المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مرآة النفوس في القرآن الكريم -قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه-


أمين يوسف الأحمدي
02-04-18, 12:36 AM
مرآة النفوس في القرآن الكريم
-قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه-

بقلم: أمين قادري

الحمد لله رب العالمين، الذي جعل كتابه مرآة للنفوس ومصفاة للأخلاق، وشاهدا على الأقوال والأفعال، وصلى الله على نبينا محمد أسوة الرجال، وأنموذج الكمال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن الله عز وجل أنزل الكتاب الكريم هدى للناس، ورحمة لهم وبيانا للصراط المستقيم، فكان القرآن هدى للجماعة ودستورا للأمة، ومنارا للطائفة المحمدية، لتستنير بها الأمم فتدخل في خصوص أمة الإجابة بعد دخولها في عموم أمة الدعوة. وكان القرآن كذلك هدى للإنسان فيما بينه وبين ربه، في انفراده وتميزه في خلقته ونفسيته وطبعه، ولذلك خاطب الله الناس عامة فيما يعني أمر جماعتهم وحقيقة ائتلافهم، كقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)، كما خاطب الفذ الواحد فيما بينه وبين ربه فقال تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه).

فلما كان الإنسان مدعوا إلى صلاح نفسه في ذاته ابتداء، وكان القرآن الكريم غير مفرَّط فيه شيء من أمر الديانة وصيانة النفوس، كان لكل واحد في القرآن أنموذج يرى فيه حاله، ويبصر فيه مساره، ويتبين به ما له وما عليه، ويستبق به النظر في مآله، فإن المذكورين في القرآن من أولياء الله وأعدائه، وأهل الخير وأهل الشرور صور متكررة من أحوال الناس في الدنيا من حيث الجملة، ومهما اختلفت أعيان الأحوال فإن مرجعها إلى هذه الصور الكلية.

إذا علم هذا، فالسعيد من الخلق من وقف على صورة من نفسه في كتاب ربه، فعلم بها منزلته من الواجب في حقه، والباقي مما يجب أداؤه، وعلم بها عيوبه فاستصلحها، وحسناته فحصنها، وأبواب الخير فاستفتحها، وأبواب الشر فبادر إغلاقها، ونظر في المبادئ والمآلات فتحرّى أجملها.

وقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس من بعده، لأنهم قرؤوا القرآن يفاتشون فيه قلوبهم، ويسائلون به أنفسهم عن إيمانها وعملها وأخلاقها، فكان الواحد منهم إذا قام من الصلاة فكأنما يخاطِب بالقرآن ويخاطَب به دون الناس، فلم يكن الخلق حجابا لهم دون القرآن، ولا انغمسوا في سواد الناس لئلا يدركهم الأمر والنهي وتبلغهم المواعظ والزواجر، فكأني بأحدهم إذا قرأ القرآن فبلغ الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب، محي عنه كل حي سوى نفسه، حتى كأن ذلك الأمر لم يُرَد به غيره، فلم تكن له بعد ذلك حجة في ترك مأمور ولا أخذ محظور.

وإن مما جاء في السير صورة من هذا الذي ذكرناه عجيبة غريبة لمن تدبّرها ووقف عند أصولها وفصولها ومباديها وحواشيها، هي قصة إسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهي القصة المشهورة في الكتب على ما في إسنادها من ضعف، وعلى اختلاف العلماء في تقديم بعض الروايات على بعض، وهي على كل حال من بلاغات ابن إسحاق، إلا أن فيها ملمحا نحب الوقوف عليه لما فيه من المعنى الذي له عقدنا الكلام.

