف عليه. وأما في اصطلاح المحدثين فهو الذي نقل بسند متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو قول مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقوله: بسند متصل احتراز مما يكون متصلا إلى غيره كأحد من الصحابة أوالتابعين. وقد قيل في تعريفه غير هذا، وقد ذكرنا ذلك في شرح الكفاية( ).
(الحديث المتصل)
16. وَمَا يَـرَى مُسْنِـدُهُ قَـدِ اتَّصَـلْ لِلمُنْتَهِــي إِلَيْـهِ فَهْـوَ المُتَّصِــلْ
المتصل من الأخبار ما يكون إسناده ظاهر الاتصال، بسماع كل واحد من رواته عمن فوقه، إلى أن ينتهي كذلك إلى منتهاه، سواء كان المنتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة. فقولنا ما اتصل إسناده يخرج به المرسل والمنقطع والمعضل وما أشبه ذلك.
مثال المتصل المرفوع: مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مثال المتصل الموقوف: مالك عن نافع عن ابن عمر من قوله.
واعلم أن المتصل إذا أطلق يقع على المرفوع والموقوف ولا يقع على المقطوع.

(الحديث المرفوع)
17. وَالخَبَـرُ الـمَـرْفُوعُ مَا قَدْ نُسِـَبا لِلمُصْطَفَى أو رَفْـعُ مَـنْ قَـدْ صَحِـبَا
المرفوع هو ما أضيف إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم خاصة، سواء كان فعلا أو قولا. وسواء أضافه إليه صحابي أو تابعي، أو بعدهما أو لا، فلا يدخل قيه المتصل والمنقطع والمرسل ونحوه، ويخرج عنه المقطوع. وقوله: أو رفع من قد صحبا، أو هنا لتنويع الخلاف، أي وقيل في المرفوع إنه( ) ما رفعه الصحابي خاصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيخرج بتخصيصه الصحابي ما لم يذكر فيه الصحابي، مرسلا كان أو غيره، والله أعلم.

(الحديث الموقوف)
18. وَمَا إِلَـى الصَّحَـابِي قَـدْ أُضِيفَـا فَهْـوَ الـذِي يَدْعُـونَـهُ المَـوْقُوفَـا
الموقوف هو الذي أضيف إلى الصحابي قولا له أو فعلا، فيوقف( ) عليه، ولا يتجاوز به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم اتصل إسناده أو لم يتصل.
مثال الموقوف المنقطع ما رواه الحاكم في علومه عن عبد الله بن وهب، أخبرني محمد بن عمرو وهو اليافعي المصري، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال: قال جابر بن عبد الله: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك عن لمحارم، ولسانك عن الكذب، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء»( ). فإن سليمان بن موسى الأسدي لم يسمع من جابر ولم يره، وبينهما عطاء بن رباح، جاء ذلك مبينا في أحاديث كثيرة.
ومثال الموقوف المتصل ما رواه الحاكم فيه أيضا من حديث ابن سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: لواحة للبشر. قال: «تلقاهم جهنم يوم القيامة وتلفحهم لفحة فلا تترك لحما على عظم إلا وضعته على العراقيب»( ). فإن قلت هذا تفسير من الصحابة، وتفسيره من قبيل( ) المرفوع، قلت: لا يكون تفسيره من قبيل( ) المرفوع إلا إذا كان متعلقا بسبب نزول آية( ) بخبر الصحابي ونحو ذلك، كقول جابر رضي الله عنه: «كانت اليهود تقول من أتى امرأة في قبلها جاء الولد أحول. فأنزل الله تعالى: ﴿ •   •   ﴾( )»( ).

(الحديث المقطوع)
19. وَسَـمِّ مُفْـرَدُا مِـنَ المَقَاطِـعِ مَـا قَـدْ أُضِيـفَ مُطْلَقـًا لِلتَّـابِعِ( )
أي وسم بمفرد المقاطع، وهو المقطوع، ويقال في جمعه: مقاطيع أيضا، وهو ما أضيف إلى التابعي مطلقا، أي سواء كان قولا أو فعلا. قال الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب في جامعه: "وأما المقاطع وهي الموقوفات على التابعي، فيلزم كتبها والنظر فيها ليتخير من أقوالهم ولا يشذ عن مذاهبهم". وذكر حديثا من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما جاء عن الله فهو فريضة، وما جاء عن نبيكم فهو( ) كالفريضة، وما جاء عن الصحابي فهو سنة، وما جاء عن أتباعهم فهو أثر، وما جاء عمن دونهم فهو بدعة»( ).

