المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طليعة رفع الملام عن شيخ الإسلام في مسألة: توقف تفسير القرآن على أقوال السلف بقلم محمد محب الدين أبو زيد


أحمد الحساينة السلفي
13-11-18, 09:31 AM
طليعة
رفع الملام عن شيخ الإسلام
في مسألة: توقف تفسير القرآن على أقوال السلف



بقلم
محمد محب الدين أبو زيد


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطليعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد اطلعتُ على بحثٍ نشره مركز تفسير للدراسات القرآنية، عنوانه: «القول بتوقف تفسير القرآن على أقوال السلف، دراسة في استدلالات ابن تيمية من خلال كتابه جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» كتبه أحد إخواننا الباحثين الفضلاء.
رأيتُ الباحث الفاضل قد تعرَّض بالنقد لشيخ الإسلام في عدة مسائل مرتبطة بتوقف تفسير القرآن على أقوال السلف، فأردتُ أن أُبدي وجهة نظري في هذه المسائل، وشجَّعني على ذلك أني علمت أن الباحث الفاضل يُرحب بالنقد مع الالتزام بالعلم والأدب.
فقرأتُ البحث كله قراءة متأنية، ودوَّنت ما فيه من ملاحظات، وجمعتُ مادة النقد من كتب أهل العلم السابقين، وانتهيتُ من تحرير مسألتين من هذه المسائل، وبقيت عدة مسائل داهمني الوقت فلم أفرغ لتحريرها؛ ذلك لانشغالي بأمورٍ كنت قد التزمت بها مع آخرين في مواعيد محددة، فأرجأت تحرير بقية المسائل إلى حين تفرغي في وقت قريب إن شاء الله، ورأيتُ أن أنشر ما انتهيتُ منه طليعةً للنقد الموسَّع يسر الله إتمامه.
أما المسألتان اللتان بحثتهما في هذه الورقات فهما:
1- تحرير مذهب شيخ الإسلام في قضية توقف التفسير على أقوال السلف وبيان خطأ الباحث في فهم كلامه.
2- المعتزلة ومركزية اللغة.
ورأيت أن أذكر في هذه المقدمة أوجه النظر في البحث، بادئًا بذكر مميزات البحث.
أولًا: مميزات البحث:
1- جودة ترتيب البحث وتقسيمه وتنظيمه.
2- سلامة لغته، وحُسن سبكه ونظمه.
3- الاهتمام بإخراج البحث بصورة فنية جيدة.
ثانيًا: أوجه النظر في البحث:
1- فهمُه كلام شيخ الإسلام فهمًا خطأ، ثم ردُّه عليه بخطأ آخر، ووصفُه شيخ الإسلام بما هو بريء منه، فهو عند الباحث: مخالف لجماهير المفسرين والفقهاء والأصوليين، قد نصب الخلاف بين طريق السلف وطريق اللغة، وأنه أضعف من قيمة اللغة، وأظهرها بمظهر ضعيف، وأنه فتح بذلك بابًا يَلِج منه الملاحدة وأصحاب الملل الباطلة للطعن في القرآن نفسِه ... إلى آخر هذه التهم الباطلة الجائرة التي لا يرضى الباحث نفسُه أن يصفه أحد بها، فكيف يصف بها إمامًا كبيرًا من أئمة المسلمين، قد شهد له مخالفوه قبل موافقيه بالعلم والإمامة والديانة؟!
وهذا من الظلم البيِّن لشيخ الإسلام، بسبب سوء فهم الباحث لكلامه، فإلى الله المشتكى.
2- اقتطاعه من كلام أهل العلم ما ظاهره حجة له، وتركه بقية كلامهم الذي يوضِّح مراد أهل العلم المخالف لما توصل إليه الباحث، وهذا موجود في نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الشاطبي والحافظ العلائي وغيرهم.
3- عدم مراجعته كتبًا مهمة في هذا البحث مثل كتاب «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» للإمام ابن القيم؛ فقد نقل كلام شيخه في «جواب الاعتراضات المصرية» كاملًا بما فهمه منه وزاد عليه، وهو مهم جدًّا في فهم كلام شيخ الإسلام.
ومثل كتاب الشيخ محمد أبي زهرة «ابن تيمية حياته وعصره - آراؤه وفقهه» فقد ذكر رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة وفهمها فهمًا صحيحًا، وأعاذ شيخ الإسلام مما وصمه به الباحث.
فكان عليه أن يطالع هذين الكتابين، ويشير إليهما، وإن لم يوافقهما.
4- اعتماده في الاستدلال على بعض أئمة المعتزلة، وإشادته بهم، واعتذاره عنهم، وتبنِّيه بعض أفكارهم، مخالفًا في ذلك كلِّه أهل الحديث والأشاعرة معًا.
5- تبنِّيه بعض الأفكار المخالفة لجماهير المفسرين، مثل زعمه أن المفسر الممتلك ناصية اللغة لا يلزمه الرجوع إلى السلف، مع افتخاره بأن أول من قرَّر هذه الرؤية ونظَّر لها هو القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره، ونقل عبارته الفجة المناقضة لصريح القرآن: «فصل في أن مراد الله تعالى بالقرآن لا يختص بمعرفة الرسول ولا السلف».
هكذا نقلها مرتين بإطلاقها دون تعقيب! وإن كان الباحث قد رضي أن يكون سلفه الصالح في هذه المسألة هو القاضي عبد الجبار المعتزلي، فإنا -والله- لا نرضى له ذلك.
وسأبين في النقد الكامل إن شاء الله بطلان هذا الزعم، وأن جماهير المفسرين بل وأئمة اللغة يردون أقوالًا كثيرة في تفسير الآيات؛ لأنها لم ترد عن السلف وإن كانت صحيحة في اللغة، فصبر جميل.
6- اقتصاره على البعد الاستدلالي، وعدم تتبعه التطبيقاتِ العملية، وزعمه: «أن ذِكر الأمثلة العملية في الدراسات التي تُعنى بالتأصيل والاستدلال ليس شرطًا فيها».
هكذا أطلق هذه الدعوى، ولم يذكر بينة ولا مصدرًا استقاها منه، ولمخالفه أن ينقضها بدعوى أخرى فيقول: «ذِكر الأمثلة العملية في الدراسات التي تُعنى بالتأصيل والاستدلال شرط فيها». فكيف ترد عليه؟! وما هي بينتك على دعواك؟!
وإهمال الباحث التطبيقات العملية كان أحد الأسباب في خطئه في فهم كلام شيخ الإسلام، والله أعلم.
7- ذكر الباحث في مسألة إحداث تأويل جديد في الآية أن شيخ الإسلام ذهب إلى المنع من ذلك ونسبه إلى الجمهور، وأن الآمدي ذهب إلى الجواز ونسبه إلى الجمهور أيضًا.
ثم رجح قول الآمدي بأن ابن الحاجب، وشراح مختصره، وغيرهم، قد نسبوا الجواز إلى الجمهور.
هكذا رجح بالفروع! فابن الحاجب مختصر لكلام الآمدي وموافق له، فمختصره الشهير اختصره من كتاب «الإحكام» للآمدي، وشراح المختصَر تابعون للمختصِر.
وغير هؤلاء ممن ذكرهم الباحث كلهم متأخرون عن الآمدي، فاحتمال متابعته قائم.
ولو رجع قليلًا إلى الخلف متجاوزًا عصر الإمامين ابن تيمية والآمدي، ورجَّح بما عليه المتقدِّمون، لكان أولى وأحرى وأهدى سبيلًا إن شاء الله.
فإنه سيجد أن أئمة المسلمين وأصحاب المذاهب الأربعة المعتمدة على القول بمنع إحداث تأويل جديد، يقول الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت: 386): «ليس لأحد أن يُحدث قولًا أو تأويلًا لم يسبقه به سلف، وإنه إذا ثبت عن صاحبٍ قولٌ لا يُحفظ عن غيره من الصحابة خلاف له ولا وفاق، أنه لا يسع خلافه، وقال ذلك معنا الشافعي، وأهل العراق»().
فينقل هذا الإمام القول بمنع إحداث التأويل إلى المالكية والشافعي وأهل العراق وهم الحنفية، فلم يبق إلا الإمام أحمد بن حنبل، وتقيده بما عليه السلف معلوم مشهور، ولا بأس بإيراد نقل عنه يفيد في هذه المسألة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «سألت أبي عن الآية؛ إذا جاءت تحتمل أن تكون عامة، وتحتمل أن تكون خاصة، ما السبيل فيها؟ قال: إذا كان للآية ظاهر يُنظر ما عملت به السنة، فهو دليل على ظاهرها ... قلت لأبي: إذا لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء مشروع يخبر فيه عن خصوص أو عموم؟ قال أبي: يُنظر ما عمل به أصحابه، فيكون ذلك معنى الآية، فإن اختلفوا، يُنظر أي القولين أشبه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون العمل عليه»().
ولا أريد أن أطيل الكلام في هذه المسألة هنا؛ لأنني سأتناولها بالتفصيل في النقد الكامل إن شاء الله، وسأبين أن جماهير علماء المسلمين من المفسرين والفقهاء واللغويين وغيرهم على القول بمنع إحداث تأويل جديد لم يكن عند السلف.
ولا يخفى عليك أن استنباط المعاني الدقيقة والإشارات الخفية من القرآن الكريم لا ينكره أحد، وليس داخلًا في مسألتنا هذه، وسأوضح هذا بالتفصيل في هذه الطليعة التي بين يديك.
* وأترك الآن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرد على الباحث في خطئه في فهم كلامه، وفي نسبته إليه أقوالًا لم يقلها، وفي ظلمه إيَّاه، يقول رحمه الله:
«إن هذا الكلام وأمثاله ليس باعتراض علينا، وإنما هو ابتداء نقص حرمته منهم؛ لما يظن أنه يلزمنا، أو يظن أنا نقوله على الوجه الذي حكاه، وقد قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».
وإذا كان في الكلام إخبار عن الغير بأنه يقول أقوالًا باطلة في العقل والشرع، وفيه رد تلك الأقوال، كان هذا كذبًا وظلمًا؛ فنعوذ بالله من ذلك.
ثم مع كونه ظلمًا لنا يا ليته كان كلامًا صحيحًا مستقيمًا، فكنا نُحلِّله من حقِّنا، ويُستفاد ما فيه من العلم، ولكن فيه من تحريف كتاب الله والإلحاد في آياته وأسمائه والكذب والظلم والعدوان الذي يتعلق بحقوق الله ما فيه، لكن إن عفونا عن حقنا فحقُّ الله إليه لا إلى غيره.
ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق بهذا الموضع؛ فإن هذا الكلام الذي ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن تمكنه من ضبطه من وجوه ...»().
وسأقوم أنا ببيان ما في كلام الباحث من التناقض والفساد نيابة عن شيخ الإسلام؛ فإنه لو كان حيًّا -رحمه الله وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء- لتكلم فأسمع، وردَّ فأقنع، مع ضآلتي في العلوم كلها في جنب شيخ الإسلام، فما أنا في جانبه إلا كبقل في أصول نخل طوال، كما قال الإمام الكبير أبو عمرو بن العلاء (ت: 154): «ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال»().
وأخيرًا أسأل الله تعالى أن يغفر لي وللباحث الفاضل، ولكل ناظر في كلامي بعين الاستفادة، ولكل ناقد له قاصدًا النصيحة، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب محمد محب الدين أبو زيد
الأحد 3 من ربيع الأول 1440هـ، 11 من نوفمبر 2018م.