فقد جاء في سيرة ابن هشام: "قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ بَعْلُهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُمَا مُسْتَخْفِيَانِ بِإِسْلَامِهِمَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَانَ أَيْضًا يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِ فَرَقًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يَخْتَلِفُ إلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخَطَّابِ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ ذُكِرُوا لَهُ أَنَّهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمُّهُ حَمْزَةُ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مِمَّنْ كَانَ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَخْرَجْ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا هَذَا الصَّابِئَ، الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفَّهُ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبَّ آلِهَتَهَا، فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ: وَاَللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ مِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ، أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا! أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟ قَالَ: وَأَيُّ أَهْلِ بَيْتِي؟ قَالَ: خَتَنُكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُخْتُكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَسْلَمَا، وَتَابَعَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، فَعَلَيْكَ بِهِمَا، قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ، وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ، فِيهَا: (طَه) يُقْرِئُهُمَا إيَّاهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ، تَغَيَّبْ خَبَّابٌ فِي مِخْدَعٍ لَهُمْ، أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا، وَقد سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبَّابٍ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُ؟ قَالَا لَهُ: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا، قَالَ: بَلَى وَاَللَّهِ، لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ لَتَكُفَّهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا باللَّه وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاِرْعَوى، وَقَالَ لِأُخْتِهِ: أَعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا، قَالَ: لَا تَخَافِي، وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدَّنَّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إنَّكَ نَجِسٌ، عَلَى شِرْكِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهَا إلَّا الطَّاهِرُ، فَقَامَ عُمَرُ فَاغْتَسَلَ، فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ، وَفِيهَا: (طَه). فَقَرَأَهَا، فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبَّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيَّهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمّ أَيِّدْ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، فاللَّه اللَّهَ يَا عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ: فَدُلَّنِي يَا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ خَبَّابٌ: هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ، قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فَزِعٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ، وَنَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ حُجْزَتَهُ، أَوْ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ، ثُمَّ جَبَذَهُ بِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا بن الخطّاب؟ فو الله مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ قَارِعَةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ لِأُومِنَ باللَّه وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ. فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَانِهِمْ، وَقَدْ عَزُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ مَعَ إسْلَامِ حَمْزَةَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَنْتَصِفُونَ بِهِمَا مِنْ عَدُوِّهِمْ. فَهَذَا حَدِيثُ الرُّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ أَسْلَمَ"(1).

وبيان المعنى الذي نقصد إليه لا يتم إلا بقراءة الصدر من سورة طه الذي قرأه عمر رضي الله عنه فشرح الله به صدره للإسلام، وهو قوله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) ﴾

إن هذا الصدر الأول من سورة طه لكأنما نزل في إسلام عمر، بل لكأنما نزل لإسلامه، فإن فيه من صنوف الخطاب ومقاصده ما به تلين نفس مثل عمر رضي الله عنه، بل فيه من الإشارات الخفية والأسرار العلية ما تتلمسه في سياق القصة على نحو في الغاية من المشابهة، فرضي الله عنه ورفع درجته ورزقنا صحبته في الجنان بجوار النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.

وإن مما يقتضي التنبيه قبل الشروع في المقصود لفت نظر القارئ إلى معاني المشابهة بين النبي الكريم والرسول الكليم موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيما جاء من صريح السنن أو ظاهر مستنبطاتها، فمن ذلك معنيان شريفان نقتصر عليهما:

أحدهما: ما جاء من شدته في الحق يوم بدر، حتى شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم به، فجاء في حديث ابن مسعود: "وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ مُوسَى قَالَ: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ)، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ قَالَ: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)"(2).

والثاني: ما استنبطه العلماء من الجرأة في الحق والحمية للدين والقرب من المولى سبحانه، حتى يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره ثقة بصدق النية، قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: (قال رب أرني أنظر إليك)، وقال: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا). وقال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "فعلام نعطي الدنية في ديننا؟"(3).
وهذا أوان الشروع في مقصود الكلام الأول فأقول مستعينا بالله:

01-خطاب التهدئة:
ورد في الخبر الآنف الذكر أن عمر انطلق ابتداء يريد الشر والأذية برسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرفه عنه نعيم بن عبد الله النحام شفقة أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أذى، بأن ذكر له إسلام أخته وزوجها، وفي ظنه أنه لا يبلغهما أذاه للدم والصهر، فتضاعف غضب عمر وهاج به الشر، فأقبل على أخته وزوجها كأشد ما يكون عليه الرجل من الغضب، ثم زاده هياجا أنهما أخفيا عنه الأمر ابتداء ثم أبدياه له جهارا غير مباليين، فلم يسكّنه ابتداء إلا رؤية الدم في وجه أخته، ثم لما أراد النظر في الصحيفة دعته أخته إلى الاغتسال، ومعلوم ما في الاغتسال من فوائد الابتراد ودفع الهياج الزائد، فلما قرأ صدر السورة صادف أهدأ خطاب وأسكنه للنفوس. فأول ذلك الحروف المقطعة: (طه) فإنها سر من أسرار القرآن، تجعل القارئ يستوقف فكره، ويستغرب ما يسمع، فيصرفه الاستغراب عما كان فيه من حال أو فكرة. فكان في استفتاح القراءة بذلك ما يكفل ابتداء صرف انتباهه عما كان بسبيله من الغضب وإرادة الشر بأهل بيته، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك.

ثم صادف عمر رضي الله عنه آيتين عجيبتين: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . إلا تذكرة لمن يخشى)، وهما آيتان تحملانه على النظر في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم غير النظرة التي ورثها عن قريش كرها وعن غير روية منه ولا تدبّر ولا فكر، والتي لخّصها في قوله: "أُرِيدُ مُحَمَّدًا هَذَا الصَّابِئَ، الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفَّهُ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبَّ آلِهَتَهَا، فَأَقْتُلَهُ"، فقد كان بادئ أمر نظره إلى الإسلام ونبيه أنه موجب شقاء للجماعة وتفريق لها وهدم لدينها وإضعاف لموجبات قوتها، فبين له خطاب القرآن أن الذكر ما أُنزل لهذا الذي يشاع على الألسنة وتتلقفه المجالس في عمل إعلامي فاجر كاذب، وإنما أنزل القرآن تذكرة حقيقية نافعة مؤسسة لمن يخشى، فمن كان يخشى حقيقة فساد الحال وفرقة الجماعة وتعطل المصالح، فلينظر في هذا الذي يدعو إليه القرآن، فإنه يدعو إلى الاجتماع القائم على الحق والصدق، لا المرموم على الفساد، كما كان اجتماع العرب في جاهليتهم، تجمعهم العصبية وتفرقهم العصبية، فما هو إلا أن يراق دم واحد حتى يضرب بعضهم أعناق ويقتتلوا آخرا على ما كانوا له يتحالفون أولا.

إن السمو الديني والخلقي والعقلي وكل مؤهلات الخلافة الراشدة التي أظهرها عمر رضي الله عنه في حياته كانت أصولها كامنة فيه قبل الإسلام تحت آصار الشرك والجاهلية، حتى كأنها لم تكن، وجاء خطاب القرآن ليذكّره بها، وينفض عن فطرته السوية وعن مميزاته الكبيرة طباق التقليد والتراتب القبَلي الجاهلي، ليرفعه على مدارج الديانة إلى مرتبة الخيرية العامة والخاصة في هذه الأمة، وظلت التذكرة حاضرة باستمرار في حياته رضي الله عنه، يصلح بها نفسه كلما راودته على منقصة، بل ربما تذكّر وذكّر، غير آنف مما يقوله الناس إذا سمعوه، إذ قد علم أن في ذلك صلاح نفسه من مزلات النسيان.

إن هذا الخطاب الأول لهو بحق خطاب يهدئ النفس إذ ينفي عنها أسباب الغضب الذي يثيره الخوف من الشقاء الدائم الملازم، وأن هذا الخوف من الشقاء يدعو إلى الإقبال على القرآن وتدبره، لا الإعراض عنه ومحاربته من غير نظر فيما يدعو إليه ويقترحه من دواء لأدواء الناس.

