المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصل التفريق المنهجي بين المتقدمين والمتأخرّين في الإعلال تضعيفا أو الإعتماد تصحيا


محمد أحمد عينب
03-02-17, 01:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ،نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، وبعد :
يغوص الكثيرون في بعض العلوم غوصاً جميلاً محموداً ، ولكن في لحظات معينة قد يذهل البعض عن ثمرة هذه العلوم ، وغاياتها .
والعلوم مهما تعددت وتنوعت إن لم تؤدِ إلى ثمرة وغاية ، تكون قد اقتربت من الفلسفة المجردة ، التي يُعمل فيها العقل ويُسطر فيها النتائج ولكن بدون ثمرة . بيد أن الفلسفة أو الكلام له منافع في مسألة تقعيد القواعد ، وتأصيل الأصول ، ولولا الفلسفة والكلام لما وجدنا للعلوم تصانيف في تأصيلها وتقعيدها ، واثبات التعاريف ونحوها.
ولا تبتعد العلوم الشرعية عن هذا الخط أو المنوال كثيراً ، ولكن يوجد ميزة في الشريعة أن علومها مستندة إلى الكتاب والسنة فيمكن في أي وقت الاستغناء عن كل ما تفرع عنهما والرجوع إليهما لأنهما بحد ذاته – الوحي – قائم مستقل سهل وخالٍ من دواليب الكلام ، هو – الوحي – مبدأ العلم ومستنده ثم تطور الطرح العلمي الشرعي مع دخول الكلام تدريجياً لتدخل الأصول ، والقواعد ، والتعريفات ، والتقسيمات التي لا تجد في الغالب لها أدلة نصية صريحة ولكن هي استقرائية ، أو تجميعية في غالبها ، والهدف من هذا الصنيع كان هو التسهيل على الدارس للعلم وطالبه، ليكون معه آلات تساعده على بلوغ الثمرة منه وهي معرفة مراد الله تعالى من أمر ونهي وذلك للاتباع والالتزام.
في خضم التطور العلمي يقع طالب بالعلم أحياناً فريسة الكلام ويبتعد تدريجياً عن الثمرة والغاية – طبعاً حسن الظن مُغلّب - .
ولو تتبعنا تطور العلوم الشرعية لوجدنا أنها تطورت تدريجياً ، ففي الفقه مثلاً تجد الأئمة أكثر ما ينقل عنهم الافتاء والآراء المباشرة على الحوادث بدءا ًمن الصحابة رضوان الله عليهم ، تدريجياً لنصل إلى المذاهب القائمة المستقلة بذاتها تقعيداً وتأصيلاً وتفريعاً وتوجيهاً .
وكذلك التفسير من شروح بسيطة مختصرة لآيات معينة من الصحابة والتابعين وذكر ما يعرف بأسباب النزول كتفسير للآيات إلى شروح وأقسام ومدارس تفسيرية ونظريات في التفسير .
وأما علم الحديث فنراه تدرج من تلقي الحديث إلى التدوين والنقد ثم إلى التعريفات والاصطلاح.
ولأن وريقتي هذه مقصود بها علم الحديث ، فأقول أنه بوفاة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ظهر ملمحٌ لم يكن موجوداً في حياته عليه الصلاة والسلام ، ألا وهو محاولة بعض المتلقين التمحيص في المنقول كالتحليف ، أو طلب الشاهد ، وأيضاً تخطئة بعض الصحابة لآخرين بأنهم لم يسمعوا أو أخطأوا في النقل ، طبعاً لأن المصدر وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد توفي ولا يمكن اللجوء إليه ، فكان لابد من التثبت بالطرق المتاحة ، بالمجمل كانت عمليات التثبت من صحة المنقول بسيطة وأولية نظراً لأن السلسلة الروائية لا تزال في حلقتها الأولى أو الثانية ، ثم تطور الأمر إلى ظهور علماء متخصصون في التنقيب عن الأحاديث والسنن وجمع المتناثر منها في صدور الرجال وترتيبه وتبويبه وهو ما يعرف بعصر الرواية ، الذي استمر حتى دخلنا في القرن الرابع وكان في هذه المرحلة مدار العلم هو الحديث أو النص المنقول ، وظهر النقد كممارسة لا كعلم مكتوب ومقعد .
طبعاً كان العلم يسير في اتجاهين أحدهما إحصاء وجمع كل ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع ذكر سلسلة الرواة ، والأخر ابداء الرأي النقدي للرواية ، وظهرت كتب الصحاح ، ومن أسمها فهي نقدية ن ولكن كتطبيق وليس كعلم ، " أقصد قواعد واصول واصطلاح " وكان مدار النقد على وترين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما – أقصد في التطبيق – وهو التحمل ( الرواة ) والأداء ( التمحيص في الضبط )، وهنا برزت مسألة العلل فتجد سلسلة فيها رخاوة بعض الشيء ولكن أداؤها قوي فتقوي الحكم عليها – الصحة – وتجد سلسلة متينة ولكن أداؤها فيه شيء ، كزيادات الثقات.
بعد هذه الممارسة النقدية كان لابد من التطور إلى التقعيد النقدي والتوصيف الاصطلاحي ، وهنا وقع بعض الإشكال الذي ربما تنبه له المشتغلون في الفقه – أقصد في علمهم – أكثر من بعض علماء الحديث ، ففقهاء المذاهب بنوا مصطلحاتهم واصولهم بما يخالف الإمام أحياناً ، وجعلوا ما ينقل عن الإمام – المخالف- رواية في المذهب ، أما في علم الحديث فقد وقع كثير من العلماء في فخ الاصطلاح ، فحاكموا الأئمة للمصطلحات ، وهنا نتج نتاج نقدي جديد محاط بالقواعد الاصطلاحية – رغم أهميتها للتسهيل على طالب العلم – أو ما يسمى بالظاهرية في النقد.
تجاوزت المشكلة هذا الأمر إلى تحكيم مصطلحات فقهية كالاجتهاد والاجماع والقياس أحياناً ، وظهور مفهوم الابتداع والدعوة إلى اتباع الدليل ، في عمل قائم على النقل بالدرجة الأولى ،لا الفهم ( الفقه ) ، ونتج عن هذا حصول تفريق بين ما يسمى بمنهج المتقدمين ومنهج المتأخرين ، وقد تنبه أئمة كبار لهذه المشكلة كابن تيمية وابن القيم وغيرهما .
والله الموفق،،،

د. عبد السلام أبوسمحة
05-02-17, 04:58 PM
تحليل طيب يحتاج إلى المزيد من الدراسات التطبيقية