تحرير مذهب شيخ الإسلام في قضية توقف التفسير على أقوال السلف
اعتمد الباحث في تقريره لمذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة على قطعة مطبوعة من كتاب «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية»، وسألخص كلام شيخ الإسلام منها، وأبين كيف أخطأ الباحث في فهمه كلامه.
فأقول: ذكر شيخ الإسلام أن بعض المخالفين زعم أن أخبار الآحاد -إن صحت- لا تفيد العلم بل تفيد الظن.
فرد عليه شيخ الإسلام أن جوابه من ثلاث طرق: بيان موافقة الآثار للقرآن وتفسيرها له، وبيان وجوب قبولها، وبيان صحة الاعتقاد الراجح بها.
أما الطريق الأول: فأن نقول: الأحاديث الواردة الصحيحة في هذا الباب -يعني باب الاعتقاد- توافق القرآن وتطابقه، وتدل على ما دل عليه، وتفسِّر القرآن وتبيِّن مجمله.
ثم أورد سؤالًا: أيما أحسن: الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات الأثبات ورثة الأنبياء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عن الله تعالى المبيِّن لما أنزل الله عليه، وبما قاله الصحابة والتابعون وأئمة الهدى، وتفسير القرآن بهذه الطرق؟ أم يؤخذ تفسير القرآن وتأويله من أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال؟ أو يُنقل ذلك عن بعض أهل العربية الذي يتكلم فيه بنوع من الظن والهوى، وإن كان أئمة العربية وعلماؤها على خلافه؟
وأيما أحسن: الاستشهاد على معاني القرآن بنفس ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وألفاظ الصحابة والتابعين التي يستفاد بها معنى الآيات على الخصوص وهو المطلوب، ويُعلم بها اللغة التي نزل بها القرآن وبها خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالنقل الصحيح الثابت؟ أو الاستشهاد على ذلك ببيت من شعر كقوله:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما


جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا


وكقوله:
ثم استوى بشر على العراق


من غير سيف ودم مهراق


وقوله:
وجوه يوم بدر ناظرات


إلى الرحمن تنتظر الفلاحا


وأمثال ذلك من الشعر الذي قد يقال فيه: إنه لم يُرو بإسناد صحيح عن قائله، بل كثير من أهل الصنعة بالشعر يكذبه، ولو رُوي بإسناد فمن المعلوم أن أسانيد الحديث والآثار أكثر وأكبر، والعلماء بها أعلم وأصدق، وهم أعداد لا يحصيهم إلا الله.
فإذا لم يجُز تفسير القرآن بألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، أفيجوز أن يُرجع في معاني القرآن إلى بيت من الشعر أو كلمة من الغريب أحسن أحوالها أن يرويها واحد عدل عن بعض الشعراء؟!
وإذا كانت الأخبار لا تفيد علمًا، فجميع ما يذكرونه من اللغة العربية المستفادة من الشعر والغريب دونها، فإذا لم يكن هذا معلومًا وغيره ليس معلومًا، بطلت دلالة الكتاب والسنة، وسقط الاستدلال به وفهم معانيه، والله أمرنا بتدبره وعقله، فإذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بتفسير القرآن، لا من جهة نقل الشعر والغريب، ولا من جهة نقل الحديث والآثار، بطل العلم بمعناه، فلا يصح الأمر بتدبره وعقله، وهذا خلاف القرآن.
هذا مختصر ما ذكره شيخ الإسلام وهو واضح مفهوم، فلننظر كيف فهمه الباحث الفاضل.
قال الباحث الفاضل (ص: 19): «وظاهر تقرير ابن تيمية يشعر بانحصار طرق التفسير في طريقين: طريق أقوال السلف، وطريق اللغة المحضة، وكان الغرض من هذا التقسيم منه رحمه الله بعد أن يثبت قوة الاعتماد على أقوال السلف في التفسير، وضعف أخذه من خلال اللغة المحضة -هو أن يلزم مخالفه بأحد طريقين: إما أن يقبل بقوله بوجوب أخذ التفسير من خلال أقوال السلف، وإما أن يترك فهم القرآن وتدبره رأسًا، وهو ضد ما يقرره القرآن من وجوب التدبر والفهم؛ لأن الطريق المقابل لطريق السلف هي اللغة وقد بان ضعفها، وفي هذا يقول ابن تيمية: وإذا لم يكن هذا معلومًا، وغيره ليس معلومًا، بطلت دلالة الكتاب والسنة، وسقط الاستدلال به وفهم معانيه، والله أمرنا بتدبره وعقله».
أقول: كذا قال الباحث الفاضل -سامحه الله- وظاهر جلي أنه لم يفهم كلام شيخ الإسلام كما ينبغي، فهو لم يقصد ما قاله الباحث البتة، بل هو يردُّ على المعتزلة والجهمية الذين يستدلون بوجوه ضعيفة في اللغة -كأبيات الشعر التي نقلتها آنفًا- في تفسير القرآن الكريم، ويردُّون ما ثبت من آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
فشيخ الإسلام لم يتعرض في كلامه للغة المحضة أصلًا، بل تكلم عن وجه ضعيف بل مكذوب من وجوه اللغة يُعارَض به الأحاديث والآثار الصحيحة، بدليل صريح قوله رحمه الله: «أم يؤخذ تفسير القرآن وتأويله من أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال؟ أو يُنقل ذلك عن بعض أهل العربية الذي يتكلم فيه بنوع من الظن والهوى، وإن كان أئمة العربية وعلماؤها على خلافه؟».
ويقرر شيخ الإسلام أنه إذا كانت آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا تفيد علمًا عند هؤلاء المبتدعة، فهذه الوجوه اللغوية التي يعارضون بها الآثار لا تفيد علمًا أيضًا، بل هي دونها، ولو رُويت هذه الوجوه بأسانيد فمن المعلوم أن أسانيد الحديث والآثار أكثر وأكبر، والعلماء بها أعلم وأصدق، وهم أعداد لا يحصيهم إلا الله.
وهنا يُلزم شيخ الإسلام هؤلاء المبتدعة، أنه إذا كانت الآثار لا تفيد علمًا عندكم، فاللغة التي تستشهدون بها لا تفيد علمًا أيضًا، فيبقى القرآن حينئذ بلا تفسير؛ لأن طريقي التفسير (وهما الآثار واللغة) لا تفيدان علمًا عندكم، فقد سقط الاستدلال به، ولا يصح الأمر بتدبره وعقله، وهذا خلاف القرآن.
وقد فهم تلميذه ابن القيم هذا الفهم حيث نقل كلامه كاملًا من «جواب الاعتراضات المصرية» بمعناه مع زيادات عليه فقال: «من المعلوم بالضرورة أن المجازات والاستعارات والتأويلات التي استفادوها من اللغة والشعر الذي لم ينقله إلا الآحاد، دون ما يستفاد من نقل أهل الحديث، وعلمُنا بمراد هذا الناظم والناثر من كلامه، دون علمنا بمراد الله ورسوله والصحابة من كلامهم بكثير، فإذا كان هذا دون كلام الله ورسوله في النقل والدلالة، لم يكن حمل معاني القرآن عليه بأولى من حملها على معنى الحديث والآثار، وإذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بمعناه إلا جهة نقل الشعر وغرائب اللغة ووحشيها، وأفهام الجهمية والمعطلة، ولا من طريق نقل الأحاديث والآثار، تعطلت دلالة الكتاب والسنة، وسقط الاستدلال بهما، وحصلت لنا الحوالة على أفراخ المجوس، وورثة الصابئين، وتلامذة الفلاسفة، وأوقاح المعتزلة»().
* ثم قال الباحث الفاضل (ص: 19): «لكن الناظر في مقولات العلماء يجد أن حصر طرق التفسير في هاتين الطريقتين منخرم؛ إذ وجدناهم يذكرون طريقًا ثالثة وهي التفسير باللغة مع موافقة الكتاب والسنة» ثم نقل عن الإمام الشاطبي أن هذه الطريقة الثالثة لا يمكن إهمالها للعالم بها، وأنه ذكر من أسباب ذلك أن معاني القرآن لم يتكلم في جميعها المتقدمون.
أقول: كلام شيخ الإسلام لا يدل على الحصر، بل يتكلم على مَن عدل عن تفسير السلف إلى تفسير أهل البدع الذين يعتمدون على وجه من وجوه اللغة في تقرير مذهبهم.
وهل يظن أحد أن الطريق الثالثة ينكرها شيخ الإسلام؟! فإنه إذا لم يوجد في الآية تفسير مأثور -وهذا نادر- فحتمًا سيتجه إلى الطريق الثالثة، أم ستبقى الآية بغير تفسير؟ وهو ما ينكره شيخ الإسلام أشد الإنكار.
ولقائل أن يقول: هذا الذي ذكرته في حالة إذا لم يكن في الآية تفسير عن السلف، فإذا كان في الآية تفسير عنهم؛ فهل يجيز شيخُ الإسلام استنباط معانٍ لم يستنبطها السلف؟
قلت: نعم يجيزه، وهو نفسه قد فعل ذلك، ولكنه لا يجيز مخالفة السلف في التفسير الظاهر، لا سيما في آيات الاعتقاد فإنه يقف حيث وقف السلف لا يتعداه، وقد أوضح هذا بالتفصيل الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله فقال بعد أن قرر أن ابن تيمية يتقيد بالتفسير الأثري، وأن أبا حامد الغزالي لا يتقيد به: «ولكن هل يضيق صدر ابن تيمية عن هذا الاتجاه، أي: أنه لا يحاول فهم أسرار القرآن، والاتجاه إلى الغوص عن معانيه وأسراره؟
إننا نرى ابن تيمية في استنباط علل الأحكام، وتعرُّف غاياتها ومراميها، والمناط الذي تسير وراءه، يغوص وراء المعاني المصلحية يتعرَّفها، ويسير في ظلال الكتاب والسنة مهتديًا بهديهما، ويغوص غوصًا عميقًا يدل على بُعد غوره الفقهي، ولا يقف عند حدود ظواهر الألفاظ، بل يتجه إلى تعرف المرامي والغايات المصلحية، وإن الآيات الكونية والنفسية متسعة الأفق، وقد كشف من ظواهر الكون ما يتبين معه إحكام القرآن ودقة معانيه.
فهل كان ابن تيمية يتجافى عن كل هذا، ويرى فيه بدعًا لا يصح السير وراءه، ولا يرى في الوقوف إحجامًا عن تفهُّم جزء من إعجاز القرآن بمعانيه، ثم تعرُّف أسرار البلاغة في أسلوب القرآن وطرائق إعجازه؟! أكان يُحجم عنه ابن تيمية ويعده بدعًا من النظر، ويغفل ذلك بابًا من أبواب الإعجاز، بل أوضح باب فيه؟!
إننا نعيذ ابن تيمية من أن يتجه ذلك الاتجاه السلبي، إنه يتعرف من القرآن الإشارات والمرامي القريبة والبعيدة، كما نرى في تفسير قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26]؛ إذ يقرر أن الاجتماع بين الأنثى والذكر بغير عقد صحيح اجتماع ضعيف، وأن الاجتماع القوي هو اجتماع القلوب، ويقول: «ودل قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} على ذلك من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، ودل أيضا على النهي عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم. فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله، ويدل على ذلك الحديث الذي في «السنن»: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي»».