02-الأفق الموسع:
يقول الله عز وجل: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، وهو سبحانه قد سبق في علمه وإرادته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مهيأ لأمر عظيم، لا يصلح معه ضيق الأفق وقصور النظر وانغلاق الفكر على قبيلة من الناس في وسط الصحراء. إن العظماء من البشر ينفتحون بالتدبر على الآفاق، بل على السماوات والأرض، ولا تتعلق أفئدتهم بالأنظمة الصغرى التي تسير بها شؤون فئام من الناس، إن القرآن الكريم يدعو عمر إلى أن يتبين حقيقة عظيمة هي أن العالم أوسع من مكة، وأن الناس أكثر من قريش، وأن ما هو مدعو إليه من الاضطلاع بأمر الإسلام عاملا وداعيا وحاكما فيما يدّخر له أعظم من أن يحتمله عقل يعيش في أَسْر القبيلة وسادتها. إنه يتلقى (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى . الرحمن على العرش استوى . له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى). إن هذا أوان انقطاع عمر عن الخلق واتصاله بالخالق، فمدبر الكون أولى بالترضي والرغبة من مدبري نادي قريش، وهو سبحانه الرحمن المستوي على العرش، المتصف سبحانه بصفات الرحمة مع الاقتدار، والملك مع العلم، والإحاطة مع اللطف، جل شانه، وعظم سلطانه، ولا إله إلا هو.

إن كمال الملك في الحكم الذي لله سبحانه، وقد كان عمر رضي الله عنه في جاهليته وإسلامه لما طبع عليه من انتظام الفكر مولعا بإحكام التدبير واتساق الأحوال، فنبهه خطاب القرآن إلى الإحكام الأكبر في نظام الخليقة، ووسع أفقه ليدرك هذا النظام، ويقف أمامه متعلما متدبرا معاينا لآيات الربوبية مترقيا في معالم تحقيق العبودية.

إن من أسرار بلاغة صدر سورة طه إفراد الخطاب فيها، فإن مضمون هذا الخطاب معنيّ به كل امرئ في ذات نفسه، فيما بينه وبين مولاه، إذ به يحقق توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فكل واحد منا يحتاج أن يتلقى هذا الخطاب ويعقله ويعيه باعتباره متلقيا مفردا، مخاطبا في إفراده بمعاني الخطاب، غير معلّق التلقي والقبول بوجود غيره ولا بقبوله. وكأني بعمر رضي الله عنه قرأ هذه الآيات بهذا المعنى، وهو ما جرّده وقطعه عن كل ما كان يمكن أن يحول بينه وبين القبول والإذعان، على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.

03-خطاب الغيب للسريرة:
لقد كان إسلام عمر رضي الله عنه نصرا للإسلام والمسلمين، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر"(4). وكان من العزة بإسلام عمر إظهار الدعوة والجهر بالصلاة عند البيت ومجاهرة المشركين بأفعال الشريعة.

وقد كان في عمر رضي الله عنه من شجاعة القلب ورباطة الجأش والأنفة والمجاهرة ما يفرق بينه وبين ضعفة المسلمين في الميزة التي ترفعه، وفي الخطر الذي يداهمه، فلئن كان الضعيف يُخشى عليه أن يحمله الخوف على الإسرار، فإن القوي يُخشى عليه خلاف ذلك، وهو أن يجاهر لمعنى المجاهرة، فيغلب عليه في مجاهرته -وهي لا بد حاصلة- ضعف العناية بباطنه، فيكون ذلك من أسباب الرياء، وهذا معنى لطيف يفهم به المرء موجب ذكر الله تعالى للجهر في قوله: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)، فإن السامع إذا رأى ذكر الله علمه السر وأخفى توقع ذكر الإسرار فيقع العلم من الله موقع التحذير، ولكن الله تعالى ذكر ههنا الجهر، وذلك أن الجاهر قد يجهر صادقا، وقد يجهر منافقا، وقد يجهر حمية وأنفة، كما أسلم حمزة رضي الله عنه أنفة لابن أخيه أولا، ثم حسن إسلامه، وعمر رضي الله عنه من طينة حمزة، رجال أشداء أقوياء على الغاية من شجاعة القلب والمنعة، فهؤلاء يؤمَن جهرهم، ويحتاجون إلى أن يصلحوا كل حين سريرتهم وخفيّ أمرهم، لئلا يؤول أمر جهرهم إلى الرياء، وحاشاهم رضي الله عنهم، فإنهم قد تأدبوا بأدب القرآن، فكانت ظواهرهم لبواطنهم كسبيكة الذهب صفاء وانسجاما.