(الحديث المرسل)
20. وَمُـرْسَـلُ الحَدِيـثِ مَـا يَقُـولُ التَّـابِعِـيُّ فَعَــلَ الــرَّسُـولُ
المرسل عند المحققين قول التابعي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا( )، ليس المراد حصره فيه( )، بل لو ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لكان مرسلا، وأطلقت التابعي ولم أقيده بالكبير لأن المشهور التسوية بين جميع التابعين في ذلك.
فائـدة: قال الحاكم أبو عبد الله: وأكثر( ) ما نرى المراسيل من أهل المدينة عن سعيد بن المسيب، ومن أهل الكوفة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول الدمشقي، ومن أهل البصرة عن الحسن بن أبي الحسن، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي. وقد يروى الحديث بعد الحديث عن غيرهم من التابعين، إلا أن الغلبة لرواياتهم.


(الحديث المنقطع)
21. مُنْـقَطِـعُ الحَدِيـثِ مَا يُخْتَـزَلُ قَبْـلَ الوُصُـولَ لِلصَّحَـابِي رَجُــلُ
المنقطع من الحديث( ) هو الذي يختزل، أي يحذف من إسناده قبل الوصول إلى الصحابي رجل. مثاله ما رويناه عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن يزيد بن يُتَيْع عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن وليتموها أبا بكر( ) فقوي أمين»( ). الحديث. هذا الإسناد صورته صورة المتصل، وهو منقطع في موضعين: لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجَنَدِيِّ عن الثوري، ولم يسمعه الثوري أيضا من أبي إسحاق، إنما سمعه عن شريك عن أبي إسحاق.
ومنه الإسناد الذي ذكر فيه بعض رواته بلفظ مبهم، نحو رجل أو شيخ، مثاله ما رويناه عن أبي العلا عن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد( ) بن أوس عن رسول الله صلى عليه وسلم في الدعاء في الصلاة: «اللهم إني أسألك الثبات( ) في الأمر»( ). الحديث.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا( ) إلى يوم( ) الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.

٭٭٭٭٭


خاتمة النسخة –أ-: تحريرا في آخر شعبان المكرم، سنة ألف ومائة وثلاثمائة وثمانين.

خاتمة النسخة –ب-: كتبه لنفس ولمن شاء من بعده: تراب الأقدام الفقير منصور هَنْدَل العـدوي المالكي، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه والمسلمين آميـن، والله أعلم
يا قارئ خطي سألتك بالذي
يحيي ويميت والعظام رميم

أن تسأل الرحمن يغفر زلتي
فإن ربي لا يزال رحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وعلى صحبه وسلم تسليما كثيرا.

















مراجع ومصادر التحقيق
1. إنباء الغمر بأنباء العمر للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط 1998 وزارة الأوقاف المصرية/ القاهرة.
2. تدريب الراوي في تقريب شرح النواوي للحافظ جلال الدين السيوطي، ط 2009 دار ابن حزم/ بيروت.
3. توشيح الديباج وحلية الابتهاج لبدر الدين القرافي، ط 2004 مكتبة الثقافة الدينية/ القاهرة.
4. الجامع الصحيح للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ط 2010 دار ابن حزم/ بيروت.
5. شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد، ط 1989 دار ابن كثير/ دمشق-بيروت.
6. الشفا بتعرف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ط 2004 مكتبة دار التراث/ القاهرة.
7. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين السخاوي، ط 1992 دار الجيل/ بيروت.
8. فضائل التسمية بأحمد ومحمد لابن بكير، ط 1990 دار الصحابة للتراث/ طنطا.
9. قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث لجمال الدين القاسمي، ط 2010 دار النفائس/ بيروت.
10. لسان العرب لابن منظور، ط 2008 دار صادر/ بيروت.
11. المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين لمحمد العروسي، ط 2009 مكتبة الرشد/ الرياض.
12. موطأ الإمام مالك برواية يحيى الليثي، ط 2004 دار صادر/ بيروت.
13. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط 2008 دار الكوثر/ القاهرة.
1. هدية العارفين في أسماء المصنفين للبغدادي، ط 2010 دار الفكر/ بيروت.
2. الوافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي، ط 2007 دار الفكر/ بيروت-دمشق.