ولا شك أن هذا فهم من الآية بالإشارة البعيدة والإشارة القريبة().
وإذا كان ابن تيمية يرى ذلك ويرتضيه ويفسر به، فكيف نفهم منه التوقف عن التفسير بالرأي المجرد؟ وماذا يكون موضع الخلاف بينه وبين الغزالي رضي الله عنهما؟
يظهر لي أن الخلاف بينهما في موضعين:
أولهما: أن التفسير الظاهر عند ابن تيمية يعتمد على الآثار، سواء أكانت آثار الصحابة أم كانت آثار التابعين، ثم المعاني اللازمة التي تُفهم من لحن القول تستفاد من بعد ذلك تحت ظل تلك الآثار، وما عُلم من الدين بالضرورة، وما جاءت به الأخبار الصحيحة، كما ترى في الآية السابقة، فإنه كان يأخذ منها اللوازم، ويستشهد على صحتها بالأحاديث النبوية، وفي أسرار البلاغة يعرف أصل المعنى من الآثار، وفي ظله يتعرَّف أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز.
أما الغزالي فإنه يتعرف السند الصحيح المسموع به النبي في الآية، ولا يقف إلا عنده، فإن لم يكن اجتهد في الفهم برأيه، وسار على ضوء ذلك الرأي، ثم يغوص وراء المعاني، ما دامت لا تخالف أي معنى شرعي.
الأمر الثاني: في آي الصفات، فابن تيمية رضي الله عنه يقف في آي الصفات عند رأي السلف الصالح، لا يتجاوزه ولا يعدوه ولا يحيد عنه، بل لا يفهم بغير طريقه، ولا يتجه إلا إليه، ولا يسمح لذلك أن يغوص وراء ذلك إلا لتوضيح المعنى الأثري الوارد عن الصحابة.
وإذا كان يتحلل أحيانًا في تفسير بعض الآيات إذا لم يجد أثرًا، أو يختار من بين الآثار الواردة - فإنه عند تفسير آيات الصفات يقف عند أقوال الصحابة ولا يعدوها، ووجهته في ذلك أن ذلك جزء من بيان عقيدة الوحدانية، ومحال أن يترك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من غير بيان، والذين تلقوا عنه ذلك البيان هم الصحابة كما نوَّهنا من قبل، ومن جهة أخرى يرى أن الصحابة لم يختلفوا في معاني آيات الصفات، وإن اختلفوا في غيرها»().
هذا تفصيل الشيخ أبي زهرة رحمه الله، وكنت أرجو أن يكون الباحث قد اطلع عليه قبل كتابة بحثه، فلربما كان يتراجع عنه، وإذن لأراحنا وأراح نفسه، ولكن قدر الله وما شاء فعل.
وقد صرَّح شيخ الإسلام بجواز التعرض لتفسير القرآن للعالم بذلك لغة وشرعًا، فقد قال بعد أن ذكر آثارًا في تحرُّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به: «فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرُّجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به.
فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه؛ ولهذا رُوي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلَّموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: «من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار»»().
وإذا كان شيخ الإسلام قد أجاز التفسير بالإشارة الذي ينحو إليه كثير من الصوفية، بشرط أن تكون الإشارة اعتبارية من جنس القياس الصحيح، حيث قال رحمه الله: «وأما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دل اللفظ عليه ويجعلون المعنى المشار إليه مفهومًا من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حق إذا كان قياسًا صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا»().
وقال أيضًا: «إن إشارات المشايخ الصوفية التي يشيرون بها تنقسم إلى إشارة حالية، وهي إشارتهم بالقلوب، وذلك هو الذي امتازوا به وليس هذا موضعه.
وتنقسم إلى الإشارات المتعلقة بالأقوال: مثل ما يأخذونها من القرآن ونحوه، فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس؛ وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام؛ لكن هذا يُستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك.
فإن كانت الإشارة اعتبارية من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة، وإن كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه، وإن كان تحريفًا للكلام عن مواضعه وتأويلًا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية»().
بل قد استعمل شيخ الإسلام نفسه هذا التفسير الإشاري، قال ابن القيم عند شرح قول أبي إسماعيل الهروي: «والوقوف على الإشارات» قال رحمه الله: «الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بُعد، ومن وراء حجاب، وهي تارة تكون من مسموع، وتارة تكون من مرئي، وتارة تكون من معقول، وقد تكون من الحواس كلها.
فالإشارات من جنس الأدلة والأعلام، وسببها: صفاء يحصل بالجمعية، فيلطف به الحس والذهن، فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة، لا يكشف حس غيره وفهمه عن إدراكها.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: الصحيح منها: ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى.
قلت: مثاله قوله تعالى: { لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79].
قال: والصحيح في الآية، أن المراد به: الصحف التي بأيدي الملائكة. لوجوه عديدة ...».
إلى أن قال: «فسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر؛ لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون؛ لكرامتها على الله، فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر»().
قلت: فكيف نقول بعد هذا: إن شيخ الإسلام يقول بتوقف تفسير القرآن على أقوال السلف هكذا بإطلاق؟!
فإذا فهمنا كلامه في «جواب الاعتراضات المصرية» فهمًا صحيحًا، وجدناه يتطابق مع كلامه في كتبه الأخرى ومع تطبيقاته العملية، وعلمنا أن أهل البدع من المعتزلة وغيرهم لا يتكلمون في القرآن بعلم لا لغة ولا شرعًا ولا قياسًا، إلا اتباعًا للظن والهوى، وهو ما ينكره عليهم شيخ الإسلام.
* قال الباحث (ص: 20): «إلا أن ابن تيمية قد نصب الخلاف بين طريق السلف وطريق اللغة المحضة».
كلا، فشيخ الإسلام رحمه الله لم يتعرض إلى اللغة المحضة أصلًا -كما بينت من قبل- بل تكلم عن وجه ضعيف من وجوه اللغة يستغله الجهمية والمعتزلة وأمثالهم من المبتدعة؛ ليُعارضوا به الأحاديث والآثار الصحيحة.
ثم أيد الباحث كلامه بأن شيخ الإسلام قد نصب الخلاف بين طريق السلف وطريق اللغة المحضة بقول شيخ الإسلام: «ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة»().
قلت: وهذا النقل يدل على نقيض ما ذهب إليه الباحث الفاضل؛ لأن سياق كلام شيخ الإسلام يبين أنه لم يقصد بـ «اللغة» إلا وجهًا ضعيفًا من وجوه اللغة، فإنه قد قاله في معرض الرد على المرجئة الذين يتمسكون بحجة لغوية واهية في إخراج الأعمال من الإيمان، وهي قولهم: إن الإيمان في اللغة هو التصديق. فهذا القول قد أنكر شيخ الإسلام وغيره أن يكون أحد من أئمة اللغة المعتمد عليهم قد نقله، ولذلك يقول شيخ الإسلام بعد هذا الكلام بأسطر -ولم ينقله الباحث-: «وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل».
ويبين هذا جليًّا أن شيخ الإسلام عندما قال: «وإنما يعتمدون على العقل واللغة» لم يقصد بالعقل العقلَ الصريح الصحيح، إنما قصد به عقولهم القاصرة عن فهم حقائق الشرع، المخالفة لطريق السلف الصالح، فهل يقول أحد: إن شيخ الإسلام نصب الخلاف بين طريق السلف والعقل؟ اللهم لا؛ لأن كلامه ذائع مشهور في أن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، وأن السلف هم أكمل الناس في موافقة المعقول والمنقول.
* قال الباحث (ص: 24): «قرر ابن تيمية أن الرجوع إلى مقالات السلف في التفسير أكثر استقامة من أية طريق قد يتوصل بها إلى بيان معاني القرآن، ويعني في المقام الأول أخذ التفسير عن طريق اللغة».