وإن في هذا الخطاب ملمحا آخر من سيرة عمر رضي الله عنه، فإنه لرجاحة عقله وحسن تمييزه، كان قلبه فيما بينه وبين نفسه ينكر من أمر الجاهلية ما ينكر لولا أنه كان لا يزال في قيد التقليد مأسورا، وبالإرث القلبي مثقلا، فربما جهر في جاهليته بنصرة دين الآباء، وهو في قرارته منكر له، غير مطمئن إليه، فأثار الوحي هذا الكامن في نفسه، منبها له إلى أنه لا يجمل به أن يجهر بما لا تطمئن له نفسه ولا يركن إلى التصديق به عقله.
إن صدر سورة طه حوَّل حال عمر رضي الله عنه، وأخرجه من مصلحة القبيلة الموهومة إلى مصلحة نفسه القائمة المستعجلة، لقد خاطب فيه الوحي ما لا يصل إليه فكر مفكّر، فمن المخَاطِب له؟ إنه واجب العبادة، واجب التوحيد: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى). لقد لقي عمر ربه في الدنيا قبل أن يلقاه يوم القيامة، متعرفا إليه بأسماء وصفاته، وكمال ربوبيته وإحاطة علمه، ولم يبق بينه وبين الإسلام إلا خطوة، إنه ضمان الطريق والأسوة فيه، وعن قريب يأتيه الفرج في أكناف الخبر الموسوي.

04-خطاب القصص:
القصص أحد مقاصد القرآن العظيمة، وقد جاء منه في الكتاب الكريم قدر كبير من أوائله وأواخره وأوساطه، مسهبا تارة وموجزا تارة ومقصودا تارة وعارضا تارة، وفي هذا الافتنان في عرضه ما ينوه بشرفه وجلالة قصده. وللقصص في القرآن مقاصد كثيرة ليس هذا موضع بسطها، إلا أن منها مقصدا صرح به القرآن في قوله تعالى: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك)، فتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وكل مؤمن بعده قارئ للقرآن مبعثه من أن كل سالك سبيل الدين الحق يعلم أن هذا السبيل مسلوك من قبله، وأن مآلات سالكيه كانت على النهاية من الحسن والسعادة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن هذا من معاني تفصيل المجمل في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم) وهو أن الله سبحانه لما ذكر للمؤمنين صراطه، وقع في قلوبهم وحشة المتفرد في سلوك السبل، فأخبرهم سبحانه أنه سبيل لاحب، وأنه قد وطّأته أقدام الصالحين الأولين من الأنبياء وأتباعهم من كل الأمم، فكان ذلك أثبت لقلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وعمر رضي الله عنه وهو مقبل على الإسلام أحوج ما يكون إلى الاستثبات من هذا المسلك، فبادره خطاب الوحي بقصة يُثبِّت بها قلبه، ويسليه بها عن مخافته. والقصص كما هو معلوم عند أهل الأدب من أبلغ أجناس الخطاب تأثيرا في النفوس، ذلك أنه يخرج المرء من الزمان والمكان، فيخف لسماعه لاستشعاره الانطلاق من إسار الجسد، فيجد في قلبه هِزّة وميلا إلى اتباع السرد.

وإن قصص القرآن لتنوعه وتنوع أساليبه يجد فيه كل قارئ صورة من نفسه وحياته إن هو أحسن القراءة والكشف، وأما عمر رضي الله عنه، فإنه لما أراد الله به الخير العظيم قدَّر أن يلقى أنموذجه في أول ما يسمع من كتاب الله تعالى، وهو قصة النبي الكليم موسى عليه السلام، في سياقها الذي في سورة طه، وهو لمن تدبر سياقٌ خَصَّ بالتفصيل سَوْقَ موسى عليه السلام إلى مقام الرسالة والتلقي عن المولى سبحانه.

لقد وجد عمر رضي الله عنه في هذا السياق من الخبر الموسوي نفسه وحاله، ووجد تفسير الأسباب التي ساقه بها لطف التقدير إلى هذا الموضع ليقرأ هذه الآيات الكريمات اللاتي سيكنّ سببا في كشف الغطاء عن بصيرته لتمتد إلى آفاق السماوات والأرض.

*المجيء على قدر:
مَن وضعَ نعيم بن عبد الله النحام على طريق عمر؟ ومن ألهم نعيما أن يسمّي لعمر أخته وزوجها؟ إنه الواحد الأحد عالم الغيب والشهادة، الذي ينصب المنارات لعباده ليقودهم إلى حيث يشاء ولما يشاء. لا يدري عمر رضي الله عنه ما موجبات وجوده في بيت أخته إلى أن يقرأ قوله تعالى: (ثم جئت على قدر يا موسى . واصطنعتك لنفسي)، وينظر عمر في حاله وهو فيمن ينتسب إليهم من بني عدي: الأقلين عددا والأضعفين مددا، فيمده الله بأسباب العزة والمنعة من خؤولته في بني مخزوم، فيجد ذلك وهو يقرأ: (أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدوّ لي وعدوّ له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)، وسيجعل الله من هؤلاء الذين سُخِّروا لمنعته من يكون أعدى أعدائه لعداوته محمدا صلى الله عليه وسلم.

*أنت تريد والله يفعل ما يريد:
خرج عمر رضي الله عنه يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فساقه الله إلى الإسلام، يقرأ عمر رضي الله عنه ذلك في قوله تعالى: (إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى . فلما أتاها نودي يا موسى . إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى). ورب قاصد أمرا والله مريد له ما هو خير. وإن من عجائب الموافقات بين الخبر الموسوي والخبر العمري، أن موسى عليه السلام انطلق يقتبس سببا للنجاة الأرضية فأعطاه الله أسباب النجاة السماوية، وكذلك عمر رضي الله عنه خرج يظن بفعلته صلاح حال قومه وحسم مادة الشر والنزاع والخلاف والتفرق عنهم، فهداه الله لما أراده به من حسن العاقبة إلى ما فيه صلاح العاجل والآجل على الطريقة المرضية، فشرح قلبه للإسلام الذي به عز قومه في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

*تجريد القلب من إرادة السوء:
يخرج عمر رضي الله عنه، وعينه حمراء من إرادة الشر بمن يريد به الخير، سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون من أمره ما يكون حتى يقرأ قوله تعالى: (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى)، وليس الوادي المقدس ولا الطور في قلب عمر بمنزلة مكة البلد الحرام، الذي نشأ على تعظيمه، وتعظيم البيت الذي فيه، وكبر وعينه ترى القاتل يستعيذ بالبيت فيحترم بحرمته، فيلاقيه موتوره فلا يهيجه تعظيما لمقام الكعبة والبلد الحرام، ثم يرجع فيرى مقتضى تعظيم الوادي المقدس في الخبر الموسوي بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام بخلع نعليه إعظاما للمحل الأقدس الذي نزله، فكيف ينتهك عمر حرمة مكان هو أعظم منه في نفسه وفي الحقيقة بأن يسفك فيه دما محرّما لم صاحبه يأت مما يسوء قريشا إلا ما قاله أبو بكر وهو يدفع بيديه في نحورهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! إن هذه المقايسة كفيلة بأن تذهب عن قلب عمر كل سوء، وأن تملأه تعظيما وخشوعا وقياما بحق البلد الذي شرفه الله بسكناه.

*عجيبة: وأنا اخترتك:
علامة الاختيار أن يفردك الله في الحس تمهيدا لإفرادك بمعنى الاصطفاء، فيأتي بك إلى موضع يرضاه لك، كما أفرد نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بحراء ليلقي إليه الروح من أمره، وكما أفرد نبيه إبراهيم عليه السلام بمفارقة قومه تمهيدا للبركة عليه وعلى ذريته، وكما أفرد نبيه موسى عليه السلام تمهيدا لتكليمه في بقعة زكية مقدسة من بقاع الأرض. وأخبره تعالى أنه اختاره لما خلقه عليه وأودعه فيه من موجبات قبول الكتاب والحكمة والنبوة.