أقول: كلا، وقد بينت من قبل أن شيخ الإسلام لم يتكلم عن اللغة المحضة، بل تكلم عن وجه ضعيف من وجوه اللغة، يتمسك به المبتدعة في مخالفة الأحاديث والآثار الصحيحة، ولو فرضنا صحة هذا الوجه العربي المخالف لمقالات السلف، فإنه وجه مرجوح في تفسير الآية؛ لأنه عارضه وجه عربي آخر مؤيد باختيار السلف له؛ لأن السلف -وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم- هم الذين أُنزل القرآن بلسانهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].
يبين ذلك قول شيخ الإسلام: «حمل معاني كلام الله على ما يوجد من اللغة في كلامه وكلام رسوله وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلغته، والتابعين الذين أخذوا عنهم تلك اللغة، أولى من حمل معانيه على ما يوجد من اللغة في كلام بعض الشعراء والأعراب»().
فهو إذن ترجيح وجه من اللغة على وجه آخر منها مرجوح، لا ترجيح طريق السلف على طريق اللغة، وما زلت أتعجب من هذا الباحث الظانِّ أن شيخ الإسلام قد نصب الخلاف بين طريق السلف وطريق العربية، وهل كان السلف رضي الله عنهم يتكلمون التركية أو الهندية حتى يظن ذلك؟!
* ثم ذكر الباحث (ص: 24) أن شيخ الإسلام قد استعان بترجيح طريق السلف على اللغة في التفسير بخمسة وجوه، الأول منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة جميع معاني القرآن، ثم قال (ص: 26): «ويريد ابن تيمية بمعاني القرآن كل المعاني العامة التي تندرج تحت آي القرآن ودلت عليها، وليس مراده بيان معاني ألفاظه وتراكيبه عينها».
أقول: كلا، هذا فهم خطأ لكلام شيخ الإسلام، ومراد شيخ الإسلام واضح من كلامه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة معاني ألفاظ القرآن جميعها؛ حيث قال رحمه الله: «ولو خاطبهم صلى الله عليه وسلم بلفظ لم يفهموا معناه لم يكن ذلك بيانًا، وقد امتن عليهم في غير موضع بكونه أرسله بلسان عربي، وأنه يسَّره عليهم بذلك، فقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، فهل يعقلونه إذا لم يعرفوا اللفظ؟!».
وهذا نص صريح منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة معاني ألفاظ القرآن، ولكن الباحث ترك هذا النص الصريح، ثم ذهب يستدل بأدلة فهمها فهمًا غير سديد، فقال: «ولذلك رأيناه -يعني: شيخ الإسلام- يقول: إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يأخذون عنه صلى الله عليه وسلم معاني القرآن مجرَّدة عن ألفاظه بألفاظ أُخَر، كمَا قال جُندب بن عبد الله البَجَلي، وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمان، ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا. قال ابن تيمية معلِّقًا على هذا الأثر: فكان يُعلِّمهم الإيمان، وهو المعاني التي نزَل بها القرآن من المأمور به والمخبَر عنه المتلقَّى بالطاعة والتصديق، وهذا حقٌّ، فإن حُفَّاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين، فعُلِم أن بيان معانيه لهم كان أَعمَّ من بيان ألفاظه».
وكأن الباحث فهم من قوله الأخير: «فعُلِم أن بيان معانيه لهم كان أَعمَّ من بيان ألفاظه»: أن بيان معانيه العامة أعم من بيان معاني ألفاظه الخاصة!
وهذا خطأ؛ لأن المعنى الصحيح الذي يريده شيخ الإسلام، ويتلاءم مع تصريحه الذي نقلته آنفًا: أن بيان معاني القرآن للصحابة كان أَعمَّ من تبليغ ألفاظه لهم وتلقينهم إياها حتى يحفظوها، بدليل قوله رحمه الله قبل هذه الجملة مباشرة: «فإن حُفَّاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين».
ويؤكد ذلك ما فهمه الإمام ابن القيم من كلام شيخه حيث عبر عنه بقوله: «قال أبو عبد الرحمن السلمي أحد أكابر التابعين الذين أخذوا القرآن ومعانيه عن مثل عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وتلك الطبقة: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلَّموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل.
فالصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني عنه أعظم من عنايتهم بالألفاظ، وكانوا يأخذون المعاني أولًا، ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم. قال جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمان، ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا»().
ثم قال الباحث (ص: 28): «ولا ينسى ابن تيمية أن يُنبِّه على شيء مهم فيما يتعلَّق بهذه المعاني التي بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وهو أن المعاني وإن لم تكن هي المعاني الخاصَّة بألفاظ القرآن وتراكيبه نفسِها، لكن ذلك لا يَضُر؛ لأن المعاني هي المقصودة في الأساس، لا الألفاظ، فإذا بان المعنى بأيِّ لفظ كان حصَل المقصود، ولذلك قرَّر: «أنّ تَتَبُّع المعاني أشرفُ من الألفاظ، وهي معها كالأرواح مع الأجساد، فاللفظ بلا معنًى جِسم بلا روحٍ، ومن لم يَعْلَم من الكلام إلا لفظَه فهو مثلُ مَن لم يَعْلَم من الرسولِ إلَّا جسمَه»».
أقول: عبارة شيخ الإسلام -كما هو ظاهر- لم تتعرض للمعاني العامة ولا الخاصة، بل تعرَّضت للمقارنة بين معرفة المعاني ومعرفة الألفاظ المجردة عن معانيها، وهذا واضح لكل ناظر، فكيف خفي على الباحث؟!
وقال الباحث (ص: 37): «وقد قال ابن تيمية بعد تقريره هذا الوجه عبارة لها دلالة خاصة، وهي قوله: «فعُلِم أنهم أخذوا عن الرسول بيان معاني آيات القرآن التي يقال: إنها مشكلة أو مجمَلة». وهذه العبارة من ابن تيمية تؤكِّد الأمرَين اللذينِ قد قرَّرناهما قبلُ: الأول: أن ابن تيمية لم يَقصِد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسَّر للصحابة القرآن كلَّه آيةً آية ...».
قلت: كلا؛ لأن تقرير شيخ الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن للصحابة جميع معاني ألفاظ القرآن الكريم، ليس معناه، إلا أنه فسَّر لهم جميع الألفاظ الغامضة والمجملة والمشكلة؛ لأن الألفاظ الواضحة والتي يعرفون معانيها بسليقتهم وطبيعتهم مثل: الأرض والسماء والجبال ونحوها لا يقول عاقل: إنه صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لهم معانيها!
ثم ذكر الباحث (ص: 29) أنه يرجح أن أوَّل من أشار إلى ذلك - يعني: إلى أن شيخ الإسلام يذهب إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لأصحابه كلَّ معاني القرآن - على وجه التحقيق هو صاحب كتاب «التفسير والمفسرون».
أقول: قد يُتعقب بالشيخ محمد أبي زهرة؛ فإنه قد مات قبل الدكتور محمد حسين الذهبي صاحب كتاب «التفسير والمفسرون» بأربع سنوات تقريبًا، وقد قال الشيخ أبو زهرة في معرض تقريره لمذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة: «وهكذا نرى أقوال الرسول وأقوال الصحابة وأقوال التابعين، تدل في نظر ابن تيمية على وجوب الاعتماد في التفسير على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم الشارح للقرآن المبين لأحكامه؛ إذ بُعث عليه السلام ليبينه للناس.
بل إنه ما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بيَّن القرآن كله وفصَّله تفصيلًا، وإلا كان معنى ذلك أنه لم يبلغ رسالته ولم يتم دعوته، وإذا كان ذلك هو الواقع الذي لا يصح أن يُفرض سواه، وجب أن نقر بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القرآن لأصحابه، وقد جاءت الأخبار عنهم رضي الله عنهم بذلك، وعلى ذلك فالنبي قد ترك لنا مع القرآن تفسيره وشرحه، ومن يتجانف عن تفسير الرسول إلى التفسير برأيه فقد اشتط وضل سواء السبيل»().