وهذا عمر رضي الله عنه، رضيه الله لصحبة خير أنبيائه ورسله وإعزاز دينه، فاستجاب فيه دعوة نبيه في قوله: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطاب"، وقد كان هذا الكلام يطرق سمع عمر، فلا يفهم معناه، فقل لي بربك كيف يكون حاله وهو يقرأ قول الله تعالى لموسى: (وأنا اخترتك)، فيرى في نفسه معنى الاختيار الذي ذكره رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكيف لا ينشرح قلبه للإسلام، ويخضع لمولاه الذي أكرمه في أول الإسلام بمعنى الاختيار في إجابة دعاء النبي المختار؟

*فاستمع لما يوحي:
قال تعالى في شأن كفار قريش: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، فأنبأهم تعالى أنهم إن صرفوا الناس عن سمعه فتح له أسماع من لا يجري على خواطرهم، فقال سبحانه: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا)، وأنه سبحانه إذا أراد أن يسمع عباده ساقهم إلى القرآن ولم يسقه إليهم، فساق عمر رضي الله عنه إلى بيت أخته ليقرأ القرآن ويسمعه، من غير أن يلغوَ فيه بين يديه أبو لهب ولا أمية بن خلف ولا أبي بن خلف، فكأن عمر رضي الله عنه، قرأ الآية فألقى إليها كأنه هو المخاطب بها، وكان في استماعه خير له، ولم يحل بينه وبين قبوله وقد سمعه وأنصت إليه شيء، فكان حكمه فيه خلوا من أسباب الخلل فقال: "مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ!". وكم من إنسان إذا ترك وعقله، ثم ألقي عليه الذكر وجد له في نفسه قبولا وميلا، وهذا والله منهج في دعوة أهل الجاه والسلطان والمنزلة، الذين ربما صدهم العوام والأتباع والأمثال عن قبول الحق.

*خطاب الذات:
يرجع عمر إلى سياق القصة فيجد فيه خطابا من المولى جل في علاه يتعرّف فيه لعبده، ويبين له الواجب عليه في حق إلهه، ويفتح على الحقائق الغيبية بصيرته، ويحذره الصوارف عن الحق، فيقرأ: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري . إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى). إن نفسا أبية آنفة عزيزة ناشئة في أوساط الحمس الذين لم يدينوا لملك مثل نفس عمر بن الخطاب، لا تذعن إلا تحت خطاب بهذه الجلالة والجزالة والعظمة، لأنه خطاب من رب السماوات سبحانه.

والله تعالى يخاطب العبد خطاب السيد المالك سبحانه، فيأمر وينهى ويعد ويوعد، والعبد يتلقى ويعي ويذعن ويأتمر وينتهي ويخاف ويرجو ويرغب ويرهب، وكذا كان قلب عمر رضي الله عنه، يعتمل بأعمال العبادة القلبية في لحظة واحدة فتنكسر حدته وقد لقي مولاه وعرفه، فأوى إليه بالرهبة، وأنس إليه بالمحبة، إن وضع بصره فبالخشوع، وإن رفعه فبالشوق، فسبحان من يحيي ويميت ويهدي ويضل.

وإن مما فهمه عمر رضي الله عنه من هذا الخطاب أنه لا يغني عنه يوم القيامة غير عمله، وأن معنى الجماعة خيرٌ ما لم يحل بين المرء ودينه، فإن اجتمعت الجماعة على الباطل كان الحق في فراقها، وكان الصواب في مباعدتها ودعوتها، فالمجتمعون على الباطل إذا أخذتهم رجفة الحق تبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: (إذ تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب)، وقال سبحانه: (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)، فأولى بالمرء أن يفيء إلى من يجمعهم يوم القيامة الولاء على الحق والخير والتقوى، قال تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين).

يقرأ عمر رضي الله عنه آخر آية من آيات الخطاب التوجيهي العام، (فلا يصدّنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى)، فترتفع بين عينيه صورة كريهة، صورة شيطان من شياطين الإنس، ذلك أن كل من قرأ وصفا عاما أجال فكره في أقرب الناس إليه يبحث له عن مطابق، فأما عمر فوجد المعنى في أقرب الناس إليه دما وصحبة وحمية، إنه خاله: أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي رأس أعداء الله ورسولِه بمكة، وصاحب لواء الكفر والأذية للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم. لا يذكر عمر موقفا من مواقف الصدام بين الإسلام والوثنية في السنوات الست الأولى من البعثة، إلا وجد أبا جهل سباقا إلى الكفر سباقا إلى الفحش سباقا إلى البذاءة سباقا إلى الأذى، سباقا إلى سفك الدماء والاعتداء على الحرمات، وتدنيس المقدسات، وعمر من خلفه، يعرف بفعله وينكر بقلبه، ولا يجد نفسه تميل إلى فعل خاله ورأيه ومذهبه في البطش والشدة والفحش، كما لا يجد في فعل خاله معنى من معاني الصلاح ولا الاستصلاح، وإنما هو بذيء مع العدو والصديق، بطاش بالبعيد والقريب، لا رأي إلا رأيه، ولا خيرة إلا خيرته، ولا أحد يتقدمه بمشورة ولا نظر ولا صلاح، فإن كُوثر على رأيه هاج كالثور، معجب برأيه، متعبّد لفرديّته، وصفه القرآن أصدق وصف: (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى . أرأيت إن كان على الهدى . أو أمر بالتقوى . أرأيت إن كذّب وتولى . ألم يعلم بأن الله يرى). لقد نهي عمر أن يتبع من يصدّه عن الساعة والإيمان بها، وعن الصلاة والتذكر بأحوالها، فوجد كل هذه الخصال الفاسدة المفسدة في أبي جهل ابن هشام، فبادأه بالعداوة أولا إذ علم أنه أصل الشر الذي كان فيه وموجب دوامه إلى أن من الله عليه بالتوبة.

خلاصة القول: هذا قلب عمر
لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عظيما بين عظماء، لأمر أراده الله أولا فركز في فطرته وطباعه وعقله مؤهلات العظمة والنجابة والقيادة، وإن من أعظمها، أن عمر كان يقرأ القرآن يبحث فيه عن صلاح نفسه. لقد علم عمر أن صدر سورة طه خطاب بالأصالة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن خطاب الخبر الموسوي موجه بالأولية إلى موسى عليه السلام، إلا أنه علم أن القرآن خطاب الخالق للمخلوق المكلف، فله فيه من كل موعظة نصيب، ومن كل تكليف حصّة، ومن كل خطة موقع.

لقد تلقى عمر القرآن بقلب مستعد لحمل المعرفة، فنفعه الله ما حمل، ورفعه بما عمل، ونهج لنا رضي الله عنه بذلك سنة من سنن القرآن الكريم، وهي أن يبحث كل منا عن نفسه في أوامر القرآن ونواهيه، ومواعظه وزاوجره، وأحكامه وقصصه. قد تجد نفسك مخاطبا بآية، أو بسورة، أو بمشهد، أو بأمر، أو بنهي، فيكون ذلك الموضع مبدأ صلتك بالقرآن كله، ومنارك الذي إليه ترجع إذا عصفت بك رياح الفتن.

أسأل المولى الكريم رب العرش العظيم أن يمن علينا بحياة القلوب ونقاء النفوس، وأن يرزقنا البصيرة في كتابه، والهدى في منهاجه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وألا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يهب سيئاتنا لحسناتنا، فإن لم يكن لنا حسنات فنسأله أن يهب سوء عملنا لفضله الواسع الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله وصحبه أجمعين.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
(1)السيرة النبوية، ابن هشام، (1/343).

(2)أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(36690) عن ابن مسعود، وهو منقطع، فإن أبا عبيدة بن عبد الله وهو الراوي عنه لم يسمع من أبيه.

(3)متفق عليه.

(4)أخرجه البخاري.

رياض العاني
02-04-18, 05:00 AM
جزاك الله خيرا

أمين يوسف الأحمدي
02-04-18, 12:35 PM
آمين وإياك..