ثم ذكر الباحث (ص: 31) أن أبا حيان نقل عن ابن تيمية أنه زعم أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير كل آية. ثم رد قول أبي حيان بأنه فهم خاص له محتمل، فليس بظاهر في تعيين مراد ابن تيمية ومذهبه، لا سيما أن ذلك منه في أثناء مناظرته ومناقشته له، وفي أثناء المناقشات والمناظرات تَكْثُر الإطلاقات والألفاظ المُجمَلة التي يَصْعُب تحرير مذاهب قائليها من خلالها، لا سيما إنْ كان المتناظِران بينهما منافَرة ... إلخ.
هكذا رد فهم أبي حيان -وهو الموافق لنص كلام شيخ الإسلام- بهذه الحجج الضعيفة!
وقد فهم الباحث كلام شيخ الإسلام هكذا ليجد ما يرد به عليه فقال (ص: 27): «لكن الذي يَظهَر أن هذا الوجه وإن بانَ قويًّا، لكنه ليس بدليل قاطع يُوجِب ما يريد ابن تيمية تقريره من توقُّف بيان مطلَق تفسير الآي على أقوال السَّلَف؛ وذلك لأن إدراك المعاني الكُليّة العامة وإن كانت مفيدة في بيان معاني ألفاظ الآي وتراكيبها، إلَّا أنها ليست بقاطعة في تعيين المراد باللفظ أو التركيب المعيَّن».
وكلامه هذا بُني على فهمه الخطأ لكلام شيخ الإسلام، وما بُني على خطأ فهو خطأ، والله المستعان.
تلخيص مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة وبيان موافقته لقول الجمهور:
تبين مما سبق أن شيخ الإسلام لا يجيز مخالفة السلف في التفسير الظاهر، وهذا يوافقه عليه عامة المفسرين، ومن طالع «التفسير» للإمام الطبري (ت: 310) وجده يرد كثيرًا من الأقوال لمجرد أنه لم يقل بها أحد من السلف ولو كانت صحيحة في اللغة، وسيأتي هذا بالتفصيل من كلام الإمام الطبري وغيره من أئمة التفسير في الرد الكامل على الباحث يسر الله إتمامه().
أما استنباط المعاني الخفية من القرآن الكريم، والغوص للبحث عن أسراره، فهذا يقره شيخ الإسلام ويحث عليه لمن استوفى الشروط اللازمة للمفسر.
فشيخ الإسلام موافق لجماهير العلماء في هذين الأمرين (عدم جواز مخالفة السلف في التفسير الظاهر، وجواز استنباط المعاني الخفية).
فدعوى الباحث أن شيخ الإسلام قد خالف جمهور المفسرين، دعوى باطلة بناها على فهمه الخطأ لكلام شيخ الإسلام رحمه الله.
أما مسألة: تفسير النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله للصحابة. فيقرر شيخ الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لأصحابه القرآن كله لفظه ومعناه، وليس معنى ذلك أنه فسر لهم القرآن كله لفظة لفظة، بل معناه أنه صلى الله عليه وسلم قد فسَّر لهم ما يشكل عليهم، أما الألفاظ الواضحة والتي يعرفونها بطبيعتهم وسليقتهم العربية، فلماذا يفسرها لهم؟! فما مات صلى الله عليه وسلم إلا وقد صار القرآن كله مبيَّنًا للصحابة غاية البيان، مصداقًا لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
ولا أعلم أحدًا من علماء أهل السنة يخالف شيخ الإسلام في هذا، قال الإمام أبو القاسم السهيلي (ت: 581): «... وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري: أن اليد من قوله: «وخلق آدم بيده»، ومن قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] صفة ورد بها الشرع، ولم يقل إنها في معنى القدرة، كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى النعمة، ولا قطع بشيء من التأويلات؛ تحرُّزًا منه لمخالفة السلف، وقطع بأنها صفة تحرُّزًا منه عن مذاهب أهل التشبيه والتجسيم.
فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون؛ إذ اليد بمعنى الصفة لا يُفهم معناه؟
قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهومًا عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفتِ أحد من المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معناها، ولا خاف على نفسه توهُّم التشبيه، ولا احتاج مع فهمه إلى شرح وتنبيه.
وكذلك الكفار لو كانت اليد عندهم لا تُعقل إلا في الجارحة لتعلَّقوا بها في دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمت أنه ليس كمثله شيء، ثم تخبر أن له يدًا كأيدينا، وعينًا كأعيننا؟
ولما لم يُنقل ذلك عن مؤمن ولا كافر، عُلم أن الأمر كان فيها عندهم جليًّا لا خفيًّا»().
فلو كانت في القرآن كلمة لم يفهمها الصحابة لسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها كما قال السهيلي.
وقال الإمام ابن خلدون (ت: 808): «اعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملًا جملًا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخًا له.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو المبيِّن لذلك كما قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن المجمل، ويميِّز الناسخ من المنسوخ ويعرِّفه أصحابه، فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها منقولًا عنه، كما عُلم من قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] أنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك، ونُقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونُقل ذلك عنهم»().
وأختم هذا المبحث بكلام قيم للإمام ابن القيم، حيث قال رحمه الله: «فإن قيل: ما تقولون في أقوالهم -يعني الصحابة- في تفسير القرآن؟ هل هي حجة يجب المصير إليها؟
قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد اللَّه الحاكم في مستدركه: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع. ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولًا فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لهم معاني القرآن وفسَّره لهم، كما وصفه الله سبحانه بقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فبيَّن لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] فبيَّن له المراد، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] فبيَّن لهم معناها ... وهذا كثير جدًّا.
فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروه بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم.
فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالًا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح، وهذا كثير ...، فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع؟
قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء بسواء، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء، وصورتها ألا يكون في المسألة نص يخالفه، ويقول في الآية قولًا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة، سواء عُلم اشتهاره أو لم يُعلم، وما ذُكر من هذه الأمثلة فقد فُقد فيه الأمران، وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء.
فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ، ولكان معصومًا، لتقوم الحجة بقوله، فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى، وكذلك تفسيره، فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب؟ إذ صورة المسألة أنه لم يقم على المسألة دليل غير قوله، وقوله ينقسم، فما الدليل على أن هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد؟
قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أنه من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض، ويُمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب، والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب، واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال، وبهذا خرج الجواب عن قولكم: لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ. فإن قوله لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن»().
هذا وفي كلام الإمام ابن القيم مسائل مهمة، سيتم دراستها بالتفصيل إن شاء الله في الرد الكامل على الباحث يسر الله إتمامه.






المعتزلة ومركزية اللغة
قال الباحث (ص: 21): «وكما سيظهر لك -بحول الله تعالى- أن المعتزلة وغيرهم في اعتمادهم على العقل واللغة، لم يكن هذا منهم تحكُّمًا ولا إعراضًا عن الأحاديث تشهِّيًا، ولا انتقاصًا من قدر السلف، ولكنهم فعلوا ذلك لاعتقادهم مركزية اللغة في فهم النص القرآني، وأنها الأداة التي نصبها الله تعالى بينه وبين خلقه ليفهموا من خلالها كلامه سبحانه، فإذا كان المعنى القرآني المأخوذ من الآي سبيل تحصيله اللغة، فلا معنى لرجوع من حصَّلها إلى غيره ليفهمه أمرًا يستطيع فهمه بنفسه، هذا بخلاف ما لا يُدرك معناه إلا بالنقل المحض، فهذا لا يختلف المعتزلة وغيرهم من المتكلِّمين في الرجوع فيه إلى الأحاديث والآثار».
أقول: اللهم إني لا أعلم أحدًا من أهل السنة ولا الأشاعرة يوافق الباحث على هذا الكلام إلا أن يكون معتزليًّا أو جهميًّا أو رجلًا تأثر بهم.
وفي هذا الكلام أمور باطلة سأبينها مورِدًا أقوال أئمة أهل السنة والأشاعرة معًا:
أولًا: زعم الباحث أن المعتزلة وغيرهم في اعتمادهم على العقل واللغة، لم يكن هذا منهم تحكُّمًا.
بل هذا هو التحكُّم بعينه؛ لأن العقل الذي يعتمدون عليه هو العقل القاصر الذي لا يستطيع التوفيق بين العقل والنص؛ فالعقل الصريح لا يخالف أبدًا النقل الصحيح، وقد ألف شيخ الإسلام كتابًا كبيرًا في هذه المسألة، رد فيه على المعتزلة وأضرابهم، وهو كتابه المشهور «درء تعارض العقل والنقل».
وإذا تأمل الإنسان أقوال المعتزلة تبين أنها مخالفة لبديهة العقل، قال الإمام أبو طاهر الإسفراييني الأشعري (ت: 471): «الباب الخامس في تفصيل مقالات المعتزلة القدرية وبيان فضائحهم. قد بينَّا قبل أنهم ينقسمون إلى عشرين فرقة، فمما اتفق عليه جميعهم من مساوئ فضائحهم نفيهم صفات الباري جل جلاله حتى قالوا: إنه ليس له سبحانه علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا بقاء ... هذا قولهم في صانع العالم، وبديهة العقل تقتضي فساده؛ لإحاطة العلم باستحالة كون من لا علم له ولا قدرة له ولا سمع له ولا بصر له صانعًا للعالم ومدبرًا للخليقة»().
بل ذهب الإمام أبو حامد الغزالي (ت: 505) -وهو أشعري أيضًا- إلى أن مغالاة المعتزلة في الاعتداد بالعقل في مخالفة الشرع هو من خبث ضمائرهم، فقال رحمه الله: «إن من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرُّف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر»().
وقال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي (ت: 543) في معرض كلامه عن بدعة من بدع المعتزلة: «وإنما أنشأ هذا حثالة المعتزلة، وكلهم حثالة؛ لإضمارهم الإلحاد، قصد إيقاع التشكيك والإلباس على الخلق في الحقائق؛ ليتذرعوا بهذه الطريقة إلى مقصدهم الفاسد»().
وأما اعتمادهم على اللغة فتحكُّم أيضًا؛ فإنهم لما اعتقدوا اعتقاداتهم الباطلة المخالفة لإجماع المسلمين، بسبب مطالعتهم لكتب فلاسفة اليونان وغيرهم، أرادوا أن يجدوا حجة يحتجون بها على مخالفيهم من أهل السنة، كالغرقى يتعلقون بكل عود ضعيف أو قوي، فوجدوا في العربية بغيتهم لاتساعها، فتمسكوا منها بوجوه ضعيفة بل مكذوبة، أو وجوه صحيحة قد أجمع أهل السنة على أنها غير مرادة من النصوص الشرعية، وستأتي أمثلة على ذلك قريبًا إن شاء الله.
ثانيًا: زعم الباحث أن المعتزلة وغيرهم في اعتمادهم على العقل واللغة، لم يكن هذا منهم إعراضًا عن الأحاديث تشهِّيًا.
بل قد أعرضوا عنها تشهيًّا؛ فردوا أكثر الأحاديث النبوية، أما المتواتر منها فردوا معظمها، وأما الآحاد فردوها كلها، والقليل الذي قبلوه سلَّطوا عليه آلة التحريف والتعطيل؛ ليوافق أهواءهم وبدعهم التي ابتدعوها، بل قدحوا في القرآن، وقالوا: إن نصوصه لا تفيد اليقين، وقدَّموا عقولهم عليه، وقالوا: إنه مخلوق. أيوجد تشهٍّ أكثر من هذا؟!
قال الإمام قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني (ت: 535): «ظهرت المعتزلة فقدحت في كتاب الله، وقالت بخلق القرآن، وقدحت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: لا تصح. وسموا أصحاب الحديث حشوية ...»().
ثالثًا: أما زعمه أن المعتزلة في اعتمادهم على العقل واللغة، لم يكن هذا منهم انتقاصًا من قدر السلف.
كلا، والله؛ فإنهم من أعظم الناس انتقاصًا من قدر السلف؛ فقد ضلَّلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنهم لا تجوز شهادتهم، قال الإمام يونس بن عبيد (ت: 139): «فتنة المعتزلة على هذه الأمة أشد من فتنة الأزارقة()؛ لأنهم يزعمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلوا، وأنهم لا تجوز شهادتهم لما أحدثوا من البدع، ويكذِّبون بالشفاعة والحوض، وينكرون عذاب القبر، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، ويجب على الإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا نفاهم من ديار المسلمين»().
وقال الإمام الشهرستاني (ت: 548) في معرض حديثه عن اعتقاد واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة: «قوله في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين: إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه، وقد عرفتَ قوله في الفاسق.
وأقل درجات الفريقين ألا يُقبل شهادتهما كما لا تُقبل شهادة المتلاعنين؛ فلا يجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل، وجوَّز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ. هذا قوله -وهو رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة- في أعلام الصحابة وأئمة العترة.
ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه، وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لا بعينه، بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره، أو طلحة والزبير لم تُقبل شهادتهما، وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار»().
وعمرو بن عبيد هذا رأس كبير من رءوس المعتزلة، وردت عنه أقوال كثيرة في سبِّ الصحابة وأئمة السلف، قال الإمام ابن العماد الحنبلي: «وكانت له جرأة؛ فإنه قال عن ابن عمر: هو حشوي. فانظر هذه الجرأة والافتراء، عامله الله بعدله»().
وقال معاذ العنبري: سمعت عمرو بن عبيد يقول -وذكر حديث الصادق المصدوق- فقال: «لو سمعتُ الأعمش يقول هذا لكذَّبتُه، ولو سمعتُ زيد بن وهب يقول هذا ما أحببتُه، ولو سمعتُ عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلتُه، ولو سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددتُه، ولو سمعتُ الله تعالى يقول هذا لقلتُ له: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا»().
وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان: «قلتُ لعمرو بن عبيد: كيف حديث الحسن عن سمرة في السكتتين؟ قال: ما تصنع بسمرة؟! قبَّح الله سمرة»().
وقال شيخ الإسلام: «والمعتزلة تفسِّق من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعن في كثير منهم، وفيما روَوْه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم، بل تكفِّر أيضًا من يخالف أصولهم التي انتحلوها من السلف والخلف، فلهم من الطعن في علماء السلف وفي علمهم ما ليس لأهل السنة والجماعة»().
فسبُّ المعتزلة للسلف وانتقاصهم لهم ذائع مشهور، فالمعتزلة قد أعرضوا عن طريق السلف في تفسير القرآن؛ لأنهم لا يرون للسلف الصالح عليهم فضلًا، وينسبونهم إلى الجهل وقصور العلم، لا لأنهم اعتقدوا مركزية اللغة، كما يقول الباحث الفاضل، ومن قرأ شيئًا عن مذهب المعتزلة وأصولهم وتأويلاتهم عَلِم ذلك عِلْم اليقين، فلا أدري كيف خفي هذا على الباحث الفاضل؟!
رابعًا: زعمه أن المعتزلة وغيرهم من الفِرق قد اعتمدوا على اللغة والعقل وأعرضوا عن الأحاديث النبوية والآثار السلفية؛ لاعتقادهم مركزية اللغة في فهم النص القرآني.
وهذا باطل؛ لأن من المعلوم عنهم أنهم لما اعتقدوا أمورًا باطلة مخالفة لإجماع المسلمين، أرادوا أن يجدوا لهم حجةً في ذلك، ففسَّروا النصوص وفق اعتقاداتهم الباطلة، مستعينين بأوهى الوجوه في العربية، أو بوجوه صحيحة غير مرادة من النصوص، لا كما يقول الباحث: «لاعتقادهم مركزية اللغة في فهم النص القرآني»!
قال الإمام ابن قتيبة اللغوي الأديب (ت: 276) في معرض حديثه عن المعتزلة القدرية: «ولما اطَّرد لهم القول على ما أصَّلوا ورأوه حسن الظاهر قريبًا من النفوس، يروق السامعين، ويستميل قلوب الغافلين، نظروا في كتاب الله فوجدوه ينقض ما قاسوا ويُبطل ما أسَّسوا، فطلبوا له التأويلات المستكرهة والمخارج البعيدة، وجعلوه عويصًا وألغازًا، وإن كانوا لم يقدروا من تلك الحِيل على ما يصح في النظر ولا في اللغة»().
وقال الإمام أبو سعيد الدارمي (ت:280) في ردِّه على بشر المريسي: «ونحن قد عرفنا -بحمد الله تعالى- من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول: لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن نعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر، فنصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج.
وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تُصرف معانيها إلى العموم، حتى يأتي متأوِّل ببرهان بيِّن أنه أريد بها الخصوص؛ لأن الله تعالى قال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} فأثبتُه عند العلماء: أعمه وأشده استفاضة عند العرب، فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين»().
وقال شيخ الإسلام: «وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلي إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات»().
وما زال العلماء -ومنهم علماء العربية أنفسهم- ينكرون على المعتزلة والجهمية وأشباههم تفسيراتهم المخالفة للسلف وللعربية معًا، ويقولون إنهم فعلوا ذلك لأجل مذهبهم الباطل، فمن أمثلة ذلك:
قال الإمام الأصمعي: «جاء عمرو بن عبيد -وهو رأس من رءوس المعتزلة- إلى أبي عمرو بن العلاء (ت: 154) فقال: يا أبا عمرو يخلف الله وعده؟ قال: لا. قال: أفرأيتَ إن وعده الله على عملٍ عقابًا يخلف وعده؟
فقال أبو عمرو بن العلاء: من العُجمة أُتيتَ يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد؛ إن العرب لا تَعُدُّ خُلْفًا ولا عارًا أن تَعِدَ شرًّا ثم لا تفعله، ترى ذاك كرمًا وفضلًا، إنما الخُلْف أن تَعِدَ خيرًا ثم لا تفعله. قال: فأوجدني هذا في كلام العرب، قال: أما سمعتَ إلى قول الأول:
ولا يرهبُ ابنُ العمِّ ما عشتُ صَولتي
وإني وإن أوعدتُه أو وعدتُه


ولا أختبي من خشية المُتهدِّدِ
لمُخلف إيعادي ومُنجِز موعدي»()



وقال أبو سليمان داود بن علي الظاهري: «كنا عند ابن الأعرابي -(ت: 231)- فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر عز وجل، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى. قال: اسكت ما أنت وهذا؟ لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:
ألَا لِمِثلِك أو مَن أنت سابقُه


سَبْقَ الجَوَادِ إذا استولى على الأمدِ»()


وذكر محمد بن أحمد بن النضر أن ابن أبي دؤاد المعتزلي سأل ابن الأعرابي: أتعرف في اللغة: استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا أعرف().
وقال الإمام ابن قتيبة (ت: 276): «وقالوا في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]: إنه استولى. وليس يُعرف في اللغة استويت على الدار: أي استوليت عليها، وإنما استوى في هذا المكان: استقر»().
وقال الإمام الخطابي (ت: 388): «وزعم بعضهم أن الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء، ونزع فيه إلى بيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله، ولو كان الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة، لأن الله تعالى قد أحاط علمه وقدرته بكل شيء وكل قطر وبقعة من السماوات والأرضين وتحت العرش، فما معنى تخصيصه العرش بالذكر، ثم إن الاستيلاء إنما يتحقق معناه عند المنع من الشيء، فإذا وقع الظفر به قيل: استولى عليه. فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده؟!».
ونقل ذلك الإمام ابن القيم ثم قال: «هذا لفظه وهو من أئمة اللغة»().
وقال الإمام أبو سعيد الدارمي رحمه الله: «وأما دعواك أيها المريسي في قول الله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] فزعمت تفسيرهما: رزقاه؛ رزق موسع ورزق مقتور، ورزق حلال ورزق حرام. فقوله { يَدَاهُ} عندك: رزقاه.
فقد خرجت بهذا التأويل من حد العربية كلها، أو من حد ما يفقهه الفقهاء ومن جميع لغات العرب والعجم، فممن تلقفته؟ وعمن رويته من أهل العلم بالعربية والفارسية؟ فإنك جئت بمحال لا يعقله أعجمي ولا عربي، ولا نعلم أحدًا من أهل العلم والمعرفة سبقك إلى هذا التفسير، فإن كنتَ صادقًا في تفسيرك هذا فأثِره من صاحب علم أو صاحب عربية، وإلا فإنك مع كفرك بهما من المدلسين»().
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري (ت: 324): «ومما يُبطل قول المعتزلة: إن الله عز وجل أراد بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة: 23] نظر الانتظار. أنه قال: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ونظر الانتظار لا يكون مقرونًا بقوله: {إِلَى}؛ لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار: «إلى»، ألا ترى أن الله تعالى لما قال: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 49] لم يقل: «إلى»؛ إذ كان معناه الانتظار، وقال عز وجل مخبرًا عن بلقيس: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35]، فلما أرادت الانتظار لم تقل: «إلى» ...»().
وقال الإمام أبو الليث السمرقندي (ت: 373): «وقال بعضهم: معنى قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] أي يسميه ضالًّا، كما يقال: فسَّقتُ فلانًا، أي: سمَّيتُه فاسقًا؛ لأن الله تعالى لا يضل به أحدًا، وهذا طريق المعتزلة، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين، وهو غير مستعمل في اللغة أيضًا؛ لأنه يقال: ضلَّله إذا سمَّاه ضالًّا، ولا يقال: أضله إذا سمَّاه ضالًّا، ولكن معناه ما ذكره المفسرون: أنه يخذل به كثيرًا من الناس مجازاة لكفرهم»().
وقال الإمام مكي بن أبي طالب (ت: 437): «وقد قالت المعتزلة: إن معنى: {أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]: أن يهلككم. وكذبوا على الله سبحانه، وعلى لغة العرب. ولو كان الأمر كما قالوا، لكان معنى قوله: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]: من الهلاك، وهذا لا معنى له. إنما هو الضلال، الذي هو نقيض الرشد»().
وقال الإمام اللغوي ابن مالك الطائي (ت: 672): «ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بـ «لن»، وهو الزمخشري في «أنموذجه»، وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يُرى.
وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني: ثبوت الرؤية. جعلنا الله من أهلها، وأعاذنا من عدم الإيمان بها»().
وقال علاء الدين الخازن (ت: 741): «وقد تمسَّك مَن نفى الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية، وهو قوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] قالوا: لن تكون للتأبيد والدوام. ولا حجة لهم في ذلك ولا دليل، ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ولا سنة، وما قالوه في أن «لن» تكون للتأبيد خطأ بيِّن، ودعوى على أهل اللغة؛ إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل اللغة والعربية، ولم يقل به أحد منهم»().
وبهذا يتبين بطلان قول الباحث (ص: 64): «مع كوننا لا نُسلِّم بأن اعتماد المعتزلة كان على هذا النمط الواهي من اللغة، كما تقدم التنبيه عليه في التمهيد»!
خامسًا: زعمه أنه إذا كان المعنى القرآني المأخوذ من الآي سبيل تحصيله اللغة، فلا معنى لرجوع من حصَّلها إلى غيره ليفهمه أمرًا يستطيع فهمه بنفسه، هذا بخلاف ما لا يُدرك معناه إلا بالنقل المحض، فهذا لا يختلف المعتزلة وغيرهم من المتكلِّمين في الرجوع فيه إلى الأحاديث والآثار.
وهذا باطل أيضًا؛ لأن المعروف المشهور عن المعتزلة وغيرهم من أهل البدع أنهم لا يرجعون فيما لا يُدرك إلا بالنقل المحض لا إلى الأحاديث ولا إلى الآثار، فآيات العقائد التي فيها إثبات الصفات، والقدر، والشفاعة، ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ونحوها، كلها لا تدرك إلا بالنقل المحض، ومع ذلك لم يرجع المعتزلة فيها لا إلى الأحاديث ولا إلى الآثار، كما هو معلوم مشهور عنهم، حكاه عنهم أهل السنة والأشاعرة معًا.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري (ت: 324): «فإن كثيرًا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلًا لم ينزل به الله سلطانًا، ولا أوضح به برهانًا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين.
وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله عز وجل بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار، وتتابعت بها الأخبار.
وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين.
وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يُعذَّبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين»().
وقال الإمام الآجري (ت: 360): «اعلموا -رحمكم الله- أن المنكر للشفاعة يزعم أن من دخل النار فليس بخارج منها، وهذا مذهب المعتزلة يكذِّبون بها وبأشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى، مما لها أصل في كتاب الله عز وجل، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنن الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، وقول فقهاء المسلمين.
فالمعتزلة يخالفون هذا كله، لا يلتفتون إلى سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إلى سنن أصحابه رضي الله عنهم، وإنما يعارضون بمتشابه القرآن، وبما أراهم العقل عندهم، وليس هذا طريق المسلمين، وإنما هذا طريق من قد زاغ عن طريق الحق، وقد لعب به الشيطان»().
وقال الإمام المازري الأشعري (ت: 536) في معرض تقريره أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن المعاصي قضاها الله وقدرها: «... قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] أخبر سبحانه وتعالى عن النفس وما فعل فيها، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في كتاب مسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» مطابق لقول الأشعرية في هذا، وكذلك قوله: «جاء قوم مشركون يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم في القدر فنزل: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [القمر: 48، 49] وهكذا الأحاديث كلها مطابقة لقول أهل الحق، وإنما سُميت الأشعرية أهل السنة لاتباعهم السنة هكذا وموافقتهم لها.
والمعتزلة تتجاسر على ردها، وتصغي إلى شبهة تقع في عقولها، فيهون عليها معها ركوب العظائم، من رد السنن الواردة، والازدراء على رواتها، وتكذيب الثقات من المحدثين. وهذا مجانب لفعل أهل التحصيل والدين، أعاذنا الله من ضلالة الملحدين»().
هذا آخر ما تيسر إيراده في هذه «الطليعة»، وأسأل الله تعالى أن ييسِّر إكمال بقية النقد في أقرب وقت، والحمد لله رب العالمين.

أحمد الحساينة السلفي
13-11-18, 09:40 AM
هذا البحث في ملف بصيغة pdf